Back to the aqeedah library
39 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah) التحفة المدنية في العقيدة السلفية (وطبع الكتاب باسم: الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (في الصفات) بتحقيق الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي - مؤسسة الرسالة)
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shay...
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Ibn Nasir Najdi (حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر التميمي الحنبلي (المتوفى : 1225هـ
39
Total sections
39 chapters
#1
Chapter 1 — مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات
· ref. #1
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
التحفة المدنية
في العقيدة السلفية
تأليف
الشيخ العالم العلامة حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر
(١١٦٠ هـ - ١٢٢٥ هـ)
تحقيق
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما قولكم أدام الله النفع بعلوكم في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك: مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ومثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقول النبي ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا»،
وقوله ﷺ: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؟!
فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذلك؟ وكيف مذهبه، ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه؟ أم تئولون؟ وابسطوا الكلام على ذلك، وأجيبوا جوابا شافيا، تغنموا أجرا وافيا.
[وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، وصحبه وسلم] .
الجواب
الحمد لله رب العالمين.
[مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات]
قولنا في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك:
- ما قاله الله ورسوله.
- وما قاله سلف الأمة، وأئمتها، من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين.
فنصف الله تعالى:
- بما وصف به نفسه في كتابه.
- وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ.
من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
بل نؤمن بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فهو -سبحانه- ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: من غير تكييف ولا تمثيل، خلافا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل، خلافا للمعطلة.
فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع
في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة:
قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى. ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله.
فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان
إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك؛ فكان الباب عندهم بابا واحدا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنسوا من صفات كماله، ونعوت جلاله، بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته.
قال الإمام أحمد لما سئل عن التشبيه: هو أن يقول: يد كيدي، ووجه كوجهي، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليسا كالأسماع والأبصار.
وهو -سبحانه- موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، وهو -سبحانه- في صفات الكمال لا يماثله شيء، فهو حي، قيوم، سميع، بصير، عليم، خبير، رءوف، رحيم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا. لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته.
فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلي أحد.
بل نعتقد أن الله -جل اسمه- في عظمته وكبريائه، وحسن أسمائه، وعلو صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته، وأن ما جاء من الصفات مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ، والله -سبحانه- قد أخبر أن في الجنة لحما، ولبنا، وعسلا، وماء، وحريرا، وذهبا. وقد قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء» .
فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه الموجودة، مع
اتفاقهما في الأسماء فالخالق -جل وعلا- أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتفقت الأسماء.
وأيضا فإن الله سبحانه قد سمى نفسه حيا، عليما، سميعا، بصيرا، ملكا، رءوفا، رحيما، وقد سمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رءوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
قال الله ﷾: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] .
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] .
وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] .
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة إلا في اتفاق الاسم.
[إثبات صفة العلو من كتاب الله]
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله سبحانه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، والعرش وما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل شيء، لا يحتاج إلى العرش ولا غيره، ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
في العقيدة السلفية
تأليف
الشيخ العالم العلامة حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر
(١١٦٠ هـ - ١٢٢٥ هـ)
تحقيق
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما قولكم أدام الله النفع بعلوكم في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك: مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ومثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقول النبي ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا»،
وقوله ﷺ: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؟!
فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذلك؟ وكيف مذهبه، ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه؟ أم تئولون؟ وابسطوا الكلام على ذلك، وأجيبوا جوابا شافيا، تغنموا أجرا وافيا.
[وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، وصحبه وسلم] .
الجواب
الحمد لله رب العالمين.
[مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات]
قولنا في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك:
- ما قاله الله ورسوله.
- وما قاله سلف الأمة، وأئمتها، من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين.
فنصف الله تعالى:
- بما وصف به نفسه في كتابه.
- وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ.
من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
بل نؤمن بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فهو -سبحانه- ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: من غير تكييف ولا تمثيل، خلافا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل، خلافا للمعطلة.
فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع
في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة:
قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى. ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله.
فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان
إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك؛ فكان الباب عندهم بابا واحدا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنسوا من صفات كماله، ونعوت جلاله، بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته.
قال الإمام أحمد لما سئل عن التشبيه: هو أن يقول: يد كيدي، ووجه كوجهي، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليسا كالأسماع والأبصار.
وهو -سبحانه- موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، وهو -سبحانه- في صفات الكمال لا يماثله شيء، فهو حي، قيوم، سميع، بصير، عليم، خبير، رءوف، رحيم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا. لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته.
فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلي أحد.
بل نعتقد أن الله -جل اسمه- في عظمته وكبريائه، وحسن أسمائه، وعلو صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته، وأن ما جاء من الصفات مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ، والله -سبحانه- قد أخبر أن في الجنة لحما، ولبنا، وعسلا، وماء، وحريرا، وذهبا. وقد قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء» .
فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه الموجودة، مع
اتفاقهما في الأسماء فالخالق -جل وعلا- أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتفقت الأسماء.
وأيضا فإن الله سبحانه قد سمى نفسه حيا، عليما، سميعا، بصيرا، ملكا، رءوفا، رحيما، وقد سمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رءوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
قال الله ﷾: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] .
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] .
وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] .
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة إلا في اتفاق الاسم.
[إثبات صفة العلو من كتاب الله]
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله سبحانه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، والعرش وما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل شيء، لا يحتاج إلى العرش ولا غيره، ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
Translation
مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات
#2
Chapter 2 — إثبات صفة العلو من كتاب الله
· ref. #2
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فمن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا يرضى ولا يغضب ولا استوى على العرش فهو معطل ملعون.
ومن قال: علمه كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي، أو استواؤه كاستوائي، أو نزوله كنزولي فإنه ممثل ملعون.
ومن قال هذا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة الدين، فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والكتاب والسنة فيهما الهدى والسداد وطريق الرشاد، فمن اعتصم بهما هُديَ، ومن تركهما ضل.
وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة - قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه.
ونحن نذكر من ذلك بعضه:
- قال الله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في ستة مواضع من كتابه، فذكر في سورة الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، و(الم تنزيل) السجدة، والحديد.
- وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] .
- وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] .
- وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] .
- وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ و١٧] .
وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ و٣٧] .
ففرعون كذب موسى في قوله (إن الله في السماء) .
وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر والجاثية والأحقاف] .
وقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وتأمل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[الحديد: ٤] .
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾
يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم وأنه لم يزل وأنه لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازما لذاته أزلا وأبدا غير مخلوق؛ كما هو قول ابن سينا وأتباعه الملاحدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون: ليس على العرش سوى العدم، وإن الله ليس مستويا على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وجعل يرفع إصبعه إلى السماء، وينكبها إلى الناس، ويقول: " اللهم اشهد". وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى؛ فأخبر في هذه الآية الكريمة أنه على عرشه، وأنه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
فأخبر أنه مع علوه على خلقه وارتفاعه ومباينته لهم معهم بعلمه أينما كانوا.
قال الإمام مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وقال نعيم بن حماد لما سئل عن معنى هذه الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: معناه: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه.
وسيأتي هذا مع ما يشابهه من كلام الإمام أحمد وأبي زرعة وغيرهما.
وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمه وأئمتها، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته هو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.
وأخبر تعالى أنه ذو المعارج، تعرج الملائكه والروح إليه، وأنه
القاهرفوق عباده، وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم، فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة.
وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال النبي ﷺ: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وكل ما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه.
وقد أجمع سلف الأمة على أن الله ﷾ فوق سماواته على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون.
قال حنبل بن إسحاق: قيل لأبي عبد الله: ما معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة.
وسيأتي هذا الكلام مع زيادة عليه من كلام الإمام أحمد وغيره إن شاء الله تعالى.
ومن قال: علمه كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي، أو استواؤه كاستوائي، أو نزوله كنزولي فإنه ممثل ملعون.
ومن قال هذا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة الدين، فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والكتاب والسنة فيهما الهدى والسداد وطريق الرشاد، فمن اعتصم بهما هُديَ، ومن تركهما ضل.
وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة - قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه.
ونحن نذكر من ذلك بعضه:
- قال الله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في ستة مواضع من كتابه، فذكر في سورة الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، و(الم تنزيل) السجدة، والحديد.
- وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] .
- وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] .
- وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] .
- وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ و١٧] .
وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ و٣٧] .
ففرعون كذب موسى في قوله (إن الله في السماء) .
وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر والجاثية والأحقاف] .
وقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وتأمل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[الحديد: ٤] .
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾
يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم وأنه لم يزل وأنه لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازما لذاته أزلا وأبدا غير مخلوق؛ كما هو قول ابن سينا وأتباعه الملاحدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون: ليس على العرش سوى العدم، وإن الله ليس مستويا على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وجعل يرفع إصبعه إلى السماء، وينكبها إلى الناس، ويقول: " اللهم اشهد". وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى؛ فأخبر في هذه الآية الكريمة أنه على عرشه، وأنه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
فأخبر أنه مع علوه على خلقه وارتفاعه ومباينته لهم معهم بعلمه أينما كانوا.
قال الإمام مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وقال نعيم بن حماد لما سئل عن معنى هذه الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: معناه: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه.
وسيأتي هذا مع ما يشابهه من كلام الإمام أحمد وأبي زرعة وغيرهما.
وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمه وأئمتها، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته هو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.
وأخبر تعالى أنه ذو المعارج، تعرج الملائكه والروح إليه، وأنه
القاهرفوق عباده، وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم، فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة.
وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال النبي ﷺ: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وكل ما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه.
وقد أجمع سلف الأمة على أن الله ﷾ فوق سماواته على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون.
قال حنبل بن إسحاق: قيل لأبي عبد الله: ما معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة.
وسيأتي هذا الكلام مع زيادة عليه من كلام الإمام أحمد وغيره إن شاء الله تعالى.
Translation
إثبات صفة العلو من كتاب الله
#3
Chapter 3 — إثبات صفة العلو من السنة
· ref. #3
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
إثبات صفة العلو من السنة
وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب فكثيرة جدا:
منها: ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم «عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: لطمت جارية لي، فأخبرت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: «بلى، ائتني بها»، قال: فجئت بها إلى رسول الله ﷺ، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، فقال: «فمن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها، فإنها مؤمنة» .»
وفي هذا الحديث مسألتان:
إحداهما: قول الرجل لغيره: أين الله؟
وثانيهما: قول المسئول: في السماء.
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على الرسول ﷺ.
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت
زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ آخر: كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: «إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «فهو مكتوب عنده فوق العرش» .
وهذه الألفاظ كلها صحاح في صحيح البخاري ومسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار»
«وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الرب، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهو يصلون» .
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ» أخرجه أبو داود.
وفي الصحيحين في قصة المعراج، وهي متوترة: " «وتجاوز النبي ﷺ السماوات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقربه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه، ينزل من عند ربه إلى موسى، فيسأله: كم فرض عليك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فسله التخفيف» ".
وذكر البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث أنس حديث الإسراء، وقال فيه: " «ثم علا به - يعني جبريل - فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه»
«جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار ﵎ فقال وهو في مكانه: يا رب خفف عنا» . وذكر الحديث.
ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وتغنم أموالهم، قال النبي ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» . وفي لفظ: «من فوق سبع سماوات» . وأصل القصة في الصحيحين، وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في المغازي.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: «بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ بذهيبة في أديم مقروض»
«لم تحصل من ترابها، قال: "فقسها بين أربعة: بين عيينة بن حصن بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل "، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» .
وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ: "سبحان الله، سبحان الله"، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: "ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه، إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» . وقد ساق الذهبي
هذا الحديث في كتاب العلو من رواية محمد بن إسحاق، ثم قال: (هذا حديث غريب جدا، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم قال النبي ﷺ هذا أم لا؟ والله ﷿ ليس كمثله شيء ﷻ وتقدست أسماؤه ولا إله غيره.
والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل، فذاك صفة للرحل وللعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله ﷿، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت.
وقولنا في هذه الأحاديث: أنا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله، فإنا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله على عرشه مما يوافق آيات الكتاب) .
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد من «حديث العباس بن عبد المطلب، قال: كنت جالسا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ، فمرت سحابة، فنظر إليها، فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن"، قالوا: والمزن، قال: "والعنان"، قالوا: والعنان، قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون»
«سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء وسماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﷿ فوق ذلك»، زاد أحمد: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة «أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ: "أين الله؟ " فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى»
«رسول الله ﷺ وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة» .
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي جامع الترمذي أيضا «عن عمران بن حصين، قال: قال النبي ﷺ لأبيه حصين: "كم تعبد اليوم إلها؟ "، قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ "، قال: الذي في السماء، قال: "يا حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك"، قال: فلما أسلم حصين، قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته»
«إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» .
وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فأدخل على ربي ﵎ وهو على عرشه» وذكر الحديث، وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» .
وصح عن أبي هريرة بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم» . وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظه: «فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله ﷿، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟» الحديث.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الجواب لبسطها، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وألهمه رشده، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، بل لا تزيده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤ و٦٨] .
وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
[الإسراء:٨٢] .
وقال جل ذكره: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
وقال ﵎: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] .
وقال ﷾: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب فكثيرة جدا:
منها: ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم «عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: لطمت جارية لي، فأخبرت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: «بلى، ائتني بها»، قال: فجئت بها إلى رسول الله ﷺ، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، فقال: «فمن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها، فإنها مؤمنة» .»
وفي هذا الحديث مسألتان:
إحداهما: قول الرجل لغيره: أين الله؟
وثانيهما: قول المسئول: في السماء.
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على الرسول ﷺ.
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت
زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ آخر: كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: «إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «فهو مكتوب عنده فوق العرش» .
وهذه الألفاظ كلها صحاح في صحيح البخاري ومسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار»
«وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الرب، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهو يصلون» .
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ» أخرجه أبو داود.
وفي الصحيحين في قصة المعراج، وهي متوترة: " «وتجاوز النبي ﷺ السماوات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقربه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه، ينزل من عند ربه إلى موسى، فيسأله: كم فرض عليك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فسله التخفيف» ".
وذكر البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث أنس حديث الإسراء، وقال فيه: " «ثم علا به - يعني جبريل - فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه»
«جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار ﵎ فقال وهو في مكانه: يا رب خفف عنا» . وذكر الحديث.
ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وتغنم أموالهم، قال النبي ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» . وفي لفظ: «من فوق سبع سماوات» . وأصل القصة في الصحيحين، وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في المغازي.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: «بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ بذهيبة في أديم مقروض»
«لم تحصل من ترابها، قال: "فقسها بين أربعة: بين عيينة بن حصن بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل "، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» .
وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ: "سبحان الله، سبحان الله"، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: "ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه، إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» . وقد ساق الذهبي
هذا الحديث في كتاب العلو من رواية محمد بن إسحاق، ثم قال: (هذا حديث غريب جدا، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم قال النبي ﷺ هذا أم لا؟ والله ﷿ ليس كمثله شيء ﷻ وتقدست أسماؤه ولا إله غيره.
والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل، فذاك صفة للرحل وللعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله ﷿، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت.
وقولنا في هذه الأحاديث: أنا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله، فإنا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله على عرشه مما يوافق آيات الكتاب) .
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد من «حديث العباس بن عبد المطلب، قال: كنت جالسا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ، فمرت سحابة، فنظر إليها، فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن"، قالوا: والمزن، قال: "والعنان"، قالوا: والعنان، قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون»
«سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء وسماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﷿ فوق ذلك»، زاد أحمد: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة «أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ: "أين الله؟ " فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى»
«رسول الله ﷺ وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة» .
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي جامع الترمذي أيضا «عن عمران بن حصين، قال: قال النبي ﷺ لأبيه حصين: "كم تعبد اليوم إلها؟ "، قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ "، قال: الذي في السماء، قال: "يا حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك"، قال: فلما أسلم حصين، قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته»
«إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» .
وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فأدخل على ربي ﵎ وهو على عرشه» وذكر الحديث، وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» .
وصح عن أبي هريرة بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم» . وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظه: «فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله ﷿، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟» الحديث.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الجواب لبسطها، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وألهمه رشده، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، بل لا تزيده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤ و٦٨] .
وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
[الإسراء:٨٢] .
وقال جل ذكره: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
وقال ﵎: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] .
وقال ﷾: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
Translation
إثبات صفة العلو من السنة
#4
Chapter 4 — الكلام في الكيفية
· ref. #4
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
[الكلام في الكيفية]
والمقصود أن نصوص الكتاب والسنه قد نطقت، بل قد تواترت بإثبات علو الله على خلقه، وأنه فوق سماواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو.
فإن قال السائل: كيف استوى على عرشه؟
قيل له؛ كما قال ربيعة ومالك وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا؟
قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. قيل: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، فكيف تطالبني بكيفية استوائه على عرشة وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فاستواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل
الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل، صفات سائر الذوات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. فإذا كانت ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فصفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين.
وكثير من الناس يتوهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في محاذير.
ومنها: أنه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.
ومنها: أن يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها
الرب، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدا في أسمائه وآياته.
[الاستواء ومعناه]
ومثال ذلك أن النصوص كلها قد دلت على وصف الإله ﵎ بالفوقية وعلوه على المخلوقات واستوائه على عرشه، وليس في كتاب الله والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجا عنه ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف الله تعالى بالاستواء على العرش كان الاستواء كاستواء الإنسان على ظهر الفلك والأنعام؛ كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] . فيخيل لهذا الجاهل بالله وصفاته أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
بل هو غني عن العرش وغيره، وكل ما سواه مفتقر إليه، فكيف يتوهم أنه إذ كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه؟! تعالى الله عن ذلك وتقدس.
والمقصود أن نصوص الكتاب والسنه قد نطقت، بل قد تواترت بإثبات علو الله على خلقه، وأنه فوق سماواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو.
فإن قال السائل: كيف استوى على عرشه؟
قيل له؛ كما قال ربيعة ومالك وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا؟
قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. قيل: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، فكيف تطالبني بكيفية استوائه على عرشة وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فاستواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل
الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل، صفات سائر الذوات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. فإذا كانت ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فصفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين.
وكثير من الناس يتوهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في محاذير.
ومنها: أنه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.
ومنها: أن يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها
الرب، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدا في أسمائه وآياته.
[الاستواء ومعناه]
ومثال ذلك أن النصوص كلها قد دلت على وصف الإله ﵎ بالفوقية وعلوه على المخلوقات واستوائه على عرشه، وليس في كتاب الله والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجا عنه ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف الله تعالى بالاستواء على العرش كان الاستواء كاستواء الإنسان على ظهر الفلك والأنعام؛ كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] . فيخيل لهذا الجاهل بالله وصفاته أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
بل هو غني عن العرش وغيره، وكل ما سواه مفتقر إليه، فكيف يتوهم أنه إذ كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه؟! تعالى الله عن ذلك وتقدس.
Translation
الكلام في الكيفية
#5
Chapter 5 — الاستواء ومعناه
· ref. #5
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
وأيضا فقد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجا إلى عرشه أو خلقه، أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس يستلزم في المخلوقات، وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] .
وقول النبي ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» .
فمن توهم من هذه النصوص أن الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال باتفاق العلماء.
فلو قال القائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء،
ولم يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات، بل ولا الجنة، فإن السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها.
قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] .
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى كان المفهوم من قوله "إنه في السماء" أنه في العلو وأنه كان فوق كل شيء، وكذا الجارية لما قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، وإنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: العلو - فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم إلا الله، كما لو قيل العرش في السماء كان المراد أنه عليها.
كما قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧، والنحل: ٣٦] .
وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] .
وقال عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] .
وبالجملة فمن قال: إن الله في السماء، وأراد أنه في جوف السماء، بحيث تحصره وتحيط به - فقد أخطأ وضل ضلالا بعيدا. وإن أراد بذلك أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب.
[إجماع أهل العلم على إثبات العلو]
وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبا الرسل، متبعا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه، نافيا له، ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية.
والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا
وقول النبي ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» .
فمن توهم من هذه النصوص أن الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال باتفاق العلماء.
فلو قال القائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء،
ولم يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات، بل ولا الجنة، فإن السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها.
قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] .
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى كان المفهوم من قوله "إنه في السماء" أنه في العلو وأنه كان فوق كل شيء، وكذا الجارية لما قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، وإنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: العلو - فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم إلا الله، كما لو قيل العرش في السماء كان المراد أنه عليها.
كما قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧، والنحل: ٣٦] .
وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] .
وقال عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] .
وبالجملة فمن قال: إن الله في السماء، وأراد أنه في جوف السماء، بحيث تحصره وتحيط به - فقد أخطأ وضل ضلالا بعيدا. وإن أراد بذلك أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب.
[إجماع أهل العلم على إثبات العلو]
وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبا الرسل، متبعا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه، نافيا له، ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية.
والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا
Translation
الاستواء ومعناه
#6
Chapter 6 — إجماع أهل العلم على إثبات العلو
· ref. #6
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط بالله: يالله، إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة. بل قد فطر الله على ذلك جميع الأمم في الجاهلية والإسلام؛ إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.
قال ابن قتيبة: ما زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها وإسلامها، معترفة بأن الله في السماء، أي على السماء، فهو سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بأنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، ويناسب كبرياءه، وهو غني عن العرش وعن حملة العرش، والاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ كما قالته أم سلمة، وربيعة، ومالك. وهذا مذهب أئمة المسلمين، وهو الظاهر من لفظ "استوى" عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السليمة، التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل.
وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين، حيث قال: من زعم أن
"الرحمن على العرش استوى" خلاف ما يقر في نفوس العامة، فهو جهمي.
فإذا الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سماواته.
وقد جمع العلماء في هذا الباب مصنفات كبارا وصغارا، وسنذكر بعض ألفاظهم في آخر هذه الفتوى إن شاء الله تعالى.
وليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا عن أئمة الدين - حرف واحد يخالف ذلك.
ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها.
بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: اللهم اشهد»، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث.
قال ابن قتيبة: ما زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها وإسلامها، معترفة بأن الله في السماء، أي على السماء، فهو سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بأنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، ويناسب كبرياءه، وهو غني عن العرش وعن حملة العرش، والاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ كما قالته أم سلمة، وربيعة، ومالك. وهذا مذهب أئمة المسلمين، وهو الظاهر من لفظ "استوى" عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السليمة، التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل.
وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين، حيث قال: من زعم أن
"الرحمن على العرش استوى" خلاف ما يقر في نفوس العامة، فهو جهمي.
فإذا الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سماواته.
وقد جمع العلماء في هذا الباب مصنفات كبارا وصغارا، وسنذكر بعض ألفاظهم في آخر هذه الفتوى إن شاء الله تعالى.
وليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا عن أئمة الدين - حرف واحد يخالف ذلك.
ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها.
بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: اللهم اشهد»، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث.
Translation
إجماع أهل العلم على إثبات العلو
#7
Chapter 7 — معنى ظاهرها غير مراد
· ref. #7
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
[معنى: ظاهرها غير مراد]
واعلم أن كثيرا من المتأخرين يقولون: هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها: إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل، فإن قول القائل: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال هذا فقد أصاب، لكن أخطأ في إطلاق القول: إن هذا ظاهر النصوص، فإن هذا ليس هو الظاهر، فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نشبهها، أو نكيفها، أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء، ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك، بل نؤمن بأنها صفات حقيقة، والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدري ما أراد الله
ورسوله منها، ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها، ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة ﴿كهيعص﴾، ﴿حم عسق﴾، ﴿المص﴾، وظن أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ونحو ذلك - فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف.
وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات، ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أريد به، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه، فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا.
بل السلف ﵃ أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى
بين ضلالين، خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
[ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ]
وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل، ولا نؤول، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر؛ ولا نقول: له أيد كأيدي المخلوقين، ولا أن له وجها كوجوههم، ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازا، ليست كصفات المخلوقين، فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه.
وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
واعلم أن كثيرا من المتأخرين يقولون: هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها: إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل، فإن قول القائل: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال هذا فقد أصاب، لكن أخطأ في إطلاق القول: إن هذا ظاهر النصوص، فإن هذا ليس هو الظاهر، فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نشبهها، أو نكيفها، أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء، ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك، بل نؤمن بأنها صفات حقيقة، والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدري ما أراد الله
ورسوله منها، ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها، ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة ﴿كهيعص﴾، ﴿حم عسق﴾، ﴿المص﴾، وظن أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ونحو ذلك - فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف.
وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات، ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أريد به، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه، فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا.
بل السلف ﵃ أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى
بين ضلالين، خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
[ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ]
وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل، ولا نؤول، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر؛ ولا نقول: له أيد كأيدي المخلوقين، ولا أن له وجها كوجوههم، ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازا، ليست كصفات المخلوقين، فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه.
وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
Translation
معنى ظاهرها غير مراد
#8
Chapter 8 — ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ
· ref. #8
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى، ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة (الإخلاص) وأول (الحديد) وأول (طه) وغير ذلك، ووصف نفسه بأنه يحب ويكره، ويمقت ويرضى ويغضب، ويأسف ويسخط، ويجيء ويأتي، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما وحياة، وقدرة وإرادة، وسمعا وبصرا، ووجها ويدا، وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه.
ووصفه رسوله ﷺ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه. وغير ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ.
وكل هذه الصفات تساق مساقا واحدا، وقولنا فيها كقولنا في صفة العلو والاستواء، فيجب علينا الإيمان بكل ما نطق به الكتاب والسنة من صفات الرب جل وعلا، ونعلم أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فلا نمثل ولا نعطل. وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله يجب الإيمان به، سواء
عرفنا معناه أو لم نعرفه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن عامته منصوص عليه في الكتاب والسنة.
[ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ]
وأما ما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل منه، وإن أراد باطلا رد عليه، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى.
كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فيقول بعض الناس: ليس في جهة، ويقول آخر: بل هو في جهة.
فإن هذه الألفاظ مبتدعة في النفي والإثبات، وليس على أحدهما دليل من الكتاب ولا من السنة، ولا من كلام الصحابة والتابعين، ولا أئمة الإسلام، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله ﷾ في جهة؛ ولا قال: إن الله ليس في جهة، ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز.
والناطقون بهذه الألفاظ قد يريدون معنى صحيحا، وقد يريدون معنى فاسدا، فإذا قال: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أن الله سبحانه في جهة تحصره وتحيط به؟ أم تريد أمرا عدميا، وهو
ووصفه رسوله ﷺ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه. وغير ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ.
وكل هذه الصفات تساق مساقا واحدا، وقولنا فيها كقولنا في صفة العلو والاستواء، فيجب علينا الإيمان بكل ما نطق به الكتاب والسنة من صفات الرب جل وعلا، ونعلم أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فلا نمثل ولا نعطل. وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله يجب الإيمان به، سواء
عرفنا معناه أو لم نعرفه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن عامته منصوص عليه في الكتاب والسنة.
[ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ]
وأما ما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل منه، وإن أراد باطلا رد عليه، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى.
كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فيقول بعض الناس: ليس في جهة، ويقول آخر: بل هو في جهة.
فإن هذه الألفاظ مبتدعة في النفي والإثبات، وليس على أحدهما دليل من الكتاب ولا من السنة، ولا من كلام الصحابة والتابعين، ولا أئمة الإسلام، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله ﷾ في جهة؛ ولا قال: إن الله ليس في جهة، ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز.
والناطقون بهذه الألفاظ قد يريدون معنى صحيحا، وقد يريدون معنى فاسدا، فإذا قال: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أن الله سبحانه في جهة تحصره وتحيط به؟ أم تريد أمرا عدميا، وهو
Translation
ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ
#9
Chapter 9 — ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ
· ref. #9
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
ما فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات؟
فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل.
وإن أردت أن الله تعالى فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الله يقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» فمن تكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقار، كيف تحيط به وتحصره.
ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟
فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله يصلى له ويسجد، ومحمد لم يعرج بذاته إليه، فهذا معطل.
وإن قال: مرادي ينفي الجهة أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب، ونحن نقول به.
وكذلك من قال: إن الله متحيز، إن أراد أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ، وإن أراد أنه محتاز عن مخلوقات بائن عنها عال عليها فقد أصاب.
ومن قال: إنه ليس بمتحيز؛ إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد بذلك أنه ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه فقد أخطأ، فإن الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عالٍ عليها، قد فطر الله على ذلك الأعراب والصبيان؛ كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "عليك بدين الأعراب والصبيان"، أي: عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق؛ كما في الصحيح عن النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث.
فصل
[في إثبات اليد]
وأما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع:
مفردا كهذه، وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] .
وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .
وجاء مجموعا كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] .
فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليها، فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها، ولم يعد الفعل بالباء، فلا يحتمل ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا؛ كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء، فالفعل قد يضاف إلى يد
ذي اليد، والمراد الإضافة إليه؛ كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى "يده" مفردة أو مثناة، فهو ما باشرته يده.
ولهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده؛ وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده.
فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة.
وقد صح عن النبي ﷺ: «إن أهل الموقف يأتون آدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء» فذكروا أربعة أشياء كلها خصائصه.
وكذلك «قال آدم لموسى ﵉ في محاجته له: (اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده») . وفي لفظ آخر: («كتب الله لك التوراة بيده») وهو من أصح الأحاديث.
وكذلك في الحديث المشهور: («إن الملائكة قالوا: يا رب، خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان») .
وأيضا فإن لو كان قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - مثل قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؛ لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف قالوا: «أنت أبو البشر خلقك الله بيده»، فعلموا أن لآدم تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى» .
وقال ﷺ: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة» الحديث.
وفي صحيح مسلم في أعلى أهل الجنة منزلة: «أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها» .
وقال عبد الله بن الحارث: قال النبي ﷺ: «خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، قال: وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث» . وفي الصحيح عنه صلى الله عليها وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفأها الجبار كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلا لأهل الجنة» .
وفي الصحيح مرفوعا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» .
وفي الصحيح أيضا مرفوعا: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، ثم استخرج ذريته منه، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا أخذها الرحمن بيمينه، فتربو في كف الرحمن حتى تكون»
«أعظم من الجبل» متفق على صحته.
وقال نافع بن عمر: سألت ابن أبي مليكة عن "يد الله": أواحدة أو اثنتان؟ فقال: بل اثنتان.
وقال عبد الله بن عباس: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
وقال ابن عمر وابن عباس: أول شيء خلق الله القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، فكانت الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده.
وقال ابن وهب، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]
قال: «مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة» .
وهذه النصوص التي ذكرنا هي غيض من فيض، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل.
وإن أردت أن الله تعالى فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الله يقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» فمن تكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقار، كيف تحيط به وتحصره.
ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟
فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله يصلى له ويسجد، ومحمد لم يعرج بذاته إليه، فهذا معطل.
وإن قال: مرادي ينفي الجهة أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب، ونحن نقول به.
وكذلك من قال: إن الله متحيز، إن أراد أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ، وإن أراد أنه محتاز عن مخلوقات بائن عنها عال عليها فقد أصاب.
ومن قال: إنه ليس بمتحيز؛ إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد بذلك أنه ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه فقد أخطأ، فإن الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عالٍ عليها، قد فطر الله على ذلك الأعراب والصبيان؛ كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "عليك بدين الأعراب والصبيان"، أي: عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق؛ كما في الصحيح عن النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث.
فصل
[في إثبات اليد]
وأما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع:
مفردا كهذه، وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] .
وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .
وجاء مجموعا كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] .
فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليها، فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها، ولم يعد الفعل بالباء، فلا يحتمل ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا؛ كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء، فالفعل قد يضاف إلى يد
ذي اليد، والمراد الإضافة إليه؛ كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى "يده" مفردة أو مثناة، فهو ما باشرته يده.
ولهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده؛ وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده.
فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة.
وقد صح عن النبي ﷺ: «إن أهل الموقف يأتون آدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء» فذكروا أربعة أشياء كلها خصائصه.
وكذلك «قال آدم لموسى ﵉ في محاجته له: (اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده») . وفي لفظ آخر: («كتب الله لك التوراة بيده») وهو من أصح الأحاديث.
وكذلك في الحديث المشهور: («إن الملائكة قالوا: يا رب، خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان») .
وأيضا فإن لو كان قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - مثل قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؛ لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف قالوا: «أنت أبو البشر خلقك الله بيده»، فعلموا أن لآدم تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى» .
وقال ﷺ: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة» الحديث.
وفي صحيح مسلم في أعلى أهل الجنة منزلة: «أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها» .
وقال عبد الله بن الحارث: قال النبي ﷺ: «خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، قال: وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث» . وفي الصحيح عنه صلى الله عليها وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفأها الجبار كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلا لأهل الجنة» .
وفي الصحيح مرفوعا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» .
وفي الصحيح أيضا مرفوعا: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، ثم استخرج ذريته منه، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا أخذها الرحمن بيمينه، فتربو في كف الرحمن حتى تكون»
«أعظم من الجبل» متفق على صحته.
وقال نافع بن عمر: سألت ابن أبي مليكة عن "يد الله": أواحدة أو اثنتان؟ فقال: بل اثنتان.
وقال عبد الله بن عباس: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
وقال ابن عمر وابن عباس: أول شيء خلق الله القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، فكانت الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده.
وقال ابن وهب، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]
قال: «مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة» .
وهذه النصوص التي ذكرنا هي غيض من فيض، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
Translation
ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ
#10
Chapter 10 — فصل في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في مسألة علو الرب ﵎
· ref. #10
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل
في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع
التابعين في مسألة علو الرب ﵎ على
خلقه، وأنه على عرشه المجيد فوق سماواته
روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: لما قبض رسول الله ﷺ قال أبو بكر ﵁: يا أيها الناس، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت. ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، [آل عمران: ١٤٤] .
وروى البخاري في تاريخه عن ابن عمر أن أبا بكر، قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت.
وروى ابن أبي شيبة عن قيس، قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذونا يلقاك
عظماء الناس ووجوهم، فقال عمر ﵁: ألا أراكم هاهنا؟ إنما الأمر من هاهنا. وأشار بيده إلى السماء.
وروى عثمان بن سعيد الدارمي أن امرأة لقيت عمر بن الخطاب وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها، وأصغى لها حتى انصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالا من قريش على هذه العجوز! قال: ويلك، أتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة.
والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها.
وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: روينا من وجوه صحيحة أن عبد الله بن رواحة -رضي الله تعالى عنه- مشى إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته، فجحدها. فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن، فإن الجنب لا يقرأ القرآن. فقال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا
فقالت: آمنت بالله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن.
وروى الدارمي بإسناده عن ابن مسعود، قال: "العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". قال الحافظ الذهبي: رواه عبد الله ابن الإمام أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، واللالكائي، والبيقهي، وابن عبد البر، وإسناده صحيح.
وروى الأعمش عن خيثمة عن عبد الله: "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا تيسر له - نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملك: اصرفه عنه، فيصرفه عنه".
وقال عبد الله بن عباس: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماوات السبع إلى كرسيه سبعة أنوار، والله فوق ذلك". ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وروى الدارمي أن ابن عباس قال لعائشة حين استأذن عليها، وهي تموت: "وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات".
وروى الدارمي عن نافع، قال: قالت عائشة: وأيم الله لو كنت أحب قتله لقتلته -يعني عثمان - وقد علم الله فوق عرشه أني لا أحب قتله.
وفي الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على أزواج رسول الله ﷺ، تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقد تقدم ذلك، وفي لفظ لغيرهما: كانت تقول: زوجني الرحمن من فوق عرشه، كان جبرائيل السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك.
وقال علي بن الأقمر: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات.
وقال قتادة: "قالت بنو إسرائيل: يارب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم أشراركم". رواه الدارمي.
وقال سليمان التيمي: لو سئلت: أين الله؟ لقلت: في السماء.
وقال كعب الأحبار: قال الله ﷿ في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، لا يخفى علي شيء من أعمالهم.
وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
قال: بعلمه يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، وهو فوق عرشه وعلمه معهم.
وقال الضحاك في الآية: هو الله على العرش وعلمه معهم.
وقال عبيد بن عمير: "ينزل الرب شطر الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب ﷿". أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وقال الحسن: "ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب من إسرافيل وبينه وبينه سبعة حجب، كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، وإسرافيل دون هؤلاء، ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة".
وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى الأوزاعي، قال: كنا، والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]
هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمروها كما جاءت.
وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ﵃ "أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وقولهم "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون هم أئمة الدين في عصر تابعي التابعين: فمالك إمام الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
وقال سفيان الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، قال: علمه.
وروى الخلال بإسناد، كل رجاله أئمة، عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك تلميذ ربيعة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وابن مهدي هذا هو الذي قال فيه علي بن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم منه لحلفت.
وروى ابن حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية، فقال: هم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء.
وقال عباد بن العوام أحد أئمة الحديث بواسط: كلمت بشرا المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم: ليس على العرش شيء، أرى والله ألا يناكحوا ولا يوارثوا.
وقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد: احذروا من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم، فلم يثبت أن في السماء إلها.
وقال حماد بن زيد: الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وكان من أشد الناس على الجهمية.
وقال وهب بن جرير: إياكم ورأي جهم وأصحابه، فإنهم يحالون أن ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر.
وقال عبد العزيز بن يحيي الكناني صاحب الشافعي، له كتاب في الرد على الجهمية، قال فيه: باب قول الجهمي في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
(زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى) .
قال: (فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر ﷾ أنه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها) . ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه.
وقال عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري: وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومثل قوله ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وما أشبه هذا من القرآن والحديث - لا نزيد فيه ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي.
وروى ابن أبي حاتم، قال: جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف، فقال: تنهاني عن الكلام، وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون؟ فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف، وقال: علي بهم، فانتهوا إليه، وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، فقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك؟ وأمر به إلى الحبس، وضرب عليا الأحول وطوف به، وقد استتاب أبو يوسف بشرا المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه، وهي قصة مشهورة ذكرها ابن أبي حاتم وغيره. وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا.
وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة كلهم، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة "لا شيء".
وقال محمد أيضا في الأحاديث التي جاءت «إن الله يهبط إلى السماء الدنيا»، ونحو هذه الأحاديث: قد رواها الثقات، فنحن نؤمن بها ولا نفسرها. ذكر ذلك عنه أبو القاسم اللالكائي.
وقال سفيان بن عيينة، وقد سئل عن حديث «إن الله يحمل السماوات على أصبع»، وحديث «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»، فقال سفيان: هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده، عن الأصمعي، قال: قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود،
فقال الأصمعي: هذه كافرة بهذه المقالة، أما هذا الرجل وامرأته فما أولاهما بأن ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣-٤] .
وقال إسحاق بن راهويه إمام أهل الشام، نظير أحمد، وقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، قال: (حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه) . ثم قال: (وأعلى شيء في ذلك وأثبته قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]) .
وروى الخلال في كتاب السنة، قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء أسفل الأرض السابعة في قعور البحار وفي كل موضع؛ كما يعلم ما في السماوات السبع وما دون العرش، أحاط بكل شيء علما.
وقال قتيبة بن سعيد: هذا قول أئمة الإسلام والسنة والجماعة:
نعرف ربنا بأنه في السماء السابعة على عرشه؛ كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
وقتيبة هذا أحد أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث.
وقال عبد الوهاب الوراق: من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة. صح ذلك عنه، وهو الذي قال فيه الإمام أحمد، وقد قيل له: من نسأل بعدك؟ فقال: عبد الوهاب.
وقال خارجة بن مصعب: الجهمية كفار، أبلغ نساءهم أنهن طوالق، لا يحللن لهم، ثم تلا ﴿طه﴾ إلى قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه؛ بائن من خلقه؛ كما وصف نفسه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، وأحاط بكل شيء علما.
وقال أبو زرعة أيضا: هو على العرش استوى، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله.
وقال علي بن المديني، الذي سماه البخاري سيد المسلمين، وقيل: ما تقول الجماعة في الاعتقاد، فقال: يثبتون الكلام والرؤية؛ ويقولون: إن الله على العرش استوى.
فقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ أول الآية، يعني بالعلم؛ لأن أول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ .
وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، لا نقول كما قالت الجهمية. رواه عنه الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد.
وصح عن ابن المبارك أيضا أنه قال: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]: معناه أنه لا يخفي عليه خافية بعلمه، ثم تلى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] .
وقال محمد بن إسماعيل البخاري: سمعت نعيم بن حماد، يقول: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها.
في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع
التابعين في مسألة علو الرب ﵎ على
خلقه، وأنه على عرشه المجيد فوق سماواته
روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: لما قبض رسول الله ﷺ قال أبو بكر ﵁: يا أيها الناس، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت. ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، [آل عمران: ١٤٤] .
وروى البخاري في تاريخه عن ابن عمر أن أبا بكر، قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت.
وروى ابن أبي شيبة عن قيس، قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذونا يلقاك
عظماء الناس ووجوهم، فقال عمر ﵁: ألا أراكم هاهنا؟ إنما الأمر من هاهنا. وأشار بيده إلى السماء.
وروى عثمان بن سعيد الدارمي أن امرأة لقيت عمر بن الخطاب وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها، وأصغى لها حتى انصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالا من قريش على هذه العجوز! قال: ويلك، أتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة.
والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها.
وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: روينا من وجوه صحيحة أن عبد الله بن رواحة -رضي الله تعالى عنه- مشى إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته، فجحدها. فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن، فإن الجنب لا يقرأ القرآن. فقال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا
فقالت: آمنت بالله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن.
وروى الدارمي بإسناده عن ابن مسعود، قال: "العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". قال الحافظ الذهبي: رواه عبد الله ابن الإمام أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، واللالكائي، والبيقهي، وابن عبد البر، وإسناده صحيح.
وروى الأعمش عن خيثمة عن عبد الله: "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا تيسر له - نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملك: اصرفه عنه، فيصرفه عنه".
وقال عبد الله بن عباس: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماوات السبع إلى كرسيه سبعة أنوار، والله فوق ذلك". ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وروى الدارمي أن ابن عباس قال لعائشة حين استأذن عليها، وهي تموت: "وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات".
وروى الدارمي عن نافع، قال: قالت عائشة: وأيم الله لو كنت أحب قتله لقتلته -يعني عثمان - وقد علم الله فوق عرشه أني لا أحب قتله.
وفي الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على أزواج رسول الله ﷺ، تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقد تقدم ذلك، وفي لفظ لغيرهما: كانت تقول: زوجني الرحمن من فوق عرشه، كان جبرائيل السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك.
وقال علي بن الأقمر: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات.
وقال قتادة: "قالت بنو إسرائيل: يارب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم أشراركم". رواه الدارمي.
وقال سليمان التيمي: لو سئلت: أين الله؟ لقلت: في السماء.
وقال كعب الأحبار: قال الله ﷿ في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، لا يخفى علي شيء من أعمالهم.
وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
قال: بعلمه يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، وهو فوق عرشه وعلمه معهم.
وقال الضحاك في الآية: هو الله على العرش وعلمه معهم.
وقال عبيد بن عمير: "ينزل الرب شطر الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب ﷿". أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وقال الحسن: "ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب من إسرافيل وبينه وبينه سبعة حجب، كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، وإسرافيل دون هؤلاء، ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة".
وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى الأوزاعي، قال: كنا، والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]
هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمروها كما جاءت.
وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ﵃ "أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وقولهم "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون هم أئمة الدين في عصر تابعي التابعين: فمالك إمام الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
وقال سفيان الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، قال: علمه.
وروى الخلال بإسناد، كل رجاله أئمة، عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك تلميذ ربيعة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وابن مهدي هذا هو الذي قال فيه علي بن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم منه لحلفت.
وروى ابن حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية، فقال: هم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء.
وقال عباد بن العوام أحد أئمة الحديث بواسط: كلمت بشرا المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم: ليس على العرش شيء، أرى والله ألا يناكحوا ولا يوارثوا.
وقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد: احذروا من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم، فلم يثبت أن في السماء إلها.
وقال حماد بن زيد: الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وكان من أشد الناس على الجهمية.
وقال وهب بن جرير: إياكم ورأي جهم وأصحابه، فإنهم يحالون أن ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر.
وقال عبد العزيز بن يحيي الكناني صاحب الشافعي، له كتاب في الرد على الجهمية، قال فيه: باب قول الجهمي في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
(زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى) .
قال: (فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر ﷾ أنه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها) . ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه.
وقال عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري: وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومثل قوله ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وما أشبه هذا من القرآن والحديث - لا نزيد فيه ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي.
وروى ابن أبي حاتم، قال: جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف، فقال: تنهاني عن الكلام، وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون؟ فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف، وقال: علي بهم، فانتهوا إليه، وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، فقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك؟ وأمر به إلى الحبس، وضرب عليا الأحول وطوف به، وقد استتاب أبو يوسف بشرا المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه، وهي قصة مشهورة ذكرها ابن أبي حاتم وغيره. وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا.
وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة كلهم، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة "لا شيء".
وقال محمد أيضا في الأحاديث التي جاءت «إن الله يهبط إلى السماء الدنيا»، ونحو هذه الأحاديث: قد رواها الثقات، فنحن نؤمن بها ولا نفسرها. ذكر ذلك عنه أبو القاسم اللالكائي.
وقال سفيان بن عيينة، وقد سئل عن حديث «إن الله يحمل السماوات على أصبع»، وحديث «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»، فقال سفيان: هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده، عن الأصمعي، قال: قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود،
فقال الأصمعي: هذه كافرة بهذه المقالة، أما هذا الرجل وامرأته فما أولاهما بأن ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣-٤] .
وقال إسحاق بن راهويه إمام أهل الشام، نظير أحمد، وقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، قال: (حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه) . ثم قال: (وأعلى شيء في ذلك وأثبته قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]) .
وروى الخلال في كتاب السنة، قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء أسفل الأرض السابعة في قعور البحار وفي كل موضع؛ كما يعلم ما في السماوات السبع وما دون العرش، أحاط بكل شيء علما.
وقال قتيبة بن سعيد: هذا قول أئمة الإسلام والسنة والجماعة:
نعرف ربنا بأنه في السماء السابعة على عرشه؛ كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
وقتيبة هذا أحد أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث.
وقال عبد الوهاب الوراق: من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة. صح ذلك عنه، وهو الذي قال فيه الإمام أحمد، وقد قيل له: من نسأل بعدك؟ فقال: عبد الوهاب.
وقال خارجة بن مصعب: الجهمية كفار، أبلغ نساءهم أنهن طوالق، لا يحللن لهم، ثم تلا ﴿طه﴾ إلى قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه؛ بائن من خلقه؛ كما وصف نفسه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، وأحاط بكل شيء علما.
وقال أبو زرعة أيضا: هو على العرش استوى، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله.
وقال علي بن المديني، الذي سماه البخاري سيد المسلمين، وقيل: ما تقول الجماعة في الاعتقاد، فقال: يثبتون الكلام والرؤية؛ ويقولون: إن الله على العرش استوى.
فقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ أول الآية، يعني بالعلم؛ لأن أول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ .
وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، لا نقول كما قالت الجهمية. رواه عنه الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد.
وصح عن ابن المبارك أيضا أنه قال: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]: معناه أنه لا يخفي عليه خافية بعلمه، ثم تلى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] .
وقال محمد بن إسماعيل البخاري: سمعت نعيم بن حماد، يقول: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها.
Translation
فصل في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في مسألة علو الرب ﵎
#11
Chapter 11 — فصل في ذكر أقوال الأئمة الأربعة ﵃
· ref. #11
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل في ذكر أقوال الأئمة الأربعة ﵃
Translation
فصل في ذكر أقوال الأئمة الأربعة ﵃
#12
Chapter 12 — ذكر قول الإمام أبي حنيفة
· ref. #12
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل
في ذكر أقوال الأئمة الأربعة
﵃
ذكر قول الإمام أبي حنيفة ﵁
روى البيهقي في كتاب الصفات عن نعيم بن حماد، قال: سمعت نوح بن أبي مريم، يقول: كنت عند أبي حنيفة أول ما ظهر؛ إذ جاءته امرأة من ترمذ، وكانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف نفس، فقيل لها: إن هاهنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته، فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبد؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابا: أن الله ﷿ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] .
قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك، وأنت غائب عنه.
ثم قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله
﷿ من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، واتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء.
وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور المروي بالأسانيد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو الأرض؟ قال: قد كفر، إن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سماواته. فقلت: إنه يقول: أقول إنه على العرش، ولكنه قال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر؛ لأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماواته.
روى هذا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب (الفاروق) .
وقال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة: بلغني عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من أنكر أن الله ﷿ في السماء فقد كفر.
فتأمل هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، فكيف يكون حكم الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج أبو حنيفة على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
بين أن الله فوق السماوات فوق العرش، فقال: وعرشه فوق سماواته، وبين بهذا أن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فوق العرش، ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض، قال: لأنه أنكر أن يكون الله في السماء، وأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وكذلك أصحاب أبي حنيفة من بعده كأبي يوسف ومحمد؛ كما قدمنا ما روي عنهم، وكذلك هشام بن عبيد الله؛ كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بإسنادهما أن هشام بن عبيد الله صاحب
محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم، فتاب، فجيء به ليمتحنه، فقال: الحمد الله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري "ما بائن من خلقه"، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.
وسيأتي كلام الطحاوي إن شاء الله تعالى.
وفي الفقه الأكبر أيضا عن أبي حنيفة: لا يوصف الله بصفات المخلوقين، ولا يقال: إن يده قدرته ولا نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف.
وقال في الفقه الأكبر: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ليست كأيدي خلقه، وهو خالق الأيدي جل وعلا، ووجهه ليس كوجوه خلقه، وهو خالق كل الوجوه، ونفسه ليست كنفوس خلقه، وهو خالق النفوس، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال في الفقه الأكبر أيضا: وله تعالى يد ووجه ونفس، بلا كيف ذكر الله تعالى في القرآن، وغضبه ورضاه وقضاه وقدرته من صفاته تعالى بلا كيف، ولا يقال غضبه عقابه، ولا رضاه ثوابه. انتهي.
في ذكر أقوال الأئمة الأربعة
﵃
ذكر قول الإمام أبي حنيفة ﵁
روى البيهقي في كتاب الصفات عن نعيم بن حماد، قال: سمعت نوح بن أبي مريم، يقول: كنت عند أبي حنيفة أول ما ظهر؛ إذ جاءته امرأة من ترمذ، وكانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف نفس، فقيل لها: إن هاهنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته، فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبد؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابا: أن الله ﷿ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] .
قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك، وأنت غائب عنه.
ثم قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله
﷿ من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، واتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء.
وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور المروي بالأسانيد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو الأرض؟ قال: قد كفر، إن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سماواته. فقلت: إنه يقول: أقول إنه على العرش، ولكنه قال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر؛ لأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماواته.
روى هذا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب (الفاروق) .
وقال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة: بلغني عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من أنكر أن الله ﷿ في السماء فقد كفر.
فتأمل هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، فكيف يكون حكم الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج أبو حنيفة على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
بين أن الله فوق السماوات فوق العرش، فقال: وعرشه فوق سماواته، وبين بهذا أن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فوق العرش، ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض، قال: لأنه أنكر أن يكون الله في السماء، وأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وكذلك أصحاب أبي حنيفة من بعده كأبي يوسف ومحمد؛ كما قدمنا ما روي عنهم، وكذلك هشام بن عبيد الله؛ كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بإسنادهما أن هشام بن عبيد الله صاحب
محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم، فتاب، فجيء به ليمتحنه، فقال: الحمد الله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري "ما بائن من خلقه"، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.
وسيأتي كلام الطحاوي إن شاء الله تعالى.
وفي الفقه الأكبر أيضا عن أبي حنيفة: لا يوصف الله بصفات المخلوقين، ولا يقال: إن يده قدرته ولا نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف.
وقال في الفقه الأكبر: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ليست كأيدي خلقه، وهو خالق الأيدي جل وعلا، ووجهه ليس كوجوه خلقه، وهو خالق كل الوجوه، ونفسه ليست كنفوس خلقه، وهو خالق النفوس، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال في الفقه الأكبر أيضا: وله تعالى يد ووجه ونفس، بلا كيف ذكر الله تعالى في القرآن، وغضبه ورضاه وقضاه وقدرته من صفاته تعالى بلا كيف، ولا يقال غضبه عقابه، ولا رضاه ثوابه. انتهي.
Translation
ذكر قول الإمام أبي حنيفة
#13
Chapter 13 — ذكر قول الإمام مالك بن أنس
· ref. #13
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
ذكر قول الإمام مالك بن أنس
إمام دار الهجرة ﵁
قال عبد الله بن نافع: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى، قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا مبتدعا". فأمر به أن يخرج.
وتقدم عن شيخه ربيعة مثل هذا الكلام. فقول ربيعة ومالك "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" - موافق لقول الباقين "أمروها كما جاءت بلا كيف". فإنما نفوا الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمروها بلا كيف"، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا؛ بمنزلة حروف المعجم. وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات
لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر؛ لما قالوا: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف.
وأيضا فقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت - لغو من القول.
قال الذهبي بعدما ذكر كلام مالك وربيعة الذي قدمناه: وهذا قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر به في كتابه، وأنه كما يليق به، ولا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما قد وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إليه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد تقدم ما رواه الوليد بن مسلم عن مالك بما أغنى عن إعادته.
وقال أبو حاتم الرازي: حدثني ميمون بن يحيى البكري، قال: قال مالك: من قال القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
إمام دار الهجرة ﵁
قال عبد الله بن نافع: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى، قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا مبتدعا". فأمر به أن يخرج.
وتقدم عن شيخه ربيعة مثل هذا الكلام. فقول ربيعة ومالك "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" - موافق لقول الباقين "أمروها كما جاءت بلا كيف". فإنما نفوا الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمروها بلا كيف"، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا؛ بمنزلة حروف المعجم. وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات
لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر؛ لما قالوا: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف.
وأيضا فقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت - لغو من القول.
قال الذهبي بعدما ذكر كلام مالك وربيعة الذي قدمناه: وهذا قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر به في كتابه، وأنه كما يليق به، ولا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما قد وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إليه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد تقدم ما رواه الوليد بن مسلم عن مالك بما أغنى عن إعادته.
وقال أبو حاتم الرازي: حدثني ميمون بن يحيى البكري، قال: قال مالك: من قال القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
Translation
ذكر قول الإمام مالك بن أنس
#14
Chapter 14 — ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي
· ref. #14
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي
﵁
روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري عن أبي شعيب وأبي ثور، وكلاهما عن محمد بن إدريس ﵀، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي، يقول وقد سئل عن الصفات وما يؤمن به، فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها؛ ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه؛ كما نفى سبحانه التشبيه عن نفسه، فقال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق ﵁ حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، انتهى.
ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه للتضمن لمشيئته وقدرته. وقال في خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه.
ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل
﵁
قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه.
قال الخلال: وأخبرني الميموني، قال: سألت أبا عبد الله عمن قال: إن الله ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور على الكفر.
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]،
﵁
روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري عن أبي شعيب وأبي ثور، وكلاهما عن محمد بن إدريس ﵀، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي، يقول وقد سئل عن الصفات وما يؤمن به، فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها؛ ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه؛ كما نفى سبحانه التشبيه عن نفسه، فقال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق ﵁ حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، انتهى.
ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه للتضمن لمشيئته وقدرته. وقال في خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه.
ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل
﵁
قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه.
قال الخلال: وأخبرني الميموني، قال: سألت أبا عبد الله عمن قال: إن الله ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور على الكفر.
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]،
Translation
ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي
#15
Chapter 15 — ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل
· ref. #15
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]؟
قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل، قال: إن الله معنا، وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟
قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بالعلم معهم، وقال في سورة (ق): ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يقول: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، أقول هذا، ولا أجاوزه إلى غيره.
فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية.
قلت: فكيف تقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾؟
قال: علمه في كل مكان، وعلمه معهم، وقال: أول الآية يدل على أنه علمه.
وقال في موضع آخر: وإن الله ﷿ على عرشه فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وإنه غير مختلط بشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه.
وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه الخلال، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد، وكتبه عبد الله من خط أبيه، قال فيه: (باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش)، وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؟
قلنا لهم: ما أنكرتم أن يكون الله على العرش، فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو تحت العرش، وفي السماوات، وفي الأرض.
قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء؛ أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها شيء من عظمته، وقد أخبرنا الله ﷿ أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآيتين [الملك: ١٦ و١٧] .
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
وقال أيضا في الكتاب المذكور: ومما أنكرت الجهمية الضلال أن الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، وغيرها] .
ثم ساق أدلة القرآن، ثم قال: ومعنى قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علمه مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك لقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
قال الإمام أحمد: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير، وفيه شيء، كان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق علما من غير أن يكون في شيء مما خلق.
قال: مما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
فقالوا: إن الله معنا وفينا، فقلنا لهم: قطعتم الخبر من أوله؛ لأن الله افتتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه.
قال أحمد: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس شيئا؟ فيقول: نعم، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه، فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه؛ كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم؛ كفر أيضا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم؛ رجع عن قوله أجمع. وهو قول أهل السنة.
قال أحمد: وقلنا للجهمية: حين زعمتم أن الله في كل مكان أخبرونا
عن قول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]: أكان في الجبل بزعمكم، فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له، بل كان سبحانه على العرش، فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئا ما رآه قط قبل ذلك.
انتهى كلام الإمام أحمد الذي نقلناه من كتاب الرد على الجهمية.
وروى الخلال عن حنبل، قال: قال أبو عبد الله، يعني أحمد: نؤمن أن الله على العرش بلا كيف بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يجده حاد، وصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.
وقال حنبل أيضا: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى: «إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا»، و«إن الله يرى في الآخرة»، و«إن الله يضع قدمه»، وأشباه هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: (ليس كمثله شيء) في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة "ليس
يشبهه شيء"، وصفاته غير محدودة ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، ونؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، فهذا كله يدل على أن الله سبحانه يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد، إلا بما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلما، عليم غفور، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣، وغيرها]، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦ و١٠٩، وغيرها] .
فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢ وغيرها]، وهو سميع
بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا نتعدي القرآن والحديث، تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة.
قلت له: المشهبة ما تقول؟
قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي - فقد شبه الله بخلقه. انتهى.
وكلام الإمام أحمد ﵀ في هذا كثير، فإنه امتحن بالجهمية.
﵁ وعن إخوانه من أئمة الدين.
قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل، قال: إن الله معنا، وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟
قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بالعلم معهم، وقال في سورة (ق): ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يقول: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، أقول هذا، ولا أجاوزه إلى غيره.
فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية.
قلت: فكيف تقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾؟
قال: علمه في كل مكان، وعلمه معهم، وقال: أول الآية يدل على أنه علمه.
وقال في موضع آخر: وإن الله ﷿ على عرشه فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وإنه غير مختلط بشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه.
وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه الخلال، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد، وكتبه عبد الله من خط أبيه، قال فيه: (باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش)، وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؟
قلنا لهم: ما أنكرتم أن يكون الله على العرش، فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو تحت العرش، وفي السماوات، وفي الأرض.
قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء؛ أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها شيء من عظمته، وقد أخبرنا الله ﷿ أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآيتين [الملك: ١٦ و١٧] .
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
وقال أيضا في الكتاب المذكور: ومما أنكرت الجهمية الضلال أن الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، وغيرها] .
ثم ساق أدلة القرآن، ثم قال: ومعنى قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علمه مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك لقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
قال الإمام أحمد: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير، وفيه شيء، كان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق علما من غير أن يكون في شيء مما خلق.
قال: مما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
فقالوا: إن الله معنا وفينا، فقلنا لهم: قطعتم الخبر من أوله؛ لأن الله افتتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه.
قال أحمد: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس شيئا؟ فيقول: نعم، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه، فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه؛ كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم؛ كفر أيضا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم؛ رجع عن قوله أجمع. وهو قول أهل السنة.
قال أحمد: وقلنا للجهمية: حين زعمتم أن الله في كل مكان أخبرونا
عن قول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]: أكان في الجبل بزعمكم، فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له، بل كان سبحانه على العرش، فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئا ما رآه قط قبل ذلك.
انتهى كلام الإمام أحمد الذي نقلناه من كتاب الرد على الجهمية.
وروى الخلال عن حنبل، قال: قال أبو عبد الله، يعني أحمد: نؤمن أن الله على العرش بلا كيف بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يجده حاد، وصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.
وقال حنبل أيضا: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى: «إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا»، و«إن الله يرى في الآخرة»، و«إن الله يضع قدمه»، وأشباه هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: (ليس كمثله شيء) في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة "ليس
يشبهه شيء"، وصفاته غير محدودة ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، ونؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، فهذا كله يدل على أن الله سبحانه يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد، إلا بما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلما، عليم غفور، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣، وغيرها]، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦ و١٠٩، وغيرها] .
فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢ وغيرها]، وهو سميع
بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا نتعدي القرآن والحديث، تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة.
قلت له: المشهبة ما تقول؟
قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي - فقد شبه الله بخلقه. انتهى.
وكلام الإمام أحمد ﵀ في هذا كثير، فإنه امتحن بالجهمية.
﵁ وعن إخوانه من أئمة الدين.
Translation
ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل
#16
Chapter 16 — فصل بيان عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀
· ref. #16
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل
قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الفردوس يوم المآب، وبينا عقيدته هو وأتباعه عقيدة السلف الماضين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين الذين رفع الله منارهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق الآخرين.
فشيخنا ﵀ وأتباعه- يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يتجاوزون القرآن والحديث؛ لأنهم متبعون لا مبتدعون، فلا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل؛ كما أنه سبحانه له ذات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل. فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين واعتقاد المعطلين، فهو كالخارج
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فهو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
فلما قررنا عقيدتنا في أول الجواب، وأوردنا على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة - أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، يؤيد ما ذكرناه، ويحقق ما قلناه؛ لأنهم مصابيح الدين وقدوة العالمين، وهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي، فإن الصحابة ﵃ قد شاهدوا نزول القرآن ونقلوه إلينا وفسروه، فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنهم التابعون؛ فتعلموا من الصحابه ألفاظ القرآن ومعانيه، فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنزيله، ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات، ولم يتأولوها كما تأولها النفاه، بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين، منزهة عن تعطيل المعطلين وتشبيه المشبهين. فإن الصحابة ﵃ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، وهم سادات الأمة وكاشفو الغمة، فالمسلمون بهديهم يهتدون، وعلى منهاجهم يسلكون، ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة، أئمة المذاهب المتبعة؛ ليتبين صحة ما قلناه وما إليهم نسبناه، ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون، وللسلف الصالح متبعون، فلما تبين ما قلناه، واتضح ما قررناه أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم؛ ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه هو اعتقاد أهل
السنة والجماعة قاطبة متقدميهم ومتأخريهم؛ لأن إجماعهم حجة قاطعة لا تجوز مخالفته، فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الفردوس يوم المآب، وبينا عقيدته هو وأتباعه عقيدة السلف الماضين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين الذين رفع الله منارهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق الآخرين.
فشيخنا ﵀ وأتباعه- يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يتجاوزون القرآن والحديث؛ لأنهم متبعون لا مبتدعون، فلا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل؛ كما أنه سبحانه له ذات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل. فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين واعتقاد المعطلين، فهو كالخارج
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فهو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
فلما قررنا عقيدتنا في أول الجواب، وأوردنا على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة - أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، يؤيد ما ذكرناه، ويحقق ما قلناه؛ لأنهم مصابيح الدين وقدوة العالمين، وهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي، فإن الصحابة ﵃ قد شاهدوا نزول القرآن ونقلوه إلينا وفسروه، فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنهم التابعون؛ فتعلموا من الصحابه ألفاظ القرآن ومعانيه، فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنزيله، ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات، ولم يتأولوها كما تأولها النفاه، بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين، منزهة عن تعطيل المعطلين وتشبيه المشبهين. فإن الصحابة ﵃ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، وهم سادات الأمة وكاشفو الغمة، فالمسلمون بهديهم يهتدون، وعلى منهاجهم يسلكون، ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة، أئمة المذاهب المتبعة؛ ليتبين صحة ما قلناه وما إليهم نسبناه، ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون، وللسلف الصالح متبعون، فلما تبين ما قلناه، واتضح ما قررناه أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم؛ ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه هو اعتقاد أهل
السنة والجماعة قاطبة متقدميهم ومتأخريهم؛ لأن إجماعهم حجة قاطعة لا تجوز مخالفته، فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
Translation
فصل بيان عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀
#17
Chapter 17 — فصل في كلام المشهورين من أئمة الفرق والمذاهب
· ref. #17
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل في كلام المشهورين من أئمة الفرق والمذاهب
Translation
فصل في كلام المشهورين من أئمة الفرق والمذاهب
#18
Chapter 18 — ذكر قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي
· ref. #18
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
فصل
قال الإمام حافظ الشرق وشيخ الإسلام، عثمان بن سعيد الدارمي، في كتاب النقض على بشر المريسي -قال الذهبي: وهو مجلد سمعناه من أبي حفص بن القواس - قال فيه:
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض.....، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم وتشقق السماوات لنزوله.....، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه، فقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وإنما هو أمره وعذابه.
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر الحلول:
ويحك، هذا المذهب - أنزه لله من السوء عن مذهب من يقول: هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سماواته، فوق جميع الخلائق، في أعلى مكان، وأظهر مكان؛ حيث لا خلق هناك ولا إنس ولا جان، أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه، وأشد تعظيما وإجلالا له.
وقال في هذا الكتاب: علمه بهم من فوق عرشه محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه ... ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض.
وقال في موضع آخر: والقرآن كلام الله، وصفة من صفاته، خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق، وهو بكماله على عرشه.
وقال في موضع آخر، وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها، وفيه: فتصعد روحه حتى تنتهي إلى السماء السابعة،
وذكر الحديث، ثم قال: وفي قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء؛ لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال، ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم، وفتحت لآخرين.
وقال في موضع آخر: ولكنا نقول: رب عظيم وملك كبير، نور السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض، على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة، دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه.
قال: وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين على أن الله في السماء، وعرفوه بذلك، إلا المريسي وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث.
وساق حديث حصين: (كم تعبد؟) قال: ستة في الأرض وواحدا في السماء، فقال النبي ﷺ: (من الذي تعده لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء.
وقال أيضا في قول رسول الله ﷺ للجارية [أين الله؟]: فيه تكذيب لمن يقول هو في كل مكان، وأن الله لا يوصف بأين، بل يستحيل أن يقال "أين هو؟ "، والله فوق سماواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده.
هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور، وهو قال فيه أبو الفضل القراب: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه أهل العلم.
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي
في جامعه
لما روى حديث أبي هريرة -وهو حديث منكر، قاله الذهبي - ««لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله»»، قال: معناه لهبط على علم الله، قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه.
وقال في حديث أبي هريرة («إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه»): قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك، قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرها أهل
قال الإمام حافظ الشرق وشيخ الإسلام، عثمان بن سعيد الدارمي، في كتاب النقض على بشر المريسي -قال الذهبي: وهو مجلد سمعناه من أبي حفص بن القواس - قال فيه:
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض.....، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم وتشقق السماوات لنزوله.....، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه، فقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وإنما هو أمره وعذابه.
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر الحلول:
ويحك، هذا المذهب - أنزه لله من السوء عن مذهب من يقول: هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سماواته، فوق جميع الخلائق، في أعلى مكان، وأظهر مكان؛ حيث لا خلق هناك ولا إنس ولا جان، أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه، وأشد تعظيما وإجلالا له.
وقال في هذا الكتاب: علمه بهم من فوق عرشه محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه ... ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض.
وقال في موضع آخر: والقرآن كلام الله، وصفة من صفاته، خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق، وهو بكماله على عرشه.
وقال في موضع آخر، وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها، وفيه: فتصعد روحه حتى تنتهي إلى السماء السابعة،
وذكر الحديث، ثم قال: وفي قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء؛ لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال، ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم، وفتحت لآخرين.
وقال في موضع آخر: ولكنا نقول: رب عظيم وملك كبير، نور السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض، على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة، دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه.
قال: وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين على أن الله في السماء، وعرفوه بذلك، إلا المريسي وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث.
وساق حديث حصين: (كم تعبد؟) قال: ستة في الأرض وواحدا في السماء، فقال النبي ﷺ: (من الذي تعده لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء.
وقال أيضا في قول رسول الله ﷺ للجارية [أين الله؟]: فيه تكذيب لمن يقول هو في كل مكان، وأن الله لا يوصف بأين، بل يستحيل أن يقال "أين هو؟ "، والله فوق سماواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده.
هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور، وهو قال فيه أبو الفضل القراب: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه أهل العلم.
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي
في جامعه
لما روى حديث أبي هريرة -وهو حديث منكر، قاله الذهبي - ««لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله»»، قال: معناه لهبط على علم الله، قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه.
وقال في حديث أبي هريرة («إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه»): قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك، قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرها أهل
Translation
ذكر قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي
#19
Chapter 19 — ذكر قول الحافظ أبو عيسى الترمذي
· ref. #19
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وأن معنى اليد هاهنا النعمة.
وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي أو سمع كسمعي، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع وكسمع، فهذا لا يكون تشبيها، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . هذا كله كلام الترمذي.
وقال الإمام
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
في كتاب (صريح السنة): وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر.
وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، قال: علا وارتفع.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١]،
وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي أو سمع كسمعي، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع وكسمع، فهذا لا يكون تشبيها، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . هذا كله كلام الترمذي.
وقال الإمام
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
في كتاب (صريح السنة): وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر.
وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، قال: علا وارتفع.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١]،
Translation
ذكر قول الحافظ أبو عيسى الترمذي
#20
Chapter 20 — ذكر قول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
· ref. #20
al-Tuhfah al-Madaniyyah fi al-'Aqidah al-Salafiyyah (wa-tubi'a al-kitab bi-ism: al-Fawakih al-'Adhab fi Mu'taqad al-Shaykh Muhammad ibn 'Abd al-Wahhab [fi al-Sifat] bi-tahqiq al-Shaykh 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muhsin al-Turki - Mu'assasat al-Risalah)
Arabic text
Aqeedah
عن الربيع بن أنس: إنه يعني ارتفع. وقال في قوله ﷿: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، يقول: وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول ويدعي أن له ربا في السماء أرسله إلينا.
وتفسيره هذا مشحون بأقوال السلف على الإثبات.
وقال في كتاب (التبصير في معالم الدين): القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له وجها بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدما بقول النبي ﷺ: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه»، وأنه يضحك بقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه»،
وأنه " «يهبط إلى سماء الدنيا» "، يخبر النبي ﷺ بذلك، وأن له إصبعا بقوله ﷺ: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن»؛ فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية - لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها.
ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) .
ومن أراد معرفة أقوال السلف التي حكاها عنهم في تفسيره فليطالع كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] .
وتفسيره هذا مشحون بأقوال السلف على الإثبات.
وقال في كتاب (التبصير في معالم الدين): القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له وجها بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدما بقول النبي ﷺ: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه»، وأنه يضحك بقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه»،
وأنه " «يهبط إلى سماء الدنيا» "، يخبر النبي ﷺ بذلك، وأن له إصبعا بقوله ﷺ: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن»؛ فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية - لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها.
ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) .
ومن أراد معرفة أقوال السلف التي حكاها عنهم في تفسيره فليطالع كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] .
Translation
ذكر قول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري