Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 23 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Ithar al-haqq 'ala al-khalq fi radd al-khilafat ila al-madhhab al-haqq min usul al-tawhid إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد

Ithar al-haqq 'ala al-khalq fi radd al-khilafat ila al-madhhab al-haqq min usul al-tawhid

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Ibn al-Wazir (ابن الوزير
23
Total sections
23 chapters
#21 Chapter 21 — فصل في ذكر من يقول بالرجاء ومن يقول بالارجاء والفرق بينهما · ref. #21
Ithar al-haqq 'ala al-khalq fi radd al-khilafat ila al-madhhab al-haqq min usul al-tawhid
Arabic text Aqeedah
فصل فِي ذكر من يَقُول بالرجاء وَمن يَقُول بالارجاء وَالْفرق بَينهمَا
ثمَّ إِن القَوْل بالرجاء مَشْهُور فِي كل مَذْهَب ذكره الْحَاكِم فِي شرح الْعُيُون عَن جمَاعَة من الْمُعْتَزلَة وَذكر أَن المعتزلي لَيْسَ هُوَ الَّذِي لَا يَقُول بذلك وَنسب مَا يَقْتَضِي ذَلِك إِلَى زيد بن عَليّ ﵇ فِي تَرْجَمَة لَهُ غير تَرْجَمته المبسوطة وَتقدم شهرة ذَلِك أَو تواتره عَن عَليّ ﵇ لروايته عَنهُ من بضعَة عشر طَرِيقا
وَفِي تذكرة القَاضِي شرف الدّين الْحسن بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ عَن زيد بن عَليّ مَا يدل على ذَلِك وَهُوَ قَوْله بِالصَّلَاةِ على الْفَاسِق وَفِي اللمع فِي الصَّلَاة على الملتبس حَاله إِن الْمُصَلِّي عَلَيْهِ يَقُول فِي الدُّعَاء لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ محسنا فزده إحسانا وَإِن كَانَ مسيئا فَأَنت أولى بِالْعَفو عَنهُ وَهَذَا تَجْوِيز للعفو عَنهُ بل تَحْسِين لَهُ وترجيح لَا يُوَافق قَول الوعيدية بل هُوَ عين الرَّجَاء وَلذَلِك اعْتَرَضَهُ بعض الوعيدية الْمُتَأَخِّرين وَفِي التَّذْكِرَة أَيْضا أَن الارجاء لَيْسَ بِكفْر وَلَا فسق ذكره حَيْثُ ذكر أَن المبتدع بِمَا لَا يتَضَمَّن الْكفْر وَالْفِسْق مَقْبُول الشَّهَادَة وَمثل ذَلِك بالارجاء مَعَ أَن الارجاء غير الرَّجَاء فان الارجاء عِنْد أهل السّنة مَذْمُوم وَإِن لم يَصح فِي ذمه حَدِيث
وَقَالَ الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فِي الْكَلَام فِي التَّكْفِير فِي الْمَسْأَلَة السَّابِعَة مَا لَفظه لم تكفر شُيُوخنَا المرجئة لأَنهم يوافقونهم فِي جَمِيع قَوَاعِد الاسلام لكِنهمْ قَالُوا عني الله بآيَات الْوَعيد الْكَفَرَة دون بعض الفسقة أَو التخويف دون التَّحْقِيق وَإِن ذَلِك لَيْسَ بِكفْر اه وَذكر نَحْو ذَلِك الْحَاكِم فِي شرح الْعُيُون وَذكره نَحوه القَاضِي عبد الله بن حسن الدواري فِي
تَعْلِيقه على الْخُلَاصَة وَقيل فِي تَوْجِيه ذَلِك أَن مَعْنَاهُ أَنه لَا خلاف أَن الْوَعيد مَشْرُوط لَكِن عِنْد الوعيدية أَنه مَشْرُوط بِعَدَمِ التَّوْبَة من الْمعاصِي لَا سَوَاء وَعند أهل السّنة بِعَدَمِ التَّوْبَة أَو عدم الْعَفو وَعند المرجئة بِعَدَمِ الاسلام وَلَا قَائِل مِنْهُم بتجويز الْكَذِب أَلا ترى أَن عُلَمَاء التَّفْسِير وعلماء الاسلام قد يَخْتَلِفُونَ فِي بعض مَا أخبر الله عَنهُ أَنه يَفْعَله لاختلافهم فِي توقف ذَلِك الْخَبَر على شَرط مُنْفَصِل كَمَا اخْتلفُوا فِي انزال الْمَائِدَة مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ من غير تَجْوِيز كذب على الله تَعَالَى كَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ كتب التَّفْسِير وَالله تَعَالَى أعلم بل قد وعد الله الداعين بالاجابة فِي كِتَابه ووردت السّنة بِشُرُوط فِي ذَلِك مِنْهَا أَن لَا يعجل الدَّاعِي وَيَقُول قد دَعَوْت فَلم أجب وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَن الْوَعْد يتَوَقَّف على شَرط فِي كثير كوعد من أقْرض الله قرضا حسنا بالمغفرة والمضاعفة فانه لابد فِيهِ من شَرط الْمَوْت على الاسلام اجماعا فَلذَلِك لم يكن القَوْل بتوقيف الْوَعيد على شَرط مُنْفَصِل كفرا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نِسْبَة قَبِيح إِلَى الله تَعَالَى
وَيدل على قَول أهل السّنة أَن الْوَعيد مَشْرُوط بِعَدَمِ التَّوْبَة وَعدم الْعَفو جَمِيعًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَهِي أخص من قَوْله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَأبين فَيجب تقييدها بِعَدَمِ الْعَفو مثل تقييدها بِعَدَمِ التَّوْبَة سَوَاء وخاصة مَعَ مَا ورد بتفسيرها بذلك من حَدِيث عَليّ ﵇ وَفِي تَفْسِير من يعْمل سوءا يجز بِهِ من حَدِيث أبي بكر ﵁ وَمَا صَحَّ وتواتر من قَول الله تَعَالَى الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو وَالله أعلم
وَمِمَّنْ روى عَنهُ الارجاء من الْمُعْتَزلَة فِي كتب الْمُعْتَزلَة مُحَمَّد بن شبيب وغيلان الدِّمَشْقِي رَأس الاعتزال ومويس بن عمرَان وَأَبُو شمر وَصَالح قبه وَالرَّقَاشِيُّ واسْمه الْفضل بن عِيسَى والصالحي واسْمه صَالح بن عَمْرو والخالدي وَغَيرهم ذكرهم القَاضِي فِي تَعْلِيق الْخُلَاصَة وَزَاد الشهرستاني
مَعَ هَؤُلَاءِ من الْمُعْتَزلَة بشار بن عتاب المريسي والغياثي وَقَالَ القَاضِي فِي تعدادهم وَمن الْفُقَهَاء الْقَائِلين بِالْعَدْلِ سعيد بن جُبَير وَحَمَّاد بن سُلَيْمَان وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأَبُو الْقَاسِم البستي من أَصْحَاب الْمُؤَيد بِاللَّه وَهُوَ مَذْهَب الامام الدَّاعِي إِلَى الله تَعَالَى من أَئِمَّة الزيدية ذهب اليه وَاعْترض عَلَيْهِ بِهِ
وَرَوَاهُ عَنهُ السَّيِّد صَلَاح ابْن الْجلَال رَحمَه الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ غير الامام الدَّاعِي من الزيدية مثل الْفَقِيه مُحَمَّد بن حسن السودي الصَّالح وَالسَّيِّد الْعَلامَة دَاوُد بن يحيى والفقيه الْعَلامَة عَليّ بن عبد الله بن أبي الْخَيْر وَغَيرهم مِمَّن عاصرته وأدركته
وَفِي الْجَامِع الْكَافِي على مَذْهَب الزيدية عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه قَالَ الْمُؤمن المذنب لله تَعَالَى فِيهِ الْمَشِيئَة إِن غفر لَهُ فبفضله وَإِن عذبه فبعدله قلت فَهَذَا رَجَاء لَا ارجاء والرجاء مَذْهَب أهل السّنة وَالسَّلَف وَفِي كتب الرِّجَال نِسْبَة الارجاء المذموم إِلَى جمَاعَة من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من الثِّقَات الرفعاء مِنْهُم ذَر بن عبد الله الْهَمدَانِي أَبُو عَمْرو التَّابِعِيّ حَدِيثه فِي كتب الْجَمَاعَة كلهم وَقَالَ أَحْمد هُوَ أول من تكلم فِي الارجاء وَأَيوب بن عَائِذ الطَّائِي حَدِيثه خَ م ت د وَسَالم بن عجلَان الافطس فِي (خَ د س ق) وَكَانَ دَاعِيَة إِلَى الارجاء وشبابة بن سوار أَبُو عَمْرو الْمَدِينِيّ وَكَانَ دَاعِيَة وَقيل أَنه رَجَعَ عَنهُ وَابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو يحيى الْحمانِي الْكُوفِي حَدِيثه عِنْد خَ م ت ق وَكَانَ دَاعِيَة إِلَى ذَلِك وَعُثْمَان بن غياث الرَّاسِبِي الْبَصْرِيّ فِي خَ م د س وَعَمْرو بن ذَر الهمذاني الْكُوفِي من كبار الزهاد والحافظ وَكَانَ رَأْسا فِي الارجاء حَدِيثه فِي خَ ت د س وَعَمْرو بن مرّة الْجملِي أحد الاثبات من كبار التَّابِعين حَدِيثه عِنْد الْجَمَاعَة كلهم وابراهيم بن طهْمَان الْخُرَاسَانِي أحد الائمة حَدِيثه عِنْدهم وَقيل رَجَعَ وَمُحَمّد بن خازم أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير أثبت أَصْحَاب الاعمش حَدِيثه عِنْدهم وورقاء بن عَمْرو الْكُوفِي الْيَشْكُرِي حَدِيثه عِنْدهم وَيحيى بن صَالح الوحاظي الْحِمصِي حَدِيثه عِنْد خَ م ت د ق وَعبد الْعَزِيز بن أبي رواد الْحِمصِي خرج لَهُ الاربعة وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فَهَؤُلَاءِ مِمَّن ذكره ابْن حجر فِي مُقَدّمَة شرح البُخَارِيّ والذهبي فِي الْمِيزَان فَكيف لَو تتبع سَائِر الروَاة من كتب الرِّجَال الحافلة فَلَقَد ذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة هِشَام ابْن
حسان من الْمِيزَان على هدبة بن خَالِد أحد رجال البُخَارِيّ وَمُسلم أَنه يَقُول عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج على جلالته أَنه يرى الارجاء دع عَنْك الرَّجَاء بل ذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة الْفضل بن دُكَيْن عَن ابْن معِين أَن الْفضل إِذا قَالَ فِي رجل كَانَ مرجئا فانه صَاحب سنة لَا بَأْس بِهِ وَإِذا أثنى على رجل أَنه جيد فَهُوَ شيعي قَالَ الذَّهَبِيّ هَذَا القَوْل من يحيى يدل على أَنه كَانَ مائلا إِلَى الارجاء وَهُوَ خير من الْقدر بِكَثِير
قلت وَهُوَ يحْتَمل ان ابْن معِين يَعْنِي أَن الْفضل كَانَ يُسَمِّي الرَّجَاء ارجاء تحاملا على أهل السّنة أَو عدم معرفَة بِالْفرقِ بَينهمَا كَمَا هُوَ عمل كثير من الْمُتَأَخِّرين بل هَذَا الِاحْتِمَال أقوى والالزم أَن يكون ابْن معِين يعْتَقد أَن الارجاء مَذْهَب أهل السّنة كلهم وَهَذَا بَاطِل بِالضَّرُورَةِ فقد رد كل وَاحِد من أهل دواوين الاسلام السِّتَّة على المرجئة فِي كتبهمْ الْمَشْهُورَة
وَأما أول من تكلم فِيهِ فَقيل ذَر بن عبد الله كَمَا تقدم عَن أَحْمد وَقيل الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة كَمَا فِي الْملَل والنحل وَفِي تَهْذِيب الْمزي وَفِي غَيرهمَا وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن مَسْعُود مَا يَقْتَضِي أَنه تكلم فِيهِ فان فيهمَا عَنهُ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله كلمة وَقلت الثَّانِيَة قَالَ من مَاتَ يُشْرك بِاللَّه دخل النَّار وَقلت من مَاتَ لَا يشر بِاللَّه دخل الْجنَّة وَفِي رِوَايَة فيهمَا أَنه يرفع ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ وَآله ذكرهمَا ابْن الْأَثِير فِي جَامعه وَنسب ذَلِك الشهرستاني إِلَى سعيد بن جُبَير وَجَمَاعَة غير من ذكرت هُنَا وَالله أعلم من يَصح عَنهُ الارجاء وَمن غلط عَلَيْهِ فِي تَسْمِيَة الرَّجَاء ارجاء فان الرَّجَاء هُوَ القَوْل بَان الله تَعَالَى لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء على الاجمال فِي المغفور لَهُم لَا فِي المغفور كَمَا أوضحته فِي العواصم وجودت الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فِي أَكثر من كراس كَبِير
وَأما الارجاء فَهُوَ القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يغْفر مَا دون ذَلِك لأهل التَّوْحِيد قطعا وحملوا وحملوا الْأَحْمَال على أَنه جَاءَ لاخراج مغْفرَة الْكَبَائِر الَّتِي دون الشّرك للْمُشْرِكين فانه لَو لم يجمل ذَلِك بِالشّرطِ الْمَذْكُور لزم ذَلِك وَزَعَمُوا أَن بَيَان ذَلِك ورد فِي السّنة وَأَن الْخَوْف صَحِيح وَلَكِن زَعَمُوا أَنه لسوء الخاتمة
وَخَوف الْمَوْت على غير الاسلام وَهَذَا القَوْل الَّذِي قَالُوهُ اسراف فِي القَوْل وَيخَاف مِنْهُ أَن يُقَوي جَانب الامان كَمَا أَن قَول الوعيدية يخَاف مِنْهُ أَن يُقَوي جَانب الْقنُوط وَخير الْأُمُور أوساطها وَالَّذِي جَاءَ فِي السّنة مِمَّا يَقْتَضِي مَذْهَب الارجاء معَارض بِأَحَادِيث الشَّفَاعَة وفيهَا التَّصْرِيح بِدُخُول عصاة الْمُوَحِّدين النَّار ثمَّ بخروجهم مِنْهَا بالشفاعة وَالْجمع بَينهَا وَبَين تِلْكَ الْأَحَادِيث مَذْكُور فِي العواصم فقد جَاءَت هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهِ فِي مُجَلد ونسأل الله تَعَالَى أوفر حَظّ وَنصِيب من خَوفه ورجائه وطاعته وفضله الْعَظِيم وَرَحمته الواسعة السَّابِقَة الْغَالِبَة الَّتِي كتبهَا على نَفسه أَنه هُوَ الغفور الرَّحِيم
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة فِي الْوَلَاء والبراء والتكفير والتفسيق وَمَا يتَعَلَّق بذلك على طَرِيق الِاخْتِصَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ ويدخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ وَهِي من قَوَاعِد هَذَا الْبَاب والدواعي إِلَى الْمُحَافظَة عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ﴾ وَصَحَّ بِلَا خلاف حَدِيث الْمَرْء مَعَ من أحب وشواهده وطرقه كَثِيرَة
وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث أبي ذَر مَرْفُوعا أفضل الاعمال الْحبّ فِي الله تَعَالَى والبغض فِي الله تَعَالَى وللحاكم من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا الشّرك فِي هَذِه الامة أخْفى من دَبِيب النَّمْل وَأَدْنَاهُ أَن يحب على شَيْء من الْحور وَيبغض على شَيْء من الْعدْل وَهل الدّين إِلَّا الْحبّ والبغض رَوَاهُ الْحَاكِم فِي تَفْسِير آل عمرَان من الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح الاسناد وَفِي مُسْند الْبَراء من مُسْند أَحْمد حَدثنَا اسماعيل هُوَ ابْن ابراهيم بن علية قَالَ حَدثنَا لَيْث عَن عَمْرو بن مرّة عَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بن مقرن عَن الْبَراء ابْن عَازِب قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي ﷺ وَآله فَقَالَ أَي عرى الاسلام
أوثق قَالُوا الصَّلَاة قَالَ حَسَنَة وَمَا هِيَ بهَا قَالُوا الزَّكَاة قَالَ حَسَنَة وَمَا هِيَ بهَا قَالُوا صِيَام رَمَضَان قَالَ حسن وَمَا هُوَ بِهِ قَالُوا الْحَج قَالَ حسن وَمَا هُوَ بِهِ قَالُوا الْجِهَاد قَالَ حسن وَمَا هُوَ بِهِ قَالَ إِن أوثق عرى الاسلام أَن تحب فِي الله وَتبْغض فِي الله ﷿
وَفِي هَذَا فروع مفيدة الاول أَن هَذَا كُله فِي الْحبّ الَّذِي هُوَ فِي الْقلب وخالصة لأجل الدّين وَذَلِكَ للْمُؤْمِنين الْمُتَّقِينَ بالاجماع وللمسلمين الْمُوَحِّدين إِذا كَانَ لأجل اسلامهم وتوحيدهم عِنْد أهل السّنة كَمَا يَأْتِي وَأما الْمُخَالفَة والمنافعة وبذل الْمَعْرُوف وكظم الغيظ وَحسن الْخلق واكرام الضَّيْف وَنَحْو ذَلِك فَيُسْتَحَب بذله لجَمِيع الْخلق إِلَّا مَا كَانَ يَقْتَضِي مفْسدَة كالذلة فَلَا يبْذل لِلْعَدو فِي حَال الْحَرْب كَمَا اشارت اليه الْآيَة ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين﴾ كَمَا يَأْتِي وَأما التقية فَتجوز للخائف من الظَّالِمين القادرين وَأما الْفرق بَين مَا يجوز من المنافعة والمداهنة وَمَا لَا يجوز من الرِّيَاء فَمَا كَانَ من بذل المَال وَالْمَنَافِع فَهُوَ جَائِز وَهُوَ المنافعة وَرُبمَا عبر عَنهُ بالمداهنة والمداراة والمخالفة وَمَا كَانَ من أَمر الدّين فَهُوَ الرباء الْحَرَام وَيَأْتِي مَا يدل على ذَلِك فِي الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَمن كَلَام الامام الدَّاعِي إِلَى الله تَعَالَى يحيى بن المحسن ﵇ فِي الرسَالَة المخرسة لأهل الْمدرسَة لَا يجوز أَن تكون الْمُوَالَاة هِيَ الْمُتَابَعَة فِيمَا يُمكن التَّأْوِيل فِيهِ لِأَن كثيرا من أهل الْبَيْت ﵈ قد عرف بمتابعة الظلمَة لوجه يُوجب ذَلِك فَتَوَلّى النَّاصِر الْكثير مِنْهُم وَصلى بهم الْجُمُعَة جَعْفَر الصَّادِق وَصلى الْحسن السبط على جنائزهم وَأقَام عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا مَعَ الْمَأْمُون وَكثر جماعته وَتزَوج ابْنه مُحَمَّد ابْنة الْمَأْمُون وَغير ذَلِك وَالْوَجْه فِيهِ أَن الْفِعْل لَا ظَاهر لَهُ فتأويله مُمكن وَذكر الامام الْمهْدي مُحَمَّد بن المطهر ﵉ أَن الْمُوَالَاة الْمُحرمَة بالاجماع هِيَ مُوالَاة الْكَافِر لكفره والعاصي لمعصيته وَنَحْو ذَلِك
قلت وَهُوَ كَلَام صَحِيح وَالْحجّة على صِحَة الْخلاف فِيمَا عدا ذَلِك
أَشْيَاء كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي الْوَالِدين الْمُشْركين بِاللَّه ﴿وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين وَلم يخرجوكم من دِيَاركُمْ أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين وأخرجوكم من دِيَاركُمْ وظاهروا على إخراجكم أَن تولوهم وَمن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَفِي الحَدِيث أَنَّهَا نزلت فِي قتيلة أم أَسمَاء بعد آيَات التَّحْرِيم رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار والواحدي وتأخرهما وَاضح فِي سِيَاق الْآيَات وقرينة الْحَال مَعَ هَذَا الحَدِيث وَمَعَ حَدِيث ابْن عمر الْآتِي وَلَو لم يَصح تَأَخّر ذَلِك فِي هذَيْن الْحَدِيثين وَغَيرهمَا فالخاص مقدم على الْعَام عِنْد جهل التَّارِيخ عِنْد الْجُمْهُور وَرجحه ابْن رشيد فِي نهايته بالنصوصية على مَا هُوَ خَاص فِيهِ وَيدل عَلَيْهِ مَا ثَبت فِي الْقُرْآن وَالسّنة الصَّحِيحَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا من حَدِيث عَليّ ﵇ فِي قصَّة حَاطِب على مَا ذكره الله تَعَالَى فِي أول سُورَة الممتحنة وَذكره أهل الحَدِيث وَأهل التَّفْسِير جَمِيعًا فان رَسُول الله ﷺ وَآله قبل عذره بالخوف على أَهله فِي مَكَّة والتقية بِمَا لَا يضر فِي ظَنّه
فان قيل الْقُرْآن دَال على أَنه قد أذْنب لقَوْله ﴿وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ فَكيف يقبل مَا جَاءَ من قبُول عذره
قلت إِنَّمَا قبل عذره فِي بَقَائِهِ على الايمان وَعدم مُوالَاة الْمُشْركين لشركهم وَلذَلِك خاطبه الله بالايمان فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ والعموم نَص فِي سَببه فاتفق الْقُرْآن والْحَدِيث وَأما ذَنبه فانه لَا يحل مثل مَا فعله لأحد من الْجَيْش إِلَّا باذن أَمِيرهمْ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ﴾ الْآيَة وَلِأَن تَحْرِيم مثل ذَلِك بِغَيْر إِذن الْأَمِير إِجْمَاع وَمَعَ إِذْنه يجوز فقد أذن فِي أَكثر من ذَلِك لرَسُول الله ﷺ وَآله حِيلَة فِي حفظ المَال فَلَو كَانَ مثل ذَلِك مُوالَاة لم يَأْذَن فِيهِ ﷺ وَآله فَدلَّ
على أَن ذَنْب حَاطِب هُوَ الكتم لما فِيهِ من الْخِيَانَة لأنفس الْفِعْل لَو تجرد من الكتم والخيانة وَالله أعلم
وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فَأمره بِالْبَرَاءَةِ من عَمَلهم الْقَبِيح لَا مِنْهُم وَكَذَلِكَ تَبرأ النَّبِي ﷺ وَآله مِمَّا فعل خَالِد بن الْوَلِيد وَلم يبرأ مِنْهُ بل لم يعزله من امارته وَلِأَن الله تَعَالَى علل تَحْرِيم الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين بقوله ﴿من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فَكل ذَنْب يسْتَغْفر أَو نَحْو ذَلِك فِيهِ لم تلْزم لذنب الشّرك فِي ذَلِك حَتَّى احْتج بهَا بَعضهم على جَوَاز الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين قبل أَن يموتوا على الشّرك وتأولوا عَلَيْهِ حَدِيث اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فانهم كَانُوا جاهلين وَهُوَ فِي خَ م وحديثا آخر لعَلي ﵇ فِي تَأْوِيل اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم ﵇ لِأَبِيهِ كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ عَن ابْن عَبَّاس هم الَّذين مَنعهم أهلهم عَن الْهِجْرَة لما هَاجرُوا وَرَأَوا النَّاس قد فقهوا هموا أَن يعاقبوا أَهْليهمْ الَّذين منعوهم وَمن قَالَ كَانُوا مُشْرِكين فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهَا مَدَنِيَّة وَقد كَانَ حرم نِكَاح الكوافر وَفِيه نظر وَيدل عَلَيْهِ مَا تقدم فِي حَدِيث الْحبّ على شَيْء من الْجور والبغض على شَيْء من الْعدْل وَيدل عَلَيْهِ جَوَاز نِكَاح الفاسقة بِغَيْر الزِّنَا وفَاقا وَنِكَاح الْكِتَابِيَّة عِنْد الْجُمْهُور وَظَاهر الْقُرْآن يدل عَلَيْهِ وَفعل الصَّحَابَة وَمِنْه امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط وَقَوله للْكفَّار ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم﴾
وَمن هَا هُنَا أجَاز المشددون فِي الْوَلَاء والبراء أَن يحب العَاصِي لخصلة خير فِيهِ وَلَو كَافِرًا كَأبي طَالب فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وعَلى الآخر حب النَّبِي ﷺ وَآله لَهُ قبل إِسْلَامه وَهُوَ مَذْهَب الْهَادَوِيَّة وَيدل لَهُم فِي الْمُسلم حَدِيث شَارِب الْخمر الَّذِي نهى النَّبِي ﷺ وَآله عَن سبه بعد حَده وَقَالَ (لَا تعينُوا
الشَّيْطَان على أخيكم أما أَنه يحب الله وَرَسُوله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَكَذَلِكَ حَدِيث ضَمْضَم عَن أبي هُرَيْرَة فِي المتآخيين الْمُجْتَهد فِي الْعِبَادَة والمسرف على نَفسه كَمَا تقدم فِي الْمَسْأَلَة السَّابِعَة بل يدل عَلَيْهِ فِي حق أهل الاسلام قَوْله تَعَالَى ﴿وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ فَجعل الايمان بِاللَّه وَحده غَايَة يَنْقَطِع عِنْدهَا وجوب الْعَدَاوَة والبغضاء وَمِنْه اسْتِئْذَانه ﷺ وَآله فِي زِيَارَة قَبْرِي وَالِديهِ وزيارته لَهما وشفاعة إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فان الْبَاعِث على تخصيصهم بذلك هُوَ الْحبّ للرحامة وَمِنْه ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ ﴿فلعلك باخع نَفسك﴾ لشدَّة شفقته ورفقه وَمن ذَلِك حَدِيث ابْن عمر ﵁ قَالَ كُنَّا نمسك عَن الاسْتِغْفَار لأهل الْكَبَائِر حَتَّى سمعنَا ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ قَالَ يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَآله اني ادخرت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأهل الْكَبَائِر من أمتِي فأمسكنا عَن كثير مِمَّا كَانَ فِي أَنْفُسنَا ثمَّ نطقنا بعد ورجونا رَوَاهُ فِي مجمع الزَّوَائِد فِي موضِعين من خمس طرق أَحدهَا صَحِيح وَله شَاهد عَن ابْن مَسْعُود بل أَحَادِيث الشَّفَاعَة المتواترة تشهد لَهُ وَالله أعلم
فِيهِ وَفِي آيَة الممتحنة فَائِدَة نفيسة هِيَ أَن ذَلِك آخر الامرين إِن روى مَا يُعَارض هَذِه الْأَدِلَّة وَقد ذكرت فِي العواصم أَدِلَّة كَثِيرَة على تَأَخّر ذَلِك فِي أول مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد وَهِي مفيدة جدا ثمَّ وجدته قد ذكره النَّوَوِيّ وَقواهُ فِي شرح مُسلم ويعضده مَا نَص عَلَيْهِ من الْعَفو عَمَّن فر يَوْم أحد وَمن حَدِيث أهل الافك إِلَّا الَّذِي تولى كبره مِنْهُم لِأَنَّهُ عبد الله بن أبي بن سلول وَهُوَ مُنَافِق وَمِنْه حَدِيث مسطح ونزول الْآيَة فِيهِ وَمِنْه تَحْرِيم المشاحنة والمهاجرة بل جعلهَا كالشرك فِي منع الْمَغْفِرَة للمتهاجرين حَتَّى يصطلحا كَمَا صَحَّ ذَلِك من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَله شَوَاهِد كثير عَن أبي بكر وعَوْف بن مَالك وَعبد الله بن عمر ومعاذ وَأبي ثَعْلَبَة وَأُسَامَة وَابْن مَسْعُود وَجَابِر ذكرهَا الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد فِي شَحْنَاء الرجل على أَخِيه والاخ يُطلق على الْمُسلم لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فَسمى الْبَاغِي أَخا وَلقَوْل رَسُول الله ﷺ وَآله فِي الْمَحْدُود
فِي الْخمر لَا تعينُوا الشَّيْطَان على أخيكم كَمَا تقدم وَلِأَن الْعَمَل بذلك فِي أَحَادِيث الشحناء وَحُقُوق الْمُسلم على الْمُسلم هُوَ الْأَظْهر والأحوط مَا لم يؤد إِلَى الْفساد فِي الدّين والتهوين لمعاصي رب الْعَالمين وَيخرج من هَذَا أهل النِّفَاق بالنصوص والاجماع فَلذَلِك قَالَ أهل السّنة تجب كَرَاهَة ذَنْب المذنب العَاصِي وَلَا تجب كَرَاهَة الْمُسلم نَفسه بل يجب لاسلامه قلت حبا لَا يُوقع فِي مَعْصِيّة وَلَا يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة وَيكرهُ ذَنبه وَهُوَ قَول أَحْمد بن عِيسَى من أهل الْبَيْت ذكر مَعْنَاهُ عَنهُ صَاحب الْجَامِع الْكَافِي فِي ولَايَة عَليّ عَلَيْهِ أفضل السَّلَام
الْفَرْع الثَّانِي أَن يسير الِاخْتِلَاف لَا يُوجب التعادي بَين الْمُؤمنِينَ وَهُوَ مَا وَقع فِي غير المعلومات القطعية من الدّين الَّتِي دلّ الدَّلِيل على تَكْفِير من خَالف فِيهَا والاصل فِي الامور الْمُخْتَلف فِيهَا هُوَ عدم الْعلم الضَّرُورِيّ الَّذِي يكفر الْمُخَالف فِيهِ حَتَّى يدل الدَّلِيل على ذَلِك وَفِي إِثْبَات مسَائِل قَطْعِيَّة شَرْعِيَّة لَا ظنية وَلَا ضَرُورِيَّة خلاف وَالصَّحِيح أَنه لَا وَاسِطَة بَينهمَا مِثْلَمَا أَنه لَا وَاسِطَة بَين التَّوَاتُر وَالظَّن فِي الاخبار وفَاقا وعَلى هَذَا نقل التَّكْفِير والتأثيم وَالَّذِي يدل على أَنه مَعْفُو عَن يسير الِاخْتِلَاف وُجُوه
أَحدهَا أَنه وَقع بَين الْمَلَائِكَة ﵈ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملإ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون﴾ وَفِي حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم عَن الْخُدْرِيّ فِي حَدِيث الْقَاتِل مائَة نفس أَنَّهَا اختصمت فِيهِ مَلَائِكَة الرَّحْمَة وملائكة الْعَذَاب حَتَّى أرسل الله ملكا يحكم بَينهم
وَثَانِيها ثَبت فِي كتاب الله تَعَالَى حِكَايَة الِاخْتِلَاف بَين مُوسَى وَالْخضر وَبَين مُوسَى وَهَارُون وَبَين دَاوُد وَسليمَان وَهُوَ صَرِيح مَا نَحن فِيهِ لِأَن اخْتِلَافهمَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد فِي شَرِيعَة وَاحِدَة
وَثَالِثهَا مَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود قَالَ سَمِعت رجلا قَرَأَ آيَة وَسمعت رَسُول الله ﷺ وَآله يقْرَأ خلَافهَا فَأَخْبَرته فَعرفت فِي وَجهه الْكَرَاهَة فَقَالَ ﴿كلاكما محسن وَلَا تختلفوا فان من قبلكُمْ اخْتلفُوا فهلكوا
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَعَن عمر بن الْخطاب مثله فِي قَضيته مَعَ هِشَام بن حَكِيم رَوَاهُ الْجَمَاعَة كلهم وَلِهَذَا الْمَعْنى طرق جمة تَقْتَضِي تواتره ذكرتها فِي العواصم وَفِي خَ م س عَن جُنْدُب مَرْفُوعا اقرأوا الْقُرْآن مَا ائتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ فاذا اختلفتم فَقومُوا عَنهُ فَهَذَا الْخلاف الَّذِي نهى عَنهُ وحذر مِنْهُ الْهَلَاك هُوَ التعادي فَأَما الِاخْتِلَاف بِغَيْر تُعَاد فقد أقرهم عَلَيْهِ أَلا ترَاهُ قَالَ لِابْنِ مَسْعُود كلاكما محسن حِين أخبرهُ باختلافهما فِي الْقِرَاءَة ثمَّ حذرهم من الِاخْتِلَاف بعد الحكم باحسانهما فِي ذَلِك الِاخْتِلَاف فالاختلاف المحذر مِنْهُ غير الِاخْتِلَاف المحسن بِهِ مِنْهُمَا فالمحذر مِنْهُ التباغض والتعادي والتكاذب الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَاد ذَات الْبَين وَضعف الاسلام وَظُهُور أعدائه على أَهله والمحسن هُوَ عمل كل أحد بِمَا علم مَعَ عدم المعاداة لمُخَالفَة والطعن عَلَيْهِ وعَلى ذَلِك درج السّلف الصَّالح من أهل الْبَيْت وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وصنف مُحَمَّد بن مَنْصُور فِي هَذَا كتاب الحملة والالفة وَحكى فِيهِ عَن قدماء الْمُعْتَزلَة التوالي مَعَ الِاخْتِلَاف فِي بعض العقائد بل حكى ذَلِك عَن قدماء العترة أَيْضا وَقد نقلت كَلَامه فِي ذَلِك بِحُرُوفِهِ إِلَى مَسْأَلَة الْقُرْآن من العواصم
الْفَرْع الثَّالِث فِي التَّكْفِير والتفسيق بالتأويل لِأَنَّهُ لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَفِي التَّكْفِير بالتأويل أَرْبَعَة أَقْوَال الأول أَنه لَا كفر بالتأويل الثَّانِي أَنه يكفر بِهِ وَلَكِن لَا تجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْكفَّار فِي الدُّنْيَا الثَّالِث أَن أَمرهم إِلَى الامام فِي الاحكام الرَّابِع أَنه كالكفر بالتصريح فَيكون قِتَالهمْ إِلَى آحَاد النَّاس على الصَّحِيح فِي الْكفَّار بالتصريح وَاخْتلف فِي كفار التَّأْوِيل من هم على أَرْبَعَة أَقْوَال أَيْضا الأول أَنهم من أهل الْقبْلَة الثَّانِي من ذهب إِلَى مَذْهَب وَهُوَ فِيهِ مُخطئ بِشُبْهَة يعلم بُطْلَانهَا دلَالَة من الدّين والصريح بِخِلَافِهِ الثَّالِث من ذهب إِلَى الْخَطَأ بِشُبْهَة والصريح بِخِلَافِهِ الرَّابِع من ورد فِيهِ عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَنه كَافِر والصريح بِخِلَافِهِ
وَاعْلَم أَن أصل الْكفْر هُوَ التَّكْذِيب الْمُتَعَمد لشَيْء من كتب الله تَعَالَى الْمَعْلُومَة أَو لأحد من رسله ﵈ أَو لشَيْء مِمَّا جاؤوا بِهِ إِذا كَانَ ذَلِك الْأَمر المكذب بِهِ مَعْلُوما بِالضَّرُورَةِ من الدّين وَلَا خلاف أَن هَذَا الْقدر
كفر وَمن صدر عَنهُ فَهُوَ كَافِر إِذا كَانَ مُكَلّفا مُخْتَارًا غير مختل الْعقل وَلَا مكره وَكَذَلِكَ لَا خلاف فِي كفر من جحد ذَلِك الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ للْجَمِيع وتستر باسم التَّأْوِيل فِيمَا لَا يُمكن تَأْوِيله كالملاحدة فِي تَأْوِيل جَمِيع الْأَسْمَاء الْحسنى بل جَمِيع الْقُرْآن والشرائع والمعاد الأخروي من الْبَعْث وَالْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار وَإِنَّمَا يَقع الاشكال فِي تَكْفِير من قَامَ بأركان الاسلام الْخَمْسَة الْمَنْصُوص على اسلام من قَامَ بهَا إِذا خَالف الْمَعْلُوم ضَرُورَة للْبَعْض أَو للاكثر لَا الْمَعْلُوم لَهُ وَتَأْويل وَعلمنَا من قَرَائِن أَحْوَاله أَنه مَا قصد التَّكْذِيب أَو الْتبس ذَلِك علينا فِي حَقه وَأظْهر التدين والتصديق بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء والكتب الربانية مَعَ الْخَطَأ الْفَاحِش فِي الِاعْتِقَاد ومضادة الادلة الجلية عقلا وسمعا وَلَكِن لم يبلغ مرتبَة الزَّنَادِقَة الْمُقدمَة وَهَؤُلَاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عِنْد الْمُحَقِّقين وَكَذَلِكَ المجسمة المشبهة فِي الذَّات التَّشْبِيه الْمجمع على أَنه تَشْبِيه احْتِرَازًا عَمَّا لَا نقص فِيهِ مجمع على أَنه نقص مَعَ اثبات كَمَال الربوبية وخواصها وَجَمِيع صِفَات الْكَمَال وَإِلَّا كَانَ كفرا صَرِيحًا مجمعا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة على كلا التفسيرين فان القدران فسر بِعلم الْغَيْب السَّابِق فهم من نَفَاهُ ونفيه كفر بالاجماع وَإِن فسر بالجبر وَنفى الِاخْتِيَار عَن الْعباد وَنفى التَّمْكِين لَهُم فهم من أثْبته كَمَا تقدم بَيَانه فَهَؤُلَاءِ المشبهة والمجبرة مَعًا اخْتلف عُلَمَاء الاسلام فِي تكفيرهم بعد إِجْمَاعهم على تقبيح عقائدهم وانكارها فَذكر الامام يحيى فِي التَّمْهِيد أنههم غير كفار وَاحْتج على ذَلِك وجود القَوْل فِيهِ وَذكر الشَّيْخ مُخْتَار فِي كِتَابه الْمُجْتَبى عَن الشَّيْخ أبي الْحُسَيْن من رُؤُوس الْمُعْتَزلَة وَعَن الرَّازِيّ من رُؤُوس الأشعرية أَنَّهُمَا مَعًا لم يكفراهم قَالَ لِأَن حجَّة من كفرهم الْقيَاس على الْمُشْركين المصرحين وهما قد قدحا فِي صِحَة هَذَا الْقيَاس دع عَنْك كَونه قَطْعِيا وَذَلِكَ الْقدح هُوَ بِوُجُود الْفَارِق الَّذِي يمْنَع مثله من صِحَة الْقيَاس وَهُوَ إِيمَان هَؤُلَاءِ بِجَمِيعِ كتب الله تَعَالَى وَجَمِيع رسله بأعيانهم وأسمائهم إِلَّا من جهلوه وَإِنَّمَا يخالفون حِين يدعونَ عدم الْعلم ثمَّ ظهر عَلَيْهِم مَا يصدق من ذَلِك من اقامة أَرْكَان الاسلام وَتحمل المشاق الْعَظِيمَة بِسَبَب تَصْدِيق الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلِأَن الْقيَاس عِنْد الْمُحَقِّقين من عُلَمَاء المعقولات لَا يكون قَاطعا لِأَن الْأَمريْنِ إِن اسْتَويَا فِي جَمِيع الْوُجُوه لم يكن قِيَاسا وَإِن وجد بَينهمَا فَارق جَازَ أَن
يكون مؤثرا فِي عدم استوائهما فِي الحكم وَلم يقم دَلِيل قَاطع على أَنه وصف ملغى لَا تَأْثِير لَهُ وَبَيَان ذَلِك أَنهم قَالُوا أَن المبتدعة حِين غلطوا فِي صِفَات الله تَعَالَى فقد عبدُوا غير الله فَيكون قِيَاسا على الْمُشْركين فان بَعضهم عبد الرب الَّذِي يشبه الْعباد وهم المشبهة وَبَعْضهمْ عبد الرب الَّذِي يجبرهم وهم الْمُجبرَة وَنَحْو ذَلِك
وَالْجَوَاب أَنهم عبدُوا الرب الَّذِي خلق الْخلق وغلطهم فِي بعض صِفَاته لَا يخرجهم عَن عِبَادَته ويصيرهم كمن يُعِيد الاصنام لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن عُلَمَاء الْكَلَام يَخْتَلِفُونَ فِي كثير من الصِّفَات كالمدرك وَالْوَصْف الْأَخَص والمريد بل كالسميع والبصير وَلم يلْزم بَعضهم بَعْضًا ذَلِك وَلَو كَانَ حَقًا لَزِمَهُم وَثَانِيهمَا أَن من شهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَغلط فِي بعض صِفَات جسده أَو نسبه لم يكفر قطعا فَدلَّ على أَن من غلط فِي وصف شَيْء لم يكن مثل جاحده وَرُبمَا قَالُوا إِن ذَلِك نقص لَهُ فَيكون كفرا قِيَاسا على من تعمد انتقاصه بِمَا هُوَ نقص بالاجماع قُلْنَا الْخَطَأ فَارق مُؤثر شرعا كالاكراه وَالنِّسْيَان كَمَا سَيَأْتِي وَمن اعْتقد حسن الْقَبِيح وأضافه اليه لحسنه عِنْده لَا لقبحه لَا يكون كمن عكس وَدَلِيله اخْتلَافهمْ فِي الاعراض وَفِي الْوَجْه فِيهَا من غير تَكْفِير وَبَعْضهمْ يلْزمه نِسْبَة الظُّلم اليه وَبَعْضهمْ يلْزمه نِسْبَة الْعَبَث اليه ﷿ عَن ذَلِك وَقد جود الرَّد عَلَيْهِم صَاحبهمْ الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من التَّكْفِير من كِتَابه الْمُجْتَبى وَفِيمَا قبلهَا وَبعدهَا فليطالع فِيهِ وَقد نقلته بألفاظه أَو معظمه إِلَى موَاضعه من العواصم
قلت وَأما بَقِيَّة أدلتهم السمعية فَلَا تَخْلُو من الظَّن فِي مَعَانِيهَا إِن لم تكن ظنية اللَّفْظ وَالْمعْنَى مَعًا كَمَا يعرف ذَلِك النقاد من أهل الْأُصُول الْفِقْه لِأَنَّهَا إِمَّا عمومات وظواهر وَمَعْنَاهَا ظَنِّي وَإِن كَانَت ألفاظها قرآنية مَعْلُومَة وَلها أَو لأكثرها أَسبَاب نزلت عَلَيْهَا تدل على أَنَّهَا نزلت فِي الْمُشْركين المصرحين وتعديتها عَن أَسبَابهَا ظنية مُخْتَلف فِيهَا أَو نُصُوص جلية لَكِن ثُبُوتهَا ظَنِّي لَا ضَرُورِيّ ثمَّ لَا تَخْلُو بعد ذَلِك مِمَّا يعارضها أَو يكون أظهر فِي الْمَعْنى مِنْهَا من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على اسلام أهل الشَّهَادَتَيْنِ أَو الِاكْتِفَاء بهما حَتَّى فِي أَحَادِيث فتْنَة الْقَبْر مَعَ كثرتها وصحتها وتلقيها بِالْقبُولِ واتفاق الْفرق على
رِوَايَتهَا وَقد ذكرت مِنْهَا كثيرا فِي آخر العواصم فِي أَحَادِيث الرَّجَاء وَلَوْلَا خوف الاطالة لذكرتها هُنَا وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي من آمن بِاللَّه وَرُسُله كَقَوْلِه تَعَالَى فِي الْجنَّة ﴿أعدت للَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ ونظائرها مِمَّا ذكرته فِي العواصم وَمثل قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ وَمثل أَحَادِيث الشَّفَاعَة وَقد تقدّمت الاشارة إِلَى تَوَاتر معنى ذَلِك فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد فِي هَذَا الْمُخْتَصر وبسطتها فِي العواصم فقاربت خَمْسمِائَة حَدِيث مَعَ مَا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم مِمَّا يُغني عَنْهَا لَو لم ترد
وَيشْهد لَهَا بعد وُرُودهَا على مَا قدرته فِي العواصم فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فهم الصَّحَابَة للبشرى فِيهَا وفرحهم بهَا وَإِقْرَار المتأولين لَهَا بِرِوَايَة ذَلِك عَنْهُم وَذَلِكَ يدل على عدم تَأْوِيلهَا وَمِنْهُم عَليّ ﵇ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ وَقد جودت الْكَلَام عَلَيْهَا هُنَالك بِحَمْد الله وَحسن هدايته وتوفيقه
وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِيمَن أَقَامَ الاركان الْخَمْسَة وَنَحْو هَذِه الْأُمُور وَهِي أَنْوَاع كَثِيرَة جدا مَعْنَاهَا متواتر ضَرُورِيّ معَارض لما يفهم مِنْهُ تَكْفِير المبتدعة من هَذِه الْأُمُور وَمن أقبح التَّكْفِير مَا كَانَ مِنْهُ مُسْتَند إِلَى وَجه يُنكره الْمُخَالف من أهل الْمَذْهَب مثل تَكْفِير أبي الْحُسَيْن وَأَصْحَابه بِنَفْي علم الْغَيْب وهم ينكرونه وتكفير الاشعرية بالجبر الْخَالِص الَّذِي هُوَ قَول الْجَهْمِية الجبرية وهم ينكرونه وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾
وَمن الْعجب أَن الْخُصُوم من البهاشمة وَغَيرهم لم يساعدوا على تَكْفِير النَّصَارَى الَّذِي قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمن قَالَ بقَوْلهمْ مَعَ نَص الْقُرْآن على كفرهم إِلَّا بِشَرْط أَن يعتقدوا ذَلِك مَعَ القَوْل وعارضوا هَذِه الْآيَة الظَّاهِرَة بِعُمُوم مَفْهُوم قَوْله ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَضَعفه مَعَ وضوح الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْكفْر بالْقَوْل عضدها حديثان
صَحِيحَانِ كَمَا احْتج بهما الامام الْمَنْصُور بِاللَّه ﵇ حَدِيث ع عَن ثَابت بن الضَّحَّاك من حلف بِملَّة غير الاسلام كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَحَدِيث مس دق على شَرط م عَن بُرَيْدَة من حلف قَالَ إِنِّي بَرِيء من الاسلام فان كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِن كَانَ صَادِقا فَلَنْ يرجع إِلَى الاسلام سالما وَعَن أنس سمع رَسُول الله ﷺ وَآله رجلا يَقُول أَنا إِذا يَهُودِيّ فَقَالَ وَجَبت وَعَن ابْن عمر قَالَ ﷺ وَآله من حلف بِغَيْر الله فقد كفر وأشرك وَفِي مجمع الزَّوَائِد لذَلِك شَوَاهِد وَفِي النَّسَائِيّ عَن سعد أَنه حلف وَهُوَ قريب عهد بالجالية فَقَالَ وَاللات والعزى فَقَالَ لَهُ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله مَا نرَاك إِلَّا قد كفرت فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ وَآله فَأمره أَن يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ثَلَاث مَرَّات ثمَّ لَا يعود إِلَى ذَلِك وَهَذَا أَمر بتجديد الاسلام ثمَّ لم يرْضوا بِجَمِيعِ مَا ذكرنَا مُعَارضا لما استنبطوه فَتَأمل ذَلِك وعَلى هَذَا لَا يكون شَيْء من الافعال والاقوال كفرا إِلَّا مَعَ الِاعْتِقَاد حَتَّى قتل الْأَنْبِيَاء والاعتقاد من السرائر المحجوبة فَلَا يتَحَقَّق كفر كَافِر قطّ إِلَّا بِالنَّصِّ الْخَاص فِي شخص شخص وَلَا يدل حَرْب الانبياء على ذَلِك لاحْتِمَال أَن يكون على الظَّاهِر كَقَوْلِه فَمن حكمت لَهُ بِمَال أَخِيه فانما أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار
وَمَعَ نَكَارَة هَذَا فالملجئ اليه عُمُوم مَفْهُوم ظَنِّي ضَعِيف يَأْتِي وَقد مر اخْتِيَار الامام يحيى وَأبي الْحُسَيْن والرازي فِي ذَلِك وَنكل وَهُوَ قَول الطَّبَق الادهم من السّلف وعلماء الاسلام وَأهل الاثار كَمَا رَوَاهُ السَّيِّد أَبُو عبد الله الحسني فِي كِتَابه الْجَامِع الْكَافِي عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْكُوفِي عَن سلف أهل الْبَيْت ﵈ وَغَيرهم وصنف فِيهِ كتاب الْجُمْلَة والالفة وَهُوَ قَول الامام السَّيِّد الْمُؤَيد بِاللَّه فِي الجبرية نَص عَلَيْهِ فِي آخر كتاب الزِّيَادَات
وَمذهب السّلف الصَّالح فِي ذَلِك هُوَ الْمُخْتَار مَعَ أَمريْن أَحدهمَا الْقطع بقبح الْبِدْعَة والانكار لَهَا والانكار على أَهلهَا وَثَانِيهمَا عدم الانكار على من كفر كثيرا مِنْهُم فانا لَا نقطع بِعَدَمِ كفر بَعضهم مِمَّن فحشت بدعته بل نقف فِي ذَلِك وَلكُل علمه وَالْحكم فِيهِ إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ لوجوه
الْوَجْه الأول خوف الْخَطَأ الْعَظِيم فِي ذَلِك فقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ
وَآله تَعْظِيم ذَلِك بل تَوَاتر ذَلِك لأهل الْبَحْث عَن طرق الحَدِيث حَتَّى تَوَاتر أَنه كفر روى ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَبُو ذَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ خمستهم عَن رَسُول الله ﷺ وَآله مَعَ كَثْرَة الطّرق عَنْهُم من غير مَا لحديثهم من الشواهد الجمة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة مثل مَا ورد فِي الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَهَذَا بَيَان طرف يسير على جِهَة الِاخْتِصَار الْكثير فَنَقُول
أما حَدِيث أبي ذَر فَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَفظه وَمن دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ أَي رَجَعَ وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَفظه إِذا قَالَ الْمُسلم لِأَخِيهِ كَافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَلَفظه مثل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَرَوَاهُ الهيثمي فِي كِتَابه مجمع الزَّوَائِد وَلَفظه مَا من مُسلمين إِلَّا وَبَينهمَا ستر من الله فاذا قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه هجرا هتك الله ستره وَإِذا قَالَ يَا كَافِر فقد كفر أَحدهمَا قَالَ الهيثمي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِاخْتِصَار من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد وَحَدِيثه حسن وَرِجَاله ثِقَات قلت يزِيد هَذَا أحد عُلَمَاء الْكُوفَة الْمَشَاهِير وَهُوَ من رجال السّنَن الاربعة وَمِمَّنْ قواه شُعْبَة على تعنته فِي الرِّجَال وَبَالغ حَتَّى قَالَ لَا يُبَالِي إِذا سمع الحَدِيث مِنْهُ أَلا سَمعه من سواهُ وَقَالَ ابْن فُضَيْل هُوَ من أَئِمَّة الشِّيعَة الْكِبَار وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي ذَلِك فَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه التَّلْخِيص الْخَبِير وَسَيَأْتِي حَدِيث عَن ابْن عمر مَرْفُوع نَحْو هَذَا وَلَكِن بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وروى أَبُو عوَانَة حَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم فَقَالَ إِن كَانَ كَمَا قَالَ والاباء بالْكفْر وَفِي رِوَايَة فقد وَجب الْكفْر على أَحدهمَا اه
وَأما شَوَاهِد هَذِه الاحاديث الْخَمْسَة بِغَيْر لَفظهَا فكثيرة متواترة مِنْهَا أَحَادِيث مروق الْخَوَارِج من الاسلام وَكَانَ دينهم الَّذِي اختصوا بِهِ من بَين الداخلين فِي الْفِتَن هُوَ تَكْفِير بعض الْمُسلمين بِمَا حسبوه كفرا فوردت الاحاديث بمروقهم بذلك وتواترت وَهِي فِي دواوين الاسلام السِّتَّة عَن عَليّ
﵇ وَسَهل بن سعد وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عمر ابْن الْخطاب وَأبي ذَر وَرَافِع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَجَابِر بن عبد الله الانصاري وَابْن مَسْعُود وَأبي برزه الاسلمي وَأبي أُمَامَة وَفِي حَدِيثه مَرْفُوعا كَانُوا مُسلمين كفَّارًا واسناده حسن وَرَوَاهَا غير هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ مَعْرُوف فِي مجمع الزَّوَائِد وَكتب الاسلام من المسانيد والتواريخ وَغَيرهَا
وَمِنْهَا أَحَادِيث كفر الروافض وَقد رويت من طرق كَثِيرَة على غرابتها وخلو دواوين الاسلام السِّتَّة مِنْهَا فرويت عَن عَليّ ﵇ وَفَاطِمَة وَالْحسن ﵉ وَابْن عَبَّاس وَأم سَلمَة ﵄ وروى الامام الْهَادِي ﵇ مِنْهَا حَدِيث الْحسن ﵇ فِي كتاب الْأَحْكَام فِي كتاب الطَّلَاق مِنْهُ فِي بَاب من طلق ثَلَاثًا وَقد ذكر الامامية فَقَالَ مَا لَفظه وَفِيهِمْ مَا حَدثنِي أبي وَعمي مُحَمَّد وَالْحسن عَن أَبِيهِم الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده عَن ابراهيم بن الْحسن عَن أَبِيه عَن جده الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام عَن النَّبِي ﷺ وَآله أَنه قَالَ (يَا عَليّ يكون فِي آخر الزَّمَان قوم لَهُم نبز يعْرفُونَ بِهِ يُقَال لَهُم الرافضة فان أدركتهم فاقتلهم قَتلهمْ الله تَعَالَى فانهم مشركون اه بِحُرُوفِهِ وَلَا أعلم فِي الاحكام اسنادا مُتَّصِلا مسلسلا بِأَهْل الْبَيْت ﵈ سواهُ الا أَن يكون مُرْسلا أَو مَقْطُوعًا أَو مدخلًا فِيهِ غَيرهم من الروَاة
وَقد أَحْبَبْت سِيَاق هَذَا الاسناد الشريف لهَذَا الْمَتْن لجلالة رُوَاته واختصرت أَسَانِيد سَائِر الاحاديث فَأَما حَدِيث عَليّ ﵇ بِمثل ذَلِك فَرَوَاهُ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَعبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَوَائِد الْمسند وَالْبَزَّار فِي مُسْنده وَابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه تلبيس إِبْلِيس من طَرِيق أبي حباب الْكَلْبِيّ عَن أبي سُلَيْمَان الْهَمدَانِي عَن عَليّ ﵇ والذهبي فِي كِتَابه ميزَان
الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال من طَرِيق أُخْرَى فِي تَرْجَمَة كثير بن إِسْمَاعِيل النو وَلَكِن لَفظه فِي الْمِيزَان يكون بعدِي قوم من أمتِي يسمون الرافضة يرفضون الاسلام وَأما حَدِيث فَاطِمَة بنت مُحَمَّد ﷺ وَآله فَرَوَاهُ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَأَبُو يعلى وَصَاحب الْفُصُول السَّبْعَة وَالْعِشْرين فِي فَضَائِل أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فِي الْفَصْل الْحَادِي وَالْعِشْرين مِنْهُ والذهبي فِي موضِعين من كِتَابه الْمِيزَان
أَحدهمَا فِي تَرْجَمَة تليد بن عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان الْكُوفِي الشيعي وَثَانِيهمَا فِي تَرْجَمَة أبي الْجَارُود زِيَاد بن الْمُنْذر الشيعي وَقَالَ الهيثمي رُوَاته ثِقَات وَلَفظ رِوَايَة تليد فِي الْمِيزَان نظر رَسُول الله ﷺ وَآله إِلَى عَليّ ﵇ فَقَالَ هَذَا فِي الْجنَّة وَإِن من شيعته قوما يلفظون الاسلام لَهُم نبز يسمون الرافضة من لَقِيَهُمْ فليقتلهم فانهم مشركون وَلَفظ أبي الْجَارُود أما أَنَّك يَا ابْن أبي طَالب وشيعتك فِي الْجنَّة وَسَيَجِيءُ أَقوام ينتحلون حبك يُقَال لَهُم الرافضة فان لقيتهم فاقتلهم فانهم مشركون وَأما ابْن عَبَّاس فَمِنْهُ حديثان أما أَحدهمَا فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ والهيثمي وَقَالَ اسناده حسن وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَرَوَاهُ أَبُو يعلي وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ والهيثمي وَقَالَ فِي بعض رِجَاله خلاف قلت وَمثل ذَلِك ينجبر بحَديثه الآخر بل بِجَمِيعِ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ والهيثمي من طَرِيق الْفضل ابْن غَانِم وَفِي تَرْجَمَة أبي بكر بن عَيَّاش من الْمِيزَان أَن هَارُون الرشيد سَأَلَهُ عَن صِحَة هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ دَلِيل شهرته فَهَذِهِ شَوَاهِد جميلَة لِأَن مُعظم ذنُوب الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض هُوَ التَّكْفِير
وَأما الشواهد التفصيلية فكثيرة جدا وَهِي أَنْوَاع مُخْتَلفَة مِنْهَا حَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك مَرْفُوعا وَفِيه من قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقاتله قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ قلت وَهُوَ طرف من حَدِيثه الطَّوِيل فيهمَا الَّذِي فِيهِ من حلف بِملَّة غير الاسلام وَغير ذَلِك
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح فَهُوَ يشْهد للتغليظ فِي تَكْفِير الْمُؤمن وَأَنه أغْلظ من السباب الْمُطلق لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن سبابه فسوق وقتاله كفر وَالْقَتْل أعظم من الْقِتَال وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا الْمُؤمن أكْرم على الله من بعض مَلَائكَته رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن وَهُوَ يسْتَلْزم ذَلِك لِأَن من كفر ملكا كفر وَمن الشواهد على ذَلِك أَحَادِيث المستبين مَا قَالَا فعلى البادئ مِنْهُمَا فِيهِ عِنْد مُسلم وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة وَأَحَادِيث التحذير من فتن يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كَافِرًا وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث الاعمش عَن زيد بن وهب عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ لَو أَن رجلَيْنِ دخلا فِي الاسلام فاهتجرا كَانَ أَحدهمَا خَارِجا عَن الاسلام حَتَّى يرجع الظَّالِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَهَذَا فِي المهاجرة مَحْمُول على الْخُرُوج عَن الاسلام الْكَامِل فاذا كَانَ مُجَرّد المهاجرة يبلغ هَذَا الْحَد فِي التغليط لم يستبعد أَن يكون التَّكْفِير كفرا على الْحَقِيقَة
وَلِحَدِيث ابْن مَسْعُود شَوَاهِد متواترة فِي تَغْلِيظ تَحْرِيم المهاجرة وَإِنَّهَا فرنت بالشرك فِي الْمَنْع من الْعَفو عَن صَاحبهَا دون سَائِر الْكَبَائِر من ذنُوب أهل الاسلام فَفِي الْمُوَطَّأ لمَالِك ومسند أَحْمد من ثَلَاث طرق وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ وَآله تعرض الاعمال فِي كل خَمِيس واثنين فَيغْفر الله ﷿ فِي ذَلِك الْيَوْم لكل امْرِئ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا امْرأ كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيَقُول اتْرُكُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا وَفِي رِوَايَة إِلَّا المتهاجرين وَعَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ وَآله تعرض الاعمال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس فَمن مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ وَمن تائب فيتاب عَلَيْهِ وَترد أهل الْفَضَائِل وضغائنهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الاوسط والهيثمي وَقَالَ رِجَاله ثِقَات وَعَن ابْن مَسْعُود وَأُسَامَة بن زيد عَن النَّبِي ﷺ وَآله نَحْو ذَلِك رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيّ والهيثمي وَعَن أبي أَيُّوب الانصاري نَحْو ذَلِك رَوَاهُ الهيثمي وَيَأْتِي حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي ذَلِك فِي الْوَجْه السَّابِع وَفِيه فأولهما فيأ يكون سبقه بالفيء كَفَّارَة لَهُ وَإِن مَاتَا على صرامهما لم يدخلا الْجنَّة جَمِيعًا رَوَاهُ أَحْمد باسناد صَحِيح وَعَن أبي بكر الصّديق ﵁ إِذا كَانَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان غفر الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِلَّا مَا كَانَ من
مُشْرك أَو مُشَاحِن لِأَخِيهِ رَوَاهُ الْبَزَّار والهيثمي وَعَن أبي هُرَيْرَة مثله وَعَن عَوْف بن مَالك مثله وَعَن معَاذ مثله وَرِجَاله ثِقَات وَعَن أبي ثَعْلَبه الْخُشَنِي نَحوه وَعَن عبد الله بن عمر نَحوه فَهَذِهِ بضعَة عشر حَدِيثا فِي ذَلِك وَفِي تَحْرِيم المهاجرة فَوق ثَلَاث نَحْو ذَلِك وَلَكِن اسْتثْنى فِيهَا مَا دون الثَّلَاث رَحْمَة للْمُسلمين لما فِي الطباع من قُوَّة الداعية إِلَى ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال وَذَلِكَ عِنْد الْغَفْلَة من هَذَا الْوَعيد الشَّديد بِعَدَمِ الْعَفو عَن هَذَا الذَّنب بِخُصُوصِهِ حِين يعفي عَن سَائِر الذُّنُوب وَذَلِكَ لِأَن من عدل الله تَعَالَى ولطيف جَزَائِهِ يَوْم الدّين أَن يُعَامل كل عَامل على حسب اخْتِيَاره واعتقاده ومذهبه فَلَمَّا كَانَ المُهَاجر المشاحن قد اخْتَار ترك الْعَفو عَن أَخِيه مذهبا لَهُ وَحكم بحسنه جوزي بذلك جَزَاء وفَاقا كَمَا يشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى﴾ الْآيَة فِي قصَّة أبي بكر مَعَ مسطح ونظائر ذَلِك كَثِيرَة وصحيحة نسْأَل الله الْعَافِيَة من ذَلِك وَفِي سنَن أبي دَاوُد باسناد صَحِيح هجر الْمُسلم سنة كسفك دَمه وَسَيَأْتِي فِي الْوَجْه السَّابِع مَا يُنَاسب هَذَا من الْحَث على اصلاح ذَات الْبَين وَتَسْمِيَة التَّفَرُّق والتباغض الحالقة للدّين
وَفِي مَجْمُوع ذَلِك مَا يشْهد لصِحَّة التَّغْلِيظ فِي تَكْفِير الْمُؤمن وإخراجه من الاسلام مَعَ شَهَادَته بِالتَّوْحِيدِ والنبوات وخاصة مَعَ قِيَامه بأركان الْإِسْلَام وتجنبه للكبائر وَظُهُور أَمَارَات صدقه فِي تَصْدِيقه لأجل غلطة فِي بِدعَة لَعَلَّ الْكفْر لَهُ لَا يسلم من مثلهَا أَو قريب مِنْهَا فان الْعِصْمَة مُرْتَفعَة وَحسن ظن الانسان بِنَفسِهِ لَا يسْتَلْزم السَّلامَة من ذَلِك عقلا وَلَا شرعا بل الْغَالِب على أهل الْبدع شدَّة الْعجب بنفوسهم وَالِاسْتِحْسَان لبدعتهم وَرُبمَا كَانَ أجر ذَلِك عُقُوبَة على مَا اختاروه أول مرّة من ذَلِك كَمَا حكى الله تَعَالَى ذَلِك فِي قَوْله ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم﴾ وَهِي من عجائب الْعُقُوبَات الربانية والمحذرات من المؤخذات الْخفية ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾
وَقد كثرت الْآثَار فِي أَن اعجاب الْمَرْء بِنَفسِهِ من المهلكات كَمَا فِي
حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي عِنْد دت وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا ثَلَاث مهلكات شح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ وَعَن أنس وَابْن عَبَّاس وَابْن أبي أوفى كلهم عَن النَّبِي ﷺ وَآله مثل ذَلِك رَوَاهَا الهيثمي فِي مجمعه وَدَلِيل الْعقُوبَة فِي ذَلِك انك ترى أهل الضلال أَشد عجبا وتيها وتهليكا للنَّاس واستحقارا لَهُم نسْأَل الله الْعَفو والمعافاة من ذَلِك كُله
وَفِي ذَلِك حَدِيث حُذَيْفَة الصَّحِيح عِنْد مُسلم الْمَشْهُور عَنهُ ﷺ وَآله أَنه قَالَ (تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودا عودا فَأَي قلب أشربها نكت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء وَأي قلب أنكرها نكت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى يصير على قلبين أَبيض مثل الصَّفَا فَلَا تضره فننة مَا دَامَت السَّمَوَات والارض وَالْآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ فَيَنْبَغِي من كل حَازِم لَبِيب إيقاظ خاطره والحذر الْعَظِيم عَن الامور الَّتِي تَوَاتَرَتْ النُّصُوص من الصِّحَاح وتواترت بِأَنَّهَا كفر وَخُرُوج عَن الاسلام أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا لم يحصل دَلِيل قَاطع على أَنه متأول من إِجْمَاع صَحِيح أَو نَص معَارض لذَلِك صَحِيح وَذَلِكَ مثل مَا قدمنَا من تَكْفِير من يجوز أَنه مُسلم بِمُجَرَّد الالزامات والتمحلات الَّتِي مَتى سلمت عارضها مثلهَا أَو أقوى مِنْهَا كَمَا تقدم
فان قيل أَلَيْسَ قد ذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يكفر من كفر مُسلما على الاطلاق
فَالْجَوَاب أَن ذَلِك صَحِيح وَلَكِن لَا حجَّة فِيهِ توجب تَقْدِيمه على النُّصُوص حَيْثُ لم يكن تَأْوِيلهَا إِجْمَاعًا فقد حكى الْخلاف فِي ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة حَيْثُ شرح حَدِيث أبي ذَر الْمُقدم ذكره فِي كتاب اللّعان فَقَالَ وَهَذَا وَعِيد عَظِيم لمن يكفر أحدا من الْمُسلمين وَلَيْسَ كَذَلِك وَهِي ورطة عَظِيمَة وَقع فِيهَا خلق من الْمُتَكَلِّمين وَمن المنسوبين إِلَى السّنة وَأهل الحَدِيث وخرق حجاب الهيبة فِي ذَلِك جمَاعَة من الحشوية وَقد اخْتلف النَّاس فِي التَّكْفِير وَسَببه حَتَّى صنف فِيهِ مُفردا إِلَى قَوْله وَالْحق أَنه لَا يكفر أحد من أهل الْقبْلَة إِلَّا بانكار متواتر فانه حِينَئِذٍ يكون مُكَذبا للشَّرْع وَلَيْسَ مُخَالفَة القواطع مأخذا للتكفير وَعبر بعض أهل الاصول عَن هَذَا بِمَا مَعْنَاهُ
أَن من أنكر طَرِيق اثبات الشَّرْع لم يكفر كمن أنكر الاجماع وَمن أنكر الشَّرْع بعد الِاعْتِرَاف بطريقه كفر لِأَنَّهُ مكذب قَالَ وَقد نقل عَن بعض الْمُتَكَلِّمين أَنه قَالَ لَا أكفر إِلَّا من كفرني وَرُبمَا خفى سَبَب هَذَا القَوْل على بعض النَّاس وَحمله على غير محمله الصَّحِيح وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يحمل عَلَيْهِ أَنه قد لمح هَذَا الحَدِيث الَّذِي قتضي أَن من دَعَا رجلا بالْكفْر وَلَيْسَ كَذَلِك رَجَعَ عَلَيْهِ الْكفْر وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ وَآله (من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا وَكَأن هَذَا الْمُتَكَلّم يَقُول هَذَا الحَدِيث دلّ على أَنه يحصل الْكفْر لأحد الشخصين فاذا كفرني بعض النَّاس فالكفر وَاقع بأحدنا وَأَنا قَاطع بِأَنِّي لست بِكَافِر فالكفر رَاجع اليه اه وَفِيه مَا ترى من تَقْرِير الْخلاف فِي الْأَخْذ بظواهر النُّصُوص مِمَّا يُؤمن الْمُكَفّر لغيره أَن يُخطئ فِي نظره فِي طَرِيق التَّكْفِير كَمَا ذَلِك عَادَة الفطناء والأذكياء أَعنِي الْخَطَأ فِي مثل هَذِه المزالق وَلَو كَانَ خطأ الأذكياء فِي ذَلِك نَادرا وَأَنت مِنْهُم لم تأمن أَن تقع فِي ذَلِك النَّار كَيفَ وخطأهم فِيهِ كثير غَالب وَأَنت على غير يَقِين بأنك مِنْهُم فَأَما دفع الْكفْر بِأَنَّهُ حَدِيث أحادي فانه غرور من وُجُوه
الأول أَنا قد بَينا من طرقه مَا يدل على أَنه متواتر عِنْد أهل الِاطِّلَاع والمعلوم لَا يكون ظنيا لجهل الْجَاهِلين لَهُ
الثَّانِي أَن غرضنا الِاحْتِرَاز على الاسلام مِمَّا تجوز صِحَّته فِي علم الله تَعَالَى وَحَدِيث الْوَاحِد وَإِن لم تعلم صِحَّته فقد يكون صَحِيحا وَنحن لَا نعمل وَالصَّحِيح جَوَاز كفر لَا دَلِيل عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي موَاضعه
الثَّالِث أَن الْفَقِيه حميدا فِي الْعُمْدَة جوز الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْوَاحِد فِي التَّكْفِير من غير اعْتِقَاد وَذكر أَنه مَذْهَب الْمَنْصُور بِاللَّه والمحققين وَاحْتج بِأَن النَّبِي ﷺ وَآله هم بالغزو لخَبر الْوَلِيد بن عقبَة فَنزلت الْآيَة فَامْتنعَ لفسقه لَا لِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
ويحتج لَهُم بِقبُول الشَّهَادَة على الرِّدَّة وَالْكفْر وَالْحُدُود فِي الْفسق ثمَّ من العبر الْكِبَار فِي ذَلِك أَن الْجُمْهُور لم يكفروا من كفر الْمُسلم متأولا فِي تكفيره غير متعمد مَعَ أَن هَذِه الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة تَقْتَضِي ذَلِك والنصوص
أصح طرق التَّكْفِير فاذا تورع الْجُمْهُور من تَكْفِير من اقْتَضَت النُّصُوص كفره فَكيف لَا يكون الْوَرع أَشد من تَكْفِير من لم يرد فِي كفره نَص وَاحِد فَاعْتبر تورع الْجُمْهُور هُنَا وَتعلم الْوَرع مِنْهُم فِي ذَلِك
فان قيل لم تورعوا هُنَا مَعَ هَذِه النُّصُوص الصَّحِيحَة المتواترة لصريحة
قلت لوجوه
أَحدهَا مَا رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ من عدم تَكْفِير الْخَوَارِج مَعَ بغضهم لَهُ وبغضه نفاق بل مَعَ تكفيرهم لَهُ ﵇ وَهُوَ سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَأبْعد الْخلق أَجْمَعِينَ عَمَّا افتراه من ذَلِك كذبة المارقين وَقد ذكر الْفَقِيه حميد فِي كِتَابه عُمْدَة المسترشدين أَن ذَلِك هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ ﵇ وروى هُوَ أَنه ﵇ لما سُئِلَ عَن كفرهم قَالَ من الْكفْر فروا وَلما سُئِلَ عَن إِيمَانهم قَالَ لَو كَانُوا مُؤمنين مَا حاربناهم قيل فَمَا هم قَالَ اخواننا بالْأَمْس بغوا علينا فحاربناهم حَتَّى يفيئوا إِلَى أَمر الله قَالَ الْفَقِيه حميد وَهَذَا تَصْرِيح بِالْمَنْعِ من كفرهم وأقرته الصَّحَابَة
قلت وَمن هَهُنَا ادّعى هُوَ والخطابي وَابْن جرير قبلهمَا الاجماع على عدم تكفيرهم وَكَأن النَّاس تابعوه ﵇ فِي ذَلِك لشهرته وَعدم مُنَازعَة الصَّحَابَة وَلَا بَعضهم لَهُ ﵇ كَمَا احْتج بِهِ الْفَقِيه حميد على أَنه إِجْمَاع قَالَ وَلِأَن من كفر إِمَامًا وحاربه لم يكفر اه كَلَامه
وَقد روى ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ كَلَام ابْن جرير ودعواه الاجماع على ذَلِك فِي الْكَلَام على الْخَوَارِج وَكَانَ فِي ابْن جرير تشيع وموالاة ذكره الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان فِي الذب عَنهُ فَقَالَ إِن ذَلِك مَرْوِيّ عَن عَليّ ﵇ من طرق وَذكر نَحْو مَا تقدم وَزَاد فِي رِوَايَته قيل لَهُ ﵇ فمنافقون فَقَالَ لَو كَانُوا منافقين لم يذكرُوا الله إِلَّا قَلِيلا ثمَّ قَالَ روى وَكِيع عَن مسعر عَن عَامر بن شَقِيق عَن أبي وَائِل عَن عَليّ ﵇ أَنه قَالَ لم نُقَاتِل أهل النَّهر وان على الشّرك اه وَمرَاده على الْكفْر بِالْقَرِينَةِ كَحَدِيث
جَابر مَرْفُوعا بَين العَبْد وَبَين الشّرك ترك الصَّلَاة رَوَاهُ مُسلم بِهَذَا اللَّفْظ وَكَذَا ذكره عَنهُ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه وَقَبله الْحميدِي فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ
يُوضحهُ أَن ترك الْخَوَارِج للشرك الَّذِي هُوَ عبَادَة الاصنام وَعبادَة المخلوقين كَانَ مَعْلُوما بِالضَّرُورَةِ فَلم يكن ليخبر بذلك وَإِنَّمَا خرج كَلَامه مخرج حَدِيث جَابر ومخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس حَيْثُ قَالَ إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ وَآله يُصَلِّي إِلَيّ غير جِدَار أَي غير ستْرَة وَهَذَا هُوَ النَّوْع المسمي بالخاص يُرَاد بِهِ الْعَام وَمِنْه ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ أَي لَا تؤذهما بذلك وَلَا بِغَيْرِهِ ونظائره كَثِيرَة وَيُقَوِّي صِحَة ذَلِك عَنهُ ﵇ أَنه رد على أهل النهروان أَمْوَالهم قَالَ ابْن حجر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق فانضمت هَذِه الطّرق إِلَى تِلْكَ الطّرق الَّتِي ذكرهَا ابْن بطال وَأَشَارَ اليها الْفَقِيه حميد
وَثَانِيها مَا أَشَارَ اليه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَترْجم عَلَيْهِ من أَن ذَلِك فِيمَا إِذا كفر أَخَاهُ مُتَعَمدا غير متأول محتجا بِأَن النَّبِي ﷺ وَآله لم يكفر عمر فِي قَوْله لحاطب أَنه مُنَافِق وَلَا معَاذًا فِي قَوْله للَّذي خرج من الصَّلَاة حِين طول معَاذ أَنه مُنَافِق وأمثال ذَلِك مَعَ التَّأْوِيل كَثِيره شهيرة وَأَشَارَ الْفَقِيه حميد فِي عُمْدَة المسترشدين إِلَيّ اخْتِيَار هَذَا وَصرح الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى بِاخْتِيَارِهِ وَطول الْكَلَام فِيهِ وَوَجهه وجوده وَلَوْلَا خوف الاطالة الْكَثِيرَة لنقلته
وَهَذِه فَائِدَة جَيِّدَة تمنع من الْقطع بتكفير من أَخطَأ فِي التَّكْفِير متأولا فانا لَو كفرنا بذلك لكفرنا الجم الْغَفِير فَالْحَمْد لله على التَّوْفِيق لترك ذَلِك والنجاة مِنْهُ والبعد عَنهُ على أَنه يرد عَلَيْهِم أَن الاستحلال بالتأويل قد يكون أَشد من التعمد مَعَ الِاعْتِرَاف بِالتَّحْرِيمِ وَذَلِكَ حَيْثُ يكون المستحل بالتأويل مَعْلُوم التَّحْرِيم بِالضَّرُورَةِ كَتَرْكِ الصَّلَاة فان من تَركهَا متأولا كفرناه بالاجماع وَإِن كَانَ عَامِدًا معترفا فَفِيهِ الْخلاف فَكَانَ التَّأْوِيل هُنَا أَشد تَحْرِيمًا فَلذَلِك يَنْبَغِي ترك التَّكْفِير الْمُخْتَلف فِيهِ حذرا من الْوُقُوع فِيهِ وَالله الْمُسلم
وَثَالِثهَا آن قد جَاءَ كفر دون كفر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن لم﴾
يحكم بِمَا انْزِلْ الله فاولئك هم الْكَافِرُونَ) وَمِنْه أَن النَّبِي ﷺ وَآله لما وصف النِّسَاء بالْكفْر قَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله (يكفرن بِاللَّه تَعَالَى قَالَ لَا يكفرن العشير
أَي الزَّوْج وَهُوَ مُتَّفق على صِحَّته فَلم يحملوا الْكفْر على ظَاهره حِين سَمِعُوهُ مِنْهُ ﷺ وَآله لاحْتِمَال مَعْنَاهُ وَوُجُود الْمعَارض وَهُوَ إِسْلَام النِّسَاء وإيمانهن وَلم يُنكر النَّبِي ﷺ وَآله عَلَيْهِم التثبت فِي معنى الْكفْر والبحث عَن مُرَاده بِهِ وَكَذَلِكَ تأولوا أَحَادِيث سباب الْمُؤمن فسوق وَقَتله كفر وَلَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض مَعَ الِاتِّفَاق على صِحَّتهَا وَكَثْرَتهَا وللاجماع الْمَعْلُوم وَالنَّص الْمَعْلُوم على وجوب الْقصاص وَلَو كَانَ كفرا على الْحَقِيقَة لأسقط الْقصاص وَكَذَلِكَ تَأَول كثير من عُلَمَاء الاسلام حَدِيث ترك الصَّلَاة كفر مَعَ مَا ورد فِيهِ من لفظ الشّرك فِي صَحِيح مُسلم وَغير ذَلِك وَكَذَلِكَ حَدِيث النِّيَاحَة كفر وَحَدِيث الانتساب إِلَى غير الْأَب كفر قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة فِي اللّعان فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ إِنَّه مَتْرُوك الظَّاهِر عِنْد الْجُمْهُور وَفِيه إِشَارَة إِلَى وجود خلاف فِيهِ وَإِلَّا لقَالَ إِجْمَاعًا وَلم يقل كَذَا فِي تَكْفِير الْمُسلم أَخَاهُ فَدلَّ على أَن الْخلاف فِيهِ لَيْسَ بشاذ فاعرف ذَلِك
وَرَابِعهَا مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ وأله أَنه قَالَ (إِذا قَالَ الرجل للرجل يَا يَهُودِيّ فَاضْرِبُوهُ عشْرين سَوْطًا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابراهيم ابْن اسماعيل بن أبي حَبِيبَة عَن دَاوُد بن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَضَعفه التِّرْمِذِيّ بابراهيم هَذَا وَكَذَلِكَ ضعفه النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بابراهيم وَبَعض الروَاة عَنهُ شكّ فِي رَفعه ذكره الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان لَكِن وَثَّقَهُ أَحْمد وَكَانَ عابدا وَهَذَا الْجرْح فِيهِ أقوى وَيقدم على قَول من يقدم الْجرْح وَمن يَقُول بالترجيح خُصُوصا مَعَ تِلْكَ المعارضات المتواترة عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث الصَّحِيحَة بِلَا ريب على أَن ابْن مَاجَه والذهبى جعلُوا متن الحَدِيث من قَالَ لرجل يَا مخنث زَاد ق بالوطي فَاضْرِبُوهُ عشْرين سَوْطًا وَلم يذكرُوا السب باليهودية وَقَالَ الْمزي رِوَايَة ق أتم رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق دُحَيْم الْحَافِظ واسْمه عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم عَن ابْن أبي فديك وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن ابْن أبي فديك وَكَانَت الْعِبَادَة أغلب على مُحَمَّد بن رَافع من الْحِفْظ فَالْبُخَارِي لذَلِك يتَخَيَّر من حَدِيثه
الْقَلِيل وَلَا يستوعبه وَمَعَ هَذَا الضعْف والاعلال لَا يُعَارض مَا صَحَّ وتواتر وَلَكِن سلك الْجُمْهُور مَسْلَك الِاحْتِيَاط فاقتد بهم فِي ذَلِك
فاذا ثَبت أَن النَّص على الْكفْر غير قَاطع فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ فلهذه الْوُجُوه الاربعة لم يعْمل الْجُمْهُور بِظَاهِر هَذِه الْأَحَادِيث
وَأما من كفر أَخَاهُ مُتَعَمدا غير متأول فَاخْتَلَفُوا فِيهِ من تقدم إِلَيّ كفره وَوَجهه الْغَزالِيّ بِأَنَّهُ لما كَانَ مُعْتَقد الاسلام أَخِيه كَانَ قَوْله إِنَّه كَافِر قولا بِأَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ كفر وَالَّذِي هُوَ عَلَيْهِ كفر دين الاسلام فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن دين الاسلام كفر وَهَذَا القَوْل كفر من قَائِله وَإِن لم يعْتَقد ذَلِك على أَن أَبَا هَاشم وَأَصْحَابه من الْمُعْتَزلَة لَا يكفرون من تعمد النُّطْق بالْكفْر من غير إِكْرَاه عَلَيْهِ وَإِن كَانَا يفترقان فِي الاثم كَمَا تقدم وَهَذَا بعد كثير من التَّكْفِير فِي هَذِه الصُّورَة فَلَو طردوا الِاحْتِيَاط لتركوا التَّكْفِير بِالْقِيَاسِ ومآل الْمَذْهَب لكِنهمْ كفرُوا بهما وَهُوَ أَضْعَف من التَّكْفِير بتعمد النُّطْق بالْكفْر اخْتِيَارا بِلَا إِكْرَاه وَأما النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي شرح مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي يَقْتَضِي كفر من كفر أَخَاهُ هَذَا الحَدِيث مِمَّا عده بعض الْعلمَاء من المشكلات فان مَذْهَب أهل الْحق أَن الْمُسلم لَا يكفر بِالْمَعَاصِي وَهَذَا مِنْهَا فَقيل فِي تَأْوِيله وُجُوه الاول أَنه مَحْمُول على المستحل لذَلِك وَبِهَذَا يكفر إِن الثَّانِي أَن الْمَعْنى رجعت عَلَيْهِ نقيصته لِأَخِيهِ ومعصية تكفيره الثَّالِث أَنه مَحْمُول على الْخَوَارِج وَرَوَاهُ ابْن بطال أَيْضا عَن مَالك قَالَ فَقيل لَهُ فيكفرون قَالَ لَا أَدْرِي اه كَلَام ابْن بطال قَالَ النَّوَوِيّ وَهُوَ ضَعِيف لمُخَالفَته الاكثرين والمحققين فِي كفر الْخَوَارِج قَالَ النَّوَوِيّ الرَّابِع أَنه مَحْمُول على أَنه يؤول بِهِ إِلَيّ الْكفْر فان الْمعاصِي بريد الْكفْر وَاحْتج عَلَيْهِ بِرِوَايَة أبي عوَانَة والاباء بالْكفْر وَفِي رِوَايَة فقد وَجب الْكفْر على أَحدهمَا اهـ وَالظَّاهِر أَن هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ حجَّة عَلَيْهِ لَا لَهُ الْخَامِس أَن مَعْنَاهُ فقد رَجَعَ عَلَيْهِ تكفيره وَلَيْسَ الرَّاجِع عَلَيْهِ حَقِيقَة الْكفْر بل التَّكْفِير لكَونه جعل أَخَاهُ الْمُسلم كَافِرًا فَكَأَنَّهُ كفر نَفسه إِمَّا لِأَنَّهُ كفر من هُوَ مثله وَإِمَّا لِأَنَّهُ كفر من لَا يكفره إِلَّا كَافِر يعْتَقد بطلَان الاسلام وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره ابْن بطال فِي تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي الْفرق بَين الْعَامِد والمتأول
وَترك النَّوَوِيّ القَوْل السَّادِس وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ وَالْغَزالِيّ والفقيه حميد فِي تَأْوِيل الحَدِيث بالعامد دون المتأول بِهَذَا التَّوْجِيه الْمَذْكُور وَترك أَيْضا القَوْل السَّابِع وَهُوَ أَن الحَدِيث على ظَاهره من غير تَأْوِيل وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْعُمْدَة كَمَا سلف وَلَا حجَّة قَاطِعَة مَانِعَة من صِحَّته وَعدم الْحجَّة القاطعة الْمَانِعَة من صِحَة ظَاهره يُوجب الِاحْتِيَاط الْبَالِغ بِتَرْكِهِ احْتِيَاطًا للاسلام وتعظيما لَهُ عَن المخاطرة بِهِ وتعريضه لما لَا يُؤمن أَن يُبطلهُ ويسلب نعْمَته الْعُظْمَى وينظم صَاحبه فِي جمله أهل الْكفْر والعمى
تَنْبِيه وَذَلِكَ أَن هَذَا الْكَلَام فِي التحذير من تَكْفِير المبتدعة الَّذين لم نستيقن أَن بدعتهم كفر مَعَ قبحها وفحشها وكراهتنا لَهَا وَأمر تَكْفِير عوام الْمُسلمين لأَنهم لم يعرفوا الله تَعَالَى بِدَلِيل قَاطع على شُرُوط أهل علم الْكَلَام فانه يزْدَاد الامر قُوَّة فِي كفر من كفرهم لِأَن الحكم باسلامهم مَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين وتكفيرهم جحد ذَلِك وَقد دلّ وَقد دلّ الْقُرْآن على صِحَة اسلامهم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ وَإِن تطيعوا الله وَرَسُوله لَا يلتكم من أَعمالكُم شَيْئا إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَقد تقدّمت الْأَدِلَّة على هَذَا فِي أول الْكتاب هَذَا فَليُرَاجع وَهَذَا لجلائه لَا يحْتَاج إِلَى بسط وَبِهَذَا الْكَلَام تمّ الْكَلَام فِي الْوَجْه الاول من مرجحات ترك التَّكْفِير
الْوَجْه الثَّانِي من مرجحات ترك التَّكْفِير أَمر رَسُول الله ﷺ وَآله بذلك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بالنصوصية والخصوصية وَهَذَا من أوضح المرجحات وَفِي ذَلِك أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله ثَلَاث من أصل الايمان الْكَفّ عَمَّن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله لَا نكفره بذنب وَلَا نخرجهُ من الاسلام بِعَمَل الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْجِهَاد من السّنَن وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من طَرِيق أُخْرَى وَلَيْسَ فِيهَا من ضعف إِلَّا يزِيد الرقاشِي العَبْد الصَّالح ضعف من قبل حفظه وَقد أثنى عَلَيْهِ الْحَافِظ ابْن عدي وَوَثَّقَهُ وَقَالَ عِنْده أَحَادِيث صَالِحَة عَن أنس أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ هَذَا مَعَ الثَّنَاء النَّبَوِيّ على عُمُوم التَّابِعين فَأَقل أَحْوَاله أَن يُقَوي طَرِيق أبي دَاوُد وَيشْهد لَهَا الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ وَآله نَحْو حَدِيث أنس
بِمَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الحَدِيث الثَّالِث عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ وَآله كفوا عَن أهل لَا إِلَه إِلَّا الله لَا تكفروهم بذنب من كفر أهل لَا إِلَه إِلَّا الله فَهُوَ إِلَى الْكفْر أقرب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث الضَّحَّاك ابْن حَمْزَة عَن عَليّ بن زيد وَحَمْزَة بِالْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بَينهمَا مِيم قَالَ الهيثمي مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بهما قلت لَكِن حَدِيثهمَا يصلح فِي الشواهد ويقوى بِمَا تقدم
وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وَوَائِلَة وَجَابِر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة ﵂ وعنهم سبعتهم عَن النَّبِي ﷺ وَآله بِمثل ذَلِك لَكِن فِي أسانيدها مجاريح لَكِن بمجموعها مَعَ مَا تقدم قُوَّة وَلِحَدِيث عَليّ ﵇ شَوَاهِد عَنهُ وَهُوَ مَا تقدم من عدم تكفيره الْخَوَارِج من طرق وَمن رده لأموالهم من طرق ويعضد ذَلِك عمل الصَّحَابَة فَعَن جَابر أَنه قيل لَهُ هَل كُنْتُم تدعون أحدا من أهل الْقبْلَة مُشْركًا قَالَ معَاذ الله فَفَزعَ لذَلِك قَالَ هَل كُنْتُم تدعون أحدا مِنْهُم كَافِرًا قَالَ لَا رَوَاهُ أَبُو يعلي وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح والْحَدِيث إِذا اشْتهر الْعَمَل بِهِ فِي الصحابه دلّ على قوته وَهَذِه الشواهد السَّبْعَة والْحَدِيث الَّذِي قبلهَا كلهَا فِي مجمع الزَّوَائِد فِي أَوَائِله
الْوَجْه الثَّالِث أَنَّهَا قد تكاثرت الْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي الْعَفو عَن الْخَطَأ وَالظَّاهِر أَن أهل التَّأْوِيل أخطأوا وَلَا سَبِيل إِلَى الْعلم بتعمدهم لِأَنَّهُ من علم الْبَاطِن الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى فِي خطاب أهل الاسلام خَاصَّة ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ وَصَحَّ فِي تَفْسِيرهَا أَن الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت فِي حديثين صَحِيحَيْنِ أَحدهمَا عَن ابْن عَبَّاس وَالْآخر عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ فقيد ذمهم بعلمهم وَقَالَ فِي
قتل الْمُؤمن مَعَ التغليط الْعَظِيم فِيهِ ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ فقيد الْوَعيد فِيهِ بالتعمد وَقَالَ فِي الصَّيْد ﴿وَمن قَتله مِنْكُم مُتَعَمدا﴾ وَجَاءَت الاحاديث الْكَثِيرَة بِهَذَا الْمَعْنى كَحَدِيث سعد وَأبي ذَر وَأبي بكرَة مُتَّفق على صِحَّتهَا فِيمَن ادّعى أَبَا غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فَشرط الْعلم فِي الْوَعيد وَمن أوضحها حجَّة حَدِيث الَّذِي أوصى لإسرافه أَن يحرق ثمَّ يذري فِي يَوْم شَدِيد الرِّيَاح نصفه فِي الْبر وَنصفه فِي الْبَحْر حتي لَا يقدر الله عَلَيْهِ ثمَّ يعذبه ثمَّ أَدْرَكته الرَّحْمَة لخوفه وَهُوَ حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم حُذَيْفَة وَأَبُو سعيد وَأَبُو هُرَيْرَة بل رُوَاته مِنْهُم قد بلغُوا عدد التَّوَاتُر كَمَا فِي جَامع الاصول وَمجمع الزَّوَائِد وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنه كَانَ نباشا وَإِنَّمَا أَدْرَكته الرَّحْمَة لجهله وإيمانه بِاللَّه والمعاد لذَلِك خَافَ الْعقَاب وَأما جَهله بقدرة الله تَعَالَى على مَا ظَنّه محالا فَلَا يكون كفرا إِلَّا لَو علم أَن الْأَنْبِيَاء جاؤا بذلك وَأَنه مُمكن مَقْدُور ثمَّ كذبهمْ أَو أحدا مِنْهُم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَهَذَا أَرْجَى حَدِيث لأهل الْخَطَأ فِي التَّأْوِيل ويعضد مَا تقدم بِأَحَادِيث أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ وَهِي ثَلَاثَة أَحَادِيث صِحَاح وَلِهَذَا قَالَ جمَاعَة جلة من عُلَمَاء الاسلام أَنه لَا يكفر الْمُسلم بِمَا ينْدر مِنْهُ من أَلْفَاظ الْكفْر إِلَّا ان يعلم المتلفظ بهَا أَنَّهَا كفر قَالَ صَاحب الْمُحِيط وَهُوَ قَول أبي عَليّ الجبائي وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ قَالَ الشَّيْخ مجتبى وَبِه يُفْتى وَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح بل الْمُتَوَاتر حجتهم على ذَلِك وَهَذَا خلاف مُتَّجه بِخِلَاف قَول البهاشمة لَا يكفر وَإِن علم أَنه كفر حَتَّى يَعْتَقِدهُ
وَمِمَّا يُقَوي الْعَفو عَن أهل الْخَطَأ أَنه قد يكون فِي الْأَدِلَّة ومقدماتها وَلذَلِك كَانَ الْمَشْهُور فِي الْقَتْلَى فِي فتن الصَّحَابَة سُقُوط الْقصاص كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سيرة على ﵇ كَمَا تقدم وَرُوِيَ الشَّافِعِي عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ أدْركْت الْفِتْنَة الأولى فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله وَكَانَت فِيهَا دِمَاء وأموال فَلم يقْتَصّ فِيهَا من دم وَلَا مَال وَلَا قدح أُصِيب بِوَجْه التَّأْوِيل إِلَّا أَن يُوجد مَال رجل بِعَيْنِه فَيدْفَع إِلَى صَاحبه
قَالَ ابْن كثير فِي ارشاده وَهُوَ ثَابت عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ عَام فِي أهل الْعدْل وَالْبَغي وَإِن وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ لَا يضمن للْآخر شَيْئا وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق من قولي الشَّافِعِي فَدلَّ على دُخُول الْخَطَأ فِي أَفعَال الْقُلُوب كأفعال الْخَوَارِج كَمَا هُوَ وَاضح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّحْل ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله وَأُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَقَوله فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ يُؤَيّد أَن المتأولين غير كفار لِأَن صُدُورهمْ لم تَنْشَرِح بالْكفْر قطعا أَو ظنا أَو تجويزا أَو احْتِمَالا
وَقد يشْهد لَهُم بذلك كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق فِي الْمَشْهُور عَنهُ حَيْثُ سُئِلَ عَن كفر الْخَوَارِج فَقَالَ من الْكفْر فروا فَكَذَلِك جَمِيع أهل التَّأْوِيل من أهل الْملَّة وَإِن وَقَعُوا فِي أفحش الْبدع وَالْجهل فقد علم مِنْهُم أَن حَالهم فِي ذَلِك هِيَ حَال الْخَوَارِج وَقد بَالغ الشَّيْخ أَبُو هَاشم وَأَصْحَابه وَغَيرهم فَقَالُوا هَذِه الْآيَة تدل على أَن من لم يعْتَقد الْكفْر ونطق بِصَرِيح الْكفْر وبسب الرُّسُل أَجْمَعِينَ وبالبراءة مِنْهُم وبتكذيبهم من غير إِكْرَاه وَهُوَ يعلم أَن ذَلِك كفر لَا يكفر وَهُوَ ظَاهر اخْتِيَار الزَّمَخْشَرِيّ فِي كشافه فانه فسر شرح الصَّدْر بِطيب النَّفس بالْكفْر وباعتقاده مَعًا وَاخْتَارَهُ الامام يحيي ﵇ والامير الْحُسَيْن بن مُحَمَّد
وَهَذَا كُله مَمْنُوع لأمرين أَحدهمَا مُعَارضَة قَوْلهم بقوله تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ فقضي بِكفْر من قَالَ ذَلِك بِغَيْر شَرط فَخرج الْمُكْره بِالنَّصِّ والاجماع وَبَقِي غَيره فَلَو قَالَ مُكَلّف مُخْتَار غير مكره بمقالة النصاري الَّتِي نَص الْقُرْآن على أَنَّهَا كفر وَلم يعْتَقد صِحَة
مَا قَالَ لم يكفره مَعَ أَنه لعلمه يقبح قَوْله يجب أَن يكون أعظم إِنَّمَا من بعض الْوُجُوه لقَوْله تَعَالَى ﴿وهم يعلمُونَ﴾ فعكسوا وَجعلُوا الْجَاهِل بِذَنبِهِ كَافِرًا والعالم الجاحد بِلِسَانِهِ مَعَ علمه مُسلما الامر الثَّانِي أَن حجتهم دَائِرَة بَين دلالتين ظنيتين قد اخْتلف فيهمَا فِي الْفُرُوع الظنية احداهما قِيَاس الْعَامِد على الْمُكْره وَالْقطع على أَن الاكراه وصف ملغى مثل كَون الْقَائِل بِالثَّلَاثَةِ نَصْرَانِيّا وَهَذَا نَازل جدا وَمثله لَا يقبل فِي الْفُرُوع الظنية وثانيتهما عُمُوم الْمَفْهُوم وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فانه لَا حجَّة لَهُم فِي منطوقها قطعا وفَاقا وَفِي الْمَفْهُوم خلاف مَشْهُور هَل هُوَ حجَّة ظنية مَعَ الِاتِّفَاق على أَنه هُنَا لَيْسَ بِحجَّة قَطْعِيَّة ثمَّ فِي إِثْبَات عُمُوم لَهُ خلاف وحجتهم هُنَا من عُمُومه أَيْضا وَهُوَ أَضْعَف مِنْهُ
بَيَانه أَن مَفْهُوم الْآيَة وَمن لم يشْرَح بالْكفْر صَدرا فَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك سَوَاء قَالَ كلمة الْكفْر بِغَيْر إِكْرَاه أَو قَالَهَا مَعَ إِكْرَاه فَاحْتمل أَن لَا يدْخل الْمُخْتَار بل رجح أَن لَا يدْخل لِأَن سَبَب النُّزُول فِي الْمُكْره والعموم الْمَنْطُوق يضعف شُمُوله بذلك وَيخْتَلف فِيهِ فضعف ذَلِك فِي الظنيات من ثَلَاث جِهَات من كَونه مفهوما وَكَونه عُمُوم مَفْهُوم وَكَونه على سَبَب مضاد لمقصودهم قَالَ قَتَادَة نزلت فى عمار بن يَاسر ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمته من النبلاء وَرَوَاهُ الواحدي عَن ابْن عَبَّاس فَكيف يقدم مَعَ ذَلِك كُله على مَنْطُوق ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَإِذ قد فعلوا ذَلِك هُنَالك لما فِيهِ من أدني احْتِمَال لعدم شرح الصَّدْر من الْعَامِد الْمُخْتَار فِي كَلِمَات الْكفْر كلهَا من غير اكراه وَلَا جهل لَا خطأ وَلَا عذر أصلا فَكيف بِأَهْل التَّأْوِيل الَّذين علم مِنْهُم السَّعْي فِي تَعْمِيم شَعَائِر الاسلام والأنبياء ومحبتهم ومحبة مناصرتهم والمرء مَعَ من أحب وَتحمل المشاق الْعَظِيمَة لله تَعَالَى والاحتجاج الطَّوِيل على مخالفي الاسلام حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ فِي وَصيته اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم إِنِّي آثرت هواي على الْحق فِيمَا صَنعته فَلَا كَذَا وَكَذَا ودعا بِعَدَمِ الْمَغْفِرَة أَو كَمَا قَالَ
وَلما ذكر الذَّهَبِيّ فِي النبلاء تجويد الجاحظ فِي كتاب النبوات ترحم عَلَيْهِ وَقَالَ فَكَذَلِك فَلْيَكُن الْمُسلم مَعَ أَنه من خصومه وَهَذَا شَيْء يُعلمهُ الْعَاقِل
من قَرَائِن أَحْوَال المتأولين وَأَقل الاحوال أَن يكون هَذَا مُحْتملا مُجَرّد احْتِمَال مَعَ سَعَة رَحْمَة الله سُبْحَانَهُ وعظيم عَفوه وغفرانه وَمَعَ مَا ورد فِي أَحَادِيث الشَّفَاعَة المتواترة كَمَا مضى بَيَانه فِي مَوْضِعه وَلذَلِك سَاوَى رَسُول الله ﷺ بَين الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والاكراه فِي أَحَادِيث كَثِيرَة جدا مجتمعة على اأن الله تَعَالَى تجَاوز لأمته عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَقد تقصيت طرقها وشواهدها من الْقُرْآن فِي ديباجة كتاب العواصم
وَقد أَجمعت الْأمة على الْعَمَل بِمُقْتَضى النُّصُوص فِي الاكراه وَالنِّسْيَان فَكَذَلِك أخوهما وثالثهما وَهُوَ الْخَطَأ أَن شَاءَ الله تَعَالَى بل هُوَ أَكثر مِنْهُمَا ذكرا وشواهد فِي الْكتاب وَالسّنة والبلوى بِهِ أَشد والرخصة إِنَّمَا تكون على قدر شدَّة الْبلوى
واما كفار التَّصْرِيح فَلَا نسلم أَن كفرهم خطأ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن مرادنا بالْخَطَأ هُوَ خطأ مَخْصُوص وَهُوَ الْخَطَأ فِي تحري مُرَاد الله تَعَالَى وَرَسُوله فِيمَا ظَاهره التَّعَارُض والتشابه وكفار التَّصْرِيح تعمدوا تَكْذِيب الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَتَكْذيب رسله وَلم يقعوا فِي ذَلِك خطأ من غير اعْتِمَاد
وَثَانِيها أَن الله تَعَالَى قد أخبر رسله الْكِرَام بعنادهم واستحقاقهم الْعَدَاوَة وَالْعَذَاب الْعَظِيم وَلَو فِي أول مرّة كَمَا قَالَ فِي ذَلِك ﴿كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَكَلَام ابْن أبي الْحَدِيد فِيهِ فِي شرح قَول عَليّ ﵇ الَّذِي شهِدت لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على اقرار قلب ذِي الْجُحُود وَهَذَا تَصْرِيح بعناد كفار التَّصْرِيح حِين انكروا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَاجْتمعت عَلَيْهَا جَمِيع كتبه وَرُسُله وأتباعهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهَا وليحذر من أَمن الْخَطَأ وَقطع على عدم مُسَامَحَة أَهله فِي العقائد من الْمُؤَاخَذَة لَهُ فِيمَا أَخطَأ فِيهِ وَعدم الْمُسَامحَة لَهُ كَمَا ذكرته فِي تحذير من قَالَ بتكليف مَا لَا يُطَاق أَن يحملهُ الله تَعَالَى من الْعُقُوبَات على قَوْلهَا مَا لَا يطيقه فان جَزَاء الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ من جنس أفعالهم وأقوالهم جَزَاء وفَاقا وكما تدين تدان وَقد مر مَا ورد فِي ذَلِك أَو بعضه فِي التحذير من تَجْوِيز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق على أعدل العادلين وَأكْرم الأكرمين وأرحم الرَّاحِمِينَ
الْوَجْه الرَّابِع أَن مُؤَاخذَة المخطيء لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون من تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق أَو من أعظم المشاق فان كَانَت من الأول فَهُوَ لَا يجوز على الله تَعَالَى كَمَا تقدم القَوْل فِيهِ مَبْسُوطا بسطا شافيا وَإِن لم تكن مِنْهُ كَانَت من أعظم المشاق وَقد نفي الله تَعَالَى وجود ذَلِك فِي دينه
أما أَنه قد نفى ذَلِك فِي دينه فالمنصوص فِيهِ كَثِيرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وتواتر هَذَا الْمَعْنى فِي السّنة وَقد جمعته فِي مؤلف مُفْرد ذكرت فِيهِ أَكثر من ثَلَاثِينَ آيَة من كتاب الله تَعَالَى وأزيد من مائَة وَثَمَانِينَ حَدِيثا فَلَا نطول بِذكرِهِ لوضوحه
وَأما أَن ذَلِك من أعظم الْحَرج والمشاق فالأمرين
الْأَمر الأول أَن الْعَاقِل الْمُعظم لأمر الله تَعَالَى الْمُؤثر لمرضاته لَو خير بَين أَمريْن أَن يُكَلف الصَّبْر على الْقَتْل عِنْد الاكراه على كلمة الْكفْر أَو الِاحْتِرَاز من الْخَطَأ بعد تَقْرِير أَن الْخَطَأ كفر لَا يغْفر وَيُوجب الخلود فِي النَّار لاختار الصَّبْر على الْقَتْل لِأَنَّهُ يُفْضِي بِهِ إِلَى الْجنَّة وَإِنَّمَا هُوَ صَبر سَاعَة وَهُوَ لَا يَأْمَن أَن يَقع فِي الْخَطَأ الَّذِي يكفر بِهِ وَلَا يغْفر لَهُ مَعَ عدم الْعِصْمَة وَعدم الْمُسَامحَة لِأَن الْخَطَأ قد جربت كَثْرَة وُقُوعه من الأذكياء والافراد فِي المعارف الَّذين ضربت الْأَمْثَال بهم فِي الْعقل والذكاء والفهم وَالْعلم وَذَلِكَ عِنْد تعار ض الأنظار والآيات والْآثَار والمتشابهات والمحتملات وَتَخْصِيص أَكثر العمومات حَتَّى وَقع بعض الْأَنْبِيَاء فِي شَيْء من ذَلِك مَعَ الْعِصْمَة والتأييد الرباني هَذَا نوح ﵇ ظن أَن ابْنه دَاخل فِي عُمُوم أَهله الَّذين وعده الله تَعَالَى بنجاتهم وَلم يعلم تَخْصِيص هَذَا الْعُمُوم وَلَو علمه مَا سَأَلَ وَقد قيل فِي الْوَجْه فِي ذَلِك أَن ابْنه كَانَ منافقا وَهَذَا مُوسَى ﵇ راعه مَا وَقع من الْخضر ﵇ من المتشابهات حَتَّى عيل صبره وأخلف وعده
الْأَمر الثَّانِي أَنه لم يتَحَقَّق وُرُود الشَّرْع بعقوبة المخطيء بعد الرَّغْبَة فِي معرفَة الصَّوَاب وَحسن النِّيَّة فِي تعرفه وَإِن لم يبلغ جَمِيع مَا يُمكن الْبشر فِي علم الله تَعَالَى أما مَعَ بُلُوغه ذَلِك فَلَا شكّ فِي الْعَفو عَنهُ وَأما المشاق
الْعَظِيمَة فقد يرد الشَّرْع بهَا نَادرا فِي هَذِه الشَّرِيعَة تَخْصِيصًا لعُمُوم الْمُسَامحَة فِيمَا شقّ حَيْثُ تَقْتَضِي ذَلِك الْحِكْمَة كَمَا فِي وجوب الصَّبْر للْقصَاص فِي الْقَتْل وَقطع الاعضاء وَالرَّجم فِي عُقُوبَة الزَّانِي وَكَانَ هَذَا أَكثر فِي شرائع من قبلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ وَمِنْه وجوب الْقَتْل فِي تَوْبَة بني إِسْرَائِيل وَنَحْو ذَلِك فَثَبت أَن المشاق الْعَظِيمَة قد تحقق وُرُودهَا فِي الشَّرَائِع نَادرا حَيْثُ يَقْتَضِي ذَلِك الْمصلحَة وَإِن عِقَاب المخطيء بِعَذَاب النَّار لم يتَحَقَّق وُرُوده فِي شَرِيعَة من الشَّرَائِع فَثَبت أَنه أَحَق المشاق بِأَن يسمحه اكرام الاكرمين وَخير الغافرين ﷾ وَلَا برهَان قَاطع على أَن المكفرين من أهل التَّأْوِيل لَا يسمون مخطئين وَلَا على خُرُوجهمْ من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على الْعَفو عَن المخطئين
االوجه الْخَامِس أَن أخوة يُوسُف لما قَالُوا ﴿إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين﴾ وَقَالُوا ﴿تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ لم يكفروا بذلك لما كَانُوا باقين على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن يَعْقُوب رَسُول الله معتقدين مَعَ ذَلِك صِحَة نبوته وَدينه وَإِنَّمَا جوزوا عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك الضلال فِي حب يُوسُف لِأَنَّهُ عِنْدهم من الضلال فِي الرَّأْي ومصالح الدُّنْيَا وَقد قاربوا الاستهانة وَعدم التوقير لَوْلَا جلالة بقائهم على الشَّهَادَتَيْنِ وَإِيمَانهمْ بِاللَّه تَعَالَى وَرُسُله فَثَبت أَن للبقاء على ذَلِك أثرا عَظِيما فان الامارات لَا تقاومه وَإِن الشَّرْع ورد بتعظيم ذَلِك وَطرح الْمعَارض لَهُ وَلذَلِك عظم رَسُول الله ﷺ وَآله على أُسَامَة بن زيد قتل الْكَافِر الَّذِي ضربه فَلَمَّا قدر عَلَيْهِ أسلم وَعظم على أَصْحَابه الْكَلَام فِي بعض من كَانُوا يعدونه من الْمُنَافِقين وَقَالَ أَلَيْسَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَإِنِّي رَسُول الله وَيُصلي قَالُوا بلَى وَلَا شَهَادَة لَهُ وَلَا صَلَاة قَالَ إِنِّي لم أومر أَن أفتش على قُلُوب النَّاس وأمثال ذَلِك كَثِيرَة صَحِيحَة
الْوَجْه السَّادِس أَن الْخَارِجِي الَّذِي قَالَ لرَسُول الله ﷺ وَآله اعْدِلْ يَا مُحَمَّد وَالله إِن هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله تكلم بِكَلَام من أقبح الْكَلَام وَظن ظنا من أَسْوَأ الظنون وَلم يحكم النبى ﷺ بِكُفْرِهِ مَعَ ذَلِك مَعَ أَنه لَو
كفر لوَجَبَ قَتله بِالرّدَّةِ إِلَّا أَن يَتُوب وَلم تنقل لَهُ تَوْبَة بل جَاءَ فِي الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا تخرج من ضئضئة الْخَوَارِج وَإِنَّمَا لم يكفر وَالله أعلم لِأَنَّهُ بَقِي على شَهَادَة أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ وَآله وَإِنَّمَا جوز عَلَيْهِ أَن يُذنب كذنوب الانبياء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَهَذَا يدل على تَعْظِيم حُرْمَة الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ عظم الْخَطَأ وَكَذَلِكَ لم يكفر حَاطِب ابْن أبي بلتعة مَعَ خيانته لرَسُول الله ﷺ وَآله وَمَا نزل فِيهِ أول سُورَة الممتحنة وَقَوله تَعَالَى فِيهِ ﴿تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾ و﴿تسرون إِلَيْهِم بالمودة﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ وَمَعَ ذَلِك وَصفه بالايمان فِي أول السُّورَة حَيْثُ قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه دَاخل فِيمَن خُوطِبَ بذلك لِأَن الْعُمُوم نَص فِي سَببه بالاجماع وَلذَلِك أدخلهُ الله مَعَ الْمُؤمنِينَ وخاطبه بأجمل الْخطاب حَيْثُ قَالَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وَكَذَلِكَ ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ وَآله قبل عذره وَذَلِكَ كُله يدل على مَا قَالَه الامام الْمهْدي مُحَمَّد بن المطهر ﵇ أَن الْمُوَالَاة الْمُحرمَة بالاجماع هِيَ أَن تحب الْكَافِر لكفره والعاصي لمعصيته لَا لسَبَب آخر من جلب نفع أَو دفع ضَرَر أَو خصْلَة خير فِيهِ وَالله أعلم
الْوَجْه السَّابِع أَن الله تَعَالَى نَص على تَحْرِيم التَّفَرُّق فِي كِتَابه الْكَرِيم وَجَاء ذَلِك بعبارات كَثِيرَة فِي الْكتاب وَالسّنة وَلَا أفحش فِي التَّفَرُّق من التَّوَصُّل إل التَّكْفِير بأدلة مُحْتَملَة تمكن معارضتها بِمِثْلِهَا وَيُمكن التَّوَصُّل بهَا إِلَى عدم التَّكْفِير وَإِلَى جمع الْكَلِمَة وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه لَا أفحش من ذَلِك فِي التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ لما فِيهِ من أعظم التعادي والتنافر والتباين وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله فِي حق الْمَحْدُود فِي الْخمر مرَارًا حَيْثُ لعنوه بِسَبَب ذَلِك لَا تعينُوا الشَّيْطَان على أخيكم أما أَنه يحب الله وَرَسُوله وَلَا شكّ أَن فِي التَّفَرُّق ضعف الاسلام وتقليل أَهله وتوهين أمره قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ وَقَالَ بعْدهَا بِآيَة
وَاحِدَة ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ وَقد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن الِاخْتِلَاف المنهى عَنهُ هُوَ التعادي لَا الِاخْتِلَاف فِي مُجَرّد الافعال والاقوال مَعَ عدم التعادي وَأَن بعض ذَلِك قد وَقع بَين الْمَلأ الاعلى وَبَين رسل الله الْكِرَام عَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام يُوضحهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ وَفِي الحَدِيث أَن صَلَاح ذَات الْبَين أفضل من عَامَّة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَفِيه أَن فَسَاد ذَات الْبَين هِيَ الحالقة اما اني لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين
وَقد تقدم فِي هَذَا الْبَاب مَا جَاءَ فِي المشاحنة والمهاجرة من الْوَعيد الشَّديد وَالْأَحَادِيث المتواترة مِنْهَا حَدِيث هِشَام بن عمار عَن رَسُول الله ﷺ وَآله لَا يحل لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاث فانهما ناكبان عَن الْحق مَا داما على صرامهما وأولهما فيأ يكون سبقة بالفيء كَفَّارَة لَهُ وَإِن سلم وَلم يقبل ردَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وَإِن مَاتَا على صرامهما لم يدخلا الْجنَّة جَمِيعًا أبدا رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَقد مر فِي الْوَجْه الأول من هَذِه الْوُجُوه مَا لَهُ من الشواهد المتواترة الرائعة فِي تَحْرِيم ذَلِك وانه مقرون بالشرك فِي حرمَان صَاحبه الغفران وَهَذَا أَمر مجمع على تَحْرِيمه فِي الأَصْل فَيجب مُرَاعَاة أَسبَابه ومقوياته فَكلما كَانَ أقرب إِلَى الِاجْتِمَاع كَانَ أرجح وَكلما كَانَ أقرب إِلَى التَّفَرُّق وَادّعى اليه وَإِلَى اثارته كَانَ أفسد وأبطل وَكم بَين إِخْرَاج
عوام فرق الاسلام أَجْمَعِينَ وجماهير الْعلمَاء المنتسبين إِلَى الاسلام من الْملَّة الاسلامية وتكثير الْعدَد بهم وَبَين ادخالهم فِي الاسلام ونصرته بهم وتكثير أَهله وتقوية أمره فَلَا يحل الْجهد فِي التَّفَرُّق بتكلف التَّكْفِير لَهُم بالأدلة الْمُعَارضَة بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا أَو مثلهَا مِمَّا يجمع الْكَلِمَة وَيُقَوِّي الاسلام ويحقن الدِّمَاء ويسكن الدهماء حَتَّى ينضح كفر المبتدع اتضاح الصُّبْح الصَّادِق وتجتمع عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَتحقّق إِلَيْهِ الضَّرُورَة مثل كفر الزَّنَادِقَة والملاحدة الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْث وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وتأولوا الرب ﷻ وَجَمِيع أَسْمَائِهِ بامام الزَّمَان وسموه باسم الله تَعَالَى وفسروا لَا إِلَه إِلَّا الله أَي لَا إِمَام إِلَّا إِمَام الزَّمَان فِي زعمهم خذلهم الله تَعَالَى وتلعبوا بِجَمِيعِ آيَات كتاب الله ﷿ فِي تَأْوِيلهَا جَمِيعًا بالبواطن الَّتِي لم يدل على شَيْء مِنْهَا دلَالَة وَلَا امارة وَلَا لَهَا فِي عصر السّلف الصَّالح اشارة وَكَذَلِكَ من بلغ مبلغهم من غَيرهم فِي تعفية آثَار الشَّرِيعَة ورد الْعُلُوم الضرورية الَّتِي نقلتها الامة خلفهَا عَن سلفها وَالله يحب الانصاف قطعا
الْوَجْه الثَّامِن أَن الْخَطَأ لما كَانَ منقسما إِلَيّ مغْفُور قطعا كالخطأ فِي الاجتهاديات على الصَّحِيح وَغير مغْفُور قطعا كالخطأ فِي نفي الْبَعْث وَالْجنَّة وَالنَّار وَتَسْمِيَة الامام بأسماء الله تَعَالَى إِلَيّ غير ذَلِك ومختلف فِيهِ مُحْتَمل للالحاق بِأحد الْقسمَيْنِ نَظرنَا لأنفسنا فِي الاقدام على تَكْفِير أهل التَّأْوِيل من أهل الْقبْلَة وَفِي الْوَقْف عَنهُ عِنْد الِاشْتِبَاه فَوَجَدنَا الْوَقْف عَنهُ حِينَئِذٍ مَعَ تقبيح بدع المبتدعة لَا يحْتَمل أَن يكون كفرا وَلَا خطأ غير مَعْفُو عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يدل على ذَلِك برهَان قَاطع وَلَا دَلِيل ظَاهر بل الْأَدِلَّة وَاضِحَة فِي الْعَفو حِينَئِذٍ على تَقْدِير الْخَطَأ كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْوَجْه الرَّابِع وَأما الاقدام على التَّكْفِير فعلى تَقْدِير الْخَطَأ فِيهِ لَا نَأْمَن أَن يكون كفرا أَو خطأ غير مَعْفُو عَنهُ كخطأ الْخَوَارِج لوُرُود النُّصُوص الصَّحِيحَة الْكَثِيرَة بذلك وَعدم الْإِجْمَاع على تَأْوِيلهَا كَمَا تقدم فِي الْوَجْه الأول فَوَجَدنَا الْوَقْف حِينَئِذٍ أحوط للدّين وَالدَّار الْآخِرَة حَتَّى لَو قَدرنَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى أَن الْخَطَأ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَنْب غير مغْفُور لَكَانَ الْخَطَأ فِي الْوَقْف أَهْون من الْخَطَأ فِي التَّكْفِير وَفِي الحَدِيث والعقول دَلَائِل على ذَلِك كَثِيرَة وَلذَلِك قيل أَن للشر خيارا وَمِنْه قَوْلهم حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض
الْوَجْه التَّاسِع أَن الْوَقْف عَن التَّكْفِير عِنْد التَّعَارُض والاشتباه أولى وأحوط من طَرِيق أُخْرَى وَذَلِكَ أَن الْخَطَأ فِي الْوَقْف على تَقْدِيره تَقْصِير فِي حق من حُقُوق الْغَنِيّ الحميد الْعَفو الْوَاسِع أسمح الْغُرَمَاء وأرحم الرُّحَمَاء وَأحكم الْحُكَمَاء ﷾ وَالْخَطَأ فِي التَّكْفِير على تَقْدِيره أعظم الْجِنَايَات على عباده الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ مضاد لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عَنْهُم
وَقد روى فِي ذَلِك من حَدِيث أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ وَمن حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَنه قَالَ
(الدَّوَاوِين عِنْد الله ثَلَاثَة ديوَان لَا يغفره الله وَهُوَ الشّرك بِاللَّه تَعَالَى وديوان لَا يتْركهُ وَهُوَ حُقُوق المخلوقين وديوان لَا يُبَالِي بِهِ وَهُوَ مَا بَينه ﷾ وَبَين عَبده فالتارك للتكفير إِن قَدرنَا خطأه فانما أخل بِحَق من حُقُوق الله تَعَالَى وَهُوَ إِجْرَاء الاحكام عَلَيْهِم وَهُوَ هَهُنَا لم يتْركهُ إِلَّا لعدم شَرط جَوَازه وَهُوَ تحقق الْمُوجب لَهُ وَأما للكفر إِن قَدرنَا خطأه فقد أخل بِحَق الْمَخْلُوق الْمُسلم بل تعدى عَلَيْهِ وظلمه أكبر الظُّلم وأفحشه فَأخْرجهُ من الاسلام وَهُوَ يشْهد أَن لَا أَله إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن جَمِيع رسله وَكتبه وَمَا جَاءَ فِيهَا عَن الله ﷿ حق لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب فِي شَيْء مِنْهُ على الْجُمْلَة وَإِنَّمَا أَخطَأ فِي بعض التفاصيل وَقد صرح بالتأويل فِيمَا أَخطَأ فِيهِ فان وصف الله بِوَصْف نقص فلاعتقاده أَنه وصف كَمَال وان نسب إِلَيْهِ قبحا فلاعتقاده أَنه حسن وان تعمد الْقَبِيح فِي ذَلِك فَمحل التعمد هُوَ الْقلب المحجوب عَنَّا سرائره وَالْحَاكِم فِيهِ علام الغيوب وَقد عوقبت الْخَوَارِج أَشد الْعقُوبَة وذمت أقبح الذَّم على تكفيرهم لعصاة الْمُسلمين مَعَ تعظيمهم فِي ذَلِك لمعاصي الله تَعَالَى وتعظيمهم لله تَعَالَى بتكفير عاصية فَلَا يأمل الْمُكَفّر أَن يَقع فِي مثل ذنبهم وَهَذَا خطر فِي الدّين جليل فَيَنْبَغِي شدَّة الِاحْتِرَاز فِيهِ من كل حَلِيم نبيل وَلأَجل هَذَا الْخطر عذر المتوقف فِي التَّكْفِير وَكَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقين كَمَا ذكره الْفَقِيه حميد وَاخْتَارَهُ فِي عُمْدَة المسترشدين بل كَمَا قَامَت عَلَيْهِ الدَّلَائِل والبراهين
الْوَجْه الْعَاشِر أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ لم يكفر
أهل الْجمل وصفين لم يسر فيهم السِّيرَة فِي الْكَافرين مَعَ صِحَة قَول رَسُول الله ﷺ وَآله (لايحبك إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق) وَالْمُنَافِق إِذا أظهر النِّفَاق وَحَارب وَكَانَت لَهُ شَوْكَة جرت عَلَيْهِ أَحْكَام الْكفَّار بالاجماع بل قد صَحَّ أَن سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر فَكيف بِسَيِّد الْمُسلمين ومولاهم الامام بل خلاف بَينهم الْوَاجِب محبته وطاعته عَلَيْهِم
وَفِي مُسْند أَحْمد عَن أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت أيسب رَسُول الله فِيكُم قيل لَهَا معَاذ الله قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سبّ عليا فقد سبي رِجَاله رجال الْجَمَاعَة كلهم إِلَى أبي عبد الله الحدلي التَّابِعِيّ الرَّاوِي عَنْهَا وَهُوَ ثِقَة وَلم يكفرهم ﵇ مَعَ هَذَا وَأَمْثَاله فَدلَّ ذَلِك على أَنه ﵇ بعد عَن التَّكْفِير لأجل المعارضات الَّتِي أَشَرنَا اليها فِي حكم أهل الشَّهَادَتَيْنِ أَو فِيمَن قَامَ بأركان الاسلام ولجوازان يُرَاد كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وَهَذَا الْوَجْه مفارق للْوَجْه الأول الْمُتَعَلّق بالحوارج لِأَن النزاع فِي كفر الْخَوَارِج مُمكن أَو مَشْهُور وَأما هَؤُلَاءِ فَلَا خلاف بَين أهل النَّقْل وَالْبَصَر وبالتواريخ أَنه ﵇ سَار فيهم السِّيرَة فِي الْبُغَاة على إِمَام الْحق وَلم يسر فيهم السِّيرَة فِي أهل الْكفْر وَلِهَذَا قَالَ الامام أَبُو حنيفَة أَنه لَوْلَا سيرته ﵇ فِي ذَلِك مَا عرفت أَحْكَام الْبُغَاة أَو كَمَا قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ فعله فيهم حجَّة على الْبعد عَن التَّكْفِير لِأَنَّهُ تَركه مَعَ وجود النُّصُوص الصَّحِيحَة بكفرهم ونفاقهم كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْحَدِيثين الشهيرين وشواهدهما بل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَعدل إِلَى تَرْجِيح معارضتهما وَلَا معنى للْعَبد عَن التَّكْفِير إِلَّا ذَلِك
الْوَجْه الْحَادِي عشر
أَنه قد يدق مُرَاد الْمُخَالف ويخفي جدا وَيحْتَمل الْوَقْف فيفسر بِمَا لم يَقْصِدهُ كَمَا تقدم فِي هَذَا الْمُخْتَصر فِي اخْتِلَاف النَّاس فِي تَحْقِيق فعل العَبْد إِلَى بضعَة عشر قولا أَكْثَرهَا غامضة وكما دق مَذْهَب الاشعرية فِي الرُّؤْيَة حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ أَن مُرَادهم أَنه ينْكَشف لله تَعَالَى صفة فِي الْآخِرَة هِيَ بِالنِّسْبَةِ اليه كالرؤية بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وَقد ينْقل عَنهُ مَا لم يقل لتوهم أَنه لَازم لَهُ وَلَيْسَ بِلَازِم كَمَا نسب تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِلَى
الاشعري أَو لَازم وَلَكِن اللَّازِم الَّذِي لم يقل بِهِ بل تَبرأ مِنْهُ وَمن لُزُومه كَالَّذي قَالَه وَكم يخْتَلف أَتبَاع الْعَالم فِي كثير من مقاصده وَيلْزم مَا لم يَقْصِدهُ كَمَا يخْتَلف فِي كثير من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَقد تقدم هَذَا فِي سَبَب الابتداع فِي الدّين بتبديل الْعبارَات وَعَلِيهِ بنيت هَذَا الْمُخْتَصر فاذا تقرر هَذَا فَمن الْعجب تَكْفِير كثير مِمَّن لم يرسخ فِي الْعلم لكثير من الْعلمَاء وَمَا دروا حَقِيقَة مذاهبهم وَهَذِه هَذِه وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ
الْوَجْه الثَّانِي عشر
أَن فِي الحكم بتكفير الْمُخْتَلف فِي كفرهم مفْسدَة بَيِّنَة تخَالف الِاحْتِيَاط وَذَلِكَ اسقاط الْعِبَادَات عَنْهُم إِذا تَابُوا وَإِسْقَاط جَمِيع حُقُوق المخلوقين من الْأَمْوَال والدماء وَغَيرهمَا وَإِبَاحَة فروج نِسَائِهِم إِذا لم يتوبوا وَسَفك دِمَائِهِمْ مَعَ قيام الِاحْتِمَال بِشَهَادَة وجود الْمُخَالفين الجلة من أَئِمَّة الْملَّة وَوُجُود المعارضات الراجحة الْوَاضِحَة الادلة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْوَجْه شيخ الاعتزال الْمَعْرُوف بمختار فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة من مسَائِل هَذَا الْبَاب فِي كِتَابه الْمُجْتَبى قَالَ فِيهِ وَعَن بعض السّلف أَنه كَانَ يكْتب فِي الْفَتْوَى فِي هَذَا لَا يكفر وغيري يخالفني
الْوَجْه الثَّالِث عشر
أَن الْخَطَأ فِي الْعَفو خير الْخَطَأ فِي الْعقُوبَة نَعُوذ بِاللَّه من الْخَطَأ فِي الْجَمِيع ونسأله الاصابة والسلامة والتوفيق وَالْهِدَايَة لَكنا وجدنَا الله تَعَالَى لم يذم من أَخطَأ فِي نَحْو ذَلِك أَلا ترَاهُ أثنى على خليه ﵇ حِين جادله فِي قوم لوط فَقَالَ ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ وَقَالَ ﷿ فِيهِ بعد حكايته استغفاره لِأَبِيهِ ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ وَإِنَّمَا كَانَ جداله واستغفاره فِيمَا يحْتَمل الْجَوَاز فِي شَرِيعَته لَا فِيمَا لَا يجوز بِالنَّصِّ فانه منزه عَن ذَلِك وَلَا فِيمَا يجوز بِالنَّصِّ فانه لَا يُعَاقب فِي ذَلِك وَلَا يحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار لَهُ فِيهِ وَنَحْو هَذَا من وَجه آخر قَوْله ﵇ ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وَقَول عِيسَى ﵇ ﴿وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَصَلَاة رَسُول الله ﷺ وَآله على عبد الله بن أبي بعد نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ وَقَوله فِي تَفْسِيرهَا ان الله خيرني وَلم ينهني وَلَو أعلم انه يغْفر لَهُم اذا زِدْت على السّبْعين لزدت
عَلَيْهَا وَثَبت انه ﵊ مَا خير بَين أَمريْن الا اخْتَار أيسرهما مَا لم يكن اثما وتواتر ذَلِك من اخلاقه الْكَرِيمَة كَمَا جمع فِي مُصَنف مُفْرد وَيشْهد لَهُ بذلك الْقُرْآن الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ هَذَا مَعَ انا نقف فِيمَن تفاحشت بدعته وقاربت الْكفْر وَلَا نواليه وَلَا ندعوا لَهُ بِالرَّحْمَةِ والمغفر الا بِشَرْط ان يكون من الْمُسلمين محاذرة من ان نوالي من هُوَ عَدو لله فِي الْبَاطِن وَقد أَمر رَسُول الله ﷺ وَآله بِنَحْوِ هَذَا فِي حَدِيث أهل الْكتاب لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم حذرا من تَكْذِيب الْحق وتصديق الْبَاطِل فنعوذ بِاللَّه من مُوالَاة أَعدَاء الله بل ننكر بدعهم وننهي عَنْهَا مَا استطعنا ونكرهها ونتبرأ مِنْهَا ونشهد الله تَعَالَى انا نعادي من عَادَاهُ علمناه أَو جهلناه فقد دلّ فِي الحَدِيث على نفع هَذَا الِاعْتِقَاد الْجملِي وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ وَآله وَفِيه (اللَّهُمَّ مَا صليت من صَلَاة فعلى من صليت وَمَا لعنت من لعنة فعلى من لعنت) رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وقتال حَدِيث صَحِيح وَيشْهد لصِحَّته مَا تقدم عَن ابراهيم الْخَلِيل ﵇ من الْجِدَال عَن قوم لوط وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ لابيه وَلم يكن مُوالَاة مِنْهُ لَهُم وَلَا رضى بِذُنُوبِهِمْ وَلَا ذمّ بِهِ بل بَين الله تَعَالَى عذره فِي بعض ذَلِك وعده من سَعَة حلمه فِي بعضه وَهَذَا كُله فِي حق الْكَافرين وَأما أهل الاسلام الْمُؤمنِينَ الخاطئين فَلَا نَص على تَحْرِيم ذَلِك فيهم فِيمَا علمت وَيَنْبَغِي الِاشْتِرَاط فِيمَا شكّ فِيهِ من الدُّعَاء لبَعْضهِم ان يكون مُوَافقا لمراد الله تَعَالَى فِي الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة
Translation
فصل في ذكر من يقول بالرجاء ومن يقول بالارجاء والفرق بينهما
#22 Chapter 22 — فصل في الفسق · ref. #22
Ithar al-haqq 'ala al-khalq fi radd al-khilafat ila al-madhhab al-haqq min usul al-tawhid
Arabic text Aqeedah
فصل فِي الْفسق
وَهُوَ أَقسَام بِاعْتِبَار الْعرف الاول وَالْآخر وَاسم الْفَاعِل وَاسم الْفِعْل وَبِاعْتِبَار التَّصْرِيح والتأويل
فاما الْعرف الأول فِي اسْم الْفَاعِل فانه يدل ان الْفَاسِق من الْكفَّار من لَا حَيَاء وَلَا مُرُوءَة وَلَا عهد وَلَا عقد لَهُ كَمَا فسره بذلك الزَّمَخْشَرِيّ فِي بعض الْآيَات الدَّالَّة على ذَلِك فان الله تَعَالَى يَقُول فِي الْكفَّار من الْيَهُود وَغَيرهم ﴿وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ﴾ وَفِي بعض الْآيَات ﴿وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ كَمَا أوضحته فِي الاول من العواصم مَبْسُوطا بسطا شافيا زَائِدا على مَا يعْتَاد فِي ذَلِك من الْبسط
وَأما بِاعْتِبَار اسْم الْفِعْل فَفِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ وَآله سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مُتَّفق على صِحَّتهَا
وَأما الْعرف الْمُتَأَخر فالفسق يخْتَص بالكبيرة من الْمعاصِي مِمَّا لَيْسَ بِكفْر وَالْفَاسِق يخْتَص بمرتكبها وَعند الْمُعْتَزلَة لَا يُسَمِّي كَافِرًا وَلَا مُؤمنا وَلَا مُسلما وَعند أهل الحَدِيث والاشعرية لَا يُسمى كَافِرًا وَأما اسْم الاسلام فان اعْتبرنَا تَمَامه وكماله لم نسمه مُؤمنا وَلَا مُسلما وان اعْتبرنَا أَقَله سميناه مُؤمنا وَمُسلمًا الا ان تَسْمِيَته مُسلما اعْتِبَارا بالاقل من مَرَاتِب الاسلام هُوَ الْعرف الاكثر بِخِلَاف تَسْمِيَته مُؤمنا وَفِي ذَلِك من الْآيَات وَالْأَحَادِيث مَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَقد استوفيت الْكَلَام فِيهِ فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد فِي آخر العواصم
وَأما انقسام ذَلِك بِاعْتِبَار فسق التَّصْرِيح والتأويل فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ أما فسق التَّصْرِيح فَلَا دَاعِي الى ذكره هُنَا وَهُوَ يرجع الى معرفَة الْكَبَائِر وَهِي منصوصة فِي أَحَادِيث كَثِيرَة وَفِي بَعْضهَا زِيَادَة على بعض وَقد جمعهَا ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَتكلم ابْن كثير على طرقها وَمِنْهُم من زَاد عَلَيْهَا مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا قطعا عملا بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة الْمُسَمّى فحوى الْخطاب
مِثَاله ان قتل الْمُؤمن كَبِيرَة بِالنَّصِّ فَأولى مِنْهُ بذلك دلَالَة الْكفَّار على نقب فِي مصر عَظِيم من أَمْصَار الْمُسلمين يدْخلُونَ مِنْهُ فيقتلون جَمِيع من فِيهَا ويستحلون الْمَحَارِم من النسوان وَالصبيان وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا قِسْمَانِ مِنْهُ مَا يكون مَعْلُوما كَمَا يعلم تَحْرِيم ضرب الْوَالِدين من تَحْرِيم التأفيف فَلَا يكون قِيَاسا وَمِنْه قِيَاس وَاخْتلف فِيمَا يكون قياسأ فاجازته طَائِفَة مِنْهُم الهدوية ففسقوا من غصب عشرَة دَرَاهِم قِيَاسا على من سَرَقهَا ومنعته طَائِفَة مِنْهُم الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَاحْتج عَلَيْهِم بالاجماع على ان الْغَاصِب لَا يقطع وَمِنْهُم من قَالَ الْكَبِيرَة مَا كَانَ فِيهِ حد من حُدُود الله تَعَالَى أَو قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ إِنَّه عَظِيم أَو كَبِير وَمِنْهُم من قَالَ مَا توعد الله عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ بِالْعَذَابِ
وَأما فسق التَّأْوِيل فَهُوَ الَّذِي أردْت أَن أذكرهُ هُنَا وَاعْلَم ان مَا دخله التَّأْوِيل مِمَّا يتَعَلَّق بالكبائر وَلم يعلم انه مِنْهَا سوى قتل الْمُسلمين وقتالهم فانه يصير ظنا من الْفُرُوع الاجتهاديات عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء من الْفرق أَو عِنْد جَمِيعهم كالربويات الْمُخْتَلف فِيهَا والانكحة الْمُخْتَلف فِيهَا مِثَال ذَلِك وَأما قتل الْمُسلمين وقتالهم وَالْبَغي على أئمتهم العادلين فَاخْتلف فِيهِ فَقَالَت الشِّيعَة والمعتزلة لَا يعْذر الْمُجْتَهد ان أَخطَأ فِيهِ وَيكون فَاسق تَأْوِيل وَقيل يعْذر مثل التَّأْوِيل فِيمَا تقدم وَسبب الِاخْتِلَاف أَمْرَانِ
أَحدهمَا تعَارض الْوَعيد على ذَلِك والوعد بِالْعَفو عَن أهل الْخَطَأ وَقد تقدم مَا فِي ذَلِك قَرِيبا فِي الْوَجْه الثَّالِث فِي الْكَلَام على تَكْفِير أهل التَّأْوِيل
وَثَانِيهمَا اخْتلَافهمْ هَل يُوجد دَلِيل قَاطع شَرْعِي وَلَيْسَ بضروري من الدّين أم لَا وَمعنى ذَلِك أَن الْقطعِي الشَّرْعِيّ هُوَ الْمَعْلُوم لَفظه الْمَعْلُوم
مَعْنَاهُ فَأَما الْعلم بِلَفْظِهِ فَلَا يكون إِلَّا ضَرُورِيًّا بالاجماع لانه نقل مَحْض مَا لم يبلغ مرتبَة الضَّرُورَة فِيهِ كَانَ ظنيا وَلَا وَاسِطَة فِيهِ بَين الضَّرُورَة وَالظَّن وفَاقا فالضرورة هُوَ التَّوَاتُر وَالظَّن آحَاد وان كثرت رُوَاته وَأما الْعلم بِمَعْنى الْقطعِي الشَّرْعِيّ فَهُوَ مَحل الْخلاف فَعِنْدَ الْمُعْتَزلَة وَكثير من الشِّيعَة يدْخلهُ الْقطع من غير ضَرُورَة وَعند الْمُخَالفين لَهُم انه رَاجع الى لنقل الْمَحْض إِمَّا عَن أهل اللُّغَة أَو عَن أهل الشَّرْع فَلَا يكون الا ضَرُورِيًّا فيكفر الْمُخَالف فِيهِ أَو ظنيا فيعذر
وعضدوا هَذَا بِوُجُوه مِنْهَا قِيَاس الْقَتْل والقتال على سَائِر مَا تقدم مِمَّا يتَعَلَّق بالكبائر فان هَذَا حكمهَا عِنْد الْجَمِيع وَمِنْهَا قِيَاس ذَلِك على كَلَام الْعلمَاء فِي مسَائِل الْخلاف فِي الْقصاص فِي النُّفُوس كَالْحرِّ بِالْعَبدِ وَالذكر بالانثى وَالْقصاص بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْخلاف فِي عمد الْخَطَأ وَكَذَلِكَ كَلَامهم فِي الْحُدُود الَّتِي يجب فِيهَا الْقَتْل أَو الْعَفو وَالْعقد الاجماع فِي ذَلِك كُله على عدم تأثيم الْمُخَالف مَعَ انه خلاف فِي سفك الدِّمَاء وَقتل الْمُؤمنِينَ بِالتَّحَرِّي للعدل الْمَأْمُور بِهِ لدفع الْفساد قَالُوا فَكَذَلِك من أَخطَأ من الْمُجْتَهدين فِي الْفِتَن وَهُوَ على هَذِه النِّيَّة وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ مَعَ أَحَادِيث خَاصَّة وَردت فِي الْخَطَأ فِي الْفِتَن بخصوصها
وَفِي ذَلِك أَحَادِيث
الاول عَن سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة ﵃ قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ وَآله فَذكر فتْنَة عظم أمرهَا فَقُلْنَا أَو قَالُوا يَا رَسُول الله لَئِن أدركتنا هَذِه الْفِتْنَة لَنهْلكَنَّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله كلا ان يحسكم الْقَتْل قَالَ سعيد فَرَأَيْت أخواني قتلوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن من كتاب السّنَن عَن مُسَدّد عَن أبي الاحوص سَلام ابْن سليم عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أحد أَئِمَّة الْكُوفَة عَن هِلَال بن يسَاف الاشجعي الْكُوفِي عَن سعيد بن زيد وَكلهمْ نبلاء ثِقَات من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَسَائِر الْجَمَاعَة الا أَن البُخَارِيّ لم يخرج حَدِيث هِلَال ابْن يسَاف وَحده لغبر طعن فِيهِ فانه لم يذكر فِي الْمِيزَان وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده بِإِسْنَاد آخر رِجَاله كُله ثِقَات الى هِلَال بن
يسَاف عَن سعيد وَلَفظه ذكر رَسُول الله ﷺ وَآله فتنا كَقطع اللَّيْل المظلم أرَاهُ قَالَ قد يذهب فِيهَا النَّاس أسْرع ذهَاب قَالَ فَقيل أكلهم هَالك أم بَعضهم فَقَالَ حسبهم أَو بحسبهم الْقَتْل وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَلَفظه فَقُلْنَا إِن أدركنا ذَلِك هلكنا فَقَالَ بِحَسب أَصْحَابِي الْقَتْل وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ باسانيد وَرِجَال أَحدهَا ثِقَات وَرَوَاهُ الْبَزَّار كَذَلِك
الحَدِيث الثَّانِي عَن أم حَبِيبَة عَن النَّبِي ﷺ وَآله انه قَالَ رَأَيْت مَا تلقى أمتِي بعدِي وَسَفك بَعضهم دِمَاء بعض فَسَأَلته أَن يؤتيني شَفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة فيهم فَفعل رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الاوسط ورجالهما رجال الصَّحِيح الا أَن رِوَايَة أَحْمد عَن انس عَن أم حَبِيبَة وَرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس رَوَاهُ فِي مجمع الزَّوَائِد وَلم أَجِدهُ فِي جَامع ابْن الْجَوْزِيّ وَلكنه لَا يسْتَوْفى وَالله أعلم
الحَدِيث الثَّالِث عَن طَارق بن أَشْيَم انه سمع النَّبِي ﷺ وَآله يَقُول بِحَسب أَصْحَابِي الْقَتْل
الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي بردة عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله انه قَالَ عُقُوبَة هَذِه الْأمة السَّيْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِرِجَال الصَّحِيح
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي بردة عَن عبد الله بن زيد انه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول جعل الله عَذَاب هَذِه الْأمة فِي دنياهم
الحَدِيث السَّادِس عَن معقل بن يسَار مَرْفُوعا نَحْو ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عِيسَى الخزاز
الحَدِيث السَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سعيد بن مسلمة الْأمَوِي وعضدوا هَذِه الْأَخْبَار بِمَا رَوَاهُ زيد بن أبي الزَّرْقَاء عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن يزِيد بن الاصم قَالَ قَالَ عَليّ عَلَيْهِ
السَّلَام قتلاي وقتلى مُعَاوِيَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة من النبلاء وجعفر وَيزِيد من رجال مُسلم وَزيد من رجال النَّسَائِيّ قَالَ فِي الكاشف صَدُوق وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمِيزَان وَفِيه عَن ابْن معِين لَا بَأْس بِهِ وَلم يُورد فِيهِ جرحا الا قَول ابْن حبَان انه يغرب وَلَيْسَ ذَلِك بِجرح وَقَالَ فِيهِ انه صَدُوق مَشْهُور عَابِد وَإِن ابْن عمار قَالَ مَا رَأَيْت فِي الْفضل مثله وَمثل الْمعَافي وقاسم الْجرْمِي رَحِمهم الله تَعَالَى
وَهَذَا من أحسن مَا فِي الْبَاب وانما أَخَّرته لانه مَوْقُوف وَمَعَ ذَلِك فَلهُ قُوَّة الْمَرْفُوع وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك عَنهُ وَمِنْه أَحَادِيث النَّهْي عَن مدافعة أهل التَّأْوِيل وَمِنْهَا اعْتِقَادهم أَن هَذِه الادلة أخص وَأَن ادلة الْمُعْتَزلَة والشيعة عَامَّة وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَوضِع النزاع كَمَا سَيَأْتِي فِي ادلة الْمُعْتَزلَة فَيَنْبَغِي تَحْرِير النّظر فِيهِ لَان الْخَاص مقدم على الْعَام وَمِنْهَا عدم تَرْجِيح عدم التفسيق بالمرجحات الْمُتَقَدّمَة لعدم التَّكْفِير الحكم فِيهَا مُتَقَارب وان كَانَ التَّكْفِير أخطر
وَقد نَص أَبُو ذَر ﵁ على رِوَايَة ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيثه الْمُتَقَدّم فَقَالَ من قَالَ لاخيه كَافِر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك الا حَار عَلَيْهِ مُتَّفق على صِحَّته كَمَا مضى
وَأما الشِّيعَة والمعتزلة فاحتجوا على قَوْلهم بانواع من السّمع كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ وَأهل التَّأْوِيل من الْبُغَاة داخلون فِي هَذِه الْآيَة وان كَانَ سَبَب النُّزُول فِي المصرحين فِيمَا أَحسب فالآية عَامَّة عِنْد الشِّيعَة والمعتزلة أَو عِنْد أَكْثَرهم وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة موفوعا فِي الْفِتَن ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان لَا يدْرِي الْقَاتِل فيمَ قتل وَلَا يدْرِي الْمَقْتُول فِي أَي شَيْء قتل قيل وَكَيف ذَاك قَالَ الْهَرج الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار أخرجه مُسلم وَعَن عبد الله بن عَمْرو موفوعا سَتَكُون فتْنَة تستنظف الْعَرَب قتلاها فِي النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَمِنْهَا حَدِيث اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قَالُوا يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ انه كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه رَوَاهُ خَ وم ود وس من حَدِيث أبي بكرَة وس من حَدِيث أبي
مُوسَى وَمِنْهَا أَحَادِيث سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر وَمِنْهَا أَحَادِيث لَا ترجعوا بعدِي كفرا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض وَمِنْهَا بَادرُوا بالاعمال فتنا يصبح الزجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كَافِرًا وَمِنْهَا وَهُوَ من أصرحهَا حَدِيث عمار وَهُوَ صَحِيح متواتر وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية يَدعُوهُم الى الْجنَّة ويدعونه الى النَّار أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لمُسلم وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَكَذَلِكَ ابْن الْأَثِير فِي جَامع الاصول
قَالَ الْحميدِي أخرجه كَذَلِك أَبُو بكر البرقاني وَأَبُو بكر الاسماعيلي قبله وَذكره ابْن حجر فِي قتال الْبُغَاة من تلخيصه عَن اثْنَي عشر صحابيا وَذكر عَن ابْن عبد الْبر انها تَوَاتَرَتْ بِهِ الاخبار وان أصح الحَدِيث وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل انه رُوِيَ من ثَمَانِيَة وَعشْرين طَرِيقا وَذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عمار من النبلاء كثيرا من طرقه وَحكم بِصِحَّتِهِ بل بتواتره وَذكر ان يَعْقُوب بن أبي شيبَة الامام الثِّقَة الْحَافِظ سمع أَحْمد بن حَنْبَل سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ فِيهِ حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ وروى الذَّهَبِيّ مَعَ ذَلِك أَحَادِيث أخر قَاتل عمار وسالبه فِي النَّار بل ان الله يعادي عَدو عمار ويغضب لغضب عمار ﵁ وَحَدِيث عمار هَذَا من اعلام النُّبُوَّة الْكِبَار وَلذَلِك ذكره جُمْهُور من صنف فِي المعجزات النَّبَوِيَّة وَاحْتَجُّوا على انه مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ بَان مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام حِين سَمِعُوهُ لم ينكروه وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي تَذكرته وَالْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث ان القَوْل بِمُقْتَضَاهُ اجماع أهل السّنة يَعْنِي ان من حَارب عليا ﵇ فَهُوَ بَاغ عَلَيْهِ وانه ﵇ صَاحب الْحق فِي جَمِيع تِلْكَ الحروب وَمِنْهَا مَا ورد فِي تَخْصِيص قتل الْمُسلم وقتاله من الْوَعيد الشَّديد وان رَسُول الله ﷺ قَالَ ان الله أبي عَليّ فِي الْقَاتِل وَفِي حَدِيث ابْن عمر لَا يزَال الْمُؤمن فِي فسحة من دينه مَا لم يصب دَمًا حَرَامًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَرُوِيَ من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت مَرْفُوعا من قتل مُؤمنا فاغتبط بقتْله لم يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا قَالَ د فِي حَدِيث عبَادَة عَن يحيى بن يحيى الغساني فِي معنى اغتبط بقتْله قَالَ الَّذين يُقَاتلُون فِي الْفِتْنَة فَيقْتل أحدهم فَيرى انه على هدى لَا يسْتَغْفر الله تَعَالَى يَعْنِي من ذَلِك وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى
وَقد ذكرت فِي العواصم فِي مَسْأَلَة الْوَعيد أَحَادِيث كَثِيرَة رائعة فِي تَعْظِيم الْقَتْل وَذكرهَا هُنَا يخرجنا على معنى الِاخْتِصَار وَمِنْهَا وَهُوَ أقوى من هَذِه الْأَشْيَاء انه تَوَاتر عَن الصَّحَابَة انهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاغِي على أَخِيه الْمُسلم وعَلى امامه الْعَادِل انه عَاص آثم وَأَن التَّأْوِيل فِي ذَلِك مفارق للِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع فانهم لم يتعادوا على شَيْء من مسَائِل الْفُرُوع وتعادوا على الْبَغي وَكَذَلِكَ أَجمعت الْأمة على الِاحْتِجَاج بسيرة عَليّ ﵇ فِي قِتَالهمْ وَلَيْسَ الْمُجْتَهد المعفو عَنهُ يُقَاتل على اجْتِهَاده وَيقتل ويهدر دَمه
وَأما الاحاديث الَّتِي تقدّمت فِي مُعَارضَة هَذِه فَلَا تبلغ مرتبتها فِي الصِّحَّة والشهرة وَلَو بلغت لم تعارضها فانها دَالَّة على اثم أهل الْفِتَن وانما فِيهَا انه خفف على هَذِه الْأمة عَذَابهَا فِي ذَلِك الذَّنب وَجعل عَذَابهَا بِالسَّيْفِ فِي دنياها وَهَذَا أولى أَن يكون حجَّة على تَحْرِيم ذَلِك وَعدم قبُول الِاجْتِهَاد فِيهِ فانه لَو قبل مِنْهُ لم يستحقوا عَلَيْهِ عذَابا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بالاجماع بل يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ المثوبة وَالثنَاء من الله ﷾
وَأما الرَّجَاء والشفاعة للْمُسلمين فقد تقدم مَا فِيهِ من الْقُرْآن والتواتر الا فِي قَاتل الْمُؤمن مُتَعَمدا وَمِنْهَا ان النَّبِي ﷺ سمي فَسَاد ذَات الْبَين الحالقة تحلق الدّين لَا تحلق الشّعْر وَلَو كَانَ الِاجْتِهَاد فِيهَا سائغا لم يَصح ذَلِك وَمِنْهَا أَن الْفَرِيقَيْنِ اجْتَمعُوا على تهليك الْخَوَارِج والنصوص دلّت على ذَلِك
فان قيل انما هَلَكُوا بِمُجَرَّد اعْتِقَادهم التَّكْفِير
قيل لَا سَبِيل الى الْقطع بذلك بل قد ورد مَا يدل على ان الْقَتْل أعظم من التَّكْفِير وَذَلِكَ حَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك مَرْفُوعا وَفِيه وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ قَاتله وَتقدم القَوْل فِي صِحَّته وشواهده كَثِيرَة قَالُوا وَأما أَحَادِيث النَّهْي عَن دفاع المتأولين فَلَيْسَ الْعلَّة فِيهَا قبُول اجتهادهم أَلا ترَاهُ يَقُول فِيهَا كن كخير ابْني آدم يبوء باثمة واثمك فَيكون من أَصْحَاب النَّار رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي بكرَة وَلم يكن ابْن آدم الْقَاتِل لِأَخِيهِ معفوا عَنهُ وَالله تَعَالَى يَقُول عَن أَخِيه ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك﴾
) بل هَذَا من أخص أَدِلَّة الْمُعْتَزلَة وأقواها لانه فِي أهل التَّأْوِيل بالِاتِّفَاقِ والاثم مَنْصُوص
وَقد جود ابْن جرير الطَّبَرِيّ الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل وَنَقله ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ وَأما قَوْله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ وَحَدِيث كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره الا الرجل يقتل الْمُؤمن مُتَعَمدا فَالْمُرَاد الِاحْتِرَاز من خطأ الْيَد لَا خطأ الاستحلال بِدَلِيل مَا ذَكرْنَاهُ وبدليل سِيَاق الْآيَات من أَولهَا فِي قتل الْخَطَأ وَكَلَام الْمُعْتَزلَة مَعَ كَثْرَة شواهده غير نَص فِي مَحل النزاع فانه يُمكن أَن يكون هَذَا الْوَعيد بالنَّار فِي الْفِتَن مُخْتَصًّا بالفتن الَّتِي الدَّاعِي اليها هُوَ الْهوى وَالْكبر وَحب الرياسة والمنافسة فِي الدُّنْيَا بل هُوَ الظَّاهِر فِي كثير من الْأَحَادِيث وَمن أَحْوَال أهل تِلْكَ الْفِتَن وَلَو اجتهدوا لعرفوا الْحق لاهله ومنتهى الامر ان يؤديهم الِاجْتِهَاد الى الْوَقْف
وروى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي مَنَاقِب عمار والذهبي فِي النبلاء فِي مناقبه أَيْضا عَن ابْن عمر مَا يدل على ذَلِك وانما الْكَلَام مَفْرُوض فِيمَن وَفِي الِاجْتِهَاد حَقه وَلذَلِك أَجمعت الْأمة على الْعَفو عَن الْمُجْتَهدين من أَئِمَّة الْعلم فِي معرفَة أَحْكَام الدِّمَاء وَالْقَتْل فِي الْحُدُود وَالْقصاص فِي مسَائِل الْفُرُوع الْمُخْتَلف فِيهَا الْمَعْمُول فِيهَا بأقوالهم كالخلاف فِي قتل تَارِك الصَّلَاة وَقتل الْحر بِالْعَبدِ وَنَحْو ذَلِك حَيْثُ لم يكن الْهَوِي سَبَب اخْتلَافهمْ وَظهر مِنْهُم التَّحَرِّي فِي الصَّوَاب وبذل الْجهد فِي تعرفه وتوفية الِاجْتِهَاد حَقه وَهَذَا زبدة مَا عَرفته من أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ على جِهَة الاشارة وَالله الْهَادِي والموفق الى الصَّوَاب
Translation
فصل في الفسق
#23 Chapter 23 — خاتمة · ref. #23
Ithar al-haqq 'ala al-khalq fi radd al-khilafat ila al-madhhab al-haqq min usul al-tawhid
Arabic text Aqeedah
خَاتِمَة
فِي حب من أحبه الله وَرَسُوله ﷺ وَأمر بحبه من الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة وَقد دلّت النُّصُوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم وَأَن يكون مَعَهم فَفِي الصَّحِيح (لَا تدْخلُوا الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا وَفِيه الْمَرْء مَعَ أحب)
وَمِمَّا يخص أهل بَيت رَسُول لله ﷺ قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ كَمَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ كَمَا روى تَفْسِيرهَا مَرْفُوعا امام أهل الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل والملا فِي سيرته وَالطَّبَرَانِيّ فِي معجمعه الْكَبِير والاوسط من حَدِيث حبر الامة وبحرها عبد الله بن الْعَبَّاس ﵄
ويعضد ذَلِك من كتاب الله تَعَالَى قَوْله ﷿ ﴿ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ واجماع الامة وتواتر الاخبار بشرع الصَّلَاة عَلَيْهِم فِي تشهد الصَّلَاة واختصاصهم بِهِ أَو بالاجماع على دُخُولهمْ فِيهِ فَيجب لذَلِك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم وَالِاعْتِرَاف بمناقبهم فانهم أهل آيَات المباهلة والمودة والتطهير وَأهل المناقب الجمة وَالْفضل الشهير
وَقد ذكر مناقبهم امام أهل الحَدِيث وَالسّنة فِي عصره الْمُحب الطَّبَرِيّ وصنف فِي ذَلِك كِتَابه ذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى وَيَا لَهُ من
كتاب وَافق اسْمه مُسَمَّاهُ وَصدق لَفظه وَمَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ دلّت النُّصُوص المتواترة على وجوب حب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله وَرَضي الله عَنْهُم وأرضاهم وتعظيمهم وتكريمهم واحترامهم وتوقيرهم وَرفع مَنْزِلَتهمْ والاحتجاج باجماعهم والاستنان بآثارهم واعتقاد مَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم وَالذكر الْحَكِيم من انهم خير أمة أخرجت للنَّاس وَفِيهِمْ يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾ الْآيَة
وَفِي تَعْظِيم حق أهل الْبَيْت يَقُول رَسُول الله ﷺ (سِتَّة لعنتهم لعنهم الله وَذكرهمْ الي أَن قَالَ والمستحل من عِتْرَتِي لما حرم الله تَعَالَى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂
وَفِي تَعْظِيم حق الصَّحَابَة ﵃ يَقُول ﷺ (اذا سَمِعْتُمْ من يلعن أَصْحَابِي فَقولُوا لعنة الله على شركم) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَكَذَلِكَ يجب حب الْمُؤمنِينَ عُلَمَائهمْ وعامتهم ونصيحتهم واكرامهم لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لاخيه الْمُؤمن مَا يحب لنَفسِهِ وَقد تقدم فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد فَوَائِد تعلق بِحكم الخالطين من الْمُسلمين وخصوص الْمُؤمنِينَ والتحذير من مشاحنتهم واضمار الغل لَهُم والمحافظة على ذَلِك والتواصي بِهِ على مُقْتَضى مَا وصف الله تَعَالَى بِهِ الْمُؤمنِينَ من التواصي بِالْحَقِّ وَالصَّبْر والمرحمة جعلنَا الله من العاملين بذلك وَهُوَ الْهَادِي لَا اله الا هُوَ نعم الْمولى وَنعم النصير لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
والاولى لكل حَازِم أَن يشْتَرط فِي كل مَا يَعْتَقِدهُ من المشكلات الْمُخْتَلف فِيهَا ان يكون مُوَافقا لما هُوَ الْحق عِنْد الله تَعَالَى وَأَن لَا يكون فِيهِ مُخَالفَة لشَيْء من كتب الله تَعَالَى وَلَا لما جَاءَت بِهِ رسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وان كَانَ الْوَقْف حَيْثُ يجوز أحزم وَأسلم فان الْعِصْمَة مُرْتَفعَة والثقة بالفهم أَو الانصاف غير مُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ بالسلامة من ذَلِك
وَقد ورد فِي الحَدِيث مَا يدل على نفع ذَلِك كَمَا تقدم فِي حَدِيث زيد بن ثَابت فِي آيَة آخر مَسْأَلَة التَّكْفِير والتفسيق وَلَو لم يكن الا ان هَذَا الِاشْتِرَاط آخر مَا فِي الوسع من طلب النجَاة
وَأَنا أشهد الله ﷿ بأني مشترط لذَلِك فِي كل مَا يحسن مني اشْتِرَاطه فِيهِ ويكون أحوط لي فِي ديني وَأقرب الى رضوَان رَبِّي ﷾ مَعَ اخْتِيَار الْوَقْف فِي المشكلات الْمُخْتَلف فِيهَا حَيْثُ لَا يجب الْقطع بِأحد الِاحْتِمَالَيْنِ تقبل الله ذَلِك مني وثبتني وهداني وَلَا وكلني الى نَفسِي طرفَة عين وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه أنيب
وَهَذَا آخر هَذَا الْمُخْتَصر الْمُبَارك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْكَلَام فِي الْخلَافَة ومناقب الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة فَلَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْمُخْتَصر فان الْكَلَام فِيهِ كثير جدا وإفراده بمجلد يحِق لَهُ بل يقل لَهُ عِنْد من يعرف مَا ورد فِي ذَلِك وَمَا قَالَه أهل الْعلم فِيهِ وَإِنَّمَا أوردت فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَا يصلح أَن يكون مُقَدّمَة من مُقَدمَات تَفْسِير كتاب الله تَعَالَى كَمَا ذكرته فِي هَذَا الْمُخْتَصر من أَنْوَاع التَّفْسِير مِنْهُ فِي النَّوْع الأول مِنْهَا وَالله تَعَالَى يتَقَبَّل مني مَا وهب من ذَلِك ويبارك فِيهِ رَبنَا تقبل منا انك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فانما الْبركَة وَالْخَيْر كُله بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَمِنْه وَبِه وَله فَلهُ الْحَمد كُله كَمَا يَنْبَغِي لكريم وَجهه وَله الشُّكْر وَله الثَّنَاء لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه ﷾
ثمَّ اني أختم هَذَا الْمُخْتَصر الْمُبَارك باني أسْتَغْفر الله وأسأله التجاوز عني والمسامحة فِي كل مَا أَخْطَأت فِيهِ من هَذَا الْمُخْتَصر وَغَيره فَانِي مَحل الْخَطَأ والغلط وَالْجهل وَأَهله وَهُوَ ﷾ أهل الْمَغْفِرَة وَالسعَة والمسامحة والغنى الْأَعْظَم والكريم الأكرم عَن مضايقة الْمَسَاكِين والجاهلين اذ كَانَ تَعَالَى ﷿ غَنِيا عَن عرفان العارفين غير متضرر بِجَهْل الْجَاهِلين وَآخر كَلَامي كَاف لَهُ أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله الطاهرين الطيبين وَصَحبه الرَّاشِدين وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
Translation
خاتمة

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound