Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 53 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Ibn Qayyim al-Jawziyya (ابن القيم الجوزية
53
Total sections
53 chapters
#1 Chapter 1 — مقدمة المؤلف · ref. #1
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَبِهِ نَسْتَعِينُ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا، وَنَصَبَ لَنَا الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ بُرْهَانًا مُبِينًا، وَأَوْضَحَ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ حَقًّا يَقِينًا، وَوَعَدَ مَنْ قَامَ بِأَحْكَامِهِ وَحَفِظَ حُدُودَهُ أَجْرًا جَسِيمًا، وَذَخِرَ لِمَنْ وَافَاهُ بِهِ ثَوَابًا جَزِيلًا وَفَوْزًا عَظِيمًا، وَفَرَضَ عَلَيْنَا الِانْقِيَادَ لَهُ وَلِأَحْكَامِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِدَعَائِمِهِ وَأَرْكَانِهِ، وَالِاعْتِصَامَ بِعُرَاهُ وَأَسْبَابِهِ، فَهُوَ دِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَةِ قُدْسِهِ، فِيهِ (اهْتَدَى) الْمُهْتَدُونَ، وَإِلَيْهِ دَعَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
شَهِدَ بِأَنَّهُ دِينُهُ قَبْلَ شَهَادَةِ الْأَنَامِ، وَأَشَادَ بِهِ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ، وَسَمَّى بِهِ أَهْلَهُ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَرْحَامُ، فَقَالَ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
وَجَعَلَ أَهْلَهُ هُمُ الشُّهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، لِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْهُدَى وَالنِّيَّةِ وَالِاعْتِقَادِ، إِذْ كَانُوا أَحَقَّ بِذَلِكَ وَأَهْلَهُ فِي سَابِقِ التَّقْدِيرِ، فَقَالَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
وَحَكَمَ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَدْيَانِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْ حُكْمِهِ وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا فَقَالَ: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا.
وَكَيْفَ لَا يُمَيِّزُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَيْنَ دِينٍ قَامَ أَسَاسُهُ وَارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ عَلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مَعَ الْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَمُعَامَلَةِ خَلْقِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، مَعَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ عَلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَبَيْنَ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، أُسِّسَ عَلَى عِبَادَةِ النِّيرَانِ، وَعَقْدِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالشَّيْطَانِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوْثَانِ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الصُّلْبَانِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي السُّقُوفِ وَالْحِيطَانِ، وَأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِ أُنْثَى، وَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، بَيْنَ دَمِ الطَّمْثِ فِي ظُلُمَاتِ
الْأَحْشَاءِ تَحْتَ مُلْتَقَى الْأَعْكَانِ، ثُمَّ خَرَجَ صَبِيًّا رَضِيعًا شَبَّ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَبْكِي وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَنَامُ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ أُودِعَ فِي الْمَكْتَبِ بَيْنَ صِبْيَانِ الْيَهُودِ يَتَعَلَّمُ مَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ، هَذَا وَقَدْ قُطِعَتْ مِنْهُ الْقُلْفَةُ حِينَ الْخِتَانِ.
ثُمَّ جَعَلَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَهُ وَيُشَرِّدُونَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، ثُمَّ قَبَضُوا عَلَيْهِ وَأَحَلُّوهُ أَصْنَافَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، فَعَقَدُوا عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّوْكِ تَاجًا مِنْ أَقْبَحِ التِّيجَانِ، وَأَرْكَبُوهُ قَصَبَةً لَيْسَ لَهَا لِجَامٌ وَلَا عِنَانٌ، ثُمَّ سَاقُوهُ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ مَصْفُوعًا مَبْصُوقًا عَلَى وَجْهِهِ، وَهُمْ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ وَعَنْ شَمَائِلِهِ وَعَنِ الْأَيْمَانِ. ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الَّذِي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَعَ الْأَبْدَانِ، ثُمَّ شُدَّتْ بِالْحِبَالِ يَدَاهُ وَالرِّجْلَانِ، ثُمَّ خَالَطَهَا تِلْكَ الْمَسَامِيرُ الَّتِي تَكْسِرُ الْعِظَامَ وَتُمَزِّقُ اللُّحْمَانَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ: يَا قَوْمِ ارْحَمُونِي! فَلَا يَرْحَمُهُ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ.
هَذَا وَهُوَ مُدَبِّرُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ الَّذِي يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.
ثُمَّ مَاتَ وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ تَحْتَ صُمِّ الْجَنَادِلِ وَالصَّوَّانِ، ثُمَّ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ وَصَعِدَ إِلَى عَرْشِهِ وَمُلْكِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَا كَانَ.
فَمَا ظَنُّكَ بِفُرُوعٍ هَذَا أَصْلُهَا الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْبُنْيَانُ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْمَنْحُوتِ بِالْأَيْدِي بَعْدَ نَحْتِ الْأَفْكَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَصْنَافِ وَالْأَلْوَانِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُرُورِ سُجُودًا عَلَى الْأَذْقَانِ، لَا يُؤْمِنُ مَنْ يَدِينُ بِهِ بِاللَّهِ وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا لِقَائِهِ يَوْمَ يَجْزِي الْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَالْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ. أَوْ دِينِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ الَّذِينَ انْسَلَخُوا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ كَانْسِلَاخِ الْحَيَّةِ مِنْ قِشْرِهَا، وَبَاءُوا بِالْغَضَبِ وَالْخِزْيِ وَالْهَوَانِ، وَفَارَقُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَنَبَذُوهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهَا الْقَلِيلَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَتَرَحَّلَ عَنْهُمُ التَّوْفِيقُ وَقَارَنَهُمُ الْخِذْلَانُ، وَاسْتَبْدَلُوا بِوِلَايَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وِلَايَةَ الشَّيْطَانِ، أَوْ دِينٍ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ فِي الْأَذْهَانِ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجٍ عَنْهُ، وَلَا مُتَّصِلٍ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَلَا مُحَايِثٍ وَلَا مُبَايِنٍ لَهُ، لَا يَسْمَعُ، وَلَا يَرَى، وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا إِرَادَةَ
وَلَا اخْتِيَارَ، وَلَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، بَلْ لَمْ تَزَلِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مَعَهُ، وُجُودُهَا مُقَارِنٌ لِوُجُودِهِ، لَمْ يُحْدِثْهَا بَعْدَ عَدَمِهَا وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِفْنَائِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، مَا أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ كِتَابًا، وَلَا أَرْسَلَ إِلَى النَّاسِ رَسُولًا، فَلَا شَرْعَ يُتَّبَعُ، وَلَا رَسُولَ يُطَاعُ، وَلَا دَارَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا مَبْدَأَ لِلْعَالَمِ وَلَا مَعَادَ، وَلَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، إِنْ هِيَ إِلَّا تِسْعَةُ أَفْلَاكٍ وَعَشَرَةُ عُقُولٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، وَأَفْلَاكٌ تَدُورُ، وَنُجُومٌ تَسِيرُ، وَأَرْحَامٌ تَدْفَعُ، وَأَرْضٌ تَبْلَعُ وَمَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا كُفُؤَ لَهُ، تَعَالَى عَنْ إِفْكِ الْمُبْطِلِينَ، وَخَرَصِ الْكَاذِبِينَ، وَتَقَدَّسَ عَنْ شِرْكِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبَاطِيلِ الْمُلْحِدِينَ، كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِهِ سِوَاهُ، وَضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا. وَخَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَسَفِيرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ: ابْتَعَثَهُ بِخَيْرِ مِلَّةٍ وَأَحْسَنِ شِرْعَةٍ، وَأَظْهَرِ دَلَالَةٍ، وَأَوْضَحِ حُجَّةٍ، وَأَبْيَنِ بُرْهَانٍ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ، عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، حَاضِرِهِمْ وَبَادِيهِمْ، الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّالِفَةُ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ الْمَاضِيَةُ، وَجَرَى ذِكْرُهُ فِي الْأَعْصَارِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، ضُرِبَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْبَشَائِرُ مِنْ عَهْدِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، إِلَى عَهْدِ الْمَسِيحِ ابْنِ الْبَشَرِ، كُلَّمَا قَامَ رَسُولٌ أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْبِشَارَةِ بِنُبُوَّتِهِ حَتَّى انْتَهَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى كَلِيمِ الرَّحْمَنِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، فَأَذَّنَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْلِنًا بِالْأَذَانِ " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
إِلَى أَنْ ظَهَرَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فَأَذَّنَ بِنُبُوَّتِهِ أَذَانًا لَمْ يُؤَذِّنْهُ أَحَدٌ مِثْلُهُ قَبْلَهُ، فَقَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَقَامَ الصَّادِقِ النَّاصِحِ وَكَانُوا لَا يُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ تَاللَّهِ لَقَدْ أَذَّنَ الْمَسِيحُ أَذَانًا أَسْمَعَ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ، فَأَجَابَهُ الْمُؤْمِنُ الْمُصَدِّقُ، وَقَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْجَاحِدِ الْكَافِرِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، عَمَّا يَقُولُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ، وَيَصِفُهُ الْكَاذِبُونَ، وَيَنْسِبُهُ إِلَيْهِ الْمُفْتَرُونَ وَالْجَاحِدُونَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا كُفُؤَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ بَلْ هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَةِ لِأَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ أَرَكُونُ الْعَالَمِ، وَأَنَّهُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا يَقُولُ مَا يُقَالُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ بِكُلِّ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، وَيَسُوسُهُمْ بِالْحَقِّ، وَيُخْبِرُهُمْ بِالْغُيُوبِ وَيُحْيِيهِمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَيُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَيُخَلِّصُهُمْ مِنْ يَدِ الشَّيْطَانِ، وَتَسْتَمِرُّ شَرِيعَتُهُ وَسُلْطَانُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَصَرَّحَ فِي آذَانِهِ بِاسْمِهِ وَنَعْتِهِ، وَصِفَتِهِ وَسِيرَتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ عِيَانًا، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ إِمَامِ الْمُرْسَلِينَ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِاتِّبَاعِ مَنِ السَّعَادَةُ فِي اتِّبَاعِهِ، وَالْفَلَاحُ فِي الدُّخُولِ فِي جُمْلَةِ أَشْيَاعِهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَتَوَلَّى وَقَالَ: لَسْتُ أَدَعُكُمْ كَالْأَيْتَامِ، وَسَأَعُودُ وَأُصَلِّي وَرَاءَ هَذَا الْإِمَامِ، هَذَا عَهْدِي إِلَيْكُمْ إِنْ حَفِظْتُمُوهُ دَامَ لَكُمُ الْمَلِكُ إِلَى آخَرِ الْأَيَّامِ. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ نَاصِحٍ بَشَّرَ بِرِسَالَةِ أَخِيهِ عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَصَدَّقَهُ أَخُوهُ وَنَزَّهَهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ أَعْدَاؤُهُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِفْكِ وَالْبَاطِلِ وَزُورِ الْكَلَامِ، كَمَا نَزَّهَ رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمُرْسِلَهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ وَالذَّمِّ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ اللَّهَ ﷿، جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، جَعَلَ الْإِسْلَامَ عِصْمَةً لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَجُنَّةً لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ، وَعَضَّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَيْهِ، فَهُوَ حَرَمُهُ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ مِنَ الْآمِنِينَ، وَحِصْنُهُ الَّذِي مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ كَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ،
وَمَنِ انْقَطَعَ دُونَهُ كَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ. وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، وَلَوْ بَذَلَ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ قُوَاهُ، وَأَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَتَّى طَبَقَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ. وَبَلَغَ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَعَلَتِ الدَّعْوَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَارْتَفَعَتْ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ وَالِاعْتِلَاءِ. بِحَيْثُ صَارَ أَصْلُهَا ثَابِتًا وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فَتَضَاءَلَتْ لَهَا جَمِيعُ الْأَدْيَانِ، وَخَرَّتْ تَحْتَهَا الْأُمَمُ مُنْقَادَةً بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْإِذْعَانِ، وَنَادَى الْمُنَادِي بِشِعَارِهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَارِخًا بِالشَّهَادَتَيْنِ، حَتَّى بَطَلَتْ دَعْوَى الشَّيَاطِينِ، وَتَلَاشَتْ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَاضْمَحَلَّتْ عِبَادَةُ النِّيرَانِ، وَذَلَّتِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصُّلْبَانِ، وَتَقَطَّعَتِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ فِي الْأَرْضِ كَتَقَطُّعِ السَّرَابِ فِي الْقِيعَانِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ هِيَ الْعُلْيَا، وَصَارَ لَهَا فِي قُلُوبِ الْخَلَائِقِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَقَامَتْ بَرَاهِينُهُ وَحُجَجُهُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَبَلَغَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي الْعُلُوِّ وَالرَّفْعَةِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى، وَأَقَامَ لَهُ وَلَيُّهُ وَمُصْطَفَاهُ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا نَشَرُوا أَلْوِيَتَهُ وَأَعْلَامَهُ، وَحَفِظُوا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ حُدُودَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَبَلَّغُوا إِلَى نُظَرَائِهِمْ كَمَا بَلَّغَ إِلَيْهِمْ مَنْ قَبْلَهُمْ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، فَعَظَّمُوا شَعَائِرَهُ، وَعَلَّمُوا شَرَائِعَهُ، وَجَاهَدُوا أَعْدَاءَهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، حَتَّى اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ وَيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَلَا بُنْيَانُهُ الْمُؤَسَّسُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، إِذْ كَانَ بِنَاءُ غَيْرِهِ مُؤَسَّسًا عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. فَتَبَارَكَ الَّذِي رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُ، وَفَخَّمَ شَأْنَهُ، وَأَشَادَ بُنْيَانَهُ، وَأَذَلَّ مُخَالِفِيهِ وَمُعَانَدِيهِ، وَكَبَتَ مَنْ يُبْغِضُهُ وَيُعَادِيهِ، وَوَسَمَهُمْ بِأَنَّهُمْ شَرُّ الدَّوَابِّ، وَأَعَدَّ لَهُمْ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَلِيمَ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ، وَحَكَمَ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الْأَنْعَامِ، إِذِ اسْتَبْدَلُوا الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالضَّلَالَ بِالْهُدَى، وَالْكُفْرَ بِالْإِسْلَامِ، وَحَكَمَ سُبْحَانَهُ لِعُلَمَاءِ الْكُفْرِ وَعِبَادِهِ حُكْمًا يَشْهَدُ ذَوُو الْعُقُولِ بِصِحَّتِهِ وَيَرَوْنَهُ شَيْئًا حَسَنًا، فَقَالَ تَعَالَى:
Translation
مقدمة المؤلف
#2 Chapter 2 — (فصل): فأين يذهب من تولى عن توحيد ربه وطاعته · ref. #2
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا.

(فَصْلٌ): فَأَيْنَ يَذْهَبُ مَنْ تَوَلَّى عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسًا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَكَذَّبَ رَسُولَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ، وَحَادَ عَنْ شَرِيعَتِهِ، وَرَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سُنَّتِهِ، وَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِعَهْدِهِ، وَمَكَّنَ الْجَهْلَ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْهَوَى وَالْعِنَادَ مِنْ قَلْبِهِ، وَالْجُحُودَ وَالْكُفْرَ مِنْ صَدْرِهِ، وَالْعِصْيَانَ وَالْمُخَالَفَةَ مِنْ جَوَارِحِهِ، فَقَدْ قَابَلَ خَبَرَ اللَّهِ بِالتَّكْذِيبِ، وَأَمْرَهُ بِالْعِصْيَانِ، وَنَهْيَهُ بِالِارْتِكَابِ، يُغْضِبُ الرَّبَّ وَهُوَ رَاضٍ، وَيَرْضَى وَهُوَ غَضْبَانُ، يُحِبُّ مَا يُبْغِضُ، وَيُبْغِضُ مَا يُحِبُّ، وَيُوَالِي مَنْ يُعَادِيهِ، وَيُعَادِي مَنْ يُوَالِيهِ، يَدْعُو إِلَى خِلَافِ مَا يَرْضَى، وَيَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى، فَقَدِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ فَأَصَمَّهُ وَأَبْكَمَهُ وَأَعْمَاهُ، فَهُوَ مَيِّتُ الدَّارَيْنِ، فَاقِدُ السَّعَادَتَيْنِ، قَدْ رَضِيَ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَبَاعَ التِّجَارَةَ الرَّابِحَةَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ، فَقَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ مَصْدُودٌ، وَسَبِيلُ الْوُصُولِ إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضَاهُ وَقُرْبِهِ عَنْهُ مَسْدُودٌ، فَهُوَ وَلِيُّ الشَّيْطَانِ وَعَدُوُّ الرَّحْمَنِ، وَحَلِيفُ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، قَدْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، وَرَضِيَ الْمَخْذُولُ بِالصَّلِيبِ وَالْوَثَنِ إِلَهًا، وَبِالتَّثْلِيثِ وَالْكُفْرِ دِينًا، وَبِسَبِيلِ الضَّلَالِ وَالْغَضَبِ سَبِيلًا، أَعْصَى النَّاسِ لِلْخَالِقِ الَّذِي لَا سَعَادَةَ لَهُ إِلَّا فِي طَاعَتِهِ، وَأَطْوَعُهُمْ لِلْمَخْلُوقِ الَّذِي ذَهَابُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ فِي طَاعَتِهِ، فَإِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ: آهْ آهْ لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، وَعَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُضْرَمُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ نَارًا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ كَالزَّجِّ فِي الرُّمْحِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ وَقَامَ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَنَادَى الْمُنَادِي وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ثُمَّ رُفِعَ لِكُلِّ عَابِدٍ مَعْبُودُهُ الَّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ وَيَهْوَاهُ، وَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى وَقَدْ أَنْصَتَ لَهُ الْخَلَائِقُ: أَلَيْسَ عَدْلًا مِنِّي أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا يَتَوَلَّاهُ؟ فَهُنَاكَ يَعْلَمُ الْمُشْرِكُ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَبُيِّنَ لَهُ سُوءُ مُنْقَلَبِهِ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
Translation
(فصل): فأين يذهب من تولى عن توحيد ربه وطاعته
#3 Chapter 3 — حال الأمم قبل البعثة · ref. #3
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
حال الأمم قبل البعثة
Translation
حال الأمم قبل البعثة
#4 Chapter 4 — (فصل): ولما بعث الله محمدا ﷺ كان أهل الأرض صنفين · ref. #4
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
(فَصْلٌ): وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ أَهْلُ الْأَرْضِ صِنْفَيْنِ: أَهْلَ الْكِتَابِ، وَزَنَادِقَةً لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَفْضَلَ الصِّنْفَيْنِ، وَهُمْ نَوْعَانِ: مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَضَالُّونَ.
(الْيَهُودُ): فَالْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ هُمْ الْيَهُودُ: أَهْلُ الْكَذِبِ وَالْبَهْتِ وَالْغَدْرِ وَالْمَكْرِ وَالْحِيَلِ، قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَكَلَةُ السُّحْتِ وَالرِّبَا وَالرِّشَا، أَخْبَثُ الْأُمَمِ طَوِيَّةً، وَأَرْدَاهُمْ سَجِيَّةً، وَأَبْعَدُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ، عَادَتُهُمُ الْبَغْضَاءُ، وَدِيَنُهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالشَّحْنَاءُ، بَيْتُ السِّحْرِ وَالْكَذِبِ وَالْحِيَلِ، لَا يَرَوْنَ لِمَنْ خَالَفَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَلَوْ نَبِيًّا حُرْمَةً، وَلَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا لِمَنْ وَافَقَهُمْ عِنْدَهُمْ حَقٌّ وَلَا شَفَقَةٌ، وَلَا لِمَنْ شَارَكَهُمْ عِنْدَهُمْ عَدْلٌ وَلَا نَصَفَةٌ، وَلَا لِمَنْ خَالَطَهُمْ طُمَأْنِينَةٌ وَلَا أَمْنَةٌ، وَلَا لِمَنِ اسْتَعْمَلَهُمْ عِنْدَهُ نَصِيحَةٌ، بَلْ أَخْبَثُهُمْ أَعْقَلُهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ أَغَشُّهُمْ، وَسَلِيمُ النَّاحِيَةِ وَحَاشَا أَنْ يُوجَدَ فِيهِمْ وَبَيْنَهُمْ - لَيْسَ بِيَهُودِيٍّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَضْيَقُ الْخَلْقِ صُدُورًا، وَأَظْلَمُهُمْ بُيُوتًا، وَأَنْتَنُهُمْ أَفْنِيَةً، وَأَوْحَشُهُمْ سِحْنَةً، تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ، وَلِقَاؤُهُمْ طِيَرَةٌ، شِعَارُهُمُ الْغَضَبُ، وَدِثَارُهُمُ الْمَقْتُ.
(النَّصَارَى): وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْمُثَلِّثَةُ أُمَّةُ الضَّلَالِ أَوْ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ سَبُّوا اللَّهَ الْخَالِقَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ قَالُوا مَا: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، فَقُلْ مَا شِئْتَ فِي طَائِفَةٍ أَصْلُ عَقِيدَتِهَا أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَأَنَّ مَرْيَمَ صَاحِبَتُهُ وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُهُ، وَأَنَّهُ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَالْتَحَمَ بِبَطْنِ الصَّاحِبَةِ، وَجَرَى لَهُ مَا جَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ وَمَاتَ وَدُفِنَ. وَدِينُهَا عِبَادَةُ الصُّلْبَانِ، وَدُعَاءُ الصُّوَرِ الْمَنْقُوشَةِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ فِي الْحِيطَانِ، يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: (يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ ارْزُقِينَا، وَاغْفِرِي لَنَا وَارْحَمِينَا) .
فَدِينُهُمْ شُرْبُ الْخُمُورِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ، وَتَرْكُ الْخِتَانِ، وَالتَّعَبُّدُ بِالنَّجَاسَاتِ، وَاسْتِبَاحَةُ كُلِّ خَبِيثٍ مِنَ الْفِيلِ إِلَى الْبَعُوضَةِ، وَرَفْضُ نُصُوصِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِ جَاهِلٍ مِنْ رَهَابِنَتِهِمْ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَالْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينَ مَا شَرَعَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَغْفِرُ لَهُمُ الذُّنُوبَ، وَيُنَجِّيهِمْ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.
(الْوَثَنِيُّونَ وَالْمَلَاحِدَةُ): فَهَذَا حَالُ مَنْ لَهُ كِتَابٌ، وَأَمَّا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ: فَهُوَ بَيْنَ عَابِدِ أَوْثَانٍ، وَعَابِدِ صَوَّانٍ، وَعَابِدِ شَيْطَانٍ، وَصَابِئٍ حَيْرَانَ، يَجْمَعُهُمُ الشِّرْكُ، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ،
وَتَعْطِيلُ الشَّرَائِعِ، وَإِنْكَارُ الْمَعَادِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ، لَا يَدِينُونَ لِلْخَالِقِ بِدِينٍ، وَلَا يَعْبُدُونَهُ مَعَ الْعَابِدِينَ، وَلَا يُوَحِّدُونَهُ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ.
(الْمَجُوسُ): وَأُمَّةُ الْمَجُوسِ مِنْهُمْ تَسْتَفْرِشُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، مَعَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، دِينُهُمُ الزَّمْزَمَةُ، وَطَعَامُهُمُ الْمَيْتَةُ، وَشَرَابُهُمُ الْخَمْرُ، وَمَعْبُودُهُمُ النَّارُ، وَوَلِيُّهُمُ الشَّيْطَانُ، فَهُمْ أَخْبَثُ بَنِي آدَمَ نِحْلَةً، وَأَرْذَلُهُمْ مَذْهَبًا، وَأَسْوَءُهُمُ اعْتِقَادًا.
(الصَّابِئَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ): وَأَمَّا زَنَادِقَةُ الصَّابِئَةِ وَمَلَاحِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ، فَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا مَلَائِكَتِهِ وَلَا كُتُبِهِ وَلَا رُسُلِهِ وَلَا لِقَائِهِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِمَبْدَأٍ وَلَا مَعَادٍ، وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ عِنْدَهُمْ رَبٌّ فَعَّالٌ بِالِاخْتِيَارِ لِمَا يُرِيدُ، قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، آمِرٌ نَاهٍ مُرْسِلُ الرُّسُلِ، وَمُنْزِلُ الْكُتُبِ، وَمُثِيبُ الْمُحْسِنِ، وَمُعَاقِبُ الْمُسِيءِ، وَلَيْسَ عِنْدَ نَظَائِرِهِمْ إِلَّا تِسْعَةُ أَفْلَاكٍ، وَعَشَرَةُ عُقُولٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، وَسِلْسِلَةٌ تَرَتَّبَتْ فِيهَا الْمَوْجُودَاتُ هِيَ بِسِلْسِلَةِ الْمَجَانِينِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِمُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ.
(دِينُ الْحَنِيفِيَّةِ): وَبِالْجُمْلَةِ فَدِينُ الْحَنِيفِيَّةِ الَّذِي لَا دِينَ لِلَّهِ غَيْرُهُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَا دِينَ فِي الْأَرْضِ غَيْرُهَا - أَخْفَى مِنَ السُّهَا تَحْتَ السَّحَابِ، وَقَدْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ شَمْسَ الرِّسَالَةِ فِي حِنَادِسِ تِلْكَ الظُّلَمِ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نِعْمَةً لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهَا شُكْرًا، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا أَكْمَلَ الْإِشْرَاقِ،
وَفَاضَ ذَلِكَ حَتَّى عَمَّ النَّوَاحِيَ وَالْآفَاقَ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ أَتَمَّ الِانْشِقَاقِ، وَقَامَ دِينُ اللَّهِ الْحَنِيفُ عَلَى سَاقٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْقَذَنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفَتَحَ لَنَا بِهِ بَابَ الْهُدَى فَلَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ، وَأَرَانَا فِي نُورِهِ أَهْلَ الضَّلَالِ وَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ يَتَخَبَّطُونَ، وَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَفِي جَهَالَتِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ، وَفِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، يُؤْمِنُونَ وَيَعْدِلُونَ وَلَكِنْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وَيَعْمَلُونَ وَلَكِنْ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ وَيَسْجُدُونَ وَلَكِنْ لِلصَّلِيبِ، وَالْوَثَنِ وَالشَّمْسِ يَسْجُدُونَ، وَيَمْكُرُونَ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، فَلَهُ الْمِنَّةُ وَالْفَضْلُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا وَآثَرَنَا بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَإِلَيْهِ الرَّغْبَةُ أَنْ يُوَزِعَنَا شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَنَا أَبْوَابَ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَأَحَبُّ الْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحْسِنِ التَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِهِ، وَالِاعْتِرَافُ لَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ مَحْضُ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، فَلَهُ عَلَيْنَا النِّعْمَةُ السَّابِغَةُ، كَمَا لَهُ عَلَيْنَا الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، نَبُوءُ لَهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْنَا، وَنَبُوءُ بِذُنُوبِنَا وَخَطَايَانَا، وَجَهْلِنَا وَظُلْمِنَا، وَإِسْرَافِنَا فِي أَمْرِنَا، فَهَذِهِ بِضَاعَتُنَا الَّتِي لَدَيْنَا، لَمْ تَبْقَ لَنَا، وَنِعَمُهُ وَحُقُوقُهَا وَذُنُوبُنَا حَسَنَةٌ نَرْجُو بِهَا الْفَوْزَ بِالثَّوَابِ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ، بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ يُنْفِذُ جَمِيعَ حَسَنَاتِنَا، وَيَسْتَوْعِبُ كُلَّ طَاعَتِنَا، هَذَا لَوْ خَلَصَتْ مِنَ
الشَّوَائِبِ، وَكَانَتْ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ، وَاقِعَةً عَلَى وَفْقِ أَمْرِهِ، وَمَا هُوَ وَاللَّهِ إِلَّا التَّعَلُّقُ بِأَذْيَالِ عَفْوِهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَاللِّجَايَةُ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ مِنْهُ، وَالِاسْتِكَانَةُ وَالتَّذَلُّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَدُّ يَدِ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ، أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ مِنْ قَطَرَاتِ رَأْفَتِهِ انْتَعَشَ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ، وَأَنَاخَتْ بِفِنَائِهِ وُفُودُ الْخَيْرَاتِ، وَتَرَحَّلَتْ عَنْهُ جُيُوشُ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْحَسَرَاتِ.
شِعْرٌ:
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيَّ نَظْرَةَ رَاحِمٍ ... فِي الدَّهْرِ يَوْمًا إِنَّنِي لَسَعِيدُ
Translation
(فصل): ولما بعث الله محمدا ﷺ كان أهل الأرض صنفين
#5 Chapter 5 — ومن بعض حقوق الله على عبده · ref. #5
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
(فَصْلٌ) وَمِنْ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ رَدُّ الطَّاعِنِينَ عَلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ، وَمُجَاهَدَتُهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَالْقَلْبِ وَالْجَنَانِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَكَانَ انْتَهَى إِلَيْنَا مَسَائِلُ أَوْرَدَهَا بَعْضُ الْكُفَّارِ الْمُلْحِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصَادِفْ عِنْدَهُ مَا يَشْفِيهِ، وَلَا وَقَعَ دَوَاؤُهُ عَلَى الدَّاءِ الَّذِي فِيهِ، وَظَنَّ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ بِضَرْبِهِ يُدَاوِيهِ، فَسَطَا بِهِ ضَرْبًا وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْجَوَابُ، فَقَالَ الْكَافِرُ: صَدَقَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا قَامَ بِالسَّيْفِ لَا بِالْكِتَابِ. فَتَفَرَّقَا وَهَذَا ضَارِبٌ وَهَذَا مَضْرُوبٌ، وَضَاعَتِ الْحُجَّةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، فَشَمَّرَ الْمُجِيبُ عَنْ سَاعِدِ الْعَزْمِ، وَنَهَضَ عَلَى سَاقِ الْجَدِّ، وَقَامَ لِلَّهِ قِيَامَ مُسْتَعِينٍ بِهِ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ مُتَوَكِّلٍ فِي مُوَافَقَةِ مَرْضَاتِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ مَقَالَةَ الْعَجَزَةِ الْجُهَّالِ: إِنَّ الْكُفَّارَ إِنَّمَا يُعَامَلُونَ بِالْجِلَادِ دُونَ الْجِدَالِ، وَهَذَا فِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَإِخْلَادٌ إِلَى الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ. فَمُجَادَلَةُ الْكُفَّارِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ وَإِزَالَةٌ لِلْعُذْرِ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَالسَّيْفُ إِنَّمَا جَاءَ مُنْفِذًا لِلْحُجَّةِ مُقَوِّمًا لِلْمُعَانِدِ، وَحَدًّا لِلْجَاحِدِ.
قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
فَدِينُ الْإِسْلَامِ قَامَ بِالْكِتَابِ الْهَادِي وَنَفَّذَهُ السَّيْفُ النَّاصِرُ.
شِعْرٌ:
فَمَا هُوَ إِلَّا الْوَحْيُ أَوْ حَدُّ مُرْهَفٍ ... يُقِيمُ ظباهُ أَخْدَعَيْ كُلِّ مَائِلِ
فَهَذَا شِفَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ ... وَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ جَاهِلِ
وَإِلَى اللَّهِ الرَّغْبَةُ فِي التَّوْفِيقِ، فَإِنَّهُ الْفَاتِحُ مِنَ الْخَيْرِ أَبْوَابَهُ، وَالْمُيَسِّرُ لَهُ أَسْبَابَهُ.
وَقَدْ وَضَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ وَسَمَّيْتُهُ هِدَايَةَ الْحَيَارَى فِي أَجْوِبَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَسَّمْتُهُ قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي أَجْوِبَةِ الْمَسَائِلِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرٍ، نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الدَّلَائِلِ، فَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَتَوْفِيقِهِ كِتَابًا مُمْتِعًا مُعْجِبًا، لَا يَسْأَمُ قَارِيِهِ وَلَا يَمَلُّ النَّاظِرُ فِيهِ، فَهُوَ كِتَابٌ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَلَذَّةِ الْإِنْسَانِ. يُعْطِيكَ مَا شِئْتَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَبَرَاهِينِ الرِّسَالَةِ، وَبِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِخَاتَمِهِمْ، وَاسْتِخْرَاجِ اسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ كُتُبِهُمْ، وَذِكْرِ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَسِيرَتِهِ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَالتَّمَيُّزِ بَيْنَ صَحِيحِ الْأَدْيَانِ وَفَاسِدِهَا، وَكَيْفِيَّةِ فَسَادِهَا بَعْدَ اسْتِقَامَتِهَا، وَجُمْلَةً مِنْ فَضَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ بَرَاءَةً مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ، وَأَنَّ نُصُوصَ أَنْبِيَائِهِمْ تَشْهَدُ بِكُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ، لَا تُوجَدُ فِي سِوَاهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانِ، فَهُوَ حَسْبُنَا وَنَعِمَ الْوَكِيلُ.
Translation
ومن بعض حقوق الله على عبده
#6 Chapter 6 — المسألة الأولى وهي: قول السائل: قد اشتهر عندكم بأن أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير · ref. #6
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
فَنَقُولُ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ: قَوْلُ السَّائِلِ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَكُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ مَا مَنَعَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، فَكَلَامُ جَاهِلٍ بِمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَبِمَا عِنْدَ الْكُفَّارِ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، وَإِنْ قَالَ هَذَا بَعْضُ عَوَامِّهِمْ فَلَا يَلْزَمُ جَمَاعَتَهُمْ، وَالْمُمْتَنِعُونَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدَّاخِلِينَ فِيهِ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَرَغْبَةً وَاخْتِيَارًا لَا كَرْهًا وَاضْطِرَارًا.
وَإِنَّ اللَّهَ ﷾ بَعْثَ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَهُمْ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ قَدْ طَبَقُوا الْأَرْضَ: يَهُودُ، وَنَصَارَى، وَمَجُوسٌ، وَصَابِئُونَ، وَمُشْرِكُونَ.
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ مَشَارِقِهَا إِلَى مَغَارِبِهَا.
فَأَمَّا الْيَهُودُ فَأَكْثَرُ مَا كَانُوا بِالْيَمَنِ وَخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانُوا بِأَطْرَافِ الشَّامِ مُسْتَذَلِّينَ مَعَ النَّصَارَى، وَكَانَ مِنْهُمْ بِأَرْضِ فَارِسَ مُسْتَذَلَّةٌ مَعَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ مِنْهُمْ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ فِرْقَةٌ، وَأَعَزُّ مَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانَ اللَّهُ ﷾ قَدْ قَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَسَلَبَهُمُ الْمُلْكَ وَالْعِزَّ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَانُوا طَبَقَ الْأَرْضِ: فَكَانَتِ الشَّامُ كُلُّهَا نَصَارَى، وَأَرْضُ الْمَغْرِبِ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى، وَكَذَلِكَ أَرْضُ مِصْرَ وَالْحَبَشَةِ وَالنُّوبَةِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ وَأَرْضُ نَجْرَانَ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَهُمْ أَهْلُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا.
وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَأَهْلُ حَرَّانَ وَكَثِيرٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ.
وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ جَمِيعُهَا وَبِلَادُ الْهِنْدِ وَبِلَادُ التُّرْكِ وَمَا جَاوَرَهَا
وَأَدْيَانُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَدْيَانِ الْخَمْسَةِ، وَدِينُ الْحُنَفَاءِ لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ الْبَتَّةَ. وَهَذِهِ الْأَدْيَانُ الْخَمْسَةُ كُلُّهَا لِلشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرُهُ: الْأَدْيَانُ سِتَّةٌ: وَاحِدٌ لِلرَّحْمَنِ وَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطَانِ
وَهَذِهِ الْأَدْيَانُ السِّتَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي آيَةِ الْفَصْلِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ اسْتَجَابَ لَهُ وَلِخُلَفَائِهِ بَعْدَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا قَطُّ عَلَى الدِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَاتِلُ مَنْ يُحَارِبُهُ وَيُقَاتِلُهُ، وَأَمَّا مَنْ سَالَمَهُ وَهَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ ﷾ حَيْثُ يَقُولُ: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
وَهَذَا نَفْيٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدِّينِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ، قَدْ تَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَسْلَمَ الْآبَاءُ وَأَرَادُوا إِكْرَاهَ الْأَوْلَادِ عَلَى الدِّينِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ ﷾ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَالصَّحِيحُ: الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، فَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الدِّينِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، كَمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى هَؤُلَاءِ بَعْضَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى دِينِهِ قَطُّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَاتَلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَأَمَّا مَنْ هَادَنَهُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَ الْيَهُودَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا حَارَبُوهُ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ وَبَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ قَاتَلَهُمْ، فَمَنَّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَأَجْلَى بَعْضَهُمْ، وَقَاتَلَ بَعْضَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَمَّا هَادَنَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَبْدَأْهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى بَدَءُوا هُمْ بِقِتَالِهِ وَنَقْضِ عَهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ غَزَاهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَكَانُوا هُمْ يَغْزُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا قَصَدُوهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَيَوْمَ بَدْرٍ أَيْضًا هُمْ جَاءُوا لِقِتَالِهِ وَلَوِ انْصَرَفُوا عَنْهُ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ اخْتِيَارًا وَطَوْعًا، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ دَخَلُوا فِي دَعْوَتِهِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْيَمَنِ كَانُوا عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَكْثَرُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ مَذْكُورُونَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، لَمْ يُسْلِمُوا رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَلَا رَهْبَةً مِنَ السَّيْفِ، بَلْ أَسْلَمُوا فِي حَالِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِمْ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَهُمْ
مِنْ غَيْرِ سَوْطٍ وَلَا نَوْطٍ، بَلْ تَحَمَّلُوا مُعَادَاةَ أَقْرِبَائِهِمْ وَحِرْمَانَهُمْ نَفْعَهُمْ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ مَعَ ضَعْفِ شَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ. فَكَانَ أَحَدُهُمْ يُعَادِي أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، لَا لِرِئَاسَةٍ وَلَا مَالٍ، بَلْ يَنْخَلِعُ مِنَ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ، وَيَتَحَمَّلُ أَذَى الْكُفَّارِ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَشَتْمِهِمْ وَصُنُوفِ أَذَاهُمْ وَلَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.
فَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَالْقِسِّيسِينَ وَمَنْ ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلُ قَدِ اخْتَارَ الْكُفْرَ، فَقَدْ أَسْلَمَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ فِرَقِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَسْلَمَ، فَهَؤُلَاءِ نَصَارَى الشَّامِ كَانُوا مِلْءَ الشَّامِ، ثُمَّ صَارُوا مُسْلِمِينَ إِلَّا النَّادِرَ، فَصَارُوا فِي الْمُسْلِمِينَ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ.
وَكَذَلِكَ الْمَجُوسُ كَانَتْ أُمَّةً لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَأَطْبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إِلَّا النَّادِرُ، وَصَارَتْ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَصَارَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ تَحْتَ الْجِزْيَةِ وَالذِّلَّةِ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ أَسْلَمَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مُقَطَّعَةٌ فِي الْبِلَادِ.
فَقَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: إِنَّ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَذِبٌ ظَاهِرٌ وَبُهْتٌ مُبِينٌ، حَتَّى لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى اخْتِيَارِ الْكُفْرِ لَكَانُوا فِي ذَلِكَ أُسْوَةَ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَدْ أَقَامَ فِيهِمْ نُوحٌ ﷺ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُرِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُقِيمُ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
وَهُمْ كَانُوا أَضْعَافَ أَضْعَافِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْكَافِرَتَيْنِ، أَهْلِ الْغَضَبِ وَأَهْلِ الضَّلَالِ، وَقَوْمُ عَادٍ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ عُقَلَاءُ حَتَّى اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ، وَقَوْمُ ثَمُودَ أَطْبَقُوا جَمِيعُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهَا الْبَشَرُ، وَمَعَ هَذَا فَاخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَقَالَ تَعَالَى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.
فَهَاتَانِ أُمَّتَانِ عَظِيمَتَانِ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَمِ قَدْ أَطْبَقَا عَلَى الْكُفْرِ مَعَ الْبَصِيرَةِ، فَأُمَّتَا الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ إِذَا أَطْبَقَتَا عَلَى الْكُفْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ مُوسَى ﵊ مَعَ تَظَاهُرِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِنْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.
وَأَيْضًا، فَيُقَالُ لِلنَّصَارَى: هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ ﵊ حَتَّى كَانُوا قَدْ مَلَئُوا بِلَادَ الشَّامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكَانُوا قَدْ أَطْبَقُوا عَلَى تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ، وَالْعُبَّادُ وَالْعُلَمَاءُ، حَتَّى آمَنَ بِهِ
الْحَوَارِيُّونَ، فَإِذَا جَازَ عَلَى الْيَهُودِ - وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالْعُبَّادُ وَالزُّهَّادُ وَغَيْرُهُمْ - الْإِطْبَاقُ عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ، وَالْكُفْرِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ آيَاتِ صِدْقِهِ كَالشَّمْسِ، جَازَ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ عَلَى أُمَّةِ الضَّلَالِ الَّذِينَ هُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمُ النَّصَارَى أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَهَذَا السُّؤَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ هَذَا السَّائِلُ وَارِدٌ بِعَيْنِهِ فِي حَقِّ كُلِّ نَبِيٍّ كَذَّبَتْهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنْ صَوَّبَ هَذَا السَّائِلُ رَأَى تِلْكَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ. وَإِنْ قَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأُمَمُ مَعَ كَثْرَتِهَا وَوُفُورِ عُقُولِهَا عَلَى الْبَاطِلِ، فَلَأَنْ يَكُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ الْأَرْذَلُونَ، مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ عَلَى الْبَاطِلِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَأَيُّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ اعْتَبَرْتَهَا، وَجَدْتَ الْمُصَدِّقِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جُمْهُورَهَا، وَأَقَلُّهَا وَأَرْذَلُهَا هُمُ الْجَاحِدُونَ لِنُبُوَّتِهِ، فَرُقْعَةُ الْإِسْلَامِ اتَّسَعَتْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا غَايَةَ الِاتِّسَاعِ بِدُخُولِ هَذِهِ الْأُمَمِ فِي دِينِهِ، وَتَصْدِيقِهِمْ بِرِسَالَتِهِ، وَبَقِيَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ فِي دِينِهِ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَقَلُّهَا.
وَأَيْنَ يَقَعُ النَّصَارَى الْمُكَذِّبُونَ بِرِسَالَتِهِ الْيَوْمَ مِنْ أُمَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ؟! وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالْمَجُوسُ وَالصَّابِئُونَ لَا نِسْبَةً لِلْمُكَذِّبِينَ بِرِسَالَتِهِ بَعْدَ بَعْثِهِ إِلَى جُمْلَةِ تِلْكَ الْأُمَّةِ قَبْلَ بَعْثِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الَّتِي أَطْبَقَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَدَمَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ ﷾: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ.
فَأَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ تَطَابَقُوا عَلَى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ وَأَنَّهُ عَمَّهُمْ بِالْإِهْلَاكِ، وَقَالَ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَمَ الْكَثِيرَةَ إِلَّا بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، فَاخْتَارُوا عَلَيْهِ الْكُفْرَ، وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمُ الْهُدَى وَاخْتَارُوا خِلَافَهُ لَمْ يَهْلِكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، وَقَالَ تَعَالَى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ، أَيْ فَلَمْ يَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ مِنَ الْأُمَمِ مَا صُدِّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ.
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْأُمَمِ أَضْعَافُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمُكَذِّبَتَيْنِ مِمَّا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ لَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقَلٍ أَنَّ الضَّلَالَ وَالْجَهْلَ وَالْغَيَّ وَفَسَادَ الْعَقْلِ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى أَتْبَاعِهِ وَمَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: كَيْفَ جَازَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا عَلَى اخْتِلَافِ طَبَائِعِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ وَتَبَايُنِ مَقَاصِدِهِمِ الْإِطْبَاقُ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْعَقْلِ، وَيُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرُسُلُهُ وَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَذَّابَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ هُوَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْجَرُهُمْ وَأَظْلَمُهُمْ وَأَكْذَبُهُمْ. وَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ إِطْبَاقَ أَكْثَرِ الْأُمَمِ عَلَى
مُتَابَعَةِ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ وَخُرُوجَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمُعَادَاتِهِمْ آبَاءَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَبَذْلِهِمْ نُفُوسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ.
فَتَجْوِيزُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى عَلَى شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ حَقِيرَةٍ لَهَا أَغْرَاضٌ عَدِيدَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ طَبَقُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَهُمْ أَعْقَلُ الْأُمَمِ وَأَكْمَلُهَا فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْفَضْلِ، وَأَيْنَ عُقُولُ عُبَّادِ الْعِجْلِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِي أَضْحَكُوا سَائِرَ الْعُقَلَاءِ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَدَلُّوهِمْ عَلَى مَبْلَغِهَا بِمَا قَالُوهُ فِي مَعْبُودِهِمْ مِنْ عُقُولِ الْمُسْلِمِينَ؟
وَإِذَا جَازَ اتِّفَاقُ أُمَّةٍ - فِيهَا مَنْ قَدْ ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلُ - عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، نَزَلَ عَنْ عَرْشِ عَظَمَتِهِ وَكُرْسِيِّ رِفْعَتِهِ، وَدَخَلَ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ فِي مَحَلِّ الْحَيْضِ وَالطَّمْثِ عِدَّةَ شُهُورٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا طِفْلًا يَمُصُّ الثَّدْيَ، وَيَبْكِي وَيَكْبُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَبُولُ وَيَصِحُّ وَيَمْرَضُ، وَيَفْرَحُ وَيَحْزَنُ، وَيَلِدُ وَيَأْلَمُ، ثُمَّ دَبَّرَ حِيلَةً عَلَى عَدُوِّهِ إِبْلِيسَ بِأَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ الْيَهُودَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَمْسَكُوهُ وَسَاقُوهُ إِلَى خَشَبَتَيْنِ يَصْلُبُونَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُمْ يَجُرُّونَهُ إِلَى الصَّلِيبِ، وَالْأَوْبَاشُ وَالْأَرَاذِلُ قُدَّامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَيَبْكِي، فَقَرَّبُوهُ مِنَ الْخَشَبَتَيْنِ، ثُمَّ تَوَّجُوهُ بِتَاجٍ مِنَ الشَّوْكِ، وَصَفَعُوهُ صَفْعًا، ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَى الصَّلِيبِ، وَسَمَّرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَجَعَلُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ هَذَا كُلَّهُ لِتَتِمَّ لَهُ الْحِيلَةُ عَلَى إِبْلِيسَ، لِيُخَلِّصَ آدَمَ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ سِجْنِهِ، فَفَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ حَتَّى خَلَصُوا مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ.
فَإِذَا جَازَ اتِّفَاقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ وَالْفُقَهَاءُ وَمَنْ ذَكَرْتُهُمْ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْبُودِهِمْ وَإِلَهِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ عِنْدَهُمْ: الْيَدُ الَّتِي خَلَقَتْ آدَمَ هِيَ الَّتِي بَاشَرَتِ الْمَسَامِيرَ وَنَالَتِ الصَّلْبَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ جَاءَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَنَادَى سِرًّا وَجَهْرًا بِكَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَتْمِهِمْ لَهُ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَكَذِبِهِمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَتَبْدِيلِهِمْ دِينَهُ، وَعَادَاهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَبَرَّأَهُمْ مِنَ الْمَسِيحِ، وَبَرَّأَهُ مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ وَحَصَبُ جَهَنَّمَ؟ فَهَذَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي اخْتَارُوا لِأَجْلِهَا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ.
فَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ لَا غَيْرَ، كَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ نَاظَرْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِبَعْضِهِمْ فَسَادُ مَا هُمْ عَلَيْهِ، قَالُوا: لَوْ دَخَلْنَا فِي الْإِسْلَامِ لَكُنَّا مِنْ أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْبَهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُتَحَكِّمُونَ فِي أَهْلِ مِلَّتِنَا فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَنَاصِبِهِمْ وَلَنَا بَيْنَهُمْ أَعْظَمُ الْجَاهِ!، وَهَلْ مَنَعَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ اتِّبَاعِ مُوسَى إِلَّا ذَلِكَ؟!
وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا
فَمِنْهَا: الْجَهْلُ بِهِ، وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ وَعَادَى أَهْلَهُ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى هَذَا السَّبَبِ بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بِالْحَقِّ وَمُعَادَاتُهُ لَهُ وَحَسَدُهُ كَانَ الْمَانِعُ مِنَ الْقَبُولِ أَقْوَى، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ إِلْفُهُ وَعَادَتُهُ وَمُرَبَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ قَوِيَ الْمَانِعُ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي دُعِيَ إِلَيْهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَاهِهِ وَعِزِّهِ وَشَهَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ قَوِيَ الْمَانِعُ مِنَ الْقَبُولِ جِدًّا.
فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ خَوْفُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَاهِهِ كَمَا وَقَعَ لِهِرَقْلَ مَلِكِ النَّصَارَى بِالشَّامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ازْدَادَ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ قُوَّةً، فَإِنَّ هِرَقْلَ عَرَفَ الْحَقَّ وَهَمَّ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُطَاوِعْهُ قَوْمُهُ وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَاخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ قِصَّتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: " الْحَسَدُ " فَإِنَّهُ دَاءٌ كَامِنٌ فِي النَّفْسِ، وَيَرَى الْحَاسِدُ الْمَحْسُودَ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ، وَأُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ نَظِيرُهُ، فَلَا يَدَعُهُ الْحَسَدُ أَنْ يَنْقَادَ لَهُ وَيَكُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ. وَهَلْ مَنَعَ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ إِلَّا الْحَسَدُ؟! فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهُ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ وَرُفِعَ فَوْقَهُ، غُصَّ بِرِيقِهِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَهَذَا الدَّاءُ هُوَ الَّذِي مَنَعَ الْيَهُودَ مِنَ الْإِيمَانِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ عَلِمُوا عِلْمًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْهُدَى فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ، وَهُمْ أُمَّةٌ فِيهِمُ الْأَحْبَارُ وَالْعُلَمَاءُ وَالزُّهَّادُ وَالْقُضَاةُ وَالْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ.
هَذَا وَقَدْ جَاءَ الْمَسِيحُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَرِيعَةٍ تُخَالِفُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَإِنَّمَا أَتَى بِتَحْلِيلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً وَإِحْسَانًا، وَجَاءَ مُكَمِّلًا لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَمَعَ هَذَا فَاخْتَارُوا الْكُفْرَ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ مَعَ نَبِيٍّ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ نَاسِخَةٍ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، مُبَكِّتًا لَهُمْ بِقَبَائِحِهِمْ، وَمُنَادِيًا عَلَى فَضَائِحِهِمْ، وَمُخْرِجًا لَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقَدْ قَاتَلُوهُ وَحَارَبُوهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ، وَيَظْفَرُ بِهِمْ، وَيَعْلُو هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مَعَهُ دَائِمًا فِي سَفَالٍ، فَكَيْفَ لَا يَمْلِكُ الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ قُلُوبَهُمْ؟ وَأَيْنَ يَقَعُ حَالُهُمْ مَعَهُ مِنْ حَالِهِمْ مَعَ الْمَسِيحِ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى الْكُفْرِ بِهِ مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى؟ وَهَذَا السَّبَبُ وَحْدَهُ كَافٍ فِي رَدِّ الْحَقِّ، فَكَيْفَ إِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ زَوَالُ الرِّئَاسَاتِ وَالْمَأْكَلِ كَمَا تَقَدَّمَ؟
وَقَدْ قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ - وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي جَهْلٍ - يَا خَالُ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَ مُحَمَّدًا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أُخْتِي! وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِينَا صَادِقًا وَهُوَ شَابٌّ، يُدْعَى الْأَمِينَ، فَمَا جَرَّبْنَا عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ، قَالَ: يَا خَالُ! فَمَا لَكُمْ لَا تَتْبَعُونَهُ؟! قَالَ: يَا ابْنَ أُخْتِي تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو هَاشِمٍ الشَّرَفَ، فَأَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا، وَسَقَوْا وَسَقَيْنَا، وَأَجَارُوا وَأَجَرْنَا، حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ؟
وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ! أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَتْ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ؟.
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَقَدْ كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ إِسْلَامُ أَسَدٍ وَثَعْلَبَةَ ابْنَيْ سُعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ،
فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيْبَانِ فَأَقَامَ عِنْدَنَا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، فَكُنَّا إِذَا قَحَطْنَا وَقَلَّ عَنَّا الْمَطَرُ نَقُولُ: يَا ابْنَ الْهَيْبَانِ، اخْرُجْ فَاسْتَقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَنُخْرِجُهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ نَسْتَقِي، فَوَاللَّهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى نُمْطَرَ وَنَمُرَّ بِالشِّعَابِ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! أَتَرَوْنَ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي إِنَّمَا خَرَجْتُ أَتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُسْبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ، قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ الْفِتْيَةُ وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيْبَانِ، فَقَالُوا: مَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لِصِفَتُهُ، ثُمَّ نَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، وَخَلَّوْا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا فُتِحَ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ
مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْنَائِنَا يَهُودِيٌّ فَخَرَجَ عَلَى نَادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ وَثَنٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنًا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! وَهَذَا كَائِنٌ، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارِكُمْ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَيُجْزَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟! فَقَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَنْ تُوقِدُوا أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي دَارِكُمْ تُحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ، وَتُطْبِقُونَهُ عَلَيَّ، وَإِنِّي أَنْجُو مِنَ النَّارِ غَدًا، فَقِيلَ: يَا فُلَانُ، مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَاحِيَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، قَالُوا: فَمَتَى نَرَاهُ؟ فَرَمَى بِطَرْفِهِ فَرَآنِي، وَأَنَا مُضْطَجِعٌ بِفِنَاءِ بَابِ أَهْلِي، وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ، فَمَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَأَنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقُلْنَا: يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ قُلْتَ مَا قُلْتَ، وَأَخْبَرْتَنَا بِهِ؟! قَالَ: لَيْسَ بِهِ....
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، ... عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنَّا قَالُوا: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَّا، كَانَ مَعَنَا يَهُودُ وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَكُنَّا أَصْحَابَ وَثَنٍ، وَكُنَّا بَلَغَنَا مِنْهُمْ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ ﷿ رَسُولَهُ ﷺ اتَّبَعْنَاهُ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، ... عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، قَالَ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ:
اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ....
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ، فَلَمَّا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعَاذَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَهَزَمُوا غَطَفَانَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِكَ يَا مُحَمَّدُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. يَسْتَفْتِحُونَ: أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُجْلُوا مِنَ الْمَدِينَةِ أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى فَأَطَافَ بِمَنَازِلِهِمْ فَرَأَى خَرَابَهَا، فَفَكَّرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَوَجَدَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَنَفَخَ فِي بُوقِهِمْ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَيْنَ كُنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ فَلَمْ نَرَكْ - وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْكَنِيسَةَ وَكَانَ يَتَأَلَّهُ فِي الْيَهُودِيَّةِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ عِبَرًا اعْتَبَرْنَا بِهَا، رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا قَدْ جُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ الْعِزِّ وَالْخُلْدِ وَالشَّرَفِ الْفَاضِلِ وَالْعَقْلِ الْبَارِعِ، قَدْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَمَلَكَهَا غَيْرُهُمْ، وَخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ، فَلَا وَالتَّوْرَاةِ مَا سُلِّطَ هَذَا عَلَى قَوْمٍ
قَطُّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ، وَقَدْ أَوْقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِابْنِ الْأَشْرَفِ فِي عِزَّةِ بُنْيَانِهِ فِي بَيْتِهِ آمِنًا، وَأَوْقَعَ بِابْنِ شَيْبَةَ سَيِّدِهِمْ، وَأَوْقَعَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَجْلَاهُمْ وَهُمْ حُبْرُ يَهُودَ وَكَانُوا أَهْلَ عُدَّةٍ وَسِلَاحٍ وَنَجْدَةٍ - فَحَصَرَهُمْ فَلَمْ يُخْرِجْ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ رَأْسَهُ حَتَّى سَبَاهُمْ، فَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهُمْ عَلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ مِنْ يَثْرِبَ. يَا قَوْمِ، قَدْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ فَأَطِيعُونِي وَتَعَالَوْا نَتَّبِعْ مُحَمَّدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ بَشَّرَنَا بِهِ وَبِأَمْرِهِ ابْنُ الْهَيْبَانِ أَبُو عُمَيْرٍ، وَابْنُ حَوَّاسٍ، وَهُمَا أَعْلَمُ يَهُودَ جَاءَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَوَكَّفَانِ قُدُومَهُ، وَأَمَرَانَا بِاتِّبَاعِهِ وَأَمَرَانَا أَنْ نُقْرِئَهُ مِنْهُمَا السَّلَامَ، ثُمَّ مَاتَا عَلَى دِينِهِمَا، وَدَفَنَّاهُمَا بِحَرَّتِنَا، فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمْ مُتَكَلِّمٌ، فَأَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ، وَخَوَّفَهُمْ بِالْحَرْبِ وَالسِّبَاءِ وَالْجَلَاءِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ – وَالتَّوْرَاةِ - قَرَأْتُ صِفَتَهُ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، لَيْسَ فِي الْمَثَانِي الَّتِي أَحْدَثْنَا، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: مَا يَمْنَعُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنِ اتِّبَاعِهِ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: وَلِمَ؟ فَوَالتَّوْرَاةِ مَا حُلْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَطُّ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنْتَ صَاحِبُ عَهْدِنَا وَعَقْدِنَا، فَإِنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَبَيْنَاهُ، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ عَلَيَّ فَذَكَرَ مَا تَقَاوَلَا بِهِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ كَعْبٌ: مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا قُلْتُ، مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أَصِيرَ تَابِعًا.
وَهَذَا الْمَانِعُ هُوَ الَّذِي مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِنِ اتِّبَاعِ مُوسَى ﵊، فَإِنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى عَزَمَ اتِّبَاعَ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ وَزِيرُهُ هَامَانُ: بَيْنَا أَنْتَ إِلَهٌ تُعْبَدُ تُصْبِحُ تَعْبُدُ رَبًّا، تَعْبُدُ غَيْرَكَ، قَالَ: صَدَقْتَ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ ... عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْعَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ: عَدَوَاتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ.... فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِعَدَاوَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، وَأَسْلَافُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ عَنْ أَذَاهُمْ لِمُوسَى، وَنَهَانَا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا.
وَأَمَّا خَلَفُهُمْ فَهُمْ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْيَهُودُ: قَتَلُوا زَكَرِيَّا وَابْنَهُ يَحْيَى، وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَأَقَامُوا السُّوقَ فِي آخِرِ النَّهَارِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ الْمَسِيحِ وَصَلْبِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَهُ أَنْ يُهِينَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. وَرَامُوا قَتْلَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَاللَّهُ يَعْصِمُهُ مِنْهُمْ.
وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ لَا يَكْثُرُ عَلَيْهِمُ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، أَوْ سَبَبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ عَلَى مَسَبَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَعَلَى مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، لَمْ يَكْثُرْ عَلَى تِلْكَ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ أَنْ تَسُبَّ بَشَرًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَجْحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَتُكَابِرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ مِنْ صِدْقِهِ وَصِحَّةِ رِسَالَتِهِ، فَلَوْ قَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ قَوْلِهِمْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الَّذِي صَارُوا فِيهِ ضِحْكَةً بَيْنَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ.
فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ - صُلِبَ وَصُفِعَ وَسُمِّرَ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَدُفِنَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَصَعِدَ وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تُطْبِقَ عَلَى جَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ بِسَبِّهَا وَلَعْنِهَا وَمُحَارَبَتِهَا وَإِبْدَاءِ مَعَايِبِهَا وَالنِّدَاءِ عَلَى كُفْرِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْمَسِيحِ مِنْهَا، وَمُعَادَاتِهِ لَهَا، ثُمَّ قَاتَلَهَا وَأَذَلَّهَا وَأَخْرَجَهَا مِنْ دِيَارِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا، وَأَنَّهَا شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، بَلْ هِيَ شَرُّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ.
وَكَيْفَ يُنْكَرُ عَلَى أُمَّةٍ أَطْبَقَتْ عَلَى صَلْبِ مَعْبُودِهَا وَإِلَهِهَا، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الصَّلِيبِ فَعَبَدَتْهُ وَعَظَّمَتْهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحْرِقَ كُلَّ صَلِيبٍ تَقْدِرُ عَلَى إِحْرَاقِهِ، وَأَنْ تُهِينَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ إِذْ صَلَبَتْ عَلَيْهِ إِلَهَهَا الَّذِي يَقُولُونَ تَارَةً: إِنَّهُ اللَّهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ إِنَّهُ ابْنُهُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؟ فَجَحَدَتْ حَقَّ خَالِقِهَا وَكَفَرَتْ بِهِ أَعْظَمَ كُفْرٍ وَسَبَّتْهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، أَنْ تَجْحَدَ حَقَّ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَتَكْفُرَ بِهِ.
وَكَيْفَ يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةٍ قَالَتْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، إِنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لِيُكَلِّمَ الْخَلْقَ بِذَاتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهُمْ بِتَكَلُّمِهِ لَهُمْ بِذَاتِهِ ; لِتَرْتَفِعَ الْمَعَاذِيرُ عَمَّنْ ضَيَّعَ عَهْدَهُ بَعْدَ مَا كَلَّمَهُ بِذَاتِهِ؟ فَهَبَطَ بِذَاتِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْتَحَمَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، فَأَخَذَ مِنْهَا حِجَابًا، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ طَرِيقِ الْجِسْمِ، وَخَالِقٌ مِنْ طَرِيقِ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ جِسْمَهُ وَخَلَقَ أُمَّهُ، وَأُمُّهُ كَانَتْ قَبْلَهُ بِالنَّاسُوتِ، وَهُوَ كَانَ مِنْ قَبْلِهَا بِاللَّاهُوتِ، وَهُوَ الْإِلَهُ التَّامُّ، وَالْإِنْسَانُ التَّامُّ، وَمِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ ﵎ عَلَى عِبَادِهِ أَنَّهُ رَضِيَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ عَنْهُمْ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، فَمَكَّنَ أَعْدَاءَهُ الْيَهُودَ مِنْ نَفْسِهِ ; لِيَتِمَّ سُخْطُهُ
عَلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَتَوَّجُوهُ بِتَاجٍ مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَغَارَ دَمُهُ فِي إِصْبَعِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْأَرْضِ لَيَبِسَ كُلُّ مَا فِي وَجْهِهَا، فَثَبَتَ فِي مَوْضِعِ صَلْبِهِ النَّوَّارُ.
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ الْعَاصِي الَّذِي ظَلَمَهُ، وَاسْتَهَانَ بِقَدْرِهِ، لِاعْتِلَاءِ مَنْزِلَةِ الرَّبِّ، وَسُقُوطِ مَنْزِلَةِ الْعَبْدِ، أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مِثْلُهُ، فَانْتَصَفَ مِنْ خَطِيئَةِ آدَمَ بِصَلْبِ عِيسَى الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، فَصُلِبَ ابْنُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ.
فَأُمَّةٌ أَطْبَقَتْ عَلَى هَذَا فِي مَعْبُودِهَا، كَيْفَ يَكْثُرُ عَلَيْهَا أَنْ تَقُولَ فِي عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَكَاذِبٌ وَمَلِكٌ مُسَلَّطٌ وَنَحْوُ هَذَا؟
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مُلُوكِ الْهِنْدِ: أَمَّا النَّصَارَى فَإِنْ كَانَ أَعْدَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ يُجَاهِدُونَهُمْ بِالشَّرْعِ فَأَنَا أَرَى جِهَادَهُمْ بِالْعَقْلِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى قِتَالَ أَحَدٍ، لَكِنِّي أَسْتَثْنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا مُضَادَّةَ الْعَقْلِ وَنَاصَبُوهُ الْعَدَاوَةَ وَشَذُّوا عَنْ جَمِيعِ مَصَالِحِ الْعَالَمِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَاعْتَقَدُوا كُلَّ مُسْتَحِيلٍ مُمْكِنًا، وَبَنَوْا مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا لَا يُؤَدِّي إِلَى صَلَاحِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهُ يُصَيِّرُ الْعَاقِلَ إِذَا شَرَعَ بِهِ
أَخْرَقَ، وَالرَّشِيدَ سَفِيهًا، وَالْحَسَنَ قَبِيحًا، وَالْقَبِيحَ حَسَنًا، لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي أَصْلِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي جَرَى نَشْؤُهُ عَلَيْهَا الْإِسَاءَةُ إِلَى الْخَلَّاقِ، وَالنَّيْلُ مِنْهُ، وَسَبُّهُ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَوَصْفُهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى، وَأَخْلَقُ بِهِ أَنْ يَسْتَهِلَّ الْإِسَاءَةَ إِلَى مَخْلُوقٍ، وَأَنْ يَصِفَهُ بِمَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ الْجَمِيلَةَ.
وَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُجَاهَدَةُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا لِعُمُومِ أَضْرَارِهِمُ الَّتِي لَا تُحْصَى وُجُوهُهُ، كَمَا يَجِبُ قَتْلُ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِطَبْعِهِ، لَكَانُوا أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الَّذِي اخْتَارُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَلَى تَعْظِيمِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَإِجْلَالِهِ وَوَصْفِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَالَّذِينَ اخْتَارُوا عِبَادَةَ صُوَرٍ خَطُّوهَا بِأَيْدِيهِمْ فِي الْحِيطَانِ، مُزَوَّقَةٍ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْرَقِ، لَوْ دَنَتْ مِنْهَا الْكِلَابُ لَبَالَتْ عَلَيْهَا، فَأَعْطَوْهَا غَايَةَ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ، وَسَأَلُوهَا الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّزْقَ وَالنَّصْرَ، هُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَالَّذِينَ نَزَّهُوا مَطَارِنَتَهُمْ وَبَتَارِكَتَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَحَوْهُمَا لِلْفَرْدِ الصَّمَدِ، هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ عَبْدِهِ وَخَاتَمِ رُسُلِهِ. وَالَّذِينَ اخْتَارُوا صَلَاةً يَقُومُ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ إِلَيْهَا، وَالْبَوْلُ عَلَى سَاقِهِ وَأَفْخَاذِهِ فَيَسْتَقْبِلُ الشَّرْقَ ثُمَّ يُصَلِّبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَعْبُدُ الْإِلَهَ الْمَصْلُوبَ، وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ: يَا أَبَانَا أَنْتَ الَّذِي
فِي السَّمَاوَاتِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ وَلْيَأْتِ مُلْكُكَ وَلْتَكُنْ إِرَادَتُكَ فِي السَّمَاءِ مِثْلَهَا فِي الْأَرْضِ أَعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ لَنَا.
ثُمَّ يُحَدِّثُ إِلَى مَنْ هُوَ إِلَى جَانِبِهِ، وَرُبَّمَا سَأَلَهُ عَنْ سِعْرِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَعَمَّا كَسَبَ فِي الْقِمَارِ، وَعَمَّا طَبَخَ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا أَحْدَثَ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَبَالَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ يَدْعُو تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ صَنْعَةُ يَدِ الْإِنْسَانِ. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ عَلَى صَلَاةِ مَنْ إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ طَهَّرَ أَطْرَافَهُ وَثِيَابَهُ وَبَدَنَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ وَسَبَّحَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ نَاجَاهُ بِكَلَامِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِأَفْضَلِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَسُؤَالِهِ أَجَلَّ مَسْئُولٍ، وَهُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى طَرِيقِ رِضَاهُ، الَّتِي خَصَّ بِهَا مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَ طَرِيقِ الْأُمَّتَيْنِ: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ وَهُمُ النَّصَارَى، ثُمَّ أَعْطَى كُلَّ جَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ حَظَّهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ مَعَ غَايَةِ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَلْتَفِتُ عَنْ مَعْبُودِهِ بِوَجْهِهِ، وَلَا قَلْبِهِ، وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا كَلِمَةً، بَلْ قَدْ فَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَعْبُودِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، لَا يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ صُورَةً مَصْنُوعَةً يَدْعُوهَا وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهَا. فَالَّذِينَ اخْتَارُوا تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِهْزَاءٌ بِالْمَعْبُودِ، لَا يَرْضَاهَا الْمَخْلُوقُ لِنَفْسِهِ، فَضْلًا أَنْ يَرْضَى بِهَا الْخَالِقُ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ لَظَهَرَ لَهُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا. وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا التَّكْذِيبَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
وَالْعَاقِلُ إِذَا وَازَنَ بَيْنَ مَا اخْتَارُوا وَرَغِبُوا فِيهِ، وَبَيْنَ مَا رَغِبُوا عَنْهُ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْمَ
Translation
المسألة الأولى وهي: قول السائل: قد اشتهر عندكم بأن أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير
#7 Chapter 7 — (فصل): ولم يقل أحد من المسلمين إن من ذكرتم من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد وراهب وقسيس، كلهم تبين له الهدى · ref. #7
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
(فصل): ولم يقل أحد من المسلمين إن من ذكرتم من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد وراهب وقسيس، كلهم تبين له الهدى
Translation
(فصل): ولم يقل أحد من المسلمين إن من ذكرتم من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد وراهب وقسيس، كلهم تبين له الهدى
#8 Chapter 8 — [المسألة الثانية] وهي قولكم: هب أنهم اختاروا الكفر لذلك، فهلا اتبع الحق من لا رئاسة له ولا مأكلة، إما اختيارا وإما قهرا؟ · ref. #8
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى وَالْغَيَّ عَلَى الرَّشَادِ، وَالْقَبِيحَ عَلَى الْحَسَنِ، وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّهُمُ اخْتَارُوا مِنَ الْعَقَائِدِ أَبْطَلَهَا، وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَقْبَحَهَا وَأَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ وَبَتَارِكَتُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَضْلًا عَنْ عَوَامِّهِمْ.

(فَصْلٌ): وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ مَنْ ذَكَرْتُمْ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَرَاهِبٍ وَقِسِّيسٍ، كُلِّهِمْ تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، بَلْ أَكْثَرُهُمْ جُهَّالٌ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ السَّائِمَةِ، مُعْرِضُونَ عَنْ طَلَبِ الْهُدَى فَضْلًا عَنْ تَبْيِينِهِ لَهُمْ، وَهُمْ مُقَلِّدُونَ لِرُؤَسَائِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ - وَهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْهُدَى.
وَأَيُّ إِشْكَالٍ يَقَعُ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَزَلْ فِي النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِهِ كِبْرًا، وَالْبَاطِلُ مِنْهُمْ يَخْتَارُهُ جَهْلًا وَتَقْلِيدًا لِمَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي مَأْكَلٍ أَوْ جَاهٍ وَرِئَاسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ مَحَبَّةً فِي صُورَةٍ وَعِشْقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ خَشْيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ عُلُوًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ رَاحَةً وَدَعَةً، فَلَمْ تُحْصَرْ أَسْبَابُ اخْتِيَارِ الْكُفْرِ فِي حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ.

(فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)

[المسألة الثانية]
وَهِيَ قَوْلُكُمْ: هَبْ أَنَّهُمُ اخْتَارُوا الْكُفْرَ لِذَلِكَ، فَهَلَّا اتَّبَعَ الْحَقَّ مَنْ لَا رِئَاسَةَ لَهُ وَلَا مَأَكَلَةَ، إِمَّا اخْتِيَارًا وَإِمَّا قَهْرًا؟
فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ ذَكَرْتُمْ قَدْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَصَدَّقَهُ اخْتِيَارًا
لَا اضْطِرَارًا، وَأَكْثَرُهُمْ أُولُو الْعُقُولِ وَالْأَحْلَامِ وَالْعُلُومِ مِمَّنْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ.
فَرُقْعَةُ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا انْتَشَرَتْ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بِإِسْلَامِ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ، فَدَخَلُوا دِينَ اللَّهِ أَفْوَاجًا، حَتَّى صَارَ الْكُفْرُ مَعَهُمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَهَذَا مَلِكُ النَّصَارَى عَلَى إِقْلِيمِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ آمَنَ بِهِ، وَدَخَلَ فِي دِينِهِ، وَآوَى أَصْحَابَهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَقِصَّتُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَلَمَّا مَاتَ أَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالسَّاعَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَلَّى عَلَيْهِ.
فَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ: النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَظْرَفُ، وَمِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأَدَمُ فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا
لَهُ، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمَا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا، فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطَرِيقٌ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قَالَا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ: إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِيكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا، وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَايَنُوهُمْ فِيهِ، قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا
عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا لِيَرُدُّوهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أَكَادُ أَنْ أُسَلِّمَ أَقْوَامًا جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ، وَاللَّهِ، مَا عَلِمْنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا جَاءُوهُ - وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ - سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلَا دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟
قَالَتْ: وَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ ﷿ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ ﷿ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ،
وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ﷿، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ " كهيعص " قَالَتْ: فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى، لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقُوا! فَوَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا وَلَا أَكَادُ.
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا فَأَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا
يَقُولُونَ فِيهِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ، قَالُوا: نَقُولُ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ ﷿، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟
فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، مَا قُلْتَ هَذِهِ الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتِ الْبَطَارِقَةُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ، وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ سَيَمَكُمْ غَنِمَ وَمَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَيْرًا ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّيْرُ: بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ.
رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا وَلَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحِينَ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
قَالَتْ: فَخَرَجَ عَدُوٌّ لَهُ عَلَيْهِ وَحَارَبَهُ، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ
حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: فَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، فَاسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ، وَقَالَ: لَوْ قَدَرْتُ لَأَتَيْتُهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَفَعَلَ، وَأَصْدَقَ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى التَّزْوِيجَ خَالِدُ بْنُ
سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمِلَهُمْ، فَفَعَلَ.
فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، فَشَخَصُوا إِلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي سِهَامِهِمْ فَفَعَلُوا.
فَهَذَا مَلِكُ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ. وَكَمْ مِثْلُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النَّصَارَى، فَدَخَلَ فِي الدِّينِ، وَهُمْ أَكْثَرُ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ، وَقُبَالَتُهُ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوهُ فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا، وَصَدَّقُوهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهِلِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَائَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ إِلَيْهِمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ؟! مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ؟ أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا: سَلَامٌ
عَلَيْكُمْ، لَا نُجَادِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْرًا.
وَيُقَالُ: إِنَّ النَّفَرَ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَيُقَالُ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِلَى قَوْلِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ نَزَلَتْ فِي النَّجَّاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَوَفدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ، فَأَرَادَ النَّاسُ مَنْعَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُمْ، فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمجْمَعِهِمْ. وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أُسْقُفُّهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ، وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ وَبَنَوْا لَهُ
Translation
[المسألة الثانية] وهي قولكم: هب أنهم اختاروا الكفر لذلك، فهلا اتبع الحق من لا رئاسة له ولا مأكلة، إما اختيارا وإما قهرا؟
#9 Chapter 9 — (فصل): وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين لهم أنه الحق، الرئيس المطاع في قومه عدي بن حاتم الطائي · ref. #9
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
الْكَنَائِسَ وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ. فَلَمَّا وَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ مُوَجِّهًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ يُقَالُ لَهُ: كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ يُسَايِرُهُ إِذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ. فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ، فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ اتِّبَاعِهِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا، وَأَكْرَمُونَا وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا ذَلِكَ، فَأَصَرَّ عَلَيْهِ أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الَّذِينَ مَنَعَتْهُمُ الرِّئَاسَةُ وَالْمَأْكَلَةُ مِنَ اخْتِيَارِ الْهُدَى وَآثَرُوا دِينَ قَوْمِهِمْ. وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ الرُّؤَسَاءِ الْمَتْبُوعِينَ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ كَانَ بَقِيَّتُهُمْ تَبَعًا لَهُمْ.
وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ تَمْنَعَ الرِّئَاسَةُ وَالْمَنَاصِبُ وَالْمَأْكَلُ لِلرُّؤَسَاءِ، وَيَمْنَعَ الْأَتْبَاعَ تَقْلِيدُهُمْ، بَلْ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَالْعَقْلُ لَا يَسْتَشْكِلُهُ.

(فَصْلٌ): وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، الرَّئِيسُ الْمُطَاعُ فِي قَوْمِهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّتَهُ كَمَا رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ - وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ - فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخْذَ بِيَدِي، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ يَدَهُ فِي يَدِي، قَالَ: فَقَامَ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ مَعَهَا، فَقَالَا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَى بِي دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وَسَادَةً، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَضُرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا تَضُرُّ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَلْ تَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: فَإِنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَّالٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ يَنْبَسِطُ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَجَعَلْتُ أَغْشَاهُ أَيْ آتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنَ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ. قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بِصَاعٍ، وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ بِقَبْضَةٍ، وَلَوْ بِنِصْفِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أَوِ النَّارِ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللَّهَ وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ:
أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبُّ، فَيَقُولُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟! فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي وَجْهَهُ، لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْفَاقَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ، فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحِيرَةِ أَكْثَرُ مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيٍّ؟. وَكَانَ عَدِيٌّ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ الْمِرْبَاعُ مِنْ غَنَائِمِهِمْ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ حُذَيْفَةَ: قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَكَرِهْتُهُ أَشَدَّ مَا كَرِهْتُ شَيْئًا قَطُّ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، ثُمَّ كَرِهْتُ مَكَانِي أَشَدَّ مِمَّا كَرِهْتُ مَكَانِي الْأَوَّلَ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ فَسَمِعْتُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَانْتَشَرَ فِي النَّاسِ، وَقَالُوا: جَاءَ
عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ! فَقَالَ: يَا عَدِيُّ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَقُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكِ مِنْكَ، قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ هَذَا ثَلَاثًا، قَالَ: أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ، قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ: فَوَجَدْتُ بِهَا عَلَيَّ غَضَاضَةً، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَمْنَعَكَ أَنْ تُسْلِمَ أَنْ تَرَى عِنْدَنَا خَصَاصَةً، وَتَرَى النَّاسَ عَلَيْنَا أَلْبًا وَاحِدًا، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ عَلِمْتُ مَكَانَهَا، قَالَ: فَإِنَّ الظَّعِينَةَ سَتَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَلَتُفْتَحَنَّ عَلَيْنَا كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى يُهِمَّ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ صَدَقَتَهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَكُنْتُ فِي أَوَّلِ خَيْلٍ أَغَارَتْ عَلَى الْمَدَائِنِ، وَوَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةَ. إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَنْ أَعْلَمِ النَّصَارَى بِدِينِهِمْ، وَكَانَ قَدْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ
النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَ أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، وَنَحْنُ نَسُوقُ قِصَّتَهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: (حَيٌّ) . وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ لَمْ يَزَلْ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتٍ كَمَا يَحْبِسُ الْجَارِيَةَ، فَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّتِي تُوقِدُهَا لَا نَتْرُكُهَا سَاعَةً تَخْبُو، وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ إِلَيْهَا فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسْ عَنِّي فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتَ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ضَيْعَتِي وَشَغَلْتَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الَّتِي بَعَثَنِي إِلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ، دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينَ؟ قَالُوا:
بِالشَّامِ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلَهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلِي، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ.
فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا: أُسْقُفُّ الْكَنِيسَةِ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فَأَخْدِمَكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ، وَأُصَلِّيَ مَعَكَ، قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ، فَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا لَهُ شَيْئًا مِنْهَا اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا
لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَلَا أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ، فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَهُ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ فَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَنْ تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلَانٌ وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقَتْ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَرَأَيْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ.
فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا أُحْضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانِ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، مَا أَعْلَمُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا، آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ.
فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيَّةَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ عَلَى هُدَى أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، فَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَأَعْنُزٌ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا أُحْضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مَنْ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ. وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ بِدِينِ إِبْرَاهِيمِ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُهُ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ.
ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ، فَقُلْتُ لَهُمْ: احْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُمُوهَا، فَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي، وَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ فَكُنْتُ عِنْدَهُ، فَرَأَيْتُ النَّخْلَ فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ فِي نَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ فَحَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذَكَرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ.
ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
فَلَمَّا سَمِعْتُهُمَا أَخَذَتْنِي عُرَوَاءُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَاقِطٌ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَا تَقُولُ؟ فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ! فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسَتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ
ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَأَمْسَكَ هُوَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثِنْتَانِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيَّ شَمْلَتَانِ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسَتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَحَوَّلْ. فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ.
ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحَيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُمِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَافْقِرْ لَهَا فَإِذَا فَرَغَتْ فَائْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي فَفَقَرْتُ فَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْتُ أُقَرِّبُ إِلَيْهِ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ حَتَّى فَرَغَتْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ مِنْهَا وِدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ
بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمَكَاتَبُ؟ فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ مِمَّا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا مَا عَلَيْكَ، فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ مِنْهَا لَهُمْ، فَوَاللَّهِ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ، فَشَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ.
وَكَانَ مَلِكُ الشَّامِ وَأَحَدُ أَكَابِرِ عُلَمَائِهِمْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ (هِرَقْلُ) قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَعَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى عَلَيْهِ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، فَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَضَنَّ بِمُلْكِهِ - مَعَ عِلْمِهِ - بِأَنَّهُ سَيُنْقَلُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَنَحْنُ نَسُوقُ قِصَّتَهُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي الشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، وَقَدْ كَانَ دَحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، فَدَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ. ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ، كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ:
قُلْتُ: ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَنِ اتَّبَعَهُ، أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لَا. قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ لَقُلْتُ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، فَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ مُتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا يَقُولُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: فِيمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُهُ حَقًّا إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ
إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَقُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَأُمِرَ بِنَا فَخَرَجْنَا، ثُمَّ أَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ طَلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكَمَ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيَسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: رَدُّوهُمْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
فَهَذَا مَلِكُ الرُّومِ - وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَيْضًا - عَرَفَ وَأَقَرَّ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ سَيَمْلِكُ مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَحَبَّ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ فَوَلَّوْا عَنْهُ مَعْرَضَيْنِ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فَمَنَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْخَوْفُ عَلَى مُلْكِهِ وَرِئَاسَتِهِ، وَمَنْعَهُ أَشْبَاهُ الْحَمِيرِ مِمَّا مَنَعَ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ.
وَلَمَّا عَرَفَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ أَنَّ عُبَّادَ الصَّلِيبِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ عِبَادَةِ الصَّلِيبِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، أَسْلَمَ وَحْدَهُ سِرًّا، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ بَيْنَهُمْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مُجَاهَرَتُهُمْ.
ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ بِكِتَابِهِ
يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: يَا أَصْحَمَةُ أَنَا عَلِيَّ الْقَوْلُ وَعَلَيْكَ الِاسْتِمَاعُ: إِنَّكَ كَأَنَّكَ فِي الرِّقَّةِ عَلَيْنَا مِنَّا، وَكَأَنَّا فِي الثِّقَةِ بِكَ مِنْكَ، لِأَنَّا لَمْ نَظُنَّ بِكَ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا نُلْنَاهُ، وَلَمْ نَخَفْكَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَمِنَّاهُ، وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْكَ مِنْ فِيكَ، الْإِنْجِيلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شَاهِدٌ لَا يُرَدُّ، وَقَاضٍ لَا يَجُورُ، وَفِي ذَلِكَ مَوْقِعُ الْحَزِّ وَإِصَابَةِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ رُسُلَهُ إِلَى النَّاسِ فَرَجَاكَ بِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ، وَأَمِنَكَ عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْكَ لِخَيْرٍ سَالِفٍ وَأَجْرٍ مُنْتَظَرٍ.
فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ، (وَإِنَّ الْعَيَانَ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنَ الْخَبَرِ) قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةَ (سَلَمٌ) أَنْتَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتَوُلِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ، حَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ
Translation
(فصل): وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين لهم أنه الحق، الرئيس المطاع في قومه عدي بن حاتم الطائي
#10 Chapter 10 — (فصل): وكذلك ملك دين النصرانية بمصر عرف أنه نبي صادق، ولكن منعه من اتباعه ملكه، وأن عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب. ونحن نسوق حديثه وقصته · ref. #10
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبِعَنِي وَتُؤْمِنَ بِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ (وَإِنِّي) أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَبَرَكَاتُ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ:
فَلَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ فِيمَا ذَكَرْتَ مَنْ أَمْرِ عِيسَى ﵇، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى لَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ تَفْرُوقًا، إِنَّهُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْنَا، قَدْ قَرَّبْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا، وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". وَالتَّفَرُّوقُ عَلَامَةٌ تَكُونُ بَيْنَ النَّوَاةِ وَالثَّمَرَةِ.

(فَصْلٌ): وَكَذَلِكَ مَلِكُ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ بِمِصْرَ عَرَفَ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ مُلْكُهُ، وَأَنَّ عُبَّادَ الصَّلِيبِ لَا يَتْرُكُونَ عِبَادَةَ الصَّلِيبِ. وَنَحْنُ نَسُوقُ حَدِيثَهُ وَقِصَّتَهُ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ.
يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وَخَتَمَ الْكِتَابَ.
فَخَرَجَ بِهِ حَاطِبٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَانْتَهَى إِلَى حَاجِبِهِ فَلَمْ يَلْبِثْ أَنْ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ حَاطِبٌ لِلْمُقَوْقِسِ لَمَّا لَقِيَهُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّبُّ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى فَانْتَقَمَ بِهِ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ، فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِكَ وَلَا يَعْتَبِرْ بِكَ غَيْرُكَ. قَالَ: هَاتِ، قَالَ: إِنَّ لَنَا دِينًا لَمْ نَدَعْهُ إِلَّا لِمَا
هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللَّهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ دَعَا النَّاسَ فَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ إِنْكَارًا قُرَيْشٌ وَأَعْدَاهُمْ لَهُ الْيَهُودُ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النَّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إِلَّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ. وَمَا دُعَاؤُنَا إِيَّاكَ إِلَى الْقُرْآنِ إِلَّا كَدُعَائِكَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ إِلَى الْإِنْجِيلِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَأَنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ هَذَا النَّبِيَّ، وَلَسْنَا نَنْهَاكَ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَلَكِنَّا نَأْمُرُكَ بِهِ. فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ هَذَا النَّبِيِّ، فَرَأَيْتُهُ لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ مَرْغُوبٍ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسَّاحِرِ الضَّالِّ، وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوَجَدْتُ مَعَهُ آلَةَ النُّبُوَّةِ، مِنْ إِخْرَاجٍ الْخَبْءِ، وَالْإِخْبَارِ بِالنَّجْوَى، وَوَصَفَ لِحَاطِبٍ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ: الْقِبْطُ لَا يُطَاوِعُونِي فِي اتِّبَاعِهِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ بِمُحَاوَرَتِي إِيَّاكَ، وَأَنَا أَضِنُّ بِمُلْكِي أَنْ أُفَارِقَهُ، وَسَيَظْهَرُ عَلَى الْبِلَادِ وَيَنْزِلُ بِسَاحَتِنَا هَذِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ.
وَأَخَذَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَهُ فِي حِقٍّ مِنْ عَاجٍ وَخَتْمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَى جَارِيَتِهِ، ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَكَتَبَ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنَ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي الْقِبْطِ عَظِيمٌ،
Translation
(فصل): وكذلك ملك دين النصرانية بمصر عرف أنه نبي صادق، ولكن منعه من اتباعه ملكه، وأن عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب. ونحن نسوق حديثه وقصته
#11 Chapter 11 — (فصل): وكذلك ابنا الجلندي، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى، أسلما طوعا واختيارا، ونحن نذكر قصتهما · ref. #11
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
وَبِكِسْوَةٍ، وَأَهْدَيْتُ إِلَيْكَ بَغْلَةً لِتَرْكَبَهَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا مُكْرَمًا وَالْجَارِيَتَانِ: مَارِيَةُ وَسِيرِينُ، وَالْبَغْلَةُ: دَلُولٌ، وَبَقِيَتْ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ حَاطِبٌ: فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ.

(فَصْلٌ): وَكَذَلِكَ ابْنَا الْجَلَنْدِيِّ، مَلِكَا عُمَانَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ مُلُوكِ النَّصَارَى، أَسْلَمَا طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّتَهُمَا وَكِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمَا، وَهَذَا لَفْظُهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَبْدٍ ابْنَيِ الْجَلَنْدِيِّ.
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنِّي أَدْعُوكُمَا بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّكُمَا إِنْ أَقْرَرْتُمَا بِالْإِسْلَامِ وَلَّيْتُكُمَا، وَإِنْ أَبَيْتُمَا أَنْ تُقِرَّا بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ، وَخَيْلِي تَحِلُّ بِسَاحَتِكُمَا،
وَتَظْهَرُ نُبُوَّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا، وَخَتَمَ الْكِتَابَ، وَبُعِثَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قَالَ عَمْرٌو: فَخَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدٍ، فَكَانَ أَحْلَمَ الرَّجُلَيْنِ وَأَسْهَلَهُمَا خُلُقًا، قُلْتُ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِلَى أَخِيكَ، فَقَالَ: أَخِي الْمُقَدَّمُ عَلَيَّ بِالسِّنِّ وَالْمُلْكِ، وَأَنَا أُوصِلُكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْرَأَ كِتَابَكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: يَا عَمْرُو، إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ، فَكَيْفَ صَنَعَ أَبُوكَ؟ فَإِنَّ لَنَا فِيهِ قُدْوَةً؟ قُلْتُ: مَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ، وَوَدِتُّ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمُ وَصَدَّقَ بِهِ، وَكُنْتُ أَنَا عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ حَتَّى هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ.
قَالَ: فَمَتَى تَبِعْتَهُ؟ قُلْتُ: قَرِيبًا، فَسَأَلَنِي أَيْنَ كَانَ إِسْلَامِي؟ فَقُلْتُ: عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ: كَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ بِمُلْكِهِ؟ قُلْتُ: أَقَرُّوهُ. قَالَ: وَالْأَسَاقِفَةُ وَالرُّهْبَانُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: انْظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ، إِنَّهُ لَيْسَ خَصْلَةٌ فِي رَجُلٍ أَفْضَحَ لَهُ مِنْ كَذِبٍ، قُلْتُ: مَا كَذَبْتُ وَمَا نَسْتَحِلُّهُ فِي دِينِنَا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى هِرَقْلَ عَلِمَ بِإِسْلَامِ النَّجَاشِيِّ. قُلْتُ: قَدْ عَلِمَ. قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ؟ قُلْتُ: كَانَ النَّجَاشِيُّ يُخْرِجُ لَهُ خَرْجًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَوْ سَأَلَنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْتُهُ، فَبَلَغَ هِرَقْلَ قَوْلُهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ بِنَاقُ: أَتَدَعُ عِنْدَكَ لَا يُخْرِجُ لَكَ خَرْجًا وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا، قَالَ هِرَقْلُ: رَجُلٌ رَغِبَ فِي دِينٍ وَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ وَاللَّهِ لَوْلَا
الضِّنُّ بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ! قَالَ: بِمَا تَقُولُ يَا عَمْرُو؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصَّلِيبِ. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي لَرَكِبْنَا حَتَّى نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ وَنُصَدِّقَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنُّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِيرَ دَيِّنًا. قُلْتُ: إِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَرَدَّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ. قَالَ: إِنَّ هَذَا لَخُلُقٌ حَسَنٌ، وَمَا الصَّدَقَةُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَمْوَالِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِبِلِ. فَقَالَ: يَا عَمْرُو، وَيُؤْخَذُ مَنْ سَوَائِمِ مَوَاشِينَا الَّتِي تَرْعَى الشَّجَرَ وَتَرِدُ الْمِيَاهَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى قَوْمِي فِي بُعْدِ دَارِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا. قَالَ: فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيَّامًا وَهُوَ يَصِلُ إِلَى أَخِيهِ فَيُخْبِرُهُ كُلَّ خَبَرِي، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي يَوْمًا فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخَذَ أَعْوَانُهُ بِضَبَعِي، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَأُرْسِلْتُ، فَذَهَبْتُ لِأَجْلِسَ فَأَبَوْا أَنْ يَدَعُونِي أَجْلِسُ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مَخْتُومًا، فَفَضَّ خَاتَمَهُ فَقَرَأَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَرَأَهُ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَخَاهُ أَرَقَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟ فَقُلْتُ: تَبِعُوهُ إِمَّا رَاغِبٌ فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا مَقْهُورٌ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ: وَمَنْ مَعَهُ؟ قُلْتُ: النَّاسُ قَدْ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَرَفُوهُ بِعُقُولِهِمْ مَعَ هُدَى اللَّهِ إِيَّاهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرُكَ فِي هَذِهِ الْحَرِجَةِ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تُسْلِمِ الْيَوْمَ وَتَتَّبِعْهُ تُوطِئْكَ الْخَيْلُ وَتُبِدْ خَضْرَاءَكَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَيَسْتَعْمِلْكَ عَلَى
Translation
(فصل): وكذلك ابنا الجلندي، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى، أسلما طوعا واختيارا، ونحن نذكر قصتهما
#12 Chapter 12 — (فصل): وكتب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة: · ref. #12
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
قَوْمِكَ وَلَا تَدْخُلْ عَلَيْكَ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ، قَالَ: دَعْنِي يَوْمِي هَذَا، وَارْجِعْ إِلَيَّ غَدًا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إِنْ لَمْ يَضِنَّ بِمُلْكِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إِلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَخِيهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا ضَعِيفُ الْعَرَبِ إِنْ مَلَّكْتُ رَجُلًا مَا فِي يَدِي وَهُوَ لَا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَاهُنَا، وَإِنْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ أَلْفَتْ رِجَالًا وَقِتَالًا لَيْسَ كَمَنْ لَاقَى فِي الْقِتَالِ، قُلْتُ: وَأَنَا خَارِجٌ غَدًا، فَلَمَّا أَيْقَنَ بِمَخْرَجِي، خَلَا بِهِ أَخُوهُ، فَقَالَ: مَا نَحْنُ فِيمَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَدْ أَجَابَهُ.
فَأَصْبَحَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَجَابَ بِالْإِسْلَامِ هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا، وَصَدَّقَا النَّبِيَّ ﷺ، وَخَلَّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَا لِي عَوْنًا عَلَى مَنْ خَالَفَنِي.

(فَصْلٌ): وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
Translation
(فصل): وكتب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة:
#13 Chapter 13 — (فصل): وذكر الواقدي أن رسول الله ﷺ بعث شجاع بن وهب إلى الحارث · ref. #13
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ.
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدِكَ.
وَكَانَ عِنْدَهُ أَرَكُونُ دِمَشْقَ - عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى - فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ وَقَالَ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُهُ يَدْعُونِي إِلَى الْإِسْلَامِ. فَقَالَ الْأَرَكُونُ: لِمَ لَا تُجِيبُهُ؟ فَقَالَ: ضَنَنْتُ بِدِينِي وَأَنَا مَلِكُ قَوْمِي، إِنِ اتَّبَعْتُهُ لَمْ أَتَمَلَّكْ، قَالَ: بَلَى، وَاللَّهِ لَئِنِ اتَّبَعْتَهُ لَيُمَلِّكَنَّكَ، وَإِنَّ الْخِيرَةَ لَكَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي الْإِنْجِيلِ.

(فَصْلٌ): وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ
أَبِي شِمْرٍ وَهُوَ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَرْجِعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ.
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ.
فَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَكَ مُلْكُكَ، وَخَتَمَ الْكِتَابَ.
فَخَرَجَ بِهِ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى حَاجِبِهِ فَأَخَذَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْإَنْزَالِ وَالْأَلْطَافِ لِقَيْصَرَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ حَيْثُ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، شُكْرًا لِلَّهِ ﷿، قَالَ: فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيًّا، اسْمُهُ مُرِيٌّ -: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ صَاحِبُهُ يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُ فَيَرِقُّ حَتَّى يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولَ: إِنِّي قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ وَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، فَكُنْتُ أَرَاهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّامِ، فَأَرَاهُ قَدْ خَرَجَ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، فَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَنَا أَخَافُ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَنْ يَقْتُلَنِي.
Translation
(فصل): وذكر الواقدي أن رسول الله ﷺ بعث شجاع بن وهب إلى الحارث
#14 Chapter 14 — (فصل): ونحن إنما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذي آمنوا به، وأكابر علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حصر من عداهم · ref. #14
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
قَالَ شُجَاعٌ: فَكَانَ هَذَا الْحَاجِبُ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي، وَيُخْبِرُنِي عَنِ الْحَارِثِ مَا بِالنَّاسِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: هُوَ يَخَافُ قَيْصَرَ، قَالَ: فَخَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمًا وَجَلَسَ فَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأُذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي؟! أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ جَالِسًا يُعَرِّضُ حَتَّى اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ أَنْ تُنَعَّلَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ مَا تَرَى، وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ بِخَبَرِي فَصَادَفَ قَيْصَرَ بِإِيلِيَا، وَعِنْدَهُ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصَرُ كِتَابَ الْحَارِثِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا تَسِرْ إِلَيْهِ وَالْهُ عَنْهُ وَوَافِنِي بِإِيلِيَا. قَالَ: وَرَجَعَ الْكِتَابُ وَأَنَا مُقِيمٌ، فَدَعَانِي وَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: غَدًا، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، وَوَصَلَنِي (مُرِيٌّ) بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مُتَّبِعٌ دِينَهُ.
قَالَ شُجَاعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: بَادَ مُلْكُهُ، وَأَقْرَأْتُهُ مِنْ مُرِيٍّ السَّلَامَ وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ.

(فَصْلٌ): وَنَحْنُ إِنَّمَا ذَكَرْنَا بَعْضَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، وَأَكَابِرَ عُلَمَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُنَا حَصْرَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مُتَابَعَتِهِ إِلَّا الْأَقَلُّونَ، وَهُمْ: إِمَّا مُسَالِمٌ لَهُ قَدْ رَضِيَ بِالذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْهَوَانِ، وَإِمَّا خَائِفٌ مِنْهُ.
فَأَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْلِمُونَ لَهُ، وَمُسَالِمُونَ لَهُ، وَخَائِفُونَ مِنْهُ.
وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْيَهُودِ فِي زَمَنِهِ إِلَّا سَيِّدُهُمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَعَالِمُهُمْ وَابْنُ عَالِمِهِمْ، بِاعْتِرَافِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتِهِمْ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، لَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ يَهُودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ.
إِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ سَيِّدِ الْيَهُودِ
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵃، قَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَاسْتَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ، إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ مِنْهُ، فَعَجَلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا خَلَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْيَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ وَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِي مَا لَيْسَ فِي.
فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولٌ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، أَسْلِمُوا.
فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا وَهُمْ يُجِيبُونَهُ كَذَلِكَ.
قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟، قَالُوا: حَاشَ لِلَّهِ مَا كَانَ أَنْ يُسَلِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا ابْنَ سَلَامٍ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ، فَقَالُوا كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، (قَالَ: جِبْرِيلُ؟) قَالَ: نَعَمُ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
ثُمَّ قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي.
فَجَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا، وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ، وَهَيْأَتَهُ، وَالَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفُ لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ نَزَلَ مَعَنَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زَادَ. يَعْنِي إِنْ فَعَلْتَ.
قَالَ، قُلْتُ لَهَا: يَا عَمَّتِي، هُوَ وَاللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دِينِهِ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي، أَهْوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُبَشَّرُ بِهِ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفَسِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: نَعَمْ، قَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا، وَكَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقَلْتُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ تُغَيِّبَنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي، كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي؟ فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: وَأَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ! اتَّقُوا اللَّهَ، وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ. قَالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ وَقَعُوا فِيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ؟! قَالَ: فَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي وَإِسْلَامَ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي ابْنَةُ الْحَارِثِ فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَانْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، فَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا
رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ - تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
فَعُلَمَاءُ الْقَوْمِ وَأَحْبَارُهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ دَاعِيَ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ.
وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْثَانٌ يَعْبُدُهَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَتْرُكُونَهَا، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ وَعَلَى تِلْكَ الْأَوْثَانِ فَهَدَمُوهَا، وَعَمَدَ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ أَخُو حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَهُوَ أَبُو صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْمَعُ مِنْهُ، وَحَادَثَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُصْرَفَ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ جَاءَكُمْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَنْتَظِرُونَهُ، فَاتِّبِعُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ. فَانْطَلَقَ أَخُوهُ حُيَيٌّ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْيَهُودِ يَوْمَئِذٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا، فَقَالَ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدَ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَا أَزَالُ لَهُ عَدُوًّا أَبَدًا، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ: يَا ابْنَ أُمِّ أَطِعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، ثُمَّ اعْصِنِي فِيمَا
شِئْتَ بَعْدَهُ لَا تَهْلِكْ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُطِيعُكَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى رَأْيِهِ!.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِ أَبِي وَعَمِّي أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنِّي، لَمْ أَلْقَهُمَا فِي وَلَدٍ قَطُّ إِلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُبَاءَ، نَزَلَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَغَدَا إِلَيْهِ أَبِي وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ مُغَلِّسَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءَا إِلَّا مَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَجَاءَا فَاتِرَيْنِ كَسِلَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَا، فَهَشَشْتُ إِلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا نَظَرَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: تَعْرِفُهُ بِنَعْتِهِ وَصَفْتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: فَمَاذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سُعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ سُعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا اتَّبَعَهُ إِلَّا شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
Translation
(فصل): ونحن إنما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذي آمنوا به، وأكابر علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حصر من عداهم
#15 Chapter 15 — [المسألة الثالثة] (فصل): قال السائل: مشهور عندكم في الكتاب والسنة أن نبيكم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لكنهم محوه عنهما لسبب الرئاسة والمأكلة · ref. #15
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
[المسألة الثالثة]
(فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ: مَشْهُورٌ عِنْدَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ نَبِيَّكُمْ كَانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَكِنَّهُمْ مَحَوْهُ عَنْهُمَا لِسَبَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ، فَالْعَقْلُ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، أَفَكُلُّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَحْوِ اسْمِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ رَبِّهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا جَنُوبًا وَشَمَالًا؟! هَذَا أَمْرٌ يَسْتَشْكِلُهُ الْعَقْلُ أَعْظَمُ مِنْ نَفْيِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَمَّا قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالرُّجُوعُ عَمَّا مَحَوْا أَبْعَدُ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّرِيحَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - وَهُمَا الْكِتَابَانِ الْمُتَضَمِّنَانِ الشَّرِيعَتَيْنِ - وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ: أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَحَوْا ذَلِكَ الِاسْمَ وَأَسْقَطُوهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الْكَنَائِسِ، وَتَوَاصَوْا بِذَلِكَ بُعْدًا وَقُرْبًا، وَشَرْقًا وَغَرْبًا. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ بِهِ فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ، وَلَا رَسُولُهُ، وَلَا بَكَّتَهُمْ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ، وَلَا عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ، وَلَا الْمُعْتَنُونَ بِأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَتَوَارِيخِهِمْ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْضُ عَوَامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُ بِهِ نَصْرَ الرَّسُولِ، فَقَدْ قِيلَ: يَضُرُّ الصَّدِيقُ الْجَاهِلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَضُرُّ الْعَدُوُّ الْعَاقِلُ. وَإِنَّمَا أُتِيَ هَؤُلَاءِ مِنْ قِلَّةِ فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
دَلَّ عَلَى الِاسْمِ الْخَاصِّ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْمَخْصُوصَيْنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِ رَسُولِهِ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، أَيِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ وَصِفَتُهُ وَمَخْرَجُهُ وَنَعْتُهُ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّ صَرِيحَ الِاسْمِ الْعَرَبِيِّ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْكِتَابَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُ أَلْفَاظَهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِهِ بِمُجَرَّدِ اسْمِهِ، فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ قَدْ يَقَعُ فِي الِاسْمِ فَلَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ وَالتَّمْيِيزُ، وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ هُوَ إِلَّا فَعَلَ، إِذَا الْحِوَالَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ بَيَانٌ وَلَا تَعْرِيفٌ وَلَا هُدًى، بِخِلَافِ ذِكْرِهِ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَدَعْوَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَوَقْتِ مَخْرَجِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يُعَيِّنُهُ وَيُمَيِّزُهُ وَيَحْصُرُ نَوْعَهُ فِي شَخْصِهِ. وَهَذَا الْقَدْرُ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا سَنَذْكُرُهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ، فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِمْ
بِمَا يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ قَطْعًا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِرَجُلٍ: عَلَامَةُ صِدْقِي أَنَّكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَصِفَتُكَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَتَعْرِفُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِضِدِّهِ، فَهَذَا لَا يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ، وَلَا يُصَدِّقُهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ، بَلْ يَنْفِرُ الْعُقَلَاءُ كُلُّهُمْ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَالْعَادَةُ تُحِيلُ سُكُوتَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ عَلَيْهِ وَالرَّدِّ وَالتَّهْجِينِ لِقَوْلِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وَزَادَهُ شَرَفًا وَصَلَاةً وَسَلَامًا، نَادَى مُعْلِنًا فِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَعْلَمُ الْأُمَمِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِأَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُوَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجَهَارًا فِي كُلِّ مَجْمَعٍ، وَكُلِّ نَادٍ، يَدْعُوهُمْ لِذَلِكَ - يَعْنِي إِلَى تَصْدِيقِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ - فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُهُ وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مَنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَغَايَةُ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَصْفُ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَسْتَ أَنْتَ الْمُرَادَ بِهِ بَلْ نَبِيٌّ آخَرُ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمُكَابَرَةِ، وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ هَذِهِ الْمُكَابَرَةُ إِلَّا كَشْفَ عَوْرَتِهِ وَإِبْدَاءَ الْفَضِيحَةِ بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ، فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتَ وَالْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةَ عِنْدَهُمْ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَشُكُّ مَنْ عَرَفَهَا وَرَآهُ أَنَّهُ هُوَ
كَمَا عَرَفَهُ سَلْمَانُ، وَكَمَا عَرَفَهُ هِرَقْلُ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا أَبَا سُفْيَانَ، وَطَابَقَتْ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَسَيَمْلِكُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّعْتِ وَالصِّفَةِ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي هِيَ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَأَحَدُنَا أَعْرَفُ بِهِ مِنَ ابْنِهِ، إِنَّ أَحَدَنَا لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ امْرَأَتِهِ وَمَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ.
وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ ﷾ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ اتِّبَاعِهِ فَقَالَ: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا حَضَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ يَدَيِ النَّجَاشِيِّ وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ، فَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعَثَ النَّجَاشِيُّ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِهِ ثَمَانِينَ رَجُلًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَبَكَوْا وَرَقُّوا، وَقَالُوا: نَعْرِفُ وَاللَّهِ، أَنَّهُ الْحَقُّ، فَأَسْلَمُوا وَذَهَبُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ فَأَسْلَمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الْآيَاتِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَخَمْسَةً مِنَ الرُّهْبَانِ، فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ بَكَوْا وَقَالُوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، وَهُمُ الْقَوْمُ الصَّالِحُونَ الَّذِينَ طَمِعُوا أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَفُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّعْتِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يَمْلِكُوا أَعْيُنَهُمْ مِنَ الْبُكَاءِ، وَقُلُوبَهُمْ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ ﷾: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.
قَالَ إِمَامُ أَهْلَ التَّفْسِيرِ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ خَرُّوا سُجَّدًا، وَقَالُوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا. كَانَ اللَّهُ ﷿
قَدْ وَعَدَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ أَنْ يَبْعَثَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَبِيًّا عَظِيمَ الشَّأْنِ، يَظْهَرُ دِينُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَتَنْتَشِرُ دَعْوَتُهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَعَلَى رَأْسِ أُمَّتِهِ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُمْ بِهَذَا النَّبِيِّ، فَالسُّعَدَاءُ مِنْهُمْ عَرَفُوا الْحَقَّ فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ، وَالْأَشْقِيَاءُ قَالُوا: نَحْنُ نَنْتَظِرُهُ، وَلَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ رَسُولًا، وَأُولَئِكَ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ مِنَ الرَّسُولِ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الرَّسُولُ الْمَوْعُودُ، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ إِيمَانًا بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ الَّذِي أَنْجَزَهُ فَرَأَوْهُ عِيَانًا فَقَالُوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.
وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ يُونُسُ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ -: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ: بِسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أُسْقُفِّ نَجْرَانَ وَأَهْلِ نَجْرَانَ (سَلَمٌ أَنْتُمْ) إِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةَ، فَإِنْ
أَبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَّ الْكِتَابُ وَقَرَأَهُ قَطَعَ بِهِ، وَذُعِرَ مِنْهُ ذُعْرًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، يُقَالُ لَهُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ، وَكَانَ مِنْ هَمَذَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِلَى مُعْضِلَةٍ قَبْلَهُ، فَدَفَعَ الْأُسْقُفُّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُرَحْبِيلَ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ الْأُسْقُفُّ: مَا رَأْيُكَ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟
فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كَانَ أَمْرًا مِنَ الدُّنْيَا أَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيٍ وَجَهِدْتُ لَكَ.
فَقَالَ: تَنَحَّ فَاجْلِسْ، فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً. فَبَعَثَ الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ فَتًى مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ: نَحِّ فَاجْلِسْ، فَجَلَسَ نَاحِيَةً. فَبَعَثَ الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، يُقَالُ لَهُ: جَبَّارُ بْنُ فَيْضٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ
وَعَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ الْأُسْقُفَّ فَتَنَحَّى نَاحِيَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا أَمَرَ الْأُسْقُفُّ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ، وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ بِالصَّوَامِعِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا بِالنَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ بِاللَّيْلِ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ، وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ، وَطُولُهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً وَعِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الرَّأْيِ أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمَذَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ، فَيَأْتُوا بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ، وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ، وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنْ حِبَرَةٍ وَخَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ ﵈، وَتَصَدَّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَالْخَوَاتِيمُ الذَّهَبُ، فَانْطَلَقُوا يَتَّبِعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَكَانَا مَعْرِفَةً لَهُمْ، كَانَا يَبْعَثَانِ الْعِيرَ إِلَى نَجْرَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَشْتَرِي لَهُمَا مِنْ بُرِّهَا وَثَمَرِهَا، فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: يَا عُثْمَانُ، وَيَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ، فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَنَا، فَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا، فَمَا الرَّأْيُ مِنْكُمَا، أَنَعُودُ أَمْ نَرْجِعُ إِلَيْهِ؟
فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ فِي الْقَوْمِ -: مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵄: أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
فَفَعَلَ وَفَدُ نَجْرَانَ ذَلِكَ، وَوَضَعُوا حُلَلَهُمْ وَخَوَاتِيمَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا فَرَدَّ سَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ أَتَوْنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمَعَهُمْ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى قَالُوا لَهُ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ نَعْلَمَ مَا تَقُولُ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ أَقْبَلُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي خَمِيلٍ لَهُ، وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمُلَاعَنَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وَيَا جَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ، قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يُصْدِرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا مُقْبِلًا، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعْنًا فِي عَيْنِهِ وَرَدِّ عَلَيْهِ أَمْرِهِ، لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ قَوْمِهِ حَتَّى يُصِيبَنَا بِجَائِحَةٍ، وَإِنَّا لَأَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ
لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرَةٌ وَلَا ظُفُرٌ إِلَّا هَلَكَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: فَمَا الرَّأْيُ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟ فَقَدْ وَضَعَتْكَ الْأُمُورُ عَلَى ذِرَاعٍ فَهَاتِ رَأْيَكَ، فَقَالَ: رَأْيِي أَنْ أُحَكِّمَهُ، فَإِنِّي أَرَى الرَّجُلَ لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا، فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَلَقِيَ شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعِنَتِكَ، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ شُرَحْبِيلُ: حَكَّمْتُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْلَتَكَ إِلَى الصَّبَاحِ، فَمَهْمَا حَكَمْتَ فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَدًا يُثَرِّبُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: سَلْ صَاحِبَيَّ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: مَا تَرِدُ الْمَوَارِدُ وَلَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ صُلْحٍ وَمُوَادَعَةٍ، فَقَبَضُوا كِتَابَهُمْ وَانْصَرَفُوا إِلَى نَجْرَانَ. فَتَلَقَّاهُمُ الْأُسْقُفُّ، وَوُجُوهُ نَجْرَانَ عَلَى مَسِيرِ لَيْلَةٍ مِنْ نَجْرَانَ، وَمَعَ الْأُسْقُفِّ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ مِنَ النَّسَبِ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ، فَدَفَعَ الْوَفْدُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْأُسْقُفِّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَؤُهُ وَأَبُو عَلْقَمَةَ مَعَهُ وَهُمَا يَسِيرَانِ إِذْ كُبَّتْ بِأَبِي عَلْقَمَةَ نَاقَتُهُ، فَتَعَّسَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ وَاللَّهِ تَعَّسْتَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا أَحِلُّ عَنْهَا عَقْدًا حَتَّى آتِيَهُ، فَضَرَبَ وَجْهَ نَاقَتِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَثَنَى الْأُسْقُفُّ نَاقَتَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: افْهَمْ عَنِّي، إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا لِيَبْلُغَ عَنِّي الْعَرَبَ مَخَافَةَ أَنْ يَرَوْا أَنَّا أَخَذَتْنَا حُمْقَةٌ، أَوْ نَجَعْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ بِمَا لَمْ يَنْجَعْ بِهِ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ أَعَزُّهُمْ وَأَجْمَعُهُمْ دَارًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ: وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُكَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِكَ أَبَدًا، ثُمَّ ضَرَبَ نَاقَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ ﷺ مَذْكُورٌ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
أَحَدُهَا: إِخْبَارُ مَنْ قَدْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ قَطْعًا بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، فَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى صِدْقِهِ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، إِذْ تَكْذِيبُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، هَذَا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ مُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فَكَيْفَ إِذَا تَطَابَقَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْإِخْبَارَ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَدِلَّةِ صِدْقِهِ وَصِفَةِ نُبُوَّتِهِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصْدُرَ إِلَّا مِنْ وَاثِقٍ كُلَّ الْوُثُوقِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ جَازِمٍ بِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِي آثَرُوا الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ صَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ وَشَهِدُوا لَهُ بِمَا قَالَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ الْجَاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِنْكَارُ الْبِشَارَةِ وَالْإِخْبَارُ بِنُبُوَّتِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ عَظِيمُ الشَّأْنِ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَنَعْتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَصِفَةُ أُمَّتِهِ وَمَخْرَجُهُ، وَمَنْشَؤُهُ، وَشَأْنُهُ، لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْبِشَارَةُ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ آخَرُ غَيْرُهُ، وَعَلِمُوا هُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنَّهُمْ رَكِبُوا مَتْنَ الْمُكَابَرَةِ وَامْتَطَوْا غَارِبَ الْبَهْتِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ صَرَّحَ لِخَاصَّتِهِ وَبِطَانَتِهِ بِأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى عَدَاوَتِهِ مَا بَقِيَ كَمَا تَقَدَّمَ.
السَّادِسُ: أَنَّ إِخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ هُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ إِخْبَارَاتِهِ بِمَا عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ شَأْنِ أَنْبِيَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، وَمَا جَرَى لَهُمْ، وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأُمَمِهِمْ، وَشَأْنِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيهِ، وَمُطَابَقَتَهُ لِمَا عِنْدَهُمْ، وَتِلْكَ الْأَخْبَارُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ يَوْمًا وَاحِدًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى أَنْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِكَذِبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ غَلْطَةٍ أَوْ سَهْوٍ فَيُنَادُونَ بِهَا عَلَيْهِ، وَيَجِدُونَ بِهَا السَّبِيلَ إِلَى تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِقَوْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا فِي كُتُبِنَا وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ، بَلْ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ
الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعَلَمُ إِلَّا بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهَذَا لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ وَأَخْبَرَ بِهِ لِأَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَخْبَرَ بِهِ لِأَتْبَاعِهِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا بَاطِلًا لَا صِحَّةَ لَهُ، لَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَتَسْلِيطًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَتَسْلِيطًا لِأَتْبَاعِهِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَالتَّكْذِيبِ لَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ، وَذَلِكَ يَنْقُضُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ بِإِخْبَارِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يُخْبِرُ بِمَا يَشْهَدُ بِكَذِبِهِ، وَيَجْعَلُ إِخْبَارَهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ وَيَجْعَلُ إِخْبَارَهُ تَصْدِيقًا، وَهَذَا لَا يَصْدُرُ مِنْ عَاقِلٍ وَلَا مَجْنُونٍ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ إِخْبَارِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ وُجُودُ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِشَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَإِخْبَارَهُمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونُوا ذَكَرُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ وَبَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَصَلَ إِلَى الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَحَاطُوا بِهِ عِلْمًا، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالْاضْطِرَادِ، فَكَمْ مِنْ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا عِلْمَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى صِدْقِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهُمْ بِهِ مُوجِبًا لِرَدِّهِ وَتَكْذِيبِهِ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي نُسَخٍ غَيْرِ هَذِهِ النُّسَخِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، فَأُزِيلَ مِنْ بَعْضِهَا، وَنُسِخَتْ هَذِهِ مِمَّا أُزِيلُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ إِنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ مُتَّفِقَةٌ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ
وَغَرْبِهَا - كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى، تُخَالِفُ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ، وَالَّتِي بِأَيْدِي السَّامِرَةِ تُخَالِفُ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَهَذِهِ نُسَخُ الْإِنْجِيلِ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُنَاقِضُهُ، فَدَعْوَاهُمْ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وَغَرْبًا مِنَ الْبَهْتِ وَالْكَذِبِ الَّذِي يُرَوِّجُونَهُ عَلَى أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ، حَتَّى أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ وَالتَّحْرِيفِ وَالنُّقْصَانِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ قَطْعًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى ﵊، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ حِكَايَةَ نُزُولِ الْأَلْوَاحِ، وَكَيْفَ رَمَى بِهَا مُوسَى ﵊، وَقِصَّةِ وَفَاةِ مُوسَى.
وَنَفْسُ الْأَلْوَاحِ كَانَتْ هِيَ التَّوْرَاةُ، وَوَفَاةُ مُوسَى إِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ بِسِنِينَ عَدِيدَةٍ.
وَمِنْهَا حِكَايَةُ مُوسَى أَنَّهُ نَسَخَ مَا فِي الْأَلْوَاحِ بِخَطِّهِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ﵊.
وَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَسِيحِ قِصَّةُ صَلْبِهِ، وَمَا جَرَى لَهُ، وَأَنَّهُ كَذَا وَكَذَا وَصُلِبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَصُلِبَ وَدُفِنَ وَقَامَ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ كَلَامِ شُيُوخِ النَّصَارَى، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْحَوَارِيِّينَ خَلَطُوهُ بِالْإِنْجِيلِ
وَسَمَّوُا الْجَمِيعَ إِنْجِيلًا، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأَنَاجِيلُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةً يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَمِنْ بُهْتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ قَوْلُهُمْ: إِنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ سَوَاءٌ.
وَالنَّصَارَى لَا يُقِرُّونَ أَنَّ الْإِنْجِيلَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، بَلْ كُلُّ فِرَقِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةُ (أَنَاجِيلَ) تَوَارِيخَ أَلَّفَهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مَعْرُوفُونَ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يَعْرِفُونَ الْإِنْجِيلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
إِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (مَتَّى) تِلْمِيذُ الْمَسِيحِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَكُتِبَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِي بَلَدِ يَهُودَا بِالشَّامِ.
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (مُرْقُسُ) الْهَارُونِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَكَتَبَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ فِي بَلَدِ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَيَقُولُونَ إِنَّ شَمْعُونَ الْمَذْكُورَ هُوَ أَلَّفَهُ، ثُمَّ مُحِيَ اسْمُهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَنُسِبَ إِلَى تِلْمِيذِهِ مُرْقُسَ.
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (لُوقَا) الطَّبِيبُ الْأَنْطَاكِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ تَأْلِيفِ مُرْقُسَ.
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (يُوحَنَّا) تِلْمِيذُ الْمَسِيحِ (بَعْدَ رَفْعِهِ) بِبِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، كَتَبَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يُسَمُّونَهُ الْإِنْجِيلَ، وَبَيْنَهَا مِنَ التَّفَاوُتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا يَعْلَمُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا، وَبَيْنَ تَوْرَاةِ السَّامِرَةِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا.
فَدَعْوَى الْكَاذِبِ الْبَاحِثِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وَغَرْبًا، بُعْدًا وَقُرْبًا مِنْ أَعْظَمِ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَا بَيْنَهَا مِنَ التَّفَاوُتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّنَاقُضِ، لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ وَقَصْدُ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ لَذَكَرْنَا مِنْهُ طَرَفًا كَبِيرًا.
وَقَدْ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَجُلَّ شَأْنُهُ، وَبَكَّتَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ وَالْكِتْمَانِ وَالْإِخْفَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَقَالَ تَعَالَى: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَأَمَّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسَانِ بِالْكِتَابِ لِيَحْسَبَهُ السَّامِعُ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِنْهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: لَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ.
الثَّانِي: كِتْمَانُ الْحَقِّ.
الثَّالِثُ: إِخْفَاؤُهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كِتْمَانِهِ.
الرَّابِعُ: تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وَتَحْرِيفُ مَعْنَاهُ.
الْخَامِسُ: لَيُّ اللِّسَانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلَى السَّامِعِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ إِنَّمَا ارْتَكَبُوهَا لِأَغْرَاضٍ لَهُمْ دَعَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَإِذَا عَادَوُا الرَّسُولَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَهُمْ إِلَى أَنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، وَيَكْتُمُوا ذَلِكَ وَيُزِيلُوهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أَقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وَهَكَذَا فَعَلُوا، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْبِشَارَاتِ
وَتَنَوُّعِهَا غُلِبُوا عَلَى كِتْمَانِهَا وَإِفْضَائِهَا فَصَارُوا إِلَى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وَإِزَالَةِ مَعْنَاهَا عَمَّا لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وَجَعْلِهَا لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ عُدُولُهُمْ فَلَا يَقْدَحُ جَحْدُ الْكَفَرَةِ الْكَاذِبِينَ الْمُعَانِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ.
وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
وَإِذَا شَهِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُوزَنْ بِهِ مِلْءُ الْأَرْضِ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَلَا تُعَارَضُ
شَهَادَتُهُ بِجُحُودِ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَفَرَةِ، كَيْفَ وَالشَّاهِدُ لَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ مِنْهُمْ؟
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَشْبَاهِ الْحَمِيرِ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ وَأُمَّةِ الْغَضَبِ، أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ - يَعْنِي عَالِمًا -، كَمَا قَالُوا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَوَامِ الْمُسْلِمِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ - لَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا ظَنَّ بِغَيْرِهِمْ؟ يَعْنِي عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ -.
وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ عُلَمَاؤُهُمْ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَإِنْ دَخَلَ فِيهِمْ مَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ كَعُلَمَاءِ السُّوءِ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُمْ نُبُوَّتَهُ قَادِحًا فِي شَهَادَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِعِلْمِهِمْ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ وَلَا صِفَتِهِ وَلَا عَلَامَتِهِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْكُورًا فِي الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي أَسْلَافِهِمْ وَقْتَ مَبْعَثِهِ وَلَا تَكُونُ اتَّصَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا إِلَى هَؤُلَاءِ، بَلْ حَرَّفَهَا أُولَئِكَ وَبَدَّلُوا وَكَتَمُوا، تَوَاصَوْا وَكَتَبُوا مَا أَرَادُوا، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ وَتَنَاقَلَهَا خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، فَصَارَتِ الْمُغَيَّرَةُ الْمُبْدَلَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَالصَّحِيحَةُ بَيْنَهُمْ خَفِيَّةٌ جِدًّا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْإِمْكَانِ.
فَهَؤُلَاءِ السَّامِرَةُ غَيَّرُوا مَوَاضِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ
فَلَا يَعْرِفُونَ سِوَاهَا، وَهُجِرَتْ بَيْنَهُمُ النُّسْخَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى.
وَهَكَذَا تُبَدَّلُ الْأَدْيَانُ وَالْكُتُبُ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ﷾ تَوَلَّى حِفْظَ الْقُرْآنِ بِذَاتِهِ وَضَمَنَ لِلْأُمَّةِ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ - لَأَصَابَهُ مَا أَصَابَ الْكُتُبَ قَبْلَهُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَخْلُوَ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ مِنْ حِينِ خُلِقَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَا شَأْنٌ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهِ طَبَقَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَعَاقُبِ الْقُرُونِ وَإِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَمِثْلُ هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ لَا بُدَّ أَنْ تُطَابِقَ الرُّسُلُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ. وَإِذَا كَانَ الدَّجَّالُ - رَجُلٌ كَاذِبٌ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَبَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ - قَدْ تَطَابَقَتِ الرُّسُلُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ، وَأَنْذَرَ بِهِ كُلُّ نَبِيِّ قَوْمَهُ مِنْ نُوحٍ إِلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَتَطَابَقُ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا عَلَى السُّكُوتِ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ، وَبِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَا تَطَرُقُهُ أَبَدًا. هَذَا مِمَّا لَا يَسُوغُهُ عَقْلُ عَاقِلٍ، وَتَأْبَاهُ حِكْمَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، بَلِ الْأَمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ ﷾ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتَصْدِيقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
Translation
[المسألة الثالثة] (فصل): قال السائل: مشهور عندكم في الكتاب والسنة أن نبيكم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لكنهم محوه عنهما لسبب الرئاسة والمأكلة
#16 Chapter 16 — (فصل): فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته · ref. #16
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيُبَايِعُنَّهُ.

(فَصْلٌ): فَهَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ... وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِهِ، وَنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ مِنْ وُجُوهٍ:
(١ - بِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ)
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ: (أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي فِي فِيهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ مَا آمُرُهُ، وَالَّذِي لَا يَقْبَلُ قَوْلَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أَنَا أَنْتَقِمُ مِنْهُ وَمِنْ سِبْطِهِ) .
تَأْوِيلُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِهَذَا النَّصِّ: فَهَذَا النَّصُّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَحْدُهُ وَإِنْكَارُهُ: وَلَكِنْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: حَمْلُهُ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهَذِهِ طَرِيقُ النَّصَارَى، وَهُوَ دَلِيلٌ يُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَلَهُمْ فِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالتَّقْدِيرُ (أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِمْ) أَيْ لَا أَفْعَلُ هَذَا.
فَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَمْوَئِيلُ النَّبِيُّ فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْبِشَارَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ الْقَوْمِ هُمْ بَنُو أَبِيهِمْ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُقِيمُ بِهِ مُلْكَ الْيَهُودِ وَيَعْلُو بِهِ شَأْنُهُمْ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ الْآنَ وَيُسَمُّونَهُ الْمُنْتَظَرَ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْبِشَارَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَا تُحْتَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسِهِمْ، وَالْمَسِيحُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا هُوَ الْمَسِيحُ لَقَالَ: أُقِيمَ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَلَا يُقَالُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ زَيْدٌ نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: نَبِيًّا مِثْلَكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ عَامَّةٍ مِثْلَ مُوسَى، وَهَذَا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى شَمْوَئِيلَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَيْضًا، وَيُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى يُوشَعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ إِخْوَتِهِمْ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسَى، فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ يُوشَعَ نَبِيٌّ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَهُوَ كَالِبُ، وَهَذَا الْوَعْدُ إِنَّمَا هُوَ بِنَبِيٍّ يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مُوسَى.
وَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلَى هَارُونَ، مَعَ أَنَّ هَارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسَى، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ، وَيَبْطَلُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ أَيْضًا وَهُوَ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ فِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُوسَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْ فِيهِ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْبِشَارَةُ عَلَى الْمَسِيحِ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى، لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَإِخْوَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَهٌ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ مَعْبُودٌ، وَهُوَ أَجَلُّ عِنْدِهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَبِيدِ، وَالْبِشَارَةُ وَقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ
يُقِيمُهُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِهِ وَإِخْوَتِهِمْ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لَا غَايَةَ لَهُ فَوْقَهَا، وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى. وَأَمَّا مَقَالَتُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالْمَعْنَى (أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ) - عَادَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ لِمَا يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَحَمْلُ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْإِنْكَارِ غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَهَذَا التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ اللَّهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى كُلِّ ذِي لُبٍّ وَعَقْلٍ، فَازْدَادَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ، وَازْدَادَ الْكَافِرُونَ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ.
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ: أَقْبَلَ اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ، وَتَجَلَّى مِنْ سَاعِيرَ، وَظَهَرَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَمَعَهُ رَبْوَاتُ الْأَطْهَارُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوَّاتِ الثَّلَاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ عِيسَى، وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَمَجِيئُهُ مِنْ سَيْنَاءَ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى وَنَبَأَهُ عَلَيْهِ إِخْبَارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.
وَتَجَلِّيهِ مِنْ سَاعِيرَ هُوَ مَظْهَرُ عِيسَى الْمَسِيحِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَاعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُنَاكَ إِلَى الْيَوْمِ، وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ.
وَفَارَانُ: هِيَ مَكَّةُ، وَشَبَّهَ ﷾ نُبُوَّةَ مُوسَى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وَفَلْقِهِ، وَنُبُوَّةَ الْمَسِيحِ بَعْدَهَا بِإِشْرَاقِهِ وَضِيَائِهِ، وَنُبُوَّةَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُمَا ﷺ بِاسْتِعْلَانِ الشَّمْسِ
وَظُهُورِهَا وَظُهُورِ ضَوْئِهَا فِي الْآفَاقِ، وَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ سَوَاءً، فَإِنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى لَيْلَ الْكُفْرِ فَأَضَاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَزَادَ الضِّيَاءُ وَالْإِشْرَاقُ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ، وَكَمُلَ الضِّيَاءُ وَاسْتَعْلَنَ وَطَبَقَ الْأَرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوَّاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْبِشَارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ التِّينِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
فَذَكَرَ أَمْكِنَةَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْبَتُهُمَا وَأَرْضُهُمَا، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ الْمَسِيحِ، وَطُورِ سِينِينَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى فَهُوَ مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، وَوَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ سَوَاءٌ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: فَارَانُ هِيَ أَرْضُ الشَّامِ وَلَيْسَتْ أَرْضَ الْحِجَازِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ مَنْ بَهْتِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمَّا فَارَقَ أَبَاهُ سَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، هَكَذَا نَطَقَتِ التَّوْرَاةُ وَلَفْظُهَا (وَأَقَامَ إِسْمَاعِيلُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ وَأَنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ) .
وَلَا يَشْكُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ فَارَانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْرَاةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأَرْضِ فَارَانَ، وَتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلَى عَظِيمٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَتَضَمَّنَتِ انْتِشَارَ أُمَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ حَتَّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا شُبْهَةٌ أَصْلًا أَنَّ هَذِهِ هِيَ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفَارَانَ عَلَى أَشْرَفِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ ضِيَاءً وَنُورًا، وَمَلَأَ أَتْبَاعُهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ،
وَلَا يَكْثُرُ عَلَى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّهُمْ عَادِمُو الرَّأْيِ وَالْفَطَانَةِ أَنْ يَنْقَسِمُوا إِلَى جَاهِلٍ بِذَلِكَ وَجَاحِدٍ مُكَابِرٍ مُعَانِدٍ.
وَلَفْظُ التَّوْرَاةِ فِيهِمْ: أَنَّهُمُ الشَّعْبُ عَادِمُ الرَّأْيِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ فَطَانَةٌ.
وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَابِرِينَ: أَيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشَّامِ فَاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلَانَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَهَا؟! وَهَلْ هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مُكَابَرَةِ مَنْ يَرَى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ الْمَشْرِقِ فَيُغَالِطُ وَيُكَابِرُ وَيَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ؟
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ: (إِنَّ الْمَلَكَ ظَهَرَ لِهَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ، وَوَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، وَتَكُونُ يَدُهُ عَلَى الْكُلِّ، وَيَدُ الْكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ) .
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ تضمنت أَنَّ يَدَ ابْنِهَا عَلَى يَدِ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ كَلِمَتَهُ الْعُلْيَا، وَأَنَّ يَدَ ابْنِهَا عَالِيَةٌ، وَيَدَ الْخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ إِنِّي جَاعِلٌ ابْنَكَ إِسْمَاعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إِذْ هُوَ مِنْ زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَنْ جُعِلَ مِنْ وَلَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ
الَّذِي هُوَ مِنْ صَمِيمِ وَلَدِهِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ جَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فَوْقَ يَدِ إِسْحَاقَ قَطُّ، وَلَا كَانَتْ يَدُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ وَالْمُلْكُ فِي وَلَدِ إِسْرَائِيلَ وَالْعِيصِ وَهُمَا ابْنَا إِسْحَاقَ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، وَجُعِلَ خِلَافَةُ الْمُلْكِ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَصَارَتْ أَيْدِيهِمْ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَأَيْدِي الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِمْ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ فِي هَذَا الْعَامِ يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ اسْمُهُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ هَذَا يَحْيَى بَيْنَ يَدَيْكَ وَيُمَجِّدُكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلِ وَإِنِّي أُبَارِكُهُ وَأُنَمِّيهِ وَأُعَظِّمُهُ جِدًّا جِدًّا بِمَا قَدِ اسْتَجَبْتُ فِيهِ، وَإِنِّي أُصَيِّرُهُ إِلَى أُمَّةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأُعْطِيهِ شَعْبًا جَلِيلًا. وَلَمْ يَأْتِ مِنْ صُلِبَ إِسْمَاعِيلَ مَنْ بُورِكَ وَعَظُمَ وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، مَلَئُوا الْآفَاقَ وَأَرْبُوا فِي الْكَثْرَةِ عَلَى نَسْلِ إِسْحَاقَ.
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ: قَالَ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تُطِيعُوا الْعَرَّافِينَ وَالْمُنَجِّمِينَ، فَسَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ ﷾ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِكُمْ مِثْلِي، فَأَطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ بِهِ مِنْ أَنْفُسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إِخْوَةَ
الْقَوْمِ لَيْسُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا تَقُولُ: بَكْرٌ وَتَغْلِبُ ابْنَا وَائِلٍ، ثُمَّ تَقُولُ: تَغْلِبُ أَخُو بَكْرٍ، وَبَنُو تَغْلِبَ إِخْوَةُ بَكْرٍ، فَلَوْ قُلْتَ: إِخْوَةُ بَنِي بَكْرٍ بَنُو بَكْرٍ كَانَ مُحَالًا، وَلَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بْنِ وَائِلٍ لَا بِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ.
مَا فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: أَنَا أَذْهَبُ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ، لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا يُقَالُ لَهُ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنْ قَبْلِ النَّاسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: الْبَارَقْلِيطُ لَا يَجِيئُكُمْ مَا لَمْ أَذْهَبْ، وَإِذَا جَاءَ وَبَّخَّ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَلَا يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يَسْمَعُ بِهِ يُكَلِّمُكُمْ وَيَسُوسُكُمْ بِالْحَقِّ، وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنِّي سَائِلٌ أَبِي أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَكُونُ مُعَلِّمَ الْأَبَدِ، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدِهِ يَجِيءُ لَكُمْ بِالْأَسْرَارِ، وَيُفَسِّرُ
لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ، فَإِنِّي أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى اخْتِلَافِهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِأَنَّ مَنْ نَقَلَهَا عَنِ الْمَسِيحِ ﷺ فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَهُ، وَالْبَارَقْلِيطُ فِي لُغَتِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ، إِمَّا أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ أَوْ مَحْمُودٌ أَوْ حَامِدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ ... وَهُوَ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَبَشِيِّ: بَرَفْقِطِيسُ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَتَكَلَّمُ بِرُوحِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ يُحِبَّنِي بِحْفَظِ كَلِمَتِي يُحِبَّهُ وَإِلَيْهِ يَأْتِ وَعِنْدَهُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ، كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِأَنِّي لَسْتُ عِنْدَكُمْ مُقِيمًا، وَالْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ، اسْتَوْدَعْتُكُمْ سَلَامِي، لَا تَقْلَقُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا تَجْزَعُوا، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَعَائِدٌ إِلَيْكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إِلَى أَبِي، فَإِنْ ثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي يُرْسِلُهُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ أَبِي يَشْهَدُ لِي مَا قُلْتُ لَكُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ، ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. قَالَ يُوحَنَّا: قَالَ الْمَسِيحُ: إِنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ. وَقَالَ مَتَّى: قَالَ الْمَسِيحُ: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْحَجَرَ الَّذِي أَخَّرَ الْبَنَّاءُونَ صَارَ رَأْسًا لِلزَّاوِيَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ، وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى تَأْكُلُ ثَمَرَتَهَا، وَمَنْ يَسْقُطْ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ يَنْشَدِحْ، وَكُلُّ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ يُمْحَقُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْبَارَقْلِيطِ فِي لُغَتِهِمْ، يَعْنِي الْعِبْرَانِيَّةَ، فَذَكَرُوا فِيهِ أَقْوَالًا تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحَامِدُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّهُ الْحَمْدُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ يُوشَعَ: مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً يَكُونُ لَهُ فَارَقْلِيطٌ جَيِّدٌ: أَيْ حَمْدٌ جَيِّدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّصَارَى - أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ
الْمُخَلِّصُ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْمُخَلِّصُ، قَالُوا: وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَارُوقٌ، فَجُعِلَ (فَارَقْ)، قَالُوا: وَ(لِيطَ) كَلِمَةٌ تُزَادُ، وَمَعْنَاهَا كَقَوْلِ الْعَرَبِ: رَجُلٌ هُوَ، وَحَجَرٌ هُوَ، وَفَرَسٌ هُوَ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَعْنَى لِيطَ فِي السُّرْيَانِيَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ النَّصَارَى: مَعْنَاهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْمُعَزِّي، قَالُوا: وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ الْيُونَانِيِّ. وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ سُرْيَانِيَّةً - وَلَا يُونَانِيَّةً بَلْ عِبْرَانِيَّةً -، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَالْإِنْجِيلُ إِنَّمَا نَزَلَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَتُرْجَمَ عَلَيْهِ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَكْثَرُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ الْمُخَلِّصَ، وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَتَيْتُ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ: لَقَدْ وُلِدْتَ لَنَا مُخَلِّصًا.
وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى إِنْكَارُ هَذِهِ النُّصُوصِ، حَرَّفُوهَا أَنْوَاعًا مِنَ التَّحْرِيفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ رَوْحٌ نَزَلَتْ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ أَلْسُنٌ نَارِيَّةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى التَّلَامِيذِ فَفَعَلُوا بِهَا الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ
لِكَوْنِهِ جَاءَ بَعْدَ الصَّلِيبِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَوْنُهُ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَعْرِفُ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْفَارَقْلِيطِ وَلَا يَتَحَقَّقُ لَنَا مَعْنَاهُ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَلْفَاظَ الْإِنْجِيلِ وَسِيَاقَهَا عَلِمَ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِالرُّوحِ بَاطِلٌ، وَأَبْطَلُ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالْأَلْسُنِ النَّارِيَّةِ، وَأَبْطَلُ مِنْهُمَا تَفْسِيرُهُ بِالْمَسِيحِ، فَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا زَالَتْ تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ لَمَّا كَانَ يَهْجُو الْمُشْرِكِينَ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. وَقَالَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا زِلْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ هَذِهِ الرُّوحَ فَارَقْلِيطًا، عُلِمَ أَنَّ الْبَارَقْلِيطَ هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الرُّوحِ لَا زَالَتْ يُؤَيَّدُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَا بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ وَوَعَدَ بِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يَأْتِي بَعْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّهُ وَصَفَ الْبَارَقْلِيطَ بِصِفَاتٍ لَا تَنَاسُبَ هَذِهِ الرُّوحِ، وَإِنَّمَا تُنَاسِبُ رَجُلًا يَأْتِي بَعْدَهُ نَظِيرًا لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، فَقَوْلُهُ: فَارَقْلِيطًا آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ثَانٍ لِأَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ
فِي حَيَاةِ الْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَهَابِهِ وَتَوَلِّيهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَدُومُ وَيَبْقَى مَعَهُمْ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بَقَاءَ ذَاتِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَقَاءُ شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ، وَالْبَارَقْلِيطُ الْأَوَّلُ لَمْ يَثْبُتْ مَعَهُمْ شَرْعُهُ وَدِينُهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الثَّانِي صَاحِبُ شَرْعٍ لَا يُنْسَخُ بَلْ يَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْبَارَقْلِيطَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ يَشْهَدُ لَهُ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ مَا قَالَهُ، وَأَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيئَتِهِ.
قَالَ: وَالْفَارَقْلِيطُ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ.
وَقَالَ: إِذَا جَاءَ الْفَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي يُرْسِلُهُ هُوَ يَشْهَدُ لِي أَنِّي قُلْتُ هَذَا، حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ.
وَقَالَ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَبِي، إِنْ لَمْ أَذْهَبْ لَمْ يَأْتِكُمُ الْفَارَقْلِيطُ، فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ يُوَبِّخُ الْعَالِمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَإِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذْ جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ.
فَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَالنُّعُوتُ الَّتِي تَلَقَّوْهَا عَنِ الْمَسِيحِ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ
يَكُونُ فِي قَلْبِ بَعْضِ النَّاسِ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ. وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، فَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِكُلِّ مَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ، وَيُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَيُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَلَا يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُهُمْ جَمِيعَ مَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَلَكًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَلَا يَكُونُ هُدًى وَعِلْمًا فِي قُلُوبِ بَعْضِ النَّاسِ. وَلَا يَكُونُ إِلَّا إِنْسَانًا عَظِيمَ الْقَدْرِ يُخَاطِبُ النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، بَلْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَسِيحُ، وَيَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ، حَيْثُ قَالَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِمَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ.
فَلَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَعَنْ مَلَائِكَتِهِ وَعَنْ مَلَكُوتِهِ، وَعَمَّا أَعَدَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَفِي النَّارِ لِأَعْدَائِهِ، أَمْرٌ لَا تَحْتَمِلُ أَكْثَرُ عُقُولِ النَّاسِ مَعْرِفَتَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ....
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ....
وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
قَالَ: مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِهَا لَكَفَرْتَ.... يَعْنِي لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِتَفْسِيرِهَا لَكَفَرْتَ بِهَا، وَكُفْرُكَ بِهَا تَكْذِيبُكَ بِهَا.
فَقَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي هَذَا.
وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ مَلَكُوتِهِ، وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، مَعَ أَنَّ مُوسَى ﵊ كَانَ قَدْ مَهَّدَ لِأَمْرِ الْمَسِيحِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ فَذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَبِجَمِيعِ مَا لِلرَّبِّ.
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفَارَقْلِيطَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا دُونَ الْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ كَانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةَ، وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَأَخْبَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِكُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالصِّرَاطِ وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ، وَالْجَنَّةِ وَأَنْوَاعِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَأَنْوَاعِ عَذَابِهَا، وَلِهَذَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ تَفْصِيلُ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَهُوَ يَأْتِي بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَذَلِكَ تَصْدِيقُ قَوْلِ الْمَسِيحِ ﵊ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ صِدْقَ الْمَسِيحِ وَصِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ
تَعَالَى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. أَيْ: مَجِيئُهُ تَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ فَجَاءَ كَمَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَتَضَمَّنُ مَجِيئُهُ تَصْدِيقَهُمْ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ بِصِدْقِهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِقَوْلِهِ وَمَجِيئِهِ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ بَعَثَهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ: ﷺ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ عَلَا صَوْتُهُ وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَقَالَ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ.
فَأَخْبَرَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا نَعَتَهُ بِهِ الْمَسِيحُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَلَا يُوجِدُ مِثْلُ هَذَا أَصْلًا عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجَدَ فِي شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ بَعْضِ الْحَوَارِيِّينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ.
فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ النَّاسَ جَمِيعَ مَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَأْتِي بِهِ جَامِعًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ ﷾، وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ.
هَذَا كُلُّهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَبِي فَهُوَ يَشْهَدُ لِي أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيِّ بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ، كَمَا قَالَ
تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى يَقُومُ بِقَلْبِ الْحَوَارِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَشَهِدُوا لَهُ قَبْلَ ذِهَابِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ لِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، أَفَتَرَى الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ جَهْلِ النَّصَارَى وَضَلَالِهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ وَبَّخَ جَمِيعَ الْعَالِمِ عَلَى الْخَطِيئَةِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ أَنْذَرَ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى الْخَطِيئَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ وَبَّخَهُمْ وَفَزَّعَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ. وَهَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَهُوَ وَحْيٌ يَسْمَعُهُ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ تَعَلَّمُهُ مِنَ النَّاسِ أَوْ عَرَفَهُ بِاسْتِنْبَاطٍ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى قَبْلَهُ يُشَارِكُ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ، تَلَقَّاهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ وَحْيٌ خَاصٌّ مِنَ اللَّهِ فَوْقَ مَا كَانَ عِنْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَأَخْبَرَ ﷾ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ التَّوْرَاةَ الَّتِي تَعَلَّمَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَزَادَهُ تَعْلِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ، وَالْكِتَابَ الَّذِي هُوَ الْكِتَابَةُ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمَ قَبْلَ الْوَحْيِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ.
وَقَالَ تَعَالَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، فَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَنْطِقُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ نُطْقُهُ بِالْوَحْيِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْمَسِيحِ: إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ الْعِصْمَةَ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ، فَلِهَذَا أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَأَلْقَى إِلَى النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَلْقَاهُ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلَهُ قَوْمُهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ حَمْلَهُ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ مِنْهُمْ إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ أَيَّدَهُ اللَّهُ ﷾ تَأْيِيدًا لَمْ يُؤَيِّدْهُ لِغَيْرِهِ، فَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَمْ يَخَفْ مِنْ شَيْءٍ يَقُولُهُ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ.
فَالْكِتَابُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ، فِيهِ بَيَانُ حَقَائِقِ الْغَيْبِ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ، وَأَيَّدَ أُمَّتَهُ تَأْيِيدًا طَاقَتْ بِهِ حَمْلَ مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا كَأَهْلِ التَّوْرَاةِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا، وَلَا كَأَهْلِ الْإِنْجِيلِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَعْظَمُ إِيمَانًا، وَأَتَمُّ تَصْدِيقًا وَجِهَادًا، وَلِهَذَا كَانَتْ عُلُومُهُمْ وَأَعْمَالُهُمُ الْقَلْبِيَّةُ وَإِيمَانُهُمْ أَعْظَمَ، وَكَانَتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ لِغَيْرِهِمْ أَعْظَمُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْفَارَقْلِيطِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ
كُلَّ مَا قَالَ الْمَسِيحُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا شَهِدَ لَهُ شَهَادَةً يَسْمَعُهَا النَّاسُ عَامَّةً، لَا يَكُونُ هَذَا فِي قَلْبِ طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ لِلْمَسِيحِ شَهَادَةً يَسْمَعُهَا عَامَّةُ النَّاسِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ أَظْهَرَ أَمْرَ الْمَسِيحِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ، حَتَّى سَمِعَ شَهَادَتَهُ لَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ صَدَّقَ الْمَسِيحَ وَنَزَّهَهُ عَمَّا يَقُولُهُ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَمَا غَلَتْ فِيهِ النَّصَارَى.
فَهُوَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ. وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا شَهِدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ لِلْمَسِيحِ، قَالَ لَهُمْ: مَا زَادَ عِيسَى عَلَى مَا قُلْتُمْ هَذَا الْعُودَ.
وَجَعَلَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِمَا عَلِمُوا مِنَ الْحَقِّ، إِذْ كَانُوا وَسَطًا عُدُولًا لَا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَدْلًا، بِخِلَافِ مَنْ جَارَ فِي شَهَادَتِهِ فَزَادَ عَلَى الْحَقِّ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، كَشَهَادَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ: إِنْ كَانَ هُوَ الْحَامِدُ أَوِ الْحَمَّادُ أَوِ الْمَحْمُودُ أَوِ الْحَمْدُ، فَهَذَا وَصْفٌ ظَاهِرٌ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُ وَأُمَّتُهُ الْحَامِدُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ مِفْتَاحُ خُطْبَتِهِ، وَمِفْتَاحُ صَلَاتِهِ، وَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا سُمِّيَ بِمِثْلِ وَصْفِهِ مُحَمَّدًا عَلَى وَزْنِ: مُكَرَّمٍ وَمُقَدَّسٍ وَمُعَظَّمٍ، وَهُوَ الَّذِي يَحْمَدُ أَكْثَرَ مَا يَحْمَدُ غَيْرُهُ، وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا لِلَّهِ كَانَ مُحَمَّدًا، وَفِي ... شَعْرِ حِسَانٍ:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مَيْمُونٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ ... وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، أَيْ هُوَ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِهِ، أَيْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، يُقَالُ: هَذَا أَحْمَدُ مِنْ هَذَا، أَيْ هَذَا أَحَقُّ بِأَنْ يُحْمَدَ مِنْ هَذَا، فَيَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ مَحْمُودًا. فَلَفَظُ مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْكَمِّيَّةِ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْكَيْفِيَّةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْثَرَ حَمْدًا لِلَّهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْحَامِدِ وَالْحَمَّادِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْمَحْمُودِ.
وَإِذَا كَانَ الْفَارَقْلِيطُ بِمَعْنَى الْحَمْدِ، فَهُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً فِي كَثْرَةِ الْحَمْدِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ وَرِضًى وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ سِرُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ عَنِ الْمَسِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
فَإِنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا تَرْجَمَتُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: (وَأَمَّا فِي إِسْمَاعِيلَ فَقَدْ قَبِلْتُ دُعَاءَكَ قَدْ بَارَكْتُ فِيهِ وَأَثْمَرْتُ، وَأُكَثِّرُهُ بِـ (مُؤَدَ مُؤَدَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ " مُؤَدَ مُؤَدَ " عَلَى وَزْنِ عُمَرَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَطَائِفَةٌ تَقُولُ: مَعْنَاهَا جِدًّا جِدًّا: أَيْ كَثِيرًا كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَاهَا فَهُوَ بِشَارَةٌ بِمَنْ عَظُمَ مِنْ نَبِيِّهِ كَثِيرًا كَثِيرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعَظَّمْ مِنْ نَبِيِّهِ أَكْثَرَ مِمَّا عُظِّمَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ هِيَ صَرِيحُ اسْمِ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعِبْرَانِيَّةِ قَرِيبَةٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ أَقْرَبُ اللُّغَاتِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِإِسْمَاعِيلَ شَمَاعِيلَ، وَسَمِعْتُكَ شَمِعْتَخَا، (وَأَنَا: أَنُو)، وَقَدَّسَكَ: قَدْ شَتْخَا، وَأَنْتَ أَتَا، وَإِسْرَائِيلُ: يِسْرَائِيلُ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي التَّوْرَاةِ: (قدش لي خل بخور ريحم ببني يسرائيل بأدام وببهيما لِي) .
مَعْنَاهُ: قَدَّسَ لِي كُلُّ بِكْرٍ أَوْ مَوْلُودِ رَحِمٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى بَهِيمَةٍ لِي. وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: (نابي أقيم لا هيم مفارت أَخيهم كاموها أخا الاؤه يشماعون)، وَإِنَّ مَعْنَاهُ: نَبِيًّا أُقِيمُ لَهُمْ مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ لَهُ تَسْمَعُونَ، وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ: (أنتم عابريم بفبول آحيحيم بني عيصا) مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ عَابِرُونَ فِي تُخْمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي الْعِيصِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ.
فَإِذَا أَخَذَتْ لَفْظَةَ (مُوَدَ مُوَدَ) وَجَدْتَهَا أَقْرَبَ شَيْءٍ إِلَى لَفْظَةِ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا أَرَدْتَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَطَابِقْ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: اصْبُوعُ أُلُوهِيمَ، أَيْ: أُصْبُعُ اللَّهِ كَتَبَ لَهُ بِهَا التَّوْرَاةَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَدَاةُ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: بِمُوَدَ مُوَدَ، وَلَا يُقَالُ أُعَظِّمُهُ بِجِدًّا جِدًّا، بِخِلَافِ أُعَظِّمُهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ عَظُمَ بِهِ وَازْدَادَ شَرَفًا إِلَى شَرَفِهِ، بَلْ تَعْظِيمُهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ ﷺ فَوْقَ تَعْظِيمِ كُلِّ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ الْعَظِيمِ الْقَدْرِ، فَاللَّهُ ﷾ كَثَّرَهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالنَّصُّ مَنْ أَظْهَرِ الْبِشَارَاتِ بِهِ، أَمَّا عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَظَاهِرٌ جِدًّا
جِدًّا، وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا كَثَّرَ إِسْمَاعِيلَ وَعَظَّمَهُ عَلَى إِسْحَاقَ جِدًّا جِدًّا بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَإِذَا طَابَقْتَ بَيْنَ مَعْنَى الْبَارَقْلِيطِ وَمَعْنَى مُوَدَ مُوَدَ وَمَعْنَى مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَنَظَرْتَ إِلَى خِصَالِ الْحَمْدِ الَّتِي فِيهِ وَتَسْمِيَتِهِ أُمَّتَهُ بِالْحَامِدِينَ، وَافْتِتَاحِ كِتَابِهِ بِالْحَمْدِ، وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِالْحَمْدِ، وَكَثْرَةِ خِصَالِ الْحَمْدِ الَّتِي فِيهِ، وَفِي أُمَّتِهِ وَفِي دِينِهِ، وَفِي كِتَابِهِ، وَعَرَفْتَ مَا خَلَّصَ بِهِ الْعَالِمَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْخَطَايَا وَالْبِدَعِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَمَا أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ، وَقَمَعَ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ، تَيَقَّنَتْ أَنَّهُ الْفَارَقْلِيطُ بِالِاعْتِبَارَاتِ كُلِّهَا. فَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ؟! وَمَنْ هُوَ الْعَاقِبُ لِلْمَسِيحِ، وَالشَّاهِدُ لِمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ لَهُ بِمَجِيئِهِ؟! وَمَنْ ذَا الَّذِي أَخْبَرَنَا بِالْحَوَادِثِ وَالْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَظُهُورِ الدَّابَّةِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، وَظُهُورِ النَّارِ الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ، وَأَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْغُيُوبِ الْوَاقِعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالْحِسَابِ، وَأَخْذِ الْكُتُبِ بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ، وَتَفَاصِيلِ مَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَنِ الَّذِي وَبَّخَ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطَايَا سِوَاهُ؟! وَمَنِ الَّذِي عَرَّفَ الْأُمَّةَ (مَا يَنْبَغِي لِلَّهِ) حَقَّ التَّعْرِيفِ غَيْرُهُ، وَمَنَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا لَمْ يُطِقْ أَكْثَرُ الْعَالَمَ أَنْ يَقْبَلُوهُ غَيْرُهُ، حَتَّى عَجَزَتْ عَنْهُ عُقُولٌ كَثِيرَةٌ مِمَّنْ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، فَسَامُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ بِعَجْزِ عُقُولِهِمْ عَنْ حَمْلِهِ، كَمَا قَالَ أَخُوهُ الْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ؟ وَمَنِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدْرِهِ، غَيْرُهُ ﷺ؟! وَمَنْ هُوَ أَرَكُونُ الْعَالَمِ الَّذِي أَتَى بَعْدَ الْمَسِيحِ غَيْرُهُ؟ وَأَرَكُونُ الْعَالَمِ هُوَ عَظِيمُ الْعَالَمِ وَكَبِيرُ الْعَالَمِ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ الَّتِي لَا يُنْكِرُونَهَا: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي مِنَ
الْأَمْرِ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهِيَ شَاهِدَةٌ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعًا، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ صَارَ الْأَمْرُ لَهُ دُونَ الْمَسِيحِ. فَوَجَبَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِمْ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ وَلِأَمْرِهِ، وَصَارَ الْأَمْرُ لَهُ حَقِيقَةً. وَلَمْ يَبْقَ بِأَيْدِي النَّصَارَى إِلَّا دِينٌ بَاطِلُهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ حَقِّهِ، وَحَقُّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، فَطَابَقَ قَوْلُ الْمَسِيحِ قَوْلَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، وَقَوْلُهُ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، فَتَطَابَقَ قَوْلُ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَبَشَّرَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِيِّ، وَصَدَّقَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي الْبِشَارَةِ الْأُخْرَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي أَخَّرَهُ الْبَنَّاءُونَ صَارَ أُسًّا لِلزَّاوِيَةِ؟ كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعْتَ تِلْكَ اللَّبِنَةُ؟ فَكُنْتُ أَنا تِلْكَ اللَّبِنَةَ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ: إِنَّ ذَلِكَ لِعَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِيهَا: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى، كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي الْبَارَقْلِيطِ الْمُبَشَّرِ بِهِ: يُفْشِي لَكُمُ الْأَسْرَارَ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَإِنِّي أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ.
كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْكُتُبَ، وَتَأَمَّلْتَ الْقُرْآنَ وَجَدْتَهُ كَالتَّفْصِيلِ لِجُمَلِهَا، وَالتَّأْوِيلِ لِأَمْثِلَتِهَا، وَالشَّرْحِ لِرُمُوزِهَا، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْمَسِيحِ: أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَيَجِيئُكُمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَهُ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَتَفَاصِيلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، وَمُطَابَقَةَ الْخَبَرِ الْمُفَصَّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْخَبَرِ الْمُجْمَلِ مِنْ أَخِيهِ الْمَسِيحِ ﵊. وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي البارقليط: وَهُوَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدَتْ لَهُ، كَيْفَ تَجِدُهُ مُنْطَبِقًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَجِدُهُ شَاهِدًا بِصِدْقِ الرَّسُولَيْنِ، وَكَيْفَ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي رَجُلٍ يَأْتِي بَعْدَ الْمَسِيحِ يَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، كَمَا شَهِدَ لَهُ الْمَسِيحُ؟! فَلَقَدْ أَذَّنَ الْمَسِيحُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَامِهِ عَلَيْهِمَا أَذَانًا لَمْ يُؤَذِّنْهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَأَعْلَنَ بِتَكْبِيرِ رَبِّهِ أَنَّى تَكُونُ لَهُ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟ ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهًا وَاحِدًا أَحَدًا فَرْدًا صَمَدْا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ أَعْلَنَ بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الشَّاهِدُ لَهُ بِنُبُوَّتِهِ الْمُؤَيَّدُ بِرُوحِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ
Translation
(فصل): فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته
#17 Chapter 17 — (فصل): وتأمل قول المسيح: أن أركون العالم سيأتي · ref. #17
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُخْبِرُ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتُهُ بِحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَخَتَمَ التَّأْذِينَ بِأَنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، وَيُدْفَعُ إِلَى أَتْبَاعِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَعَاشَ مَنْ عَاشَ عَنْ بَيِّنَةٍ، فَاسْتَجَابَ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ حَقًّا لِهَذَا التَّأْذِينِ، وَأَبَاهُ الْكَافِرُونَ وَالْجَاحِدُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَزَالُونَ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَتْبَاعُ الْمُرْسَلِينَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَتْبَاعُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، لَا أَعْدَاؤُهُ، وَأَعْدَاؤُهُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ رَضُوا أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَصْفُوعًا مَصْلُوبًا مَقْتُولًا، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا عِنْدَهُ مُقَرَّبًا لَدَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُهُ حَقًّا وَالْمُسْلِمُونَ أَتْبَاعُهُ حَقًّا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بِشَارَةِ الْمَسِيحِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ كُلِّ بِشَارَةٍ، لَمَّا كَانَ أَقْرَبَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ وَكِتَابٍ.

(فَصْلٌ): وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي، وَأَرَكُونُ الْعَالَمِ هُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِ وَعَظِيمُهُ، وَمَنِ الَّذِي سَادَ الْعَالَمَ، وَأَطَاعَهُ الْعَالَمُ بَعْدَ الْمَسِيحِ غَيْرُ النَّبِيِّ ﵊؟! وَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ مَا أَوَّلُ أَمْرِكَ قَالَ: أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبَشَّرَ بِي عِيسَى.
وَطَابِقْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمَسِيحُ، فَمَنِ الَّذِي سَادَ الْعَالِمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَانْقَادَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَالْأَجْسَادُ، وَأُطِيعُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فِي مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي
Translation
(فصل): وتأمل قول المسيح: أن أركون العالم سيأتي
#18 Chapter 18 — (فصل): وطابق بين قول المسيح: أن أركون العالم سيأتيكم، وقول أخيه محمد ﷺ: أنا سيد ولد آدم ولا فخر · ref. #18
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
(فصل): وطابق بين قول المسيح: أن أركون العالم سيأتيكم، وقول أخيه محمد ﷺ: أنا سيد ولد آدم ولا فخر
Translation
(فصل): وطابق بين قول المسيح: أن أركون العالم سيأتيكم، وقول أخيه محمد ﷺ: أنا سيد ولد آدم ولا فخر
#19 Chapter 19 — (فصل): وفي قول المسيح في هذه البشارة: وليس لي من الأمر شيء، إشارة إلى التوحيد · ref. #19
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَأَفْضَلِ الْأَقَالِيمِ وَالْأَمْصَارِ، وَسَارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ، وَبَلَغَ دِينُهُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَخَرَّتْ لِمَجِيئِهِ الْأُمَمُ عَلَى الْأَذْقَانِ، وَبَطَلَتْ بِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَقَامَتْ بِهِ دَعْوَةُ الرَّحْمَنِ، وَاضْمَحَلَّتْ بِهِ دَعْوَةُ الشَّيْطَانِ، وَأَذَلَّ الْكَافِرِينَ وَالْجَاحِدِينَ، وَأَعَزَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، حَتَّى أَعْلَنَ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَعَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، وَامْتَلَأَتْ بِهِ الْأَرْضُ تَحْمِيدًا لِلَّهِ وَتَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا، وَاكْتَسَتْ بِهِ بَعْدَ الظُّلْمِ وَالظَّلَامِ عَدْلًا وَنُورًا؟

(فَصْلٌ): وَطَابِقْ بَيْنَ قَوْلِ الْمَسِيحِ: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِيكُمْ، وَقَوْلَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، آدَمُ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا، وَإِمَامُهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَمُبَشِّرُهُمْ إِذَا يَئِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي.

(فَصْلٌ): وَفِي قَوْلِ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ: وَلَيْسَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْبِشَارَةُ أَصْلَيِ الدِّينِ: إِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ، وَإِثْبَاتَ النُّبُوَّةِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَسِيحُ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَ بِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَبِّهِ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
فَمَنْ تَأَمَّلَ حَالَ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ وَدَعْوَتِهِمَا وَجَدَهُمَا مُتَوَافِقَيْنِ مُتَطَابِقَيْنِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصْدِيقُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ التَّكْذِيبِ بِالْآخَرِ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّ الْمُكَذِّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أَشَدُّ تَكْذِيبًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ آمَنَ بِمَسِيحٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا وُجُودَ فَهُوَ أَبْطَلُ الْبَاطِلِ.
وَقَدْ قَالَ يُوحَنَّا فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَهُوَ يُسَمُّونَهُ افْرَاكِيسَ: يَا أَحْبَابِي إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ، لَكِنْ مَيِّزُوا الْأَرْوَاحَ الَّتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ رُوحٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ وَكَانَ جَسَدَانِيًّا فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ وَكَانَ جَسَدَانِيًّا فَلَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ، الَّذِي هُوَ الْآنَ فِي الْعَالَمِ.
فَالْمُسْلِمُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ الصَّادِقِ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَالنَّصَارَى إِنَّمَا تُؤْمِنُ بِمَسِيحٍ دَعَا لِعِبَادَةِ نَفْسِهِ وَأُمِّهِ، وَأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَأَنَّهُ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ أَخُو الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ لَوْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ الْكَذَّابَ يَزْعُمُ أَنَّهُ اللَّهُ، وَالنَّصَارَى فِي الْحَقِيقَةِ أَتْبَاعُ هَذَا الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، فَعَوَّضَهُمُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ الِانْتِظَارَ لِلْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ يُعَوَّضُ مِنَ الْبَاطِلِ. وَأَصُلُ هَذَا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أَعْرَضَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ كِبْرًا أَنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَوَّضَ مِنْ ذَلِكَ ذُلَّ الْقِيَادَةِ لِكُلِّ فَاسِقٍ وَمُجْرِمٍ مِنْ بَنِيهِ، فَلَا بِتِلْكَ النَّخْوَةِ وَلَا بِهَذِهِ الْحِرْفَةِ، وَالنَّصَارَى لَمَّا أَنِفُوا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدًا لِلَّهِ تَعَوَّضُوا مِنْ هَذِهِ الْأَنَفَةِ بِأَنْ رَضُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَصْفَعَةً لِلْيَهُودِ، وَمْصُلُوبَهُمُ الَّذِي يَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَهْزَءُونَ بِهِ، ثُمَّ عَقَدُوا لَهُ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ بَدْلَ تَاجِ الْمُلْكِ، وَسَاقُوهُ فِي حَبْلٍ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ يُصَفِّقُونَ حَوْلَهُ وَيَرْقُصُونَ. فَلَا بِتِلْكَ الْأَنَفَةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَلَا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ إِلَى أَعْظَمِ الذُّلِّ، وَالضَّيْمِ وَالْقَهْرِ.
Translation
(فصل): وفي قول المسيح في هذه البشارة: وليس لي من الأمر شيء، إشارة إلى التوحيد
#20 Chapter 20 — (فصل): وقول المسيح: إذا انطلقت أرسلته إليكم، معناه أني أرسله بدعائي وطلبي منه أن يرسله · ref. #20
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text Aqeedah
وَكَذَلِكَ أَنِفُوا أَنْ يَكُونَ لِلْبَتْرَكِ وَالرَّاهِبِ زَوْجَةٌ أَوْ وَلَدٌ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ، وَكَذَلِكَ أَنِفُوا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُطِيعُوا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ رَضُوا بِعِبَادَةِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَصْنُوعَةِ بِالْأَيْدِي فِي الْحِيطَانِ، وَطَاعَةِ كُلِّ مَنْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَوْ يُحَلِّلُ لَهُمْ مَا شَاءَ وَيُشَرِّعُ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا شَاءَ وَمِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَنَظِيرُ هَذَا التَّعْوِيضِ أَنِفَتِ الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ﷾ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ مُبَايِنًا مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَحْصُورًا بِزَعْمِهِمْ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ قَالُوا: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ، فَحَصَرُوهُ فِي الْآبَارِ وَالسُّجُونِ وَالْأَنْجَاسِ وَالْأَحْوَاشِ، وَعَوَّضُوهُ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ عَنْ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ، فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَاقِلُ لَعِبَ الشَّيْطَانِ بِعُقُولِ هَذَا الْخَلْقِ، وَضَحِكَهُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِهْزَاءَهُ بِهِمْ.

(فَصْلٌ): وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: إِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، مَعْنَاهُ أَنِّي أُرْسِلُهُ بِدُعَائِي وَطَلَبِي مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَهُ، كَمَا يَطْلُبُ الطَّالِبُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، أَوْ يُوَلِّيَ نَائِبًا، أَوْ يُعْطِيَ أَحَدًا، فَيَقُولُ: أَنَا أَرْسَلْتُ هَذَا وَوَلَّيْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ، أَيْ كُنْتُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ إِذَا قَضَى بِأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ أَسْبَابًا يَكُونُ بِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ دُعَاءُ بَعْضِ عِبَادِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ إِجَابَةُ دُعَائِهِ، مَضَافًا إِلَى نِعْمَتِهِ بِإِيجَادِ مَا قَضَى كَوْنَهُ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ دَعَا بِهِ الْخَلِيلُ ﵊
Translation
(فصل): وقول المسيح: إذا انطلقت أرسلته إليكم، معناه أني أرسله بدعائي وطلبي منه أن يرسله

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound