Back to the aqeedah library
48 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Cabd Latif Al Shaykh (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ
48
Total sections
48 chapters
#21
Chapter 21 — فصل
· ref. #21
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: النقل الخامس، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: صارت النذور المحرمة مأكلًا للسدنة والمجاورين والعاكفين على بعض المشاهد وغيرها، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت، ويقول الآخر: خرج المحاربون فنذرت، وقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، بل تجد كثيرا من الناس يقولون: إن المشهد الفلاني والمكان الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذورًا فقضيت حاجتهم - إلى أن قال ـ: وما روي أن رجلًا جاء النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، قال: ومثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته، فتقضى هذا يوقع كثيرًا. ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره من أمته لهؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أنّ السائلين له في الحياة كانوا كذلك" انتهى.
فانظر إلى تسليمه ﵀ للآثار الواقعة، والأخبار الواردة في هذه الوقائع فإنّ عام الرمادة الذي يشير إليه الشيخ هو ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدارمي - وكان خازن عمر - قال: "أصاب النّاس قحط في زمن عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النّبي ﷺ، فقال: يا
رسول الله استسق لأمّتك، فإنّهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال له: ائت عمر، واقرأه السلام، وأخبره أنهم مسقون" إلى آخر الحديث، وسيأتيك في الأدلة، ويسمون تلك السنة: عام الرمادة لكن عند الشيخ باجتهاده لا يستحب، وعند غيره من جماهير الأمة قام الدليل على الاستحباب لهذا الأثر، وحديث الأعمى وغيرهما. ثم إن الشيخ أثبت قضاء الحوائج من أهل القبور كالأنبياء والأولياء من أمته، وأنه واقع كثيرًا وأن رحمته للسائلين لئلا يضطرب إيمانهم، فلا ينبغي أن ينسب إلى هذا الشيخ ما هو بريء منه مثل تكفير الناس وتفسيقهم.
ثم قال العراقي: النقل السابع: قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وكذلك ما حكى لنا أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى نوعًا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: إن النبي ﷺ بعث إليك ذلك، وأعطاه الطعام، وقال: إنه يقول لك: من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا، اخرج من عندنا. وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم؛ فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما حكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل" انتهى.
فاستدل العراقي بها على أن الشيخ يجوز الطلب من المقبورين على أنهم وسائل للمجتهد والمقلد أو الجاهل حسن القصد أنه مغفور له.
ثم قال العراقي: الثامن قال أيضًا في اقتضاء الصراط المستقيم: وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه، لعدم علمه، وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مجتهدًا مخطئًا أو مقلدًا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع في المجتهد المخطئ، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع" انتهى.
قال العراقي: وذكر الشيخ بعد هذا حكاية العتبي وأنه استغاث بالنبي ﷺ وقضيت حاجته، فليراجع.
ثم قال: النقل التاسع: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضًا: "وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقضيت حاجتهم، وهو لا يخرج عمّا ذكرته " انتهى.
ثم قال العراقي: النقل العاشر قوله: " ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أنّ قومًا سمعوا رد السّلام من قبر النبي ﷺ أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم، وكذلك ما يروى: أنّ رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، ومثل هذا يقع كثيرا ممن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم النبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجة فإن هذا قد وقع كثيرًا - وليس هو مما نحن فيه. وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال؛ فإنه هو القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارًا. فقالوا: يا رسول الله فلم تعطِهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا" انتهى.
قال العراقي بعده: فانظر إلى تسمية سؤال أهل القبور ووقوعه وأنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم وأنه كرامة لصاحب القبر.
قلت: قد حرّف العراقي كلام الشيخ، والشيخ قصده أن الإجابة قد تكون كرامة لصاحب القبر، وليس المقصود سؤال الميت كما زعم هذا
الملحد، بل المسؤول لا يكون كرامة، كما قال الشيخ بعد هذا الموضع في هذا الكتاب بعينه: "ثم من غرور هؤلاء وأشباههم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما يشبه الكرامة، والكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة".
ثم قال العراقي: "النقل الحادي عشر في اقتضاء الصراط المستقيم: "ومن هذا أني أعرف رجالًا يستغيثون ببعض الأحياء أو ببعض الأموات، فيراه يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربًا له بسيف وإن كان الحال لا شعور له بذلك. وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من أتباعه له في طاعة الله، فيما يأمره به من طاعة الله أو نحو ذلك، فهذا قريب" انتهى.
قال العراقي بعده: ووجه قربه أنه كرامة، وهو من فعل الله، والمجوزون لذلك يقولون: إن الله هو الفاعل وذلك المستغاث يكون سببًا ووسيلة، ولا ينكر هذا حتى العوام؛ فإنهم لا يقولون إن ذلك المستغاث يفعله بنفسه استقلالا، بل هو من الله تعالى وبأمره وبإذنه.
ثم قال: النقل الثاني عشر: قال في هذا الكتاب: " وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن يجاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الدفن عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وفي قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه وليس كذلك".
هذا ما نقله العراقي من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم.
وحاصل ما احتج به هذا الجاهل قول الشيخ: "وما روي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، وأن مثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته فتقضى لهؤلاء السائلين الملحين ولو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم. وكذلك من أتى إلى القبر واشتهى نوعًا من الأطعمة، فجاء إليه بعض الهاشميين به، وقال: إنه يقول: من يكون عندنا لا يشتهي مثل ذلك، اخرج من عندنا، وآخرون قضيت حوائجهم لاجتهادهم، وتقليدهم وقصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. فزعم العراقي أن هذا دليل على جواز الطلب من أصحاب القبور.
وكذلك في دليله الثامن: نقل عن الشيخ: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه"، والنقل التاسع والعاشر نحو هذا، ونقل قول الشيخ: "وهذا ليس مما نحن فيه" ولم يفهم أن هذا يرد عليه ما نقل، وأن الكلام في التشريع وتقرير المنع والتحريم ليس في الأمور القدرية، والحوادث الكونية، ولم يفقه مراد الشيخ ومقصوده.
وحينئذ فنقول في جوابه:
لا بد من مقدمة نقدمها قبل الجواب؛ ليعلم الواقف على كتابنا ما صنع هؤلاء القبوريون من التحريف والتبديل لدين الله، والكذب على أهل العلم، فنقول:
موضوع هذا الكتاب الذي نقل منه العراقي في بيان النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم وما جاءت به الشريعة من مخالفتهم، ومخالفة الأعاجم والمشركين في هديهم وزيّهم وما هم عليه من الأوصاف المقتضية لغضب الله والطرائق الضالة الموجبة لسخط الله ومقته، وبالأخص مسألة الغلو في
الأنبياء والصالحين وما يفعله أهل الكتاب من الضلال الواضح المستبين؛ وقرّر أدلة ذلك وقواعده، وأصوله ووسائله وذرائعه وذكر من النصوص والآثار والاعتبار ما فيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وأما ما نقله العراقي من هذا الكتاب فهي أسئلة وإيرادات أوردها الشيخ بقصد ردها ودفعها والجواب عنها، لئلا يغتر بها الغالون، ويشبه بها المحرفون، فأخذ العراقي تلك الإيرادات وانتزعها من الكلام وترك جوابها وكشفها بما قبلها وبما بعدها، وموّه على الجهّال والأغمار بأنّ الشيخ ذكر هذا في كتابه، وهذا من جنس لي الألسن بالكتاب، الذي وصف الله به اليهود في قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (آل عمران: من الآية٧٨)، وقد فسّر بهذا الجنس، وأن منه إقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجّة، بل هذا أبلغ ما فسروا به ليّ الألسن، فإنه من جنس ما جرى لكثير من الفسّاق والكفّار في أخذ بعض الكلام، أو كلمة فقط في الجملة، ويدعون تمامها وما ارتبط بها، حتى أنشد بعضهم:
دع المساجد للعبّاد تسكنها ... واذهب بنا إلى حانة الخمّار يسقينا
ما قال ربك ويل للأولى سكروا ... بل قال ربك ويل للمصلينا
ولا يتبين لك ما قلناه إلا بسياق كلام الشيخ في هذا المبحث، فإنه ﵀ ذكر مشابهة المغضوب عليهم والضالين في أعيادهم الزمانية وقرّر ما في ذلك من المفاسد الموجبة للخروج عن الصراط المستقيم، بعد ما مهّد جملة من القواعد الكلية العامة والمسائل المفيدة التامة، وقرّر وأطال وبحث وأجاد المقال، ثم ذكر فصلًا في الأعياد المكانية،،قسمها كالزمانية إلى ثلاثة أقسام، أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلًا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال مبين، ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود والنصار أو غيرهم، صار أقبح وأشنع، وأدخل هذا
الباب والباب قبله في مشابهة الكفار، وهذا نوع لا يمكن ضبطه، بخلاف الزماني، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عبادة الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان، كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال. يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله، وكانت الطواغيت الكبار التي يشد إليها الرحال ثلاث: اللات، والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (لنجم: ١٩ ـ٢٢) كل واحدة من الثلاثة لمصر من أمصار العرب، والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف، وذكروا أنه كان في الأصل رجلًا صالحًا يلت السويق للحاجّ فلمّا مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة، وقصتها معروفة لما بعث النبي ﷺ لهدمها حين افتتحت الطائف بعد مكة سنة تسع من الهجرة. وأما العزّى فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها وقسم النبي ﷺ مالها وخرجت منها شيطانة ناشزة شعرها فيئست الجزيرة أن تعبد في الجزيرة بعد ذلك، وأما مناة فكانت لأهل المدينة، بهلون لها بالمشلل شركًا بالله، وكانت حذو قديد، الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمّه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب وما ذكره الأزرقي قي أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر قلتم كما قال موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ثم قال: إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يستظلون بها معلقين عليها سلاحهم،
فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه، أو ليتنسّك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادات التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا - ثم ذكر النذر لتلك الأماكن وقرّر تحريمه والمنع منه، ولو للمجاورين والسدنة العاكفين، وقرّر مشابهتهم للسدنة التي كانت للات والعزّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان، وسدنة الأبدال التب بالهند - ثم قال: فمن هذه الأمكنة عدّة أمكنة بدمشق مثل: مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق، وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال: إن فيه قبر هود ﵇، وما علمتُ أحدًا ذكر أن هودًا النبي مات بدمشق، بل قد قيل: إنه مات باليمن، وقيل: بمكة، فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه إلى مكة - وعدّ جملة من المشاهد المكذوبة بدمشق ومصر والحجاز - ثم قال: هذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه. فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. - إلى أن قال ـ: وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيمًا لما لم يعظمه الله وعكوفًا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدًا للخلق عن سبيل الله. وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ، واتخاذها عيدًا
والاجتماع عندها واعتياد قصدها؛ فإن العيد من المعاودة - إلى أن قال ـ: وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل: أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام؛ فإن القوم أحيانًا كانوا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأبدال من أهل الهند وغيرهم، وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه. والمساجد التي هي بيوته، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
قلت: فأين العراقي عن هذه العبارة التي فيها أن الاستدلال باستجابة الدعاء وقضاء الحاجة من الشبهات التي حدث الشرك في الأرض بسببها؟.
ثم قال الشيخ: وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه. وقد يكون سبه مجرد رحمة الله، وقد يكون أمرًا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حقّ الدّاعي، فإنّا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم، فيسقون وينصرون ويعافون ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم، وقد قال ﷾: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الاسراء:٢٠)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦)، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها. ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ثم قال:
قال العراقي: النقل الخامس، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: صارت النذور المحرمة مأكلًا للسدنة والمجاورين والعاكفين على بعض المشاهد وغيرها، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت، ويقول الآخر: خرج المحاربون فنذرت، وقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، بل تجد كثيرا من الناس يقولون: إن المشهد الفلاني والمكان الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذورًا فقضيت حاجتهم - إلى أن قال ـ: وما روي أن رجلًا جاء النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، قال: ومثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته، فتقضى هذا يوقع كثيرًا. ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره من أمته لهؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أنّ السائلين له في الحياة كانوا كذلك" انتهى.
فانظر إلى تسليمه ﵀ للآثار الواقعة، والأخبار الواردة في هذه الوقائع فإنّ عام الرمادة الذي يشير إليه الشيخ هو ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدارمي - وكان خازن عمر - قال: "أصاب النّاس قحط في زمن عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النّبي ﷺ، فقال: يا
رسول الله استسق لأمّتك، فإنّهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال له: ائت عمر، واقرأه السلام، وأخبره أنهم مسقون" إلى آخر الحديث، وسيأتيك في الأدلة، ويسمون تلك السنة: عام الرمادة لكن عند الشيخ باجتهاده لا يستحب، وعند غيره من جماهير الأمة قام الدليل على الاستحباب لهذا الأثر، وحديث الأعمى وغيرهما. ثم إن الشيخ أثبت قضاء الحوائج من أهل القبور كالأنبياء والأولياء من أمته، وأنه واقع كثيرًا وأن رحمته للسائلين لئلا يضطرب إيمانهم، فلا ينبغي أن ينسب إلى هذا الشيخ ما هو بريء منه مثل تكفير الناس وتفسيقهم.
ثم قال العراقي: النقل السابع: قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وكذلك ما حكى لنا أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى نوعًا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: إن النبي ﷺ بعث إليك ذلك، وأعطاه الطعام، وقال: إنه يقول لك: من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا، اخرج من عندنا. وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم؛ فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما حكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل" انتهى.
فاستدل العراقي بها على أن الشيخ يجوز الطلب من المقبورين على أنهم وسائل للمجتهد والمقلد أو الجاهل حسن القصد أنه مغفور له.
ثم قال العراقي: الثامن قال أيضًا في اقتضاء الصراط المستقيم: وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه، لعدم علمه، وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مجتهدًا مخطئًا أو مقلدًا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع في المجتهد المخطئ، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع" انتهى.
قال العراقي: وذكر الشيخ بعد هذا حكاية العتبي وأنه استغاث بالنبي ﷺ وقضيت حاجته، فليراجع.
ثم قال: النقل التاسع: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضًا: "وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقضيت حاجتهم، وهو لا يخرج عمّا ذكرته " انتهى.
ثم قال العراقي: النقل العاشر قوله: " ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أنّ قومًا سمعوا رد السّلام من قبر النبي ﷺ أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم، وكذلك ما يروى: أنّ رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، ومثل هذا يقع كثيرا ممن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم النبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجة فإن هذا قد وقع كثيرًا - وليس هو مما نحن فيه. وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال؛ فإنه هو القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارًا. فقالوا: يا رسول الله فلم تعطِهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا" انتهى.
قال العراقي بعده: فانظر إلى تسمية سؤال أهل القبور ووقوعه وأنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم وأنه كرامة لصاحب القبر.
قلت: قد حرّف العراقي كلام الشيخ، والشيخ قصده أن الإجابة قد تكون كرامة لصاحب القبر، وليس المقصود سؤال الميت كما زعم هذا
الملحد، بل المسؤول لا يكون كرامة، كما قال الشيخ بعد هذا الموضع في هذا الكتاب بعينه: "ثم من غرور هؤلاء وأشباههم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما يشبه الكرامة، والكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة".
ثم قال العراقي: "النقل الحادي عشر في اقتضاء الصراط المستقيم: "ومن هذا أني أعرف رجالًا يستغيثون ببعض الأحياء أو ببعض الأموات، فيراه يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربًا له بسيف وإن كان الحال لا شعور له بذلك. وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من أتباعه له في طاعة الله، فيما يأمره به من طاعة الله أو نحو ذلك، فهذا قريب" انتهى.
قال العراقي بعده: ووجه قربه أنه كرامة، وهو من فعل الله، والمجوزون لذلك يقولون: إن الله هو الفاعل وذلك المستغاث يكون سببًا ووسيلة، ولا ينكر هذا حتى العوام؛ فإنهم لا يقولون إن ذلك المستغاث يفعله بنفسه استقلالا، بل هو من الله تعالى وبأمره وبإذنه.
ثم قال: النقل الثاني عشر: قال في هذا الكتاب: " وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن يجاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الدفن عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وفي قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه وليس كذلك".
هذا ما نقله العراقي من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم.
وحاصل ما احتج به هذا الجاهل قول الشيخ: "وما روي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، وأن مثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته فتقضى لهؤلاء السائلين الملحين ولو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم. وكذلك من أتى إلى القبر واشتهى نوعًا من الأطعمة، فجاء إليه بعض الهاشميين به، وقال: إنه يقول: من يكون عندنا لا يشتهي مثل ذلك، اخرج من عندنا، وآخرون قضيت حوائجهم لاجتهادهم، وتقليدهم وقصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. فزعم العراقي أن هذا دليل على جواز الطلب من أصحاب القبور.
وكذلك في دليله الثامن: نقل عن الشيخ: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه"، والنقل التاسع والعاشر نحو هذا، ونقل قول الشيخ: "وهذا ليس مما نحن فيه" ولم يفهم أن هذا يرد عليه ما نقل، وأن الكلام في التشريع وتقرير المنع والتحريم ليس في الأمور القدرية، والحوادث الكونية، ولم يفقه مراد الشيخ ومقصوده.
وحينئذ فنقول في جوابه:
لا بد من مقدمة نقدمها قبل الجواب؛ ليعلم الواقف على كتابنا ما صنع هؤلاء القبوريون من التحريف والتبديل لدين الله، والكذب على أهل العلم، فنقول:
موضوع هذا الكتاب الذي نقل منه العراقي في بيان النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم وما جاءت به الشريعة من مخالفتهم، ومخالفة الأعاجم والمشركين في هديهم وزيّهم وما هم عليه من الأوصاف المقتضية لغضب الله والطرائق الضالة الموجبة لسخط الله ومقته، وبالأخص مسألة الغلو في
الأنبياء والصالحين وما يفعله أهل الكتاب من الضلال الواضح المستبين؛ وقرّر أدلة ذلك وقواعده، وأصوله ووسائله وذرائعه وذكر من النصوص والآثار والاعتبار ما فيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وأما ما نقله العراقي من هذا الكتاب فهي أسئلة وإيرادات أوردها الشيخ بقصد ردها ودفعها والجواب عنها، لئلا يغتر بها الغالون، ويشبه بها المحرفون، فأخذ العراقي تلك الإيرادات وانتزعها من الكلام وترك جوابها وكشفها بما قبلها وبما بعدها، وموّه على الجهّال والأغمار بأنّ الشيخ ذكر هذا في كتابه، وهذا من جنس لي الألسن بالكتاب، الذي وصف الله به اليهود في قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (آل عمران: من الآية٧٨)، وقد فسّر بهذا الجنس، وأن منه إقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجّة، بل هذا أبلغ ما فسروا به ليّ الألسن، فإنه من جنس ما جرى لكثير من الفسّاق والكفّار في أخذ بعض الكلام، أو كلمة فقط في الجملة، ويدعون تمامها وما ارتبط بها، حتى أنشد بعضهم:
دع المساجد للعبّاد تسكنها ... واذهب بنا إلى حانة الخمّار يسقينا
ما قال ربك ويل للأولى سكروا ... بل قال ربك ويل للمصلينا
ولا يتبين لك ما قلناه إلا بسياق كلام الشيخ في هذا المبحث، فإنه ﵀ ذكر مشابهة المغضوب عليهم والضالين في أعيادهم الزمانية وقرّر ما في ذلك من المفاسد الموجبة للخروج عن الصراط المستقيم، بعد ما مهّد جملة من القواعد الكلية العامة والمسائل المفيدة التامة، وقرّر وأطال وبحث وأجاد المقال، ثم ذكر فصلًا في الأعياد المكانية،،قسمها كالزمانية إلى ثلاثة أقسام، أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلًا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال مبين، ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود والنصار أو غيرهم، صار أقبح وأشنع، وأدخل هذا
الباب والباب قبله في مشابهة الكفار، وهذا نوع لا يمكن ضبطه، بخلاف الزماني، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عبادة الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان، كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال. يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله، وكانت الطواغيت الكبار التي يشد إليها الرحال ثلاث: اللات، والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (لنجم: ١٩ ـ٢٢) كل واحدة من الثلاثة لمصر من أمصار العرب، والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف، وذكروا أنه كان في الأصل رجلًا صالحًا يلت السويق للحاجّ فلمّا مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة، وقصتها معروفة لما بعث النبي ﷺ لهدمها حين افتتحت الطائف بعد مكة سنة تسع من الهجرة. وأما العزّى فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها وقسم النبي ﷺ مالها وخرجت منها شيطانة ناشزة شعرها فيئست الجزيرة أن تعبد في الجزيرة بعد ذلك، وأما مناة فكانت لأهل المدينة، بهلون لها بالمشلل شركًا بالله، وكانت حذو قديد، الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمّه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب وما ذكره الأزرقي قي أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر قلتم كما قال موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ثم قال: إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يستظلون بها معلقين عليها سلاحهم،
فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه، أو ليتنسّك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادات التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا - ثم ذكر النذر لتلك الأماكن وقرّر تحريمه والمنع منه، ولو للمجاورين والسدنة العاكفين، وقرّر مشابهتهم للسدنة التي كانت للات والعزّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان، وسدنة الأبدال التب بالهند - ثم قال: فمن هذه الأمكنة عدّة أمكنة بدمشق مثل: مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق، وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال: إن فيه قبر هود ﵇، وما علمتُ أحدًا ذكر أن هودًا النبي مات بدمشق، بل قد قيل: إنه مات باليمن، وقيل: بمكة، فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه إلى مكة - وعدّ جملة من المشاهد المكذوبة بدمشق ومصر والحجاز - ثم قال: هذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه. فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. - إلى أن قال ـ: وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيمًا لما لم يعظمه الله وعكوفًا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدًا للخلق عن سبيل الله. وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ، واتخاذها عيدًا
والاجتماع عندها واعتياد قصدها؛ فإن العيد من المعاودة - إلى أن قال ـ: وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل: أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام؛ فإن القوم أحيانًا كانوا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأبدال من أهل الهند وغيرهم، وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه. والمساجد التي هي بيوته، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
قلت: فأين العراقي عن هذه العبارة التي فيها أن الاستدلال باستجابة الدعاء وقضاء الحاجة من الشبهات التي حدث الشرك في الأرض بسببها؟.
ثم قال الشيخ: وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه. وقد يكون سبه مجرد رحمة الله، وقد يكون أمرًا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حقّ الدّاعي، فإنّا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم، فيسقون وينصرون ويعافون ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم، وقد قال ﷾: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الاسراء:٢٠)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦)، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها. ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ثم قال:
Translation
فصل
#22
Chapter 22 — فصل
· ref. #22
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
النوع الثاني من الأمكنة: ماله خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده؛ فمن هذه: قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء عن النبي ﷺ والسلف النهي عن اتخاذها عيدًا، عموما وخصوصا بين معنى العيد - ثم ساق حديث أبي هريرة في النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدًا، وصحّح الحديث، وجزم بأنّ كل جملة منه رويت عن النبي ﷺ بأسانيد معروفة، وساق طرفًا من ذلك وقرّر وأفاد، ثم ذكر استحباب زيارة القبور الشرعية، وساق الأحاديث في ذلك، وذكر حرمة قبر المسلم، ثم ذكر مسألة السفر لقبور الأنبياء والصالحين هل هو جائز يباح فيه قصر الصلاة أو هو معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة؟ وذكر في المسألة قولين لأهل العلم ورجّح المنع، لحديث: "لا تشد الرّحال إلا لثلاثة مساجد" ثم ذكر الصلاة عند القبور مطلقًا، وبناء المساجد عليها، وساق الأحاديث والنصوص المانعة من ذلك، وما فيها من التغليظ، وذكر ذلك عن عامة علماء الطوائف، وذكر الأحاديث التي فيها لعن من فعله من أهل الكتابين، ثم قال ـ: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين - ثم ذكر العلة في تحريم الصلاة عند القبور، وإنذها ذريعة إلى تعظيم من فيها بالعبادة، وإنّها مظنة لاتخاذها أوثانًا، كما قال الشافعي ﵀: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى
من بعده من الناس"، وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء، ثم ردّ تعليل بعضهم النهي عن اتخاذ القبور مساجد بالنجاسة أو مظنتها، ورده بوجوه منها: أن قبور الأنبياء أطهر البقاع، وقد لعن من اتخذها مساجد، وتواتر الحديث بذلك، وبوجوه غير هذا ذكرها وقرّرها. وذكر أن سبب عبادة اللات تعظيم قبره، وكذلك ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح ﵉، وصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإنّ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فإن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقوامًا كثيرين يضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد بل ولا في السحر. ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال، فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ذلك سدًا للذّريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالصّلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ من أن الصلاة عند القبر أي قبر كان لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلًا بل مزية شر. واعلم أن تلك البقعة وإن كانت تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه
والجافي عنه، فإنّ النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود؛ ولهذا قال ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". إلى أن قال: وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركًا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم - ثم ذكر نزاع الفقهاء في الصلاة في المقبرة، هل هي محرمة أو مكروهة؟ ورجّح التحريم للنصوص الدّالة، ثم ذكر الدعاء عندها وقرّر المنع - ثم قال: وما يرويه بعض الناس من أنه قال: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور" ونحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء. والذي يبين ذلك أمور: أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها - ثم بسط الكلام في هذه المسألة، واحتج واستدل.
ثم أورد سؤالًا يورده من يتبرك بالدّعاء عند القبور، ويرى فضله: "فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، ويروى عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده وأظنه ذكر ذلك المروزي، ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء. وعلى هذا عمل كثير من الناس، وقد ذكر العلماء في مناسك الحج إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنه بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة. فقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض
الأشياخ، وجرّب أقوام استجابة الدّعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي وغيره، وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذوي الفضل علمًا وعملًا من كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعًا في العلم وفيهم من له كرامات، فكيف يُخالَف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين؛ لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون".
ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: "قلنا الذي ذكرنا كراهته لا ينقل في استحبابه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي ﷺ عليها حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" مع شدة المقتضى فيهم لذلك لو كان فيه فضيلة. فعدم أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه. وأمّا من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء إلى فعل ذلك وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد اجتمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين:
أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديمًا وحديثًا.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنًا لفعله المتقدمون ولم يفعلوه. فإنّ هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض. وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب أوالسنة وإجماع المتقدمين نصًا واستنباطًا. فكيف - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟ بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبًا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀ أنه قال: "إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة الله فأُجاب" أو كلاما هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له أدنى معرفة بالنقل؛ فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد لأبي حنيفة ولا غيره قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا معروفًا على عهد االشافعي، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والعراق والشام
ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عند قبر أبي حنيفة؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور الصالحين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه.
وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا بالطريق التي روي بها مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه. فحرّف النقل عنه كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها، ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجور استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول ﷺ لم يشرعها وتركه مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنه لا يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير نقل عن الأنبياء إلا النصارى وأمثالهم. وإنما المتبع في إثبات أحكام الله ﷿ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.
والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل فالنقض فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير بل المشركون الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة. فإن كان هذا وحده دليلا على أنّ الله تعالى
يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرًا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثنا وأحسن الظن به وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره فمن المحال إصابتهم جميعًا وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعًا جمع بين الأضداد. فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعًا فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف التأثير على زعمهم. فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثيره مثل تأثير الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذا كله من خصائص الأوثان، ثم قد استجيب لبلعام بن باعوراء في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون.
وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبهة على أصلين منقول، وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان. ومعقول وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة.
فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط أوليس بحجة، بل قد ذكرنا من النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك.
وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب؛ فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر يدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوة فيستجاب له في واحدة ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات الأسحار، ويدعون الله ﷿ في سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله؟ فإنّ هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم يكد يسقط لهم دعوة إلا لمانع، بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون إذا فعله المخلصون لم يرد دعاء المخلصين إلا نادرًا، ولم يستجب للمقابريين إلا نادرا والمخلصون
كما قال النبي ﷺ: "ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: الله أكثر". فهم في دعائهم لا يزالون بخير. وأما القبوريون فإنهم إذا استجيب لهم نادرًا فإنّ أحدهم يضعف توحيده ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق طعم الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة؛ فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله ﷿ على اجتهاده وغفر له خطأه، وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية والتوجهات النفسانية كالعين أو الدعاء المحرم والرقي المحرمة والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب. فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية فقلّ أن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة دع الآخرة. والمخفق من هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم، فهي في نفسها مضرة لا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرًا، وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه، والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة والمستحبة سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين ﷺ كالصدقة وفعل المعروف يحصل بها الخير المحض أو الغالب وما يحصل من ضرر بفعل مشروع أو ترك غير مشروع مما نهى عنه فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة. وهذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فهو أيضًا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإنّ الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة ويجلبان كل خير ويدفعان كل شر، فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك
الأسباب المحرمة لا خير محض ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم وعقل يتيقن ذلك يقينا لا شك فيه.
وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانًا فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فيلا ريب، وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ﷾؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر، ومثل النبي ﷺ مثل طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا ففعل ذلك. فحصل غرضه من الشفاء. والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام، والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه؛ بحيث يختطف عقله، فيتألهه إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه أو أنه وإن أثر فضرره أكبر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرًا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا، ولو كان قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعف الله عنه فيوفقه لتوبة نصوح، كما لو طلب من الله ﷿ ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة وقد قال النبي ﷺ: "إن الرجل
ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارًا. قالوا: يا رسول الله، فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأله ما لا يصح له مسألته كما فعل بلعام بن باعورا وثعلبة وخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (لأعراف:٥٥) فهو ﷾ لا يحب المعتدين في صفة الدّعاء ولا في المسؤال، ولكن حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله تعالى في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده، وأُعطوا طلبتهم فتنة ولما يشاء الله ﷾ بل أشد من ذلك ألست ترى السِّحْر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثير من أغراض النفوس الخبيثة، ومع هذا فقد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٠٢ - ١٠٣) فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه خاسر في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تبارك تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ (البقرة: من الآية١٠٢) . كذلك أنواع من الداعين السائلين قد يدعون دعاء محرمًا يحصل معه ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه. وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا، ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه بتقصيره في طلب العلم أو ترك الحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون فيه مجتهدا أو مقلدا كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال المعذور فيها. وغيره قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله ﷿ به، أو نحو ذلك من الأسباب.
فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية قد تغفر
تلك الكراهة بمنزلة سائر أنواع العبادات، وقد علم أن العبادات المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك، ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه، ومن هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا لتلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط لما ذكرناه خصوصًا إذا كان العمل إنما كان أثره لصدق قام بقلب فاعله حين الفعل ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به؛ لأنه ليس العمل مشروعًا فيكون لهم ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل لفعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل.
ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين من الصدق والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك، وكما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل فيّ بسعدي ولبني، لولا أعلم أنك صادق لعذبتك (١) .
فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فكثيرًا ما يكون من هذا الباب؛ ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون
_________
(١) ومن الذي يصدق مثل هذه المنامات التي يختلقها الصوفية الكذبة؟ وكل ما يحكونه عن شيوخهم من الأحوال والمواجيد فهو كذب كله وافتراء؛ يموهون به على العوام وبأي وجه يصدق المؤمن مثل ما يحكيه سمنون وأمثاله عن أنفسهم ومواجيدهم، والتهمة إليهم أقرب، فضلًا عن أن يدعي لهم ما يشبه العصمة التي تجعل كل ما يحكون عن مواجيدهم الرهبانية والقسيسية الشيطانية صدقًا، يستدل بها على ما يقره الكتاب والسنة ولا يعرفه الصحابة أئمة الهدى ﵃.
هذا من أصحابهم، وإن وجد أصحابهم أثره كما يحكى عن سمنون المحب، قال: "وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، فجئت إلى دجلة فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت، وخرج حوت عظيم" أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال: "كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله"، وكذلك حكي لنا: "أن بعض المجاورين بالمدينة المنورة جاء إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء بعض الهاشميين إليه فقال إن النبي ﷺ بعث لك ذلك، وقال لك: اخرج من عندنا فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا"، وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل؛ وهكذا عامة ما يحكى من هذا الباب إنما هو من قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعًا أو دينًا لكان أهل المعرفة أولى به.
ثم قال: وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع فيتبع ولا سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذا من الأمور المحدثات فلا يستحب وإن شملت أحيانًا على فوائد؛ لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة إما من جهة المطلوب وإما من جهة نفس الطلب.
وتكلّم على الأول، ومثّل له بأمثلة، ثم قال: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها، ونحو ذلك. فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك؛ ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة من الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في دار
الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج عنهم، وربما عاينوا أمورًا. وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم له به ألبتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربًا له بسيف وإن كان الحائل لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله ﷾؛ بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ﷿ ونحو ذلك فهذا قريب.
وقد يجري لعبّاد الأصنام أحيانًا من هذا الجنس المحرم محنة من الله ﷿ بما يفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقنا أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك؟ أو أن له فيه فعلًا؟ وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان ذلك السبب محرمًا لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله ﷿ عقب أكل السموم، وقد يكون الدّعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله أن يدعو الله، كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به إليه، كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله ﷿ بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله ﷿ بكلمات لا تصلح أن يناجي بها الله ﷿ ويدعي بها، لما في ذلك من الاعتداء.
فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم؛ ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله ﷿ وينور قلبه، ويفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
أمور قدرها الله ﷿، وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة بهذه الأمور تكون محرمة موجبة لعقابه.
وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، ولكن لم يعنه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد.
والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه، فالأول: إعانة، والثاني: عبادة، والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة كما قال
تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فما كان من الدعاء غير المباح ذا أثر فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق؛ ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (التحريم: من الآية١٢)، ولهذا كان النبي ﷺ: "يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" ومن رحمة الله تعالى أنّ الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض إلاّ في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط، وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٤٠ - ٤١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الاسراء:٦٧)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: من الآية٦٢)، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الاسراء:٥٦ - ٥٧)، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر:٤٣ ـ٤٤) .
فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب الدّعاء فيها إلا هو سبحانه، دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضًا من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السّموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء وأن ما دون هذا بأن يكون خلقًا له أولى إذ هو منفعل عن الأسباب التي هي مخلوقاته العظيمة. فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه
تدبير إما كما قال ﷾: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سبأ:٢٢)، فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة استقلالًا ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا فقد انقطعت علاقته.
وشرك الألوهية بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى مخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة. كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابًا لا تقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذ كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته إذ قد جعل الخير كله في: "أنّا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه"، وعامة آيات القرآن لتثبيت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية٥١) وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية٧٠) وقوله تعالى ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ الآية (الأنعام: من الآية٧١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام:٩٤) وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية٤) وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية٣) وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَميعًا﴾ (الزمر:٤٣ـ ٤٤)، وسورة الزمر أصل عظيم في هذا ومن هذا قوله ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج:١١ - ١٣) وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:٤١)، والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول.
وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببًا أو جزءًا من السبب في حصول طلبته، والنّاس قد اختلفوا في دعاء المستغيث المستعتب لقضاء الحاجات: فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلًا؛ فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء أو لا تكون اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء. وقال قوم ممن يتكلم في العلم: بل الدّعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول، لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق.
والصّواب ما عليه الجمهور من أنّ الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وسواء سمي سببًا أو جزءًا من السبب أو شرطًا فالمقصود هنا واحد.
وإذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له كما قال عمر ﵁: "إني لا أحمل همّ الإجابة، وإنما أحمل همّ الدّعاء فإذا أُلهمت الدعاء فإن الإجابة معه". كما أن الله ﷿ إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب
عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة. والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم. فمبدأ الأمور من الله ﷿ وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو في ملكوت الرّب، بل الرّب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء عبده سببًا لما يريده ﷾ من القضاء، كما قال رجل للنبي ﷺ: "أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله ﷿"، وعنه ﷺ: "إنّ الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض".
فهذا في الدعاء الذي يكون سببًا في حصول المطلوب، وأعلى من هذا ما جاء في الكتاب والسنة من رضى الله ﷿ وفرحه وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحين، وما جاءت به النصوص؛ وكذا غضبه ومقته، وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما للناس فيه من المقالات والاضطراب في موضع آخر. فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببًا فقد تقدم الكلام عليه، فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة فلا تكون هي السبب في حصول المطلوب ولا جزءًا منه، ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم وهمًا كاذبًا كالنذر، فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه: "نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" - وأطال الكلام في النذر، ومنع كونه سببًا، ثم قال ـ: بل إذا كان المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية، مع أن جنس النذر لا أصل له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدّعاء بمكان لا خصوص له في الشرع؛ لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر - ثم تكلم على منع كون الدعاء المبتدع سببًا، وأنه لا دليل عليه إلا الاقتران
أحينًا، وقرّر أن هذا لا يدل؛ لأنّ التراخي والانتقاض مانع من الاستدلال، وأن مجرد الاقتران أحيانًا ليس دليلًا باتفاق العقلاء إذا كان هناك سبب آخر، ثم تكلم في الأسباب، وقسم الناس فيها ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالين، ومهتدين. ثم تكلم على الكرامات وقرّر أنّها فعل الله، وذكر شيئًا من الحكمة ثم قال: "وأما العلم بعلية السبب فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية، منها الاضطرار - وتكلّم على الأدعية الشرعية والاستجابة بها، وخرق العادة للداعي ـ.
ثم قال: "وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد، وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين، أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل.
وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيرًا، وقد يتوهم كثيرًا وهمًا ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل، ويكفيك أنّ كل ما يظن أنه سبب لحصول المطلوب مما حرمته الشريعة: من دعاء أو غيره لا بد فيه من أحد أمرين: إما أن لا يكون سببًا صحيحًا، كدعاء ما لا يسمع وما لا يبصر ولا يغني عنك شيئًا، وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه، فأما ما كان سببًا صحيحًا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه في الشرع بحال، وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من باب المنهي عنه.
وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه، وذكروا أنه إذا حيّاه وصلّى وسلّم يستقبل قبلة وجهه بأبي هو وأمي.
ﷺ فإذا أراد الدّعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منه لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا، فليؤمر به كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره. فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور، وصار في الروضة أو أمامها؛ ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك قد ثبت فيه النهي عن النبي ﷺ كما تقدم.
فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدًا وقبلة أمروا بأن لا يتحرى الدّعاء إليه، كما لا يصلي إليه. قال مالك في المبسوط: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضى"؛ ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحًا.
وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة حدثني أبي قال: "كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر ﵁ وركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز".
وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهى عن الصّلاة إلى جهة المشرق وغيره فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في الشرق أو غيره. وهذا ضلال بين وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، ويستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله ﷺ، وكلّ هذه الأشياء من البدع التي تضاهي دين النصارى. ومما يبين لك ذلك: أن نفس السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج
إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملًا بقوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا"، وبقوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"، فكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك.
ولهذا كره مالك ﵀ وغيره من أهل العلم من أهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه قال: "وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا" ونحو ذلك. ورخّص بعضهم في السّلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا في الصّلاة والسلام فما علمت أحدًا رخّص فيه؛ لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ بما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع.
فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا. وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى كل يوم خمس مرات يصلون ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم ما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنّهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذا في حياته.
والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر: "أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم وصلّى عليه ثم قال: السّلام عليك يا أبا بكر، السّلام عليك يا أبتاه". وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا.
وما أحسن ما قال مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من
البدع والشرك وغيره؛ ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه، فكانت حجرة عائشة ﵂ التي دفنوه فيها ملاصقة لمسجده ومنفصلة عن المسجد. وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات غيرت الحجرة عن حالها هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك. وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم من لم يكرهه، قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. فقلت له: في المنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يرويه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر، ويرويه عن سعيد ابن المسيب في الرمانة. قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه، ثم قال لعلّه عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر؟ وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي هو وأمي ﷺ" وقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي ﷺ ويده ولم يرخص في التمسح بقبره. وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره؛ لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الموضعين ظاهر. وكره مالك ﵀ التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر.
وأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة فقد زال ما رخص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسح بمقعده. فروى الأثرم بإسناده عن القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: "رأيت ابن عمر يقف على قبر
النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄.
الوجه الثالث: في كراهة قصدها بالدعاء، أن السلف ﵃ كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا" كما ذكرنا عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين وأعلم بهذا الشأن من غيرهما؛ لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبًا ومكانًا، وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلّم على النبي ﷺ وصاحبيه ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف ويستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي، وما أحفظ لا عن صحاب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم ـ، فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل؟ والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به؟!.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يدعى عنده، ونحو ذلك، والإنكار على فعل ذلك أو قاله كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة أو معذورًا يعفو الله عنه، أما كون هذا الذي قال يقتضي استحباب ذلك فلا، بل قد يقال: هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له ويعينون عينًا أو بئرًا أو شجرةً أو مغارةً أو حجرًا أو غير ذلك من الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين كذلك الأول، ولم يبلغني إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي
الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعًا وشهيدا يوم القيامة". قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول: "من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه". قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: "بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: من الآية٥٦)، فقال: "صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليه يا فلان ولم تسقط له حاجة".
فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حُجّة فيه لوجوه:
أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغه عمن لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلًا، وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية ليس هو من التابعين ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال: قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة.
ثم تكلم الشيخ على ردّ الاستدلال به، وأطال الكلام - ثم ذكر كلام ربيعة من رواية محمد بن الحسن بن زبالة، وهو مضعف عند أهل الحديث، ثم منع الاستدلال به، وتكلم بكلام حسن، وذكر أنه روى عن أنس ما يخالف روايته عن ربيعة، ثم ذكر حديث عطاء بن يسار الذي في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فهذه الآثار إذا ضمت إلى ما قدمناه من الآثار علم كيف كان حال السلف في هذا الباب وإن ما عليه كثير من الخلف مما حدث كان من المنكرات عندهم.
ولا يدخل في هذا الباب ما يروى: أن قومًا سمعوا ردّ السلام من قبر
النبي ﷺ أو قبور غيره، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك؛ فهذا كله حق ليس مما نحن فيه. والأمر أجل من ذلك وأعظم. وكذلك أيضا ما يروى: "أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه في النوم وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج ويستسقي بالناس" فإن هذا ليس من هذا الباب، ومثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجته فتقضى لهم؛ فإن هذا قد وقع كثيرًا وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل ﷺ: "إن أحدكم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارًا، فقالوا: يا رسول الله فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر. أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك، وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل: نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاءها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهان بها؛ فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ﷿ ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق (١)، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
_________
(١) قال الشيخ حامد الفقي: "لا ندري من أين قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغفر له كل هذا في قبور الأنبياء=
وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمنا وليس كذلك.
ثم أطال الكلام في مسألة تحري الدّعاء عند القبور - والغرض هنا بيان وجه سياقه وإيراده لما نقله العراقي.
فأما نقله الأول عن هذا الكتاب فإنه أسقط منه قول الشيخ: "فإن هذا ليس من هذا الباب" فترك هذه الجملة التي فيها إخراج هذا ونحوه عن باب الاحتجاج به، على فضل الدعاء واستجابته عند القبور، ولذلك قال: "مثل ذلك يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ يعني فلا يحتج به". وقد قدم الشيخ قبل هذا أن استجابة الدعاء قد تقع عند الأوثان وفي الكنائس. وتكلم في تعدد أسباب ذلك وأسباب الكائنات.
وقول الشيخ: "وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من الله، فتقضى ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره من أمته لهؤلاء السائلين الملحين" إلى آخر العبارة، ليس فيه ما زعمه العراقي من استحباب دعائها والاستغاثة بأربابها، والسياق في منع دعاء الله عندها فكيف بدعائها. ولذلك قال الشيخ: "فإن ذلك ليس من هذا الباب" ولا قال أحد ممن يعتد به هذا القول الذي زعمه هذا المفتري إلا عباد القبور وأمثالهم من أهل الجهالة بدين الله، ولم يثبت الشيخ قضاء الحوائج من أهل القبور كما زعمه هذا الملحد؛ فإن إضافة الإجابة للنبي ﷺ أو غيره لا تقتضي الفاعلية، وأنه هو الذي أجاب دعاءهم وأعطاهم. والإضافة تقع ولو لأدنى ملابسة، كيف وقد قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: من الآية٦٢) وليس هذا من جنس الأسباب العادية بل هو من خوارق العادات، وقد مرّ أن الله هو الفاعل لذلك،
_________
=والصالحين؟ فإن مثل ذلك لا يقال بالرأي والقياس، ولا نعرف في ذلك آية ولا حديثًا يصح عن النّبي ﷺ وما جرّ إلى عبادتها وتقديس العامة لها واتخاذها أوثانًا إلا مثل هذا، والمدفون في القبور جميعها إنما هو الأجسام البشرية التي ماتت أما معنوية الرسل والصالحين فهي عند الله في نعيم مقيم، والله أعلم.
وأنه تعالى يخرق العادة لأسباب متعددة ومصالح متنوعة، وقد تقدم قوله: وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد. وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل - فعمي العراقي عن هذا كله، وانتزع هذا الكلام المسوق لرده وبطلان الاستدلال به، وجعله دليلًا.
وقول العراقي: إن الشيخ أثبت لهم الإيمان، ولم بخرجهم بذلك عن الإسلام ولم يؤثمهم، فهذا جهل منه بمسمى الإيمان، فإن المراد ما معهم من الإيمان بالرسالة ونحوها. لا أن هذا ليس بشرك وأن الإيمان لم ينقض بذلك، ولم يؤثمهم، هذا الكلام يرده قوله: "وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارًا" الحديث، وأما تكفيرهم بمثل هذا فلم يقل به أحد قبل قيام الحجة، وقد نقدم كلام الشيخ محمد في ذلك. وأما بعد قيام الحجة فيختلف الحكم ويجري موجبها ويعمل بمقتضاها. والعراقي جاهل مدلس، وقد عمي عن نحو مائة عبارة أو أكثر في هذا الكتاب بعينه، ترد مفهمومه من أن المجيب هو المدعو من دون الله.
وكذلك استدل له في نقله الثاني بما حكى أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى نوعًا من الأطعمة - إلى آخر الحكاية. فليس في هذا ما يستدل به على دعائه ﷺ أصلًا، وكونه أعطى ما يطلب لا يدل على دعائه غير الله والاستغاثة بسواه، فإن هذا جهل عظيم بأسباب الكائنات وموجباتها، كما مر عن الشيخ، وقد علم أن هذا ليس من أدلة الجواز والاستحباب وقد تقدم كلام الشيخ في أنه قد يستجاب لمن سأل المسيح وغيره حتى الأوثان، واطراد الدليل كفر متناقض. وإذا كان يطرد فالاستدلال به باطل لأن الدليل يلزم اطراده، وليس مع هؤلاء إلا التمسك بالمتشابه من غير فقه ونظر في المعنى المراد.
وأما نقله الثالث وهو قوله: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه" إلى آخر العبارة. فليس في كلام الشيخ ما يتمسك به المبطل؛ لأن قوله: "قد يعمل الرجل" ليس من صيغ العموم، ونحن لا نمنع وقوع ذلك، وأنه يغفر لبعض الناس ما لا يغفر لغيره لعدم علمه، ولكن لا يفيد هذا العموم كما تقدم تقريره.
وأما قول العراقي: وذكر الشيخ هذا بعد حكاية العتبي أنه استغاث بالنبي ﷺ وقضيت حاجته، فهذا كذب، ما قال الشيخ: إنه استغاث بالنبي ﷺ ولا قال: قضيت حاجته، وإنما قرّر جهل فاعل ذلك، وإنه مخالف لهدي أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان.
وأما نقله الرابع لقول الشيخ: وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، وقضيت حوائجهم، وهو لا يخرج عما ذكرته، وهذا من جنس ما قبله ظن العراقي أن إثبات الشيخ قضاء الحوائج دليل على جواز الدعاء والسؤال. والشيخ وكثير من أهل العلم يعلمون أن الحوائج قد تقضى لمن يسأل الأنبياء والصالحين والأوثان والنجوم، ولكن لقضائها أسباب لا يحيط بها، ويعلم تفاصيلها إلا الله تعالى.
وقد مر قول الشيخ: بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون أوثانهم فيستجاب لهم أحيانًا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانًا، وقال فيما تقدم: وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية، والتوجيهات النفسانية أو الدعاء المحرم والرقى المحرمة، والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها. والشيخ لم ينف تأثيرها، وعلى طرد دليل هذا العراقي: يباح كل أثر مباح كلما أثر فتباح هذه الأشياء.
وتأمل قول الشيخ فيما مر: "فليس علينا من سبب التأثير أحيانًا، فإن
الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو"، وقوله: "والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختطف عقله بحيث يتألهه، إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين" وقف على قول الشيخ فيما مر: "بل أشد من ذلك، ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ الآية (البقرة: من الآية١٠٢) "، وتأمّل ما مرّ من قوله: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقضي عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك، ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالًا يستغيثون ببعض الأحياء".
فإن هذا الكلام صريح في أن المدعو والمستغاث لا شعور لهم ولا علم عندهم بدعاء من يدعوهم مع الله تعالى، وأن الله هو الفاعل لذلك من غير واسطة. وهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الاحقاف:٥ ـ٦) .
والشيخ ﵀ قصد هذا المعنى، وأن إجابة الله دعاء من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله لا يستدل به على مشروعية أنه دين قد أذن فيه تعالى، فإن أسباب الحوادث القدرية والقضايا الكونية لا تصلح دليلا على الأحكام الشرعية العملية، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الاسراء:٢٠)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ الآية (النحل: من الآية ٣٥)، فأنكر تعالى عليهم الاحتجاج بالمشيئة والقدر، على أنه يرضى ما جاءوا به من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه.
ولو تتبعنا كلامه في هذا الكتاب في هذه المسائل التي تبطل ما أبداه طاغية العراق لطال حجم الكتاب. وقد ذكر في آخره مباحث مهمة في إسلام الوجه لله وإخلاص الدين له، نحيل طالب العلم عليه.
وله ﵀ رسالة في هذا المبحث، جواب سؤال ورد عليه، أحببت إيرادها هنا لعظم فائدتها، ولأنّها تأتي على كل ما زعمه الملحد العراقي بالهدم والقلع.
قال السائل: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله تعالى عنهم أجمعين: فيمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مريضٍ له أو في فرسه أو بعيره: يطلب إزالة الألم الذى بهم، ويقول: ياسيدى، أنا في جيرتك، أنا في حسبك، فلان ظلمنى، فلان قصد أذيتى، ويقول: إن المقبورين يكونون واسطة بينه وبين الله تعالى؟.
وفيمن ينذر للمساجد، والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك، يقول: إن سلم ولدى للشيخ عليّ كذا وكذا، وأمثال ذلك؟.
وفيمن يستغيث بشيخه إذا أصابته نائبة أو عثر، أو سمع حسًا خلفه أزعجه، استغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه؟ .
وفيمن يجىء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه، ويمسح بهما وجهه وجسمه وأمثال ذلك؟.
وفيمن يقصد حاجة، فيقول: يا شيخ فلان، ببركتك، ثم يقول: قضيت حاجتى ببركة الله وبركة الشيخ؟. وفيمن يعمل السماع فيجىء إلى القبر ويكتنفه وينحط بين يدى شيخه ساجدًا على الأرض؟ .
وفيمن قال: إن ثم قطبًا غوثًا جامعًا في الوجود؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا القول في ذلك.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، الدين الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته، والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع، ودفع المضار، كما
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا - إلى قوله ـ: مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] . قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادى كما أنتم عبادى، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى، ويخافون عذأبي كما تخافون عذأبي، ويتقربون إلىَّ كما تتقربون إلىَّ. فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف بمن دونهم؟ !
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . فبين سبحانه أن من دُعى من دون الله من جميع المخلوقات من الملائكة والبشر وغيرهم لا يملك مثقال ذرة في ملكه، وأنه سبحانه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، وأنه ليس له معين يعاونه كما يكون للملك أعوان ولا ظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فنفي بذلك وجوه الشرك.
وذلك أن من يدعي من دونه، إما أن يكون مالكا، وإما أن يكون شريكا، وإذا لم يكن مالكًا ولا شيركًا فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلا طالبًا. - والله ﷾ أعلم - فالأقسام الأول الثلاثة منتفية، وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكما قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرضي﴾ [النجم: ٢٦] .
وكما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩: ٨٠] . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كان كافرًا، فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا؟ !
وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التى لا يقدر عليها إلا الله سبحانه؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين أو البهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة أو نجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن والعلم، وأن يصلح قلبه ويحسن خلقه وتزكو نفسه، وأمثال ذلك فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرنى على عدوى، ولا اشف مريضى، ولا عافنى أو عاف أهلى أو دوابى، وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقا كائنًا من كان، فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التى يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة، وقد تكون منهيا عنها، قال تعالى:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وأوصى النبي ﷺ طائفة من أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئا. فكان أحدهم يسقط سوطه من يده فلا يقول لأحد: ناولنى إياه. وثبت في الصحيحين أنه ﵌ قال: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". والاسترقاء طلب الرقية، وهو من أنواع الدعاء، ومع هذا فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: " ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة، إلا وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك: ولك بمثل ذلك ".
ومن أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بالصلاة عليه، وطلب الوسيلة له، وأخبرنا بما لنا في ذلك من الأجر إذا دعونا بذلك، فقال في الحديث الصحيح: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإن من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلو الله لى الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغى أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة ".
ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه، فقد روى طلب الدعاء من الأعلى والأدنى؛ لأن النبي ﷺ ودّع عمر ﵁ إلى العمرة، فقال له: " لا تنسنا من دعائك يا أخى "، لكن النبي ﷺ لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة، وأخبرنا أنا إن فعلنا ذلك حلَّت لنا شفاعته يوم القيامة، وكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين من يطلب لغيره شيئا لمنفعة المطلوب منه، ومن سأل غيره لحاجته إليه فقط. وثبت عنه في الصحيح أنه ذكر أُوَيْسًا القَرَنى وقال لعمر: " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ".
وفي الصحيحين: "أنه كان بين أبي بكر وعمر ﵄ شىء، فقال أبو بكر: استغفر لى"، لكن في الحديث: "أن أبا بكر حنق على عمر". وثبت أن أقوامًا كانوا يسترقون، وكان النبي ﷺ يرقيهم. وثبت في الصحيحين: "أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي ﷺ أن يستسقى لهم فدعا الله سبحانه حتى سقوا ". وفي الصحيح أيضًا: "أن عمر بن الخطاب رضي الله
كان يقول: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". وفي السنن: "أن أعرابيا قال للنبي ﷺ: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: " ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك ". فأقره على قوله: " إنا نستشفع بك على الله "، وأنكر عليه: " نستشفع بالله عليك "؛ لأن الشافع يسأل المشفوع إليه، والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه، والرب تعالى لا يسأل العبد ولا يستشفع عليه. والله ﷾.
وأما زيارة القبور المشروعة، فهي أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: " سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم ". وروى أنه قال: " ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ ". والله تعالى يثيب الحى إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته؛ ولهذا نهى نبيه أن يفعل ذلك بالمنافقين، بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] . فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحى إلى الميت، ولا مسألته ولا توسله به، بل فيها منفعة الحى للميت، كالصلاة عليه، والله يرحم هذا ويثيبه على عمله، ويرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه، فإنه ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له ".
النوع الثاني من الأمكنة: ماله خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده؛ فمن هذه: قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء عن النبي ﷺ والسلف النهي عن اتخاذها عيدًا، عموما وخصوصا بين معنى العيد - ثم ساق حديث أبي هريرة في النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدًا، وصحّح الحديث، وجزم بأنّ كل جملة منه رويت عن النبي ﷺ بأسانيد معروفة، وساق طرفًا من ذلك وقرّر وأفاد، ثم ذكر استحباب زيارة القبور الشرعية، وساق الأحاديث في ذلك، وذكر حرمة قبر المسلم، ثم ذكر مسألة السفر لقبور الأنبياء والصالحين هل هو جائز يباح فيه قصر الصلاة أو هو معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة؟ وذكر في المسألة قولين لأهل العلم ورجّح المنع، لحديث: "لا تشد الرّحال إلا لثلاثة مساجد" ثم ذكر الصلاة عند القبور مطلقًا، وبناء المساجد عليها، وساق الأحاديث والنصوص المانعة من ذلك، وما فيها من التغليظ، وذكر ذلك عن عامة علماء الطوائف، وذكر الأحاديث التي فيها لعن من فعله من أهل الكتابين، ثم قال ـ: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين - ثم ذكر العلة في تحريم الصلاة عند القبور، وإنذها ذريعة إلى تعظيم من فيها بالعبادة، وإنّها مظنة لاتخاذها أوثانًا، كما قال الشافعي ﵀: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى
من بعده من الناس"، وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء، ثم ردّ تعليل بعضهم النهي عن اتخاذ القبور مساجد بالنجاسة أو مظنتها، ورده بوجوه منها: أن قبور الأنبياء أطهر البقاع، وقد لعن من اتخذها مساجد، وتواتر الحديث بذلك، وبوجوه غير هذا ذكرها وقرّرها. وذكر أن سبب عبادة اللات تعظيم قبره، وكذلك ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح ﵉، وصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإنّ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فإن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقوامًا كثيرين يضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد بل ولا في السحر. ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال، فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ذلك سدًا للذّريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالصّلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ من أن الصلاة عند القبر أي قبر كان لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلًا بل مزية شر. واعلم أن تلك البقعة وإن كانت تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه
والجافي عنه، فإنّ النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود؛ ولهذا قال ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". إلى أن قال: وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركًا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم - ثم ذكر نزاع الفقهاء في الصلاة في المقبرة، هل هي محرمة أو مكروهة؟ ورجّح التحريم للنصوص الدّالة، ثم ذكر الدعاء عندها وقرّر المنع - ثم قال: وما يرويه بعض الناس من أنه قال: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور" ونحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء. والذي يبين ذلك أمور: أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها - ثم بسط الكلام في هذه المسألة، واحتج واستدل.
ثم أورد سؤالًا يورده من يتبرك بالدّعاء عند القبور، ويرى فضله: "فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، ويروى عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده وأظنه ذكر ذلك المروزي، ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء. وعلى هذا عمل كثير من الناس، وقد ذكر العلماء في مناسك الحج إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنه بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة. فقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض
الأشياخ، وجرّب أقوام استجابة الدّعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي وغيره، وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذوي الفضل علمًا وعملًا من كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعًا في العلم وفيهم من له كرامات، فكيف يُخالَف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين؛ لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون".
ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: "قلنا الذي ذكرنا كراهته لا ينقل في استحبابه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي ﷺ عليها حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" مع شدة المقتضى فيهم لذلك لو كان فيه فضيلة. فعدم أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه. وأمّا من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء إلى فعل ذلك وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد اجتمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين:
أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديمًا وحديثًا.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنًا لفعله المتقدمون ولم يفعلوه. فإنّ هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض. وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب أوالسنة وإجماع المتقدمين نصًا واستنباطًا. فكيف - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟ بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبًا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀ أنه قال: "إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة الله فأُجاب" أو كلاما هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له أدنى معرفة بالنقل؛ فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد لأبي حنيفة ولا غيره قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا معروفًا على عهد االشافعي، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والعراق والشام
ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عند قبر أبي حنيفة؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور الصالحين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه.
وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا بالطريق التي روي بها مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه. فحرّف النقل عنه كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي يفعلونها من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها، ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجور استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول ﷺ لم يشرعها وتركه مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنه لا يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير نقل عن الأنبياء إلا النصارى وأمثالهم. وإنما المتبع في إثبات أحكام الله ﷿ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.
والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل:
أما المجمل فالنقض فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير بل المشركون الذين بعث إليهم الرسول ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة. فإن كان هذا وحده دليلا على أنّ الله تعالى
يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرًا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثنا وأحسن الظن به وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره فمن المحال إصابتهم جميعًا وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعًا جمع بين الأضداد. فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعًا فيما يثبتونه دون ما ينفونه بضعف التأثير على زعمهم. فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثيره مثل تأثير الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذا كله من خصائص الأوثان، ثم قد استجيب لبلعام بن باعوراء في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون.
وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبهة على أصلين منقول، وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان. ومعقول وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة.
فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط أوليس بحجة، بل قد ذكرنا من النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك.
وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب؛ فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر يدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوة فيستجاب له في واحدة ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات الأسحار، ويدعون الله ﷿ في سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله؟ فإنّ هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم يكد يسقط لهم دعوة إلا لمانع، بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون إذا فعله المخلصون لم يرد دعاء المخلصين إلا نادرًا، ولم يستجب للمقابريين إلا نادرا والمخلصون
كما قال النبي ﷺ: "ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: الله أكثر". فهم في دعائهم لا يزالون بخير. وأما القبوريون فإنهم إذا استجيب لهم نادرًا فإنّ أحدهم يضعف توحيده ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق طعم الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له في حاجته اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة؛ فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله ﷿ على اجتهاده وغفر له خطأه، وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية والتوجهات النفسانية كالعين أو الدعاء المحرم والرقي المحرمة والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب. فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية فقلّ أن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة دع الآخرة. والمخفق من هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم، فهي في نفسها مضرة لا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرًا، وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه، والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة والمستحبة سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين ﷺ كالصدقة وفعل المعروف يحصل بها الخير المحض أو الغالب وما يحصل من ضرر بفعل مشروع أو ترك غير مشروع مما نهى عنه فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة. وهذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فهو أيضًا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإنّ الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة ويجلبان كل خير ويدفعان كل شر، فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك
الأسباب المحرمة لا خير محض ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم وعقل يتيقن ذلك يقينا لا شك فيه.
وإذا ثبت ذلك فليس علينا من سبب التأثير أحيانًا فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فيلا ريب، وكذلك أنواعها أيضا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ﷾؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر، ومثل النبي ﷺ مثل طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا ففعل ذلك. فحصل غرضه من الشفاء. والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام، والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه؛ بحيث يختطف عقله، فيتألهه إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه أو أنه وإن أثر فضرره أكبر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرًا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا، ولو كان قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعف الله عنه فيوفقه لتوبة نصوح، كما لو طلب من الله ﷿ ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة وقد قال النبي ﷺ: "إن الرجل
ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارًا. قالوا: يا رسول الله، فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأله ما لا يصح له مسألته كما فعل بلعام بن باعورا وثعلبة وخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (لأعراف:٥٥) فهو ﷾ لا يحب المعتدين في صفة الدّعاء ولا في المسؤال، ولكن حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله تعالى في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده، وأُعطوا طلبتهم فتنة ولما يشاء الله ﷾ بل أشد من ذلك ألست ترى السِّحْر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثير من أغراض النفوس الخبيثة، ومع هذا فقد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٠٢ - ١٠٣) فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه خاسر في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تبارك تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ (البقرة: من الآية١٠٢) . كذلك أنواع من الداعين السائلين قد يدعون دعاء محرمًا يحصل معه ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه. وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا، ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه بتقصيره في طلب العلم أو ترك الحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون فيه مجتهدا أو مقلدا كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال المعذور فيها. وغيره قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله ﷿ به، أو نحو ذلك من الأسباب.
فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية قد تغفر
تلك الكراهة بمنزلة سائر أنواع العبادات، وقد علم أن العبادات المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك، ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه، ومن هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا لتلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط لما ذكرناه خصوصًا إذا كان العمل إنما كان أثره لصدق قام بقلب فاعله حين الفعل ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به؛ لأنه ليس العمل مشروعًا فيكون لهم ثواب المتبعين، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل لفعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل.
ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين من الصدق والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك، وكما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل فيّ بسعدي ولبني، لولا أعلم أنك صادق لعذبتك (١) .
فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فكثيرًا ما يكون من هذا الباب؛ ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون
_________
(١) ومن الذي يصدق مثل هذه المنامات التي يختلقها الصوفية الكذبة؟ وكل ما يحكونه عن شيوخهم من الأحوال والمواجيد فهو كذب كله وافتراء؛ يموهون به على العوام وبأي وجه يصدق المؤمن مثل ما يحكيه سمنون وأمثاله عن أنفسهم ومواجيدهم، والتهمة إليهم أقرب، فضلًا عن أن يدعي لهم ما يشبه العصمة التي تجعل كل ما يحكون عن مواجيدهم الرهبانية والقسيسية الشيطانية صدقًا، يستدل بها على ما يقره الكتاب والسنة ولا يعرفه الصحابة أئمة الهدى ﵃.
هذا من أصحابهم، وإن وجد أصحابهم أثره كما يحكى عن سمنون المحب، قال: "وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، فجئت إلى دجلة فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت، وخرج حوت عظيم" أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال: "كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله"، وكذلك حكي لنا: "أن بعض المجاورين بالمدينة المنورة جاء إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء بعض الهاشميين إليه فقال إن النبي ﷺ بعث لك ذلك، وقال لك: اخرج من عندنا فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا"، وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل؛ وهكذا عامة ما يحكى من هذا الباب إنما هو من قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعًا أو دينًا لكان أهل المعرفة أولى به.
ثم قال: وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع فيتبع ولا سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذا من الأمور المحدثات فلا يستحب وإن شملت أحيانًا على فوائد؛ لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة إما من جهة المطلوب وإما من جهة نفس الطلب.
وتكلّم على الأول، ومثّل له بأمثلة، ثم قال: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها، ونحو ذلك. فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك؛ ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة من الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في دار
الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج عنهم، وربما عاينوا أمورًا. وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم له به ألبتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربًا له بسيف وإن كان الحائل لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله ﷾؛ بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ﷿ ونحو ذلك فهذا قريب.
وقد يجري لعبّاد الأصنام أحيانًا من هذا الجنس المحرم محنة من الله ﷿ بما يفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقنا أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك؟ أو أن له فيه فعلًا؟ وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان ذلك السبب محرمًا لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله ﷿ عقب أكل السموم، وقد يكون الدّعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله أن يدعو الله، كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به إليه، كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله ﷿ بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله ﷿ بكلمات لا تصلح أن يناجي بها الله ﷿ ويدعي بها، لما في ذلك من الاعتداء.
فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم؛ ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله ﷿ وينور قلبه، ويفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
أمور قدرها الله ﷿، وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة بهذه الأمور تكون محرمة موجبة لعقابه.
وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، ولكن لم يعنه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد.
والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه، فالأول: إعانة، والثاني: عبادة، والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة كما قال
تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فما كان من الدعاء غير المباح ذا أثر فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق؛ ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (التحريم: من الآية١٢)، ولهذا كان النبي ﷺ: "يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" ومن رحمة الله تعالى أنّ الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض إلاّ في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط، وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٤٠ - ٤١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (الاسراء:٦٧)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: من الآية٦٢)، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الاسراء:٥٦ - ٥٧)، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر:٤٣ ـ٤٤) .
فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب الدّعاء فيها إلا هو سبحانه، دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضًا من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السّموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء وأن ما دون هذا بأن يكون خلقًا له أولى إذ هو منفعل عن الأسباب التي هي مخلوقاته العظيمة. فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة وجماع الأمر أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه
تدبير إما كما قال ﷾: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سبأ:٢٢)، فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة استقلالًا ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا فقد انقطعت علاقته.
وشرك الألوهية بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى مخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة. كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابًا لا تقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذ كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته إذ قد جعل الخير كله في: "أنّا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه"، وعامة آيات القرآن لتثبيت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية٥١) وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية٧٠) وقوله تعالى ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ الآية (الأنعام: من الآية٧١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام:٩٤) وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية٤) وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية٣) وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَميعًا﴾ (الزمر:٤٣ـ ٤٤)، وسورة الزمر أصل عظيم في هذا ومن هذا قوله ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج:١١ - ١٣) وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:٤١)، والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول.
وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببًا أو جزءًا من السبب في حصول طلبته، والنّاس قد اختلفوا في دعاء المستغيث المستعتب لقضاء الحاجات: فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلًا؛ فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء أو لا تكون اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء. وقال قوم ممن يتكلم في العلم: بل الدّعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول، لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق.
والصّواب ما عليه الجمهور من أنّ الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وسواء سمي سببًا أو جزءًا من السبب أو شرطًا فالمقصود هنا واحد.
وإذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له كما قال عمر ﵁: "إني لا أحمل همّ الإجابة، وإنما أحمل همّ الدّعاء فإذا أُلهمت الدعاء فإن الإجابة معه". كما أن الله ﷿ إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب
عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة. والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم. فمبدأ الأمور من الله ﷿ وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو في ملكوت الرّب، بل الرّب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء عبده سببًا لما يريده ﷾ من القضاء، كما قال رجل للنبي ﷺ: "أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله ﷿"، وعنه ﷺ: "إنّ الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض".
فهذا في الدعاء الذي يكون سببًا في حصول المطلوب، وأعلى من هذا ما جاء في الكتاب والسنة من رضى الله ﷿ وفرحه وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحين، وما جاءت به النصوص؛ وكذا غضبه ومقته، وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما للناس فيه من المقالات والاضطراب في موضع آخر. فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببًا فقد تقدم الكلام عليه، فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة فلا تكون هي السبب في حصول المطلوب ولا جزءًا منه، ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم وهمًا كاذبًا كالنذر، فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه: "نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" - وأطال الكلام في النذر، ومنع كونه سببًا، ثم قال ـ: بل إذا كان المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية، مع أن جنس النذر لا أصل له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدّعاء بمكان لا خصوص له في الشرع؛ لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر - ثم تكلم على منع كون الدعاء المبتدع سببًا، وأنه لا دليل عليه إلا الاقتران
أحينًا، وقرّر أن هذا لا يدل؛ لأنّ التراخي والانتقاض مانع من الاستدلال، وأن مجرد الاقتران أحيانًا ليس دليلًا باتفاق العقلاء إذا كان هناك سبب آخر، ثم تكلم في الأسباب، وقسم الناس فيها ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالين، ومهتدين. ثم تكلم على الكرامات وقرّر أنّها فعل الله، وذكر شيئًا من الحكمة ثم قال: "وأما العلم بعلية السبب فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية، منها الاضطرار - وتكلّم على الأدعية الشرعية والاستجابة بها، وخرق العادة للداعي ـ.
ثم قال: "وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد، وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين، أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل.
وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيرًا، وقد يتوهم كثيرًا وهمًا ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل، ويكفيك أنّ كل ما يظن أنه سبب لحصول المطلوب مما حرمته الشريعة: من دعاء أو غيره لا بد فيه من أحد أمرين: إما أن لا يكون سببًا صحيحًا، كدعاء ما لا يسمع وما لا يبصر ولا يغني عنك شيئًا، وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه، فأما ما كان سببًا صحيحًا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه في الشرع بحال، وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من باب المنهي عنه.
وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه، وذكروا أنه إذا حيّاه وصلّى وسلّم يستقبل قبلة وجهه بأبي هو وأمي.
ﷺ فإذا أراد الدّعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منه لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا، فليؤمر به كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره. فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور، وصار في الروضة أو أمامها؛ ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك قد ثبت فيه النهي عن النبي ﷺ كما تقدم.
فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدًا وقبلة أمروا بأن لا يتحرى الدّعاء إليه، كما لا يصلي إليه. قال مالك في المبسوط: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضى"؛ ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحًا.
وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة حدثني أبي قال: "كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر ﵁ وركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز".
وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهى عن الصّلاة إلى جهة المشرق وغيره فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في الشرق أو غيره. وهذا ضلال بين وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، ويستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله ﷺ، وكلّ هذه الأشياء من البدع التي تضاهي دين النصارى. ومما يبين لك ذلك: أن نفس السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج
إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملًا بقوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا"، وبقوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"، فكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك.
ولهذا كره مالك ﵀ وغيره من أهل العلم من أهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه قال: "وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا" ونحو ذلك. ورخّص بعضهم في السّلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا في الصّلاة والسلام فما علمت أحدًا رخّص فيه؛ لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ بما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع.
فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا. وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى كل يوم خمس مرات يصلون ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم ما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنّهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذا في حياته.
والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر: "أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم وصلّى عليه ثم قال: السّلام عليك يا أبا بكر، السّلام عليك يا أبتاه". وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا.
وما أحسن ما قال مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من
البدع والشرك وغيره؛ ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه، فكانت حجرة عائشة ﵂ التي دفنوه فيها ملاصقة لمسجده ومنفصلة عن المسجد. وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات غيرت الحجرة عن حالها هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك. وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم من لم يكرهه، قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. فقلت له: في المنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يرويه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر، ويرويه عن سعيد ابن المسيب في الرمانة. قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه، ثم قال لعلّه عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر؟ وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي هو وأمي ﷺ" وقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي ﷺ ويده ولم يرخص في التمسح بقبره. وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره؛ لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الموضعين ظاهر. وكره مالك ﵀ التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر.
وأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة فقد زال ما رخص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسح بمقعده. فروى الأثرم بإسناده عن القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: "رأيت ابن عمر يقف على قبر
النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄.
الوجه الثالث: في كراهة قصدها بالدعاء، أن السلف ﵃ كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا" كما ذكرنا عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين وأعلم بهذا الشأن من غيرهما؛ لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبًا ومكانًا، وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلّم على النبي ﷺ وصاحبيه ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف ويستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي، وما أحفظ لا عن صحاب ولا عن تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم ـ، فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل؟ والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به؟!.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يدعى عنده، ونحو ذلك، والإنكار على فعل ذلك أو قاله كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة أو معذورًا يعفو الله عنه، أما كون هذا الذي قال يقتضي استحباب ذلك فلا، بل قد يقال: هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له ويعينون عينًا أو بئرًا أو شجرةً أو مغارةً أو حجرًا أو غير ذلك من الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين كذلك الأول، ولم يبلغني إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي
الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعًا وشهيدا يوم القيامة". قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول: "من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه". قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: "بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: من الآية٥٦)، فقال: "صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليه يا فلان ولم تسقط له حاجة".
فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حُجّة فيه لوجوه:
أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغه عمن لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلًا، وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية ليس هو من التابعين ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال: قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة.
ثم تكلم الشيخ على ردّ الاستدلال به، وأطال الكلام - ثم ذكر كلام ربيعة من رواية محمد بن الحسن بن زبالة، وهو مضعف عند أهل الحديث، ثم منع الاستدلال به، وتكلم بكلام حسن، وذكر أنه روى عن أنس ما يخالف روايته عن ربيعة، ثم ذكر حديث عطاء بن يسار الذي في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فهذه الآثار إذا ضمت إلى ما قدمناه من الآثار علم كيف كان حال السلف في هذا الباب وإن ما عليه كثير من الخلف مما حدث كان من المنكرات عندهم.
ولا يدخل في هذا الباب ما يروى: أن قومًا سمعوا ردّ السلام من قبر
النبي ﷺ أو قبور غيره، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك؛ فهذا كله حق ليس مما نحن فيه. والأمر أجل من ذلك وأعظم. وكذلك أيضا ما يروى: "أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه في النوم وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج ويستسقي بالناس" فإن هذا ليس من هذا الباب، ومثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجته فتقضى لهم؛ فإن هذا قد وقع كثيرًا وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل ﷺ: "إن أحدكم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارًا، فقالوا: يا رسول الله فلم تعطهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر. أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك، وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل: نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاءها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهان بها؛ فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ﷿ ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق (١)، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
_________
(١) قال الشيخ حامد الفقي: "لا ندري من أين قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغفر له كل هذا في قبور الأنبياء=
وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمنا وليس كذلك.
ثم أطال الكلام في مسألة تحري الدّعاء عند القبور - والغرض هنا بيان وجه سياقه وإيراده لما نقله العراقي.
فأما نقله الأول عن هذا الكتاب فإنه أسقط منه قول الشيخ: "فإن هذا ليس من هذا الباب" فترك هذه الجملة التي فيها إخراج هذا ونحوه عن باب الاحتجاج به، على فضل الدعاء واستجابته عند القبور، ولذلك قال: "مثل ذلك يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ يعني فلا يحتج به". وقد قدم الشيخ قبل هذا أن استجابة الدعاء قد تقع عند الأوثان وفي الكنائس. وتكلم في تعدد أسباب ذلك وأسباب الكائنات.
وقول الشيخ: "وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من الله، فتقضى ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره من أمته لهؤلاء السائلين الملحين" إلى آخر العبارة، ليس فيه ما زعمه العراقي من استحباب دعائها والاستغاثة بأربابها، والسياق في منع دعاء الله عندها فكيف بدعائها. ولذلك قال الشيخ: "فإن ذلك ليس من هذا الباب" ولا قال أحد ممن يعتد به هذا القول الذي زعمه هذا المفتري إلا عباد القبور وأمثالهم من أهل الجهالة بدين الله، ولم يثبت الشيخ قضاء الحوائج من أهل القبور كما زعمه هذا الملحد؛ فإن إضافة الإجابة للنبي ﷺ أو غيره لا تقتضي الفاعلية، وأنه هو الذي أجاب دعاءهم وأعطاهم. والإضافة تقع ولو لأدنى ملابسة، كيف وقد قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: من الآية٦٢) وليس هذا من جنس الأسباب العادية بل هو من خوارق العادات، وقد مرّ أن الله هو الفاعل لذلك،
_________
=والصالحين؟ فإن مثل ذلك لا يقال بالرأي والقياس، ولا نعرف في ذلك آية ولا حديثًا يصح عن النّبي ﷺ وما جرّ إلى عبادتها وتقديس العامة لها واتخاذها أوثانًا إلا مثل هذا، والمدفون في القبور جميعها إنما هو الأجسام البشرية التي ماتت أما معنوية الرسل والصالحين فهي عند الله في نعيم مقيم، والله أعلم.
وأنه تعالى يخرق العادة لأسباب متعددة ومصالح متنوعة، وقد تقدم قوله: وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد. وإنما تنفق في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي، حتى لا يميزون بين الحق والباطل - فعمي العراقي عن هذا كله، وانتزع هذا الكلام المسوق لرده وبطلان الاستدلال به، وجعله دليلًا.
وقول العراقي: إن الشيخ أثبت لهم الإيمان، ولم بخرجهم بذلك عن الإسلام ولم يؤثمهم، فهذا جهل منه بمسمى الإيمان، فإن المراد ما معهم من الإيمان بالرسالة ونحوها. لا أن هذا ليس بشرك وأن الإيمان لم ينقض بذلك، ولم يؤثمهم، هذا الكلام يرده قوله: "وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارًا" الحديث، وأما تكفيرهم بمثل هذا فلم يقل به أحد قبل قيام الحجة، وقد نقدم كلام الشيخ محمد في ذلك. وأما بعد قيام الحجة فيختلف الحكم ويجري موجبها ويعمل بمقتضاها. والعراقي جاهل مدلس، وقد عمي عن نحو مائة عبارة أو أكثر في هذا الكتاب بعينه، ترد مفهمومه من أن المجيب هو المدعو من دون الله.
وكذلك استدل له في نقله الثاني بما حكى أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى نوعًا من الأطعمة - إلى آخر الحكاية. فليس في هذا ما يستدل به على دعائه ﷺ أصلًا، وكونه أعطى ما يطلب لا يدل على دعائه غير الله والاستغاثة بسواه، فإن هذا جهل عظيم بأسباب الكائنات وموجباتها، كما مر عن الشيخ، وقد علم أن هذا ليس من أدلة الجواز والاستحباب وقد تقدم كلام الشيخ في أنه قد يستجاب لمن سأل المسيح وغيره حتى الأوثان، واطراد الدليل كفر متناقض. وإذا كان يطرد فالاستدلال به باطل لأن الدليل يلزم اطراده، وليس مع هؤلاء إلا التمسك بالمتشابه من غير فقه ونظر في المعنى المراد.
وأما نقله الثالث وهو قوله: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه" إلى آخر العبارة. فليس في كلام الشيخ ما يتمسك به المبطل؛ لأن قوله: "قد يعمل الرجل" ليس من صيغ العموم، ونحن لا نمنع وقوع ذلك، وأنه يغفر لبعض الناس ما لا يغفر لغيره لعدم علمه، ولكن لا يفيد هذا العموم كما تقدم تقريره.
وأما قول العراقي: وذكر الشيخ هذا بعد حكاية العتبي أنه استغاث بالنبي ﷺ وقضيت حاجته، فهذا كذب، ما قال الشيخ: إنه استغاث بالنبي ﷺ ولا قال: قضيت حاجته، وإنما قرّر جهل فاعل ذلك، وإنه مخالف لهدي أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان.
وأما نقله الرابع لقول الشيخ: وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، وقضيت حوائجهم، وهو لا يخرج عما ذكرته، وهذا من جنس ما قبله ظن العراقي أن إثبات الشيخ قضاء الحوائج دليل على جواز الدعاء والسؤال. والشيخ وكثير من أهل العلم يعلمون أن الحوائج قد تقضى لمن يسأل الأنبياء والصالحين والأوثان والنجوم، ولكن لقضائها أسباب لا يحيط بها، ويعلم تفاصيلها إلا الله تعالى.
وقد مر قول الشيخ: بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون أوثانهم فيستجاب لهم أحيانًا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانًا، وقال فيما تقدم: وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريخات الفلكية، والتوجيهات النفسانية أو الدعاء المحرم والرقى المحرمة، والتمريخات الطبيعية ونحو ذلك فإن مضرتها أكثر من منفعتها. والشيخ لم ينف تأثيرها، وعلى طرد دليل هذا العراقي: يباح كل أثر مباح كلما أثر فتباح هذه الأشياء.
وتأمل قول الشيخ فيما مر: "فليس علينا من سبب التأثير أحيانًا، فإن
الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو"، وقوله: "والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختطف عقله بحيث يتألهه، إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين" وقف على قول الشيخ فيما مر: "بل أشد من ذلك، ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ الآية (البقرة: من الآية١٠٢) "، وتأمّل ما مرّ من قوله: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقضي عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم وغير ذلك، ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالًا يستغيثون ببعض الأحياء".
فإن هذا الكلام صريح في أن المدعو والمستغاث لا شعور لهم ولا علم عندهم بدعاء من يدعوهم مع الله تعالى، وأن الله هو الفاعل لذلك من غير واسطة. وهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الاحقاف:٥ ـ٦) .
والشيخ ﵀ قصد هذا المعنى، وأن إجابة الله دعاء من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله لا يستدل به على مشروعية أنه دين قد أذن فيه تعالى، فإن أسباب الحوادث القدرية والقضايا الكونية لا تصلح دليلا على الأحكام الشرعية العملية، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الاسراء:٢٠)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ الآية (النحل: من الآية ٣٥)، فأنكر تعالى عليهم الاحتجاج بالمشيئة والقدر، على أنه يرضى ما جاءوا به من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه.
ولو تتبعنا كلامه في هذا الكتاب في هذه المسائل التي تبطل ما أبداه طاغية العراق لطال حجم الكتاب. وقد ذكر في آخره مباحث مهمة في إسلام الوجه لله وإخلاص الدين له، نحيل طالب العلم عليه.
وله ﵀ رسالة في هذا المبحث، جواب سؤال ورد عليه، أحببت إيرادها هنا لعظم فائدتها، ولأنّها تأتي على كل ما زعمه الملحد العراقي بالهدم والقلع.
قال السائل: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله تعالى عنهم أجمعين: فيمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مريضٍ له أو في فرسه أو بعيره: يطلب إزالة الألم الذى بهم، ويقول: ياسيدى، أنا في جيرتك، أنا في حسبك، فلان ظلمنى، فلان قصد أذيتى، ويقول: إن المقبورين يكونون واسطة بينه وبين الله تعالى؟.
وفيمن ينذر للمساجد، والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك، يقول: إن سلم ولدى للشيخ عليّ كذا وكذا، وأمثال ذلك؟.
وفيمن يستغيث بشيخه إذا أصابته نائبة أو عثر، أو سمع حسًا خلفه أزعجه، استغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه؟ .
وفيمن يجىء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه، ويمسح بهما وجهه وجسمه وأمثال ذلك؟.
وفيمن يقصد حاجة، فيقول: يا شيخ فلان، ببركتك، ثم يقول: قضيت حاجتى ببركة الله وبركة الشيخ؟. وفيمن يعمل السماع فيجىء إلى القبر ويكتنفه وينحط بين يدى شيخه ساجدًا على الأرض؟ .
وفيمن قال: إن ثم قطبًا غوثًا جامعًا في الوجود؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا القول في ذلك.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، الدين الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته، والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع، ودفع المضار، كما
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا - إلى قوله ـ: مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] . قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادى كما أنتم عبادى، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى، ويخافون عذأبي كما تخافون عذأبي، ويتقربون إلىَّ كما تتقربون إلىَّ. فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف بمن دونهم؟ !
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . فبين سبحانه أن من دُعى من دون الله من جميع المخلوقات من الملائكة والبشر وغيرهم لا يملك مثقال ذرة في ملكه، وأنه سبحانه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، وأنه ليس له معين يعاونه كما يكون للملك أعوان ولا ظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فنفي بذلك وجوه الشرك.
وذلك أن من يدعي من دونه، إما أن يكون مالكا، وإما أن يكون شريكا، وإذا لم يكن مالكًا ولا شيركًا فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلا طالبًا. - والله ﷾ أعلم - فالأقسام الأول الثلاثة منتفية، وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكما قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرضي﴾ [النجم: ٢٦] .
وكما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩: ٨٠] . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كان كافرًا، فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا؟ !
وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التى لا يقدر عليها إلا الله سبحانه؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين أو البهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة أو نجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن والعلم، وأن يصلح قلبه ويحسن خلقه وتزكو نفسه، وأمثال ذلك فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرنى على عدوى، ولا اشف مريضى، ولا عافنى أو عاف أهلى أو دوابى، وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقا كائنًا من كان، فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التى يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة، وقد تكون منهيا عنها، قال تعالى:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وأوصى النبي ﷺ طائفة من أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئا. فكان أحدهم يسقط سوطه من يده فلا يقول لأحد: ناولنى إياه. وثبت في الصحيحين أنه ﵌ قال: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". والاسترقاء طلب الرقية، وهو من أنواع الدعاء، ومع هذا فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: " ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة، إلا وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك: ولك بمثل ذلك ".
ومن أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بالصلاة عليه، وطلب الوسيلة له، وأخبرنا بما لنا في ذلك من الأجر إذا دعونا بذلك، فقال في الحديث الصحيح: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإن من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلو الله لى الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغى أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة ".
ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه، فقد روى طلب الدعاء من الأعلى والأدنى؛ لأن النبي ﷺ ودّع عمر ﵁ إلى العمرة، فقال له: " لا تنسنا من دعائك يا أخى "، لكن النبي ﷺ لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة، وأخبرنا أنا إن فعلنا ذلك حلَّت لنا شفاعته يوم القيامة، وكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين من يطلب لغيره شيئا لمنفعة المطلوب منه، ومن سأل غيره لحاجته إليه فقط. وثبت عنه في الصحيح أنه ذكر أُوَيْسًا القَرَنى وقال لعمر: " إن استطعت أن يستغفر لك فافعل ".
وفي الصحيحين: "أنه كان بين أبي بكر وعمر ﵄ شىء، فقال أبو بكر: استغفر لى"، لكن في الحديث: "أن أبا بكر حنق على عمر". وثبت أن أقوامًا كانوا يسترقون، وكان النبي ﷺ يرقيهم. وثبت في الصحيحين: "أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي ﷺ أن يستسقى لهم فدعا الله سبحانه حتى سقوا ". وفي الصحيح أيضًا: "أن عمر بن الخطاب رضي الله
كان يقول: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". وفي السنن: "أن أعرابيا قال للنبي ﷺ: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: " ويحك! إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك ". فأقره على قوله: " إنا نستشفع بك على الله "، وأنكر عليه: " نستشفع بالله عليك "؛ لأن الشافع يسأل المشفوع إليه، والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه، والرب تعالى لا يسأل العبد ولا يستشفع عليه. والله ﷾.
وأما زيارة القبور المشروعة، فهي أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: " سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم ". وروى أنه قال: " ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ ". والله تعالى يثيب الحى إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته؛ ولهذا نهى نبيه أن يفعل ذلك بالمنافقين، بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] . فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحى إلى الميت، ولا مسألته ولا توسله به، بل فيها منفعة الحى للميت، كالصلاة عليه، والله يرحم هذا ويثيبه على عمله، ويرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه، فإنه ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له ".
Translation
فصل
#23
Chapter 23 — فصل
· ref. #23
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
وأما من يأتى إلى قبر نبي أو رجل صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، يسأله ويستنجد به فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأله حاجته، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضى دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.
وإن قال: أنا أسأله لأنه أقرب إلى الله منى ليشفع لى في هذه الأمور؛ لأنى أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، ولذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي﴾ [الزمر: ٣]، وقد قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء - إلى قوله - تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فبين الفرق بينه وبين خلقه. فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه، فيسأله ذلك الشفيع، فيقضى حاجته؛ إما رغبة، وإما رهبة، وإما حبًا وإما مودة، وإما غير ذلك، والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل إلا ما شاء، وشفاعة الشافع من إذنه، والأمر كله له.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: " لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت،
اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له ". فبين أن الرب لا يفعل إلا ما يشاء، ولا يكرهه أحد على ما يختاره، كما قد يكره الشافع المشفوع إليه، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه وآذاه. فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨] . والرهبة يجب أن تكون منه قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقد أمرنا أن نصلى على النبي ﷺ في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا.
وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله منى، وأنا بعيد من الله لا يمكن أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك هو من قول المشركين، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . وقد روى: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: "يارسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية ". وفي الصحيح: "أنهم كانوا في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي ﷺ: " يا أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبًا، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي﴾ [الزمر: ٣] .
ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على إجابة سؤالك أو أرحم بك من ربّك، فهذا جهل وضلال وكفر. وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم، فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ ألا تسمع إلى ما خرجه البخارى وغيره عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا هَمَّ أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إنى أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك
تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقْدُرْه لى، ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في دينى، ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاصرفه عنى، واصرفنى عنه، واقْدُرْ لى الخير حيث كان، ثم رضِنى به".
وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه: أن يثيبه ويعطيه، ليس معناه: أنك إذا دعوته كان الله يقضى حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلا لما فيه من العدوان فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك، فالله أولى بالرحمة والقبول منه.
وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب لي إذا دعوته أنا، فهذا هو:
القسم الثانى وهو: ألا يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له. كما يقول للحى: ادع لى، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ، الدعاء، فهذا مشروع في الحى كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولا نحو ذلك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى عمر بالعباس ﵄، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". ولم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يا رسول الله، ادع لنا واستسق لنا، ونحن نشكوا إليك ما أصابنا، ونحو هذا. لم يقله أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء له لم يدعوا الله مستقبلى القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع.
وذلك أن في الموطأ وغيره عن ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل
قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي السنن أيضًا أنه قال: " لا تتخذوا قبرى عيدًا، وصلُّوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى ". وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذى لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا". قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا ". وفي صحيح مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك ". وفي سنن أبي داود أنه قال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ".
ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئًا من الأشياء، لا من درهم، ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية. وقد ثبت في الصحيح عن ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ". واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟ على قولين؛ ولهذا لم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في تلك البقعة، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند قبر، كان قبر نبي أو صالح سواء سميت [مشاهد] أو لم تسم.
وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، ولم يقل: في المشاهد. وقال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال النبي ﷺ: " صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا "، وقال ﷺ: " من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا
في الجنة ". وأما القبور فقد ورد نهيه ﷺ عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، وما ذكره البخارى في صحيحه والطبرى وغيره في تفاسيرهم، وذكره وَثِيمَة وغيره في قصص الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، قالوا: "هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثليهم أصنامًا ". والعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال ﷺ: " اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد ".
ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين الصحابة وأهل البيت وغيرهم على ألا يتمسح به، ولا يقبله، بل ليس في الدين ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود. وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "والله، إنى لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت الرّسول يُقَبِّلك ما قَبَّلتك ".
ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت اللذين يليان الحجر ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر النبي ﷺ لما كان موجودًا، فكرهه مالك ﵀ وغيره؛ لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر فعله. وأما التمسح بقبر النبي ﷺ وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك أنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين.
وهذا مما يظهر منه الفرق بين سؤال النبي ﷺ والرجل الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد إذا كان في حضوره، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والصالحين لا يتركون أحدًا يتبرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا
أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . وقال النبي ﷺ لمن قال: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتنى لله ندًا؟ ! ما شاء الله وحده "، وقال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". ولما قالت الجويرية: "وفينا رسول الله يعلم ما في غَدٍ. قال: " دعى هذا، وقولى ما كنت تقولين ". وقال: " لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله "، ولما صفوا خلفه قياما، قال: " لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا "، قال أنس: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه، وقال: " إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها ". ولما أتى عليٌّ بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار.
فهذا شأن أنبياء الله تعالى وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوًا في الأرض وفسادًا، كفرعون ونحوه، ومشائخ الضلالة الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم أربابًا، والإشراك بهم إنما يحصل في مغيبهم ومماتهم، كما أشرك النصارى واليهود بالمسيح وعزير.
فهذا مما يبين الفرق بين السؤال للنبي والصالح في حياته وبحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولهذا لم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدّعاء عند قبور الأنبياء والصالحين ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف.
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل برجل ميت أو غائب، كما ذكره السائل، ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدى فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم. ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله محمد ﷺ، وأعلم الناس بقدره وحقه هم
أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته. وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠: ٣١] . وقال النبي ﷺ: " عَدَلت شهادة الزور الإشراك بالله " مرتين، أو ثلاثًا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وقال الخليل ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦: ٨٧] .
فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه: إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وإن كشف غطاؤه رده عليه، وإن أي شيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخًا. وقد تغويهم الشياطين، كما تغوى عبّاد الأصنام كما كان جرى للعرب في أصنامها، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجرى للترك، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين؛ من إغواء الشياطين لهم ومخاطبتهم ونحو ذلك. فكثير من هؤلاء من يجرى له نوع من ذلك، سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ فإن الشياطين تتنزل عليهم، فتصيب أحدهم بمثل ما يصيب المصروع: من الأرعاد، والأزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقله هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عبدك، أو ببركة فلان عبدك، أو لحرمة فلان عبدك، افعل كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد العز بن عبد السلام. فإنه أفتى: بأنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك؛ إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث في النبي ﷺ. ومعنى هذا الاستثناء أنه قد روى النسائى والترمذى وغيرهما أن النبي ﷺ: "علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ليقضيها لى.
اللهم، فشفعه في ". فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل به دعاء للمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أنه يقول: " اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشرًا ولا بطرا ، ولا رياءً ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".
قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقًا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] . وفي الصحيحين عن معاذ، أن النبي ﷺ قال: "أتدرى ما حق الله على العباد؟ ". قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم ". وقد جاء في غير حديث: " كان حقًا على الله كذا وكذا " كقوله: " من شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخَبَال " قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار "، وأمثال ذلك كثير.
وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وبعد مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقنا، فيسقون ". وقد بين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل: أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس بن مالك: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحوًا من دار القضاء، والرسول ﷺ قائم
يخطب، فاستقبل النبي ﷺ قائما، ثم قال: "يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل. فادع الله سبحانه أن يغيثنا. قال: فرفع الرسول يديه ثم قال: اللهم أغثنا. قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزع، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار إلا طلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فاستقبله، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، قال: فرفع النبي ﷺ يديه ثم قال: " اللهم، حوالينا ولا علينا اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبُطُون الأودية ومَنَابِت الشجر ". قال: وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس". ففي هذا الحديث: أنه قال: "ادع الله لنا يمسكها عنا". وفي الصحيح: أن عبد الله بن عمر قال: "إنى لأذكر قول أبي طالب في النبي ﷺ حيث يقول:
وأبيض يُسْتَسقى الغَمام بوجهه ... ثِمَال اليتامى عِصمة للأرامل.
فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه. ولما مات توسلوا بالعباس ﵁ كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقوا به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى، وقال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ودعا، ودَعْوا، فسقوا ". ولذلك قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت الرسول ﷺ كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء، ولا في غيره من الأدعية. والدعاء مُخُّ العبادة، والعبادة مبناها على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال النبي ﷺ: " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور ".
وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه، يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك الأكبر، وهو من جنس دين النصارى؛ فإن الله هو الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦: ٥٧] . فبين أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا.
وإذا قال القائل: أدعو الشيخ ليكون لي شفيعا، فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان. والمؤمن يرجو ربه ويدعوه مخلصا له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق قدرًا النبي ﷺ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الخوف أو الفزع أن يقول: يا سيدى، يا رسول الله، ولم يكونوا يفعلون ذلك في محياه ولا في مماته، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا - إلى قوله - عَظِيمٍ﴾ [آل عمران١٧٣، ١٧٤]، وفي صحيح البخارى عن ابن عباس: "أن هذه الكلمة قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد ﷺ وأصحابه حين قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم". وفي الصحيح عن النبي ﷺ: أنه كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ". وقد روي أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته. وفي السنن: أن النبي ﷺ كان إذا حدث ه أمر قال: " يا حى، يا قيوم، برحمتك أستغيث ". وروي أنه علم ابنته فاطمة ﵍ أن تقول: "يا حى، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تِكَلْنى إلى نفسى طَرْفَة عين، ولا
إلى أحد من خلقك ". وفي مسند أحمد وصحيح أبي حاتم لن حبان عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أصاب عبدًا قط هَمٌّ ولا حَزَن فقال: اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عَدْل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم رَبِيع قلبى، ونور بصرى، وجلاء حُزّنى، وذهاب هَمِّى وغمى، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا ". قال: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: " ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ". وقال لأمته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يُخَوِّف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذِكْر الله، والاستغفار ". فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم.
ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به؛ من دعاء الله، وذكر الله والاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تُضَاهى دين المشركين والنصارى؟ ! .
وإن زَعَم أحدٌ أن حاجته قضيت بمثل ذلك، فأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم نحو هذا، كما تقدم، وقد تواتر عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. ولولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] .
ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة " عمرو بن لُحِىِّ الخزاعى "،الذى رآه النبي ﷺ يجر أمعاءه في النار. وهو أول من سَيَّب السوائب، وغَيَّر دين إبراهيم. قالوا: إنه ورد الشام، فوجد فيها أصناما يزعمون أنهم ينتفعون بها في جَلْب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة، وسَنَّ للعرب الشرك وعبادة الأصنام.
والأمور التى حرمها الله ورسوله، من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة، أو دفع مَضَرَّة، ولولا ذ لك ما أقدمت نفس على المحرمات التى لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة. فأما العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله؟ ! والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيها من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها، مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجلهلهم أو لغلبة أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى الغالب يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئًا، فإن حبك للشىء يُعْمِى ويُصِمُّ.
ولهذا كان العالم من يخشى الله، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: من الآية ١٧] . فقالوا: "كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وليس هذا من مواضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة، وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل على المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته منه إليهم، ولا نهاهم عمّا نهاهم بُخْلًا به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم؛ ولهذا وصف نبيه بأنه ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وأما التمسح بالقبر أىّ قبر كان وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، فمنهى عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعله أحد من السّلف والأئمة، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ الآية [نوح: ٢٣ - ٢٤]، وقد تقدم أنها أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، وأنهم عَكَفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصَوَّروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ذكره، وما فيه من
الشرك، وبينا الفرق بين الزيارة البدعية التى يشبه أهلها بالنصارى والمشركين والزيارة الشرعية.
وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فهذا مما لا نزاع بين الأئمة في النهى عن ذلك، وفي المسند وغيره عن معاذ بن جبل: "أنه لما رجع من الشام سجد للنبي ﷺ فقال: " ما هذا يا معاذ؟ ". فقال: يا رسول الله، رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: " كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقه عليها، يا معاذ، أرأيت إذا مررت بقبرى أكنت ساجدًا؟ ". قال: لا. قال: " فلا تفعل "، أو كما قال الرسول ﷺ.
بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁: "أنه صلى بأصحابه قاعدًا لمرض كان به، فصلوا قيامًا، فأمرهم بالجلوس، وقال: " لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا "، وقال: " من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار ". فإذا كان قد نهاهم مع قعوده وإن كانوا قاموا في الصلاة حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل النار فكيف بما هو شر من ذلك السجود له؟ ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيدي ونحو ذلك؟ ! وقد كان عمر بن عبد العزيز وهو خليفة على الأرض كلها قد وكل عمالًا يمنعون الداخلين من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبّل أحد الأرض.
وبالجملة، فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود؛ خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب؛ مثل الحلف بغير الله. قال الرّسول ﵌: " من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ". متفق عليه. وقال أيضًا: " من حلف بغير الله فقد أشرك ".
فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: ٥] . وفي الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: " إن الله يرضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا
تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ". وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة.
ونبينا ﵌ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه، ووجليه وخفيه، كبيره وصغيره، حتى إنه قد تواتر عنه النهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة؛ تارة يقول: " لا تَحَرُّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ". وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة حينئذ؛ لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له، فكيف بما هو أظهر شركًا ومشابهة للمشركين من هذا؟ ! وقد قال فيما أمره الله أن يخاطب به أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وذلك لما في ذلك من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه ﵌ وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى، فقد ترك ما أمر الله به ورسوله.
وأما قول القائل: فقضيت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن بالله في مثل ذبك غيره، حتى إن قائلا قال للنبي ﵌: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله نِدّا؟ ! بل ما شاء الله وحده "، وقال لأصحابه: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". وفي الحديث: "أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون. أي: تجعلون لله ندًا. يعني: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فنهاهم النبي ﵌ عن ذلك ". وفي الصحيحين عن زيد بن خالد، قال: "صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الفجر بالحديبية في إثر سَمَاء من الليل، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا
بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ". والأسباب التي جعلها الله أسبابًا لا تجعل مع الله شركاء وأندادًا وأعوانًا.
وأما قول القائل: ببركة الشيخ، وإنه قد يعني بها دعاءه، فأسرعُ الدعاءِ إجابة دعوة غائب لغائب. وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بركة اتباعه له على الحق، وقد يعني بركة معاونته له على الحق، وموالاته في الدين، ونحو ذلك. وهذه كلها معان صحيحة.
وقد يعني بها دعاء الميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، فمتابعته أومطاوعته على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك، هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته.
وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع، فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم: أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولوا: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇ والغالية في علي ﵁. وهذا كفر صريح، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته؛ ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العشرة الذين قد يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح ونحو ذلك، كفرًا صريحًا باتفاق المسلمين.
وكذلك إن عني بالغوث ما يقوله بعضهم: إنّ في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وقد يسميهم النجباء، منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة والبضع عشر رجلًا، وأولئك يفزعون إلى السبعين،
والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم: إنه ينزل من السماء على الكعبة خضر باسم غوث الوقت، واسم مصره على قول من يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرًا، فإن لهم في ذلك قولين وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم. ومعلوم أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكة.
وقد روى بعضهم حديثًا في هلال غلام المغيرة بن شعبة، وأنه أحد السبعين. والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في حلية الأولياء، والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر بذلك؛ فإنهما يرويان الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والكذب، ولا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع. وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: " من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ".
وبالجملة، فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل الرغبة والرهبة؛ مثل دعائهم عند الكسوف والاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند الكسوف، والاعتداد لدفع البلاء، وأمثال ذلك، إنما يدعون في ذلك الله وحده لا يشركون به شيئًا، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل كان المشركون به في جاهليتهم إذا اشتد بهم الكرب يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفَتَرَاهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤٣] .
والنبي ﵌ استسقي لأصحابه بصلاة الاستسقاء، وبغير صلاة، وصلاتهم للاستسقاء كصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين، مازالوا، على هذه الطريقة؛ ولهذا قال العلماء المحققون: ثلاثة أشياء مالها من أصل: باب النصارى، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية؛ فإن النصارى تدعي في الباب (١) الذي لهم ما هو من هذا الجنس؛ وأنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، ولكن دعوى النصارى فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن العسكري منتظر الرافضة في سرداب سامرا، والغوث المقيم بمكة عند الصوفية، ونحو هذا، فإنه باطل ليس له أصل في الوجود، ولا وجود له.
وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل. فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله وعددهم، فكيف هؤلاء الضالين المفترين الكذابين؟ ! والرسول ﵌ سيد ولد آدم إنما يعرف في الآخرة الذين لم يكن يراهم في الدنيا بسيما الوضوء، وهو الغُرَّة والتحجيل، ومن هؤلاء أولياء الله من لا يحصيه إلا الله. وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: "وأنَّي بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم". فكان قد بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إن الخضر نقيب الأولياء، وأنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل.
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه
_________
(١) وبقول النصارى قال البهائية الذين كفروا بكل دين واستباحوا كل المحرمات بوحي الشيطان بابهم وبهائهم لعنه الله ولعنهم.
أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكونبمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليدقع سفينتهم، ولم يكن أحد من خير أمة أخرجت للناس مختفيًا، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم.
ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحمكة، وقال لهم نبيهم: " لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ". وعيسي ابن مريم إذا نزل من السماء إنما يحكم فيها بكتاب ربهم وسنة نبيهم. فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره؟ ! والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسي من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: " كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها ". فإذا كان هذان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد ﵌ سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة، لا عَوَامِّهم ولا خَوَاصِّهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ ! وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟ !
وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال له: من ولاه النقابة، وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر؟ وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات أكثرها كذب، وبعضها مبني على وهم رجال؛ مثل شخص رأي رجلا توهم أنه الخضر، أو وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تتوهم أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: - وقد ذُكر له الخضر ـ: "من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا الشيطان". وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وأما إذا قصد القائل بقوله: القطب الغوث الفرد الجامع أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان
متساويان في الفضل، بل وثلاثة وأربعة، وأكثر، ولا يجزم بألا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض بوجه من وجوه، وبعضهم أفضل من بعض، وتلك الوجوه، إما متقاربة وإما متساوية.
ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته الغوث الفرد الجامع بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعضهم أنه أفضل أو من أفضل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا سيما أن من المنتحلين لهذا الاسم من يدعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو: الحسن بن على بن أبي طالب ﵄ ثم يتسلل الأمر إلى من دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا على مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ ! والحسن عند وفاة النبي ﵌ كان قد قارب سن والاحتلام.
وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم: إن القطب الفرد الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي ﵌ كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، فيتسلسل إلى شيخه. فبينت له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في الرسول ﵌ كفر، دع ما سواه، وقد قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨]، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ والآية بعدها [آل عمران: ١٢٧، ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: من الآية ٥٦] .
والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله وقد قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأمرنا أن نتبعه قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحب إلينا
من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال ﵌: " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". وقال له عمر ﵁: "يا رسول الله، واللهِ لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي". فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فأنت أحبّ إليَّ من نفسي، قال: " الآن يا عمر ". وقال: " ثلاث من كن فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ".
وقد بين في كتابه الحقوقه التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسوله ﷺ، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، فالطاعة لله وللرسول، والخشية لله، والتقوي لله وحده، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وأما الحسب فهو لله وحده، كما قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ [التوبة: من الآية ٥٩]، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيكك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في هذه الآية؛ ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما صلى الله عليهم أجمعين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: من الآية١٧٣] .
وأما من يأتى إلى قبر نبي أو رجل صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، يسأله ويستنجد به فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأله حاجته، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضى دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح، يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.
وإن قال: أنا أسأله لأنه أقرب إلى الله منى ليشفع لى في هذه الأمور؛ لأنى أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، ولذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي﴾ [الزمر: ٣]، وقد قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء - إلى قوله - تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فبين الفرق بينه وبين خلقه. فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه، فيسأله ذلك الشفيع، فيقضى حاجته؛ إما رغبة، وإما رهبة، وإما حبًا وإما مودة، وإما غير ذلك، والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل إلا ما شاء، وشفاعة الشافع من إذنه، والأمر كله له.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: " لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت،
اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له ". فبين أن الرب لا يفعل إلا ما يشاء، ولا يكرهه أحد على ما يختاره، كما قد يكره الشافع المشفوع إليه، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه وآذاه. فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨] . والرهبة يجب أن تكون منه قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقد أمرنا أن نصلى على النبي ﷺ في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا.
وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله منى، وأنا بعيد من الله لا يمكن أن أدعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك هو من قول المشركين، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . وقد روى: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: "يارسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية ". وفي الصحيح: "أنهم كانوا في سفر، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي ﷺ: " يا أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبًا، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته وأمر كلا منهم أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي﴾ [الزمر: ٣] .
ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على إجابة سؤالك أو أرحم بك من ربّك، فهذا جهل وضلال وكفر. وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم، فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ ألا تسمع إلى ما خرجه البخارى وغيره عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا هَمَّ أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إنى أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك
تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقْدُرْه لى، ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في دينى، ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاصرفه عنى، واصرفنى عنه، واقْدُرْ لى الخير حيث كان، ثم رضِنى به".
وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه: أن يثيبه ويعطيه، ليس معناه: أنك إذا دعوته كان الله يقضى حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلا لما فيه من العدوان فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك، فالله أولى بالرحمة والقبول منه.
وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب لي إذا دعوته أنا، فهذا هو:
القسم الثانى وهو: ألا يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له. كما يقول للحى: ادع لى، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ، الدعاء، فهذا مشروع في الحى كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولا نحو ذلك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى عمر بالعباس ﵄، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". ولم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يا رسول الله، ادع لنا واستسق لنا، ونحن نشكوا إليك ما أصابنا، ونحو هذا. لم يقله أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء له لم يدعوا الله مستقبلى القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع.
وذلك أن في الموطأ وغيره عن ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل
قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي السنن أيضًا أنه قال: " لا تتخذوا قبرى عيدًا، وصلُّوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى ". وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذى لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا". قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا ". وفي صحيح مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك ". وفي سنن أبي داود أنه قال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ".
ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئًا من الأشياء، لا من درهم، ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية. وقد ثبت في الصحيح عن ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ". واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟ على قولين؛ ولهذا لم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في تلك البقعة، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند قبر، كان قبر نبي أو صالح سواء سميت [مشاهد] أو لم تسم.
وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، ولم يقل: في المشاهد. وقال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال النبي ﷺ: " صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا "، وقال ﷺ: " من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا
في الجنة ". وأما القبور فقد ورد نهيه ﷺ عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، وما ذكره البخارى في صحيحه والطبرى وغيره في تفاسيرهم، وذكره وَثِيمَة وغيره في قصص الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، قالوا: "هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثليهم أصنامًا ". والعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال ﷺ: " اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد ".
ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين الصحابة وأهل البيت وغيرهم على ألا يتمسح به، ولا يقبله، بل ليس في الدين ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود. وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "والله، إنى لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت الرّسول يُقَبِّلك ما قَبَّلتك ".
ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت اللذين يليان الحجر ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر النبي ﷺ لما كان موجودًا، فكرهه مالك ﵀ وغيره؛ لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر فعله. وأما التمسح بقبر النبي ﷺ وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك أنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين.
وهذا مما يظهر منه الفرق بين سؤال النبي ﷺ والرجل الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد إذا كان في حضوره، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والصالحين لا يتركون أحدًا يتبرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا
أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . وقال النبي ﷺ لمن قال: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتنى لله ندًا؟ ! ما شاء الله وحده "، وقال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". ولما قالت الجويرية: "وفينا رسول الله يعلم ما في غَدٍ. قال: " دعى هذا، وقولى ما كنت تقولين ". وقال: " لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله "، ولما صفوا خلفه قياما، قال: " لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا "، قال أنس: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه، وقال: " إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها ". ولما أتى عليٌّ بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار.
فهذا شأن أنبياء الله تعالى وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوًا في الأرض وفسادًا، كفرعون ونحوه، ومشائخ الضلالة الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم أربابًا، والإشراك بهم إنما يحصل في مغيبهم ومماتهم، كما أشرك النصارى واليهود بالمسيح وعزير.
فهذا مما يبين الفرق بين السؤال للنبي والصالح في حياته وبحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولهذا لم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدّعاء عند قبور الأنبياء والصالحين ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف.
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل برجل ميت أو غائب، كما ذكره السائل، ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدى فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم. ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله محمد ﷺ، وأعلم الناس بقدره وحقه هم
أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته. وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠: ٣١] . وقال النبي ﷺ: " عَدَلت شهادة الزور الإشراك بالله " مرتين، أو ثلاثًا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وقال الخليل ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦: ٨٧] .
فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه: إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وإن كشف غطاؤه رده عليه، وإن أي شيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخًا. وقد تغويهم الشياطين، كما تغوى عبّاد الأصنام كما كان جرى للعرب في أصنامها، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجرى للترك، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين؛ من إغواء الشياطين لهم ومخاطبتهم ونحو ذلك. فكثير من هؤلاء من يجرى له نوع من ذلك، سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ فإن الشياطين تتنزل عليهم، فتصيب أحدهم بمثل ما يصيب المصروع: من الأرعاد، والأزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقله هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عبدك، أو ببركة فلان عبدك، أو لحرمة فلان عبدك، افعل كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد العز بن عبد السلام. فإنه أفتى: بأنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك؛ إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث في النبي ﷺ. ومعنى هذا الاستثناء أنه قد روى النسائى والترمذى وغيرهما أن النبي ﷺ: "علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ليقضيها لى.
اللهم، فشفعه في ". فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل به دعاء للمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أنه يقول: " اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشرًا ولا بطرا ، ولا رياءً ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".
قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقًا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] . وفي الصحيحين عن معاذ، أن النبي ﷺ قال: "أتدرى ما حق الله على العباد؟ ". قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم ". وقد جاء في غير حديث: " كان حقًا على الله كذا وكذا " كقوله: " من شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخَبَال " قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار "، وأمثال ذلك كثير.
وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وبعد مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقنا، فيسقون ". وقد بين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل: أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس بن مالك: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحوًا من دار القضاء، والرسول ﷺ قائم
يخطب، فاستقبل النبي ﷺ قائما، ثم قال: "يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل. فادع الله سبحانه أن يغيثنا. قال: فرفع الرسول يديه ثم قال: اللهم أغثنا. قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزع، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار إلا طلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فاستقبله، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، قال: فرفع النبي ﷺ يديه ثم قال: " اللهم، حوالينا ولا علينا اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبُطُون الأودية ومَنَابِت الشجر ". قال: وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس". ففي هذا الحديث: أنه قال: "ادع الله لنا يمسكها عنا". وفي الصحيح: أن عبد الله بن عمر قال: "إنى لأذكر قول أبي طالب في النبي ﷺ حيث يقول:
وأبيض يُسْتَسقى الغَمام بوجهه ... ثِمَال اليتامى عِصمة للأرامل.
فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه. ولما مات توسلوا بالعباس ﵁ كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقوا به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى، وقال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ودعا، ودَعْوا، فسقوا ". ولذلك قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت الرسول ﷺ كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء، ولا في غيره من الأدعية. والدعاء مُخُّ العبادة، والعبادة مبناها على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال النبي ﷺ: " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور ".
وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه، يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك الأكبر، وهو من جنس دين النصارى؛ فإن الله هو الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦: ٥٧] . فبين أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا.
وإذا قال القائل: أدعو الشيخ ليكون لي شفيعا، فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان. والمؤمن يرجو ربه ويدعوه مخلصا له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق قدرًا النبي ﷺ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الخوف أو الفزع أن يقول: يا سيدى، يا رسول الله، ولم يكونوا يفعلون ذلك في محياه ولا في مماته، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا - إلى قوله - عَظِيمٍ﴾ [آل عمران١٧٣، ١٧٤]، وفي صحيح البخارى عن ابن عباس: "أن هذه الكلمة قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد ﷺ وأصحابه حين قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم". وفي الصحيح عن النبي ﷺ: أنه كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ". وقد روي أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته. وفي السنن: أن النبي ﷺ كان إذا حدث ه أمر قال: " يا حى، يا قيوم، برحمتك أستغيث ". وروي أنه علم ابنته فاطمة ﵍ أن تقول: "يا حى، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تِكَلْنى إلى نفسى طَرْفَة عين، ولا
إلى أحد من خلقك ". وفي مسند أحمد وصحيح أبي حاتم لن حبان عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أصاب عبدًا قط هَمٌّ ولا حَزَن فقال: اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عَدْل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم رَبِيع قلبى، ونور بصرى، وجلاء حُزّنى، وذهاب هَمِّى وغمى، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا ". قال: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: " ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ". وقال لأمته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يُخَوِّف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذِكْر الله، والاستغفار ". فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم.
ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به؛ من دعاء الله، وذكر الله والاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تُضَاهى دين المشركين والنصارى؟ ! .
وإن زَعَم أحدٌ أن حاجته قضيت بمثل ذلك، فأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم نحو هذا، كما تقدم، وقد تواتر عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. ولولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] .
ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة " عمرو بن لُحِىِّ الخزاعى "،الذى رآه النبي ﷺ يجر أمعاءه في النار. وهو أول من سَيَّب السوائب، وغَيَّر دين إبراهيم. قالوا: إنه ورد الشام، فوجد فيها أصناما يزعمون أنهم ينتفعون بها في جَلْب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة، وسَنَّ للعرب الشرك وعبادة الأصنام.
والأمور التى حرمها الله ورسوله، من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة، أو دفع مَضَرَّة، ولولا ذ لك ما أقدمت نفس على المحرمات التى لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة. فأما العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله؟ ! والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيها من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها، مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجلهلهم أو لغلبة أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى الغالب يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئًا، فإن حبك للشىء يُعْمِى ويُصِمُّ.
ولهذا كان العالم من يخشى الله، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: من الآية ١٧] . فقالوا: "كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وليس هذا من مواضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة، وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل على المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته منه إليهم، ولا نهاهم عمّا نهاهم بُخْلًا به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم؛ ولهذا وصف نبيه بأنه ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وأما التمسح بالقبر أىّ قبر كان وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، فمنهى عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعله أحد من السّلف والأئمة، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ الآية [نوح: ٢٣ - ٢٤]، وقد تقدم أنها أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، وأنهم عَكَفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصَوَّروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ذكره، وما فيه من
الشرك، وبينا الفرق بين الزيارة البدعية التى يشبه أهلها بالنصارى والمشركين والزيارة الشرعية.
وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فهذا مما لا نزاع بين الأئمة في النهى عن ذلك، وفي المسند وغيره عن معاذ بن جبل: "أنه لما رجع من الشام سجد للنبي ﷺ فقال: " ما هذا يا معاذ؟ ". فقال: يا رسول الله، رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: " كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقه عليها، يا معاذ، أرأيت إذا مررت بقبرى أكنت ساجدًا؟ ". قال: لا. قال: " فلا تفعل "، أو كما قال الرسول ﷺ.
بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁: "أنه صلى بأصحابه قاعدًا لمرض كان به، فصلوا قيامًا، فأمرهم بالجلوس، وقال: " لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا "، وقال: " من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار ". فإذا كان قد نهاهم مع قعوده وإن كانوا قاموا في الصلاة حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل النار فكيف بما هو شر من ذلك السجود له؟ ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيدي ونحو ذلك؟ ! وقد كان عمر بن عبد العزيز وهو خليفة على الأرض كلها قد وكل عمالًا يمنعون الداخلين من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبّل أحد الأرض.
وبالجملة، فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود؛ خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب؛ مثل الحلف بغير الله. قال الرّسول ﵌: " من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ". متفق عليه. وقال أيضًا: " من حلف بغير الله فقد أشرك ".
فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: ٥] . وفي الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: " إن الله يرضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا
تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ". وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة.
ونبينا ﵌ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه، ووجليه وخفيه، كبيره وصغيره، حتى إنه قد تواتر عنه النهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة؛ تارة يقول: " لا تَحَرُّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ". وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة حينئذ؛ لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له، فكيف بما هو أظهر شركًا ومشابهة للمشركين من هذا؟ ! وقد قال فيما أمره الله أن يخاطب به أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وذلك لما في ذلك من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه ﵌ وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى، فقد ترك ما أمر الله به ورسوله.
وأما قول القائل: فقضيت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن بالله في مثل ذبك غيره، حتى إن قائلا قال للنبي ﵌: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله نِدّا؟ ! بل ما شاء الله وحده "، وقال لأصحابه: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". وفي الحديث: "أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون. أي: تجعلون لله ندًا. يعني: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فنهاهم النبي ﵌ عن ذلك ". وفي الصحيحين عن زيد بن خالد، قال: "صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الفجر بالحديبية في إثر سَمَاء من الليل، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا
بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ". والأسباب التي جعلها الله أسبابًا لا تجعل مع الله شركاء وأندادًا وأعوانًا.
وأما قول القائل: ببركة الشيخ، وإنه قد يعني بها دعاءه، فأسرعُ الدعاءِ إجابة دعوة غائب لغائب. وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بركة اتباعه له على الحق، وقد يعني بركة معاونته له على الحق، وموالاته في الدين، ونحو ذلك. وهذه كلها معان صحيحة.
وقد يعني بها دعاء الميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، فمتابعته أومطاوعته على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك، هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته.
وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع، فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم: أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولوا: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇ والغالية في علي ﵁. وهذا كفر صريح، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته؛ ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العشرة الذين قد يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح ونحو ذلك، كفرًا صريحًا باتفاق المسلمين.
وكذلك إن عني بالغوث ما يقوله بعضهم: إنّ في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وقد يسميهم النجباء، منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة والبضع عشر رجلًا، وأولئك يفزعون إلى السبعين،
والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم: إنه ينزل من السماء على الكعبة خضر باسم غوث الوقت، واسم مصره على قول من يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرًا، فإن لهم في ذلك قولين وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم. ومعلوم أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكة.
وقد روى بعضهم حديثًا في هلال غلام المغيرة بن شعبة، وأنه أحد السبعين. والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في حلية الأولياء، والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر بذلك؛ فإنهما يرويان الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والكذب، ولا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع. وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: " من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ".
وبالجملة، فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل الرغبة والرهبة؛ مثل دعائهم عند الكسوف والاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند الكسوف، والاعتداد لدفع البلاء، وأمثال ذلك، إنما يدعون في ذلك الله وحده لا يشركون به شيئًا، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل كان المشركون به في جاهليتهم إذا اشتد بهم الكرب يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفَتَرَاهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧]، وقال تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤٣] .
والنبي ﵌ استسقي لأصحابه بصلاة الاستسقاء، وبغير صلاة، وصلاتهم للاستسقاء كصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين، مازالوا، على هذه الطريقة؛ ولهذا قال العلماء المحققون: ثلاثة أشياء مالها من أصل: باب النصارى، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية؛ فإن النصارى تدعي في الباب (١) الذي لهم ما هو من هذا الجنس؛ وأنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، ولكن دعوى النصارى فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن العسكري منتظر الرافضة في سرداب سامرا، والغوث المقيم بمكة عند الصوفية، ونحو هذا، فإنه باطل ليس له أصل في الوجود، ولا وجود له.
وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل. فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله وعددهم، فكيف هؤلاء الضالين المفترين الكذابين؟ ! والرسول ﵌ سيد ولد آدم إنما يعرف في الآخرة الذين لم يكن يراهم في الدنيا بسيما الوضوء، وهو الغُرَّة والتحجيل، ومن هؤلاء أولياء الله من لا يحصيه إلا الله. وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: "وأنَّي بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم". فكان قد بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إن الخضر نقيب الأولياء، وأنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل.
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه
_________
(١) وبقول النصارى قال البهائية الذين كفروا بكل دين واستباحوا كل المحرمات بوحي الشيطان بابهم وبهائهم لعنه الله ولعنهم.
أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكونبمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليدقع سفينتهم، ولم يكن أحد من خير أمة أخرجت للناس مختفيًا، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم.
ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحمكة، وقال لهم نبيهم: " لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ". وعيسي ابن مريم إذا نزل من السماء إنما يحكم فيها بكتاب ربهم وسنة نبيهم. فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره؟ ! والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسي من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: " كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها ". فإذا كان هذان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد ﵌ سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة، لا عَوَامِّهم ولا خَوَاصِّهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ ! وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟ !
وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال له: من ولاه النقابة، وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر؟ وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات أكثرها كذب، وبعضها مبني على وهم رجال؛ مثل شخص رأي رجلا توهم أنه الخضر، أو وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تتوهم أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: - وقد ذُكر له الخضر ـ: "من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا الشيطان". وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وأما إذا قصد القائل بقوله: القطب الغوث الفرد الجامع أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان
متساويان في الفضل، بل وثلاثة وأربعة، وأكثر، ولا يجزم بألا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض بوجه من وجوه، وبعضهم أفضل من بعض، وتلك الوجوه، إما متقاربة وإما متساوية.
ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته الغوث الفرد الجامع بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعضهم أنه أفضل أو من أفضل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا سيما أن من المنتحلين لهذا الاسم من يدعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو: الحسن بن على بن أبي طالب ﵄ ثم يتسلل الأمر إلى من دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا على مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ ! والحسن عند وفاة النبي ﵌ كان قد قارب سن والاحتلام.
وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم: إن القطب الفرد الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي ﵌ كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، فيتسلسل إلى شيخه. فبينت له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في الرسول ﵌ كفر، دع ما سواه، وقد قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨]، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ والآية بعدها [آل عمران: ١٢٧، ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: من الآية ٥٦] .
والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله وقد قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأمرنا أن نتبعه قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحب إلينا
من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال ﵌: " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". وقال له عمر ﵁: "يا رسول الله، واللهِ لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي". فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فأنت أحبّ إليَّ من نفسي، قال: " الآن يا عمر ". وقال: " ثلاث من كن فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ".
وقد بين في كتابه الحقوقه التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسوله ﷺ، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، فالطاعة لله وللرسول، والخشية لله، والتقوي لله وحده، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وأما الحسب فهو لله وحده، كما قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ [التوبة: من الآية ٥٩]، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيكك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في هذه الآية؛ ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما صلى الله عليهم أجمعين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: من الآية١٧٣] .
Translation
فصل
#24
Chapter 24 — فصل
· ref. #24
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل السادس: قال ابن عبد الهادي الحنبلي تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي - ناقلا عن شيخه ابن تيمية، ما نصه ـ: وإنما يعرف هذا في حكاية ذكرها الفقهاء عن أعرابي أتى القبر وتلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤]، وأنشد:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
روحي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وقد استحب طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يبت بها حكم شرعي، بل لقضاء حاجة هذا الأعرابي وأمثالها أسباب بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت له حاجة بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا، وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئًا أو مجتهدًا أو مقلدًا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع، كالمجتهد المخطئ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
هذا ما حكاه العراقي عن الصارم المنكي ثم قال: والحكاية التي ذكرها الفقهاء من كافة أهل المذاهب: مارواه العتبي التابعي الجليل عن الأعرابي: أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا الآية ثم قال: قد جئتك
مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، وأنشد البيتين، وقد استحسن ذلك كافة أهل العلم، وذكروه في المناسك في بحث الزيارة، واستحبوا ذلك، وكيف لا يثبت الاستحباب بهذه الحكاية، وهي واقعة في خير القرون ولم تنكر، وارتضاها الفقهاء؟ فهي دليل على الاستحباب، ثم إن الشيخ ﵀ فسّؤ أن سؤال الحاجة من النبي ﷺ وغيره واقع، وأن المجتهد المخطئ والمقلد المتأول مثابون على حسن قصدهم، فلا يكفرون في مثل هذا، ولا يشركون ولا يؤثمون. انتهى كلام العراقي.
والجواب: إن هذا النقل قد اعتراه ما اعترى أمثاله، وأجرى التحريف عليه قلم إفكه وضلاله، فإن الحافظ محمد بن عبد الهادي لما تكلم على الحكاية التي احتج بها السبكي عزاها إلى مالك في جوابه لأبي جعفر المنصور، وقرر أنها من الموضوعات وأن إسنادها إسناد مظلم منقطع، مشتمل على من يتهم بالكذب، وساق كلام الحفاظ في جرح رواتها، وإطراح حديثهم ثم قال بعد ذلك:
وقد قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "ولم يكن أحد من السلف يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه. واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه".
وذكر كلامهم في استقباله عند السلام، وقرّر رد الحكاية المذكورة عن مالك، وذكر نصوصه التي يخالفها، وأطال الكلام، ثم قال بعدها:
"وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤] فهو - والله أعلم - باطل؛ فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن
يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا.
ثم قال: "وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﵌ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين - وذكرهما الشيخ، ثم قال ـ: ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب وقد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان الرسول ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه، لعدم علمه وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ" انتهى.
فانظر إلى هذا التحريف والتبديل الذي لم يسبقه إلى مثله من الأمة سابق، ولا يستحله إلا زنديق منافق. فقد حذف أول الكلام وما سيق لأجله، وحذف قول الشيخ: "فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم ولم يذكر أحد منهم استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت لا استغفارًا ولا غيره، وكلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا.
وبدل أيضًا كلام الشيخ فإن الشيخ قال: في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، والعراقي نسبها عن الشيخ إلى كل الفقهاء. فقال: "في حكاية ذكرها الفقهاء" فاعرف إلحاده، وحذف وسط العبارة وهي قوله: "لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم وأعمل به من غيرهم"، وحذف من وسطها أيضًا قوله: "فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وحذف أيضًا قوله: "وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها" كل هذا حذفه.
فهل ترى يا ذا العقل السليم أكذب من هذا على الله وعلى أولي العلم من خلقه وأشد جرأة على تبديل دينه وتغييره؟.
وكلام الشيخ من أوله إلى آخره صريح في المعنى من دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وحكاه عن الأئمة، وذكر اتفاقهم عليه، وأنّه لم يذكر أحد منهم استحباب سؤال النبي ﷺ بعد موته لا استغفارًا ولا غيره. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: من الآية٥٩] وحرفوا نصوص أهل العلم وألحدوا فيها، وأحالوها عن صرائح نصوصها وظواهر كلماتها وهل بدلت أديان الأنبياء إلا بمثل هذا؟ والموعد قريب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] ومن كان هذا غاية رده ونهاية ما عنده، فلا يمتنع عليه تبديل ما اطلع عليه ورآه من كتب الشريعة ودواوين الإسلام، ولو سلك هذا المسلك في كتاب الله وفي أحاديث الرسول ﷺ لهدّم قواعدها واجتث أصلها، وطمس أعلامها وغير حقائقها، وقد قرأ بعض الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية١٦٤] بنصب الاسم الشريف على أنه معمول، ولم يتجاسر إلى هذه الغاية التى انتهى إليها العراقي، فالحمد لله الذي كشف عن سوأته، وأبدى خزيه لعباده المؤمنين.
قال العراقي: "النقل السادس: قال ابن عبد الهادي الحنبلي تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي - ناقلا عن شيخه ابن تيمية، ما نصه ـ: وإنما يعرف هذا في حكاية ذكرها الفقهاء عن أعرابي أتى القبر وتلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤]، وأنشد:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
روحي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وقد استحب طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يبت بها حكم شرعي، بل لقضاء حاجة هذا الأعرابي وأمثالها أسباب بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت له حاجة بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا، وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئًا أو مجتهدًا أو مقلدًا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع، كالمجتهد المخطئ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
هذا ما حكاه العراقي عن الصارم المنكي ثم قال: والحكاية التي ذكرها الفقهاء من كافة أهل المذاهب: مارواه العتبي التابعي الجليل عن الأعرابي: أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا الآية ثم قال: قد جئتك
مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، وأنشد البيتين، وقد استحسن ذلك كافة أهل العلم، وذكروه في المناسك في بحث الزيارة، واستحبوا ذلك، وكيف لا يثبت الاستحباب بهذه الحكاية، وهي واقعة في خير القرون ولم تنكر، وارتضاها الفقهاء؟ فهي دليل على الاستحباب، ثم إن الشيخ ﵀ فسّؤ أن سؤال الحاجة من النبي ﷺ وغيره واقع، وأن المجتهد المخطئ والمقلد المتأول مثابون على حسن قصدهم، فلا يكفرون في مثل هذا، ولا يشركون ولا يؤثمون. انتهى كلام العراقي.
والجواب: إن هذا النقل قد اعتراه ما اعترى أمثاله، وأجرى التحريف عليه قلم إفكه وضلاله، فإن الحافظ محمد بن عبد الهادي لما تكلم على الحكاية التي احتج بها السبكي عزاها إلى مالك في جوابه لأبي جعفر المنصور، وقرر أنها من الموضوعات وأن إسنادها إسناد مظلم منقطع، مشتمل على من يتهم بالكذب، وساق كلام الحفاظ في جرح رواتها، وإطراح حديثهم ثم قال بعد ذلك:
وقد قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "ولم يكن أحد من السلف يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه. واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه".
وذكر كلامهم في استقباله عند السلام، وقرّر رد الحكاية المذكورة عن مالك، وذكر نصوصه التي يخالفها، وأطال الكلام، ثم قال بعدها:
"وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤] فهو - والله أعلم - باطل؛ فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن
يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا.
ثم قال: "وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﵌ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين - وذكرهما الشيخ، ثم قال ـ: ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب وقد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان الرسول ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه، لعدم علمه وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ" انتهى.
فانظر إلى هذا التحريف والتبديل الذي لم يسبقه إلى مثله من الأمة سابق، ولا يستحله إلا زنديق منافق. فقد حذف أول الكلام وما سيق لأجله، وحذف قول الشيخ: "فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم ولم يذكر أحد منهم استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت لا استغفارًا ولا غيره، وكلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا.
وبدل أيضًا كلام الشيخ فإن الشيخ قال: في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، والعراقي نسبها عن الشيخ إلى كل الفقهاء. فقال: "في حكاية ذكرها الفقهاء" فاعرف إلحاده، وحذف وسط العبارة وهي قوله: "لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم وأعمل به من غيرهم"، وحذف من وسطها أيضًا قوله: "فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وحذف أيضًا قوله: "وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها" كل هذا حذفه.
فهل ترى يا ذا العقل السليم أكذب من هذا على الله وعلى أولي العلم من خلقه وأشد جرأة على تبديل دينه وتغييره؟.
وكلام الشيخ من أوله إلى آخره صريح في المعنى من دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وحكاه عن الأئمة، وذكر اتفاقهم عليه، وأنّه لم يذكر أحد منهم استحباب سؤال النبي ﷺ بعد موته لا استغفارًا ولا غيره. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: من الآية٥٩] وحرفوا نصوص أهل العلم وألحدوا فيها، وأحالوها عن صرائح نصوصها وظواهر كلماتها وهل بدلت أديان الأنبياء إلا بمثل هذا؟ والموعد قريب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] ومن كان هذا غاية رده ونهاية ما عنده، فلا يمتنع عليه تبديل ما اطلع عليه ورآه من كتب الشريعة ودواوين الإسلام، ولو سلك هذا المسلك في كتاب الله وفي أحاديث الرسول ﷺ لهدّم قواعدها واجتث أصلها، وطمس أعلامها وغير حقائقها، وقد قرأ بعض الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية١٦٤] بنصب الاسم الشريف على أنه معمول، ولم يتجاسر إلى هذه الغاية التى انتهى إليها العراقي، فالحمد لله الذي كشف عن سوأته، وأبدى خزيه لعباده المؤمنين.
Translation
فصل
#25
Chapter 25 — فصل
· ref. #25
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل الثالث عشر: قال ﵀ في كتاب الفرقان: "ونجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله أنه صدر منه مكاشفة أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، أو أن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم، أو مريض. وليس شيء من هذه الأمور يدل على أن صاحبها ولي لله، بل اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته للرسول ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور" انتهى نقله.
ثم قال: فانظر إلى كلامه، ولا سيما قوله: "وأن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته"، فإنه تسليم منه بأن هذا الأمر يقع على وجه الكرامة. ويستدل به على ولاية صاحبه، لكن بشرط أن يكون المستغاث به متابعًا لأمر الرسول ﷺ وموافقًا له ولنهيه".
قال العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين، يجوز أن يعتقد فيهم الولاية، بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين، وأن هذا يقع على وجه الكرامة، وأن كرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور بل قد تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات أولياء الله يجب اعتقادها كما ذكره الشيخ في التحفة العراقية، بل قال: إن
منكرها من الخوارج والرافضة، ومعلوم أن الكرامة لا تنشأ عن فعل محرم، فلو كانت الاستغاثة محرمة لما عدّها الشيخ وغيره كرامة، بل حينئذ تكون استدراجًا، على أن الشيخ ذكر أن المجتهد والمقلد والمؤول الذي له حسن قصد لا يكون ذلك بالنسبة إليه محرمًا، بل يكون جائزًا أو مستحبًا لنسبته لاعتقادهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه إلا على من طمس الله بصيرته" انتهى.
والجواب أن يقال:
سياق الكلام ومقتضى التقرير في كلام الشيخ الذي نقله العراقي نفي الولاية بهذه المذكورات، ونفي الاستدلال عليها بالمكاشفة وخوارق العادة، ورؤية المستغاث به من الغائبين والأموات، والإخبار بما سرق وبحال الغائب والمريض. وقرر أن هذا ونحوه لا يدل على الولاية أصلًا. وأن أولياء الله متفقون على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به، حتى يتقيد بمتابعة الرسول موافقته لأمره ونهيه، وهذا تصريح من الشيخ بنفي الاستدلال بهذا على الولاية وإبطاله. وليس فيه تسليم مجئ المستغاث به الميت أو الغائب إلى المستغيث وأنه يقضي حاجته وأنه يستدل به على الولاية، كما زعم العراقي. بل هو قد ذكر قوله: "فرآه" فأسند الرؤية إلى المستغيث، وقرر في هذا الكتاب وفي غيره أن الإنسان قد يرى بواسطة الشياطين أشخاصًا وأشباحًا يتراءون لمن يدعو غير الله، ويستغيث به، ويظهرون لهم في صورة من يعتقدونه من المشايخ والصالحين، وأن المستغاث به لا شعور له ولا دراية له بذلك أصلًا. وقد مرّ هذا فيما نقلناه من كلامه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ونزيده إيضاحًا هنا.
فكلام الشيخ في نفي الاستدلال بهذا على الكرامة، وأنه ليس منها. والعراقي صرف العبارة عن مدلولها، وصدف عنها، ونسب إلى الشيخ ما لا يحتمله كلامه بوجه من الوجوه ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية٤٤] .
قال الشيخ ﵀: "والطلب من النبي ﷺ بعد موته وفي مغيبه ليس
مشروعًا قط، ولكن كثير من الناس يدعو الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم.
فتمثل لهم الشياطين تقضي بعض مآربهم، لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل الشياطين بعبّاد الأصنام وعباد الشمس والقمر: تخاطبهم وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا وغير زماننا.
وقال رحم الله: واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبل، وهذا كله محافظة على التوحيد؛ فإن من أصول الشرك بالله، اتخاذ القبور مساجد. قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية [نوح: من الآية٢٣]: "هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" وقد ذكر بعض هذا البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس، وذكره ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف، وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق" انتهى.
وقال ابن القيم في كلامه عن قصة الطفيل بن عمرو الدوسي: "ومنها وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو منفعة في الإسلام والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية التي سببها متابعة الرسول، ونتيجتها إظهار الحق، وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدها سببًا ونتيجة".
وقول العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين يجوز أن يعتقد فيهم الولاية بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين".
فهذا كلام باطل لم يدل عليه كلام الشيخ، ولم يتبين منه، بل هو كلام جاهل لا يدري شرع الله، ولا يعرف دينه، وما جاءت به رسله، فإن ولاية الرسول ﷺ لله أظهر من أن تحتاج إلى دليل، ورتبة النبوة فوق الولاية، فضلًا عن رتبة الرسالة، فضلًا عن رتبة أولي العزم. فهذه مراتب علية لا يدركها آحاد الأولياء والمؤمنين، فكيف يقال: يجوز أن يعتقد في النبي ﷺ وأصحابه الولاية
بسبب الاستغاثة؟ وقد يستجاب للمستغيث بالأصنام، فأثبت ولايتهم بأمر يكون للأصنام والأوثالن مشاركة فيه، فتعسًا له، وويل أمه ما أجهله، وأكتف حجابه وأفحش خطابه.
واعتقاد الولاية لا يسوغ ولا يجوز بسبب الاستغاثة ودعاء غير الله وصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب التي أنكرها الشيخ وألزمه إياها هذا العراقي جهلًا وظلمًا. وإنما تثبت بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين، والقيام بالواجبات الدينية والأركان الإسلامية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿الْمُتَّقُونَ) [البقرة:١٧٧]، وقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦٢ - ٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [لأنفال: ٢ - ٤] فهذا ونحوه هو الذي يستدل به على الولاية وتبثت به الولاية للعبد، وهذا معنى كلام الشيخ، وهذا الذي يفيده تقريره الذي مر، ولكن العراقي ألف الكذب والإلحاد، فصار له سجية يتهيأ لها بغير فكر ولا رؤية. ولو كانت الاستغاثة بغير الله سببًا للولاية ودليلًا عليها للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين، بل والأصنام؛ لأن عابيدها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها، كما ذكره الشيخ وغيره، وقرروا ما ورد في السير من سماع الخطاب من الأصنام والأوثان، فجعل الاستغاثة بهم سببًا للولاية جهل عظيم، ثم الأسباب لا توجب وجود المسبب بنفسها، وفرق بين الدليل والسبب، لو كان هذا ممن يعقل الخطاب، ويفرق بين الخطأ والصواب.
وأما قوله: "بل تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات الأولياء يجب اعتقادها كما ذكر الشيخ في التحفة العراقية" فكلام الشيخ في التحفة العراقية وغيرها وكلام أهل السنة في إثبات الكرامة حق لا ريب فيه، وإنما الذي ينكره المسلم ويرده بفطرته وضروريات دينه اعتقاد أمثال هذا العراقي من أن الكرامة تحصل بدعاء غير الله والاستغاثة به وأن ذلك دليل إثباتها. هذا لا
يقوله مسلم ولا يقوله كتابي، ولا عاقل يعرف ما يخرج من بين شفتيه، وحقيقة هذا الكلام قرمطة لا تخفى على عقلاء الأنام، وليس في كلام الشيخ أن الاستغاثة بغير الله كرامة للمستغاث، فمن أين أخذ العراقي هذا البهت ونسبه إليه؟!.
قال العراقي: "النقل الثالث عشر: قال ﵀ في كتاب الفرقان: "ونجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله أنه صدر منه مكاشفة أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، أو أن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم، أو مريض. وليس شيء من هذه الأمور يدل على أن صاحبها ولي لله، بل اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته للرسول ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور" انتهى نقله.
ثم قال: فانظر إلى كلامه، ولا سيما قوله: "وأن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته"، فإنه تسليم منه بأن هذا الأمر يقع على وجه الكرامة. ويستدل به على ولاية صاحبه، لكن بشرط أن يكون المستغاث به متابعًا لأمر الرسول ﷺ وموافقًا له ولنهيه".
قال العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين، يجوز أن يعتقد فيهم الولاية، بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين، وأن هذا يقع على وجه الكرامة، وأن كرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور بل قد تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات أولياء الله يجب اعتقادها كما ذكره الشيخ في التحفة العراقية، بل قال: إن
منكرها من الخوارج والرافضة، ومعلوم أن الكرامة لا تنشأ عن فعل محرم، فلو كانت الاستغاثة محرمة لما عدّها الشيخ وغيره كرامة، بل حينئذ تكون استدراجًا، على أن الشيخ ذكر أن المجتهد والمقلد والمؤول الذي له حسن قصد لا يكون ذلك بالنسبة إليه محرمًا، بل يكون جائزًا أو مستحبًا لنسبته لاعتقادهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه إلا على من طمس الله بصيرته" انتهى.
والجواب أن يقال:
سياق الكلام ومقتضى التقرير في كلام الشيخ الذي نقله العراقي نفي الولاية بهذه المذكورات، ونفي الاستدلال عليها بالمكاشفة وخوارق العادة، ورؤية المستغاث به من الغائبين والأموات، والإخبار بما سرق وبحال الغائب والمريض. وقرر أن هذا ونحوه لا يدل على الولاية أصلًا. وأن أولياء الله متفقون على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به، حتى يتقيد بمتابعة الرسول موافقته لأمره ونهيه، وهذا تصريح من الشيخ بنفي الاستدلال بهذا على الولاية وإبطاله. وليس فيه تسليم مجئ المستغاث به الميت أو الغائب إلى المستغيث وأنه يقضي حاجته وأنه يستدل به على الولاية، كما زعم العراقي. بل هو قد ذكر قوله: "فرآه" فأسند الرؤية إلى المستغيث، وقرر في هذا الكتاب وفي غيره أن الإنسان قد يرى بواسطة الشياطين أشخاصًا وأشباحًا يتراءون لمن يدعو غير الله، ويستغيث به، ويظهرون لهم في صورة من يعتقدونه من المشايخ والصالحين، وأن المستغاث به لا شعور له ولا دراية له بذلك أصلًا. وقد مرّ هذا فيما نقلناه من كلامه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ونزيده إيضاحًا هنا.
فكلام الشيخ في نفي الاستدلال بهذا على الكرامة، وأنه ليس منها. والعراقي صرف العبارة عن مدلولها، وصدف عنها، ونسب إلى الشيخ ما لا يحتمله كلامه بوجه من الوجوه ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية٤٤] .
قال الشيخ ﵀: "والطلب من النبي ﷺ بعد موته وفي مغيبه ليس
مشروعًا قط، ولكن كثير من الناس يدعو الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم.
فتمثل لهم الشياطين تقضي بعض مآربهم، لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل الشياطين بعبّاد الأصنام وعباد الشمس والقمر: تخاطبهم وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا وغير زماننا.
وقال رحم الله: واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبل، وهذا كله محافظة على التوحيد؛ فإن من أصول الشرك بالله، اتخاذ القبور مساجد. قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية [نوح: من الآية٢٣]: "هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" وقد ذكر بعض هذا البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس، وذكره ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف، وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق" انتهى.
وقال ابن القيم في كلامه عن قصة الطفيل بن عمرو الدوسي: "ومنها وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو منفعة في الإسلام والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية التي سببها متابعة الرسول، ونتيجتها إظهار الحق، وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدها سببًا ونتيجة".
وقول العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين يجوز أن يعتقد فيهم الولاية بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين".
فهذا كلام باطل لم يدل عليه كلام الشيخ، ولم يتبين منه، بل هو كلام جاهل لا يدري شرع الله، ولا يعرف دينه، وما جاءت به رسله، فإن ولاية الرسول ﷺ لله أظهر من أن تحتاج إلى دليل، ورتبة النبوة فوق الولاية، فضلًا عن رتبة الرسالة، فضلًا عن رتبة أولي العزم. فهذه مراتب علية لا يدركها آحاد الأولياء والمؤمنين، فكيف يقال: يجوز أن يعتقد في النبي ﷺ وأصحابه الولاية
بسبب الاستغاثة؟ وقد يستجاب للمستغيث بالأصنام، فأثبت ولايتهم بأمر يكون للأصنام والأوثالن مشاركة فيه، فتعسًا له، وويل أمه ما أجهله، وأكتف حجابه وأفحش خطابه.
واعتقاد الولاية لا يسوغ ولا يجوز بسبب الاستغاثة ودعاء غير الله وصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب التي أنكرها الشيخ وألزمه إياها هذا العراقي جهلًا وظلمًا. وإنما تثبت بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين، والقيام بالواجبات الدينية والأركان الإسلامية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿الْمُتَّقُونَ) [البقرة:١٧٧]، وقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦٢ - ٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [لأنفال: ٢ - ٤] فهذا ونحوه هو الذي يستدل به على الولاية وتبثت به الولاية للعبد، وهذا معنى كلام الشيخ، وهذا الذي يفيده تقريره الذي مر، ولكن العراقي ألف الكذب والإلحاد، فصار له سجية يتهيأ لها بغير فكر ولا رؤية. ولو كانت الاستغاثة بغير الله سببًا للولاية ودليلًا عليها للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين، بل والأصنام؛ لأن عابيدها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها، كما ذكره الشيخ وغيره، وقرروا ما ورد في السير من سماع الخطاب من الأصنام والأوثان، فجعل الاستغاثة بهم سببًا للولاية جهل عظيم، ثم الأسباب لا توجب وجود المسبب بنفسها، وفرق بين الدليل والسبب، لو كان هذا ممن يعقل الخطاب، ويفرق بين الخطأ والصواب.
وأما قوله: "بل تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات الأولياء يجب اعتقادها كما ذكر الشيخ في التحفة العراقية" فكلام الشيخ في التحفة العراقية وغيرها وكلام أهل السنة في إثبات الكرامة حق لا ريب فيه، وإنما الذي ينكره المسلم ويرده بفطرته وضروريات دينه اعتقاد أمثال هذا العراقي من أن الكرامة تحصل بدعاء غير الله والاستغاثة به وأن ذلك دليل إثباتها. هذا لا
يقوله مسلم ولا يقوله كتابي، ولا عاقل يعرف ما يخرج من بين شفتيه، وحقيقة هذا الكلام قرمطة لا تخفى على عقلاء الأنام، وليس في كلام الشيخ أن الاستغاثة بغير الله كرامة للمستغاث، فمن أين أخذ العراقي هذا البهت ونسبه إليه؟!.
Translation
فصل
#26
Chapter 26 — فصل
· ref. #26
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل الرابع عشر، قال أيضًا في الفرقان: والناس في هذا الباب أصناف، منهم من اعتقد بشخص أنه ولي الله، وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلم له جميع ما يفعله، ومنهم إذا رآه فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهدًا مخطئًا. وخيار الأمور أوسطها. وهو أنه لا يجعل معصومًا، ولا مأثومًا إذا كان مجتهدًا مخطئًا، فلا يتبع في كل ما يقول ولا يحكم عليه بالكفر والفسوق مع اجتهاده إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه قول المخالف، ويقول هو مخالف للشرع".
والجواب أن يقال:
ليس في هذا الكلام ما يدل على محل النزاع أصلًا، وقد تقدم أنه لا يعذر المجتهد المخطئ إلا في المسائل الاجتهادية التي يقع فيها النزاع بين الفقهاء أو ما يخفى دليلها، وأما ما علم من الإسلام بالضرورة، فليس من هذا القبيل، ويدل على هذا قول الشيخ هنا: "إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين" وبهذا تعرف مراد الشيخ، وأن هذا العراقي تراكمت عليه ظلمات الجهل والطبع والهوى ظلمات بعضها فوق بعض.
قال العراقي: "النقل الرابع عشر، قال أيضًا في الفرقان: والناس في هذا الباب أصناف، منهم من اعتقد بشخص أنه ولي الله، وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلم له جميع ما يفعله، ومنهم إذا رآه فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهدًا مخطئًا. وخيار الأمور أوسطها. وهو أنه لا يجعل معصومًا، ولا مأثومًا إذا كان مجتهدًا مخطئًا، فلا يتبع في كل ما يقول ولا يحكم عليه بالكفر والفسوق مع اجتهاده إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه قول المخالف، ويقول هو مخالف للشرع".
والجواب أن يقال:
ليس في هذا الكلام ما يدل على محل النزاع أصلًا، وقد تقدم أنه لا يعذر المجتهد المخطئ إلا في المسائل الاجتهادية التي يقع فيها النزاع بين الفقهاء أو ما يخفى دليلها، وأما ما علم من الإسلام بالضرورة، فليس من هذا القبيل، ويدل على هذا قول الشيخ هنا: "إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين" وبهذا تعرف مراد الشيخ، وأن هذا العراقي تراكمت عليه ظلمات الجهل والطبع والهوى ظلمات بعضها فوق بعض.
Translation
فصل
#27
Chapter 27 — فصل
· ref. #27
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل الخامس الخامس عشر: قال في كتاب ذكر فيه الانتصار للإمام أحمد: إن الشيخ يحيى الصرصري صاحب الشعر المشهور ذكر عن علي بن إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر الجيلي: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد؟ وذكر جواب الشيخ عبد القادر ثم قال: "والصرصري الذي أشار إلى شعره ما ذكره في قصيدته اللامية المعروفة، حيث قال:
وأخبرني من كان أصل طريقتي
وساق أبياتًا من المنظومة.
ثم قال العراقي: فانظر إلى مدح ابن تيمية ﵀ للصرصري، وقوله فيه: الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور، مع أن هذا الشعر الذي يعنيه شيخ الإسلام قد ذكر فيه أشياء تقتضي تكفيره على قول هؤلاء المبتدعو، فإنه استغاث بالرسول ﷺ بقوله:
لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ... إليه بها في الحادثات تنصل
وقوله:
وتسأل رب العالمين بميته ... على السنة البيضاء غير مبدل
وهذا دعاء على قولهم، وقوله:
وأنت على كل الحوادث لي ولي
وقوله:
على تربها خديك عفر
وكلّ هذا يقتضي الإشراك على قواعد مذهبهم الجديد، والشيخ ابن تيمية أثنى عليه بأنه فقيه صالح، ولم يعترض عليه،
فانظر
إلى هذه القصيدة وما فيها، وقابلها مع قول البوصيريّ:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به البيتين.
وقد صرّح في البيت الثاني إن مقصوده الشفاعة يوم القيامة بجاهه ﷺ مع أنه صادق، كما في البخاري وغيره، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الاسراء: من الآية٧٩] إنّه الشّفاعة العظمى.
والجواب أن يقال:
شيخ الإسلام ﵀ لم يتعرض شعر الصرصري في هذا النقل لا بمدح ولا بذم، وإنما أثنى على نفس الصرصري، وحكى عنه هذه المقالة، ولا يلزم من مدح شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحًا محمودًا من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم عليه بالإسلام أو الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه، وخلل إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات، وعقابه عليها.
وقد ذكر الشيخ أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه.
قال الشيخ ﵀ في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وأنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه، وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال - يعني ابن البكري - أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي وإلى الاستغاثة بالميت. والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحدًا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه:
منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثًا به. وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازًا، مع دعواه الإجماع على ذلك؛ فإن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلا بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط.
الثالث: أنه أدرج السؤال أيضا في الاستغاثة به وهذا صحيح جائز في حياته وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه والشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغاث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نُبّه من نُبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام" انتهى.
وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ونحن نعلم أن الرسول ﷺ لم يشرع بالضرورة لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا يغيرها. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيره بذلك حتى يبن لهم ما جاء به الرسول؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذه أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه
دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام - التتار - لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض شعرائهم:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكموا من الضرر
فقلت لهم: إنّ هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة والدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة؛ لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، وإنهم لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدم لهم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة رسوله، مما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما نقلته من كلامه.
ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار، بل جعله شركًا وكفرًا، بعد قيام الحجة والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل وجود هذا الشرك مانعًا من القتال الشرعي، وسببًا للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار أبلغ من هذا؟.
وقد أنكر الشيخ ابن تيمية شعر الصرصري، ونص على أنه يقع فيه ما لا يسوغ ولا يجوز.
وقوله:
لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة
ليس فيه استغاثة كما زعم العراقي، بل المقصود إنه ﷺ هو الواسطة بين العباد
وبين الله في إبلاغ شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه عنه وينهى فهو وسيلة لمن سار إلى الله على سبيله، وتمسك بهديه، وقبله قوله:
سل الله رب العالمين يميتني ... على السنة البيضاء غير مبدل
ليس صريحًا في أن السائل لله هو النبي ﷺ إذ يحتمل أنه أراد: سل أيها المذنب وأيها العبد، ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب، وإحسان الظن بمثله أولى.
وأما قوله:
وأنت على كل الحوادث لي ولي
فالمراد أنه يوالي الرسول ﷺ ويتولاه على كل الحوادث، في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة. لا يوالي غير أولياء الله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ ـ٥٦]، فليس المراد بالولي المستغاث المعبود؛ فإن هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة الرسول ﷺ محبته وتوقيره وتعزيره وطاعته والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، وتقديم قوله على قول كل أحد، هذه هي موالاة أهل الإسلام، وما قال العراقي موالاة عبادة الأصنام.
إذا عرفت هذا عرفت جهل هذا العراقي بمعاني الخطاب، وموضوع الكلام وأنه أجنبي عن مدارك الأحكام، والعلم بشرائع الإسلام، وأن قول البوصيري أشنع وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجليل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:٤٠]، فدعء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة الهي الحادث العمم.
وأما قول العراقي: إن مقصوده الشفاعة والجاه، فهذا لا يفيده شيئًا؛ لأن
عامة المشركين إنما يقصدون هذا، ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة، كما حكاه القرآن في غير موضع.
وأما تشبيه العراقي بأنه ﷺ أعطى الشفاعة يوم القيامة، وأنزل عليه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الاسراء: من الآية٧٩]، فهذا تلبيس منه، وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله ﷺ إياهم يوم القيامة، فهذا لا ينكر. وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ. وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال العراقي: "النقل الخامس الخامس عشر: قال في كتاب ذكر فيه الانتصار للإمام أحمد: إن الشيخ يحيى الصرصري صاحب الشعر المشهور ذكر عن علي بن إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر الجيلي: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد؟ وذكر جواب الشيخ عبد القادر ثم قال: "والصرصري الذي أشار إلى شعره ما ذكره في قصيدته اللامية المعروفة، حيث قال:
وأخبرني من كان أصل طريقتي
وساق أبياتًا من المنظومة.
ثم قال العراقي: فانظر إلى مدح ابن تيمية ﵀ للصرصري، وقوله فيه: الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور، مع أن هذا الشعر الذي يعنيه شيخ الإسلام قد ذكر فيه أشياء تقتضي تكفيره على قول هؤلاء المبتدعو، فإنه استغاث بالرسول ﷺ بقوله:
لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ... إليه بها في الحادثات تنصل
وقوله:
وتسأل رب العالمين بميته ... على السنة البيضاء غير مبدل
وهذا دعاء على قولهم، وقوله:
وأنت على كل الحوادث لي ولي
وقوله:
على تربها خديك عفر
وكلّ هذا يقتضي الإشراك على قواعد مذهبهم الجديد، والشيخ ابن تيمية أثنى عليه بأنه فقيه صالح، ولم يعترض عليه،
فانظر
إلى هذه القصيدة وما فيها، وقابلها مع قول البوصيريّ:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به البيتين.
وقد صرّح في البيت الثاني إن مقصوده الشفاعة يوم القيامة بجاهه ﷺ مع أنه صادق، كما في البخاري وغيره، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الاسراء: من الآية٧٩] إنّه الشّفاعة العظمى.
والجواب أن يقال:
شيخ الإسلام ﵀ لم يتعرض شعر الصرصري في هذا النقل لا بمدح ولا بذم، وإنما أثنى على نفس الصرصري، وحكى عنه هذه المقالة، ولا يلزم من مدح شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحًا محمودًا من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم عليه بالإسلام أو الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه، وخلل إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات، وعقابه عليها.
وقد ذكر الشيخ أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه.
قال الشيخ ﵀ في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وأنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه، وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال - يعني ابن البكري - أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي وإلى الاستغاثة بالميت. والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحدًا ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه:
منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثًا به. وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازًا، مع دعواه الإجماع على ذلك؛ فإن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلا بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط.
الثالث: أنه أدرج السؤال أيضا في الاستغاثة به وهذا صحيح جائز في حياته وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه والشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغاث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نُبّه من نُبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام" انتهى.
وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ونحن نعلم أن الرسول ﷺ لم يشرع بالضرورة لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا يغيرها. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيره بذلك حتى يبن لهم ما جاء به الرسول؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذه أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه
دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام - التتار - لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض شعرائهم:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكموا من الضرر
فقلت لهم: إنّ هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة والدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة؛ لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، وإنهم لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدم لهم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة رسوله، مما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما نقلته من كلامه.
ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار، بل جعله شركًا وكفرًا، بعد قيام الحجة والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل وجود هذا الشرك مانعًا من القتال الشرعي، وسببًا للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار أبلغ من هذا؟.
وقد أنكر الشيخ ابن تيمية شعر الصرصري، ونص على أنه يقع فيه ما لا يسوغ ولا يجوز.
وقوله:
لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة
ليس فيه استغاثة كما زعم العراقي، بل المقصود إنه ﷺ هو الواسطة بين العباد
وبين الله في إبلاغ شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه عنه وينهى فهو وسيلة لمن سار إلى الله على سبيله، وتمسك بهديه، وقبله قوله:
سل الله رب العالمين يميتني ... على السنة البيضاء غير مبدل
ليس صريحًا في أن السائل لله هو النبي ﷺ إذ يحتمل أنه أراد: سل أيها المذنب وأيها العبد، ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب، وإحسان الظن بمثله أولى.
وأما قوله:
وأنت على كل الحوادث لي ولي
فالمراد أنه يوالي الرسول ﷺ ويتولاه على كل الحوادث، في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة. لا يوالي غير أولياء الله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ ـ٥٦]، فليس المراد بالولي المستغاث المعبود؛ فإن هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة الرسول ﷺ محبته وتوقيره وتعزيره وطاعته والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، وتقديم قوله على قول كل أحد، هذه هي موالاة أهل الإسلام، وما قال العراقي موالاة عبادة الأصنام.
إذا عرفت هذا عرفت جهل هذا العراقي بمعاني الخطاب، وموضوع الكلام وأنه أجنبي عن مدارك الأحكام، والعلم بشرائع الإسلام، وأن قول البوصيري أشنع وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجليل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:٤٠]، فدعء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة الهي الحادث العمم.
وأما قول العراقي: إن مقصوده الشفاعة والجاه، فهذا لا يفيده شيئًا؛ لأن
عامة المشركين إنما يقصدون هذا، ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة، كما حكاه القرآن في غير موضع.
وأما تشبيه العراقي بأنه ﷺ أعطى الشفاعة يوم القيامة، وأنزل عليه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الاسراء: من الآية٧٩]، فهذا تلبيس منه، وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله ﷺ إياهم يوم القيامة، فهذا لا ينكر. وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ. وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
Translation
فصل
#28
Chapter 28 — فصل
· ref. #28
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل السادس عشر: قال في الفتاوى في جواب سؤال ورد من كيلان، في مسألة خلق القرآن ما نصه: "فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، وفي الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب أحدًا من هذه الأمة على خطأ، وإن عذب المخطئ في غيرها - ثم ساق حديث أبي هريرة في الرجل الذي أمر أولاده بتحريقه، وأن يذروه في البحر وأنه شك في قدرة الله، ومع ذلك غفر الله له لما معه من خوف الله والإيمان به، ثم ذكر كلام الشيخ في الخطأ في الفروع العملية، وأنه قد وقع في بعض السلف - وساق قصة داود وسليمان وحكمهما في الغنم، ثم قال: انظر إلى كلامه وتأمله فإنه أنذر وأعذر، وتحاشى عن تكفير أهل البدع العظام القائلين بنفي قدرة الله أو عدم البعث".
هذا كلامه بحروفه، ثم أطال الكلام في قصة داود وسليمان وزعم أنه معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الانبياء: من الآية٧٩]، فإن الله أقرّ حكمهما.
والجواب أن يقال:
قد أكثر هذا العراقي من التشبيه بعدم تكفير المخطئ وعدم تأثيمه، وقد مرّ من الجواب عن هذه الشبه ما فيه كفاية. وأكثر كلامه تكرير وإسهاب، يوهم الجهال به أنه قد قرر الصواب، وأوضح الخطاب، ولا يروج هذا إلا على
العوام ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقًا بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلًا على صحته، فإن لم يفعل - ولن يفعل - بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين.
وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله، فإنه قد صرّح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟ كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت؟.
والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين، فسحقًا لهذا الجاهل المفتري، وبعدًا لكل ضال غوي.
ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفر العصاة وأهل الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان.
قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إن للإيمان أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة؛ فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه، وهو الوطء. ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا، ويجب لتركها لعذر أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، ولا يأثم بتركها، ولا توجب دمًا، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، وسوق الهدى، وذكر الله في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر ونهي. فمن فعل ذلك الواجب، وترك المحظور، فقد تم حجه وعمرته، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل.
لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجًا وعملًا، وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بأركانه، وترك مفسداته فجه ناقص، يثاب على ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. - إلى أن قال ـ: فمسألة تكفير أهل والأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. - ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أصول هذه الفرق، هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية - ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف. واحتج بحديث أبي هريرة - ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من
المشركين وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة، هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه - أي المخطئ - بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيرًا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين، وأولئك في الدرك الأسفل من النار.
فتبين بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، وكذلك المشركين، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة. فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة.
وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحجّ يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا، بلغ هو أبلغ من مسألة النزاع.
ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا حيلة فيه.
وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحّدًا ليس من أهل الشرك فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة: "لم يعمل خيرًا إلا التوحيد" فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع.
وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست في محل النزاع.
فإيراد العراقي لها هنا تكثر بما ليس له وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني عنه فتيلًا.
وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا
فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول ﷺ وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور". وهذا لازم له لا محيص عنه هنا، واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ما فيه كفاية، وإنما كررنا الجواب لتكرير الشبهة وإن عادت العقرب فالنعل لها حاضرة.
قال العراقي: "النقل السادس عشر: قال في الفتاوى في جواب سؤال ورد من كيلان، في مسألة خلق القرآن ما نصه: "فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، وفي الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب أحدًا من هذه الأمة على خطأ، وإن عذب المخطئ في غيرها - ثم ساق حديث أبي هريرة في الرجل الذي أمر أولاده بتحريقه، وأن يذروه في البحر وأنه شك في قدرة الله، ومع ذلك غفر الله له لما معه من خوف الله والإيمان به، ثم ذكر كلام الشيخ في الخطأ في الفروع العملية، وأنه قد وقع في بعض السلف - وساق قصة داود وسليمان وحكمهما في الغنم، ثم قال: انظر إلى كلامه وتأمله فإنه أنذر وأعذر، وتحاشى عن تكفير أهل البدع العظام القائلين بنفي قدرة الله أو عدم البعث".
هذا كلامه بحروفه، ثم أطال الكلام في قصة داود وسليمان وزعم أنه معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الانبياء: من الآية٧٩]، فإن الله أقرّ حكمهما.
والجواب أن يقال:
قد أكثر هذا العراقي من التشبيه بعدم تكفير المخطئ وعدم تأثيمه، وقد مرّ من الجواب عن هذه الشبه ما فيه كفاية. وأكثر كلامه تكرير وإسهاب، يوهم الجهال به أنه قد قرر الصواب، وأوضح الخطاب، ولا يروج هذا إلا على
العوام ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقًا بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلًا على صحته، فإن لم يفعل - ولن يفعل - بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين.
وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله، فإنه قد صرّح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟ كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت؟.
والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين، فسحقًا لهذا الجاهل المفتري، وبعدًا لكل ضال غوي.
ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفر العصاة وأهل الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان.
قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إن للإيمان أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة؛ فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه، وهو الوطء. ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا، ويجب لتركها لعذر أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، ولا يأثم بتركها، ولا توجب دمًا، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، وسوق الهدى، وذكر الله في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر ونهي. فمن فعل ذلك الواجب، وترك المحظور، فقد تم حجه وعمرته، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل.
لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجًا وعملًا، وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بأركانه، وترك مفسداته فجه ناقص، يثاب على ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. - إلى أن قال ـ: فمسألة تكفير أهل والأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. - ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أصول هذه الفرق، هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية - ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف. واحتج بحديث أبي هريرة - ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من
المشركين وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة، هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه - أي المخطئ - بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيرًا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين، وأولئك في الدرك الأسفل من النار.
فتبين بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، وكذلك المشركين، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة. فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة.
وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحجّ يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا، بلغ هو أبلغ من مسألة النزاع.
ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا حيلة فيه.
وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحّدًا ليس من أهل الشرك فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة: "لم يعمل خيرًا إلا التوحيد" فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع.
وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست في محل النزاع.
فإيراد العراقي لها هنا تكثر بما ليس له وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني عنه فتيلًا.
وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا
فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول ﷺ وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور". وهذا لازم له لا محيص عنه هنا، واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ما فيه كفاية، وإنما كررنا الجواب لتكرير الشبهة وإن عادت العقرب فالنعل لها حاضرة.
Translation
فصل
#29
Chapter 29 — فصل
· ref. #29
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل السابع عشر: "قال في الفتاوى أيضًا، وفي جوابه له: "وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، لويسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة. وقد يكون فيهم من هو مسلم، ولكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق.
ـ إلى أن قال - ويجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور.
وليس ذلك مختصًا بهم، بل كل من كان من المتفقهة، والمتعبدة، والمتفلسفة، ومن وافقهم من أهل الديوان والملوك، والأغنياء، والكتاب، والأطباء، والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجب الله ورسوله، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا؛ مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، وكان يرى نفسه هو أو شيخه مستغنيا عن متابعة الرسول ﷺ، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، ومنافقون إن لم أبطنوا.
وهؤلاء الأجناس، وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث
النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، كما في الحديث المعروف: " يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار".
وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر قولا مطلقًا، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والتكفير من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكى في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفى موانعه، مثل من قال: شرب الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، والنشأة ببلاد بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولا يعتقد أنه من القرآن ولا من أحاديث الرسول ﷺ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حيث لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، وكان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك، ومثل الذي قال لأهله: " إذا أنا مِتُّ فاسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فلعلي أضل الله" ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. وقد أشبعنا الكلام عليها في أماكنها، والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم ". انتهى.
قال العراقي - بعد نقله لهذا ـ: "فتأمل كلام شيخ الإسلام في هذه الطائفة القلندرية وأشباههم، مع قوله: "إن أكثرهم لا يؤمن بالله ورسوله، وقوله: لا يرون وجوب الصلاة والصيام، ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله، وكثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم يخالفون الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرًا، وأنهم يعتقدون أن شيخهم يرزقهم وينصرهم ويهديهم ويغيثهم، ويعبدون شيوخهم ويسجدون لهم، ويفضلون شيوخهم على النبي ﷺ وكل واحدة من
هذه الخصال مكفرة إذا اعتقدوا أن الرزق والنصرة والإغاثة من شيوخهم استقلالا من دون الله من غير تأويل أنها بشفاعتهم، وهذا كله عندهم لفتور آثار الرسالة، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك وأنهم مثابون مغفور لهم على ما معهم من الإيمان. وإن كلمة لا إله إلا الله تنجيهم من النار حتى كررها الصحابي الجليل صاحب رسول الله ﷺ مع عدم إيجابهم الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وأن حال هؤلاء كحال بعض الصحابة وبعض السلف الشاكين في ثبوت بعض الآيات، أو بعض الأحاديث، ولم تبلغهم أو بلغتهم أولوها ومثل الذي أمر أهله بإحراقه وذره في الهواء واعتقد أن الله لا يقدر عليه وعلى بعثه وصرّح ﵀ أن الكفر لا يثبت على معين، إن أطلق عليه الكفر بالكتاب والسنة والإجماع، حتى تبثت شروط التكفير، وتنتفي موانعه. ومن جملة موانعه كما صرّح به غير مرّة: الاجتهاد في مسألة، ولو مخطئًا والتقليد لمجتهد في هذه المسألة أو تأويلًا يعذره الله فيه، أو شبهة أو جهلًا وحسن قصد، وانظر إلى قوله: فإن الإيمان والتكفير من الأمور المتلقاة عن الله ورسوله وليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم وأهوائهم، فانصف يا أخي ولا تتجاسر على من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع ذلك يوجب ما أوجبه الله ورسوله ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويحب الله ورسوله، ويؤمن بكتبه وملائكته ورسله، والله يصلنا وإياك.
والجواب أن يقال:
هذا العراقي يتكثر بما ليس له، ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ولا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجب الله ورسوله أو لا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو كان يدين بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهيديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يسجد له أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقًا أو مقيدًا، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغيثًا عن متابعة
الرسول ﷺ، قال: "فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ومنافقون إن أبطنوا" فجزم بكفرهم وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفًا واحدًا، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما دون مسألة النزاع بكثير.
وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة فلقلة دعاة العلم وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى،،كثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة" إلى آخر كلامه.
فهذا هو الذي تمسك به العراقي، أعني على هذا الكلام الأخير، وظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر وجهل مستبين؛ فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته ومسبته ورده كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأسًا، كحال جمهور عباد القبور ولم يعلم، ولكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية، وإلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد الكواز ونحوه ونقاتلهم حتة نبين لهم وندعوهم فيكف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله؟ وإذا كان هذا كلام شيخنا، وهذه طريقته فكيف يلزمه العراقي وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات ومن لم تبلغهم الدعوة يغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم؟.
والعراقي لبس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه وما لم يقل، وألزمه ما هو بريء منه، ثم أخذ في رد ما افتراه وبهت الشيخ به، وبهذا تعرف أنه مخلط ملبس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طبقات المكلفين - بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشرة ـ: "رؤوس الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول في دين الله رغبة ورهبة، فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: من الآية٨٨]ـ وأطال الكلام في تغليظ كفر هذه الطبقة، ومضاعفة عذابهم ـ، ثم ذكر الطبقة السابعة عشرة، فقال: "الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفار وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبع يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: من الآية٢٢] ولنا أسوة بهم، ومع هذا فإنهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله، وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة. وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتقد في ذلك غير المربي والمنشأ على ما عليه الأبوان، وصح عنه أنه قال: "إنّ الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف، والعاقل لا يخرج عن الإسلام أو الفكر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين وقد تقدم الكلام عليهم.
قلت: وهذا الصنف - أعني من لم تبلغهم الدعوة - الذين استثناهم شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه العراقي، واستثناهم شيخنا الشيخ محمد رحمه
الله تعالى، وصنف شيخ الإسلام رسالة في أن الشرائع لا تلزمه إلا بعد البلاغ وقيام الحجة.
ثم قال ابن القيم ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله، إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعهم وأنهم يتحاجون في النار، وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف: من الآية٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: من الآية٣١ - ٣٣] فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]،وصح عن النّبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئًا". وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما مجرد اتباعهم وتقليدهم، نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق
بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق، فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله. وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان: أحدهما: مريد للهدى مؤثر له، محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول: يقول يا رب، لو أعلم لك دينا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز؛ وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته. ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهبذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة. والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه.
هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على أربعة أصول:
أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الاسراء: من الآية١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وقال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١]، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذبهم لأنه قد جاءهم الرسول وقامت عليه الحجة، وهم المذنبون المفترون بذنوبهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، والظالم: من عرف ماجاء به الرسول، وتمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم لم يكن عنده من الرسول خبر أصلًا، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال: إنه ظالم؟.
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادته بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.
والأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه؛ لكونه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ويتمكن من التفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله ﷾ تابعة لحكمته التي لا يخل
بها وأنها مصقودة لذاتها المحمودة وعواقبها الحميدة.
وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه ينبني، مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد.
وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التي ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: من الآية٢٣] لكمال حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد، ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هوم خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور، ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغني الحميد العليم الحكيم" انتهى.
فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع، فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدّة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين ﵏.
وأما العراقي وإخوانه المبطلون، فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول: هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفعون به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين، وإلى الله المصير، وهو الحاكم بعلمه وعدله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
وأما من أعرض عن الهدى ودين الحق، ولم يرفع به رأسًا بعد معرفته أو مع تمكنه من معرفته، فالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية دالة على دخول هؤلاء
في الوعيد. قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] الآية.
وقول المعترض: إن الشيخ قال: لا يثبت الكفر على معين، فهذا تحريف ظاهر، وإنما قال الشيخ: لايحكم على معين. والفرق ظاهر، والشيخ شيخ الإسلام يقول - فيما ذكر في الجواب ـ: "إنه كفر قولا مطلقًا" وإنما توقف الحكم على المعين؛ لاحتمال عدم قيام الحكم، والعراقي يرى أن دعاء المشائخ والاستغاثة بهم وعبادتهم قربة مستحبة، فكيف يحتج بكلام الشيخ، وهو صريح في الحكم بأن هذه الأمور من المكفرات؟ فسبحان من طبع على قلبه وأعمى عين بصيرته.
قال العراقي: "النقل الثامن عشر: قال في كتاب الانتصار للإمام أحمد: ثم قد يوجد لأهل المعرفة من أولياء الله من خفيت عليه بعض السنة الاعتقادية أو غيرها، ويوجد منهم من قد أخطأ في بعض ذلك، كما يخطئ العلماء في بعض اجتهادهم فإن منها ما يكون دقيقًا ولم يبلغه فيها أثر، ومنها ما سبقه إليه قوم فتبعهم إما اجتهادًا أو تقليدًا يعذر فيه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وليس كل من أنكر شيئًا لم يبلغه يصير فاسقًا، بل قد يكون مجتهدًا مخطئًا، فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، فقد أنكرت عائشة وطائفة معها رؤية محمد ربه، وأثبت ذلك ابن عباس وجمهور أهل السنة، ولم يقل أحدهما في صاحبه إلا خيرًا، وكذلك أنكرت عائشة سماع أهل القليب الموتى نداء النبي ﷺ لهم يوم بدر، وثبتت النصوص أن الموتى يسمعون خفق النعال، وأنهم يسمعون كلام الأحياء، وأن عائشة لم تثبت عندها النصوص بذلك، وتأولت ظاهر قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: من الآية٨٠] ولو أنكر اليوم من بلغته السنة الصحيحة لم يكن معذورًا كعذر عائشة.
والجواب أن يقال:
قد تقدم في جواب النقل السابع عشر: أن الشيخ لا يكفر إلا من قامت
عليه الحجة، وبلغته النصوص، ويقرر لأصحابه أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلاغ ولو توقف أحد في بلوغ الرسالة وقيام الحجة على بعض الناس في بعض المسائل، كمسألة توحيد الله ووجوب عبادته وحده لا شريك له التي هي مدلول "لا إله إلا الله" وهي من ضروريات الإسلام التي لا تخفى على الآحاد، ثم أمثال هذا العراقي ممن بلغته الآيات والأحاديث. فألحد وحرف وبدل، لا يشك في قيام الحجة عليه، وبلوغ الرسالة في هذه المسائل المخصوصة، وهو ممن بدل نعمة الله من بعد ما جاءته كفرًا، ولا شك في كفره وكفر أمثاله، وإن لم تقم الحجة عليه لم تقم على أحد من عباد القبور.
فكلام الشيخ الذي نقل في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن من بلغته الحجة في أصول الدين وأصر وعاند يكفر بالإجماع، وإنما يتوقف فيمن لم تقم عليه الحجة ولم يبلغه الدليل.
فظهر أن كلام الشيخ نص في تكفير هؤلاء المعاندين المحرفين للنصوص الصادين عن سبيل الله.
ثم أين مسألة الرؤية، ومسألة سماع الموتى من مسألة النزاع؟ وقد تقدم لك أن الرجل يتكثر بما ليس له، كالأقرع يفتخر بجمّة ابن عمّه.
قال العراقي: "النقل التاسع عشر: قال الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه الكبائر، وفي كتاب السنة والبدعة له في بيان بدعة الرفض من هذين الكتابين: "قال الشيخ الحافظ السلفي - نزيل الإسكندرية - بسنده إلى يحيى بن عطاف المعدل ـ: إنه حكى عن شيخ من دمشق - ثم ساق حكاية منامية من جنس ما يتكثر به من الأوهام التي يتعلق بها أمثاله من الخرافيين".
والجواب أن يقال:
ليس في الحكاية جواز الاستغاثة برسول الله ﷺ، وفاعل ذلك لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين. وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله لأوليائه، وإثابة من نصرهم ووالاهم. لا لأجل الاستغاثة. وأنها تجوز بغير الله وأن ذلك
صواب، والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، وابن القيم قرر في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم، وأنه من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه بالكفر بالطاغوت وإخلاص الدين والعبادة لله وحده، وقرر ذلك في كتاب الإغاثة، وشرح المنازل، والدواء الشافي، وكتاب الهدي، وغير ذلك من مصنفاته، وسياق الحكاية صريح في أنها كرامة لأبي بكر وعمر، وإن الله هو الفاعل للكرامة، ودخول في دين عباد الكواكب والأصنام. وإنما ساق كلامهما دليلًا لو قالا إن الرسول قد فعل ذلك وأنه يستغاث به بعد موته، على أنه لا يسلم لهما، وإن قالاه، وقد حماهما الله عن ذلك وصان قدرهما عنه.
وقد مرّ في جواب الوجه السابع وما بعده من النقول عن اقتضاء الصراط المستقيم: أن الكائنات لا يحاط بأسبابها، وأنها ليست من الأدلة على الأمر والنهي والوجوب والاستحباب، والجواز والإباحة، وقد يكون السبب رحمة الله ونصره لأوليائه، وحاجة المضطر وفاقته. فالمضطر قد يستجاب له ولو دعا الله في الحانات والأسواق. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: من الآية٦٢]، فالجزم بأن الرسول هو الذي أجابه، والقول بذلك قول بلا علم، وتحكم بلا دليل ولا فهم، والعراقي ليس له عناية ولا معرفة بصناعة العلم والاستدلال، فهو كحاطب ليل أو حاطم سيل، ما وجده أخذه، وما اشتهاه قاله، من غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعول عليه، والله المستعان.
وقد مرّ أنه قد يستجاب لعباد الأصنام ونحوهم، وأن ذلك ليس بدليل، وإن طرده كفر متناه - كل هذا تقدم مستوفى، ويأتيك تمام الجواب بعد الحكاية التي تلي هذا.
قال العراقي: "الوجه العشرون: وقال ابن القيم: قال الشيخ كمال الدين بن العديم في تاريخ حلب: قال أخبرني أبو العباس أحمد بن عبد الواحد عن
شيخ من الصالحين يعرف بعمر بن الرعيني - وساق حكاية مثل السابقة وقعت لرافضي خبيث انتقم الله منه لتنقصه أبا بكر الصديق ﵁.
والجواب أن يقال:
هذه الحكاية من جنس ما قبلها، لا تدل على ما زعمه العراقي من الاستغاثة بالنبي ﷺ أو غيره، وليس في فعل هذا الرجل المستغيث ما يستأنس به ويستريح إليه المبطلون. ونقل ابن القيم لها وإيراده لمثل هذا يقصد به بيان فضل الصديق، وشناعة الرفض وقبحه، وأن الله أكرم صاحب نبيه وصديق الأمة بتعجيل العقوبة لأعدائه الرافضة، ومسخهم قردة وخنازير، أو أن من والى صديق الأمة وسلك ما عليه أهل السنة والجماعة من موالاة جميع الصحابة، فإن الله ينصره ويؤيده ويستجيب دعاءه. وقد تقدم قول الشيخ في المستغيثين بالنبي ﷺ ومنعه من ذلك ونهيه عنه. والاستغاثة بالأنبياء والصالحين بعد مماتهم وفي مغيبهم مسألة معروفة مشهورة تكلم فيها أهل العلم، ومنعوا منها أشد المنع، وذكروا أنها من شعب الشرك وأنها أصله الذي نشأ منه وتفرع عليه سائر الشركيات، وصنف الشيخ ﵀ مجلدًا في منع الاستغاثة بالنبي ﷺ والتحذير منها، ومن الاستغاثة بغيره من الأنبياء والصالحين وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا.
قال ﵀: "ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم الميت فيقول: اغفر لي وارحمني. ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبرا الكعبة ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدًا، وهو شيخ متبوع ولعله أمثل أصحاب شيخه، وهو يقوله عن شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الاجتهاد في العبادة والزهد، كان يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد
وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنّفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا، فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والتصوف صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وذكر من مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه، وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده من العلماء والقضاة اشتهر عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبُدّة الذي في الهند الذي للمشركين لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق.
وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على يديك، فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود والنصارى ليسوا كفارًا؟ قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق.
وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم، والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم ظاهر صلاح، ولكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم ظاهر فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس.
وهؤلاء مستندهم مع العادة، قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومعهم الأدلة الباطلة: إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء أو الكواكب أو الأوثان؛ فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام".
ثم قال - حاكيًا عن ابن البكريّ الذي صنف في جواز الاستغاثة
بالنبي ﷺ ورد عليه - وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم، فما وافقوه، وطلب أن يخالفوا الجواب الذي كتبته - أي شيخ الإسلام - فما خالفوه. مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى.
فتأمل هذا الكلام فإنه يستبين لك به ضلال العراقي، وأنه لم يفهم المراد من الحكاية، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية، ومنها أن بعضهم أفضى به ذلك إلى أن يصلي للميت، ويقول: اغفر لي وارحمني، وهذا جائز عند العراقي وإخوانه من عبّاد القبور، سائغ لا ينكر، ومنها أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل التماثيل، وهذا واقع منهم أيضًا، وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة، ومنها أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، ومنها أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند العراقي وشيعته من الفضائل التي لا تنكر، ومنها: إنكار الشيخ على من صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حجّ مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند العراقي وشيعته أفضل من الحاج إلى بيت الله، ومنها أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبدّة الذي بالهند، وبعضهم لا يرى ذلك للبدّة الذي بالهند ويراه لمن يعتقده وما يؤلهه من المشايخ، ومنها أن بعضهم يعرّف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وأن هذا وقع بالمغرب والمشرق، ومنها أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ كالصرصري وابن النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد، ويدعونهم، ومنها أن من له ظاهر فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة بغير الله،
وأن مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومن المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مرّ من عبارات شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم، أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذمًا، ومنها قوله: أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة أو الأنبياء أو الكواكب أو الأوثان، وأنه لو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام.
قف هنا وتأمل كلام الشيخ تعرف أن العراقي ما زال في جاهليته وعوائده الشركية، لم يخرج منها إلى الملة الحنفية والسنة النبوية.
ومنها قول الشيخ - وهوثقة فيما يحكيه - بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من صنف في جواز الاستغاثة بالنبي فيما لا يقدر عليه إلا الله وأبوا أن يخالفوا ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده الصالحون.
قال العراقي: "النقل السابع عشر: "قال في الفتاوى أيضًا، وفي جوابه له: "وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، لويسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة. وقد يكون فيهم من هو مسلم، ولكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق.
ـ إلى أن قال - ويجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور.
وليس ذلك مختصًا بهم، بل كل من كان من المتفقهة، والمتعبدة، والمتفلسفة، ومن وافقهم من أهل الديوان والملوك، والأغنياء، والكتاب، والأطباء، والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجب الله ورسوله، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا؛ مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، وكان يرى نفسه هو أو شيخه مستغنيا عن متابعة الرسول ﷺ، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، ومنافقون إن لم أبطنوا.
وهؤلاء الأجناس، وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث
النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، كما في الحديث المعروف: " يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار".
وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر قولا مطلقًا، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والتكفير من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكى في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفى موانعه، مثل من قال: شرب الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، والنشأة ببلاد بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولا يعتقد أنه من القرآن ولا من أحاديث الرسول ﷺ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حيث لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، وكان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك، ومثل الذي قال لأهله: " إذا أنا مِتُّ فاسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فلعلي أضل الله" ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. وقد أشبعنا الكلام عليها في أماكنها، والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم ". انتهى.
قال العراقي - بعد نقله لهذا ـ: "فتأمل كلام شيخ الإسلام في هذه الطائفة القلندرية وأشباههم، مع قوله: "إن أكثرهم لا يؤمن بالله ورسوله، وقوله: لا يرون وجوب الصلاة والصيام، ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله، وكثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم يخالفون الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرًا، وأنهم يعتقدون أن شيخهم يرزقهم وينصرهم ويهديهم ويغيثهم، ويعبدون شيوخهم ويسجدون لهم، ويفضلون شيوخهم على النبي ﷺ وكل واحدة من
هذه الخصال مكفرة إذا اعتقدوا أن الرزق والنصرة والإغاثة من شيوخهم استقلالا من دون الله من غير تأويل أنها بشفاعتهم، وهذا كله عندهم لفتور آثار الرسالة، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك وأنهم مثابون مغفور لهم على ما معهم من الإيمان. وإن كلمة لا إله إلا الله تنجيهم من النار حتى كررها الصحابي الجليل صاحب رسول الله ﷺ مع عدم إيجابهم الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وأن حال هؤلاء كحال بعض الصحابة وبعض السلف الشاكين في ثبوت بعض الآيات، أو بعض الأحاديث، ولم تبلغهم أو بلغتهم أولوها ومثل الذي أمر أهله بإحراقه وذره في الهواء واعتقد أن الله لا يقدر عليه وعلى بعثه وصرّح ﵀ أن الكفر لا يثبت على معين، إن أطلق عليه الكفر بالكتاب والسنة والإجماع، حتى تبثت شروط التكفير، وتنتفي موانعه. ومن جملة موانعه كما صرّح به غير مرّة: الاجتهاد في مسألة، ولو مخطئًا والتقليد لمجتهد في هذه المسألة أو تأويلًا يعذره الله فيه، أو شبهة أو جهلًا وحسن قصد، وانظر إلى قوله: فإن الإيمان والتكفير من الأمور المتلقاة عن الله ورسوله وليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم وأهوائهم، فانصف يا أخي ولا تتجاسر على من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع ذلك يوجب ما أوجبه الله ورسوله ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويحب الله ورسوله، ويؤمن بكتبه وملائكته ورسله، والله يصلنا وإياك.
والجواب أن يقال:
هذا العراقي يتكثر بما ليس له، ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ولا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجب الله ورسوله أو لا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو كان يدين بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهيديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يسجد له أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقًا أو مقيدًا، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغيثًا عن متابعة
الرسول ﷺ، قال: "فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ومنافقون إن أبطنوا" فجزم بكفرهم وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفًا واحدًا، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما دون مسألة النزاع بكثير.
وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة فلقلة دعاة العلم وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى،،كثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة" إلى آخر كلامه.
فهذا هو الذي تمسك به العراقي، أعني على هذا الكلام الأخير، وظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر وجهل مستبين؛ فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته ومسبته ورده كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأسًا، كحال جمهور عباد القبور ولم يعلم، ولكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية، وإلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد الكواز ونحوه ونقاتلهم حتة نبين لهم وندعوهم فيكف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله؟ وإذا كان هذا كلام شيخنا، وهذه طريقته فكيف يلزمه العراقي وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات ومن لم تبلغهم الدعوة يغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم؟.
والعراقي لبس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه وما لم يقل، وألزمه ما هو بريء منه، ثم أخذ في رد ما افتراه وبهت الشيخ به، وبهذا تعرف أنه مخلط ملبس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طبقات المكلفين - بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشرة ـ: "رؤوس الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول في دين الله رغبة ورهبة، فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: من الآية٨٨]ـ وأطال الكلام في تغليظ كفر هذه الطبقة، ومضاعفة عذابهم ـ، ثم ذكر الطبقة السابعة عشرة، فقال: "الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفار وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبع يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: من الآية٢٢] ولنا أسوة بهم، ومع هذا فإنهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله، وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة. وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتقد في ذلك غير المربي والمنشأ على ما عليه الأبوان، وصح عنه أنه قال: "إنّ الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف، والعاقل لا يخرج عن الإسلام أو الفكر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين وقد تقدم الكلام عليهم.
قلت: وهذا الصنف - أعني من لم تبلغهم الدعوة - الذين استثناهم شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه العراقي، واستثناهم شيخنا الشيخ محمد رحمه
الله تعالى، وصنف شيخ الإسلام رسالة في أن الشرائع لا تلزمه إلا بعد البلاغ وقيام الحجة.
ثم قال ابن القيم ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله، إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعهم وأنهم يتحاجون في النار، وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف: من الآية٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: من الآية٣١ - ٣٣] فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]،وصح عن النّبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئًا". وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما مجرد اتباعهم وتقليدهم، نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق
بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق، فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله. وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان: أحدهما: مريد للهدى مؤثر له، محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول: يقول يا رب، لو أعلم لك دينا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز؛ وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته. ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهبذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة. والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه.
هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على أربعة أصول:
أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الاسراء: من الآية١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وقال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١]، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذبهم لأنه قد جاءهم الرسول وقامت عليه الحجة، وهم المذنبون المفترون بذنوبهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، والظالم: من عرف ماجاء به الرسول، وتمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم لم يكن عنده من الرسول خبر أصلًا، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال: إنه ظالم؟.
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادته بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.
والأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه؛ لكونه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ويتمكن من التفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله ﷾ تابعة لحكمته التي لا يخل
بها وأنها مصقودة لذاتها المحمودة وعواقبها الحميدة.
وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه ينبني، مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد.
وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التي ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: من الآية٢٣] لكمال حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد، ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هوم خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور، ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغني الحميد العليم الحكيم" انتهى.
فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع، فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدّة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين ﵏.
وأما العراقي وإخوانه المبطلون، فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول: هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفعون به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين، وإلى الله المصير، وهو الحاكم بعلمه وعدله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
وأما من أعرض عن الهدى ودين الحق، ولم يرفع به رأسًا بعد معرفته أو مع تمكنه من معرفته، فالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية دالة على دخول هؤلاء
في الوعيد. قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] الآية.
وقول المعترض: إن الشيخ قال: لا يثبت الكفر على معين، فهذا تحريف ظاهر، وإنما قال الشيخ: لايحكم على معين. والفرق ظاهر، والشيخ شيخ الإسلام يقول - فيما ذكر في الجواب ـ: "إنه كفر قولا مطلقًا" وإنما توقف الحكم على المعين؛ لاحتمال عدم قيام الحكم، والعراقي يرى أن دعاء المشائخ والاستغاثة بهم وعبادتهم قربة مستحبة، فكيف يحتج بكلام الشيخ، وهو صريح في الحكم بأن هذه الأمور من المكفرات؟ فسبحان من طبع على قلبه وأعمى عين بصيرته.
قال العراقي: "النقل الثامن عشر: قال في كتاب الانتصار للإمام أحمد: ثم قد يوجد لأهل المعرفة من أولياء الله من خفيت عليه بعض السنة الاعتقادية أو غيرها، ويوجد منهم من قد أخطأ في بعض ذلك، كما يخطئ العلماء في بعض اجتهادهم فإن منها ما يكون دقيقًا ولم يبلغه فيها أثر، ومنها ما سبقه إليه قوم فتبعهم إما اجتهادًا أو تقليدًا يعذر فيه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وليس كل من أنكر شيئًا لم يبلغه يصير فاسقًا، بل قد يكون مجتهدًا مخطئًا، فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، فقد أنكرت عائشة وطائفة معها رؤية محمد ربه، وأثبت ذلك ابن عباس وجمهور أهل السنة، ولم يقل أحدهما في صاحبه إلا خيرًا، وكذلك أنكرت عائشة سماع أهل القليب الموتى نداء النبي ﷺ لهم يوم بدر، وثبتت النصوص أن الموتى يسمعون خفق النعال، وأنهم يسمعون كلام الأحياء، وأن عائشة لم تثبت عندها النصوص بذلك، وتأولت ظاهر قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: من الآية٨٠] ولو أنكر اليوم من بلغته السنة الصحيحة لم يكن معذورًا كعذر عائشة.
والجواب أن يقال:
قد تقدم في جواب النقل السابع عشر: أن الشيخ لا يكفر إلا من قامت
عليه الحجة، وبلغته النصوص، ويقرر لأصحابه أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلاغ ولو توقف أحد في بلوغ الرسالة وقيام الحجة على بعض الناس في بعض المسائل، كمسألة توحيد الله ووجوب عبادته وحده لا شريك له التي هي مدلول "لا إله إلا الله" وهي من ضروريات الإسلام التي لا تخفى على الآحاد، ثم أمثال هذا العراقي ممن بلغته الآيات والأحاديث. فألحد وحرف وبدل، لا يشك في قيام الحجة عليه، وبلوغ الرسالة في هذه المسائل المخصوصة، وهو ممن بدل نعمة الله من بعد ما جاءته كفرًا، ولا شك في كفره وكفر أمثاله، وإن لم تقم الحجة عليه لم تقم على أحد من عباد القبور.
فكلام الشيخ الذي نقل في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن من بلغته الحجة في أصول الدين وأصر وعاند يكفر بالإجماع، وإنما يتوقف فيمن لم تقم عليه الحجة ولم يبلغه الدليل.
فظهر أن كلام الشيخ نص في تكفير هؤلاء المعاندين المحرفين للنصوص الصادين عن سبيل الله.
ثم أين مسألة الرؤية، ومسألة سماع الموتى من مسألة النزاع؟ وقد تقدم لك أن الرجل يتكثر بما ليس له، كالأقرع يفتخر بجمّة ابن عمّه.
قال العراقي: "النقل التاسع عشر: قال الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه الكبائر، وفي كتاب السنة والبدعة له في بيان بدعة الرفض من هذين الكتابين: "قال الشيخ الحافظ السلفي - نزيل الإسكندرية - بسنده إلى يحيى بن عطاف المعدل ـ: إنه حكى عن شيخ من دمشق - ثم ساق حكاية منامية من جنس ما يتكثر به من الأوهام التي يتعلق بها أمثاله من الخرافيين".
والجواب أن يقال:
ليس في الحكاية جواز الاستغاثة برسول الله ﷺ، وفاعل ذلك لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين. وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله لأوليائه، وإثابة من نصرهم ووالاهم. لا لأجل الاستغاثة. وأنها تجوز بغير الله وأن ذلك
صواب، والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، وابن القيم قرر في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم، وأنه من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه بالكفر بالطاغوت وإخلاص الدين والعبادة لله وحده، وقرر ذلك في كتاب الإغاثة، وشرح المنازل، والدواء الشافي، وكتاب الهدي، وغير ذلك من مصنفاته، وسياق الحكاية صريح في أنها كرامة لأبي بكر وعمر، وإن الله هو الفاعل للكرامة، ودخول في دين عباد الكواكب والأصنام. وإنما ساق كلامهما دليلًا لو قالا إن الرسول قد فعل ذلك وأنه يستغاث به بعد موته، على أنه لا يسلم لهما، وإن قالاه، وقد حماهما الله عن ذلك وصان قدرهما عنه.
وقد مرّ في جواب الوجه السابع وما بعده من النقول عن اقتضاء الصراط المستقيم: أن الكائنات لا يحاط بأسبابها، وأنها ليست من الأدلة على الأمر والنهي والوجوب والاستحباب، والجواز والإباحة، وقد يكون السبب رحمة الله ونصره لأوليائه، وحاجة المضطر وفاقته. فالمضطر قد يستجاب له ولو دعا الله في الحانات والأسواق. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: من الآية٦٢]، فالجزم بأن الرسول هو الذي أجابه، والقول بذلك قول بلا علم، وتحكم بلا دليل ولا فهم، والعراقي ليس له عناية ولا معرفة بصناعة العلم والاستدلال، فهو كحاطب ليل أو حاطم سيل، ما وجده أخذه، وما اشتهاه قاله، من غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعول عليه، والله المستعان.
وقد مرّ أنه قد يستجاب لعباد الأصنام ونحوهم، وأن ذلك ليس بدليل، وإن طرده كفر متناه - كل هذا تقدم مستوفى، ويأتيك تمام الجواب بعد الحكاية التي تلي هذا.
قال العراقي: "الوجه العشرون: وقال ابن القيم: قال الشيخ كمال الدين بن العديم في تاريخ حلب: قال أخبرني أبو العباس أحمد بن عبد الواحد عن
شيخ من الصالحين يعرف بعمر بن الرعيني - وساق حكاية مثل السابقة وقعت لرافضي خبيث انتقم الله منه لتنقصه أبا بكر الصديق ﵁.
والجواب أن يقال:
هذه الحكاية من جنس ما قبلها، لا تدل على ما زعمه العراقي من الاستغاثة بالنبي ﷺ أو غيره، وليس في فعل هذا الرجل المستغيث ما يستأنس به ويستريح إليه المبطلون. ونقل ابن القيم لها وإيراده لمثل هذا يقصد به بيان فضل الصديق، وشناعة الرفض وقبحه، وأن الله أكرم صاحب نبيه وصديق الأمة بتعجيل العقوبة لأعدائه الرافضة، ومسخهم قردة وخنازير، أو أن من والى صديق الأمة وسلك ما عليه أهل السنة والجماعة من موالاة جميع الصحابة، فإن الله ينصره ويؤيده ويستجيب دعاءه. وقد تقدم قول الشيخ في المستغيثين بالنبي ﷺ ومنعه من ذلك ونهيه عنه. والاستغاثة بالأنبياء والصالحين بعد مماتهم وفي مغيبهم مسألة معروفة مشهورة تكلم فيها أهل العلم، ومنعوا منها أشد المنع، وذكروا أنها من شعب الشرك وأنها أصله الذي نشأ منه وتفرع عليه سائر الشركيات، وصنف الشيخ ﵀ مجلدًا في منع الاستغاثة بالنبي ﷺ والتحذير منها، ومن الاستغاثة بغيره من الأنبياء والصالحين وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا.
قال ﵀: "ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم الميت فيقول: اغفر لي وارحمني. ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبرا الكعبة ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدًا، وهو شيخ متبوع ولعله أمثل أصحاب شيخه، وهو يقوله عن شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الاجتهاد في العبادة والزهد، كان يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد
وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنّفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا، فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والتصوف صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وذكر من مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه، وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده من العلماء والقضاة اشتهر عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبُدّة الذي في الهند الذي للمشركين لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق.
وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على يديك، فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود والنصارى ليسوا كفارًا؟ قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق.
وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم، والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم ظاهر صلاح، ولكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم ظاهر فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس.
وهؤلاء مستندهم مع العادة، قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومعهم الأدلة الباطلة: إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء أو الكواكب أو الأوثان؛ فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام".
ثم قال - حاكيًا عن ابن البكريّ الذي صنف في جواز الاستغاثة
بالنبي ﷺ ورد عليه - وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم، فما وافقوه، وطلب أن يخالفوا الجواب الذي كتبته - أي شيخ الإسلام - فما خالفوه. مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى.
فتأمل هذا الكلام فإنه يستبين لك به ضلال العراقي، وأنه لم يفهم المراد من الحكاية، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية، ومنها أن بعضهم أفضى به ذلك إلى أن يصلي للميت، ويقول: اغفر لي وارحمني، وهذا جائز عند العراقي وإخوانه من عبّاد القبور، سائغ لا ينكر، ومنها أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل التماثيل، وهذا واقع منهم أيضًا، وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة، ومنها أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، ومنها أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند العراقي وشيعته من الفضائل التي لا تنكر، ومنها: إنكار الشيخ على من صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حجّ مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند العراقي وشيعته أفضل من الحاج إلى بيت الله، ومنها أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبدّة الذي بالهند، وبعضهم لا يرى ذلك للبدّة الذي بالهند ويراه لمن يعتقده وما يؤلهه من المشايخ، ومنها أن بعضهم يعرّف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وأن هذا وقع بالمغرب والمشرق، ومنها أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ كالصرصري وابن النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد، ويدعونهم، ومنها أن من له ظاهر فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة بغير الله،
وأن مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومن المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مرّ من عبارات شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم، أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذمًا، ومنها قوله: أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة أو الأنبياء أو الكواكب أو الأوثان، وأنه لو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام.
قف هنا وتأمل كلام الشيخ تعرف أن العراقي ما زال في جاهليته وعوائده الشركية، لم يخرج منها إلى الملة الحنفية والسنة النبوية.
ومنها قول الشيخ - وهوثقة فيما يحكيه - بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من صنف في جواز الاستغاثة بالنبي فيما لا يقدر عليه إلا الله وأبوا أن يخالفوا ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده الصالحون.
Translation
فصل
#30
Chapter 30 — فصل
· ref. #30
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "وأما النذر فللشيخين فيه عبارات النقل الحادي والعشرين، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: ومن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب في الشريعة قصدها فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو جبلًا أو مغارة، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنويرها، ويقول: إنها تقبل النذر. فهذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، بل عليه كفارة عند أكثر أهل العلم؛ منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية كقول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه" انتهى.
فانظر إلى كلامه في من نذر لبقعة أو جبل أو مغارة كيف قال: يلزمه كفارة يمين عند أحمد ويستغفر الله، ولا شيء عليه عند أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، ولم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة، مع أنه لشجرة أو بقعة من أرض، فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين، وقصده لوجه الله، وثوابه لذلك المنذور له، فإنه لا يضر بهذه الصورة بالاتفاق، كما سيأتي في كلام الشيخين. فإنهما قالا: إنه يصرف إلى الفقراء، وكذلك في مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
قال الشيخ مرعي في الغاية، وصاحب الإقناع فيه، ومنصور البهوتي في شرحه وحاشيته، والثعلبي في شرح الدليل وغيرهم من سائر غالب كتب الحنابلة قالوا: قال الشيخ تقي الدين: النذر للقبور أو لأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل أو الشيخ فلان: نذر معصية لا يجوز الوفاء
به، وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصاحين، كان خيرًا له عند الله وأنفع" انتهى.
فلو كان الناذر كافرًا عنده لم يأمره بالصدقة فإن الصدقة لا تقبل من الكافر، بل كان يأمره بتجديد إسلامه.
النقل الثاني والعشرون: قال ابن القيم في كتاب السنة والبدعة ما نصه:
قال العراقي: "وأما النذر فللشيخين فيه عبارات النقل الحادي والعشرين، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: ومن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب في الشريعة قصدها فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو جبلًا أو مغارة، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنويرها، ويقول: إنها تقبل النذر. فهذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، بل عليه كفارة عند أكثر أهل العلم؛ منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية كقول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه" انتهى.
فانظر إلى كلامه في من نذر لبقعة أو جبل أو مغارة كيف قال: يلزمه كفارة يمين عند أحمد ويستغفر الله، ولا شيء عليه عند أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، ولم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة، مع أنه لشجرة أو بقعة من أرض، فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين، وقصده لوجه الله، وثوابه لذلك المنذور له، فإنه لا يضر بهذه الصورة بالاتفاق، كما سيأتي في كلام الشيخين. فإنهما قالا: إنه يصرف إلى الفقراء، وكذلك في مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
قال الشيخ مرعي في الغاية، وصاحب الإقناع فيه، ومنصور البهوتي في شرحه وحاشيته، والثعلبي في شرح الدليل وغيرهم من سائر غالب كتب الحنابلة قالوا: قال الشيخ تقي الدين: النذر للقبور أو لأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل أو الشيخ فلان: نذر معصية لا يجوز الوفاء
به، وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصاحين، كان خيرًا له عند الله وأنفع" انتهى.
فلو كان الناذر كافرًا عنده لم يأمره بالصدقة فإن الصدقة لا تقبل من الكافر، بل كان يأمره بتجديد إسلامه.
النقل الثاني والعشرون: قال ابن القيم في كتاب السنة والبدعة ما نصه:
Translation
فصل
#31
Chapter 31 — فصل
· ref. #31
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
ومن البدع ما زينه الشيطان لكثير من الجهلة من الرجال والنساء من تعظيم مكان لم يأذن الشارع بتعظيمه من زاوية أو طاقة أو حجر أو قبة أو شجرة أو عامود أو حرز حمام، وينذرون لذلك النذور، ويوقدون عنده الضوء ويخلقونه بالزعفران ويطيبونه بماء الورد وغيره، ويطلبون عنده الشفاء لهم ولأولادهم. وكل ذلك بدعة وإشراك بالله ﷿، وكذلك النذر لقبور المشايخ والصالحين وطلب الشفاء من قبلهم نذر معصية وإشراك بالله تعالى. والنبي ﷺ قد نهى عن النذر لله، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال البخيل".
والنذر للقبور أي قبر كان نذر معصية، لا يحل الوفاء به، بل صرفه إلى الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى أفضل عند الله، وأنجح لقضاء الحاجة.
ولوكان هذا شركًا مخرجًا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، ولم يكن أفضل، بل لا فضيلة، لأعمال الخارج عن ملة الإسلام.
والجواب أن يقال:
ليس في كلام الشيخ، ولا كلام ابن القيم ما يدل على أن النذر الواقع من عباد القبور لمن يدعونه ويقصدونه لحوائجهم وإغاثتهم في الشدائد أنه ليس بشرك، بل كلام الشيخ ابن القيم صريح في أنه نذر معصية وإشراك بالله تعالى، فكيف يسوقه وقد عده ابن القيم من أنواع الشرك الأكبر، وقرنه بالتوكل على غير الله، والعمل لغيره، والإنابة والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند
غيره؟ وقد تقدم ذلك، فراجع كلامه في موضعه تعرف كذب العراقي على الله، وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه. فرحم الله امرءًا نظر لنفسه قبل أن نزل به قدم، ويحال بينه وبين العمل، وتعظم الحسرة منه والندم وكذلك الشيخ صرح بأنه معصية، والمعصية تصدق بالشرك وغيره من الكبائر إذا أطلقت.
واستدلال المعترض بأنه لم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة - فإطلاق المعصية كان هو المقصود، وأيضًا فالكفر إنما يطلق بعد قيام الحجة، وبلوغ الدليل، وقد تقدم أن الشيخ محمدًا ﵀ لا يكفر إلا بعد قيام الحجة.
وقول العراقي: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء وقصده لوجه الله؟.
ففي هذه العبارة شيئان:
الأول: استبعاده تكفير من نذر للأنبياء، وجعله ذلك دون النذر للشجرة والبقعة مع أن الفتنة بقبور المعظمين أشد محنة من الشجر والبقاع. وقد قال النبي ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فالشرك بالأنبياء والصالحين أخوف وأعظم فتنة، كما هو معروف.
والثاني: إضافته النذر لأحد الأنبياء، وقوله بعده: وقصده لوجه الله، فإذا كان النذر نفسه للأنبياء والصالحين بطل قوله: وقصده لوجه الله. وإنما يكون ذلك نذرًا لله وحده، وجعل الثواب لمن شاء من عباده، ومسألة إهداء ثواب القرب إلى الأنبياء لا يخفى ما فيها من القول بالمنع، على من له أدنى ممارسة للعلم.
والقصد هنا بيان تناقض العراقي، وأن كلامه يدفع بعضه بعضًا.
وقوله: فإن ذلك لا يضر بالاتفاق - كذب ظاهر، فإن قول الشيخين: إنه يصرف إلى الفقراء: دليل على أنه يضر إذا صدر منه لغير الله، وأنه مأمور بالتوبة، وصرف ذلك إلى الجهة المشروعة، وقد صرف النبي ﷺ مال اللات
في الجهاد والمصارف الشرعية التي يستعان بها على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستدلال بصرفها في ذلك المصرف الشرعي على أنها شرك وضلال أوجبه الاستدلال بذلك على أن النذر للأصنام ونحوها ليس بشرك.
وأما ما ذكره عن بعض الحنابلة إنهم نقلوا عبارة الشيخ في أن النذر للقبور ولأهلها نذر معصية، فأي دليل في هذا، والمعصية إذا أطلقت دخل فيها الشرك كما تقدم؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: من الآية١٤] وقال عن فرعون: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات:٢١] .
وأما قوله: فلو كان الناذر كافرًا عنده لم يأمره بالصدقة، فإن الصدقة لا تقبل من الكافر.
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه إذا أقلع عن الذنب وصرف المال في مصرفه الشرعي، فهذا رجوع منه عما كان عليه وتوبة منه.
الثاني: أنه لا يقال بالكفر مطلقًا لكل ناذر لغير الله حتى تقوم الحجة الرسالية عليه.
وأما ما نقله عن ابن القيم، فقد صرّح فيه بأنه نذر ومعصية وإشراك، وشبهة هذا العراقي: أنه لو كان شركًا مخرجًا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، فالعراقي لم يفرق بين النذر والمنذور، فكون النذر شركًا لا يمنع الانتفاع بالمنذور في الجهة الشرعية، كما تقدم من فعله ﷺ بمال اللات.
الوجه الثالث: أن الذي يصرفه في المصارف الشرعية هم ولاة الأمر وأهل العم، وليس المقصود: أن يصرفه الناذر نفسه، فإن هذا لا يعتبر، بل يرد إلى المشروع قسرًا، ويعامل بنقيض قصده، وكلام الشيخ وأمثاله من أهل العلم ليس حجة مستقلة بل الحجة فيما يساق من الأدلة، وقد تقدم أن القصد هنا بيان جهله بكلام الشيخ، والكشف عن تحريف هذا العراقي لما نقله عن الشيخين،
وإلاّ فالمرجع إلى أدلة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: من الآية٢٧٠]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الانسان:٧]، فوصف خواص عباده بالوفاء بالنذر وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة والجزاء. فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها، أي الوفاء به، وما كان كذلك فيجب إخلاصه لله لأن صرف العبادة لغير الله شرك، وفي حديث علي: "لعن الله من ذبح لغير الله"، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا في صدر النصوص وردوها بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول، وفي آخر العبارة التي نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن هو أكبر من نفسية من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة، وفي سلمان وغيره بالعراق.
قلت: وفيها بيان تدليس العراقي وإنه أسقطها ليروج قوله: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين - إلى أن قال الشيخ: فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر، وتفتح أبواب الرزق، أو تحفظ مصر، فإن من يعتقد هذا كافر مشرك يجب قتله، وكذلك من اعتقد في غيرها كائنًا من كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الاسراء:٥٦] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إله آخر، والإله من يأله القلب عبادة واستعانة، وإجلالًا وإكرامًا وخوفًا ورجاءً، كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك منهم أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكًا هو لك تملكه وما مالك"، وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعيّ: "يا حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، فأسلم
حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، والله أعلم" انتهى.
قلت: فانظر إلى تصريح الشيخ أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى الله، يعني واسطة في الحوائج، أو أنه يكشف الضر أو يفتح باب الزرق أو يحفظ المصر أنه كافر مشرك، يجب قتله. وهذا بعينه هو معتقد عباد القبور الناذرين للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي ومذهبه الذي نصره وقرره واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة، والشيخ قد رد عليه في هذا وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما يؤلهه مخلوق مصنوع - وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين، وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع، أعني من اتخذ الشفعاء، والوسائط وقصدهم في حاجاته وملماته، كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، فكل هذا أعمى الله بصر العراقي عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] .
قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور وأثتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، فهو لغير الله فيكون باطلًا. وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] أي إن صلاتي وذبحي لله كما به نظير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وفي الحديث: "لا نذر في معصية الله" رواه أبو داود وغيره، والنذر لغير الله إشراك مع الله، فلا أكبر منه معصية، وفي التنزيل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣]، فالنذر لغير الله كالذبح لغيره، وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك، الركوع، والسجود، والذبح
والنذر، واليمين، ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها ولو أشرك مع اسمه تعالى أحدًا، كقوله: بسم الله ومحمد ﷺ، بواو العطف. فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمدًا على الذبيحة، لا تؤكل عندنا، فهي ميتة لصريح قوله ﷿: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] فترك المؤمن ذكر الله تعالى عمدًا كذكر غيره، نعم لو قال: هذا النذر لله يذبح في مكان كذا ويصرف على جماعة فلان أو على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: "لله" مالك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا.
والحاصل أن النذر لغير الله تعالى فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا الذبائح من قال: إن هذا النذر لفلان وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ومن نذر لله ذبحًا أو غيره، قال: يذبح بمكان كذا ويأكله قوم جاز والله الهادي.
قلت: إذا نذر لله وجعل مصرفه على السدنة والمجاورين عند القبور فهو نذر معصية لا يجوز، ويجب صرفه في القرب الشرعية، كالحجاج والمعتكفين في المساجد وقد ذكر هذا غير واحد، والمنع منه لما فيه من الإعانة على العكوف عند القبور. الذي هو من أكبر الوسائل والذرائع إلى عبادتها ودعائها.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: من الآية٢] وفي الحديث: "إن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، قبل إسلامه، فلما أسلم سأل النبي ﷺ عن نذره، فقال: هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل كان بها عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك" ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة غيره، للمشابهة الصورية، وإن لم نقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر؟
فقف وتأمل إن كان لك بصيرة تدرك بها أسرار الشريعة.
ومن البدع ما زينه الشيطان لكثير من الجهلة من الرجال والنساء من تعظيم مكان لم يأذن الشارع بتعظيمه من زاوية أو طاقة أو حجر أو قبة أو شجرة أو عامود أو حرز حمام، وينذرون لذلك النذور، ويوقدون عنده الضوء ويخلقونه بالزعفران ويطيبونه بماء الورد وغيره، ويطلبون عنده الشفاء لهم ولأولادهم. وكل ذلك بدعة وإشراك بالله ﷿، وكذلك النذر لقبور المشايخ والصالحين وطلب الشفاء من قبلهم نذر معصية وإشراك بالله تعالى. والنبي ﷺ قد نهى عن النذر لله، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال البخيل".
والنذر للقبور أي قبر كان نذر معصية، لا يحل الوفاء به، بل صرفه إلى الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى أفضل عند الله، وأنجح لقضاء الحاجة.
ولوكان هذا شركًا مخرجًا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، ولم يكن أفضل، بل لا فضيلة، لأعمال الخارج عن ملة الإسلام.
والجواب أن يقال:
ليس في كلام الشيخ، ولا كلام ابن القيم ما يدل على أن النذر الواقع من عباد القبور لمن يدعونه ويقصدونه لحوائجهم وإغاثتهم في الشدائد أنه ليس بشرك، بل كلام الشيخ ابن القيم صريح في أنه نذر معصية وإشراك بالله تعالى، فكيف يسوقه وقد عده ابن القيم من أنواع الشرك الأكبر، وقرنه بالتوكل على غير الله، والعمل لغيره، والإنابة والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند
غيره؟ وقد تقدم ذلك، فراجع كلامه في موضعه تعرف كذب العراقي على الله، وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه. فرحم الله امرءًا نظر لنفسه قبل أن نزل به قدم، ويحال بينه وبين العمل، وتعظم الحسرة منه والندم وكذلك الشيخ صرح بأنه معصية، والمعصية تصدق بالشرك وغيره من الكبائر إذا أطلقت.
واستدلال المعترض بأنه لم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة - فإطلاق المعصية كان هو المقصود، وأيضًا فالكفر إنما يطلق بعد قيام الحجة، وبلوغ الدليل، وقد تقدم أن الشيخ محمدًا ﵀ لا يكفر إلا بعد قيام الحجة.
وقول العراقي: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء وقصده لوجه الله؟.
ففي هذه العبارة شيئان:
الأول: استبعاده تكفير من نذر للأنبياء، وجعله ذلك دون النذر للشجرة والبقعة مع أن الفتنة بقبور المعظمين أشد محنة من الشجر والبقاع. وقد قال النبي ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فالشرك بالأنبياء والصالحين أخوف وأعظم فتنة، كما هو معروف.
والثاني: إضافته النذر لأحد الأنبياء، وقوله بعده: وقصده لوجه الله، فإذا كان النذر نفسه للأنبياء والصالحين بطل قوله: وقصده لوجه الله. وإنما يكون ذلك نذرًا لله وحده، وجعل الثواب لمن شاء من عباده، ومسألة إهداء ثواب القرب إلى الأنبياء لا يخفى ما فيها من القول بالمنع، على من له أدنى ممارسة للعلم.
والقصد هنا بيان تناقض العراقي، وأن كلامه يدفع بعضه بعضًا.
وقوله: فإن ذلك لا يضر بالاتفاق - كذب ظاهر، فإن قول الشيخين: إنه يصرف إلى الفقراء: دليل على أنه يضر إذا صدر منه لغير الله، وأنه مأمور بالتوبة، وصرف ذلك إلى الجهة المشروعة، وقد صرف النبي ﷺ مال اللات
في الجهاد والمصارف الشرعية التي يستعان بها على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستدلال بصرفها في ذلك المصرف الشرعي على أنها شرك وضلال أوجبه الاستدلال بذلك على أن النذر للأصنام ونحوها ليس بشرك.
وأما ما ذكره عن بعض الحنابلة إنهم نقلوا عبارة الشيخ في أن النذر للقبور ولأهلها نذر معصية، فأي دليل في هذا، والمعصية إذا أطلقت دخل فيها الشرك كما تقدم؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: من الآية١٤] وقال عن فرعون: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات:٢١] .
وأما قوله: فلو كان الناذر كافرًا عنده لم يأمره بالصدقة، فإن الصدقة لا تقبل من الكافر.
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه إذا أقلع عن الذنب وصرف المال في مصرفه الشرعي، فهذا رجوع منه عما كان عليه وتوبة منه.
الثاني: أنه لا يقال بالكفر مطلقًا لكل ناذر لغير الله حتى تقوم الحجة الرسالية عليه.
وأما ما نقله عن ابن القيم، فقد صرّح فيه بأنه نذر ومعصية وإشراك، وشبهة هذا العراقي: أنه لو كان شركًا مخرجًا عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، فالعراقي لم يفرق بين النذر والمنذور، فكون النذر شركًا لا يمنع الانتفاع بالمنذور في الجهة الشرعية، كما تقدم من فعله ﷺ بمال اللات.
الوجه الثالث: أن الذي يصرفه في المصارف الشرعية هم ولاة الأمر وأهل العم، وليس المقصود: أن يصرفه الناذر نفسه، فإن هذا لا يعتبر، بل يرد إلى المشروع قسرًا، ويعامل بنقيض قصده، وكلام الشيخ وأمثاله من أهل العلم ليس حجة مستقلة بل الحجة فيما يساق من الأدلة، وقد تقدم أن القصد هنا بيان جهله بكلام الشيخ، والكشف عن تحريف هذا العراقي لما نقله عن الشيخين،
وإلاّ فالمرجع إلى أدلة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: من الآية٢٧٠]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الانسان:٧]، فوصف خواص عباده بالوفاء بالنذر وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة والجزاء. فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها، أي الوفاء به، وما كان كذلك فيجب إخلاصه لله لأن صرف العبادة لغير الله شرك، وفي حديث علي: "لعن الله من ذبح لغير الله"، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا في صدر النصوص وردوها بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول، وفي آخر العبارة التي نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن هو أكبر من نفسية من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة، وفي سلمان وغيره بالعراق.
قلت: وفيها بيان تدليس العراقي وإنه أسقطها ليروج قوله: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين - إلى أن قال الشيخ: فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر، وتفتح أبواب الرزق، أو تحفظ مصر، فإن من يعتقد هذا كافر مشرك يجب قتله، وكذلك من اعتقد في غيرها كائنًا من كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الاسراء:٥٦] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إله آخر، والإله من يأله القلب عبادة واستعانة، وإجلالًا وإكرامًا وخوفًا ورجاءً، كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك منهم أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكًا هو لك تملكه وما مالك"، وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعيّ: "يا حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، فأسلم
حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، والله أعلم" انتهى.
قلت: فانظر إلى تصريح الشيخ أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى الله، يعني واسطة في الحوائج، أو أنه يكشف الضر أو يفتح باب الزرق أو يحفظ المصر أنه كافر مشرك، يجب قتله. وهذا بعينه هو معتقد عباد القبور الناذرين للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي ومذهبه الذي نصره وقرره واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة، والشيخ قد رد عليه في هذا وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما يؤلهه مخلوق مصنوع - وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين، وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع، أعني من اتخذ الشفعاء، والوسائط وقصدهم في حاجاته وملماته، كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، فكل هذا أعمى الله بصر العراقي عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] .
قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور وأثتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، فهو لغير الله فيكون باطلًا. وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] أي إن صلاتي وذبحي لله كما به نظير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وفي الحديث: "لا نذر في معصية الله" رواه أبو داود وغيره، والنذر لغير الله إشراك مع الله، فلا أكبر منه معصية، وفي التنزيل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣]، فالنذر لغير الله كالذبح لغيره، وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك، الركوع، والسجود، والذبح
والنذر، واليمين، ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها ولو أشرك مع اسمه تعالى أحدًا، كقوله: بسم الله ومحمد ﷺ، بواو العطف. فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمدًا على الذبيحة، لا تؤكل عندنا، فهي ميتة لصريح قوله ﷿: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] فترك المؤمن ذكر الله تعالى عمدًا كذكر غيره، نعم لو قال: هذا النذر لله يذبح في مكان كذا ويصرف على جماعة فلان أو على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: "لله" مالك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا.
والحاصل أن النذر لغير الله تعالى فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا الذبائح من قال: إن هذا النذر لفلان وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ومن نذر لله ذبحًا أو غيره، قال: يذبح بمكان كذا ويأكله قوم جاز والله الهادي.
قلت: إذا نذر لله وجعل مصرفه على السدنة والمجاورين عند القبور فهو نذر معصية لا يجوز، ويجب صرفه في القرب الشرعية، كالحجاج والمعتكفين في المساجد وقد ذكر هذا غير واحد، والمنع منه لما فيه من الإعانة على العكوف عند القبور. الذي هو من أكبر الوسائل والذرائع إلى عبادتها ودعائها.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: من الآية٢] وفي الحديث: "إن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، قبل إسلامه، فلما أسلم سأل النبي ﷺ عن نذره، فقال: هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل كان بها عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك" ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة غيره، للمشابهة الصورية، وإن لم نقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر؟
فقف وتأمل إن كان لك بصيرة تدرك بها أسرار الشريعة.
Translation
فصل
#32
Chapter 32 — فصل
· ref. #32
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال العراقي: "النقل الثالث والعشرون قال: ابن مفلح في كتاب الفروع عن شيخه تقي الدين: والنذر لغير الله، كنذره لشيخ معين للاستغاثة به، وقضاء الحاجة منه قال شيخنا: كحلفه بغيره، وقال غيره: نذر معصية" انتهى.
فشبه النذر والاستغاثة بالشيوخ، وطلب قضاء الحاجة بالحلف بغير الله، فهو على قولين للعلماء، كما ذكره ابن تيمية، قول بالحرمة، وقول بكراهة التنزيه، بل رواية عن أحمد أنه مباح، نقله صاحب الإنصاف في التنقيح.
ثم قال: النقل الرابع والعشرون: ذكر الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه محمد بن عبد الوهاب، عن الشيخ ابن تيمية قال: كما يفعل الجاهلون بمكة شرفها الله وغيرها، من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذبائح الجن. انتهى.
وذكر ابن القيم في كتاب الكبائر الذبح لغير الله، وجعله من المحرم، وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضًا عن قوله: بسم الله، حين الذبح، مع أن اللفظة لا أظن مسلمًا يقولها، والمستفاد من كلامهما أنه محرم، وليس بشرك مخرج عن الملة؛ لأنه قال: كما يفعله، وقال في الفنون: يكره إشعال القبور وتبخيرها، ثم قال: ونص أنه إن نذر ذبح ولده، أو نفسه ذبح كبشًا، قيل مكانه وهو الأصح، وقيل: كهدي. ونقل حنبل يلزمانه. وعنه إن قال إن فعلته فعلي كذا أو نحوه، وقصده اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مكة كبشًا اختاره شيخنا، وقال: عليه أكثر
نصوصه. وقال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، ولو نذر طاعة حالفًا بها أجزأه كفارة يمين، بلا خلاف عن أحمد، فكيف لا يجزيه إذا نذر معصية حالفًا بها، فعلى هذا على رواية حنبل يلزم أن الناذر والحاف يجزيه كفارة فتصير ستة أقوال. وذكر الأزجي البغداديّ: نذر شرب الخمر لغو، فلا كفارة. ونذر ذبح ولده يكفر. وقدم ابن رزين نذر معصية لغو. قال: ونذره لغير الله كنذر لشيخ معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه، كحلفه بغيره. وقال غيره: هو نذر معصية.
فقف وتأمل تحريف العراقي وسوء فهمه. فإن الكلام في تشبيه النذر بالحلف من جهة الكفارة وعدمها، لا من جهة أخرى. والنزاع ليس في الكفارات. وإنما هو في الحكم على النذر لغير الله أنه من الشركيات. وهذا من أكبر الأدلة على كثافة فهمه، وغلظ حجابه، وأنه محجوب عن فهم كلام أهل العلم، كما حجب عن فهم كلام الله وكلام رسوله:
فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان
ثم كلام الشيخ فيمن نذر للحي الحاضر للاستعانة وقضاء الحاجة. وهذه النقول كلها مجرد عدد لا حقيقة له، بل هي إما تحريف وإلحاد في كلام أهل العلم، وإما سوء فهم وكثافة حجاب، وإما كذب لا أصل له.
وأما ما نقله عن سليمان، فسليمان والعراقي أخذًا بعض العبارة وتركا تمامها، وما ارتبط بها.
قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأيضًا فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣] [النحل: من الآية١١٥]، ظاهره ما ذبح لغير الله سواء لفظ فيه به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم،
ولو قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن" انتهى كلام الشيخ.
فأخذ المعترض السطر الأخير من كلامه، أو بعض السطر وأخذ المشبه وترك المشبه به، لأن في الأول التصريح بردة من ذبح لغير الله. وأن في الذبح للجن مانعًا آخر لأنه مما أهل به لغير الله.
وقوله في العبارة: فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه بفواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله - فترك هذا وسرق بعض العبارة واختلس منها كاختلاس الشيطان من صلاة العبد واختطافه بعضها، وفي العبارة التصريح بكفر من استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، خلافًا للعراقي وشيعته من عباد القبور الصادين عن سبيل الله المحرفين للكلم عن مواضعه، الوارثين لليهود في تحريف كلمات الله وتبديل دينه.
وهذا الرد أمليت أكثره من ذهني، فلذلك اختصرت واكتفيت بالإشارة، وقد فتحت الباب لمن أراد الوقوف على النصوص والآثار، وكلام أهل العلم.
وأما ما ذكره ابن القيم في كتاب الكبائر من الذبح لغير الله وجعله من المحرم فنعم هو محرم، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - إلى قوله ـ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١] فجعل هذا كله محرمًا، هذا عرف القرآن والسنة والشرع، والعراقي لجهله وسوء قصده يحمل كلام أهل العلم على العرف النبطيّ الحادث، واصطلاح العامة، فقاتل الله الجهل والهوى، فما أغلظهما من حجاب بين العبد والهدى.
وأما قوله: وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضًا عن قوله: باسم الله.
قلت: قد تقدم كلام الشيخ وتقسيمه ما أهل به لغير الله إلى ما قصد به القربة والنسك لغير الله، وإلى ما ذكر عليه غير اسمه عند الذبح، فالقسمان
واقعان، ومنع أحدهما مكابرة، وكلام ابن القيم ليس فيه حصر، بل كلامه في هذه المسألة موافق لكلام شيخه.
والقسم الثاني الذي هو أغلط وأفحش نص عليه في مواضع متعددة، وقال صاحب الروض، من كتب الشافعية: إذا ذبح المسلم للنبيّ (كفر، نقله شيخنا ﵀، وذكره غير واحد من المفسرين في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ونقل بعضهم عن فقهاء بخارى إنهم أفتوا بتحريم ما عقر بين يدي الملوك، تعظيمًا لهم. لأنه مما أهل لغير الله به.
قال العلاّمة الشوكانيّ: قال بعض أهل العلم: إنّ إراقة دماه الأنعام عبادة لأنها إما هدي أو ضحية أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع، لأنه مكسب حلال فإنه عبادة. ويتحصل من ذلك شكل وضعي، هو إراقة دم الأنعام عبادة. وكل عبادة لا تكون إلا لله، فإراقة دم الأنعام لا تكون إلا لله، ودليل الكبرى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: من الآية٥٩]، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: من الآية٥٦]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: من الآية٥]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾) [الاسراء: من الآية٢٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: من الآية٥] انتهى.
ويكفي المؤمن في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] .
فإن الإحسان أعلى مراتب الإيمان دخول هذه العبادة فيه لأنّ السّياق لها ظاهر لا يخفى، وفي المسند عن طارق بن شهاب أن النبيّ (قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ما عندي شيء أقربه، قرِّب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا، فخلوا سبيله فدخل النار. فقالوا للآخر: قرِّب، قال: ما كنتُ لأقرِّب لأحد من دون الله ﷿ فضربوا عنقه فدخل الجنة".
فقف عند هذا وتأمل حكمة الشريعة وسرها في إخلاص العبادة والتعظيم الذي لا ينبغي إلا لله، ولو بأحقر شيء كالذباب، فكيف بكرائم الأموال؟ والله المستعان.
والنبي (حسم مادة الشّرك، وقطع وسائله حتى نهى عن الصلاة في الأوقات التي يسجد فيها الكفار للشمس، ونهى عن الصّلاة عند القبور، خشية الفتنة بها وبأربابها وإن كان المصلي لا يقصد شيئًا من ذلك. ولعن من فعل ذلك وأبدى وأعاد فيه وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفي رواية لمسلم: "وصالحيهم"، وقال ذلك عند مفارقة الدنيا إلى الرفيق الأعلى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وقال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده".
قال شيخ الإسلام: وأما من قصد التبرك بالصلاة عندها، فهذا عين المحادة لله ولرسوله. انتهى.
وعلى رأي هذا العراقي أنها تدعى ويستغاث بها، وتقصد وترجى، ويذبح لها فهذا عين العبادة وعين الغاية التي قطع الرسول (وسائلها، وسد ذرائعها، فهذا وأمثاله هم الآمرون بالشرك الواضعون له، الدّاعون إليه، الرّادون لما جاءت به الرسل من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وإنما حدث الشرك برأي جنس هؤلاء، والله المستعان.
وقال شيخ الإسلام ﵀: عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى وتقدّس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥]، وكان النّبيّ (يحقّق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: "ما شاء الله وشئت فقال: " أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله" ونهى عن الحلف
بغير الله. وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم. فإنّ صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور. ولا الصلاة عندها، وذلك لأنّ من أكبر أسباب عبادة الأوثان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلّم على النبي (عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها؛ لأنه إنما يكون التمسح بأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملًا إلاّ به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد أعظم الكلام وأفضله. فأفضل آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال (: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له، واستغاثة له ورجاء له وخشية وإجلالًا" انتهى كلامه.
قال العراقيّ: في النقل الخامس والعشرين: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في الفتاوى: "والكفر يكون من الوعيد، فإنه إن كان القول تكذيبًا بما قاله الرسول (لكن قد يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض أوجب تأويلها، وإن كان مجتهدًا مخطئًا، وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني - الحديث" هذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن لما كان مؤمنًا يخاف الله أن يعقبه غفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول (أولى بالمغفرة من مثل هذا" انتهى.
الجواب أن يقال:
قد تكررت هذه الشبهة وكثر بها العدد، هكذا المفلس إذا رجع إلى ما في عيبته فوجدها صفرًا، اشتغل بتقليب ما في يديه، وقد تقدم جوابها مرارًا، وذكرنا أن عباد القبور قد قامت عليهم الحجة، أو على جمهورهم بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذ الباب - أعني باب عبادة الله وحده لا شريك له - هو خلاصة الكتب الإلهية، وزبدة الدعوة النبوية، وتقدم في جواب ما نقله عن ابن القيم وعن الشيخ، ففيه كفاية.
قال الشيخ ﵀ في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منهم الردة عن الإسلام كثيرًا، قال: وهذا وإن كان من المقالات الخفية فقد يقال فيها: إنّه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلمها الخاصة والعامة من المسلمين: أن الرسول (بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم. فإن هذا أظهر شعار الإسلام، ومثل إيجابه الصلوات الخمس، وتعظيم شأنها؛ ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقفوا فيها. فكانوا مرتدين. وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرّازيّ، قال: وهذه ردّة صريحة.
فتأمّل ما في هذا من التفصيل تزول الشبهة التي يدلي بها بعض المشركين. وتقدم كلام الشيخ في الرسالة السنية. وقوله: فإذا كان على عهد النبي (وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر (بقتالهم فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسبابها؛ ومنا الغلو الذي ذمه الله في كتابه - إلى أن قال: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال. فكلّ هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قتل.
فانظر رحمك الله إلى تصريحه بكفر هذا الصنف الذين هم محل النزاع، وأن من فعل ذلك قتل بعد الاستتابة إن لن يتب، وهذا عين كلامنا.
فالتشبيه في هذه المسألة بخير الذي أمر أهله أن يذروه، أو بقول الشيخ: إن المخطئ لا يكفر إذا اجتهد واتقى، ونحو هذه العبارات تمويه وتشبيه.
والنزاع فيمن قامت عليه الحجة، أو أمكنه الاستدلال، لا فيما يخفى من المسائل، أو كان مما يختص أهل العلم بمعرفته. فهذا نحوه ليس مما نحن فيه، وإيراده والاحتجاج به على مسألة النزاع تمويه لا يروج على أهل البصائر.
قال العراقي: النقل السادس والعشرون: وقال أيضًا في بعض كتبه ونقله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه قال: "إني دائمًا ومن جالسني يعلم أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولا يشهد أحد منهم على معين لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] وقال: إن الله لا يعجب - إلى أن قال ـ: وقد آل النزاع بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة أنّ الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.
وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، ونحو هذا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذا أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة [الوعيد]، فإن نصوص الوعيد في القرآن مطلقة عامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا وكذا فهو كذا، فإن هذه النصوص مطلقة عامة.
وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا، فهو كذا. - إلى أن قال: والتكفير يكون من الوعيد،
فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا.
وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فأحرقوني - الحديث" فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرىَ، بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الأجتهاد، الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ". انتهى.
والجواب: إن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمثل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية سواء. وإن من تأمّل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع، ويبين المراد. وقد بين في هذا النقل بيانًا يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى. وهذا البيان كافٍ.
فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب ﵀ لا يكفّر أحدًا قبل قيام الحجّة. وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرّد والدّفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس، يكفي في ردها ما تقدم بيانه من اشتراط قيام الحجة، وإن فرض كلام الشيخ في كل ما نقل العراقي في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى، كما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وتقدم نص الشيخ أن فرض كلامه في غير المسائل الخفية، وكل جملة من هذه الجمل تكفي المؤمن في ردّ جميع ما نقله ابن جرجيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء
به الرسول ﷺ، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجّة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ﴿البقرة: من الآية٧]، وتأمّل كلام الشيخ وقوله: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل.
وقوله: "ولكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقوله: وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها".
وكلّ هذا لا يمكن أن يقال في عبّاد القبور.
فتأمّل كلام الشيخ واعرف ضلال ابن جرجيس في حمله كلام الشيخ على عذر عباد القبور والأنبياء والصالحين، واعرف سوء فهمه وكثافة حجابه، وقد تقدم هذا مرارًا.
ويقال أيضًا: كلام الشيخ في عدم إطلاق الكفر على المعين إذا كان له عذر من جنس ما تقدم، لكن أثبت وقرر أن نفس العمل والفعل يكون كفرًا، وإن لم يكن فاعله لمانع، وهذا الملحد لا يقول ذلك فيمن عبد الصالحين وأهل القبور، بل يقول: هم مثابون مأجورون بدعائهم غير الله، ويسمى الدعاء توسّلًا، قد مرّ هذا عنه في غير موضع، ويأتيك أكثر مما مرّ، فاعرف جهله، وإنه لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يتعقل ما يحكيه من كلام أهل العلم.
فقف هنا يا من أنعم الله عليه تعرف بعدما جاء به هذا الملحد عما جاءت به جميع الرسل، وأنه أضلّ من كثير من أعدائهم، والله المستعان.
النقل السابع والعشرون: من نقول ابن جرجيس: وقال أيضًا في الفتاوى - حين سئل عن التكفير الواقع في هذه الأمة ـ: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك، فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم فيه
قولان. وحقيقة الأمر: إن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها - ثم ساق كلام الشيخ في أن المقالات الكفرية لا يكفر قائلها إلا بعد قيام الحجّة.
والجواب أن يقال:
قد تكرر هذا عن العراقي، ولكنه أراد أن يعظم حجم الكتاب ويظن العامة أن قد جدّد حجة من السنة أو الكتاب، أو كلام ذوي الألباب، وهو لم يزل ولا يزال يتردد في ظلماته، ويكرر ريبه وشبهاته. والجواب تقدم.
وفيما ساقه هنا رد لباطله وحجّة عليه، من جهة أن الشيخ حكى في تكفير الخوارج ونحوهم عن مالك قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد أيضًا روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم قولان، وحيث كان الحال هكذا في الخوارج فقد اختلف الناس في تكفيرهم والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم. وكذلك من سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو دعاه مع الله، رغبًا أو رهبًا.
كل هؤلاء اتفق الخلف والسلف على كفرهم، لما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولًا ثانيًا. وبهذا تعلم أن النزاع وكلام الشيخ ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، وإنما فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة. وهذا يعرف من كلام الشيخ ولكن العراقي من جملة البقر والثيران، وإن كان ضخم العمامة واسع الأردان وقد تقدم قول الشيخ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعًا، فحكى الإجماع على كفر هذا الصنف، حكى الخلاف في تكفير الخوارج ونحوهم، فاعرف الفرق، ولولا عموم الجهل، وبعد العهد بآثار النبوة لما أطلنا الكلام في مثل هذه المباحث؛ لأنها مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام.
قال ابن جرجيس: النقل الثامن والعشرون: قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ما نصه: فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح
في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة: من شرك أو غيره أسبابًا، لا يقدح في توحيد الإلهية، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة أو مقلدًا.
والجواب أن يقال:
قد تقدم لهذا العراقي، ويأتيك عنه في غير موضع - أنه استدل بإجابة الدعاء عند القبور وإجابة من سأل أهل القبور على استحباب ذلك، وأنه دين يحبه الله ويرضاه، وحكى هنا عن الشيخ أن ذلك لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة فهذا يهدم قوله، ويدفع صدره، ولكنه لا شعور له بما في كلام الشيخ من الحق والهدى وكذلك بما في قوله: إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك، أو غيره أسبابًا لا يقدح في توحيد الإلهية، والعراقي يجعل السبب دليلا على جواز دعاء غير الله، والشرك في الإلهية.
فاعجب لهذه الحكاية والقضية، وأكثر ما يدعو هؤلاء المشركين إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أنّ فلانًا دعا فاستجيب له، وفلانًا استغاث فأغيث. وفلانًا رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير. قد أورد منه العراقي شيئًا كثيرًا، جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، ومن العجب العجاب: أن الهوى يعمي الرجل حتى لا يفهم ما ينقل، ولا ما يخرج من بين شفتيه.
وأما قوله: إن الشيخ قال: فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة أو مقلدًا، فهذه الجملة ليس متصلة ولا مرتبطة بما ساق العراقي، ولا مناسبة بينها وبينه والشيخ قد ساقها في موضع آخر وبحث آخر، ولكن ابن جرجيس كذاب جاهل، وقد مر لك جنس تحريفه، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥] .
قال العراقي: "النقل الثالث والعشرون قال: ابن مفلح في كتاب الفروع عن شيخه تقي الدين: والنذر لغير الله، كنذره لشيخ معين للاستغاثة به، وقضاء الحاجة منه قال شيخنا: كحلفه بغيره، وقال غيره: نذر معصية" انتهى.
فشبه النذر والاستغاثة بالشيوخ، وطلب قضاء الحاجة بالحلف بغير الله، فهو على قولين للعلماء، كما ذكره ابن تيمية، قول بالحرمة، وقول بكراهة التنزيه، بل رواية عن أحمد أنه مباح، نقله صاحب الإنصاف في التنقيح.
ثم قال: النقل الرابع والعشرون: ذكر الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه محمد بن عبد الوهاب، عن الشيخ ابن تيمية قال: كما يفعل الجاهلون بمكة شرفها الله وغيرها، من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذبائح الجن. انتهى.
وذكر ابن القيم في كتاب الكبائر الذبح لغير الله، وجعله من المحرم، وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضًا عن قوله: بسم الله، حين الذبح، مع أن اللفظة لا أظن مسلمًا يقولها، والمستفاد من كلامهما أنه محرم، وليس بشرك مخرج عن الملة؛ لأنه قال: كما يفعله، وقال في الفنون: يكره إشعال القبور وتبخيرها، ثم قال: ونص أنه إن نذر ذبح ولده، أو نفسه ذبح كبشًا، قيل مكانه وهو الأصح، وقيل: كهدي. ونقل حنبل يلزمانه. وعنه إن قال إن فعلته فعلي كذا أو نحوه، وقصده اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مكة كبشًا اختاره شيخنا، وقال: عليه أكثر
نصوصه. وقال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، ولو نذر طاعة حالفًا بها أجزأه كفارة يمين، بلا خلاف عن أحمد، فكيف لا يجزيه إذا نذر معصية حالفًا بها، فعلى هذا على رواية حنبل يلزم أن الناذر والحاف يجزيه كفارة فتصير ستة أقوال. وذكر الأزجي البغداديّ: نذر شرب الخمر لغو، فلا كفارة. ونذر ذبح ولده يكفر. وقدم ابن رزين نذر معصية لغو. قال: ونذره لغير الله كنذر لشيخ معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه، كحلفه بغيره. وقال غيره: هو نذر معصية.
فقف وتأمل تحريف العراقي وسوء فهمه. فإن الكلام في تشبيه النذر بالحلف من جهة الكفارة وعدمها، لا من جهة أخرى. والنزاع ليس في الكفارات. وإنما هو في الحكم على النذر لغير الله أنه من الشركيات. وهذا من أكبر الأدلة على كثافة فهمه، وغلظ حجابه، وأنه محجوب عن فهم كلام أهل العلم، كما حجب عن فهم كلام الله وكلام رسوله:
فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان
ثم كلام الشيخ فيمن نذر للحي الحاضر للاستعانة وقضاء الحاجة. وهذه النقول كلها مجرد عدد لا حقيقة له، بل هي إما تحريف وإلحاد في كلام أهل العلم، وإما سوء فهم وكثافة حجاب، وإما كذب لا أصل له.
وأما ما نقله عن سليمان، فسليمان والعراقي أخذًا بعض العبارة وتركا تمامها، وما ارتبط بها.
قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأيضًا فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣] [النحل: من الآية١١٥]، ظاهره ما ذبح لغير الله سواء لفظ فيه به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم،
ولو قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن" انتهى كلام الشيخ.
فأخذ المعترض السطر الأخير من كلامه، أو بعض السطر وأخذ المشبه وترك المشبه به، لأن في الأول التصريح بردة من ذبح لغير الله. وأن في الذبح للجن مانعًا آخر لأنه مما أهل به لغير الله.
وقوله في العبارة: فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه بفواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله - فترك هذا وسرق بعض العبارة واختلس منها كاختلاس الشيطان من صلاة العبد واختطافه بعضها، وفي العبارة التصريح بكفر من استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، خلافًا للعراقي وشيعته من عباد القبور الصادين عن سبيل الله المحرفين للكلم عن مواضعه، الوارثين لليهود في تحريف كلمات الله وتبديل دينه.
وهذا الرد أمليت أكثره من ذهني، فلذلك اختصرت واكتفيت بالإشارة، وقد فتحت الباب لمن أراد الوقوف على النصوص والآثار، وكلام أهل العلم.
وأما ما ذكره ابن القيم في كتاب الكبائر من الذبح لغير الله وجعله من المحرم فنعم هو محرم، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - إلى قوله ـ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١] فجعل هذا كله محرمًا، هذا عرف القرآن والسنة والشرع، والعراقي لجهله وسوء قصده يحمل كلام أهل العلم على العرف النبطيّ الحادث، واصطلاح العامة، فقاتل الله الجهل والهوى، فما أغلظهما من حجاب بين العبد والهدى.
وأما قوله: وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضًا عن قوله: باسم الله.
قلت: قد تقدم كلام الشيخ وتقسيمه ما أهل به لغير الله إلى ما قصد به القربة والنسك لغير الله، وإلى ما ذكر عليه غير اسمه عند الذبح، فالقسمان
واقعان، ومنع أحدهما مكابرة، وكلام ابن القيم ليس فيه حصر، بل كلامه في هذه المسألة موافق لكلام شيخه.
والقسم الثاني الذي هو أغلط وأفحش نص عليه في مواضع متعددة، وقال صاحب الروض، من كتب الشافعية: إذا ذبح المسلم للنبيّ (كفر، نقله شيخنا ﵀، وذكره غير واحد من المفسرين في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ونقل بعضهم عن فقهاء بخارى إنهم أفتوا بتحريم ما عقر بين يدي الملوك، تعظيمًا لهم. لأنه مما أهل لغير الله به.
قال العلاّمة الشوكانيّ: قال بعض أهل العلم: إنّ إراقة دماه الأنعام عبادة لأنها إما هدي أو ضحية أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع، لأنه مكسب حلال فإنه عبادة. ويتحصل من ذلك شكل وضعي، هو إراقة دم الأنعام عبادة. وكل عبادة لا تكون إلا لله، فإراقة دم الأنعام لا تكون إلا لله، ودليل الكبرى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: من الآية٥٩]، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: من الآية٥٦]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: من الآية٥]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾) [الاسراء: من الآية٢٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: من الآية٥] انتهى.
ويكفي المؤمن في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] .
فإن الإحسان أعلى مراتب الإيمان دخول هذه العبادة فيه لأنّ السّياق لها ظاهر لا يخفى، وفي المسند عن طارق بن شهاب أن النبيّ (قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ما عندي شيء أقربه، قرِّب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا، فخلوا سبيله فدخل النار. فقالوا للآخر: قرِّب، قال: ما كنتُ لأقرِّب لأحد من دون الله ﷿ فضربوا عنقه فدخل الجنة".
فقف عند هذا وتأمل حكمة الشريعة وسرها في إخلاص العبادة والتعظيم الذي لا ينبغي إلا لله، ولو بأحقر شيء كالذباب، فكيف بكرائم الأموال؟ والله المستعان.
والنبي (حسم مادة الشّرك، وقطع وسائله حتى نهى عن الصلاة في الأوقات التي يسجد فيها الكفار للشمس، ونهى عن الصّلاة عند القبور، خشية الفتنة بها وبأربابها وإن كان المصلي لا يقصد شيئًا من ذلك. ولعن من فعل ذلك وأبدى وأعاد فيه وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفي رواية لمسلم: "وصالحيهم"، وقال ذلك عند مفارقة الدنيا إلى الرفيق الأعلى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وقال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده".
قال شيخ الإسلام: وأما من قصد التبرك بالصلاة عندها، فهذا عين المحادة لله ولرسوله. انتهى.
وعلى رأي هذا العراقي أنها تدعى ويستغاث بها، وتقصد وترجى، ويذبح لها فهذا عين العبادة وعين الغاية التي قطع الرسول (وسائلها، وسد ذرائعها، فهذا وأمثاله هم الآمرون بالشرك الواضعون له، الدّاعون إليه، الرّادون لما جاءت به الرسل من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وإنما حدث الشرك برأي جنس هؤلاء، والله المستعان.
وقال شيخ الإسلام ﵀: عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى وتقدّس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥]، وكان النّبيّ (يحقّق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: "ما شاء الله وشئت فقال: " أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله" ونهى عن الحلف
بغير الله. وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم. فإنّ صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور. ولا الصلاة عندها، وذلك لأنّ من أكبر أسباب عبادة الأوثان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلّم على النبي (عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها؛ لأنه إنما يكون التمسح بأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملًا إلاّ به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد أعظم الكلام وأفضله. فأفضل آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال (: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له، واستغاثة له ورجاء له وخشية وإجلالًا" انتهى كلامه.
قال العراقيّ: في النقل الخامس والعشرين: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في الفتاوى: "والكفر يكون من الوعيد، فإنه إن كان القول تكذيبًا بما قاله الرسول (لكن قد يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض أوجب تأويلها، وإن كان مجتهدًا مخطئًا، وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني - الحديث" هذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن لما كان مؤمنًا يخاف الله أن يعقبه غفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول (أولى بالمغفرة من مثل هذا" انتهى.
الجواب أن يقال:
قد تكررت هذه الشبهة وكثر بها العدد، هكذا المفلس إذا رجع إلى ما في عيبته فوجدها صفرًا، اشتغل بتقليب ما في يديه، وقد تقدم جوابها مرارًا، وذكرنا أن عباد القبور قد قامت عليهم الحجة، أو على جمهورهم بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذ الباب - أعني باب عبادة الله وحده لا شريك له - هو خلاصة الكتب الإلهية، وزبدة الدعوة النبوية، وتقدم في جواب ما نقله عن ابن القيم وعن الشيخ، ففيه كفاية.
قال الشيخ ﵀ في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منهم الردة عن الإسلام كثيرًا، قال: وهذا وإن كان من المقالات الخفية فقد يقال فيها: إنّه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلمها الخاصة والعامة من المسلمين: أن الرسول (بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم. فإن هذا أظهر شعار الإسلام، ومثل إيجابه الصلوات الخمس، وتعظيم شأنها؛ ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقفوا فيها. فكانوا مرتدين. وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرّازيّ، قال: وهذه ردّة صريحة.
فتأمّل ما في هذا من التفصيل تزول الشبهة التي يدلي بها بعض المشركين. وتقدم كلام الشيخ في الرسالة السنية. وقوله: فإذا كان على عهد النبي (وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر (بقتالهم فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسبابها؛ ومنا الغلو الذي ذمه الله في كتابه - إلى أن قال: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال. فكلّ هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قتل.
فانظر رحمك الله إلى تصريحه بكفر هذا الصنف الذين هم محل النزاع، وأن من فعل ذلك قتل بعد الاستتابة إن لن يتب، وهذا عين كلامنا.
فالتشبيه في هذه المسألة بخير الذي أمر أهله أن يذروه، أو بقول الشيخ: إن المخطئ لا يكفر إذا اجتهد واتقى، ونحو هذه العبارات تمويه وتشبيه.
والنزاع فيمن قامت عليه الحجة، أو أمكنه الاستدلال، لا فيما يخفى من المسائل، أو كان مما يختص أهل العلم بمعرفته. فهذا نحوه ليس مما نحن فيه، وإيراده والاحتجاج به على مسألة النزاع تمويه لا يروج على أهل البصائر.
قال العراقي: النقل السادس والعشرون: وقال أيضًا في بعض كتبه ونقله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه قال: "إني دائمًا ومن جالسني يعلم أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولا يشهد أحد منهم على معين لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] وقال: إن الله لا يعجب - إلى أن قال ـ: وقد آل النزاع بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة أنّ الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.
وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، ونحو هذا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذا أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة [الوعيد]، فإن نصوص الوعيد في القرآن مطلقة عامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا وكذا فهو كذا، فإن هذه النصوص مطلقة عامة.
وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا، فهو كذا. - إلى أن قال: والتكفير يكون من الوعيد،
فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا.
وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فأحرقوني - الحديث" فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرىَ، بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الأجتهاد، الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ". انتهى.
والجواب: إن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمثل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية سواء. وإن من تأمّل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع، ويبين المراد. وقد بين في هذا النقل بيانًا يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى. وهذا البيان كافٍ.
فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب ﵀ لا يكفّر أحدًا قبل قيام الحجّة. وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرّد والدّفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس، يكفي في ردها ما تقدم بيانه من اشتراط قيام الحجة، وإن فرض كلام الشيخ في كل ما نقل العراقي في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى، كما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وتقدم نص الشيخ أن فرض كلامه في غير المسائل الخفية، وكل جملة من هذه الجمل تكفي المؤمن في ردّ جميع ما نقله ابن جرجيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء
به الرسول ﷺ، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجّة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ﴿البقرة: من الآية٧]، وتأمّل كلام الشيخ وقوله: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل.
وقوله: "ولكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقوله: وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها".
وكلّ هذا لا يمكن أن يقال في عبّاد القبور.
فتأمّل كلام الشيخ واعرف ضلال ابن جرجيس في حمله كلام الشيخ على عذر عباد القبور والأنبياء والصالحين، واعرف سوء فهمه وكثافة حجابه، وقد تقدم هذا مرارًا.
ويقال أيضًا: كلام الشيخ في عدم إطلاق الكفر على المعين إذا كان له عذر من جنس ما تقدم، لكن أثبت وقرر أن نفس العمل والفعل يكون كفرًا، وإن لم يكن فاعله لمانع، وهذا الملحد لا يقول ذلك فيمن عبد الصالحين وأهل القبور، بل يقول: هم مثابون مأجورون بدعائهم غير الله، ويسمى الدعاء توسّلًا، قد مرّ هذا عنه في غير موضع، ويأتيك أكثر مما مرّ، فاعرف جهله، وإنه لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يتعقل ما يحكيه من كلام أهل العلم.
فقف هنا يا من أنعم الله عليه تعرف بعدما جاء به هذا الملحد عما جاءت به جميع الرسل، وأنه أضلّ من كثير من أعدائهم، والله المستعان.
النقل السابع والعشرون: من نقول ابن جرجيس: وقال أيضًا في الفتاوى - حين سئل عن التكفير الواقع في هذه الأمة ـ: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك، فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم فيه
قولان. وحقيقة الأمر: إن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها - ثم ساق كلام الشيخ في أن المقالات الكفرية لا يكفر قائلها إلا بعد قيام الحجّة.
والجواب أن يقال:
قد تكرر هذا عن العراقي، ولكنه أراد أن يعظم حجم الكتاب ويظن العامة أن قد جدّد حجة من السنة أو الكتاب، أو كلام ذوي الألباب، وهو لم يزل ولا يزال يتردد في ظلماته، ويكرر ريبه وشبهاته. والجواب تقدم.
وفيما ساقه هنا رد لباطله وحجّة عليه، من جهة أن الشيخ حكى في تكفير الخوارج ونحوهم عن مالك قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد أيضًا روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم قولان، وحيث كان الحال هكذا في الخوارج فقد اختلف الناس في تكفيرهم والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم. وكذلك من سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو دعاه مع الله، رغبًا أو رهبًا.
كل هؤلاء اتفق الخلف والسلف على كفرهم، لما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولًا ثانيًا. وبهذا تعلم أن النزاع وكلام الشيخ ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، وإنما فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة. وهذا يعرف من كلام الشيخ ولكن العراقي من جملة البقر والثيران، وإن كان ضخم العمامة واسع الأردان وقد تقدم قول الشيخ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعًا، فحكى الإجماع على كفر هذا الصنف، حكى الخلاف في تكفير الخوارج ونحوهم، فاعرف الفرق، ولولا عموم الجهل، وبعد العهد بآثار النبوة لما أطلنا الكلام في مثل هذه المباحث؛ لأنها مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام.
قال ابن جرجيس: النقل الثامن والعشرون: قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ما نصه: فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح
في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة: من شرك أو غيره أسبابًا، لا يقدح في توحيد الإلهية، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة أو مقلدًا.
والجواب أن يقال:
قد تقدم لهذا العراقي، ويأتيك عنه في غير موضع - أنه استدل بإجابة الدعاء عند القبور وإجابة من سأل أهل القبور على استحباب ذلك، وأنه دين يحبه الله ويرضاه، وحكى هنا عن الشيخ أن ذلك لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة فهذا يهدم قوله، ويدفع صدره، ولكنه لا شعور له بما في كلام الشيخ من الحق والهدى وكذلك بما في قوله: إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك، أو غيره أسبابًا لا يقدح في توحيد الإلهية، والعراقي يجعل السبب دليلا على جواز دعاء غير الله، والشرك في الإلهية.
فاعجب لهذه الحكاية والقضية، وأكثر ما يدعو هؤلاء المشركين إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أنّ فلانًا دعا فاستجيب له، وفلانًا استغاث فأغيث. وفلانًا رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير. قد أورد منه العراقي شيئًا كثيرًا، جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، ومن العجب العجاب: أن الهوى يعمي الرجل حتى لا يفهم ما ينقل، ولا ما يخرج من بين شفتيه.
وأما قوله: إن الشيخ قال: فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة أو مقلدًا، فهذه الجملة ليس متصلة ولا مرتبطة بما ساق العراقي، ولا مناسبة بينها وبينه والشيخ قد ساقها في موضع آخر وبحث آخر، ولكن ابن جرجيس كذاب جاهل، وقد مر لك جنس تحريفه، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥] .
Translation
فصل
#33
Chapter 33 — فصل
· ref. #33
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال ابن جرجيس: النقل الثلاثون: "قال الشيخ في هذا الكتاب في موضع آخر: "وإذا اعتقد وجوب بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحق، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له" انتهى.
والجواب أن يقال:
كلام الشيخ في الحكم بين الناس والقضاء فيما بينهم من الخصومات، لا فيما يعم أصول الدين، ودعاء الأموات، وسياق كلام الشيخ صريح في هذا، فإن هذه المسألة معروفة مشهورة، كما قال ابن عباس: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] .
وقوله: وإن جهل حكم الله فيها - إلى آخر العبارة: دليل على أن الكلام في المسائل الاجتهادية، فأين هذا من دعاء الأموات، والاستغاثة بغير الله؟ مع أن الشيخ قد قرّر على حديث القضاة ثلاثة: أن الجاهل الذي ليس له أهلية اجتهاد داخل في الوعيد، كما هو نص الحديث. فالعراقي ملبوس عليه، لا يفهم كلام الشيخ ومع ذلك فالهوى قد أعمى بصيرته، وحال بينه وبين الفهم، فسبحان من طبع على قلبه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] .
ثم قال العراقي: "النقل الحادي والثلاثون - وساق كلام ابن القيم في أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعدواة من وجهين مختلفين. ويكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله؛ قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] أثبت لهم الإيمان مع مقارنة الشرك، فإن كان مع الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق برسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان بالرسل، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، وشركهم قسمان: جلي، وخفي، فالخفي قد يغفر.
والجواب أن يقال:
أي دليل في هذا على مسألة النزاع؟ فإن مراد الشيخ كما يعلم من تقريره وأول عبارته أن النفاق الأصغر وبعض شعبه، قد يوجد في شخص مع وجود بعض شعب الإيمان، وكذلك الكفر العملي الذي لا يخرج عن الإسلام قد يوجد مع بعض شعب الإيمان، ويكون أحدهما أقرب إليه وأولى به، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ تفيد أن الشرك قد يوجد مع الإيمان بالربوبية، كما فسرها بعض السلف، لكنه لا يخفى في النجاة، بل لا بدّ من عبادة الله وحده لا شريك له. ولذلك قال الشيخ: فإن كان مع الشرك تكذيب للرسل لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق للرسل، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان. فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، فهذا الشرك الخفي، كما يدل عليه قوله، وأما الجلي فلا يغفر إلا بالتوبة وهذا كله لنا، مبطل لما ذهب إليه العراقي، ولكنه لا يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، ولا يتعقل معاني ما يقول:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصّبابة إلا من يعانيها
قال العراقي: النقل الثاني والثلاثون، قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء
الصراط المستقيم، وفيه أي في حديث أبي ذر وقول النبي ﷺ: "إن فيك لخصلة جاهلية" إن الرجل قد يكون مع علمه وفضله ودينه فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه.
وزعم العراقي أن هذا يفيد أن الشيخين لو أطلقا لفظ الكفر والشرك على فعل واحد، فمرادهما الكفر المجازي أو الأصغر. وهذا مع اعتراف الفاعل بالحق وعدوله عنه، وأما مع بذل الوسع والاجتهاد، فهو عندهم مأجور، ولو كان مخطئًا.
والجواب أن يقال:
تبًّا لهذا العراقي، وما أضله عن سواء الطريق. وما أجهله بكلام أهل الفضل والتحقيق، وما أكذبه على الله وعلى رسوله، وعلى أهل العلم والتصديق.
وأما قوله: وقول النبي ﷺ: "إن فيك لخصلة جاهليّة" فهذا كذب على الرسول ﷺ، فالرسول ما قال هذا. وإنما قال: "إنّك امرؤ فيك جاهليّة" وهكذا رواه من خرّجه من أهل الدواوين الإسلامية. وشيخ الإسلام لم يقل هذا، بل أورده كما جاء من غير تحريف ولا تبديل. والعراقي ليس من أهل الصنعة بل هو ضال غبي، لا عناية له بهذا الشأن. والله المستعان.
وفرق بين النسبة إلى الجاهلية واليهودية والنصرانية، وبين إطلاق الكفر والشرك على الفاعل. فإن شعب الجاهلية ونحوها ليست كلها مكفرات، ولا يقال: إن تعيير الرجل بأمّه كفر، ويقال: هو جاهليّة. وكذلك أكل الرّشاء هو من اليهودية ولا يلزم أن يكون فاعله كافرًا، والكفر والشرك هما أكبر الذنوب على اختلاف أنواعهما ولا كذلك التعيير بالأم ونحوه، مما ينسب إلى الجاهلية، مما دون الشرك والكفر.
وقوله: وأما مع بذل الوسع والاجتهاد والتقليد فهو عنده مأجور - فهذا القول مما يستبين به جهل العراقي، وسوء فهمه، فإنّ النّبي ﷺ عاب هذا على
أبي ذر، ولم يقل أحد من أهل العلم، ولا قاله عن نفسه: إنه مأجور، ولا أدخل هذه المسألة في مسائل الاجتهاد، وأي اجتهاد في التعيير بالأم؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: من الآية١٣] وهذا ضرب من الناس هم أعداء النصوص والعقول والفطر، قد استهوتهم الشياطين، وأزعجتهم إلى تبديل دين الله والكذب على أوليائه، ومعاداة حزبه و﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] .
قال العراقي: النقل الثالث والثلاثون: "قال الحافظ ابن رجب في شرح كلمة الإخلاص: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا وسؤالًا ودعاءً، ولا يصلح ذلك كله إلا لله. فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأشياء التي هي من خصائص الإلهية. كان ذلك قدحًا في إخلاصه، وقدحًا في توحيده وهذا كله من فروع الشرك. ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من غير طاعة الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله. ولهذا أطلق الشارع على أكثر الذنوب التي منشؤها من هوى النفس إنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرج من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف كفر دون كفر وشرك دون شرك" انتهى.
قال العراقي: والمقصود من هذا النقل قوله: إن هذه الأشياء من خصائص الألوهية، وأنه نقص في توحيده، وهذا كله من فروع الشرك، ويطلق عليه الكفر، ومع ذلك قال آخر العبارة: وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية، وإنه ليس بكفر وشرك مخرجين عنها، بل دون ذلك، وهذا على مذهبه اتباعًا للشيخين وأنه تلميذهما.
والجواب أن يقال:
هذا النقل ليس فيه ما يتمسك به المبطل، فإن كلامه صريح في أن الإله هو الذي يقصد بهذه الأمور، مع أن النقل اعتراه ما اعترى أمثاله من
التحريف، وإسقاط بعض الكلام المتصل، وترك ما فيه مما يرد على هذا العراقي ويبطل دعواه.
من ذلك: أنه حذف بعد قول المصنف: كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله - فأسقط قوله: في قول لا إله إلا الله؛ لأنّ كلامه صريح في أن ما تقدم من العبادات صرفه لغير الله قدح في إسلام الفاعل، وقوله: لا إله إلا الله، وهذا قولنا بعينه، فأسقط حذرًا من قيام الحجّة، وكذلك أسقط بعد قول المصنف - وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك - وكذلك أسقط قوله: "وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنّفع والضّر، كالطيرة والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون. وكذلك أتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد ـ.
كلّ هذا أسقطه العراقي، وكذلك قوله: وقد أطلق الشارع على أكثر الذنوب، فهذا تحريف، والعبارة: على كثير من الذنوب، وأسقط: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٣]، وأسقط ما ساق الشيخ من الأحاديث وكلام السلف.
وأسقط قول الشيخ: فدل على أن كل من أحب شيئًا أو أطاعه، وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه. ويدل عليه أيضًا أن الله سمي طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يّس: من الآية٦٠]، وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] إلى غير ذلك مما في الرسالة من الفوائد الرادة عليه المبطلة لإفكه وضلاله، ولم أر من بلغ هذه الغاية في الكذب والتحريف وتغيير العبارات، بحذف بعضها ونقل بعضها، وتبديل كلام أهل العلم اللهم إلا ما حكى الله عن اليهود، وما جاءت به السنة من أوصافهم، فهم سلف العراقي وأئمته الأولون.
ثم عباة الشيخ ابن رجب تشهد لكلام شيخنا ﵀، فإن قوله:
"وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية - ليس راجعًا إلى كلّ ما ذكر، بل هو راجع إلى قوله: ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النّفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم ومن أتى حائضًا إلى آخر عبارته، وهذا بين بحمد الله. وليس المقصود أن دعاء الموتى ومحبتهم مع الله وحوفهم ورجائهم ونحو ذلك يكون شركًا دون شرك، هذا لا يفهمه كلامه، ولا يدل عليه بوجه، فإن ابن رجب أعلم بالله ودينه من أن يتكلم بهذه الفضيحة التي لا يقولها مسلم.
ورأيت على النسخة التي رفعت إليّ عن هذا العراقي على قول ابن رجب: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى" إلى آخره، ما نصه: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون غيره إلهًا، كما تتوهمه الخوارج المكفرون للأمة المحمدية، وهذا إذا كانت موجودة في غير أمر الشرع باستعمال هذه الأشياء معه، فإن الرسول ﷺ قد أمر بطاعته كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية٥٩] وكذلك التعظيم والإجلال في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: من الآية٩] وكذا غير ذلك، كما في الكتاب والسنة مما بينته في غير هذا الكتاب، فلا يهولنّك ما في حنك العبارة، فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه. انتهى.
فالظاهر أن هذا من كلام العراقي، لأن ألفاظه ركيكة، وتركيبه مظلم ينادي بأنه تركيب جاهل، وهكذا كلام العراقي ليس له لسان طالب علم حتى في التعبير.
وجواب هذا أن يقال:
التعريف للإله من حيث هو: ولذلك أشرك من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وسمى الشارع معبودهم إلها. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يّس:٧٤]، وقال: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦] ونحو ذلك كثير في القرآن وقال في القاموس: أله يأله إلهة وألوهية: عبد يعبد عبادة
وعبودية. وكل من عبد شيئًا فقد اتخذ إلهًا. فإن كان قصد غير الله بالطّاعة والهيبة والإجلال والمحبة والخوف والرجاء، والتوكل والسؤال والدعاء لا يصيره إلها، فإن هذا وهم للخوارج المكفرين لهذه الأمة فليهن قوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون ومشركي أهل الكتاب والعرب هذا الحكم الذي نفى به العراقي عنهم اتخاذ إله مع الله، ولو صدر منهم ما صدر من العبادات لغير الله، الله أكبر. ما أغفل هذا العرقي وما أجهله. فإن عوام المشركين من أهل الكتاب والأميين يعلمون أن من عبد شيئًا فقد اتخذه إلها. قال قوم نوح: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: من الآية٢٣]، وقالت عاد: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [لأعراف: من الآية٧٠]،،قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [صّ: من الآية٥]، فكل هؤلاء المشركين وأمثالهم يعلمون أن الإلهية تدور مع هذه العبادات حيث دارت. وهذا الثور الكبير يقول: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون هذا الغير إلها، فعلى عقله التباب والعفاء، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وأما قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: من الآية٩٢] فطاعة الرسول طاعة للمرسل، فهي طاعة لله من أجل الطّاعات. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] وكذلك ألو الأمر من العلماء والأمراء، إذا أمروا بالمعروف يطاعون تبعًا لطاعة الله ورسوله.
وأما التعزير والتوقير فالمقصود منه ما يليق بالمنصب الشريف النبوي، وليس المقصود ما يختص بمقام الربوبية، ويدخل في تعريف العبادة، ولو قيل ذلك للزم جواز عبادته ﷺ، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: من الآية٨٠] والأرباب هنا هم المعبدون.
وقوله: فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه - يطلعك على جهل العراقي وعدم معرفته بنصوص أهل العلم؛ فإنّ هذا التعريف مجمع عليه لا ينازع فيه مسلم فضلًا عن عالم.
ثم قال العراقي: النقل الرابع والثلاثون: قال ابن القيم في المدارج:
"قلت: أما المستحل فذنبه دائر بين الكفر والتأويل، فإنه إن كان عالمًا بالتحريم فكافر، وإن لم يكن عالمًا فمتأول أو مقلد".
والجواب: إن هذا تقدم، فذكره محض تكرير، وتقدم أن الكلام في الأحكام التي يحكم بها الحكام بين الناس، فالمستحل للحكم بغير ما أنزل الله كافر إن كان عالمًا بالتحريم، وإلا فمتؤول أو مقلد، وهذا القسم فيه تفصيل كما تقدم فيما نقلناه عن ابن القيم نفسه ﵀.
ثم قال العراقي: النقل الخامس والثلاثون في الكتاب المذكور: "وكفر الجحود كفران: كفر مطلق، ومقيد خاص، فالمطلق أن يجحد جملة ما أنزل الله ورسالة الرسول، والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو محرمًا من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به يجحد ذلك عمدًا، أو تقديمًا لقول متبوعه عليه، لغرض من الأغراض، وإن كان جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يعذر صاحبه فلا يكفر، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، مع هذا فقد غفر له الله ورحمه بأهله، إذ كان الذي فعل هو مبلغ علمه. ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا.
والجواب أن يقال:
هذا من جنس ما قبله، وقد تكرر الجواب عنه، وتقدم أن الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلًا يعذر صاحبه، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر الجاهل به، وقد تقدم أن عامّة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوية تأولوا، وعبّاد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع الشمس على المرايا والصور.
والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم، فقاتل الله العراقي ما أعظم جهله، وما أشد عداوته لتوحيد الله وعباده المؤمنين.
وفي العبارة التي نقلها عن ابن القيم وتقسيمه الكفر إلى مطلق وخاص مقيد: ما يرد على هذا العراقي في زعمه أن عباد القبور مسلمون، كما قال إخوانه من الضالين، محتجين بأنهم يؤذنون ويصلون ويصومون، ولم ينظروا إلى ما معهم من الكفر الخاص والضلال البعيد، والعراقي كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها.
فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
قال العراقي: في النقل السادس والثلاثين، قال ابن القيم في المدارج: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله - إلى أن قال: ومن أنواعه: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه: النذر لغير الله، ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بنفسه، فهذا صريح كلامه: أن الاستغاثة بالموتى وطلب الحوائج منهم، والنذر لغير الله، والسجود لغيره، والحلف بغيره، كل هذا من نوع الشرك الأصغر عندهم، لا الأكبر المخرج من الملة، وهم شرطوا أنه إنما يكون محرمًا إذا يكن فاعله مجتهدًا ولا مقلدًا ولا مؤولًا، ولا له شبهات يعذره الله فيها، ولا جاهلًا، ولا له حسن قصد، كما تقدم عن الشيخين في عدة نقول.
والجواب أن يقال:
من زعم أن هذا النوع الذي هو السجود للشيخ والنذر والتوكل والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم: من الشرك الأصغر فهو من أجهل الناس بدين الله وأضلهم عن سبيله، وكلام الشيخ لا يدل على هذا وليس
فيه ما يتمسك به المبطل، فإنه لما عد الشرك الأصغر وفرغ من المقصود منه قال: من أنواع الشرك، وهذا رجوع إلى ما ذكر من الشرك الأكبر، ويدل عليه أو الكلام والسياق.
وقال ﵀: أما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش لا ينكر ذلك. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهما اتخذوها من البشر (١)، قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: من الآية٣]، فهذه حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله زلفى، وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره.
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع عند الله لهم (٢)، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه، وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له.
_________
(١) الذي لا شك فيه أن الأولين لم يتخذوا آلهتهم من الحجر إلا على أنها تمثل أولياءهم ومعتقديهم من البشر، ولذلك سماها الله أولياء، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [لأعراف: من الآية١٩٤]، فالشرك في كل زمان واحد وإن اختلفت الأسماء، وقد صرّح بذلك الإمام ابن القيم في غير موضع من كتبه.
(٢) وما قام هذا في نفوسهم إلا بما أوحى إليهم شياطينهم: أن أولياءهم من نور الله الذي فاض منه ﷾، وأنهم بهذا صاروا من جنسه ولهم صفاته وخصائصه من الحياة والسمع والبصر والقدرة وغيرها. وأن لهم بذلك دالة عليه، كأبناء الملوك وأقاربهم وهم لذلك يسمونهم أهل الله، ومن هنا كان دعاؤهم إياهم ولجوءهم وعبادتهم، وهو الشرك القديم=
ثم ذكر الشيخ ﵀ فصلًا طويلًا في تقرير هذا الشرك الأكبر. ولكن تأمل قوله: "وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره" يتبين لك إن شاء الله بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد، إذ زعم أن كلام الشيخ في هذا الفصل - أعني الفصل الأول - في الشرك الأكبر، وذكر الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: من الآية٢٢]، وتكلم عليها ثم قال: "والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنون في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وهذا لأنه لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة يرى ذلك عيانًا، والله المستعان.
وهذا بعينه فعل عباد القبور، وهم المقصود بهذا الكلام، بل شركهم انتهى إلى توحيد الربوبية والأفعال، يعرف ذلك من عرف القوم وما هم عليه من الكفريات الشنيعة، إذ يزعمون أن لأوليائهم الرفع والخفض والقبض والبسط.
وقال ابن القيم في كلامه على هدم اللات في كتاب الهدي: "وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، من النذر لها والتبرك بها، والتمسح بها وتقبيلها، واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السموات والأرض بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه".
فقف وتأمل هل يكون هذا في الشرك الأصغر؟!.
_________
=والوثنية في كل عصورها تتلون بألوان مختلفة، وحقيقتها واحدة لأنها من وحي واحد هو وحي الشيطان. كما أن التوحيد واحد عند كل رسول لأنه من وحي الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال ابن جرجيس: النقل الثلاثون: "قال الشيخ في هذا الكتاب في موضع آخر: "وإذا اعتقد وجوب بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحق، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له" انتهى.
والجواب أن يقال:
كلام الشيخ في الحكم بين الناس والقضاء فيما بينهم من الخصومات، لا فيما يعم أصول الدين، ودعاء الأموات، وسياق كلام الشيخ صريح في هذا، فإن هذه المسألة معروفة مشهورة، كما قال ابن عباس: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] .
وقوله: وإن جهل حكم الله فيها - إلى آخر العبارة: دليل على أن الكلام في المسائل الاجتهادية، فأين هذا من دعاء الأموات، والاستغاثة بغير الله؟ مع أن الشيخ قد قرّر على حديث القضاة ثلاثة: أن الجاهل الذي ليس له أهلية اجتهاد داخل في الوعيد، كما هو نص الحديث. فالعراقي ملبوس عليه، لا يفهم كلام الشيخ ومع ذلك فالهوى قد أعمى بصيرته، وحال بينه وبين الفهم، فسبحان من طبع على قلبه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] .
ثم قال العراقي: "النقل الحادي والثلاثون - وساق كلام ابن القيم في أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعدواة من وجهين مختلفين. ويكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله؛ قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] أثبت لهم الإيمان مع مقارنة الشرك، فإن كان مع الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق برسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان بالرسل، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، وشركهم قسمان: جلي، وخفي، فالخفي قد يغفر.
والجواب أن يقال:
أي دليل في هذا على مسألة النزاع؟ فإن مراد الشيخ كما يعلم من تقريره وأول عبارته أن النفاق الأصغر وبعض شعبه، قد يوجد في شخص مع وجود بعض شعب الإيمان، وكذلك الكفر العملي الذي لا يخرج عن الإسلام قد يوجد مع بعض شعب الإيمان، ويكون أحدهما أقرب إليه وأولى به، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ تفيد أن الشرك قد يوجد مع الإيمان بالربوبية، كما فسرها بعض السلف، لكنه لا يخفى في النجاة، بل لا بدّ من عبادة الله وحده لا شريك له. ولذلك قال الشيخ: فإن كان مع الشرك تكذيب للرسل لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق للرسل، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان. فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، فهذا الشرك الخفي، كما يدل عليه قوله، وأما الجلي فلا يغفر إلا بالتوبة وهذا كله لنا، مبطل لما ذهب إليه العراقي، ولكنه لا يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، ولا يتعقل معاني ما يقول:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصّبابة إلا من يعانيها
قال العراقي: النقل الثاني والثلاثون، قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء
الصراط المستقيم، وفيه أي في حديث أبي ذر وقول النبي ﷺ: "إن فيك لخصلة جاهلية" إن الرجل قد يكون مع علمه وفضله ودينه فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه.
وزعم العراقي أن هذا يفيد أن الشيخين لو أطلقا لفظ الكفر والشرك على فعل واحد، فمرادهما الكفر المجازي أو الأصغر. وهذا مع اعتراف الفاعل بالحق وعدوله عنه، وأما مع بذل الوسع والاجتهاد، فهو عندهم مأجور، ولو كان مخطئًا.
والجواب أن يقال:
تبًّا لهذا العراقي، وما أضله عن سواء الطريق. وما أجهله بكلام أهل الفضل والتحقيق، وما أكذبه على الله وعلى رسوله، وعلى أهل العلم والتصديق.
وأما قوله: وقول النبي ﷺ: "إن فيك لخصلة جاهليّة" فهذا كذب على الرسول ﷺ، فالرسول ما قال هذا. وإنما قال: "إنّك امرؤ فيك جاهليّة" وهكذا رواه من خرّجه من أهل الدواوين الإسلامية. وشيخ الإسلام لم يقل هذا، بل أورده كما جاء من غير تحريف ولا تبديل. والعراقي ليس من أهل الصنعة بل هو ضال غبي، لا عناية له بهذا الشأن. والله المستعان.
وفرق بين النسبة إلى الجاهلية واليهودية والنصرانية، وبين إطلاق الكفر والشرك على الفاعل. فإن شعب الجاهلية ونحوها ليست كلها مكفرات، ولا يقال: إن تعيير الرجل بأمّه كفر، ويقال: هو جاهليّة. وكذلك أكل الرّشاء هو من اليهودية ولا يلزم أن يكون فاعله كافرًا، والكفر والشرك هما أكبر الذنوب على اختلاف أنواعهما ولا كذلك التعيير بالأم ونحوه، مما ينسب إلى الجاهلية، مما دون الشرك والكفر.
وقوله: وأما مع بذل الوسع والاجتهاد والتقليد فهو عنده مأجور - فهذا القول مما يستبين به جهل العراقي، وسوء فهمه، فإنّ النّبي ﷺ عاب هذا على
أبي ذر، ولم يقل أحد من أهل العلم، ولا قاله عن نفسه: إنه مأجور، ولا أدخل هذه المسألة في مسائل الاجتهاد، وأي اجتهاد في التعيير بالأم؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: من الآية١٣] وهذا ضرب من الناس هم أعداء النصوص والعقول والفطر، قد استهوتهم الشياطين، وأزعجتهم إلى تبديل دين الله والكذب على أوليائه، ومعاداة حزبه و﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] .
قال العراقي: النقل الثالث والثلاثون: "قال الحافظ ابن رجب في شرح كلمة الإخلاص: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا وسؤالًا ودعاءً، ولا يصلح ذلك كله إلا لله. فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأشياء التي هي من خصائص الإلهية. كان ذلك قدحًا في إخلاصه، وقدحًا في توحيده وهذا كله من فروع الشرك. ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من غير طاعة الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله. ولهذا أطلق الشارع على أكثر الذنوب التي منشؤها من هوى النفس إنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرج من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف كفر دون كفر وشرك دون شرك" انتهى.
قال العراقي: والمقصود من هذا النقل قوله: إن هذه الأشياء من خصائص الألوهية، وأنه نقص في توحيده، وهذا كله من فروع الشرك، ويطلق عليه الكفر، ومع ذلك قال آخر العبارة: وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية، وإنه ليس بكفر وشرك مخرجين عنها، بل دون ذلك، وهذا على مذهبه اتباعًا للشيخين وأنه تلميذهما.
والجواب أن يقال:
هذا النقل ليس فيه ما يتمسك به المبطل، فإن كلامه صريح في أن الإله هو الذي يقصد بهذه الأمور، مع أن النقل اعتراه ما اعترى أمثاله من
التحريف، وإسقاط بعض الكلام المتصل، وترك ما فيه مما يرد على هذا العراقي ويبطل دعواه.
من ذلك: أنه حذف بعد قول المصنف: كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله - فأسقط قوله: في قول لا إله إلا الله؛ لأنّ كلامه صريح في أن ما تقدم من العبادات صرفه لغير الله قدح في إسلام الفاعل، وقوله: لا إله إلا الله، وهذا قولنا بعينه، فأسقط حذرًا من قيام الحجّة، وكذلك أسقط بعد قول المصنف - وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك - وكذلك أسقط قوله: "وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنّفع والضّر، كالطيرة والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون. وكذلك أتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد ـ.
كلّ هذا أسقطه العراقي، وكذلك قوله: وقد أطلق الشارع على أكثر الذنوب، فهذا تحريف، والعبارة: على كثير من الذنوب، وأسقط: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٣]، وأسقط ما ساق الشيخ من الأحاديث وكلام السلف.
وأسقط قول الشيخ: فدل على أن كل من أحب شيئًا أو أطاعه، وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه. ويدل عليه أيضًا أن الله سمي طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يّس: من الآية٦٠]، وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] إلى غير ذلك مما في الرسالة من الفوائد الرادة عليه المبطلة لإفكه وضلاله، ولم أر من بلغ هذه الغاية في الكذب والتحريف وتغيير العبارات، بحذف بعضها ونقل بعضها، وتبديل كلام أهل العلم اللهم إلا ما حكى الله عن اليهود، وما جاءت به السنة من أوصافهم، فهم سلف العراقي وأئمته الأولون.
ثم عباة الشيخ ابن رجب تشهد لكلام شيخنا ﵀، فإن قوله:
"وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية - ليس راجعًا إلى كلّ ما ذكر، بل هو راجع إلى قوله: ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النّفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم ومن أتى حائضًا إلى آخر عبارته، وهذا بين بحمد الله. وليس المقصود أن دعاء الموتى ومحبتهم مع الله وحوفهم ورجائهم ونحو ذلك يكون شركًا دون شرك، هذا لا يفهمه كلامه، ولا يدل عليه بوجه، فإن ابن رجب أعلم بالله ودينه من أن يتكلم بهذه الفضيحة التي لا يقولها مسلم.
ورأيت على النسخة التي رفعت إليّ عن هذا العراقي على قول ابن رجب: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى" إلى آخره، ما نصه: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون غيره إلهًا، كما تتوهمه الخوارج المكفرون للأمة المحمدية، وهذا إذا كانت موجودة في غير أمر الشرع باستعمال هذه الأشياء معه، فإن الرسول ﷺ قد أمر بطاعته كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية٥٩] وكذلك التعظيم والإجلال في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: من الآية٩] وكذا غير ذلك، كما في الكتاب والسنة مما بينته في غير هذا الكتاب، فلا يهولنّك ما في حنك العبارة، فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه. انتهى.
فالظاهر أن هذا من كلام العراقي، لأن ألفاظه ركيكة، وتركيبه مظلم ينادي بأنه تركيب جاهل، وهكذا كلام العراقي ليس له لسان طالب علم حتى في التعبير.
وجواب هذا أن يقال:
التعريف للإله من حيث هو: ولذلك أشرك من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وسمى الشارع معبودهم إلها. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يّس:٧٤]، وقال: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦] ونحو ذلك كثير في القرآن وقال في القاموس: أله يأله إلهة وألوهية: عبد يعبد عبادة
وعبودية. وكل من عبد شيئًا فقد اتخذ إلهًا. فإن كان قصد غير الله بالطّاعة والهيبة والإجلال والمحبة والخوف والرجاء، والتوكل والسؤال والدعاء لا يصيره إلها، فإن هذا وهم للخوارج المكفرين لهذه الأمة فليهن قوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون ومشركي أهل الكتاب والعرب هذا الحكم الذي نفى به العراقي عنهم اتخاذ إله مع الله، ولو صدر منهم ما صدر من العبادات لغير الله، الله أكبر. ما أغفل هذا العرقي وما أجهله. فإن عوام المشركين من أهل الكتاب والأميين يعلمون أن من عبد شيئًا فقد اتخذه إلها. قال قوم نوح: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: من الآية٢٣]، وقالت عاد: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [لأعراف: من الآية٧٠]،،قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [صّ: من الآية٥]، فكل هؤلاء المشركين وأمثالهم يعلمون أن الإلهية تدور مع هذه العبادات حيث دارت. وهذا الثور الكبير يقول: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون هذا الغير إلها، فعلى عقله التباب والعفاء، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وأما قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: من الآية٩٢] فطاعة الرسول طاعة للمرسل، فهي طاعة لله من أجل الطّاعات. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] وكذلك ألو الأمر من العلماء والأمراء، إذا أمروا بالمعروف يطاعون تبعًا لطاعة الله ورسوله.
وأما التعزير والتوقير فالمقصود منه ما يليق بالمنصب الشريف النبوي، وليس المقصود ما يختص بمقام الربوبية، ويدخل في تعريف العبادة، ولو قيل ذلك للزم جواز عبادته ﷺ، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: من الآية٨٠] والأرباب هنا هم المعبدون.
وقوله: فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه - يطلعك على جهل العراقي وعدم معرفته بنصوص أهل العلم؛ فإنّ هذا التعريف مجمع عليه لا ينازع فيه مسلم فضلًا عن عالم.
ثم قال العراقي: النقل الرابع والثلاثون: قال ابن القيم في المدارج:
"قلت: أما المستحل فذنبه دائر بين الكفر والتأويل، فإنه إن كان عالمًا بالتحريم فكافر، وإن لم يكن عالمًا فمتأول أو مقلد".
والجواب: إن هذا تقدم، فذكره محض تكرير، وتقدم أن الكلام في الأحكام التي يحكم بها الحكام بين الناس، فالمستحل للحكم بغير ما أنزل الله كافر إن كان عالمًا بالتحريم، وإلا فمتؤول أو مقلد، وهذا القسم فيه تفصيل كما تقدم فيما نقلناه عن ابن القيم نفسه ﵀.
ثم قال العراقي: النقل الخامس والثلاثون في الكتاب المذكور: "وكفر الجحود كفران: كفر مطلق، ومقيد خاص، فالمطلق أن يجحد جملة ما أنزل الله ورسالة الرسول، والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو محرمًا من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به يجحد ذلك عمدًا، أو تقديمًا لقول متبوعه عليه، لغرض من الأغراض، وإن كان جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يعذر صاحبه فلا يكفر، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، مع هذا فقد غفر له الله ورحمه بأهله، إذ كان الذي فعل هو مبلغ علمه. ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا.
والجواب أن يقال:
هذا من جنس ما قبله، وقد تكرر الجواب عنه، وتقدم أن الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلًا يعذر صاحبه، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر الجاهل به، وقد تقدم أن عامّة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوية تأولوا، وعبّاد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع الشمس على المرايا والصور.
والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم، فقاتل الله العراقي ما أعظم جهله، وما أشد عداوته لتوحيد الله وعباده المؤمنين.
وفي العبارة التي نقلها عن ابن القيم وتقسيمه الكفر إلى مطلق وخاص مقيد: ما يرد على هذا العراقي في زعمه أن عباد القبور مسلمون، كما قال إخوانه من الضالين، محتجين بأنهم يؤذنون ويصلون ويصومون، ولم ينظروا إلى ما معهم من الكفر الخاص والضلال البعيد، والعراقي كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها.
فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
قال العراقي: في النقل السادس والثلاثين، قال ابن القيم في المدارج: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله - إلى أن قال: ومن أنواعه: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه: النذر لغير الله، ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بنفسه، فهذا صريح كلامه: أن الاستغاثة بالموتى وطلب الحوائج منهم، والنذر لغير الله، والسجود لغيره، والحلف بغيره، كل هذا من نوع الشرك الأصغر عندهم، لا الأكبر المخرج من الملة، وهم شرطوا أنه إنما يكون محرمًا إذا يكن فاعله مجتهدًا ولا مقلدًا ولا مؤولًا، ولا له شبهات يعذره الله فيها، ولا جاهلًا، ولا له حسن قصد، كما تقدم عن الشيخين في عدة نقول.
والجواب أن يقال:
من زعم أن هذا النوع الذي هو السجود للشيخ والنذر والتوكل والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم: من الشرك الأصغر فهو من أجهل الناس بدين الله وأضلهم عن سبيله، وكلام الشيخ لا يدل على هذا وليس
فيه ما يتمسك به المبطل، فإنه لما عد الشرك الأصغر وفرغ من المقصود منه قال: من أنواع الشرك، وهذا رجوع إلى ما ذكر من الشرك الأكبر، ويدل عليه أو الكلام والسياق.
وقال ﵀: أما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش لا ينكر ذلك. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهما اتخذوها من البشر (١)، قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: من الآية٣]، فهذه حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله زلفى، وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره.
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع عند الله لهم (٢)، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه، وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له.
_________
(١) الذي لا شك فيه أن الأولين لم يتخذوا آلهتهم من الحجر إلا على أنها تمثل أولياءهم ومعتقديهم من البشر، ولذلك سماها الله أولياء، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [لأعراف: من الآية١٩٤]، فالشرك في كل زمان واحد وإن اختلفت الأسماء، وقد صرّح بذلك الإمام ابن القيم في غير موضع من كتبه.
(٢) وما قام هذا في نفوسهم إلا بما أوحى إليهم شياطينهم: أن أولياءهم من نور الله الذي فاض منه ﷾، وأنهم بهذا صاروا من جنسه ولهم صفاته وخصائصه من الحياة والسمع والبصر والقدرة وغيرها. وأن لهم بذلك دالة عليه، كأبناء الملوك وأقاربهم وهم لذلك يسمونهم أهل الله، ومن هنا كان دعاؤهم إياهم ولجوءهم وعبادتهم، وهو الشرك القديم=
ثم ذكر الشيخ ﵀ فصلًا طويلًا في تقرير هذا الشرك الأكبر. ولكن تأمل قوله: "وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره" يتبين لك إن شاء الله بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد، إذ زعم أن كلام الشيخ في هذا الفصل - أعني الفصل الأول - في الشرك الأكبر، وذكر الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: من الآية٢٢]، وتكلم عليها ثم قال: "والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنون في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وهذا لأنه لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة يرى ذلك عيانًا، والله المستعان.
وهذا بعينه فعل عباد القبور، وهم المقصود بهذا الكلام، بل شركهم انتهى إلى توحيد الربوبية والأفعال، يعرف ذلك من عرف القوم وما هم عليه من الكفريات الشنيعة، إذ يزعمون أن لأوليائهم الرفع والخفض والقبض والبسط.
وقال ابن القيم في كلامه على هدم اللات في كتاب الهدي: "وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، من النذر لها والتبرك بها، والتمسح بها وتقبيلها، واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السموات والأرض بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه".
فقف وتأمل هل يكون هذا في الشرك الأصغر؟!.
_________
=والوثنية في كل عصورها تتلون بألوان مختلفة، وحقيقتها واحدة لأنها من وحي واحد هو وحي الشيطان. كما أن التوحيد واحد عند كل رسول لأنه من وحي الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
Translation
فصل
#34
Chapter 34 — فصل
· ref. #34
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
ثم قال الشيخ ﵀ بعدما ذكر الشرك الأكبر والأصغر ـ: ومن أنوع الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ إنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره، ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغانة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عند الله. فإن الله تعالى لا يشفع له عنده أحد إلا بإذنه، والله تعالىلم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ: إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات وهم تنقصوا الخالق
بالشرك، وأوليائه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان وما أكثر المستجيبين لهم. ولله خليله إبراهيم حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [ابراهيم: من الآية ٣٥ ـ٣٦]، وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا التقرير الواضح البين الذي لا يحتمل التأويل، وقوله: "طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وأن هذا أصل شرك العالم"، وقوله: "فعكس المشركون هذا، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد"، وقوله: "وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان" واستدلاله بقول الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقوله: "وما نجا من شرِك هذا الشرك الأكبر إلا من جرّد توحيده لله".
فانظر وتأمل هذه النصوص الجليلة الواضحة في الشرك الأكبر، الذي هو دين العراقي وأمثاله. هل يمكن صرفها إلى الشرك الأصغر؟ وهل يقبل ذلك عقل من له أدنى ممارسة للعلم الديني النبوي؟ وهذا العراقي رأى سلفًا له قد شبه بها في زمن الشيخ فتبعه، ولم يبال بما تقدم من التقرير التوضيح لغلبة الهوى، ومحبة ما هو عليه من عبادة الصالحين، ودعوة الناس إلى ذلك، قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: من الآية٩٣] .
وبالجملة فمن وقف على كلام الشيخ ابن القيم في هذا الموضع تبين له الهدى، وعرف سبيل من ضل وغوى.
وأيضًا فالعدول إلى الاسم الظاهر في المعطوفات، وهو قوله: "ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ" يفيد أن هذا رجوع إلى الشرك من حيث هو لا إلى الأصغر، وكذلك سجود المريد للشيخ لا يختلف في أنه من الشرك الأكبر، كما نص فقهاء المذاهب في باب الردة. وقد أجاب
شيخنا ﵀ عن هذه الشبهة بنحو ما ذكرنا، والحق ظاهر بحمد الله لا تخفى أنواره، ولكن أهل الزيغ يتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله، وكلام أهل العلم. قالت أمّ المؤمنين عائشة ﵂: "إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم" انتهى.
ثم قال العراقي: "النقل السابع والثلاثون: قال ابن المقري الشافعي في مختصر الروضة: إن من كان من أهل الشهادة لا يكفر ببدعة على الإطلاق. وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن تيمية".
والجواب:
إن هذه العبارة يحتج بها على العراقي وأمثاله من القائلين: إن عبادة الأولياء والصالحين شرك أصغر أو مستحبة، كما زعمه هذا الضال، وذلك من وجوه:
الأول: أن الكلام في البدعة، والبدعة في عرف الشرع دون الشرك الأكبر والكفر، فكلامه في أهل البدع، والعراقي تأويله في أهل الشرك؛ ولذلك فرق الفقهاء بين المبتدع ومن يدعو غير الله، ويستغيث به ويتوكل عليه، كما ذكره ابن القيم وغيره من المصنفين في الكبائر كابن حجر الهيتمي.
الوجه الثاني: أن هذا مقيد بمن كان من أهل الشهادة، وهذا القيد يخرج عباد القبور، لأن المقصود بالشهادة التوحيد، كما في حديث وفد عبد القيس: "وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدو من المغنم الخمس". وأهل الشهادة هم أهل الإيمان باتفاق المسلمين. ومن عداهم ليس من أهل الشهادة، وإن قالها من قالها بلسانه كاليهود والمنافقين.
الثالث: إن قوله: على الإطلاق لا ينافي أنه يكفر ببعض البدع المقيدة.
الرابع: أن قوله: "وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله" مخرج لعباد القبور وأهل الردة، فإنه لا تأويل معهم يلتبس به الأمر، ولهذا لم يعذر أهل الفترة ونحوهم ممن اتخذ مع الله إلها آخر.
وقد سئل شيخ الإسلام عن رجل قال: قال النبي ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، قال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث، فقال له ناقل الحديث: أنا لو فعلت كل ما لا يليق وقلت: لا إله إلا الله، دخلت الجنة ولم أدخل النار؟ ".
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: "الحمد لله رب العالمين، من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثير، بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويصدقون، ولكن لا يقبل منهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٣، ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٢: ١٥] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " ولمسلم: " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ". وفي الصحيحين عنه أنه قال: " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه
خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
ولكن إذا قال: لا إله إلا الله خالصًا صادقًا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد في النار، إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ، لكن من دخلها من فساق أهل القبلة من أهل السرقة، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وغير هؤلاء - فإنهم إذا عذبهم الله فيها عذبهم على قدر ذنوبهم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة: " منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا، أخرجوا بعد ذلك كالحمم، فيلقون في نهر يقال له الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيدخلون الجنة مكتوب على رقابهم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار ". وتفصيل هذه الجملة لا يحتمله هذا الموضع، والله أعلم.
قال العراقي: النقل الثامن والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في الفرقان: "وليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ويكون مما نهى الله عنه، فيجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات الله لأوليائه، وتكون من الشيطان لبسها عليه لينقص من درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله؛ فإن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ فقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦] . وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر " فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرًا على اجتهاده، وخطأه مغفور.
ثم قال العراقي: "النقل التاسع والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في
اقتضاء الصراط المستقيم: "ثم هذا التحريم والكراهية قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلدًا، والمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وحسن قصده أو لمحض رحمة الله به" انتهى.
ثم قال: النقل الأربعون: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضًا: "فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شره من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله، نعم قد يكون متأولًا في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، ويثاب على اجتهاده. لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا - إلى أن قال بعد كلام قليل ـ: ثم قد يكون كل منهما معفوًا عنه الاجتهاده ومثابًا على الاجتهاد، فتخلف عنه الذنب لفوات شرطه، ولوجود ماعه.
والجواب عن هذا كله قد تقدم:
ولم يأت العراقي بمزيد حجة، بل هو من جنس ما قبله تحريف ظاهر ونقل لا حجة فيه.
فأما ما نقله عن الفرقان فحقّ، لكن ليس من مسألة النزاع في شيء، بل حاصله: أنه لا تشترط العصمة في الولي، ولا العلم بكل ما يحتاجه ويرد عليه، والفرق في جميع الجزئيات الواردة بين أمر الله ونهيه، وأنه ربما ظن في بعض الخوارق أنها كرامة، وهي تلبيس من الشيطان، وأن هذا قد يغفر مع الخطأ والنسيان.
فأي دليل في هذا على أن الولي يدعو أهل القبور ويستغيث بهم، ويوكل عليهم ويجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته؟ ولا يقاس الخطأ في أصل الدين وشهادة أن لا إله إلا الله بالخطأ في غيره. فأي حجّة في هذا؟ ولا يلزم من المغفرة في هذا أن يغفر الشرك الأكبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: من الآية٤٨] . وهذا
الأحمق من المحن على كلام أهل العلم، يضعه في غير موضعه، فيزيل بهجته ويكدر صفوه.
وأما حديث أبي هريرة: "إذا اجتهد الحاكم - إلى آخره" فقد تقدم الجواب عنه.
وقوله في النقل التاسع والثلاثين: "ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلدًا، فقد قيد هذا الكلام بأن المراد ما يعذر فيه. وليس كل الذنوب وكل الخطأ يعذر فيه. قد تقدم تقرير هذا.
وقوله: والمعذور قد يتجاوز عنه، فهو مما يدل على أن كلام الشيخ فيما دون الشرك الأكبر، فإن الشرك الأكبر لا يغفر بنص القرآن، وإجماع الأمة. فلا يحمل كلام أهل العلم على ما يخالف الكتاب والسنة.
وأما قوله في النقل الأربعين من قوله: فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله، فهذا هو عين ما نقمه المسلمون على العراقي وأمثاله من الدين الذي دعا به إلى دعاء الصالحين والاستغاثة بهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، فهؤلاء الضلال ممن شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن أطاعهم في فعل الشرك الذي أجمعت الرسل والكتب السماوية على تحريمه، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله فكيف ينقل هذا من افترى على الكذب، وكتب خمسين دليلًا على جواز الاستغاثة بالأموات بزعمه وأنها مستحبة؟ فقاتله الله ما أعمى بصيرته وما أغلظ جهله.
وإن كان تمسكه بقول الشيخ: نعم قد يكون متأولًا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ - فهذا الكلام ليس فيه يتمسك به العراقي؛ لأنّ التأويل والاجتهاد فيما قد يخفى، وأي خفاء فيما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله
من توحيد الله وترك الشرك به؟ ولذلك قال الشيخ: إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، يعني وأما ما لا يعفى معه عن المخطئ فيعاقب ولا يعذر، بل يذم وتجري عليه الأحكام الشرعية، وقد تقدم تقرير هذا مرارًا، والعراقي يتشبع بما لم يعط ويتكثّر بما ليس له.
قال العراقي في النقل الحادي والأربعين: قال ابن القيم في الداء والدواء:
وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
ثم قال الشيخ ﵀ بعدما ذكر الشرك الأكبر والأصغر ـ: ومن أنوع الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ إنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره، ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغانة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عند الله. فإن الله تعالى لا يشفع له عنده أحد إلا بإذنه، والله تعالىلم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ: إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات وهم تنقصوا الخالق
بالشرك، وأوليائه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان وما أكثر المستجيبين لهم. ولله خليله إبراهيم حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [ابراهيم: من الآية ٣٥ ـ٣٦]، وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا التقرير الواضح البين الذي لا يحتمل التأويل، وقوله: "طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وأن هذا أصل شرك العالم"، وقوله: "فعكس المشركون هذا، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد"، وقوله: "وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان" واستدلاله بقول الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقوله: "وما نجا من شرِك هذا الشرك الأكبر إلا من جرّد توحيده لله".
فانظر وتأمل هذه النصوص الجليلة الواضحة في الشرك الأكبر، الذي هو دين العراقي وأمثاله. هل يمكن صرفها إلى الشرك الأصغر؟ وهل يقبل ذلك عقل من له أدنى ممارسة للعلم الديني النبوي؟ وهذا العراقي رأى سلفًا له قد شبه بها في زمن الشيخ فتبعه، ولم يبال بما تقدم من التقرير التوضيح لغلبة الهوى، ومحبة ما هو عليه من عبادة الصالحين، ودعوة الناس إلى ذلك، قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: من الآية٩٣] .
وبالجملة فمن وقف على كلام الشيخ ابن القيم في هذا الموضع تبين له الهدى، وعرف سبيل من ضل وغوى.
وأيضًا فالعدول إلى الاسم الظاهر في المعطوفات، وهو قوله: "ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ" يفيد أن هذا رجوع إلى الشرك من حيث هو لا إلى الأصغر، وكذلك سجود المريد للشيخ لا يختلف في أنه من الشرك الأكبر، كما نص فقهاء المذاهب في باب الردة. وقد أجاب
شيخنا ﵀ عن هذه الشبهة بنحو ما ذكرنا، والحق ظاهر بحمد الله لا تخفى أنواره، ولكن أهل الزيغ يتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله، وكلام أهل العلم. قالت أمّ المؤمنين عائشة ﵂: "إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم" انتهى.
ثم قال العراقي: "النقل السابع والثلاثون: قال ابن المقري الشافعي في مختصر الروضة: إن من كان من أهل الشهادة لا يكفر ببدعة على الإطلاق. وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن تيمية".
والجواب:
إن هذه العبارة يحتج بها على العراقي وأمثاله من القائلين: إن عبادة الأولياء والصالحين شرك أصغر أو مستحبة، كما زعمه هذا الضال، وذلك من وجوه:
الأول: أن الكلام في البدعة، والبدعة في عرف الشرع دون الشرك الأكبر والكفر، فكلامه في أهل البدع، والعراقي تأويله في أهل الشرك؛ ولذلك فرق الفقهاء بين المبتدع ومن يدعو غير الله، ويستغيث به ويتوكل عليه، كما ذكره ابن القيم وغيره من المصنفين في الكبائر كابن حجر الهيتمي.
الوجه الثاني: أن هذا مقيد بمن كان من أهل الشهادة، وهذا القيد يخرج عباد القبور، لأن المقصود بالشهادة التوحيد، كما في حديث وفد عبد القيس: "وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدو من المغنم الخمس". وأهل الشهادة هم أهل الإيمان باتفاق المسلمين. ومن عداهم ليس من أهل الشهادة، وإن قالها من قالها بلسانه كاليهود والمنافقين.
الثالث: إن قوله: على الإطلاق لا ينافي أنه يكفر ببعض البدع المقيدة.
الرابع: أن قوله: "وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله" مخرج لعباد القبور وأهل الردة، فإنه لا تأويل معهم يلتبس به الأمر، ولهذا لم يعذر أهل الفترة ونحوهم ممن اتخذ مع الله إلها آخر.
وقد سئل شيخ الإسلام عن رجل قال: قال النبي ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، قال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث، فقال له ناقل الحديث: أنا لو فعلت كل ما لا يليق وقلت: لا إله إلا الله، دخلت الجنة ولم أدخل النار؟ ".
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: "الحمد لله رب العالمين، من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثير، بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويصدقون، ولكن لا يقبل منهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٣، ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٢: ١٥] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " ولمسلم: " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ". وفي الصحيحين عنه أنه قال: " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه
خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
ولكن إذا قال: لا إله إلا الله خالصًا صادقًا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد في النار، إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ، لكن من دخلها من فساق أهل القبلة من أهل السرقة، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وغير هؤلاء - فإنهم إذا عذبهم الله فيها عذبهم على قدر ذنوبهم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة: " منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا، أخرجوا بعد ذلك كالحمم، فيلقون في نهر يقال له الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيدخلون الجنة مكتوب على رقابهم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار ". وتفصيل هذه الجملة لا يحتمله هذا الموضع، والله أعلم.
قال العراقي: النقل الثامن والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في الفرقان: "وليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ويكون مما نهى الله عنه، فيجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات الله لأوليائه، وتكون من الشيطان لبسها عليه لينقص من درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله؛ فإن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ فقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦] . وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر " فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرًا على اجتهاده، وخطأه مغفور.
ثم قال العراقي: "النقل التاسع والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في
اقتضاء الصراط المستقيم: "ثم هذا التحريم والكراهية قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلدًا، والمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وحسن قصده أو لمحض رحمة الله به" انتهى.
ثم قال: النقل الأربعون: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضًا: "فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شره من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله، نعم قد يكون متأولًا في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، ويثاب على اجتهاده. لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا - إلى أن قال بعد كلام قليل ـ: ثم قد يكون كل منهما معفوًا عنه الاجتهاده ومثابًا على الاجتهاد، فتخلف عنه الذنب لفوات شرطه، ولوجود ماعه.
والجواب عن هذا كله قد تقدم:
ولم يأت العراقي بمزيد حجة، بل هو من جنس ما قبله تحريف ظاهر ونقل لا حجة فيه.
فأما ما نقله عن الفرقان فحقّ، لكن ليس من مسألة النزاع في شيء، بل حاصله: أنه لا تشترط العصمة في الولي، ولا العلم بكل ما يحتاجه ويرد عليه، والفرق في جميع الجزئيات الواردة بين أمر الله ونهيه، وأنه ربما ظن في بعض الخوارق أنها كرامة، وهي تلبيس من الشيطان، وأن هذا قد يغفر مع الخطأ والنسيان.
فأي دليل في هذا على أن الولي يدعو أهل القبور ويستغيث بهم، ويوكل عليهم ويجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته؟ ولا يقاس الخطأ في أصل الدين وشهادة أن لا إله إلا الله بالخطأ في غيره. فأي حجّة في هذا؟ ولا يلزم من المغفرة في هذا أن يغفر الشرك الأكبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: من الآية٤٨] . وهذا
الأحمق من المحن على كلام أهل العلم، يضعه في غير موضعه، فيزيل بهجته ويكدر صفوه.
وأما حديث أبي هريرة: "إذا اجتهد الحاكم - إلى آخره" فقد تقدم الجواب عنه.
وقوله في النقل التاسع والثلاثين: "ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلدًا، فقد قيد هذا الكلام بأن المراد ما يعذر فيه. وليس كل الذنوب وكل الخطأ يعذر فيه. قد تقدم تقرير هذا.
وقوله: والمعذور قد يتجاوز عنه، فهو مما يدل على أن كلام الشيخ فيما دون الشرك الأكبر، فإن الشرك الأكبر لا يغفر بنص القرآن، وإجماع الأمة. فلا يحمل كلام أهل العلم على ما يخالف الكتاب والسنة.
وأما قوله في النقل الأربعين من قوله: فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله، فهذا هو عين ما نقمه المسلمون على العراقي وأمثاله من الدين الذي دعا به إلى دعاء الصالحين والاستغاثة بهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، فهؤلاء الضلال ممن شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن أطاعهم في فعل الشرك الذي أجمعت الرسل والكتب السماوية على تحريمه، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله فكيف ينقل هذا من افترى على الكذب، وكتب خمسين دليلًا على جواز الاستغاثة بالأموات بزعمه وأنها مستحبة؟ فقاتله الله ما أعمى بصيرته وما أغلظ جهله.
وإن كان تمسكه بقول الشيخ: نعم قد يكون متأولًا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ - فهذا الكلام ليس فيه يتمسك به العراقي؛ لأنّ التأويل والاجتهاد فيما قد يخفى، وأي خفاء فيما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله
من توحيد الله وترك الشرك به؟ ولذلك قال الشيخ: إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، يعني وأما ما لا يعفى معه عن المخطئ فيعاقب ولا يعذر، بل يذم وتجري عليه الأحكام الشرعية، وقد تقدم تقرير هذا مرارًا، والعراقي يتشبع بما لم يعط ويتكثّر بما ليس له.
قال العراقي في النقل الحادي والأربعين: قال ابن القيم في الداء والدواء:
Translation
فصل
#35
Chapter 35 — فصل
· ref. #35
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل
: وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك - يعني شرك من تجعل مع الله إلها آخر - وأخف أمرًا فانه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، ولا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته. بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة تارة، والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. هذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".
فالرياء كله شرك - إلى أن قال ـ:
: وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك - يعني شرك من تجعل مع الله إلها آخر - وأخف أمرًا فانه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، ولا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته. بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة تارة، والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. هذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".
فالرياء كله شرك - إلى أن قال ـ:
Translation
فصل
#36
Chapter 36 — فصل
· ref. #36
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
ويتبع هذا الشرك: الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبي ﷺ من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ " إلى آخر ما قال.
فانظر إلى إقراره أن الشرك في المعاملة والعبادة يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا ربّ سواه وأنه يعمل لحظ نفسه وللخلق وللشيطان، ولطلب الدنيا. ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار، كما ذكر النبي ﷺ لأصحابه أنهم ينجون بقولهم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" حتى قال ﵀: ويتبع هذا الشرك - يعني شرك العبادة - السجود لغير الله والطواف بغير بيته، وتقبيل الأحجار والقبور، والسجود لها، فجعل كل هذه من جنس الشرك الأصغر الأول الذي أخبر أنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه حال أكثر الناس، وأنه يغفر بالاستغفار، وبالاجتهاد والتقليد والتأويل والجهد، كما مرّ عنهما في مواضع متعددة.
والجواب أن يقال:
هذا النقل اعتراه تحريف وإلحاد، وصرف للكلام عن مدلوله، يتبين
بسياق كلام الشيخ ابن القيم، فإنه لما تكلم على الكبائر ﵀، وتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة بإيجاد الخلق وتكلم على ذلك، فقال ﵀: ووقعت مسألة، وهي أن المشرك إنما قصد تعظيم جناب الربّ ﷾، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلا بالوسائط، والشّفعاء حكال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرّب، وإنما قصد تعظيمه، فلِمَ كان هذا القدر موجبًا لسخطته وغضبه ﵎، ومخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
ويترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله ﷾ لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائل ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كلّ قبيح. وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب.
فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد؛ فإنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له: ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
الشرك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ﷾ لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأوّل نوعان أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٣]، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: من الآية٣٦ـ٣٧] .
والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالحقّ ﷾ وصفاته، ولكنه عطل حقّ التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
تعطيل المصنوع عن صانعه، وخالقه، وتعطيل الصانع ﷾ عن كماله بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثمّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان. بل الحقّ المنزه هو عين الخلق المشبه ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته: وإن لم يكن معدومًا أصلًا. بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط، اقتضت إيجادها، فسموها العقول والنفوس ومن هذا شرك ومن عطل أسماء الرب ﵎، وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
ويتبع هذا الشرك: الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبي ﷺ من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ " إلى آخر ما قال.
فانظر إلى إقراره أن الشرك في المعاملة والعبادة يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا ربّ سواه وأنه يعمل لحظ نفسه وللخلق وللشيطان، ولطلب الدنيا. ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار، كما ذكر النبي ﷺ لأصحابه أنهم ينجون بقولهم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" حتى قال ﵀: ويتبع هذا الشرك - يعني شرك العبادة - السجود لغير الله والطواف بغير بيته، وتقبيل الأحجار والقبور، والسجود لها، فجعل كل هذه من جنس الشرك الأصغر الأول الذي أخبر أنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه حال أكثر الناس، وأنه يغفر بالاستغفار، وبالاجتهاد والتقليد والتأويل والجهد، كما مرّ عنهما في مواضع متعددة.
والجواب أن يقال:
هذا النقل اعتراه تحريف وإلحاد، وصرف للكلام عن مدلوله، يتبين
بسياق كلام الشيخ ابن القيم، فإنه لما تكلم على الكبائر ﵀، وتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة بإيجاد الخلق وتكلم على ذلك، فقال ﵀: ووقعت مسألة، وهي أن المشرك إنما قصد تعظيم جناب الربّ ﷾، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلا بالوسائط، والشّفعاء حكال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرّب، وإنما قصد تعظيمه، فلِمَ كان هذا القدر موجبًا لسخطته وغضبه ﵎، ومخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
ويترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله ﷾ لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائل ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كلّ قبيح. وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب.
فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد؛ فإنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له: ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
الشرك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ﷾ لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأوّل نوعان أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٣]، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: من الآية٣٦ـ٣٧] .
والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالحقّ ﷾ وصفاته، ولكنه عطل حقّ التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
تعطيل المصنوع عن صانعه، وخالقه، وتعطيل الصانع ﷾ عن كماله بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثمّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان. بل الحقّ المنزه هو عين الخلق المشبه ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته: وإن لم يكن معدومًا أصلًا. بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط، اقتضت إيجادها، فسموها العقول والنفوس ومن هذا شرك ومن عطل أسماء الرب ﵎، وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
Translation
فصل
#37
Chapter 37 — فصل
· ref. #37
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها.
ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذى يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله؛ ولهذا كانوا أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: من الآية٢٥٨]، فهذا جعل نفسه ندا لله ﷿ يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم ﷺ أن طرد قولك: أن تقدر علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض الحذّاق، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقًا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم. ومن هذا شرك عبّاد الشّمس وعبّاد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتزّ به. ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتي تقربه الآلهة إلى الله ﷾ فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل
النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها.
ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذى يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله؛ ولهذا كانوا أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: من الآية٢٥٨]، فهذا جعل نفسه ندا لله ﷿ يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم ﷺ أن طرد قولك: أن تقدر علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض الحذّاق، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقًا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم. ومن هذا شرك عبّاد الشّمس وعبّاد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتزّ به. ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتي تقربه الآلهة إلى الله ﷾ فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل
Translation
فصل
#38
Chapter 38 — فصل
· ref. #38
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لاإله إلا الله. وأنه لا يضر وينفع ويعطى ويمنع إلا الله ﷿. وأنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ولكن لا يخلص لله معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله تعالى من عمله وسعيه نصيب. هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل! قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالالهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم اجعل عملى كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا".
وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه، إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله فيعاقب على ترك الأمر، فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] فمن لم يخلص لله عبادته لم يفعل ما أمر به، بل يكون الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول ﷾: "أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معى فيه غيري فهو للذى أشرك معي وأنا منه برئ".
وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور [وغير مغفور]، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله فهذا من الشّرك الذي لا يغفره الله، وهو الشّرك في الدين. قال ﷾ فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم يوم القيامة وقد جمعتهم الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ـ٩٨] . ومعلوم أنهم ما سووهم به ﷾ فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأيّ حكم أشد جورًا منه؟ حيث عدل من لا عدل له يخلقه كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.
وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لاإله إلا الله. وأنه لا يضر وينفع ويعطى ويمنع إلا الله ﷿. وأنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ولكن لا يخلص لله معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله تعالى من عمله وسعيه نصيب. هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل! قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالالهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم اجعل عملى كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا".
وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه، إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله فيعاقب على ترك الأمر، فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] فمن لم يخلص لله عبادته لم يفعل ما أمر به، بل يكون الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول ﷾: "أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معى فيه غيري فهو للذى أشرك معي وأنا منه برئ".
وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور [وغير مغفور]، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله فهذا من الشّرك الذي لا يغفره الله، وهو الشّرك في الدين. قال ﷾ فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم يوم القيامة وقد جمعتهم الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ـ٩٨] . ومعلوم أنهم ما سووهم به ﷾ فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأيّ حكم أشد جورًا منه؟ حيث عدل من لا عدل له يخلقه كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.
Translation
فصل
#39
Chapter 39 — فصل
· ref. #39
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
ويتبع هذا الشرك به ﷾ فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، والشرك فى الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لقبره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمينه فى الأرض أو تقبيل القبور واستلامها، والسّجود لها وقد لعن النّبي ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله تعالى فيها، فكيف بمن اتخذ أوثانا يعبدها من دون الله؟ ففى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفى الصحيح عنه ﷺ: "إنّ شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد"، وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك"، وفى مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه ﷺ: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وقال ﷺ: "اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال ﷺ: "إن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
فهذا حال من سجد لله فى المسجد المتخذ على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه؟ وقد قال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقد حمى النبي جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يكون
ذلك ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، وسد الذريعة فمنع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال ﷺ: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" ولا ينبغي فى كلام الله ﷿ ورسوله ﷺ للذي هو غاية الامتناع شرعًا، كقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ـ٢١١]، وقوله عن الملائكة: وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: من الآية١٨] .
ويتبع هذا الشرك به ﷾ فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، والشرك فى الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لقبره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمينه فى الأرض أو تقبيل القبور واستلامها، والسّجود لها وقد لعن النّبي ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله تعالى فيها، فكيف بمن اتخذ أوثانا يعبدها من دون الله؟ ففى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفى الصحيح عنه ﷺ: "إنّ شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد"، وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك"، وفى مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه ﷺ: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وقال ﷺ: "اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال ﷺ: "إن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
فهذا حال من سجد لله فى المسجد المتخذ على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه؟ وقد قال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقد حمى النبي جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يكون
ذلك ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، وسد الذريعة فمنع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال ﷺ: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" ولا ينبغي فى كلام الله ﷿ ورسوله ﷺ للذي هو غاية الامتناع شرعًا، كقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ـ٢١١]، وقوله عن الملائكة: وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: من الآية١٨] .
Translation
فصل
#40
Chapter 40 — فصل
· ref. #40
Minhaj al-Ta'sis wa-al-Taqdis fi Kashf Shubuhat Dawud ibn Jirjis
Arabic text
Aqeedah
فصل:
ومن الشرك به ﷾: الشرك فى اللفظ كالحلف بغيره، كما روى أحمد وأبو داود عنه ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" صححه الحاكم وابن حبان، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: "ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًا؟! قل ما شاء الله وحده". هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا فى حسب الله وحسبك، ومالى إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لى فى السماء وأنت لي فى الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر لله تعالى ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: "ما شاء الله وشئت" ثم انظر أيها أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله لله ندًا بها فهذا قد جعل من لا يداني الرّسول ﷺ في شيء من الأشياء - بل لعله أن يكون من أعدائه - ندًا للربّ تعالى ربّ العالمين، فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله ﷿ لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفى مسند الإمام أحمد ﵁: "أن رجلا أتى به إلى النبي ﷺ وقد أذنب ذنبًا، فلما وقف بين يديه، قال: اللهم إنّي أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال قد عرف الحق لأهله".
ومن الشرك به ﷾: الشرك فى اللفظ كالحلف بغيره، كما روى أحمد وأبو داود عنه ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" صححه الحاكم وابن حبان، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: "ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًا؟! قل ما شاء الله وحده". هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا فى حسب الله وحسبك، ومالى إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لى فى السماء وأنت لي فى الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر لله تعالى ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: "ما شاء الله وشئت" ثم انظر أيها أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله لله ندًا بها فهذا قد جعل من لا يداني الرّسول ﷺ في شيء من الأشياء - بل لعله أن يكون من أعدائه - ندًا للربّ تعالى ربّ العالمين، فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله ﷿ لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفى مسند الإمام أحمد ﵁: "أن رجلا أتى به إلى النبي ﷺ وقد أذنب ذنبًا، فلما وقف بين يديه، قال: اللهم إنّي أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال قد عرف الحق لأهله".
Translation
فصل