Back to the aqeedah library
25 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith أحاديث في الفتن والحوادث
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Muhammad ibn Abd al-Wahhab (محمد بن عبد الوهاب
25
Total sections
25 chapters
#1
Chapter 1 — باب: الفتن
· ref. #1
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
أحاديث في الفتن والحوادث
تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الْفِتَنِ
قال ﵀:-
(١) عن أبِي هريرة: قال رسول الله ﷺ: "بَادِرُوا بالأَعمالِ فِتنًا١ كقِطَعِ اللّيل
_________
١ الفتن: جمع فتنة. قال الرّاغب في أصل الفتن: - إدخال الذّهب في النّار لتظهر جودته من رداءته.
ويستعمل في إدخال الإنسان النّار، ويطلق على العذاب. كقوله تعالى: - ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذّاريات، من الآية: ١٤] .
وعلى ما يحصل عند العذاب. كقوله تعالى: - ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، [التّوبة، من الآية: ٤٩] .
وعلى الاختبار. كقوله تعالى: - ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه، من الآية: ٤٠] .
وفيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وفي الشّدة أظهر معنىً، وأكثر استعمالًا. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، [الأنبياء، من الآية: ٣٥] .
ومنه قوله تعالى: - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾، [الإسراء، من الآية: ٧٣]، أي: يوقعونك في بليّةٍ وشدّةٍ في صرفك عن العمل بما أوحي إليك.
وقال أيضًا: الفتنة تكون من الأفعال الصّادرة من الله، ومن العبد، كالبليّة والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية، وغيرها من المكروهات؛ فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة. وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، [البقرة، من الآية: ١٩١] .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، [البروج، من الآية: ١٠] .
وقوله: - ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾، [الصّافات: ١٦٢] .
وقوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، [القلم: ٦] .
وكقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾، [المائدة، من الآية: ٤٩] .
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثمّ استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثمّ أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتّحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
المُظْلِم١، يصبحُ الرّجلُ مؤمنًا ويُمْسي كافرًا، ويُمسِي٢
_________
(كقطع اللّيل المظلم): بكسر القاف وفتح الطّاء: جمع قطعة، وهي طائفة. والمعنى: كقطع من اللّيل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصَّلاح والفساد فيها.
ومعنى الحديث: الحثّ على المبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصّالحة قبل تعذر والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشّاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام اللّيل المظلم، لا القمر. ووصف ﷺ. نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنّه يمسي مؤمنًا ثمّ يصبح كافرًا، أو عكسه. وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. أعاذنا الله من الفتن.
٢ وفي مسلم: "أو يمسي مؤمنًا بدل ويمسي".
وباقي المخطوطة موافق لرواية التّرمذي. انظر: تحفة الأحوذي جـ ٦، كتاب الفتن ص: ٤٣٨، طبعة الفجالة القاهرة.
مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يَبيِعُ دينَهُ بِعَرَضٍ مِن الدّنْيَا". رواه مسلم١.
(٢) وللبُخَارِيِّ٢: عنْ زَيْنَبَبنتِ٣ جَحْشٍ: أنَّ النّبيَّ – ﷺ خَرَجَ يومًا فزعًا٤.
مُحْمَرًا وَجْهُهُ، يَقُولُ: "لا إلهَ إلاَّ اللهُ. ويلٌ للعَرَبَ مِنْ
_________
١ أخرجه مسلم بشرح النّووي جـ ٢، كتاب الإيمان، باب الحثّ على المبادرة بالأعمال ص: ١٣٣، طبعة المصرية بالأزهر.
وصدره: عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال:
٢ فتح الباري شرح صحيح البخاري: جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب يأجوج ومأجوج ص ١٠٦ ط السّلفية.
وأخرجه مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن – ص ٢ باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج. وكذلك التّرمذي، تحفة الأحوذي ج٦، أبواب الفتن، باب: يأجوج ومأجوج ص ٤٢١ كما أخرجه ابن ماجه جـ ٢- كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن ص ١٣٠٥ط عيسى الحلبي.
٣ في البخاري (ابنة جحش) وما في المخطوطة موافق لما في مسلم، وابن ماجه.
٤ وفي البخاري: "دخل عليها يومًا فزعًا".
وفي مسلم، وابن ماجه: "استيقظ من نومه".
وفي رواية للبخاري: "استيقظ النَّبِيُّ ﷺ من النّوم محمرًا وجهه".
شَر قَدِ اقْتَرَبَ١: فُتِحَ اليومَ مِنرَدْمِ٢ يأَجوجَ ومأجُوجَ مِثْلُ هذِه". وحلَّقَ بإِصْبَعَيْهِ٣: الإِبْهامِ والتي تَليِها. قالت: فقُلتُ: يا رسولَ الله: أَنَهْلِكُ وفِينَا الصّالِحُون٤؟ قال: "نَعَمْ إذا كَثُر الْخَبَث " ٥.
_________
١ خصّ العرب بذلك؛ لأنّهم كمانوا حينئذٍ معظم من أسلم. والمراد بالشّرّ: ما وقع بعده، من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتّى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة، كما وقع في حديث: "يوشك أن تَدَاعى عَلَيْكُم الأمَمُ، كَما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها".
وأنّ المخاطب بذلك العرب.
قال القرطبي: "ويحتمل أن يكون المراد بالشّرّ: ما أشار إليه في حديث أمّ سلمة: ماذَا أُنْزل اللَّيلَة مِنَ الْفِتَنِ، ومَاذَا أُنْزلَ مِنَ الْخَزَائنِ".
فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التّنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التّنافس على الإمرة؛ فإ، معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أُمّيّة، وغيرهم؛ حتّى أفضى ذلك إلى قتله، وترتّب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمرّ.
٢ الرّدم: السّدّ الذي بناه ذو القرنين.
(وحلق بإصبعيه) أي: جعلهما مثل الحلقة.
٤ كأنّها أخذت ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، [الأنفال، من الآية: ٣٣] .
٥ الخبث: بفتحتين. فسر بالزِّنا وبأولاد الزِّنا والفسوق والفجور وهو أولى لأنّه قابله بالصّلاح.
قال ابن العربي: فيه البيان: بأنّ الخيِّر يهلك بهلاك الشّرير، إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشّرير على عمله السّيء، ويفشو ذلك ويكثر، حتّى يعمّ الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثمّ يحشر كل أحد على نيته أ. هـ. فتح الباري جـ ١٣ ص ١٠٩.
(٣) وله١: عنْ أُسامةَ: أنّ النّبيّ – ﷺ أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ٢ مِنْ آطامِ المدينةِ. ثُمَّ قال٣: "هل تَروْنَ مَا أًرَى٤؟ إني لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلالِ بُيُوتِكمْ كَمَواقِع٥ الْقَطْر".
_________
١ فتح الباري شرح البخاري جـ ١٣- كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب ص:١١.
وكذلك في الجزء رقم ٤ كتاب فضائل المدينة ص ٩٤.
وفي مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن ص٧.
وفي أحمد جـ ٥ ص ٢٠٠.
وما ذكره في المخطوطة هو لفظ مسلم.
٢ الأطم - بضمّتين ـ: البناء المرتفع. كذا في النّهاية.
وفي في الفتح: هي الحصون التي تُبْنَى بالحجارة.
٣ لفظ البخاري: "فقال".
٤ لفظ البخاري بعد جملة الاستفهام: "قالوا: لا. قال: فإنِّي".
٥ لفظ البخاري: "كوقع القطر"، في كتاب الفتن.
وفي روايات علامات النّبوّة كمواقع القطر.
وإنّما اختصّت المدينة بذلك؛ لأنّ قتل عثمان ﵁ كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك. وحسن التّشبيه بالمطر لإرادة التّعميم؛ لأنّه إذا وقع في أرض معيَّنة عمّها، ولو في بعض جهاتها". ا. هـ. من الفتح.
(٤) ولِمسلم١: عن سالم بنِ عبد الله. قال:
يَا أَهْلَ العِراق! مَا أَسْأَلَكُمْ الصَّغيرةَ، وَمَا أَرْكَبَكُم٢ الكبيرة. سمعت أبي: عبد الله ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا – وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نِحْوَ الْمَشْرِقِ -: مِنْ حَيْثُ يَطلعُ قَرْنُ٣ الشَّيطَانِ، وَأَنْتُمْ
_________
١ مسلم بشرح النّووي ج١٨ – كتاب الفتن – باب الفتنة من المشرق حيث يطلع قرنا الشيطان ص ٣٢.
وفي البخاري بشرح الفتح – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ الفتنة من قبل المشرق ج١٣ ص ٤٥ مع اختلاف في الألفاظ واختصار.
٢ لفظ مسلم: "وأركبكم".
٣ لفظ مسلم: "قرنا الشّيطان" بلفظ المثنى، والإفراد موافق لبعض ألفاظ مسلم.
وقرنا الشّيطان: قيل: المراد بهما: حزبه وأتباعه. وقيل: قوته وغلبته، وانتشاره وفساده. وقيل: القرنان: ناحية الرأس. وإنّه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. وسمي شيطانًا لتمرده وعتوه، وكل مارد عات: شيطان.
والأظهر: أنّه مشتقٌّ من شطن إذا بعد، لبعده من الخير والرّحمة.
وقيل: مشتقٌّ من شاط إذا هلك واخترق. ا. هـ النّووي على مسلم.
يَضْرِبُ بعضُكم رِقَابَ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسى الّذي قَتَلَ مِنْ آل فِرْعَونَ خَطَأً. فَقَالَ الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، [طه، من الآية: ٤٠] .
(٥) وله١: عن معقل بن يَسِارٍ: عن النَّبِيِّ ﷺ قال:
"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ٢ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن – باب فضل العبادة في الهرج ص ٨٨.
٢ المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور النّاس.
وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أنّ النّاس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها ولا يتفرّغ لها إلاّ الأفراد. اهـ مسلم.
(٦) ولمسلم١: عن ابن عمرو٢: أن رسول الله ﷺ قال:
"إَذَا فُتِحَت عَلَيْكُم فَارِسُ وَالرُّومُ! أَيُّ قَومٍ أَنْتُم؟ "، قال عبد الرَّحْمَن بُن عَوفٍ: نكُون٣ كَمَا أَمَرَ الله٤. فقال النَّبِيُّ ﷺ "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُون. ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ. ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِنِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعَضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ"٥.
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ١٨- كتاب الزّهد ص ٩٦.
وأخرجه ابن ماجه جـ ٢ – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص ١٣٢٤. تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.
٢ لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عن رسول الله ﷺ أنّه قال: الحديث.
٣ لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه"نقول كما أمرنا الله"بدل:"نكون كما أمر الله".
٤ معناه: نحمده ونشكره، ونسأله المزيد من فضله.
٥ قال العلماء: التّنافس إلى الشّيء: المسابقة إليه، وكراهة أخذ غيرك إيّاه. وهو أوّل درجات الحسد.
وأمّا الحسد: فهو: تمنِّي زوال النِّعمة عن صاحبها والتدابر التقاطع، وقد بقي مع التّدابر شيء من المودة، أو لا يكون مودة ولا بغض.
وأمّا التّباغض: فهو بعد هذا، ولهذا رتبت في الحديث النّووي.
(٧) ولَه١: عن عَمْرُو بن عَوْفٍ: أنّ النّبيّ ﷺ بَعَثَ أبا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْن، فَأَتَى٢ بِجِزْيَتِهَا. وكان رسولُ الله ﷺ صَالَحَ٣ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهُمُ العَلاَءَ بنَ الْحَضْرمي، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَة بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعْت الأنصار بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعِ رسول الله ﷺ فَلَمَّا صلّى رسولُ الله ﷺ انْصَرَفَ. فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله ﷺ حِيْنَ رَآهُم، ثمّ قال:
_________
١ مسلم شرح النّووي جـ١٨ – كتاب الزّهد والرِّقائق – ص٩٥.
والبخاري بشرح الفتح جـ ٦ الجزية ص ٢٥٧ وأخرجه ابن ماجه الجزء الثّاني – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص ١٣٢٤ والتِّرمذي – تحفة الأوحوذي جـ٧ ص ١٦١.
٢ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "يأتي بجزيتها".
٣ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "هو صالح".
"أَظُنُّكُم سَمِعْتُم١ أبا عبيدة قَدِمَ بِشِيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟ "، قَالُوا: أَجَل يا رسولَ الله. قال: "فَأَبْشِرُوا، وأَمِّلُوا مِا يَسُرُّكُم، فَوَالله مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم. وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم أَنْ تُبْسَطَ عَلَيكُم٢ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوا٣ فِيهَا، كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُم" ٤.
وفي رواية٥: "فَتُلْهِيكُم كَمَا أَلْهَتْهُم".
(٨) وَلَهُما٦: عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ: قَالَ رسولُ الله
_________
١ لفظ مسلم وابن ماحه "أظنّكم سمعتم أن أبا عبيدة" وفي البخاري: "أظنّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة".
٢ لفظ مسلم وابن ماجه:"أن تبسط الدّنيا عليكم"وفي البخاري كما في المخطوط.
٣ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري: "فتنافسوها".
٤ لفظ مسلم والبخاري: "وتهلككم كما أهلكتهم"، وما في المخطوطة موافق لابن ماجه.
٥ مسلم شرح النّووي ج١٨كتاب الزّهد ص٩٦.واللفظ:"وتلهيكم كما ألهتهم".
٦ البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني – جـ ٩ كتاب النِّكاح – باب ما يتّقي من شؤم المرأة. ومسلم بشرح النّووي جـ ١٧ – كتاب الرِّقاق – بيان الفتنة بالنِّساء جـ ١٧ ص ٥٤.
ﷺ:
"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"١.
(٩) وَلِمُسلِمٍ٢: من حديث أبي سَعِيدٍ: "إنَّ الدُّنْيَا خَضْرَةٌ حُلْوَةٌ٣. وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُم فِيهَا٤
_________
١ في الحديث: أنّ الفتنة بالنِّساء أشدّ من الفتنة بغيرهنّ.
ويشهد له قوله تعالى: - ﴿زُيِّن للنّاسِ حبُّ الشّهواتِ منَ النِّساء﴾ . [سورة آل عمران، من الآية: ١٤] . فجعلهن من حبِّ الشّهوات. وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنّهن الأصل في ذلك.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٧، ص: ٥٥، كتاب الرّقاق، بيان الفتنة بالنّساء.
وفي التّرمذي، تحفة الأحوذي، ج ٦، كتاب الفتن، باب ما أخبر النَّبِيّ ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة ص: ٤٢٨.
وابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب فتنة النّساء، ص: ١٣٢٥.
٣ في مسلم: "إنّ الدّنياء حلوة حضرة"، وما في المخطوطة موافق لما في التّرمذي وابن ماجه.
وقوله: "إنّ الدّنيا خضرة حلوة"، يحتمل أنّ المراد به شيئان:
أحدهما: حسنها للنّفوس ونضارتها ولذّتها: كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإنّ النّفوس تطلبها طلبًا حثيثًا فكذا الدّنيا.
والثّاني: سرعة فنائها، كالشّيء الأخضر في هذين الوصفين.
٤ "إنّ الله مستخلفكم فيها" أي: جاعلكم خلفاء من القرون الّذين قبلكم. فينظر هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم.
فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتَّقُوا الله، واتّقوا النِّساء"١.
(١٠) وله٢: عَنْ حُذَيْفَةَ ٣ قال:
والله إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ. وَمَا بِيَ أَلاَّ يَكونَ٤ رسولُ الله – ﷺ أَسَرَّ إِليَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَِمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلِكَن رسولُ الله– ﷺ قَالَ، وَهُوَ يُحدِّث
_________
١ في مسلم: "فاتقوا الدّنيا، واتّقوا النِّساء" ثمّ قال: "فإنّ أوّل فِتْنَة بَني إسْرَائٍيلَ كانتْ في النِّساء".
وعند التِّرمذي، وابن ماجه: "ألا فاتقوا الدّنيا واتقوا النِّساء".
ومعنى "فاتقوا الدّنيا واتّقوا النِّساء" تجنبوا الافتتان بها، وبالنِّساء. وتدخل في النِّساء الزّوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزّوجات، لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر النّاس بهنّ ا. هـ النّووي.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص١٥.
٣ قال النّووي في شرح مسلم: المشهور في الاستعمال: حذيفة إبن اليمان من غير ياء في آخر اليمان. وهو لغة قليلة. والصّحيح اليماني بالياء – من عون المعبود بشرح سنن أبي داود (جـ ١١ – ص ٣٠٦) .
٤ لفظ مسلم: "وما بي إلاّ أن يكون".
مَجْلِسًا أنا فِيهِ: عَنِ الْفِتَنِ. فقال رسولُ الله ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: "مِنْهُنّ ثلاثٌ، لا يَكِدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا. وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ. مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ". قال حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ١ كُلُّهُم غَيْرِي.
(١١) وَلَهُ٢: عَنْهُ قال: أَخْبَرَنِي رسولُ الله – ﷺ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاّ قَدْ سَأَلْتُهُ، إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟.
_________
١ الرّهط: عشيرة الرّجل وأهله. والرّهط من الرِّجال: مادون العشرة. وقيل: إلى الأربعين، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. ويجمع على أرهط، وأرهاط، وأراهط جمع الجمع. النِّهاية في غريب الحديث.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص ١٦ – والضّمير في عنه لحذيفة بن اليماني. باب أخبار النّبيّ – ﷺ – فيما يكون إلى قيام السّاعة.
(١٢) وَلَهُ١: عَن أَبِي زَيْدٍ٢. قَالَ: صَلَّى بِنَا رسولُ الله ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا٣، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ. ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَمَا ٤ هُوَ كَائنٌ، فَأَعْلَمُنَا: أَحْفَظُنَا.
(١٣) وله٥: عَنْ عَمْرو٦ بن العاصِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاّ كَانَ عَلِيْهِ٧ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهَ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم،
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن – باب إخبار النّبيّ – ﷺ – فيما يكون إلى قيام السّاعة ص١٦.
٢ فسّره مسلم بقوله: "يعني عمرو بن أخطب" بالخاء المعجمة. وهو الصّحابي المشهور.
٣ لفظ مسلم: "فنَزل فصلّى" بحذف الجار والمجرور.
٤ لفظ مسلم: "وبما هو كائن".
٥ مسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأوّل فالأوّل ص ٢٣٢ وللحديث بقية فراجعه.
٦ راوي الحديث هو: عبد الله بن عمرو بن العاص. كما في مسلم.
٧ لفظ مسلم: "إلاّ كان حقًّا عليه".
وَيُنْذِرُهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم. وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَتْ١ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا. وَسَيُصِيبُ آخرَهَا بَلاَءً، وَأُمُورٌ تُنْكَرُ٢ فَتَجِيءُ٣ فِتْنَةٌ، فَيُرَقَّقُ٤ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فيقولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكِتِي٥. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بالله
_________
١ لفظ مسلم: "جعل"، بدون التّاء:
٢ في مسلم: "وأمور تنكرونها".
٣ في مسلم: "وتجيء فتنة"، بالواو بدل الفاء.
٤ "فيرقّق" هذه اللفظة: رويت على أوجه:
أحدها: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرّواة: يُرقّق أي: يصير بعضها رقيقًا. أي: خفيفًا؛ لعظم ما بعده، فالثّاني يجعل الأوّل رقيقًا.
وقيل: معناه: يشبه بعضه بعضًا.
وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء.
وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها.
والثّاني: فيرقّق بفتح الياء وإسكان الرّاء، بعدها فاء مضمومة.
والثّالث: فيدفق. بالدّال المهملة السّاكنة، وبالفاء المكسورة: أي يدفع ويصب، والدفق: هو الصب.
٥ في مسلم: "هذه مهلكتي ثم تنكشف".
وَالْيَوْمِ الآخرِ، وَلْيِأْتِ إِلَى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ١. وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا٢ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخرِ"٣.
(١٤) وَلَهُمَا٤ عن ابن عَبَّاسٍ: أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيْرِهِ شيئًا فَلْيَصْبِر
_________
١ "وليأت إلى النّاس الذي يحبّ أن يؤتى إليه" هذا من جوامع كلمه – ﷺ – وبديع حكمه. وهذه قاعدة مهمّة. فينبغي الاعتناء بها. وإنّ الإنسان يلزمه ألاّ يفعل مع النّاس إلا ما يحب أن يفعلوه معه.
٢ في مسلم: "إن استطاع".
٣ "فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
معناه: ادفعوا الثّاني، فإنّه خارج على الإمام؛ فإن لم يندفع إلاّ بحرب وقتال، فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنّه ظالم متعدٍ في قتاله.
٤ البخاري – شرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ: سترون بعدي أمورًا تنكرونها ص ٥.
ومسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة الجماعة ص ٢٤٠.
عَلَيهِ١؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا٢، فَمَاتَ، فَمَيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ".
(١٥) ولأَبِي دَاوُدَ٣: عَنِ ابن مَسْعُود: عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"تَدُورُ رَحى٤ الإسلام لِخَمْسٍ وَثَلاَثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ. فَإِنْ
_________
١ صدر الحديث لفظ إحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس عند مسلم. وعجزه ابتداء من قوله: "فإنّه من فارق الجماعة" الخ لفظ الرِّواية الأخرى عن ابن عبّاس.
ومعنى قوله: "فليصبر عليه"، أي فليصبر على ذلك المكروه ولا يخرخ عن الطّاعة.
(شبرًا) أي قدر شبر. كنى به عن الخروج على السّلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة.
٣ سنن أبي داود – عون المعبود جـ ١١ كتاب الفتن – باب ذكر الفتن ودلائلها – ص ٣٢٧- تحقيق عبد الرحمن عثمان.
٤ "تدور رحى الإسلام" اختلف العلماء في بيان معنى دوران رحى الإسلام على قولين:
الأوّل: أنّ المراد منه: استقامة أمر الدِّين واستمراره، وهذا قول الأكثرين.
الثّاني: أنّ المراد منه: الحرب والقتال، وشبهها بالرّحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس.
يَهْلِكُوا فَسِبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُم دِيْنُهُم، يَقُمْ١ سَبْعِيْنَ عَامًا" قالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ٢؟ قال: "مِمَّا مَضَى".
(١٦) وَلِلتِّرْمِذِيِّ ٣: عن ابن أخي عبد الله بن سلام؟ قال:
"لَمَّا أُرِيدَ عُثْمَانُ٤ جَاءَهُ عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ. فقال له عثمان – ﵁: مَا جَاءَ بِكَ؟ قال: جِئْتُ فِي نَصْرَتِكَ. قال: أُخْرُجْ إلى النَّاسِ فَاطْرُدْهُم عَنِّي. فَإِنَّكَ خَارِجٌ خَيْرٌ لِيَ مِن دَاخِلٌ٥.قَالَ قالَ: فَخَرَجَ
_________
١ لفظ أبي داود: "يقم لهم سبعين عامًا".
٢ لفظ أبي داود: "أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى".
٣ سنن التِّرمذي بشرح تحفة الأحوذي- تحقيق عبد الرّحمن عثمان جـ١٠ كتاب المناقب. باب مناقب عبد الله بن سلام ص ٣٠٥.
وأخرجه أيضًا في كتاب التّفسير- سورة الأحقاف ج٩ ص ١٣٧.
٤ "لما أريد عثمان"، أي: لما أريد قتله، كما أريد قتله. كما جاء في رواية المناقب للتِّرمذي.
٥ في رواية المناقب (فإنّك خارجًا خير لي منك داخلًا) وما في المخطوطة موافق لرواية الترمذي في التفسير.
عبدُ الله بنُ سلامٍ إلى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلاَنٌ. فَسَمَّانِي رسولُ الله ﷺ عبدَ الله. وَنَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِنْ كِتَابِ الله: نَزَلَ١ فِيّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، [الأحقاف، من الآية: ١٠] الآية٢.
وَنَزَلَ فِيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، [الرّعد، من الآية: ٤٣] ٣.
إِنَّ لله سَيْفًا مَغْمُودًا٤ عَنْكُم، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُم فِي بَلَدِكُم هَذَا، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُم. فَالله الله في
_________
١ في السّنن (نزلت) بالتّاء في الرِّوايتين.
٢ والشّاهد من بني إسرائيل. هو عبد الله بن سلام. كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم – والسّورة وإن كان كانت مكيّة، إلاّ أنّ هذه الآية مدنية. فيخصص بها عموم القول بأن السّورة كلّها مكيّة. والشّهادة على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التّوراة المطابقة له: من إثبات التّوحيد والبعث والنّشور وغير ذلك. والمثلية: هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ.
٣ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، قيل: هو عبد الله بن سلاَم. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
٤ "مغمودًا" أي مستورًا في غلافه.
هَذَا الرَّجُلِ. إِنْ تَقْتُلُوهُ، فوا الله إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنَّ جِيْرَانَكْم: الْمَلاَئَكةَ. وَلَيَسَلَنَّ سَيْفُ الله الْمَغْمُودُ عَنْكُم، فَلاَ يُغْمَدُ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ. فَقَالُوا: اقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.
قال التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ١.
(١٧) وَلَهُمَا٢: أنَّ عُمَرَ قَالَ: "أَيُّكُم يَحْفَظُ حَدِيْثَ رسولِ الله ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قال حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: أنا. فقال: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ: كَيْفَ؟. قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ٣ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ،
_________
١ في السّنن: هذا حديث غريب.
٢ البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ كتاب الفتن – باب الفتنة التي تموج كموج البحر ص ٤٨.
مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص ١٦. واللفظ لمسلم مع اختلاف في بعض الألفاظ – وفي كتاب الإيمان جـ ٢ ص ١٧٠.
٣ في مسلم: "فتنة الرّجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره".
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيْدُ، إنّما أريد الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ الْبَحْرَ. قال: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنِ؟ إَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُفْتَحُ الْبَابُ أَمْ يُكْسَرُ؟. قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قال: ذاك أَجْدَرُ أَلاَّ يُغْلَقَ. فَقُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرَ يَعْلَمُ مَنَ الْبَابِ؟ قَالَ: كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَة. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ١. قال: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ.
(١٨) وَلأَبِي داود٢: عَن نَصْرِ بن عاصمِ اللَّيْثِيّ. قَالَ:
_________
١ "الأغاليظ": جمع أغلوطة: وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به: لسان العرب.
٢ سنن أبي داود بشرح عون المعبود. ج١١ – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتنة ودلائلها ص ٣١٦ مع اختلاف كثير في اللّفظ واختصار عما في المخطوطة.
ومسند الإمام أحمد جـ ٥ ص ٣٨٦. طبع المكتب الإسلامي وما في المخطوطة قريب مما في المسند
أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ فِي رَهْطٍ مِنْ بِنِي لَيْثٍ. فَقَالَ: مَنِ الْقَومُ؟ فَقُلْنَا: بَنُو لَيْثٍ: أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. فَقَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى قَافِلِيْنَ، وَغَلَتِ الدَّوَابُ بِالكُوفَةِ. قَالَ: فَسَأَلْتُ أبا مُوسَى أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَأَذِنَ لَنَا، فَقَدِمْنَا الْكُوفَةَ. فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: إنِّي دَاخِلُ الْمَسْجِدَ، إَذَا قَامَتِ السُّوقُ خَرَجْتُ إِلَيْكَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا فِيهِ حَلَقَةٌ، كَأَنَّمَا قُطِعَتْ رُؤُوسُهُم، يَسْتَمِعُونَ لِحَدِيثِ رَجُلٍ. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبَصْرِيٌّ أَنْتَ؟ قَلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ وَلَوْ كُنْتَ كُوفِيًّا لَمْ تَسْأَلْ عَنْ هَذَا. فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله – ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْخَيْرَ يَسْبِقُنِي١. قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله، واتَّبِعْ مَا فِيهِ". قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ
_________
١ في مسند الإمام أحمد: "وعرفت أن الخيْر لن يسبقني".
هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "فتنة وشرّ". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتّبع ما فيه ثلاث مرّات". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قَالَ: "هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ١ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاء٢ فِيهَا، أَوْ فِيهِم".
قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله ﷿، واتَّبِعْ مَا فِيهِ".. ثلاث مرّاتٍ. قال: قُلْتُ يا رسولَ الله: هَلْ بَعْدَ الْخَيْر
_________
١ "هدنة على دخن"، أي: على فساد واختلاف، تشبيهًا بدخان الحطب الرطب؛ لما بينهم من الإفساد الباطن تحت الصِّلاح الظّاهر – قاله في النِّهاية.
٢ "وجماعة على أقذاء" أي واجتماع على أهواء مختلفة، أو عيوب مؤتلفة.
وفي النِّهاية: أراد: أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين والماء والشّراب.
شرُّ؟ قال: "فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمْيَاءُ١ عَلَيهَا دُعَاةٌ٢ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ٣؛ فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضٌ عَلَى جَذْلٍ٤ خَيْرٌ لَّكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحْدًا مِنْهُم".
(١٩) وَلَهُمَا٥، عن أبي إِدْرِيس الْخَوْلاَنِي: أَنَّهُ سَمِعَ
_________
١ "فتنة عمياء صمياء"، أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحقّ، ويصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحقّ أو النّصيحة.
قال القاضي: المراد بكونها عمياء صمياء: أن تكون حيث لا يرى منها مخرجًا، ولا يوجد دونها مستغاث، أو أن يقع النّاس فيها على غرة من غير بصيرة، فيعمون فيها، ويصمون عن تأمّل قول الحقّ، واستماع النّصح.
٢ "عليها دعاة"، أي: على تلك الفتنة دعاة: وهي بضمّ الدّال جمع داع. أي: جماعة قائمة بأمرها وداعية للنّاس إلى قبولها.
٣ "على أبواب النّار"، أي: كائنون على شفا جرف من النّار، يدعون الخلق إليها حتّى يتفقوا على الدّخول فيها.
٤ "على جذل"، أي: أصل شجرة. يعني والحال أنّك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال من أن تتبع أحدًا منهم، أي من أهل الفتنة، أو من دعاتها.
٥ صحيح البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ص ٣٥، وصحيح مسلم بشرح النّووي – جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص ٢٣٦ مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة أو نقص.
حذيفةَ يقولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةً أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يا رسولَ الله إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيِّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "نَعَمْ"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قال: "نَعَمْ، وَفِيْهِ دَخَنٌ"١، قال:
قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قال: "قَومٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي٢، تَعْرِفُ مِنْهُم وَتُنْكِر"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَاكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ: فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ دَعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"،
_________
١ الدخن، بفتحتين: هو الحقد، وقيل: الدغل، وقيل فساد القلب، ومعنى الثّلاثة متقارب.
قال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث: الحديث الآخر: "لا نرجع قلوب قوم على ما كانت عليه". وأصله: أن يكون في لون الدّابة كدورة إلى سواد.
قالوا: والمراد هنا: ألا تصفو القلوب بعضها لعض، ولا يزول حبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصّفاء.
٢ "ويهدون بغير هديي". الهدي: الهيئة والسيرة والطّريقة.
فَقُلْتُ: يا رسولَ الله صِفْهُم لَنَا. قال: "نَعَم، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا١، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، فقلت: يا رسولَ الله مَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ وَإِمَامِهِم"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُم جَمَاعَةُ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ٢ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".
_________
١ "قوم من جلدتنا"، أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وفيه إشارة إلى أنّهم من العرب.
وقيل: معناه أنّهم في الظّاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون. وجلدة الشيء ظاهره. وهي في الأصل: غشاء البدن.
٢ "ولو أن تعض" بفتح العين المهملة وتشديد الضّاد المعجمة. أي ولو كان الاعتزال بالعض. فلا تعدل عنه.
وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك – درءًا للفتن.
وفيه حكمة الله في عباده. كيف أقام كلا منهم فيما شاء- فحبب إلى أكثر الصّحابة السؤال عن وجوه الخير، ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم.
وحبب لحذيفة السؤال عن الشّر ليجنّبه، ويكون سببًا في دفعه عمن أراد الله له النّجاة.
(٢٠) وَفِي رِوَايِةٍ١: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَةٌ، لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهُم رِجَالٌ: قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِيْنَ، فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ". قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ٢، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".
(٢١) وَلِمُسْلِمٍ ٣: "إِنْ كَانَ لله خَلِيفَةٌ فِي الأَرْضِ، فَضَرَبَ٤ عَلَى ظَهْرِكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَأَطِعْهُ، وَإِلاَّ، فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضُّ بِجِذْلِ شَجِرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص ٢٣٨.
٢ في صحيح مسلم: "وتطيع للأمير". وهذا الأمر من الرّسول – ﷺ إنما هو درء للفتن – كما في الحديث السّابق.
٣ لم يخرج مسلم هذا الحديث – وفد أخرجه أبو داود جـ ١١ من عون المعبود – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتن ودلائلها ص ٣١٣.
٤ في أبي داود: "فضرب ظهرك".
"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهَرٌ وَنَارٌ١، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ٢ وَحُطَّ وِزْرُهُ. وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ، وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطّ أَجْرُهُ"٣. قُلْتُ ثُمَّ: مَاذَا؟ قَالَ٤: "هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ ".
_________
١ "ومعه نهر ونار" أي: نهر ماء وخندق نار، قيل إنّهما على وجه التخيل من طريق السّحر.
وقيل: ماؤه في الحقيقة، نار وناره؛ ماء.
٢ "وجب أجره"، أي: ثبت وتحقّق أجر الواقع. "وحط وزره"، أي: ورفع وسومح.
٣ "وحط أجره"، أي: بطل عمله السّابق.
٤ في أبي داوود: "ثمّ هي قيام السّاعة".
ومعنى الحديث: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة والصّبر على تحمّل شدّة الزّمان، وعض أصل الشّجرة: كناية عن مكابدة المشقّة. كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدّة الألم؟ أو المراد اللزوم؛ كقوله في الحديث الآخر؟: "عضوا عليها النّواجذ".
تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الْفِتَنِ
قال ﵀:-
(١) عن أبِي هريرة: قال رسول الله ﷺ: "بَادِرُوا بالأَعمالِ فِتنًا١ كقِطَعِ اللّيل
_________
١ الفتن: جمع فتنة. قال الرّاغب في أصل الفتن: - إدخال الذّهب في النّار لتظهر جودته من رداءته.
ويستعمل في إدخال الإنسان النّار، ويطلق على العذاب. كقوله تعالى: - ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذّاريات، من الآية: ١٤] .
وعلى ما يحصل عند العذاب. كقوله تعالى: - ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، [التّوبة، من الآية: ٤٩] .
وعلى الاختبار. كقوله تعالى: - ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه، من الآية: ٤٠] .
وفيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وفي الشّدة أظهر معنىً، وأكثر استعمالًا. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، [الأنبياء، من الآية: ٣٥] .
ومنه قوله تعالى: - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾، [الإسراء، من الآية: ٧٣]، أي: يوقعونك في بليّةٍ وشدّةٍ في صرفك عن العمل بما أوحي إليك.
وقال أيضًا: الفتنة تكون من الأفعال الصّادرة من الله، ومن العبد، كالبليّة والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية، وغيرها من المكروهات؛ فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة. وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، [البقرة، من الآية: ١٩١] .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، [البروج، من الآية: ١٠] .
وقوله: - ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾، [الصّافات: ١٦٢] .
وقوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، [القلم: ٦] .
وكقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾، [المائدة، من الآية: ٤٩] .
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثمّ استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثمّ أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتّحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
المُظْلِم١، يصبحُ الرّجلُ مؤمنًا ويُمْسي كافرًا، ويُمسِي٢
_________
(كقطع اللّيل المظلم): بكسر القاف وفتح الطّاء: جمع قطعة، وهي طائفة. والمعنى: كقطع من اللّيل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصَّلاح والفساد فيها.
ومعنى الحديث: الحثّ على المبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصّالحة قبل تعذر والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشّاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام اللّيل المظلم، لا القمر. ووصف ﷺ. نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنّه يمسي مؤمنًا ثمّ يصبح كافرًا، أو عكسه. وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. أعاذنا الله من الفتن.
٢ وفي مسلم: "أو يمسي مؤمنًا بدل ويمسي".
وباقي المخطوطة موافق لرواية التّرمذي. انظر: تحفة الأحوذي جـ ٦، كتاب الفتن ص: ٤٣٨، طبعة الفجالة القاهرة.
مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يَبيِعُ دينَهُ بِعَرَضٍ مِن الدّنْيَا". رواه مسلم١.
(٢) وللبُخَارِيِّ٢: عنْ زَيْنَبَبنتِ٣ جَحْشٍ: أنَّ النّبيَّ – ﷺ خَرَجَ يومًا فزعًا٤.
مُحْمَرًا وَجْهُهُ، يَقُولُ: "لا إلهَ إلاَّ اللهُ. ويلٌ للعَرَبَ مِنْ
_________
١ أخرجه مسلم بشرح النّووي جـ ٢، كتاب الإيمان، باب الحثّ على المبادرة بالأعمال ص: ١٣٣، طبعة المصرية بالأزهر.
وصدره: عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال:
٢ فتح الباري شرح صحيح البخاري: جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب يأجوج ومأجوج ص ١٠٦ ط السّلفية.
وأخرجه مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن – ص ٢ باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج. وكذلك التّرمذي، تحفة الأحوذي ج٦، أبواب الفتن، باب: يأجوج ومأجوج ص ٤٢١ كما أخرجه ابن ماجه جـ ٢- كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن ص ١٣٠٥ط عيسى الحلبي.
٣ في البخاري (ابنة جحش) وما في المخطوطة موافق لما في مسلم، وابن ماجه.
٤ وفي البخاري: "دخل عليها يومًا فزعًا".
وفي مسلم، وابن ماجه: "استيقظ من نومه".
وفي رواية للبخاري: "استيقظ النَّبِيُّ ﷺ من النّوم محمرًا وجهه".
شَر قَدِ اقْتَرَبَ١: فُتِحَ اليومَ مِنرَدْمِ٢ يأَجوجَ ومأجُوجَ مِثْلُ هذِه". وحلَّقَ بإِصْبَعَيْهِ٣: الإِبْهامِ والتي تَليِها. قالت: فقُلتُ: يا رسولَ الله: أَنَهْلِكُ وفِينَا الصّالِحُون٤؟ قال: "نَعَمْ إذا كَثُر الْخَبَث " ٥.
_________
١ خصّ العرب بذلك؛ لأنّهم كمانوا حينئذٍ معظم من أسلم. والمراد بالشّرّ: ما وقع بعده، من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتّى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة، كما وقع في حديث: "يوشك أن تَدَاعى عَلَيْكُم الأمَمُ، كَما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها".
وأنّ المخاطب بذلك العرب.
قال القرطبي: "ويحتمل أن يكون المراد بالشّرّ: ما أشار إليه في حديث أمّ سلمة: ماذَا أُنْزل اللَّيلَة مِنَ الْفِتَنِ، ومَاذَا أُنْزلَ مِنَ الْخَزَائنِ".
فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التّنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التّنافس على الإمرة؛ فإ، معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أُمّيّة، وغيرهم؛ حتّى أفضى ذلك إلى قتله، وترتّب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمرّ.
٢ الرّدم: السّدّ الذي بناه ذو القرنين.
(وحلق بإصبعيه) أي: جعلهما مثل الحلقة.
٤ كأنّها أخذت ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، [الأنفال، من الآية: ٣٣] .
٥ الخبث: بفتحتين. فسر بالزِّنا وبأولاد الزِّنا والفسوق والفجور وهو أولى لأنّه قابله بالصّلاح.
قال ابن العربي: فيه البيان: بأنّ الخيِّر يهلك بهلاك الشّرير، إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشّرير على عمله السّيء، ويفشو ذلك ويكثر، حتّى يعمّ الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثمّ يحشر كل أحد على نيته أ. هـ. فتح الباري جـ ١٣ ص ١٠٩.
(٣) وله١: عنْ أُسامةَ: أنّ النّبيّ – ﷺ أَشْرَفَ عَلَى أُطُمٍ٢ مِنْ آطامِ المدينةِ. ثُمَّ قال٣: "هل تَروْنَ مَا أًرَى٤؟ إني لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلالِ بُيُوتِكمْ كَمَواقِع٥ الْقَطْر".
_________
١ فتح الباري شرح البخاري جـ ١٣- كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب ص:١١.
وكذلك في الجزء رقم ٤ كتاب فضائل المدينة ص ٩٤.
وفي مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن ص٧.
وفي أحمد جـ ٥ ص ٢٠٠.
وما ذكره في المخطوطة هو لفظ مسلم.
٢ الأطم - بضمّتين ـ: البناء المرتفع. كذا في النّهاية.
وفي في الفتح: هي الحصون التي تُبْنَى بالحجارة.
٣ لفظ البخاري: "فقال".
٤ لفظ البخاري بعد جملة الاستفهام: "قالوا: لا. قال: فإنِّي".
٥ لفظ البخاري: "كوقع القطر"، في كتاب الفتن.
وفي روايات علامات النّبوّة كمواقع القطر.
وإنّما اختصّت المدينة بذلك؛ لأنّ قتل عثمان ﵁ كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك. وحسن التّشبيه بالمطر لإرادة التّعميم؛ لأنّه إذا وقع في أرض معيَّنة عمّها، ولو في بعض جهاتها". ا. هـ. من الفتح.
(٤) ولِمسلم١: عن سالم بنِ عبد الله. قال:
يَا أَهْلَ العِراق! مَا أَسْأَلَكُمْ الصَّغيرةَ، وَمَا أَرْكَبَكُم٢ الكبيرة. سمعت أبي: عبد الله ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا – وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نِحْوَ الْمَشْرِقِ -: مِنْ حَيْثُ يَطلعُ قَرْنُ٣ الشَّيطَانِ، وَأَنْتُمْ
_________
١ مسلم بشرح النّووي ج١٨ – كتاب الفتن – باب الفتنة من المشرق حيث يطلع قرنا الشيطان ص ٣٢.
وفي البخاري بشرح الفتح – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ الفتنة من قبل المشرق ج١٣ ص ٤٥ مع اختلاف في الألفاظ واختصار.
٢ لفظ مسلم: "وأركبكم".
٣ لفظ مسلم: "قرنا الشّيطان" بلفظ المثنى، والإفراد موافق لبعض ألفاظ مسلم.
وقرنا الشّيطان: قيل: المراد بهما: حزبه وأتباعه. وقيل: قوته وغلبته، وانتشاره وفساده. وقيل: القرنان: ناحية الرأس. وإنّه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. وسمي شيطانًا لتمرده وعتوه، وكل مارد عات: شيطان.
والأظهر: أنّه مشتقٌّ من شطن إذا بعد، لبعده من الخير والرّحمة.
وقيل: مشتقٌّ من شاط إذا هلك واخترق. ا. هـ النّووي على مسلم.
يَضْرِبُ بعضُكم رِقَابَ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسى الّذي قَتَلَ مِنْ آل فِرْعَونَ خَطَأً. فَقَالَ الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، [طه، من الآية: ٤٠] .
(٥) وله١: عن معقل بن يَسِارٍ: عن النَّبِيِّ ﷺ قال:
"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ٢ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن – باب فضل العبادة في الهرج ص ٨٨.
٢ المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور النّاس.
وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أنّ النّاس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها ولا يتفرّغ لها إلاّ الأفراد. اهـ مسلم.
(٦) ولمسلم١: عن ابن عمرو٢: أن رسول الله ﷺ قال:
"إَذَا فُتِحَت عَلَيْكُم فَارِسُ وَالرُّومُ! أَيُّ قَومٍ أَنْتُم؟ "، قال عبد الرَّحْمَن بُن عَوفٍ: نكُون٣ كَمَا أَمَرَ الله٤. فقال النَّبِيُّ ﷺ "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُون. ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ. ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِنِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعَضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ"٥.
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ١٨- كتاب الزّهد ص ٩٦.
وأخرجه ابن ماجه جـ ٢ – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص ١٣٢٤. تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.
٢ لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عن رسول الله ﷺ أنّه قال: الحديث.
٣ لفظ مسلم وكذلك ابن ماجه"نقول كما أمرنا الله"بدل:"نكون كما أمر الله".
٤ معناه: نحمده ونشكره، ونسأله المزيد من فضله.
٥ قال العلماء: التّنافس إلى الشّيء: المسابقة إليه، وكراهة أخذ غيرك إيّاه. وهو أوّل درجات الحسد.
وأمّا الحسد: فهو: تمنِّي زوال النِّعمة عن صاحبها والتدابر التقاطع، وقد بقي مع التّدابر شيء من المودة، أو لا يكون مودة ولا بغض.
وأمّا التّباغض: فهو بعد هذا، ولهذا رتبت في الحديث النّووي.
(٧) ولَه١: عن عَمْرُو بن عَوْفٍ: أنّ النّبيّ ﷺ بَعَثَ أبا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْن، فَأَتَى٢ بِجِزْيَتِهَا. وكان رسولُ الله ﷺ صَالَحَ٣ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهُمُ العَلاَءَ بنَ الْحَضْرمي، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَة بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعْت الأنصار بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعِ رسول الله ﷺ فَلَمَّا صلّى رسولُ الله ﷺ انْصَرَفَ. فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله ﷺ حِيْنَ رَآهُم، ثمّ قال:
_________
١ مسلم شرح النّووي جـ١٨ – كتاب الزّهد والرِّقائق – ص٩٥.
والبخاري بشرح الفتح جـ ٦ الجزية ص ٢٥٧ وأخرجه ابن ماجه الجزء الثّاني – كتاب الفتن – باب فتنة المال ص ١٣٢٤ والتِّرمذي – تحفة الأوحوذي جـ٧ ص ١٦١.
٢ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "يأتي بجزيتها".
٣ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري "هو صالح".
"أَظُنُّكُم سَمِعْتُم١ أبا عبيدة قَدِمَ بِشِيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟ "، قَالُوا: أَجَل يا رسولَ الله. قال: "فَأَبْشِرُوا، وأَمِّلُوا مِا يَسُرُّكُم، فَوَالله مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم. وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم أَنْ تُبْسَطَ عَلَيكُم٢ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوا٣ فِيهَا، كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُم" ٤.
وفي رواية٥: "فَتُلْهِيكُم كَمَا أَلْهَتْهُم".
(٨) وَلَهُما٦: عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ: قَالَ رسولُ الله
_________
١ لفظ مسلم وابن ماحه "أظنّكم سمعتم أن أبا عبيدة" وفي البخاري: "أظنّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة".
٢ لفظ مسلم وابن ماجه:"أن تبسط الدّنيا عليكم"وفي البخاري كما في المخطوط.
٣ لفظ مسلم وابن ماجه والبخاري: "فتنافسوها".
٤ لفظ مسلم والبخاري: "وتهلككم كما أهلكتهم"، وما في المخطوطة موافق لابن ماجه.
٥ مسلم شرح النّووي ج١٨كتاب الزّهد ص٩٦.واللفظ:"وتلهيكم كما ألهتهم".
٦ البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني – جـ ٩ كتاب النِّكاح – باب ما يتّقي من شؤم المرأة. ومسلم بشرح النّووي جـ ١٧ – كتاب الرِّقاق – بيان الفتنة بالنِّساء جـ ١٧ ص ٥٤.
ﷺ:
"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"١.
(٩) وَلِمُسلِمٍ٢: من حديث أبي سَعِيدٍ: "إنَّ الدُّنْيَا خَضْرَةٌ حُلْوَةٌ٣. وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُم فِيهَا٤
_________
١ في الحديث: أنّ الفتنة بالنِّساء أشدّ من الفتنة بغيرهنّ.
ويشهد له قوله تعالى: - ﴿زُيِّن للنّاسِ حبُّ الشّهواتِ منَ النِّساء﴾ . [سورة آل عمران، من الآية: ١٤] . فجعلهن من حبِّ الشّهوات. وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنّهن الأصل في ذلك.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٧، ص: ٥٥، كتاب الرّقاق، بيان الفتنة بالنّساء.
وفي التّرمذي، تحفة الأحوذي، ج ٦، كتاب الفتن، باب ما أخبر النَّبِيّ ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة ص: ٤٢٨.
وابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب فتنة النّساء، ص: ١٣٢٥.
٣ في مسلم: "إنّ الدّنياء حلوة حضرة"، وما في المخطوطة موافق لما في التّرمذي وابن ماجه.
وقوله: "إنّ الدّنيا خضرة حلوة"، يحتمل أنّ المراد به شيئان:
أحدهما: حسنها للنّفوس ونضارتها ولذّتها: كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإنّ النّفوس تطلبها طلبًا حثيثًا فكذا الدّنيا.
والثّاني: سرعة فنائها، كالشّيء الأخضر في هذين الوصفين.
٤ "إنّ الله مستخلفكم فيها" أي: جاعلكم خلفاء من القرون الّذين قبلكم. فينظر هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم.
فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتَّقُوا الله، واتّقوا النِّساء"١.
(١٠) وله٢: عَنْ حُذَيْفَةَ ٣ قال:
والله إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ. وَمَا بِيَ أَلاَّ يَكونَ٤ رسولُ الله – ﷺ أَسَرَّ إِليَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَِمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلِكَن رسولُ الله– ﷺ قَالَ، وَهُوَ يُحدِّث
_________
١ في مسلم: "فاتقوا الدّنيا، واتّقوا النِّساء" ثمّ قال: "فإنّ أوّل فِتْنَة بَني إسْرَائٍيلَ كانتْ في النِّساء".
وعند التِّرمذي، وابن ماجه: "ألا فاتقوا الدّنيا واتقوا النِّساء".
ومعنى "فاتقوا الدّنيا واتّقوا النِّساء" تجنبوا الافتتان بها، وبالنِّساء. وتدخل في النِّساء الزّوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزّوجات، لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر النّاس بهنّ ا. هـ النّووي.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص١٥.
٣ قال النّووي في شرح مسلم: المشهور في الاستعمال: حذيفة إبن اليمان من غير ياء في آخر اليمان. وهو لغة قليلة. والصّحيح اليماني بالياء – من عون المعبود بشرح سنن أبي داود (جـ ١١ – ص ٣٠٦) .
٤ لفظ مسلم: "وما بي إلاّ أن يكون".
مَجْلِسًا أنا فِيهِ: عَنِ الْفِتَنِ. فقال رسولُ الله ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: "مِنْهُنّ ثلاثٌ، لا يَكِدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا. وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ. مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ". قال حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ١ كُلُّهُم غَيْرِي.
(١١) وَلَهُ٢: عَنْهُ قال: أَخْبَرَنِي رسولُ الله – ﷺ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاّ قَدْ سَأَلْتُهُ، إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟.
_________
١ الرّهط: عشيرة الرّجل وأهله. والرّهط من الرِّجال: مادون العشرة. وقيل: إلى الأربعين، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. ويجمع على أرهط، وأرهاط، وأراهط جمع الجمع. النِّهاية في غريب الحديث.
٢ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص ١٦ – والضّمير في عنه لحذيفة بن اليماني. باب أخبار النّبيّ – ﷺ – فيما يكون إلى قيام السّاعة.
(١٢) وَلَهُ١: عَن أَبِي زَيْدٍ٢. قَالَ: صَلَّى بِنَا رسولُ الله ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا٣، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ. ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَمَا ٤ هُوَ كَائنٌ، فَأَعْلَمُنَا: أَحْفَظُنَا.
(١٣) وله٥: عَنْ عَمْرو٦ بن العاصِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاّ كَانَ عَلِيْهِ٧ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهَ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم،
_________
١ مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن – باب إخبار النّبيّ – ﷺ – فيما يكون إلى قيام السّاعة ص١٦.
٢ فسّره مسلم بقوله: "يعني عمرو بن أخطب" بالخاء المعجمة. وهو الصّحابي المشهور.
٣ لفظ مسلم: "فنَزل فصلّى" بحذف الجار والمجرور.
٤ لفظ مسلم: "وبما هو كائن".
٥ مسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأوّل فالأوّل ص ٢٣٢ وللحديث بقية فراجعه.
٦ راوي الحديث هو: عبد الله بن عمرو بن العاص. كما في مسلم.
٧ لفظ مسلم: "إلاّ كان حقًّا عليه".
وَيُنْذِرُهُم شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم. وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَتْ١ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا. وَسَيُصِيبُ آخرَهَا بَلاَءً، وَأُمُورٌ تُنْكَرُ٢ فَتَجِيءُ٣ فِتْنَةٌ، فَيُرَقَّقُ٤ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فيقولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكِتِي٥. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بالله
_________
١ لفظ مسلم: "جعل"، بدون التّاء:
٢ في مسلم: "وأمور تنكرونها".
٣ في مسلم: "وتجيء فتنة"، بالواو بدل الفاء.
٤ "فيرقّق" هذه اللفظة: رويت على أوجه:
أحدها: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرّواة: يُرقّق أي: يصير بعضها رقيقًا. أي: خفيفًا؛ لعظم ما بعده، فالثّاني يجعل الأوّل رقيقًا.
وقيل: معناه: يشبه بعضه بعضًا.
وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء.
وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها.
والثّاني: فيرقّق بفتح الياء وإسكان الرّاء، بعدها فاء مضمومة.
والثّالث: فيدفق. بالدّال المهملة السّاكنة، وبالفاء المكسورة: أي يدفع ويصب، والدفق: هو الصب.
٥ في مسلم: "هذه مهلكتي ثم تنكشف".
وَالْيَوْمِ الآخرِ، وَلْيِأْتِ إِلَى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ١. وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا٢ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخرِ"٣.
(١٤) وَلَهُمَا٤ عن ابن عَبَّاسٍ: أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيْرِهِ شيئًا فَلْيَصْبِر
_________
١ "وليأت إلى النّاس الذي يحبّ أن يؤتى إليه" هذا من جوامع كلمه – ﷺ – وبديع حكمه. وهذه قاعدة مهمّة. فينبغي الاعتناء بها. وإنّ الإنسان يلزمه ألاّ يفعل مع النّاس إلا ما يحب أن يفعلوه معه.
٢ في مسلم: "إن استطاع".
٣ "فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
معناه: ادفعوا الثّاني، فإنّه خارج على الإمام؛ فإن لم يندفع إلاّ بحرب وقتال، فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنّه ظالم متعدٍ في قتاله.
٤ البخاري – شرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب قول النّبيّ ﷺ: سترون بعدي أمورًا تنكرونها ص ٥.
ومسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة الجماعة ص ٢٤٠.
عَلَيهِ١؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا٢، فَمَاتَ، فَمَيْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ".
(١٥) ولأَبِي دَاوُدَ٣: عَنِ ابن مَسْعُود: عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"تَدُورُ رَحى٤ الإسلام لِخَمْسٍ وَثَلاَثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ. فَإِنْ
_________
١ صدر الحديث لفظ إحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس عند مسلم. وعجزه ابتداء من قوله: "فإنّه من فارق الجماعة" الخ لفظ الرِّواية الأخرى عن ابن عبّاس.
ومعنى قوله: "فليصبر عليه"، أي فليصبر على ذلك المكروه ولا يخرخ عن الطّاعة.
(شبرًا) أي قدر شبر. كنى به عن الخروج على السّلطان، ولو بأدنى نوع من أنواع الخروج، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة.
٣ سنن أبي داود – عون المعبود جـ ١١ كتاب الفتن – باب ذكر الفتن ودلائلها – ص ٣٢٧- تحقيق عبد الرحمن عثمان.
٤ "تدور رحى الإسلام" اختلف العلماء في بيان معنى دوران رحى الإسلام على قولين:
الأوّل: أنّ المراد منه: استقامة أمر الدِّين واستمراره، وهذا قول الأكثرين.
الثّاني: أنّ المراد منه: الحرب والقتال، وشبهها بالرّحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس.
يَهْلِكُوا فَسِبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُم دِيْنُهُم، يَقُمْ١ سَبْعِيْنَ عَامًا" قالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ٢؟ قال: "مِمَّا مَضَى".
(١٦) وَلِلتِّرْمِذِيِّ ٣: عن ابن أخي عبد الله بن سلام؟ قال:
"لَمَّا أُرِيدَ عُثْمَانُ٤ جَاءَهُ عَبْدُ الله بنُ سَلاَمٍ. فقال له عثمان – ﵁: مَا جَاءَ بِكَ؟ قال: جِئْتُ فِي نَصْرَتِكَ. قال: أُخْرُجْ إلى النَّاسِ فَاطْرُدْهُم عَنِّي. فَإِنَّكَ خَارِجٌ خَيْرٌ لِيَ مِن دَاخِلٌ٥.قَالَ قالَ: فَخَرَجَ
_________
١ لفظ أبي داود: "يقم لهم سبعين عامًا".
٢ لفظ أبي داود: "أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى".
٣ سنن التِّرمذي بشرح تحفة الأحوذي- تحقيق عبد الرّحمن عثمان جـ١٠ كتاب المناقب. باب مناقب عبد الله بن سلام ص ٣٠٥.
وأخرجه أيضًا في كتاب التّفسير- سورة الأحقاف ج٩ ص ١٣٧.
٤ "لما أريد عثمان"، أي: لما أريد قتله، كما أريد قتله. كما جاء في رواية المناقب للتِّرمذي.
٥ في رواية المناقب (فإنّك خارجًا خير لي منك داخلًا) وما في المخطوطة موافق لرواية الترمذي في التفسير.
عبدُ الله بنُ سلامٍ إلى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلاَنٌ. فَسَمَّانِي رسولُ الله ﷺ عبدَ الله. وَنَزَلَتْ فِيَّ آياتٌ مِنْ كِتَابِ الله: نَزَلَ١ فِيّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، [الأحقاف، من الآية: ١٠] الآية٢.
وَنَزَلَ فِيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، [الرّعد، من الآية: ٤٣] ٣.
إِنَّ لله سَيْفًا مَغْمُودًا٤ عَنْكُم، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُم فِي بَلَدِكُم هَذَا، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُم. فَالله الله في
_________
١ في السّنن (نزلت) بالتّاء في الرِّوايتين.
٢ والشّاهد من بني إسرائيل. هو عبد الله بن سلام. كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم – والسّورة وإن كان كانت مكيّة، إلاّ أنّ هذه الآية مدنية. فيخصص بها عموم القول بأن السّورة كلّها مكيّة. والشّهادة على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التّوراة المطابقة له: من إثبات التّوحيد والبعث والنّشور وغير ذلك. والمثلية: هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ.
٣ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، قيل: هو عبد الله بن سلاَم. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
٤ "مغمودًا" أي مستورًا في غلافه.
هَذَا الرَّجُلِ. إِنْ تَقْتُلُوهُ، فوا الله إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتَطْرُدُنَّ جِيْرَانَكْم: الْمَلاَئَكةَ. وَلَيَسَلَنَّ سَيْفُ الله الْمَغْمُودُ عَنْكُم، فَلاَ يُغْمَدُ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ. فَقَالُوا: اقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.
قال التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ١.
(١٧) وَلَهُمَا٢: أنَّ عُمَرَ قَالَ: "أَيُّكُم يَحْفَظُ حَدِيْثَ رسولِ الله ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قال حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: أنا. فقال: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ: كَيْفَ؟. قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ٣ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ،
_________
١ في السّنن: هذا حديث غريب.
٢ البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ كتاب الفتن – باب الفتنة التي تموج كموج البحر ص ٤٨.
مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص ١٦. واللفظ لمسلم مع اختلاف في بعض الألفاظ – وفي كتاب الإيمان جـ ٢ ص ١٧٠.
٣ في مسلم: "فتنة الرّجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره".
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيْدُ، إنّما أريد الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ الْبَحْرَ. قال: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنِ؟ إَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُفْتَحُ الْبَابُ أَمْ يُكْسَرُ؟. قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قال: ذاك أَجْدَرُ أَلاَّ يُغْلَقَ. فَقُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرَ يَعْلَمُ مَنَ الْبَابِ؟ قَالَ: كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَة. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ١. قال: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ.
(١٨) وَلأَبِي داود٢: عَن نَصْرِ بن عاصمِ اللَّيْثِيّ. قَالَ:
_________
١ "الأغاليظ": جمع أغلوطة: وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به: لسان العرب.
٢ سنن أبي داود بشرح عون المعبود. ج١١ – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتنة ودلائلها ص ٣١٦ مع اختلاف كثير في اللّفظ واختصار عما في المخطوطة.
ومسند الإمام أحمد جـ ٥ ص ٣٨٦. طبع المكتب الإسلامي وما في المخطوطة قريب مما في المسند
أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ فِي رَهْطٍ مِنْ بِنِي لَيْثٍ. فَقَالَ: مَنِ الْقَومُ؟ فَقُلْنَا: بَنُو لَيْثٍ: أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. فَقَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى قَافِلِيْنَ، وَغَلَتِ الدَّوَابُ بِالكُوفَةِ. قَالَ: فَسَأَلْتُ أبا مُوسَى أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَأَذِنَ لَنَا، فَقَدِمْنَا الْكُوفَةَ. فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: إنِّي دَاخِلُ الْمَسْجِدَ، إَذَا قَامَتِ السُّوقُ خَرَجْتُ إِلَيْكَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا فِيهِ حَلَقَةٌ، كَأَنَّمَا قُطِعَتْ رُؤُوسُهُم، يَسْتَمِعُونَ لِحَدِيثِ رَجُلٍ. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهُم، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي. قَالَ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبَصْرِيٌّ أَنْتَ؟ قَلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ وَلَوْ كُنْتَ كُوفِيًّا لَمْ تَسْأَلْ عَنْ هَذَا. فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله – ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْخَيْرَ يَسْبِقُنِي١. قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله، واتَّبِعْ مَا فِيهِ". قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ
_________
١ في مسند الإمام أحمد: "وعرفت أن الخيْر لن يسبقني".
هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "فتنة وشرّ". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتّبع ما فيه ثلاث مرّات". قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الشّر خير؟ قَالَ: "هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ١ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاء٢ فِيهَا، أَوْ فِيهِم".
قُلْتُ: يا رسولَ الله: أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "يَا حُذَيْفَةُ: تَعَلَّم كِتَابَ الله ﷿، واتَّبِعْ مَا فِيهِ".. ثلاث مرّاتٍ. قال: قُلْتُ يا رسولَ الله: هَلْ بَعْدَ الْخَيْر
_________
١ "هدنة على دخن"، أي: على فساد واختلاف، تشبيهًا بدخان الحطب الرطب؛ لما بينهم من الإفساد الباطن تحت الصِّلاح الظّاهر – قاله في النِّهاية.
٢ "وجماعة على أقذاء" أي واجتماع على أهواء مختلفة، أو عيوب مؤتلفة.
وفي النِّهاية: أراد: أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين والماء والشّراب.
شرُّ؟ قال: "فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمْيَاءُ١ عَلَيهَا دُعَاةٌ٢ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ٣؛ فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضٌ عَلَى جَذْلٍ٤ خَيْرٌ لَّكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحْدًا مِنْهُم".
(١٩) وَلَهُمَا٥، عن أبي إِدْرِيس الْخَوْلاَنِي: أَنَّهُ سَمِعَ
_________
١ "فتنة عمياء صمياء"، أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحقّ، ويصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحقّ أو النّصيحة.
قال القاضي: المراد بكونها عمياء صمياء: أن تكون حيث لا يرى منها مخرجًا، ولا يوجد دونها مستغاث، أو أن يقع النّاس فيها على غرة من غير بصيرة، فيعمون فيها، ويصمون عن تأمّل قول الحقّ، واستماع النّصح.
٢ "عليها دعاة"، أي: على تلك الفتنة دعاة: وهي بضمّ الدّال جمع داع. أي: جماعة قائمة بأمرها وداعية للنّاس إلى قبولها.
٣ "على أبواب النّار"، أي: كائنون على شفا جرف من النّار، يدعون الخلق إليها حتّى يتفقوا على الدّخول فيها.
٤ "على جذل"، أي: أصل شجرة. يعني والحال أنّك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال من أن تتبع أحدًا منهم، أي من أهل الفتنة، أو من دعاتها.
٥ صحيح البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ص ٣٥، وصحيح مسلم بشرح النّووي – جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص ٢٣٦ مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة أو نقص.
حذيفةَ يقولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ الله ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةً أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يا رسولَ الله إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيِّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قال: "نَعَمْ"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قال: "نَعَمْ، وَفِيْهِ دَخَنٌ"١، قال:
قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قال: "قَومٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي٢، تَعْرِفُ مِنْهُم وَتُنْكِر"، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَاكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ: فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ دَعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"،
_________
١ الدخن، بفتحتين: هو الحقد، وقيل: الدغل، وقيل فساد القلب، ومعنى الثّلاثة متقارب.
قال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث: الحديث الآخر: "لا نرجع قلوب قوم على ما كانت عليه". وأصله: أن يكون في لون الدّابة كدورة إلى سواد.
قالوا: والمراد هنا: ألا تصفو القلوب بعضها لعض، ولا يزول حبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصّفاء.
٢ "ويهدون بغير هديي". الهدي: الهيئة والسيرة والطّريقة.
فَقُلْتُ: يا رسولَ الله صِفْهُم لَنَا. قال: "نَعَم، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا١، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، فقلت: يا رسولَ الله مَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ وَإِمَامِهِم"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُم جَمَاعَةُ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ٢ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".
_________
١ "قوم من جلدتنا"، أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وفيه إشارة إلى أنّهم من العرب.
وقيل: معناه أنّهم في الظّاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون. وجلدة الشيء ظاهره. وهي في الأصل: غشاء البدن.
٢ "ولو أن تعض" بفتح العين المهملة وتشديد الضّاد المعجمة. أي ولو كان الاعتزال بالعض. فلا تعدل عنه.
وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك – درءًا للفتن.
وفيه حكمة الله في عباده. كيف أقام كلا منهم فيما شاء- فحبب إلى أكثر الصّحابة السؤال عن وجوه الخير، ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم.
وحبب لحذيفة السؤال عن الشّر ليجنّبه، ويكون سببًا في دفعه عمن أراد الله له النّجاة.
(٢٠) وَفِي رِوَايِةٍ١: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَةٌ، لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهُم رِجَالٌ: قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِيْنَ، فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ". قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ٢، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".
(٢١) وَلِمُسْلِمٍ ٣: "إِنْ كَانَ لله خَلِيفَةٌ فِي الأَرْضِ، فَضَرَبَ٤ عَلَى ظَهْرِكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَأَطِعْهُ، وَإِلاَّ، فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضُّ بِجِذْلِ شَجِرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٢ – كتاب الإمارة – باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ص ٢٣٨.
٢ في صحيح مسلم: "وتطيع للأمير". وهذا الأمر من الرّسول – ﷺ إنما هو درء للفتن – كما في الحديث السّابق.
٣ لم يخرج مسلم هذا الحديث – وفد أخرجه أبو داود جـ ١١ من عون المعبود – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتن ودلائلها ص ٣١٣.
٤ في أبي داود: "فضرب ظهرك".
"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهَرٌ وَنَارٌ١، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ٢ وَحُطَّ وِزْرُهُ. وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ، وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطّ أَجْرُهُ"٣. قُلْتُ ثُمَّ: مَاذَا؟ قَالَ٤: "هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ ".
_________
١ "ومعه نهر ونار" أي: نهر ماء وخندق نار، قيل إنّهما على وجه التخيل من طريق السّحر.
وقيل: ماؤه في الحقيقة، نار وناره؛ ماء.
٢ "وجب أجره"، أي: ثبت وتحقّق أجر الواقع. "وحط وزره"، أي: ورفع وسومح.
٣ "وحط أجره"، أي: بطل عمله السّابق.
٤ في أبي داوود: "ثمّ هي قيام السّاعة".
ومعنى الحديث: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة والصّبر على تحمّل شدّة الزّمان، وعض أصل الشّجرة: كناية عن مكابدة المشقّة. كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدّة الألم؟ أو المراد اللزوم؛ كقوله في الحديث الآخر؟: "عضوا عليها النّواجذ".
Translation
باب: الفتن
#2
Chapter 2 — باب: أمارات الساعة
· ref. #2
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ أَمَارَاتِ السَّاعِةِ
(٢٢) وَلِمُسْلِمٍ١، عن أَنَسٍ. قال رسولُ الله – ﷺ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ٢ كَهَاتِيْنِ". وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى.
(٢٣) ولِلْبُخَارِيِّ٣، عن أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسولَ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن، باب قرب السّاعة ص ٨٩.
٢ "بعثت أنا والسّاعة كهاتين" وضمّ بين السِّبابة والوسطى. وفي رواية وقرن بينهما.
قال قتادة: كفضل إحداهما على الأخرى. روى بنصب السّاعة ورفعها.
وأما معناه: فقيل: المراد بينهما شيء يسير، كما بين الأصبعين في الطّول.
وقيل: هو إشارة إلى قرب المجاورة.
٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ كتاب الفتن – ص ٨١.
الله – ﷺ قال:
"لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانَ، يَكُونُ١ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. دَعْواهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يَبْعَثُ٢ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ، كُلُّهُم يَزْعُمُ، أَنَّهُ رسولُ الله، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرُ الزِّلاَزِلُ٣، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرَجُ – وَهُوَ الْقَتْلُ –، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيْكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، وَحَتَّى يَهُمَّ رَبَّ٤ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وحَتَّى يَعْرِضَهُ
_________
١ في الصّحيح "تكون" بالتّاء – وفي الصّحيح: دعوتها بالتّاء بدل الألف.
٢ "وحتّى يبعث دجالون" المراد ببعثهم: إظهارهم – لا البعث بمعنى الرسالة.
٣ "وتكثر الزلازل" قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل. والذي يظهر أن المراد بكثرتها: شمولها ودوامها.
٤ في صحيح مسلم "حتّى يهم"، بدون الواو – ويهم: ضبطوه بوجهين أجودهما: يُهم بضم الياء وكسر الهاء. ويكون رب المال منصوبًا مفعولًا. والفاعل: من. وتقديره: يحزنه ويهتمّ له.
والثّاني: يهم. بفتح الياء وضمّ الهاء. ويكون رب المال مرفوعًا فاعلًا. وتقديره يهم رب المال من يقبل صدقته. انظر النّووي، كتاب الزّكاة ج٧ ص ٩٧.
قال أهل اللّغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهمه إذا أذابه. ومنه قولهم: همك ما أهمك. أي أذابك الشّيء الذي أحزنك؛ فأذهب شحمك.
وعلى الوجه الثّاني: هو من هم به إذا قصده.
فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لاَ أَرَبَ لِي فِيهِ١. وَحَتَّى يَتَطَاوَلُ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ. وَحِتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيُقُولَ: يِا لَيْتَنِي مَكَانَهُ. وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنَ النَّاسُ أَجْمَعُون٢. فَذَلِكَ حِيْنَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨]، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ
_________
١ في صحيح البخاري: (لا أرب لي به".
٢ في صحيح البخاري: "آمنوا أجمعون".
الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ١، فَلاَ يَطْعَمُهُ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ٢ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي مِنْهُ٣. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ، فَلاَ يَطْعَمُهَا.
(٢٤) وَلِمُسْلِمٍ٤، عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ٥ نِسِاءِ دَوْسٍ
_________
١ "بلبن لقحته"اللقحة: بكسر اللام ويكون القاف بعدها مهملة: النّاقة ذات الدر.
٢ "يليط" بفتح أوّله من الثّلاثي. ويضمّ من الرّباعي. والمعنى: يصلحه بالطّين والمدر. فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه.
٣ في صحيح البخاري (فلا يسقى فيه) .
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص ٣٢ باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذي الخلصة.
وأخرجه البخاري شرح الفتح جـ ١٣ كتاب الفتن – باب تغير الزّمان حتى تعبد الأوثان ص ٧٦.
٥ "أليات نساء": أليات: بفتح الهمزة واللام. أي أعجازهن.
والمراد: يضطربن من الطّواف حول ذي الخلصة – والخلصة: بفتح الخاء واللام: هو بيت صنم ببلاد دوس.
حول ذيالْخَلَصَةِ "، وكانت صنمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ في الجاهلية بِتَبَالَة١.
(٢٥) وله ٢، عن عائشة: سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
"لا يَذْهَبُ اللّيلُ والنّهارُ٣ حتّى تُعْبَدَ اللاَتَ وَالْعُزَّى"، فقلت: يا رسول الله: إن كنت لأَظُنُّ حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، [التّوبة: ٣٣، والصّف: ٩] .
أنّ ذلك تامًّا. قال: "إنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذلك مَا شَاءَ الله".
_________
١ "بتبالة" بمثناة فوقية مفتوحة ثمّ باء موحدة مخففة. وهي موضع باليمن. وليست تبالة التي يضرب بها المثل. ويقال: أهون على الحجّاج من تبالة؛ لأنّ تلك بالطّائف؟
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذا الخلصة ص ٣٣.
٣ "لا يذهب اللّيل والنّهار"، أي: لا ينقطع الزّمان ولا تأتي القيامة.
ثُمَّ يَبْعَثُ الله رِيْحًا طَيِّبَةً، فَتَوَفَّى١ كُلّ مَنْ كَان فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ٢ مِن خَرْدَلٍ مِن إِيْمَانٍ. فَيَبْقَى مَن لا خيْرَ فيه، فَيَرْجِعُون إلى دين آبائهم.
(٢٦) ولَهما٣، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَخْرجَ نَارٌ مِن أرضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإبْلِ بِبصْرَى" ٤.
(٢٧) وللتِّرمذي٥: عن ابن عمر، قال رسولُ الله
_________
١ "فتوفّى": أصله: تتوفى – حذفت إحدى التاءين؟ أي تأخذ الأنفس وافية تامّة.
٢ في صحيح مسلم "مثقال حبّة خردل من إيمان".
٣ صحيح البخاري بشرح ابن حجر جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب خروج النّار ص ٧٨.
وصحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٣٠.
٤ "بصرى"، بضمّ الباء: مدينة معروفة بالشّام. وهي مدينة حوران. بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل.
٥ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٤٦٣.
– ﷺ:
"سَتَخْرُجُ نَارٌ مِن حَضَرمَوْتَ قَبْلَ الْقِيَامةِ"١، قالوا: يا رسولَ الله، فما تَأْمُرُنَا؟ فقال: "عَلَيْكُم بالشَّامِ ".
وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث ابن عمر.
(٢٨) وللتِّرمذي٢، وحسّنه: عن حُذَيْفَةَ. قال رسول الله – ﷺ:
"والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَقْتُلُوا
_________
١ في سنن الترمذي: "ستخرج نار من حضر موت أو من نحو حضر موت قبل يوم القيامة تحشر النّاس".
يحتمل أن تكون النّار حقيقة وهو الظّاهر. ويحتمل أن يراد بها الفتنة.
"تحشر النّاس"، أي: تجمعهم النار وتسوقهم: على ما في النهاية؟ وأمرهم الرّسول – ﷺ – بأن يلزموا الشّام وفريقها؟ فإنّها سالمة من وصول النّار الحسية أو الحكمية إليها لحفظ ملائكة الرّحمة إيّاها.
٢ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ٦ أبواب الفتن – باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ص ٣٩١. وأخرجه ابن ماجة – كتاب الفتن جـ ٢ – باب أشراط السّاعة ص ١٣٤٢.
مَامَكُم، وتَجْتَلِدُوا١ بأسيافِكم، ويَرِثَ دُنْيَاكُم شِرارُكُم"٢.
(٢٩) ولَهُ٣: عن أبي سعيدٍ، قال رسولُ الله – ﷺ:
"والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ: لا تقومُ السّاعَةُ حتّى يُكَلِّمَ٤ السِّباعُالإنسَ. وحتّى يُكَلِّمَ الرّجلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ٥،
_________
١ "تجتلدوا"، أي: تتقاتلوا وتتضاربوا بها.
٢ "ويرث دنياكم شراركم"، أي: يأخذ الظّلمة الملك والمال.
وإيراد هذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. إما للإشعار بأن هذه الفتنة تقع من أجل ترك الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. أو تنبيهًا على أن من بالمعروف ونَهى عن المنكر فهو من اللّذين وصفهم الله بِخير الأمّة.
فالشرار الذين يرثون الدّنيا لا يكونون على هذا الوصف.
٣ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي – أبواب الفتن ج ٦ – باب ما جاء في كلام السِّباع ص ٤٠٩.
٤ في سنن الترمذي: "تكلم" بالتّاء في الموضعين. وكذلك "تخبر". والسِّباع: جمع السّبع. وهو بضمِّ الباء وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان وتكلم السِّباع: أي سباع الوحش كالأسد. أو سباع الطّير كالبازي. ولا منع من الجمع.
٥ "عذبة سوطه" العذبة: أي طرفه. على ما في القاموس وغيره.
وشِرَاكُ نَعْلِهِ١، وَيُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ".
وقال: صحيحٌ غريبٌ٢، لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حديث القاسم بن فَضْلٍ. وهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونَ.
(٣٠) ولِمُسْلِمٍ٣: عن أبي هريرة، أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"لا تقُومُ السّاعَةُ حتّى يَكْثُرَ الْمَالُ ويَفِيضَ، وحتّى يُخْرِجَ٤ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُها مِنْهُ، وحتّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهَارًا"٥.
_________
١ وشراك نعله: أحد سيور النعل: تكون على وجهها.
٢ في الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ٧ – كتاب الزّكاة – باب التّرغيب في الصّدقة قبل ألا يوجد من يقبلها ص ٩٧.
٤ في صحيح مسلم: "حتّى يخرج الرجل بزكاة ماله".
٥ "مروجا"، أي: رياضًا ومزارع. وقال بعضهم: المرج: هو الموضع الذي ترعى فيه الدّواب والمعنى والله أعلم – أنّهم يتركونها، ويعرضون عنها، فتبقى مهملة: لا تزرع ولا تسقى من مياهها. وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلّة الآمال وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به.
(٣١) وذكر ابنُ عَبْدِ البرِّ، من حديث ابن مَسْعُودٍ١: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"إنَّ بَيْنَ يَدَي السّاعَةِ: التّسْلِيمُ عَلَى الْخَاصَّةِ٢، فُشُوُّ التِّجَارَةِ: حتّى تُعِيْنَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ. وَقَطعُ الأَرْحَامِ. وَفُشُوُّ الْقَلَمِ٣ وَظُهُورُ شَهَادَةِ الزُّورِ. وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ".
(٣١) ولابنِ الْمُبَارَكِ٤: عن ابن فضالة، عن الْحَسَنِ. قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١ مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ٤٠٧.
والأدب المفرد للبخاري: توضيح فضل الله الجبلاني جـ ٢ ص ٥٠٥ باب من كره تسليم الخاصّ.
٢ يكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسّلام؛ لأنّ القصد بمشروعية السّلام تحصيل الألفة. وفي التّخصيص إيحاش للغير. نعم: إذا سلم على الجميع مرّة، ثمّ خصّ بعضهم فلا بأس، وفي مشكل الآثار للطّحاوي: من سلم عليه خاصّة يجوز الرّد عليه خاصّة، كما ثبت في حديث المسىء صلاتة، وحديث أبي ذر في إسلاامه.
٣ "فشوّ القلم"، ظهوره وانتشاره. وقد جاء في مسند الإمام أحمد: "ظهور القلم". وفي الأدب المفرد بلفظ: وفشوّ العلم.
٤ لم نجده فيما بين أيدينا من مصادر.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَفِيضَ الْمَالُ؛ ويظْهَرَ الْقَلَمُ، وتَكْثُرَ التّجارةُ".
قال الحسن: لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمانٌ، إنّما يقال: تاجرُ بَنِي فُلاَنٍ، وكَاتِبُ بَنِي فُلانٍ. ما يكونُ في الْحَيِّ إلاّ التَّاجِرُ الوَاحِدُ، أَوِ الكاتِبُ الْوَاحِدُ.
(٣٣) وللبخاريّ١، عن مُعَاوِيَةَ٢: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، ويَظْهَرَ الْجَهْلُ، ويَظْهَرَ الزِّنَا، ويَكْثُرَ٣ النِّساءُ، ويَقِلَّ الرِّجالُ،
_________
١ صحيح البخاري – فتح الباري جـ ١ – كتاب العلم – باب رفع العلم وظهور الجهل – ص ١٧٨ وفي غير موضع من الصّحيح.
وفي صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٦ كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه ص ٢٢١.
٢ في صحيح البخاري: عن أنس – في المواضع المتعدِّدة.
٣ في صحيح البخاري: "وتكثر النساء" بالتاء.
وسبب كثرة النِّساء: أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء.
قال في الفتح: والظّاهر أنّها علامة محضة، لا لسبب آخر. بل يقدر الله في آخر الزّمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الأناث، وكون كثرة النساء من العلامات: مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم.
حتّى تكونَ لِخَمْسِينَ امرأةًالْقَيِّمُ١ الْوَاحِدُ".
(٣٤) ولِمُسلمٍ٢: عن أبي موسى عن النّبيّ – ﷺ
_________
١ "القيم" من يقوم بأمرهن.
قال القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم: من يقوم عليهم، سواءكنّ موطوآت له أم لا. ويحتمل: أن يكون ذلك يقع في الزّمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله. الله. فيتزوج الواحد بغير عدد جهلا بالحكم الشّرعي.
وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر؛ لكونها مشعرة باختلاف الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد. وهي الدين؛ لأنّ رفع العلم يخل به. والعقل، لأن شرب الخمر يخل به. والنسب، لأنّ الزنا يخل به. والنّفس والمال؛ لأنّ كثرة الفتن تخل بهما.
قال الكرماني: وإنّما كان اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأنّ الخلق لا يتركون هملًا، ولا نبي بعد نبيينا – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فيتعيّن ذلك.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي – ج٧ – كتاب الزّكاة – باب الترغيب في الصّدقة قبل ألا يجد من يقبلها ص ٩٦.
"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرّجلُ١ بِالصَّدَقَةِ من الذّهبِ٢ ثُمَّ لا يَجِدُ أحَدًا يأخذها منه. وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امرأةً٣، مِن قِلَّةِ الرِّجالِ، وَكَثْرةِ النِّساءِ".
(٣٥) وللبخاريّ٤، عن ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
_________
١ في صحيح مسلم "يطوف الرّجل فيه" بزيادة لفظ: فيه.
٢ هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنّه إذا كان الذّهب لا يقبله أحد، فكيف الظّنّ بغيره.
وقوله ﷺ: "يطوف"، إشارة إلى أنّه يتردّد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها. فتحصل المبالغة والتّنبيه على عدم قبول الصّدقة: بثلاثة أشياء: كونه يعرضها، ويطوف بها، وكونها من ذهب. وفي هذا الحثّ على المبادرة بالصّدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها.
٣ في صحيح مسلم: بعد هذه الجملة: "يلذن به".
ومعنى يلذن به. أي ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهنّ، ويذب عنهن وهو من لاذ به. يلوذ. لوذًا ولياذا: إذا التجأ إليه واستغاث.
٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الاعتصام بالسّنة – باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس – ص ٢٨٢.
"إنَّ الله لا يَنْزَعُ الْعِلْمِ١، أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا. وَلَكِن يَنْتَزِعُهُ مِنْهُم مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم ٢. ويَبْقَى ناسٌ جُهاَّلٌ: يُسْتَفتُون فَيُفْتُون بِرَأْيِهم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون".
(٣٦) ولأبِي داود٣: عَنْ سَلاَّمَةَ بِنْتِ الْحُرِّ، أُخْتِ خَرْشَةَ بن الْحُرِّ الْفَزَازِيّ، مرفوعًا.
قالت: سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنّ مِن أشراط السّاعِةِ: أن يَتَدَافَعَ أهْلُ الْمَسجِدِ
_________
١ في صحيح البخاري: "لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه"، بزيادة لفظ بعد.
٢ "ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم". التقدير: ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم. ففيه بعض قلب. وفي رواية: "ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم". وأخرى: "ولكن يقبض العلم بقبض العلماء".
٣ سنن أبي داود – عون المعبود جـ ٢ ص ٢٨٩ كتاب الصّلاة – باب في كراهية التّدافع عن الإمامة.
الإِمَامَةَ١ فَلاَ يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِم".
(٣٧) ورَوَى٢ يزيدُ بن هَارُون: أَنَا٣ عبدُ الْمَلِكِ بن قُدَامَةَ عن الْمَقْبُرِيِّ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قال:
"سَيَأْتِي على النّاسِ زَمَانٌ: سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ٤ يُصَدَّقُ
_________
١ في سنن أبي داود: "أن يتدافع أهل المسجد"، بدون ذكر لفظ "الإمامة".
ومعنى "يتدافع"، أي: يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه.
ويقول: لست أهلًا لها؛ لما ترك تعلم ما تصحّ به الإمامة – ذكره الطيبي.
أو يدفع بعضهم بعضًا إلى المسجد، أو المحراب؛ ليؤم بالجماعة فيأبى عنها؛ لعدم صلاحيته لها؛ لعدم علمه بها.
٢ سنن ابن ماجه جـ ٢ – كتاب الفتن – باب شدّة الزّمان ص ١٣٣٩ – تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي طـ عيسى الحلبي. ولم تنسبه المخطوطة.
٣ في سنن ابن ماجه: "ثنا عبد الملك بن قدامة الجُمَحِيُّ: عن إسحاق بن أبي الفرات: عن المقبري". وما في المخطوطة: أنا. رمز لأخبرنا – وما في السنن: ثنا رمز لحدثنا.
٤ في سنن ابن ماجه: "سيأتي على النّاس سنوات خداعات"، بدون لفظ "زمان".
والخداع: المكر والحيلة. ووصف السّنوات بالخداعات مجاز والمراد: أهل السّنوات.
قال في النِّهاية: سنون خداعة. أي: تكثر فيها الأمطار، ويقل الريع فذلك خداعها؛ لأنها تطعمهم في الخصب بالمطر، ثمّ تخلف.
وقيل: الخداعة القليلة المطر من خدع الريق إذا جف.
فِيهَا الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الْخَائِنُ، ويُخَوَّنَ فِيهَا الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيهَا الرُّوَيْبِضَةُ"١، قِيلَ: يا رسولَ الله، وما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: "الرّجلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ٢ فِي أَمْرِ العَامّةِ".
(٣٨) وفي حديث٣ جِبْرِيْلَ:
"أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا٤. وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعَرَاةَ
_________
١ "الرويبضة"، تصغير رابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، وتاؤه للمبالغة.
٢ في سنن ابن ماجه، قال: "الرّجل التافه في أمر العامّة". بدون لفظ: "ينطبق".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ١ – كتاب الإيمان – باب أمارات السّاعة ص ١٥٨ – من حديث طويل.
٤ "وأن تلد الأمة ربتها"، وفي الرواية الأخرى: "ربها"، على التذكير وفي الأخرى: "بعلها". وقال: يعني: السراري.
ومعنى ربها، أو ربتها: سيدها ومالكها، وسيدها ومالكتها.
قال الأكثرون من العلماء: - هو إخبار عن كثرة السّراري وأولادهن؛ فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأنّ مال الإنسان صائر إلى ولده.
وقد يتصرّف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال.
وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمة من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.
وقيل معناه: أنّه تفسد أحوال النّاس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزّمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها ولا يدري.
والصّحيح في معنى البعل: أنّه المالك أو السّيد، فيكون بمعنى ربها على ما ذكر.
وقيل: المراد بالبعل في الحديث: الزّوج. ومعناه كما تقدم: أنّه يكثر بيع السّراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري. والأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى. والله أعلم.
الْعَالَةَرِعَاءَ١ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ". رواه مسلم.
_________
١ "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" أما العالة: فهم الفقراء.
والعائل: الفقير. والعيلة: الفقر. والرعاء: بكثر الرّاء والمد. ويقال فيهم: رعاة بضم الراء وزيادة الهاء.
ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة: تبسط لهم الدّنيا حتى يتباهون في البنيان. والله أعلم. النووي على مسلم.
(٣٩) وللتِّرمذي١: عن عليّ قال رسول الله – ﷺ:
"إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشَرَ٢ خِصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاَءْ"، قيل: وما هي يا رسولَ الله. قال: إذا كان الْمَغْنَمُ دُوَلًا٣، والأَمَانَةُ مَغْنَمًا٤، والزّكاةُ مَغْرَمًا٥،
_________
١ تحفة الأحوذي شرح الترمذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف ص ٤٥٤.
٢ في سنن الترمذي "خمس عشرة" وهو الصّواب.
٣ "إذا كان المغنم دولًا"، أي: إذا كانت الغنيمة دولًا: بكسر الدال وضمها مع فتح الواو جمع دولة بالضّم والفتح. وهو ما يتداول من المال. فيكون لقوم دون قوم.
أي: إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بحقوق الفقراء. أو يكون المراد منه: أن أموال الفيء تؤخذ غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان.
٤ "والأمانة مغنمًا" أي: بأن يذهب النّاس بودائع بعضهم وأماناتهم، فيتّخذونها كالمغانم يغنمونها.
٥ "والزّكاة مغرمًا"،أي: بأن يشق عليهم أداؤها، بحيث يعدون إخراجها غرامة.
وأَطَاعَ الرّجُلُ زَوْجَتَهُ١، وَعَقَّ أُمَّهُ. وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعْتِ الأَصْواتُ فِي الْمَسَاجَدِ٢، وكان زَعِيمُ الْقَومِ أَرْذَلَهُم٣، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ٤، وشُرِبَتِ الْخُمُورُ٥، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ٦، واتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ،
_________
١ "وأطاع الرّجل زوجته"، أي: فيما تأمره وتهواه مخالفًا لأمر الله. "وعقّ أمه"، أي: خالفها فيما تأمره وتنهاه "وبر صديقه"، أي: أحسن إليه وأدناه وحباه "وجفا أباه"، أي: أبعده وأقصاه. وخص عقوق الأم بالذكر، وإن كان عقوق كل واحد من الأبوين معدودًا من الكبائر لتأكد حقّها، أو لكون قوله: "وأقصى أباه"، بمنْزلة: وعق أباه.
٢ "وارتفعت الأصوات في المساجد"، أي: علت أصوات الناس في المساجد، بنو الخصومات والمبايعات واللهو واللعب.
٣ "وكان زعيم القوم أرذلهم"، الزّعيم: الكفيل، وسيد القوم، ورئيسهم، والمتكلم عنهم. وأرذلهم: الدّون الخسيس، أو الرديء من كل شيء. قاموس.
٤ "وأكرم الرجل مخافة شره"، أي: عظم الناس الإنسان خشية من تعدي شره إليهم.
٥ "وشربت الخمور" جمعها لاختلاف أنواعها. أي أكثر الناس من شربها. أو تجاهروا به.
٦ "ولبس الحرير"، أي: لبسه الرجال بلا ضرورة.
وَالْمَعَازِفُ١، ولَعِنَ آخرُ هَذِهِالأمّةِ أَوَّلَهَا٢، فَلْيَرْتَقِبُوا عَنْدَ ذَلِكَ رِيْحًا حَمْرَاءَ، وَخْسفًا وَمَسْخًا٣") .
وقال: غريب، وفي إسناده: فَرَجُ بن فُضَالَةَ، ضُعِّفَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وأَخْرَجَهُ من حديث أبِي هرَيْرَةَ أيضًا. وقال: غريب، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.
_________
١ "واتخذت القينات والمعازف"، في سنن الترمذي: واتخذت.
"القيان"، مفردة: قينة: وهي الأمة غنت أو لم تغن، وكثيرًا ما تطلق على المغنية من الإماء.
ومنه الحديث: "نهى عن بيع القينات"، أي: الإماء المغنيات.
والمعازف: هي الدفوف وغيرها مما يضرب. النهاية.
٢ "ولعن آخر هذه الأمة أولها"، أي: اشتغل الخلف بالطّعن في السّلف الصّالحين، والأئمة المهديين.
٣ في السنن: "أو خسفًا"، بأو بدل الواو.
والخسف: الذهاب في الأرض، والغور بهم فيها. والمسخ: أي قلب خلقه من صورة إلى أخرى.
(٤٠) ولابن مَاجَهَ١: عن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ: قال رسولُ الله – ﷺ:
"لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهِا، يُضْرَبُ٢ عَلَى رُؤُوسِهِم بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاِت، فَخَسَفَ٣ الله بِهِم الأرضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ".
(٤١) وللبخاريّ٤: عن أبي عامر بن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ٥: سَمِعَ النَّبِيَّ – ﷺ يقول:
"لَيُكُونَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي٦ يَسْتَحِلُّون الْخَمْرَ والْحَرِيرَ
_________
١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب العقوبات- ص ١٣٣٣.
٢ في السنن: "يعزف".
٣ في السنن: "يخسف الله بهم".
٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ١٠ – كتاب الأشربة – باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه – ص٥١.
٥ في صحيح البخاري: "حدّثنِي أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري".
٦ في صحيح البخاري: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون: الحر، والحرير والخمر"، بزيادة لفظ: "الحر"، وهو بالحاء المهملة المكسورة: الفرج.
وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلِى جَنْبِ عِلْمٍ١، يَروحُ عَلَيْهُم بِسَارِحَةٍ لَهُم٢، تَأْتِيهُم لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُمُ الله٣، وَيَضَعُ الْعِلْمَ٤، وَيَمْسَخُ آخرين وخَنَازِيرَ إلَى يَومِ الْقِيَامَةِ".
(٤٢) وَرُوِيَ٥ عن أَبِي أُمَامَةَ؛ مَرْفُوعًا:
"يكون في أُمَّتِي فَزِعَةٌ، فَيَصيْرُ النّاسُ إلَى عُلَمَائِهِم، فإذا هم قِرَدَة وَخَنَازِير".
_________
١ العلم: بفتحتين: الجبل العالي. وقيل: رأس الجبل.
٢ السارحة: الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها. وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها.
٣ فيبيتهم: أي يهلكهم. والبيات هجوم العدو ليلًا.
٤ "ويضع العلم"، أي: يوقعه عليهم.
٥ نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، لأبي عبد الله محمد الحكيم الترمذي طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، الأصل المائة والخمسون في أن من غير الحق من العلماء يمسخ، وسر ما يمسخون به. ص١٩٣.
وقال: وإنما حلّ بهم المسخ؛ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلام عن موضعه، فمسخوا قلوب الخلق وأعينهم عن رؤية الحق، فمسخ الله تعالى صورهم، وبدل خلقتهم كما بدلوا الحقّ باطلًا.
(٤٣) وعن حُذَيْفَةَ١. قال: حدّثنا رسولُ الله – ﷺ حديثين. قد رأيت أَحْدَهُما. وأنا أَنْتَظِرُ الآخرَ حدّثنا:
"أنَّ الأَمَانَةَ٢ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ٣ قُلُوبِ الرِّجال. ثمّ نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا من الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السّنةِ".
ثمّ حدّثنا عن رَفْعِ الأَمَانَةِ قال:
"يَنَامُ الرّجلُ النَّوْمَةَ فَيُقْبْضُ٤ الأَمَانَةُ مِن قَلْبِهِ،
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب إذا بقي في حثالة من الناس ص ٣٨ وصحيح مسلم بشرح النووي جـ٢ – كتاب الأيمان – باب رفع الأمانة والأيمان من بعض القلوب ص ١٦٧.
٢ "الأمانة"، الظّاهر: أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم.
وقال صاحب التحرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٧٢]، وهي عين الإيمان. فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجدّ في إقامتها.
(جذر قلوب الرجال) الجذر: بفتح الجيم وكسرها: لغتان. قال في الفائق: الجذر بالفتح، والكسر: الأصل.
٤ في الصحيحين: "فتقبض الأمانة"، بالتاء بدل الياء.
فَيَظَلُّ، أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ١، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ٢، فَيَظَلُّ أَثَرُهُا مِثْل الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجَتْهُ عَلَى رِجْلِكِ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا٣، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ
_________
١ في صحيح البخاري: "فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت". وما في المخطوطة موافق لما في مسلم.
والوكت هو: الأثر اليسير. كما قاله الهروي.
وقال غيره: هو سواد يسير. وقيل: هو: لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله.
٢ بعد هذه الجملة في صحيح مسلم: "فيقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل المجل".
وكذلك في البخاري مع اختلاف يسير.
والمجل: بإسكان الجيم وفتحها لغتان، حكاهما صاحب التّحرير. والمشهور الإسكان.
والمجل: هو: التنفط الذي يصير في اليد؛ من العمل بفأس أو نحوها. ويصير كالقبة فيه ماء قليل.
٣ "فتنفط فتراه منتبرًا"، نَفِطَ من باب تَعِبَ. إذا صار بين الجلد واللحم ماء. وتذكير الفعل المسند للرجل. وكذا قوله: "فتراه منتبرًا" مع أن الأرجل مؤنثة، باعتبار معنى العضو. و(منتبرا) مرتفعا. وأصل هذه اللفظة: الارتفاع. ومنه المنبر؛ لارتفاعه، وارتفاع الخطيب عليه.
قال صاحب التحرير: إنّ الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت. وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله. فإذا زال شيء آخر، صار كالمجل، وهو أثر محكم، لا يكاد يزول إلاّ بعد مدة. وهذه الظلمة فوق التي قلبها. ثمّ شبه زوال ذلك النّور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه، بجمر يدحرجه على رجله، حتّى يؤثر فيها، ثمّ يزول الجمر ويبقى التّنفط.
وأخذ الرسول – ﷺ – الحصاة، ودحرجته إياها: أراد بها زيادة البيان وإيضاح المقصود.
حَصَاةً١ فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ) . فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبَايِعُون، لا يَكَادُ أَحْدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا. حَتَّى يُقَالَ للرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ من إِيْمانٍ".
وَلَقَدْ أَتَى عليَّ زَمَانٌ مَا أُبَالِي أَيُّكُم بَايَعْتُ٢ لَئِنْ
_________
١ في صحيح مسلم: "ثمّ أخذ حصى فدحرجه على رجله".
٢ "ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت".
معنى المبايعة هنا: البيع والشِّراء المعروفان. ومراده: أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن في الناس وفاء بالعهود، وكنت أقدم على مبايعة من أنفق، غير باحث عن حاله، وثوقًا بالنّاس وأمانتهم؛ فإنّه إن كان مسلمًا، فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته، فيستخرج حقي منه. وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، وَلاَ بِالسَّاعِي في أدائهما الأمانة، فما أبايع إلاّ فلانًا وفلانًا. يعني أفرادًا من النّاس، أعرفهم وأثق بهم.
كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دينه.
وَلَئِنْ كان يَهُودِيًّا أو نَصْرَانَيًّا لَيَرُدَّنَّه عَلَيَّ سَاعِيهِ. وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أَبَايِعُ مِنْكُم إِلاَّ فُلاَنًا وفُلاَنًا.
أخرجاه.
(٤٤) وقال ابْنُ ماجه١: أنا٢ أبو بكر بن أبِي شَيْبَةَ: ثنا وكيعُ: ثنا الأَعْمَشُ: عن سالِم بن أبِي الْجَعْدِ: عن زَيَادِ بن لَبِيدٍ. قال: ذكر النَّبِيُّ – ﷺ شيئًا. فقال:
"ذَلِكَ عَنْدَ أَوَانِ ذِهَابِ الْعِلْمِ"، قُلْتُ: يا رسولَ الله: وكيف يَذْهَبُ الْعِلْمُ، ونَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ونُقْرِؤُهُ
_________
١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم ص ١٣٤٤.
وفي الزوائد: هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات. إلأّ أنّه منقطع.
قال البخاري في التاريخ الصّغير: لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد – وتبعه على ذلك الذّهبي في الكاشف وقال: ليس لزياد عند المصنف سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الكتب.
٢ هذا رمز لأخبرنا – وثنا رمز لحدثنا.
أَبْنَاءَنَا، ويُقْرِؤُهُ أَبْنَاؤُنا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَومِ الْقَيَامَةِ؟!.
فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زِيادُ١. إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِن أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى يَقْرَؤُون التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، لاَ يَعْلَمُون بِشَيْءٍمِنْهَا؟! "٢.
(٤٥) وخرّجه التِّرمذي٣: عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ عن أبِي الدَّرْدَاءِ. قال: كنّا مع النَّبِيِّ – ﷺ فَشَخَصَ بَصَرُهُ إلِى السَّمَاءِ. ثمّ قال:
"هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ٤ مِنْهُ".
_________
١ في السنن: "ثكلتك أمك زياد"، بدون حرف نداء.
وثكلتك: أي فقدتك. وهو دعاء عليه بالموت ظاهرًا. والمقصود العتب من الغفلة عن مثل هذا الأمر.
٢ في سنن ابن ماجه: "لا يعملون بشيء مما فيهما"، أي: ومن لا يعمل بعلمه هو والجاهل سواء.
٣ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي جـ٧ – أبواب العلم – باب ما جاء في ذهاب العلم ص: ٤١٢.
٤ في الترمذي: "حتّى لا يقدروا منه على شيء".
فقال زيادُ بن لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَيْفَ يُخْتَلَسُ منّا، وقَدْ قَرَأْنَا الْقُرآنَ، فوالله لَنَقْرَأَنَّه، وَلَنُقْرِؤُنَّهُ نَسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فقال:
"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زيادُ! إِن كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِن فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجيْلُ عَنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهم"؟!
قال جُبَيْرُ: فَلَقِيْتُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ. قُلْتُ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخْوكَ أبُو الدّرداءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ١. قال: صَدَقَ أبو الدّرداء. إِنْ شِئْتَ لأُحَدِثِّنَّك بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرفَعُ مِنَ النّاسِ: الْخُشُوعُ. يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعِةٍ٢، فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا٣.
وقال: حَسَنٌ غَرِيْبٌ.
_________
١ في الترمذي: "فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء".
٢ في الترمذي: "أن تدخل مسجد الجامع".
٣ الخشوع: في الصوت والبصر كالخضوع في البدن.
(٤٦) وذكر ابنُ ماجه١، مِن مُسْنَدِ زيادٍ، بإِسْنَادٍ صَحيحٍ كما تَقدَّمَ، وقال:
حدّثنا عليّ بن محمّدٍ ثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراشٍ عن حذيفة: قال رسولُ الله ﷺ:
"يَدْرُسُ٢ الإسلامُ كمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حَتَّى لاَ يُدْرىَ مَا صِيَامٌ، وَلاَ صَلاَةٌ، ولاَ نُسُكٌ ولاَ صَدَقَةٌ.
وَيُسْرى٣ عَلَى كِتَابِ الله تعالى فِي لَيْلَةٍ، فلا تَبْقَى٤ منه فِي الأرض آيةٌ. وَتَبْقَى طَوائِفُ مِنَ النّاسِ: الشّيخُ
_________
١ سنن ابن ماجه – جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم. ص ١٣٤٤.
في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. رواه الحاكم وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.
٢ "يدرس الإسلام"، من درس الرسم دروسًا، إذا عفا وهلك. ومن درس الثّوب درسًا إذا صار عتيقًا. ووشى الثّوب: نقشه.
٣ في سنن ابن ماجه: "وليسرى على كتاب الله". والمعنى يذهب باللّيل.
٤ في سنن ابن ماجه: "فلا يبقى منه" بالياء "بدل التاء".
الْكَبِيْرُ وَالْعَجُوزُ، يَقُولُون: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هِذِهِ الكِلْمَةِ: لا إله إلاّ الله. فَنَحْنُ نَقُولُها".
فقال له صِلَةُ: ما يُغْنِي عِنْهم: لا إله إلاّ الله، وَهُمْ لا يَدْرُون، مَا صَلاَةٌ، وَلاَ صِيَامٌ، وَلاَ نُسُكٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيهِ ثَلاثًا. كلّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفة. ثمّ أقبل حذيفة فقال: يَا صِلَةُ! تُنَجِّيهُم مِنَ النّار. ثلاثًا
(٢٢) وَلِمُسْلِمٍ١، عن أَنَسٍ. قال رسولُ الله – ﷺ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ٢ كَهَاتِيْنِ". وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى.
(٢٣) ولِلْبُخَارِيِّ٣، عن أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسولَ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن، باب قرب السّاعة ص ٨٩.
٢ "بعثت أنا والسّاعة كهاتين" وضمّ بين السِّبابة والوسطى. وفي رواية وقرن بينهما.
قال قتادة: كفضل إحداهما على الأخرى. روى بنصب السّاعة ورفعها.
وأما معناه: فقيل: المراد بينهما شيء يسير، كما بين الأصبعين في الطّول.
وقيل: هو إشارة إلى قرب المجاورة.
٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ كتاب الفتن – ص ٨١.
الله – ﷺ قال:
"لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانَ، يَكُونُ١ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. دَعْواهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يَبْعَثُ٢ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ، كُلُّهُم يَزْعُمُ، أَنَّهُ رسولُ الله، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرُ الزِّلاَزِلُ٣، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرَجُ – وَهُوَ الْقَتْلُ –، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيْكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، وَحَتَّى يَهُمَّ رَبَّ٤ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وحَتَّى يَعْرِضَهُ
_________
١ في الصّحيح "تكون" بالتّاء – وفي الصّحيح: دعوتها بالتّاء بدل الألف.
٢ "وحتّى يبعث دجالون" المراد ببعثهم: إظهارهم – لا البعث بمعنى الرسالة.
٣ "وتكثر الزلازل" قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل. والذي يظهر أن المراد بكثرتها: شمولها ودوامها.
٤ في صحيح مسلم "حتّى يهم"، بدون الواو – ويهم: ضبطوه بوجهين أجودهما: يُهم بضم الياء وكسر الهاء. ويكون رب المال منصوبًا مفعولًا. والفاعل: من. وتقديره: يحزنه ويهتمّ له.
والثّاني: يهم. بفتح الياء وضمّ الهاء. ويكون رب المال مرفوعًا فاعلًا. وتقديره يهم رب المال من يقبل صدقته. انظر النّووي، كتاب الزّكاة ج٧ ص ٩٧.
قال أهل اللّغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهمه إذا أذابه. ومنه قولهم: همك ما أهمك. أي أذابك الشّيء الذي أحزنك؛ فأذهب شحمك.
وعلى الوجه الثّاني: هو من هم به إذا قصده.
فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لاَ أَرَبَ لِي فِيهِ١. وَحَتَّى يَتَطَاوَلُ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ. وَحِتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيُقُولَ: يِا لَيْتَنِي مَكَانَهُ. وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنَ النَّاسُ أَجْمَعُون٢. فَذَلِكَ حِيْنَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨]، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ
_________
١ في صحيح البخاري: (لا أرب لي به".
٢ في صحيح البخاري: "آمنوا أجمعون".
الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ١، فَلاَ يَطْعَمُهُ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ٢ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي مِنْهُ٣. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ، فَلاَ يَطْعَمُهَا.
(٢٤) وَلِمُسْلِمٍ٤، عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ٥ نِسِاءِ دَوْسٍ
_________
١ "بلبن لقحته"اللقحة: بكسر اللام ويكون القاف بعدها مهملة: النّاقة ذات الدر.
٢ "يليط" بفتح أوّله من الثّلاثي. ويضمّ من الرّباعي. والمعنى: يصلحه بالطّين والمدر. فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه.
٣ في صحيح البخاري (فلا يسقى فيه) .
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص ٣٢ باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذي الخلصة.
وأخرجه البخاري شرح الفتح جـ ١٣ كتاب الفتن – باب تغير الزّمان حتى تعبد الأوثان ص ٧٦.
٥ "أليات نساء": أليات: بفتح الهمزة واللام. أي أعجازهن.
والمراد: يضطربن من الطّواف حول ذي الخلصة – والخلصة: بفتح الخاء واللام: هو بيت صنم ببلاد دوس.
حول ذيالْخَلَصَةِ "، وكانت صنمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ في الجاهلية بِتَبَالَة١.
(٢٥) وله ٢، عن عائشة: سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
"لا يَذْهَبُ اللّيلُ والنّهارُ٣ حتّى تُعْبَدَ اللاَتَ وَالْعُزَّى"، فقلت: يا رسول الله: إن كنت لأَظُنُّ حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، [التّوبة: ٣٣، والصّف: ٩] .
أنّ ذلك تامًّا. قال: "إنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذلك مَا شَاءَ الله".
_________
١ "بتبالة" بمثناة فوقية مفتوحة ثمّ باء موحدة مخففة. وهي موضع باليمن. وليست تبالة التي يضرب بها المثل. ويقال: أهون على الحجّاج من تبالة؛ لأنّ تلك بالطّائف؟
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذا الخلصة ص ٣٣.
٣ "لا يذهب اللّيل والنّهار"، أي: لا ينقطع الزّمان ولا تأتي القيامة.
ثُمَّ يَبْعَثُ الله رِيْحًا طَيِّبَةً، فَتَوَفَّى١ كُلّ مَنْ كَان فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ٢ مِن خَرْدَلٍ مِن إِيْمَانٍ. فَيَبْقَى مَن لا خيْرَ فيه، فَيَرْجِعُون إلى دين آبائهم.
(٢٦) ولَهما٣، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَخْرجَ نَارٌ مِن أرضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإبْلِ بِبصْرَى" ٤.
(٢٧) وللتِّرمذي٥: عن ابن عمر، قال رسولُ الله
_________
١ "فتوفّى": أصله: تتوفى – حذفت إحدى التاءين؟ أي تأخذ الأنفس وافية تامّة.
٢ في صحيح مسلم "مثقال حبّة خردل من إيمان".
٣ صحيح البخاري بشرح ابن حجر جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب خروج النّار ص ٧٨.
وصحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٣٠.
٤ "بصرى"، بضمّ الباء: مدينة معروفة بالشّام. وهي مدينة حوران. بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل.
٥ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٤٦٣.
– ﷺ:
"سَتَخْرُجُ نَارٌ مِن حَضَرمَوْتَ قَبْلَ الْقِيَامةِ"١، قالوا: يا رسولَ الله، فما تَأْمُرُنَا؟ فقال: "عَلَيْكُم بالشَّامِ ".
وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث ابن عمر.
(٢٨) وللتِّرمذي٢، وحسّنه: عن حُذَيْفَةَ. قال رسول الله – ﷺ:
"والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَقْتُلُوا
_________
١ في سنن الترمذي: "ستخرج نار من حضر موت أو من نحو حضر موت قبل يوم القيامة تحشر النّاس".
يحتمل أن تكون النّار حقيقة وهو الظّاهر. ويحتمل أن يراد بها الفتنة.
"تحشر النّاس"، أي: تجمعهم النار وتسوقهم: على ما في النهاية؟ وأمرهم الرّسول – ﷺ – بأن يلزموا الشّام وفريقها؟ فإنّها سالمة من وصول النّار الحسية أو الحكمية إليها لحفظ ملائكة الرّحمة إيّاها.
٢ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ٦ أبواب الفتن – باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ص ٣٩١. وأخرجه ابن ماجة – كتاب الفتن جـ ٢ – باب أشراط السّاعة ص ١٣٤٢.
مَامَكُم، وتَجْتَلِدُوا١ بأسيافِكم، ويَرِثَ دُنْيَاكُم شِرارُكُم"٢.
(٢٩) ولَهُ٣: عن أبي سعيدٍ، قال رسولُ الله – ﷺ:
"والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ: لا تقومُ السّاعَةُ حتّى يُكَلِّمَ٤ السِّباعُالإنسَ. وحتّى يُكَلِّمَ الرّجلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ٥،
_________
١ "تجتلدوا"، أي: تتقاتلوا وتتضاربوا بها.
٢ "ويرث دنياكم شراركم"، أي: يأخذ الظّلمة الملك والمال.
وإيراد هذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. إما للإشعار بأن هذه الفتنة تقع من أجل ترك الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. أو تنبيهًا على أن من بالمعروف ونَهى عن المنكر فهو من اللّذين وصفهم الله بِخير الأمّة.
فالشرار الذين يرثون الدّنيا لا يكونون على هذا الوصف.
٣ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي – أبواب الفتن ج ٦ – باب ما جاء في كلام السِّباع ص ٤٠٩.
٤ في سنن الترمذي: "تكلم" بالتّاء في الموضعين. وكذلك "تخبر". والسِّباع: جمع السّبع. وهو بضمِّ الباء وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان وتكلم السِّباع: أي سباع الوحش كالأسد. أو سباع الطّير كالبازي. ولا منع من الجمع.
٥ "عذبة سوطه" العذبة: أي طرفه. على ما في القاموس وغيره.
وشِرَاكُ نَعْلِهِ١، وَيُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ".
وقال: صحيحٌ غريبٌ٢، لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حديث القاسم بن فَضْلٍ. وهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونَ.
(٣٠) ولِمُسْلِمٍ٣: عن أبي هريرة، أنّ رسول الله – ﷺ قال:
"لا تقُومُ السّاعَةُ حتّى يَكْثُرَ الْمَالُ ويَفِيضَ، وحتّى يُخْرِجَ٤ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُها مِنْهُ، وحتّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهَارًا"٥.
_________
١ وشراك نعله: أحد سيور النعل: تكون على وجهها.
٢ في الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ٧ – كتاب الزّكاة – باب التّرغيب في الصّدقة قبل ألا يوجد من يقبلها ص ٩٧.
٤ في صحيح مسلم: "حتّى يخرج الرجل بزكاة ماله".
٥ "مروجا"، أي: رياضًا ومزارع. وقال بعضهم: المرج: هو الموضع الذي ترعى فيه الدّواب والمعنى والله أعلم – أنّهم يتركونها، ويعرضون عنها، فتبقى مهملة: لا تزرع ولا تسقى من مياهها. وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلّة الآمال وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به.
(٣١) وذكر ابنُ عَبْدِ البرِّ، من حديث ابن مَسْعُودٍ١: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"إنَّ بَيْنَ يَدَي السّاعَةِ: التّسْلِيمُ عَلَى الْخَاصَّةِ٢، فُشُوُّ التِّجَارَةِ: حتّى تُعِيْنَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ. وَقَطعُ الأَرْحَامِ. وَفُشُوُّ الْقَلَمِ٣ وَظُهُورُ شَهَادَةِ الزُّورِ. وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ".
(٣١) ولابنِ الْمُبَارَكِ٤: عن ابن فضالة، عن الْحَسَنِ. قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١ مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ٤٠٧.
والأدب المفرد للبخاري: توضيح فضل الله الجبلاني جـ ٢ ص ٥٠٥ باب من كره تسليم الخاصّ.
٢ يكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسّلام؛ لأنّ القصد بمشروعية السّلام تحصيل الألفة. وفي التّخصيص إيحاش للغير. نعم: إذا سلم على الجميع مرّة، ثمّ خصّ بعضهم فلا بأس، وفي مشكل الآثار للطّحاوي: من سلم عليه خاصّة يجوز الرّد عليه خاصّة، كما ثبت في حديث المسىء صلاتة، وحديث أبي ذر في إسلاامه.
٣ "فشوّ القلم"، ظهوره وانتشاره. وقد جاء في مسند الإمام أحمد: "ظهور القلم". وفي الأدب المفرد بلفظ: وفشوّ العلم.
٤ لم نجده فيما بين أيدينا من مصادر.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَفِيضَ الْمَالُ؛ ويظْهَرَ الْقَلَمُ، وتَكْثُرَ التّجارةُ".
قال الحسن: لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمانٌ، إنّما يقال: تاجرُ بَنِي فُلاَنٍ، وكَاتِبُ بَنِي فُلانٍ. ما يكونُ في الْحَيِّ إلاّ التَّاجِرُ الوَاحِدُ، أَوِ الكاتِبُ الْوَاحِدُ.
(٣٣) وللبخاريّ١، عن مُعَاوِيَةَ٢: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، ويَظْهَرَ الْجَهْلُ، ويَظْهَرَ الزِّنَا، ويَكْثُرَ٣ النِّساءُ، ويَقِلَّ الرِّجالُ،
_________
١ صحيح البخاري – فتح الباري جـ ١ – كتاب العلم – باب رفع العلم وظهور الجهل – ص ١٧٨ وفي غير موضع من الصّحيح.
وفي صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٦ كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه ص ٢٢١.
٢ في صحيح البخاري: عن أنس – في المواضع المتعدِّدة.
٣ في صحيح البخاري: "وتكثر النساء" بالتاء.
وسبب كثرة النِّساء: أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء.
قال في الفتح: والظّاهر أنّها علامة محضة، لا لسبب آخر. بل يقدر الله في آخر الزّمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الأناث، وكون كثرة النساء من العلامات: مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم.
حتّى تكونَ لِخَمْسِينَ امرأةًالْقَيِّمُ١ الْوَاحِدُ".
(٣٤) ولِمُسلمٍ٢: عن أبي موسى عن النّبيّ – ﷺ
_________
١ "القيم" من يقوم بأمرهن.
قال القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم: من يقوم عليهم، سواءكنّ موطوآت له أم لا. ويحتمل: أن يكون ذلك يقع في الزّمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله. الله. فيتزوج الواحد بغير عدد جهلا بالحكم الشّرعي.
وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر؛ لكونها مشعرة باختلاف الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد. وهي الدين؛ لأنّ رفع العلم يخل به. والعقل، لأن شرب الخمر يخل به. والنسب، لأنّ الزنا يخل به. والنّفس والمال؛ لأنّ كثرة الفتن تخل بهما.
قال الكرماني: وإنّما كان اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأنّ الخلق لا يتركون هملًا، ولا نبي بعد نبيينا – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فيتعيّن ذلك.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي – ج٧ – كتاب الزّكاة – باب الترغيب في الصّدقة قبل ألا يجد من يقبلها ص ٩٦.
"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرّجلُ١ بِالصَّدَقَةِ من الذّهبِ٢ ثُمَّ لا يَجِدُ أحَدًا يأخذها منه. وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امرأةً٣، مِن قِلَّةِ الرِّجالِ، وَكَثْرةِ النِّساءِ".
(٣٥) وللبخاريّ٤، عن ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
_________
١ في صحيح مسلم "يطوف الرّجل فيه" بزيادة لفظ: فيه.
٢ هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنّه إذا كان الذّهب لا يقبله أحد، فكيف الظّنّ بغيره.
وقوله ﷺ: "يطوف"، إشارة إلى أنّه يتردّد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها. فتحصل المبالغة والتّنبيه على عدم قبول الصّدقة: بثلاثة أشياء: كونه يعرضها، ويطوف بها، وكونها من ذهب. وفي هذا الحثّ على المبادرة بالصّدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها.
٣ في صحيح مسلم: بعد هذه الجملة: "يلذن به".
ومعنى يلذن به. أي ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهنّ، ويذب عنهن وهو من لاذ به. يلوذ. لوذًا ولياذا: إذا التجأ إليه واستغاث.
٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الاعتصام بالسّنة – باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس – ص ٢٨٢.
"إنَّ الله لا يَنْزَعُ الْعِلْمِ١، أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا. وَلَكِن يَنْتَزِعُهُ مِنْهُم مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم ٢. ويَبْقَى ناسٌ جُهاَّلٌ: يُسْتَفتُون فَيُفْتُون بِرَأْيِهم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون".
(٣٦) ولأبِي داود٣: عَنْ سَلاَّمَةَ بِنْتِ الْحُرِّ، أُخْتِ خَرْشَةَ بن الْحُرِّ الْفَزَازِيّ، مرفوعًا.
قالت: سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنّ مِن أشراط السّاعِةِ: أن يَتَدَافَعَ أهْلُ الْمَسجِدِ
_________
١ في صحيح البخاري: "لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه"، بزيادة لفظ بعد.
٢ "ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم". التقدير: ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم. ففيه بعض قلب. وفي رواية: "ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم". وأخرى: "ولكن يقبض العلم بقبض العلماء".
٣ سنن أبي داود – عون المعبود جـ ٢ ص ٢٨٩ كتاب الصّلاة – باب في كراهية التّدافع عن الإمامة.
الإِمَامَةَ١ فَلاَ يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِم".
(٣٧) ورَوَى٢ يزيدُ بن هَارُون: أَنَا٣ عبدُ الْمَلِكِ بن قُدَامَةَ عن الْمَقْبُرِيِّ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قال:
"سَيَأْتِي على النّاسِ زَمَانٌ: سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ٤ يُصَدَّقُ
_________
١ في سنن أبي داود: "أن يتدافع أهل المسجد"، بدون ذكر لفظ "الإمامة".
ومعنى "يتدافع"، أي: يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه.
ويقول: لست أهلًا لها؛ لما ترك تعلم ما تصحّ به الإمامة – ذكره الطيبي.
أو يدفع بعضهم بعضًا إلى المسجد، أو المحراب؛ ليؤم بالجماعة فيأبى عنها؛ لعدم صلاحيته لها؛ لعدم علمه بها.
٢ سنن ابن ماجه جـ ٢ – كتاب الفتن – باب شدّة الزّمان ص ١٣٣٩ – تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي طـ عيسى الحلبي. ولم تنسبه المخطوطة.
٣ في سنن ابن ماجه: "ثنا عبد الملك بن قدامة الجُمَحِيُّ: عن إسحاق بن أبي الفرات: عن المقبري". وما في المخطوطة: أنا. رمز لأخبرنا – وما في السنن: ثنا رمز لحدثنا.
٤ في سنن ابن ماجه: "سيأتي على النّاس سنوات خداعات"، بدون لفظ "زمان".
والخداع: المكر والحيلة. ووصف السّنوات بالخداعات مجاز والمراد: أهل السّنوات.
قال في النِّهاية: سنون خداعة. أي: تكثر فيها الأمطار، ويقل الريع فذلك خداعها؛ لأنها تطعمهم في الخصب بالمطر، ثمّ تخلف.
وقيل: الخداعة القليلة المطر من خدع الريق إذا جف.
فِيهَا الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الْخَائِنُ، ويُخَوَّنَ فِيهَا الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيهَا الرُّوَيْبِضَةُ"١، قِيلَ: يا رسولَ الله، وما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: "الرّجلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ٢ فِي أَمْرِ العَامّةِ".
(٣٨) وفي حديث٣ جِبْرِيْلَ:
"أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا٤. وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعَرَاةَ
_________
١ "الرويبضة"، تصغير رابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، وتاؤه للمبالغة.
٢ في سنن ابن ماجه، قال: "الرّجل التافه في أمر العامّة". بدون لفظ: "ينطبق".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ١ – كتاب الإيمان – باب أمارات السّاعة ص ١٥٨ – من حديث طويل.
٤ "وأن تلد الأمة ربتها"، وفي الرواية الأخرى: "ربها"، على التذكير وفي الأخرى: "بعلها". وقال: يعني: السراري.
ومعنى ربها، أو ربتها: سيدها ومالكها، وسيدها ومالكتها.
قال الأكثرون من العلماء: - هو إخبار عن كثرة السّراري وأولادهن؛ فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأنّ مال الإنسان صائر إلى ولده.
وقد يتصرّف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال.
وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمة من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.
وقيل معناه: أنّه تفسد أحوال النّاس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزّمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها ولا يدري.
والصّحيح في معنى البعل: أنّه المالك أو السّيد، فيكون بمعنى ربها على ما ذكر.
وقيل: المراد بالبعل في الحديث: الزّوج. ومعناه كما تقدم: أنّه يكثر بيع السّراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري. والأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى. والله أعلم.
الْعَالَةَرِعَاءَ١ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ". رواه مسلم.
_________
١ "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" أما العالة: فهم الفقراء.
والعائل: الفقير. والعيلة: الفقر. والرعاء: بكثر الرّاء والمد. ويقال فيهم: رعاة بضم الراء وزيادة الهاء.
ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة: تبسط لهم الدّنيا حتى يتباهون في البنيان. والله أعلم. النووي على مسلم.
(٣٩) وللتِّرمذي١: عن عليّ قال رسول الله – ﷺ:
"إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشَرَ٢ خِصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاَءْ"، قيل: وما هي يا رسولَ الله. قال: إذا كان الْمَغْنَمُ دُوَلًا٣، والأَمَانَةُ مَغْنَمًا٤، والزّكاةُ مَغْرَمًا٥،
_________
١ تحفة الأحوذي شرح الترمذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف ص ٤٥٤.
٢ في سنن الترمذي "خمس عشرة" وهو الصّواب.
٣ "إذا كان المغنم دولًا"، أي: إذا كانت الغنيمة دولًا: بكسر الدال وضمها مع فتح الواو جمع دولة بالضّم والفتح. وهو ما يتداول من المال. فيكون لقوم دون قوم.
أي: إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بحقوق الفقراء. أو يكون المراد منه: أن أموال الفيء تؤخذ غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان.
٤ "والأمانة مغنمًا" أي: بأن يذهب النّاس بودائع بعضهم وأماناتهم، فيتّخذونها كالمغانم يغنمونها.
٥ "والزّكاة مغرمًا"،أي: بأن يشق عليهم أداؤها، بحيث يعدون إخراجها غرامة.
وأَطَاعَ الرّجُلُ زَوْجَتَهُ١، وَعَقَّ أُمَّهُ. وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعْتِ الأَصْواتُ فِي الْمَسَاجَدِ٢، وكان زَعِيمُ الْقَومِ أَرْذَلَهُم٣، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ٤، وشُرِبَتِ الْخُمُورُ٥، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ٦، واتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ،
_________
١ "وأطاع الرّجل زوجته"، أي: فيما تأمره وتهواه مخالفًا لأمر الله. "وعقّ أمه"، أي: خالفها فيما تأمره وتنهاه "وبر صديقه"، أي: أحسن إليه وأدناه وحباه "وجفا أباه"، أي: أبعده وأقصاه. وخص عقوق الأم بالذكر، وإن كان عقوق كل واحد من الأبوين معدودًا من الكبائر لتأكد حقّها، أو لكون قوله: "وأقصى أباه"، بمنْزلة: وعق أباه.
٢ "وارتفعت الأصوات في المساجد"، أي: علت أصوات الناس في المساجد، بنو الخصومات والمبايعات واللهو واللعب.
٣ "وكان زعيم القوم أرذلهم"، الزّعيم: الكفيل، وسيد القوم، ورئيسهم، والمتكلم عنهم. وأرذلهم: الدّون الخسيس، أو الرديء من كل شيء. قاموس.
٤ "وأكرم الرجل مخافة شره"، أي: عظم الناس الإنسان خشية من تعدي شره إليهم.
٥ "وشربت الخمور" جمعها لاختلاف أنواعها. أي أكثر الناس من شربها. أو تجاهروا به.
٦ "ولبس الحرير"، أي: لبسه الرجال بلا ضرورة.
وَالْمَعَازِفُ١، ولَعِنَ آخرُ هَذِهِالأمّةِ أَوَّلَهَا٢، فَلْيَرْتَقِبُوا عَنْدَ ذَلِكَ رِيْحًا حَمْرَاءَ، وَخْسفًا وَمَسْخًا٣") .
وقال: غريب، وفي إسناده: فَرَجُ بن فُضَالَةَ، ضُعِّفَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وأَخْرَجَهُ من حديث أبِي هرَيْرَةَ أيضًا. وقال: غريب، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.
_________
١ "واتخذت القينات والمعازف"، في سنن الترمذي: واتخذت.
"القيان"، مفردة: قينة: وهي الأمة غنت أو لم تغن، وكثيرًا ما تطلق على المغنية من الإماء.
ومنه الحديث: "نهى عن بيع القينات"، أي: الإماء المغنيات.
والمعازف: هي الدفوف وغيرها مما يضرب. النهاية.
٢ "ولعن آخر هذه الأمة أولها"، أي: اشتغل الخلف بالطّعن في السّلف الصّالحين، والأئمة المهديين.
٣ في السنن: "أو خسفًا"، بأو بدل الواو.
والخسف: الذهاب في الأرض، والغور بهم فيها. والمسخ: أي قلب خلقه من صورة إلى أخرى.
(٤٠) ولابن مَاجَهَ١: عن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ: قال رسولُ الله – ﷺ:
"لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهِا، يُضْرَبُ٢ عَلَى رُؤُوسِهِم بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاِت، فَخَسَفَ٣ الله بِهِم الأرضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ".
(٤١) وللبخاريّ٤: عن أبي عامر بن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ٥: سَمِعَ النَّبِيَّ – ﷺ يقول:
"لَيُكُونَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي٦ يَسْتَحِلُّون الْخَمْرَ والْحَرِيرَ
_________
١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب العقوبات- ص ١٣٣٣.
٢ في السنن: "يعزف".
٣ في السنن: "يخسف الله بهم".
٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ١٠ – كتاب الأشربة – باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه – ص٥١.
٥ في صحيح البخاري: "حدّثنِي أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري".
٦ في صحيح البخاري: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون: الحر، والحرير والخمر"، بزيادة لفظ: "الحر"، وهو بالحاء المهملة المكسورة: الفرج.
وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلِى جَنْبِ عِلْمٍ١، يَروحُ عَلَيْهُم بِسَارِحَةٍ لَهُم٢، تَأْتِيهُم لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُمُ الله٣، وَيَضَعُ الْعِلْمَ٤، وَيَمْسَخُ آخرين وخَنَازِيرَ إلَى يَومِ الْقِيَامَةِ".
(٤٢) وَرُوِيَ٥ عن أَبِي أُمَامَةَ؛ مَرْفُوعًا:
"يكون في أُمَّتِي فَزِعَةٌ، فَيَصيْرُ النّاسُ إلَى عُلَمَائِهِم، فإذا هم قِرَدَة وَخَنَازِير".
_________
١ العلم: بفتحتين: الجبل العالي. وقيل: رأس الجبل.
٢ السارحة: الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها. وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها.
٣ فيبيتهم: أي يهلكهم. والبيات هجوم العدو ليلًا.
٤ "ويضع العلم"، أي: يوقعه عليهم.
٥ نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، لأبي عبد الله محمد الحكيم الترمذي طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، الأصل المائة والخمسون في أن من غير الحق من العلماء يمسخ، وسر ما يمسخون به. ص١٩٣.
وقال: وإنما حلّ بهم المسخ؛ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلام عن موضعه، فمسخوا قلوب الخلق وأعينهم عن رؤية الحق، فمسخ الله تعالى صورهم، وبدل خلقتهم كما بدلوا الحقّ باطلًا.
(٤٣) وعن حُذَيْفَةَ١. قال: حدّثنا رسولُ الله – ﷺ حديثين. قد رأيت أَحْدَهُما. وأنا أَنْتَظِرُ الآخرَ حدّثنا:
"أنَّ الأَمَانَةَ٢ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ٣ قُلُوبِ الرِّجال. ثمّ نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا من الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السّنةِ".
ثمّ حدّثنا عن رَفْعِ الأَمَانَةِ قال:
"يَنَامُ الرّجلُ النَّوْمَةَ فَيُقْبْضُ٤ الأَمَانَةُ مِن قَلْبِهِ،
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب إذا بقي في حثالة من الناس ص ٣٨ وصحيح مسلم بشرح النووي جـ٢ – كتاب الأيمان – باب رفع الأمانة والأيمان من بعض القلوب ص ١٦٧.
٢ "الأمانة"، الظّاهر: أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم.
وقال صاحب التحرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٧٢]، وهي عين الإيمان. فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجدّ في إقامتها.
(جذر قلوب الرجال) الجذر: بفتح الجيم وكسرها: لغتان. قال في الفائق: الجذر بالفتح، والكسر: الأصل.
٤ في الصحيحين: "فتقبض الأمانة"، بالتاء بدل الياء.
فَيَظَلُّ، أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ١، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ٢، فَيَظَلُّ أَثَرُهُا مِثْل الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجَتْهُ عَلَى رِجْلِكِ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا٣، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ
_________
١ في صحيح البخاري: "فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت". وما في المخطوطة موافق لما في مسلم.
والوكت هو: الأثر اليسير. كما قاله الهروي.
وقال غيره: هو سواد يسير. وقيل: هو: لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله.
٢ بعد هذه الجملة في صحيح مسلم: "فيقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل المجل".
وكذلك في البخاري مع اختلاف يسير.
والمجل: بإسكان الجيم وفتحها لغتان، حكاهما صاحب التّحرير. والمشهور الإسكان.
والمجل: هو: التنفط الذي يصير في اليد؛ من العمل بفأس أو نحوها. ويصير كالقبة فيه ماء قليل.
٣ "فتنفط فتراه منتبرًا"، نَفِطَ من باب تَعِبَ. إذا صار بين الجلد واللحم ماء. وتذكير الفعل المسند للرجل. وكذا قوله: "فتراه منتبرًا" مع أن الأرجل مؤنثة، باعتبار معنى العضو. و(منتبرا) مرتفعا. وأصل هذه اللفظة: الارتفاع. ومنه المنبر؛ لارتفاعه، وارتفاع الخطيب عليه.
قال صاحب التحرير: إنّ الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت. وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله. فإذا زال شيء آخر، صار كالمجل، وهو أثر محكم، لا يكاد يزول إلاّ بعد مدة. وهذه الظلمة فوق التي قلبها. ثمّ شبه زوال ذلك النّور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه، بجمر يدحرجه على رجله، حتّى يؤثر فيها، ثمّ يزول الجمر ويبقى التّنفط.
وأخذ الرسول – ﷺ – الحصاة، ودحرجته إياها: أراد بها زيادة البيان وإيضاح المقصود.
حَصَاةً١ فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ) . فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبَايِعُون، لا يَكَادُ أَحْدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا. حَتَّى يُقَالَ للرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ من إِيْمانٍ".
وَلَقَدْ أَتَى عليَّ زَمَانٌ مَا أُبَالِي أَيُّكُم بَايَعْتُ٢ لَئِنْ
_________
١ في صحيح مسلم: "ثمّ أخذ حصى فدحرجه على رجله".
٢ "ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت".
معنى المبايعة هنا: البيع والشِّراء المعروفان. ومراده: أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن في الناس وفاء بالعهود، وكنت أقدم على مبايعة من أنفق، غير باحث عن حاله، وثوقًا بالنّاس وأمانتهم؛ فإنّه إن كان مسلمًا، فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته، فيستخرج حقي منه. وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، وَلاَ بِالسَّاعِي في أدائهما الأمانة، فما أبايع إلاّ فلانًا وفلانًا. يعني أفرادًا من النّاس، أعرفهم وأثق بهم.
كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دينه.
وَلَئِنْ كان يَهُودِيًّا أو نَصْرَانَيًّا لَيَرُدَّنَّه عَلَيَّ سَاعِيهِ. وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أَبَايِعُ مِنْكُم إِلاَّ فُلاَنًا وفُلاَنًا.
أخرجاه.
(٤٤) وقال ابْنُ ماجه١: أنا٢ أبو بكر بن أبِي شَيْبَةَ: ثنا وكيعُ: ثنا الأَعْمَشُ: عن سالِم بن أبِي الْجَعْدِ: عن زَيَادِ بن لَبِيدٍ. قال: ذكر النَّبِيُّ – ﷺ شيئًا. فقال:
"ذَلِكَ عَنْدَ أَوَانِ ذِهَابِ الْعِلْمِ"، قُلْتُ: يا رسولَ الله: وكيف يَذْهَبُ الْعِلْمُ، ونَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ونُقْرِؤُهُ
_________
١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم ص ١٣٤٤.
وفي الزوائد: هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات. إلأّ أنّه منقطع.
قال البخاري في التاريخ الصّغير: لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد – وتبعه على ذلك الذّهبي في الكاشف وقال: ليس لزياد عند المصنف سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الكتب.
٢ هذا رمز لأخبرنا – وثنا رمز لحدثنا.
أَبْنَاءَنَا، ويُقْرِؤُهُ أَبْنَاؤُنا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَومِ الْقَيَامَةِ؟!.
فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زِيادُ١. إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِن أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى يَقْرَؤُون التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، لاَ يَعْلَمُون بِشَيْءٍمِنْهَا؟! "٢.
(٤٥) وخرّجه التِّرمذي٣: عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ عن أبِي الدَّرْدَاءِ. قال: كنّا مع النَّبِيِّ – ﷺ فَشَخَصَ بَصَرُهُ إلِى السَّمَاءِ. ثمّ قال:
"هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ٤ مِنْهُ".
_________
١ في السنن: "ثكلتك أمك زياد"، بدون حرف نداء.
وثكلتك: أي فقدتك. وهو دعاء عليه بالموت ظاهرًا. والمقصود العتب من الغفلة عن مثل هذا الأمر.
٢ في سنن ابن ماجه: "لا يعملون بشيء مما فيهما"، أي: ومن لا يعمل بعلمه هو والجاهل سواء.
٣ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي جـ٧ – أبواب العلم – باب ما جاء في ذهاب العلم ص: ٤١٢.
٤ في الترمذي: "حتّى لا يقدروا منه على شيء".
فقال زيادُ بن لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَيْفَ يُخْتَلَسُ منّا، وقَدْ قَرَأْنَا الْقُرآنَ، فوالله لَنَقْرَأَنَّه، وَلَنُقْرِؤُنَّهُ نَسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فقال:
"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زيادُ! إِن كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِن فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجيْلُ عَنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهم"؟!
قال جُبَيْرُ: فَلَقِيْتُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ. قُلْتُ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخْوكَ أبُو الدّرداءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ١. قال: صَدَقَ أبو الدّرداء. إِنْ شِئْتَ لأُحَدِثِّنَّك بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرفَعُ مِنَ النّاسِ: الْخُشُوعُ. يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعِةٍ٢، فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا٣.
وقال: حَسَنٌ غَرِيْبٌ.
_________
١ في الترمذي: "فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء".
٢ في الترمذي: "أن تدخل مسجد الجامع".
٣ الخشوع: في الصوت والبصر كالخضوع في البدن.
(٤٦) وذكر ابنُ ماجه١، مِن مُسْنَدِ زيادٍ، بإِسْنَادٍ صَحيحٍ كما تَقدَّمَ، وقال:
حدّثنا عليّ بن محمّدٍ ثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراشٍ عن حذيفة: قال رسولُ الله ﷺ:
"يَدْرُسُ٢ الإسلامُ كمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حَتَّى لاَ يُدْرىَ مَا صِيَامٌ، وَلاَ صَلاَةٌ، ولاَ نُسُكٌ ولاَ صَدَقَةٌ.
وَيُسْرى٣ عَلَى كِتَابِ الله تعالى فِي لَيْلَةٍ، فلا تَبْقَى٤ منه فِي الأرض آيةٌ. وَتَبْقَى طَوائِفُ مِنَ النّاسِ: الشّيخُ
_________
١ سنن ابن ماجه – جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم. ص ١٣٤٤.
في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. رواه الحاكم وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.
٢ "يدرس الإسلام"، من درس الرسم دروسًا، إذا عفا وهلك. ومن درس الثّوب درسًا إذا صار عتيقًا. ووشى الثّوب: نقشه.
٣ في سنن ابن ماجه: "وليسرى على كتاب الله". والمعنى يذهب باللّيل.
٤ في سنن ابن ماجه: "فلا يبقى منه" بالياء "بدل التاء".
الْكَبِيْرُ وَالْعَجُوزُ، يَقُولُون: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هِذِهِ الكِلْمَةِ: لا إله إلاّ الله. فَنَحْنُ نَقُولُها".
فقال له صِلَةُ: ما يُغْنِي عِنْهم: لا إله إلاّ الله، وَهُمْ لا يَدْرُون، مَا صَلاَةٌ، وَلاَ صِيَامٌ، وَلاَ نُسُكٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيهِ ثَلاثًا. كلّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفة. ثمّ أقبل حذيفة فقال: يَا صِلَةُ! تُنَجِّيهُم مِنَ النّار. ثلاثًا
Translation
باب: أمارات الساعة
#3
Chapter 3 — باب: من أحاديث الفتن
· ref. #3
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
باب: من أحاديث الفتن
...
مِنْ أَحَادِيثِ الْفِتَنِ
(٤٧) ولِمُسْلِم١ عن حذيفة. قال: قَامَ فينا رسولُ الله – ﷺ مَقَامًا ما ترك فيه٢ شيئًا يكون في مَقَامِهِ ذلك إلى قيامِ السّاعَةِ، إلاّ حَدَّثَ بِهِ. حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنِسَيَهُ مَن نَسِيَهُ٣. فَأَذْكُرُه كَما يَذْكُرُ الرّجلُ وَجْهَ الرّجلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ. ثُمَّ إِذَا رَآه عَرَفَهُ.
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٨- كتاب الفتن – باب إخبار النّبي – ﷺ – فيما يكون إلى قيام الساعة ص١٥.
٢ في صحيح مسلم: "ما ترك شيئًا".
٣ في صحيح مسلم بعد هذه الجملة: "قد علمه أصحابي هؤلاء، وأنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه – فأذكره"، الحديث. وهو ساقط من المخطوطة.
(٤٨) قال١: والله ما أَدْرِي: أَنَسِيَ أَصْحَابِي، أَمْ تَنَاسَوهُ؟ ٢،والله ما تَرَكَ رسولُ الله – ﷺ مِن قَائِدِ فِتْنَةٍ٣ إِلَى أَنْ تَنْقَضِي الدّنْيا، يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلاَثُمَائةٍ فَصَاعِدًا، إلاّ قَدْ سَمَّاهُ لَنَا: باسْمِهِ واسْمِ أَبِيهِ واسْمِ قَبِيلَتِهِ.
(٤٩) وَلَهُ٤: عنه. قال: حدّثنا رسولُ الله – صلّى الله
_________
١ القائل: حذيفة بن اليمان – وما ذكر بعد: إنّما هو بدء حديث آخر.
أخرجه أبو داود ج١١ من شرح عون المعبود – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتن ودلائلها ص: ٣٠٦.
٢ في سنن أبي داود: "أم تناسوا"، بدون الهاء.
٣ "قائد فتنة" أي: داعي ضلالة، وباعث بدعة: يأمر الناس بالبدع، ويدعوهم إليها ويحارب المسلمين.
ومعنى الحديث: أنّه ﷺ ذكر لنا القائدين للفتنة، الذين يبلغ أتباع كل منهم ثلاثمائة فصاعدا، باسمه ونسبه وقبيلته – دون غيرهم. وفي الحديث: كمال علم النبي – ﷺ –، وكمال شفقته على أمّته.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب إخبار النَّبِيّ ﷺ فيما يكون إلى قيام السّاعة، ص: ١٥. والضّمير في عنه؛ لحذيفة.
عليه وسلّم - مَجْلِسًا أَنْبَأَ١ فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ – فقال وهو يَعُدُّ الْفِتَنَ: "مِنْهَا٢ ثَلاَثٌ لا يَكَدنَ يَذَرْنَ شَيْئًا. وَمِنْهَا فِتَنٌ كِرَيَاحِ الصَّيْفِ: مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ".
قال حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُم غَيْرِي.
(٥٠) ولأبِي داود٣: عن ابن عمر. قال: كنّا قعودًا عند رسولِ الله – ﷺ فذكر: "الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِيهَا٤، حتّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاَسِ"٥.
فقال قائلٌ: يا رسولَ الله وما فِتْنَةُ الأحلاس؟
فقال:
_________
١ في صحيح مسلم: "وهو يحدث مجلسًا أنا فيه".
٢ في صحيح مسلم: "منهن"، بدل منها في الموضعين الأولين.
وهذا الحديث ذكر أولًا تحت رقم ١٠ – مع اختصار هنا.
٣ عون المعبود شرح سنن أبي داود ج ١١ – كتاب الفتن – باب ذكر الفتن ودلائلها ص ٣٠٨.
٤ في السنن: "فأكثر في ذكرها".
٥ "الأحلاس"، قال في النهاية: الأحلاس: جمع حلس. وهو: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. شبهها به للزومها ودوامها. قال الخطابي: إنّما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، أو لسواد لونها وظلمتها.
"هِي هَرَبٌ وَحَرَبٌ١، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّوْدَاءِ٢:دَخْنُهُا٣ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي٤ يَزْعُمُ: أَنَّهُ مِنِّي، وَلَيْسَ،
_________
١ الهرب: بفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض، لما بينهم من العداوة والمحاربة.
والحرب: قال في النهاية: الحرب: بالتحريك: نهب مال الإنسان، وتركه لاشيء له.
وقال الخطابي: الحرب: ذهاب المال والأهل.
٢ في سنن أبي داود: "ثمّ فتنة السراء"، وهذا هو الصواب.
والمراد بالسراء: النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء، والعافية من البلاء والوباء. وأضيفت الفتنة إلى السّراء؛ لأنّ السبب في وقوعها: ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنّها تسر العدو.
٣ "دخنها"، يعني: ظهورها وإثارتها. شبهها بالدخان المرتفع. والدخن: بالتحريك مصدر دخنت النار تدخن: إذا ألقى عليها حطب رطب، فكثر دخانها. وقيل: أصل الدخن: أن يكون في لون الدابة: كدورة إلى سواد.
٤ "من تحت قدمي رجل من أهل بيتي"، تنبيهًا على أنّه هو الذي يسعى في إثارتها، أو إلى إنه يملك أمرها "ويزعم أنه مني"، أي في الفعل؟ وإن كان مني في النسب.
والحاصل أن تلك الفتنة بسببه، وأنه الباعث على إقامتها."وليس مني"، أي من أخلاتي أو من أهلي في الفعل، لأنه لو كان من أهلي: لم يهيج الفتنة. ونظيره: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، [هود، من الآية: ٤٦] .
إِنَّمَا أَوْلَيَائِي الْمُتَّقُون١. ثُمَّ يَصْطَلِحُ النّاسُ علَى رَجُلٍ كَوَرَكٍ عَلَى ضِلْعٍ٢. ثُمَّ فِتْنَةُالدُّهْيَمَاءِ،٣ لا تَدَعُ أَحدًا مِن هِذِهِ الأمّةِ إلاّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً٤، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كاَفرًا،
_________
١ "وإنّما أوليائي المتقون" فيه أن الاعتبار كل الاعتبار للمتقي. وإن بعد عن الرّسول – ﷺ – في النّسب. وأنّه لا اعتبار للفاسق والفتّان عند رسول الله ﷺ – وإن قرب في النسب.
٢ "كورك على ضلع"، ورك بفتح وكسر، وهو ما فوق الفخذ. وضلع بكسر ففتح واحد الضلوع، أو الأضلاع.
قال الخطابي: هو مثل. ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم. وذلك أن الضّلع لا يقوم بالورك. وبالجملة: يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك، ولا مستقل به.
وفي النهاية: أي يصطلحون على أمر واه، لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضّلع، ولا يتركب عليه؛ لاختلاف ما بينهما وبعده.
٣ "فتنة الدهماء"، بضم ففتح، والدهماء. السوداء. والتصغير للذّم. أي: الفتنة العظماء والطّامة العمياء.
وفي النهاية: تصغير الدهماء: يريد الفتنة المظلمة. والتصغير للتعظيم.
٤ "إلاّ لطمته لطمة"، أصل اللطم: الضرب على الوجه ببطن الكف. والمراد: أن أثر تلك الفتنة يعمّ الناس، ويصل لكل أحد من ضررها.
حَتَّى يَصِيْرَ النّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْن١: فُسْطَاطِ إِيْمَانٍ، لاَ نَفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيْمَانَ فِيهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكُم فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِن يَوْمِهِ، أَوْ مِن غَدٍ٢.
(٥١) وعن أبِي٣ هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ من رسولِ الله – ﷺ وعَاءَيْن٤. فَأمَّا أَحَدُهُما فَبَثَثْتُه٥، وأمَّا الآخرُ فَلَو بَثَثَتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْبَلْعُومُ٦– رواه البخاري.
_________
١ "إلى فسطاطين"، أي: فرقتين. وقيل: مدينتين. وأصل الفسطاط: الخيمة فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال.
٢ في السنن: "أو من غده"، بذكر الضمير.
٣ صحيح البخاري بشرح الفتح، ج١ كتاب العلم، باب حفظ العلم ص ٢١٦.
(وعاءين) أي: ظرفين. أطلق المحل، وأراد به الحال. أي: نوعين من العلم.
(فبثثته) أي: أذعته ونشرته في الناس.
٦ "البلعوم": مجرى الطعام. وهو بضم الموحدة. وكنَّي بذلك عن: القتل.
وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه: على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السواء وأحوالهم وزمنهم. وليست هذه الأحاديث من الأحكام الشرعية. وإلاّ ما وسعه كتمانها.
(٥٢) ولَهُ١ عنه: سَمِعْتُ الصّادقَ الْمَصْدُوقَ يقول:
"هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدِي أُغِيْلِمَةٍ مِن قُرَيْشٍ".
قال مَرْوَانُ٢: لَعْنَةُ الله عَلْيهِم غِلْمَةً. قال أبو هريرة: لو شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: بَنِي فُلاَنِ٣ وَبَنِي فُلاَنٍ لَفَعْلُتُ؟ فَكُنْتُ٤ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إَلَى بَنِي مَرْوَان حِيْنَ مَلَكُوا الشَّامَ. فَإِذَا رَآهم هَؤُلاءِ أَحْدَاثًا غِلْمَانًا٥ قال لنا: عَسَى هَؤُلاَءِ أن يَكُونُوا منهم. قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ.
وَجَدُّهُ: الرَّاوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ – كتاب الفتن باب قول النبي – ﷺ – هلاك أمتي على يدي أغليمة سفهاء ص٩.
٢ هو: مروان بن الحكم الذي ولي الخلافة بعد ذلك.
٣ في صحيح البخاري: "بني فلان بن فلان"، بدون واو العطف.
٤ المتكلم هو: عمرو بن يحي. الذي روى الحديث عن جده سعيد بن عمر، عن أبي هريرة.
٥ في صحيح البخاري: "فإذا رآهم غلمانًا أحداثًا"، بدون لفظ هؤلاء – وتقديم "غلمانًا" على "أحداثًا".
...
مِنْ أَحَادِيثِ الْفِتَنِ
(٤٧) ولِمُسْلِم١ عن حذيفة. قال: قَامَ فينا رسولُ الله – ﷺ مَقَامًا ما ترك فيه٢ شيئًا يكون في مَقَامِهِ ذلك إلى قيامِ السّاعَةِ، إلاّ حَدَّثَ بِهِ. حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنِسَيَهُ مَن نَسِيَهُ٣. فَأَذْكُرُه كَما يَذْكُرُ الرّجلُ وَجْهَ الرّجلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ. ثُمَّ إِذَا رَآه عَرَفَهُ.
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٨- كتاب الفتن – باب إخبار النّبي – ﷺ – فيما يكون إلى قيام الساعة ص١٥.
٢ في صحيح مسلم: "ما ترك شيئًا".
٣ في صحيح مسلم بعد هذه الجملة: "قد علمه أصحابي هؤلاء، وأنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه – فأذكره"، الحديث. وهو ساقط من المخطوطة.
(٤٨) قال١: والله ما أَدْرِي: أَنَسِيَ أَصْحَابِي، أَمْ تَنَاسَوهُ؟ ٢،والله ما تَرَكَ رسولُ الله – ﷺ مِن قَائِدِ فِتْنَةٍ٣ إِلَى أَنْ تَنْقَضِي الدّنْيا، يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلاَثُمَائةٍ فَصَاعِدًا، إلاّ قَدْ سَمَّاهُ لَنَا: باسْمِهِ واسْمِ أَبِيهِ واسْمِ قَبِيلَتِهِ.
(٤٩) وَلَهُ٤: عنه. قال: حدّثنا رسولُ الله – صلّى الله
_________
١ القائل: حذيفة بن اليمان – وما ذكر بعد: إنّما هو بدء حديث آخر.
أخرجه أبو داود ج١١ من شرح عون المعبود – كتاب الفتن والملاحم – باب ذكر الفتن ودلائلها ص: ٣٠٦.
٢ في سنن أبي داود: "أم تناسوا"، بدون الهاء.
٣ "قائد فتنة" أي: داعي ضلالة، وباعث بدعة: يأمر الناس بالبدع، ويدعوهم إليها ويحارب المسلمين.
ومعنى الحديث: أنّه ﷺ ذكر لنا القائدين للفتنة، الذين يبلغ أتباع كل منهم ثلاثمائة فصاعدا، باسمه ونسبه وقبيلته – دون غيرهم. وفي الحديث: كمال علم النبي – ﷺ –، وكمال شفقته على أمّته.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب إخبار النَّبِيّ ﷺ فيما يكون إلى قيام السّاعة، ص: ١٥. والضّمير في عنه؛ لحذيفة.
عليه وسلّم - مَجْلِسًا أَنْبَأَ١ فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ – فقال وهو يَعُدُّ الْفِتَنَ: "مِنْهَا٢ ثَلاَثٌ لا يَكَدنَ يَذَرْنَ شَيْئًا. وَمِنْهَا فِتَنٌ كِرَيَاحِ الصَّيْفِ: مِنْهَا صِغَارٌ، وَمِنْهَا كِبَارٌ".
قال حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُم غَيْرِي.
(٥٠) ولأبِي داود٣: عن ابن عمر. قال: كنّا قعودًا عند رسولِ الله – ﷺ فذكر: "الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِيهَا٤، حتّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاَسِ"٥.
فقال قائلٌ: يا رسولَ الله وما فِتْنَةُ الأحلاس؟
فقال:
_________
١ في صحيح مسلم: "وهو يحدث مجلسًا أنا فيه".
٢ في صحيح مسلم: "منهن"، بدل منها في الموضعين الأولين.
وهذا الحديث ذكر أولًا تحت رقم ١٠ – مع اختصار هنا.
٣ عون المعبود شرح سنن أبي داود ج ١١ – كتاب الفتن – باب ذكر الفتن ودلائلها ص ٣٠٨.
٤ في السنن: "فأكثر في ذكرها".
٥ "الأحلاس"، قال في النهاية: الأحلاس: جمع حلس. وهو: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. شبهها به للزومها ودوامها. قال الخطابي: إنّما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، أو لسواد لونها وظلمتها.
"هِي هَرَبٌ وَحَرَبٌ١، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّوْدَاءِ٢:دَخْنُهُا٣ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي٤ يَزْعُمُ: أَنَّهُ مِنِّي، وَلَيْسَ،
_________
١ الهرب: بفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض، لما بينهم من العداوة والمحاربة.
والحرب: قال في النهاية: الحرب: بالتحريك: نهب مال الإنسان، وتركه لاشيء له.
وقال الخطابي: الحرب: ذهاب المال والأهل.
٢ في سنن أبي داود: "ثمّ فتنة السراء"، وهذا هو الصواب.
والمراد بالسراء: النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء، والعافية من البلاء والوباء. وأضيفت الفتنة إلى السّراء؛ لأنّ السبب في وقوعها: ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنّها تسر العدو.
٣ "دخنها"، يعني: ظهورها وإثارتها. شبهها بالدخان المرتفع. والدخن: بالتحريك مصدر دخنت النار تدخن: إذا ألقى عليها حطب رطب، فكثر دخانها. وقيل: أصل الدخن: أن يكون في لون الدابة: كدورة إلى سواد.
٤ "من تحت قدمي رجل من أهل بيتي"، تنبيهًا على أنّه هو الذي يسعى في إثارتها، أو إلى إنه يملك أمرها "ويزعم أنه مني"، أي في الفعل؟ وإن كان مني في النسب.
والحاصل أن تلك الفتنة بسببه، وأنه الباعث على إقامتها."وليس مني"، أي من أخلاتي أو من أهلي في الفعل، لأنه لو كان من أهلي: لم يهيج الفتنة. ونظيره: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، [هود، من الآية: ٤٦] .
إِنَّمَا أَوْلَيَائِي الْمُتَّقُون١. ثُمَّ يَصْطَلِحُ النّاسُ علَى رَجُلٍ كَوَرَكٍ عَلَى ضِلْعٍ٢. ثُمَّ فِتْنَةُالدُّهْيَمَاءِ،٣ لا تَدَعُ أَحدًا مِن هِذِهِ الأمّةِ إلاّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً٤، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كاَفرًا،
_________
١ "وإنّما أوليائي المتقون" فيه أن الاعتبار كل الاعتبار للمتقي. وإن بعد عن الرّسول – ﷺ – في النّسب. وأنّه لا اعتبار للفاسق والفتّان عند رسول الله ﷺ – وإن قرب في النسب.
٢ "كورك على ضلع"، ورك بفتح وكسر، وهو ما فوق الفخذ. وضلع بكسر ففتح واحد الضلوع، أو الأضلاع.
قال الخطابي: هو مثل. ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم. وذلك أن الضّلع لا يقوم بالورك. وبالجملة: يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك، ولا مستقل به.
وفي النهاية: أي يصطلحون على أمر واه، لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضّلع، ولا يتركب عليه؛ لاختلاف ما بينهما وبعده.
٣ "فتنة الدهماء"، بضم ففتح، والدهماء. السوداء. والتصغير للذّم. أي: الفتنة العظماء والطّامة العمياء.
وفي النهاية: تصغير الدهماء: يريد الفتنة المظلمة. والتصغير للتعظيم.
٤ "إلاّ لطمته لطمة"، أصل اللطم: الضرب على الوجه ببطن الكف. والمراد: أن أثر تلك الفتنة يعمّ الناس، ويصل لكل أحد من ضررها.
حَتَّى يَصِيْرَ النّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْن١: فُسْطَاطِ إِيْمَانٍ، لاَ نَفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيْمَانَ فِيهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكُم فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِن يَوْمِهِ، أَوْ مِن غَدٍ٢.
(٥١) وعن أبِي٣ هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ من رسولِ الله – ﷺ وعَاءَيْن٤. فَأمَّا أَحَدُهُما فَبَثَثْتُه٥، وأمَّا الآخرُ فَلَو بَثَثَتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْبَلْعُومُ٦– رواه البخاري.
_________
١ "إلى فسطاطين"، أي: فرقتين. وقيل: مدينتين. وأصل الفسطاط: الخيمة فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال.
٢ في السنن: "أو من غده"، بذكر الضمير.
٣ صحيح البخاري بشرح الفتح، ج١ كتاب العلم، باب حفظ العلم ص ٢١٦.
(وعاءين) أي: ظرفين. أطلق المحل، وأراد به الحال. أي: نوعين من العلم.
(فبثثته) أي: أذعته ونشرته في الناس.
٦ "البلعوم": مجرى الطعام. وهو بضم الموحدة. وكنَّي بذلك عن: القتل.
وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه: على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السواء وأحوالهم وزمنهم. وليست هذه الأحاديث من الأحكام الشرعية. وإلاّ ما وسعه كتمانها.
(٥٢) ولَهُ١ عنه: سَمِعْتُ الصّادقَ الْمَصْدُوقَ يقول:
"هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدِي أُغِيْلِمَةٍ مِن قُرَيْشٍ".
قال مَرْوَانُ٢: لَعْنَةُ الله عَلْيهِم غِلْمَةً. قال أبو هريرة: لو شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: بَنِي فُلاَنِ٣ وَبَنِي فُلاَنٍ لَفَعْلُتُ؟ فَكُنْتُ٤ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إَلَى بَنِي مَرْوَان حِيْنَ مَلَكُوا الشَّامَ. فَإِذَا رَآهم هَؤُلاءِ أَحْدَاثًا غِلْمَانًا٥ قال لنا: عَسَى هَؤُلاَءِ أن يَكُونُوا منهم. قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ.
وَجَدُّهُ: الرَّاوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح – جـ ١٣ – كتاب الفتن باب قول النبي – ﷺ – هلاك أمتي على يدي أغليمة سفهاء ص٩.
٢ هو: مروان بن الحكم الذي ولي الخلافة بعد ذلك.
٣ في صحيح البخاري: "بني فلان بن فلان"، بدون واو العطف.
٤ المتكلم هو: عمرو بن يحي. الذي روى الحديث عن جده سعيد بن عمر، عن أبي هريرة.
٥ في صحيح البخاري: "فإذا رآهم غلمانًا أحداثًا"، بدون لفظ هؤلاء – وتقديم "غلمانًا" على "أحداثًا".
Translation
باب: من أحاديث الفتن
#4
Chapter 4 — باب: النهي عن السعي في الفتنة
· ref. #4
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ النَّهْيِ عن السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ
(٥٣) ولأبِي١ داود، عن أبي موسى: قال رسولُ الله – ﷺ:
"إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُم فِتَنًا كَقِطَعِ اللّيلِ الْمُظْلِمِ٢، يُصْبِحُ الرّجلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمُ. وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي"٣. قالوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يارسولَ الله؟
_________
١ عون المعبود شرح سنن أبي داود جـ ١١ – كتاب الفتن والملاحم – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٣.
٢ أنظر حديث رقم١.
٣ في سنن أبي داود – القائم فيها خير من "الماشي، والماشي فيها خير من السّاعي"، وما بين القوسين ساقط من المخطوطة.
والمقصود من الحديث: أن التباعد عنها خير، في أي مرتبة كانت.
قال النووي: معناه: بيان عظم خطرها – والحث على تجنبها والهرب منها، ومن التسبب في شيء، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها – أي كلما بعد الإنسان من مباشرتها يكون خيرًا.
قال: "كُونُوا أَحْلاَسَ بُيُوتِكُم" ١.
(٥٤) ولابنِ ماجة٢، عن أبِي بَرْدَةَ. قال: دَخَلْتَ عَلَى مُحَمَّد ابن مَسْلَمَةَ. فَقَالَ: - إنّ رسولَ الله – ﷺ قال:
"إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفِرْقَةٌ وَاخْتِلاَفٌ، فَإِذَا كان ذلك٣ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا، فَاَضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ٤، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكِ حَتَّى تَأْتِيكَ٥ يَدٌ خَاطِئِةٌ، أَوْ مَيْتَةٌ قَاضِيَةٌ".
_________
١ "كونوا أحلاس بيوتكم"، أي ألزموا بيوتكم – أنظر حديث رقم ٥٠
٢ سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣١٠.
وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني.
٣ في سنن ابن ماجه: "فإذا كان كذلك".
٤ قال النّووي: المراد: كسر السّيف حقيقة على ظاهر الحديث؛ ليسد على نفسه باب هذا القتال. وقيل: هو مجاز، والمراد: ترك القتال. والأول أصحّ.
٥ "حتّى تأتيك يد خاطئة"، اليد الخاطئة، هي: التي تقتل المؤمن ظلمًا. أي تقتل ظلمًا، أو تموت بقضاء وقدر. والميتة: الموت.
فَقَدْ وَقَعَتْ، وَفَعَلُتُ ما قال رسولُ الله ﷺ.
(٥٥) وَلَهُ١: عن عَائِشَةَ٢ بِنْتِ أُهْبَانَ. قَالَتْ لَمَّا جَاءَ عَلِيُّ ابنُ أَبِي طَالِبٍ هَهُنَا الْبَصْرَةَ، دَخَلَ عَلَى أبِي فَقَالَ: يا أبا مسلمٍ! أَلاَ تُعِينُنِي عَلَى هَؤُلاَءِ الَقَومِ؟ قَالَ: بَلَى. قالت: فَدَعَا بِجَارِيَةٍ لَهُ. فقال:
يا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَيْفِي. قَالَت: فَأَخْرَجْتُهُ. فَسَلَّ٣ منه قَدْرَ شِبْرٍ، فَإِذَا هُو خَشَبٌ. فقال: إنَّ خَلِيلِي وابنِ عَمِّك–ﷺ -عَهِدَ إِلَيَّ، إَذَا كَانَتْ
_________
١ سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣٠٩.
وفي سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي ج٦ أبواب الفتن – باب ما جاء في اتخاذ السّيف من خشب ص ٤٤٥.
٢ في سنن ابن ماجه: عن: عُدَيْسَةَ: بدل عائشة. وهو كذلك في الترمذي.
(فسل): أي أظهر وأخرج.
فِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِميِنْ، فَأَتَّخِذُ١ سَيفًا مِن خَشَبٍ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ مَعَكَ. قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيكَ، ولا فِي سَيْفِكَ.
(٥٦) ولأبِي٢ داود: عن أبي موسى: قال رسولُ الله ﷺ:
"إنَّ بَيْنَ يَدَي السّاعَةِ فِتْنًا، كَقِطَعِ اللّيلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرّجلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا. وَيُمْسِي مُؤِمنًا، وَيُصْبِحُ كَافرًا. الْقَاعِدُ فِيْهَا خَيْرٌ
_________
١ هكذا – مضبوطة – في ابن ماجه – بلفظ المضارع – والظّاهر أنه بلفظ الأمر – حتى يستقيم وجود الفاء الواقعة في جواب الشّرط مع الطّلب.
٢ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج ١١ – كتاب الفتن – باب النّهي عن السّعي في الفتنة – ص ٣٣٧ وفي سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣١٠.
مِنَ الْقَائِمِ (والْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي) ١ وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُم٢. وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُم، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةِ٣. فَإِنَ دُخِلَ عَلَى أَحْدٍ مِنْكُم، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنِي٤ آدم.
(٥٧) وَلَهُ٥: عن سَعْدِ٦، قُلْتُ: يا رسولَ الله٧! إِنْ دَخَلَعَلِيّ بَيْتِي، وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ٨ لِيَقْتُلَنِي؟ قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في سنن أبي داود. وما في المخطوطة موافق لسنن ابن ماجه.
٢ "قسيكم"، بكسرتين: جمع قوس. وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة؛ لأن باب التفعيل للتكثير.
٣ في سنن أبي داود: "واضربوا سيوفكم بالحجارة"، وما في المخطوطة موافق لسنن ابن ماجه.
٤ أي فليستسلم حتى يكون قتيلًا كهابيل، ولا يكون قاتلًا كقابيل.
٥ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج ١١ – كتاب الفتن – باب النّهي عن السّعي في الفتنة ص ٣٣٥.
٦ "عن سعد" بن أبي وقاص كما في سنن أبي داود.
٧ في سنن أبي داود: "يا رسول الله أرأيت إن دخل" بزيادة: "أرأيت".
٨ في سنن أبي داود: "وبسط يده" بدون لفظ (إلى) .
"كُنْ كَخَيْرِ ابْنِي آدمَ. وَتَلاَ١ هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَّ﴾، الآية، [المائدة، من الآية: ٢٨] .
(٥٨) وَلَهُ٢: عن ابن عُمَرَ٣: قال رسولُ الله – ﷺ:
كَيْفَ بِكُم وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ٤ أَنْ يَأْتِيَ، فَيُغَرْبَلُ النّاسُ فِيهِغَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِن النّاسَ قَدْ
_________
١ في سنن أبي داود: "وتلا بزيد" – وهو من رواة الحديث: هذه الآية: ٢٨ من سورة المائدة.
٢ عون المعبود شرح سنن أبي داود ص ١١ – كتاب الملاحم – باب الأمر والنهي ٤٩٧.
وفي سنن ابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة ص ١٣٠٧
٣ في سنن أبي داود، وكذلك ابن ماجه: "عن عبد الله بن عمرو بن العاص".
٤ في سنن أبي داود، "أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه"، وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه مع عدم ذكر الفاء في قوله: "فيغربل".
والمعنى: يذهب خيارهم وأراذلهم، كما أن الغربال ينقي الدقيق ويبقي الحثالة.
والحثالة: الرديء من كل شيء. والمراد: أراذلهم.
مَرَجَتْ١ عُهُودُهُم وَأَمَانَاتُهُم، واخْتَلَفُوا، فَكَانُوا: هَكَذَا وَهَكَذا٢: "وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ".
قالوا: كَيْفَ بنا يا رسولَ الله٣! إِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ قال:
"تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ٤، وَتَدَعُونَ مَا٥ تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُم٦، وَتَدَعُونَ أَمْرَ عَامَّتِكِم".
_________
١ مرجت: أي اختلطت وفسدت. وهي بكسر الراء، والمرج: الخلط. النهاية.
٢ في السنن: "فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه" – بدون تكرار هكذا – وكذلك في ابن ماجة بلفظ: "وكانوا هكذا".
والمعنى: يموج بعضهم ببعض، ويلبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر.
٣ في سنن أبي داود: "كيف بنا يا رسول الله؟ قال"، وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه، بدون ذكر لفظ: "الزّمان".
٤ في سنن أبي داود: تأخذون ما تعرفون. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني.
٥ في سنن أبي داود: "وتذرون" في الموضعين – وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
٦ في سنن أبي داود: وتقبلون على أمر خاصتكم. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
والمعنى: على من يختصّ بكم من الأهل والخدم أو على إصلاح الأحوال المختصة بأنفسكم.
(٥٩) وللنِّسَائِيِّ١: مِن حديث ابن عَمْرٍو: نَحْوَه وقال: فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قال: "الْزَمْ بَيْتَكَ، وَأَمْلِكْ٢ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ"٣. وأوّلُهُ: "إَذَا رَأَيْتَ النّاسَ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ٤ أَمَانَاتُهُم، وَكُانُوا: هَكَذَا وَهَكَذَا"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. فَقُمْتُ إِلَيهِ. فَقُلْتُ ... الخ.
(٦٠) وللتِّرمذي٥: عن أبِي هُرَيْرَةَ: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
_________
١ لم نجده في مظانه من سنن النسائي. وهو موجود: في سنن أبي داود بشرح عون المعبود ج ١١ كتاب الملاحم – باب الأمر والنهي ص ٤٩٨، وفي مسند الإمام أحمد ج ٢ ص ٢١٢.
٢ "وأَمْلِكْ عليك لسانك"، أي: لا تُجِرْه إلاّ بما يكون لك لا عليك، ولا تتكلم في أحوال الناس.
٣ أي الزم أمر نفسك، واحفظ ابنك، واترك الناس ولا تتبعهم.
٤ "وخفت أمانتهم"، أي: قلت أمانتهم.
٥ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج٦ أبواب الفتن ص ٥٤٥.
"إِنَّكُم فِي زَمَانٍ، مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ فِيهِ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهَ هَلَكَ. وَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، مَنْ عَمِلَ مِنْهُم بِعُشْر مَا أُمِرَ بَهِ نَجَا".
وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(٦١) ولابن ماجة: عن أبِي هُرَيْرَةَ. قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١"في سنن الترمذي: "ثمّ يأتي زمان".
ومعنى الحديث: أن الزمان الأول – وهو متصف بالأمن وعز الإسلام – من ترك فيه عشر ما أمر به وقع في الهلاك؛ لأن الدين عزيز وأنصاره كثير، فالترك تقصير بلا عذر.
ما الزمان الثاني. فمن عمل فيه بعشر ما أمر به نجا؛ لأنه المقدور في زمن ضعف فيه الإسلام، وكثر الظلم، وعم الفسق، وقل أنصار الدين.
٢"في سنن الترمذي: (هذا حديث غريب"، بدون ذكر وصف: حسن.
٣" سنن ابن ماجه ج ٢ – كتاب الفتن – باب شدة الزمان- ص ١٣٤٠.
وفي الزوائد: في إسناده مقال. وأبو حميد، لم أر من جرحه، ولا وثقه.
ويونس هو: ابن يزيد الأيلي. وباقي رجال الإسناد ثقات.
"لَتُنْتَقُونَ كَمَا يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ١. وَلَيَذْهَبَنَّ٢ خِيَارُكُم. وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُم. فَمُوتُواإِنْ٣ اسْتَطَعْتُم".
(٦٢) وللبخاريّ٤: عن مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ: قال رسولُ الله ﷺ:
"يَذْهَبُ الصَّالِحُون: الأوّلُ فَالأوّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةُ٥ كَحُفَالَةِ الشَّعِيْرِ وَالتَّمْرِ، لاَ يُبَالِيْهُمُ الله٦ بَالَةً".
_________
١ "من أغفاله"، أي: مما لا خير فيه. جميع غُفل.
٢ في سنن ابن ماجه: "فليذهبنّ"، بالفاء بدل الواو.
٣ "فموتوا إن استطعتم"، أي: إذا تحقق ذلك فموتوا. يريد أن الموت خير حينئذ من الحياة- فلا ينبغي أن تكون الحياة عزيزة.
٤ فتح الباري بشرح البخاري – ج١١ – كتاب الرقاق – باب ذهاب الصالحين ص ٢٥١.
٥ الحفالة والحثالة: بمعنى واحد. وقد وردت الرواية بكل من اللفظين. قال الخطابي: الحفالة بالفاء، وبالمثلثة: الرديء من كل شيء.
وقيل: آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردؤه. وقال ابن التين: الحثالة: سقط الناس.
٦ "لا يباليهم الله بالة". قال الخطابي: لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا.
وفي رواية: "لا يَعْبَأُ الله١ بِهم".
_________
١ "لا يعبأ الله بهم"، أي: لا يبالي. وأصله من العبء بالكسر. وهو: الثقل. فكأن معنى لا يعبأ به: أي لا وزن له عنده.
وفي الحديث: انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر.
وفيه: أن موت الصّالحين من أشراط الساعة. وفيه: الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم، خشية أن يصير من خالفهم ممن لا يعبأ الله بهم.
(٥٣) ولأبِي١ داود، عن أبي موسى: قال رسولُ الله – ﷺ:
"إنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُم فِتَنًا كَقِطَعِ اللّيلِ الْمُظْلِمِ٢، يُصْبِحُ الرّجلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمُ. وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي"٣. قالوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يارسولَ الله؟
_________
١ عون المعبود شرح سنن أبي داود جـ ١١ – كتاب الفتن والملاحم – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٣.
٢ أنظر حديث رقم١.
٣ في سنن أبي داود – القائم فيها خير من "الماشي، والماشي فيها خير من السّاعي"، وما بين القوسين ساقط من المخطوطة.
والمقصود من الحديث: أن التباعد عنها خير، في أي مرتبة كانت.
قال النووي: معناه: بيان عظم خطرها – والحث على تجنبها والهرب منها، ومن التسبب في شيء، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها – أي كلما بعد الإنسان من مباشرتها يكون خيرًا.
قال: "كُونُوا أَحْلاَسَ بُيُوتِكُم" ١.
(٥٤) ولابنِ ماجة٢، عن أبِي بَرْدَةَ. قال: دَخَلْتَ عَلَى مُحَمَّد ابن مَسْلَمَةَ. فَقَالَ: - إنّ رسولَ الله – ﷺ قال:
"إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفِرْقَةٌ وَاخْتِلاَفٌ، فَإِذَا كان ذلك٣ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا، فَاَضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ٤، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكِ حَتَّى تَأْتِيكَ٥ يَدٌ خَاطِئِةٌ، أَوْ مَيْتَةٌ قَاضِيَةٌ".
_________
١ "كونوا أحلاس بيوتكم"، أي ألزموا بيوتكم – أنظر حديث رقم ٥٠
٢ سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣١٠.
وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني.
٣ في سنن ابن ماجه: "فإذا كان كذلك".
٤ قال النّووي: المراد: كسر السّيف حقيقة على ظاهر الحديث؛ ليسد على نفسه باب هذا القتال. وقيل: هو مجاز، والمراد: ترك القتال. والأول أصحّ.
٥ "حتّى تأتيك يد خاطئة"، اليد الخاطئة، هي: التي تقتل المؤمن ظلمًا. أي تقتل ظلمًا، أو تموت بقضاء وقدر. والميتة: الموت.
فَقَدْ وَقَعَتْ، وَفَعَلُتُ ما قال رسولُ الله ﷺ.
(٥٥) وَلَهُ١: عن عَائِشَةَ٢ بِنْتِ أُهْبَانَ. قَالَتْ لَمَّا جَاءَ عَلِيُّ ابنُ أَبِي طَالِبٍ هَهُنَا الْبَصْرَةَ، دَخَلَ عَلَى أبِي فَقَالَ: يا أبا مسلمٍ! أَلاَ تُعِينُنِي عَلَى هَؤُلاَءِ الَقَومِ؟ قَالَ: بَلَى. قالت: فَدَعَا بِجَارِيَةٍ لَهُ. فقال:
يا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَيْفِي. قَالَت: فَأَخْرَجْتُهُ. فَسَلَّ٣ منه قَدْرَ شِبْرٍ، فَإِذَا هُو خَشَبٌ. فقال: إنَّ خَلِيلِي وابنِ عَمِّك–ﷺ -عَهِدَ إِلَيَّ، إَذَا كَانَتْ
_________
١ سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣٠٩.
وفي سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي ج٦ أبواب الفتن – باب ما جاء في اتخاذ السّيف من خشب ص ٤٤٥.
٢ في سنن ابن ماجه: عن: عُدَيْسَةَ: بدل عائشة. وهو كذلك في الترمذي.
(فسل): أي أظهر وأخرج.
فِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِميِنْ، فَأَتَّخِذُ١ سَيفًا مِن خَشَبٍ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ مَعَكَ. قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيكَ، ولا فِي سَيْفِكَ.
(٥٦) ولأبِي٢ داود: عن أبي موسى: قال رسولُ الله ﷺ:
"إنَّ بَيْنَ يَدَي السّاعَةِ فِتْنًا، كَقِطَعِ اللّيلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرّجلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا. وَيُمْسِي مُؤِمنًا، وَيُصْبِحُ كَافرًا. الْقَاعِدُ فِيْهَا خَيْرٌ
_________
١ هكذا – مضبوطة – في ابن ماجه – بلفظ المضارع – والظّاهر أنه بلفظ الأمر – حتى يستقيم وجود الفاء الواقعة في جواب الشّرط مع الطّلب.
٢ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج ١١ – كتاب الفتن – باب النّهي عن السّعي في الفتنة – ص ٣٣٧ وفي سنن ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن – باب التثبت في الفتنة ص ١٣١٠.
مِنَ الْقَائِمِ (والْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي) ١ وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُم٢. وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُم، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةِ٣. فَإِنَ دُخِلَ عَلَى أَحْدٍ مِنْكُم، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنِي٤ آدم.
(٥٧) وَلَهُ٥: عن سَعْدِ٦، قُلْتُ: يا رسولَ الله٧! إِنْ دَخَلَعَلِيّ بَيْتِي، وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ٨ لِيَقْتُلَنِي؟ قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في سنن أبي داود. وما في المخطوطة موافق لسنن ابن ماجه.
٢ "قسيكم"، بكسرتين: جمع قوس. وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة؛ لأن باب التفعيل للتكثير.
٣ في سنن أبي داود: "واضربوا سيوفكم بالحجارة"، وما في المخطوطة موافق لسنن ابن ماجه.
٤ أي فليستسلم حتى يكون قتيلًا كهابيل، ولا يكون قاتلًا كقابيل.
٥ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج ١١ – كتاب الفتن – باب النّهي عن السّعي في الفتنة ص ٣٣٥.
٦ "عن سعد" بن أبي وقاص كما في سنن أبي داود.
٧ في سنن أبي داود: "يا رسول الله أرأيت إن دخل" بزيادة: "أرأيت".
٨ في سنن أبي داود: "وبسط يده" بدون لفظ (إلى) .
"كُنْ كَخَيْرِ ابْنِي آدمَ. وَتَلاَ١ هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَّ﴾، الآية، [المائدة، من الآية: ٢٨] .
(٥٨) وَلَهُ٢: عن ابن عُمَرَ٣: قال رسولُ الله – ﷺ:
كَيْفَ بِكُم وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ٤ أَنْ يَأْتِيَ، فَيُغَرْبَلُ النّاسُ فِيهِغَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِن النّاسَ قَدْ
_________
١ في سنن أبي داود: "وتلا بزيد" – وهو من رواة الحديث: هذه الآية: ٢٨ من سورة المائدة.
٢ عون المعبود شرح سنن أبي داود ص ١١ – كتاب الملاحم – باب الأمر والنهي ٤٩٧.
وفي سنن ابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة ص ١٣٠٧
٣ في سنن أبي داود، وكذلك ابن ماجه: "عن عبد الله بن عمرو بن العاص".
٤ في سنن أبي داود، "أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه"، وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه مع عدم ذكر الفاء في قوله: "فيغربل".
والمعنى: يذهب خيارهم وأراذلهم، كما أن الغربال ينقي الدقيق ويبقي الحثالة.
والحثالة: الرديء من كل شيء. والمراد: أراذلهم.
مَرَجَتْ١ عُهُودُهُم وَأَمَانَاتُهُم، واخْتَلَفُوا، فَكَانُوا: هَكَذَا وَهَكَذا٢: "وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ".
قالوا: كَيْفَ بنا يا رسولَ الله٣! إِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ قال:
"تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ٤، وَتَدَعُونَ مَا٥ تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُم٦، وَتَدَعُونَ أَمْرَ عَامَّتِكِم".
_________
١ مرجت: أي اختلطت وفسدت. وهي بكسر الراء، والمرج: الخلط. النهاية.
٢ في السنن: "فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه" – بدون تكرار هكذا – وكذلك في ابن ماجة بلفظ: "وكانوا هكذا".
والمعنى: يموج بعضهم ببعض، ويلبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر.
٣ في سنن أبي داود: "كيف بنا يا رسول الله؟ قال"، وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه، بدون ذكر لفظ: "الزّمان".
٤ في سنن أبي داود: تأخذون ما تعرفون. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني.
٥ في سنن أبي داود: "وتذرون" في الموضعين – وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
٦ في سنن أبي داود: وتقبلون على أمر خاصتكم. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
والمعنى: على من يختصّ بكم من الأهل والخدم أو على إصلاح الأحوال المختصة بأنفسكم.
(٥٩) وللنِّسَائِيِّ١: مِن حديث ابن عَمْرٍو: نَحْوَه وقال: فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قال: "الْزَمْ بَيْتَكَ، وَأَمْلِكْ٢ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ"٣. وأوّلُهُ: "إَذَا رَأَيْتَ النّاسَ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ٤ أَمَانَاتُهُم، وَكُانُوا: هَكَذَا وَهَكَذَا"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. فَقُمْتُ إِلَيهِ. فَقُلْتُ ... الخ.
(٦٠) وللتِّرمذي٥: عن أبِي هُرَيْرَةَ: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
_________
١ لم نجده في مظانه من سنن النسائي. وهو موجود: في سنن أبي داود بشرح عون المعبود ج ١١ كتاب الملاحم – باب الأمر والنهي ص ٤٩٨، وفي مسند الإمام أحمد ج ٢ ص ٢١٢.
٢ "وأَمْلِكْ عليك لسانك"، أي: لا تُجِرْه إلاّ بما يكون لك لا عليك، ولا تتكلم في أحوال الناس.
٣ أي الزم أمر نفسك، واحفظ ابنك، واترك الناس ولا تتبعهم.
٤ "وخفت أمانتهم"، أي: قلت أمانتهم.
٥ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج٦ أبواب الفتن ص ٥٤٥.
"إِنَّكُم فِي زَمَانٍ، مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ فِيهِ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهَ هَلَكَ. وَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، مَنْ عَمِلَ مِنْهُم بِعُشْر مَا أُمِرَ بَهِ نَجَا".
وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(٦١) ولابن ماجة: عن أبِي هُرَيْرَةَ. قال رسولُ الله – ﷺ:
_________
١"في سنن الترمذي: "ثمّ يأتي زمان".
ومعنى الحديث: أن الزمان الأول – وهو متصف بالأمن وعز الإسلام – من ترك فيه عشر ما أمر به وقع في الهلاك؛ لأن الدين عزيز وأنصاره كثير، فالترك تقصير بلا عذر.
ما الزمان الثاني. فمن عمل فيه بعشر ما أمر به نجا؛ لأنه المقدور في زمن ضعف فيه الإسلام، وكثر الظلم، وعم الفسق، وقل أنصار الدين.
٢"في سنن الترمذي: (هذا حديث غريب"، بدون ذكر وصف: حسن.
٣" سنن ابن ماجه ج ٢ – كتاب الفتن – باب شدة الزمان- ص ١٣٤٠.
وفي الزوائد: في إسناده مقال. وأبو حميد، لم أر من جرحه، ولا وثقه.
ويونس هو: ابن يزيد الأيلي. وباقي رجال الإسناد ثقات.
"لَتُنْتَقُونَ كَمَا يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ١. وَلَيَذْهَبَنَّ٢ خِيَارُكُم. وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُم. فَمُوتُواإِنْ٣ اسْتَطَعْتُم".
(٦٢) وللبخاريّ٤: عن مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ: قال رسولُ الله ﷺ:
"يَذْهَبُ الصَّالِحُون: الأوّلُ فَالأوّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةُ٥ كَحُفَالَةِ الشَّعِيْرِ وَالتَّمْرِ، لاَ يُبَالِيْهُمُ الله٦ بَالَةً".
_________
١ "من أغفاله"، أي: مما لا خير فيه. جميع غُفل.
٢ في سنن ابن ماجه: "فليذهبنّ"، بالفاء بدل الواو.
٣ "فموتوا إن استطعتم"، أي: إذا تحقق ذلك فموتوا. يريد أن الموت خير حينئذ من الحياة- فلا ينبغي أن تكون الحياة عزيزة.
٤ فتح الباري بشرح البخاري – ج١١ – كتاب الرقاق – باب ذهاب الصالحين ص ٢٥١.
٥ الحفالة والحثالة: بمعنى واحد. وقد وردت الرواية بكل من اللفظين. قال الخطابي: الحفالة بالفاء، وبالمثلثة: الرديء من كل شيء.
وقيل: آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردؤه. وقال ابن التين: الحثالة: سقط الناس.
٦ "لا يباليهم الله بالة". قال الخطابي: لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا.
وفي رواية: "لا يَعْبَأُ الله١ بِهم".
_________
١ "لا يعبأ الله بهم"، أي: لا يبالي. وأصله من العبء بالكسر. وهو: الثقل. فكأن معنى لا يعبأ به: أي لا وزن له عنده.
وفي الحديث: انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر.
وفيه: أن موت الصّالحين من أشراط الساعة. وفيه: الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم، خشية أن يصير من خالفهم ممن لا يعبأ الله بهم.
Translation
باب: النهي عن السعي في الفتنة
#5
Chapter 5 — باب: التعرب في الفتنة
· ref. #5
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ التّعرّب فِي الْفِتْنَةِ
(٦٣) ولَه١: عن أبي سيعد: قال رسولُ الله – ﷺ:
"يُوْشِكُ أَنْ يَكَونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا٢ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ٣ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الْفِتَنِ".
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ – كتاب الفتن- باب التعرب في الفتنة ص ٤٠.
وفي سنن ابن ماجه ج٢ – كتاب الفتن – باب العزلة. ص١٣١٧.
وأخرجه النسائي ج ٨ – كتاب الإيمان وشرائعه – باب الفرار بالدين من الفتن ص ١٢٣.
٢ في صحيح البخاري: "غنم"، بالرفع وكذلك في ابن ماجه، والنسائي.
ويجوز في "خير" الرفع والنصب. فإن كان غنم بالرفع فالنصب، وإلاّ فالرفع والأشهر في الرواية: "غنم"، بالرفع.
٣ "شعف الجبال"؛ بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة. كأكم وأكمة: رؤوس الجبال. والمرعى فيها والماء ولا سيما في بلاد الحجاز – أيسر من غيرها.
والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
وقد اختلف السّلف في أصل العزلة. فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية، بالقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة، وإغاثة، وعبادة، وغير ذلك.
وقال قوم: العزلة أولى لتحقيق السلامة بشرط معرفة ما يتعين.
قال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية. فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى.
(٦٤) ولِمُسْلِمٍ١: عن أبِي بَكْرَةَ: قال رسولُ الله – ﷺ:
"إِنَّهَا سَتُكُونُ فِتَنٌ٢: الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيهَا٣، أَلاَ إِذَا نَزَلَتْ٤، أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبْلٌ، فَلْيَلْحَقْ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن – باب نزول الفتن كمواقع القطر ص٩.
٢ في صحيح مسلم بعد هذه الجملة: "ألا ثم تكون فتنة".
٣ وفي ذلك بيان عظم خطرها والحث على تجنبها. والهرب منها، ومن التثبت في شيء، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها.
٤ في صحيح مسلم: "ألا فإذا نزلت"، بالفاء.
بِإِبْلِهِ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ، فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ".
فقَالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَرَيْتَ مَنْ لَمْ يَكْنْ لَهُ إِبْلٌ، وَلاَ غَنَمٌ، وَلاَ أَرْضٌ؟
قال: "يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ، فَيَدُقُّ عَلَيهْ بِحَجَرٍ١، ثُمَّ لِيَنْجُ، إِنْ اسْتَطاَعَ النَّجَاةَ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ".
فَقَالَ رَجُلٌ: يا رسولُ الله! أَرَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلِقَ بِيَ إِلَى أَحْدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتِيْن، فَيَضْرِبُنِي٢ رَجْلٌ بِسَيْفِهِ، أو يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟
قال: "يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، فَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ"٣.
_________
١ أنظر التعليق على حديث رقم – ٥٤ – تعليق رقم (٤) .
٢ في صحيح مسلم: "فضربني"، بصيغة الماضي.
٣ في صحيح مسلم: "ويكون من أصحاب النار"، بالواو بدل الفاء.
(٦٣) ولَه١: عن أبي سيعد: قال رسولُ الله – ﷺ:
"يُوْشِكُ أَنْ يَكَونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا٢ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ٣ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الْفِتَنِ".
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ – كتاب الفتن- باب التعرب في الفتنة ص ٤٠.
وفي سنن ابن ماجه ج٢ – كتاب الفتن – باب العزلة. ص١٣١٧.
وأخرجه النسائي ج ٨ – كتاب الإيمان وشرائعه – باب الفرار بالدين من الفتن ص ١٢٣.
٢ في صحيح البخاري: "غنم"، بالرفع وكذلك في ابن ماجه، والنسائي.
ويجوز في "خير" الرفع والنصب. فإن كان غنم بالرفع فالنصب، وإلاّ فالرفع والأشهر في الرواية: "غنم"، بالرفع.
٣ "شعف الجبال"؛ بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة. كأكم وأكمة: رؤوس الجبال. والمرعى فيها والماء ولا سيما في بلاد الحجاز – أيسر من غيرها.
والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
وقد اختلف السّلف في أصل العزلة. فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية، بالقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة، وإغاثة، وعبادة، وغير ذلك.
وقال قوم: العزلة أولى لتحقيق السلامة بشرط معرفة ما يتعين.
قال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية. فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى.
(٦٤) ولِمُسْلِمٍ١: عن أبِي بَكْرَةَ: قال رسولُ الله – ﷺ:
"إِنَّهَا سَتُكُونُ فِتَنٌ٢: الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيهَا٣، أَلاَ إِذَا نَزَلَتْ٤، أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبْلٌ، فَلْيَلْحَقْ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن – باب نزول الفتن كمواقع القطر ص٩.
٢ في صحيح مسلم بعد هذه الجملة: "ألا ثم تكون فتنة".
٣ وفي ذلك بيان عظم خطرها والحث على تجنبها. والهرب منها، ومن التثبت في شيء، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها.
٤ في صحيح مسلم: "ألا فإذا نزلت"، بالفاء.
بِإِبْلِهِ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ، فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ".
فقَالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَرَيْتَ مَنْ لَمْ يَكْنْ لَهُ إِبْلٌ، وَلاَ غَنَمٌ، وَلاَ أَرْضٌ؟
قال: "يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ، فَيَدُقُّ عَلَيهْ بِحَجَرٍ١، ثُمَّ لِيَنْجُ، إِنْ اسْتَطاَعَ النَّجَاةَ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ".
فَقَالَ رَجُلٌ: يا رسولُ الله! أَرَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلِقَ بِيَ إِلَى أَحْدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتِيْن، فَيَضْرِبُنِي٢ رَجْلٌ بِسَيْفِهِ، أو يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟
قال: "يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، فَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ"٣.
_________
١ أنظر التعليق على حديث رقم – ٥٤ – تعليق رقم (٤) .
٢ في صحيح مسلم: "فضربني"، بصيغة الماضي.
٣ في صحيح مسلم: "ويكون من أصحاب النار"، بالواو بدل الفاء.
Translation
باب: التعرب في الفتنة
#6
Chapter 6 — باب: النهي عن تعاطي السيف المسلول
· ref. #6
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ النَّهي عَن تَعَاطِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ
(٦٥) وفِي الْمُسْنَدِ١: عنه٢: قال: أتى رسولُ الله – ﷺ عَلَى قَومٍ يَتَعَاطَونَ سَيفًا مَسْلُولًا. فقال:
"لَعَنَ الله مَن فَعَلَ هَذا، أَوَ لَيْسَ قَدْ نَهَيُتُ عَن هَذَا؟ "، ثُمَّ قال:
"إِذَا سَلَّ٣ أَحْدُكُم سَيْفَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَهُ أَخَاهُ، فَلْيَغْمِدْهُ، ثُمَّ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ".
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٥ ص ٤٢ طبعة المكتب الإسلامي ببيروت.
٢ "عنه"، أي: عن أبي بكرة.
٣ سل السيف: أخرجه من غمده - والغمد للسّيف: غلافه. ويقال: غمدت السيف وأغمدته.
(٦٥) وفِي الْمُسْنَدِ١: عنه٢: قال: أتى رسولُ الله – ﷺ عَلَى قَومٍ يَتَعَاطَونَ سَيفًا مَسْلُولًا. فقال:
"لَعَنَ الله مَن فَعَلَ هَذا، أَوَ لَيْسَ قَدْ نَهَيُتُ عَن هَذَا؟ "، ثُمَّ قال:
"إِذَا سَلَّ٣ أَحْدُكُم سَيْفَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَهُ أَخَاهُ، فَلْيَغْمِدْهُ، ثُمَّ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ".
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٥ ص ٤٢ طبعة المكتب الإسلامي ببيروت.
٢ "عنه"، أي: عن أبي بكرة.
٣ سل السيف: أخرجه من غمده - والغمد للسّيف: غلافه. ويقال: غمدت السيف وأغمدته.
Translation
باب: النهي عن تعاطي السيف المسلول
#7
Chapter 7 — باب: بدأ الإسلام غريبآ وسيعود غريبآ
· ref. #7
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيْبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا
(٦٦) ولِمُسْلِمٍ١: عن أبِي هُرَيْرَةَ: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"بَدَأَ الإسلامُ غَريبًا وَسَيَعُودُ غَريْبًا كَمَا بَدَأَ٢") .
(٦٧) ورواه أحمدُ٣: عن ابن مَسْعُودٍ: - وفي آخره -: "فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" ٤،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج ٢ – كتاب الإيمان – باب بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا ص ١٧٥.
وفي سنن ابن ماجه ج٢ – كتاب الفتن – باب بدأ الإسلام غريبًا ص ١٣١٩.
٢ في صحيح مسلم: "وسيعود كما بدأ غريبًا"، وفي ابن ماجه: وسيعود غريبًا.
٣ مسند الإمام أحمد ج١ – ص ٣٩٨ -
٤ هذه الجملة: "فطوبى للغرباء"، موجودة في صحيح مسلم، وفي سنن ابن ماجه تتمة الحديث السّابق.
ومعنى الحديث: أن الإسلام بدأ في أحاد من الناس وقلة، ثمّ انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص والإخلال. حتى لا يبقى إلاّ في آحاد وقلة أيضًا، كما بدأ. فبدأ بالهمز – من الابتداء. وهو الأشهر – ويؤيده المقابلة بالعود. فإن العود يقابل الابتداء، ويحتمل: أن يكون بدون همزة. ومعناه: ظهر. وغربة الإسلام: لقلة أهله. وأصل الغريب: البعيد عن الوطن. وقد فسر الرّسول ﷺ: الغرباء بالنّزّاع من القبائل- والنّزّاع: جمع نازع ونزيع وهو: الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى:
ومعنى: "طوبى للغرباء"، طوبى: فُعلى من الطيب قاله الفراء.
قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء. أما معناها: فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، [الرّعد، من الآية: ٢٩] .
فروى ابن عباس أن معناه: فرح وقرة عين.
وقال عكرمة: نعم مالهم.
وقال الضّحاك: غبطة.
وقال قتادة: حسنى لهم.
وعن قتادة أيضًا: معناه: أصابوا خيرًا.
وقال إبراهيم خير لهم وكرامة.
وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة.
وقيل: شجرة في الجنة. وكل هذه القوال محتملة في الحديث. والله أعلم.
آخره: قيل: يا رسولَ الله! وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال: "النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ".
(٦٨) ورواه الآجُرِّيُّ١: وعنده: قيل: مَنْ هُم يا رسولَ الله؟ قال: "الّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذْ فَسَدَ النَّاسُ".
(٦٩) ولأَحْمَدَ٢: في حديث سعد بن مالك:
"فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ، إَذَا فَسَدَ النَّاسُ".
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٤ ص ٧٣ ولفظ الحديث:
عن عبد الرحمن بن سنة: أنه سمع النّبي – ﷺ – يقول:
"بَدأَ الإِسْلاَمُ غَريبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَريبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبى للغُرباء. قِيلَ يَا رسولَ الله! وَمَن الْغُرَباء؟ قَالَ: الّذينَ يَصْلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده لينحازنّ الإيمان إلى المدينة، كما يحوز السّيل. والذي نفسي بيده ليأرزنّ الإسلام إلى ما بين المسجدين، كما تأرز الحية إلى جحرها".
٢ مسند الإمام أحمد ج ١ – ص ١٨٤ ونص الحديث: عن ابن لسعد بن أبي وقاص قال: سمعت أبي يقول: سمعت النّبي – ﷺ – وهو يقول:
"إنّ الإيمان يبدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ. فطوبى يومئذ لغرباء، إذا فسد الناس. والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزنّ الإيمان بين هذين المسجدين، كما تأزر الحية في حجرها".
(٧٠) وله١: عن ابن عمرو: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال: "طَوبَى لِلْغُرَبَاءِ ".
قلنا: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال:
"قَوْمٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ، فِي نَاسٍ سُوءٍ كَثِيْرٍ، مَنْ يَعْصِيهُم أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم".
(٧١) [وفي الزُّهْدِ: عنه٢]:
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٢ ص ١٧٧ – ونص الحديث: عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص قال:
قال رسول الله – ﷺ – ذات يوم ونحن عنده: طوبى للغرباء. فقيل: من الغرباء. يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير. من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
٢ في كتاب الزهد للإمام أحمد – باب حكمة عيسى ﵊ – ص ٧٧ – ولفظ الحديث عن عبد الله بن عمرو.
"إنّ أحبّ شيء إلى الله – ﷿ – الغرباء"/ قال: قيل: وما الغرباء؟ قال: "الفرّارون بدينهم يُجمعون إلى عيسى ﵇ يوم القيامة".
وذكره أيضًا صاحب منتخب كنْز العمال في سنن الأقوال والأفعال في منتخبه المطبوع بهامش المسند للإمام أحمد – المكتب الإسلامي بيروت ج١ ص ١١٩ – وفيه لفظ: "يبعثهم الله – ﷿ مع عيسى ابن مريم"، كما في المخطوطة.
"إنَّ أَحَبَّ شِيْءٍ إِلَى الله الْغُرَبَاءُ" قال: "الفَرَّارُون بِدِيْنِهِم، يَبْعَثُهُمُ الله مَعَ عِيْسَى بن مريم ﵇". رواه أحمد: عن الْهَيْثَمِ بنِ جَمِيل: ثنا محمد بن مسلم: ثنا عثمان بن عبد الله: عن سليمان ابن هُرْمُز: عنه.
(٧٢) ولأَحْمَد١: عن الْمُطَّلب بن حَنْطَب: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"، قيل: يا رسولَ الله! مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال: "الذين يَزِيدُونَ إِذَا نَقَصَ النّاسُ".
(٧٣) وللتِّرمذي٢: من حديث كَثِيْرِ بن عبد الله
_________
١ لم نجده في الأصول التي بين أيدينا.
٢ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج ٧ – كتاب الإيمان – باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا ص ٣٨١ ولفظ الحديث في سنن الترمذي:
أن رسول الله – ﷺ – قال:
"إنّ الدين ليأزر إلى الحجاز، كما تأرز الحية إلى جُحْرِهَا، وليعقلنّ الله الدين في الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إنّ الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء، الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي".
هذا حديث حسن.
ومعنى "يأرز" بكسر الراء، وقد تضم: أي ينضم ويجتمع.
"الحجاز": اسم مكة والمدينة، وما حواليهما من البلاد، وسميت حجازًا؛ لأنها حجزت: أي: منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور.
ومعنى "ليعقلن: أي: ليعتصمن. أي يمتنع بالحجاز ويتخذ منه حصنًا وملجأ". "والأروية" الأنثى من المعز الجبلي. وهي: بضم الهمزة وتكسر، وتشديد الياء – والمعقل: مصدر بمعنى العقل.
والمعنى: أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها.
والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة؛ وقاية بها عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها.
وإنّ الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن، واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام، يعود إلى الحجاز، كما بدأ منه.
وأهل الدين في الأول كانوا غرباء، ينكرهم الناس، ولا يخالطونهم، فكذا في الآخر، فطوبى للغرباء أولًا وآخرًا، الذين يعملون بسنّتي ويظهرونها بقدر طاقتهم.
الْمُزَنِي: عن أبيه: عن جدّه: عن النَّبِيِّ ﷺ:
"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ: الذين يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النّاسُ مِنْ سُنَّتِي ".
قال الأَوْزَاعِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَمَا إِنَّه مَا يَذْهَبُ الإسلامُ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ أَهْلُ السُّنَةِ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي الْبَلَدِ مِنْهُم إِلاّ رَجُلٌ وَاحِدٌ.
(٧٤) وفي الْمُسْنَد١: عن عُبَادَةَ: أنّه قال لِرَجُلٍ من أَصْحَابِهِ:
_________
١ مسند الإمام أحمد – ج ٤ ص ١٢٥ – ولفظه.
قال عبادة بن الصامت:
"لئن طال بكما عمر أحدكما، أو كلاكما. ليوشكان أن تريا الرجل من ثج المسلمين – يعني من وسط – قرأ القرآن على لسان محمد – صلى اله عليه وسلّم – فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله، وحرّم حرامه، ونزل عند منازله. أو قرأه على لسان أخيه قراءة على لسان محمّد ﷺ – فأعاده وأبدأه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، ونزل عند منازله، لا يحور فيكم إلاّ كما يحور رأس الحمار الميِّت"، أصل الحور الرجوع إلى النقص.
والمعنى: أي لا يرجع فيكم بخير ولا ينتفع بما حفظه من القرآن. كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه. نهاية؟
"يُوْشِكُ أَنْ تَرَى الرَّجُلَ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَعَادَهُ، وَأَبْدَاهُ. فَأَحَلَّ حَلاَلَهَ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ. وَنَزَلَ عِنْدَ مَنَازِلِهِ. لاَ يَحُورُ فِيكُم، إِلاَّ كَمَا يَحُورُ رَأْسُ الْحِمَارِ الْمَيِّتِ".
(٦٦) ولِمُسْلِمٍ١: عن أبِي هُرَيْرَةَ: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"بَدَأَ الإسلامُ غَريبًا وَسَيَعُودُ غَريْبًا كَمَا بَدَأَ٢") .
(٦٧) ورواه أحمدُ٣: عن ابن مَسْعُودٍ: - وفي آخره -: "فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" ٤،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج ٢ – كتاب الإيمان – باب بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا ص ١٧٥.
وفي سنن ابن ماجه ج٢ – كتاب الفتن – باب بدأ الإسلام غريبًا ص ١٣١٩.
٢ في صحيح مسلم: "وسيعود كما بدأ غريبًا"، وفي ابن ماجه: وسيعود غريبًا.
٣ مسند الإمام أحمد ج١ – ص ٣٩٨ -
٤ هذه الجملة: "فطوبى للغرباء"، موجودة في صحيح مسلم، وفي سنن ابن ماجه تتمة الحديث السّابق.
ومعنى الحديث: أن الإسلام بدأ في أحاد من الناس وقلة، ثمّ انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص والإخلال. حتى لا يبقى إلاّ في آحاد وقلة أيضًا، كما بدأ. فبدأ بالهمز – من الابتداء. وهو الأشهر – ويؤيده المقابلة بالعود. فإن العود يقابل الابتداء، ويحتمل: أن يكون بدون همزة. ومعناه: ظهر. وغربة الإسلام: لقلة أهله. وأصل الغريب: البعيد عن الوطن. وقد فسر الرّسول ﷺ: الغرباء بالنّزّاع من القبائل- والنّزّاع: جمع نازع ونزيع وهو: الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى:
ومعنى: "طوبى للغرباء"، طوبى: فُعلى من الطيب قاله الفراء.
قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء. أما معناها: فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، [الرّعد، من الآية: ٢٩] .
فروى ابن عباس أن معناه: فرح وقرة عين.
وقال عكرمة: نعم مالهم.
وقال الضّحاك: غبطة.
وقال قتادة: حسنى لهم.
وعن قتادة أيضًا: معناه: أصابوا خيرًا.
وقال إبراهيم خير لهم وكرامة.
وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة.
وقيل: شجرة في الجنة. وكل هذه القوال محتملة في الحديث. والله أعلم.
آخره: قيل: يا رسولَ الله! وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال: "النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ".
(٦٨) ورواه الآجُرِّيُّ١: وعنده: قيل: مَنْ هُم يا رسولَ الله؟ قال: "الّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذْ فَسَدَ النَّاسُ".
(٦٩) ولأَحْمَدَ٢: في حديث سعد بن مالك:
"فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ، إَذَا فَسَدَ النَّاسُ".
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٤ ص ٧٣ ولفظ الحديث:
عن عبد الرحمن بن سنة: أنه سمع النّبي – ﷺ – يقول:
"بَدأَ الإِسْلاَمُ غَريبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَريبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبى للغُرباء. قِيلَ يَا رسولَ الله! وَمَن الْغُرَباء؟ قَالَ: الّذينَ يَصْلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده لينحازنّ الإيمان إلى المدينة، كما يحوز السّيل. والذي نفسي بيده ليأرزنّ الإسلام إلى ما بين المسجدين، كما تأرز الحية إلى جحرها".
٢ مسند الإمام أحمد ج ١ – ص ١٨٤ ونص الحديث: عن ابن لسعد بن أبي وقاص قال: سمعت أبي يقول: سمعت النّبي – ﷺ – وهو يقول:
"إنّ الإيمان يبدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ. فطوبى يومئذ لغرباء، إذا فسد الناس. والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزنّ الإيمان بين هذين المسجدين، كما تأزر الحية في حجرها".
(٧٠) وله١: عن ابن عمرو: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال: "طَوبَى لِلْغُرَبَاءِ ".
قلنا: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال:
"قَوْمٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ، فِي نَاسٍ سُوءٍ كَثِيْرٍ، مَنْ يَعْصِيهُم أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم".
(٧١) [وفي الزُّهْدِ: عنه٢]:
_________
١ مسند الإمام أحمد ج٢ ص ١٧٧ – ونص الحديث: عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص قال:
قال رسول الله – ﷺ – ذات يوم ونحن عنده: طوبى للغرباء. فقيل: من الغرباء. يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير. من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
٢ في كتاب الزهد للإمام أحمد – باب حكمة عيسى ﵊ – ص ٧٧ – ولفظ الحديث عن عبد الله بن عمرو.
"إنّ أحبّ شيء إلى الله – ﷿ – الغرباء"/ قال: قيل: وما الغرباء؟ قال: "الفرّارون بدينهم يُجمعون إلى عيسى ﵇ يوم القيامة".
وذكره أيضًا صاحب منتخب كنْز العمال في سنن الأقوال والأفعال في منتخبه المطبوع بهامش المسند للإمام أحمد – المكتب الإسلامي بيروت ج١ ص ١١٩ – وفيه لفظ: "يبعثهم الله – ﷿ مع عيسى ابن مريم"، كما في المخطوطة.
"إنَّ أَحَبَّ شِيْءٍ إِلَى الله الْغُرَبَاءُ" قال: "الفَرَّارُون بِدِيْنِهِم، يَبْعَثُهُمُ الله مَعَ عِيْسَى بن مريم ﵇". رواه أحمد: عن الْهَيْثَمِ بنِ جَمِيل: ثنا محمد بن مسلم: ثنا عثمان بن عبد الله: عن سليمان ابن هُرْمُز: عنه.
(٧٢) ولأَحْمَد١: عن الْمُطَّلب بن حَنْطَب: عن النَّبِيِّ – ﷺ قال:
"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"، قيل: يا رسولَ الله! مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قال: "الذين يَزِيدُونَ إِذَا نَقَصَ النّاسُ".
(٧٣) وللتِّرمذي٢: من حديث كَثِيْرِ بن عبد الله
_________
١ لم نجده في الأصول التي بين أيدينا.
٢ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج ٧ – كتاب الإيمان – باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا ص ٣٨١ ولفظ الحديث في سنن الترمذي:
أن رسول الله – ﷺ – قال:
"إنّ الدين ليأزر إلى الحجاز، كما تأرز الحية إلى جُحْرِهَا، وليعقلنّ الله الدين في الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إنّ الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء، الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي".
هذا حديث حسن.
ومعنى "يأرز" بكسر الراء، وقد تضم: أي ينضم ويجتمع.
"الحجاز": اسم مكة والمدينة، وما حواليهما من البلاد، وسميت حجازًا؛ لأنها حجزت: أي: منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور.
ومعنى "ليعقلن: أي: ليعتصمن. أي يمتنع بالحجاز ويتخذ منه حصنًا وملجأ". "والأروية" الأنثى من المعز الجبلي. وهي: بضم الهمزة وتكسر، وتشديد الياء – والمعقل: مصدر بمعنى العقل.
والمعنى: أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها.
والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة؛ وقاية بها عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها.
وإنّ الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن، واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الإسلام، يعود إلى الحجاز، كما بدأ منه.
وأهل الدين في الأول كانوا غرباء، ينكرهم الناس، ولا يخالطونهم، فكذا في الآخر، فطوبى للغرباء أولًا وآخرًا، الذين يعملون بسنّتي ويظهرونها بقدر طاقتهم.
الْمُزَنِي: عن أبيه: عن جدّه: عن النَّبِيِّ ﷺ:
"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ: الذين يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النّاسُ مِنْ سُنَّتِي ".
قال الأَوْزَاعِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَمَا إِنَّه مَا يَذْهَبُ الإسلامُ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ أَهْلُ السُّنَةِ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي الْبَلَدِ مِنْهُم إِلاّ رَجُلٌ وَاحِدٌ.
(٧٤) وفي الْمُسْنَد١: عن عُبَادَةَ: أنّه قال لِرَجُلٍ من أَصْحَابِهِ:
_________
١ مسند الإمام أحمد – ج ٤ ص ١٢٥ – ولفظه.
قال عبادة بن الصامت:
"لئن طال بكما عمر أحدكما، أو كلاكما. ليوشكان أن تريا الرجل من ثج المسلمين – يعني من وسط – قرأ القرآن على لسان محمد – صلى اله عليه وسلّم – فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله، وحرّم حرامه، ونزل عند منازله. أو قرأه على لسان أخيه قراءة على لسان محمّد ﷺ – فأعاده وأبدأه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، ونزل عند منازله، لا يحور فيكم إلاّ كما يحور رأس الحمار الميِّت"، أصل الحور الرجوع إلى النقص.
والمعنى: أي لا يرجع فيكم بخير ولا ينتفع بما حفظه من القرآن. كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه. نهاية؟
"يُوْشِكُ أَنْ تَرَى الرَّجُلَ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَعَادَهُ، وَأَبْدَاهُ. فَأَحَلَّ حَلاَلَهَ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ. وَنَزَلَ عِنْدَ مَنَازِلِهِ. لاَ يَحُورُ فِيكُم، إِلاَّ كَمَا يَحُورُ رَأْسُ الْحِمَارِ الْمَيِّتِ".
Translation
باب: بدأ الإسلام غريبآ وسيعود غريبآ
#8
Chapter 8 — باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه
· ref. #8
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ لاَ يَأْتِي زَمَانٌ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
(٧٥) وللبخاريّ١: عن الزّبير بن عديّ. قال: أتينا أنسًا، فَشَكَوْنَا إليه ما نلقى من الحجاج٢. فقال: "اصْبِرُوا؛ فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُم زَمَانٌ إَلاّ والّذي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ"٣، سَمِعْتُهِ من نبيِّكم – ﷺ.
(٧٦) ولِمسلم٤: عن أبي هريرة. قال رسول الله
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج١٣ – كتاب الفتن – باب لا يأتي زمان إلاّ الذي بعده شر منه ص ١٩.
٢ في الصحيح: "فشكوا إليه: ما يلقون من الحجاج"، وما في المخطوطة موافق لرواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان – الإسماعيلي ذكرها صاحب الفتح.
٣ في الصحيح بعد هذه الجملة: "حتّى تلقوا ربكم".
والمراد بتفضيل الزمان السابق على ما بعده: تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر اللاحق.
٤ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٦ – كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ص ٢٢٢
– ﷺ:
"يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ١، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ٢، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ. وَيَكْثُرُ الْهَرَجُ".
قالوا: يا رسولَ الله! ما هو؟ - قال: "الْقَتْلُ الَقَتْلُ"٣.
_________
١ في صحيح مسلم: "ويقبض العلم"، بدل "وينقص العمل".
وفي رواية أخرى لمسلم: "وينقض العلم".
٢ في صحيح مسلم: "وتظهر الفتن ويلقى الشح" بالتاء في نظر مع التقديم والتأخير ومعنى "ويلقى الشح"، أي: يوضع في القلوب.
ورواه بعضهم: يلقى بالتشديد. أي يعطى. والشح: هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له.
٣ في صحيح مسلم: قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل"، بدون تكرار.
(٧٥) وللبخاريّ١: عن الزّبير بن عديّ. قال: أتينا أنسًا، فَشَكَوْنَا إليه ما نلقى من الحجاج٢. فقال: "اصْبِرُوا؛ فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُم زَمَانٌ إَلاّ والّذي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ"٣، سَمِعْتُهِ من نبيِّكم – ﷺ.
(٧٦) ولِمسلم٤: عن أبي هريرة. قال رسول الله
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج١٣ – كتاب الفتن – باب لا يأتي زمان إلاّ الذي بعده شر منه ص ١٩.
٢ في الصحيح: "فشكوا إليه: ما يلقون من الحجاج"، وما في المخطوطة موافق لرواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان – الإسماعيلي ذكرها صاحب الفتح.
٣ في الصحيح بعد هذه الجملة: "حتّى تلقوا ربكم".
والمراد بتفضيل الزمان السابق على ما بعده: تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر اللاحق.
٤ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٦ – كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ص ٢٢٢
– ﷺ:
"يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ١، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ٢، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ. وَيَكْثُرُ الْهَرَجُ".
قالوا: يا رسولَ الله! ما هو؟ - قال: "الْقَتْلُ الَقَتْلُ"٣.
_________
١ في صحيح مسلم: "ويقبض العلم"، بدل "وينقص العمل".
وفي رواية أخرى لمسلم: "وينقض العلم".
٢ في صحيح مسلم: "وتظهر الفتن ويلقى الشح" بالتاء في نظر مع التقديم والتأخير ومعنى "ويلقى الشح"، أي: يوضع في القلوب.
ورواه بعضهم: يلقى بالتشديد. أي يعطى. والشح: هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له.
٣ في صحيح مسلم: قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل"، بدون تكرار.
Translation
باب: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه
#9
Chapter 9 — باب: تحريم رجوع المهاجر إلى إستيطان وطنه
· ref. #9
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ تَحْرِيْمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيْطَانِ وَطَنِهِ
(٧٧) وله١: عن سلمة – وقد قال له الحجّاج٢: -
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج ٢٣ – كتاب الإمارة – باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه ص ٦.
وأخرجه البخاري – ج١٣ – باب التعرب في الفتنة ص ٤٠.
٢ في صحيح مسلم: عن سلمة بن الأكوع: أنّه دخل على الحجاج. فقال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك تعربت ... الحديث وقوله ارتددت على عقبيك تعربت ألخ ...
قال القاضي عياض: أجمعت الأمة: على تحريم ترك المهاجر هجرته والرجوع إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابيًا من الكبائر؛ ولهذا أشار الحجاج. إلى أن أعلمه سلمة: أن خروجه إلى البادية، إنما هو بإذن النبي – ﷺ – قال: ولعله رجع إلى غير وطنه.
أو لأنّ الغرض في ملازمة المهاجر أرضه التي هاجر إليها، وفرض ذلك عليه إنما كان في زمن النبي ﷺ – لنصرته أو ليكون معه.
أو لأن ذلك إنما كان قبل فتح مكّة، فلما كان الفتح، وأظهر الله تعالى الإسلام على الدين كله، وأذل الكفر، وأعز المسلمين سقط فرض الهجرة – قال النبي – ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح"، وقال: "مضت الهجرة لأهلها" أي: الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم قبل فتح مكّة، لمواساة النبي – ﷺ – ومؤازرته، ونصرة دينه، وضبطه شريعته.
أَرْدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟
قال: لا. ولكن رسول الله – ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْبَدْوِ١.
_________
١ "أذن لنا في البدو"، أي: في الخروج إلى البادية.
(٧٧) وله١: عن سلمة – وقد قال له الحجّاج٢: -
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي ج ٢٣ – كتاب الإمارة – باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه ص ٦.
وأخرجه البخاري – ج١٣ – باب التعرب في الفتنة ص ٤٠.
٢ في صحيح مسلم: عن سلمة بن الأكوع: أنّه دخل على الحجاج. فقال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك تعربت ... الحديث وقوله ارتددت على عقبيك تعربت ألخ ...
قال القاضي عياض: أجمعت الأمة: على تحريم ترك المهاجر هجرته والرجوع إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابيًا من الكبائر؛ ولهذا أشار الحجاج. إلى أن أعلمه سلمة: أن خروجه إلى البادية، إنما هو بإذن النبي – ﷺ – قال: ولعله رجع إلى غير وطنه.
أو لأنّ الغرض في ملازمة المهاجر أرضه التي هاجر إليها، وفرض ذلك عليه إنما كان في زمن النبي ﷺ – لنصرته أو ليكون معه.
أو لأن ذلك إنما كان قبل فتح مكّة، فلما كان الفتح، وأظهر الله تعالى الإسلام على الدين كله، وأذل الكفر، وأعز المسلمين سقط فرض الهجرة – قال النبي – ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح"، وقال: "مضت الهجرة لأهلها" أي: الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم قبل فتح مكّة، لمواساة النبي – ﷺ – ومؤازرته، ونصرة دينه، وضبطه شريعته.
أَرْدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟
قال: لا. ولكن رسول الله – ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْبَدْوِ١.
_________
١ "أذن لنا في البدو"، أي: في الخروج إلى البادية.
Translation
باب: تحريم رجوع المهاجر إلى إستيطان وطنه
#10
Chapter 10 — باب: إذا التقى المسلمان بسيفهما
· ref. #10
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلَمَانِ بِسَيْفِهِمَا
(٧٨) وللبخاريّ١: عن الأَحْنَفِ. قال: خرجت وأنا أُرِيدُ هذا الرّجلَ، فَلَقِيَنِي أبو بكرة. فقال: أين تريد يا أحنف؟ فَقُلْتُ: أريد نُصْرَةَ٢ ابن عَمِّ رسولِ الله – ﷺ يَعْنِي: عَلِيًاّ – ﵁.
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ – كتاب الفتن – باب إذا التقى المسلمان بسيفهما – ص ٣١.
وأخرجه أيضًا في كتاب الإيمان – ج١ – باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [الحجرات، من الآية: ٩] ص ٨٤.
وأخرجه كذلك مسلم في صحيحه ج ١٨ بشرح النووي – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب: إذا التقى المسلمان بسيفهما ص ١٠.
وما في المخطوطة موافق لرواية مسلم، مع اختلاف يسير.
٢ ما في المخطوطة موافق لرواية البخاري في كتب الفتن، وفي مسلم: "نصر"، بدون التاء.
فقال لي: يا أحنف! ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيهِما١، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النّارِ"، فقلتُ، أو قيل: - يا رسولَ الله! هذا القاتلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولُ؟ قال: "إِنَّهُ٢ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ".
(٧٩) ولِمسلم٣: عن أبِي هريرة. قال رسولُ الله – ﷺ: "والّذي نَفْسِي بِيَدِهِ،
_________
١ "إذا تواجه المسلمان بسيفهما" معنى تواجها: ضرب كل واحد وجه صاحبه: أي: ذاته وجملته.
وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار: فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتلهما عصبية ونحوها. ثم كونه في النار: أي مستحق لها. وقد يجازي بذلك. وقد يعفو الله تعالى عنه. وهو مذهب أهل الحق. النووي على مسلم.
٢ ما في المخطوطة موافق للبخاري – وفي مسلم: "أنّه قد أراد قتل صاحبه".
٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ص ٣٤.
لا تَذْهَبُ الدّنيا حتّى يأتِيَ عَلَى النّاس يومٌ، لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيْمَ قَتَلَ؟ ولا الْمَقْتُولُ فِيْمَ قُتِلَ؟ "، فَقِيلِ: كيف يكون ذلك؟ قال: "الْهَرَجُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النّارِ".
(٧٨) وللبخاريّ١: عن الأَحْنَفِ. قال: خرجت وأنا أُرِيدُ هذا الرّجلَ، فَلَقِيَنِي أبو بكرة. فقال: أين تريد يا أحنف؟ فَقُلْتُ: أريد نُصْرَةَ٢ ابن عَمِّ رسولِ الله – ﷺ يَعْنِي: عَلِيًاّ – ﵁.
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ – كتاب الفتن – باب إذا التقى المسلمان بسيفهما – ص ٣١.
وأخرجه أيضًا في كتاب الإيمان – ج١ – باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [الحجرات، من الآية: ٩] ص ٨٤.
وأخرجه كذلك مسلم في صحيحه ج ١٨ بشرح النووي – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب: إذا التقى المسلمان بسيفهما ص ١٠.
وما في المخطوطة موافق لرواية مسلم، مع اختلاف يسير.
٢ ما في المخطوطة موافق لرواية البخاري في كتب الفتن، وفي مسلم: "نصر"، بدون التاء.
فقال لي: يا أحنف! ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيهِما١، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النّارِ"، فقلتُ، أو قيل: - يا رسولَ الله! هذا القاتلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولُ؟ قال: "إِنَّهُ٢ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ".
(٧٩) ولِمسلم٣: عن أبِي هريرة. قال رسولُ الله – ﷺ: "والّذي نَفْسِي بِيَدِهِ،
_________
١ "إذا تواجه المسلمان بسيفهما" معنى تواجها: ضرب كل واحد وجه صاحبه: أي: ذاته وجملته.
وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار: فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتلهما عصبية ونحوها. ثم كونه في النار: أي مستحق لها. وقد يجازي بذلك. وقد يعفو الله تعالى عنه. وهو مذهب أهل الحق. النووي على مسلم.
٢ ما في المخطوطة موافق للبخاري – وفي مسلم: "أنّه قد أراد قتل صاحبه".
٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ص ٣٤.
لا تَذْهَبُ الدّنيا حتّى يأتِيَ عَلَى النّاس يومٌ، لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيْمَ قَتَلَ؟ ولا الْمَقْتُولُ فِيْمَ قُتِلَ؟ "، فَقِيلِ: كيف يكون ذلك؟ قال: "الْهَرَجُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النّارِ".
Translation
باب: إذا التقى المسلمان بسيفهما
#11
Chapter 11 — باب: هلاك الأمة بعضهم ببعض
· ref. #11
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ هَلاَكِ الأُمَّةِ بَعْضِهِم بِبَعِضٍ
(٨٠) ولِمسلم١: عن ثَوبَانَ. قال رسولُ الله – ﷺ –:
"إنّ الله زَوَى٢ لي الأرضَ، فرأيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَها، وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيْتُ الْكَنْزَيْنَ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ٣. (قال ابنُ ماجه: يَعْنِي الذّهبَ والفضّةَ)، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَلاّ يُهْلِكَهَا
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي – ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب هلاك هذه الأمة: بعضهم ببعض – ص١٣.
وأخرجه ابن ماجه – ج٢ – كتاب الفتن – باب ما يكون من الفتن – ص ١٣٠٤ – مع اختلاف اللفظ.
وكذلك أخرجه أبو داود بشرح عون الْمعبود، ج١١، كتاب الْفِتَن ص ٣٢٢.
٢ "زوى"، أي: جمع وضم بعضها إلى بعض. والمراد من الأرض ما سيبلغها ملك الأمة. يدل عليه ما بعده.
٣ يعني: من كنزي كسرى وقيصر: ملكي العراق والشام.
بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وألاّ يُسَلِّطَ عَلَيْهُم عَدُوًا مِن سَوى أَنْفِسِهُم، فَيَسْتَبِيْحَ بَيْضَتَهُم١، وَإنَّ رَبِّي قال: يا محمّد! إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ: أَلاّ أُهْلِكَهُم بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ٢. وألاّ أُسَلِّطَ عَلَيْهُم عَدُوًا مِن سِوى أَنْفِسِهًم، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُم، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهُم مَنْ بِأَقْطَارِهَا، أو قال: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُم يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُم بَعْضًا.
_________
١ فيستبيح بيضتهم: أي جماعتهم وأصلهم. والبيضة أيضًا: العز والملك.
قال في النهاية: بيضة الدار: وسطها ومعظمها. أراد عدو يستأصلهم ويهلكهم جميعهم.
٢ المعنى: لا أهلكهم بقحط؛ بل إن وقع قحط، فيكون في ناحية يسيرة، بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام.
وفي صحيح مسلم: "بسنة عامة"، بدون الباء مع لفظ عامة – وما في المخطوطة موافق لسنن أبي داود – والباء فيها زائدة زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، [الحج: من الآية: ٢٥]، ويجوز ألا تكون زائدة، ويكون قد أبدل عامة من سنة بإعادة العامل. تقول: مررت بأخيك بعمرو.
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾، [الأعراف، من الآية: ٧٥] .
(٨١) زاد أبو١ داود: "وإنّما أَخَافُ على أُمَّتِي الأَئِمَةَ الْمُضِلِّين٢. وإذا وُضع السّيفُ فِي أُمِّتِي، لَمْ يُرْفَعُ عَنْهَا إِلَى يوم الْقِيامَةِ٣. ولا تقوم السّاعةُ، حتّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِن أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِين، وحتّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِن أُمَّتِي الأوثانَ، وَأنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُون كُلُّهُم يَزْعَم أَنَّه نَبِيٌّ. وَأنَا خَاتِمُ النّبيِّين. لا نَبِيَّ بَعْدِي. ولا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي على الحقِّ ظاهِرِين. لا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم. حتّى يأْتِيَ أَمْرُ الله".
(٨٢) ولِمسلم٤: عن سعد أنّ رسول الله – صلّى
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود - ج ١١ – كتاب الفتن – ذكر الفتن ودلائلها – ص ٣٢٢.
عن ثوبان: الراوي للحديث السابق في مسلم.
وكذلك أخرجه الترمذي في الفتن ج٦ – ص ٣٩٨ – أحوذي.
٢ "الأئمة المضلين"، أي: الداعين إلى البدع والفسق والفجور.
٣ فإن لم يكن في بلد، يكون في بلد آخر – والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، [الأنعام، من الآية: ٦٥] .
٤ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة باب هلاك الأمة بعضهم ببعض ص١٤.
الله عليه وسلّم – أقبل ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ١، حتّى إذا مرّ بِمَسْجِد بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ، فَرَكَعَ فِيهِ ركْعَتَيْنِ، وَصَلَّينَا مَعَهُ، ودعا ربّه طويلًا، ثمّ انصرف إلينا، فقال: "سَألْتُ ربِّي ثلاثًا، فأعطانِي ثِنْتَيْن، وَمَنَعَنِي واحدةً، سألتُ ربِّي: ألاّ يُهْلِكَ أمّتِي بالسَّنَّة٢، فأعطانيها. وسألته ألاّ يهلك أمّتي بِالْفَرَقِ، فأعطانيها. وسألته: ألاّ يجعل بأسهم بينهم، فمنعنِيها ".
_________
١ العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمايرها – معجم البلدان.
٢ السنة: الجدب. يقال أخذتهم السنة إذا أجدبوا، وأقحطوا. النهاية.
(٨٠) ولِمسلم١: عن ثَوبَانَ. قال رسولُ الله – ﷺ –:
"إنّ الله زَوَى٢ لي الأرضَ، فرأيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَها، وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيْتُ الْكَنْزَيْنَ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ٣. (قال ابنُ ماجه: يَعْنِي الذّهبَ والفضّةَ)، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَلاّ يُهْلِكَهَا
_________
١ صحيح مسلم بشرح النووي – ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب هلاك هذه الأمة: بعضهم ببعض – ص١٣.
وأخرجه ابن ماجه – ج٢ – كتاب الفتن – باب ما يكون من الفتن – ص ١٣٠٤ – مع اختلاف اللفظ.
وكذلك أخرجه أبو داود بشرح عون الْمعبود، ج١١، كتاب الْفِتَن ص ٣٢٢.
٢ "زوى"، أي: جمع وضم بعضها إلى بعض. والمراد من الأرض ما سيبلغها ملك الأمة. يدل عليه ما بعده.
٣ يعني: من كنزي كسرى وقيصر: ملكي العراق والشام.
بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وألاّ يُسَلِّطَ عَلَيْهُم عَدُوًا مِن سَوى أَنْفِسِهُم، فَيَسْتَبِيْحَ بَيْضَتَهُم١، وَإنَّ رَبِّي قال: يا محمّد! إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ: أَلاّ أُهْلِكَهُم بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ٢. وألاّ أُسَلِّطَ عَلَيْهُم عَدُوًا مِن سِوى أَنْفِسِهًم، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُم، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهُم مَنْ بِأَقْطَارِهَا، أو قال: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُم يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُم بَعْضًا.
_________
١ فيستبيح بيضتهم: أي جماعتهم وأصلهم. والبيضة أيضًا: العز والملك.
قال في النهاية: بيضة الدار: وسطها ومعظمها. أراد عدو يستأصلهم ويهلكهم جميعهم.
٢ المعنى: لا أهلكهم بقحط؛ بل إن وقع قحط، فيكون في ناحية يسيرة، بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام.
وفي صحيح مسلم: "بسنة عامة"، بدون الباء مع لفظ عامة – وما في المخطوطة موافق لسنن أبي داود – والباء فيها زائدة زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، [الحج: من الآية: ٢٥]، ويجوز ألا تكون زائدة، ويكون قد أبدل عامة من سنة بإعادة العامل. تقول: مررت بأخيك بعمرو.
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾، [الأعراف، من الآية: ٧٥] .
(٨١) زاد أبو١ داود: "وإنّما أَخَافُ على أُمَّتِي الأَئِمَةَ الْمُضِلِّين٢. وإذا وُضع السّيفُ فِي أُمِّتِي، لَمْ يُرْفَعُ عَنْهَا إِلَى يوم الْقِيامَةِ٣. ولا تقوم السّاعةُ، حتّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِن أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِين، وحتّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِن أُمَّتِي الأوثانَ، وَأنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُون كُلُّهُم يَزْعَم أَنَّه نَبِيٌّ. وَأنَا خَاتِمُ النّبيِّين. لا نَبِيَّ بَعْدِي. ولا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي على الحقِّ ظاهِرِين. لا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم. حتّى يأْتِيَ أَمْرُ الله".
(٨٢) ولِمسلم٤: عن سعد أنّ رسول الله – صلّى
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود - ج ١١ – كتاب الفتن – ذكر الفتن ودلائلها – ص ٣٢٢.
عن ثوبان: الراوي للحديث السابق في مسلم.
وكذلك أخرجه الترمذي في الفتن ج٦ – ص ٣٩٨ – أحوذي.
٢ "الأئمة المضلين"، أي: الداعين إلى البدع والفسق والفجور.
٣ فإن لم يكن في بلد، يكون في بلد آخر – والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، [الأنعام، من الآية: ٦٥] .
٤ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٨ – كتاب الفتن وأشراط الساعة باب هلاك الأمة بعضهم ببعض ص١٤.
الله عليه وسلّم – أقبل ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ١، حتّى إذا مرّ بِمَسْجِد بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ، فَرَكَعَ فِيهِ ركْعَتَيْنِ، وَصَلَّينَا مَعَهُ، ودعا ربّه طويلًا، ثمّ انصرف إلينا، فقال: "سَألْتُ ربِّي ثلاثًا، فأعطانِي ثِنْتَيْن، وَمَنَعَنِي واحدةً، سألتُ ربِّي: ألاّ يُهْلِكَ أمّتِي بالسَّنَّة٢، فأعطانيها. وسألته ألاّ يهلك أمّتي بِالْفَرَقِ، فأعطانيها. وسألته: ألاّ يجعل بأسهم بينهم، فمنعنِيها ".
_________
١ العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمايرها – معجم البلدان.
٢ السنة: الجدب. يقال أخذتهم السنة إذا أجدبوا، وأقحطوا. النهاية.
Translation
باب: هلاك الأمة بعضهم ببعض
#12
Chapter 12 — باب: كف اللسان في الفتنة
· ref. #12
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ كَفِّ اللِّسانِ فِي الْفِتْنَةِ
(٨٣) ولأبِي داود١، عن ابن عمر٢. قال رسولُ الله – ﷺ:
"سَتَكُونَ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ٣ الْعَرَبَ، قَتْلاَهَا فِي النّار٤. اللِّسانُ٥ فيها أشدُّ من وقعِ السّيفِ".
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود: ج١١ – كتاب الفتن – باب في كف اللسان ص ٣٤٦.
وأخرجه ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن ص ١٣١٢ باب كف اللسان في الفتنة.
٢ في سنن أبي داود: عن عبد الله بن عمرو: وهو غير ابن عمر.
٣ "تستنظف"، بالظاء المعجمة: أي: تستوعبهم هلاكًا. من استنظفت الشيء. أخذت كله. النهاية.
٤ "قتلاها في النار"، لقتالهم على الدنيا، واتباعهم الشيطان والهوى.
٥ "اللسان" الخ. أي: وقعه وطعنه. على تقدير مضاف.
قال القرطبي في التذكرة: بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم. فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل، والجلا والمفاسد العظيمة، أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها.
قال التِّرمذي١: غريب، سَمِعتُ محمّدًا يقول: لا يعرف لزياد ابن سَمين٢ عن ابن عمر غير هذا.
(٨٤) ولأبي داود٣، عن أبي هريرة: قال رسولُ الله – ﷺ:
"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ٤ اللِّسانُ فيها كوقع السّيف".
_________
١ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج٦ – أبواب الفتن – باب ما جاء في الرجل يكون في الفتنة ص ٤٠٢ – بعد أن روى الحديث السابق قال: هذا حديث غريب، سمعت محمد ابن إسماعيل يقول: لا نعرف لزياد ابن سمين كُوشَ غير هذا الحديث.
٢ صحة الاسم: سيمين: بياءين بينهما ميم – وسيمين كوش بالفارسية. يقال للفضة:: سيم. ويقال للنسبة إليها – سيمين. ويقال للأذن: كوش بكاف فارسية؛ يعني أذن فضة.
٣ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج١١ – كتاب الفتن – باب كف اللسان ص ٣٤٦.
٤ "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء"، وصفت الفتنة بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها. أي: لا يسمع فيها الحق، ولا ينطق به، ولا يتضح الباطل على الحق.
وقال القاري: لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. بل من تكلم فيها بحق أوذي، ووقع في الفتن والمحن.
وفي السنن بعد قوله: عمياء "من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان" الحديث.
والمعنى: من تطلع إليها وتعرض لها – واتّته فوقع فيها.
"وإشراف اللسان"، أي: إطلاقه وإطالته، كوقع السيف: أي في التأثير.
(٨٥) ولابن١ ماجه: عن ابن عمر: مرفوعًا:
"إيّاكم والْفِتَنَ؛ فإنّ اللِّسانَ فيها مثل وقع السّيف".
(٨٦) ولَهما٢، عن أبي هريرة: أنّه سَمِع رسولَ الله
_________
١ ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ص ١٣١٢.
وفي الزوائد: في إسناده محمد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وأبوه لم يسمع من ابن عمر.
٢ صحيح البخاري بشرح الفتح – ج١١ – كتاب الرقاق – باب حفظ اللسان ص ٣٠٨.
وصحيح مسلم بشرح النووي، ج ١٨، كتاب الزهد، باب حفظ اللسان ص ١١٧.
وما في المخطوطة قريب من رواية مسلم ولفظها:
"إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة، ما يتبيّن ما فيها – يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب".
– ﷺ – يقول:
"إنّ الرّجلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكِلْمَةِ، لا يُلْقِي لَها بالًا١، يَهْوي بَها فِي النّار، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ.
_________
١ "لا يلقي لها بالًا"، أي: لا يتدبرها ويتفكر في قبحها ولا يخاف ما يترتب عليها.
وهذا كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة، وكالكلمة بقذف.
أو معناه: كالكلمة التي يترتب عليها إضرار مسلم ونحو ذلك.
(٨٣) ولأبِي داود١، عن ابن عمر٢. قال رسولُ الله – ﷺ:
"سَتَكُونَ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ٣ الْعَرَبَ، قَتْلاَهَا فِي النّار٤. اللِّسانُ٥ فيها أشدُّ من وقعِ السّيفِ".
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود: ج١١ – كتاب الفتن – باب في كف اللسان ص ٣٤٦.
وأخرجه ابن ماجه – ج ٢ – كتاب الفتن ص ١٣١٢ باب كف اللسان في الفتنة.
٢ في سنن أبي داود: عن عبد الله بن عمرو: وهو غير ابن عمر.
٣ "تستنظف"، بالظاء المعجمة: أي: تستوعبهم هلاكًا. من استنظفت الشيء. أخذت كله. النهاية.
٤ "قتلاها في النار"، لقتالهم على الدنيا، واتباعهم الشيطان والهوى.
٥ "اللسان" الخ. أي: وقعه وطعنه. على تقدير مضاف.
قال القرطبي في التذكرة: بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم. فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل، والجلا والمفاسد العظيمة، أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها.
قال التِّرمذي١: غريب، سَمِعتُ محمّدًا يقول: لا يعرف لزياد ابن سَمين٢ عن ابن عمر غير هذا.
(٨٤) ولأبي داود٣، عن أبي هريرة: قال رسولُ الله – ﷺ:
"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ٤ اللِّسانُ فيها كوقع السّيف".
_________
١ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ج٦ – أبواب الفتن – باب ما جاء في الرجل يكون في الفتنة ص ٤٠٢ – بعد أن روى الحديث السابق قال: هذا حديث غريب، سمعت محمد ابن إسماعيل يقول: لا نعرف لزياد ابن سمين كُوشَ غير هذا الحديث.
٢ صحة الاسم: سيمين: بياءين بينهما ميم – وسيمين كوش بالفارسية. يقال للفضة:: سيم. ويقال للنسبة إليها – سيمين. ويقال للأذن: كوش بكاف فارسية؛ يعني أذن فضة.
٣ عون المعبود شرح سنن أبي داود – ج١١ – كتاب الفتن – باب كف اللسان ص ٣٤٦.
٤ "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء"، وصفت الفتنة بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها. أي: لا يسمع فيها الحق، ولا ينطق به، ولا يتضح الباطل على الحق.
وقال القاري: لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. بل من تكلم فيها بحق أوذي، ووقع في الفتن والمحن.
وفي السنن بعد قوله: عمياء "من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان" الحديث.
والمعنى: من تطلع إليها وتعرض لها – واتّته فوقع فيها.
"وإشراف اللسان"، أي: إطلاقه وإطالته، كوقع السيف: أي في التأثير.
(٨٥) ولابن١ ماجه: عن ابن عمر: مرفوعًا:
"إيّاكم والْفِتَنَ؛ فإنّ اللِّسانَ فيها مثل وقع السّيف".
(٨٦) ولَهما٢، عن أبي هريرة: أنّه سَمِع رسولَ الله
_________
١ ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ص ١٣١٢.
وفي الزوائد: في إسناده محمد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وأبوه لم يسمع من ابن عمر.
٢ صحيح البخاري بشرح الفتح – ج١١ – كتاب الرقاق – باب حفظ اللسان ص ٣٠٨.
وصحيح مسلم بشرح النووي، ج ١٨، كتاب الزهد، باب حفظ اللسان ص ١١٧.
وما في المخطوطة قريب من رواية مسلم ولفظها:
"إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة، ما يتبيّن ما فيها – يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب".
– ﷺ – يقول:
"إنّ الرّجلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكِلْمَةِ، لا يُلْقِي لَها بالًا١، يَهْوي بَها فِي النّار، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ.
_________
١ "لا يلقي لها بالًا"، أي: لا يتدبرها ويتفكر في قبحها ولا يخاف ما يترتب عليها.
وهذا كالكلمة عند السلطان وغيره من الولاة، وكالكلمة بقذف.
أو معناه: كالكلمة التي يترتب عليها إضرار مسلم ونحو ذلك.
Translation
باب: كف اللسان في الفتنة
#13
Chapter 13 — باب: من أحاديث النهي عن السعي في الفتنة
· ref. #13
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
باب: من أحاديث النهي عن السعي في الفتنة
...
مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ
(٨٧) ولأبِي١ داود عن أبي ذر: قال رسولُ الله ﷺ:
"يا أبَا ذَرٍّ"، قلت: لبّيك يا رسول الله! وسعديك وذكر الحديث. قال فيه: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخَذَتِ٢ النّاسَ مَوْتٌ، تكون الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ؟ "٣. – يعني:
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود – ج١١ – كتاب الفتن – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٠.
٢ في سنن أبي داود:"إذا أصاب الناس موت"،وإلحاق تاء التأنيث في أخذ: خطأ.
٣ المراد بالبيت: القبر. وبالوصيف: الخادم والعبد.
قال الخطابي: يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم. حتّى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت، أو يدفنه، إلاّ أن يعطي وصيفًا، أو قيمته.
وقد يكون معناه: أن مواضع القبور تضيق عليهم، فيبتاعون لموتاهم القبور. كل قبر بوصيف.
وقيل: المراد بالبيت: المتعارف. والمعنى: أن البيوت تصير رخيصة؛ لكثرة الموت، وقلّة من يسكنها. فيباع البيت بعبد.
الْقَبْر – قلت: الله ورسولُهُ أَعْلَمُ، أو قال: ما يَخْتَارُ١ الله لي ورسولُهُ. قال: "عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ"، أو قال:"تَصْبِرْ". ثُمَّ قال لي: "يَا أبَا ذَرٍّ! "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله! وسَعَدَيْكَ٢. قال: "كَيْفَ أَنْتَ! إذا رَأَيْتَ أَحْجَارَ٣ الزّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بالدَّمِ؟ "، قُلْتُ: مَا خَارَ الله لِي ورسولُه. قال: "عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ"٤، قلتُ: يا رسولَ الله! أفلا آخذُ سَيْفِي فَأَضَعُهُ عَلَى عَاتِقِي؟ قال: "شَارَكْتَ٥
_________
١ في السنن:"أو قال: ما خار الله لي ورسوله".وأو للشك. وما خار: أي اختار.
٢ في السنن: "لبيك وسعديك"، بدون لفظ النداء.
٣ "أحجار الزيت"، موضع بالمدينة: في الحرة. سمي بها لسواد الحجارة. كأنها طليت بالزيت.
أي: أن الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها؛ لكثرة القتلى. وهذا إشارة إلى وقعة الحرة. التي كانت زمن يزيد.
٤ في السنن: "بمن أنت فيه"، بدل: منه: أي: بأهلك وعشيرتك.
٥ "شاركت القوم إذا"، أي: إذا أخذت السيف ووضعته على عاتقك. وقوله: "شاركت"،لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلاّ فالدفع واجب. قاله ابن عبد الملك.
قال القاري: والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلمًا، إن لم يترتب عليه مفسدة بخلاف ما إذا كان العدو كافرًا، فإنّه يجب الدفع ما أمكن.
الْقَومَ إِذًا"، قال: قُلْتُ: فماذا تَأْمُرُنِي١؟ قال: "تَلْزَمُ بَيْتَكِ"، قلتُ: فإن دخلَ عَلَى بَيْتِي؟ قال: "فَإِنْ خَشِيْتَ أَن يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ٢، فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِكَوَإِثْمِهِ".
(٨٨) زاد ابن٣ ماجه: "كيفَ أنْتَ وَجَوائِحُ٤ تُصِيبُ النّاسَ، حتّى تَأْتِي مَسْجِدَكَ، فَلا تستَطِيعُ أَنْ تَرْجِعَ إلى فِرَاشِكِ ولا٥ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِن فِرَاشِكَ إلى مَسْجِدَك؟ ". قُلْتُ: الله ورسولُهُ أعلم، أَوْ خَارَ٦ الله لِي وَرُسُولُه. قال: "عَلَيْكَ بالعِفّة".
_________
١ في السنن "فما تأمرني".
٢ "إن خشيت أن يغلبك شعاع السّيف"، أي: أن خشيت أن يغلبك لمعان السّيف وبريقه، - وهو كناية عن أعمال السيف- فغط وجهك، حتى لا ترى ولا تفزع. والمعنى: لا تحاربهم وإن حاربوك.
٣ سنن ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة، ص ١٣٠٨.
٤ في سنن ابن ماجه: "وجوعًا يصيب الناس".
٥ في السنن: "أولا تستطيع أن تقوم من فراشك"،بلفظ أو. بدل واو العطف.
٦ في السنن: "أو ما خار الله لي ورسوله".
(٨٩) وفي حديث١ عن ابن مسعود: وذكر الْفِتْنَةَ. قال:
"الْزَمْ بَيْتَكَ"، قيل: فَإِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قال: "فَكُنْ مِثْلَ الْجَمَلَ الأَوْرقَ٢ الثَّفَّال٣، الّذي لا يَنْبَعِثُ إِلاّ كرهًا، ولا يَمْشِي إلاّ كَرْهًا". رواه أبو عبيد.
(٩٠) ولأبِي٤ داود عن الْمِقْداد مرفوعًا:
"إنّ٥ السَّعِيدَ لِمَن جُنِّب الْفِتَن. إنّ السَّعِيدَ لَمَنْ
_________
١ لم نجده فيما بين أيدينا من أصول.
٢ الجمل الأورق: الأسمر. ومنه ناقة ورقاء. نهاية.
٣ الثفّال: البطيء الثقيل الذي لا ينبعث إلاّ كرها – أي لا تتحرك في الفتنة. من لسان العرب.
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود – ج١١- كتاب الفتن – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٤.
٥ صدر الحديث بلفظ: "أيم الله. لقد سمعت رسول الله ﷺ –"، يقول: "إنّ السعيد لمن جنب الفتن"، وكررت هذه الجملة في السنن ثلاث مرات. وقد ذكرت في الأصل مرتين.
ومعنى جنب: أبعد. والتكرار للمبالغة في التأكيد. ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها.
جُنِّب الْفِتَن. وَلِمَن ابْتُلِيَ فَصَبَرَ. فَوَاهًا"١.
_________
١ "فواهًا"، معناه: التلهف والتحسر. أي: واهًا لمن باشر الفتنة، وسعى فيها. وقيل معناه: الإعجاب والاستطانة. ولمن بكسر اللام. أي: ما أحسن وما أطيب صر من صبر عليها.
قال في القاموس: واهًا بالتنوين، وبدونه. كلمة تعجب من طيب شيء. وكلمة تلهف.
...
مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ
(٨٧) ولأبِي١ داود عن أبي ذر: قال رسولُ الله ﷺ:
"يا أبَا ذَرٍّ"، قلت: لبّيك يا رسول الله! وسعديك وذكر الحديث. قال فيه: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخَذَتِ٢ النّاسَ مَوْتٌ، تكون الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ؟ "٣. – يعني:
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود – ج١١ – كتاب الفتن – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٠.
٢ في سنن أبي داود:"إذا أصاب الناس موت"،وإلحاق تاء التأنيث في أخذ: خطأ.
٣ المراد بالبيت: القبر. وبالوصيف: الخادم والعبد.
قال الخطابي: يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم. حتّى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت، أو يدفنه، إلاّ أن يعطي وصيفًا، أو قيمته.
وقد يكون معناه: أن مواضع القبور تضيق عليهم، فيبتاعون لموتاهم القبور. كل قبر بوصيف.
وقيل: المراد بالبيت: المتعارف. والمعنى: أن البيوت تصير رخيصة؛ لكثرة الموت، وقلّة من يسكنها. فيباع البيت بعبد.
الْقَبْر – قلت: الله ورسولُهُ أَعْلَمُ، أو قال: ما يَخْتَارُ١ الله لي ورسولُهُ. قال: "عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ"، أو قال:"تَصْبِرْ". ثُمَّ قال لي: "يَا أبَا ذَرٍّ! "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله! وسَعَدَيْكَ٢. قال: "كَيْفَ أَنْتَ! إذا رَأَيْتَ أَحْجَارَ٣ الزّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بالدَّمِ؟ "، قُلْتُ: مَا خَارَ الله لِي ورسولُه. قال: "عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ"٤، قلتُ: يا رسولَ الله! أفلا آخذُ سَيْفِي فَأَضَعُهُ عَلَى عَاتِقِي؟ قال: "شَارَكْتَ٥
_________
١ في السنن:"أو قال: ما خار الله لي ورسوله".وأو للشك. وما خار: أي اختار.
٢ في السنن: "لبيك وسعديك"، بدون لفظ النداء.
٣ "أحجار الزيت"، موضع بالمدينة: في الحرة. سمي بها لسواد الحجارة. كأنها طليت بالزيت.
أي: أن الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها؛ لكثرة القتلى. وهذا إشارة إلى وقعة الحرة. التي كانت زمن يزيد.
٤ في السنن: "بمن أنت فيه"، بدل: منه: أي: بأهلك وعشيرتك.
٥ "شاركت القوم إذا"، أي: إذا أخذت السيف ووضعته على عاتقك. وقوله: "شاركت"،لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلاّ فالدفع واجب. قاله ابن عبد الملك.
قال القاري: والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلمًا، إن لم يترتب عليه مفسدة بخلاف ما إذا كان العدو كافرًا، فإنّه يجب الدفع ما أمكن.
الْقَومَ إِذًا"، قال: قُلْتُ: فماذا تَأْمُرُنِي١؟ قال: "تَلْزَمُ بَيْتَكِ"، قلتُ: فإن دخلَ عَلَى بَيْتِي؟ قال: "فَإِنْ خَشِيْتَ أَن يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ٢، فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِكَوَإِثْمِهِ".
(٨٨) زاد ابن٣ ماجه: "كيفَ أنْتَ وَجَوائِحُ٤ تُصِيبُ النّاسَ، حتّى تَأْتِي مَسْجِدَكَ، فَلا تستَطِيعُ أَنْ تَرْجِعَ إلى فِرَاشِكِ ولا٥ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِن فِرَاشِكَ إلى مَسْجِدَك؟ ". قُلْتُ: الله ورسولُهُ أعلم، أَوْ خَارَ٦ الله لِي وَرُسُولُه. قال: "عَلَيْكَ بالعِفّة".
_________
١ في السنن "فما تأمرني".
٢ "إن خشيت أن يغلبك شعاع السّيف"، أي: أن خشيت أن يغلبك لمعان السّيف وبريقه، - وهو كناية عن أعمال السيف- فغط وجهك، حتى لا ترى ولا تفزع. والمعنى: لا تحاربهم وإن حاربوك.
٣ سنن ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة، ص ١٣٠٨.
٤ في سنن ابن ماجه: "وجوعًا يصيب الناس".
٥ في السنن: "أولا تستطيع أن تقوم من فراشك"،بلفظ أو. بدل واو العطف.
٦ في السنن: "أو ما خار الله لي ورسوله".
(٨٩) وفي حديث١ عن ابن مسعود: وذكر الْفِتْنَةَ. قال:
"الْزَمْ بَيْتَكَ"، قيل: فَإِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قال: "فَكُنْ مِثْلَ الْجَمَلَ الأَوْرقَ٢ الثَّفَّال٣، الّذي لا يَنْبَعِثُ إِلاّ كرهًا، ولا يَمْشِي إلاّ كَرْهًا". رواه أبو عبيد.
(٩٠) ولأبِي٤ داود عن الْمِقْداد مرفوعًا:
"إنّ٥ السَّعِيدَ لِمَن جُنِّب الْفِتَن. إنّ السَّعِيدَ لَمَنْ
_________
١ لم نجده فيما بين أيدينا من أصول.
٢ الجمل الأورق: الأسمر. ومنه ناقة ورقاء. نهاية.
٣ الثفّال: البطيء الثقيل الذي لا ينبعث إلاّ كرها – أي لا تتحرك في الفتنة. من لسان العرب.
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود – ج١١- كتاب الفتن – باب النهي عن السعي في الفتنة ص ٣٤٤.
٥ صدر الحديث بلفظ: "أيم الله. لقد سمعت رسول الله ﷺ –"، يقول: "إنّ السعيد لمن جنب الفتن"، وكررت هذه الجملة في السنن ثلاث مرات. وقد ذكرت في الأصل مرتين.
ومعنى جنب: أبعد. والتكرار للمبالغة في التأكيد. ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها.
جُنِّب الْفِتَن. وَلِمَن ابْتُلِيَ فَصَبَرَ. فَوَاهًا"١.
_________
١ "فواهًا"، معناه: التلهف والتحسر. أي: واهًا لمن باشر الفتنة، وسعى فيها. وقيل معناه: الإعجاب والاستطانة. ولمن بكسر اللام. أي: ما أحسن وما أطيب صر من صبر عليها.
قال في القاموس: واهًا بالتنوين، وبدونه. كلمة تعجب من طيب شيء. وكلمة تلهف.
Translation
باب: من أحاديث النهي عن السعي في الفتنة
#14
Chapter 14 — باب: من أمارات الساعة
· ref. #14
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
باب: من أمارات الساعة
...
مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ
(٩١) وللبخاريّ١، عن عوف بن مالك. قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ – ﷺ– في غزوة تَبُوكَ وهو فِي قبّة من أدمٍ٢ فقال: "اعْدُدْ ستًّا بَيْنَ يَدَي السّاعةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بيتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مَوْتَان٣ يَأْخُذُكُم٤ كَقِعَاصِ٥ الْغَنَمَ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ، حَتَّى يُعْطَى
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح – ج ٦ – كتاب الجزية والموادعة – باب ما يحذر من الغدر ص ٢٧٧.
٢ أدم: اسم جمع – والجمع: أدم. والمفرد: أديم. وهو الجلد قاموس.
(موتان) بضم الميم وسكون الواو. هو: الموت. وقيل: الموت الكثير الوقوع.
٤ في صحيح البخاري: يأخذ فيكم.
(كقعاص) ضبطه في الفتح بتقديم العين على القاف، والمنصوص في كتب اللغة بتقديم القاف على العين. وكذلك في نسخ البخاري، وهو داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، فتموت فجأة. وقيل: إنّه داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق. ويقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عَمْوَاس في خلافة عمر، بعد فتح بيت المقدس.
الرّجلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنِ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ١ تَكُونُ بَيْنَكُم وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ٢، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُم تَحْتَ ثَمَانِيْنَ غَايَةً٣، تَحْتَ كلِّ غَايَةٍ اثنا عشر ألفًا.
_________
١ هدنة: بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون: هي الصّلح على ترك القتال، بعد التحرك فيه.
٢ بنو الصفر. هم: الروم.
٣ غاية: أي: راية. وسميت بذلك؛ لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف.
وفي الحديث بشارة ونذارة؛ وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين، مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه.
...
مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ
(٩١) وللبخاريّ١، عن عوف بن مالك. قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ – ﷺ– في غزوة تَبُوكَ وهو فِي قبّة من أدمٍ٢ فقال: "اعْدُدْ ستًّا بَيْنَ يَدَي السّاعةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بيتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مَوْتَان٣ يَأْخُذُكُم٤ كَقِعَاصِ٥ الْغَنَمَ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ، حَتَّى يُعْطَى
_________
١ صحيح البخاري بشرح الفتح – ج ٦ – كتاب الجزية والموادعة – باب ما يحذر من الغدر ص ٢٧٧.
٢ أدم: اسم جمع – والجمع: أدم. والمفرد: أديم. وهو الجلد قاموس.
(موتان) بضم الميم وسكون الواو. هو: الموت. وقيل: الموت الكثير الوقوع.
٤ في صحيح البخاري: يأخذ فيكم.
(كقعاص) ضبطه في الفتح بتقديم العين على القاف، والمنصوص في كتب اللغة بتقديم القاف على العين. وكذلك في نسخ البخاري، وهو داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، فتموت فجأة. وقيل: إنّه داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق. ويقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عَمْوَاس في خلافة عمر، بعد فتح بيت المقدس.
الرّجلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنِ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ١ تَكُونُ بَيْنَكُم وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ٢، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُم تَحْتَ ثَمَانِيْنَ غَايَةً٣، تَحْتَ كلِّ غَايَةٍ اثنا عشر ألفًا.
_________
١ هدنة: بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون: هي الصّلح على ترك القتال، بعد التحرك فيه.
٢ بنو الصفر. هم: الروم.
٣ غاية: أي: راية. وسميت بذلك؛ لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف.
وفي الحديث بشارة ونذارة؛ وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين، مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه.
Translation
باب: من أمارات الساعة
#15
Chapter 15 — باب: ملاحم الروم
· ref. #15
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ مُلاَحِمِ الرُّومِ
(٩٢) ولِمسلم١، عن يسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجِّيْري٢ إلاّ يا عبد الله بن مسعود! جَاءَتِ السَّاعَةُ. قال: فَقَعَدَ وكان متّكئًا. فقال: إنّ السّاعة لا تَقُومُ حتَّى لا يُقسم مِيْراثٌ. ولا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ. ثمّ قال بيده: هكذا: (وَنَحَّاهَا نَحْو الشَّامِ)، فقال: عَدوُّ يَجمعون لأهل الإسلام. أو٣ يَجْمَع لَهُمُ الإسلام. قلت:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن، باب: إقبال الرّوم في كثرة القتل عند خروج الدّجّال، ص: ٢٤.
٢ "ليس له هجيري": هو بكسر الهاء والجيم المشدّدة مقصور الألف: بمعنى: الهجير، أي: شأنه ودأبه ذلك.
٣ في صحيح مسلم: "ويجمع أهل الإسلام"، بالواو بدل (أو) أي: لقتالهم.
الرّومَ تَعْنِي؟ قال نَعَم. قال: ويكون عند ذلكم١ الْقِتَالِ رِدَّةٌ شَدِيْدَةٌ، فَيُشْتَرطُ٢ الْمُسْلِمُون شُرْطَةً لِلْمَوتِ، لا تَرْجَعُ إِلاّ غاليةً، فَيَقْتَتِلُون٣ حتّى يُمْسُوا، فيبقى٤ هؤلاء وهؤلاء، كلّ غَيْرُ غَالِبٍ، وتَفْنِى الشُّرْطَةُ، فَإِذا كان يومُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهُم٥ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإسلام، فَيَجْعَلُ الله الدّائرةَ عليهم٦ فَيَقْتَتِلُون مَقْتَلَةً – إمّا قال: لَم يُرَ
_________
١ في صحيح مسلم: "وتكون عند ذاكم القتال"، ورَدَّةٌ شديدةٌ بفتح الرّاء، أي: عطفة قويّة.
٢ "فيشترط المسلمون"، ضبط بوجهين:
أحدهما: فيشترط.
والثّاني: فيشترط، بمثناة تحت ثم مثناة فوق، ثم شين مفتوحة وتشديد الرّاء، والشّرطة طائفة من الجيش تقدم للقتال.
٣ في صحيح مسلم بعد هذا اللّفظ: "حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيل، فَيَفِيئُ هَؤُلاَءِ وهَؤُلاَء كلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ. وتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِط الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لا تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَة، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِئ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَء، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لاَ تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ".
٤ في صحيح مسلم: "فيفيء"، أي: يرجع.
٥ "نهد" بفتح الهاء، أي: نهض وتقدّم.
٦ "الدّائرة"، أي: الهزيمة.
وفي بعض روايات مسلم بلفظ: "الدّبرة"، وهي بمعنى الدّائرة، قال الأزهري: "الدّائرة: هم الدّولة تدور على الأعداء. وقيل: هي الحادثة".
مِثْلُها. وإمّا قال: لا يُرَى مِثْلُها١، حتّى إنّالطَّيْرَ٢ لَتَمُرُّ بِجَنَبَاتِهم٣، فما يُخَلِّفُهم٤ حتّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُ٥ بَنُو الأب كَانُوا مائة، فلا يَجِدُون٦ بَقِي مِنْهُم إلاّ الرّجلُ الْوَاحِدِ. فبأَي غَنيمةٍ يُفْرَحُ، أَو بِأَيِّ مِيْراثٍ يُقْسَمُ؟ ٧، فَبَيْنَمَا هُم كذلك إذ سَمِعُوا بِنَاسٍ٨ هم أكثر من ذلك، فَجَاءَهُم الصّريخُ: إنّ الدّجّالُ قد خَالَفَهُم٩ في ذَرَاريِّهم، فَيَرْفُضُونَ١٠ ما بِأَيْدِيهُم
_________
١ في صحيح مسلم تقديم وتأخير بين الجملتين هكذا: "إمّا قال: لا يرى مثلها، وإمّا قال: لم ير مثلها ".
٢ في صحيح مسلم: "الطّائر"، بدل: الطّير.
٣ "بجنباتهم"، أي: نواحيهم، وحكى القاضي عن بعض رواتهم: بجثمانهم، أي: شخوصهم.
٤ "فما يخلفهم"، بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام المشدّدة، أي: يجاوزهم، وحكى القاضي: فما يلحقهم، أي: يلحق آخرهم.
٥ "فيتعاد بنو الأبّ" في النّهاية: أي: يَعُدُّ بعضهم بعضًا.
٦ في صحيح مسلم: "فلا يجدونه".
٧ في صحيح مسلم: "يقاسم".
٨ في بعض روايات مسلم: "إِذْ سمعوا بيأس هو أكبر من ذلك". وهو الصّواب كما حكاه القاضي عياض: عن محقّقي رواتهم.
٩ في صحيح مسلم: "قد خلفهم".
١٠ في صحيح مسلم: "فيرفضون ما في أيديهم"، أي: يتركون.
ويُقْبَلُون: فَيَبْعَثُون عَشْرَ١ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قال رسولُ الله – ﷺ:
"إنِّي لا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهم وأَسْمَاءَ آبائهم، وأَلْوَانَ خُيولِهم. خَيْرُ٢ فَوَارِسِ عَلَى ظَهْرِ الأرض يومئذٍ".
(٩٣) وَلَهُ٣، عن أبي هريرة أنّ رسول الله – ﷺ – قال:
"لا تقومُ السّاعةُ حتّى تَنْزِلَ٤ الرّومُ بِالأَعْمَاقِ، أو بِدَابِقٍ٥. فَيَخْرُجُ إِلَيهُم جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِن خِيَارِ أَهْلِ الأرض يومئذٍ؛ فإذا تَصَادَفُوا. قالتِ الرّومُ:
_________
١ في صحيح مسلم: "عشرة فوارس"، وهو المتّفق مع القواعد.
٢ في صحيح مسلم: "هم خير فوارس".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في فتح قسطنطينية وخروج الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم ص: ٢١.
٤ في صحيح مسلم: "حَتَّى يَنْزَلَ الرُّومُ"، بالياء.
٥ "الأعماق، أو بدابق"، الأعماق بفتح الهمزة، وبالعين المهملة، ودابق: بكسر الباء الموحّدة، وفتحها: موضعان بالشّام بقرب حلب.
خَلوا بَيْنَنَا وبَيْنَ الّذين سُبُوا مِنًاّ١ نُقَاتُلُهُم: فَيَقُولُ الْمُسْلِمُون: لا. والله! لا نُخَلِّي بَيْنَكُم وبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهم. فَيَنْهَزِم ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عليهم أبَدًا٢، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُم أَفْضَلُ الشُّهَدَاء عند الله، ويَفْتَحُ الثُّلُثُ، لا يُفْتَنُون أبدًا، فَيَفْتِحُون قُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُم يَقْتَسِمُون الْغَنَائِمَ، قَد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيُتُون.
إِذْ صَاحَ فيهم الشَّيْطَان: إنّ الْمَسيحَ قَد خَالَفَكُمْ٣ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُون؛ وذلك بَاطِلٌ.
فَإِذَا جاءوا الشَّامَ خَرَجَ، فينما هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصّلاةُ؛ فَنَزَلَ عِيسى بن مريم فأمّهم. فإذا رآه عدوُّ الله، ذَابَ كما يَذُوبُ
_________
١ "سبوا"، روي على وجهين: فتح السّين والباء، وضمّهما.
قال القاضي في المشارق: "الضُّمُّ رواية الأكثرين، قال: وهو الصّواب، قلت: كلاهما صواب؛ لأنّهم سُبُوا أولا، ثم سبوا الكفار". اهـ.
٢ "لا يتوب الله عليهم أبدًا"، أي: لا يلهمهم التّوبة.
٣ في صحيح مسلم: "إنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُم".
الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فلو تركه لانْذَابَ حتّى يَهْلِكَ. ولكن يَقْتله الله بِيَدِهِ. فَيُرِيهم دَمَهُ فِي حِرْبَتِه".
(٩٤) وَلَهُ١ عنه عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"سَمِعْتُم بِمَدِينَةٍ: جَانِبٌ فيها فِي٢ البرّ، وجَانِبٌ فِي البحر؟ "، قالوا: نعم، يا رسولَ الله! قال: "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يَغْزُوَهَا سَبْعُون ألفًا من بنِي إسحاق٣،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتى يَمُرَّ الرّجل بقبر الرّجل، فيتمنّى أن يكون مكان الْمَيِّت من البلاء، ص: ٤٣. والضّمير في عنه؛ لأبي هريرة.
٢ في صحيح مسلم: "وجانب منها في البحر".
٣ "من بني إسحاق"، قال القاضي: "كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم: من بني إسحاق".
قال: قال بعضهم: المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدلّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب. وهذه المدينة هي: القسطنطينية".
فإذا١ نَزَلُوها لَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلاح، ولَم يَرْمُوا بسهم. قالوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيَسْقُطَ أَحَدُ جَانِبَيْهَا".
قال ثَورٌ: لا أعلمه قال٢: إلاّ الّذي في البحر. "ثُمَّ يَقُولُوا٣ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيَسْقط جَانِبُها الآخر، ثُمَّ يقولوا الثّالِثَةَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيُفَرَّجُ لَهُم، فَيَدْخُلُونَها٤ فَيَغْنَمُوها٥، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُون الْغَنَائِمَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصّريخُ، فقال: إنّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُون كَلَّ شَيْءٌ ويَرْجِعون".
(٩٥) ولابن ماجه٦ من حديث؟كثير٧ بن عبد الله
_________
١ في صحيح مسلم: "فإذا جاؤوها نزلوا".
٢ في صحيح مسلم:"لا أعلمه" إلاّ قال: "الذي في البحر"،بتقديم إلاّ على قال.
٣ في صحيح مسلم: "ثم يقولوا: الثّانية".
٤ في صحيح مسلم: "فيدخلوها"، بدون النّون.
٥ في صحيح مسلم: "فيغنموا".
٦ سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٧٠.
وفي الزّوائد: "في إسناده كثير بن عبد الله، كذّبه الشّافعي، وأبو داود. وقال ابن حبان: روى عن أبيه، عن جدّه: نسخة موضوعة، لا يحلّ ذكرها في كتب، ولا الرّواية عنه، إلاّ على جهة التّعجّب".
٧ وأوّل الحديث: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِبُولاءَ، ثم قَالَ ﷺ: يا عَلِيّ! يَا عَلِيّ! قَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي. قال: إِنَّكُم سَتُقَاتِلُون ... " الحديث.
ومسالح: جمع مسلحة، قال في النّهاية: "المسلحة: القوم الذين يحفظون الثّغور من العدوّ، وسُمّوا مسلحة؛ لأنّهم يكونون ذوي سلاح؛ أو لأنّهم يسكنون المسلحة، وهي كالثّغر والمرقب، يكون فيه أقوام يرقبون العدوّ؛ لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأّهبوا له".
وبولاء: اسم موضع. وجاء في تاج العروس بولاة وبولان، وقال: ذكرها ابن ماجه، في الفتن.
ابن عمرو بن عوف عن أبيه: عن جدِّه مرفوعًا.
"إنّكُم ستُقَاتِلُون بني الأصْفَر١. ويُقَاتِلُونَهم٢ الّذين مِن بعدكم، حتّى يَخْرُجَ إليهم وَفْدُ الإسلام٣: أَهْلُ الْحِجَازِ: الّذين لا يَخَافُون في الله لَوْمَةَ لاَئِمٍ. فَيَفْتَحُون الْقُسْطَنْطِيْنِيَّةِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيْر. فَيُصِيبُوا٤
_________
١ "وبني الأصفر"، يعني: الرّوم.
٢ في سنن ابن ماجه: "ويقاتلهم الذين من بعدكم"، وهو الصّواب.
٣ في سن ابن ماجه: "حتى تخرج إليهم رُوقَةُ الإسلام".
وروقة الإسلام: أي: خيار المسلمين وسراتهم، جمع رائق، من راق الشّيء، إذا صفا وخلص.
٤ في سنن ابن ماجه: "فيصيبون غنائم"، بالنّون وهو الصّواب.
غَنَائِمَ لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَها. حتّى يَقْتَسِمُوا بِالأَترسَة. فَيَأْتِي آتٍ١، فيقول: إنّ الْمسيحَ قد خرج في بلادكم. ألا وهي كَذْبَةٌ. فالآخذُ نَادِمٌ، والتَّارِكُ نَادِمٌ"٢.
(٩٦) ولأبِي داود٣، وغيره عن ذي مخبر٤ – وكان من أصحاب النّبيّ – ﷺ – قال: سمعت النَّبِيّ - صّى الله عليه وسلّم - يقول:
"سَيُصَالِحُكُمُ٥ الرُّومُ صُلْحًا آمنًا. ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُم
_________
١ في سنن ابن ماجه: "ويأتي آتٍ"، بالواو، بدل الفاء.
٢ "فالآخذ نادم"، لظهور أنّه كذب، "والتّارك نادم"، لأنّ الدّجّال يخرج بعده بقريبٍ، بحيث يرى التّارك أنّه لو تأّهب له حين سمع ذلك القول كان أحسن.
٣ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الرّوم ص: ٣٩٧.
وفي سنن ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٦٩.
(مخبر" بكسر الميم وسكون الخاء، وبالباء الموحّدة، ويقال: بالميم، بدل الباء، كما في ابن ماجه.
٥ في سنن أبي داود: "ستصالحون الرّوم"، وفي سنن ابن ماجه: "ستصالحكم الرّوم".
وَهُم عدوًّا١. فَتُنْصَرُون وتَسْلَمُون، ثُمَّ يَنْصَرِفُون حتّى يَنْزِلُون بِمَرْج ذي تُلُولٍ٢، فَرَفَعَ رَجُلٌ٣ مِن أهلِ الْصَّلِيبِ الصَّلِيبَ؛ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ٤. فَيَغْضَبُ رجلٌ من الْمسلمين، فَيَقُومُ إليه فَيَدْفَعُهُ٥ فَعِنْدَ ذلك تَغْدِرُ الرّومُ، ويَجْمَعُون لِلْمُلاَحِمَة٦. [فَيَأْتُون تَحْتَ
_________
١ في سنن أبي داود: "فتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم"، أي: من خلفكم. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
٢ في سنن أبي داود: "فتنصرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون حتّى تنْزلوا"، وتنصورن: بالمجهول، وتغنمون: بالمعلوم.
وفي سنن ابن ماجه: "فتنتصرون وتغنمون وتسلمون ثم تنصرفون حتّى تنْزلوا بمرج ذي تلول".
فالخطاب في الألفاظ كلّها للمسلمين. بخلاف ما في المخطوطة فبعض الألفاظ بصيغة الغيبة.
والمرج بفتح فسكون، آخره جيم: الموضع الذي ترعى فيه الدّواب.
٣ في سنن أبي داود: (فيرفع رجل من أهل النّصرانية الصّليب".
وفي سنن ابن ماجه: "فيرفع رجل من أهل الصّليب الصّليب".
٤ "غلب الصّليب"، أي: دين النّصارى. قصدًا لإبطال الصّلح، أو لمجرّد الافتخار وإيقاع المسلمين في الغيظ.
٥ في سنن أبي داود: "فيغضب رجل من المسلمين فيدقّه".
وفي سنن ابن ماجه: "فيقوم إليه فيدقّه"، أي: يكسر الصّليب.
٦ في سنن أبي داود: "وتجمع للملحمة".
وفي سنن ابن ماجه: "ويجتمعون للملحمة".
ثَمانِيْنغَايَةً. تَحْتَ كُلّ غَايَةٍ اثنا عشر ألفًا] ١.
زاد أبو داود٢: "وتَثُورُ الْمُسْلِمُون إلى أَسْلِحَتَهُم، فَيَقْتَتِلُون. فَيُكْرِمُ الله تِلْكَ الْعِصَابَةَ بالشّهادة".
(٩٧) وَلَه٣، وغَيْرِه عن معاذٍ عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"الْمَلْحَمَةُ٤ الْكُبُرَى، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعِةِ أَشْهُرٍ" حسّنه التِّرمذي٥.
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في سنن أبي داود، وهو من سنن ابن ماجه، بزيادة لفظ: حينئذٍ بعد قوله: فيأتون.
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الرّوم، ص: ٣٩٩.
٣ عون المعبود بشرح سنن أبي دود ج ١١، كتاب الملاحم، باب في تواتر الملاحم، ص: ٤٠٢.
وسنن ابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب الملاحم، ص: ١٣٧٠.
٤ الملحمة: موضع القتال، ويطلق على القتال والفتنة أيضًا. إمّا من اللحم، لكثرة لحوم القتلى فيها، أو من لحمة الثّوب، لاشتباك النّاس، واختلافهم فيها، كاشتباك لحمة الثّوب بسداه.
٥ تحفة الأحوذي بشرح التّرمذي ج ٦، أبواب الفتن، باب ما جاء في علامات خروج الدّجّال ص: ٤٩٦.
(٩٨) ولأبي داود١ عن عبد الله بن بشر مرفوعًا:
"بين الْمُلْحَمَةِ وفَتْحِ الْمدينة سِتُ سنِيْن، ويَخْرُجُ الدّجّال٢ في السّابِعَة ".
قال٣: هذا أصحّ من حديث عيسى، يعني: حديث معاذ.
(٩٩) وله٤ عن ثَوْبَان: قال رسولُ الله – ﷺ:
"يُوشِكُ الأَمَمُ أَن تَدَاعَى عَلَيكُم، كَمَا تَدَاعَى
_________
١ عون المعبود، بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في تواتر الملاحم، ص: ٤٠٢.
٢ في سنن أبي داود: "ويخرج المسيح الدّجّال".
٣ قال أبو داود: "هذا أصحّ من حديث عيسى"، يعنِي: معاذ. وبذلك فلا تعارض بين الحديثين؛ لأنّ الثّاني أرجح إسنادًا فلا ينافيه الأوّل.
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب تداعي الأمم على الإسلام ص: ٤٠٤.
الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" ١، فقال قائلٌ: مِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "بَلْ أَنْتُم كَثِيْرُ، وَلَكَنَّكُم غُثَاءُ٢ كَغُثَاءِ السَّيلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ الله مِن صُدُورِ عَدِوِّكم الْمَهَابَةَ مِنْكُم، وَلَيَقْذِفَنَّ الله فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ"، فقال قائل: يا رسول الله! وما الْوَهْنُ؟ ٣، قال: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ الْمَوتِ"٤.
(١٠٠) ولِمسلم٥ عن أبي هريرة: قال رسول الله
_________
١ "إلى قصعتها"، الضمير للأكلة، أي: التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوًا صفوًا، كذلك يأخذون ما في أيديكم، بلا تعبٍ ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأسٍ يمنعهم.
٢ "غثاء"، الغثاء؛ بضم الغين، هو: ما يحمله السّيل من زبدٍ ووسخٍ، شبّههم به لقلةّة شجاعتهم، ودناءة قدرهم، وأنّهم لا رأي لهم ويساقون بغيرهم.
٣ "وما الوهن؟ "، أي: ما موجبه وما سببه؟ وهو سؤال عن نوع الوهن.
أو كأنّه أراد: من أيّ وجهٍ يكون ذلك الوهن؟
٤ في سنن أبي داود: "وكراهية الموت"
وحبّ الدّنيا وكراهة الموت متلازمان، فكأنّهما شيءٌ واحدٌ يدعوهم إلى إعطاء الدّنية في الدّين، نسأل الله العافية.
٥ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتى يحسر الفرات عن جبلٍ من ذهب ص: ١٨.
– ﷺ:
"لا تَقُومُ السّاعَةُ، حتّى يَحْسِرَ١ الْفُرَاتُ عَن جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ. يَقْتُلُ النّاسُ عليه، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُون. ويقول كلّ رجلٍ مِنْهم: لَعَلِّي أنا الّذي أكون أنْجُو"٢.
وفي رواية: "فَمَن حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنهُ شيئًا"٣.
(١٠١) وله٤ عنه: قال رسول الله – ﷺ:
"إِذا مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وَقَفِيزَهَا٥، ومَنَعَتِ الشَّامُ
_________
١ "يحسر"، أي: ينكشف لذهاب مائه.
٢ في صحيح مسلم: "لعلي أكون أنا الذي أنجو".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، الباب السّابق ص: ١٩.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، نفس الباب ص: ٢٠.
والضّمير في عنه: لأبي هريرة، وأوّل الحديث:"منعت العراق"،بدون لفظ:"إذا".
٥ "وفقيزها"، القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: "هو ثمانية مكاكيك".
والمكوك: صاع ونصف؛ وهو خمس كيلجات.
مُدْيَهَا١ وَدِينَارَها، ومَنَعَتْ مِصْرَ إِرْدَبَّها٢ وَدِينَارَها، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْنتم، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُم، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْتْم " شَهِدَ على ذلك لَحْمُ أبِي هريرة ودمه.
(١٠٢) وله٣ عن المستورد القرشي: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ – يقول:
_________
١ "ومديها"، على وزن قفل، مكيال معروف لأهل الشّام.
قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكًا.
٢ "إردبها"، مكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعًا.
وفي معنَى: منعت العراق وغيرها: قولان مشهوران:
أحدهما: لإسلامهم فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وقع.
والثّاني: وهو الأشهر، أنّ معناه: أنّ العجم والرّوم يستولون على البلاد في آخر الزّمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين.
وقد روى مسلم عن جابر، قال: "يوشك ألا يجيء إليهم قفيز، ولا درهم"، قلنا: من أين ذلك؟ قال: "من قبل العجم يمنعون ذاك". وذكر في منع الرّوم بالشّام مثله". اهـ النّووي.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، باب تقوم السّاعة والرّوم أكثر النّاس، ص: ٢٢.
"تَقُومُ السّاعَةُ والرُّومُ أكثر النّاسَ".
فقال١ له عمرو بن العاص: لَئِن قُلْتَ ذلك، إنَّ فيهم لَخِصَالًا أربعًا: إنّهم لأَحْلَمُ النّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعَهُم إِفَاقَةٍ بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوشَكَهُم كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وخَيْرُهُم لِمِسْكِيْن وَيَتِيم وَضَعِيفٍ، وخَامِسَةٌحَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُم مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
(١٠٣) وله٢ عن جابر بن سَمَرة عَنْ نَافِع بُنِ عُتْبَةَ. قال: كُنّا مع رسول الله – ﷺ – في غَزْوَةٍ. قال: فأتى النّبيّ – ﷺ – قَوْم مِنْ قِبَلِ الْغُربِ. عَلَيْهِم ثِيَابُ الصَّوفِ. فَوَافَقُوهُ عَلَى أَكَمَة٣؛ فَإِنَّهم لَقِيَامٌ ورسولُ الله – صلّى الله عليه
_________
١ في صحيح مسلم: "فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: لئن قلت ... " الحديث.
٢ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٨، كتاب الفتن، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدّجّال ص: ٢٦.
٣ الأكمة: الرّابية، النهاية. وفي صحيح مسلم: "عند أكمة".
وسلّم – قاعدٌ. فقالت لي نفسي: إِئْتِهِم، فَاقْعُد١ بينهم وبينه؛ لا يَغْتَالُونَهُ٢. ثُمَّ قُلْتُ: لعلّه نَجِي٣ مَعَهُم. فَأَتَيْتُهم فَقُمْتُ بَيْنَهُم وَبَيْنَه. فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُهُنّ في يدي. قال:
"تَغْزُون جزيرة الْعَرَبَ، فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ فَاِرس، فَيَفْتَحُها الله. وتَغْزُون الرّومَ، فَيَفْتَحُها الله. ثمّ تَغْزُون٤ الدَّجَّال، يَفْتَحُها٥ الله".
قال: فقال نافعٌ: يا جابر! لا نَرَى الدّجّالَ يَخْرُجُ حتّى يُفْتَحَ الرّوم٦.
_________
١ في صحيح مسلم: "فقم".
٢ "لا يغتالونه"، يقتلونه غيلة. وهي القتل في غفلةٍ وخفاء وخديعة.
٣ "نجي معهم"، أي: يناجيهم، ومعناه: يحدّثهم سرًّا.
٤ في صحيح مسلم: "ثم تغزون".
٥ في صحيح مسلم: (فيفتحه الله".
٦ في صحيح مسلم: "حتّى تفتح الرّوم".
(١٠٤) وله١ عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:
"لا تقُومُ السّاعَةُ، حتّى يَخْرجَ رَجُلٌ مِن قَحْطَانَ يَسُوقُ النّاسَ بِعَصَاهُ".
(١٠٥) وله٢ عنه عن النّبيّ – ﷺ: "لا تَذْهَبُ الأيَّامُ واللّيالي، حتّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يقال له: الْجَهْجَاه"٣.
(١٠٦) وله٤ عنه: أنّ النّبيّ – ﷺ – قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب لا تقوم السّاعة حتى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص: ٣٦.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، نفس الكتاب، والباب ص: ٣٦.
٣ "الجهجاه" بهاءين، وفي بعضها: الجحجا بحذف الهاء التي بعد الألف، والأوّل هو المشهور.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، عن أبي هريرة، كتاب الفتن، نفس الباب والصّفحة.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا، كَأَنَّ وُجُوهَهُم الْمَجَان الْمُطْرَقَة١. ولا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا نِعَالُهُمُ الشّعرُ".
وفي لفظ٢: "تُقاتِلُكُم أُمَّةُ يَنْتَعِلُون الشَّعَرَ. وَجُوهُهم مِثْلُ الْمَجَانّ الْمطرَقَةِ".
(١٠٧) وفي رواية٣: "لا تَقُومُ السّاعَةُ، حَتَّى تُقُاتِلُوا قَومًا نِعَالُهُمُ الشّعر،
_________
١ "المجان المطرقة"، المجان: جمع مجن، وهو التّرس، والمطرقة، بإسكان الطاء وتخفيف الرّاء من أطرق، هذا هو الفصيح المشهور في الرّواية، وفي كتب اللّغة والغريب.
وحكي: فتح الطّاء وتشديد الرّاء، من طَرَّق، والمعروف الأوّل.
قال العلماء: هي التي ألبست العُقْب وأطرقت به طاقة فوق طاقة.
قالوا: ومعناه: تشبيه وجوه التّرك في عرضها، وتلون وجناتها بالتّرسة المطرقة.
٢ صحيح مسلم، نفس الجزء، والكتاب، والباب، ص: ٣٧، وأوّل الحديث: "لا تقوم السّاعة حتّى تقاتلكم أمّة ... " الحديث.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، نفس الجزء، والكتاب، والباب ص: ٣٧.
ولا تَقُومُ السّاعَةُ، حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا صِغَارَ الأَعْيُنِ ذُلْفَ الأَنُوفِ"١.
(١٠٨) وفي لفظ٢: "يُقَاتِلُ الْمسلمون التُّرْكَ: قَومًا وُجُوهُهُم كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ. يَلْبَسُون الشَّعْرَ وَيَمْشُونَ فِي الشّعر"٣.
_________
١ في صحيح مسلم: "ذلف الأنُفِ"، وذلف جمع أذلف، كأحمر وحمر.
ومعناه: فطش الأنوف، قصارها مع انبطاح، وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف، وقيل: تطامن فيها، وكلّه متقارب.
٢ صحيح مسلم شرح النّووي، نفس الجزء والكتاب والباب، ص: ٣٧.
وأوّل الحديث: "لا تقوم السّاعة حتى يقاتل المسلمون التّرك ... " الحديث.
٣ "يلبسون الشّعر ويمشون في الشّعر".
معناه: ينتعلون الشّعر، كما صرح به في الرّواية الأخرى: نعالهم الشّعر.
وفي الرّواية الأخرى: "حمر الوجوه"، أي: بيض الوجوه مشوبة بحمرة.
وفي هذه الرّاوية وغيرها: صغار الأعين.
وهذه كلّها معجزات لرسول الله ﷺ، فقد وجد قتال هؤلاء التّرك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشّعر. فوجدوا بهذه الصّفات كلّها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات. اهـ. نووي.
وفي لفظ١: "حُمْرُ الْوُجُوهِ، صَغَارُ الأَعْيُن".
(١٠٩) ولأبِي داود٢: عن ابن بريدة عن أبيه عن النَّبِيِّـ ﷺ:
"يُقَاتِلُكُم قومٌ صِغارُ الأَعْيُن" – يعني: التّرك – قال: "تَسُوقُونَهم٣ ثَلاثَ مِرَارٍ، حتّى تَلْحَقُونَهم٤ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب. فَأمّا فِي السِّياقة الأولى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُم.
وأمَّا فِي الثَّانِيَةِ، فَيَنْجُو بَعْضٌ، وَيَهْلِكُ بَعْضٌ. وَأمّا في الثّالِثَةِ، فيصطلمون" ٥، أو كما قال.
_________
١ نفس المرجع، وأوّل الحديث: "تقاتلون بين يدي السّاعة قومًا نعالهم الشّعر كان وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين".
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في قتال التّرك، ص: ٤١٢.
٣ تسوقونهم من السّوق، أي: يصيرون مغلوبين مقهورين منهزمين، بحيث إنّكم تسوقونهم.
٤ في سنن أبي داود: "حتّى تلحقوهم بجزيرة العرب".
٥ فيصطلمون بالبناء للمجهول، أي: يحصدون بالسّيف ويستأصلون من الصّلم وهو القطع المستأصل.
(١١٠) وله١ عن أبي بَكَرَةَ: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:
"ينْزِلُ نَاسٌ مِن أُمَّتِي بِغَائِطٍ٢ يُسَمُّونَهُ: الْبَصْرَةَ عَنْدَ نَهْرٍ يُقَالُلَهُ: دِجْلَةَ٣ عَلَيهِ جِسْرٌ٤، يَكْثُرُ أَهْلُهُا٥ وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُهَاجِرِيْنَ".
(١١١) وفي لفظ٦: "مِن أمصار المسلمين. فإذا كان في آخر الزّمان، جاء بنو قُنْطُورَاء٧، عِرَاضُ
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٧، وأوّل الحديث: "ينْزل أناس"، بدل: "ناس".
٢ "بغائط"، الغائط: المطمئن، الواسع من الأرض.
٣ "دجلة)، بسكر الدّال وتفتح نهر بغداد.
٤ في سنن أبي داود: "يكون عليه جسر"، والجسر القنطرة والمعبر.
٥ أي: يكثر أهل البصرة، وهي مثلثة الباء، والفتح أفصح، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر ﵁.
٦ عون المعبود، بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٨، وأوّل الحديث: "وتكون من أمصار المسلمين".
٧ "بنو قنطوراء"، بفتح القاف وسكون النّون ممدودًا، كذا ضبط.
وقال القاري: مصورًا، وقد يمد، أي: يجيؤون ليقاتلوا أهل بغداد، وقال بلفظ: جاء، دون يجيء إيذانًا بوقوعه فكأنّه قد وقع. وبنو قنطوراء: التّرك.
الْوُجُوهِ، صِغَارُ الأَعْيُنِ؛ حتّى ينْزِلُزا على شطِّ النّهر١، فَيَتَفَرَّق أَهْلُها ثلاث فِرَق: فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَر والْبَرِيَّة٢، وَهَلَكُوا. فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَلأنفسهم٣، وكفروا. فِرْقَةٌ يَجْعَلُون ذَرَاريَّهُم٤ خَلْفَ ظُهُورِهم، يُقَاتِلُونَهم، وَهُمُ الشّهداءُ".
(١١٢) وفي لفظ٥ أحمد، بعد الفرقة الأولى: "وَأَمَّا
_________
١ "على شطّ النّهر"، أي: على جانب النّهر، قال في المصباح: الشّطّ: جانب النّهر، وجانب الوادي.
٢ "يأخذون أذناب البقر والبَريّة"، أي: أنّ فرقة يعرضون عن المقاتلة هربًا منها وطلبًا لخلاص أنفسهم ومواشيهم، ويحملون على البقرة، فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها. أو يعرضون عن المقاتلة ويشتغلون بالزّراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشّاسعة فيهلكون.
٣ "وفرقة يأخذون لأنفسهم"، أي: يطلبون أو يقبلون الأمان من بني قنطوراء.
٤ "وفرقة يجعلون ذراريهم"، أي: أولادهم الصّغار والنّساء خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشّهداء، أي: الكاملون، قال القاري: وهذا من معجزاته ﷺ، فإنّه وقع كما أخبر، وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ستٍّ وخمسين وستمائة. اهـ.
٥ مسند الإمام أحمد، ج ٥، ص: ٤٥، ولفظ الحديث فيه: عن أبي بَكَرَة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَيَنْزِلَنَّ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: الْبَصْرَةُ، يَكْثُرُ بِهَا عَدَدُهُم، وَيَكْثُرُ بِهَا نَخْلُهُم، ثُمَّ يَجِيءُ بَنُو قَنْطُورَاء: عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى جِسْرٍ لَهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةَ، فَيَتَفَرَّقُ الْمُسْلِمُونَ ثَلاَثَ فِرَقٍ، فَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَأْخُذُونَ بِأَذْنَاب الإبل، وَتَلْحَقُ بِالْبَادِيَة، وَهَلَكَتْ، وأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ عَلَى نَفْسِهَا فَكَفَرَتْ، فَهَذِه وَتِلْكَ سَوَاءٌ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَجْعَلُون عِيَالَهُم خَلْفَ ظُهُورِهِم، وَيُقَاتِلُونَ، فَقَتْلاَهُم شُهَدَاءُ، وَيَفْتَحُ الله عَلَى بَقِيَّتِهَا".
ولفظ أحمد هذا يدلّ صراحةً على: أنّ التّرك هم الذين يسوقون المسلمين ثلاث مرار، حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففي السياقة الأولى ينجو مَن هرب من المسلمين.
وفي الثّانية ينجو بعض منهم، ويهلك بعض.
وفي الثّالثة يستأصلون كلّهم.
وهذا السّياق مخالف لما رواه أبو داود في الحديث رقم: (١٠٩)؛ إذ إنّ لفظ أبي داود، يدلّ صراحةً على أنّ المسلمين هم الذين يسوقون التّرك ثلاث مرار، حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب ... الخ.
قال صاحب عون المعبود بشرح سنن أبي داود:
"وعندي: أنّ الصّواب رواية أحمد، وأمّا رواية أبي داود، فالظّاهر أنّه قد وقع الوهم فيه من بعض الرّواة، ويؤيّده: أنّه وقع الشّكّ لبضع رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث: "أو كما قال"، ويؤيّده أيضًا أنّه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد". انظر: عون المعبود ج ١١، ص: ٤١٣.
فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ عَلَى نَفْسِهَا وَكَفَرَتْ. فَهِذِهِ وَتلك سَواءُ"، وقال في الثّالثة: "وَيَفْتَحُ الله على بَقِيَّتِهَا".
(١١٣) وللبزّار١ عن أبي الدّرداء. قال رسول الله – ﷺ:-
"بَيْنَمَا أنا نائمٌ، رأيت عَمُودَ الْكتَاب رفع مِنْ تحت رأسي، فَظَنَنْتُ أنّه مَذّهُوبٌ به، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَذُهبَ به إلى الشّام. ألا وإنّ الأَيْمَان- حين تَقَعَ الْفِتَنُ – بالشّام" صحّحه عبد الحقّ.
(١١٤) ولأبِي داود٢: عن أبي الدّرداء: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:-
"فُسْطَاطُ٣ الْمسلمين يوم الْمَلْحَمَة بِالْغُوطَة٤ إلى
_________
١ مسند الإمام أحمد ج ٥، ص: ١٩٩، بلفظٍ: "احتمل" بدل لفظ: "رفع".
والمستدرك للحاكم ج ٤، كتاب الفتن والملاحم، ص: ٥٠٩، بلفظ مختلف عن عبد الله بن عمرو، وقال: صحيح على شرط الشّيخين، ولم يخرجاه.
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب معقل المسلمين، ص: ٤٠٦.
٣ في السّنن: "إنّ فسطاط"، والمقصود: الحصن الذي يتحصنون به. وأصله: الخيمة.
والملحمة: المقتلة العظمى في الفتن.
٤ "بالغوطة"، الغوطة: بضم الغين، موضع بالشّام، كثير الماء والشّجر.
جانب مَدِينةٍ يُقَال لَها: دِمَشْقٌ١ مِن خَيْر مَدَائِن الشّام".
(١١٥) ولابن أبي شيبة٢ عن أبي٣. قال رسول الله – ﷺ:
"مَعْقَلُ الْمسلمين فِي الْملاحم: دِمِشْقُ. وَمَعْقلُهُم مِنَ الدّجّال: بَيَّتُ المقدس. ومَعْقُلُهم من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: الطُّورُ".
(١١٦) ولابن ماجه٤: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ "دمشق"، بكسر الدّال المهملة، وفتح الميم.
قال العقلمي: "وهذا الحديث يدلّ على فضيلة دمشق، وعلى فضيلة سكانها، وأنّها حصن من الفتن، ومن فضائلها: أنّه دخلتها عشرة آلاف عين رأت النَّبِيّ ﷺ.
كما أفاده ابن عساكر.
٢ منتخب كنْزل العمال في سنن الأقوال والأفعال المطبوع بهامش مسند الإمام أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت ج ٦، ص: ١٥.
٣ في منتخب كنْزل العمال، عن ابن عمرو.
٤ سنن ابن ماجه ٢، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٦٩.
في الزّوائد: هذا إسناد حسن، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه.
"إذا وقعت الْمَلاَحمُ بَعَثَ الله جَيْشًا١ من الْمَوالي٢. هُم أَكْرَمُ الْعَرَبَ فَرَسًا، وأجوده سلاحًا، يُؤيِّد الله به٣ الدِّين".
(١١٧) ولِمسلم٤ عن حذيفة بن أسيد. قال: اطّلع علينا رسول الله – ﷺ – من غرفة٥، ونحن نتذاكر السّاعة٦. فقال:
_________
١ في السّنن "بعثا" بدل: "جيشا".
٢ "من الموالي: المالك، والعبد، والمعتق، وقد اشتهر في المعتق غالبًا، وعلى الرّجل الذي أسلم عل يد رجلٍ مسلمٍ.
٣ في السّنن: "يؤّيد الله بهم الدّين"، بضمير الجمع للغائب.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب الآيات التي تكون قبل السّاعة ص: ٢٧، وما بعدها.
٥ "من غرفة"، هذه من رواية أخرى لمسلم.
٦ رواية صحيح مسلم القريبة مما ذكره الأصل هي:
"اطلع النَّبِيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال: "ما تذاكرون؟ "، قالوا: نذكر السّاعة، قال: "إنّها لن تقوم حتّى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر: "الدّخان، والدّجّال، والدّابة، وطلوع الشّمس من مغربها. ونزول عيسى بن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النّاس إلى محشرهم".
فذكر الأصل: الحديث مع تقديم وتأخير ...، ولم يذكر: آية الدّابة.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يكون عَشْرُ آياتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، والدَّخَانُ١، والدَّجَّالُ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. ونُزُولُ عِيسى بن مريم، وثَلاَثُ خُسُوفَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ. وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ. وَخَسْفٌ بَجَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ٢ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ، تَسُوقُ النّاسَ إلى
_________
١ "والدّخان"، هذا الحديث يؤيّد قول مَن قال: إنّ الدّخان دخان يأخذ بأنفاس الكفّار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزّكام، وأنّه لم يأت بعد، وإنّما يكون قريبًا من قيام السّاعة، وسيأتي ذلك في حديث رقم: (١٢٤) .
٢ "ونار تخرج"، هذا اللّفظ من رواية التّرمذي ج ٦، من تحفة الأحوذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف، ص: ٤١٣، ونصّه: "ونَارٌ مِن قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ، أَو تَحْشُرُ النَّاسَ، فَتَبِيتُ مَعَهُم حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُم حَيْثُ قَالُوا".
ومعنى قعر عدن أي: من أقصى أرضها، وعدن غير منصرف، وقيل منصرف، باعتبار البقعة والمكان.
وفي روايةٍ لمسلم: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبْلِ بِبُصْرَى"، صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٣٠.
وقد جعل القاضي عياض حاشرة، قال: "ولعلّها ناران تجتمعان لحشر النّاس، قال: أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، ويكون ظهورها وكثرة قوّتها بالحجاز".
هذا كلام القاضي، وليس في الحديث أنّ نار الحجاز متعلّقة بالحشر، بل هي آية من أشراط السّاعة مستقلة. اهـ. نووي.
الْمَحْشَرِ، تَبِيتُ مَعَهُم إذا بَاتُوا، وتَقِيلُ مَعَهُم إذا قَالُوا".
وفي رواية١ له: "وآخر ذلك نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النّاسَ".
وفي رواية له٢: "وَرِيحٌ تُلْقِي النّاسَ فِي الْبَحْرِ"، بدل: "نُزُول عِيسى".
(١١٨) وله٣ عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ – قال:
"بَادِرُوا٤ بالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن ص: ٢٨.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن ص: ٢٨.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدّجّال ص: ٨٧.
٤ "بادروا بالأعمال ستًّا"، أي: سابقوا ستّ آيات دالّة على وجود القيامة، قبل وقوعها وحلولها، فإنّ العمل بعد وقوعها وحلولها لا يقبل ولا يعتبر.
أوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أو الدَّابَّةَ، أو خَاصَّةَ أَحْدِكُم، أو أَمْرَ العامّة ".
(١١٩) وَلَهُ١ عن معقل بن يسار مرفوعًا:
"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجَ كَهِجِرَةِ إِلَيَّ" ٢.
(١٢٠) وله٣ عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"ثلاث آيات٤ إذا خَرَجْنَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨]: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مغربِها، والدّجّالُ، ودابّةُ الأرض".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب فضل العبادة في الهرج ص: ٨٨.
٢ "العبادة في الهرج كهجرة إليّ"، المراد بالهرج هنا: الفتنة، واختلاط أمور النّاس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه، أنّ النّاس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها، ولا يتفرّغ لها إلاّ الأفراد.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ٢، كتاب الإيمان، باب بيان الزّمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ص: ١٩٥.
٤ في صحيح مسلم: "ثلاث إذا خرجن".
(١٢١) وله١: عن أبي زرعة. وذكر قول مروان عن الآيات:
أوّلها خروجًا: الدّجال. فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروانشيئًا. حفظت من رسول الله– ﷺ – حديثًا لم أنسه بعد.
سَمِعت رسول الله – ﷺ –يقول:
"إنّ أوّل الآيات خروجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مغربِها، وخروجُ الدّابّةِ على النّاسِ ضُحًى، وأيّهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص: ٧٧، ٧٨.
ولفظ الحديث في مسلم:
"عن أبي زرعة قال: جلس إلَى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدّث عن الآيات: إنّ أوّلها خروجًا الدّجّال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد ... " الحديث.
(١٢٢) وللتِّرمذي١ عن صفوان بن عسّال: سمعت رسول الله – ﷺ –يقول:
"إنّ بِالْمَغْرِب٢ بابًا مفتوحًا للتّوبة، مَسِيرةُ سَبْعِيْن سنة. لا يُغْلَقُ حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحوه ". وقال: حسن صحيح.
(١٢٣) ولمسلم٣ عن أبي هريرة. قال رسول الله– ﷺ:
"مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ الله عليه"٤.
_________
١ تحفة الأحوذي، شرح التّرمذي ج ٩، كتاب الدّعوات، ص: ٥١٩.
٢ ولفظه في التّرمذي: "إنَّ الله ﷿ جَعلَ بِالْمَغْرِبِ بابًا، عَرْضُهُ مَسيرةُ سَبْعِينَ عامًا لِلْتَوبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسِ مِن قِبله".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٧، كتاب الذّكر والدّعاء والتّوبة والاستغفار، باب التّوبة، ص: ٢٥.
٤ قال العلماء: "هذا حدٌّ لقبول التّوبة، وقد جاء في الحديث الصّحيح: "أنَّ لِلْتَّوْبَةِ بابًا مَفْتُوحًا، فَلاَ تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى يُغْلَقَ، فإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَغرِبِهَا أُغْلِقَ وامْتَنَعَتِ التَّوبَةُ عَلى مَنْ لَم يَكُن تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ".
وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨] .
ومعنى تاب الله عليه، قبل: توبته ورضي به.
وللتّوبة شرط آخر، وهو أن يتوب قبل الغرغرة، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، [النّساء، من الآية: ١٨] .
وكما جاء في الحديث الصّحيح، وأمّا في حالة الغرغرة - وهي حالة النّزع - فلا تقبل توبته ولا غيرها، ولا تنفّذ وصيته ولا غيرها.
(٩٢) ولِمسلم١، عن يسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجِّيْري٢ إلاّ يا عبد الله بن مسعود! جَاءَتِ السَّاعَةُ. قال: فَقَعَدَ وكان متّكئًا. فقال: إنّ السّاعة لا تَقُومُ حتَّى لا يُقسم مِيْراثٌ. ولا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ. ثمّ قال بيده: هكذا: (وَنَحَّاهَا نَحْو الشَّامِ)، فقال: عَدوُّ يَجمعون لأهل الإسلام. أو٣ يَجْمَع لَهُمُ الإسلام. قلت:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن، باب: إقبال الرّوم في كثرة القتل عند خروج الدّجّال، ص: ٢٤.
٢ "ليس له هجيري": هو بكسر الهاء والجيم المشدّدة مقصور الألف: بمعنى: الهجير، أي: شأنه ودأبه ذلك.
٣ في صحيح مسلم: "ويجمع أهل الإسلام"، بالواو بدل (أو) أي: لقتالهم.
الرّومَ تَعْنِي؟ قال نَعَم. قال: ويكون عند ذلكم١ الْقِتَالِ رِدَّةٌ شَدِيْدَةٌ، فَيُشْتَرطُ٢ الْمُسْلِمُون شُرْطَةً لِلْمَوتِ، لا تَرْجَعُ إِلاّ غاليةً، فَيَقْتَتِلُون٣ حتّى يُمْسُوا، فيبقى٤ هؤلاء وهؤلاء، كلّ غَيْرُ غَالِبٍ، وتَفْنِى الشُّرْطَةُ، فَإِذا كان يومُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهُم٥ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإسلام، فَيَجْعَلُ الله الدّائرةَ عليهم٦ فَيَقْتَتِلُون مَقْتَلَةً – إمّا قال: لَم يُرَ
_________
١ في صحيح مسلم: "وتكون عند ذاكم القتال"، ورَدَّةٌ شديدةٌ بفتح الرّاء، أي: عطفة قويّة.
٢ "فيشترط المسلمون"، ضبط بوجهين:
أحدهما: فيشترط.
والثّاني: فيشترط، بمثناة تحت ثم مثناة فوق، ثم شين مفتوحة وتشديد الرّاء، والشّرطة طائفة من الجيش تقدم للقتال.
٣ في صحيح مسلم بعد هذا اللّفظ: "حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيل، فَيَفِيئُ هَؤُلاَءِ وهَؤُلاَء كلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ. وتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِط الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لا تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَة، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِئ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَء، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لاَ تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ".
٤ في صحيح مسلم: "فيفيء"، أي: يرجع.
٥ "نهد" بفتح الهاء، أي: نهض وتقدّم.
٦ "الدّائرة"، أي: الهزيمة.
وفي بعض روايات مسلم بلفظ: "الدّبرة"، وهي بمعنى الدّائرة، قال الأزهري: "الدّائرة: هم الدّولة تدور على الأعداء. وقيل: هي الحادثة".
مِثْلُها. وإمّا قال: لا يُرَى مِثْلُها١، حتّى إنّالطَّيْرَ٢ لَتَمُرُّ بِجَنَبَاتِهم٣، فما يُخَلِّفُهم٤ حتّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُ٥ بَنُو الأب كَانُوا مائة، فلا يَجِدُون٦ بَقِي مِنْهُم إلاّ الرّجلُ الْوَاحِدِ. فبأَي غَنيمةٍ يُفْرَحُ، أَو بِأَيِّ مِيْراثٍ يُقْسَمُ؟ ٧، فَبَيْنَمَا هُم كذلك إذ سَمِعُوا بِنَاسٍ٨ هم أكثر من ذلك، فَجَاءَهُم الصّريخُ: إنّ الدّجّالُ قد خَالَفَهُم٩ في ذَرَاريِّهم، فَيَرْفُضُونَ١٠ ما بِأَيْدِيهُم
_________
١ في صحيح مسلم تقديم وتأخير بين الجملتين هكذا: "إمّا قال: لا يرى مثلها، وإمّا قال: لم ير مثلها ".
٢ في صحيح مسلم: "الطّائر"، بدل: الطّير.
٣ "بجنباتهم"، أي: نواحيهم، وحكى القاضي عن بعض رواتهم: بجثمانهم، أي: شخوصهم.
٤ "فما يخلفهم"، بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام المشدّدة، أي: يجاوزهم، وحكى القاضي: فما يلحقهم، أي: يلحق آخرهم.
٥ "فيتعاد بنو الأبّ" في النّهاية: أي: يَعُدُّ بعضهم بعضًا.
٦ في صحيح مسلم: "فلا يجدونه".
٧ في صحيح مسلم: "يقاسم".
٨ في بعض روايات مسلم: "إِذْ سمعوا بيأس هو أكبر من ذلك". وهو الصّواب كما حكاه القاضي عياض: عن محقّقي رواتهم.
٩ في صحيح مسلم: "قد خلفهم".
١٠ في صحيح مسلم: "فيرفضون ما في أيديهم"، أي: يتركون.
ويُقْبَلُون: فَيَبْعَثُون عَشْرَ١ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قال رسولُ الله – ﷺ:
"إنِّي لا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهم وأَسْمَاءَ آبائهم، وأَلْوَانَ خُيولِهم. خَيْرُ٢ فَوَارِسِ عَلَى ظَهْرِ الأرض يومئذٍ".
(٩٣) وَلَهُ٣، عن أبي هريرة أنّ رسول الله – ﷺ – قال:
"لا تقومُ السّاعةُ حتّى تَنْزِلَ٤ الرّومُ بِالأَعْمَاقِ، أو بِدَابِقٍ٥. فَيَخْرُجُ إِلَيهُم جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِن خِيَارِ أَهْلِ الأرض يومئذٍ؛ فإذا تَصَادَفُوا. قالتِ الرّومُ:
_________
١ في صحيح مسلم: "عشرة فوارس"، وهو المتّفق مع القواعد.
٢ في صحيح مسلم: "هم خير فوارس".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في فتح قسطنطينية وخروج الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم ص: ٢١.
٤ في صحيح مسلم: "حَتَّى يَنْزَلَ الرُّومُ"، بالياء.
٥ "الأعماق، أو بدابق"، الأعماق بفتح الهمزة، وبالعين المهملة، ودابق: بكسر الباء الموحّدة، وفتحها: موضعان بالشّام بقرب حلب.
خَلوا بَيْنَنَا وبَيْنَ الّذين سُبُوا مِنًاّ١ نُقَاتُلُهُم: فَيَقُولُ الْمُسْلِمُون: لا. والله! لا نُخَلِّي بَيْنَكُم وبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهم. فَيَنْهَزِم ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عليهم أبَدًا٢، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُم أَفْضَلُ الشُّهَدَاء عند الله، ويَفْتَحُ الثُّلُثُ، لا يُفْتَنُون أبدًا، فَيَفْتِحُون قُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُم يَقْتَسِمُون الْغَنَائِمَ، قَد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيُتُون.
إِذْ صَاحَ فيهم الشَّيْطَان: إنّ الْمَسيحَ قَد خَالَفَكُمْ٣ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُون؛ وذلك بَاطِلٌ.
فَإِذَا جاءوا الشَّامَ خَرَجَ، فينما هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصّلاةُ؛ فَنَزَلَ عِيسى بن مريم فأمّهم. فإذا رآه عدوُّ الله، ذَابَ كما يَذُوبُ
_________
١ "سبوا"، روي على وجهين: فتح السّين والباء، وضمّهما.
قال القاضي في المشارق: "الضُّمُّ رواية الأكثرين، قال: وهو الصّواب، قلت: كلاهما صواب؛ لأنّهم سُبُوا أولا، ثم سبوا الكفار". اهـ.
٢ "لا يتوب الله عليهم أبدًا"، أي: لا يلهمهم التّوبة.
٣ في صحيح مسلم: "إنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُم".
الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فلو تركه لانْذَابَ حتّى يَهْلِكَ. ولكن يَقْتله الله بِيَدِهِ. فَيُرِيهم دَمَهُ فِي حِرْبَتِه".
(٩٤) وَلَهُ١ عنه عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"سَمِعْتُم بِمَدِينَةٍ: جَانِبٌ فيها فِي٢ البرّ، وجَانِبٌ فِي البحر؟ "، قالوا: نعم، يا رسولَ الله! قال: "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يَغْزُوَهَا سَبْعُون ألفًا من بنِي إسحاق٣،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتى يَمُرَّ الرّجل بقبر الرّجل، فيتمنّى أن يكون مكان الْمَيِّت من البلاء، ص: ٤٣. والضّمير في عنه؛ لأبي هريرة.
٢ في صحيح مسلم: "وجانب منها في البحر".
٣ "من بني إسحاق"، قال القاضي: "كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم: من بني إسحاق".
قال: قال بعضهم: المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدلّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب. وهذه المدينة هي: القسطنطينية".
فإذا١ نَزَلُوها لَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلاح، ولَم يَرْمُوا بسهم. قالوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيَسْقُطَ أَحَدُ جَانِبَيْهَا".
قال ثَورٌ: لا أعلمه قال٢: إلاّ الّذي في البحر. "ثُمَّ يَقُولُوا٣ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيَسْقط جَانِبُها الآخر، ثُمَّ يقولوا الثّالِثَةَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَر، فَيُفَرَّجُ لَهُم، فَيَدْخُلُونَها٤ فَيَغْنَمُوها٥، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُون الْغَنَائِمَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصّريخُ، فقال: إنّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُون كَلَّ شَيْءٌ ويَرْجِعون".
(٩٥) ولابن ماجه٦ من حديث؟كثير٧ بن عبد الله
_________
١ في صحيح مسلم: "فإذا جاؤوها نزلوا".
٢ في صحيح مسلم:"لا أعلمه" إلاّ قال: "الذي في البحر"،بتقديم إلاّ على قال.
٣ في صحيح مسلم: "ثم يقولوا: الثّانية".
٤ في صحيح مسلم: "فيدخلوها"، بدون النّون.
٥ في صحيح مسلم: "فيغنموا".
٦ سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٧٠.
وفي الزّوائد: "في إسناده كثير بن عبد الله، كذّبه الشّافعي، وأبو داود. وقال ابن حبان: روى عن أبيه، عن جدّه: نسخة موضوعة، لا يحلّ ذكرها في كتب، ولا الرّواية عنه، إلاّ على جهة التّعجّب".
٧ وأوّل الحديث: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِبُولاءَ، ثم قَالَ ﷺ: يا عَلِيّ! يَا عَلِيّ! قَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي. قال: إِنَّكُم سَتُقَاتِلُون ... " الحديث.
ومسالح: جمع مسلحة، قال في النّهاية: "المسلحة: القوم الذين يحفظون الثّغور من العدوّ، وسُمّوا مسلحة؛ لأنّهم يكونون ذوي سلاح؛ أو لأنّهم يسكنون المسلحة، وهي كالثّغر والمرقب، يكون فيه أقوام يرقبون العدوّ؛ لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأّهبوا له".
وبولاء: اسم موضع. وجاء في تاج العروس بولاة وبولان، وقال: ذكرها ابن ماجه، في الفتن.
ابن عمرو بن عوف عن أبيه: عن جدِّه مرفوعًا.
"إنّكُم ستُقَاتِلُون بني الأصْفَر١. ويُقَاتِلُونَهم٢ الّذين مِن بعدكم، حتّى يَخْرُجَ إليهم وَفْدُ الإسلام٣: أَهْلُ الْحِجَازِ: الّذين لا يَخَافُون في الله لَوْمَةَ لاَئِمٍ. فَيَفْتَحُون الْقُسْطَنْطِيْنِيَّةِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيْر. فَيُصِيبُوا٤
_________
١ "وبني الأصفر"، يعني: الرّوم.
٢ في سنن ابن ماجه: "ويقاتلهم الذين من بعدكم"، وهو الصّواب.
٣ في سن ابن ماجه: "حتى تخرج إليهم رُوقَةُ الإسلام".
وروقة الإسلام: أي: خيار المسلمين وسراتهم، جمع رائق، من راق الشّيء، إذا صفا وخلص.
٤ في سنن ابن ماجه: "فيصيبون غنائم"، بالنّون وهو الصّواب.
غَنَائِمَ لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَها. حتّى يَقْتَسِمُوا بِالأَترسَة. فَيَأْتِي آتٍ١، فيقول: إنّ الْمسيحَ قد خرج في بلادكم. ألا وهي كَذْبَةٌ. فالآخذُ نَادِمٌ، والتَّارِكُ نَادِمٌ"٢.
(٩٦) ولأبِي داود٣، وغيره عن ذي مخبر٤ – وكان من أصحاب النّبيّ – ﷺ – قال: سمعت النَّبِيّ - صّى الله عليه وسلّم - يقول:
"سَيُصَالِحُكُمُ٥ الرُّومُ صُلْحًا آمنًا. ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُم
_________
١ في سنن ابن ماجه: "ويأتي آتٍ"، بالواو، بدل الفاء.
٢ "فالآخذ نادم"، لظهور أنّه كذب، "والتّارك نادم"، لأنّ الدّجّال يخرج بعده بقريبٍ، بحيث يرى التّارك أنّه لو تأّهب له حين سمع ذلك القول كان أحسن.
٣ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الرّوم ص: ٣٩٧.
وفي سنن ابن ماجه، ج٢، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٦٩.
(مخبر" بكسر الميم وسكون الخاء، وبالباء الموحّدة، ويقال: بالميم، بدل الباء، كما في ابن ماجه.
٥ في سنن أبي داود: "ستصالحون الرّوم"، وفي سنن ابن ماجه: "ستصالحكم الرّوم".
وَهُم عدوًّا١. فَتُنْصَرُون وتَسْلَمُون، ثُمَّ يَنْصَرِفُون حتّى يَنْزِلُون بِمَرْج ذي تُلُولٍ٢، فَرَفَعَ رَجُلٌ٣ مِن أهلِ الْصَّلِيبِ الصَّلِيبَ؛ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ٤. فَيَغْضَبُ رجلٌ من الْمسلمين، فَيَقُومُ إليه فَيَدْفَعُهُ٥ فَعِنْدَ ذلك تَغْدِرُ الرّومُ، ويَجْمَعُون لِلْمُلاَحِمَة٦. [فَيَأْتُون تَحْتَ
_________
١ في سنن أبي داود: "فتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم"، أي: من خلفكم. وما في المخطوطة موافق لما في سنن ابن ماجه.
٢ في سنن أبي داود: "فتنصرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون حتّى تنْزلوا"، وتنصورن: بالمجهول، وتغنمون: بالمعلوم.
وفي سنن ابن ماجه: "فتنتصرون وتغنمون وتسلمون ثم تنصرفون حتّى تنْزلوا بمرج ذي تلول".
فالخطاب في الألفاظ كلّها للمسلمين. بخلاف ما في المخطوطة فبعض الألفاظ بصيغة الغيبة.
والمرج بفتح فسكون، آخره جيم: الموضع الذي ترعى فيه الدّواب.
٣ في سنن أبي داود: (فيرفع رجل من أهل النّصرانية الصّليب".
وفي سنن ابن ماجه: "فيرفع رجل من أهل الصّليب الصّليب".
٤ "غلب الصّليب"، أي: دين النّصارى. قصدًا لإبطال الصّلح، أو لمجرّد الافتخار وإيقاع المسلمين في الغيظ.
٥ في سنن أبي داود: "فيغضب رجل من المسلمين فيدقّه".
وفي سنن ابن ماجه: "فيقوم إليه فيدقّه"، أي: يكسر الصّليب.
٦ في سنن أبي داود: "وتجمع للملحمة".
وفي سنن ابن ماجه: "ويجتمعون للملحمة".
ثَمانِيْنغَايَةً. تَحْتَ كُلّ غَايَةٍ اثنا عشر ألفًا] ١.
زاد أبو داود٢: "وتَثُورُ الْمُسْلِمُون إلى أَسْلِحَتَهُم، فَيَقْتَتِلُون. فَيُكْرِمُ الله تِلْكَ الْعِصَابَةَ بالشّهادة".
(٩٧) وَلَه٣، وغَيْرِه عن معاذٍ عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"الْمَلْحَمَةُ٤ الْكُبُرَى، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعِةِ أَشْهُرٍ" حسّنه التِّرمذي٥.
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في سنن أبي داود، وهو من سنن ابن ماجه، بزيادة لفظ: حينئذٍ بعد قوله: فيأتون.
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الرّوم، ص: ٣٩٩.
٣ عون المعبود بشرح سنن أبي دود ج ١١، كتاب الملاحم، باب في تواتر الملاحم، ص: ٤٠٢.
وسنن ابن ماجه ج ٢، كتاب الفتن، باب الملاحم، ص: ١٣٧٠.
٤ الملحمة: موضع القتال، ويطلق على القتال والفتنة أيضًا. إمّا من اللحم، لكثرة لحوم القتلى فيها، أو من لحمة الثّوب، لاشتباك النّاس، واختلافهم فيها، كاشتباك لحمة الثّوب بسداه.
٥ تحفة الأحوذي بشرح التّرمذي ج ٦، أبواب الفتن، باب ما جاء في علامات خروج الدّجّال ص: ٤٩٦.
(٩٨) ولأبي داود١ عن عبد الله بن بشر مرفوعًا:
"بين الْمُلْحَمَةِ وفَتْحِ الْمدينة سِتُ سنِيْن، ويَخْرُجُ الدّجّال٢ في السّابِعَة ".
قال٣: هذا أصحّ من حديث عيسى، يعني: حديث معاذ.
(٩٩) وله٤ عن ثَوْبَان: قال رسولُ الله – ﷺ:
"يُوشِكُ الأَمَمُ أَن تَدَاعَى عَلَيكُم، كَمَا تَدَاعَى
_________
١ عون المعبود، بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في تواتر الملاحم، ص: ٤٠٢.
٢ في سنن أبي داود: "ويخرج المسيح الدّجّال".
٣ قال أبو داود: "هذا أصحّ من حديث عيسى"، يعنِي: معاذ. وبذلك فلا تعارض بين الحديثين؛ لأنّ الثّاني أرجح إسنادًا فلا ينافيه الأوّل.
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب تداعي الأمم على الإسلام ص: ٤٠٤.
الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" ١، فقال قائلٌ: مِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قال: "بَلْ أَنْتُم كَثِيْرُ، وَلَكَنَّكُم غُثَاءُ٢ كَغُثَاءِ السَّيلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ الله مِن صُدُورِ عَدِوِّكم الْمَهَابَةَ مِنْكُم، وَلَيَقْذِفَنَّ الله فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ"، فقال قائل: يا رسول الله! وما الْوَهْنُ؟ ٣، قال: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ الْمَوتِ"٤.
(١٠٠) ولِمسلم٥ عن أبي هريرة: قال رسول الله
_________
١ "إلى قصعتها"، الضمير للأكلة، أي: التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوًا صفوًا، كذلك يأخذون ما في أيديكم، بلا تعبٍ ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأسٍ يمنعهم.
٢ "غثاء"، الغثاء؛ بضم الغين، هو: ما يحمله السّيل من زبدٍ ووسخٍ، شبّههم به لقلةّة شجاعتهم، ودناءة قدرهم، وأنّهم لا رأي لهم ويساقون بغيرهم.
٣ "وما الوهن؟ "، أي: ما موجبه وما سببه؟ وهو سؤال عن نوع الوهن.
أو كأنّه أراد: من أيّ وجهٍ يكون ذلك الوهن؟
٤ في سنن أبي داود: "وكراهية الموت"
وحبّ الدّنيا وكراهة الموت متلازمان، فكأنّهما شيءٌ واحدٌ يدعوهم إلى إعطاء الدّنية في الدّين، نسأل الله العافية.
٥ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتى يحسر الفرات عن جبلٍ من ذهب ص: ١٨.
– ﷺ:
"لا تَقُومُ السّاعَةُ، حتّى يَحْسِرَ١ الْفُرَاتُ عَن جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ. يَقْتُلُ النّاسُ عليه، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُون. ويقول كلّ رجلٍ مِنْهم: لَعَلِّي أنا الّذي أكون أنْجُو"٢.
وفي رواية: "فَمَن حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنهُ شيئًا"٣.
(١٠١) وله٤ عنه: قال رسول الله – ﷺ:
"إِذا مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وَقَفِيزَهَا٥، ومَنَعَتِ الشَّامُ
_________
١ "يحسر"، أي: ينكشف لذهاب مائه.
٢ في صحيح مسلم: "لعلي أكون أنا الذي أنجو".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، الباب السّابق ص: ١٩.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، نفس الباب ص: ٢٠.
والضّمير في عنه: لأبي هريرة، وأوّل الحديث:"منعت العراق"،بدون لفظ:"إذا".
٥ "وفقيزها"، القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: "هو ثمانية مكاكيك".
والمكوك: صاع ونصف؛ وهو خمس كيلجات.
مُدْيَهَا١ وَدِينَارَها، ومَنَعَتْ مِصْرَ إِرْدَبَّها٢ وَدِينَارَها، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْنتم، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُم، وَعُدْتُم مِنْ حَيْثُ بَدَأْتْم " شَهِدَ على ذلك لَحْمُ أبِي هريرة ودمه.
(١٠٢) وله٣ عن المستورد القرشي: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ – يقول:
_________
١ "ومديها"، على وزن قفل، مكيال معروف لأهل الشّام.
قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكًا.
٢ "إردبها"، مكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعًا.
وفي معنَى: منعت العراق وغيرها: قولان مشهوران:
أحدهما: لإسلامهم فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وقع.
والثّاني: وهو الأشهر، أنّ معناه: أنّ العجم والرّوم يستولون على البلاد في آخر الزّمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين.
وقد روى مسلم عن جابر، قال: "يوشك ألا يجيء إليهم قفيز، ولا درهم"، قلنا: من أين ذلك؟ قال: "من قبل العجم يمنعون ذاك". وذكر في منع الرّوم بالشّام مثله". اهـ النّووي.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، باب تقوم السّاعة والرّوم أكثر النّاس، ص: ٢٢.
"تَقُومُ السّاعَةُ والرُّومُ أكثر النّاسَ".
فقال١ له عمرو بن العاص: لَئِن قُلْتَ ذلك، إنَّ فيهم لَخِصَالًا أربعًا: إنّهم لأَحْلَمُ النّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعَهُم إِفَاقَةٍ بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوشَكَهُم كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وخَيْرُهُم لِمِسْكِيْن وَيَتِيم وَضَعِيفٍ، وخَامِسَةٌحَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُم مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
(١٠٣) وله٢ عن جابر بن سَمَرة عَنْ نَافِع بُنِ عُتْبَةَ. قال: كُنّا مع رسول الله – ﷺ – في غَزْوَةٍ. قال: فأتى النّبيّ – ﷺ – قَوْم مِنْ قِبَلِ الْغُربِ. عَلَيْهِم ثِيَابُ الصَّوفِ. فَوَافَقُوهُ عَلَى أَكَمَة٣؛ فَإِنَّهم لَقِيَامٌ ورسولُ الله – صلّى الله عليه
_________
١ في صحيح مسلم: "فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: لئن قلت ... " الحديث.
٢ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٨، كتاب الفتن، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدّجّال ص: ٢٦.
٣ الأكمة: الرّابية، النهاية. وفي صحيح مسلم: "عند أكمة".
وسلّم – قاعدٌ. فقالت لي نفسي: إِئْتِهِم، فَاقْعُد١ بينهم وبينه؛ لا يَغْتَالُونَهُ٢. ثُمَّ قُلْتُ: لعلّه نَجِي٣ مَعَهُم. فَأَتَيْتُهم فَقُمْتُ بَيْنَهُم وَبَيْنَه. فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُهُنّ في يدي. قال:
"تَغْزُون جزيرة الْعَرَبَ، فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ فَاِرس، فَيَفْتَحُها الله. وتَغْزُون الرّومَ، فَيَفْتَحُها الله. ثمّ تَغْزُون٤ الدَّجَّال، يَفْتَحُها٥ الله".
قال: فقال نافعٌ: يا جابر! لا نَرَى الدّجّالَ يَخْرُجُ حتّى يُفْتَحَ الرّوم٦.
_________
١ في صحيح مسلم: "فقم".
٢ "لا يغتالونه"، يقتلونه غيلة. وهي القتل في غفلةٍ وخفاء وخديعة.
٣ "نجي معهم"، أي: يناجيهم، ومعناه: يحدّثهم سرًّا.
٤ في صحيح مسلم: "ثم تغزون".
٥ في صحيح مسلم: (فيفتحه الله".
٦ في صحيح مسلم: "حتّى تفتح الرّوم".
(١٠٤) وله١ عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:
"لا تقُومُ السّاعَةُ، حتّى يَخْرجَ رَجُلٌ مِن قَحْطَانَ يَسُوقُ النّاسَ بِعَصَاهُ".
(١٠٥) وله٢ عنه عن النّبيّ – ﷺ: "لا تَذْهَبُ الأيَّامُ واللّيالي، حتّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يقال له: الْجَهْجَاه"٣.
(١٠٦) وله٤ عنه: أنّ النّبيّ – ﷺ – قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب لا تقوم السّاعة حتى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص: ٣٦.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، نفس الكتاب، والباب ص: ٣٦.
٣ "الجهجاه" بهاءين، وفي بعضها: الجحجا بحذف الهاء التي بعد الألف، والأوّل هو المشهور.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، عن أبي هريرة، كتاب الفتن، نفس الباب والصّفحة.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا، كَأَنَّ وُجُوهَهُم الْمَجَان الْمُطْرَقَة١. ولا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا نِعَالُهُمُ الشّعرُ".
وفي لفظ٢: "تُقاتِلُكُم أُمَّةُ يَنْتَعِلُون الشَّعَرَ. وَجُوهُهم مِثْلُ الْمَجَانّ الْمطرَقَةِ".
(١٠٧) وفي رواية٣: "لا تَقُومُ السّاعَةُ، حَتَّى تُقُاتِلُوا قَومًا نِعَالُهُمُ الشّعر،
_________
١ "المجان المطرقة"، المجان: جمع مجن، وهو التّرس، والمطرقة، بإسكان الطاء وتخفيف الرّاء من أطرق، هذا هو الفصيح المشهور في الرّواية، وفي كتب اللّغة والغريب.
وحكي: فتح الطّاء وتشديد الرّاء، من طَرَّق، والمعروف الأوّل.
قال العلماء: هي التي ألبست العُقْب وأطرقت به طاقة فوق طاقة.
قالوا: ومعناه: تشبيه وجوه التّرك في عرضها، وتلون وجناتها بالتّرسة المطرقة.
٢ صحيح مسلم، نفس الجزء، والكتاب، والباب، ص: ٣٧، وأوّل الحديث: "لا تقوم السّاعة حتّى تقاتلكم أمّة ... " الحديث.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، نفس الجزء، والكتاب، والباب ص: ٣٧.
ولا تَقُومُ السّاعَةُ، حتّى تُقَاتِلُوا قَومًا صِغَارَ الأَعْيُنِ ذُلْفَ الأَنُوفِ"١.
(١٠٨) وفي لفظ٢: "يُقَاتِلُ الْمسلمون التُّرْكَ: قَومًا وُجُوهُهُم كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ. يَلْبَسُون الشَّعْرَ وَيَمْشُونَ فِي الشّعر"٣.
_________
١ في صحيح مسلم: "ذلف الأنُفِ"، وذلف جمع أذلف، كأحمر وحمر.
ومعناه: فطش الأنوف، قصارها مع انبطاح، وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف، وقيل: تطامن فيها، وكلّه متقارب.
٢ صحيح مسلم شرح النّووي، نفس الجزء والكتاب والباب، ص: ٣٧.
وأوّل الحديث: "لا تقوم السّاعة حتى يقاتل المسلمون التّرك ... " الحديث.
٣ "يلبسون الشّعر ويمشون في الشّعر".
معناه: ينتعلون الشّعر، كما صرح به في الرّواية الأخرى: نعالهم الشّعر.
وفي الرّواية الأخرى: "حمر الوجوه"، أي: بيض الوجوه مشوبة بحمرة.
وفي هذه الرّاوية وغيرها: صغار الأعين.
وهذه كلّها معجزات لرسول الله ﷺ، فقد وجد قتال هؤلاء التّرك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشّعر. فوجدوا بهذه الصّفات كلّها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات. اهـ. نووي.
وفي لفظ١: "حُمْرُ الْوُجُوهِ، صَغَارُ الأَعْيُن".
(١٠٩) ولأبِي داود٢: عن ابن بريدة عن أبيه عن النَّبِيِّـ ﷺ:
"يُقَاتِلُكُم قومٌ صِغارُ الأَعْيُن" – يعني: التّرك – قال: "تَسُوقُونَهم٣ ثَلاثَ مِرَارٍ، حتّى تَلْحَقُونَهم٤ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب. فَأمّا فِي السِّياقة الأولى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُم.
وأمَّا فِي الثَّانِيَةِ، فَيَنْجُو بَعْضٌ، وَيَهْلِكُ بَعْضٌ. وَأمّا في الثّالِثَةِ، فيصطلمون" ٥، أو كما قال.
_________
١ نفس المرجع، وأوّل الحديث: "تقاتلون بين يدي السّاعة قومًا نعالهم الشّعر كان وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين".
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في قتال التّرك، ص: ٤١٢.
٣ تسوقونهم من السّوق، أي: يصيرون مغلوبين مقهورين منهزمين، بحيث إنّكم تسوقونهم.
٤ في سنن أبي داود: "حتّى تلحقوهم بجزيرة العرب".
٥ فيصطلمون بالبناء للمجهول، أي: يحصدون بالسّيف ويستأصلون من الصّلم وهو القطع المستأصل.
(١١٠) وله١ عن أبي بَكَرَةَ: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:
"ينْزِلُ نَاسٌ مِن أُمَّتِي بِغَائِطٍ٢ يُسَمُّونَهُ: الْبَصْرَةَ عَنْدَ نَهْرٍ يُقَالُلَهُ: دِجْلَةَ٣ عَلَيهِ جِسْرٌ٤، يَكْثُرُ أَهْلُهُا٥ وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُهَاجِرِيْنَ".
(١١١) وفي لفظ٦: "مِن أمصار المسلمين. فإذا كان في آخر الزّمان، جاء بنو قُنْطُورَاء٧، عِرَاضُ
_________
١ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٧، وأوّل الحديث: "ينْزل أناس"، بدل: "ناس".
٢ "بغائط"، الغائط: المطمئن، الواسع من الأرض.
٣ "دجلة)، بسكر الدّال وتفتح نهر بغداد.
٤ في سنن أبي داود: "يكون عليه جسر"، والجسر القنطرة والمعبر.
٥ أي: يكثر أهل البصرة، وهي مثلثة الباء، والفتح أفصح، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر ﵁.
٦ عون المعبود، بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٨، وأوّل الحديث: "وتكون من أمصار المسلمين".
٧ "بنو قنطوراء"، بفتح القاف وسكون النّون ممدودًا، كذا ضبط.
وقال القاري: مصورًا، وقد يمد، أي: يجيؤون ليقاتلوا أهل بغداد، وقال بلفظ: جاء، دون يجيء إيذانًا بوقوعه فكأنّه قد وقع. وبنو قنطوراء: التّرك.
الْوُجُوهِ، صِغَارُ الأَعْيُنِ؛ حتّى ينْزِلُزا على شطِّ النّهر١، فَيَتَفَرَّق أَهْلُها ثلاث فِرَق: فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَر والْبَرِيَّة٢، وَهَلَكُوا. فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَلأنفسهم٣، وكفروا. فِرْقَةٌ يَجْعَلُون ذَرَاريَّهُم٤ خَلْفَ ظُهُورِهم، يُقَاتِلُونَهم، وَهُمُ الشّهداءُ".
(١١٢) وفي لفظ٥ أحمد، بعد الفرقة الأولى: "وَأَمَّا
_________
١ "على شطّ النّهر"، أي: على جانب النّهر، قال في المصباح: الشّطّ: جانب النّهر، وجانب الوادي.
٢ "يأخذون أذناب البقر والبَريّة"، أي: أنّ فرقة يعرضون عن المقاتلة هربًا منها وطلبًا لخلاص أنفسهم ومواشيهم، ويحملون على البقرة، فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها. أو يعرضون عن المقاتلة ويشتغلون بالزّراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشّاسعة فيهلكون.
٣ "وفرقة يأخذون لأنفسهم"، أي: يطلبون أو يقبلون الأمان من بني قنطوراء.
٤ "وفرقة يجعلون ذراريهم"، أي: أولادهم الصّغار والنّساء خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشّهداء، أي: الكاملون، قال القاري: وهذا من معجزاته ﷺ، فإنّه وقع كما أخبر، وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ستٍّ وخمسين وستمائة. اهـ.
٥ مسند الإمام أحمد، ج ٥، ص: ٤٥، ولفظ الحديث فيه: عن أبي بَكَرَة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَيَنْزِلَنَّ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: الْبَصْرَةُ، يَكْثُرُ بِهَا عَدَدُهُم، وَيَكْثُرُ بِهَا نَخْلُهُم، ثُمَّ يَجِيءُ بَنُو قَنْطُورَاء: عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى جِسْرٍ لَهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةَ، فَيَتَفَرَّقُ الْمُسْلِمُونَ ثَلاَثَ فِرَقٍ، فَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَأْخُذُونَ بِأَذْنَاب الإبل، وَتَلْحَقُ بِالْبَادِيَة، وَهَلَكَتْ، وأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ عَلَى نَفْسِهَا فَكَفَرَتْ، فَهَذِه وَتِلْكَ سَوَاءٌ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَجْعَلُون عِيَالَهُم خَلْفَ ظُهُورِهِم، وَيُقَاتِلُونَ، فَقَتْلاَهُم شُهَدَاءُ، وَيَفْتَحُ الله عَلَى بَقِيَّتِهَا".
ولفظ أحمد هذا يدلّ صراحةً على: أنّ التّرك هم الذين يسوقون المسلمين ثلاث مرار، حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففي السياقة الأولى ينجو مَن هرب من المسلمين.
وفي الثّانية ينجو بعض منهم، ويهلك بعض.
وفي الثّالثة يستأصلون كلّهم.
وهذا السّياق مخالف لما رواه أبو داود في الحديث رقم: (١٠٩)؛ إذ إنّ لفظ أبي داود، يدلّ صراحةً على أنّ المسلمين هم الذين يسوقون التّرك ثلاث مرار، حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب ... الخ.
قال صاحب عون المعبود بشرح سنن أبي داود:
"وعندي: أنّ الصّواب رواية أحمد، وأمّا رواية أبي داود، فالظّاهر أنّه قد وقع الوهم فيه من بعض الرّواة، ويؤيّده: أنّه وقع الشّكّ لبضع رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث: "أو كما قال"، ويؤيّده أيضًا أنّه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد". انظر: عون المعبود ج ١١، ص: ٤١٣.
فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ عَلَى نَفْسِهَا وَكَفَرَتْ. فَهِذِهِ وَتلك سَواءُ"، وقال في الثّالثة: "وَيَفْتَحُ الله على بَقِيَّتِهَا".
(١١٣) وللبزّار١ عن أبي الدّرداء. قال رسول الله – ﷺ:-
"بَيْنَمَا أنا نائمٌ، رأيت عَمُودَ الْكتَاب رفع مِنْ تحت رأسي، فَظَنَنْتُ أنّه مَذّهُوبٌ به، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَذُهبَ به إلى الشّام. ألا وإنّ الأَيْمَان- حين تَقَعَ الْفِتَنُ – بالشّام" صحّحه عبد الحقّ.
(١١٤) ولأبِي داود٢: عن أبي الدّرداء: أنّ رسول الله – ﷺ –قال:-
"فُسْطَاطُ٣ الْمسلمين يوم الْمَلْحَمَة بِالْغُوطَة٤ إلى
_________
١ مسند الإمام أحمد ج ٥، ص: ١٩٩، بلفظٍ: "احتمل" بدل لفظ: "رفع".
والمستدرك للحاكم ج ٤، كتاب الفتن والملاحم، ص: ٥٠٩، بلفظ مختلف عن عبد الله بن عمرو، وقال: صحيح على شرط الشّيخين، ولم يخرجاه.
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الملاحم، باب معقل المسلمين، ص: ٤٠٦.
٣ في السّنن: "إنّ فسطاط"، والمقصود: الحصن الذي يتحصنون به. وأصله: الخيمة.
والملحمة: المقتلة العظمى في الفتن.
٤ "بالغوطة"، الغوطة: بضم الغين، موضع بالشّام، كثير الماء والشّجر.
جانب مَدِينةٍ يُقَال لَها: دِمَشْقٌ١ مِن خَيْر مَدَائِن الشّام".
(١١٥) ولابن أبي شيبة٢ عن أبي٣. قال رسول الله – ﷺ:
"مَعْقَلُ الْمسلمين فِي الْملاحم: دِمِشْقُ. وَمَعْقلُهُم مِنَ الدّجّال: بَيَّتُ المقدس. ومَعْقُلُهم من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: الطُّورُ".
(١١٦) ولابن ماجه٤: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ "دمشق"، بكسر الدّال المهملة، وفتح الميم.
قال العقلمي: "وهذا الحديث يدلّ على فضيلة دمشق، وعلى فضيلة سكانها، وأنّها حصن من الفتن، ومن فضائلها: أنّه دخلتها عشرة آلاف عين رأت النَّبِيّ ﷺ.
كما أفاده ابن عساكر.
٢ منتخب كنْزل العمال في سنن الأقوال والأفعال المطبوع بهامش مسند الإمام أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت ج ٦، ص: ١٥.
٣ في منتخب كنْزل العمال، عن ابن عمرو.
٤ سنن ابن ماجه ٢، كتاب الفتن، باب الملاحم ص: ١٣٦٩.
في الزّوائد: هذا إسناد حسن، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه.
"إذا وقعت الْمَلاَحمُ بَعَثَ الله جَيْشًا١ من الْمَوالي٢. هُم أَكْرَمُ الْعَرَبَ فَرَسًا، وأجوده سلاحًا، يُؤيِّد الله به٣ الدِّين".
(١١٧) ولِمسلم٤ عن حذيفة بن أسيد. قال: اطّلع علينا رسول الله – ﷺ – من غرفة٥، ونحن نتذاكر السّاعة٦. فقال:
_________
١ في السّنن "بعثا" بدل: "جيشا".
٢ "من الموالي: المالك، والعبد، والمعتق، وقد اشتهر في المعتق غالبًا، وعلى الرّجل الذي أسلم عل يد رجلٍ مسلمٍ.
٣ في السّنن: "يؤّيد الله بهم الدّين"، بضمير الجمع للغائب.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب الآيات التي تكون قبل السّاعة ص: ٢٧، وما بعدها.
٥ "من غرفة"، هذه من رواية أخرى لمسلم.
٦ رواية صحيح مسلم القريبة مما ذكره الأصل هي:
"اطلع النَّبِيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال: "ما تذاكرون؟ "، قالوا: نذكر السّاعة، قال: "إنّها لن تقوم حتّى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر: "الدّخان، والدّجّال، والدّابة، وطلوع الشّمس من مغربها. ونزول عيسى بن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النّاس إلى محشرهم".
فذكر الأصل: الحديث مع تقديم وتأخير ...، ولم يذكر: آية الدّابة.
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يكون عَشْرُ آياتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، والدَّخَانُ١، والدَّجَّالُ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. ونُزُولُ عِيسى بن مريم، وثَلاَثُ خُسُوفَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ. وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ. وَخَسْفٌ بَجَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ٢ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ، تَسُوقُ النّاسَ إلى
_________
١ "والدّخان"، هذا الحديث يؤيّد قول مَن قال: إنّ الدّخان دخان يأخذ بأنفاس الكفّار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزّكام، وأنّه لم يأت بعد، وإنّما يكون قريبًا من قيام السّاعة، وسيأتي ذلك في حديث رقم: (١٢٤) .
٢ "ونار تخرج"، هذا اللّفظ من رواية التّرمذي ج ٦، من تحفة الأحوذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف، ص: ٤١٣، ونصّه: "ونَارٌ مِن قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ، أَو تَحْشُرُ النَّاسَ، فَتَبِيتُ مَعَهُم حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُم حَيْثُ قَالُوا".
ومعنى قعر عدن أي: من أقصى أرضها، وعدن غير منصرف، وقيل منصرف، باعتبار البقعة والمكان.
وفي روايةٍ لمسلم: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبْلِ بِبُصْرَى"، صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٣٠.
وقد جعل القاضي عياض حاشرة، قال: "ولعلّها ناران تجتمعان لحشر النّاس، قال: أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، ويكون ظهورها وكثرة قوّتها بالحجاز".
هذا كلام القاضي، وليس في الحديث أنّ نار الحجاز متعلّقة بالحشر، بل هي آية من أشراط السّاعة مستقلة. اهـ. نووي.
الْمَحْشَرِ، تَبِيتُ مَعَهُم إذا بَاتُوا، وتَقِيلُ مَعَهُم إذا قَالُوا".
وفي رواية١ له: "وآخر ذلك نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النّاسَ".
وفي رواية له٢: "وَرِيحٌ تُلْقِي النّاسَ فِي الْبَحْرِ"، بدل: "نُزُول عِيسى".
(١١٨) وله٣ عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ – قال:
"بَادِرُوا٤ بالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن ص: ٢٨.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن ص: ٢٨.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدّجّال ص: ٨٧.
٤ "بادروا بالأعمال ستًّا"، أي: سابقوا ستّ آيات دالّة على وجود القيامة، قبل وقوعها وحلولها، فإنّ العمل بعد وقوعها وحلولها لا يقبل ولا يعتبر.
أوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أو الدَّابَّةَ، أو خَاصَّةَ أَحْدِكُم، أو أَمْرَ العامّة ".
(١١٩) وَلَهُ١ عن معقل بن يسار مرفوعًا:
"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجَ كَهِجِرَةِ إِلَيَّ" ٢.
(١٢٠) وله٣ عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"ثلاث آيات٤ إذا خَرَجْنَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨]: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مغربِها، والدّجّالُ، ودابّةُ الأرض".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب فضل العبادة في الهرج ص: ٨٨.
٢ "العبادة في الهرج كهجرة إليّ"، المراد بالهرج هنا: الفتنة، واختلاط أمور النّاس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه، أنّ النّاس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها، ولا يتفرّغ لها إلاّ الأفراد.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ٢، كتاب الإيمان، باب بيان الزّمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ص: ١٩٥.
٤ في صحيح مسلم: "ثلاث إذا خرجن".
(١٢١) وله١: عن أبي زرعة. وذكر قول مروان عن الآيات:
أوّلها خروجًا: الدّجال. فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروانشيئًا. حفظت من رسول الله– ﷺ – حديثًا لم أنسه بعد.
سَمِعت رسول الله – ﷺ –يقول:
"إنّ أوّل الآيات خروجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مغربِها، وخروجُ الدّابّةِ على النّاسِ ضُحًى، وأيّهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص: ٧٧، ٧٨.
ولفظ الحديث في مسلم:
"عن أبي زرعة قال: جلس إلَى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدّث عن الآيات: إنّ أوّلها خروجًا الدّجّال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد ... " الحديث.
(١٢٢) وللتِّرمذي١ عن صفوان بن عسّال: سمعت رسول الله – ﷺ –يقول:
"إنّ بِالْمَغْرِب٢ بابًا مفتوحًا للتّوبة، مَسِيرةُ سَبْعِيْن سنة. لا يُغْلَقُ حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحوه ". وقال: حسن صحيح.
(١٢٣) ولمسلم٣ عن أبي هريرة. قال رسول الله– ﷺ:
"مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ الله عليه"٤.
_________
١ تحفة الأحوذي، شرح التّرمذي ج ٩، كتاب الدّعوات، ص: ٥١٩.
٢ ولفظه في التّرمذي: "إنَّ الله ﷿ جَعلَ بِالْمَغْرِبِ بابًا، عَرْضُهُ مَسيرةُ سَبْعِينَ عامًا لِلْتَوبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسِ مِن قِبله".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٧، كتاب الذّكر والدّعاء والتّوبة والاستغفار، باب التّوبة، ص: ٢٥.
٤ قال العلماء: "هذا حدٌّ لقبول التّوبة، وقد جاء في الحديث الصّحيح: "أنَّ لِلْتَّوْبَةِ بابًا مَفْتُوحًا، فَلاَ تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى يُغْلَقَ، فإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَغرِبِهَا أُغْلِقَ وامْتَنَعَتِ التَّوبَةُ عَلى مَنْ لَم يَكُن تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ".
وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨] .
ومعنى تاب الله عليه، قبل: توبته ورضي به.
وللتّوبة شرط آخر، وهو أن يتوب قبل الغرغرة، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، [النّساء، من الآية: ١٨] .
وكما جاء في الحديث الصّحيح، وأمّا في حالة الغرغرة - وهي حالة النّزع - فلا تقبل توبته ولا غيرها، ولا تنفّذ وصيته ولا غيرها.
Translation
باب: ملاحم الروم
#16
Chapter 16 — باب: من أشراط الساعة الدخان
· ref. #16
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الدُّخَانُ
(١٢٤) وَرُوِيَ من١ حديث حذيفة عن النّبِيّ – ﷺ:
_________
١ ذكره ابن جرير الطّبري، وابن كثير، والبغوي في التّفسير، عند الكلام على قول الله تبارك تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، [الدّخان: ١٠]، ج ٥، ص: ١١٤، من تفسير الطّبري، ج ٤، ص: ١٣٩، من تفسير ابن كثير ج ٦، ص: ١٢١، من تفسير البغوي.
كما ذكر حديث ابن مسعود الذي يقول فيه: إنّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قال: "اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأَخَذَتْهُم سنة حَصَّت كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، يَنْظُرُ أَحَدُهُم إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى دَخَانًا مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان بن حربٍ فَقال: يا محمّدُ، إِنَّك جئتَ تأمرُ بالطّاعة، وبصلة الرَّحم وأنّ قَومَكَ قد هلكوا، فادْعُ الله لَهُم. فقال الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، [الدّخان: ١٠]، إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، [الدّخان، من الآية: ١٥]، قال: فَكَشَفَ عَنْهُم، وبهذا فرأي ابن مسعود أنّ الدّخان هو عقاب لقريش وليس من علامات السّاعة.
ورجّح ابن جرير رأي ابن مسعود، ويحتمل أنّهما دخانان للجمع بين هذه الآثار.
"إنّ١ من أَشْرَاطِ السّاعَةِ دُخَانًا مَلأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، يَمْكُثُ فِي الأرض أربعين يومًا. أمّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ منه شبْهُ الزُّكَامُ، وأمّا الْكَافِرُ فَيَكوُن بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَان، يَخْرجُ الدّخان مِنْ أَنْفِهِ ومَنْخَرِهِ وعَيْنَيه وأُذُنِيهِ وَدُبِرِهِ".
(١٢٥) ولأبي داود٢، عن أنس: أنّ النّبيّ – ﷺ قال له:
_________
١ ولفظ حديث حذيفة كما جاء عند ابن جرير:
قال رسول الله ﷺ: "أَوَّلُ الآياتِ الدَّجَّالُ، ونُزُولُ عيسى بن مريم، ونَارٌ تَخْرجُ مِن قَعْر عَدَنَ أَبْيَنِ، تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَر، تَقيلُ مَعُهُم إذَا قَالُوا، والدُّخَانُ، قال حذيفة: يا رسول الله! ومَا الدُّخَانُ؟ فَتَلاَ رسولُ الله ﷺ الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [الدّخان، الآيتان: ١٠-١١]، يَمْلأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِب، يَمْكُثُ أَرْبَعِين يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُه مِنْهُ كَهَيْئِةِ الزُّكامِ، وأَمَّا الْكَافِرُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَة السَّكْرَانِ يَخْرَجُ مِن مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ".
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الفتن، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٩.
"يا أَنَسُ! إنّ النّاسَ يُمَصِّرُون أَمْصَارًا١، وإنّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةَ، أَوِ الْبَصِيْرَةُ؛ فَإِن أَنْتَ مَرَرْتَ٢ بِهَا، أو دَخْلَتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلأَهَا وَسُوقَهَا، وبَابَ أُمَرائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَواحِيهَا٣؛ فإنّه يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وقَذْفٌ وَرَجْفٌ٤، وقَوْمٌ يَبيتُون يُصْبِحُون قرَدَةً وخَنَازِيرَ".
_________
١ "يمصرِّون أمصارًا"، أي: يتخّذون بلادًا، والتّمصير: اتّخاذ المصر.
٢ فإيّاك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، أي: (احذر سباخها)، وهو بكسر السّين جمع سبخة، بفتح فكسر، أي: أرض ذات ملح ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشّجر.
وكلاء: بوزن كتاب موضع بالبصرة، قال في النّهاية: "الكلاء بالتّشديد والمدّ: الموضع الذي تربط فيه السّفن، ومنه: سوق الكلاء بالبصرة" اهـ.
وسوقها: إمّا لحصول الغفلة فيها، أو لكثرة اللّغو بها، أو فساد العقود ونحوها.
وباب أمرائها: لكثرة الظّلم الواقع بها.
٣ "وعليك بضواحيها"، جمع: ضاحية. وهي النّاحية البارزة للشّمس.
وقيل: المراد بها: جبالها، وهذا أمر بالعزلة، فالمعنى: الزم نواحيها.
٤ "فإنّه يكون بها خسف وقذف ورجف"، أي: يكون بالمواضع المذكورة خسف، أي: ذهاب في الأرض وغيبوبة فيها، وقذف: أي: ريح شديدة باردة، أو قذف الأرض الموتى بعد دفنها، أو رمي أهلها بالحجارة، بأن تمطر عليهم، قاله القاري. قلت: الظّاهر المناسب ههنا هو المعنى الأخير. اهـ. عون المعبود.
ورجف: أي: زلزلة شديدة، وقوم يبيتون طيّبين يصبحون قردة وخنازير.
قال الطّبيّ: المراد به المسخ. وعبّر عنه بما هو أشنع. اهـ.
(١٢٤) وَرُوِيَ من١ حديث حذيفة عن النّبِيّ – ﷺ:
_________
١ ذكره ابن جرير الطّبري، وابن كثير، والبغوي في التّفسير، عند الكلام على قول الله تبارك تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، [الدّخان: ١٠]، ج ٥، ص: ١١٤، من تفسير الطّبري، ج ٤، ص: ١٣٩، من تفسير ابن كثير ج ٦، ص: ١٢١، من تفسير البغوي.
كما ذكر حديث ابن مسعود الذي يقول فيه: إنّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قال: "اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأَخَذَتْهُم سنة حَصَّت كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، يَنْظُرُ أَحَدُهُم إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى دَخَانًا مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان بن حربٍ فَقال: يا محمّدُ، إِنَّك جئتَ تأمرُ بالطّاعة، وبصلة الرَّحم وأنّ قَومَكَ قد هلكوا، فادْعُ الله لَهُم. فقال الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، [الدّخان: ١٠]، إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، [الدّخان، من الآية: ١٥]، قال: فَكَشَفَ عَنْهُم، وبهذا فرأي ابن مسعود أنّ الدّخان هو عقاب لقريش وليس من علامات السّاعة.
ورجّح ابن جرير رأي ابن مسعود، ويحتمل أنّهما دخانان للجمع بين هذه الآثار.
"إنّ١ من أَشْرَاطِ السّاعَةِ دُخَانًا مَلأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، يَمْكُثُ فِي الأرض أربعين يومًا. أمّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ منه شبْهُ الزُّكَامُ، وأمّا الْكَافِرُ فَيَكوُن بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَان، يَخْرجُ الدّخان مِنْ أَنْفِهِ ومَنْخَرِهِ وعَيْنَيه وأُذُنِيهِ وَدُبِرِهِ".
(١٢٥) ولأبي داود٢، عن أنس: أنّ النّبيّ – ﷺ قال له:
_________
١ ولفظ حديث حذيفة كما جاء عند ابن جرير:
قال رسول الله ﷺ: "أَوَّلُ الآياتِ الدَّجَّالُ، ونُزُولُ عيسى بن مريم، ونَارٌ تَخْرجُ مِن قَعْر عَدَنَ أَبْيَنِ، تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَر، تَقيلُ مَعُهُم إذَا قَالُوا، والدُّخَانُ، قال حذيفة: يا رسول الله! ومَا الدُّخَانُ؟ فَتَلاَ رسولُ الله ﷺ الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [الدّخان، الآيتان: ١٠-١١]، يَمْلأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِب، يَمْكُثُ أَرْبَعِين يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُه مِنْهُ كَهَيْئِةِ الزُّكامِ، وأَمَّا الْكَافِرُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَة السَّكْرَانِ يَخْرَجُ مِن مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ".
٢ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الفتن، باب في ذكر البصرة، ص: ٤١٩.
"يا أَنَسُ! إنّ النّاسَ يُمَصِّرُون أَمْصَارًا١، وإنّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةَ، أَوِ الْبَصِيْرَةُ؛ فَإِن أَنْتَ مَرَرْتَ٢ بِهَا، أو دَخْلَتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلأَهَا وَسُوقَهَا، وبَابَ أُمَرائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَواحِيهَا٣؛ فإنّه يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وقَذْفٌ وَرَجْفٌ٤، وقَوْمٌ يَبيتُون يُصْبِحُون قرَدَةً وخَنَازِيرَ".
_________
١ "يمصرِّون أمصارًا"، أي: يتخّذون بلادًا، والتّمصير: اتّخاذ المصر.
٢ فإيّاك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، أي: (احذر سباخها)، وهو بكسر السّين جمع سبخة، بفتح فكسر، أي: أرض ذات ملح ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشّجر.
وكلاء: بوزن كتاب موضع بالبصرة، قال في النّهاية: "الكلاء بالتّشديد والمدّ: الموضع الذي تربط فيه السّفن، ومنه: سوق الكلاء بالبصرة" اهـ.
وسوقها: إمّا لحصول الغفلة فيها، أو لكثرة اللّغو بها، أو فساد العقود ونحوها.
وباب أمرائها: لكثرة الظّلم الواقع بها.
٣ "وعليك بضواحيها"، جمع: ضاحية. وهي النّاحية البارزة للشّمس.
وقيل: المراد بها: جبالها، وهذا أمر بالعزلة، فالمعنى: الزم نواحيها.
٤ "فإنّه يكون بها خسف وقذف ورجف"، أي: يكون بالمواضع المذكورة خسف، أي: ذهاب في الأرض وغيبوبة فيها، وقذف: أي: ريح شديدة باردة، أو قذف الأرض الموتى بعد دفنها، أو رمي أهلها بالحجارة، بأن تمطر عليهم، قاله القاري. قلت: الظّاهر المناسب ههنا هو المعنى الأخير. اهـ. عون المعبود.
ورجف: أي: زلزلة شديدة، وقوم يبيتون طيّبين يصبحون قردة وخنازير.
قال الطّبيّ: المراد به المسخ. وعبّر عنه بما هو أشنع. اهـ.
Translation
باب: من أشراط الساعة الدخان
#17
Chapter 17 — باب: الدجال وصفه وما معه
· ref. #17
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
باب: الدجال وصفه وما معه
...
بَابُ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَمَا مَعَهُ
(١٢٦) ولِمسلم١: عن النَّوَّاس بن سَمْعَان. قال: ذَكَرَ رسولُ الله – ﷺ الدَّجَّال٢ ذَاتَ
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: ذكر الدّجّال وصفته وما معه، ص: ٦٣.
وذكره ابن ماجه في سننه ج٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال ص:١٣٥٦.
٢ "الدّجّال"، قال ثعلب: كلّ كذّابٍ فهو دجّال. وقيل: الدّجّال المموَّه. يقال: دجل فلان إذا مَوَّه، ودجل الحقّ بباطله، إذا غطاه.
وحكى ابن فارس هذا الثّاني عن ثعلب أيضًا. اهـ. من شرح مقدمة مسلم للنّووي ص: ٧٩.
وسُمِّيَ بالمسيح؛ لأنّه ممسوح العين، وقيل: لأنّه أعور، والأعور يُسَمَّى مسيحًا.
وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه.
وأكثر العلماء على أنّ ضبط الاسم بفتح الميم وكسر السين، ولا فرق بينه وبين اسم عيسى ﵊ في اللّفظ، ولكن عيسى ﵊ مسيح هدى.
والدّجّال مسيح ضلالة.
ورواه بعض الرّواة بكسر الميم والشّين المشدّدة، وقاله غير واحدٍ كذلك. إلاّ أنّه بالخاء المعجمة. وقال بعضهم: بكسر الميم وتخفيف السّين. اهـ.
شرح النّووي لمسلم ج ٢، ص: ٢٣٤.
قال القاضي عياض ﵀: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصّة الدّجّال حجّة لمذهب أهل الحقّ في صحّة وجوده، وأنّه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من: إحياء الميّت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدّنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتّباع كنوز الأرض له، وأمره السّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرّجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا".
هذا مذهب أهل السّنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنّظّار، خلافًا لِمَن أنكره وأبطل أمره - من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة - في أنّه صحيح الوجود، ولكن الذي يدّعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنّه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنّه لم يدع النّبوّة فيكون ما معه كالتّصديق له، وإنّما يدّعي الألوهية، وهو في نفس دعواه مكذّب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
ولهذه الدّلائل وغيرها لا يغترّ به إلاّ رعاع من النّاس لسدّ الحاجة والفاقة، رغبة في سدّ الرمق، أو تقية وخوفًا من أذاه؛ لأنّ فتنته عظيمة جدًّا، تدهش العقول وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأمر، فلا يمكث بحيث يتأمّل الضّعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنّقص. فيصدّقه مَن صدّقه في هذه الحالة.
ولهذا حذّرت الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - من فتنته، ونبّهوا على نقصه ودلائل إبطاله.
وأمّا أهل التّوفيق فلا يغترّون به، ولا يخدعون بما معه، لما ذكرناه من الدّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلاّ بصيرةً.
هذا آخر كلام القاضي-﵀-اهـ. نووي ج ١٨، ص: ٥٨، ٥٩.
غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ ورَفَّعَ١، حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فلمّا رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فَينَا. فقال: "مَا شَأْنُكُم؟ "، قلنا: يا رسولَ الله! ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةَ فَخَفَّضْتَ
_________
١ "فخفّض فيه ورفّع"، بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان:
أحدهما: أنّ خفض بمعنى حقر، وقوله: رفع، أي: عظمه وفخمه. فمَن تحقيره وهوانه على الله تعالى: عوره. ومنه قوله ﷺ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِن ذَلِكَ"، وأنّه لا يقدر على قتل أحدٍ إلاّ ذلك الرّجل، ثم يعجز عنه، وأنّه يضمحل أمره، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه.
ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة.
وأنّه ما من نَبِيٍّ إلاّ وقد أنذره قومه.
والوجه الثّاني: أنّه خفض من صوته في حال الكثرة فيما تكلّم فيه.
فخفض بعد طول الكلام والتّعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كلّ أحدٍ بلاغًا كاملًا مفخمًا.
فيه وَرَفَّعْتَ. حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فقال: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفَنِي عَلَيْكُم١، إِنْ يَخْرجْ
_________
١ "غير الدّجّال أخوفنِي عليكم"، بالنّون بعد الفاء، ورواه بعضهم بحذف النّون، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما واحد.
قال شيخنا الإمام أبو عبد الله ابن مالك ﵀: الحاجة داعية إلى الكلام في لفظ الحديث ومعناه.
فأمّا لفظه: فلكونه تضمّن ما لا يعتاد من إضافته أخوف إلى ياء المتكلّم مقرونة بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنّما يكون مع الأفعال المتعدية.
والجواب: إنّه كان الأصل إثباتها، ولكنّه أصل متروك.
ثم قال: ولأفعل التّفضيل أيضًا شبه بالفعل وخصوصًا بفعل التّعجّب.
فجاز أن تحلقه النّون المذكورة في الحديث. هذا هو الأظهر في هذه النّون هنا.
ثم قال: وأمّا معنى الحديث: ففيه أوجه:
أظهرها: أنّه من أفعل التّفضيل، وتقديره: غير الدّجّال أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء، ومنه: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأئمةُ الْمُضِلّون"، معناه: أنّ الأشياء التي أخافها على أمّتي أحقّها بأن تخاف الأئمة المضلِّون.
والثّاني: أن يكون أخوف من أخاف بمعنى: خوف، ومعناه: غير الدّجّال أشدّ موجبات خوفي عليكم.
والثّالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان على سبيل المبالغة، كقولهم في الشّعر الفصيح: شعر شاعر، وخوف فلان أخوف من خوفك.
وتقديره: خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف المضاف الأوّل، ثم الثّاني، هذا آخر كلام الشّيخ ﵀ اهـ. نووي على مسلم.
وَأَنَا فِيكُم، فَأَنَا حَجيجُهُ دُونَكُم، وإِنْ يَخْرُجُ وَلَسْتُ فَيكُم، فَاْمُرُؤُ حَجِيجُ نَفْسِهِ. والله، خلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إنّه شابٌّ قططٌّ١، عينه طَافِئَةٌ كَأَنِّي أشبِّهُهُ بِعَبْدِ الُعُزَّى بن قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُم فَلْيَقْرَأْ عَلَيهُ فَوَاتِحَ سُورَةَ الْكَهْفِ. إنَّهُ خَارِجٌ خُلَّةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاق٢،
_________
١ "قطط"، أي: شديد جعودة الشّعر، مباعد للجعودة المحبوبة.
٢ "إنّ خارج خلة بين الشّام والعراق"، هكذا في نسخ بلادنا: خلة: بفتح الخاء المعجمة واللام، وتنوين الهاء.
وقال القاضي: "المشهور فيه: حلة، بالحاء المهملة، ونصب التّاء، يعني: غير منونة.
قيل: معناه: سحت ذلك وقبالته، وفي كتاب العين: الحلة: موضع حزن وصخور.
قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله.
قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصّحيحين، قال: وذكره الهروي خلة بالخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحتين، وفسّره بأنّه ما بين البلدين، هذا آخر ما ذكره القاضي.
وهذا الذي ذكره عن الهروي هو الموجود في نسخ بلادنا. وفي الجمع بين الصّحيحين أيضًا ببلادنا. وهو الذي رجّحه صاحب نهاية الغريب، وفسّره بالطّريق بينهما. اهـ. نووي.
فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا١، يا عبَادِ الله! فَاثْبُتُوا". قلنا: يا رسول الله! وما لُبْثُهُ فِي الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يومٌ كَسَنَةٍ، ويَومٌ كَشَهْرٍ، ويوْمٌ كَجُمْعَةٍ٢، وسائرُ أيَّامِهِ كَأَيَّامِكُم"، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الّذي كسنةٍ أَتَكِفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: "لا. اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"٣. قلنا: يا رسول الله! وما إِسْرَاعُهُ
_________
١ "فعاث يمينًا وعاث شمالًا"، العيث: الفساد، أو أشدّ الفساد والإسراع فيه.
وحكى القاضي أنّه رواه بعضهم فعاثٍ بكسر الثّاء منونة اسم فاعلٍ، وهو بمعنى الأوّل.
٢ يوم كسنة ويوم كشهرٍ ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيّام الثّلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدلّ عليه قوله ﷺ وسائر أيّامه كأيّامكم.
٣ "أقدروا له قدره"، قال القاضي وغيره: "هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشّرع، قالوا: ولولا هذا الحديث، وَوُكِلنا إلى اجتهادنا، لاقتصرنا فيه على الصّلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيّام.
ومعنى "أقدروا له قدره": أنّه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظّهر كلّ يومٍ، فصلّوا الظّهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلّوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب، فصلّوا المغرب، وكذا العشاء والصّبح، ثم الظّهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتّى ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلّها، مؤدّاة في وقتها.
أمّا الثّاني الذي كشهر، والثّالث الذي كجمعةٍ، فقياس اليوم الأوّل أن يقدر لهما كاليوم الأوّل على ما ذكرناه.
فِي الأرض؟ قال: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فيأتي على القوم فَيَدْعُوهُم، فَيُؤْمِنُون به ويَسْتَجِيبُون له، فيأْمُرُ السّماءَ فَتُمْطِرُ، والأرضَ فَتُنْبِتُ. فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُم، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًّا، وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خَوَاصر١. ثمّ يأتِي القومَ. فَيَدْعُوهم فَيَرُدُّون عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصِرُفُ عَنْهُم. فَيَصْبِحُون مُمْلحيْنِ٢،
_________
١ "فتروح عليهم سارحتهم ... " الخ، أما تروح فمعناه: ترجع آخر النّهار، والسّارحة: هي الماشية التي تسرح، أي: تذهب أوّل النّهار إلى المرعى، والذرا: الأعالي والأسنمة جمع ذروة بالضّمّ والكسر، وأسبغه: أي: أطوله لكثرة اللّبن، وكذا أمده خواصره، لكثرة امتلائها من الشّبع.
٢ "فيصبحون ممحلين"، قال القاضي: "أي: أصابهم المحل، من قلّة المطر، ويبس الأرض من الكلأ".
وفي القاموس: المحل، على وزن فحل: الجدب والقحط. والأمحال كون الأرض ذات جدب وقحط، يقال: أمحل البلد، إذا أجدب.
ليس بأيديهم شيء، من أموالهم. ويَمُرُّ بالْخرْبَة، فيقول لها: أخرجي كُنُوزَك. فَتَتْبَعَهُ كنوزُها كَيَعَاسِيبِ النّحْل١، ثُمَّ يدعو رجلًا مُمْتَلِئًا شبابًا. فَيَضْرِبُه بالسّيف، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْن، رَمْيَةَ الْغَرَض٢، ثمّ يدعوه فيُقْبَلُ ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمُا هو كذلك إِذْ بَعَثث الله المسيحَ ابن مريم – صلّى الله عليه٣- فَيَنْزِلُ عند الْمَنَارَةِ الْبَيضَاءِ شرقي دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْن٤، واضعًا كَفَّيْهِ
_________
١ كيعاسيب النّحل: (هي ذكور النّحل)، هكذا فسّره ابن قتيبة وآخرون.
قال القاضي: "المراد: جماعة النّحل، لا ذكورها خاصّة، لكنّه كنّى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها؛ لأنّه متى طار تبعته جماعته.
٢ "فيقطعه جزلتين رمية الغرض": الجزلة: بالفتح على المشهور وحكى ابن دريد كسرها، أي: قطعتين ومعنى رمية الغرض: أنّه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية. هذا هو الظّاهر المشهور.
وحكى القاضي هذا، ثم قال: وعندي أنّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: فيصيب إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين.
والصّحيح الأوّل.
٣ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
(فينْزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)، قال النّووي: "هذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق، والمهرودتان: روى بالدّال المهملة والذّال المعجمة، والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدّمين والمتأخّرين من أهل اللّغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النّسخ بالمهملة، كما هو المشهور.
ومنعنَى: لابس مهرودتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. وقيل: هما شقتان والشّقة نصف الملاءة.
على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إذا طَأْطَأْرأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحذَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ١، فلا يَحِلّ لِكَافِرٍ٢. يَجِدُ ريحَ نَفْسِهِ إلاّ مَاتَ. ونَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لدٍّ٣، فَيقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عيسى - – ﷺ قومًا٤ قَدْ عَصَمَهُمُ الله منه. فَيَسْمَحُ عَنْ وُجُوهِهم٥. ويُحَدِّثُهم بِدَرَجَاتِهم في
_________
١ "تحدر منه جمان كاللؤلؤ"، الجمان: حبات من الفضّة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللّؤلؤ في صفائه. فسمى الماء جمانًا لشبهه به في الصّفاء والحسن.
٢ "فلا يحلّ لِكَافِرٍ"، معنى لا يحلّ: لا يمكن ولا يقع، وقال القاضي: "معناه عندي: حقّ وواجب".
٣ "بباب لُدٍّ"، مصروف، بلدة قريبة من بيت المقدس.
٤ في صحيح مسلم: "قومٌ"، بالرّفع، على أنّه فاعلٌ، يأتي وجملة ﷺ لا توجد في صحيح مسلم.
٥ "فيمسح عن وجوهكم"، قال القاضي: "يحتمل أنّ هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح على وجوههم تبركًا وبرًّا، ويحتمل أنّه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشّدّة والخوف.
الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله – عزّ وجلّ١ – إلى عيسى- عليه السّلام٢ – إنِي قد أخرجت عبادًا لي، لا يَدَان لأحدٍ بِقِتالِهم٣، فَحَرِّزْ عبادي إلى الطُّورِ٤، ويبعث الله يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ٥ يَنْسِلُونَ﴾، [الأنبياء، من الآية: ٩٦]، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهم على بُحَيْرَةٍ طَبَريَّةٍ، فَيَشْرَبُون ما فيها، ويَمرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بِهِذه مرَّةً مَاءٌ. ويُحْصَرُ نَبِيّ الله عيسى – عليه السّلام٦ – وأَصْحَابُهُ، حتّى يكون رأس الثّورِ لأَحَدِهِم خيرًا من مائة
_________
١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٢ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٣ "لا يدان لأحد بقتالهم"، يدان: تثنية يد، قال العلماء: منعاه: لا قدرة لا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، لأنّ المباشرة والدّفع إن إنّما يكون باليد، وكأنّ يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.
٤ "فحرز عبادي إلى الطّور"، أي: ضمّهم واجعله لهم حرزًا.
يقال: أحرزت الشّيء، أحرزه، إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ، ووقع في بعض النّسخ حِزّبْ: أي: اجمعهم، وروى حوز، أي: نحهم وأزلهم عن طريقهم.
٥ الحدب: النّشز.
قال الفراء: من كلّ أكمة، من كلّ موضعٍ مرتفع، وينسلون: يمشون مسرعين.
٦ لا توجد هذه الجمل في صحيح مسلم.
دِينارٍ لأَحْدِكم الْيَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عيسى وأَصْحَابُهُ – يعنِي إلى الله١ – فَيُرْسِلُ الله عليهم النَّغَفَ٢ في رِقَابِهم، فَيُصْبِحُون فَرْسَى٣. كَمَوتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عيسى – ﵇ وأَصْحَابُهُ إلى الأرض فلا يَجِدُون فِي الأرض مَوضِعَ شبْرٍ إلاّ مَلأَهُ زَهَمُهم وَنَتنُهم٤، فَيَرْغَبُ نبي الله عيسى – عليه السّلام٥ – وأصحابه إلى الله، فَيُرْسِلُ عليهم طيرًا كأَعْنَاقِ الْبُخْت٦.
_________
١ جملة: "يعني إلى الله"، لا توجد في صحيح مسلم. والمعنى: إلى الله، كما ذكر أو يدعو.
(النّغف)، هو: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة: نغفة.
(فرسى)، أي: قتلي، واحدهم: فريس، كقتيل وقتلى.
٤ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم في الموضعين.
(زهمهم ونتنهم)، أي: دسمهم ورائحتهم الكريهة.
(البحث)،قال في اللّسان: البخت والبختية دخيل في العربية، أعجمي معرَّب، وهي الإبل الخرسانية، تنتج من عربية وفالج، وهي جمال طوال الأعناق.
فَتَحْمِلُهُم فَتَطْرَحُهُم حَيْثُ شاء الله، ثُمَّ يُرْسِلُ الله مطرًا لا يَكُن١ منه بيتُ مدرٍ٢ ولا وَبَرٍ. فَيَغْسِل الأرض حتّى يَتْرُكَها كَالزَّلَفَةِ٣، ثمّ يقال للأرض: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرَدِّي بَرَكَتَك. فيومئذٍ تَأْكُلُ العصابةُ٤ مِنَ الرُّمَّانَة.
ويَسْتَظِلُّون بِقَحْفهَا٥، ويُبَارِكُ فِي الرِّسْلِ٦؛ حتّى إِنَّ
_________
(لا يكن)، أي: لا يمنع من نزول الماء.
(مدر) هو: الطّين الصّلب.
(كالزّلفة) روي: الزّلفة، بفتح الزّاي واللام والقاف.
وروى: الزّلفة: بضم الزّاي وإسكان اللام وبالفاء.
وروى الزّلفة: بفتح الزّاي واللام وبالفاء.
قال القاضي: "روي بالفاء والقاف، وبفتح اللام وبإسكانها، وكلّها صحيحة، واختلفوا في معناه، فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه: كالمرآة.
وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عبّاس أيضًا. شبّهها بالمرآة في صفائها ونظافتها. وقيل: كمصانع الماء، أي: أنّ الماء يستنقع فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء.
وقال أبو عبيد: معناه: كالأجانّة الخضراء. وقيل: كالصّفحة. وقيل: كالرّوضة".
٤ "العصابة": الجماعة.
٥ "بقحفها"، بكسر القاف، هو مقعر قشرها، شبّهها بقحف الرّأس، وهو الذي فوق الدّماغ.
وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل.
٦ "الرّسل" بكسر الرّاء وإسكان السّين: هو اللبن.
اللَّقْحَةَ١ مِنَ الإِبْلِ لَتَكْفِيالْفِئَامَ٢ مِنَ النّاسِ. واللَّقْحَةَ من البقر لتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النّاس. اللَّقْحَةَ من الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخْذَ من النّاس٣. بينما٤ هم كذلك بعث الله ريْحًا طيِّبة. فَتَأْخُذُهم تَحْت آباطِهِم. فَتَقْبضُ روحَ كلِّ مسلمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النّاِس، يَتَهَارَجُون فيها تَهَارُجُ الْحْمرُ٥، فَعَلَيهم تَقُومُ السّاعةُ.
_________
١ "اللّقحة" بكسر اللام وفتحها: لغتان مشهورتان، الكسر أشهر.
وهي القريبة العهد بالولادة، وجمعها: لقح، كبركة وبرك، واللّقوح ذات اللّبن، وجمعها: لقاح.
٢ "الفئام" هي الجماعة الكثيرة، هذا هو المشهور والمعروف في اللّغة وكتب الغريب.
٣ "الفخذ من النّاس"، قال أهل اللّغة: الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة.
قال القاضي: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء لا غير، فلا يقال إلاّ بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو، فإنّها تكسر وتسكن.
٤ في صحيح مسلم: "فبينما" بالفاء.
٥ "يتهارجون فيها تهارج الحمر"، أي: يجامع الرّجال النّساء علانية بحضرة النّاس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، والهرج، بإسكان الرّاء: الجماع يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، يُهرِجُها، بفتح الرّاء وضمّها وكسرها.
(١٢٧) وفي رواية١ بعد قوله - لقد كان بهذا٢ مرّة ماء-: ثمّ يسيرون حتّى يَنْتَهُون٣ إلى جبل الْخَمَر٤ - وهو جبل بيت الْمقدس. فيقولون: لقد قَتَلْنَا مَنْ فِي الأرض، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلُ مَنْ في السّماء. فيرمون بنشابهم٥ إلى السّماء، فَيَرُدُّ الله عليهم نُشَّابَهُم مَخْضُوبَةً دَمًا.
(١٢٨) وله٦ عن أبي سعيد: حدّثنا رسول الله – ﷺ يومًا، حديثًا طويلًا عن الدّجّال، فكان فيما حدّثنا. قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال وصفته، وما معه، ص: ٧٠، ٧١.
٢ في صحيح مسلم: "بهذه"، بدل هذا.
٣ في صحيح مسلم: "حتّى يَنْتَهُوا" بحذف النّون للنّاصب.
٤ إلى جبل (الخمر)، هو: الشّجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد فسّره في الحديث: بأنّه جبل بيت المقدس، لكثرة شجره، وهو بفتح الخاء المعجمة والميم المفتوحة.
٥ "بنشابهم"، أي: سهامهم، واحده: نشابة.
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال، وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧١-٧٢.
"يأتي، وهو مُحَرَّمٌ عليه أن يدخل نقَاب١ الْمَدينة، فينتهي إلىبعض السَّبَارخِ الّتِي تلي الْمَدينةَ، فَيَخْرُجُ إليه يومئذٍ رجلٌ هو خيْرُ النّاس أو من خيْر النّاس، فيقول٢: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا رسول الله– ﷺ حديثه. فيقول الدّجّال: أَرَأَيْتْم إن قتلتُ هذا ثُمَّ أَحْيَيْتُه، أَتَشُكُّونَ فِي الأمْرِ؟ فَيَقُولُون: لاَ. فَيَقْتُلُهُ٣، ثُمَّ يُحْيِيه. فيقول حين يُحْيِيه: والله ما كنتُ فيكَ قط أشدَّ بصيْرَةً منِي الآن. قال: فيريد الدّجّال أن يقتله فلا يسلِّط عليه".
(١٢٩) وله٤ عنه: قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ "نقاب المدينة"،أي: طرفها وفجاجها، وهو جمع ثقبٍ وهو: الطّريق بين جبلين.
٢ في صحيح مسلم: "فيقول له"، بزيادة الجار والمجرور.
٣ في صحيح مسلم: "قال: فيقلته".
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال وتحريم المدينة وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧٢-٧٣.
"يَخْرج الدَّجَّال فيتوجّه قِبَلَهُ رجلٌ من الْمؤمنين، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ١: مَسَالِحُ الدَّجَّالِ.
فَيَقُولُونُ له: أين تَعْمَدُ؟ فيقول: أعمد إلى هذا الّذي خرج. قال: فَيَقُولُونُ له: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بربِّنا؟ فيقول ما بربنا خفاء. فَيَقُولُونُ: اقْتُلُوهُ. فيقول بعضهم لبعض: أَلَيْسَ قد نَهَاكم ربُّكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فَيَنْطِلِقُون به إلى الدّجّال، فإذا رآه الْمؤمن قال: يا أيّها النّاس! هذا الدّجّال الّذي ذكر رسول الله – ﷺ قال: فيأمر الدّجّال به فَيُشَبَّحُ٢، فيقول: خذوه وشَجوهُ٣، فَيُوسَعُ ظَهْره وبطْنُهُ ضربًا. قال: فيقول: أما٤ تُؤْمِنُ بِي؟ قال: فيقول: أنت الْمَسِيحُ الكذّاب. قال:
_________
١ "المسالح": قوم معهم سلاح؛ يرقبون في المراكز كالخفراء، سُمُّوا بذلك لحملهم السّلاح.
٢ "فيشبح"، بشين معجمة ثم باء موحّدة ثم حاء مهملة، أي: مدّوه على بطنه.
٣ "شجوه"، بالجيم المشدّدة من الشّجّ وهو الجرح في الرّأس.
٤ في صحيح مسلم: "أو ما تؤمن بي"، بزيادة الواو بعد الهمزة.
فَيُؤْمَر به فَيُؤشَّر بالْمِئْشَار١: من مَفْرَقَة٢ حتّى يُفَرَّقَ بيْنَ رجلَيْهِ. قال: ثُمَّ يَمْشِي٣ بَيْن الْقطْعَتَيْن. ثُمَّ يقول له: قُمْ فَيَسْتَوي قَائِمًا. قال: ثمّ يقول له: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: ما ازْدَدْتُ فيكَ إلاّ بَصِيْرَةً. قال: ثُمَّ يقول: يا أيّها النّاس! إنّه لا يفعل بَعْدِي بِأَحدٍ من النّاس. قال: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَل ما بَيْنِ رَقَبَتِه إلَى تَرْقُوَته نُحَاسًا٤. فلا يَسْتَطِيعُ إليه سبيلًا. قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به. فيحسب النّاس أنّما قَذَفَهُ إلى النّا، وإنّما أُلْقِيَ في الجنّة".
فقال رسول الله – ﷺ: "هذا أعظم النّاس شَهادةً عند ربِّ الْعَالَمِين".
_________
١ "فيؤشر بالمئشار"، هكذا الرّواية، بالهمزة فيهما، وهو الأفصح. ويجوز تخفيف الهمزة فيهما، فيجعل في الأوّل واوًا، وفي الثّاني ياء، ويجوز: المنشار بالنّون، يقال: نشرت الخشبة وعلى الأوّل يقال: أشرتها.
٢ مفرّقه مفرّق الرّأس، وسطه.
٣ في صحيح مسلم: "ثم يمشي الدّجّال بين القطعتين".
٤ "ترقوته" هي: العظم الذي بين ثغرة النّحر والعاتق.
(١٣٠) وله١ عن المغيرة. قال: ما سأل أحد النَّبِيِّ – ﷺ عن الدّجّال أكثر مِمَّا سألته٢. فقال: "وَمَا يُنْصبُكَ مِنْهُ؟ ٣، إنّه لا يَضُرُّكَ"، قلت٤: يا رسول الله! إنّهم يَقُولُونُ: إنّ مَعَهُ الطَّعَام والأنْهَار. فقال: "هُو أَهْوَنُ على الله من ذلك"٥.
وفي رواية٦: "أَيْ بُنَي".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في الدّجّال، وهو أهو على الله ﷿ ص: ٧٤.
٢ في صحيح مسلم: "أكثر مما سألت"، بدون الضّمير.
٣ "وما ينصبك منه"،أي: ما يتعبك من أمره، قال ابن دريد:"يقال: أنصبه المرض وغيره، ونصبه، والأوّل أفصح. قال: وهو تغيّر الحال من مرضٍ أو تعبٍ".
٤ في صحيح مسلم: "قال: قلت".
٥ "وهو أهون على الله من ذلك"، قال القاضي: "هو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مُضِلًاّ للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوبهم، بل أنّما جعله له ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتثبت الحجّة على الكافرين والمنافقين ونحوهم، وليس معناه أنّه ليس معه شيء من ذلك".
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٧٥.
وفي صحيح مسلم: "فقال لي: أي: بني".
(١٣١) وله١ عن ابن عمرو، وجاءه رجلٌ، فقال: ما هذا الحديث الّذي تُحدِّثه به؟ تقول: إنّ السّاعَةَ تَقُومُ إلى كذا وكذا. فقال: سبحان الله! أو: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. أو كلمة نحوهما. لقد هَمَمْتُ ألا أُحدِّث أحدًا شيئًا أبدًا. إنّما قلتُ: إنّكم سَتَرَونَ بَعْدَ قَلِيلٍ أمرًا عظيمًا، يحرِّك البيت، ويَكُونَ، وَيَكُونَ، ثُمَّ قال: قال رسول الله – ﷺ: "يَخرج الدّجّال في أمَّتِي فيمكث أربعين (لا أدري: أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا) .
فيبعث الله عيسى بن مريم – عليه السّلام٢ – كأنّه عرْوَة بن مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيهْلكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في خروج الدّجّال ومكثه في الأرض ونزول عيسى، وقتله، وذهاب أهل الخيرة والإيمان، ص: ٧٥، ٧٦.
٢ "﵇"، لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم، "فيبعث الله عيسى". قال القاضي ﵀: "نزول عيسى ﵇ وقتل الدّجّال حقّ، وصحيح عند أهل السّنة للأحاديث الصّحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله، فوجب إثباته".
النّاسُ سَبْعَ سِنِيْنَ، ليس بين اثنيْن عداوةٌ، ثُمّ يُرسل الله ريْحًا باردةً من قبل الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة مِنْ خيْر أو إيْمَان إلاّ قبضته؛ حتّى لو أنّ أحدَكم دخل في كبد جبل١ لدخلته عليه، حتّى تقبضه" قال: سَمِعْتُها من رسول الله – ﷺ. قال:
"فَيبْقَى شرارُ النّاس في خِفَّة الطَّيْر وأحلام السِّباع٢ لا يعرفُونَ مَعْروفًا، ولا يُنكرون مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّل لَهُمُ الشّيطان؛ فيقول: ألا تَسْتَجِيبُون؟ فَيَقُولُونُ: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادةِ الأوثان، وهُمْ فِي ذلك دارٌّ رزْقُهُم، حَسَنٌ عَيْشُهُم، ثُمّ يُنفخ في الصّور، فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أَصْغَى ليتًا ورفع ليتًا٣. وأوَّلُ مَنْ
_________
١ "في كبد جبل"، أي: وسطه وداخله، وكبد كلّ شيءٍ وسطه.
٢ "في خفة الطّير وأحلام السّباع"، قال العلماء: معناه: يكونون في سرعتهم إلى الشّرور وقضاء الشّهوات والفساد كطيران الطّير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السّباع العادية.
٣ "أصغى ليتًا ورفع ليتًا"، أصغى: أمال. واللّيت: صفحة العنق. وهي جانبه. وهو بكسر اللام، آخره مثناة فوق.
يَسْمَعُهُ رجلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبله١. قال: فَيُصْعَقُ وَيَصْعَقُ النّاس، ثُمّ يُرْسِل الله- أو قال: يَنْزِلُ الله – مطرًا، كأنّه الطّلّ، أو الظّلّ٢. (نُعْمَانُ الشَّاكُ) فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النّاسِ. ثُمَّ يُنْفَخُ فيه أخرى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، [الزّمر، من الآية: ٦٨] . ثمّ يقال. يا أيّها النّاس! هلموا٣ إلى ربِّكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾، [الصّافات: ٢٤] ثمّ يقال٤: أخرجوا بعث النّار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كلّ ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين. قال:
_________
١ "يلوط حوض إبله"، أي: يطينه ويصلحه.
٢ "كأنّه الطّلّ أو الظّلّ"، قال العلماء: الأصحّ: الطّلّ.
وهو الموافق للحديث الآخر: "إنّه كمني الرّجال"، والشّكّ من الرّاوي: نعمان.
٣ في صحيح مسلم: "هلم" بالإفراد.
٤ في صحيح مسلم: "قال ثم يقال".
فذاك يومٌ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، [المزمل، من الآية: ١٧]، وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، [القلم، من الآية: ٤٢] ١.
_________
١ قال العلماء: معناه: يوم يكشف عن شدّة وهول عظيم، أي: يظهر ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها: إذا اشتدّت.
وأصله: أنّ مَن جد في أمره كشف ساقه مشمرًا في الخفة والنّشاط له.
...
بَابُ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَمَا مَعَهُ
(١٢٦) ولِمسلم١: عن النَّوَّاس بن سَمْعَان. قال: ذَكَرَ رسولُ الله – ﷺ الدَّجَّال٢ ذَاتَ
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: ذكر الدّجّال وصفته وما معه، ص: ٦٣.
وذكره ابن ماجه في سننه ج٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال ص:١٣٥٦.
٢ "الدّجّال"، قال ثعلب: كلّ كذّابٍ فهو دجّال. وقيل: الدّجّال المموَّه. يقال: دجل فلان إذا مَوَّه، ودجل الحقّ بباطله، إذا غطاه.
وحكى ابن فارس هذا الثّاني عن ثعلب أيضًا. اهـ. من شرح مقدمة مسلم للنّووي ص: ٧٩.
وسُمِّيَ بالمسيح؛ لأنّه ممسوح العين، وقيل: لأنّه أعور، والأعور يُسَمَّى مسيحًا.
وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه.
وأكثر العلماء على أنّ ضبط الاسم بفتح الميم وكسر السين، ولا فرق بينه وبين اسم عيسى ﵊ في اللّفظ، ولكن عيسى ﵊ مسيح هدى.
والدّجّال مسيح ضلالة.
ورواه بعض الرّواة بكسر الميم والشّين المشدّدة، وقاله غير واحدٍ كذلك. إلاّ أنّه بالخاء المعجمة. وقال بعضهم: بكسر الميم وتخفيف السّين. اهـ.
شرح النّووي لمسلم ج ٢، ص: ٢٣٤.
قال القاضي عياض ﵀: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصّة الدّجّال حجّة لمذهب أهل الحقّ في صحّة وجوده، وأنّه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من: إحياء الميّت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدّنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتّباع كنوز الأرض له، وأمره السّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرّجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا".
هذا مذهب أهل السّنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنّظّار، خلافًا لِمَن أنكره وأبطل أمره - من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة - في أنّه صحيح الوجود، ولكن الذي يدّعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنّه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنّه لم يدع النّبوّة فيكون ما معه كالتّصديق له، وإنّما يدّعي الألوهية، وهو في نفس دعواه مكذّب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
ولهذه الدّلائل وغيرها لا يغترّ به إلاّ رعاع من النّاس لسدّ الحاجة والفاقة، رغبة في سدّ الرمق، أو تقية وخوفًا من أذاه؛ لأنّ فتنته عظيمة جدًّا، تدهش العقول وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأمر، فلا يمكث بحيث يتأمّل الضّعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنّقص. فيصدّقه مَن صدّقه في هذه الحالة.
ولهذا حذّرت الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - من فتنته، ونبّهوا على نقصه ودلائل إبطاله.
وأمّا أهل التّوفيق فلا يغترّون به، ولا يخدعون بما معه، لما ذكرناه من الدّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلاّ بصيرةً.
هذا آخر كلام القاضي-﵀-اهـ. نووي ج ١٨، ص: ٥٨، ٥٩.
غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ ورَفَّعَ١، حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فلمّا رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فَينَا. فقال: "مَا شَأْنُكُم؟ "، قلنا: يا رسولَ الله! ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةَ فَخَفَّضْتَ
_________
١ "فخفّض فيه ورفّع"، بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان:
أحدهما: أنّ خفض بمعنى حقر، وقوله: رفع، أي: عظمه وفخمه. فمَن تحقيره وهوانه على الله تعالى: عوره. ومنه قوله ﷺ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِن ذَلِكَ"، وأنّه لا يقدر على قتل أحدٍ إلاّ ذلك الرّجل، ثم يعجز عنه، وأنّه يضمحل أمره، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه.
ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة.
وأنّه ما من نَبِيٍّ إلاّ وقد أنذره قومه.
والوجه الثّاني: أنّه خفض من صوته في حال الكثرة فيما تكلّم فيه.
فخفض بعد طول الكلام والتّعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كلّ أحدٍ بلاغًا كاملًا مفخمًا.
فيه وَرَفَّعْتَ. حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فقال: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفَنِي عَلَيْكُم١، إِنْ يَخْرجْ
_________
١ "غير الدّجّال أخوفنِي عليكم"، بالنّون بعد الفاء، ورواه بعضهم بحذف النّون، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما واحد.
قال شيخنا الإمام أبو عبد الله ابن مالك ﵀: الحاجة داعية إلى الكلام في لفظ الحديث ومعناه.
فأمّا لفظه: فلكونه تضمّن ما لا يعتاد من إضافته أخوف إلى ياء المتكلّم مقرونة بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنّما يكون مع الأفعال المتعدية.
والجواب: إنّه كان الأصل إثباتها، ولكنّه أصل متروك.
ثم قال: ولأفعل التّفضيل أيضًا شبه بالفعل وخصوصًا بفعل التّعجّب.
فجاز أن تحلقه النّون المذكورة في الحديث. هذا هو الأظهر في هذه النّون هنا.
ثم قال: وأمّا معنى الحديث: ففيه أوجه:
أظهرها: أنّه من أفعل التّفضيل، وتقديره: غير الدّجّال أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء، ومنه: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأئمةُ الْمُضِلّون"، معناه: أنّ الأشياء التي أخافها على أمّتي أحقّها بأن تخاف الأئمة المضلِّون.
والثّاني: أن يكون أخوف من أخاف بمعنى: خوف، ومعناه: غير الدّجّال أشدّ موجبات خوفي عليكم.
والثّالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان على سبيل المبالغة، كقولهم في الشّعر الفصيح: شعر شاعر، وخوف فلان أخوف من خوفك.
وتقديره: خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف المضاف الأوّل، ثم الثّاني، هذا آخر كلام الشّيخ ﵀ اهـ. نووي على مسلم.
وَأَنَا فِيكُم، فَأَنَا حَجيجُهُ دُونَكُم، وإِنْ يَخْرُجُ وَلَسْتُ فَيكُم، فَاْمُرُؤُ حَجِيجُ نَفْسِهِ. والله، خلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إنّه شابٌّ قططٌّ١، عينه طَافِئَةٌ كَأَنِّي أشبِّهُهُ بِعَبْدِ الُعُزَّى بن قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُم فَلْيَقْرَأْ عَلَيهُ فَوَاتِحَ سُورَةَ الْكَهْفِ. إنَّهُ خَارِجٌ خُلَّةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاق٢،
_________
١ "قطط"، أي: شديد جعودة الشّعر، مباعد للجعودة المحبوبة.
٢ "إنّ خارج خلة بين الشّام والعراق"، هكذا في نسخ بلادنا: خلة: بفتح الخاء المعجمة واللام، وتنوين الهاء.
وقال القاضي: "المشهور فيه: حلة، بالحاء المهملة، ونصب التّاء، يعني: غير منونة.
قيل: معناه: سحت ذلك وقبالته، وفي كتاب العين: الحلة: موضع حزن وصخور.
قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله.
قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصّحيحين، قال: وذكره الهروي خلة بالخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحتين، وفسّره بأنّه ما بين البلدين، هذا آخر ما ذكره القاضي.
وهذا الذي ذكره عن الهروي هو الموجود في نسخ بلادنا. وفي الجمع بين الصّحيحين أيضًا ببلادنا. وهو الذي رجّحه صاحب نهاية الغريب، وفسّره بالطّريق بينهما. اهـ. نووي.
فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا١، يا عبَادِ الله! فَاثْبُتُوا". قلنا: يا رسول الله! وما لُبْثُهُ فِي الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يومٌ كَسَنَةٍ، ويَومٌ كَشَهْرٍ، ويوْمٌ كَجُمْعَةٍ٢، وسائرُ أيَّامِهِ كَأَيَّامِكُم"، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الّذي كسنةٍ أَتَكِفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: "لا. اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"٣. قلنا: يا رسول الله! وما إِسْرَاعُهُ
_________
١ "فعاث يمينًا وعاث شمالًا"، العيث: الفساد، أو أشدّ الفساد والإسراع فيه.
وحكى القاضي أنّه رواه بعضهم فعاثٍ بكسر الثّاء منونة اسم فاعلٍ، وهو بمعنى الأوّل.
٢ يوم كسنة ويوم كشهرٍ ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيّام الثّلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدلّ عليه قوله ﷺ وسائر أيّامه كأيّامكم.
٣ "أقدروا له قدره"، قال القاضي وغيره: "هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشّرع، قالوا: ولولا هذا الحديث، وَوُكِلنا إلى اجتهادنا، لاقتصرنا فيه على الصّلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيّام.
ومعنى "أقدروا له قدره": أنّه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظّهر كلّ يومٍ، فصلّوا الظّهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلّوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب، فصلّوا المغرب، وكذا العشاء والصّبح، ثم الظّهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتّى ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلّها، مؤدّاة في وقتها.
أمّا الثّاني الذي كشهر، والثّالث الذي كجمعةٍ، فقياس اليوم الأوّل أن يقدر لهما كاليوم الأوّل على ما ذكرناه.
فِي الأرض؟ قال: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فيأتي على القوم فَيَدْعُوهُم، فَيُؤْمِنُون به ويَسْتَجِيبُون له، فيأْمُرُ السّماءَ فَتُمْطِرُ، والأرضَ فَتُنْبِتُ. فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُم، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًّا، وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خَوَاصر١. ثمّ يأتِي القومَ. فَيَدْعُوهم فَيَرُدُّون عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصِرُفُ عَنْهُم. فَيَصْبِحُون مُمْلحيْنِ٢،
_________
١ "فتروح عليهم سارحتهم ... " الخ، أما تروح فمعناه: ترجع آخر النّهار، والسّارحة: هي الماشية التي تسرح، أي: تذهب أوّل النّهار إلى المرعى، والذرا: الأعالي والأسنمة جمع ذروة بالضّمّ والكسر، وأسبغه: أي: أطوله لكثرة اللّبن، وكذا أمده خواصره، لكثرة امتلائها من الشّبع.
٢ "فيصبحون ممحلين"، قال القاضي: "أي: أصابهم المحل، من قلّة المطر، ويبس الأرض من الكلأ".
وفي القاموس: المحل، على وزن فحل: الجدب والقحط. والأمحال كون الأرض ذات جدب وقحط، يقال: أمحل البلد، إذا أجدب.
ليس بأيديهم شيء، من أموالهم. ويَمُرُّ بالْخرْبَة، فيقول لها: أخرجي كُنُوزَك. فَتَتْبَعَهُ كنوزُها كَيَعَاسِيبِ النّحْل١، ثُمَّ يدعو رجلًا مُمْتَلِئًا شبابًا. فَيَضْرِبُه بالسّيف، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْن، رَمْيَةَ الْغَرَض٢، ثمّ يدعوه فيُقْبَلُ ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمُا هو كذلك إِذْ بَعَثث الله المسيحَ ابن مريم – صلّى الله عليه٣- فَيَنْزِلُ عند الْمَنَارَةِ الْبَيضَاءِ شرقي دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْن٤، واضعًا كَفَّيْهِ
_________
١ كيعاسيب النّحل: (هي ذكور النّحل)، هكذا فسّره ابن قتيبة وآخرون.
قال القاضي: "المراد: جماعة النّحل، لا ذكورها خاصّة، لكنّه كنّى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها؛ لأنّه متى طار تبعته جماعته.
٢ "فيقطعه جزلتين رمية الغرض": الجزلة: بالفتح على المشهور وحكى ابن دريد كسرها، أي: قطعتين ومعنى رمية الغرض: أنّه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية. هذا هو الظّاهر المشهور.
وحكى القاضي هذا، ثم قال: وعندي أنّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: فيصيب إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين.
والصّحيح الأوّل.
٣ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
(فينْزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)، قال النّووي: "هذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق، والمهرودتان: روى بالدّال المهملة والذّال المعجمة، والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدّمين والمتأخّرين من أهل اللّغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النّسخ بالمهملة، كما هو المشهور.
ومنعنَى: لابس مهرودتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. وقيل: هما شقتان والشّقة نصف الملاءة.
على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إذا طَأْطَأْرأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحذَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ١، فلا يَحِلّ لِكَافِرٍ٢. يَجِدُ ريحَ نَفْسِهِ إلاّ مَاتَ. ونَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لدٍّ٣، فَيقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عيسى - – ﷺ قومًا٤ قَدْ عَصَمَهُمُ الله منه. فَيَسْمَحُ عَنْ وُجُوهِهم٥. ويُحَدِّثُهم بِدَرَجَاتِهم في
_________
١ "تحدر منه جمان كاللؤلؤ"، الجمان: حبات من الفضّة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللّؤلؤ في صفائه. فسمى الماء جمانًا لشبهه به في الصّفاء والحسن.
٢ "فلا يحلّ لِكَافِرٍ"، معنى لا يحلّ: لا يمكن ولا يقع، وقال القاضي: "معناه عندي: حقّ وواجب".
٣ "بباب لُدٍّ"، مصروف، بلدة قريبة من بيت المقدس.
٤ في صحيح مسلم: "قومٌ"، بالرّفع، على أنّه فاعلٌ، يأتي وجملة ﷺ لا توجد في صحيح مسلم.
٥ "فيمسح عن وجوهكم"، قال القاضي: "يحتمل أنّ هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح على وجوههم تبركًا وبرًّا، ويحتمل أنّه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشّدّة والخوف.
الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله – عزّ وجلّ١ – إلى عيسى- عليه السّلام٢ – إنِي قد أخرجت عبادًا لي، لا يَدَان لأحدٍ بِقِتالِهم٣، فَحَرِّزْ عبادي إلى الطُّورِ٤، ويبعث الله يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ٥ يَنْسِلُونَ﴾، [الأنبياء، من الآية: ٩٦]، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهم على بُحَيْرَةٍ طَبَريَّةٍ، فَيَشْرَبُون ما فيها، ويَمرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بِهِذه مرَّةً مَاءٌ. ويُحْصَرُ نَبِيّ الله عيسى – عليه السّلام٦ – وأَصْحَابُهُ، حتّى يكون رأس الثّورِ لأَحَدِهِم خيرًا من مائة
_________
١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٢ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٣ "لا يدان لأحد بقتالهم"، يدان: تثنية يد، قال العلماء: منعاه: لا قدرة لا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، لأنّ المباشرة والدّفع إن إنّما يكون باليد، وكأنّ يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.
٤ "فحرز عبادي إلى الطّور"، أي: ضمّهم واجعله لهم حرزًا.
يقال: أحرزت الشّيء، أحرزه، إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ، ووقع في بعض النّسخ حِزّبْ: أي: اجمعهم، وروى حوز، أي: نحهم وأزلهم عن طريقهم.
٥ الحدب: النّشز.
قال الفراء: من كلّ أكمة، من كلّ موضعٍ مرتفع، وينسلون: يمشون مسرعين.
٦ لا توجد هذه الجمل في صحيح مسلم.
دِينارٍ لأَحْدِكم الْيَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عيسى وأَصْحَابُهُ – يعنِي إلى الله١ – فَيُرْسِلُ الله عليهم النَّغَفَ٢ في رِقَابِهم، فَيُصْبِحُون فَرْسَى٣. كَمَوتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عيسى – ﵇ وأَصْحَابُهُ إلى الأرض فلا يَجِدُون فِي الأرض مَوضِعَ شبْرٍ إلاّ مَلأَهُ زَهَمُهم وَنَتنُهم٤، فَيَرْغَبُ نبي الله عيسى – عليه السّلام٥ – وأصحابه إلى الله، فَيُرْسِلُ عليهم طيرًا كأَعْنَاقِ الْبُخْت٦.
_________
١ جملة: "يعني إلى الله"، لا توجد في صحيح مسلم. والمعنى: إلى الله، كما ذكر أو يدعو.
(النّغف)، هو: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة: نغفة.
(فرسى)، أي: قتلي، واحدهم: فريس، كقتيل وقتلى.
٤ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم في الموضعين.
(زهمهم ونتنهم)، أي: دسمهم ورائحتهم الكريهة.
(البحث)،قال في اللّسان: البخت والبختية دخيل في العربية، أعجمي معرَّب، وهي الإبل الخرسانية، تنتج من عربية وفالج، وهي جمال طوال الأعناق.
فَتَحْمِلُهُم فَتَطْرَحُهُم حَيْثُ شاء الله، ثُمَّ يُرْسِلُ الله مطرًا لا يَكُن١ منه بيتُ مدرٍ٢ ولا وَبَرٍ. فَيَغْسِل الأرض حتّى يَتْرُكَها كَالزَّلَفَةِ٣، ثمّ يقال للأرض: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرَدِّي بَرَكَتَك. فيومئذٍ تَأْكُلُ العصابةُ٤ مِنَ الرُّمَّانَة.
ويَسْتَظِلُّون بِقَحْفهَا٥، ويُبَارِكُ فِي الرِّسْلِ٦؛ حتّى إِنَّ
_________
(لا يكن)، أي: لا يمنع من نزول الماء.
(مدر) هو: الطّين الصّلب.
(كالزّلفة) روي: الزّلفة، بفتح الزّاي واللام والقاف.
وروى: الزّلفة: بضم الزّاي وإسكان اللام وبالفاء.
وروى الزّلفة: بفتح الزّاي واللام وبالفاء.
قال القاضي: "روي بالفاء والقاف، وبفتح اللام وبإسكانها، وكلّها صحيحة، واختلفوا في معناه، فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه: كالمرآة.
وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عبّاس أيضًا. شبّهها بالمرآة في صفائها ونظافتها. وقيل: كمصانع الماء، أي: أنّ الماء يستنقع فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء.
وقال أبو عبيد: معناه: كالأجانّة الخضراء. وقيل: كالصّفحة. وقيل: كالرّوضة".
٤ "العصابة": الجماعة.
٥ "بقحفها"، بكسر القاف، هو مقعر قشرها، شبّهها بقحف الرّأس، وهو الذي فوق الدّماغ.
وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل.
٦ "الرّسل" بكسر الرّاء وإسكان السّين: هو اللبن.
اللَّقْحَةَ١ مِنَ الإِبْلِ لَتَكْفِيالْفِئَامَ٢ مِنَ النّاسِ. واللَّقْحَةَ من البقر لتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النّاس. اللَّقْحَةَ من الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخْذَ من النّاس٣. بينما٤ هم كذلك بعث الله ريْحًا طيِّبة. فَتَأْخُذُهم تَحْت آباطِهِم. فَتَقْبضُ روحَ كلِّ مسلمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النّاِس، يَتَهَارَجُون فيها تَهَارُجُ الْحْمرُ٥، فَعَلَيهم تَقُومُ السّاعةُ.
_________
١ "اللّقحة" بكسر اللام وفتحها: لغتان مشهورتان، الكسر أشهر.
وهي القريبة العهد بالولادة، وجمعها: لقح، كبركة وبرك، واللّقوح ذات اللّبن، وجمعها: لقاح.
٢ "الفئام" هي الجماعة الكثيرة، هذا هو المشهور والمعروف في اللّغة وكتب الغريب.
٣ "الفخذ من النّاس"، قال أهل اللّغة: الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة.
قال القاضي: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء لا غير، فلا يقال إلاّ بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو، فإنّها تكسر وتسكن.
٤ في صحيح مسلم: "فبينما" بالفاء.
٥ "يتهارجون فيها تهارج الحمر"، أي: يجامع الرّجال النّساء علانية بحضرة النّاس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، والهرج، بإسكان الرّاء: الجماع يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، يُهرِجُها، بفتح الرّاء وضمّها وكسرها.
(١٢٧) وفي رواية١ بعد قوله - لقد كان بهذا٢ مرّة ماء-: ثمّ يسيرون حتّى يَنْتَهُون٣ إلى جبل الْخَمَر٤ - وهو جبل بيت الْمقدس. فيقولون: لقد قَتَلْنَا مَنْ فِي الأرض، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلُ مَنْ في السّماء. فيرمون بنشابهم٥ إلى السّماء، فَيَرُدُّ الله عليهم نُشَّابَهُم مَخْضُوبَةً دَمًا.
(١٢٨) وله٦ عن أبي سعيد: حدّثنا رسول الله – ﷺ يومًا، حديثًا طويلًا عن الدّجّال، فكان فيما حدّثنا. قال:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال وصفته، وما معه، ص: ٧٠، ٧١.
٢ في صحيح مسلم: "بهذه"، بدل هذا.
٣ في صحيح مسلم: "حتّى يَنْتَهُوا" بحذف النّون للنّاصب.
٤ إلى جبل (الخمر)، هو: الشّجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد فسّره في الحديث: بأنّه جبل بيت المقدس، لكثرة شجره، وهو بفتح الخاء المعجمة والميم المفتوحة.
٥ "بنشابهم"، أي: سهامهم، واحده: نشابة.
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال، وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧١-٧٢.
"يأتي، وهو مُحَرَّمٌ عليه أن يدخل نقَاب١ الْمَدينة، فينتهي إلىبعض السَّبَارخِ الّتِي تلي الْمَدينةَ، فَيَخْرُجُ إليه يومئذٍ رجلٌ هو خيْرُ النّاس أو من خيْر النّاس، فيقول٢: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا رسول الله– ﷺ حديثه. فيقول الدّجّال: أَرَأَيْتْم إن قتلتُ هذا ثُمَّ أَحْيَيْتُه، أَتَشُكُّونَ فِي الأمْرِ؟ فَيَقُولُون: لاَ. فَيَقْتُلُهُ٣، ثُمَّ يُحْيِيه. فيقول حين يُحْيِيه: والله ما كنتُ فيكَ قط أشدَّ بصيْرَةً منِي الآن. قال: فيريد الدّجّال أن يقتله فلا يسلِّط عليه".
(١٢٩) وله٤ عنه: قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ "نقاب المدينة"،أي: طرفها وفجاجها، وهو جمع ثقبٍ وهو: الطّريق بين جبلين.
٢ في صحيح مسلم: "فيقول له"، بزيادة الجار والمجرور.
٣ في صحيح مسلم: "قال: فيقلته".
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال وتحريم المدينة وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧٢-٧٣.
"يَخْرج الدَّجَّال فيتوجّه قِبَلَهُ رجلٌ من الْمؤمنين، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ١: مَسَالِحُ الدَّجَّالِ.
فَيَقُولُونُ له: أين تَعْمَدُ؟ فيقول: أعمد إلى هذا الّذي خرج. قال: فَيَقُولُونُ له: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بربِّنا؟ فيقول ما بربنا خفاء. فَيَقُولُونُ: اقْتُلُوهُ. فيقول بعضهم لبعض: أَلَيْسَ قد نَهَاكم ربُّكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فَيَنْطِلِقُون به إلى الدّجّال، فإذا رآه الْمؤمن قال: يا أيّها النّاس! هذا الدّجّال الّذي ذكر رسول الله – ﷺ قال: فيأمر الدّجّال به فَيُشَبَّحُ٢، فيقول: خذوه وشَجوهُ٣، فَيُوسَعُ ظَهْره وبطْنُهُ ضربًا. قال: فيقول: أما٤ تُؤْمِنُ بِي؟ قال: فيقول: أنت الْمَسِيحُ الكذّاب. قال:
_________
١ "المسالح": قوم معهم سلاح؛ يرقبون في المراكز كالخفراء، سُمُّوا بذلك لحملهم السّلاح.
٢ "فيشبح"، بشين معجمة ثم باء موحّدة ثم حاء مهملة، أي: مدّوه على بطنه.
٣ "شجوه"، بالجيم المشدّدة من الشّجّ وهو الجرح في الرّأس.
٤ في صحيح مسلم: "أو ما تؤمن بي"، بزيادة الواو بعد الهمزة.
فَيُؤْمَر به فَيُؤشَّر بالْمِئْشَار١: من مَفْرَقَة٢ حتّى يُفَرَّقَ بيْنَ رجلَيْهِ. قال: ثُمَّ يَمْشِي٣ بَيْن الْقطْعَتَيْن. ثُمَّ يقول له: قُمْ فَيَسْتَوي قَائِمًا. قال: ثمّ يقول له: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: ما ازْدَدْتُ فيكَ إلاّ بَصِيْرَةً. قال: ثُمَّ يقول: يا أيّها النّاس! إنّه لا يفعل بَعْدِي بِأَحدٍ من النّاس. قال: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَل ما بَيْنِ رَقَبَتِه إلَى تَرْقُوَته نُحَاسًا٤. فلا يَسْتَطِيعُ إليه سبيلًا. قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به. فيحسب النّاس أنّما قَذَفَهُ إلى النّا، وإنّما أُلْقِيَ في الجنّة".
فقال رسول الله – ﷺ: "هذا أعظم النّاس شَهادةً عند ربِّ الْعَالَمِين".
_________
١ "فيؤشر بالمئشار"، هكذا الرّواية، بالهمزة فيهما، وهو الأفصح. ويجوز تخفيف الهمزة فيهما، فيجعل في الأوّل واوًا، وفي الثّاني ياء، ويجوز: المنشار بالنّون، يقال: نشرت الخشبة وعلى الأوّل يقال: أشرتها.
٢ مفرّقه مفرّق الرّأس، وسطه.
٣ في صحيح مسلم: "ثم يمشي الدّجّال بين القطعتين".
٤ "ترقوته" هي: العظم الذي بين ثغرة النّحر والعاتق.
(١٣٠) وله١ عن المغيرة. قال: ما سأل أحد النَّبِيِّ – ﷺ عن الدّجّال أكثر مِمَّا سألته٢. فقال: "وَمَا يُنْصبُكَ مِنْهُ؟ ٣، إنّه لا يَضُرُّكَ"، قلت٤: يا رسول الله! إنّهم يَقُولُونُ: إنّ مَعَهُ الطَّعَام والأنْهَار. فقال: "هُو أَهْوَنُ على الله من ذلك"٥.
وفي رواية٦: "أَيْ بُنَي".
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في الدّجّال، وهو أهو على الله ﷿ ص: ٧٤.
٢ في صحيح مسلم: "أكثر مما سألت"، بدون الضّمير.
٣ "وما ينصبك منه"،أي: ما يتعبك من أمره، قال ابن دريد:"يقال: أنصبه المرض وغيره، ونصبه، والأوّل أفصح. قال: وهو تغيّر الحال من مرضٍ أو تعبٍ".
٤ في صحيح مسلم: "قال: قلت".
٥ "وهو أهون على الله من ذلك"، قال القاضي: "هو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مُضِلًاّ للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوبهم، بل أنّما جعله له ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتثبت الحجّة على الكافرين والمنافقين ونحوهم، وليس معناه أنّه ليس معه شيء من ذلك".
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٧٥.
وفي صحيح مسلم: "فقال لي: أي: بني".
(١٣١) وله١ عن ابن عمرو، وجاءه رجلٌ، فقال: ما هذا الحديث الّذي تُحدِّثه به؟ تقول: إنّ السّاعَةَ تَقُومُ إلى كذا وكذا. فقال: سبحان الله! أو: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. أو كلمة نحوهما. لقد هَمَمْتُ ألا أُحدِّث أحدًا شيئًا أبدًا. إنّما قلتُ: إنّكم سَتَرَونَ بَعْدَ قَلِيلٍ أمرًا عظيمًا، يحرِّك البيت، ويَكُونَ، وَيَكُونَ، ثُمَّ قال: قال رسول الله – ﷺ: "يَخرج الدّجّال في أمَّتِي فيمكث أربعين (لا أدري: أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا) .
فيبعث الله عيسى بن مريم – عليه السّلام٢ – كأنّه عرْوَة بن مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيهْلكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في خروج الدّجّال ومكثه في الأرض ونزول عيسى، وقتله، وذهاب أهل الخيرة والإيمان، ص: ٧٥، ٧٦.
٢ "﵇"، لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم، "فيبعث الله عيسى". قال القاضي ﵀: "نزول عيسى ﵇ وقتل الدّجّال حقّ، وصحيح عند أهل السّنة للأحاديث الصّحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله، فوجب إثباته".
النّاسُ سَبْعَ سِنِيْنَ، ليس بين اثنيْن عداوةٌ، ثُمّ يُرسل الله ريْحًا باردةً من قبل الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة مِنْ خيْر أو إيْمَان إلاّ قبضته؛ حتّى لو أنّ أحدَكم دخل في كبد جبل١ لدخلته عليه، حتّى تقبضه" قال: سَمِعْتُها من رسول الله – ﷺ. قال:
"فَيبْقَى شرارُ النّاس في خِفَّة الطَّيْر وأحلام السِّباع٢ لا يعرفُونَ مَعْروفًا، ولا يُنكرون مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّل لَهُمُ الشّيطان؛ فيقول: ألا تَسْتَجِيبُون؟ فَيَقُولُونُ: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادةِ الأوثان، وهُمْ فِي ذلك دارٌّ رزْقُهُم، حَسَنٌ عَيْشُهُم، ثُمّ يُنفخ في الصّور، فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أَصْغَى ليتًا ورفع ليتًا٣. وأوَّلُ مَنْ
_________
١ "في كبد جبل"، أي: وسطه وداخله، وكبد كلّ شيءٍ وسطه.
٢ "في خفة الطّير وأحلام السّباع"، قال العلماء: معناه: يكونون في سرعتهم إلى الشّرور وقضاء الشّهوات والفساد كطيران الطّير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السّباع العادية.
٣ "أصغى ليتًا ورفع ليتًا"، أصغى: أمال. واللّيت: صفحة العنق. وهي جانبه. وهو بكسر اللام، آخره مثناة فوق.
يَسْمَعُهُ رجلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبله١. قال: فَيُصْعَقُ وَيَصْعَقُ النّاس، ثُمّ يُرْسِل الله- أو قال: يَنْزِلُ الله – مطرًا، كأنّه الطّلّ، أو الظّلّ٢. (نُعْمَانُ الشَّاكُ) فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النّاسِ. ثُمَّ يُنْفَخُ فيه أخرى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، [الزّمر، من الآية: ٦٨] . ثمّ يقال. يا أيّها النّاس! هلموا٣ إلى ربِّكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾، [الصّافات: ٢٤] ثمّ يقال٤: أخرجوا بعث النّار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كلّ ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين. قال:
_________
١ "يلوط حوض إبله"، أي: يطينه ويصلحه.
٢ "كأنّه الطّلّ أو الظّلّ"، قال العلماء: الأصحّ: الطّلّ.
وهو الموافق للحديث الآخر: "إنّه كمني الرّجال"، والشّكّ من الرّاوي: نعمان.
٣ في صحيح مسلم: "هلم" بالإفراد.
٤ في صحيح مسلم: "قال ثم يقال".
فذاك يومٌ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، [المزمل، من الآية: ١٧]، وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، [القلم، من الآية: ٤٢] ١.
_________
١ قال العلماء: معناه: يوم يكشف عن شدّة وهول عظيم، أي: يظهر ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها: إذا اشتدّت.
وأصله: أنّ مَن جد في أمره كشف ساقه مشمرًا في الخفة والنّشاط له.
Translation
باب: الدجال وصفه وما معه
#18
Chapter 18 — باب: قصة الجساسة
· ref. #18
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
قِصَّةُ الْجَسَّاسَةِ
(١٣٢) وله١ في حديث فاطمة بنت قيس: فلما قضى رسول الله – ﷺ-صَلاُتَهُ جَلَس على المنبر – وهو يضحك- فقال: "ليَلْزَم كُلّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّه". ثمّ قال: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنِّي والله ما جَمَعْتُكُم لرَغَبِةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، ولكن جَمَعْتُكُم، لأنّ تَميمًا الدّاري٢، كان رجلًا نَصْرَانِيًا، فجاء فَبَايَعَ وَأَسْلَم، وحدّثنِي
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصّة الجساسة، ص: ٨٠، وما بعدها، وفي سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٤.
٢ "لأنّ تميمًا الدّاري"، هذا معدود من مناقب تميم؛ لأنّ النَّبِيّ ﷺ روى عنه هذه القصة.
وفيه: رواية الفاضل عن المفضول - ورواية المتبوع عن تابعه - وفيه قبول خبر الواحد.
حديثًا وافق الّذي كنت أحدِّثكم عن مسيح الدّجّال".
حدّثني: أنّه ركب فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مع ثلاثين رجلًا مِنْ لَخْم وجُذَمَ، فلعب بِهِمُ الْمَوجُ شهرًا فِي الْبَحر، ثُمّ أَرْفَؤُوا إلى جزيزة١ في البحر حين٢ مغرب الشّمس، فجلسوا في أقرب السّفينة٣، فدخلوا الجزيرة، فَلَقِيَتْهُم دَابَّةٌ أهلبٌ٤ كثير الشّعر، لا يدرون ما قبله مِنْ دُبُره، من كثرة الشّعر. فقالوا: وَيْلَكَ ما أنت؟ قالت٥: أنا الْجَسَّاسَةُ. قالوا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت:
_________
١ "ثم ارفؤوا إلى جزيرة"، أي: التجأوا إليها، قال في اللّسان: أرفأت السّفينة إذا أدنيتها إلى الجدة، والجدّة: وجه الأرض أي: الشّطّ.
٢ في صحيح مسلم: "حتّى مغرب الشّمس".
٣ "فجلسوا في أقرب السّفينة"، الأقرب جمع قارب، على غير قياسٍ، والقياس: قوارب، وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة، كالجنيبة يتصرّف فيها ركاب السّفينة لقضاء حوائجهم.
وقيل: أقرب السّفينة: أخرياتها وما قرب منها للنّزول.
٤ "أهلب"، الأهلب: غليظ الشّعر كثيره.
٥ في صحيح مسلم: "فقالت": والجساسة: سمّيت بذلك لتجسسها الأخبار للدّجّال.
أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدَّيْر؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق١.
قال: لمّا سَمَّت لنا رجلا فَرِقْنَا منها٢ أن تكون شيطانةً. قال: فانْطَلَقْنَا سِراعًا، حتّى دَخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيه أعظم إنسانٍ٣ رأيناه قطُّ خَلْقًا. وأشدُّه وثَاقًا مَجموعة يداه إلى عنقه، ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْه بالْحَديد٤. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقال٥: قد قدرتم على خبري. فَأَخْبِرُونِي ما أنتم؟ قالوا: نَحن من العرب، ركبنا في سفينةٍ بَحريَّةٍ، فصادفنا البحر
_________
١ "فإنّه إلى خبركم بالأشواق"، أي: شديد الأشواق إلى خبركم.
٢ "فرقنا منها"، أي: خفنا.
٣ "أعظم إنسان"، أي: أكبره جثة، أو أهيب هيئة.
٤ "بالحديد" الباء متعلّق بمجموعة، "وما بين ركبتيه إلى كعبيه"، بدل: اشتمال من يداه.
٥ في صحيح مسلم: "قال".
حين اغْتَلَمَ١، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيْرَتِك هذه. فجلسنا في أقربِها؛ فدخلنا الْجزيرة، فَلَقِيَتْنا دابّةٌ أهلب كثير الشّعر، لا ندري٢ ما قبله من دبره من كثرة الشّعر. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ. قلنا٣: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعمدُوا إلى هذا الرّجل في الدّير؛ فإنّه إلى خَبَرِكُم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا. وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانةً. قال٤: أخبروني عن نخل بيسان٥. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِر؟ قال: [هل فيها ماءُ؟ قالوا: هي كَثِيْرَةُ الماء. قال] ٦: أسألكم عن نَخْلِها
_________
١ "صادفنا البحر حين اغتلم"، أي: هاج وجاوز حدّه المعتاد.
قال الكسائي: "الاغتلام: أن يتجاوز الإنسان ما حدّ له من الخير والمباح.
٢ في صحيح مسلم: "لا يدرى" بالبناء للمجهول.
٣ في صحيح مسلم: "فقلنا" بالفاء.
٤ في صحيح مسلم: "فقال" بالفاء.
٥ "نخل بيسان"، هي: قرية بالشّام.
٦ ما بين القوسين لا يوجد في مسلم، والظّاهر أنّه خطأ من النّاسخ.
هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يُوْشِكُ ألاّ يثمر. قال: أَخْبِرُونِي عن بًحَيْرَة الطَّبَريّة١. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أمَا إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زَغَرَ٢. قالوا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في العين ماءٌ؟ وهل يَزْرَعُ أهلها بماء ذلك٣ العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأُمَّتَيْن. ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل بيثرب٤. قال: قاتله٥ العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صَنَعَ بِهُم؟ فَأَخْبَرْنَاه أنّه قد ظهر على من يليه من
_________
١ "بحيرة الطّبرية"، هي: بحر صغير معروف بالشّام.
٢ "عين زغر"، هي: بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشّام.
٣ في صحيح مسلم: "بماء العين" بدون اسم الإشارة.
٤ في صحيح مسلم: "ونزل يثرب"، بدون الجارّ.
٥ في صحيح مسلم: "أقاتله" بهمزة الاستفهام لفظًا.
العرب وأطاعوه. قال١: قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إنّ ذلك٢ خير لهم أن يطيعوه، وإنِّي مخبركم عنِّي: إنِّي أنا المسيح الدّجّال٣، وإنِّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فَأَسِيْر في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هَبَطتها في أربعين ليلة، غير مكّة وطيبة٤، فهما مُحَرَّمَتَان عليّ، كلتاهما كلّما أرادت أن أدخل واحدة منهما٥، اسْتَقْبَلَنِي ملك بيده السّيف صلتًا٦ يصدّني عنها، وأنّ على كلّ نقب منها ملائكة يَحْرُسُونَها. قال٧ رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر "هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ"، يَعْنِي: المدينة. "ألا هلْ كنْتُ حَدَّثْتُكم ذلك؟ ".
_________
١ في صحيح مسلم لا توجد: "قال الأولى".
٢ في صحيح مسلم: "أما إنّ ذاك"، بدون اللام.
٣ في صحيح مسلم لا توجد كلمة: "الدّجّال".
٤ "طيبة" هي: المدينة، ويقال لها أيضًا: طابة.
٥ في صحيح مسلم: "أن أدخل واحدة أو واحد منهما".
٦ "صلتا" بفتح الصّاد وضمّها، أي: مسلولًا.
٧ في صحيح مسلم: "قالت: قال رسول الله ﷺ.
فقال النّاس: نعم. "فإنّه أعْجَبَنِي حديث تَمِيم: لأنّه١ وفق الّذي كنتحدّثتكم٢ عنه وعن المدينة ومكّة ألا إنّه في بحر الشّام، أو بَحْر الْيَمَن؛ لا بل من قبل الْمَشْرِق، ما هو، من قبل٣الْمَشْرِقِ ما هو، من قبل الْمَشْرِقِ ما هو، وأومأ بيده إلى الْمَشْرِقِ قالت: فحفظت هذا من رسول الله– ﷺ.
(١٣٣) وله٤ عن أنس. قال رسول الله– ﷺ:
"ما من٥ بلدٍ ألاّ سَيَطَؤُهُ الدّجّال إلاّ مكّة والْمدينة
_________
١ في صحيح مسلم: "أنّه وافق" بدون اللام.
٢ في صحيح مسلم: "كنت أُحَدِّثُكم عنه".
٣ "ما هو" قال القاضي: "لفظة: ما هو، زائدة، صلة للكلام ليست بنافية: والمراد إثبات أنّه في جهات المشرق.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص: ٨٥.
وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٩، ص: ٩٥، مع اختلاف في اللّفظ.
٥ في صحيح مسلم: "ليس من بلدٍ".
وليس نقب من نقابها١، إلاّ عليه الملائكة صافين تحرسها، فينْزل بِالسَّبْخَة٢، فترجف المدينة ثلاث رَجْفَاتٍ يَخرج٣ إليه منها كلّكافرٍ ومُنَافِقٍ".
وفي لفظٍ٤: فيأتي سَبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضرب رواقةُ٥.
(١٣٤) وله٦ عنه أنّ رسول الله – ﷺ-قال:
"يتبع الدّجّال من يَهُود أَصْبَهَان، سبعون ألفًا. عليهم الطَّيَالِسَة"٧.
_________
١ في صحيح مسلم: "من أنقابها".
٢ بالسّبخة، في القاموس: السّبخة: محركة ومسكنة، أرض ذات نزّ وملح.
٣ في صحيح مسلم: "يخرج إليه منها كل كافرٍ ومنافقٍ" بالبناء للمعلوم.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، نفس الصّفحة.
٥ "فيضرب رواقه"، أي: يَنْزل هناك، ويضع ثقله.
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي نفس الصّحيفة.
٧ "الطّيالسة" جمع طيلسان، والطّيلسان أعجمي معرَّب، قال في معيار اللّغة: ثوب يلبس على الكتف، يحيط بالبدن ينسج للبس، خالٍ من التّفصيل والخياطة.
(١٣٥) وله١ عن أم شريك أنّها سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
"لَيَفِرَّنَّ النّاسُ من الدّجّال في الْجبال"، قالت: يا رسول الله! فأين الْعَرَبُ يومئذٍ؟
قال: "هُمْ قَلِيلٌ".
(١٣٦) وله٢ عن عمران سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"ما بَيْنَ خَلْق آدم إلى قيام السّاعة خلق أكبر من الدّجّال"٣.
(١٣٧) وله٤ عن أنس قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٨٦.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص:٨٦.
٣ "خلق أكبر من الدّجال"، أي: أكبر فتنةً وأعظم شوكة.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩.
"ومَا من نَبِيٍّ إلاّ وقد أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ألا إنّه أعورُ – وإنّ ربّكم – عزّ وجلّ١ – ليس بأعور، ومكتوبٌ بَيْنَ عينيه: ك. ف. ر".
وفي روايةٍ٢: بعد الْحُرُوفِ: أي: كَافرٌ.
وفي رواية٣: ثمّ تَهَجَّاهَا: ك. ف. ر. "وَيَقْرَؤُهُ كل مسلم"٤.
_________
١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٠، ولفظ الحديث:
"الدّجّال ممسوح العين، مكتوب بين عيْنيه كافر"، ثم تهاجاها ... الحديث.
ومعنى ممسوح العين: الممسوحة هي الطّافئة بالهمزة التي لا ضوء فيها، وهي أيضًا موصوفة في الرّواية الأخرى بأنّها ليست مجراء ولا ناتئة.
والصّحيح الذي عليه المحقّقون: أنّ هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بفكره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكلّ مسلمٍ، كاتب وغير كاتبٍ، ويخفيها عمَن أراد شقاوته وفتنته ولا امتناع في ذلك.
٤ في صحيح مسلم: "يقرؤه كلّ مسلم" بدون الواو.
(١٣٨) وله١ عن حذيفة: قال رسول الله – ﷺ:
"الدّجّالُ أَعْورُ الْعَيْن الْيُسَرَى، جُفَالُ الشَّعَر٢، معه جَنَّةٌ ونَارق" ٣.
(١٣٩) وله٤ عنه قال رسول الله– ﷺ:
لأنا أعلم مع الدّجّال منه. معه نَهْرَان يَجْرِيَان؛ أحدهما رأي العين، ماء أبيض، والآخر رأي العين
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجال، ص: ٦٠، ٦١.
٢ "جفال الشّعر"، أي: كثيره.
٣ تتمة الحديث في صحيح مسلم: "فناره جنة، وجنته نار".
قال العلماء: هذا من جملة فتنة، امتحن الله تعالى به عباده، ليحق الحقّ ويبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للنّاس عجزه.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، بنفس الباب ص: ٦١.
نارٌ تَأَجَّجُ. فإمّا أدركن أحد١. فليأت النّهر الّذي يراه٢ نارًا، ولْيُفَصِحَنَّ، ثُمَّ ليُطَأْطِيءْ رأسه فَيَشْرَبَ منه؛ فإنّه ماء بارد، وإنّ الدّجّال ممسوح العين. عليها ظَفرَةٌ غَلِيظَةٌ٣ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عينيه كافرٌ. يَقْرؤُه كل مؤمن، كاتبٌ وغير كاتبٍ.
(١٤٠) وله٤ عن أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ:
"ألا أُخْبِرُكُم عن الدّجّال حديثًا ما حدّثه نَبِيٌّ قومه: إنّه أَعْوَرُ، وإنّه يَجِيءُ معه مثل الجنّة والنّار، فالتي
_________
١ "فإمّا أدركن أحد"، هكذا هو في أكثر النّسخ "أدركن"، وفي بعضهم: "أدركه"، وهذا الثّاني ظاهر، وأمّا الأوّل: فغريب من حيث العربية؛ لأنّ هذه النّون لا تدخل على الفعل الماضي.
٢ "يراه" بفتح الياء وضمّها.
٣ "ظفرة غليظة"،هي جلدة تغشي البصر، وقال الأصمعي: لحمة تنبت عن المآقي.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٢، ٦٣.
يقول إنّها الْجنّة، هي النّار. وإنِّي أنذركم١ كما أنذر به نوح قومه".
(١٤١) وله٢ عن نافع:
"ألاَ إنّ المسيح الدّجّال أعور العين اليمنى؛ كَأَنَّ عينه عنبة طَافِئَةٌ"٣.
(١٤٢) وله٤ عن أبي سعيد قول ابن صَيَّادٍ له:
_________
١ في صحيح مسلم: "وإنّي أنذرتكم به".
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن أشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٨، ٥٩.
ولفظ الحديث:
عَن نَافِع عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْن ظَهْرانِي النَّاسِ فَقَالَ: "إنّ الله تعالى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ ... الحديث".
٣ "كأنّ عينه عنبة طافئة"، أمّا طافئة: فرويت بالهمز وتركه، وكلاهما صحيح. فالمهموزة هي التي ذهب نورها، وغير المهموزة التي نتأت وطفت مرتفعة وفيها ضوء.
والعور في اللّغة: العيب، وعيناه معيبتان عوراوان، وإنّ إحداهما طافئة (بالهمزة) لا نور فيها، والأخرى طافية (بلا همز) ظاهرة ناتئة.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد ص: ٥٠.
أَلَسْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنّه لاَ يُولَدُ لَه؟ "، قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أو ليس سَمِعتَ رسولَ الله – ﷺ-يقول: "لا يدخل الْمدينةَ ولا مكّة"؟ قلت: بلى. قال: فقد وُلدتُ بِالْمَدينة، وهَأَنَا أريد مكّة١. ألم٢ يقل نَبِيُّ الله – ﷺ: "إِنّه يَهُودِي"، وقد أسلمت؟ ... الخ.
_________
١ في صحيح مسلم: "وهذا أنا أريد مكّة".
وتتمة هذه الرّواية عند مسلم بعد لفظ: أريد مكّة: "قال: ثُمَّ قال في آخر قولِهِ: أَمَا الله إِنِّي لأعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَه، وَأَيْنَ هُوَ؟ قال: فَلَبِسَني"، ومعنى: لبسنِي بالتخفيف؛ جعلني ألتبس في أمره وأشكّ فيه.
٢ ألم يقل نَبِيّ الله ﷺ: "إنّه يهودي"، هذا اللّفظ من رواية أخرى عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا في نفس الصّفحة ونصّها:
(عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: لي ابْن صائد - وأخذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ، هذا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لي وَلَكُم يا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ الله ﷺ: "إنّهُ يَهُودِيٌّ؟ "، وقد أَسْلَمْتُ. قال: "وَلاَ يُولَدُ لَهُ"، وقد وُلِدَ لِيَ، وقال: إِنّ الله حَرَّم عَلَيهِ مَكَّة" وقَدْ حَجَجْتُ، قال: فَمَا زَالَ حَتَّى كّادَ أن يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ. قال: فَقَالَ لَهُ، أَمّاَ والله إِنِّي لأعْلَمُ الآن حَيْثُ هُوَ وَأَعْرَفُ أباهُ وَأُمُّهُ. قال: وقيل لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ الرَّجُلُ؟ قال: فَقَال: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ".
وذمامة: بذال معجمة مفتوحة ثم ميم مخفّفة، أي: حياء وإشفاق من الذّمّ واللّوم.
ومعنى: "حتّى كاد أن يأخذ في قوله"، بتشديد ياء فيَّ. وقوله: مرفوع، وهو فاعل يأخذ، أي: يؤثّر فيَّ وأصدقه في دعواه.
(١٤٣) وله١ قول حَفْصَةَ لابن عمر: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنّه قد قال:
"إنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ على النّاس غَضَبٌ يَغْضَبُهُ".
(١٤٤) وله٢ عن أبي الدّرداء، أنّ نبيّ الله – ﷺ-قال:
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، ص: ٥٨.
قالته أم المؤمنين - حفصة ﵂ لعبد الله بن عمر - تذكيرًا له، وقد فعل مع ابن صياد ما أغضبه. انظر الحديث بأكمله في مسلم.
٢ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٦، فضل سورة الكهف ص: ٩٢.
"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ١ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ من الدّجّال ".
وفي رواية٢: "مِنْ آخر الْكَهْفِ".
(١٤٥) وله٣ عن عمرو بن ثابت: عن الصّحابة مرفوعًا:
"تَعَلَّمُوا٤ أَنَّه لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِّنْكُم رَبَّه حَتَّى يَمُوتَ".
_________
١ في صحيح مسلم: "مَن حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف) بزيادة لفظ: أوّل.
٢ ذكرها النّووي في شرحه للحديث السّابق ج ٦، ص: ٩٣.
قيل: سبب ذلك ما في أوّلها من العجائب والآيات، فمَن تدبّرها لم يفتن بالدّجّال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، [الكهف، من الآية: ١٠٢] .
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ابن صياد، ص: ٥٥، والرّاوي للحديث عمر ثابت، لا عمرو، ولفظ الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال يوم حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: "أنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ، أو يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وقال: تَعَلَّمُوا أنَّهُ ... " الحديث.
٤ "تعلَموا"، اتّفق الرّواة على ضبط تعلموا بفتح العين واللام المشدّدة، قالوا: ومعناه: اعلموا. (وبعدها كلمة مطموسة) .
(١٤٦) وله١ عن ابن عمر عن النّبيّ – ﷺ-قال:
"لتقاتلنّ اليهود، فَلْتَقْتُلَنَّهم حتّى يقول الْحَجَرُ: يا مسلم! هذا يَهُودِيٌّ، فتعال فَاقْتُلْهُ".
وفي رواية: "إلاّ الْغَرْقَدَ٢؛ فَإِنَّهُ من شجر اليهود". رواه من حديث أبي هريرة.
(١٤٧) وقال ابن ماجه٣: ثنا عليُّ بن محمّد ثنا عبد الرّحمن الْمَحَارِبِيّ عن إسْمَاعيلَ بن رافعٍ أبي رافعٍ، عن أبي عمرو الشّيبانِي – زرعة٤، عن أبي أُمَامة٥.
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، كتاب الفتن، ج ١٨، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكانه، ص: ٤٤.
٢ "الفرقد"، نوع من شجر الشّوك، معروف ببلاد بيت المقدس.
وقال أبو حنيفة الدّينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة.
٣ سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتَن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٩، وما بعدها،
٤ في سنن ابن ماجه: عن أبي زرعة الشّيباني، يحيى بن أبي عمر.
٥ في سنن ابن ماجه: "عن أبي أمامة الباهلي".
قال: خطبنا رسول الله – ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناه١ وحذرناه، وكَانَ مِنْ قوله أنّ قال: "إنّه لَمْ تَكُن٢ فِتْنَةٌ فِي الأرض مُنْذُ ذَرَأَ الله آدم - صلّى الله عليه وسلّم٣- أعظم من فِتْنَةِ الدَّجَّال، وإنّ الله ﷿ ـ٤ لم يبعث نبيًّا إلاّ حذّر أمّته الدّجّال. وأنا آخر الأَنْبِيَاء. وأنتم آخر الأمم، وهو خارج عليكم٥ لا مَحَالَة؛ فإن٦ يَخرج وأنا بَيْن ظَهْرانَيْكم فأنا حجيجُ كلِّ مسلم٧، وإن يَخرج من بعدي فكلٌّ حجيجٌ بنفسه٨، والله خليفتِي على كلّ مسلم، وإنّه يَخرج من خلّة بين الشّام والعراق، فَيعيثُ يَمِينًا ويَعِيث
_________
١ في سنن ابن ماجه: "حدّثناه عن الدّجّال".
٢ في سنن ابن ماجه: "إنّه لم تكن فتنة"، بالتّاء بدل الياء.
٣ في سنن ابن ماجه: "منذ ذرأ الله ذريّة آدم".
٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٥ في سنن ابن ماجه: "وهو خارج فيكم".
٦ في سنن ابن ماجه: "وإن يخرج" بالواو.
٧ في سنن ابن ماجه: "فأنا حجيج لكّ مسلمٍ".
٨ في سنن ابن ماجه: "فكلّ امرئٍ حجيج نفسه".
شَمالًا. يا عباد اللهَ! أيّها النّاس١! فاثبتوا؛ فإنِّي سَأَصِفُهُ لكم صِفَةً. لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاه نَبِيُّ قبلي ... إنّه يبدأ فيقول: أنا نِبِيٌّ وإنه لا نَبِيَّ بعدي٢. ثمّ يَنْثَنِي٣ فيقول: أنا ربّكم ولا ترون ربّكم حتّى تَمُوتوا، وإنّه أعور. وإنّ ربّكم – ﷿-٤ ليس بأعور، وإنّه مكتوبٌ بَيْن عينيه: كافرٌ، يقرؤه كلّ مُؤْمِنٍ: كاتبٌ وغير كاتبٍ٥، وإنّ مِن فِتْنَته أنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونارًا٦، فَمَنْ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَعِذْ٧ بالله، وليقرأ فَوَاتِيحَ الْكَهف؛ فتكون عليه بردًا وسلامًا. كما كانت٨ على إبراهيم – ﵇–٩ وإنّ مِنْ فِتْنَته: أنْ يقُولَ لأعْرَابِيٍّ:
_________
١ لا توجد جملة: "أيها النّاس"، في سنن ابن ماجه.
٢ في سنن ابن ماجه: "ولا نَبِي بعدي"، بدون لفظ: إنّه.
٣ في سنن ابن ماجه: "ثم يثني فيقول".
٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٥ في سنن ابن ماجه: "كاتب أو غير كاتبٍ)، بأو بدل الواو.
٦ في سنن ابن ماجه: "بعد هذه الجملة: "فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُه نارٌ".
٧ في سنن ابن ماجه: "فليستغث".
٨ في سنن ابن ماجه: "كما كانت النّار على إبراهيم".
٩ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
أَرَأَيْتَ إن بَعَثت لك أَبَاكَ وأُمُّكَ، أَتَشْهَدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول: نَعَم. فَيَمْثُل١ له شيطانان في صورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بُنَيّ! اتَّبِعهُ، فإنّه ربّك. وإنّ من فتنته أن يسلِّط على نفسٍ واحدةٍ يقتلها ينشرها بِالْمِنْشَار٢؛ حتّى يُلْقَي شَقَّتَيْن، ثُمّ يقول: انظروا إلى عبدي: فإنّه أبعثه الآن٣، ثمّ يَزْعمُ أن له ربًّا غيري. فبعثه الله تعالى فيقول له الخبيث: من ربّك فيقول: ربِّي الله، وأنت عدو الله، أنت الدّجّال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك منِّي الْيَومَ".
قال أبو الحسن الطَّنَافَسِي: فحدثنا الْمَحَارِبِي. ثنا عبيد الله بن الوليد الوصّافيّ عن عطيّة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله – ﷺ: "ذلك الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّة ".
_________
١ في سنن ابن ماجه: "فيتمثل له شيطانان".
٢ في سنن ابن ماجه: "فيقتلها وينشرها بالمنشار".
٣ في سنن ابن ماجه: "انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن".
قال أبو سعيد: ما كنّا١ نُرَى ذلك الرّجل إلاّ عُمر ابن الخطّاب – رضي الله عنه٢ – حتّى مضى لسبيله.
قال الْمحاربيّ: ثمّ رجعنا إلى حديث أبي رافع قال:
وإنّ مِنْ فِتْنَته أَن يَأْمُرَ السَّمَاءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، ويَأْمُرَ الأرضَ أنْ تُنْبِتَ فَتَنْبِتَ.
وإنّ من فتنته أن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيكَذِّبُوهُ٣، فَلاَ تَبقَى لَهُم سَائمَةٌ إِلاَّ هَلَكَت.
وَإِنَّ مِن فِتْنَتِهِ أَن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فيصدِّقوه٤، فيَأْمُرُ السّماءَ أَنْ تُمْطرِ فَتُمطر، والأرض٥ أن تُنْبت فَتُنْبت؛ حتّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت
_________
١ في سنن ابن ماجه: "والله ما كنا نرى"، بزيادة القسم.
٢ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٣ في سنن ابن ماجه: "وإن من فتنته أن يمر بالحيّ فيكذبونه! ".
٤ في سنن ابن ماجه: "فيصدّقونه" بالنّون.
٥ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض".
وأعظمه، وأمّده خواصر، وأدرّه ضروعًا، وإنّه لا يبقى شيء من الأرض إلاّ وَطِئَه وَظَهَر عليه إلاّ مكّة والْمدينة؛ فإنّه لا١ يَأْتِيهما من نَقْبٍ مِنْ نقَابِهما إلاّ لَقِيَتْهُ الْمَلائكةُ بالسُّيُوفِ صَلْتَةً٢؛ حتّى يَنْزِلَ عند الظّريب٣ الأَحْمَر، عند منْقَطَع السَّبْخَة٤. فَتَرجفُ٥ الْمَدينة بأهلها ثلاث رَجْفَاتٍ، فلا يَبْقَى منافقٌ، ولا مُنَافِقَةٌ إلاّ خَرج إليه فَتَنْفِي الْخَبَثَ٦ منها كما ينفي الكيْرُ خَبَثَالْحديدِ، ويدعى ذلك اليوم يوم الْخَلاَص".
_________
١ في سنن ابن ماجه: "لا يأتيهما من نقب"، بدون لفظ: فإنّه، والنّقب: الطّريق بين جبلين.
٢ "صلته"، أي: مجرّدة، يقال: أصلت السّيف، إذا جرّده من غمده، وضربه بالسّيف صَلْتًَا وصُلْتًا.
٣ "الظّريب"، تصغير ظربٍ، بوزن كتف، والظّراب: الجبال الصّغار.
٤ "السّبخة"، هي: الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشّجر.
٥ "فترجف"، أصل الرّجف: الحركة والاضطراب، أي: تتزلزل وتضطرب.
٦ "الخبث" هو: ما تلقيه النّاس من وسخ الفضّة والنّحاس وغيرهما إذا أُذيبا.
فقالت أم شريك بنت أبي العَكَر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هُمْ قَلِيلٌ، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجلٌ صالحٌ، قد١ تقدّم يصلِّي بِهم الصّبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصّبح. فرجع ذلك الإمام ينكص٢: يمشي الْقَهْقَرَى، ليتقدّم عيسى – ﵇-٣ يصلِّي بالنّاس. فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثمّ يقول له: تقدّم فصلِّ. فإنّها لك أقيمت. فيصلِّي بهم إمامهم. فإذا انصرف، قال عيسى – ﵇ افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدّجّال، معه سبعون ألف يهوديٌّ. كلّهم ذو سيف محلّى وساجٍ٤؛ فإذا نظر إليه الدّجّال ذاب
_________
١ في سنن ابن ماجه: "فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم".
٢ "ينكص" النّكوص: الرّجوع إلى الوراء، وهو القهقري.
٣ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٤ "وساج" السّاج: هو الطّيلسان الأخضر، وقيل: الطّيلسان المقور، ينسج كذلك.
كما يذوب الملح في الماء، وانطلق١ هاربًا، ويقول عيسى – ﵇: إنّ لي فيك ضربة لن تَسبِقَنِي بها٢، فيدركه عند باب لُدٍّ٣ الشّرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود، ولا يبقى شيء٤ ممّا خلق الله يتوارى به يهوديٌّ إلاّ أنطق الله ذلك الشّيء، لا حجر ولا شَجَر ولا حَائِطَ ولا دَابَّة "إلاّ الْغَرْقَدَ فَإنَّه مِنْ شَجَرِهم لا ينطق) ٥ إلاّ قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهوديٌّ؛ فتعال فأقتله" ٦.
قال رسول الله – ﷺ:
"وإنَّ أَيَّامَهُ
_________
١ في سنن ابن ماجه: "وينطلق هاربًا" بالمضارع.
٢ "لن تسبقنِي بها"، أي: لن تفوّتها عليَّ.
٣ في سنن ابن ماجه: "باب اللّدّ الشّرقي"، في النّهاية: لدّ، موضع بالشّام، وقيل: بفلسطين.
٤ في سنن ابن ماجه: "فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيءٌ"، بالفاء في الجملتين.
٥ في سنن ابن ماجه: "إلاّ الغرقدة، فإنّها من شجرهم لا تنطق". بالتّأنيث.
والغرقدة: هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشّوك.
٦ في سنن ابن ماجه: "فتعال اقتله" بدون الفاء مع لفظ: اقتله.
أربعون سنة، السّنة كنصف السّنة، والسّنة كالشّهر، والسّنة١ كالْجمعة. وآخر أيّامه كالشَّرَرَةِ٢، يصبح أحدكم على باب الْمدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمْسِيَ"، فقيل له: يا رسولَ الله! كيف نصلِّي في تلك الأيّام القِصَار؟ قال: "تُقَدِّرُون فيها الصّلاةَ، كما تُقَدِّرُونَها في هذه الأيام الطِّوال، ثُمّ صَلُّوا".
قال رسول الله – ﷺ:
"فَيَكُونُ عيسى٣ – ﵇ – في أمّتي حكمًا٤ عدلًا، وإمامًا مُنْشِطًا: يَدُقُّ٥ الصَّلِيبَ، ويَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ٦
_________
١ في سنن ابن ماجه: "والشّهر كالجمعة".
٢ "كالشّررة": واحدة الشّرر، وهو ما يتطاير من النّار.
٣ في سنن ابن ماجه: "فيكون عيسى بن مريم ﵇".
٤ "حكمًا أي: حاكمًا بين النّاس ومقسطًا"، أي: عادلًا في الحكم.
٥ يدقّ الصّليب، أي: يكسره بحيث لا يبقى من جنس الصّليب شيءٌ.
٦ "ويذبح الخنْزير"، أي: يحرم أكله أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحدٌ، والحاصل أنّه يبطل دين النّصارى.
ويضع الْجِزْيَةَ١. ويَتْرُكُ الصَّدَقَةَ٢، فلا يسعى على شارةٍ ولا بعير، وتُرْفَعُ الشَّحنَاءُ والتَّبَاغُض، وتَنْزع حمَة٣ كلِّ ذات حمة، حتّى يدخل الْوليد يده في الْحَيَّة، فلا تضرّه، وتُفرُّ٤ الوليدة الأسد، فلا يضرها، ويكون الذِّئب في الغنم كأنّه كلبها. وتُمْلأُ الأرض مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلأُ الإِنَاءُ من الْمَاءِ، وتكون الْكَلْمَةُ واحِدَةً، فلا يعبد إلاّ الله، وتَضَعُ الْحَربُ أَوْزَارَها، وتُسْلَب قريشٌ ملْكَها، وتكون الأرض كَفَاثُور٥ الفضّة، تنبت نباتها بعهد آدم – ﵇ ـ٦
_________
١ "ويضع الجزية"، أي: لا يقبلها من أحدٍ من الكفرة، بل يدعوهم إلى الإسلام.
٢ "ويترك الصّدقة"، أي: الزّكاة، لكثرة الأموال، فلا يسعى. قال في النّهاية: أي: يترك زكاتها فلا يكون لها ساعٍ.
٣ "حمة" بالتّخفيف: السّمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأنّ السّمّ منها يخرج.
٤ "وتفرّ" أي: تحمله على الفرار.
٥ "كفاثور الفضّة"،الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضّةٍ أو ذهبٍ.
٦ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
حتّى يَجْتَمِعَ النَّفَر على الْقِطف١ من الْعِنَب فَيشْبعَهُم، ويَجْتَمِع النَّفَر على الرُّمَّانَة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا: من المال، وتكون الَفَرس بالدُّرَيْهِمَاتِ".
قيل: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال:
"لا تركَب لِحَرٍب أَبَدًا" فقيل له: وما٢ يغلي الثّور؟ قال: "تُحرثُ الأرض كُلُّها. وإنَّ قبلَ خُروجِ الدّجّال ثلاثَ سَنَواتٍ شِدَاٍد، يصيب النّاس فيها جُوعٌ شَدِيدٌ، فيأمر٣ الله السّماء في السّنة الأولى أن تَحْبِسُ ثُلُثَ مَطَرِها، ويأمر الأرض أن٤ تَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِها، ثُمّ يأمر الله السّماء في السّنة الثّانية٥، فتَحْبِسُ ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ ثلثي نباتِها، ثمّ يأمر الله السّماء في السّنة
_________
١ "القطف" العنقود، وهو اسم لكلّ ما يقطف.
٢ في سنن ابن ماجه: "فما يغلي" بالفاء.
٣ في سنن ابن ماجه: "يأمر الله السّماء"، بدون الفاء.
٤ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض فتحبس" بدون لفظ أن.
٥ في سنن ابن ماجه: "ثم يأمر السّماء في الثّانية) بدون لفظي: الله، السّنة.
الثّالثة، فتَحْبِسُ مطرها كلّه، فلا تقطر قطرة١، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ نباتِها٢، فلا تنبت خضراء، ولا يَبْقَى ذات ظلْفٍ إلاّ هلك٣، إلاّ ما شاء الله".
فقيل: فما يعيش النّاس في ذلك الزّمان؟ قال: "التَّهْلِيل والتَّكْبِير والتَّسْبِيح والتَّحْمِيد، ويَجري ذلك عليهم مجري الطّعام.
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطّنافسيّ يقول: سمعت عبد الرّحمن الْمحاربِيّ يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدِّب، حتّى يعلِّمه الصِّبيان في الكتّاب.
_________
١ "فلا تقطر قطرة" في المصباح، يتعدّى، ولا يتعدى، هذا قول الأصمعي.
وقال أبو زيد: لا يتعدى بنفسه، بل بالألف.
٢ في سنن ابن ماجه: "فتحبس نباتها كلّه"، بزيادة لفظ التّأكيد.
٣ في سنن ابن ماجه: "فلا تبقى ذات ظلفٍ إلاّ هلكت"، بالتّأنيث.
والظّلف: هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظّبي، بِمَنْزلة الحافر للفرس.
(١٣٢) وله١ في حديث فاطمة بنت قيس: فلما قضى رسول الله – ﷺ-صَلاُتَهُ جَلَس على المنبر – وهو يضحك- فقال: "ليَلْزَم كُلّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّه". ثمّ قال: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنِّي والله ما جَمَعْتُكُم لرَغَبِةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، ولكن جَمَعْتُكُم، لأنّ تَميمًا الدّاري٢، كان رجلًا نَصْرَانِيًا، فجاء فَبَايَعَ وَأَسْلَم، وحدّثنِي
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصّة الجساسة، ص: ٨٠، وما بعدها، وفي سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٤.
٢ "لأنّ تميمًا الدّاري"، هذا معدود من مناقب تميم؛ لأنّ النَّبِيّ ﷺ روى عنه هذه القصة.
وفيه: رواية الفاضل عن المفضول - ورواية المتبوع عن تابعه - وفيه قبول خبر الواحد.
حديثًا وافق الّذي كنت أحدِّثكم عن مسيح الدّجّال".
حدّثني: أنّه ركب فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مع ثلاثين رجلًا مِنْ لَخْم وجُذَمَ، فلعب بِهِمُ الْمَوجُ شهرًا فِي الْبَحر، ثُمّ أَرْفَؤُوا إلى جزيزة١ في البحر حين٢ مغرب الشّمس، فجلسوا في أقرب السّفينة٣، فدخلوا الجزيرة، فَلَقِيَتْهُم دَابَّةٌ أهلبٌ٤ كثير الشّعر، لا يدرون ما قبله مِنْ دُبُره، من كثرة الشّعر. فقالوا: وَيْلَكَ ما أنت؟ قالت٥: أنا الْجَسَّاسَةُ. قالوا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت:
_________
١ "ثم ارفؤوا إلى جزيرة"، أي: التجأوا إليها، قال في اللّسان: أرفأت السّفينة إذا أدنيتها إلى الجدة، والجدّة: وجه الأرض أي: الشّطّ.
٢ في صحيح مسلم: "حتّى مغرب الشّمس".
٣ "فجلسوا في أقرب السّفينة"، الأقرب جمع قارب، على غير قياسٍ، والقياس: قوارب، وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة، كالجنيبة يتصرّف فيها ركاب السّفينة لقضاء حوائجهم.
وقيل: أقرب السّفينة: أخرياتها وما قرب منها للنّزول.
٤ "أهلب"، الأهلب: غليظ الشّعر كثيره.
٥ في صحيح مسلم: "فقالت": والجساسة: سمّيت بذلك لتجسسها الأخبار للدّجّال.
أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدَّيْر؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق١.
قال: لمّا سَمَّت لنا رجلا فَرِقْنَا منها٢ أن تكون شيطانةً. قال: فانْطَلَقْنَا سِراعًا، حتّى دَخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيه أعظم إنسانٍ٣ رأيناه قطُّ خَلْقًا. وأشدُّه وثَاقًا مَجموعة يداه إلى عنقه، ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْه بالْحَديد٤. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقال٥: قد قدرتم على خبري. فَأَخْبِرُونِي ما أنتم؟ قالوا: نَحن من العرب، ركبنا في سفينةٍ بَحريَّةٍ، فصادفنا البحر
_________
١ "فإنّه إلى خبركم بالأشواق"، أي: شديد الأشواق إلى خبركم.
٢ "فرقنا منها"، أي: خفنا.
٣ "أعظم إنسان"، أي: أكبره جثة، أو أهيب هيئة.
٤ "بالحديد" الباء متعلّق بمجموعة، "وما بين ركبتيه إلى كعبيه"، بدل: اشتمال من يداه.
٥ في صحيح مسلم: "قال".
حين اغْتَلَمَ١، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيْرَتِك هذه. فجلسنا في أقربِها؛ فدخلنا الْجزيرة، فَلَقِيَتْنا دابّةٌ أهلب كثير الشّعر، لا ندري٢ ما قبله من دبره من كثرة الشّعر. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ. قلنا٣: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعمدُوا إلى هذا الرّجل في الدّير؛ فإنّه إلى خَبَرِكُم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا. وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانةً. قال٤: أخبروني عن نخل بيسان٥. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِر؟ قال: [هل فيها ماءُ؟ قالوا: هي كَثِيْرَةُ الماء. قال] ٦: أسألكم عن نَخْلِها
_________
١ "صادفنا البحر حين اغتلم"، أي: هاج وجاوز حدّه المعتاد.
قال الكسائي: "الاغتلام: أن يتجاوز الإنسان ما حدّ له من الخير والمباح.
٢ في صحيح مسلم: "لا يدرى" بالبناء للمجهول.
٣ في صحيح مسلم: "فقلنا" بالفاء.
٤ في صحيح مسلم: "فقال" بالفاء.
٥ "نخل بيسان"، هي: قرية بالشّام.
٦ ما بين القوسين لا يوجد في مسلم، والظّاهر أنّه خطأ من النّاسخ.
هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يُوْشِكُ ألاّ يثمر. قال: أَخْبِرُونِي عن بًحَيْرَة الطَّبَريّة١. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أمَا إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زَغَرَ٢. قالوا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في العين ماءٌ؟ وهل يَزْرَعُ أهلها بماء ذلك٣ العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأُمَّتَيْن. ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل بيثرب٤. قال: قاتله٥ العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صَنَعَ بِهُم؟ فَأَخْبَرْنَاه أنّه قد ظهر على من يليه من
_________
١ "بحيرة الطّبرية"، هي: بحر صغير معروف بالشّام.
٢ "عين زغر"، هي: بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشّام.
٣ في صحيح مسلم: "بماء العين" بدون اسم الإشارة.
٤ في صحيح مسلم: "ونزل يثرب"، بدون الجارّ.
٥ في صحيح مسلم: "أقاتله" بهمزة الاستفهام لفظًا.
العرب وأطاعوه. قال١: قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إنّ ذلك٢ خير لهم أن يطيعوه، وإنِّي مخبركم عنِّي: إنِّي أنا المسيح الدّجّال٣، وإنِّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فَأَسِيْر في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هَبَطتها في أربعين ليلة، غير مكّة وطيبة٤، فهما مُحَرَّمَتَان عليّ، كلتاهما كلّما أرادت أن أدخل واحدة منهما٥، اسْتَقْبَلَنِي ملك بيده السّيف صلتًا٦ يصدّني عنها، وأنّ على كلّ نقب منها ملائكة يَحْرُسُونَها. قال٧ رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر "هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ"، يَعْنِي: المدينة. "ألا هلْ كنْتُ حَدَّثْتُكم ذلك؟ ".
_________
١ في صحيح مسلم لا توجد: "قال الأولى".
٢ في صحيح مسلم: "أما إنّ ذاك"، بدون اللام.
٣ في صحيح مسلم لا توجد كلمة: "الدّجّال".
٤ "طيبة" هي: المدينة، ويقال لها أيضًا: طابة.
٥ في صحيح مسلم: "أن أدخل واحدة أو واحد منهما".
٦ "صلتا" بفتح الصّاد وضمّها، أي: مسلولًا.
٧ في صحيح مسلم: "قالت: قال رسول الله ﷺ.
فقال النّاس: نعم. "فإنّه أعْجَبَنِي حديث تَمِيم: لأنّه١ وفق الّذي كنتحدّثتكم٢ عنه وعن المدينة ومكّة ألا إنّه في بحر الشّام، أو بَحْر الْيَمَن؛ لا بل من قبل الْمَشْرِق، ما هو، من قبل٣الْمَشْرِقِ ما هو، من قبل الْمَشْرِقِ ما هو، وأومأ بيده إلى الْمَشْرِقِ قالت: فحفظت هذا من رسول الله– ﷺ.
(١٣٣) وله٤ عن أنس. قال رسول الله– ﷺ:
"ما من٥ بلدٍ ألاّ سَيَطَؤُهُ الدّجّال إلاّ مكّة والْمدينة
_________
١ في صحيح مسلم: "أنّه وافق" بدون اللام.
٢ في صحيح مسلم: "كنت أُحَدِّثُكم عنه".
٣ "ما هو" قال القاضي: "لفظة: ما هو، زائدة، صلة للكلام ليست بنافية: والمراد إثبات أنّه في جهات المشرق.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص: ٨٥.
وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٩، ص: ٩٥، مع اختلاف في اللّفظ.
٥ في صحيح مسلم: "ليس من بلدٍ".
وليس نقب من نقابها١، إلاّ عليه الملائكة صافين تحرسها، فينْزل بِالسَّبْخَة٢، فترجف المدينة ثلاث رَجْفَاتٍ يَخرج٣ إليه منها كلّكافرٍ ومُنَافِقٍ".
وفي لفظٍ٤: فيأتي سَبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضرب رواقةُ٥.
(١٣٤) وله٦ عنه أنّ رسول الله – ﷺ-قال:
"يتبع الدّجّال من يَهُود أَصْبَهَان، سبعون ألفًا. عليهم الطَّيَالِسَة"٧.
_________
١ في صحيح مسلم: "من أنقابها".
٢ بالسّبخة، في القاموس: السّبخة: محركة ومسكنة، أرض ذات نزّ وملح.
٣ في صحيح مسلم: "يخرج إليه منها كل كافرٍ ومنافقٍ" بالبناء للمعلوم.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، نفس الصّفحة.
٥ "فيضرب رواقه"، أي: يَنْزل هناك، ويضع ثقله.
٦ صحيح مسلم بشرح النّووي نفس الصّحيفة.
٧ "الطّيالسة" جمع طيلسان، والطّيلسان أعجمي معرَّب، قال في معيار اللّغة: ثوب يلبس على الكتف، يحيط بالبدن ينسج للبس، خالٍ من التّفصيل والخياطة.
(١٣٥) وله١ عن أم شريك أنّها سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
"لَيَفِرَّنَّ النّاسُ من الدّجّال في الْجبال"، قالت: يا رسول الله! فأين الْعَرَبُ يومئذٍ؟
قال: "هُمْ قَلِيلٌ".
(١٣٦) وله٢ عن عمران سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"ما بَيْنَ خَلْق آدم إلى قيام السّاعة خلق أكبر من الدّجّال"٣.
(١٣٧) وله٤ عن أنس قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٨٦.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص:٨٦.
٣ "خلق أكبر من الدّجال"، أي: أكبر فتنةً وأعظم شوكة.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩.
"ومَا من نَبِيٍّ إلاّ وقد أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ألا إنّه أعورُ – وإنّ ربّكم – عزّ وجلّ١ – ليس بأعور، ومكتوبٌ بَيْنَ عينيه: ك. ف. ر".
وفي روايةٍ٢: بعد الْحُرُوفِ: أي: كَافرٌ.
وفي رواية٣: ثمّ تَهَجَّاهَا: ك. ف. ر. "وَيَقْرَؤُهُ كل مسلم"٤.
_________
١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٠، ولفظ الحديث:
"الدّجّال ممسوح العين، مكتوب بين عيْنيه كافر"، ثم تهاجاها ... الحديث.
ومعنى ممسوح العين: الممسوحة هي الطّافئة بالهمزة التي لا ضوء فيها، وهي أيضًا موصوفة في الرّواية الأخرى بأنّها ليست مجراء ولا ناتئة.
والصّحيح الذي عليه المحقّقون: أنّ هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بفكره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكلّ مسلمٍ، كاتب وغير كاتبٍ، ويخفيها عمَن أراد شقاوته وفتنته ولا امتناع في ذلك.
٤ في صحيح مسلم: "يقرؤه كلّ مسلم" بدون الواو.
(١٣٨) وله١ عن حذيفة: قال رسول الله – ﷺ:
"الدّجّالُ أَعْورُ الْعَيْن الْيُسَرَى، جُفَالُ الشَّعَر٢، معه جَنَّةٌ ونَارق" ٣.
(١٣٩) وله٤ عنه قال رسول الله– ﷺ:
لأنا أعلم مع الدّجّال منه. معه نَهْرَان يَجْرِيَان؛ أحدهما رأي العين، ماء أبيض، والآخر رأي العين
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجال، ص: ٦٠، ٦١.
٢ "جفال الشّعر"، أي: كثيره.
٣ تتمة الحديث في صحيح مسلم: "فناره جنة، وجنته نار".
قال العلماء: هذا من جملة فتنة، امتحن الله تعالى به عباده، ليحق الحقّ ويبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للنّاس عجزه.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، بنفس الباب ص: ٦١.
نارٌ تَأَجَّجُ. فإمّا أدركن أحد١. فليأت النّهر الّذي يراه٢ نارًا، ولْيُفَصِحَنَّ، ثُمَّ ليُطَأْطِيءْ رأسه فَيَشْرَبَ منه؛ فإنّه ماء بارد، وإنّ الدّجّال ممسوح العين. عليها ظَفرَةٌ غَلِيظَةٌ٣ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عينيه كافرٌ. يَقْرؤُه كل مؤمن، كاتبٌ وغير كاتبٍ.
(١٤٠) وله٤ عن أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ:
"ألا أُخْبِرُكُم عن الدّجّال حديثًا ما حدّثه نَبِيٌّ قومه: إنّه أَعْوَرُ، وإنّه يَجِيءُ معه مثل الجنّة والنّار، فالتي
_________
١ "فإمّا أدركن أحد"، هكذا هو في أكثر النّسخ "أدركن"، وفي بعضهم: "أدركه"، وهذا الثّاني ظاهر، وأمّا الأوّل: فغريب من حيث العربية؛ لأنّ هذه النّون لا تدخل على الفعل الماضي.
٢ "يراه" بفتح الياء وضمّها.
٣ "ظفرة غليظة"،هي جلدة تغشي البصر، وقال الأصمعي: لحمة تنبت عن المآقي.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٢، ٦٣.
يقول إنّها الْجنّة، هي النّار. وإنِّي أنذركم١ كما أنذر به نوح قومه".
(١٤١) وله٢ عن نافع:
"ألاَ إنّ المسيح الدّجّال أعور العين اليمنى؛ كَأَنَّ عينه عنبة طَافِئَةٌ"٣.
(١٤٢) وله٤ عن أبي سعيد قول ابن صَيَّادٍ له:
_________
١ في صحيح مسلم: "وإنّي أنذرتكم به".
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن أشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٨، ٥٩.
ولفظ الحديث:
عَن نَافِع عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْن ظَهْرانِي النَّاسِ فَقَالَ: "إنّ الله تعالى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ ... الحديث".
٣ "كأنّ عينه عنبة طافئة"، أمّا طافئة: فرويت بالهمز وتركه، وكلاهما صحيح. فالمهموزة هي التي ذهب نورها، وغير المهموزة التي نتأت وطفت مرتفعة وفيها ضوء.
والعور في اللّغة: العيب، وعيناه معيبتان عوراوان، وإنّ إحداهما طافئة (بالهمزة) لا نور فيها، والأخرى طافية (بلا همز) ظاهرة ناتئة.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد ص: ٥٠.
أَلَسْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنّه لاَ يُولَدُ لَه؟ "، قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أو ليس سَمِعتَ رسولَ الله – ﷺ-يقول: "لا يدخل الْمدينةَ ولا مكّة"؟ قلت: بلى. قال: فقد وُلدتُ بِالْمَدينة، وهَأَنَا أريد مكّة١. ألم٢ يقل نَبِيُّ الله – ﷺ: "إِنّه يَهُودِي"، وقد أسلمت؟ ... الخ.
_________
١ في صحيح مسلم: "وهذا أنا أريد مكّة".
وتتمة هذه الرّواية عند مسلم بعد لفظ: أريد مكّة: "قال: ثُمَّ قال في آخر قولِهِ: أَمَا الله إِنِّي لأعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَه، وَأَيْنَ هُوَ؟ قال: فَلَبِسَني"، ومعنى: لبسنِي بالتخفيف؛ جعلني ألتبس في أمره وأشكّ فيه.
٢ ألم يقل نَبِيّ الله ﷺ: "إنّه يهودي"، هذا اللّفظ من رواية أخرى عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا في نفس الصّفحة ونصّها:
(عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: لي ابْن صائد - وأخذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ، هذا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لي وَلَكُم يا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ الله ﷺ: "إنّهُ يَهُودِيٌّ؟ "، وقد أَسْلَمْتُ. قال: "وَلاَ يُولَدُ لَهُ"، وقد وُلِدَ لِيَ، وقال: إِنّ الله حَرَّم عَلَيهِ مَكَّة" وقَدْ حَجَجْتُ، قال: فَمَا زَالَ حَتَّى كّادَ أن يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ. قال: فَقَالَ لَهُ، أَمّاَ والله إِنِّي لأعْلَمُ الآن حَيْثُ هُوَ وَأَعْرَفُ أباهُ وَأُمُّهُ. قال: وقيل لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ الرَّجُلُ؟ قال: فَقَال: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ".
وذمامة: بذال معجمة مفتوحة ثم ميم مخفّفة، أي: حياء وإشفاق من الذّمّ واللّوم.
ومعنى: "حتّى كاد أن يأخذ في قوله"، بتشديد ياء فيَّ. وقوله: مرفوع، وهو فاعل يأخذ، أي: يؤثّر فيَّ وأصدقه في دعواه.
(١٤٣) وله١ قول حَفْصَةَ لابن عمر: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنّه قد قال:
"إنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ على النّاس غَضَبٌ يَغْضَبُهُ".
(١٤٤) وله٢ عن أبي الدّرداء، أنّ نبيّ الله – ﷺ-قال:
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، ص: ٥٨.
قالته أم المؤمنين - حفصة ﵂ لعبد الله بن عمر - تذكيرًا له، وقد فعل مع ابن صياد ما أغضبه. انظر الحديث بأكمله في مسلم.
٢ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٦، فضل سورة الكهف ص: ٩٢.
"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ١ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ من الدّجّال ".
وفي رواية٢: "مِنْ آخر الْكَهْفِ".
(١٤٥) وله٣ عن عمرو بن ثابت: عن الصّحابة مرفوعًا:
"تَعَلَّمُوا٤ أَنَّه لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِّنْكُم رَبَّه حَتَّى يَمُوتَ".
_________
١ في صحيح مسلم: "مَن حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف) بزيادة لفظ: أوّل.
٢ ذكرها النّووي في شرحه للحديث السّابق ج ٦، ص: ٩٣.
قيل: سبب ذلك ما في أوّلها من العجائب والآيات، فمَن تدبّرها لم يفتن بالدّجّال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، [الكهف، من الآية: ١٠٢] .
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ابن صياد، ص: ٥٥، والرّاوي للحديث عمر ثابت، لا عمرو، ولفظ الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال يوم حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: "أنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ، أو يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وقال: تَعَلَّمُوا أنَّهُ ... " الحديث.
٤ "تعلَموا"، اتّفق الرّواة على ضبط تعلموا بفتح العين واللام المشدّدة، قالوا: ومعناه: اعلموا. (وبعدها كلمة مطموسة) .
(١٤٦) وله١ عن ابن عمر عن النّبيّ – ﷺ-قال:
"لتقاتلنّ اليهود، فَلْتَقْتُلَنَّهم حتّى يقول الْحَجَرُ: يا مسلم! هذا يَهُودِيٌّ، فتعال فَاقْتُلْهُ".
وفي رواية: "إلاّ الْغَرْقَدَ٢؛ فَإِنَّهُ من شجر اليهود". رواه من حديث أبي هريرة.
(١٤٧) وقال ابن ماجه٣: ثنا عليُّ بن محمّد ثنا عبد الرّحمن الْمَحَارِبِيّ عن إسْمَاعيلَ بن رافعٍ أبي رافعٍ، عن أبي عمرو الشّيبانِي – زرعة٤، عن أبي أُمَامة٥.
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، كتاب الفتن، ج ١٨، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكانه، ص: ٤٤.
٢ "الفرقد"، نوع من شجر الشّوك، معروف ببلاد بيت المقدس.
وقال أبو حنيفة الدّينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة.
٣ سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتَن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٩، وما بعدها،
٤ في سنن ابن ماجه: عن أبي زرعة الشّيباني، يحيى بن أبي عمر.
٥ في سنن ابن ماجه: "عن أبي أمامة الباهلي".
قال: خطبنا رسول الله – ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناه١ وحذرناه، وكَانَ مِنْ قوله أنّ قال: "إنّه لَمْ تَكُن٢ فِتْنَةٌ فِي الأرض مُنْذُ ذَرَأَ الله آدم - صلّى الله عليه وسلّم٣- أعظم من فِتْنَةِ الدَّجَّال، وإنّ الله ﷿ ـ٤ لم يبعث نبيًّا إلاّ حذّر أمّته الدّجّال. وأنا آخر الأَنْبِيَاء. وأنتم آخر الأمم، وهو خارج عليكم٥ لا مَحَالَة؛ فإن٦ يَخرج وأنا بَيْن ظَهْرانَيْكم فأنا حجيجُ كلِّ مسلم٧، وإن يَخرج من بعدي فكلٌّ حجيجٌ بنفسه٨، والله خليفتِي على كلّ مسلم، وإنّه يَخرج من خلّة بين الشّام والعراق، فَيعيثُ يَمِينًا ويَعِيث
_________
١ في سنن ابن ماجه: "حدّثناه عن الدّجّال".
٢ في سنن ابن ماجه: "إنّه لم تكن فتنة"، بالتّاء بدل الياء.
٣ في سنن ابن ماجه: "منذ ذرأ الله ذريّة آدم".
٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٥ في سنن ابن ماجه: "وهو خارج فيكم".
٦ في سنن ابن ماجه: "وإن يخرج" بالواو.
٧ في سنن ابن ماجه: "فأنا حجيج لكّ مسلمٍ".
٨ في سنن ابن ماجه: "فكلّ امرئٍ حجيج نفسه".
شَمالًا. يا عباد اللهَ! أيّها النّاس١! فاثبتوا؛ فإنِّي سَأَصِفُهُ لكم صِفَةً. لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاه نَبِيُّ قبلي ... إنّه يبدأ فيقول: أنا نِبِيٌّ وإنه لا نَبِيَّ بعدي٢. ثمّ يَنْثَنِي٣ فيقول: أنا ربّكم ولا ترون ربّكم حتّى تَمُوتوا، وإنّه أعور. وإنّ ربّكم – ﷿-٤ ليس بأعور، وإنّه مكتوبٌ بَيْن عينيه: كافرٌ، يقرؤه كلّ مُؤْمِنٍ: كاتبٌ وغير كاتبٍ٥، وإنّ مِن فِتْنَته أنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونارًا٦، فَمَنْ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَعِذْ٧ بالله، وليقرأ فَوَاتِيحَ الْكَهف؛ فتكون عليه بردًا وسلامًا. كما كانت٨ على إبراهيم – ﵇–٩ وإنّ مِنْ فِتْنَته: أنْ يقُولَ لأعْرَابِيٍّ:
_________
١ لا توجد جملة: "أيها النّاس"، في سنن ابن ماجه.
٢ في سنن ابن ماجه: "ولا نَبِي بعدي"، بدون لفظ: إنّه.
٣ في سنن ابن ماجه: "ثم يثني فيقول".
٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٥ في سنن ابن ماجه: "كاتب أو غير كاتبٍ)، بأو بدل الواو.
٦ في سنن ابن ماجه: "بعد هذه الجملة: "فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُه نارٌ".
٧ في سنن ابن ماجه: "فليستغث".
٨ في سنن ابن ماجه: "كما كانت النّار على إبراهيم".
٩ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
أَرَأَيْتَ إن بَعَثت لك أَبَاكَ وأُمُّكَ، أَتَشْهَدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول: نَعَم. فَيَمْثُل١ له شيطانان في صورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بُنَيّ! اتَّبِعهُ، فإنّه ربّك. وإنّ من فتنته أن يسلِّط على نفسٍ واحدةٍ يقتلها ينشرها بِالْمِنْشَار٢؛ حتّى يُلْقَي شَقَّتَيْن، ثُمّ يقول: انظروا إلى عبدي: فإنّه أبعثه الآن٣، ثمّ يَزْعمُ أن له ربًّا غيري. فبعثه الله تعالى فيقول له الخبيث: من ربّك فيقول: ربِّي الله، وأنت عدو الله، أنت الدّجّال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك منِّي الْيَومَ".
قال أبو الحسن الطَّنَافَسِي: فحدثنا الْمَحَارِبِي. ثنا عبيد الله بن الوليد الوصّافيّ عن عطيّة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله – ﷺ: "ذلك الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّة ".
_________
١ في سنن ابن ماجه: "فيتمثل له شيطانان".
٢ في سنن ابن ماجه: "فيقتلها وينشرها بالمنشار".
٣ في سنن ابن ماجه: "انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن".
قال أبو سعيد: ما كنّا١ نُرَى ذلك الرّجل إلاّ عُمر ابن الخطّاب – رضي الله عنه٢ – حتّى مضى لسبيله.
قال الْمحاربيّ: ثمّ رجعنا إلى حديث أبي رافع قال:
وإنّ مِنْ فِتْنَته أَن يَأْمُرَ السَّمَاءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، ويَأْمُرَ الأرضَ أنْ تُنْبِتَ فَتَنْبِتَ.
وإنّ من فتنته أن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيكَذِّبُوهُ٣، فَلاَ تَبقَى لَهُم سَائمَةٌ إِلاَّ هَلَكَت.
وَإِنَّ مِن فِتْنَتِهِ أَن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فيصدِّقوه٤، فيَأْمُرُ السّماءَ أَنْ تُمْطرِ فَتُمطر، والأرض٥ أن تُنْبت فَتُنْبت؛ حتّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت
_________
١ في سنن ابن ماجه: "والله ما كنا نرى"، بزيادة القسم.
٢ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٣ في سنن ابن ماجه: "وإن من فتنته أن يمر بالحيّ فيكذبونه! ".
٤ في سنن ابن ماجه: "فيصدّقونه" بالنّون.
٥ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض".
وأعظمه، وأمّده خواصر، وأدرّه ضروعًا، وإنّه لا يبقى شيء من الأرض إلاّ وَطِئَه وَظَهَر عليه إلاّ مكّة والْمدينة؛ فإنّه لا١ يَأْتِيهما من نَقْبٍ مِنْ نقَابِهما إلاّ لَقِيَتْهُ الْمَلائكةُ بالسُّيُوفِ صَلْتَةً٢؛ حتّى يَنْزِلَ عند الظّريب٣ الأَحْمَر، عند منْقَطَع السَّبْخَة٤. فَتَرجفُ٥ الْمَدينة بأهلها ثلاث رَجْفَاتٍ، فلا يَبْقَى منافقٌ، ولا مُنَافِقَةٌ إلاّ خَرج إليه فَتَنْفِي الْخَبَثَ٦ منها كما ينفي الكيْرُ خَبَثَالْحديدِ، ويدعى ذلك اليوم يوم الْخَلاَص".
_________
١ في سنن ابن ماجه: "لا يأتيهما من نقب"، بدون لفظ: فإنّه، والنّقب: الطّريق بين جبلين.
٢ "صلته"، أي: مجرّدة، يقال: أصلت السّيف، إذا جرّده من غمده، وضربه بالسّيف صَلْتًَا وصُلْتًا.
٣ "الظّريب"، تصغير ظربٍ، بوزن كتف، والظّراب: الجبال الصّغار.
٤ "السّبخة"، هي: الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشّجر.
٥ "فترجف"، أصل الرّجف: الحركة والاضطراب، أي: تتزلزل وتضطرب.
٦ "الخبث" هو: ما تلقيه النّاس من وسخ الفضّة والنّحاس وغيرهما إذا أُذيبا.
فقالت أم شريك بنت أبي العَكَر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هُمْ قَلِيلٌ، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجلٌ صالحٌ، قد١ تقدّم يصلِّي بِهم الصّبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصّبح. فرجع ذلك الإمام ينكص٢: يمشي الْقَهْقَرَى، ليتقدّم عيسى – ﵇-٣ يصلِّي بالنّاس. فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثمّ يقول له: تقدّم فصلِّ. فإنّها لك أقيمت. فيصلِّي بهم إمامهم. فإذا انصرف، قال عيسى – ﵇ افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدّجّال، معه سبعون ألف يهوديٌّ. كلّهم ذو سيف محلّى وساجٍ٤؛ فإذا نظر إليه الدّجّال ذاب
_________
١ في سنن ابن ماجه: "فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم".
٢ "ينكص" النّكوص: الرّجوع إلى الوراء، وهو القهقري.
٣ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
٤ "وساج" السّاج: هو الطّيلسان الأخضر، وقيل: الطّيلسان المقور، ينسج كذلك.
كما يذوب الملح في الماء، وانطلق١ هاربًا، ويقول عيسى – ﵇: إنّ لي فيك ضربة لن تَسبِقَنِي بها٢، فيدركه عند باب لُدٍّ٣ الشّرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود، ولا يبقى شيء٤ ممّا خلق الله يتوارى به يهوديٌّ إلاّ أنطق الله ذلك الشّيء، لا حجر ولا شَجَر ولا حَائِطَ ولا دَابَّة "إلاّ الْغَرْقَدَ فَإنَّه مِنْ شَجَرِهم لا ينطق) ٥ إلاّ قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهوديٌّ؛ فتعال فأقتله" ٦.
قال رسول الله – ﷺ:
"وإنَّ أَيَّامَهُ
_________
١ في سنن ابن ماجه: "وينطلق هاربًا" بالمضارع.
٢ "لن تسبقنِي بها"، أي: لن تفوّتها عليَّ.
٣ في سنن ابن ماجه: "باب اللّدّ الشّرقي"، في النّهاية: لدّ، موضع بالشّام، وقيل: بفلسطين.
٤ في سنن ابن ماجه: "فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيءٌ"، بالفاء في الجملتين.
٥ في سنن ابن ماجه: "إلاّ الغرقدة، فإنّها من شجرهم لا تنطق". بالتّأنيث.
والغرقدة: هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشّوك.
٦ في سنن ابن ماجه: "فتعال اقتله" بدون الفاء مع لفظ: اقتله.
أربعون سنة، السّنة كنصف السّنة، والسّنة كالشّهر، والسّنة١ كالْجمعة. وآخر أيّامه كالشَّرَرَةِ٢، يصبح أحدكم على باب الْمدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمْسِيَ"، فقيل له: يا رسولَ الله! كيف نصلِّي في تلك الأيّام القِصَار؟ قال: "تُقَدِّرُون فيها الصّلاةَ، كما تُقَدِّرُونَها في هذه الأيام الطِّوال، ثُمّ صَلُّوا".
قال رسول الله – ﷺ:
"فَيَكُونُ عيسى٣ – ﵇ – في أمّتي حكمًا٤ عدلًا، وإمامًا مُنْشِطًا: يَدُقُّ٥ الصَّلِيبَ، ويَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ٦
_________
١ في سنن ابن ماجه: "والشّهر كالجمعة".
٢ "كالشّررة": واحدة الشّرر، وهو ما يتطاير من النّار.
٣ في سنن ابن ماجه: "فيكون عيسى بن مريم ﵇".
٤ "حكمًا أي: حاكمًا بين النّاس ومقسطًا"، أي: عادلًا في الحكم.
٥ يدقّ الصّليب، أي: يكسره بحيث لا يبقى من جنس الصّليب شيءٌ.
٦ "ويذبح الخنْزير"، أي: يحرم أكله أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحدٌ، والحاصل أنّه يبطل دين النّصارى.
ويضع الْجِزْيَةَ١. ويَتْرُكُ الصَّدَقَةَ٢، فلا يسعى على شارةٍ ولا بعير، وتُرْفَعُ الشَّحنَاءُ والتَّبَاغُض، وتَنْزع حمَة٣ كلِّ ذات حمة، حتّى يدخل الْوليد يده في الْحَيَّة، فلا تضرّه، وتُفرُّ٤ الوليدة الأسد، فلا يضرها، ويكون الذِّئب في الغنم كأنّه كلبها. وتُمْلأُ الأرض مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلأُ الإِنَاءُ من الْمَاءِ، وتكون الْكَلْمَةُ واحِدَةً، فلا يعبد إلاّ الله، وتَضَعُ الْحَربُ أَوْزَارَها، وتُسْلَب قريشٌ ملْكَها، وتكون الأرض كَفَاثُور٥ الفضّة، تنبت نباتها بعهد آدم – ﵇ ـ٦
_________
١ "ويضع الجزية"، أي: لا يقبلها من أحدٍ من الكفرة، بل يدعوهم إلى الإسلام.
٢ "ويترك الصّدقة"، أي: الزّكاة، لكثرة الأموال، فلا يسعى. قال في النّهاية: أي: يترك زكاتها فلا يكون لها ساعٍ.
٣ "حمة" بالتّخفيف: السّمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأنّ السّمّ منها يخرج.
٤ "وتفرّ" أي: تحمله على الفرار.
٥ "كفاثور الفضّة"،الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضّةٍ أو ذهبٍ.
٦ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
حتّى يَجْتَمِعَ النَّفَر على الْقِطف١ من الْعِنَب فَيشْبعَهُم، ويَجْتَمِع النَّفَر على الرُّمَّانَة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا: من المال، وتكون الَفَرس بالدُّرَيْهِمَاتِ".
قيل: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال:
"لا تركَب لِحَرٍب أَبَدًا" فقيل له: وما٢ يغلي الثّور؟ قال: "تُحرثُ الأرض كُلُّها. وإنَّ قبلَ خُروجِ الدّجّال ثلاثَ سَنَواتٍ شِدَاٍد، يصيب النّاس فيها جُوعٌ شَدِيدٌ، فيأمر٣ الله السّماء في السّنة الأولى أن تَحْبِسُ ثُلُثَ مَطَرِها، ويأمر الأرض أن٤ تَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِها، ثُمّ يأمر الله السّماء في السّنة الثّانية٥، فتَحْبِسُ ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ ثلثي نباتِها، ثمّ يأمر الله السّماء في السّنة
_________
١ "القطف" العنقود، وهو اسم لكلّ ما يقطف.
٢ في سنن ابن ماجه: "فما يغلي" بالفاء.
٣ في سنن ابن ماجه: "يأمر الله السّماء"، بدون الفاء.
٤ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض فتحبس" بدون لفظ أن.
٥ في سنن ابن ماجه: "ثم يأمر السّماء في الثّانية) بدون لفظي: الله، السّنة.
الثّالثة، فتَحْبِسُ مطرها كلّه، فلا تقطر قطرة١، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ نباتِها٢، فلا تنبت خضراء، ولا يَبْقَى ذات ظلْفٍ إلاّ هلك٣، إلاّ ما شاء الله".
فقيل: فما يعيش النّاس في ذلك الزّمان؟ قال: "التَّهْلِيل والتَّكْبِير والتَّسْبِيح والتَّحْمِيد، ويَجري ذلك عليهم مجري الطّعام.
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطّنافسيّ يقول: سمعت عبد الرّحمن الْمحاربِيّ يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدِّب، حتّى يعلِّمه الصِّبيان في الكتّاب.
_________
١ "فلا تقطر قطرة" في المصباح، يتعدّى، ولا يتعدى، هذا قول الأصمعي.
وقال أبو زيد: لا يتعدى بنفسه، بل بالألف.
٢ في سنن ابن ماجه: "فتحبس نباتها كلّه"، بزيادة لفظ التّأكيد.
٣ في سنن ابن ماجه: "فلا تبقى ذات ظلفٍ إلاّ هلكت"، بالتّأنيث.
والظّلف: هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظّبي، بِمَنْزلة الحافر للفرس.
Translation
باب: قصة الجساسة
#19
Chapter 19 — باب: نزول عيسى ﵊
· ref. #19
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
باَبُ نُزُولِ عِيسَى١ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ
_________
١ يُسَمّى عيسى ﵊ بالمسيح.
وقد اختلف العلماء في سبب تسميته مسيحًا.
قال الواحدي: ذهب أبو عبيد واللّيث: إلى أنّ أصله بالعبرانية مشيحًا، فعرّبته العرب وغيّرت لفظه كما قالوا: موسى، وأصله: موشى، أو ميشا بالعبرانية، فلما عرّبوه غيّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له.
قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنّه مشتقٌ، وكذا قال غيره: إنّه مشتق على قول الجمهور، ثم اختلف هؤلاء.
فحكى عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: لأنّه لم يمسح ذا عاهة إلاّ بُرِئَ.
وقال إبراهيم وابن الأعرابي: المسيح: الصّديق.
وقيل: لأنّه ممسوح أسفل القدمين، لا أخمص له.
وقيل: لمسح زكريا إيّاه.
وقيل: لمسحه الأرض، أي: قطعها.
وقيل: لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحًا بالدّهن.
وقيل: لأنّه مسح بالبركة حين وُلدِ.
وقيل: لأنّ الله تعالى مسحه، أي: خلقه خلقًا حسنًا.
وقيل: غير ذلك. والله أعلم. اهـ. نووي.
ونزول عيسى ﵊ حقّ عند جمهور المحدِّثين والمفسِّرين والفقهاء، وقد جاء به كثير من الأحاديث الصّحيحة
......................................
_________
في كتب السّنة، كما جاء به القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩] .
قال ابن كثير: قال ابن جرير: أولى الأقوال بالصّحّة في تفسير هذه الآية: أنّه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵊ إلاّ آمن به قبل موت عيسى ﵊، ثم قال ابن كثير: ولا شكّ أنّ هذا الذي قاله ابن جرير هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم مَن سلم لهم من النّصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله: أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شبّه لهم فقتلوا الشّبه وهم لا يتبيّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنّه باقٍ حيٌّ، وإنّه سيَنْزِلُ قبل يوم القيامة، كما دلّت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضّلالة ويكسّر الصّليب، ويقتل الْخِنْزِير، يضع الجزية - يعني: لا يقبلها من أحدٍ من أهل الأديان بل لا يقبل إلاّ الإسلام أو السّيف ـ، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلّف عن التّصديق به واحدٌ منهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩] .
أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السّماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأمّا مَن فَسَّر هذه الآية بأنّ المعنى أنّ كلّ كتابي لا يموت حتّى يؤمن بعيسى أو بمحمّدٍ - عليهما الصّلاة والسّلام ـ.
فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كلّ أحدٍ عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، [النّساء، من الآية: ١٨] .
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
..............................................................................................
_________
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾، [غافر، الآيتان: ٨٤-٨٥] .
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم ج ٢، ص: ١٨٩، بشرح النّووي، يقول أبو هريرة بعد أن روى حديث نزول عيسى هذا، واقرؤوا إن شئتم:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩]، وفيه دلالة ظاهرة على أنّ مذهب أبي هريرة في الآية أنّ الضّمير في موته يعود على عيسى ﵊ كما ذكر، والرّاوي أعرف بما رواه.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾، [آل عمران، من الآية: ٤٦] .
يقول ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية ص: ٢٧٢، ج ٣، نقلًا عن ابن زيد، يقول في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾، [آل عمران، من الآية: ٤٦]، قال: وقد كلّمهم عيسى في المهد، وسيكلّمهم إذا قتل الدّجّال وهو يومئذٍ كهل، يعني: كما أنّ كلامه في المهد آية ومعجزة يكون كلامه كهلًا، ولا يكون كهلًا آية، إلاّ بعد نزوله وقتله الدّجّال كما صرّحت بذلك الأحاديث.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، [الزّخرف، من الآية: ٦١] .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "الصّحيح أنّ الضّمير عائد على عيسى ﵊ فإنّ السّياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة.
ويؤيّد هذا المعنى القراءة الأخرى: [وَإِنَّه لَعَلَمٌ للسَّاعة]، أي: أمارة ودليل على وقوع السّاعة.
قال مجاهد: "وإنّه لعلم للساعة، أي: آية للسّاعة خروج عيسى بن مريم ﵊ قبل يوم القيامة.
...................................................................................................
_________
وهكذا روى عن أبي هريرة وابن عبّاس وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنّه أخبر بِنُزُول عيسى ﵊ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحَكَمًا مقسطًا.
وليس المراد بِنُزُول عيسى ﵊ إنّه يَنْزِل بشرية متجدّدة غير شريعة نبيّنا محمّد ﷺ، وإنّما نزل مقرِّرًا لهذه الشّريعة، ومجدِّدًا لها؛ إذ هي آخر الشّرائع، ومحمّد ﷺ آخر الرّسل.
قال الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٤٠] .
وقال ﷺ: "لا نَبِيَّ بَعدي".
وقال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى دارًا فأكلمها وأحسنها إلاّ موضع لبنة، فكان مَن دخلها ونظر إليها قال: ما أحسنها إلاّ موضع هذه اللّبنة! فأنا موضع هذه اللّبنة ختم بي الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام ـ. رواه أبو داود الطّيالسي، ورواه الخباري ومسلم والتّرمذي إلى غير ذلك من الأحاديث.
وأجمع المسلمون على أنّه لا نبي بعد نَبِيّنا محمّدٍ ﷺ، وأنّ شريعته مؤبّدة إلى يوم القيامة.
والحكمة في نُزُول عيسى ﵊ دون غيره من الأنبياء: الرّدّ على اليهود في زعمه: أنّهم قتلوه، فبيّن الله تعالى كذبّهم، وأنّه الذي يقتلهم.
أو نُزُوله لدنوّ أجله ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التّراب أن يموت في غيره.
وقيل: إنّه دعا الله - لما رأى صفة محمّدٍ وأمّته - أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتّى يَنْزِلَ في آخر الزّمان مجدِّدًا الأمر الإسلام، فيوافق خروج الدّجّال فيقتله، والأوّل أوجه.
(١٤٨) ولِمسلم١: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"ليَنْزِلَنّ٢ ابن مريم حكمًا عادلًا، فَلَيَكسرَنّ الصّليبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ولَيَتْرُكَنَّ الْقَلاَئِصَ٣، فلا يسعى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم، ص: ١٩٢.
٢ في صحيح مسلم: "والله لَيَنْزِلَن" بالقسم.
٣ في صحيح مسلم: "ولتُتْركَن القلاص"، والقلاص جمع القلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النّساء والحدث من الرّجال، ومعناه: أن يزهد فيها ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال، وقلّة الآمال وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنّما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل، التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، [التّكوير: ٤] .
ومعنى: لا يسعى إليها: لا يعتني بها، أي: يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها. هذا هوا الظّاهر، وقال القاضي عياض وصاحب المطالع - رحمهما الله ـ: معنى لا يسعى عليها، أي: لا تطلب زكاتها؟ إذ لا يوجد مَن يقبلها.
الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ والتَّحَاسُدُ، ولَيَدُعُوَنَّ١ إلى الْمال فلا يقبله أحد".
(١٤٩) وعنه٢، قال رسول الله – ﷺ:
"كَيْفَ أنتم إذا نزل ابن مريم فِيْكُم، وإِمَامُكم منكم؟ ".
(١٥٠) وفي رواية٣: "فأَمكُم مِنْكُم".
_________
١ "وليدعون"، بضمّ العين وفتح الواو وتشديد النّون، وإنّما لا يقبله أحد لما ذكر من كثرة الأموال، وقصر الآمال، وعدم الحاجة، وقلّة الرّغبة، للعلم بقرب السّاعة.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم ﵊ ص: ١٩٣.
٣ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم ﵊ ص: ١٩٣.
ولفظ الحديث:"كَيْفَ أَنْتُم إذا نَزَلَ فِيكُم ابنُ مريَمَ فَأمّكُم مِنْكُم"،ص:١٩٣.
قال ابن أبِي ذئب: تدري ما: فأمكم١ منكم؟ قلت: تُخْبِرُنِي. قال: فأمّكم بكتاب ربِّكم٢ وسنّة نبيِّكم ﷺ.
(١٥١) ولأحمد٣ في المسند عن عائشة. قال رسول الله – ﷺ:
"يَخْرج الدّجّالُ، فَيَنْزِلُ عيسى بن مريم فَيَقْتُلُه، ثُمّ يَمْكُثُ فِي الأرض أَربَعِيْن سنةً إمامًا عادلًا، حكمًاَ مقسطًا".
_________
١ في صحيح مسلم: "تدري ما: أمكم منكم؟ "، بدون الفاء.
٢ في صحيح مسلم: "بكتاب ربّكم ﵎".
٣ مسند الإمام أحمد - الجزء السّادس - ص: ٧٥، ولفظ الحديث: عن عائشة ﵂ قالت: دَخلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، وأنا أبكي، فقال: "مَا يُبْكِيكِ؟ "، قلت: يا رسولَ الله! ذكرت الدّجّال، فَبَكَيْتُ.
فقال رسولُ الله ﷺ: "إِن يَخْرُج الدَّجَّالُ وأنا حَيٌّ كَفَيْتُكُمُوهُ، وإِن يَخْرُجِ الدَّجَّال بَعْدِي، فإنَّ رَبَّكُم ﷿ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، إِنَّهُ يَخْرُجُ فِي يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ حَتَّى يَأتِيَ الْمَدِينَةَ، فَيَنْزِلَ نَاحِيَتَهَا، وَلَهَا يَوْمِئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ ثُقبٍ مِنْهَا مَلَكَان، فَيَخْرُجُ إِلَيهِ شِرَارُ أَهْلِهَا، حَتَّى يَأْتِي فلسطينَ - باب لُدٍّ - فَيَنْزِل عِيسَى ﵇ فَيَقْتُلُه ثُمَّ يَمْكُثُ عيسى ... " الحديث.
(١٥٢) وله١: في الزّهد: عن أبي هريرة. قال:
"يَلْبَثُ عيسى في الأرض أربعين٢ لو يقول للبطحاء: سيري٣ عسلًا لكانت".
(١٥٣) وللحاكم في المستدرك٤ عن ابن ميعود عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"بَيْنَ أُذُنَي الدّجّال أربعون ذراعًا".
وذكر الحديث إلى أن قال:
"ويَنْزِلُ عيسى بن مريم فيقتله، فَيُمَتَّعُوا أربعين
_________
١ المعجم الصّغير للطّبراني، ج ٢، ص: ٢١١، وقد نسبه للإمام أحمد في الزّهد.
٢ في المعجم: "أربعين سنة".
٣ في المعجم: "سيلي عسلا لسالت"، باللام في الفعل بدل الرّاء، وبالفعل لسالت بدل: لكانت.
٤ لم نجد الحديث في مكانه في المستدرك للحاكم، إلاّ الجزء الأوّل منه في حديثٍ لجابرٍ ولفظه:
"وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا"، ج ٤، كتاب الفتن، ص: ٥٣٠.
وقد ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١١، ونسبه كذلك إلى الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود، وأوّله: "بين أذني حمار الدّجّال"، مع اختلاف في الألفاظ.
سنة، لا يَمُوت أحد منهم، فارعوا، وتمرّ الماشية بين الزَّرعين، لا تأكل منه سنبلةً واحدةً، والْحيّات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسِّباع على أبواب الدور لا يؤذُون أحدًا. ويأخذ الرّجل الْمُدَّ الْقَمح فَيبذُرُهُ بلا حرثٍ، فَيَجِيء منه سبعمائة مُدٍّ، فيمكُثُون في ذلك حتّى يكسر سدٌّ يَأْجُوج ومَأْجُوج، فيمرحون ويفسدون، فيبعث الله دابّة من الأرض، فتدخل في آذانِهم، فيصبحون موتى أجْمعين. وتَنْتُنُ الأرض منهم، فيؤذون النّاس بِنَتنهم، فيستَغيثُون بالله، فيبعث الله ريحًا يمانية غبْرًا، وتكشف ما بهم بعد ثلاثة، وقد قذفت جيفهم في البحر، ولا يَلبثُون إلاّ قليلًا حتّى تطلع الشّمس من مغربِها".
(١٥٤) وله١ فيه أيضًا في المختارة عن
_________
١ المستدرك للحاكم ج ٤، كتاب الفتن والملاحم، ص: ٤٥٧. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
بريدة. قال رسول الله – ﷺ:
"إنّ لله تعالى ريْحًا يبعثُهَا على رأس مائة سنةٍ، تَقْبُضُ روح كلِّ مُؤْمنٍ".
(١٥٥) ولابن أبي شيبة: عن١ ابن عمرو: أنّه قال لرجلٍ من أهل العراق:
هل تَعْرِفُ أرضًا فيكم كثيرة السِّباخ، يُقَالُ لَها كُوثَي. قلت: نعم. قال:
"مِنْها يَخْرجُ الدّجّالُ".
ثمّ قال٢:
"إنّ الأشْرَارَ بعد الأخيار عشرين
_________
١ ذكره الإمام عبد الرّزّاق الصّنعاني في مصنّفه ج ١١، ص: ٣٩٥، باب الفتن حديث رقم: (٢٠٨٢٩)، مع اختلاف في اللّفظ، ورواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، باب ذكر مدّة مكث النّاس بعد طلوع الشّمس من مغربها ص: ٢١٢، غير أنّه قال عن عبد الله بن عُمَرَ.
٢ هذا تتمة لكلام ابن عمرو، وقال الطّبراني: أخرجه بن حماد في الفتن.
ومائة سنةٍ. لا ندري أحد من النّاس متى يدخل أوّلها؟ ".
وقال١: ثنا وكيع: عن إسماعيل: عن خثيمة.
قال: يَبْقَى النّاس بعد طلوع الشّمسِ من مغربِها عشرين ومائة سنة.
(١٥٦) وقال: عبد٢ بن حميد: نا يزيد بن هرون: نا إسْمَاعيل بن أبي خالد: سمعت أبا خيثمة يحدِّث عن عبد الله بن عمرو. قال:
"يَبْقَى النّاس بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها عشرين ومائة سنة".
_________
١ ذكره كذلك الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٣١٣، وقال كذلك عن عبد الله بن عُمَر، وأوّل الحديث:"يمكثُ"بدل:"يبقى".ونسبه إلى ابن أبي شيبة.
٢ ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١٣، باب ذكر مدّة مكث الناس بعد طلوع الشّمس من مغربها، غير أنّه قال: عن عبد الله بن عُمَرَ، ثم قال: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.
(١٥٧) ولأبِي نعيمٍ١: عن عبسة بن عمرو. قال:
لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتّى تَعْبُدَ الْعَرَبَ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ آباؤها عشرين ومائة سنة، بعد نزول عيسى بن مريم.
وللحاكم: عن بريدة: مرفوعًا: معناه.
_________
١ ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١٣، نفس الباب قال:
أخرج نعيم عبن عبد الله بن عُمَرَ، قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ الْعَرَبُ مَا كانت تَعْبُدُ آباؤها عَشْرين ومَائَةَ عامٍ بَعْدَ نُزُولِ عيسى بْنِ مريم وبَعْدَ الدّجّال"، بزيادة قوله: "وبعد الدّجّال"، وبلفظ: "عامٍ"، بدل: "سنة".
_________
١ يُسَمّى عيسى ﵊ بالمسيح.
وقد اختلف العلماء في سبب تسميته مسيحًا.
قال الواحدي: ذهب أبو عبيد واللّيث: إلى أنّ أصله بالعبرانية مشيحًا، فعرّبته العرب وغيّرت لفظه كما قالوا: موسى، وأصله: موشى، أو ميشا بالعبرانية، فلما عرّبوه غيّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له.
قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنّه مشتقٌ، وكذا قال غيره: إنّه مشتق على قول الجمهور، ثم اختلف هؤلاء.
فحكى عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: لأنّه لم يمسح ذا عاهة إلاّ بُرِئَ.
وقال إبراهيم وابن الأعرابي: المسيح: الصّديق.
وقيل: لأنّه ممسوح أسفل القدمين، لا أخمص له.
وقيل: لمسح زكريا إيّاه.
وقيل: لمسحه الأرض، أي: قطعها.
وقيل: لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحًا بالدّهن.
وقيل: لأنّه مسح بالبركة حين وُلدِ.
وقيل: لأنّ الله تعالى مسحه، أي: خلقه خلقًا حسنًا.
وقيل: غير ذلك. والله أعلم. اهـ. نووي.
ونزول عيسى ﵊ حقّ عند جمهور المحدِّثين والمفسِّرين والفقهاء، وقد جاء به كثير من الأحاديث الصّحيحة
......................................
_________
في كتب السّنة، كما جاء به القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩] .
قال ابن كثير: قال ابن جرير: أولى الأقوال بالصّحّة في تفسير هذه الآية: أنّه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵊ إلاّ آمن به قبل موت عيسى ﵊، ثم قال ابن كثير: ولا شكّ أنّ هذا الذي قاله ابن جرير هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم مَن سلم لهم من النّصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله: أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شبّه لهم فقتلوا الشّبه وهم لا يتبيّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنّه باقٍ حيٌّ، وإنّه سيَنْزِلُ قبل يوم القيامة، كما دلّت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضّلالة ويكسّر الصّليب، ويقتل الْخِنْزِير، يضع الجزية - يعني: لا يقبلها من أحدٍ من أهل الأديان بل لا يقبل إلاّ الإسلام أو السّيف ـ، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلّف عن التّصديق به واحدٌ منهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩] .
أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السّماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأمّا مَن فَسَّر هذه الآية بأنّ المعنى أنّ كلّ كتابي لا يموت حتّى يؤمن بعيسى أو بمحمّدٍ - عليهما الصّلاة والسّلام ـ.
فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كلّ أحدٍ عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، [النّساء، من الآية: ١٨] .
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
..............................................................................................
_________
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾، [غافر، الآيتان: ٨٤-٨٥] .
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم ج ٢، ص: ١٨٩، بشرح النّووي، يقول أبو هريرة بعد أن روى حديث نزول عيسى هذا، واقرؤوا إن شئتم:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٥٩]، وفيه دلالة ظاهرة على أنّ مذهب أبي هريرة في الآية أنّ الضّمير في موته يعود على عيسى ﵊ كما ذكر، والرّاوي أعرف بما رواه.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾، [آل عمران، من الآية: ٤٦] .
يقول ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية ص: ٢٧٢، ج ٣، نقلًا عن ابن زيد، يقول في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾، [آل عمران، من الآية: ٤٦]، قال: وقد كلّمهم عيسى في المهد، وسيكلّمهم إذا قتل الدّجّال وهو يومئذٍ كهل، يعني: كما أنّ كلامه في المهد آية ومعجزة يكون كلامه كهلًا، ولا يكون كهلًا آية، إلاّ بعد نزوله وقتله الدّجّال كما صرّحت بذلك الأحاديث.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، [الزّخرف، من الآية: ٦١] .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "الصّحيح أنّ الضّمير عائد على عيسى ﵊ فإنّ السّياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة.
ويؤيّد هذا المعنى القراءة الأخرى: [وَإِنَّه لَعَلَمٌ للسَّاعة]، أي: أمارة ودليل على وقوع السّاعة.
قال مجاهد: "وإنّه لعلم للساعة، أي: آية للسّاعة خروج عيسى بن مريم ﵊ قبل يوم القيامة.
...................................................................................................
_________
وهكذا روى عن أبي هريرة وابن عبّاس وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنّه أخبر بِنُزُول عيسى ﵊ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحَكَمًا مقسطًا.
وليس المراد بِنُزُول عيسى ﵊ إنّه يَنْزِل بشرية متجدّدة غير شريعة نبيّنا محمّد ﷺ، وإنّما نزل مقرِّرًا لهذه الشّريعة، ومجدِّدًا لها؛ إذ هي آخر الشّرائع، ومحمّد ﷺ آخر الرّسل.
قال الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٤٠] .
وقال ﷺ: "لا نَبِيَّ بَعدي".
وقال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى دارًا فأكلمها وأحسنها إلاّ موضع لبنة، فكان مَن دخلها ونظر إليها قال: ما أحسنها إلاّ موضع هذه اللّبنة! فأنا موضع هذه اللّبنة ختم بي الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام ـ. رواه أبو داود الطّيالسي، ورواه الخباري ومسلم والتّرمذي إلى غير ذلك من الأحاديث.
وأجمع المسلمون على أنّه لا نبي بعد نَبِيّنا محمّدٍ ﷺ، وأنّ شريعته مؤبّدة إلى يوم القيامة.
والحكمة في نُزُول عيسى ﵊ دون غيره من الأنبياء: الرّدّ على اليهود في زعمه: أنّهم قتلوه، فبيّن الله تعالى كذبّهم، وأنّه الذي يقتلهم.
أو نُزُوله لدنوّ أجله ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التّراب أن يموت في غيره.
وقيل: إنّه دعا الله - لما رأى صفة محمّدٍ وأمّته - أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتّى يَنْزِلَ في آخر الزّمان مجدِّدًا الأمر الإسلام، فيوافق خروج الدّجّال فيقتله، والأوّل أوجه.
(١٤٨) ولِمسلم١: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"ليَنْزِلَنّ٢ ابن مريم حكمًا عادلًا، فَلَيَكسرَنّ الصّليبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ولَيَتْرُكَنَّ الْقَلاَئِصَ٣، فلا يسعى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ
_________
١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم، ص: ١٩٢.
٢ في صحيح مسلم: "والله لَيَنْزِلَن" بالقسم.
٣ في صحيح مسلم: "ولتُتْركَن القلاص"، والقلاص جمع القلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النّساء والحدث من الرّجال، ومعناه: أن يزهد فيها ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال، وقلّة الآمال وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنّما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل، التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، [التّكوير: ٤] .
ومعنى: لا يسعى إليها: لا يعتني بها، أي: يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها. هذا هوا الظّاهر، وقال القاضي عياض وصاحب المطالع - رحمهما الله ـ: معنى لا يسعى عليها، أي: لا تطلب زكاتها؟ إذ لا يوجد مَن يقبلها.
الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ والتَّحَاسُدُ، ولَيَدُعُوَنَّ١ إلى الْمال فلا يقبله أحد".
(١٤٩) وعنه٢، قال رسول الله – ﷺ:
"كَيْفَ أنتم إذا نزل ابن مريم فِيْكُم، وإِمَامُكم منكم؟ ".
(١٥٠) وفي رواية٣: "فأَمكُم مِنْكُم".
_________
١ "وليدعون"، بضمّ العين وفتح الواو وتشديد النّون، وإنّما لا يقبله أحد لما ذكر من كثرة الأموال، وقصر الآمال، وعدم الحاجة، وقلّة الرّغبة، للعلم بقرب السّاعة.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم ﵊ ص: ١٩٣.
٣ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٢، كتاب الإيمان، باب نُزول عيسى بن مريم ﵊ ص: ١٩٣.
ولفظ الحديث:"كَيْفَ أَنْتُم إذا نَزَلَ فِيكُم ابنُ مريَمَ فَأمّكُم مِنْكُم"،ص:١٩٣.
قال ابن أبِي ذئب: تدري ما: فأمكم١ منكم؟ قلت: تُخْبِرُنِي. قال: فأمّكم بكتاب ربِّكم٢ وسنّة نبيِّكم ﷺ.
(١٥١) ولأحمد٣ في المسند عن عائشة. قال رسول الله – ﷺ:
"يَخْرج الدّجّالُ، فَيَنْزِلُ عيسى بن مريم فَيَقْتُلُه، ثُمّ يَمْكُثُ فِي الأرض أَربَعِيْن سنةً إمامًا عادلًا، حكمًاَ مقسطًا".
_________
١ في صحيح مسلم: "تدري ما: أمكم منكم؟ "، بدون الفاء.
٢ في صحيح مسلم: "بكتاب ربّكم ﵎".
٣ مسند الإمام أحمد - الجزء السّادس - ص: ٧٥، ولفظ الحديث: عن عائشة ﵂ قالت: دَخلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، وأنا أبكي، فقال: "مَا يُبْكِيكِ؟ "، قلت: يا رسولَ الله! ذكرت الدّجّال، فَبَكَيْتُ.
فقال رسولُ الله ﷺ: "إِن يَخْرُج الدَّجَّالُ وأنا حَيٌّ كَفَيْتُكُمُوهُ، وإِن يَخْرُجِ الدَّجَّال بَعْدِي، فإنَّ رَبَّكُم ﷿ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، إِنَّهُ يَخْرُجُ فِي يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ حَتَّى يَأتِيَ الْمَدِينَةَ، فَيَنْزِلَ نَاحِيَتَهَا، وَلَهَا يَوْمِئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ ثُقبٍ مِنْهَا مَلَكَان، فَيَخْرُجُ إِلَيهِ شِرَارُ أَهْلِهَا، حَتَّى يَأْتِي فلسطينَ - باب لُدٍّ - فَيَنْزِل عِيسَى ﵇ فَيَقْتُلُه ثُمَّ يَمْكُثُ عيسى ... " الحديث.
(١٥٢) وله١: في الزّهد: عن أبي هريرة. قال:
"يَلْبَثُ عيسى في الأرض أربعين٢ لو يقول للبطحاء: سيري٣ عسلًا لكانت".
(١٥٣) وللحاكم في المستدرك٤ عن ابن ميعود عن النّبيّ – ﷺ – قال:
"بَيْنَ أُذُنَي الدّجّال أربعون ذراعًا".
وذكر الحديث إلى أن قال:
"ويَنْزِلُ عيسى بن مريم فيقتله، فَيُمَتَّعُوا أربعين
_________
١ المعجم الصّغير للطّبراني، ج ٢، ص: ٢١١، وقد نسبه للإمام أحمد في الزّهد.
٢ في المعجم: "أربعين سنة".
٣ في المعجم: "سيلي عسلا لسالت"، باللام في الفعل بدل الرّاء، وبالفعل لسالت بدل: لكانت.
٤ لم نجد الحديث في مكانه في المستدرك للحاكم، إلاّ الجزء الأوّل منه في حديثٍ لجابرٍ ولفظه:
"وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا"، ج ٤، كتاب الفتن، ص: ٥٣٠.
وقد ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١١، ونسبه كذلك إلى الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود، وأوّله: "بين أذني حمار الدّجّال"، مع اختلاف في الألفاظ.
سنة، لا يَمُوت أحد منهم، فارعوا، وتمرّ الماشية بين الزَّرعين، لا تأكل منه سنبلةً واحدةً، والْحيّات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسِّباع على أبواب الدور لا يؤذُون أحدًا. ويأخذ الرّجل الْمُدَّ الْقَمح فَيبذُرُهُ بلا حرثٍ، فَيَجِيء منه سبعمائة مُدٍّ، فيمكُثُون في ذلك حتّى يكسر سدٌّ يَأْجُوج ومَأْجُوج، فيمرحون ويفسدون، فيبعث الله دابّة من الأرض، فتدخل في آذانِهم، فيصبحون موتى أجْمعين. وتَنْتُنُ الأرض منهم، فيؤذون النّاس بِنَتنهم، فيستَغيثُون بالله، فيبعث الله ريحًا يمانية غبْرًا، وتكشف ما بهم بعد ثلاثة، وقد قذفت جيفهم في البحر، ولا يَلبثُون إلاّ قليلًا حتّى تطلع الشّمس من مغربِها".
(١٥٤) وله١ فيه أيضًا في المختارة عن
_________
١ المستدرك للحاكم ج ٤، كتاب الفتن والملاحم، ص: ٤٥٧. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
بريدة. قال رسول الله – ﷺ:
"إنّ لله تعالى ريْحًا يبعثُهَا على رأس مائة سنةٍ، تَقْبُضُ روح كلِّ مُؤْمنٍ".
(١٥٥) ولابن أبي شيبة: عن١ ابن عمرو: أنّه قال لرجلٍ من أهل العراق:
هل تَعْرِفُ أرضًا فيكم كثيرة السِّباخ، يُقَالُ لَها كُوثَي. قلت: نعم. قال:
"مِنْها يَخْرجُ الدّجّالُ".
ثمّ قال٢:
"إنّ الأشْرَارَ بعد الأخيار عشرين
_________
١ ذكره الإمام عبد الرّزّاق الصّنعاني في مصنّفه ج ١١، ص: ٣٩٥، باب الفتن حديث رقم: (٢٠٨٢٩)، مع اختلاف في اللّفظ، ورواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، باب ذكر مدّة مكث النّاس بعد طلوع الشّمس من مغربها ص: ٢١٢، غير أنّه قال عن عبد الله بن عُمَرَ.
٢ هذا تتمة لكلام ابن عمرو، وقال الطّبراني: أخرجه بن حماد في الفتن.
ومائة سنةٍ. لا ندري أحد من النّاس متى يدخل أوّلها؟ ".
وقال١: ثنا وكيع: عن إسماعيل: عن خثيمة.
قال: يَبْقَى النّاس بعد طلوع الشّمسِ من مغربِها عشرين ومائة سنة.
(١٥٦) وقال: عبد٢ بن حميد: نا يزيد بن هرون: نا إسْمَاعيل بن أبي خالد: سمعت أبا خيثمة يحدِّث عن عبد الله بن عمرو. قال:
"يَبْقَى النّاس بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها عشرين ومائة سنة".
_________
١ ذكره كذلك الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٣١٣، وقال كذلك عن عبد الله بن عُمَر، وأوّل الحديث:"يمكثُ"بدل:"يبقى".ونسبه إلى ابن أبي شيبة.
٢ ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١٣، باب ذكر مدّة مكث الناس بعد طلوع الشّمس من مغربها، غير أنّه قال: عن عبد الله بن عُمَرَ، ثم قال: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.
(١٥٧) ولأبِي نعيمٍ١: عن عبسة بن عمرو. قال:
لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتّى تَعْبُدَ الْعَرَبَ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ آباؤها عشرين ومائة سنة، بعد نزول عيسى بن مريم.
وللحاكم: عن بريدة: مرفوعًا: معناه.
_________
١ ذكره الطّبراني في المعجم الصّغير ج ٢، ص: ٢١٣، نفس الباب قال:
أخرج نعيم عبن عبد الله بن عُمَرَ، قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ الْعَرَبُ مَا كانت تَعْبُدُ آباؤها عَشْرين ومَائَةَ عامٍ بَعْدَ نُزُولِ عيسى بْنِ مريم وبَعْدَ الدّجّال"، بزيادة قوله: "وبعد الدّجّال"، وبلفظ: "عامٍ"، بدل: "سنة".
Translation
باب: نزول عيسى ﵊
#20
Chapter 20 — باب: في سكنى المدينة وعمارتها
· ref. #20
Ahadith fi al-Fitan wa-al-Hawadith
Arabic text
Aqeedah
بَابُ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَعِمَارَتِهَا قَبْلَ السّاَعَةِ
(١٥٨) ولِمسلم١ عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَاب. أو يهَاب" ٢.
قال زُهَيْرٌ: قلت لسُهَيْلٍ: وكم٣ ذاك من الْمدينة. قال: كذا وكذا ميلًا.
(١٥٩) ولأبِي داود٤ عن ابن عمر. قال رسول الله
_________
١ صحيح مسلم شرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل السّاعة ص: ٣٠.
٢ "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب"، أمّا إيهاب فبكسر الهمزة.
وأمّا يهاب فبياء مثناة تحت مفتوحة ومكسورة، والمشهور الأوّل، وهما اسم موضعٍ بقرب المدينة، يعني: أنّ المدينة تتوسع جدّا حتّى يصل مساكنها إلى ذلك الْموضع.
٣ في صحيح مسلم: "فكم ذلك".
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها ص: ٣٢٠.
ﷺ: "يوشِكُ١ الْمُسْلِمُون أن يُحَاصَرُوا إلى الْمدينة. حتّى يكون أبعد مسالِحهم سُلاحٌ" ٢.
قال الزّهريّ: وسلاحٌ قريب من خيبر.
(١٦٠) ولِمسلم٣: عن أبي هريرة: سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
_________
١ "يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة"، يحاصروا بالبناء للمجهول، أي: يحبسوا ويلتجئوا إلى مدينة النَّبِيّ ﷺ لمحاصرة العدوّ إيّاهم، أو يفرّ المسلمون من الكفار ويجتمعون بين المدينة وسلاح، أو أنّ بعضهم دخل في حصن المدينة، وبعضهم ثبتوا حواليها احتراسًا عليها.
٢ "أبعد مسالحهم سلاح"، مسالح جمع مسلحة، وأصله: موضع السّلاح، ثم استعمل للثّغر، وهو المراد هنا، أي: أنّ أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثّغور من العدوّ، وسلاح بضم السّين وفتحها: موضع أسفل خيبر.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ٩، كتاب الحجّ، باب في المدينة حين يتركها أهلها ص: ١٦٠.
وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٤، كتاب فضائل المدينة، باب مَن رغب عن الْمدينة، ص: ٨٩، مع اختلاف في اللّفظ.
يَتْرُكُون الْمدينةَ علَى خَيْرٍ مَا كانت، لا يَغْشَاهَا إلاّ العوافي١ – يريد عوافي السِّباع والطّير- يَخرج٢ راعيان من مزينة، يريدان الْمدينة. يَنعَقَان٣ بغنمها، فيجدانِها
_________
١ "لا يغشاها إلاّ العوافي"، العوافي، جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذّكر: عاف.
قال ابن الجوزي: "اجتمع في العوافي شيئان:
أحدهما: أنّها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلانًا أعفوه فأنا عاف والجمع: عفاة، أي: أثبت أطلب معروفه.
والثّاني: من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإنّ الطّير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه. شرح الفتح.
٢ في صحيح مسلم: "ثم يخرج"، بزيادة: ثم
وأمّا معنى الحديث: فالظّاهر المختار: أنّ هذا التّرك للمدينة يكون في آخر الزّمان عند قيام السّاعة، وتوضّحه قصة الرّاعيين من مزينة، فإنّهما يخران على وجوههما حين تدركهما السّاعة.
وهما آخر مَن يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري، وقد وقع عند مسلم بلفظ: "ثم يحشر راعيان".
٣ "ينعقان"، أي: يصيحان بغنمهما، فالنّعيق زجر الغنم.
وحشًا١؛ حتّى إذا بلغا ثنيّةالوداع خرًّا على وجوههما٢.
(١٦١) وروى عمر بن٣ منبِّه عن سُلَيْمَانَ بن الوليد ابن مسلم عن ابن لَهيعة عن أبي الزّبير، عن جابر عن عمر يقول: أنّه سَمع رسول الله – ﷺ يقول: "يَخْرجُ أَهلُ الْمدينة منها، ثمّ يَعُودُون إليها، فيعمرونَها حتّى تَمْتَلِئ. ثمّ يَخرُجون منها، فلا يَعُودُون إليها أبدًا ".
وله: من حديث أبي سعيد نحوه.
(١٦٢) وله٤: عن أبي هريرة. قال:
_________
١ "فيجدانها وحشا"، قيل: معناه: يجدانها خلاء، أي: خلية ليس بها أحد.
قال إبراهيم الحربي:"الوحش من الأرض: الخلاء، والصّحيح أنّ معناه: يجدانها ذات وحوش ويكون وحشًا بمعنى وحوشًا، وأصل الوحش: كلّ شيء توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش، وقد يعبّر بواحده عن جميعه، كما في غيره".
٢ "خرا على وجوههما"، أي: سقطا ميتين.
٣ لم أنجده في الأصول التي بين أيدينا.
٤ لم نجده فيما بين أيدينا من أصول.
والذي نفسي بيده لَيَكُونَنَّ بِالْمدينة مَلْحَمَةُ يُقَالُ لها الْحاَلِقَةُ، لا أقول: حَالقَةُ الشّعر، ولَكن حَالقَةُ الدِّين، فأخرجوا من الْمدينة ولو على قدر بريد".
(١٦٣) ولِمسلم١: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "والّذي نَفسي بيده لا تَذْهَبَ الدُّنيا حتّى يَمُرَّ الرَّجُلُ على القبر، فَيَتَمَرَّغُ عليه، ويقول: يا ليتنِي كنت مكان هذا القبر، وليس به الدِّين إلاّ البلاء".
(١٦٤) وله٢: عنه. قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمر الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص:٣٤.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، الباب السّابق، ص: ٣٥.
وصحيح البخاري بشرح الفتح، ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠.
"يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْن١ من الْحَبَشَة".
(١٦٥) وللبخاري٢: عن ابن عبّاس: عن النّبيّ – ﷺ قال: "كَأنِّي به أَسْوَدَ أَفْحَجَ٣ يَقْلَعُها حَجَرًا حَجرًا" ٤.
_________
١ "ذو السّويقتين"، هما: تصغير ساقي الإنسان، قال القاضي: "صغّرهما لرقّتهما، وهي صفة سوق السّودان غالبًا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]؛ لأنّ معناه: آمنًا إلى قرب القيامة وخراب الدّنيا، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا".
وقد قيل: ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشّام له إلى غير ذلك من الوقائع، وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]، لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله ﷺ: "ولن يستحلّ هذا البيت إلاّ أهله"، فوقع ما أخبر به النَّبِيّ ﷺ، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمن المذكور فيها".
٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠.
٣ "أسود أفحج"، أفحج بوزن أفعل بفاء ثم حاء ثم جيم، والفحج: تباعد ما بين السّاقين.
٤ "حجرًا حجرًا"، حال، كقولك: بَوَّبْتُه بابًا بابًا.
(١٦٦) وقال أبو١ عبيد: ثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسّان عن حفصة عن أبي العالية عن علي في حديث:
"اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذا الْبَيْتِ قبل أن يُحَالَ بَيْنَكُم وَبَيْنَه، وكَأَنِّي برجلٍ من الْحَبَشَةِ أَصْعَل٢، أَصْحَم، حَمشَ السّاقَيْن٣. قاعد عَلَيها وهي تُهدِم".
قال الأصمعي: أصعل كذا يروى: فأمّا كلام الْعَرَب فهو: صعل. بغير ألفٍ. وهو صغير الرّأس.
_________
١ ذكره ابن حجر في الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦١، نقلًا عن أبي عبيد في غريب الحديث بلفظٍ: "أصلع أو قال: أصْمع، وقال: ورواه الفاكهي من هذا الوجه بلفظٍ: أصعل بدل أصلع، وهو الموافق لما في المخطوطة.
٢ "أصعل"، الأصعل: الصّغير الرّأس، والأصمع: الصّغير الأذنين، والأصلع: مَن ذهب شعر مقدم رأسه.
٣ "حمش السّاقين"، حمش: بحاء مهملة، وميم ساكنة ثم معجمة، أي: دقيق السّاقين وهو موافق لرواية أبي هريرة السّابقة حديث رقم: (١٦٤) .
(١٦٧) ولأبِي١ داود الطّيالسي عن أبي هريرة عن النّبيّ – ﷺ قال:
"كَأَنِّي٢ يُبايعُ لِرَجُلٍ بينَ الرّكن والْمقَام، وأوّل من يستحلّ هذا البيت أهله، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هَلَكَةِ العرب، ثمّ تَجيء٣ الْحبشة فيُخَرِّبونه خرابًا، لا يعمر بعده، وهم الّذين يستخرجون كنْزه.
(١٦٨) ولِمسلم٤ عن جابر بن عبد الله، قال:
_________
١ أبو داود الطّيالسي، الجزء العاشر، ص: ٣١٢، رقم الحديث: (٢٣٧٣)، الطّبعة الأولى طبعة الهند سنة: ١٣٣١هـ.
وأوّل الحديث: "حدّثنا بن أبي ذئب، قال: أخبرني سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة يحدّث أبا قتادة وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: "يبايع لرجلٍ بين الرّكن والمقام ... " الحديث.
٢ لا توجد كلمة: "كأني في الطّيالسي".
٣ في الطّيالسي: "ثم يجيء" بالياء بدل التّاء.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص: ٣٨.
يُوشِك١ أهل العراق ألاّ يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ، ولا دِرْهَمٌ. قلنا: من أين٢؟ قال: من قبل الْعَجَم؟ يمنعون ذلك؟ ٣، ثمّ قال: يوشك أهل الشّام ألاّ يُجْبِى إليهم دينارٌ ولا مدي. قلنا: من أين ذلك؟ ٤. قال: من قبل الرّوم. ثمّ سكت٥ هنيّةً. ثمّ قال: قال رسول الله– ﷺ:"يَكُونُ فِي آخر أُمَّتِي خليفةٌ يَحثُو٦ المالَ حثيًا.
_________
١ "يوشك أهل العراق"، معناه: يسرع وقد سبق شرح ألفاظ الحديث في حدث رقم: (١٠١) .
٢ في صحيح مسلم: "من أين ذاك".
٣ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك.
٤ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك.
٥ "ثم سكت" في صحيح مسلم: "ثم أَسْكَتَ"، وذكر القاضي أنّهم ردّوه بحذف الألف كما في المخطوطة، وسكت وأسكت لغتان بمعنى: صمت.
وقيل: أسكت بمعنى: أطرق. وقيل: بمعنى: أعرض.
وقوله: هُنَيةً: فمعناها: قليلًا من الزّمان، وهو تصغير: هنة، ويقال: هنيهة أيضا.
٦ "يحثو المال حثيًا"، في رواية جابر هذه في صحيح مسلم: "يحثي"، بالياء، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: "يحثو المال حثيًا" ص: ٣٩، نفس الكتاب والباب، قال أهل اللّغة: يقال: حثيت أحثي حثيًا وحثوت أحثو حثوًا، لغتان، وقد جاءت اللّغتان في هذا الحديث. وجاء مصدر يحثي مع الفعل يحثو، وهو جائز من باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧] .
والحثو: هو الحفن باليدين، وهذا الحثو الذي يفعله الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات، مع سخاء نفسه.
ولا يعُدُّه عدًّا"١.
قيل٢ لأبي نضرة وأبي العلا: تريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
(١٦٩) وله٣ عن أبي سعيد وجابر، قالا: قال رسول الله – صلّ الله عليه وسلّم:
"يَكُونُ فِي آخر الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ، يقسم الْمَالَ، ولا يَعُدُّهُ".
_________
١ "ولا يعدّه عدًّا"، في رواية جابر: "لا يعده"، بدون الواو، وما في المخطوطة موافق لرواية أبي سعيد في مسلم.
وقوله: "عدًّا"، مخالف لكثيرٍ من النّسخ؛ إذ فيها: "عدوا".
قال في المصباح: يقال: عددته عدًّا من باب قتل، والعدد بمعنى المعدود.
وفي بعضها: عدا، فحينئذٍ يكون مصدرًا مؤكّدًا.
٢ في صحيح مسلم: "قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، نفس الباب ص: ٣٩.
(١٥٨) ولِمسلم١ عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَاب. أو يهَاب" ٢.
قال زُهَيْرٌ: قلت لسُهَيْلٍ: وكم٣ ذاك من الْمدينة. قال: كذا وكذا ميلًا.
(١٥٩) ولأبِي داود٤ عن ابن عمر. قال رسول الله
_________
١ صحيح مسلم شرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل السّاعة ص: ٣٠.
٢ "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب"، أمّا إيهاب فبكسر الهمزة.
وأمّا يهاب فبياء مثناة تحت مفتوحة ومكسورة، والمشهور الأوّل، وهما اسم موضعٍ بقرب المدينة، يعني: أنّ المدينة تتوسع جدّا حتّى يصل مساكنها إلى ذلك الْموضع.
٣ في صحيح مسلم: "فكم ذلك".
٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها ص: ٣٢٠.
ﷺ: "يوشِكُ١ الْمُسْلِمُون أن يُحَاصَرُوا إلى الْمدينة. حتّى يكون أبعد مسالِحهم سُلاحٌ" ٢.
قال الزّهريّ: وسلاحٌ قريب من خيبر.
(١٦٠) ولِمسلم٣: عن أبي هريرة: سمعت رسول الله – ﷺ يقول:
_________
١ "يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة"، يحاصروا بالبناء للمجهول، أي: يحبسوا ويلتجئوا إلى مدينة النَّبِيّ ﷺ لمحاصرة العدوّ إيّاهم، أو يفرّ المسلمون من الكفار ويجتمعون بين المدينة وسلاح، أو أنّ بعضهم دخل في حصن المدينة، وبعضهم ثبتوا حواليها احتراسًا عليها.
٢ "أبعد مسالحهم سلاح"، مسالح جمع مسلحة، وأصله: موضع السّلاح، ثم استعمل للثّغر، وهو المراد هنا، أي: أنّ أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثّغور من العدوّ، وسلاح بضم السّين وفتحها: موضع أسفل خيبر.
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ٩، كتاب الحجّ، باب في المدينة حين يتركها أهلها ص: ١٦٠.
وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٤، كتاب فضائل المدينة، باب مَن رغب عن الْمدينة، ص: ٨٩، مع اختلاف في اللّفظ.
يَتْرُكُون الْمدينةَ علَى خَيْرٍ مَا كانت، لا يَغْشَاهَا إلاّ العوافي١ – يريد عوافي السِّباع والطّير- يَخرج٢ راعيان من مزينة، يريدان الْمدينة. يَنعَقَان٣ بغنمها، فيجدانِها
_________
١ "لا يغشاها إلاّ العوافي"، العوافي، جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذّكر: عاف.
قال ابن الجوزي: "اجتمع في العوافي شيئان:
أحدهما: أنّها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلانًا أعفوه فأنا عاف والجمع: عفاة، أي: أثبت أطلب معروفه.
والثّاني: من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإنّ الطّير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه. شرح الفتح.
٢ في صحيح مسلم: "ثم يخرج"، بزيادة: ثم
وأمّا معنى الحديث: فالظّاهر المختار: أنّ هذا التّرك للمدينة يكون في آخر الزّمان عند قيام السّاعة، وتوضّحه قصة الرّاعيين من مزينة، فإنّهما يخران على وجوههما حين تدركهما السّاعة.
وهما آخر مَن يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري، وقد وقع عند مسلم بلفظ: "ثم يحشر راعيان".
٣ "ينعقان"، أي: يصيحان بغنمهما، فالنّعيق زجر الغنم.
وحشًا١؛ حتّى إذا بلغا ثنيّةالوداع خرًّا على وجوههما٢.
(١٦١) وروى عمر بن٣ منبِّه عن سُلَيْمَانَ بن الوليد ابن مسلم عن ابن لَهيعة عن أبي الزّبير، عن جابر عن عمر يقول: أنّه سَمع رسول الله – ﷺ يقول: "يَخْرجُ أَهلُ الْمدينة منها، ثمّ يَعُودُون إليها، فيعمرونَها حتّى تَمْتَلِئ. ثمّ يَخرُجون منها، فلا يَعُودُون إليها أبدًا ".
وله: من حديث أبي سعيد نحوه.
(١٦٢) وله٤: عن أبي هريرة. قال:
_________
١ "فيجدانها وحشا"، قيل: معناه: يجدانها خلاء، أي: خلية ليس بها أحد.
قال إبراهيم الحربي:"الوحش من الأرض: الخلاء، والصّحيح أنّ معناه: يجدانها ذات وحوش ويكون وحشًا بمعنى وحوشًا، وأصل الوحش: كلّ شيء توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش، وقد يعبّر بواحده عن جميعه، كما في غيره".
٢ "خرا على وجوههما"، أي: سقطا ميتين.
٣ لم أنجده في الأصول التي بين أيدينا.
٤ لم نجده فيما بين أيدينا من أصول.
والذي نفسي بيده لَيَكُونَنَّ بِالْمدينة مَلْحَمَةُ يُقَالُ لها الْحاَلِقَةُ، لا أقول: حَالقَةُ الشّعر، ولَكن حَالقَةُ الدِّين، فأخرجوا من الْمدينة ولو على قدر بريد".
(١٦٣) ولِمسلم١: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "والّذي نَفسي بيده لا تَذْهَبَ الدُّنيا حتّى يَمُرَّ الرَّجُلُ على القبر، فَيَتَمَرَّغُ عليه، ويقول: يا ليتنِي كنت مكان هذا القبر، وليس به الدِّين إلاّ البلاء".
(١٦٤) وله٢: عنه. قال رسول الله – ﷺ:
_________
١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمر الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص:٣٤.
٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، الباب السّابق، ص: ٣٥.
وصحيح البخاري بشرح الفتح، ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠.
"يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْن١ من الْحَبَشَة".
(١٦٥) وللبخاري٢: عن ابن عبّاس: عن النّبيّ – ﷺ قال: "كَأنِّي به أَسْوَدَ أَفْحَجَ٣ يَقْلَعُها حَجَرًا حَجرًا" ٤.
_________
١ "ذو السّويقتين"، هما: تصغير ساقي الإنسان، قال القاضي: "صغّرهما لرقّتهما، وهي صفة سوق السّودان غالبًا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]؛ لأنّ معناه: آمنًا إلى قرب القيامة وخراب الدّنيا، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا".
وقد قيل: ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشّام له إلى غير ذلك من الوقائع، وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]، لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله ﷺ: "ولن يستحلّ هذا البيت إلاّ أهله"، فوقع ما أخبر به النَّبِيّ ﷺ، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمن المذكور فيها".
٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠.
٣ "أسود أفحج"، أفحج بوزن أفعل بفاء ثم حاء ثم جيم، والفحج: تباعد ما بين السّاقين.
٤ "حجرًا حجرًا"، حال، كقولك: بَوَّبْتُه بابًا بابًا.
(١٦٦) وقال أبو١ عبيد: ثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسّان عن حفصة عن أبي العالية عن علي في حديث:
"اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذا الْبَيْتِ قبل أن يُحَالَ بَيْنَكُم وَبَيْنَه، وكَأَنِّي برجلٍ من الْحَبَشَةِ أَصْعَل٢، أَصْحَم، حَمشَ السّاقَيْن٣. قاعد عَلَيها وهي تُهدِم".
قال الأصمعي: أصعل كذا يروى: فأمّا كلام الْعَرَب فهو: صعل. بغير ألفٍ. وهو صغير الرّأس.
_________
١ ذكره ابن حجر في الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦١، نقلًا عن أبي عبيد في غريب الحديث بلفظٍ: "أصلع أو قال: أصْمع، وقال: ورواه الفاكهي من هذا الوجه بلفظٍ: أصعل بدل أصلع، وهو الموافق لما في المخطوطة.
٢ "أصعل"، الأصعل: الصّغير الرّأس، والأصمع: الصّغير الأذنين، والأصلع: مَن ذهب شعر مقدم رأسه.
٣ "حمش السّاقين"، حمش: بحاء مهملة، وميم ساكنة ثم معجمة، أي: دقيق السّاقين وهو موافق لرواية أبي هريرة السّابقة حديث رقم: (١٦٤) .
(١٦٧) ولأبِي١ داود الطّيالسي عن أبي هريرة عن النّبيّ – ﷺ قال:
"كَأَنِّي٢ يُبايعُ لِرَجُلٍ بينَ الرّكن والْمقَام، وأوّل من يستحلّ هذا البيت أهله، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هَلَكَةِ العرب، ثمّ تَجيء٣ الْحبشة فيُخَرِّبونه خرابًا، لا يعمر بعده، وهم الّذين يستخرجون كنْزه.
(١٦٨) ولِمسلم٤ عن جابر بن عبد الله، قال:
_________
١ أبو داود الطّيالسي، الجزء العاشر، ص: ٣١٢، رقم الحديث: (٢٣٧٣)، الطّبعة الأولى طبعة الهند سنة: ١٣٣١هـ.
وأوّل الحديث: "حدّثنا بن أبي ذئب، قال: أخبرني سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة يحدّث أبا قتادة وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: "يبايع لرجلٍ بين الرّكن والمقام ... " الحديث.
٢ لا توجد كلمة: "كأني في الطّيالسي".
٣ في الطّيالسي: "ثم يجيء" بالياء بدل التّاء.
٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص: ٣٨.
يُوشِك١ أهل العراق ألاّ يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ، ولا دِرْهَمٌ. قلنا: من أين٢؟ قال: من قبل الْعَجَم؟ يمنعون ذلك؟ ٣، ثمّ قال: يوشك أهل الشّام ألاّ يُجْبِى إليهم دينارٌ ولا مدي. قلنا: من أين ذلك؟ ٤. قال: من قبل الرّوم. ثمّ سكت٥ هنيّةً. ثمّ قال: قال رسول الله– ﷺ:"يَكُونُ فِي آخر أُمَّتِي خليفةٌ يَحثُو٦ المالَ حثيًا.
_________
١ "يوشك أهل العراق"، معناه: يسرع وقد سبق شرح ألفاظ الحديث في حدث رقم: (١٠١) .
٢ في صحيح مسلم: "من أين ذاك".
٣ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك.
٤ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك.
٥ "ثم سكت" في صحيح مسلم: "ثم أَسْكَتَ"، وذكر القاضي أنّهم ردّوه بحذف الألف كما في المخطوطة، وسكت وأسكت لغتان بمعنى: صمت.
وقيل: أسكت بمعنى: أطرق. وقيل: بمعنى: أعرض.
وقوله: هُنَيةً: فمعناها: قليلًا من الزّمان، وهو تصغير: هنة، ويقال: هنيهة أيضا.
٦ "يحثو المال حثيًا"، في رواية جابر هذه في صحيح مسلم: "يحثي"، بالياء، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: "يحثو المال حثيًا" ص: ٣٩، نفس الكتاب والباب، قال أهل اللّغة: يقال: حثيت أحثي حثيًا وحثوت أحثو حثوًا، لغتان، وقد جاءت اللّغتان في هذا الحديث. وجاء مصدر يحثي مع الفعل يحثو، وهو جائز من باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧] .
والحثو: هو الحفن باليدين، وهذا الحثو الذي يفعله الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات، مع سخاء نفسه.
ولا يعُدُّه عدًّا"١.
قيل٢ لأبي نضرة وأبي العلا: تريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
(١٦٩) وله٣ عن أبي سعيد وجابر، قالا: قال رسول الله – صلّ الله عليه وسلّم:
"يَكُونُ فِي آخر الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ، يقسم الْمَالَ، ولا يَعُدُّهُ".
_________
١ "ولا يعدّه عدًّا"، في رواية جابر: "لا يعده"، بدون الواو، وما في المخطوطة موافق لرواية أبي سعيد في مسلم.
وقوله: "عدًّا"، مخالف لكثيرٍ من النّسخ؛ إذ فيها: "عدوا".
قال في المصباح: يقال: عددته عدًّا من باب قتل، والعدد بمعنى المعدود.
وفي بعضها: عدا، فحينئذٍ يكون مصدرًا مؤكّدًا.
٢ في صحيح مسلم: "قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.".
٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، نفس الباب ص: ٣٩.
Translation
باب: في سكنى المدينة وعمارتها