Back to the aqeedah library
53 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Ibn Qayyim al-Jawziyya (ابن القيم الجوزية
53
Total sections
53 chapters
#21
Chapter 21 — (فصل): وتأمل قول المسيح " إني لست أدعكم أيتاما لأني سآتيكم عن قريب "
· ref. #21
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
أَبُوهُ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
مَعَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ قَدْ قَضَى بِإِرْسَالِهِ وَأَعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَقَالَ: إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ.
وَهَذَا كَمَا قَضَى اللَّهُ ﷾ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِعَانَتُهُ بِرَبِّهِ وَدُعَاؤُهُ وَابْتِهَالُهُ بِالنَّصْرِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ قَدْ يَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ابْتِهَالِ عِبَادِهِ وَدُعَائِهِمْ وَتَضَرُّعِهِمْ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْضِيهِ مِنْ مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَهِدَايَةٍ وَنَصْرٍ، قَدْ يُسَبِّبُ لَهُ أَدْعِيَةً يَحْصُلُ بِهَا مِمَّنْ يَنَالُ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ سَأَلَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أَنْ يُرْسِلَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْعَالَمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إِرْسَالِهِ، إِضَافَةً إِلَى دَعْوَةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرْسِلَهُ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ ﷾، وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا وَعَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ.
(فَصْلٌ): وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ " إِنِّي لَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ " كَيْفَ هُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ
مَعَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ قَدْ قَضَى بِإِرْسَالِهِ وَأَعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَقَالَ: إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ.
وَهَذَا كَمَا قَضَى اللَّهُ ﷾ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِعَانَتُهُ بِرَبِّهِ وَدُعَاؤُهُ وَابْتِهَالُهُ بِالنَّصْرِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ قَدْ يَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ابْتِهَالِ عِبَادِهِ وَدُعَائِهِمْ وَتَضَرُّعِهِمْ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْضِيهِ مِنْ مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَهِدَايَةٍ وَنَصْرٍ، قَدْ يُسَبِّبُ لَهُ أَدْعِيَةً يَحْصُلُ بِهَا مِمَّنْ يَنَالُ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ سَأَلَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أَنْ يُرْسِلَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْعَالَمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إِرْسَالِهِ، إِضَافَةً إِلَى دَعْوَةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرْسِلَهُ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ ﷾، وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا وَعَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ.
(فَصْلٌ): وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ " إِنِّي لَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ " كَيْفَ هُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ
Translation
(فصل): وتأمل قول المسيح " إني لست أدعكم أيتاما لأني سآتيكم عن قريب "
#22
Chapter 22 — (فصل): وقد تقدم نص التوراة: تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.
· ref. #22
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَأَوْصَى أُمَّتَهُ بِأَنْ يُقْرِئَهُ السَّلَامَ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وَعِيسَى فِي آخِرِهَا؟! .
(فَصْلٌ): وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ التَّوْرَاةِ: تَجَلَّى اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ.
قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ - وَهَذَا لَفْظُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذَا خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَلَا غُمُوضٌ، لِأَنَّ الْمَجِيءَ أَيْ مَجِيءُ اللَّهِ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ: إِنْزَالُهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ كَالَّذِي هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ: إِنْزَالَهُ الْإِنْجِيلَ عَلَى الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ، أَرْضِ الْخَلِيلِ، بِقَرْيَةٍ تُدْعَى نَاصِرَةَ، وَبِاسْمِهَا تَسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى، وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالَهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ، قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ - وَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ - قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ فَارَانَ "؟! وَقُلْنَا لَهُمْ: دُلُّونَا
عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانُ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ.
أَوَلَيَسَ اسْتَعْلَنَ وَعَلَنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَبَيِّنُوهُ لَنَا؟ قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ: وَسَاعِيرُ جِبَالٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظُهُورُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ إِلَى جَانِبِ قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ - الْقَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ - تُسَمَّى الْيَوْمَ سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الْجِبَالَ الثَّلَاثَةَ، وَحِرَاءُ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ أَعْلَى مِنْهُ، وَفِيهِ ابْتِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَحَوْلَهُ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَاءَ تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتُهُ، وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ، وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَنُزُولُ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وَعِيسَى فِي آخِرِهَا؟! .
(فَصْلٌ): وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ التَّوْرَاةِ: تَجَلَّى اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ.
قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ - وَهَذَا لَفْظُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذَا خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَلَا غُمُوضٌ، لِأَنَّ الْمَجِيءَ أَيْ مَجِيءُ اللَّهِ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ: إِنْزَالُهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ كَالَّذِي هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ: إِنْزَالَهُ الْإِنْجِيلَ عَلَى الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ، أَرْضِ الْخَلِيلِ، بِقَرْيَةٍ تُدْعَى نَاصِرَةَ، وَبِاسْمِهَا تَسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى، وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالَهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ، قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ - وَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ - قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ فَارَانَ "؟! وَقُلْنَا لَهُمْ: دُلُّونَا
عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانُ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ.
أَوَلَيَسَ اسْتَعْلَنَ وَعَلَنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَبَيِّنُوهُ لَنَا؟ قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ: وَسَاعِيرُ جِبَالٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظُهُورُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ إِلَى جَانِبِ قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ - الْقَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ - تُسَمَّى الْيَوْمَ سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الْجِبَالَ الثَّلَاثَةَ، وَحِرَاءُ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ أَعْلَى مِنْهُ، وَفِيهِ ابْتِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَحَوْلَهُ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَاءَ تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتُهُ، وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ، وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَنُزُولُ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ
Translation
(فصل): وقد تقدم نص التوراة: تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.
#23
Chapter 23 — (فصل): وهذا الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين، من تأمل التوراة وجدها ناطقة به صريحا فيه
· ref. #23
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِذَا اسْتَعْلَتْ وَتَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَالْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنَّ هَذَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَأَمَّا السِّرَاجُ الْمُنِيرُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ﷾ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ الثَّلَاثَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي بُعِثَ مِنْهَا الْمَسِيحُ، وَأُنْزِلَ فِيهَا الْإِنْجِيلُ وَطُورِ سِينِينَ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵊ تَكْلِيمًا، وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي فِيهِ، وَأَقْسَمَ بِـ الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَهُوَ مَكَّةُ، الَّتِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ فِيهِ وَهُوَ فَارَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمَّا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدَّمَ الْأَسْبَقَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَإِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَآيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَبَدَأَ بِالْعَالِي، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ، ثُمَّ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنَّ أَشْرَفَ الْكُتُبِ الْقُرْآنُ، ثُمَّ التَّوْرَاةُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ الثَّلَاثَةُ.
(فَصْلٌ): وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ تَأَمَّلَ التَّوْرَاةَ وَجَدَهَا نَاطِقَةً بِهِ صَرِيحًا فِيهِ، فَإِنَّ فِيهَا " وَغَدَا إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ الْغُلَامَ وَأَخَذَ خُبْزًا وَسِقَاءً مِنْ مَاءٍ
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ﷾ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ الثَّلَاثَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي بُعِثَ مِنْهَا الْمَسِيحُ، وَأُنْزِلَ فِيهَا الْإِنْجِيلُ وَطُورِ سِينِينَ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵊ تَكْلِيمًا، وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي فِيهِ، وَأَقْسَمَ بِـ الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَهُوَ مَكَّةُ، الَّتِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ فِيهِ وَهُوَ فَارَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمَّا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدَّمَ الْأَسْبَقَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَإِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَآيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَبَدَأَ بِالْعَالِي، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ، ثُمَّ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنَّ أَشْرَفَ الْكُتُبِ الْقُرْآنُ، ثُمَّ التَّوْرَاةُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ الثَّلَاثَةُ.
(فَصْلٌ): وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ تَأَمَّلَ التَّوْرَاةَ وَجَدَهَا نَاطِقَةً بِهِ صَرِيحًا فِيهِ، فَإِنَّ فِيهَا " وَغَدَا إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ الْغُلَامَ وَأَخَذَ خُبْزًا وَسِقَاءً مِنْ مَاءٍ
Translation
(فصل): وهذا الذي ذكره ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين، من تأمل التوراة وجدها ناطقة به صريحا فيه
#24
Chapter 24 — (فصل): ومثل هذه البشارة من كلام شمعون مما قبلوه ورضوا ترجمته
· ref. #24
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
وَدَفَعَهُ إِلَى هَاجَرَ وَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ، وَنَفَذَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، فَطَرَحَتِ الْغُلَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَجَلَسَتْ مُقَابَلَتَهُ عَلَى مِقْدَارِ رَمْيَةِ حَجَرٍ، لِئَلَّا تُبْصِرَ الْغُلَامَ حِينَ يَمُوتُ، وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَسَمِعَ اللَّهُ صَوْتَ الْغُلَامِ، وَحَيْثُ هُوَ فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: قُومِي وَاحْمِلِي الْغُلَامَ، وَشُدِّي يَدَيْكِ بِهِ، فَإِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَتَحَ اللَّهُ عَيْنَيْهَا، فَرَأَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَسَقَتِ الْغُلَامَ وَمَلَأَتْ سِقَاءَهَا، وَكَانَ اللَّهُ مَعَ الْغُلَامِ، فَرُبِّيَ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
(فَهَذَا نَصُّ التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ رُبِّيَ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَقَاهُ مِنْ بِئْرِ مَاءٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَمِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِنَّمَا رُبِّيَ بِمَكَّةَ هُوَ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ فَارَانَ هِيَ أَرْضُ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ): وَمِثْلُ هَذِهِ الْبِشَارَةِ مِنْ كَلَامِ شَمْعُونَ مِمَّا قَبِلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ: فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ، وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالطُّورِ تُسَمَّى بَرِّيَّةُ فَارَانَ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَةُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ سَاعِيرَ.
(فَهَذَا نَصُّ التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ رُبِّيَ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَقَاهُ مِنْ بِئْرِ مَاءٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَمِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِنَّمَا رُبِّيَ بِمَكَّةَ هُوَ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ فَارَانَ هِيَ أَرْضُ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ): وَمِثْلُ هَذِهِ الْبِشَارَةِ مِنْ كَلَامِ شَمْعُونَ مِمَّا قَبِلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ: فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ، وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالطُّورِ تُسَمَّى بَرِّيَّةُ فَارَانَ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَةُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ سَاعِيرَ.
Translation
(فصل): ومثل هذه البشارة من كلام شمعون مما قبلوه ورضوا ترجمته
#25
Chapter 25 — (فصل): ونظير هذا ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حبقوق
· ref. #25
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
(فصل): ونظير هذا ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حبقوق
Translation
(فصل): ونظير هذا ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حبقوق
#26
Chapter 26 — (فصل): ومن ذلك وهو قوله في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة
· ref. #26
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
(فَصْلٌ): وَنَظِيرُ هَذَا مَا نَقَلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ فِي نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ، (جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْيَمَنِ)، وَظَهَرَ (بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْقُدُّوسُ) عَلَى جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِ أَحْمَدَ، وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ، وَحَمَلَتْ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ (وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي إِلْهَامًا بِأَمْرِكَ يَا مَحْمَادُ ارْتِوَاءً.
وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَحْمَدُ هَذَا الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِهِ، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ فَمَلَكَ رِقَابَ الْأُمَمِ؟
(فَصْلٌ): وَمِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَاجَرَ لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ، وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذُلَّكِ وَخُضُوعَكِ، وَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، يَدُهُ فَوْقَ يَدِ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَانِهِ.
قَالَ الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانَ مَعَ مُوسَى (أَعَزُّ أَهْلٍ)، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، وَلِذَلِكَ كَانُوا مَعَ يُوشَعَ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَفَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ فَكَفَرُوا بِهِ، وَكَذَّبُوهُ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُ، وَزَالَ مُلْكُهُمْ وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ، وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا. وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقَهْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَدُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَالَةِ، وَلَا كَانَتْ فَوْقَ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا بِرِسَالَتِهِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ فَصَارَتْ بِمَبْعَثِهِ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ قَهَرُوا سُلْطَانَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئَةَ وَعُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ وَقَهْرِهِ، لَا بِرِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ، مُلْكٌ لَيْسَ مَعَهُ نُبُوَّةٌ بَلْ مُلْكُ جَبَّارٍ مُتَسَلِّطٍ،
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ (وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي إِلْهَامًا بِأَمْرِكَ يَا مَحْمَادُ ارْتِوَاءً.
وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَحْمَدُ هَذَا الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِهِ، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ فَمَلَكَ رِقَابَ الْأُمَمِ؟
(فَصْلٌ): وَمِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَاجَرَ لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ، وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذُلَّكِ وَخُضُوعَكِ، وَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، يَدُهُ فَوْقَ يَدِ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَانِهِ.
قَالَ الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانَ مَعَ مُوسَى (أَعَزُّ أَهْلٍ)، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، وَلِذَلِكَ كَانُوا مَعَ يُوشَعَ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَفَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ فَكَفَرُوا بِهِ، وَكَذَّبُوهُ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُ، وَزَالَ مُلْكُهُمْ وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ، وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا. وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقَهْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَدُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَالَةِ، وَلَا كَانَتْ فَوْقَ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا بِرِسَالَتِهِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ فَصَارَتْ بِمَبْعَثِهِ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ قَهَرُوا سُلْطَانَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئَةَ وَعُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ وَقَهْرِهِ، لَا بِرِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ، مُلْكٌ لَيْسَ مَعَهُ نُبُوَّةٌ بَلْ مُلْكُ جَبَّارٍ مُتَسَلِّطٍ،
Translation
(فصل): ومن ذلك وهو قوله في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة
#27
Chapter 27 — (فصل) قول داود في الزبور: سبحوا الله تسبيحا جديدا
· ref. #27
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
وَمُلْكٌ نَفْسُهُ نُبُوَّةٌ، وَالْبِشَارَةُ لَمْ تَقَعْ بِالْمُلْكِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى صَاحِبُهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَأَفْجَرِهِمْ وَأَكْفَرِهِمْ، فَهَذَا لَا تَقَعُ الْبِشَارَةُ بِمُلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَتِهِ، كَمَا وَقَعَ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، بَلْ هَذَا شَرٌّ مِنْ سَنْحَارِيبَ وَبُخْتَ نَصَّرَ، وَالْمُلُوكِ الظَّالِمَةِ الْفَجَرَةِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، فَالْأَخْبَارُ لَا تَكُونُ بِشَارَةً، وَلَا يَفْرَحُ بِهِ هَاجَرُ وَإِبْرَاهِيمُ، وَلَا بَشَرٌ مِمَّنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِنَابَةً لَهَا مِنْ خُضُوعِهَا وَذُلِّهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ، وَيُعَظِّمُ هَذَا الْمَوْلُودَ وَيَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَاحِدِينَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكِ سَتَلِدِينَ جَبَّارًا ظَالِمًا طَاغِيًا يَقْهَرُ النَّاسَ بِالْبَاطِلِ، وَيَقْتُلُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ، وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيُبَدِّلُ أَدْيَانَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ عَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ بُهْتَانًا وَفِرْيَةً عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَنْكَرٍ لِأُمَّةِ الْغَضَبِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْمِ الْبُهْتِ.
(فَصْلٌ) قَوْلُ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَلْيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ، وَبُيُوتُ صُهْيُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَهُ أُمَّتَهُ، وَأَعْطَاهُمُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ بِالْكَرَامَةِ، وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ، يُوثِقُونَ مُلُوكَهُمْ بِالْقُيُودِ، وَأَشْرَافَهُمْ بِالْأَغْلَالِ.
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَلَوْنَا شَرَفًا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، وَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي الْأَذَانِ، وَفِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَعِيدِ النَّحْرِ، وَفِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا....
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَابْنُ عُمَرَ ﵁ يَخْرُجَانِ إِلَى الْأَسْوَاقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.... وَيُكَبِّرُونَ أَيْضًا عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَجْمَعُونَ النَّاسَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى بِالنَّاقُوسِ. وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فَشِعَارُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، فَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي فَتَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِهَا الْبِلَادَ، وَهِيَ إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفَةٌ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: يُسَبِّحُونَ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، هُوَ نَعْتُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْبِشَارَةَ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى النَّصَارَى وَلَا تُنَاسِبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَالنَّصَارَى تُصِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسُّيُوفِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى ﵇ قَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَبَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَبَعْدَهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَبْلَهُمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُ دَاوُدَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ فَتَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ السَّيْفَ، لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبُ عَلَيْكَ، ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَسَمْتَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمَ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
وَلَيْسَ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ بَعْدَ دَاوُدَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، إِمَّا الْقَبُولُ، وَإِمَّا الْجِزْيَةُ، وَإِمَّا السَّيْفُ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ
لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ، وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْأَذِلَّاءِ الْمَقْهُورِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَذِلُّونَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى قُدُومِ الْحَقِّ.
قَوْلُ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ اللَّهَ ﷾ أَظْهَرَ مِنْ صُهْيُونَ إِكْلِيلًا مَحْمُودًا.
وَضَرَبَ الْإِكْلِيلَ مَثَلًا لِلرِّئَاسَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَمَحْمُودٌ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِ: وَيَجُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ مِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَتَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُكَبِهِمْ، وَيَلْمَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ، تَأْتِيهِ مُلُوكُ الْفُرْسِ وَتَسْجُدُ لَهُ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْمُضْطَهَدَ الْيَائِسَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمِسْكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُبَارَكُ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَاقِلٍ تَدَبَّرَ أُمُورَ الْمَمَالِكِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَعَرَفَ سِيرَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيرَةَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى
نَبِيٍّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ سَيَحْوُنَ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَنِيلِ مِصْرَ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْغَرْبِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.
وَهُوَ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبِشَارَةِ مُلُوكَ الْفُرْسِ خَاصَّةً، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي سَمِعَتْ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمْكِينَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى
السَّمَاءِ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيُبَارِكُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَهِيَّتَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ.
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لِتَرْتَاعَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ قِيدَارَ مُرُوجًا، وَتُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ، وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَوِّ.
فَمَنْ أَهْلُ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟! وَمَنْ قِيدَارُ غَيْرُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَحَدُ أَجْدَادِهِ ﷺ؟! وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَقِلَالِ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي دَامَ ذِكْرُهُ إِلَى الْأَبَدِ؟
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ رَبَّنَا عَظَّمَ مَحْمُودًا جِدًّا، وَفِي مَكَانٍ آخَرَ: إِلَهُنَا قُدُّوسٌ وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا، فَقَدَ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ وَصَرَّحَ أَنَّ كَلِمَتَهُ عَمَّتِ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ لِدَاوُدَ: سَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ أُدْعَى لَهُ أَبًّا، وَيُدْعَى لِيَ ابْنًا، قَالَ دَاوُدُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعِلَ السُّنَّةِ كَيْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّهُ بَشَرٌ.
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يُرِيدُ: ابْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ حَتَّى يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ لَيْسَ إِلَهًا، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ لَا ابْنُ خَالِقِ الْبَشَرِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ هَادِيَ الْأُمَّةِ وَكَاشِفَ الْغُمَّةِ فَبَيَّنَ لِلْأُمَمِ حَقِيقَةَ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ كَرِيمٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، لَا كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا كَمَا رَمَتْهُ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: قِيلَ لِي: قُمْ نَظَّارًا فَانْظُرْ مَا تَرَى تُخْبِرُ بِهِ، قُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْنَامُهَا.
وَصَاحِبُ الْحِمَارِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ النَّصَارَى هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ.
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ لَا بِالْمَسِيحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ مَنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: إِنَّهُ قَالَ عَنْ مَكَّةَ: ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ إِلَيْكِ ذَخَائِرَ الْبَحْرِ، وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَيُسَاقَ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ قِيدَارَ، وَيَخْدِمَكِ
رِجَالُ بَنَاوَتَ، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ لِمَكَّةَ، فَإِنَّهَا حُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا أَغْنَامُ قِيدَارَ هَدَايَا، وَأَضَاحٍ وَقَرَابِينَ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَكَّةَ أَيْضًا: وَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي كَقَسَمِي أَيَّامَ نُوحٍ أَنِّي أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِنِّي لَا أَسْخَطُ عَلَيْكِ وَلَا أَرْفُضُكِ، وَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَإِنَّ الْقِلَاعَ تُخَطُّ وَرَحْمَتِي عَنْكِ لَا تَزُولُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مِسْكِينَةُ، يَا مُضْطَهَدَةُ، هَا أَنَا ذَا بَانٍ بِالْجِصِّ حِجَارَتَكِ، وَمُزَيِّنُكِ بِالْجَوَاهِرِ، وَمُكَلِّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ سَقْفَكِ، وَبِالزَّبَرْجَدِ أَبْوَابَكِ، وَتَبْعُدِينَ مِنَ الظُّلْمِ فَلَا تَخَافِي، وَمِنَ الضَّعْفِ فَلَا تَضْعُفِي، وَكُلُّ سِلَاحٍ يَصْنَعُهُ صَانِعٌ لَا يَعْمَلُ فِيكِ، وَكُلُّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ تَقُومُ مَعَكِ بِالْخُصُومَةِ تُفْلِحِينَ مَعَهَا، وَيُسَمِّيكِ اللَّهُ اسْمًا جَدِيدًا - يُرِيدُ أَنَّهُ سَمَّاهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - فَقُومِي فَأَشْرِقِي فَإِنَّهُ دَنَا نُورُكِ، وَوَقَارُ اللَّهِ عَلَيْكِ، انْظُرِي بِعَيْنَيْكِ حَوْلَكِ فَإِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ. يَأْتُونَكِ بُنُوكِ وَبَنَاتُكِ عَدْوًا، فَحِينَئِذٍ تَشْرُفِينَ وَتَزْهُرِينَ، وَيَخَافُ عَدُوُّكِ، وَيَتَّسِعُ قَلْبُكِ، وَكُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تُجْمَعُ إِلَيْكِ، وَسَادَاتُ بَنَاوَتَ يَخْدِمُونَكِ. وَبَنَاوَتُ هُوَ بنْتُ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَخُو بَنَاوَتَ.
ثُمَّ قَالَ: وَتُفْتَحُ أَبْوَابُكِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تُغْلَقُ، وَيَتَّخِذُونَكِ قِبْلَةً، وَتُدْعَيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةَ الرَّبِّ.
قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَّةَ: سُرِّي وَاهْتَزِّي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي، وَلَمْ تَحْبَلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي.
يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ بَيْتُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وُلِدَ فِيهِ أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُ أَشْعِيَا أَيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أُعْطِي الْبَادِيَةَ كَرَامَةَ لُبْنَانَ، وَبِهَا الْكَنْزُ مَالٌ.
قَالَ: وَهُمَا الشَّامُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ أَجْعَلُ الْكَرَامَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ بِالْوَحْيِ، وَظُهُورِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْبِدَايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْحَجِّ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَشُقُّ الْبَادِيَةَ مِيَاهٌ وَسَوَاقٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَتَكُونُ بِالْفَيَافِي وَالْأَمَاكِنِ الْعِطَاشِ يَنَابِيعُ وَمِيَاهٌ، وَيَصِيرُ هُنَاكَ مَحَجَّةٌ وَطَرِيقُ الْحَرَمِ، لَا يَمُرُّ بِهِ أَنْجَاسُ الْأُمَمِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ لَا يَصِلُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ بِهَا سِبَاعٌ وَلَا أُسُدٌ، وَيَكُونُ هُنَاكَ مَمَرُّ الْمُخْلِصِينَ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَرَمِ: إِنَّ الذِّئْبَ وَالْحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعَانِ مَعًا، إِشَارَةً إِلَى أَمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْبَلَدَ الْأَمِينَ، وَقَالَ:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وَوَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
وَقَالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا مُعْلِنًا بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَمْدِ يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ. مُطَابِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: اسْمُكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي ذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: قَالَ الرَّبُّ وَالسَّيِّدُ " هَا أَنَا ذَا مُؤَسِّسٌ بِصُهْيُونَ حَجَرًا فِي زَاوِيَةِ رُكْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَسْتَعْجِلْنَا، وَأَجْعَلُ الْعَدْلَ مِثْلَ الشَّاقُولِ وَالصِّدْقَ مِثْلَ الْمِيزَانِ، فَيَهْلِكُ الَّذِينَ وَلَعُوا بِالْكَذِبِ.
فَصُهْيُونُ هِيَ مَكَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ بُنِّيَ لِلصَّلَاةِ، وَصُهْيُونُ أَيْضًا
الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَهَذَا الْحَجَرُ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي تُقَبِّلُهُ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَهُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ سَتُمْلَأُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ قُصُورًا إِلَى قِيدَارَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيَبُثُّونَ تَسْبِيحَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَقَالَ: ارْفَعْ عَلَمًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَصْفَرُّ بِهِمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَبَنُو قِيدَارَ هُمُ الْعَرَبُ، لِأَنَّ قِيدَارَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، وَالْعَلَمُ الَّذِي يُرْفَعُ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَالصَّفِيرُ بِهِمْ دُعَاؤُهُمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷿: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَأَبْعَثُ مِنَ الصَّبَا قَوْمًا يَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ أَفْوَاجًا كَالصَّعِيدِ كَثْرَةً، وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلَيْهِ الطِّينَ.
وَالصَّبَا تَأْتِي مِنْ نَحْوِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ بِالتَّلْبِيَةِ أَفْوَاجًا كَالتُّرَابِ كَثْرَةً. وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلِهِ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رِجَالٌ قَدْ كَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ مِنَ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا أَيْضًا: عَبْدِي وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، أَفِيضُ عَلَيْهِ رُوحِي، أَوْ قَالَ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، فَيَنْظُرَ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِي الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْعُورَ، وَيُسْمِعُ الْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِي الْقُلُوبَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أَعْطِيهِ غَيْرَهُ، لَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، وَلَا يُخْصَمُ، حَتَّى تَثْبُتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي، وَتَنْقَطِعَ بِهِ الْمَعْذِرَةُ.
فَمَنْ وُجِدَ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ مُحَمَّدِ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا نَبِيًّا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ بَحَثُوا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
فَقَوْلُهُ عَبْدِي مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا، وَقَوْلِهِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، مُطَابِقٌ
لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَضْحَكُ، مُطَابِقٌ لِوَصْفَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمًا، وَهَذَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ مِنْ خِفَّةِ الرُّوحِ، وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، بِخِلَافِ التَّبَسُّمِ فَإِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَكَمَالِ الْإِدْرَاكِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ ضَحِكُهُ وَحُسْنُ خُلُقِهِ عَنِ الْقَتْلِ إِذَا كَانَ حُبًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لَهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ تَبَسُّمِهِ فِي مَوْضِعِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ حَالٍ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَتَرْكُ الضَّحِكَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ، وَالِاعْتِدَالُ بَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ.
وَقَوْلُهُ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، فَسَمَّى الْوَحْيَ رُوحًا، لِأَنَّ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ بِهِ، كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ.
وَقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، وَقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
وَقَوْلِهِ: يُوصَى الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وَوَصَايَاهُ ﷺ هِيَ عُهُودُهُ إِلَى أُمَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَعْنِي لَيْسَ بِصَخَّابٍ لَهُ فَدِيدٌ كَحَالِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا وَقَارٌ. وَقَوْلُهُ: يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصُّمُّ وَالْقُلُوبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَكْمِيلَ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى الْحَاصِلَ بِدَعْوَتِهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، فَبَايَنُوا بِذَلِكَ أَحْوَالَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، فَإِنَّ الْهُدَى يَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا تُفْتَحُ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ، فَأَبْصَرَتْ بِاللَّهِ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، فَسَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ، فَعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ لِطَاعَتِهِ عَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَسَلَكَتْ سُبُلَ مَرْضَاتِهِ ذُلَلًا.
وَقَوْلُهُ: مَا أُعْطِيهِ فَلَا أُعْطِي غَيْرَهُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي.
وَلِقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ضَرَبُوا لَهُ الْمَثَلَ: لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا النَّبِيُّ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبَهُ يَقْظَانُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِهِ دِيوَانُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ يُشْبِهُهُ، وَلَا يُقَارِبُهُ، وَأُنْزِلَ عَلَى قَلْبِهِ مَحْفُوظًا مَتْلُوًّا، وَضُمِنَ لَهُ حِفْظُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثَالِ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ، وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُسَرِيَ بِهِ إِلَى أَنْ جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَأَى مَا لَمْ يَرَهُ بَشَرٌ قَبْلَهُ، وَرُفِعَ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَجُعِلَ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَاتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ أَتْبَاعٌ أَكْثَرَ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ النَّبِيِّينَ مَنْ عَهِدَ نُوحٍ إِلَى الْمَسِيحِ، فَأُمَّتُهُ ثُلْثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَخَصَّهُ بِالْوَسِيلَةِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَبِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ عِزًّا لَمْ يُعِزَّهُ بِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَذَلَّ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ ذُلًّا لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ مَا لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَجُعِلَتِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ مِثْلِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْ أُمِّتِهِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَجَمِيعُ مَلَائِكَتِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كَمَا فِي الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ، فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَذَانٌ وَلَا خُطْبَةٌ وَلَا صَلَاةٌ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ أَمْرًا يُطَاعُ، لَا مِمَّنْ قَبْلَهُ وَلَا مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تُطْوَى الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ إِلَّا عَمَّنْ سَلَكَ خَلْفَهُ، وَاقْتَدَى بِهِ، وَجَعَلَ لِوَاءَ الْحَمْدِ بِيَدِهِ، فَآدَمُ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلَ شَافِعٍ وَأَوَّلَ مُشَفَّعٍ، وَأَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا، فَلَا يُدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ ﷺ، وَأُعْطِي مِنَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالتَّنَوُّعِ فِي مَرْضَاتِهِ، وَطَاعَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فِي نَفْسِهِ وَفِي الْخَلْقِ، مَا لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. وَمَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، وَسِيَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ظَهَرَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَبَدًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، هَكَذَا حَالُ ﷺ، مَا ضَعُفَ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَطُّ، وَلَا فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِ وَقِلَّةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِ، وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى حَرْبِهِ، بَلْ هُوَ ﷺ أَقْوَى الْخَلْقِ وَأَثْبَتُهُمْ جَأْشًا، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا، حَتَّى أَنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ قُتِلَ أَصْحَابُهُ وَجُرِحُوا، وَمَا ضَعُفَ وَلَا اسْتَكَانَ، بَلْ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فِي طَلَبِ عَدُوِّهِ عَلَى شِدَّةِ الْقَرْحِ، حَتَّى أُرْعِبَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، وَكَرَّ خَاسِئًا عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَضَعْفِ أَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أُفْرِدَ عَنِ
النَّاسِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعِشْرَةِ، وَالْعَدُوُّ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ وَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، فَجَعَلَ يَثِبُ فِي الْعُدُوِّ وَيَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَحُرُوبَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَشْجَعُ مِنْهُ، وَلَا أَثْبَتُ وَلَا أَصْبَرُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّهُمْ أَشْجَعُ الْأُمَمِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، اتَّقَوْا بِهِ، وَتَتَرَّسُوا بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ أَشْجَعُهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، هَكَذَا كَانَتْ سِيرَتُهُ ﷺ، أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، بَلْ أَمْرُهُ كُلُّهُ جَدٌّ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَكَرَمٍ، وَعِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، أَيْ لَيْسَ مِنَ الصَّخَّابَيْنِ بِالْأَسْوَاقِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَلَا الْحِرْصِ عَلَيْهَا، كَحَالِ أَهْلِهَا الطَّالِبِينَ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَجَدَهُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوَاضُعًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمِسْكِينِ وَالْأَرْمَلَةِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، يَجْلِسُ مَعَهُمْ عَلَى التُّرَابِ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَيَنْطَلِقُ مَعَ أَحَدِهِمْ فِي حَاجَتِهِ، وَيَخْصِفُ لِأَحَدِهِمْ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيَأْخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ وَلَا يُخْصَمُ حَتَّى يُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي وَيَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَالِهِ وَأَمْرِهِ لِمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ،
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ عَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ بُهْتَانًا وَفِرْيَةً عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَنْكَرٍ لِأُمَّةِ الْغَضَبِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْمِ الْبُهْتِ.
(فَصْلٌ) قَوْلُ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَلْيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ، وَبُيُوتُ صُهْيُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَهُ أُمَّتَهُ، وَأَعْطَاهُمُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ بِالْكَرَامَةِ، وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ، يُوثِقُونَ مُلُوكَهُمْ بِالْقُيُودِ، وَأَشْرَافَهُمْ بِالْأَغْلَالِ.
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَلَوْنَا شَرَفًا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، وَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي الْأَذَانِ، وَفِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَعِيدِ النَّحْرِ، وَفِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا....
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَابْنُ عُمَرَ ﵁ يَخْرُجَانِ إِلَى الْأَسْوَاقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.... وَيُكَبِّرُونَ أَيْضًا عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَجْمَعُونَ النَّاسَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى بِالنَّاقُوسِ. وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فَشِعَارُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، فَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي فَتَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِهَا الْبِلَادَ، وَهِيَ إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفَةٌ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: يُسَبِّحُونَ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، هُوَ نَعْتُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْبِشَارَةَ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى النَّصَارَى وَلَا تُنَاسِبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَالنَّصَارَى تُصِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسُّيُوفِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى ﵇ قَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَبَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَبَعْدَهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَبْلَهُمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُ دَاوُدَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ فَتَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ السَّيْفَ، لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبُ عَلَيْكَ، ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَسَمْتَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمَ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
وَلَيْسَ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ بَعْدَ دَاوُدَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، إِمَّا الْقَبُولُ، وَإِمَّا الْجِزْيَةُ، وَإِمَّا السَّيْفُ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ
لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ، وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْأَذِلَّاءِ الْمَقْهُورِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَذِلُّونَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى قُدُومِ الْحَقِّ.
قَوْلُ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ اللَّهَ ﷾ أَظْهَرَ مِنْ صُهْيُونَ إِكْلِيلًا مَحْمُودًا.
وَضَرَبَ الْإِكْلِيلَ مَثَلًا لِلرِّئَاسَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَمَحْمُودٌ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِ: وَيَجُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ مِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَتَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُكَبِهِمْ، وَيَلْمَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ، تَأْتِيهِ مُلُوكُ الْفُرْسِ وَتَسْجُدُ لَهُ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْمُضْطَهَدَ الْيَائِسَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمِسْكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُبَارَكُ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَاقِلٍ تَدَبَّرَ أُمُورَ الْمَمَالِكِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَعَرَفَ سِيرَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيرَةَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى
نَبِيٍّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ سَيَحْوُنَ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَنِيلِ مِصْرَ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْغَرْبِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.
وَهُوَ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبِشَارَةِ مُلُوكَ الْفُرْسِ خَاصَّةً، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي سَمِعَتْ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمْكِينَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى
السَّمَاءِ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيُبَارِكُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَهِيَّتَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ.
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لِتَرْتَاعَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ قِيدَارَ مُرُوجًا، وَتُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ، وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَوِّ.
فَمَنْ أَهْلُ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟! وَمَنْ قِيدَارُ غَيْرُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَحَدُ أَجْدَادِهِ ﷺ؟! وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَقِلَالِ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي دَامَ ذِكْرُهُ إِلَى الْأَبَدِ؟
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ رَبَّنَا عَظَّمَ مَحْمُودًا جِدًّا، وَفِي مَكَانٍ آخَرَ: إِلَهُنَا قُدُّوسٌ وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا، فَقَدَ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ وَصَرَّحَ أَنَّ كَلِمَتَهُ عَمَّتِ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ لِدَاوُدَ: سَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ أُدْعَى لَهُ أَبًّا، وَيُدْعَى لِيَ ابْنًا، قَالَ دَاوُدُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعِلَ السُّنَّةِ كَيْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّهُ بَشَرٌ.
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يُرِيدُ: ابْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ حَتَّى يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ لَيْسَ إِلَهًا، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ لَا ابْنُ خَالِقِ الْبَشَرِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ هَادِيَ الْأُمَّةِ وَكَاشِفَ الْغُمَّةِ فَبَيَّنَ لِلْأُمَمِ حَقِيقَةَ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ كَرِيمٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، لَا كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا كَمَا رَمَتْهُ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: قِيلَ لِي: قُمْ نَظَّارًا فَانْظُرْ مَا تَرَى تُخْبِرُ بِهِ، قُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْنَامُهَا.
وَصَاحِبُ الْحِمَارِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ النَّصَارَى هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ.
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ لَا بِالْمَسِيحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ مَنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: إِنَّهُ قَالَ عَنْ مَكَّةَ: ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ إِلَيْكِ ذَخَائِرَ الْبَحْرِ، وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَيُسَاقَ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ قِيدَارَ، وَيَخْدِمَكِ
رِجَالُ بَنَاوَتَ، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ لِمَكَّةَ، فَإِنَّهَا حُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا أَغْنَامُ قِيدَارَ هَدَايَا، وَأَضَاحٍ وَقَرَابِينَ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَكَّةَ أَيْضًا: وَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي كَقَسَمِي أَيَّامَ نُوحٍ أَنِّي أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِنِّي لَا أَسْخَطُ عَلَيْكِ وَلَا أَرْفُضُكِ، وَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَإِنَّ الْقِلَاعَ تُخَطُّ وَرَحْمَتِي عَنْكِ لَا تَزُولُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مِسْكِينَةُ، يَا مُضْطَهَدَةُ، هَا أَنَا ذَا بَانٍ بِالْجِصِّ حِجَارَتَكِ، وَمُزَيِّنُكِ بِالْجَوَاهِرِ، وَمُكَلِّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ سَقْفَكِ، وَبِالزَّبَرْجَدِ أَبْوَابَكِ، وَتَبْعُدِينَ مِنَ الظُّلْمِ فَلَا تَخَافِي، وَمِنَ الضَّعْفِ فَلَا تَضْعُفِي، وَكُلُّ سِلَاحٍ يَصْنَعُهُ صَانِعٌ لَا يَعْمَلُ فِيكِ، وَكُلُّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ تَقُومُ مَعَكِ بِالْخُصُومَةِ تُفْلِحِينَ مَعَهَا، وَيُسَمِّيكِ اللَّهُ اسْمًا جَدِيدًا - يُرِيدُ أَنَّهُ سَمَّاهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - فَقُومِي فَأَشْرِقِي فَإِنَّهُ دَنَا نُورُكِ، وَوَقَارُ اللَّهِ عَلَيْكِ، انْظُرِي بِعَيْنَيْكِ حَوْلَكِ فَإِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ. يَأْتُونَكِ بُنُوكِ وَبَنَاتُكِ عَدْوًا، فَحِينَئِذٍ تَشْرُفِينَ وَتَزْهُرِينَ، وَيَخَافُ عَدُوُّكِ، وَيَتَّسِعُ قَلْبُكِ، وَكُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تُجْمَعُ إِلَيْكِ، وَسَادَاتُ بَنَاوَتَ يَخْدِمُونَكِ. وَبَنَاوَتُ هُوَ بنْتُ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَخُو بَنَاوَتَ.
ثُمَّ قَالَ: وَتُفْتَحُ أَبْوَابُكِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تُغْلَقُ، وَيَتَّخِذُونَكِ قِبْلَةً، وَتُدْعَيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةَ الرَّبِّ.
قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَّةَ: سُرِّي وَاهْتَزِّي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي، وَلَمْ تَحْبَلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي.
يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ بَيْتُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وُلِدَ فِيهِ أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُ أَشْعِيَا أَيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أُعْطِي الْبَادِيَةَ كَرَامَةَ لُبْنَانَ، وَبِهَا الْكَنْزُ مَالٌ.
قَالَ: وَهُمَا الشَّامُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ أَجْعَلُ الْكَرَامَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ بِالْوَحْيِ، وَظُهُورِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْبِدَايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْحَجِّ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَشُقُّ الْبَادِيَةَ مِيَاهٌ وَسَوَاقٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَتَكُونُ بِالْفَيَافِي وَالْأَمَاكِنِ الْعِطَاشِ يَنَابِيعُ وَمِيَاهٌ، وَيَصِيرُ هُنَاكَ مَحَجَّةٌ وَطَرِيقُ الْحَرَمِ، لَا يَمُرُّ بِهِ أَنْجَاسُ الْأُمَمِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ لَا يَصِلُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ بِهَا سِبَاعٌ وَلَا أُسُدٌ، وَيَكُونُ هُنَاكَ مَمَرُّ الْمُخْلِصِينَ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَرَمِ: إِنَّ الذِّئْبَ وَالْحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعَانِ مَعًا، إِشَارَةً إِلَى أَمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْبَلَدَ الْأَمِينَ، وَقَالَ:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وَوَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
وَقَالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا مُعْلِنًا بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَمْدِ يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ. مُطَابِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: اسْمُكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي ذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: قَالَ الرَّبُّ وَالسَّيِّدُ " هَا أَنَا ذَا مُؤَسِّسٌ بِصُهْيُونَ حَجَرًا فِي زَاوِيَةِ رُكْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَسْتَعْجِلْنَا، وَأَجْعَلُ الْعَدْلَ مِثْلَ الشَّاقُولِ وَالصِّدْقَ مِثْلَ الْمِيزَانِ، فَيَهْلِكُ الَّذِينَ وَلَعُوا بِالْكَذِبِ.
فَصُهْيُونُ هِيَ مَكَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ بُنِّيَ لِلصَّلَاةِ، وَصُهْيُونُ أَيْضًا
الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَهَذَا الْحَجَرُ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي تُقَبِّلُهُ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَهُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ سَتُمْلَأُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ قُصُورًا إِلَى قِيدَارَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيَبُثُّونَ تَسْبِيحَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَقَالَ: ارْفَعْ عَلَمًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَصْفَرُّ بِهِمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَبَنُو قِيدَارَ هُمُ الْعَرَبُ، لِأَنَّ قِيدَارَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، وَالْعَلَمُ الَّذِي يُرْفَعُ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَالصَّفِيرُ بِهِمْ دُعَاؤُهُمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷿: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَأَبْعَثُ مِنَ الصَّبَا قَوْمًا يَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ أَفْوَاجًا كَالصَّعِيدِ كَثْرَةً، وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلَيْهِ الطِّينَ.
وَالصَّبَا تَأْتِي مِنْ نَحْوِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ بِالتَّلْبِيَةِ أَفْوَاجًا كَالتُّرَابِ كَثْرَةً. وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلِهِ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رِجَالٌ قَدْ كَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ مِنَ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا أَيْضًا: عَبْدِي وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، أَفِيضُ عَلَيْهِ رُوحِي، أَوْ قَالَ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، فَيَنْظُرَ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِي الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْعُورَ، وَيُسْمِعُ الْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِي الْقُلُوبَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أَعْطِيهِ غَيْرَهُ، لَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، وَلَا يُخْصَمُ، حَتَّى تَثْبُتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي، وَتَنْقَطِعَ بِهِ الْمَعْذِرَةُ.
فَمَنْ وُجِدَ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ مُحَمَّدِ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا نَبِيًّا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ بَحَثُوا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
فَقَوْلُهُ عَبْدِي مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا، وَقَوْلِهِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، مُطَابِقٌ
لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَضْحَكُ، مُطَابِقٌ لِوَصْفَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمًا، وَهَذَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ مِنْ خِفَّةِ الرُّوحِ، وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، بِخِلَافِ التَّبَسُّمِ فَإِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَكَمَالِ الْإِدْرَاكِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ ضَحِكُهُ وَحُسْنُ خُلُقِهِ عَنِ الْقَتْلِ إِذَا كَانَ حُبًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لَهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ تَبَسُّمِهِ فِي مَوْضِعِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ حَالٍ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَتَرْكُ الضَّحِكَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ، وَالِاعْتِدَالُ بَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ.
وَقَوْلُهُ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، فَسَمَّى الْوَحْيَ رُوحًا، لِأَنَّ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ بِهِ، كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ.
وَقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، وَقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
وَقَوْلِهِ: يُوصَى الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.
وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وَوَصَايَاهُ ﷺ هِيَ عُهُودُهُ إِلَى أُمَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَعْنِي لَيْسَ بِصَخَّابٍ لَهُ فَدِيدٌ كَحَالِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا وَقَارٌ. وَقَوْلُهُ: يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصُّمُّ وَالْقُلُوبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَكْمِيلَ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى الْحَاصِلَ بِدَعْوَتِهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، فَبَايَنُوا بِذَلِكَ أَحْوَالَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، فَإِنَّ الْهُدَى يَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا تُفْتَحُ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ، فَأَبْصَرَتْ بِاللَّهِ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، فَسَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ، فَعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ لِطَاعَتِهِ عَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَسَلَكَتْ سُبُلَ مَرْضَاتِهِ ذُلَلًا.
وَقَوْلُهُ: مَا أُعْطِيهِ فَلَا أُعْطِي غَيْرَهُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي.
وَلِقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ضَرَبُوا لَهُ الْمَثَلَ: لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا النَّبِيُّ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبَهُ يَقْظَانُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِهِ دِيوَانُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ يُشْبِهُهُ، وَلَا يُقَارِبُهُ، وَأُنْزِلَ عَلَى قَلْبِهِ مَحْفُوظًا مَتْلُوًّا، وَضُمِنَ لَهُ حِفْظُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثَالِ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ، وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُسَرِيَ بِهِ إِلَى أَنْ جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَأَى مَا لَمْ يَرَهُ بَشَرٌ قَبْلَهُ، وَرُفِعَ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَجُعِلَ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَاتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ أَتْبَاعٌ أَكْثَرَ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ النَّبِيِّينَ مَنْ عَهِدَ نُوحٍ إِلَى الْمَسِيحِ، فَأُمَّتُهُ ثُلْثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَخَصَّهُ بِالْوَسِيلَةِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَبِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ عِزًّا لَمْ يُعِزَّهُ بِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَذَلَّ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ ذُلًّا لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ مَا لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَجُعِلَتِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ مِثْلِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْ أُمِّتِهِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَجَمِيعُ مَلَائِكَتِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كَمَا فِي الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ، فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَذَانٌ وَلَا خُطْبَةٌ وَلَا صَلَاةٌ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ أَمْرًا يُطَاعُ، لَا مِمَّنْ قَبْلَهُ وَلَا مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تُطْوَى الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ إِلَّا عَمَّنْ سَلَكَ خَلْفَهُ، وَاقْتَدَى بِهِ، وَجَعَلَ لِوَاءَ الْحَمْدِ بِيَدِهِ، فَآدَمُ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلَ شَافِعٍ وَأَوَّلَ مُشَفَّعٍ، وَأَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا، فَلَا يُدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ ﷺ، وَأُعْطِي مِنَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالتَّنَوُّعِ فِي مَرْضَاتِهِ، وَطَاعَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فِي نَفْسِهِ وَفِي الْخَلْقِ، مَا لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. وَمَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، وَسِيَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ظَهَرَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَبَدًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، هَكَذَا حَالُ ﷺ، مَا ضَعُفَ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَطُّ، وَلَا فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِ وَقِلَّةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِ، وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى حَرْبِهِ، بَلْ هُوَ ﷺ أَقْوَى الْخَلْقِ وَأَثْبَتُهُمْ جَأْشًا، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا، حَتَّى أَنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ قُتِلَ أَصْحَابُهُ وَجُرِحُوا، وَمَا ضَعُفَ وَلَا اسْتَكَانَ، بَلْ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فِي طَلَبِ عَدُوِّهِ عَلَى شِدَّةِ الْقَرْحِ، حَتَّى أُرْعِبَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، وَكَرَّ خَاسِئًا عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَضَعْفِ أَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أُفْرِدَ عَنِ
النَّاسِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعِشْرَةِ، وَالْعَدُوُّ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ وَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، فَجَعَلَ يَثِبُ فِي الْعُدُوِّ وَيَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَحُرُوبَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَشْجَعُ مِنْهُ، وَلَا أَثْبَتُ وَلَا أَصْبَرُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّهُمْ أَشْجَعُ الْأُمَمِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، اتَّقَوْا بِهِ، وَتَتَرَّسُوا بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ أَشْجَعُهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، هَكَذَا كَانَتْ سِيرَتُهُ ﷺ، أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، بَلْ أَمْرُهُ كُلُّهُ جَدٌّ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَكَرَمٍ، وَعِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، أَيْ لَيْسَ مِنَ الصَّخَّابَيْنِ بِالْأَسْوَاقِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَلَا الْحِرْصِ عَلَيْهَا، كَحَالِ أَهْلِهَا الطَّالِبِينَ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَجَدَهُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوَاضُعًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمِسْكِينِ وَالْأَرْمَلَةِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، يَجْلِسُ مَعَهُمْ عَلَى التُّرَابِ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَيَنْطَلِقُ مَعَ أَحَدِهِمْ فِي حَاجَتِهِ، وَيَخْصِفُ لِأَحَدِهِمْ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيَأْخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ وَلَا يُخْصَمُ حَتَّى يُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي وَيَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَالِهِ وَأَمْرِهِ لِمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ،
Translation
(فصل) قول داود في الزبور: سبحوا الله تسبيحا جديدا
#28
Chapter 28 — (فصل): وهذه البشارة مطابقة لما في صحيح البخاري
· ref. #28
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ ... وَتَثْبُتَ بِهِ الْحُجَّةُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ.
فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وَبِهِمُ انْقَطَعَتِ الْمَعْذِرَةُ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُمْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يُقْبَلُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ... قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ،
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، وَيَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، فَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا، وُقُلُوبًا غُلْفًا: بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ....
وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّوْرَاةَ الْمَعْنِيَّةَ الَّتِي هِيَ كِتَابُ مُوسَى فَقَطْ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْكُتُبُ الْمَعْنِيَّةُ تَارَةً، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ تَارَةً، فَيُعَبِّرُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ الزَّبُورِ، وَبِلَفْظِ التَّوْرَاةِ عَنِ الْإِنْجِيلِ وَعَنِ الْقُرْآنِ أَيْضًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ يُسْرِجَ دَابَّتَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبَهَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْآنُهُ، وَهُوَ الزَّبُورُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبِشَارَةِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ: نَبِيًّا أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، أُنْزِلُ عَلَيْهِ تَوْرَاةً مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى.
وَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ. فَقَوْلُهُ: أَخْبِرْنِي بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْرَاةَ الْمُعَيَّنَةَ، وَلَيْسَتِ الْمُبَدَّلَةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَوْ جِنْسَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِمَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ أَتَمُّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. وَقَدْ تَرْجَمُوهُ أَيْضًا بِتَرْجَمَةٍ أُخْرَى فِيهَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ: عَبْدِي وَرَسُولِي الَّذِي سَرَّتْ بِهِ نَفْسِي، أُنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيِي، فَيَظْهَرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُورَ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِيَ الْقُلُوبَ الْغُلْفَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أُعْطِيهِ أَحَدًا،
يَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا جَدِيدًا يَأْتِي مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَتَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَسُكَّانُهَا، يُهَلِّلُونَ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ رَابِيَةٍ، لَا يَضْعُفُ، وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، مُشَفَّحٌ وَلَا يُذِلُّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ كَالْقَصَبَةِ الضَّعِيفَةِ، بَلْ يُقَوِّيَ الصِّدِّيقِينَ، وَهُوَ رُكْنُ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، أَثَرُ سُلْطَانِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: مُشَفَّحٌ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِوَزْنِ مُكَرَّمٍ، وَهِيَ لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ، مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ مَعْنًى وَلَفْظًا، مُقَارِبًا لِمُطَابَقَةِ (مُؤَدَ مُؤَدَ) بَلْ أَشَدَّ مُطَابَقَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَرَبُ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِهَا بِلَفْظِ الْعِبْرَانِيِّينَ، فَإِنَّهَا بَيْنَ الْحَاءِ وَالْهَاءِ، وَفَتْحَةُ الْفَاءِ بَيْنَ الضَّمَّةِ وَالْفَتْحَةِ، وَلَا يَتَرَيَّبُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مُنْصِفٌ أَنَّهَا مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: مُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكِّ، وَاعْتِبَارُهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ (شَفْحَا لَاهَا)، إِذَا أَرَادُوا يَقُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ شَفْحًا فَمُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ.
وَقَدْ قَالَ لِي وَلِغَيْرِي بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: إِنَّ " مِئِدَ مِئِدَ " هِيَ مُحَمَّدٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَفْتَحُ الْمِيمَ وَيُدْنِيهَا مِنَ الضَّمَّةِ، قَالَ: وَلَا يَشُكُّ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ سَكَتْنَا عَنْ ذَلِكَ، وَضَرَبْنَا عَنْ هَذَا صَفْحًا فَمَنْ هَذَا الَّذِي انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ سِوَاهُ ﷺ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي أَثَرُ سُلْطَانِهِ وَهُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ عَلَى كَتِفَيْهِ، رَآهُ النَّاسُ عِيَانًا مِثْلَ زِرِّ الْحَجْلَةِ؟! ! فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَبَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَّا الْعَمَى، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
فَصِفَاتُ هَذَا النَّبِيِّ وَمَخْرَجُهُ وَمَبْعَثُهُ وَعَلَامَاتُهُ وَصِفَاتُ أُمَّتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، يَقْرَءُونَهَا فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَدْرُسُونَهَا فِي مَجَالِسِهِمْ، لَا يُنْكِرُهَا مِنْهُمْ عَالِمٌ، وَلَا يَأْبَاهَا جَاهِلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، وَسَيَظْهَرُ وَنَتَّبِعُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ
فِيهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَدَاوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْيَهُودُ إِذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلَهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَاتِ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عَلِمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، فَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
فِي كِتَابِ أَشْعِيَا: أَشْكُرُ حَبِيبِي وَابْنِي أَحْمَدَ، فَلِهَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، وَأَعْلَنَ أَشْعِيَا بِذَكَرِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَنَادَى بِهَا فِي نُبُوَّتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا لِمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوَّتَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْهُ بِاسْمِهِ ﷺ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَسِيرَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ وَأَحْوَالِهِمْ سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟.
قَوْلُ حَبْقُوقَ فِي كِتَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعُ مَنْظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزَّةٍ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي فَتَزَعْزَعَتْ أَسْوَارُ مَدْيَنَ، وَلَقَدْ
حَازَ الْمَسَاعِيَ الْقَدِيمَةَ، ثُمَّ قَالَ: زَجَرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَاحْتِذَامُ صَوْتِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْأَتْقِيَاءِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا، وَتَرْتَوِي الْهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَضَيَّمَتِ الْمَهَارِيُّ تَضَوُّرًا، وَرَفَعَتْ أَيْدِيهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ، وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتَدُوخُ الْأَرْضَ وَتَدُوسُ الْأُمَمَ أَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ، وَإِنْقَاذِ تُرَابِ آبَائِكِ.
فَمَنْ رَامَ صَرْفَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ رَامَ سَتْرَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَتَغْطِيَةِ الْبِحَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ عَيَّنَتْ شَخْصَهُ، وَأَزَالَتْ عَنِ الْحَيْرَانِ لَبْسَهُ؟! بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى انْكَشَفَ الصُّبْحُ لِمَنْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَتَسْيِيرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ، وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَ الْأَنْهَارَ الْعَظِيمَةَ عَنْ مَجَارِيهَا، وَحَبْسَهَا عَنْ غَايَتِهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَهَيْهَاتَ مَا يَرُومُ الْمُبْطِلُونَ وَالْجَاحِدُونَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
فَمِنَ الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَخَطَبِهِمْ، وَإِدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ، وَعَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ سِوَاهُمْ! حَتَّى سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ ظُهُورِهِمُ الْحَمَّادِينَ! وَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ كَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِيهِ مِنْ ضِيَائِهِ وَنُورِهِ؟.
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهِ فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحِلِ لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ أَمَا أَتَى شَاهَدَهُ فِي وَجْهِهِ يَنْطِقُ وَمَنِ الَّذِي سَارَتِ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَصَحِبَتْ سِبَاعُ الطَّيْرِ جُنُودَهُ لِعِلْمِهِمَا بِقُرْبِ مَنْ ذَبَحَ الْكُفَّارَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
يَتَطَايَرُونَ بِقُرْبِهِ قُرْبَانَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَمَنِ الَّذِي تَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ وَانْخَفَضَتْ لَهُ الرَّوَابِي، وَدَاسَ الْأُمَمَ وَرَوَّعَ الْعَالَمَ، وَانْتَقَضَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْمَمَالِكُ، وَخَلَّصَ الْأُمَّةَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ سَوَاءٌ؟.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ حِزْقِيلَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَيُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قِيدَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ يُوقِعُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ.
فَمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى قَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا؟ وَمَنْ هُمْ بَنُو قِيدَارَ غَيْرُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ جَمَاعَاتُ الشُّعُوبِ؟ وَمَنِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتَّى عَايَنُوهَا عِيَانًا، فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى غَلَبَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، أَلْفَ رَجُلٍ مُقَنَّعِينَ فِي الْحَدِيدِ مَعْدُودِينَ مِنْ فُرْسَانِ
الْعَرَبِ فَأَصْبَحُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَمُنْهَزِمٍ.
قَوْلُ دَانْيَالَ وَذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ وَلَا تَلْوِيحٍ، وَقَالَ: سَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكِ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً.
وَقَوْلُ دَانْيَالَ النَّبِيِّ أَيْضًا حِينَ سَأَلَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا ثُمَّ أُنْسِيَهَا: رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ رَأَسُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخِذُهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ أَقْبَلَتْ صَخْرَةٌ فَدَقَّتْ فِي ذَلِكَ الصَّنَمِ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى، وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، وَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا عَظِيمًا مَلَأَ الْأَرْضَ، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرُ: صَدَقْتَ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ: أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدُكَ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُوَ دُونُكَ وَتَقُوُمُ بَعْدَهُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُ وَهِيَ تُشْبِهُ النُّحَاسَ، وَبَعْدَهَا مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ مِثْلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا الرِّجْلَانِ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي رَأَيْتَهُ دَقَّ الصَّنَمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ إِلَهُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرُ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى نَبِيٍّ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى
امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَسُلْطَانُهُ دَائِمَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا أَزَالُ سُلْطَانَ الْيَهُودِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَزَالَ سُلْطَانَ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ - وَسَطِهَا - فَصَارَ فِي بَعْضِ أَطْرَافِهَا، وَأَزَالَ سُلْطَانَ الْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَسُلْطَانَ الصَّابِئِينَ.
قَوْلُ دَانْيَالَ أَيْضًا: سَأَلْتُ اللَّهَ وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ لِيَ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَانْيَالُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَغْضَبُونِي، وَتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وَعَبَدُوا مِنْ دُونِي آلِهَةً أُخْرَى، وَصَارُوا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ، وَمِنْ بَعْدِ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهِمْ، وَهَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ، وَحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ بِهِمْ، وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَلَا مُقِيلُهُمْ عَثَرَاتِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ فِي سُخْطِي حَتَّى أَبْعَثَ مَسِيحِي ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَأَخْتِمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَالسُّخْطِ، فَلَا يَزَالُونَ مَلْعُونِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ حَتَّى أَبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هَاجَرَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا مَلَاكِي، فَبَشَّرَهَا، وَأُوحِي إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَأُعَلِّمُهُ الْأَسْمَاءَ، وَأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوَى، وَأَجْعَلُ الْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالصِّدْقَ قَوْلَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْقَصْدَ سِيرَتَهُ، وَالرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أَخُصُّهُ بِكِتَابٍ مُصَدَّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَنَاسِخٍ لِبَعْضِ مَا فِيهَا، أُسْرِي بِهِ إِلَيَّ، وَأَرْقِيهِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَعْلُوَ فَأُدْنِيَهُ، وَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرُدَّهُ إِلَى عِبَادِي بِالسُّرُورِ وَالْغِبْطَةِ، حَافِظًا لِمَا اسْتُودِعَ، صَادِقَا فِيمَا أَمَرَ، يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، رَءُوفٌ بِمَنْ وَالَاهُ، رَحِيمٌ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِي وَعِبَادَتِي، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ.
ثُمَّ سَرَدَ دَانْيَالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ، حَتَّى وَصَلَ آخِرَ أَيَّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وَانْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ الْآنَ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَقْرَءُونَهَا وَيُقِرُّونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا بَعْدُ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ تُسْتَرَ وَجَدُوا دَانْيَالَ مَيِّتًا وَوَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: فَأَنَا قَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ، وَفِيهِ صِفَتُكُمْ وَأَخْبَارُكُمْ، وَسِيرَتُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ، وَكَانَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ - يَعْنِي أَهْلَ أَرْضِ السُّوَيْسِ حَيْثُ دَانْيَالُ مَدْفُونٌ - إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ احْفُرْ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا كَيْ لَا تُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ....
قَالَ كَعْبٌ: وَذَكَرَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، وَيُرِيدُ بِهَا التَّوْرَاةَ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمَعْنِيَّةِ: أَحْمَدُ عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بَكَّا، وَهِجْرَتُهُ طَابَا، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ
الْحَامِدُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، وَمُؤَذِّنُهُمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَصَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، وَلَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى كُنَاسَةٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، قَالَ: كَانَ عِنْدَ أَبِي وَجَدِّي وَرَقَةً يَتَوَارَثُونَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَارٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا هَلَكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
قَالَ أَشْعِيَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الْعَرَبِ فَقَالَ: يَدُوسُونَ الْأُمَمَ دِيَاسَ الْبَيَادِرِ، وَيَنْزِلُ الْبَلَاءُ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَيَنْهَزِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ سُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ، وَقِسِيٍّ مَوْتُورَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْمَلْحَمَةِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا حَلَّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْوَقَائِعِ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى عَنْ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: مَنْ
أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ لَهُمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ الْآنَ بَطَرُوا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ لِأَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمِنَحْمَنَا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ الْقُدُسِ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي، هَذَا قَوْلِي لَكُمْ لِكَيْ لَا تَشُكُّوا إِذَا جَاءَ.
وَالْمَنَحْمَنَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّومِيَّةِ الْبَارَقْلِيطُ، وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْيَهُودِ: وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمْ نُسَاعِدْهُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَتِمُّوا كَيْلَ آبَائِكُمْ يَا ثَعَابِينَ بَنِي الْأَفَاعِي، كَيْفَ لَكُمُ النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ يس إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ.
وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ أَنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى (وَسَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَعُلَمَاءَ وَتَقْتُلُونَ مِنْهُمْ، وَتَصْلُبُونَ وَتَجْلِدُونَ، وَتَطْلُبُونَهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، لِتَتَكَامَلَ عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْرَقَةُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصَّالِحِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرْضِيَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، إِنَّهُ سَيَأْتِي جَمِيعَ مَا وَصَفْتُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَا أُورْشَلِيمُ
الَّتِي تَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَتَرْحَمُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْكِ، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَنِيكِ كَجَمْعِ الدَّجَاجَةِ فَرَارِيجَهَا تَحْتَ جَنَاحِهَا وَكَرِهْتِ أَنْتِ ذَلِكَ، سَأُقْفِرُ عَلَيْكُمْ بَيْتَكُمْ، وَأَنَا أَقُولُ لَا تَرَوْنِي الْآنَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَقُولُونَ لَهُ مُبَارَكٌ، يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
فَأَخْبَرَهُمُ الْمَسِيحُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْفُوا الصَّاعَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَيُقْفِرُ بَيْتَهُمْ أَيْ يُخْلِيهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُمْ فَلَا يَرَوْنَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبَارَكُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ. فَهُوَ الَّذِي انْتَقَمَ بَعْدَهُ لِدِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْبَارَقْلِيطُ فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مَا لَمْ أَذْهَبْ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَا ذَاهِبٌ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ.
وَالْمُبَارَكُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الْمَسِيحِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: إِنَّهُ لَمَّا حُبِسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بَعَثَ تَلَامِيذَهُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَهُ: أَنْتَ إِيلِيَا أَمْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟، فَقَالَ الْمَسِيحُ: الْحَقُّ الْيَقِينُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ أَفْضَلَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَكُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ، حَتَّى جَاءَ يَحْيَى، وَأَمَّا الْآنُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْبَلُوا فَإِنَّ (إِيلَ) مُزْمِعٌ أَنْ يَأْتِيَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ سَامِعَتَانِ فَلْيَسْتَمِعْ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَجِيءِ اللَّهِ ﷾ الَّذِي هُوَ (إِيلُ) بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَمَجِيئِهُ هُوَ مَجِيءُ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ بَعْضُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ: إِنَّمَا بَشَّرَ بِإِلْيَاسِ النَّبِيِّ.
وَهَذَا لَا يُنْكَرُ مِنْ جَهْلِ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ الَّتِي نَحَتَتْهَا أَيْدِي الْيَهُودِ، فَإِنَّ إِلْيَاسَ تَقَدَّمَ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمَسِيحِ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَرْمِيَا: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي الْبَطْنِ، وَأَرْسَلْتُكَ وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأَجْنَاسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشَارَةٌ عَلَى لِسَانِ أَرْمِيَا لِمَنْ بَعْدُهُ، وَهُوَ إِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، لَا تَعْدُوهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا، وَمُحَمَّدٌ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ نَبِيًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى سَائِرِ الْأَجْنَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ عَهِدَ مُوسَى إِلَى الْمَسِيحِ إِنَّمَا كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: لَا تَسْلُكُوا إِلَى سَبِيلِ الْأَجْنَاسِ، وَلَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلَى الْغَنَمِ الرَّابِضَةِ مَنْ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسٍ الْأَرْضِ وَطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
وَقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.
وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ زُعَمَائِهِمْ إِنَّهَا بِشَارَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْيَسَعَ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مَنْ قَدْ مَاتَ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ الْمَعْلُومِ.
قَوْلُ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا وَيُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، وَوَكَّلَ بِهِ أَعْوَانًا، وَتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَوَانُ الْقِطَافِ، بَعَثَ عَبْدًا إِلَى أَعْوَانِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ بِالْكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ الْمُوَكِّلِ آخَرَ بِالْكَرْمِ، إِلَى أَنْ أَفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقَالَ: وَأَقُولُ لَكُمْ: سَيُزَاحُ عَنْكُمْ مُلْكُ اللَّهِ، وَتُعْطَاهُ الْأُمَّةُ الْمُطِيعَةُ الْعَامِلَةُ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وَقَالَ: مَنْ سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، وَمَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ نَاوَأَهُ وَحَارَبَهُ مِنَ النَّاسِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ سِوَاهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أَرْضُ الْبَادِيَةِ الْعَطْشَى، وَلْتَبْتَهِجِ الرَّوَابِي
وَالْفَلَوَاتُ، لِأَنَّهَا سَتُعْطَى بِأَحْمَدَ مَحَاسِنُ لُبْنَانَ وَمِثْلُ حُسْنِ الدَّسَاكِيرِ. وَبِاللَّهِ مَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا الْمُكَابَرَةُ وَجَحْدُ الْحَقَّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ.
قَوْلُ حِزْقِيلَ فِي صُحُفِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعَاصِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَبَّهَهُمْ بِكَرْمَةٍ غَذَّاهَا وَقَالَ: لَمْ تَلْبَثِ الْكَرْمَةُ أَنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ وَرُمِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَحْرَقَتِ السَّمَائِمُ ثِمَارَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ فِي الْبَدْوِ وَفِي الْأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ الْعَطْشَى، وَخَرَجَتْ مِنْ أَغْصَانِهَا الْفَاضِلَةِ نَارٌ أَكَلَتْ تِلْكَ الْكَرْمَةَ، حَتَّى لَمْ يُوجَدُ فِيهَا غُصْنٌ قَوِيٌّ وَلَا قَضِيبٌ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ لَا تَلْوِيحَ بِهِ ﷺ، وَبِبَلَدِهِ وَهِيَ مَكَّةُ الْعَطْشَى الْمُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلَ.
مَا فِي صُحُفٍ دَانْيَالَ وَقَدْ نَعَتَ (الْكِشْدَانِيِّينَ) الْكِلْدَانِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وَأَقْسَمَ الرَّبُّ بِسَاعِدِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَلَا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كَاذِبٍ دَعْوَةٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَضْعَافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَكَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ
عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعَالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَسْوَأَ الظَّنِّ، وَقَدَحَ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَقَدْ جَرَتْ لِي مُنَاظَرَةٌ مَعَ أَكْبَرِ مَنْ تُشِيرُ إِلَيْهِ الْيَهُودُ بِالْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ: إِنَّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ شَتَمْتُمُ اللَّهَ أَعْظَمَ شَتِيمَةً، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مِثْلُكَ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ! فَقُلْتُ لَهُ: اسْمَعِ الْآنَ تَقْرِيرَهُ، إِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظَالِمٌ قَهَرَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، وَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَقَامَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَيَقُولُ: أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا وَنَهَانِي عَنْ كَذَا وَأُوحِيَ إِلَيَّ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبَاحَ لِي سَبْيَ ذَرَارِيِّ مَنْ كَذَّبَنِي وَخَالَفَنِي وَنِسَاءَهُمْ، وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتْلَ رِجَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ يَدْأَبُ فِي تَغْيِيرِ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَمُعَادَاةِ أُمَمِهِمْ وَنَسْخِ شَرَائِعِهِمْ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَيُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُهُ، أَوْ تَقُولُوا: إِنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْجَهْلِ، وَكَانَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ بَلْ كَانَ كُلُّهُ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْعَجْزِ الْمُنَافِي لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَوَدُّهُ، وَيُعْلِيهِ وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَلَا يَقْصِدُهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا ظَفَرَ بِهِ، وَلَا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَهَا لَهُ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ، فَضْلًا عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى دَعْوَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بِكَلَامِهِ، وَهَذِهِ عِنْدَكُمْ شَهَادَةُ زُورٍ وَكَذِبٍ؟
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ هَذَا بِكَاذِبٍ مُفْتَرٍ، بَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ مَنِ اتَّبَعَهُ أَفْلَحَ وَسَعِدَ.
قُلْتُ: فَمَا لَكَ لَا تَدْخُلُ فِي دِينِهِ؟
قَالَ: إِنَّمَا بُعِثَ لِلْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدَنَا كِتَابٌ نَتَّبِعُهُ.
قُلْتُ لَهُ: غُلِبْتَ كُلَّ الْغَلَبِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَقَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِذَا صَحَّتْ رِسَالَتُهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَأَمْسَكَ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا.
وَقَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ مَا جَرَى لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِ الْيَهُودِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ
قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵇: إِنِّي أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ، فَمَنْ عَصَاهُ انْتَقَمْتُ مِنْهُ. قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: ذَلِكَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ عِنْدَكَ فِي آخِرِ التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيٌّ مِثْلُ مُوسَى.
(الثَّانِي): أَنَّهُ قَالَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِمَّا الْعَرَبُ وَإِمَّا الرُّومُ.
فَإِنَّ الْعَرَبَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَالرُّومُ بَنُو الْعِيصِ، وَهَؤُلَاءِ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَّا
الرُّومُ فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ نَبِيٌّ سِوَى أَيُّوبَ ﵇ وَكَانَ قَبْلَ مُوسَى ﵇ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَرَبُ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ حِينَ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ جَدَّ الْعَرَبِ: أَنَّهُ يَضَعُ فُسْطَاطَهُ فِي وَسَطِ بِلَادِ إِخْوَتِهِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَبَ فُسْطَاطَهُ، وَمُلْكُ أُمَّتِهِ فِي وَسَطِ بِلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهِيَ الشَّامُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ مُلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: فَعِنْدَكُمْ فِي الْقُرْآنِ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَا أَخَا تَمِيمٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهَذَا قَوْلُهُ: أُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي تَمِيمٍ إِخْوَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ إِخْوَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَهَذَا مَا لَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زِيدٌ أَخُو بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ أَخُو عَادٍ، وَصَالِحٌ أَخُو ثَمُودَ أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَوْ قِيلَ: عَادٌ أَخُو عَادٍ، وَثَمُودُ أَخُو ثَمُودَ، وَمَدْيَنُ أَخُو مَدْيَنَ، لَكَانَ نَقْصًا، وَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْآخَرِ صَرِيحٌ.
قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُقِيمُ هَذَا النَّبِيَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُحَمَّدٌ إِنَّمَا أُقِيمَ لِلْعَرَبِ وَلَمْ يُقَمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا الِاخْتِصَاصُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
كِتَابَيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ، وَنَصَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَرَبِ وَالْأُمِّيِّينَ خَاصَّةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِ إِلَى ذِكْرِهِ، وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِ وَلَا دَاخِلٌ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ أَوْلَى بِحُكْمِهِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ. فَكَانَ فِي تَعْيِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِزَالَةٌ لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ وَهَؤُلَاءِ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا لِغَيْرِهِمْ، فَلَوْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَذْكُرَ عَنْهُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً، فَأَمَّا وَقَدْ نَطَقَ كِتَابُهُ وَعَرَفَ الْخَاصُّ وَالْعَامُ بِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا حُجَّةَ لَكَ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ أَسْلَافَنَا مِنَ الْيَهُودِ كُلَّهُمُ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْعِيسَوِيَّةُ مِنَّا تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَسْنَا نَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ يَهُودِيٌّ مَعَهُ فَقَالَ: نَحْنُ قَدْ جَرَى شَأْوُنَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَبِاللَّهِ أَدْرِي كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الْعَرَبِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَنْفُسَنَا النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِهِ بِسُوءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا
الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: ... قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، ... عَنْ كَعْبٍ قَالَ: فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. وَفِي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَلَوْ كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ أَصْوَاتُ النَّحْلِ....
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، ... عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَمُهَاجَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا وَبَغَوْا....
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُمَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا مَالِكِ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ، يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَهَذَا الْبَلَدُ مُهَاجَرُهَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأَسْمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: (هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُهُ؟!) كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذَا، قَالَ أَبِي: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعُ إِلَّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدَ هَذِهِ مُهَاجَرُهُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ يَهُودَ لَأَسْلَمَتْ يَهُودُ كُلُّهَا، إِنَّمَا هُمْ لَهُمْ تَبَعٌ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَإِنِّي لِغُلَامٌ: قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا....
قَالَ النَّضْرُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ رَجُلٌ أَوْصَفُ لِمُحَمَّدٍ مِنْ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ، كَانَ يَأْلَفُهُ الْيَهُودُ وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الدِّينِ
وَيُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى يَهُودِ تَيْمَا فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَسَأَلَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُوهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ مُهَاجَرَهُ يَثْرِبُ، فَرَجَعَ أَبُو عَامِرَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَقَامَ مُتَرَهِّبًا وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا خَرَجَ وَظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ حَسَدَهُ وَبَغَى وَنَافَقَ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ جِئْتَ؟ بِمَ بُعِثْتَ؟ قَالَ: بِالْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: أَنْتَ تَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَيْتُ بِهَا بَيْضَاءَ، أَيْنَ مَا كَانَ يُخْبِرُكَ بِهِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ وَصْفِي؟ فَقَالَ: لَسْتَ بِالَّذِي وَصَفُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَذَبْتَ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحِيدًا طَرِيدًا، قَالَ: آمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ مَعَ قُرَيْشٍ يَتْبَعُ دِينَهُمْ وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَسْلَمْ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جَمَاعَةٍ، كُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ، ... عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطُ وَالرُّومُ اتَّبَعُوهُ، قَالَ الْمُغَيَّرَةُ: فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَتَهَا مِنْ قِبْطِهَا وَرُومِهَا عَمَّا يَجِدُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَانَ أُسْقُفٌّ مِنَ الْقِبْطِ وَهُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ أَبِي مُحَيِّسٍ، كَانُوا يَأْتُونَ بِمَرْضَاهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أَرَ أَحَدًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ آخِرُهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَحَدٌ، وَهُوَ
نَبِيٌّ قَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا بِالْآدَمِ يُعْفِي شَعْرَهُ، وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجْتَزُّ بِمَا لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَاهُ يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْقَرَظِ، وَمِنْ حَرَمٍ يَذْهَبُ إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ سَبِخَةٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مُشْدُدٌ عَلَيْهِمْ، لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ....
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدٍ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تُطَالِبُ فِي أَرْضِكَ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، ... عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْمَنْقِرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحَدُهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَرَاتٌ وَقَرْيَةُ دِيرَانِيٍّ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ مَا هِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ، قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ، فَسَارِعُوا إِلَيْهِ وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ
فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ قَالَ الْمَرِيضُ: إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا أَخَاكُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، ... عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةِ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ شَمْوَالُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ. وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ، قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ، قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوتِلَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ
وَتُقْتَلُ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ، قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ وَابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلَدِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ يَكُونُ خَرَابُهَا عَلَى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ.
قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ: ... لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتَّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وَأَنَّ تُبَّعَ مَاتَ مُسْلِمًا....
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ أَبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَإِنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، فَمَا مَنَعَهُمْ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ....
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوَا مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَلِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحْمَدُ، وَبِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيهَا شَعَرَاتٌ، فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا اللَّيْلَةَ غُلَامٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الشَّامَةَ فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أَيِ الْيَهُودِيُّ -، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! فَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَفَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ....
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَبِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ
مِنَ الْغَمَامِ، أَتَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَبَيِّنٌ فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنْ حَسَدُوكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي عَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ آتِي الْيَهُودَ عِنْدَ دِرَاسَتِهِمُ التَّوْرَاةَ، فَأَعْجَبُ مِنْ مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ الْقُرْآنَ، وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنَ لِلتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا أَحَدٌّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ لِأَنَّكَ تَغْشَانَا، قُلْتُ: إِنَّمَا أَجِيءُ لِأَعْجَبَ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: هَذَا صَاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ سَيِّدُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأَخْبِرُوهُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأَنَّى أَهْلَكَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، عَدُوُّنَا جِبْرِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَسِلْمُنَا مِيكَائِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ. وَجِبْرِيلُ صَاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ مَا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ مِيكَائِيلَ، وَلَا لِمِيكَائِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، وَلَا أَنْ يُسَالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أُقْرِئُكَ آيَاتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ
قُلْتُ: قُلْ، فَتَلَا مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ الْآيَةَ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُخْبِرُكَ بِقَوْلِ الْيَهُودِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشَدَّ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ حَجَرٍ.
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ ... حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّهَا عَلَى الْبَاطِلِ يَعْبُدُونَ الْحَجَرَةَ وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ؟ فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ وَيَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، وَيَأْتِي بِأَفْضَلِ الدَّيْنِ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا مَكَّةَ آتِيهَا فَأَسْأَلُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، وَأَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ فَأَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِي رَاكِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ، قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ حَدَثٌ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدَ، فَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي وَجِئْتُ فَأَسْلَمْتُ....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ أَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَقَالُوا: أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَهَبُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَاسْتَشَارُوهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُ وَلَا يُلَاعِنُوهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَصَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَلْفِ حُلَّةٍ فِي صَفَرٍ،
وَأَلْفِ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ وَدَرَاهِمَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي سَلَمٍ، ... عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيِّ، ... عَنْ سَهْلٍ مَوْلَى عَثْمَةَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ وَكَانَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، قَالَ: فَأَخَذْتُ مُصْحَفًا لِعَمِّي فَقَرَأْتُهُ حَتَّى مَرَّتْ بِي وَرَقَةٌ أَنْكَرْتُ قِرَاءَتَهَا، فَإِذَا هِيَ مُلْصَقَةٌ فَفَتَقْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ لَا قَصِيرَ وَلَا طَوِيلَ، أَبْيَضَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يُكْثِرُ الِاجْتِبَاءَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ، وَيَحْتَلِبُ الشَّاةَ، وَيَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي فَرَأَى الْوَرَقَةَ فَضَرَبَنِي، وَقَالَ: مَا لَكَ وَفَتْحِ هَذِهِ الْوَرَقَةَ: فَقُلْتُ: فِيهَا نَعْتُ النَّبِيِّ أَحْمَدَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ....
وَقَالَ وَهْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْعِيَا أَنِّي مُبْتَعِثٌ نَبِيًّا أَفْتَحُ بِهِ آذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالْوَقَارَ وَالصِّدْقَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وَأُمَمٍ
مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، طُوبَى لِتِلْكَ الْقُلُوبِ....
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ... أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ النَّصَارَى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى عَلَى نِسْوَةٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَقَدْ غَابَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ، فَقَالَ: يَا نِسَاءَ تَيْمَاءَ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيكُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِرَاشًا فَلْتَفْعَلْ، فَحَفِظَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ....
وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ وَهْبٍ، قَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ، وَمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ، إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدَكَ نَبِيٌّ يُسَمَّى أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا، صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أُعْطِيهِمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلَ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ أَنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَطَهَّرُوا كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْحَجِّ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْجِهَادِ كَمَا أَمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَّهُ عَلَى الْأُمَمِ كَمَا أَعْطَيْتُهُمْ سِتَّ خِصَالٍ لَمْ أُعْطِهَا غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أُؤَاخِذُهُمْ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ إِذَا اسْتَغْفَرُونِي مِنْهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، وَمَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، طَيِّبَةٌ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، عَجَّلْتُ لَهُمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَهُمْ عِنْدِي فِي الْمَدْخُورِ أَضْعَافًا مُضَاعِفَةً، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَيْتُهُمْ عَلَى الْمَصَائِبِ إِذَا صَبَرُوا وَاسْتَرْجَعُوا الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْهُدَى، وَإِنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، يَا دَاوُدُ، مَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي صَادِقًا بِهَا، فَهُوَ مَعِي فِي جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، وَمَنْ لَقِيَنِي وَقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبَ
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ ... وَتَثْبُتَ بِهِ الْحُجَّةُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ.
فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وَبِهِمُ انْقَطَعَتِ الْمَعْذِرَةُ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُمْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يُقْبَلُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ... قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ،
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، وَيَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، فَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا، وُقُلُوبًا غُلْفًا: بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ....
وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّوْرَاةَ الْمَعْنِيَّةَ الَّتِي هِيَ كِتَابُ مُوسَى فَقَطْ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْكُتُبُ الْمَعْنِيَّةُ تَارَةً، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ تَارَةً، فَيُعَبِّرُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ الزَّبُورِ، وَبِلَفْظِ التَّوْرَاةِ عَنِ الْإِنْجِيلِ وَعَنِ الْقُرْآنِ أَيْضًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ يُسْرِجَ دَابَّتَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبَهَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْآنُهُ، وَهُوَ الزَّبُورُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبِشَارَةِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ: نَبِيًّا أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، أُنْزِلُ عَلَيْهِ تَوْرَاةً مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى.
وَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ. فَقَوْلُهُ: أَخْبِرْنِي بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْرَاةَ الْمُعَيَّنَةَ، وَلَيْسَتِ الْمُبَدَّلَةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَوْ جِنْسَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِمَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ أَتَمُّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. وَقَدْ تَرْجَمُوهُ أَيْضًا بِتَرْجَمَةٍ أُخْرَى فِيهَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ: عَبْدِي وَرَسُولِي الَّذِي سَرَّتْ بِهِ نَفْسِي، أُنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيِي، فَيَظْهَرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُورَ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِيَ الْقُلُوبَ الْغُلْفَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أُعْطِيهِ أَحَدًا،
يَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا جَدِيدًا يَأْتِي مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَتَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَسُكَّانُهَا، يُهَلِّلُونَ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ رَابِيَةٍ، لَا يَضْعُفُ، وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، مُشَفَّحٌ وَلَا يُذِلُّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ كَالْقَصَبَةِ الضَّعِيفَةِ، بَلْ يُقَوِّيَ الصِّدِّيقِينَ، وَهُوَ رُكْنُ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، أَثَرُ سُلْطَانِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: مُشَفَّحٌ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِوَزْنِ مُكَرَّمٍ، وَهِيَ لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ، مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ مَعْنًى وَلَفْظًا، مُقَارِبًا لِمُطَابَقَةِ (مُؤَدَ مُؤَدَ) بَلْ أَشَدَّ مُطَابَقَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَرَبُ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِهَا بِلَفْظِ الْعِبْرَانِيِّينَ، فَإِنَّهَا بَيْنَ الْحَاءِ وَالْهَاءِ، وَفَتْحَةُ الْفَاءِ بَيْنَ الضَّمَّةِ وَالْفَتْحَةِ، وَلَا يَتَرَيَّبُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مُنْصِفٌ أَنَّهَا مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: مُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكِّ، وَاعْتِبَارُهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ (شَفْحَا لَاهَا)، إِذَا أَرَادُوا يَقُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ شَفْحًا فَمُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ.
وَقَدْ قَالَ لِي وَلِغَيْرِي بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: إِنَّ " مِئِدَ مِئِدَ " هِيَ مُحَمَّدٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَفْتَحُ الْمِيمَ وَيُدْنِيهَا مِنَ الضَّمَّةِ، قَالَ: وَلَا يَشُكُّ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ سَكَتْنَا عَنْ ذَلِكَ، وَضَرَبْنَا عَنْ هَذَا صَفْحًا فَمَنْ هَذَا الَّذِي انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ سِوَاهُ ﷺ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي أَثَرُ سُلْطَانِهِ وَهُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ عَلَى كَتِفَيْهِ، رَآهُ النَّاسُ عِيَانًا مِثْلَ زِرِّ الْحَجْلَةِ؟! ! فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَبَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَّا الْعَمَى، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
فَصِفَاتُ هَذَا النَّبِيِّ وَمَخْرَجُهُ وَمَبْعَثُهُ وَعَلَامَاتُهُ وَصِفَاتُ أُمَّتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، يَقْرَءُونَهَا فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَدْرُسُونَهَا فِي مَجَالِسِهِمْ، لَا يُنْكِرُهَا مِنْهُمْ عَالِمٌ، وَلَا يَأْبَاهَا جَاهِلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، وَسَيَظْهَرُ وَنَتَّبِعُهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ
فِيهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَدَاوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْيَهُودُ إِذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلَهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَاتِ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عَلِمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، فَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
فِي كِتَابِ أَشْعِيَا: أَشْكُرُ حَبِيبِي وَابْنِي أَحْمَدَ، فَلِهَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، وَأَعْلَنَ أَشْعِيَا بِذَكَرِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَنَادَى بِهَا فِي نُبُوَّتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا لِمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوَّتَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْهُ بِاسْمِهِ ﷺ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَسِيرَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ وَأَحْوَالِهِمْ سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟.
قَوْلُ حَبْقُوقَ فِي كِتَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعُ مَنْظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزَّةٍ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي فَتَزَعْزَعَتْ أَسْوَارُ مَدْيَنَ، وَلَقَدْ
حَازَ الْمَسَاعِيَ الْقَدِيمَةَ، ثُمَّ قَالَ: زَجَرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَاحْتِذَامُ صَوْتِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْأَتْقِيَاءِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا، وَتَرْتَوِي الْهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَضَيَّمَتِ الْمَهَارِيُّ تَضَوُّرًا، وَرَفَعَتْ أَيْدِيهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ، وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتَدُوخُ الْأَرْضَ وَتَدُوسُ الْأُمَمَ أَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ، وَإِنْقَاذِ تُرَابِ آبَائِكِ.
فَمَنْ رَامَ صَرْفَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ رَامَ سَتْرَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَتَغْطِيَةِ الْبِحَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ عَيَّنَتْ شَخْصَهُ، وَأَزَالَتْ عَنِ الْحَيْرَانِ لَبْسَهُ؟! بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى انْكَشَفَ الصُّبْحُ لِمَنْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَتَسْيِيرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ، وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَ الْأَنْهَارَ الْعَظِيمَةَ عَنْ مَجَارِيهَا، وَحَبْسَهَا عَنْ غَايَتِهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَهَيْهَاتَ مَا يَرُومُ الْمُبْطِلُونَ وَالْجَاحِدُونَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
فَمِنَ الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَخَطَبِهِمْ، وَإِدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ، وَعَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ سِوَاهُمْ! حَتَّى سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ ظُهُورِهِمُ الْحَمَّادِينَ! وَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ كَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِيهِ مِنْ ضِيَائِهِ وَنُورِهِ؟.
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهِ فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحِلِ لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ أَمَا أَتَى شَاهَدَهُ فِي وَجْهِهِ يَنْطِقُ وَمَنِ الَّذِي سَارَتِ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَصَحِبَتْ سِبَاعُ الطَّيْرِ جُنُودَهُ لِعِلْمِهِمَا بِقُرْبِ مَنْ ذَبَحَ الْكُفَّارَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
يَتَطَايَرُونَ بِقُرْبِهِ قُرْبَانَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَمَنِ الَّذِي تَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ وَانْخَفَضَتْ لَهُ الرَّوَابِي، وَدَاسَ الْأُمَمَ وَرَوَّعَ الْعَالَمَ، وَانْتَقَضَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْمَمَالِكُ، وَخَلَّصَ الْأُمَّةَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ سَوَاءٌ؟.
قَوْلُهُ فِي كِتَابِ حِزْقِيلَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَيُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قِيدَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ يُوقِعُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ.
فَمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى قَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا؟ وَمَنْ هُمْ بَنُو قِيدَارَ غَيْرُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ جَمَاعَاتُ الشُّعُوبِ؟ وَمَنِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتَّى عَايَنُوهَا عِيَانًا، فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى غَلَبَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، أَلْفَ رَجُلٍ مُقَنَّعِينَ فِي الْحَدِيدِ مَعْدُودِينَ مِنْ فُرْسَانِ
الْعَرَبِ فَأَصْبَحُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَمُنْهَزِمٍ.
قَوْلُ دَانْيَالَ وَذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ وَلَا تَلْوِيحٍ، وَقَالَ: سَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكِ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً.
وَقَوْلُ دَانْيَالَ النَّبِيِّ أَيْضًا حِينَ سَأَلَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا ثُمَّ أُنْسِيَهَا: رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ رَأَسُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخِذُهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ أَقْبَلَتْ صَخْرَةٌ فَدَقَّتْ فِي ذَلِكَ الصَّنَمِ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى، وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، وَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا عَظِيمًا مَلَأَ الْأَرْضَ، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرُ: صَدَقْتَ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ: أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدُكَ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُوَ دُونُكَ وَتَقُوُمُ بَعْدَهُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُ وَهِيَ تُشْبِهُ النُّحَاسَ، وَبَعْدَهَا مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ مِثْلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا الرِّجْلَانِ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي رَأَيْتَهُ دَقَّ الصَّنَمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ إِلَهُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرُ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى نَبِيٍّ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى
امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَسُلْطَانُهُ دَائِمَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا أَزَالُ سُلْطَانَ الْيَهُودِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَزَالَ سُلْطَانَ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ - وَسَطِهَا - فَصَارَ فِي بَعْضِ أَطْرَافِهَا، وَأَزَالَ سُلْطَانَ الْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَسُلْطَانَ الصَّابِئِينَ.
قَوْلُ دَانْيَالَ أَيْضًا: سَأَلْتُ اللَّهَ وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ لِيَ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَانْيَالُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَغْضَبُونِي، وَتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وَعَبَدُوا مِنْ دُونِي آلِهَةً أُخْرَى، وَصَارُوا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ، وَمِنْ بَعْدِ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهِمْ، وَهَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ، وَحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ بِهِمْ، وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَلَا مُقِيلُهُمْ عَثَرَاتِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ فِي سُخْطِي حَتَّى أَبْعَثَ مَسِيحِي ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَأَخْتِمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَالسُّخْطِ، فَلَا يَزَالُونَ مَلْعُونِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ حَتَّى أَبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هَاجَرَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا مَلَاكِي، فَبَشَّرَهَا، وَأُوحِي إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَأُعَلِّمُهُ الْأَسْمَاءَ، وَأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوَى، وَأَجْعَلُ الْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالصِّدْقَ قَوْلَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْقَصْدَ سِيرَتَهُ، وَالرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أَخُصُّهُ بِكِتَابٍ مُصَدَّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَنَاسِخٍ لِبَعْضِ مَا فِيهَا، أُسْرِي بِهِ إِلَيَّ، وَأَرْقِيهِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَعْلُوَ فَأُدْنِيَهُ، وَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرُدَّهُ إِلَى عِبَادِي بِالسُّرُورِ وَالْغِبْطَةِ، حَافِظًا لِمَا اسْتُودِعَ، صَادِقَا فِيمَا أَمَرَ، يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، رَءُوفٌ بِمَنْ وَالَاهُ، رَحِيمٌ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِي وَعِبَادَتِي، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ.
ثُمَّ سَرَدَ دَانْيَالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ، حَتَّى وَصَلَ آخِرَ أَيَّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وَانْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ الْآنَ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَقْرَءُونَهَا وَيُقِرُّونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا بَعْدُ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ تُسْتَرَ وَجَدُوا دَانْيَالَ مَيِّتًا وَوَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: فَأَنَا قَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ، وَفِيهِ صِفَتُكُمْ وَأَخْبَارُكُمْ، وَسِيرَتُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ، وَكَانَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ - يَعْنِي أَهْلَ أَرْضِ السُّوَيْسِ حَيْثُ دَانْيَالُ مَدْفُونٌ - إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ احْفُرْ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا كَيْ لَا تُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ....
قَالَ كَعْبٌ: وَذَكَرَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، وَيُرِيدُ بِهَا التَّوْرَاةَ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمَعْنِيَّةِ: أَحْمَدُ عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بَكَّا، وَهِجْرَتُهُ طَابَا، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ
الْحَامِدُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، وَمُؤَذِّنُهُمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَصَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، وَلَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى كُنَاسَةٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، قَالَ: كَانَ عِنْدَ أَبِي وَجَدِّي وَرَقَةً يَتَوَارَثُونَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَارٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا هَلَكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
قَالَ أَشْعِيَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الْعَرَبِ فَقَالَ: يَدُوسُونَ الْأُمَمَ دِيَاسَ الْبَيَادِرِ، وَيَنْزِلُ الْبَلَاءُ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَيَنْهَزِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ سُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ، وَقِسِيٍّ مَوْتُورَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْمَلْحَمَةِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا حَلَّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْوَقَائِعِ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى عَنْ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: مَنْ
أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ لَهُمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ الْآنَ بَطَرُوا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ لِأَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمِنَحْمَنَا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ الْقُدُسِ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي، هَذَا قَوْلِي لَكُمْ لِكَيْ لَا تَشُكُّوا إِذَا جَاءَ.
وَالْمَنَحْمَنَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّومِيَّةِ الْبَارَقْلِيطُ، وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْيَهُودِ: وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمْ نُسَاعِدْهُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَتِمُّوا كَيْلَ آبَائِكُمْ يَا ثَعَابِينَ بَنِي الْأَفَاعِي، كَيْفَ لَكُمُ النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ يس إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ.
وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ أَنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى (وَسَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَعُلَمَاءَ وَتَقْتُلُونَ مِنْهُمْ، وَتَصْلُبُونَ وَتَجْلِدُونَ، وَتَطْلُبُونَهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، لِتَتَكَامَلَ عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْرَقَةُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصَّالِحِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرْضِيَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، إِنَّهُ سَيَأْتِي جَمِيعَ مَا وَصَفْتُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَا أُورْشَلِيمُ
الَّتِي تَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَتَرْحَمُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْكِ، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَنِيكِ كَجَمْعِ الدَّجَاجَةِ فَرَارِيجَهَا تَحْتَ جَنَاحِهَا وَكَرِهْتِ أَنْتِ ذَلِكَ، سَأُقْفِرُ عَلَيْكُمْ بَيْتَكُمْ، وَأَنَا أَقُولُ لَا تَرَوْنِي الْآنَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَقُولُونَ لَهُ مُبَارَكٌ، يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
فَأَخْبَرَهُمُ الْمَسِيحُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْفُوا الصَّاعَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَيُقْفِرُ بَيْتَهُمْ أَيْ يُخْلِيهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُمْ فَلَا يَرَوْنَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبَارَكُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ. فَهُوَ الَّذِي انْتَقَمَ بَعْدَهُ لِدِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْبَارَقْلِيطُ فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مَا لَمْ أَذْهَبْ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَا ذَاهِبٌ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ.
وَالْمُبَارَكُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الْمَسِيحِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: إِنَّهُ لَمَّا حُبِسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بَعَثَ تَلَامِيذَهُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَهُ: أَنْتَ إِيلِيَا أَمْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟، فَقَالَ الْمَسِيحُ: الْحَقُّ الْيَقِينُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ أَفْضَلَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَكُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ، حَتَّى جَاءَ يَحْيَى، وَأَمَّا الْآنُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْبَلُوا فَإِنَّ (إِيلَ) مُزْمِعٌ أَنْ يَأْتِيَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ سَامِعَتَانِ فَلْيَسْتَمِعْ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَجِيءِ اللَّهِ ﷾ الَّذِي هُوَ (إِيلُ) بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَمَجِيئِهُ هُوَ مَجِيءُ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ بَعْضُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ: إِنَّمَا بَشَّرَ بِإِلْيَاسِ النَّبِيِّ.
وَهَذَا لَا يُنْكَرُ مِنْ جَهْلِ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ الَّتِي نَحَتَتْهَا أَيْدِي الْيَهُودِ، فَإِنَّ إِلْيَاسَ تَقَدَّمَ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمَسِيحِ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَرْمِيَا: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي الْبَطْنِ، وَأَرْسَلْتُكَ وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأَجْنَاسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشَارَةٌ عَلَى لِسَانِ أَرْمِيَا لِمَنْ بَعْدُهُ، وَهُوَ إِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، لَا تَعْدُوهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا، وَمُحَمَّدٌ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ نَبِيًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى سَائِرِ الْأَجْنَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ عَهِدَ مُوسَى إِلَى الْمَسِيحِ إِنَّمَا كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: لَا تَسْلُكُوا إِلَى سَبِيلِ الْأَجْنَاسِ، وَلَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلَى الْغَنَمِ الرَّابِضَةِ مَنْ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسٍ الْأَرْضِ وَطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
وَقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.
وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ زُعَمَائِهِمْ إِنَّهَا بِشَارَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْيَسَعَ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مَنْ قَدْ مَاتَ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ الْمَعْلُومِ.
قَوْلُ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا وَيُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، وَوَكَّلَ بِهِ أَعْوَانًا، وَتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَوَانُ الْقِطَافِ، بَعَثَ عَبْدًا إِلَى أَعْوَانِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ بِالْكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ الْمُوَكِّلِ آخَرَ بِالْكَرْمِ، إِلَى أَنْ أَفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقَالَ: وَأَقُولُ لَكُمْ: سَيُزَاحُ عَنْكُمْ مُلْكُ اللَّهِ، وَتُعْطَاهُ الْأُمَّةُ الْمُطِيعَةُ الْعَامِلَةُ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وَقَالَ: مَنْ سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، وَمَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ نَاوَأَهُ وَحَارَبَهُ مِنَ النَّاسِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ سِوَاهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أَرْضُ الْبَادِيَةِ الْعَطْشَى، وَلْتَبْتَهِجِ الرَّوَابِي
وَالْفَلَوَاتُ، لِأَنَّهَا سَتُعْطَى بِأَحْمَدَ مَحَاسِنُ لُبْنَانَ وَمِثْلُ حُسْنِ الدَّسَاكِيرِ. وَبِاللَّهِ مَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا الْمُكَابَرَةُ وَجَحْدُ الْحَقَّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ.
قَوْلُ حِزْقِيلَ فِي صُحُفِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعَاصِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَبَّهَهُمْ بِكَرْمَةٍ غَذَّاهَا وَقَالَ: لَمْ تَلْبَثِ الْكَرْمَةُ أَنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ وَرُمِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَحْرَقَتِ السَّمَائِمُ ثِمَارَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ فِي الْبَدْوِ وَفِي الْأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ الْعَطْشَى، وَخَرَجَتْ مِنْ أَغْصَانِهَا الْفَاضِلَةِ نَارٌ أَكَلَتْ تِلْكَ الْكَرْمَةَ، حَتَّى لَمْ يُوجَدُ فِيهَا غُصْنٌ قَوِيٌّ وَلَا قَضِيبٌ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ لَا تَلْوِيحَ بِهِ ﷺ، وَبِبَلَدِهِ وَهِيَ مَكَّةُ الْعَطْشَى الْمُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلَ.
مَا فِي صُحُفٍ دَانْيَالَ وَقَدْ نَعَتَ (الْكِشْدَانِيِّينَ) الْكِلْدَانِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وَأَقْسَمَ الرَّبُّ بِسَاعِدِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَلَا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كَاذِبٍ دَعْوَةٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَضْعَافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَكَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ
عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعَالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَسْوَأَ الظَّنِّ، وَقَدَحَ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَقَدْ جَرَتْ لِي مُنَاظَرَةٌ مَعَ أَكْبَرِ مَنْ تُشِيرُ إِلَيْهِ الْيَهُودُ بِالْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ: إِنَّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ شَتَمْتُمُ اللَّهَ أَعْظَمَ شَتِيمَةً، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مِثْلُكَ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ! فَقُلْتُ لَهُ: اسْمَعِ الْآنَ تَقْرِيرَهُ، إِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظَالِمٌ قَهَرَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، وَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَقَامَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَيَقُولُ: أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا وَنَهَانِي عَنْ كَذَا وَأُوحِيَ إِلَيَّ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبَاحَ لِي سَبْيَ ذَرَارِيِّ مَنْ كَذَّبَنِي وَخَالَفَنِي وَنِسَاءَهُمْ، وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتْلَ رِجَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ يَدْأَبُ فِي تَغْيِيرِ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَمُعَادَاةِ أُمَمِهِمْ وَنَسْخِ شَرَائِعِهِمْ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَيُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُهُ، أَوْ تَقُولُوا: إِنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْجَهْلِ، وَكَانَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ بَلْ كَانَ كُلُّهُ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْعَجْزِ الْمُنَافِي لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَوَدُّهُ، وَيُعْلِيهِ وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَلَا يَقْصِدُهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا ظَفَرَ بِهِ، وَلَا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَهَا لَهُ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ، فَضْلًا عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى دَعْوَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بِكَلَامِهِ، وَهَذِهِ عِنْدَكُمْ شَهَادَةُ زُورٍ وَكَذِبٍ؟
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ هَذَا بِكَاذِبٍ مُفْتَرٍ، بَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ مَنِ اتَّبَعَهُ أَفْلَحَ وَسَعِدَ.
قُلْتُ: فَمَا لَكَ لَا تَدْخُلُ فِي دِينِهِ؟
قَالَ: إِنَّمَا بُعِثَ لِلْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدَنَا كِتَابٌ نَتَّبِعُهُ.
قُلْتُ لَهُ: غُلِبْتَ كُلَّ الْغَلَبِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَقَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِذَا صَحَّتْ رِسَالَتُهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَأَمْسَكَ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا.
وَقَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ مَا جَرَى لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِ الْيَهُودِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ
قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵇: إِنِّي أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ، فَمَنْ عَصَاهُ انْتَقَمْتُ مِنْهُ. قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: ذَلِكَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ عِنْدَكَ فِي آخِرِ التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيٌّ مِثْلُ مُوسَى.
(الثَّانِي): أَنَّهُ قَالَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِمَّا الْعَرَبُ وَإِمَّا الرُّومُ.
فَإِنَّ الْعَرَبَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَالرُّومُ بَنُو الْعِيصِ، وَهَؤُلَاءِ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَّا
الرُّومُ فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ نَبِيٌّ سِوَى أَيُّوبَ ﵇ وَكَانَ قَبْلَ مُوسَى ﵇ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَرَبُ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ حِينَ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ جَدَّ الْعَرَبِ: أَنَّهُ يَضَعُ فُسْطَاطَهُ فِي وَسَطِ بِلَادِ إِخْوَتِهِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَبَ فُسْطَاطَهُ، وَمُلْكُ أُمَّتِهِ فِي وَسَطِ بِلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهِيَ الشَّامُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ مُلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: فَعِنْدَكُمْ فِي الْقُرْآنِ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَا أَخَا تَمِيمٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهَذَا قَوْلُهُ: أُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي تَمِيمٍ إِخْوَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ إِخْوَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَهَذَا مَا لَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زِيدٌ أَخُو بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ أَخُو عَادٍ، وَصَالِحٌ أَخُو ثَمُودَ أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَوْ قِيلَ: عَادٌ أَخُو عَادٍ، وَثَمُودُ أَخُو ثَمُودَ، وَمَدْيَنُ أَخُو مَدْيَنَ، لَكَانَ نَقْصًا، وَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْآخَرِ صَرِيحٌ.
قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُقِيمُ هَذَا النَّبِيَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُحَمَّدٌ إِنَّمَا أُقِيمَ لِلْعَرَبِ وَلَمْ يُقَمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا الِاخْتِصَاصُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
كِتَابَيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ، وَنَصَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَرَبِ وَالْأُمِّيِّينَ خَاصَّةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِ إِلَى ذِكْرِهِ، وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِ وَلَا دَاخِلٌ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ أَوْلَى بِحُكْمِهِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ. فَكَانَ فِي تَعْيِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِزَالَةٌ لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ وَهَؤُلَاءِ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا لِغَيْرِهِمْ، فَلَوْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَذْكُرَ عَنْهُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً، فَأَمَّا وَقَدْ نَطَقَ كِتَابُهُ وَعَرَفَ الْخَاصُّ وَالْعَامُ بِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا حُجَّةَ لَكَ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ أَسْلَافَنَا مِنَ الْيَهُودِ كُلَّهُمُ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْعِيسَوِيَّةُ مِنَّا تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَسْنَا نَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ يَهُودِيٌّ مَعَهُ فَقَالَ: نَحْنُ قَدْ جَرَى شَأْوُنَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَبِاللَّهِ أَدْرِي كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الْعَرَبِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَنْفُسَنَا النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِهِ بِسُوءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا
الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: ... قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، ... عَنْ كَعْبٍ قَالَ: فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. وَفِي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَلَوْ كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ أَصْوَاتُ النَّحْلِ....
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، ... عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَمُهَاجَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا وَبَغَوْا....
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُمَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا مَالِكِ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ، يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَهَذَا الْبَلَدُ مُهَاجَرُهَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأَسْمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: (هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُهُ؟!) كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذَا، قَالَ أَبِي: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعُ إِلَّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدَ هَذِهِ مُهَاجَرُهُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ يَهُودَ لَأَسْلَمَتْ يَهُودُ كُلُّهَا، إِنَّمَا هُمْ لَهُمْ تَبَعٌ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَإِنِّي لِغُلَامٌ: قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا....
قَالَ النَّضْرُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ رَجُلٌ أَوْصَفُ لِمُحَمَّدٍ مِنْ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ، كَانَ يَأْلَفُهُ الْيَهُودُ وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الدِّينِ
وَيُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى يَهُودِ تَيْمَا فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَسَأَلَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُوهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ مُهَاجَرَهُ يَثْرِبُ، فَرَجَعَ أَبُو عَامِرَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَقَامَ مُتَرَهِّبًا وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا خَرَجَ وَظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ حَسَدَهُ وَبَغَى وَنَافَقَ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ جِئْتَ؟ بِمَ بُعِثْتَ؟ قَالَ: بِالْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: أَنْتَ تَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَيْتُ بِهَا بَيْضَاءَ، أَيْنَ مَا كَانَ يُخْبِرُكَ بِهِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ وَصْفِي؟ فَقَالَ: لَسْتَ بِالَّذِي وَصَفُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَذَبْتَ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحِيدًا طَرِيدًا، قَالَ: آمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ مَعَ قُرَيْشٍ يَتْبَعُ دِينَهُمْ وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَسْلَمْ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جَمَاعَةٍ، كُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ، ... عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطُ وَالرُّومُ اتَّبَعُوهُ، قَالَ الْمُغَيَّرَةُ: فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَتَهَا مِنْ قِبْطِهَا وَرُومِهَا عَمَّا يَجِدُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَانَ أُسْقُفٌّ مِنَ الْقِبْطِ وَهُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ أَبِي مُحَيِّسٍ، كَانُوا يَأْتُونَ بِمَرْضَاهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أَرَ أَحَدًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ آخِرُهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَحَدٌ، وَهُوَ
نَبِيٌّ قَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا بِالْآدَمِ يُعْفِي شَعْرَهُ، وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجْتَزُّ بِمَا لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَاهُ يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْقَرَظِ، وَمِنْ حَرَمٍ يَذْهَبُ إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ سَبِخَةٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مُشْدُدٌ عَلَيْهِمْ، لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ....
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدٍ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تُطَالِبُ فِي أَرْضِكَ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، ... عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْمَنْقِرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحَدُهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَرَاتٌ وَقَرْيَةُ دِيرَانِيٍّ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ مَا هِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ، قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ، فَسَارِعُوا إِلَيْهِ وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ
فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ قَالَ الْمَرِيضُ: إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا أَخَاكُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، ... عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةِ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ شَمْوَالُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ. وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ، قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ، قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوتِلَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ
وَتُقْتَلُ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ، قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ وَابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلَدِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ يَكُونُ خَرَابُهَا عَلَى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ.
قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ: ... لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتَّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وَأَنَّ تُبَّعَ مَاتَ مُسْلِمًا....
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ أَبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَإِنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، فَمَا مَنَعَهُمْ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ....
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوَا مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَلِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحْمَدُ، وَبِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيهَا شَعَرَاتٌ، فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا اللَّيْلَةَ غُلَامٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الشَّامَةَ فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أَيِ الْيَهُودِيُّ -، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! فَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَفَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ....
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَبِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ
مِنَ الْغَمَامِ، أَتَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَبَيِّنٌ فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنْ حَسَدُوكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي عَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ آتِي الْيَهُودَ عِنْدَ دِرَاسَتِهِمُ التَّوْرَاةَ، فَأَعْجَبُ مِنْ مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ الْقُرْآنَ، وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنَ لِلتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا أَحَدٌّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ لِأَنَّكَ تَغْشَانَا، قُلْتُ: إِنَّمَا أَجِيءُ لِأَعْجَبَ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: هَذَا صَاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ سَيِّدُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأَخْبِرُوهُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأَنَّى أَهْلَكَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، عَدُوُّنَا جِبْرِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَسِلْمُنَا مِيكَائِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ. وَجِبْرِيلُ صَاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ مَا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ مِيكَائِيلَ، وَلَا لِمِيكَائِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، وَلَا أَنْ يُسَالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أُقْرِئُكَ آيَاتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ
قُلْتُ: قُلْ، فَتَلَا مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ الْآيَةَ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُخْبِرُكَ بِقَوْلِ الْيَهُودِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشَدَّ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ حَجَرٍ.
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ ... حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّهَا عَلَى الْبَاطِلِ يَعْبُدُونَ الْحَجَرَةَ وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ؟ فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ وَيَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، وَيَأْتِي بِأَفْضَلِ الدَّيْنِ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا مَكَّةَ آتِيهَا فَأَسْأَلُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، وَأَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ فَأَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِي رَاكِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ، قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ حَدَثٌ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدَ، فَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي وَجِئْتُ فَأَسْلَمْتُ....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ أَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَقَالُوا: أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَهَبُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَاسْتَشَارُوهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُ وَلَا يُلَاعِنُوهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَصَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَلْفِ حُلَّةٍ فِي صَفَرٍ،
وَأَلْفِ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ وَدَرَاهِمَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي سَلَمٍ، ... عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيِّ، ... عَنْ سَهْلٍ مَوْلَى عَثْمَةَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ وَكَانَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، قَالَ: فَأَخَذْتُ مُصْحَفًا لِعَمِّي فَقَرَأْتُهُ حَتَّى مَرَّتْ بِي وَرَقَةٌ أَنْكَرْتُ قِرَاءَتَهَا، فَإِذَا هِيَ مُلْصَقَةٌ فَفَتَقْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ لَا قَصِيرَ وَلَا طَوِيلَ، أَبْيَضَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يُكْثِرُ الِاجْتِبَاءَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ، وَيَحْتَلِبُ الشَّاةَ، وَيَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي فَرَأَى الْوَرَقَةَ فَضَرَبَنِي، وَقَالَ: مَا لَكَ وَفَتْحِ هَذِهِ الْوَرَقَةَ: فَقُلْتُ: فِيهَا نَعْتُ النَّبِيِّ أَحْمَدَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ....
وَقَالَ وَهْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْعِيَا أَنِّي مُبْتَعِثٌ نَبِيًّا أَفْتَحُ بِهِ آذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالْوَقَارَ وَالصِّدْقَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وَأُمَمٍ
مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، طُوبَى لِتِلْكَ الْقُلُوبِ....
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ... أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ النَّصَارَى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى عَلَى نِسْوَةٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَقَدْ غَابَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ، فَقَالَ: يَا نِسَاءَ تَيْمَاءَ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيكُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِرَاشًا فَلْتَفْعَلْ، فَحَفِظَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ....
وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ وَهْبٍ، قَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ، وَمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ، إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدَكَ نَبِيٌّ يُسَمَّى أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا، صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أُعْطِيهِمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلَ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ أَنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَطَهَّرُوا كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْحَجِّ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْجِهَادِ كَمَا أَمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَّهُ عَلَى الْأُمَمِ كَمَا أَعْطَيْتُهُمْ سِتَّ خِصَالٍ لَمْ أُعْطِهَا غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أُؤَاخِذُهُمْ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ إِذَا اسْتَغْفَرُونِي مِنْهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، وَمَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، طَيِّبَةٌ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، عَجَّلْتُ لَهُمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَهُمْ عِنْدِي فِي الْمَدْخُورِ أَضْعَافًا مُضَاعِفَةً، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَيْتُهُمْ عَلَى الْمَصَائِبِ إِذَا صَبَرُوا وَاسْتَرْجَعُوا الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْهُدَى، وَإِنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، يَا دَاوُدُ، مَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي صَادِقًا بِهَا، فَهُوَ مَعِي فِي جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، وَمَنْ لَقِيَنِي وَقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبَ
Translation
(فصل): وهذه البشارة مطابقة لما في صحيح البخاري
#29
Chapter 29 — (فصل): ومن ذلك أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي
· ref. #29
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَهْزَأَ بِكِتَابِي، صَبَبْتُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ الْعَذَابَ صَبًّا، وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ عِنْدَ مَنْشَرِهِ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ الدَّرْكَ الْأَسْفَلَ مِنَ النَّارِ....
وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَاةَ بْنِ أَوْفَى، ... عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ فَأَصَبْنَا قَبْرَ دَانْيَالَ بِالسُّوَيْسِ، وَكَانُوا إِذَا اسْتَسْقَوْا خَرَجُوا فَاسْتَسْقَوْا بِهِ فَوَجَدُوا مَعَهُ رُقْعَةً فَطَلَبَهَا نَصْرَانِيٌّ مِنَ الْحِيرَةِ يُسَمَّى نُعَيْمًا فَقَرَأَهَا، وَفِي أَسْفَلِهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَأَسْلَمَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَبْرًا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَأَتْحَفَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأَخْبَرَنِي بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْكِتَابَ إِلَى مَا صَارَ، فَمَرَّ عَلَيْنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فَدَعَوْنَاهُ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، إِنَّ الْكِتَابَ كَانَ عِنْدَ كَعْبٍ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: أَلَا أَئْتَمِنَهُ عَلَى أَمَانَةٍ يُؤَدِّيهَا؟ قَالَ شَهْرٌ: فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ لِي يُكَنَّى أَبَا لَبِيدٍ: أَنَا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغْتَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا فَارْكَبْ قَرَقُورَامَ ثُمَّ اقْذِفْ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ، فَانْفَرَجَ الْمَاءُ فَقَذَفَهُ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى كَعْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ إِنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ﷿....
(فَصْلٌ): وَمِنْ ذَلِكَ أَخْبَارُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا، قَالَ
الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ قَدْ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَقَرَأَهَا، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ تَعَبُّدًا، وَكَانَ مِمَّنْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْحَنِيفِيَّةَ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْأَوْثَانَ، وَالْتَمَسَ الدِّينَ، وَطَمَعَ فِي النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَانَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُبَشِّرُ بِهِ، وَتَقُولُ فِيهِ، فَحَسَدَهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَالَ: أَنَا كُنْتُ أَرْجُوُ أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ زُورُ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَلْتَمِسُ الدِّينَ، وَيَطْمَعُ فِي النُّبُوَّةِ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِكَنِيسَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: إِنَّ لِي حَاجَةً فِي هَذِهِ الْكَنِيسَةِ فَانْتَظَرُونِي، فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ كَاسِفًا مُتَغَيِّرًا فَرَمَى بِنَفْسِهِ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حِينَ سُرِّيَ عَنْهُ ثُمَّ مَضَوْا فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ، قَالَ: انْتَظَرُونِي وَدَخَلَ الْكَنِيسَةِ فَأَبْطَأَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ أَسْوَأَ مِنْ حَالِهِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: قَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ رُفْقَتَكَ، فَقَالَ: خَلُّونِي فَإِنِّي أَرْتَادُ لِنَفْسِي وَأَنْظُرُ لِمَعَادِي، وَإِنَّ هَهُنَا رَاهِبًا عَالِمًا أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ عِيسَى سِتُّ رَجَفَاتٍ وَقَدْ مَضَتْ مِنْهَا خَمْسٌ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا، وَأَخَافَ أَنْ يُخْطِئَنِي فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: قَدْ كَانَتِ الرَّجْفَةُ وَبُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَيِسْتُ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتَ، إِذْ فَاتَنِي مَا كُنْتُ أَطْمَعُ فِيهِ....
قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... خَرَجَ أُمَيَّةُ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا، فَأَمَّ أُمَيَّةُ وَجْهًا، وَصَعِدَ فِي كَثِيبٍ فَرُفِعَتْ لَهُ كَنِيسَةٌ فَانْتَهَى إِلَيْهَا، فَإِذَا بِشَيْخٍ جَالِسٍ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ حِينَ رَآهُ: إِنَّكَ لَمَتْبُوعٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ؟ قَالَ: مِنْ شِقِّي الْأَيْسَرِ، قَالَ: فَأَيُّ الثِّيَابِ أَحَبُّ إِلَيْهِ أَنْ تَلْقَاهُ فِيهَا؟ قَالَ: السَّوَادُ، قَالَ: كِدْتَ تَكُونُ نَبِيَّ الْعَرَبِ، وَلَسْتَ هُوَ أَوْ وَلَسْتَ بِهِ، هَذَا خَاطِرٌ مِنَ الْجِنِّ وَلَيْسَ بِمَلَكٍ وَإِنَّ نَبِيَّ الْعَرَبِ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَأْتِيِهِ الْمَلَكُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَلْقَاهُ فِيهَا الْبَيَاضُ....
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ... وَأَتَى أُمَيَّةُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ عَمِيَ الْخَبَرُ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُ يَخْرُجُ فِي هَذَا الْعَامِ....
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ... إِنَّ أُمَيَّةَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ صَحِبَانِي فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِيهِ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ الرَّاهِبِ وَهُوَ يَعْتَلُّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّ بِكَ لَشَرًّا فَمَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَخْبِرْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: كَمْ سِنُّهُ؟ فَذَكَرَ سِنًّا، قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَالِهِ، فَذَكَرَ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: وَضَعْتَهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ رَفَعْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الِاسْمِ لَيْسَ بِشَيْخٍ، وَلَا بِذِي
مَالٍ، قَالَ: وَكَانَ الرَّاهِبُ أَتَاهُ وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ نَائِمًا فَجَاءَهُ طَائِرَانِ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، وَدَخَلَ الْآخَرُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ثُمَّ رَدَّهُ الطَّائِرُ، فَقَالَ لَهُ الطَّائِرُ الْآخَرُ: أَوَعَى؟ قَالَ: نَعَمْ، أزَكَى؟ قَالَ: أَبَى....
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... دَخَلَ يَوْمًا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ عَلَى أُخْتِهِ وَهِيَ تُهَيِّئُ أَدَمًا لَهَا فَأَدْرَكَهُ النَّوْمُ، فَنَامَ عَلَى سَرِيرٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَانْشَقَّ جَانِبٌ مِنَ السَّقْفِ فِي الْبَيْتِ وَإِذَا بِطَائِرَيْنِ قَدْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ مَكَانُهُ، فَشَقَّ الْوَاقِعُ صَدْرَهُ، فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، ثُمَّ قَالَ الطَّائِرُ الْأُخَرُ لِلَّذِي عَلَى صَدْرِهِ: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟، قَالَ: أَبَى، فَرَدَّ قَلْبَهُ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَأَتْبَعُهُمَا أُمَيَّةُ طَرْفَهُ، وَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا....... لَا بَرِئَ فَاعْتَذِرَ
وَلَا ذَا عَشِيرَةٍ فَأَنْتَصِرَ
، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقَبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ، فَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا
، ... لَا مَالَ لِي يُغْنِينِي ... وَلَا عَشِيرَةَ تَحْمِينِي.
فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، فَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ وَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا
لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا
، ... مَحْفُوفٌ بِالنِّعَمِ ... مَحْفُوظٌ بِالدِّينِ
، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الْأَعْلَى: أَوَعَى، قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا طَرْفَهُ فَقَالَ: ... لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا.
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
ثُمَّ انْطَبَقَ الشِّقُّ وَجَلَسَ أُمَيَّةُ يَمْسَحُ صَدْرَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي! هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَجِدُ حَرًّا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي ... فِي تِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا
اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ وَاحْذَرْ ... غَوْلَةَ الدَّهْرِ إِنَّ لِلدَّهْرِ غُولَا
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ... عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ تُجَّارًا إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلْنَا قَرْيَةً أَوْ بِمَنْزِلٍ أَخْرَجَ مِنْهُ سِفْرًا يَقْرَؤُهُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلْنَا بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى النَّصَارَى، فَرَأَوْهُ فَعَرَفُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ، فَذَهَبُوا وَمَضَى مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ وَسَطَ النَّهَارِ فَطَرَحَ نَفْسَهُ، وَاسْتَخْرَجَ ثَوْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَلْ لَكَ فِي عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءَ النَّصَارَى إِلَيْهِ تَنَاهَى عِلْمُ الْكُتُبِ تَسْأَلُهُ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَمَضَى هُوَ وَحْدَهُ وَجَاءَنَا بَعْدَ
هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ انْجَدَلَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَأَصْبَحَ كَئِيبًا حَزِينًا مَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ، فَسِرْنَا لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا بِهِ مِنَ الْهَمِّ، وَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَجَعْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِكَ، قَالَ: لِمُنْقَلَبِي؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ لَكَ مِنْ مُنْقَلَبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ وَلَأُحَاسَبَنَّ، قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ أَمَانِي؟ قَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قُلْتُ: إِنَّكَ لَا تُبْعَثُ وَلَا تُحَاسَبُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ لَنُبْعَثَنَّ وَلَنُحَاسَبَنَّ، وَلَيُدْخُلَنَّ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، قُلْتُ: فَفِي أَيِّهِمَا أَنْتَ أَخْبَرَكَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِصَاحِبِي بِذَلِكَ فِيَّ وَلَا فِي نَفْسِهِ، فَكُنَّا فِي ذَلِكَ لَيْلَنَا يَعْجَبُ مِنَّا وَنَضْحَكُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمْنَا غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَبِعْنَا مَتَاعَنَا، وَأَقَمْنَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا قَرْيَةً مِنْ قُرَى النَّصَارَى فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ وَذَهَبَ مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، حَتَّى جَاءَنَا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ مَبْثُوثًا حَزِينًا، وَلَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ. فَرَحَلْنَا فَسِرْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ: يَا صَخْرُ، حَدِّثْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ؟ قُلْتُ: أَيْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَوَيَصِلُّ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَسِيطٌ فِي الْعَشِيرَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُ قُرَيْشًا أَشْرَفَ مِنْهُ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ أَمُحْوَجٌ هُوَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ هُوَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، قَالَ: كَمْ أَتَى لَهُ مِنَ السِّنِينَ؟ قُلْتُ: هُوَ ابْنُ سَبْعِينَ قَدْ قَارَبَهَا، قَالَ: فَالسِّنُّ وَالشَّرَفُ أَزْرَيَا بِهِ، قُلْتُ: وَاللَّهِ بَلْ زَادَهُ خَيْرًا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ بِي أَنِّي جِئْتُ هَذَا الْعَالِمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الَّذِي يُنْتَظَرُ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، فَقُلْتُ: فِينَا بَيْتٌ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، قَالَ هُوَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ وَجِيرَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَصَابَنِي شَيْءٌ مَا أَصَابَنِي مِثْلَهُ، إِذْ خَرَجَ مِنْ يَدِي فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: فَصِفْهُ لِي؟ فَقَالَ: رَجُلٌ شَابٌّ حِينَ دَخَلَ فِي الْكُهُولَةِ، بَدْؤُ أَمْرِهِ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ،
وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا، وَهُوَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ، مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَشِيرَةِ، أَكْثَرُ جُنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: رَجَفَتِ الشَّامُ مُنْذُ هَلَكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجَفَاتٍ كُلُّهَا فِيهَا مُصِيبَةٌ، وَبَقِيَتْ رَجْفَةٌ عَامَّةٌ فِيهَا مُصِيبَةٌ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا، فَقُلْتُ: هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ، لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مُسِنًّا شَرِيفًا، قَالَ أُمَيَّةُ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنَّهُ لَهَكَذَا. فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ أَدْرَكَنَا رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِنَا، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: أَصَابَتِ الشَّامَ رَجْفَةٌ دُثِّرَ أَهْلُهَا، وَأَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ صَاحِبَكَ إِلَّا صَادِقًا.
وَقَدِمْنَا مَكَّةَ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَاجِرًا، وَكُنْتُ فِيهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَجَاءَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ وَفِي آخِرِهِمْ مُحَمَّدٌ وَهِنْدٌ تُلَاعِبُ صِبْيَانَهَا، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، وَسَأَلَنِي عَنْ سَفَرِي وَمَقْدِمِي، ثُمَّ انْطَلَقَ، وَقَلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْفَتَى لَعَجَبٌ، مَا جَاءَنِي مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ لَهُ بِضَاعَةٌ إِلَّا سَأَلَنِي عَنْهَا وَمَا بَلَغَتْ، وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ مَعِي لَبِضَاعَةً مَا هُوَ بِأَغْنَاهُمْ عَنْهَا ثُمَّ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا. فَقَالَتْ: أَوَمَا عَلِمْتَ بِشَأْنِهِ؟ فَقَلْتُ - وَفَزِعْتُ - وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَتْ: يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ فَوَجِمْتُ، ثُمَّ قَدِمْتُ الطَّائِفَ فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ فَقُلْتُ: هَلْ تَذْكُرُ حَدِيثَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَصَبَّبَ عَرَقًا. فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ مَا كَانَ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُومِنُ بِنَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ثَقِيفٍ أَبَدًا.... فَهَذَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمَيَّةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ عَنْ هِرَقْلَ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزَوَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ حَطُّوا عَنْ رِحَالِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ. قَالَ: فَهُمْ يُحِلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى إِذَا جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رَعِيَّةِ الْإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ مُظَلِّلَةٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَإِذَا بِسَبْعَةٍ مِنَ الرُّومِ قَدْ أَقْبَلُوا فَاسْتَقْبَلَهُمْ، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فِي طَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَنْعَهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايِعُوهُ وَأَقِيمُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُمْ حَتَّى رَدَّهُ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ لَمَّا خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرَّةِ الْأَوْلَى وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَةُ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَكُونُونَ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ يَتَوَارَثُونَهَا عَنْ كِتَابٍ يَدْرُسُونَهُ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى بَحِيرَا وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ وَنَزَلُوا مَنْزِلًا قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَدْ كَانُوا يَنْزِلُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كُلَّمَا مَرُّوا، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَاهُمْ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى دُعَائِهِمْ أَنَّهُ رَآهُمْ حِينَ طَلَعُوا وَغَمَامَةٌ تُظِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَزَلُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْغَمَامَةِ أَظَلَّتْ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَاخْضَلَّتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى بَحِيَرَةُ ذَلِكَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، فَأُتِيَ بِهِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوهُ كُلُّكُمْ، وَلَا تُخَلِّفُوا أَحَدًا مِنْكُمْ كَبِيرًا وَلَا صَغِيرًا حُرًّا وَلَا عَبْدًا، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ تُكْرِمُونِي بِهِ، فَقَالَ رَجُلُ: إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا يَا بَحِيرَةُ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكْرِمَكُمْ، وَلَكُمْ حَقٌّ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَةُ إِلَى الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا وَيَجِدُهَا عِنْدَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى الْغَمَامَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ وَيَجِدُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ بَحِيرَةُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَتَخَلَّفَنَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا: مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ إِلَّا غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: ادْعُوهُ لِيَحْضُرَ طَعَامِي فَمَا أَقْبَحَ أَنْ تَحْضُرُوا وَيَتَخَلَّفَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنِّي أُرَاهُ مِنْ أَنْفَسِكُمْ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هُوَ وَاللَّهِ أَوْسَطُنَا نَسَبًا، وَهُوَ ابْنُ أَخِّ هَذَا الرَّجُلِ يَعْنُونَ أَبَا طَالِبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ بِنَا لَلُؤْمٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ
قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجَعَلَ بَحِيرَا يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ فِي جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ فِي صِفَتِهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا عَنِ الطَّعَامِ قَامَ إِلَيْهِ الرَّاهِبُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا، قَالَ: فَبِاللَّهِ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، قَالَ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَقَبَّلَ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّ لِمُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الرَّاهِبِ لَقَدْرًا، وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ لِمَا يَرَى مِنَ الرَّاهِبِ يَخَافُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ لِأَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: هُوَ ابْنِي، قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبَوْهُ؟ قَالَ: هَلَكَ وَأَمَّهُ حُبْلَى، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: تُوُفِّيَتْ قَرِيبًا، قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفُوا مِنْهُ مَا أَعْرِفُ لَتَبْغُنَّهُ عَنَتًا، وَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، وَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكَ النَّصِيحَةَ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ خَرَجَ بِهِ سَرِيعًا، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ يَهُودَ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَرَفُوا صِفَتَهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوهُ، فَذَهَبُوا إِلَى بَحِيرَا فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُ فَنَهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَتَجِدُونَ صِفَتَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَمَا لَكَمَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَصَدَقُوهُ وَتَرَكُوهُ، وَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ فَمَا خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى هِرَقْلَ صَاحِبِ الرُّومِ نَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْغُوطَةَ غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَنَزَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسَّانِيِّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا بِرَسُولٍ نُكَلِّمُهُ، فَقُلْنَا:
لَا وَاللَّهِ لَا نُكَلِّمُ رَسُولًا إِنَّمَا بُعِثْنَا إِلَى الْمَلِكِ، فَإِنْ أَذِنَ لَنَا كَلَّمْنَاهُ، وَإِلَّا لَمْ نُكَلِّمِ الرَّسُولَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَذِنَ لَنَا، فَقَالَ: تَكَلَّمُوا. فَكَلَّمَهُ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِذَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ سَوَادٌ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا هَذِهِ الَّتِي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ لَبِسْتُهَا وَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَنْزَعَهَا حَتَّى أُخْرِجَكُمْ مِنَ الشَّامِ، قُلْنَا: وَمَجْلِسُكَ هَذَا فَوَاللَّهِ لَنَأْخُذَنَّهُ مِنْكَ، وَلَنَأْخُذَنَّ مِنْكَ الْمُلْكَ الْأَعْظَمَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا، فَقَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَصُومُونَ بِالنَّهَارِ وَيُفْطِرُونَ بِاللَّيْلِ فَكَيْفَ صَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ فَمُلِئَ وَجْهُهُ سَوَادًا، فَقَالَ: قُومُوا. وَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لَنَا الَّذِي مَعَنَا: إِنَّ دَوَابَّكُمْ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ مَدِينَةَ الْمَلِكِ، فَإِنْ شِئْتُمْ حَمَلْنَاكُمْ عَلَى بَرَاذِينَ وَبِغَالٍ، قُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نَدْخُلُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَوَاحِلِنَا مُتَقَلِّدَيْنِ سُيُوفَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غُرْفَةٍ لَهُ، فَأَنَخْنَا فِي أَصْلِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا عَذْقٌ تُصَفِّقُهُ الرِّيَاحُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا عَلَيْنَا بِدِينِكُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا أَنِ ادْخُلُوا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشٍ لَهُ وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ مِنَ الرُّومِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي مَجْلِسِهِ أَحْمَرُ وَمَا حَوْلَهُ أَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيْكُمْ لَوْ حَيَّيْتُمُونِي بِتَحِيَّتِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ وَإِذَا رَجُلٌ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ كَثِيرُ الْكَلَامِ، فَقُلْنَا: إِنَّ تَحِيَّتَنَا فِيمَا بَيْنَنَا لَا تَحِلُّ لَكَ، وَتَحِيَّتُكَ الَّتِي تُحَيَّى بِهَا لَا تَحِلُّ لَنَا أَنْ نُحَيِّيَكَ بِهَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَحِيَّتُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ: كَيْفَ تُحَيُّونَ مَلِكَكُمْ، قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ كَلَامَكُمْ؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَلَمَّا تَكَلَّمْنَا بِهَا - يَعْلَمُ اللَّهُ - لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، قَالَ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي قُلْتُمُوهَا حَيْثُ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ، كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ تَنْتَفِضُ بُيُوتُكُمْ عَلَيْكُمْ؟
قُلْنَا: لَا، مَا رَأَيْنَاهَا فَعَلَتْ هَذَا قَطُّ إِلَّا عِنْدَكَ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكُمْ كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا يَنْتَفِضُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ نِصْفِ مُلْكِي، قُلْنَا: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَكُونُ أَيْسَرَ لِشَأْنِهَا وَأَحْذَرَ أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مِنْ حِيَلِ النَّاسِ، ثُمَّ سَأَلَنَا عَمَّا أَرَادَ فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: قُومُوا، فَقُمْنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ حَسَنٍ وَنُزُلٍ كَثِيرٍ، فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا لَيْلًا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَاسْتَعَادَ قَوْلَنَا فَأَعَدْنَاهُ، ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةٍ فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ فَفَتَحَهَا بَيْتًا وَقِفْلًا فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ نَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ لَمْ أَرَ مِثْلَ طُولِ عُنُقِهِ، فَإِذَا لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ، وَإِذَا لَهُ ظَفِيرَتَانِ أَحْسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا آدَمُ ﵇، وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، وَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا لَهُ شَعْرٌ قَطَطٌ، أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمُ الْهَامَّةِ، حَسَنُ اللِّحْيَةِ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا: قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا رَجُلٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ صَلْتُ الْجَبِينِ طَوِيلُ الْخَدِّ، أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ يَتَبَسَّمُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ، وَإِذَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَبَكَيْنَا. قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهْوَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ، وَلَكِنْ عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ
مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ أَدْمَاءُ سَحْمَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ جَعْدٌ قَطَطٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ حَدِيدُ النَّظَرِ عَابِسٌ مُتَرَاكِبُ الْأَسْنَانِ مُقَلَّصُ الشَّفَةِ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَإِلَى جَنْبِهِ صُورَةٌ تُشْبِهُهُ إِلَّا أَنَّهُ مِدْهَانُ الرَّأْسِ، عَرِيضُ الْجَبِينِ، فِي عَيْنَيْهِ قِبْلَةٌ، قَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا هَارُونُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ آدَمَ سِبْطٍ رَبْعَةٍ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا لُوطٌ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ يُشْرَبُ بِحُمْرَةٍ أَقْنَى خَفِيفِ الْعَارِضِينَ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا إِسْحَاقُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ تُشْبِهُ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى شَفَتِهِ السُّفْلَى خَالٌ، فَقَالَ: تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ حَسَنِ الْوَجْهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنِ الْقَامَةِ، يَعْلُو وَجْهَهُ نُورٌ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْخُشُوعُ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِسْمَاعِيلُ جَدُّ نَبِيِّكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ كَأَنَّهَا صُورَةُ آدَمَ كَأَنَّ وَجْهَهُ الشَّمْسُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَحْمَرَ، حَمْشِ السَّاقَيْنِ، أَخْفَشِ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمِ الْبَطْنِ، رَبْعَةٍ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا دَاوُدُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً
وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَاةَ بْنِ أَوْفَى، ... عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ فَأَصَبْنَا قَبْرَ دَانْيَالَ بِالسُّوَيْسِ، وَكَانُوا إِذَا اسْتَسْقَوْا خَرَجُوا فَاسْتَسْقَوْا بِهِ فَوَجَدُوا مَعَهُ رُقْعَةً فَطَلَبَهَا نَصْرَانِيٌّ مِنَ الْحِيرَةِ يُسَمَّى نُعَيْمًا فَقَرَأَهَا، وَفِي أَسْفَلِهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَأَسْلَمَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَبْرًا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَأَتْحَفَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأَخْبَرَنِي بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْكِتَابَ إِلَى مَا صَارَ، فَمَرَّ عَلَيْنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فَدَعَوْنَاهُ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، إِنَّ الْكِتَابَ كَانَ عِنْدَ كَعْبٍ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: أَلَا أَئْتَمِنَهُ عَلَى أَمَانَةٍ يُؤَدِّيهَا؟ قَالَ شَهْرٌ: فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ لِي يُكَنَّى أَبَا لَبِيدٍ: أَنَا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغْتَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا فَارْكَبْ قَرَقُورَامَ ثُمَّ اقْذِفْ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ، فَانْفَرَجَ الْمَاءُ فَقَذَفَهُ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى كَعْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ إِنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ﷿....
(فَصْلٌ): وَمِنْ ذَلِكَ أَخْبَارُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا، قَالَ
الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ قَدْ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَقَرَأَهَا، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ تَعَبُّدًا، وَكَانَ مِمَّنْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْحَنِيفِيَّةَ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْأَوْثَانَ، وَالْتَمَسَ الدِّينَ، وَطَمَعَ فِي النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَانَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُبَشِّرُ بِهِ، وَتَقُولُ فِيهِ، فَحَسَدَهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَالَ: أَنَا كُنْتُ أَرْجُوُ أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ زُورُ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَلْتَمِسُ الدِّينَ، وَيَطْمَعُ فِي النُّبُوَّةِ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِكَنِيسَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: إِنَّ لِي حَاجَةً فِي هَذِهِ الْكَنِيسَةِ فَانْتَظَرُونِي، فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ كَاسِفًا مُتَغَيِّرًا فَرَمَى بِنَفْسِهِ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حِينَ سُرِّيَ عَنْهُ ثُمَّ مَضَوْا فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ، قَالَ: انْتَظَرُونِي وَدَخَلَ الْكَنِيسَةِ فَأَبْطَأَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ أَسْوَأَ مِنْ حَالِهِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: قَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ رُفْقَتَكَ، فَقَالَ: خَلُّونِي فَإِنِّي أَرْتَادُ لِنَفْسِي وَأَنْظُرُ لِمَعَادِي، وَإِنَّ هَهُنَا رَاهِبًا عَالِمًا أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ عِيسَى سِتُّ رَجَفَاتٍ وَقَدْ مَضَتْ مِنْهَا خَمْسٌ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا، وَأَخَافَ أَنْ يُخْطِئَنِي فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: قَدْ كَانَتِ الرَّجْفَةُ وَبُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَيِسْتُ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتَ، إِذْ فَاتَنِي مَا كُنْتُ أَطْمَعُ فِيهِ....
قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... خَرَجَ أُمَيَّةُ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا، فَأَمَّ أُمَيَّةُ وَجْهًا، وَصَعِدَ فِي كَثِيبٍ فَرُفِعَتْ لَهُ كَنِيسَةٌ فَانْتَهَى إِلَيْهَا، فَإِذَا بِشَيْخٍ جَالِسٍ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ حِينَ رَآهُ: إِنَّكَ لَمَتْبُوعٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ؟ قَالَ: مِنْ شِقِّي الْأَيْسَرِ، قَالَ: فَأَيُّ الثِّيَابِ أَحَبُّ إِلَيْهِ أَنْ تَلْقَاهُ فِيهَا؟ قَالَ: السَّوَادُ، قَالَ: كِدْتَ تَكُونُ نَبِيَّ الْعَرَبِ، وَلَسْتَ هُوَ أَوْ وَلَسْتَ بِهِ، هَذَا خَاطِرٌ مِنَ الْجِنِّ وَلَيْسَ بِمَلَكٍ وَإِنَّ نَبِيَّ الْعَرَبِ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَأْتِيِهِ الْمَلَكُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَلْقَاهُ فِيهَا الْبَيَاضُ....
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ... وَأَتَى أُمَيَّةُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ عَمِيَ الْخَبَرُ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُ يَخْرُجُ فِي هَذَا الْعَامِ....
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ... إِنَّ أُمَيَّةَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ صَحِبَانِي فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِيهِ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ الرَّاهِبِ وَهُوَ يَعْتَلُّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّ بِكَ لَشَرًّا فَمَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَخْبِرْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: كَمْ سِنُّهُ؟ فَذَكَرَ سِنًّا، قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَالِهِ، فَذَكَرَ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: وَضَعْتَهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ رَفَعْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الِاسْمِ لَيْسَ بِشَيْخٍ، وَلَا بِذِي
مَالٍ، قَالَ: وَكَانَ الرَّاهِبُ أَتَاهُ وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ نَائِمًا فَجَاءَهُ طَائِرَانِ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، وَدَخَلَ الْآخَرُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ثُمَّ رَدَّهُ الطَّائِرُ، فَقَالَ لَهُ الطَّائِرُ الْآخَرُ: أَوَعَى؟ قَالَ: نَعَمْ، أزَكَى؟ قَالَ: أَبَى....
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... دَخَلَ يَوْمًا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ عَلَى أُخْتِهِ وَهِيَ تُهَيِّئُ أَدَمًا لَهَا فَأَدْرَكَهُ النَّوْمُ، فَنَامَ عَلَى سَرِيرٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَانْشَقَّ جَانِبٌ مِنَ السَّقْفِ فِي الْبَيْتِ وَإِذَا بِطَائِرَيْنِ قَدْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ مَكَانُهُ، فَشَقَّ الْوَاقِعُ صَدْرَهُ، فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، ثُمَّ قَالَ الطَّائِرُ الْأُخَرُ لِلَّذِي عَلَى صَدْرِهِ: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟، قَالَ: أَبَى، فَرَدَّ قَلْبَهُ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَأَتْبَعُهُمَا أُمَيَّةُ طَرْفَهُ، وَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا....... لَا بَرِئَ فَاعْتَذِرَ
وَلَا ذَا عَشِيرَةٍ فَأَنْتَصِرَ
، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقَبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ، فَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا
، ... لَا مَالَ لِي يُغْنِينِي ... وَلَا عَشِيرَةَ تَحْمِينِي.
فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، فَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ وَقَالَ:
لَبَّيْكُمَا
لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا
، ... مَحْفُوفٌ بِالنِّعَمِ ... مَحْفُوظٌ بِالدِّينِ
، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الْأَعْلَى: أَوَعَى، قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا طَرْفَهُ فَقَالَ: ... لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا.
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
ثُمَّ انْطَبَقَ الشِّقُّ وَجَلَسَ أُمَيَّةُ يَمْسَحُ صَدْرَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي! هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَجِدُ حَرًّا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي ... فِي تِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا
اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ وَاحْذَرْ ... غَوْلَةَ الدَّهْرِ إِنَّ لِلدَّهْرِ غُولَا
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ... عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ تُجَّارًا إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلْنَا قَرْيَةً أَوْ بِمَنْزِلٍ أَخْرَجَ مِنْهُ سِفْرًا يَقْرَؤُهُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلْنَا بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى النَّصَارَى، فَرَأَوْهُ فَعَرَفُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ، فَذَهَبُوا وَمَضَى مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ وَسَطَ النَّهَارِ فَطَرَحَ نَفْسَهُ، وَاسْتَخْرَجَ ثَوْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَلْ لَكَ فِي عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءَ النَّصَارَى إِلَيْهِ تَنَاهَى عِلْمُ الْكُتُبِ تَسْأَلُهُ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَمَضَى هُوَ وَحْدَهُ وَجَاءَنَا بَعْدَ
هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ انْجَدَلَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَأَصْبَحَ كَئِيبًا حَزِينًا مَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ، فَسِرْنَا لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا بِهِ مِنَ الْهَمِّ، وَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَجَعْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِكَ، قَالَ: لِمُنْقَلَبِي؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ لَكَ مِنْ مُنْقَلَبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ وَلَأُحَاسَبَنَّ، قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ أَمَانِي؟ قَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قُلْتُ: إِنَّكَ لَا تُبْعَثُ وَلَا تُحَاسَبُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ لَنُبْعَثَنَّ وَلَنُحَاسَبَنَّ، وَلَيُدْخُلَنَّ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، قُلْتُ: فَفِي أَيِّهِمَا أَنْتَ أَخْبَرَكَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِصَاحِبِي بِذَلِكَ فِيَّ وَلَا فِي نَفْسِهِ، فَكُنَّا فِي ذَلِكَ لَيْلَنَا يَعْجَبُ مِنَّا وَنَضْحَكُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمْنَا غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَبِعْنَا مَتَاعَنَا، وَأَقَمْنَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا قَرْيَةً مِنْ قُرَى النَّصَارَى فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ وَذَهَبَ مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، حَتَّى جَاءَنَا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ مَبْثُوثًا حَزِينًا، وَلَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ. فَرَحَلْنَا فَسِرْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ: يَا صَخْرُ، حَدِّثْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ؟ قُلْتُ: أَيْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَوَيَصِلُّ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَسِيطٌ فِي الْعَشِيرَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُ قُرَيْشًا أَشْرَفَ مِنْهُ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ أَمُحْوَجٌ هُوَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ هُوَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، قَالَ: كَمْ أَتَى لَهُ مِنَ السِّنِينَ؟ قُلْتُ: هُوَ ابْنُ سَبْعِينَ قَدْ قَارَبَهَا، قَالَ: فَالسِّنُّ وَالشَّرَفُ أَزْرَيَا بِهِ، قُلْتُ: وَاللَّهِ بَلْ زَادَهُ خَيْرًا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ بِي أَنِّي جِئْتُ هَذَا الْعَالِمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الَّذِي يُنْتَظَرُ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، فَقُلْتُ: فِينَا بَيْتٌ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، قَالَ هُوَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ وَجِيرَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَصَابَنِي شَيْءٌ مَا أَصَابَنِي مِثْلَهُ، إِذْ خَرَجَ مِنْ يَدِي فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: فَصِفْهُ لِي؟ فَقَالَ: رَجُلٌ شَابٌّ حِينَ دَخَلَ فِي الْكُهُولَةِ، بَدْؤُ أَمْرِهِ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ،
وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا، وَهُوَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ، مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَشِيرَةِ، أَكْثَرُ جُنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: رَجَفَتِ الشَّامُ مُنْذُ هَلَكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجَفَاتٍ كُلُّهَا فِيهَا مُصِيبَةٌ، وَبَقِيَتْ رَجْفَةٌ عَامَّةٌ فِيهَا مُصِيبَةٌ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا، فَقُلْتُ: هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ، لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مُسِنًّا شَرِيفًا، قَالَ أُمَيَّةُ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنَّهُ لَهَكَذَا. فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ أَدْرَكَنَا رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِنَا، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: أَصَابَتِ الشَّامَ رَجْفَةٌ دُثِّرَ أَهْلُهَا، وَأَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ صَاحِبَكَ إِلَّا صَادِقًا.
وَقَدِمْنَا مَكَّةَ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَاجِرًا، وَكُنْتُ فِيهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَجَاءَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ وَفِي آخِرِهِمْ مُحَمَّدٌ وَهِنْدٌ تُلَاعِبُ صِبْيَانَهَا، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، وَسَأَلَنِي عَنْ سَفَرِي وَمَقْدِمِي، ثُمَّ انْطَلَقَ، وَقَلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْفَتَى لَعَجَبٌ، مَا جَاءَنِي مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ لَهُ بِضَاعَةٌ إِلَّا سَأَلَنِي عَنْهَا وَمَا بَلَغَتْ، وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ مَعِي لَبِضَاعَةً مَا هُوَ بِأَغْنَاهُمْ عَنْهَا ثُمَّ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا. فَقَالَتْ: أَوَمَا عَلِمْتَ بِشَأْنِهِ؟ فَقَلْتُ - وَفَزِعْتُ - وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَتْ: يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ فَوَجِمْتُ، ثُمَّ قَدِمْتُ الطَّائِفَ فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ فَقُلْتُ: هَلْ تَذْكُرُ حَدِيثَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَصَبَّبَ عَرَقًا. فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ مَا كَانَ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُومِنُ بِنَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ثَقِيفٍ أَبَدًا.... فَهَذَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمَيَّةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ عَنْ هِرَقْلَ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزَوَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ حَطُّوا عَنْ رِحَالِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ. قَالَ: فَهُمْ يُحِلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى إِذَا جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رَعِيَّةِ الْإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ مُظَلِّلَةٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَإِذَا بِسَبْعَةٍ مِنَ الرُّومِ قَدْ أَقْبَلُوا فَاسْتَقْبَلَهُمْ، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فِي طَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَنْعَهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايِعُوهُ وَأَقِيمُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُمْ حَتَّى رَدَّهُ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ لَمَّا خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرَّةِ الْأَوْلَى وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَةُ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَكُونُونَ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ يَتَوَارَثُونَهَا عَنْ كِتَابٍ يَدْرُسُونَهُ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى بَحِيرَا وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ وَنَزَلُوا مَنْزِلًا قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَدْ كَانُوا يَنْزِلُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كُلَّمَا مَرُّوا، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَاهُمْ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى دُعَائِهِمْ أَنَّهُ رَآهُمْ حِينَ طَلَعُوا وَغَمَامَةٌ تُظِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَزَلُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْغَمَامَةِ أَظَلَّتْ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَاخْضَلَّتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى بَحِيَرَةُ ذَلِكَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، فَأُتِيَ بِهِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوهُ كُلُّكُمْ، وَلَا تُخَلِّفُوا أَحَدًا مِنْكُمْ كَبِيرًا وَلَا صَغِيرًا حُرًّا وَلَا عَبْدًا، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ تُكْرِمُونِي بِهِ، فَقَالَ رَجُلُ: إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا يَا بَحِيرَةُ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكْرِمَكُمْ، وَلَكُمْ حَقٌّ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَةُ إِلَى الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا وَيَجِدُهَا عِنْدَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى الْغَمَامَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ وَيَجِدُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ بَحِيرَةُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَتَخَلَّفَنَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا: مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ إِلَّا غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: ادْعُوهُ لِيَحْضُرَ طَعَامِي فَمَا أَقْبَحَ أَنْ تَحْضُرُوا وَيَتَخَلَّفَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنِّي أُرَاهُ مِنْ أَنْفَسِكُمْ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هُوَ وَاللَّهِ أَوْسَطُنَا نَسَبًا، وَهُوَ ابْنُ أَخِّ هَذَا الرَّجُلِ يَعْنُونَ أَبَا طَالِبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ بِنَا لَلُؤْمٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ
قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجَعَلَ بَحِيرَا يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ فِي جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ فِي صِفَتِهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا عَنِ الطَّعَامِ قَامَ إِلَيْهِ الرَّاهِبُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا، قَالَ: فَبِاللَّهِ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، قَالَ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَقَبَّلَ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّ لِمُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الرَّاهِبِ لَقَدْرًا، وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ لِمَا يَرَى مِنَ الرَّاهِبِ يَخَافُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ لِأَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: هُوَ ابْنِي، قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبَوْهُ؟ قَالَ: هَلَكَ وَأَمَّهُ حُبْلَى، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: تُوُفِّيَتْ قَرِيبًا، قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفُوا مِنْهُ مَا أَعْرِفُ لَتَبْغُنَّهُ عَنَتًا، وَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، وَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكَ النَّصِيحَةَ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ خَرَجَ بِهِ سَرِيعًا، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ يَهُودَ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَرَفُوا صِفَتَهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوهُ، فَذَهَبُوا إِلَى بَحِيرَا فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُ فَنَهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَتَجِدُونَ صِفَتَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَمَا لَكَمَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَصَدَقُوهُ وَتَرَكُوهُ، وَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ فَمَا خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى هِرَقْلَ صَاحِبِ الرُّومِ نَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْغُوطَةَ غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَنَزَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسَّانِيِّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا بِرَسُولٍ نُكَلِّمُهُ، فَقُلْنَا:
لَا وَاللَّهِ لَا نُكَلِّمُ رَسُولًا إِنَّمَا بُعِثْنَا إِلَى الْمَلِكِ، فَإِنْ أَذِنَ لَنَا كَلَّمْنَاهُ، وَإِلَّا لَمْ نُكَلِّمِ الرَّسُولَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَذِنَ لَنَا، فَقَالَ: تَكَلَّمُوا. فَكَلَّمَهُ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِذَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ سَوَادٌ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا هَذِهِ الَّتِي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ لَبِسْتُهَا وَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَنْزَعَهَا حَتَّى أُخْرِجَكُمْ مِنَ الشَّامِ، قُلْنَا: وَمَجْلِسُكَ هَذَا فَوَاللَّهِ لَنَأْخُذَنَّهُ مِنْكَ، وَلَنَأْخُذَنَّ مِنْكَ الْمُلْكَ الْأَعْظَمَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا، فَقَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَصُومُونَ بِالنَّهَارِ وَيُفْطِرُونَ بِاللَّيْلِ فَكَيْفَ صَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ فَمُلِئَ وَجْهُهُ سَوَادًا، فَقَالَ: قُومُوا. وَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لَنَا الَّذِي مَعَنَا: إِنَّ دَوَابَّكُمْ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ مَدِينَةَ الْمَلِكِ، فَإِنْ شِئْتُمْ حَمَلْنَاكُمْ عَلَى بَرَاذِينَ وَبِغَالٍ، قُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نَدْخُلُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَوَاحِلِنَا مُتَقَلِّدَيْنِ سُيُوفَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غُرْفَةٍ لَهُ، فَأَنَخْنَا فِي أَصْلِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا عَذْقٌ تُصَفِّقُهُ الرِّيَاحُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا عَلَيْنَا بِدِينِكُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا أَنِ ادْخُلُوا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشٍ لَهُ وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ مِنَ الرُّومِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي مَجْلِسِهِ أَحْمَرُ وَمَا حَوْلَهُ أَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيْكُمْ لَوْ حَيَّيْتُمُونِي بِتَحِيَّتِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ وَإِذَا رَجُلٌ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ كَثِيرُ الْكَلَامِ، فَقُلْنَا: إِنَّ تَحِيَّتَنَا فِيمَا بَيْنَنَا لَا تَحِلُّ لَكَ، وَتَحِيَّتُكَ الَّتِي تُحَيَّى بِهَا لَا تَحِلُّ لَنَا أَنْ نُحَيِّيَكَ بِهَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَحِيَّتُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ: كَيْفَ تُحَيُّونَ مَلِكَكُمْ، قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ كَلَامَكُمْ؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَلَمَّا تَكَلَّمْنَا بِهَا - يَعْلَمُ اللَّهُ - لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، قَالَ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي قُلْتُمُوهَا حَيْثُ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ، كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ تَنْتَفِضُ بُيُوتُكُمْ عَلَيْكُمْ؟
قُلْنَا: لَا، مَا رَأَيْنَاهَا فَعَلَتْ هَذَا قَطُّ إِلَّا عِنْدَكَ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكُمْ كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا يَنْتَفِضُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ نِصْفِ مُلْكِي، قُلْنَا: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَكُونُ أَيْسَرَ لِشَأْنِهَا وَأَحْذَرَ أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مِنْ حِيَلِ النَّاسِ، ثُمَّ سَأَلَنَا عَمَّا أَرَادَ فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: قُومُوا، فَقُمْنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ حَسَنٍ وَنُزُلٍ كَثِيرٍ، فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا لَيْلًا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَاسْتَعَادَ قَوْلَنَا فَأَعَدْنَاهُ، ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةٍ فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ فَفَتَحَهَا بَيْتًا وَقِفْلًا فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ نَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ لَمْ أَرَ مِثْلَ طُولِ عُنُقِهِ، فَإِذَا لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ، وَإِذَا لَهُ ظَفِيرَتَانِ أَحْسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا آدَمُ ﵇، وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، وَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا لَهُ شَعْرٌ قَطَطٌ، أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمُ الْهَامَّةِ، حَسَنُ اللِّحْيَةِ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا: قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا رَجُلٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ صَلْتُ الْجَبِينِ طَوِيلُ الْخَدِّ، أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ يَتَبَسَّمُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ، وَإِذَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَبَكَيْنَا. قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهْوَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ، وَلَكِنْ عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ
مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ أَدْمَاءُ سَحْمَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ جَعْدٌ قَطَطٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ حَدِيدُ النَّظَرِ عَابِسٌ مُتَرَاكِبُ الْأَسْنَانِ مُقَلَّصُ الشَّفَةِ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَإِلَى جَنْبِهِ صُورَةٌ تُشْبِهُهُ إِلَّا أَنَّهُ مِدْهَانُ الرَّأْسِ، عَرِيضُ الْجَبِينِ، فِي عَيْنَيْهِ قِبْلَةٌ، قَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا هَارُونُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ آدَمَ سِبْطٍ رَبْعَةٍ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا لُوطٌ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ يُشْرَبُ بِحُمْرَةٍ أَقْنَى خَفِيفِ الْعَارِضِينَ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا إِسْحَاقُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ تُشْبِهُ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى شَفَتِهِ السُّفْلَى خَالٌ، فَقَالَ: تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ حَسَنِ الْوَجْهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنِ الْقَامَةِ، يَعْلُو وَجْهَهُ نُورٌ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْخُشُوعُ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِسْمَاعِيلُ جَدُّ نَبِيِّكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ كَأَنَّهَا صُورَةُ آدَمَ كَأَنَّ وَجْهَهُ الشَّمْسُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَحْمَرَ، حَمْشِ السَّاقَيْنِ، أَخْفَشِ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمِ الْبَطْنِ، رَبْعَةٍ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا دَاوُدُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً
Translation
(فصل): ومن ذلك أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي
#30
Chapter 30 — (فصل): فهذه الأخبار بنبوته مما تلقاه المسلمون من أفواه علماء أهل الكتاب
· ref. #30
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
بَيْضَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ ضَخْمِ الْأَلْيَتَيْنِ، طَوِيلِ الرَّجُلَيْنِ، رَاكِبًا فَرَسًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا رَجُلٌ شَابٌّ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَيِّنُ الشَّعْرِ، حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الصُّوَرُ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَى مَا صَوِّرَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّا رَأَيْنَا صُورَةَ نَبِيِّنَا مِثْلَهُ؟ قَالَ: إِنَّ آدَمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ، وَكَانُوا فِي خِزَانَةِ آدَمَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَصَارَتْ إِلَى دَانْيَالَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي طَالَبَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي، وَإِنِّي كُنْتُ كَاسِرًا بِكُمْ مُلْكَهُ حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ أَجَازَنَا وَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا وَسَرَّحَنَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا رَأَيْنَا وَمَا قَالَ لَنَا وَمَا أَجَازَنَا فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ.
(فَصْلٌ): فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ بِنُبُوَّتِهِ مِمَّا تَلْقَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَفْوَاهِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَالْأَوَّلُ مِمَّا نَقَلُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَعُلَمَاؤُهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ.
فَالدَّلِيلُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَإِمَّا مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ رِئَاسَتِهِ وَمَالِهِ وَوَجَاهَتِهِ فِيهِمْ وَآثَرَ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْهُدَى عَلَى الضَّلَالِ، وَهُوَ فِي هَذَا مُدَّعٍ أَنَّ عُلَمَاءَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَلَكِنْ لَا يُطْلِعُونَ جُهَّالَهُمْ عَلَيْهِ.
وَالْأَخْبَارُ وَالْبِشَارَةُ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عُرِفَتْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ:
(أَحَدُهَا) مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَغَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ.
(الثَّانِي) إِخْبَارُهُ ﷺ لَهُمْ أَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرَتْ بِهِ، وَاحْتِجَاجُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، لَكَانَ مُغْرِيًا لَهُمْ بِتَكْذِيبِهِ مُنَفِّرًا لِأَتْبَاعِهِ مُحْتَجًّا عَلَى دَعْوَاهُ بِمَا يَشْهَدُ بِبُطْلَانِهَا.
(الثَّالِثُ) أَنَّ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ بَشَّرَتْ بِنَبِيٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَعْتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا الْيَهُودُ فَعُلَمَاؤُهُمْ عَرَفُوهُ وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَقَالَ لِلْأَتْبَاعِ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَوَضَعُوا بِشَارَاتِ التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ الَّتِي بَعْدَهَا عَلَى الْمَسِيحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ بَعْضَهَا صَرِيحٌ فِيهِ، وَبَعْضَهَا مُمْتَنِعٌ حَمْلَهُ عَلَيْهِ، وَبَعْضَهَا مُحْتَمَلٌ.
وَأَمَّا بِشَارَاتُ الْمَسِيحِ فَحَمَلُوهَا كُلَّهَا عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَإِذَا جَاءَهُمْ مَا يَسْتَحِيلُ انْطِبَاقُهُ عَلَيْهِمْ، حَرَّفُوهُ أَوْ سَكَتُوا عَنْهُ، وَقَالُوا: لَا نَدْرِي مَنِ الْمُرَادُ بِهِ.
(الرَّابِعُ) اعْتِرَافُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ
(فَصْلٌ): فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ بِنُبُوَّتِهِ مِمَّا تَلْقَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَفْوَاهِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَالْأَوَّلُ مِمَّا نَقَلُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَعُلَمَاؤُهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ.
فَالدَّلِيلُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَإِمَّا مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ رِئَاسَتِهِ وَمَالِهِ وَوَجَاهَتِهِ فِيهِمْ وَآثَرَ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْهُدَى عَلَى الضَّلَالِ، وَهُوَ فِي هَذَا مُدَّعٍ أَنَّ عُلَمَاءَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَلَكِنْ لَا يُطْلِعُونَ جُهَّالَهُمْ عَلَيْهِ.
وَالْأَخْبَارُ وَالْبِشَارَةُ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عُرِفَتْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ:
(أَحَدُهَا) مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَغَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ.
(الثَّانِي) إِخْبَارُهُ ﷺ لَهُمْ أَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرَتْ بِهِ، وَاحْتِجَاجُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، لَكَانَ مُغْرِيًا لَهُمْ بِتَكْذِيبِهِ مُنَفِّرًا لِأَتْبَاعِهِ مُحْتَجًّا عَلَى دَعْوَاهُ بِمَا يَشْهَدُ بِبُطْلَانِهَا.
(الثَّالِثُ) أَنَّ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ بَشَّرَتْ بِنَبِيٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَعْتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا الْيَهُودُ فَعُلَمَاؤُهُمْ عَرَفُوهُ وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَقَالَ لِلْأَتْبَاعِ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَوَضَعُوا بِشَارَاتِ التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ الَّتِي بَعْدَهَا عَلَى الْمَسِيحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ بَعْضَهَا صَرِيحٌ فِيهِ، وَبَعْضَهَا مُمْتَنِعٌ حَمْلَهُ عَلَيْهِ، وَبَعْضَهَا مُحْتَمَلٌ.
وَأَمَّا بِشَارَاتُ الْمَسِيحِ فَحَمَلُوهَا كُلَّهَا عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَإِذَا جَاءَهُمْ مَا يَسْتَحِيلُ انْطِبَاقُهُ عَلَيْهِمْ، حَرَّفُوهُ أَوْ سَكَتُوا عَنْهُ، وَقَالُوا: لَا نَدْرِي مَنِ الْمُرَادُ بِهِ.
(الرَّابِعُ) اعْتِرَافُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ
Translation
(فصل): فهذه الأخبار بنبوته مما تلقاه المسلمون من أفواه علماء أهل الكتاب
#31
Chapter 31 — (فصل): وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل
· ref. #31
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ تَلَقَّى الْمُسْلِمُونَ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ وَتَيَقَّنُوا صِدْقَهَا بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بِهَا، مَعَ تَبَايُنِ أَعْصَارِهَا وَأَمْصَارِهَا وَكَثْرَتِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى لَفْظِهَا، وَهَذَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَكَيْفَ وَهَمَ مُقِرُّونَ بِهَا لَا يَجْحَدُونَهَا وَإِنَّمَا يُغَالِطُونَ فِي تَأْوِيلِهَا وَالْمُرَادِ بِهَا؟! وَكُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الْأَرْبَعَةِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إِقْدَامَهُ ﷺ عَلَى إِخْبَارِ أَصْحَابِهِ وَأَعْدَائِهِ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبِنَاهِمْ، وَتَكْرَارَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ وَتَعْرِيفَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَوْبِيخَهُمْ وَالنِّدَاءَ عَلَيْهِمْ، مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُودِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِدْقِهِ.
الثَّانِي: دَعَوْتُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ دَوَاعِي تَكْذِيبِهِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الطُّرُقُ يَسْلُكُهَا مَنْ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحَرِّفُوا أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَمْ يُبَدِّلُوهَا، فَيَسْلُكُهَا بَعْضُ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَزْعُمُ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابَيْنِ، مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْغَرَضِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى تَبْدِيلِ الْبِشَارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَثِيرٍ، وَإِنَّ الْبِشَارَاتِ لِكَثْرَتِهَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِخْفَاءُهَا كُلِّهَا وَتَبْدِيلَهَا، فَفَضَحَهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْ كِتْمَانِهِ أَوْ تَبْدِيلِهِ. وَكَيْفَ تُنْكِرُ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَمَوْهُمْ بِالْعَظَائِمِ أَنْ يُنْكِرُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِفَتَهُ وَقَدْ جَحَدُوا بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَرَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، وَنَعْتُهُ
وَالْبِشَارَةُ بِهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ؟ وَمَعَ هَذَا أَطْبَقُوا عَلَى جَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَإِنْكَارِ بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَغَنِيمَةِ الْأَمْوَالِ، وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَإِجْلَائِهِمْ مِنْهَا، فَكَيْفَ لَا تَتَوَاصَى هَذِهِ الْأُمَّةُ بِكِتْمَانِ بَعْثِهِ وَصِفَتِهِ، وَتُبَدِّلُهُ مِنْ كُتُبِهُمْ؟ وَقَدْ نَعَى اللَّهُ ﷾ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَعَنَهُمْ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ طُولَ مَمْلَكَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْكَاهِنِ الْأَكْبَرِ الْهَارُونِيِّ وَحْدَهُ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّبْعِينَ كَاهِنًا اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّفَاقٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى تَبْدِيلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ فِي عَهْدِ الْقَيَاصِرَةِ الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ، حَيْثُ زَالَ الْمُلْكُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَلِكٌ يَخَافُونَهُ وَيَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلَى وَهُوَ بُخْتَ نَصَّرُ حِينَ أَلْزَمَهُمْ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ لِطَائِفَةٍ مِنْ جَمَاعَتِهِ حِينَ أَسْكَنَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الرِّوَايَتَيْنِ فَمَنْ رَضِيَ بِتَبْدِيلِ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَحْرِيفُ غَيْرِهِ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّامِرَةَ حَرَّفُوا مَوَاضِعَ فِي التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوهَا تَبْدِيلًا ظَاهِرًا وَزَادُوا وَنَقَصُوا، وَالسَّامِرَةُ تَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى مِنْهُ أَرْبَعُ كُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَنْ تَأْلَيِفِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ: يُوحَنَّا وَمَتَّى، وَمُرْقُسَ، وَلُوقَا، فَكَيْفَ يُنْكَرُ تَطَرُّقُ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إِلَيْهَا؟ وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ تَبْدِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِزَالَتِهِ، وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى كِتْمَانِهِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ.
وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَمَا لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ
مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ ذُو بَصِيرَةٍ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بَرِيئَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَفِيهَا ... عَنْ لُوطٍ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَكَنَ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ، وَمَعَهُ ابْنَتَاهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى: قَدْ شَاخَ أَبُونَا فَارْقُدِي بِنَا مَعَهُ لِنَأْخُذَ مِنْهُ نَسْلًا، فَرَقَدَتْ مَعَهُ الْكُبْرَى ثُمَّ الصُّغْرَى، ثُمَّ فَعَلَتَا ذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَحَمَلَتَا مِنْهُ بِوَلَدَيْنِ مُوآبَ وَعَمُونَ.
فَهَلْ يُحْسَنُ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ رَسُولٌ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ يُوقِعُهُ اللَّهُ ﷾ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْعَظِيمَةِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، ثُمَّ يُذِيعُهَا عَنْهُ وَيَحْكِيهَا لِلْأُمَمِ؟
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِمُوسَى فِي طُورِ سَيْنَاءَ، وَقَالَ لَهُ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي حِجْرِكَ وَأَخْرِجْهَا مَبْرُوصَةً كَالثَّلْجِ. وَهَذَا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَجَلَّ لِمُوسَى وَإِنَّمَا أَمْرُهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهَا تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ.
وَفِيهَا أَنَّ هَارُونَ هُوَ الَّذِي صَاغَ لَهُمُ الْعِجْلَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ زِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فَهَارُونُ اسْمُ السَّامِرِيِّ الَّذِي صَاغَهُ لَيْسَ هُوَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى.
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: اذْبَحِ ابْنَكَ بِكْرَكَ إِسْحَاقَ، وَهَذَا مِنْ بُهْتِهِمْ وَزِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﷾، وَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ بِكْرَهُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ بِكْرُ أَوْلَادِهِ، وَإِسْحَاقُ إِنَّمَا بُشِّرَ بِهِ عَلَى الْكِبَرِ بَعْدَ قَضِيَّةِ الذَّبْحِ.
وَفِيهَا: وَرَأَى اللَّهُ أَنْ قَدْ كَثُرَ فَسَادُ الْآدَمِيِّينَ فِي الْأَرْضِ، فَنَدِمَ عَلَى خَلْقِهِمْ، وَقَالَ: سَأُذْهِبُ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ خَلَقْتُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْخِشَاشَ وَطُيُورَ السَّمَاءِ لِأَنِّي نَادِمٌ عَلَى خَلْقِهَا جِدًّا. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِ الْمُفْتَرِينَ، وَعَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ عُلُوًّا كَبِيرًا، تَصَارَعَ مَعَ يَعْقُوبَ فَضَرَبَ بِهِ يَعْقُوبُ الْأَرْضَ.
وَفِيهَا: أَنَّ يَهُودَا بْنَ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ زَوَّجَ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ مِنَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا تَامَارُ، فَكَانَ يَأْتِيهَا مُسْتَدْبِرًا فَغَضِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، فَزَوَّجَ يَهُودَا وَلَدَهُ الْآخَرَ بِهَا فَكَانَ إِذَا دَخَلَ بِهَا أَمْنَى عَلَى الْأَرْضِ عِلْمًا بِأَنَّهُ إِنْ أَوْلَدَهَا كَانَ أَوَّلُ الْأَوْلَادِ مَدْعُوًّا بَاسِمِ أَخِيهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى أَخِيهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، وَأَمَرَهَا يَهُودَا بِاللَّحَاقِ بِبَيْتِ أَبِيهَا إِلَى أَنْ يَكْبُرَ شِيلَا وَلَدُهُ وَيَتِمَّ عَقْلُهُ، ثُمَّ مَاتَتْ زَوْجَةُ يَهُودَا وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَجِزَّ غَنَمَهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَتْ تَامَارُ لَبِسَتْ زِيَّ الزَّوَانِي وَجَلَسَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا ظَنَّهَا زَانِيَةً فَرَاوَدَهَا فَطَالَبَتْهُ بِالْأُجْرَةِ فَوَعَدَهَا بِجَدْيٍ، وَرَمَى عِنْدَهَا عَصَاهُ وَخَاتَمَهُ فَدَخَلَ بِهَا فَعَلَقَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ. وَمِنْ هَذَا الْوَلَدِ كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ.
فَقَدْ جَعَلُوهُ وَلَدَ زِنًا، كَمَا جَعَلُوا الْمَسِيحَ وَلَدَ زِنًا، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى التَّوْرَاةِ، وَكَمَا جَعَلُوا وَلَدَيْ لُوطٍ وَلَدَيْ زِنًا، ثُمَّ نَسَبُوا دَاوُدَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَى ذَيْنَكِ الْوَالِدَيْنِ.
وَأَمَّا فِرْيَتُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرَمْيِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَرُسُلِهِ بِالْعَظَائِمِ فَكَثِيرٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ وَقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.
وَقَوْلِهِمُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ آنِفًا: إِنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ بَنِي آدَمَ وَأَدْخَلُوا هَذِهِ الْفِرْيَةَ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَوْلِهِمْ عَنْ لُوطٍ: أَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا وَلَدَيْنِ نَسَبُوا إِلَيْهِمَا جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلِهِمْ فِي بَعْضِ دُعَاءِ صَلَوَاتِهِمْ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ يَا رَبِّ؟ اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ؟.
فَتَجْرُءُوا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ بِهَذِهِ الْمُنَاجَاةِ الْقَبِيحَةِ، كَأَنَّهُمْ يُنَاجُونَهُ بِذَلِكَ لِيَنْتَخِيَ لَهُمْ وَيَحْتَمِيَ، كَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُ قَدِ اخْتَارَ الْخُمُولَ لِنَفْسِهِ وَأَحِبَّائِهِ بِهِ فَيُهَزِّءُونَهُ بِهَذَا الْخِطَابِ لِلنَّبَاهَةِ وَاشْتِهَارِ الصِّيتِ. قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: فَتَرَى أَحَدَهُمْ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي الصَّلَاةِ يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّ كَلَامَهُ يَقَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَوْقِعٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رَبِّهِ وَيُحَرِّكُهُ وَيَهُزُّهُ وَيُنْخِيهِ. فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ الْآيَةَ، وَكَذَّبَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ بِقَوْلِهِ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَقَوْلِهِ خِطَابًا لِمُوسَى لَنْ تَرَانِي وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: إِنَّ مُوسَى صَعِدَ الْجَبَلَ مَعَ مَشَايِخِ أُمَّتِهِ، فَأَبْصَرُوا اللَّهَ جَهْرَةً وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ كُرْسِيٌّ مَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ الْبِلَّوْرِ، وَيُسَمُّونَهُ بِلُغَتِهِمُ (السَّبْقِيرَ)، وَهَذَا مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ.
وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَمَّا رَأَى فَسَادَ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّ شَرَّهُمْ (قَدْ عَظُمَ) نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ فِي الْأَرْضِ وَشَقَّ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى تَمْلِيكِهِ شَاوِلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ.
وَعِنْدَهُمْ فِيهَا أَيْضًا: أَنَّ نُوحًا لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ بَنَى بَيْتًا مَذْبَحًا لِلَّهِ وَقَرَّبَ عَلَيْهِ قَرَابِينَ، وَاسْتَنْشَقَ اللَّهُ رَائِحَةَ الْقُتَارِ، فَقَالَ فِي ذَاتِهِ: (لَنْ أُعَاوِدَ لَعْنَةَ الْأَرْضِ بِسَبَبِ النَّاسِ لِأَنَّ خَاطِرَ الْبَشَرِ مَطْبُوعٌ عَلَى الرَّدَاءَةِ، وَلَنْ أُهْلِكَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ كَمَا صَنَعْتُ) .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِمَّنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ: لَسْنَا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْكُفْرِيَّاتِ كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى، وَلَا نَقُولُ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ قَصَدُوا تَغْيِيرَهَا وَإِفْسَادَهَا، بَلِ الْحَقُّ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ، قَالَ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَقِيقَةَ سَبَبِ تَبْدِيلِ التَّوْرَاةِ. فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْقَوْمِ وَأَحْبَارَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا يَعْتَقِدُ أَحَدٌ مِنْ
عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ أَنَّهَا عَيْنُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ مُوسَى صَانَ التَّوْرَاةَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَبُثَّهَا فِيهِمْ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ فِي تَأْوِيلِ التَّوْرَاةِ الْمُؤَدِّي إِلَى انْقِسَامِهِمْ أَحْزَابًا، وَإِنَّمَا سَلَّمَهَا إِلَى عَشِيرَتِهِ أَوْلَادِ لَاوِي، قَالَ: وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ التَّوْرَاةِ مَا هَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: وَكَتَبَ مُوسَى هَذِهِ التَّوْرَاةَ وَدَفَعَهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ بَنِي لَاوِي.
وَكَانَ بَنُو هَارُونَ قُضَاةَ الْيَهُودِ وَحُكَّامَهُمْ، لِأَنَّ الْإِمَامَةَ وَخِدْمَةَ الْقَرَابِينِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدِّسِ كَانْتَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَبْذُلْ مُوسَى التَّوْرَاةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا نِصْفَ سُورَةٍ، وَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ: وَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ شَاهِدَةً لِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُنْسَى هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَفْوَاهِ أَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ التَّوْرَاةِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَوْلَادِ هَارُونَ وَجَعَلَهَا فِيهِمْ وَصَانَهَا عَمَّنْ سِوَاهُمْ، فَالْأَئِمَّةُ الْهَارُونِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ التَّوْرَاةَ وَيَحْفَظُونَ أَكْثَرَهَا، فَقَتَلَهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ يَوْمَ اسْتَوْلَى عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنَّ التَّوْرَاةَ مَحْفُوظَةٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الْهَارُونِيِّينَ يَحْفَظُ فَصْلًا مِنَ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا رَأَى عِزْرَا أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أُحْرِقَ هَيْكَلُهُمْ وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَرُفِعَ كِتَابُهُمْ، جَمَعَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ وَمِنَ الْفُصُولِ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْكَهَنَةُ مَا لَفَّقَ مِنْهُ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِ عِزْرَا غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالُوا فِيهِ مَا حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ النُّورَ إِلَى الْآنَ يَظْهَرُ عَلَى قَبْرِهِ عِنْدَ بَطَائِحِ الْعِرَاقِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُمْ كِتَابًا يَحْفَظُ دِينَهُمْ.
فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ كِتَابُ عِزْرَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَوْ أَكْثَرِهَا مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَمَعَ هَذِهِ الْفُصُولَ الَّتِي
أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِدْقِهِ.
الثَّانِي: دَعَوْتُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ دَوَاعِي تَكْذِيبِهِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الطُّرُقُ يَسْلُكُهَا مَنْ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحَرِّفُوا أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَمْ يُبَدِّلُوهَا، فَيَسْلُكُهَا بَعْضُ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَزْعُمُ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابَيْنِ، مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْغَرَضِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى تَبْدِيلِ الْبِشَارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَثِيرٍ، وَإِنَّ الْبِشَارَاتِ لِكَثْرَتِهَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِخْفَاءُهَا كُلِّهَا وَتَبْدِيلَهَا، فَفَضَحَهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْ كِتْمَانِهِ أَوْ تَبْدِيلِهِ. وَكَيْفَ تُنْكِرُ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَمَوْهُمْ بِالْعَظَائِمِ أَنْ يُنْكِرُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِفَتَهُ وَقَدْ جَحَدُوا بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَرَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، وَنَعْتُهُ
وَالْبِشَارَةُ بِهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ؟ وَمَعَ هَذَا أَطْبَقُوا عَلَى جَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَإِنْكَارِ بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَغَنِيمَةِ الْأَمْوَالِ، وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَإِجْلَائِهِمْ مِنْهَا، فَكَيْفَ لَا تَتَوَاصَى هَذِهِ الْأُمَّةُ بِكِتْمَانِ بَعْثِهِ وَصِفَتِهِ، وَتُبَدِّلُهُ مِنْ كُتُبِهُمْ؟ وَقَدْ نَعَى اللَّهُ ﷾ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَعَنَهُمْ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ طُولَ مَمْلَكَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْكَاهِنِ الْأَكْبَرِ الْهَارُونِيِّ وَحْدَهُ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّبْعِينَ كَاهِنًا اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّفَاقٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى تَبْدِيلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ فِي عَهْدِ الْقَيَاصِرَةِ الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ، حَيْثُ زَالَ الْمُلْكُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَلِكٌ يَخَافُونَهُ وَيَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلَى وَهُوَ بُخْتَ نَصَّرُ حِينَ أَلْزَمَهُمْ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ لِطَائِفَةٍ مِنْ جَمَاعَتِهِ حِينَ أَسْكَنَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الرِّوَايَتَيْنِ فَمَنْ رَضِيَ بِتَبْدِيلِ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَحْرِيفُ غَيْرِهِ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّامِرَةَ حَرَّفُوا مَوَاضِعَ فِي التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوهَا تَبْدِيلًا ظَاهِرًا وَزَادُوا وَنَقَصُوا، وَالسَّامِرَةُ تَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى مِنْهُ أَرْبَعُ كُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَنْ تَأْلَيِفِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ: يُوحَنَّا وَمَتَّى، وَمُرْقُسَ، وَلُوقَا، فَكَيْفَ يُنْكَرُ تَطَرُّقُ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إِلَيْهَا؟ وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ تَبْدِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِزَالَتِهِ، وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى كِتْمَانِهِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ.
وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَمَا لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ
مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ ذُو بَصِيرَةٍ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بَرِيئَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَفِيهَا ... عَنْ لُوطٍ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَكَنَ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ، وَمَعَهُ ابْنَتَاهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى: قَدْ شَاخَ أَبُونَا فَارْقُدِي بِنَا مَعَهُ لِنَأْخُذَ مِنْهُ نَسْلًا، فَرَقَدَتْ مَعَهُ الْكُبْرَى ثُمَّ الصُّغْرَى، ثُمَّ فَعَلَتَا ذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَحَمَلَتَا مِنْهُ بِوَلَدَيْنِ مُوآبَ وَعَمُونَ.
فَهَلْ يُحْسَنُ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ رَسُولٌ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ يُوقِعُهُ اللَّهُ ﷾ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْعَظِيمَةِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، ثُمَّ يُذِيعُهَا عَنْهُ وَيَحْكِيهَا لِلْأُمَمِ؟
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِمُوسَى فِي طُورِ سَيْنَاءَ، وَقَالَ لَهُ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي حِجْرِكَ وَأَخْرِجْهَا مَبْرُوصَةً كَالثَّلْجِ. وَهَذَا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَجَلَّ لِمُوسَى وَإِنَّمَا أَمْرُهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهَا تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ.
وَفِيهَا أَنَّ هَارُونَ هُوَ الَّذِي صَاغَ لَهُمُ الْعِجْلَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ زِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فَهَارُونُ اسْمُ السَّامِرِيِّ الَّذِي صَاغَهُ لَيْسَ هُوَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى.
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: اذْبَحِ ابْنَكَ بِكْرَكَ إِسْحَاقَ، وَهَذَا مِنْ بُهْتِهِمْ وَزِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﷾، وَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ بِكْرَهُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ بِكْرُ أَوْلَادِهِ، وَإِسْحَاقُ إِنَّمَا بُشِّرَ بِهِ عَلَى الْكِبَرِ بَعْدَ قَضِيَّةِ الذَّبْحِ.
وَفِيهَا: وَرَأَى اللَّهُ أَنْ قَدْ كَثُرَ فَسَادُ الْآدَمِيِّينَ فِي الْأَرْضِ، فَنَدِمَ عَلَى خَلْقِهِمْ، وَقَالَ: سَأُذْهِبُ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ خَلَقْتُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْخِشَاشَ وَطُيُورَ السَّمَاءِ لِأَنِّي نَادِمٌ عَلَى خَلْقِهَا جِدًّا. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِ الْمُفْتَرِينَ، وَعَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ عُلُوًّا كَبِيرًا، تَصَارَعَ مَعَ يَعْقُوبَ فَضَرَبَ بِهِ يَعْقُوبُ الْأَرْضَ.
وَفِيهَا: أَنَّ يَهُودَا بْنَ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ زَوَّجَ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ مِنَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا تَامَارُ، فَكَانَ يَأْتِيهَا مُسْتَدْبِرًا فَغَضِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، فَزَوَّجَ يَهُودَا وَلَدَهُ الْآخَرَ بِهَا فَكَانَ إِذَا دَخَلَ بِهَا أَمْنَى عَلَى الْأَرْضِ عِلْمًا بِأَنَّهُ إِنْ أَوْلَدَهَا كَانَ أَوَّلُ الْأَوْلَادِ مَدْعُوًّا بَاسِمِ أَخِيهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى أَخِيهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، وَأَمَرَهَا يَهُودَا بِاللَّحَاقِ بِبَيْتِ أَبِيهَا إِلَى أَنْ يَكْبُرَ شِيلَا وَلَدُهُ وَيَتِمَّ عَقْلُهُ، ثُمَّ مَاتَتْ زَوْجَةُ يَهُودَا وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَجِزَّ غَنَمَهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَتْ تَامَارُ لَبِسَتْ زِيَّ الزَّوَانِي وَجَلَسَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا ظَنَّهَا زَانِيَةً فَرَاوَدَهَا فَطَالَبَتْهُ بِالْأُجْرَةِ فَوَعَدَهَا بِجَدْيٍ، وَرَمَى عِنْدَهَا عَصَاهُ وَخَاتَمَهُ فَدَخَلَ بِهَا فَعَلَقَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ. وَمِنْ هَذَا الْوَلَدِ كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ.
فَقَدْ جَعَلُوهُ وَلَدَ زِنًا، كَمَا جَعَلُوا الْمَسِيحَ وَلَدَ زِنًا، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى التَّوْرَاةِ، وَكَمَا جَعَلُوا وَلَدَيْ لُوطٍ وَلَدَيْ زِنًا، ثُمَّ نَسَبُوا دَاوُدَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَى ذَيْنَكِ الْوَالِدَيْنِ.
وَأَمَّا فِرْيَتُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرَمْيِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَرُسُلِهِ بِالْعَظَائِمِ فَكَثِيرٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ وَقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.
وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.
وَقَوْلِهِمُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ آنِفًا: إِنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ بَنِي آدَمَ وَأَدْخَلُوا هَذِهِ الْفِرْيَةَ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَوْلِهِمْ عَنْ لُوطٍ: أَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا وَلَدَيْنِ نَسَبُوا إِلَيْهِمَا جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلِهِمْ فِي بَعْضِ دُعَاءِ صَلَوَاتِهِمْ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ يَا رَبِّ؟ اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ؟.
فَتَجْرُءُوا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ بِهَذِهِ الْمُنَاجَاةِ الْقَبِيحَةِ، كَأَنَّهُمْ يُنَاجُونَهُ بِذَلِكَ لِيَنْتَخِيَ لَهُمْ وَيَحْتَمِيَ، كَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُ قَدِ اخْتَارَ الْخُمُولَ لِنَفْسِهِ وَأَحِبَّائِهِ بِهِ فَيُهَزِّءُونَهُ بِهَذَا الْخِطَابِ لِلنَّبَاهَةِ وَاشْتِهَارِ الصِّيتِ. قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: فَتَرَى أَحَدَهُمْ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي الصَّلَاةِ يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّ كَلَامَهُ يَقَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَوْقِعٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رَبِّهِ وَيُحَرِّكُهُ وَيَهُزُّهُ وَيُنْخِيهِ. فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ الْآيَةَ، وَكَذَّبَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ بِقَوْلِهِ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَقَوْلِهِ خِطَابًا لِمُوسَى لَنْ تَرَانِي وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: إِنَّ مُوسَى صَعِدَ الْجَبَلَ مَعَ مَشَايِخِ أُمَّتِهِ، فَأَبْصَرُوا اللَّهَ جَهْرَةً وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ كُرْسِيٌّ مَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ الْبِلَّوْرِ، وَيُسَمُّونَهُ بِلُغَتِهِمُ (السَّبْقِيرَ)، وَهَذَا مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ.
وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَمَّا رَأَى فَسَادَ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّ شَرَّهُمْ (قَدْ عَظُمَ) نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ فِي الْأَرْضِ وَشَقَّ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى تَمْلِيكِهِ شَاوِلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ.
وَعِنْدَهُمْ فِيهَا أَيْضًا: أَنَّ نُوحًا لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ بَنَى بَيْتًا مَذْبَحًا لِلَّهِ وَقَرَّبَ عَلَيْهِ قَرَابِينَ، وَاسْتَنْشَقَ اللَّهُ رَائِحَةَ الْقُتَارِ، فَقَالَ فِي ذَاتِهِ: (لَنْ أُعَاوِدَ لَعْنَةَ الْأَرْضِ بِسَبَبِ النَّاسِ لِأَنَّ خَاطِرَ الْبَشَرِ مَطْبُوعٌ عَلَى الرَّدَاءَةِ، وَلَنْ أُهْلِكَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ كَمَا صَنَعْتُ) .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِمَّنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ: لَسْنَا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْكُفْرِيَّاتِ كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى، وَلَا نَقُولُ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ قَصَدُوا تَغْيِيرَهَا وَإِفْسَادَهَا، بَلِ الْحَقُّ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ، قَالَ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَقِيقَةَ سَبَبِ تَبْدِيلِ التَّوْرَاةِ. فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْقَوْمِ وَأَحْبَارَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا يَعْتَقِدُ أَحَدٌ مِنْ
عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ أَنَّهَا عَيْنُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ مُوسَى صَانَ التَّوْرَاةَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَبُثَّهَا فِيهِمْ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ فِي تَأْوِيلِ التَّوْرَاةِ الْمُؤَدِّي إِلَى انْقِسَامِهِمْ أَحْزَابًا، وَإِنَّمَا سَلَّمَهَا إِلَى عَشِيرَتِهِ أَوْلَادِ لَاوِي، قَالَ: وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ التَّوْرَاةِ مَا هَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: وَكَتَبَ مُوسَى هَذِهِ التَّوْرَاةَ وَدَفَعَهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ بَنِي لَاوِي.
وَكَانَ بَنُو هَارُونَ قُضَاةَ الْيَهُودِ وَحُكَّامَهُمْ، لِأَنَّ الْإِمَامَةَ وَخِدْمَةَ الْقَرَابِينِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدِّسِ كَانْتَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَبْذُلْ مُوسَى التَّوْرَاةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا نِصْفَ سُورَةٍ، وَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ: وَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ شَاهِدَةً لِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُنْسَى هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَفْوَاهِ أَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ التَّوْرَاةِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَوْلَادِ هَارُونَ وَجَعَلَهَا فِيهِمْ وَصَانَهَا عَمَّنْ سِوَاهُمْ، فَالْأَئِمَّةُ الْهَارُونِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ التَّوْرَاةَ وَيَحْفَظُونَ أَكْثَرَهَا، فَقَتَلَهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ يَوْمَ اسْتَوْلَى عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنَّ التَّوْرَاةَ مَحْفُوظَةٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الْهَارُونِيِّينَ يَحْفَظُ فَصْلًا مِنَ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا رَأَى عِزْرَا أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أُحْرِقَ هَيْكَلُهُمْ وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَرُفِعَ كِتَابُهُمْ، جَمَعَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ وَمِنَ الْفُصُولِ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْكَهَنَةُ مَا لَفَّقَ مِنْهُ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِ عِزْرَا غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالُوا فِيهِ مَا حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ النُّورَ إِلَى الْآنَ يَظْهَرُ عَلَى قَبْرِهِ عِنْدَ بَطَائِحِ الْعِرَاقِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُمْ كِتَابًا يَحْفَظُ دِينَهُمْ.
فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ كِتَابُ عِزْرَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَوْ أَكْثَرِهَا مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَمَعَ هَذِهِ الْفُصُولَ الَّتِي
Translation
(فصل): وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل
#32
Chapter 32 — (فصل): وجحدكم نبوة محمد من الكتب التي بأيديكم نظير جحدكم نبوة المسيح
· ref. #32
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
بِأَيْدِيهِمْ رَجُلٌ جَاهِلٌ بِصِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ نَسَبَ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى مَا يَتَقَدَّسُ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا الرَّجُلُ يُعْرَفُ عِنْدَ الْيَهُودِ بِعَازَرَ الْوَرَّاقِ. وَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. وَيَقُولُ إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَيَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي ذَلِكَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا وَاسْمُهُ عُزَيْرٌ فَقَدْ وَافَقَ (صَاحِبَ التَّوْرَاةِ) فِي الِاسْمِ (لَا فِي النُّبُوَّةِ) .
وَبِالْجُمْلَةِ فَنَحْنُ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى ﵊ مِنْ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ وَالتُّرَّهَاتِ، كَمَا يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ صَلَاةِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مَا تَرْجَمَتُهُ: يَا أَبَانَا أَتَمْلِكُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ لِيَقُولَ كُلُّ ذِي نَسَمَةٍ: اللَّهُ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ قَدْ مَلَكَ وَمَمْلَكَتُهُ مُتَسَلِّطَةٌ.
وَيَقُولُونَ فِيهَا أَيْضًا: (وَسَيَكُونُ لِلَّهِ الْمُلْكُ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ اللَّهُ وَاحِدًا وَاسْمُهُ وَاحِدًا)، وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْمُلْكِ لَهُ وَكَوْنُهُ وَاحِدًا إِلَّا إِذَا صَارَتِ الدَّوْلَةُ لَهُمْ، فَأَمَّا مَا دَامَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى خَامِلُ الذِّكْرِ عِنْدَ الْأُمَمِ، مَشْكُوكٌ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، مَطْعُونٌ فِي مُلْكِهِ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مُوسَى وَرَبَّ مُوسَى بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَرَاءَتَهُ مِنْ تِلْكَ التُّرَّهَاتِ.
(فَصْلٌ): وَجَحْدُكُمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ نَظِيرُ جَحْدِكُمْ نُبُوَّةَ الْمَسِيحِ
وَقَدْ صَرَّحَتْ بِاسْمِهِ، فَفِي نَصِّ التَّوْرَاةِ لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنْ آلِ يَهُودَا، وَالرَّسْمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمَسِيحُ، وَكَانُوا أَصْحَابَ دَوْلَةٍ حَتَّى ظَهَرَ الْمَسِيحُ فَكَذَّبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْعَظَائِمِ وَبَهَتُوهُ وَبَهَتُوا (أُمَّهُ)، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَزَالَ مُلْكَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَأَيُّ نُبُوَّةٍ أَشْرَقَتْ مِنْ سَاعِيرَ غَيْرُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ؟ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ قَائِمًا يَقُومُ فِيهِمْ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ النَّبِيِّ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْيَهُودُ، وَهَذَا الْمُنْتَظَرُ بِزَعْمِهِمْ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ.
قَالُوا: وَمِنْ عَلَامَةِ مَجِيئِهِ أَنَّ الذِّئْبَ وَالتَّيْسَ يَرْبِضَانِ مَعًا، وَأَنَّ الْبَقَرَةَ وَالذِّئْبَ يَرْعَيَانِ جَمِيعًا، وَأَنَّ الْأَسَدَ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ مَبْعَثِهِ. وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَتَى يَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ (كَالْبَقَرَةِ)، حَتَّى تَصِحَّ لَهُمْ عَلَامَاتُ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا الْمُنْتَظَرَ مَتَى جَاءَهُمْ يَجْمَعُهُمْ بِأَسْرِهِمْ إِلَى الْقُدْسِ، وَتَصِيرُ لَهُمُ الدَّوْلَةُ، وَيَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُحْجِمُ الْمَوْتُ عَنْ جَنَابِهِمُ الْمَنِيعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ عُوِّضُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ انْتِظَارَ مَسِيحِ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ حَقًّا، وَهُمْ عَسَاكِرُهُ وَأَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ شَوْكَةٌ وَدَوْلَةٌ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ مَسِيحُ الْهُدَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلَ مُنْتَظَرَهُمْ، وَيَضَعُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِمُ السُّيُوفَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ وَرَاءَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولَانِ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَى فَاقْتُلْهُ. فَإِذَا نَظَّفَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ وَمِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ فَحِينَئِذٍ يَرْعَى الذِّئْبُ وَالْكَبْشُ مَعًا،
وَيَرْبِضَانِ مَعًا، وَتَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالذِّئْبُ مَعًا، وَيَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ، وَيُلْقَى الْأَمْنُ فِي الْأَرْضِ.
وَهَكَذَا أَخْبَرَ بِهِ أَشْعِيَا فِي نُبُوَّتِهِ وَطَابَقَ خَبَرُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَقَتْلِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ لَهُ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فِي أَثَرِهِ، وَمَحْقِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِرْسَالِ الْبَرَكَةِ وَالْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ، وَحَتَّى أَنَّ الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَضُرُّ النَّاسَ. فَصَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَبَيَانِهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ حَقٌّ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ ﷾ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْحَقِّ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ لِأُمَّتِهِ، وَفَصَّلَ عَلَى لِسَانِهِ مَا أَجْمَلَهُ لَهُمْ، وَشَرَحَ مَا رَمَزُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَتَمَّتْ بِهِ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَمَسِيحُ الْيَهُودِ هُوَ الدَّجَّالُ، وَمَسِيحُ النَّصَارَى لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ وَخَالِقٌ وَمُمِيتٌ وَمُحْيِي وَمُمِيتٌ، فَمَسِيحُهُمُ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ الْمَصْلُوبُ الْمُسَمَّرُ الْمُكَلَّلُ بِالشَّوْكِ بَيْنَ اللُّصُوصِ، الْمَصْفُوعُ الَّذِي هُوَ مَصْفَعَةُ الْيَهُودِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
وَمَسِيحُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَيُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ، وَيَقْتُلُ أَعْدَاءَهُ عُبَّادَ الصَّلِيبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَعْدَاؤُهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأُمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ الْمُسْلِمُونَ. وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ
بِدِمَشْقَ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ، يَرَاهُ النَّاسُ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ، فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُنْفِذُ مَا أَضَاعَهُ الظَّلَمَةُ وَالْفَجَرَةُ وَالْخَوَنَةُ مِنْ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُحْيِي مَا أَمَاتُوهُ، وَتَعُودُ الْمِلَلُ كُلُّهَا فِي زَمَانِهِ مِلَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّتُهُ وَمِلَّةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَمِلَّةُ أَبِيهِمَا إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَهُ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَقَدْ حَمَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلَامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ إِيَّاهُ مِنْهُ، فَأَخْبَرَ عَنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِأَيِّ بَلَدٍ وَبِأَيِّ مَكَانٍ مِنْهُ، وَبِحَالِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَبِلُبْسِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُمَصَّرَتَانِ أَيْ ثَوْبَانِ وَأَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُ عِنْدَ نُزُولِهِ مُفَصَّلًا حَتَّى كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُشَاهِدُونَهُ عِيَانًا قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا، فَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً لِخَبَرِهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
فَهَذَا مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ، لَا مُنْتَظَرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَلَا مُنْتَظَرَ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الرَّوَافِضِ الْمَارِقِينَ، وَسَوْفَ يَعْلَمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ إِذَا جَاءَ مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَلَا هُوَ وَلَدُ (زِنْيَةٍ)، وَلَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا مَاهِرًا فِي صِنَاعَتِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعُقُولِ بِصِنَاعَتِهِ، وَلَا كَانَ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا، وَلَا مُكِّنُوا مِنْ صَلْبِهِ وَتَسْمِيرِهِ وَصَفْعِهِ وَقَتْلِهِ، بَلْ كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَعْلَمُ الضَّالُّونَ أَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ، وَأَنَّهُ (مُبَشِّرٌ) بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوَّلًا، وَحَكَمَ بِشَرِيعَتِهِ
وَدِينِهِ آخِرًا، وَأَنَّهُ عَدُوُّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَوَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ أَوْلِيَاءَهُ الْأَرْجَاسُ وَالْأَنْجَاسُ عَبَدَةُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّذِينَ نَزَّهُوهُ وَأُمَّهُ عَمَّا رَمَاهُمَا بِهِ أَعْدَاؤُهُمَا الْيَهُودُ، وَنَزَّهُوا رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمَالِكَهُ وَسَيِّدَهُ عَمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالسَّبِّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ.
فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَابِ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ غَيَّرُوا أَلْفَاظَ الْكُتُبِ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، كَمَا أَجَبْنَا عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا غَيَّرُوا بِبَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَأَوَّلُوهَا غَيْرَ تَأْوِيلِهَا، قَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ لَا نَدَّعِي وَلَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَلْفَاظَ كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ غُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، بَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَغُيِّرَتْ بَعْضُ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ غُيِّرَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، بَلْ غُيِّرَ الْبَعْضُ، وَظَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بَعْضُ النُّسَخِ الْمُبَدَّلَةِ الْمُغَيَّرَةِ دُونَ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ، وَالنُّسَخُ الَّتِي تُبَدَّلُ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَالْجَزْمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ بِسَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَمَنِ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمًا أَوْ عَقْلًا؟ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ عِزْرَا الْوَرَّاقِ فِي التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَلَا أَنَّ تِلْكَ الْفُصُولَ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ بَعْدَ إِحْرَاقِهَا هِيَ عَيْنُ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ، وَتَرَكْنَا كَثِيرًا لَمْ نَذْكُرْهُ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنَاجِيلَ، أُخِذَتْ عَنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ أَصْلًا، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ وَاجْتَمَعَا بِهِ وَهُمَا مَتَّى وَيُوحَنَّا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ
وَيُخَالِفُ إِنْجِيلُهُ لِإِنْجِيلِ أَصْحَابِهِ فِي أَشْيَاءَ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ وَنَقِيضِهِ. كَمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: (إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ) . وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بِوُثُوبِ الْيَهُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (قَدْ جَزِعَتْ نَفْسِي الْآنَ فَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا أَبَتَاهُ سَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ) .
وَأَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا وَقَالَ: (يَا إِلَهِي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي)، فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي (أَسْلَمَ) نَفْسَهُ إِلَى الْيَهُودِ، لِيَصْلُبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ، حَتَّى فَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَجَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَهَنَّمَ بِالْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا عَلَى إِبْلِيسَ، وَكَيْفَ يَجْزَعُ إِلَهُ الْعَالَمِ بِذَلِكَ؟. وَكَيْفَ يَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُ وَيَقُولُ: (يَا إِلَهِي، لِمَ أَسْلَمْتَنِي) وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ نَفْسَهُ؟! وَكَيْفَ لَمْ يُخَلِّصْهُ أَبُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِهِ، وَإِنْزَالِهِ صَاعِقَةً عَلَى الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ أَمْ كَانَ رَبًّا عَاجِزًا مَقْهُورًا مَعَ الْيَهُودِ؟!
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ بُرْهَانًا أَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَقَالَ: تَهْدِمُونَ هَذَا الْبَيْتَ
- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - وَأَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَيْتٌ مَبْنِيٌّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً تَبْنِيهِ أَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا ظَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَحُمِلَ إِلَى بَلَاطِ عَامِلِ قَيْصَرَ وَاسْتُدْعِيَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالَا: (سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (فَكَيْفَ) يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ مُعْجِزَتُهُ وَيَدَّعِي أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِهَا شَاهِدَا زُورٍ؟.
وَفِيهِ أَيْضًا لِلُوقَا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ: اذْهَبَا إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي يُقَابِلُكُمَا، فَإِذَا دَخَلْتُمَاهُ فَسَتَجِدَانِ (فَلُوًّا) مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أَحَدٌ فُحُلَّاهُ وَأَقْبِلَا بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ حِمَارَةً مُتْعَبَةً.
وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحْسَبُوا أَنِّي قَدِمْتُ لِأُصْلِحَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمْ آتِ لِصَلَاحِهِمْ، لَكِنْ لِأُلْقِيَ الْمُحَارَبَةَ بَيْنَهُمْ، إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَالْبِنْتِ وَأُمِّهَا، حَتَّى يَصِيرَ أَعْدَاءُ الْمَرْءِ أَهْلَ بَيْتِهِ» . ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا: «إِنَّمَا قَدِمْتُ لِتَحْيَوْا وَتَزْدَادُوا خَيْرًا، وَأُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ» .
وَأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَطَمَ خَدَّكَ الْأَيْمَنَ فَانْصِبْ لَهُ الْأُخْرَى» .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:
طُوبَى لَكَ يَا شَمْعُونُ (رَأْسَ الْجَمَاعَةِ)، وَأَنَا أَقُولُ إِنَّكَ الْحَجَرُ، وَعَلَى هَذَا الْحَجَرِ تَبْنِي بِيعَتِي، وَكُلُّ مَا أَحْلَلْتَهُ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ مُحَلَّلًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا عَقَدْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَعْقُودًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَسْطُرٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ وَلَا تُعَارِضْ، فَإِنَّكَ جَاهِلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْطَانٌ جَاهِلٌ مُطَاعٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وَفِي الْإِنْجِيلِ نَصٌّ أَنَّهُ، «لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ مِثْلَ يَحْيَى»
هَذَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى مَنْ يَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ (مَنْ أَنْتَ) أَهُوَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَتُرَاكَ إِلْيَاسُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادٍ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُنْكِرَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْبِرًا بِالْكَذِبِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نِسْبَةَ الْمَسِيحِ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ أَبًا، ثُمَّ نَسَبَهُ لُوقَا أَيْضًا فِي إِنْجِيلِهِ إِلَى يُوسُفَ، وَعَدَّ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ أَبًا. فَبَيْنَا هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ إِذْ صَيَّرُوهُ ابْنَ الْإِلَهِ ثُمَّ جَعَلُوهُ ابْنَ يُوسُفَ النَّجَّارِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِنْجِيلِ يَشْهَدُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلِ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ إِذَا اعْتَبَرْتَ نُسَخَهُ، وَنُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ
وَالنَّصَارَى رَأَيْتَهَا مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا يَقْطَعُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَحْفَظُونَهَا فِي صُدُورِهِمْ كَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَقِيَّتُهُمْ لَا يَحْفَظُونَهَا، فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ، أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ تَوَاطَئُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ الْبِشَارَةِ وَتَحْرِيفِهَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا سَاحِرًا مُمَخْرِقًا ابْنَ زِنْيَةٍ، وَتَوَاصَوْا بِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا، وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَشَاعَ مَا تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا بِهِ كُتُبَهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ لُوطًا نَكَحَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا أَوْلَادًا، وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ، وَعَضَّ أَنَامِلَهُ، وَصَارَعَ يَعْقُوبَ فَصَرَعَهُ يَعْقُوبُ، وَأَنَّهُ رَاقِدٌ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ رَقْدَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى فُصُولٍ لَفَّقُوهَا بَعْدَ زَوَالِ مَمْلَكَتِهِمْ، يُصَلُّونَ بِهَا لَمْ تُعْرَفْ عَنْ مُوسَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ: اللَّهُمَّ اضْرِبْ بِبُوقٍ عَظِيمٍ لِعِتْقِنَا، وَاقْبِضْنَا جَمِيعًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى قُدْسِكَ، سُبْحَانَكَ، يَا جَامِعَ تَشْتِيتِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُمْ فِيهَا: (ارْدُدْ حُكْمَنَا) كَالْأَوَّلِينَ وَمَسِيرَتَنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَابْنِ أُورْشَلِيمَ قَرْيَةَ قُدْسِكَ فِي أَيَّامِنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِبِنَائِهَا، سُبْحَانَكَ، يَا بَانِيَ أُورْشَلِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى وَقَوْمُهُ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ أَوَّلِ الْعَامِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ
عَلَى شَرْعِ صَوْمِ إِحْرَاقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَوْمِ حِصَارٍ، وَصَوْمِ كَدَلْيَا، وَفَرْضِهِمْ ذَلِكَ صَوْمًا، وَصَوْمِ صَلْبِ هَامَانَ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ زَادُوهَا لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا، وَتَوَاطَئُوا بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَزِيدُوا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ شَيْئًا، وَلَا تُنْقِصُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَتَوَاطَئُوا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ، كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَعْطِيلِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ نَصًّا. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُمُ التَّوْرَاةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ حَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَدِمَ وَبَكَى عَنِ الطُّوفَانِ، وَعَادَ فِي رَأْيِهِ وَنَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ مُضَارَعَةٌ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ نَزَّهُوا رُهْبَانَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَسَبُوهُمَا إِلَى الْفَرْدِ الصَّمَدِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْمُلْكِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، وَتَرْجِعُ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ وَيَصِيرُونَ قَاهِرِينَ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَنَحْنُ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى ﵊ مِنْ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ وَالتُّرَّهَاتِ، كَمَا يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ صَلَاةِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مَا تَرْجَمَتُهُ: يَا أَبَانَا أَتَمْلِكُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ لِيَقُولَ كُلُّ ذِي نَسَمَةٍ: اللَّهُ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ قَدْ مَلَكَ وَمَمْلَكَتُهُ مُتَسَلِّطَةٌ.
وَيَقُولُونَ فِيهَا أَيْضًا: (وَسَيَكُونُ لِلَّهِ الْمُلْكُ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ اللَّهُ وَاحِدًا وَاسْمُهُ وَاحِدًا)، وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْمُلْكِ لَهُ وَكَوْنُهُ وَاحِدًا إِلَّا إِذَا صَارَتِ الدَّوْلَةُ لَهُمْ، فَأَمَّا مَا دَامَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى خَامِلُ الذِّكْرِ عِنْدَ الْأُمَمِ، مَشْكُوكٌ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، مَطْعُونٌ فِي مُلْكِهِ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مُوسَى وَرَبَّ مُوسَى بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَرَاءَتَهُ مِنْ تِلْكَ التُّرَّهَاتِ.
(فَصْلٌ): وَجَحْدُكُمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ نَظِيرُ جَحْدِكُمْ نُبُوَّةَ الْمَسِيحِ
وَقَدْ صَرَّحَتْ بِاسْمِهِ، فَفِي نَصِّ التَّوْرَاةِ لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنْ آلِ يَهُودَا، وَالرَّسْمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمَسِيحُ، وَكَانُوا أَصْحَابَ دَوْلَةٍ حَتَّى ظَهَرَ الْمَسِيحُ فَكَذَّبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْعَظَائِمِ وَبَهَتُوهُ وَبَهَتُوا (أُمَّهُ)، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَزَالَ مُلْكَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَأَيُّ نُبُوَّةٍ أَشْرَقَتْ مِنْ سَاعِيرَ غَيْرُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ؟ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ قَائِمًا يَقُومُ فِيهِمْ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ النَّبِيِّ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْيَهُودُ، وَهَذَا الْمُنْتَظَرُ بِزَعْمِهِمْ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ.
قَالُوا: وَمِنْ عَلَامَةِ مَجِيئِهِ أَنَّ الذِّئْبَ وَالتَّيْسَ يَرْبِضَانِ مَعًا، وَأَنَّ الْبَقَرَةَ وَالذِّئْبَ يَرْعَيَانِ جَمِيعًا، وَأَنَّ الْأَسَدَ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ مَبْعَثِهِ. وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَتَى يَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ (كَالْبَقَرَةِ)، حَتَّى تَصِحَّ لَهُمْ عَلَامَاتُ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا الْمُنْتَظَرَ مَتَى جَاءَهُمْ يَجْمَعُهُمْ بِأَسْرِهِمْ إِلَى الْقُدْسِ، وَتَصِيرُ لَهُمُ الدَّوْلَةُ، وَيَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُحْجِمُ الْمَوْتُ عَنْ جَنَابِهِمُ الْمَنِيعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ عُوِّضُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ انْتِظَارَ مَسِيحِ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ حَقًّا، وَهُمْ عَسَاكِرُهُ وَأَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ شَوْكَةٌ وَدَوْلَةٌ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ مَسِيحُ الْهُدَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلَ مُنْتَظَرَهُمْ، وَيَضَعُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِمُ السُّيُوفَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ وَرَاءَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولَانِ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَى فَاقْتُلْهُ. فَإِذَا نَظَّفَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ وَمِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ فَحِينَئِذٍ يَرْعَى الذِّئْبُ وَالْكَبْشُ مَعًا،
وَيَرْبِضَانِ مَعًا، وَتَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالذِّئْبُ مَعًا، وَيَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ، وَيُلْقَى الْأَمْنُ فِي الْأَرْضِ.
وَهَكَذَا أَخْبَرَ بِهِ أَشْعِيَا فِي نُبُوَّتِهِ وَطَابَقَ خَبَرُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَقَتْلِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ لَهُ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فِي أَثَرِهِ، وَمَحْقِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِرْسَالِ الْبَرَكَةِ وَالْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ، وَحَتَّى أَنَّ الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَضُرُّ النَّاسَ. فَصَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَبَيَانِهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ حَقٌّ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ ﷾ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْحَقِّ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ لِأُمَّتِهِ، وَفَصَّلَ عَلَى لِسَانِهِ مَا أَجْمَلَهُ لَهُمْ، وَشَرَحَ مَا رَمَزُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَتَمَّتْ بِهِ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَمَسِيحُ الْيَهُودِ هُوَ الدَّجَّالُ، وَمَسِيحُ النَّصَارَى لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ وَخَالِقٌ وَمُمِيتٌ وَمُحْيِي وَمُمِيتٌ، فَمَسِيحُهُمُ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ الْمَصْلُوبُ الْمُسَمَّرُ الْمُكَلَّلُ بِالشَّوْكِ بَيْنَ اللُّصُوصِ، الْمَصْفُوعُ الَّذِي هُوَ مَصْفَعَةُ الْيَهُودِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
وَمَسِيحُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَيُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ، وَيَقْتُلُ أَعْدَاءَهُ عُبَّادَ الصَّلِيبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَعْدَاؤُهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأُمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ الْمُسْلِمُونَ. وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ
بِدِمَشْقَ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ، يَرَاهُ النَّاسُ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ، فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُنْفِذُ مَا أَضَاعَهُ الظَّلَمَةُ وَالْفَجَرَةُ وَالْخَوَنَةُ مِنْ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُحْيِي مَا أَمَاتُوهُ، وَتَعُودُ الْمِلَلُ كُلُّهَا فِي زَمَانِهِ مِلَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّتُهُ وَمِلَّةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَمِلَّةُ أَبِيهِمَا إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَهُ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَقَدْ حَمَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلَامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ إِيَّاهُ مِنْهُ، فَأَخْبَرَ عَنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِأَيِّ بَلَدٍ وَبِأَيِّ مَكَانٍ مِنْهُ، وَبِحَالِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَبِلُبْسِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُمَصَّرَتَانِ أَيْ ثَوْبَانِ وَأَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُ عِنْدَ نُزُولِهِ مُفَصَّلًا حَتَّى كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُشَاهِدُونَهُ عِيَانًا قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا، فَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً لِخَبَرِهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
فَهَذَا مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ، لَا مُنْتَظَرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَلَا مُنْتَظَرَ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الرَّوَافِضِ الْمَارِقِينَ، وَسَوْفَ يَعْلَمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ إِذَا جَاءَ مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَلَا هُوَ وَلَدُ (زِنْيَةٍ)، وَلَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا مَاهِرًا فِي صِنَاعَتِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعُقُولِ بِصِنَاعَتِهِ، وَلَا كَانَ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا، وَلَا مُكِّنُوا مِنْ صَلْبِهِ وَتَسْمِيرِهِ وَصَفْعِهِ وَقَتْلِهِ، بَلْ كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَعْلَمُ الضَّالُّونَ أَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ، وَأَنَّهُ (مُبَشِّرٌ) بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوَّلًا، وَحَكَمَ بِشَرِيعَتِهِ
وَدِينِهِ آخِرًا، وَأَنَّهُ عَدُوُّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَوَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ أَوْلِيَاءَهُ الْأَرْجَاسُ وَالْأَنْجَاسُ عَبَدَةُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّذِينَ نَزَّهُوهُ وَأُمَّهُ عَمَّا رَمَاهُمَا بِهِ أَعْدَاؤُهُمَا الْيَهُودُ، وَنَزَّهُوا رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمَالِكَهُ وَسَيِّدَهُ عَمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالسَّبِّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ.
فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَابِ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ غَيَّرُوا أَلْفَاظَ الْكُتُبِ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، كَمَا أَجَبْنَا عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا غَيَّرُوا بِبَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَأَوَّلُوهَا غَيْرَ تَأْوِيلِهَا، قَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ لَا نَدَّعِي وَلَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَلْفَاظَ كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ غُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، بَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَغُيِّرَتْ بَعْضُ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ غُيِّرَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، بَلْ غُيِّرَ الْبَعْضُ، وَظَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بَعْضُ النُّسَخِ الْمُبَدَّلَةِ الْمُغَيَّرَةِ دُونَ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ، وَالنُّسَخُ الَّتِي تُبَدَّلُ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَالْجَزْمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ بِسَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَمَنِ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمًا أَوْ عَقْلًا؟ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ عِزْرَا الْوَرَّاقِ فِي التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَلَا أَنَّ تِلْكَ الْفُصُولَ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ بَعْدَ إِحْرَاقِهَا هِيَ عَيْنُ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ، وَتَرَكْنَا كَثِيرًا لَمْ نَذْكُرْهُ.
وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنَاجِيلَ، أُخِذَتْ عَنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ أَصْلًا، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ وَاجْتَمَعَا بِهِ وَهُمَا مَتَّى وَيُوحَنَّا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ
وَيُخَالِفُ إِنْجِيلُهُ لِإِنْجِيلِ أَصْحَابِهِ فِي أَشْيَاءَ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ وَنَقِيضِهِ. كَمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: (إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ) . وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بِوُثُوبِ الْيَهُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (قَدْ جَزِعَتْ نَفْسِي الْآنَ فَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا أَبَتَاهُ سَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ) .
وَأَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا وَقَالَ: (يَا إِلَهِي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي)، فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي (أَسْلَمَ) نَفْسَهُ إِلَى الْيَهُودِ، لِيَصْلُبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ، حَتَّى فَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَجَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَهَنَّمَ بِالْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا عَلَى إِبْلِيسَ، وَكَيْفَ يَجْزَعُ إِلَهُ الْعَالَمِ بِذَلِكَ؟. وَكَيْفَ يَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُ وَيَقُولُ: (يَا إِلَهِي، لِمَ أَسْلَمْتَنِي) وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ نَفْسَهُ؟! وَكَيْفَ لَمْ يُخَلِّصْهُ أَبُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِهِ، وَإِنْزَالِهِ صَاعِقَةً عَلَى الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ أَمْ كَانَ رَبًّا عَاجِزًا مَقْهُورًا مَعَ الْيَهُودِ؟!
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ بُرْهَانًا أَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَقَالَ: تَهْدِمُونَ هَذَا الْبَيْتَ
- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - وَأَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَيْتٌ مَبْنِيٌّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً تَبْنِيهِ أَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا ظَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَحُمِلَ إِلَى بَلَاطِ عَامِلِ قَيْصَرَ وَاسْتُدْعِيَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالَا: (سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (فَكَيْفَ) يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ مُعْجِزَتُهُ وَيَدَّعِي أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِهَا شَاهِدَا زُورٍ؟.
وَفِيهِ أَيْضًا لِلُوقَا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ: اذْهَبَا إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي يُقَابِلُكُمَا، فَإِذَا دَخَلْتُمَاهُ فَسَتَجِدَانِ (فَلُوًّا) مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أَحَدٌ فُحُلَّاهُ وَأَقْبِلَا بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ حِمَارَةً مُتْعَبَةً.
وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحْسَبُوا أَنِّي قَدِمْتُ لِأُصْلِحَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمْ آتِ لِصَلَاحِهِمْ، لَكِنْ لِأُلْقِيَ الْمُحَارَبَةَ بَيْنَهُمْ، إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَالْبِنْتِ وَأُمِّهَا، حَتَّى يَصِيرَ أَعْدَاءُ الْمَرْءِ أَهْلَ بَيْتِهِ» . ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا: «إِنَّمَا قَدِمْتُ لِتَحْيَوْا وَتَزْدَادُوا خَيْرًا، وَأُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ» .
وَأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَطَمَ خَدَّكَ الْأَيْمَنَ فَانْصِبْ لَهُ الْأُخْرَى» .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:
طُوبَى لَكَ يَا شَمْعُونُ (رَأْسَ الْجَمَاعَةِ)، وَأَنَا أَقُولُ إِنَّكَ الْحَجَرُ، وَعَلَى هَذَا الْحَجَرِ تَبْنِي بِيعَتِي، وَكُلُّ مَا أَحْلَلْتَهُ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ مُحَلَّلًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا عَقَدْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَعْقُودًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَسْطُرٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ وَلَا تُعَارِضْ، فَإِنَّكَ جَاهِلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْطَانٌ جَاهِلٌ مُطَاعٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وَفِي الْإِنْجِيلِ نَصٌّ أَنَّهُ، «لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ مِثْلَ يَحْيَى»
هَذَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى مَنْ يَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ (مَنْ أَنْتَ) أَهُوَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَتُرَاكَ إِلْيَاسُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادٍ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُنْكِرَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْبِرًا بِالْكَذِبِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نِسْبَةَ الْمَسِيحِ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ أَبًا، ثُمَّ نَسَبَهُ لُوقَا أَيْضًا فِي إِنْجِيلِهِ إِلَى يُوسُفَ، وَعَدَّ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ أَبًا. فَبَيْنَا هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ إِذْ صَيَّرُوهُ ابْنَ الْإِلَهِ ثُمَّ جَعَلُوهُ ابْنَ يُوسُفَ النَّجَّارِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِنْجِيلِ يَشْهَدُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلِ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ إِذَا اعْتَبَرْتَ نُسَخَهُ، وَنُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ
وَالنَّصَارَى رَأَيْتَهَا مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا يَقْطَعُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَحْفَظُونَهَا فِي صُدُورِهِمْ كَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَقِيَّتُهُمْ لَا يَحْفَظُونَهَا، فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ، أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ تَوَاطَئُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ الْبِشَارَةِ وَتَحْرِيفِهَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا سَاحِرًا مُمَخْرِقًا ابْنَ زِنْيَةٍ، وَتَوَاصَوْا بِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا، وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَشَاعَ مَا تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا بِهِ كُتُبَهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ لُوطًا نَكَحَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا أَوْلَادًا، وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ، وَعَضَّ أَنَامِلَهُ، وَصَارَعَ يَعْقُوبَ فَصَرَعَهُ يَعْقُوبُ، وَأَنَّهُ رَاقِدٌ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ رَقْدَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى فُصُولٍ لَفَّقُوهَا بَعْدَ زَوَالِ مَمْلَكَتِهِمْ، يُصَلُّونَ بِهَا لَمْ تُعْرَفْ عَنْ مُوسَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ: اللَّهُمَّ اضْرِبْ بِبُوقٍ عَظِيمٍ لِعِتْقِنَا، وَاقْبِضْنَا جَمِيعًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى قُدْسِكَ، سُبْحَانَكَ، يَا جَامِعَ تَشْتِيتِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُمْ فِيهَا: (ارْدُدْ حُكْمَنَا) كَالْأَوَّلِينَ وَمَسِيرَتَنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَابْنِ أُورْشَلِيمَ قَرْيَةَ قُدْسِكَ فِي أَيَّامِنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِبِنَائِهَا، سُبْحَانَكَ، يَا بَانِيَ أُورْشَلِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى وَقَوْمُهُ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ أَوَّلِ الْعَامِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ
عَلَى شَرْعِ صَوْمِ إِحْرَاقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَوْمِ حِصَارٍ، وَصَوْمِ كَدَلْيَا، وَفَرْضِهِمْ ذَلِكَ صَوْمًا، وَصَوْمِ صَلْبِ هَامَانَ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ زَادُوهَا لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا، وَتَوَاطَئُوا بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَزِيدُوا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ شَيْئًا، وَلَا تُنْقِصُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَتَوَاطَئُوا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ، كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَعْطِيلِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ نَصًّا. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُمُ التَّوْرَاةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ حَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَدِمَ وَبَكَى عَنِ الطُّوفَانِ، وَعَادَ فِي رَأْيِهِ وَنَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ مُضَارَعَةٌ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ نَزَّهُوا رُهْبَانَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَسَبُوهُمَا إِلَى الْفَرْدِ الصَّمَدِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْمُلْكِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، وَتَرْجِعُ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ وَيَصِيرُونَ قَاهِرِينَ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ.
Translation
(فصل): وجحدكم نبوة محمد من الكتب التي بأيديكم نظير جحدكم نبوة المسيح
#33
Chapter 33 — [المسألة الرابعة] قال السائل: فإن قلتم: إن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما شهدوا لنا بذلك من كتبهم
· ref. #33
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَفَرَائِضِهَا، وَتَرْكِهَا فِي جُلِّ أُمُورِهِمْ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ أَسْبَابِ زَوَالِ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ. فَكَيْفَ يُنْكَرُ مِنْ طَائِفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَبَهْتِهِ وَبَهْتِ أُمِّهِ وَالْكَذِبِ الصَّرِيحِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَعَلَى قَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى تَحْرِيفِ بَعْضِ التَّوْرَاةِ، وَكِتْمَانِ نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَفْتِهِ فِيهَا.
وَأَمَّا أُمَّةُ الضَّلَالِ وَعُبَّادُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمُزَوَّقَةِ فِي الْحِيطَانِ، وَإِخْوَانُ الْخَنَازِيرِ، وَشَاتِمُوا خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَجَاعِلُوهُ مَصْفَعَةَ الْيَهُودِ، وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى ضُرُوبِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَبَاطِيلِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَبْرَزَ إِلَى الْوُجُودِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَضَلُّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَبِّهِ وَشَتْمِهِ وَتَكْذِيبِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ حِزْبِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةِ الشَّيْطَانِ، وَالتَّعَوُّضِ بِعِبَادَةِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِالتَّصْلِيبِ عَلَى الْوَجْهِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بِـ اللَّهُمَّ اعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ، وَعَنِ السُّجُودِ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ بِالسُّجُودِ لِلصُّورَةِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحَائِطِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْوَرْدِ، فَهَذَا بَعْضُ شَأْنِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ عِنْدَهُمَا آثَارُ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ، فَمَا الظَّنُّ بِسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟
[المسألة الرابعة]
قَالَ السَّائِلُ:
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَنَحْوَهُمَا شَهِدُوا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ، فَهَلَّا أَتَى ابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِالنُّسَخِ الَّتِي لَهُمْ كَيْ تَكُونَ شَاهِدَةً عَلَيْنَا؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ شَوَاهِدَ النُّبُوَّةِ وَآيَتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ نَعْتِ النَّبِيِّ وَصِفَتِهِ، وَشَوَاهِدُهَا مُتَنَوِّعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ جِدًّا، وَنَعْتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا.
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُمْ عَنِ الشَّوَاهِدِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي فِي كُتُبِكُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَهَا وَلَا سَمِعُوهَا بَلْ أَسْلَمُوا لِلشَّوَاهِدِ الَّتِي عَايَنُوهَا، وَالْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا، وَجَاءَتْ تِلْكَ الشَّوَاهِدُ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُقَوِّيَةً وَعَاضِدَةً مِنْ بَابِ تَقْوِيَةِ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ تَمَّ النِّصَابُ بِدُونِهَا. فَهَؤُلَاءِ الْعَرَبُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إِسْلَامُهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ وَسَمِعَهُ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، كَمَا كَانَ الْأَنْصَارُ يَسْمَعُونَ مِنَ الْيَهُودِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْثَهُ وَمَخْرَجَهُ، فَلَمَّا عَايَنُوهُ وَأَبْصَرُوهُ عَرَفُوهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ الْيَهُودُ فَسَبَقُوهُمْ إِلَيْهِ، فَشَرِقَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِرِيقِهِمْ وَغُصُّوا بِمَائِهِمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَعِدُهُمْ بِهِ.
وَالْعِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ وَمُوسَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ أَخْبَرَهُمْ وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِمْ، بَلْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهَا مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِذَا عُرِفَتْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ بَشَّرَ بِهِ. وَإِذَا عُلِمَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَا قَامَ عَلَيْهَا مِنَ الْبَرَاهِينِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبْشِيرُ مَنْ قَبْلُهُ بِهِ لَازِمًا لِنُبُوَّتِهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ وَلَا يَتَوَقَّفْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ إِلَيْنَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ نَقْلُهُ الْعَامِّ وَلَا الْخَاصِّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى وَالْمَسِيحُ
وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَصَلَ إِلَيْنَا، وَهَذَا مِمَّا عُلِمَ بِالِاضْطِرَادِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْبِشَارَةَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ لَيْسَتْ فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِيكُمْ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ بَشَّرَ بِهِ، وَلَمْ يَنْفَكَّ، وَيُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ فِي كُتُبٍ غَيْرِ هَذِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَكُمْ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ كُتُبٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْضُ خَاصَّتِهِمْ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ عَامَّتِهِمْ، وَيُمَكِّنُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِهَا فَأُزِيلَ مِنْهُ وَبُدِّلَ، وَنُسِخَتِ النُّسَخُ مِنْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ وَاشْتَهَرَتْ، بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ غَيْرُهَا، وَاخْتَفَى أَمْرُ تِلْكَ النُّسَخِ الْأُولَى، وَهَذَا كُلُّهُ مُمْكِنٌ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي تَوَاطَأَتْ عَلَى تَبْدِيلِ دِينِ نَبِيِّهَا وَشَرِيعَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْبِشَارَةِ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِمْ أَصْلًا. وَنَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ جَحْدُهُ وَالْمُكَابَرَةُ فِيهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمُ الْمُغَالَطَةُ بِالتَّأْوِيلِ عِنْدَ رَعَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَدْ قَابَلَ الْيَهُودَ وَوَافَقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، وَخَيْرُهُمْ وَابْنُ خَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ وَابْنُ شَرِّهِمْ، وَجَاهِلُهُمْ وَابْنُ جَاهِلِهِمْ، كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَعَدَّلَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا يَشْهَدُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهَادَةَ قَالَ: إِنَّهُ كَاذِبٌ شَاهِدُ زُورٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ. وَأَمَّا كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَدْ مَلَأَ الدُّنْيَا مِنَ الْأَخْبَارِ بِمَا فِي النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَأَذَّنَ بِهَا عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ، وَصَدَّقَهُ مُسْلِمُو أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا، وَأَخْبَرُوهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَوْسَعُهُمْ عِلْمًا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَمْتَحِنُونَ مَا يَنْقُلُهُ وَيُزِنُونَهُ بِمَا يَعْرِفُونَ صِحَّتَهُ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ، وَشَهِدُوا
لَهُ بِأَنَّهُ أَصْدَقُ مَنْ يَحْكُونَ لَهُمْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ أَصْدَقِهِمْ.
وَنَحْنُ الْيَوْمُ نَنُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَقَدْ وَجَدْنَا هَذِهِ الْبِشَارَاتِ فِي كُتُبِكُمْ، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَيْكُمْ، وَالْكُتُبُ بِأَيْدِيكُمْ فَأَتُوا بِهَا فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وَعِنْدَنَا مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ مَنْ يُوَافِقُكُمْ وَيُقَابِلُكُمْ وَيُحَاقِقُكُمْ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَاشْهَدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْجَحْدِ لِلْحَقِّ وَمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ أَتَاكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِغَايَةِ الْبَيَانِ وَالصَّرَاحَةِ لَكَانَ فِي بَهَتَكُمْ وَعِنَادِكُمْ وَكَذِبِكُمْ مَا يَدْفَعُ فِي وُجُوهِهَا وَيُحَرِّفُهَا أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِذَا جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ لَيْسَ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَقُلْتُمْ: نَحْنُ لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَلَا نَتَّبِعُ نَبِيَّ الْأُمِّيِّينَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَسْلَافُكُمُ الَّذِينَ شَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَايَنُوهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ الْمَوْعُودُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَثُمَّ مَنْ قَالَ لَهُ مِنْهُمْ فِي وَجْهِهِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ اتِّبَاعِي؟، قَالَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
وَقَدْ جَاءَكُمْ آيَاتٌ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ وَأَظْهَرُ، بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يُؤْمِنَ عَلَى مِثْلِهَا الْبَشَرُ، فَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا وَتَكْذِيبًا وَإِبَاءً لِقَبُولِ الْحَقِّ، فَلَوْ أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ مَلَائِكَتَهُ وَكَلَّمَكُمُ الْمَوْتَى وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ لَغَلَبَتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ وَصِرْتُمْ إِلَى مَا سَبَقَ لَكُمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَدْ رَأَى مَنْ كَانَ أَعْقَلَ مِنْكُمْ وَأَبْعَدَ مِنَ
الْحَسَدِ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مَا رَأَوْا، وَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، فَأَسْلَافُكُمْ وَقُدْوَتُكُمْ فِي تَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْأُمَمِ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى كَأَنَّكُمْ تَوَاصَيْتُمْ بِذَلِكَ، أَوْصَى بِهِ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ وَاقْتَدَى فِيهِ الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ، قَالَ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، وَهَبْنَا أَنَّا ضَرَبْنَا مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِهِ صَفْحًا، أَفَلَيَسَ فِي الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؟! وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ طَرَفًا يَقْطَعُ الْمَعْذِرَةَ، وَيُقِيمُ الْحُجَّةَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَمَّا أُمَّةُ الضَّلَالِ وَعُبَّادُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمُزَوَّقَةِ فِي الْحِيطَانِ، وَإِخْوَانُ الْخَنَازِيرِ، وَشَاتِمُوا خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَجَاعِلُوهُ مَصْفَعَةَ الْيَهُودِ، وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى ضُرُوبِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَبَاطِيلِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَبْرَزَ إِلَى الْوُجُودِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَضَلُّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَبِّهِ وَشَتْمِهِ وَتَكْذِيبِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ حِزْبِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةِ الشَّيْطَانِ، وَالتَّعَوُّضِ بِعِبَادَةِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِالتَّصْلِيبِ عَلَى الْوَجْهِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بِـ اللَّهُمَّ اعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ، وَعَنِ السُّجُودِ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ بِالسُّجُودِ لِلصُّورَةِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحَائِطِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْوَرْدِ، فَهَذَا بَعْضُ شَأْنِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ عِنْدَهُمَا آثَارُ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ، فَمَا الظَّنُّ بِسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟
[المسألة الرابعة]
قَالَ السَّائِلُ:
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَنَحْوَهُمَا شَهِدُوا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ، فَهَلَّا أَتَى ابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِالنُّسَخِ الَّتِي لَهُمْ كَيْ تَكُونَ شَاهِدَةً عَلَيْنَا؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ شَوَاهِدَ النُّبُوَّةِ وَآيَتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ نَعْتِ النَّبِيِّ وَصِفَتِهِ، وَشَوَاهِدُهَا مُتَنَوِّعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ جِدًّا، وَنَعْتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا.
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُمْ عَنِ الشَّوَاهِدِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي فِي كُتُبِكُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَهَا وَلَا سَمِعُوهَا بَلْ أَسْلَمُوا لِلشَّوَاهِدِ الَّتِي عَايَنُوهَا، وَالْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا، وَجَاءَتْ تِلْكَ الشَّوَاهِدُ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُقَوِّيَةً وَعَاضِدَةً مِنْ بَابِ تَقْوِيَةِ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ تَمَّ النِّصَابُ بِدُونِهَا. فَهَؤُلَاءِ الْعَرَبُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إِسْلَامُهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ وَسَمِعَهُ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، كَمَا كَانَ الْأَنْصَارُ يَسْمَعُونَ مِنَ الْيَهُودِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْثَهُ وَمَخْرَجَهُ، فَلَمَّا عَايَنُوهُ وَأَبْصَرُوهُ عَرَفُوهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ الْيَهُودُ فَسَبَقُوهُمْ إِلَيْهِ، فَشَرِقَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِرِيقِهِمْ وَغُصُّوا بِمَائِهِمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَعِدُهُمْ بِهِ.
وَالْعِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ وَمُوسَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ أَخْبَرَهُمْ وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِمْ، بَلْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهَا مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِذَا عُرِفَتْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ بَشَّرَ بِهِ. وَإِذَا عُلِمَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَا قَامَ عَلَيْهَا مِنَ الْبَرَاهِينِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبْشِيرُ مَنْ قَبْلُهُ بِهِ لَازِمًا لِنُبُوَّتِهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ وَلَا يَتَوَقَّفْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ إِلَيْنَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ نَقْلُهُ الْعَامِّ وَلَا الْخَاصِّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى وَالْمَسِيحُ
وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَصَلَ إِلَيْنَا، وَهَذَا مِمَّا عُلِمَ بِالِاضْطِرَادِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْبِشَارَةَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ لَيْسَتْ فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِيكُمْ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ بَشَّرَ بِهِ، وَلَمْ يَنْفَكَّ، وَيُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ فِي كُتُبٍ غَيْرِ هَذِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَكُمْ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ كُتُبٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْضُ خَاصَّتِهِمْ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ عَامَّتِهِمْ، وَيُمَكِّنُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِهَا فَأُزِيلَ مِنْهُ وَبُدِّلَ، وَنُسِخَتِ النُّسَخُ مِنْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ وَاشْتَهَرَتْ، بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ غَيْرُهَا، وَاخْتَفَى أَمْرُ تِلْكَ النُّسَخِ الْأُولَى، وَهَذَا كُلُّهُ مُمْكِنٌ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي تَوَاطَأَتْ عَلَى تَبْدِيلِ دِينِ نَبِيِّهَا وَشَرِيعَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْبِشَارَةِ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِمْ أَصْلًا. وَنَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ جَحْدُهُ وَالْمُكَابَرَةُ فِيهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمُ الْمُغَالَطَةُ بِالتَّأْوِيلِ عِنْدَ رَعَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَدْ قَابَلَ الْيَهُودَ وَوَافَقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، وَخَيْرُهُمْ وَابْنُ خَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ وَابْنُ شَرِّهِمْ، وَجَاهِلُهُمْ وَابْنُ جَاهِلِهِمْ، كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَعَدَّلَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا يَشْهَدُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهَادَةَ قَالَ: إِنَّهُ كَاذِبٌ شَاهِدُ زُورٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ. وَأَمَّا كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَدْ مَلَأَ الدُّنْيَا مِنَ الْأَخْبَارِ بِمَا فِي النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَأَذَّنَ بِهَا عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ، وَصَدَّقَهُ مُسْلِمُو أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا، وَأَخْبَرُوهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَوْسَعُهُمْ عِلْمًا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَمْتَحِنُونَ مَا يَنْقُلُهُ وَيُزِنُونَهُ بِمَا يَعْرِفُونَ صِحَّتَهُ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ، وَشَهِدُوا
لَهُ بِأَنَّهُ أَصْدَقُ مَنْ يَحْكُونَ لَهُمْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ أَصْدَقِهِمْ.
وَنَحْنُ الْيَوْمُ نَنُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَقَدْ وَجَدْنَا هَذِهِ الْبِشَارَاتِ فِي كُتُبِكُمْ، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَيْكُمْ، وَالْكُتُبُ بِأَيْدِيكُمْ فَأَتُوا بِهَا فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وَعِنْدَنَا مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ مَنْ يُوَافِقُكُمْ وَيُقَابِلُكُمْ وَيُحَاقِقُكُمْ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَاشْهَدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْجَحْدِ لِلْحَقِّ وَمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ أَتَاكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِغَايَةِ الْبَيَانِ وَالصَّرَاحَةِ لَكَانَ فِي بَهَتَكُمْ وَعِنَادِكُمْ وَكَذِبِكُمْ مَا يَدْفَعُ فِي وُجُوهِهَا وَيُحَرِّفُهَا أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِذَا جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ لَيْسَ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَقُلْتُمْ: نَحْنُ لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَلَا نَتَّبِعُ نَبِيَّ الْأُمِّيِّينَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَسْلَافُكُمُ الَّذِينَ شَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَايَنُوهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ الْمَوْعُودُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَثُمَّ مَنْ قَالَ لَهُ مِنْهُمْ فِي وَجْهِهِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ اتِّبَاعِي؟، قَالَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
وَقَدْ جَاءَكُمْ آيَاتٌ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ وَأَظْهَرُ، بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يُؤْمِنَ عَلَى مِثْلِهَا الْبَشَرُ، فَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا وَتَكْذِيبًا وَإِبَاءً لِقَبُولِ الْحَقِّ، فَلَوْ أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ مَلَائِكَتَهُ وَكَلَّمَكُمُ الْمَوْتَى وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ لَغَلَبَتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ وَصِرْتُمْ إِلَى مَا سَبَقَ لَكُمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَدْ رَأَى مَنْ كَانَ أَعْقَلَ مِنْكُمْ وَأَبْعَدَ مِنَ
الْحَسَدِ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مَا رَأَوْا، وَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، فَأَسْلَافُكُمْ وَقُدْوَتُكُمْ فِي تَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْأُمَمِ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى كَأَنَّكُمْ تَوَاصَيْتُمْ بِذَلِكَ، أَوْصَى بِهِ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ وَاقْتَدَى فِيهِ الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ، قَالَ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، وَهَبْنَا أَنَّا ضَرَبْنَا مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِهِ صَفْحًا، أَفَلَيَسَ فِي الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؟! وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ طَرَفًا يَقْطَعُ الْمَعْذِرَةَ، وَيُقِيمُ الْحُجَّةَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
Translation
[المسألة الرابعة] قال السائل: فإن قلتم: إن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما شهدوا لنا بذلك من كتبهم
#34
Chapter 34 — [المسالة الخامسة] (فصل): قال السائل: إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور،
· ref. #34
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
[المسالة الخامسة]
(فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ:
إِنَّكُمْ نَسَبْتُمُ الْأُمَّتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ إِلَى اخْتِيَارِ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِلْغَرَضِ الْمَذْكُورِ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ الْغَرَضِ، لِأَنَّهُمْ قَلِيلُونَ جِدًّا، وَأَضْدَادُهُ كَثِيرُونَ لَا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ جُمْهُورَ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ آمَنَ بِهِ وَصَدَقَّهُ وَقَدْ كَانُوا مِلْءَ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ الشَّامُ وَمِصْرُ وَمَا جَاوَرَهُمَا، وَاتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ أَعْمَالِهِمَا، وَالْجَزِيرَةُ وَالْمَوْصِلُ وَأَعْمَالُهُمَا، وَأَكْثَرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَكَثِيرٌ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، كَانُوا كُلُّهُمْ نَصَارَى فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا مُسْلِمِينَ، فَالْمُتَخَلِّفُ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ عَنِ الْإِيمَانِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَهَؤُلَاءِ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كُلُّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ، وَهَذِهِ أُمَّةُ الْمَجُوسِ تُوَازِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ كَثْرَةً وَشَوْكَةً وَعَدَدًا دَخَلُوا فِي دِينِهِ، وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ كَمَا بَقَيْتُمْ أَنْتُمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ.
الثَّانِي: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى الْأَمْرِ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَأْكَلَةِ وَالرِّئَاسَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَغْرَاضِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْحَسَدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْكِبَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ
مَحَبَّةُ الْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ مَحَبَّةُ إِلْفِهِ لِلدِّينِ الَّذِي نَشَأَ عَلَيْهِ، فَجُبِلَ بِطَبْعِهِ، فَصَارَ انْتِقَالُهُ عَنْهُ كَمُفَارِقَةِ الْإِنْسَانِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَرَى هَذَا السَّبَبَ كَيْفَ هُوَ الْغَالِبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ فِي إِيثَارِهِمْ مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالدِّيَانَاتِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَوْفَقُ بِكَثِيرٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ التَّقْلِيدُ وَالْجَهْلُ وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْخَوْفُ مِنْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَرْهُوبٍ، فَلِمَ يَنْسُبُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ وَحْدَهُ؟
الثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَغْزَرَ عُقُولًا مِنْهُمْ، وَكُلُّهُمُ اخْتَارَ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، وَالْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبَصِيرَةِ، فَلِهَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ سَلَفٌ كَثِيرٌ وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَمَنْ دُونِهِ إِنَّمَا أَسْلَمُوا فِي وَقْتِ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ وَقِلَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْفٍ وَحَاجَةٍ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ مُطْبِقُونَ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ، وَالْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ هُمْ أَهْلُ الشَّوْكَةِ وَالْعُدَّةِ وَالْحَلَقَةِ وَالسِّلَاحِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ أَوَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعْدَاؤُهُمْ يَطْلُبُونَهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ بَذَلُوا الرَّغَائِبَ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ وَخَادِمُهُمْ وَاسْتَخْفُوا ثَلَاثًا فِي غَارٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، وَالشَّوْكَةُ وَالْعَدَدُ وَالْعُدَّةُ فِيهَا لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ حِينَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، لَمَّا رَأَى أَعْلَامَ النُّبُوَّةَ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا وَشَاهَدَهَا فِيهِ، وَتَرَكَ الْأَغْرَاضَ الَّتِي مَنَعَتِ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ مِنَ
الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ شَهِدُوا لَهُ كُلُّهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَئِيسُهُمْ وَخَيْرُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ أَخْرَجُوهُ مِنْ تِلْكَ الرِّئَاسَةِ وَالسِّيَادَةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَدْخِلْنِي بَعْضَ بُيُوتِكَ وَسَلْهُمْ عَنِّي، فَفَعَلَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَذَكَّرَهُمْ وَأَوْقَفَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَابَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَسَبُّوهُ وَقَدَحُوا فِيهِ وَأَنْكَرُوا رِئَاسَتَهُ وَسِيَادَتَهُ وَعِلْمَهُ.
فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ لَفَعَلَ كَمَا فَعَلَهُ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ وَأُمَّةُ الْغَضَبِ وَالْقَوْمُ الْبُهْتُ، وَهَكَذَا شَأْنُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ.
وَأَمَّا الْمُتَخَلِّفُونَ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ صَرَّحَ بِغَرَضِهِ لِخَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ عَظَّمُونَا وَرَأَّسُونَا وَمَلَّكُونَا فَلَوِ اتَّبَعْنَاهُ لَنَزَعُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَّا، وَهَذَا قَدْ رَأَيْنَاهُ نَحْنُ فِي زَمَانِنَا وَشَاهَدْنَاهُ عِيَانًا. وَلَقَدْ نَاظَرْنَا بَعْضَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى مُعْظَمَ يَوْمٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ بُهِتَ، فَقُلْتُ لَهُ وَأَنَا وَهُوَ خَالِيَانِ: مَا يَمْنَعُكَ الْآنَ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ؟ فَقَالَ لِي: إِذَا قَدِمْتُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحَمِيرِ - هَكَذَا لَفْظُهُ - فَرَشُوا الشِّقَاقَ تَحْتَ حَوَافِرِ دَابَّتِي، وَحَكَّمُونِي فِي أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْصُونِي فِيمَا آمُرُهُمْ بِهِ، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ صَنْعَةً، وَلَا أَحْفَظُ قُرْآنًا، وَلَا نَحْوًا وَلَا فِقْهًا، فَلَوْ أَسْلَمْتُ لَدُرْتُ فِي الْأَسْوَاقِ أَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمَنِ الَّذِي يَطِيبُ نَفْسًا بِهَذَا؟! فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَكُونُ، وَكَيْفَ تَظُنُّ بِاللَّهِ أَنَّكَ إِذَا أَسْلَمْتَ وَآثَرْتَ رِضَاهُ عَلَى هَوَاكَ يُخْزِيكَ وَيُحْوِجُكَ؟! وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَكَ فَمَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَمِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، فِيهِ أَتَمُّ الْعَوَضَ عَمَّا فَاتَكَ، فَقَالَ: حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ، فَقَلَتْ: وَالْقَدَرُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَانَ حُجَّةً لِلْيَهُودِ عَلَى
تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَحُجَّةً لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَلَا سِيَّمَا أَنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِالْقَدْرِ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِهِ؟! فَقَالَ: دَعْنَا الْآنَ مِنْ هَذَا، وَأَمْسَكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ جَوَابَكَ فِي نَفْسِ سُؤَالِكَ فَإِنَّكَ اعْتَرَفْتَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَذَوِيهِ كَانُوا قَلِيلِينَ جِدًّا وَأَضْدَادُهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَرَضَ الدَّاعِيَ لِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهُمْ أُولُو الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ أَقْوَى مِنَ الْغَرَضِ الدَّاعِي لِمُوَافَقَةِ الْأَقَلِّينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ:
إِنَّكُمْ نَسَبْتُمُ الْأُمَّتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ إِلَى اخْتِيَارِ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِلْغَرَضِ الْمَذْكُورِ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ الْغَرَضِ، لِأَنَّهُمْ قَلِيلُونَ جِدًّا، وَأَضْدَادُهُ كَثِيرُونَ لَا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ جُمْهُورَ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ آمَنَ بِهِ وَصَدَقَّهُ وَقَدْ كَانُوا مِلْءَ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ الشَّامُ وَمِصْرُ وَمَا جَاوَرَهُمَا، وَاتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ أَعْمَالِهِمَا، وَالْجَزِيرَةُ وَالْمَوْصِلُ وَأَعْمَالُهُمَا، وَأَكْثَرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَكَثِيرٌ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، كَانُوا كُلُّهُمْ نَصَارَى فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا مُسْلِمِينَ، فَالْمُتَخَلِّفُ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ عَنِ الْإِيمَانِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَهَؤُلَاءِ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كُلُّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ، وَهَذِهِ أُمَّةُ الْمَجُوسِ تُوَازِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ كَثْرَةً وَشَوْكَةً وَعَدَدًا دَخَلُوا فِي دِينِهِ، وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ كَمَا بَقَيْتُمْ أَنْتُمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ.
الثَّانِي: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى الْأَمْرِ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَأْكَلَةِ وَالرِّئَاسَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَغْرَاضِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْحَسَدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْكِبَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ
مَحَبَّةُ الْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ مَحَبَّةُ إِلْفِهِ لِلدِّينِ الَّذِي نَشَأَ عَلَيْهِ، فَجُبِلَ بِطَبْعِهِ، فَصَارَ انْتِقَالُهُ عَنْهُ كَمُفَارِقَةِ الْإِنْسَانِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَرَى هَذَا السَّبَبَ كَيْفَ هُوَ الْغَالِبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ فِي إِيثَارِهِمْ مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالدِّيَانَاتِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَوْفَقُ بِكَثِيرٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ التَّقْلِيدُ وَالْجَهْلُ وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْخَوْفُ مِنْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَرْهُوبٍ، فَلِمَ يَنْسُبُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ وَحْدَهُ؟
الثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَغْزَرَ عُقُولًا مِنْهُمْ، وَكُلُّهُمُ اخْتَارَ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، وَالْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبَصِيرَةِ، فَلِهَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ سَلَفٌ كَثِيرٌ وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَمَنْ دُونِهِ إِنَّمَا أَسْلَمُوا فِي وَقْتِ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ وَقِلَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْفٍ وَحَاجَةٍ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ مُطْبِقُونَ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ، وَالْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ هُمْ أَهْلُ الشَّوْكَةِ وَالْعُدَّةِ وَالْحَلَقَةِ وَالسِّلَاحِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ أَوَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعْدَاؤُهُمْ يَطْلُبُونَهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ بَذَلُوا الرَّغَائِبَ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ وَخَادِمُهُمْ وَاسْتَخْفُوا ثَلَاثًا فِي غَارٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، وَالشَّوْكَةُ وَالْعَدَدُ وَالْعُدَّةُ فِيهَا لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ حِينَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، لَمَّا رَأَى أَعْلَامَ النُّبُوَّةَ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا وَشَاهَدَهَا فِيهِ، وَتَرَكَ الْأَغْرَاضَ الَّتِي مَنَعَتِ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ مِنَ
الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ شَهِدُوا لَهُ كُلُّهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَئِيسُهُمْ وَخَيْرُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ أَخْرَجُوهُ مِنْ تِلْكَ الرِّئَاسَةِ وَالسِّيَادَةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَدْخِلْنِي بَعْضَ بُيُوتِكَ وَسَلْهُمْ عَنِّي، فَفَعَلَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَذَكَّرَهُمْ وَأَوْقَفَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَابَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَسَبُّوهُ وَقَدَحُوا فِيهِ وَأَنْكَرُوا رِئَاسَتَهُ وَسِيَادَتَهُ وَعِلْمَهُ.
فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ لَفَعَلَ كَمَا فَعَلَهُ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ وَأُمَّةُ الْغَضَبِ وَالْقَوْمُ الْبُهْتُ، وَهَكَذَا شَأْنُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ.
وَأَمَّا الْمُتَخَلِّفُونَ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ صَرَّحَ بِغَرَضِهِ لِخَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ عَظَّمُونَا وَرَأَّسُونَا وَمَلَّكُونَا فَلَوِ اتَّبَعْنَاهُ لَنَزَعُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَّا، وَهَذَا قَدْ رَأَيْنَاهُ نَحْنُ فِي زَمَانِنَا وَشَاهَدْنَاهُ عِيَانًا. وَلَقَدْ نَاظَرْنَا بَعْضَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى مُعْظَمَ يَوْمٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ بُهِتَ، فَقُلْتُ لَهُ وَأَنَا وَهُوَ خَالِيَانِ: مَا يَمْنَعُكَ الْآنَ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ؟ فَقَالَ لِي: إِذَا قَدِمْتُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحَمِيرِ - هَكَذَا لَفْظُهُ - فَرَشُوا الشِّقَاقَ تَحْتَ حَوَافِرِ دَابَّتِي، وَحَكَّمُونِي فِي أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْصُونِي فِيمَا آمُرُهُمْ بِهِ، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ صَنْعَةً، وَلَا أَحْفَظُ قُرْآنًا، وَلَا نَحْوًا وَلَا فِقْهًا، فَلَوْ أَسْلَمْتُ لَدُرْتُ فِي الْأَسْوَاقِ أَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمَنِ الَّذِي يَطِيبُ نَفْسًا بِهَذَا؟! فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَكُونُ، وَكَيْفَ تَظُنُّ بِاللَّهِ أَنَّكَ إِذَا أَسْلَمْتَ وَآثَرْتَ رِضَاهُ عَلَى هَوَاكَ يُخْزِيكَ وَيُحْوِجُكَ؟! وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَكَ فَمَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَمِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، فِيهِ أَتَمُّ الْعَوَضَ عَمَّا فَاتَكَ، فَقَالَ: حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ، فَقَلَتْ: وَالْقَدَرُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَانَ حُجَّةً لِلْيَهُودِ عَلَى
تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَحُجَّةً لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَلَا سِيَّمَا أَنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِالْقَدْرِ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِهِ؟! فَقَالَ: دَعْنَا الْآنَ مِنْ هَذَا، وَأَمْسَكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ جَوَابَكَ فِي نَفْسِ سُؤَالِكَ فَإِنَّكَ اعْتَرَفْتَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَذَوِيهِ كَانُوا قَلِيلِينَ جِدًّا وَأَضْدَادُهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَرَضَ الدَّاعِيَ لِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهُمْ أُولُو الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ أَقْوَى مِنَ الْغَرَضِ الدَّاعِي لِمُوَافَقَةِ الْأَقَلِّينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
Translation
[المسالة الخامسة] (فصل): قال السائل: إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور،
#35
Chapter 35 — [المسألة السادسة] (فصل): قال السائل: تدخل علينا الريبة من جهة عبد الله بن سلام وأصحابه،
· ref. #35
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
[المسألة السادسة]
(فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ:
تَدْخُلُ عَلَيْنَا الرِّيبَةُ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَنَّكُمْ قَدْ بَنَيْتُمْ أَكْثَرَ أَسَاسِ شَرِيعَتِكُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى أَحَادِيثِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ بَحْثٌ فِي عِلْمٍ وَلَا دِرَاسَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى أَنْ تَأْخُذَ بِأَحَادِيثِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَبَحْثٍ وَدِرَاسَةٍ وَكِتَابَةٍ، قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ وَبَعْدَهُ، وَلَا نَرَاكُمْ تَرْوُونَ عَنْهُمْ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَكُمْ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بَهْتٌ مِنْ قَائِلِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَبْنِ أَسَاسَ شَرِيعَتِنَا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا الْمَجِيدِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الْأُمَمَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلَافِ عُلُومِهَا وَأَجْنَاسِهَا وَطَبَائِعِهَا وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَعْدَاؤُهُ طَبَقُ الْأَرْضِ، أَنْ يُعَارِضُوهُ بِمِثْلِهِ فَيَكُونُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ، وَيَظْهَرَ كَذِبُهُ وَصِدْقُهُمْ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ. فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا، فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا.
هَذَا وَأَعْدَاؤُهُ الْأَدْنَوْنَ مِنْهُ أَفْصَحُ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَاللَّسَنِ
وَالنَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَالْخُطَبِ وَأَنْوَاعِ الْكَلَامِ، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ فَاهَ فِي مُعَارَضَتِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَأَشَدَّهُمْ أَذًى لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَمَا تَفَرَّدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: يَا ضِفْدَعُ بِنْتَ ضِفْدَعَيْنِ، نِقِّي كَمْ تَنِقِّينَ، لَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ، وَمِثْلِ: وَالطَّاحِنَاتِ طِحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، فَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ بِأَلْفَاظِ أَهْلِ الْمُجُونِ وَالْمَعْتُوهِينَ أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَلْفَاظِ الْعُقَلَاءِ. فَالْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ وَمَعَالِمَ حَلَالِهِمْ وَحَرَامِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، بِهِ هَدَى اللَّهُ رَسُولَهُ وَأُمَّتَهُ فَهُوَ أَسَاسُ دِينِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَأَفْحَشِ الْكَذِبِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أُمِّيِّينَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ زَكَّاهُمْ وَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَفَضَّلَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنُّفُوسِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَلَمْ تَبْقَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ تُدَانِيهِمْ فِي فَضْلِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، فَلَوْ قِيسَ مَا عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَعَلَمٍ وَهُدًى وَبَصِيرَةٍ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ أَعْلَمَ بِالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ، وَالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ، وَالنَّبْضِ وَالْقَارُورَةِ وَالْبَوْلِ
وَالْقَسْطَةِ، وَوَزْنِ الْأَنْهَارِ وَنُقُوشِ الْحِيطَانِ، وَوَضْعِ الْآلَاتِ الْعَجِيبَةِ، وَصِنَاعَةِ الْكِيمْيَاءِ، وَعِلْمِ الْفِلَاحَةِ، وَعِلْمِ الْهَيْئَةِ وَتَسْيِيرِ الْكَوَاكِبِ، وَعِلْمِ الْمُوسِيقَى وَالْأَلْحَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ، وَبَيْنَ عِلْمٍ نَفْعُهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَلَيْسَ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي هَذِهِ الْعُلُومِ فَنَعَمْ إِذًا، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَدِينِهِ وَشَرْعِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَتَفَاصِيلِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِلْمِ سَعَادَةِ النُّفُوسِ وَشَقَاوَتِهَا، وَعِلْمِ صَلَاحِ الْقُلُوبِ وَأَمْرَاضِهَا، فَمَنْ بَهَتَ نَبِيَّهُمْ بِمَا بَهَتَهُ بِهِ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ وَرِسَالَتَهُ الَّتِي هِيَ لِلْبَصَائِرِ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لِلْأَبْصَارِ، لَمْ يُنْكَرْ لَهُ أَنْ يَبْهَتَ أَصْحَابَهُ، وَيَجْحَدُ فَضْلَهُمْ وَمَعْرِفَتَهُمْ، وَيُنْكِرَ مَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، وَمَنْ هُوَ كَائِنٌ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ الَّذِينَ نَقَلُوا لِأَتْبَاعِ الْمَسِيحِ مَعَالِمَ دِينِهِ، وَسِيرَةَ الْمَسِيحِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى مَنَّ اللَّهُ بِالْمَسِيحِ وَشَاهَدُوا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَأَظْهَرُهُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَكَمَّلَ نُفُوسَهُمْ بِالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَصَارُوا يَفْعَلُونَ مَا نَقَلَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ إِلَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَيُدَوِّنُونَ الْعُلُومَ، كُلُّ ذَلِكَ بِبِرْكَتِهِ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أَعْنِي الصَّحَابَةَ ﵃، وَكَيْفَ يَكُونُونَ عَوَامًّا فِي ذَلِكَ وَهُمْ أَذْكَى النَّاسِ فِطْرَةً، وَأَزْكَاهُمْ نُفُوسًا، هُمْ يَتَلَقَّوْنَهُ غَضًّا طَرِيًّا، وَمَحْضًا لَمْ يُشَبْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَأَشْوَقُهُمْ إِلَيْهِ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ يَأْتِيهِمْ عَلَى لِسَانِهِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَكِتَابُهُمْ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى عُلُومِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ،
وَعِلْمِ مَا كَانَ مِنَ الْمَبْدَأِ، وَتَخْلِيقِ الْعَالِمِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَدَرَجَاتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَعَدَدِهِمْ، وَعَدَدِ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ، وَذِكْرِ كُتُبِهِمْ وَأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهُ بِهَا أَعْدَاءَهُمْ، وَمَا أَكْرَمَ بِهِ أَتْبَاعَهُمْ، وَذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَأَصْنَافِهِمْ وَأَنْوَاعِهِمْ وَمَا وُكِّلُوا بِهِ وَاسْتُعْمِلُوا فِيهِ، وَذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَتَفَاصِيلِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلِ عَذَابِهَا، وَذِكْرِ الْبَرْزَخِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِيهِ، وَذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْإِخْبَارِ بِهَا مُفَصَّلًا بِمَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتَابٌ غَيْرُهُ مِنْ حِينِ قَامَتِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْإِنْجِيلِ وَقَدْ بَشَّرَهُمْ بِهِ فَقَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُحْيِي لَكُمُ الْأَسْرَارَ وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَأَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَجِيئُكُمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. فَمَنْ هَذَا عِلْمُهُ بِشَهَادَةِ الْمَسِيحِ، وَأَصْحَابُهُ يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَنْهُ، وَهُمْ أَذْكَى الْخَلْقِ وَأَحْفَظُهُمْ وَأَحْرَصُهُمْ، كَيْفَ تُدَانِيهِمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ؟
وَلَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى، وَصَعِدَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى وَصَعِدَ
وَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْمَغْرِبُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، فَكَانَ أَعْلَمُهُمْ أَحْفَظَهُمْ. وَخَطَبَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ.
وَقَالَ يَهُودِيٌّ لِسَلْمَانَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةِ! قَالَ أَجَلْ. فَهَذَا الْيَهُودِيُّ كَانَ أَعْلَمَ بِنَبِيِّنَا مِنْ هَذَا السَّائِلِ وَطَائِفَتِهِ!! .
وَكَيْفَ يُدَّعَى فِي أَصْحَابِ نَبِيِّنَا أَنَّهُمْ وَهَذِهِ الْعُلُومُ النَّاقِصَةُ الْمَبْثُوثَةُ فِي الْأُمَمِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَتَفَنُّنِ ضُرُوبِهَا إِنَّمَا هِيَ عَنْهُمْ مَأْخُوذَةٌ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ صِبْيَانِهِمْ وَفِتْيَانِهِمْ وَقَدْ طَبَقَ الْأَرْضَ عِلْمًا، وَبَلَغَتْ فَتَاوِيهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سِفْرًا، وَكَانَ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ لَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفَرَائِضِ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ يَقُولُ السَّامِعُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي السُّنَّةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَسِيَرِ الْمَاضِينَ فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي أَنْسَابِ الْعَرَبِ وَقَبَائِلِهَا وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ فَكَذَلِكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ...،... وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ....
وَلَمَّا حَضَرَ مُعَاذًا الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ بِمَكَانِهِمَا، مَنِ اتَّبَعَهُمَا وَجَدَهُمَا، الْتَمَسُوا الْعِلْمَ عَنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقُ السَّبِيعِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عُلَمَاءُ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، رَجُلٌ بِالشَّامِ، وَآخَرُ بِالْكُوفَةِ، وَآخَرُ بِالْمَدِينَةِ. فَأَمَّا هَذَانِ فَيَسْأَلَانِ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، وَالَّذِي بِالْمَدِينَةِ لَا يَسْأَلُهُمَا عَنْ شَيْءٍ.
وَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ: حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: عَنْ أَيِّهِمْ؟ قَالُوا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَلِمَ السُّنَّةَ ثُمَّ انْتَهَى وَكَفَاهُ بِذَلِكَ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَعْلَمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْمُنَافِقِينَ، قَالُوا: فَأَبُو ذَرٍّ؟، قَالَ: كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا، قَالُوا: فَعَمَّارٌ؟، قَالَ: مُؤْمِنٌ نَسِيَ إِذَا ذَكَّرْتَهُ ذَكَرَ، خَلَطَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، لَيْسَ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ، قَالُوا: فَأَبُو مُوسَى؟، قَالَ: صُبِغَ فِي الْعِلْمِ صَبْغَةً، قَالُوا: فَسَلْمَانُ؟، قَالَ: عَلِمَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ، بَحْرٌ لَا يُنْزَحُ، مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ نَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟، قَالَ: إِيَّاهَا أَرَدْتُمْ، كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ أُعْطِيتُ، وَإِذَا سَكَتَّ ابْتُدِئْتُ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... شَافَهْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى سِتَّةٍ، إِلَى: عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ شَافَهْتُ السِّتَّةَ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: جَالَسَتْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانُوا كَالْأَخَاذِ، الْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ، وَالْأَخَاذَ يَرْوِي الْعَشَرَةَ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ
لَأَصْدَرَهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَخَاذِ....
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى أَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ، فَقَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ....... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وُضِعَ....
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَأَنَّ عِلْمَ النَّاسِ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ دُسَّ فِي جُحْرٍ ...،... وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَبُو مُوسَى.... وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَلَا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا أَفْقَهَ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ عُمَرَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تُرْسِلُنِي إِلَى قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانُكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُو عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟، قَالَ فَأَتَيْتُهُ بِشَّاةٍ فَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَنَزَلَ لَبَنٌ فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: اقْلِصْ فَقَلَصَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّكَ عَلِيمٌ مُعَلَّمٌ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: مَا أَرَى أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ حِينَ لَا نَسْمَعُ، وَيَدْخُلُ حِينَ لَا نَدْخُلُ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أُنْزِلَتْ سُورَةً إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ
أَنَّ رَجُلًا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تُبْلُغُهُ الْإِبِلُ وَالْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ ...، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿: حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا قَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
وَقِيلَ لِمَسْرُوقٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ....
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا مِنْهُ عِلْمًا.
وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ....
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَبُو ذَرٍّ وَعَى عِلْمًا، ثُمَّ وَكَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَوَجَدْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ،
وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا الدَّرْدَاءِ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ....
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتَ حِلْمًا، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَحِلْمًا....
وَلَمَّا مَاتَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ قَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: هَكَذَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ.
وَضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ، ... وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنِيفِيَّةِ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَا أَجْلَدُ رَأْيًا وَلَا أَثْقُبُ نَظَرًا حِينَ يَنْظُرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ طَرَأَتْ عَلَيْنَا عُضَلٌ أَقَضِيَتُهُ أَنْتَ لَهَا وَلِأَمْثَالِهَا ثُمَّ ... يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ: وَعُمَرُ عُمَرُ فِي جَدِّهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ....
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَكْثَرَ فِقْهًا وَأَعْظَمَ جَفْنَةً، إِنَّ أَصْحَابَ الْفِقْهِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الشِّعْرِ عِنْدَهُ، يُصْدِرُهُمْ كُلُّهُمْ فِي وَادٍ وَاسِعٍ....
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَفِقْهًا....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَسْنَانَنَا مَا عَشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ. أَيْ مَا بَلَغَ عُشْرَهُ....
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ إِلَّا عَرَفْتُ أَنَّهُ فَقِيهٌ أَوْ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَقِيلَ لَهُ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ، وَكَانَ يُسَمَّى الْبَحْرُ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ....
وَقَالَ طَاوُسٌ: أَدْرَكْتُ نَحْوَ خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْئًا خَالَفُوهُ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى يُقَرِّرَهُمْ....
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتَ: أَجْمَلُ النَّاسِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ قُلْتَ: أَفْصَحُ النَّاسِ، فَإِذَا حَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ....
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأَيْتُ عَلَيْهِ النُّورَ....... وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَكَأَنَّهُ رَآنِي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ؟....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ وُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فِي كِفَّةٍ وَعِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ
لَرَجَحَ بِهِمْ عَلَمُ عُمَرَ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ؟ إِنْ كُنَّا لِنَحْسَبُهُ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ....
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُقَدَّمَةً فِي الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالتَّفْسِيرِ....
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِقَضَاءٍ وَلَا بِحَدِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا أَرَوَى لِلشِّعْرِ وَلَا أَعْلَمَ بِفَرِيضَةٍ وَلَا طِبٍّ، مِنْ عَائِشَةَ ﵂....
وَقَالَ عَطَاءٌ: ... كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَفْقَهَ النَّاسِ....
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: رَوَى الْعِلْمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَمَانُمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَاحِبٍ
وَتَابِعٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ وَبَعَثَهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجُعِلُوا وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ....
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ....
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّحَابَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَسَبَقَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ نَخْرُجْ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّامَ، نَظَرَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالْمَنَاشِيرِ وَصُلِّبُوا عَلَى الْخَشَبِ بِأَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَقَدْ شَهِدَ لَهُمُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
كَمَا شَهِدَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﵎ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَعُلَمَاؤُهُمْ وَتَلَامِيذُهُمُ الَّذِينَ مَلَئُوا الْأَرْضَ عِلْمًا، فَعُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَهَلُمَّ جَرَّا.
وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ طَبَقَ عِلْمُهُمُ الْأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، تَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَخِيَارُ مَا عِنْدَهُمْ مَا كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخِيَارُ الْفِقْهِ مَا كَانَ مِنْهُمْ، وَأَوْضَحُ التَّفْسِيرِ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ.
وَأَمَّا كَلَامُهُمْ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَفِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَرَفَ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَرَفَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ مُتَرْجَمٌ عَنْهُ، وَكُلُّ عَلَمٍ نَافِعٍ فِي الْأُمَّةِ فَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمَأْخُوذٌ عَنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ قَدْ طَبَقَتْ تَصَانِيفِهِمْ وَفَتَاوِيهِمُ الْأَرْضَ. فَهَذَا مَالِكٌ جُمِعَتْ فَتَاوِيهِ عِدَّةَ أَسْفَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ تَصَانِيفُ الشَّافِعِيِّ ﵁ تُقَارِبُ الْمِائَةَ، وَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَلَغَتْ فَتَاوِيهِ وَتَآلِيفُهُ نَحْوَ مِائَةِ سِفْرٍ، وَفَتَاوِيهِ عِنْدَنَا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ سِفْرًا، وَغَالِبُ تَصَانِيفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا عَلَّامَتُهُمُ الْمُتَأَخِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَتَاوَاهُ فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا وَرَأَيْتُهَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهَذِهِ تَآلِيفُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ، كُلُّهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ يُقِرُّ لِلصَّحَابَةِ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ عِلْمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِهِمْ كَعُلُومِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ نَبِيِّهِمْ.
وَفِي الثَّقَفِيَّاتِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَافِرَيِّ، عَنْ أَبِيهِ: ... أَنَّ كَعْبًا رَأَى حَبْرَ الْيَهُودِ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ بَعْضَ الْأَمْرِ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَئِنْ أَخْبَرْتُكَ مَا أَبْكَاكَ لَتَصْدُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ: هَلْ تَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُونَ أَعْوَرَ الدَّجَّالِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً هُمُ الْحَمَّادُونَ رُعَاةُ الشَّمْسِ الْمُحَكَّمُونَ إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا قَالُوا: نَفْعَلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً إِذَا أَشْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَرَفٍ كَبَّرَ اللَّهَ، وَإِذَا هَبَطَ حَمَدَ اللَّهَ، الصَّعِيدُ طَهُورُهُمْ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ مَسْجِدًا، حَيْثُمَا كَانُوا يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، طَهُورُهُمْ بِالصَّعِيدِ كَطُهُورِهِمْ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَا يَجِدُونَ الْمَاءَ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً مَرْحُومَةً
يَرِثُونَ الْكِتَابَ وَاصْطَفَيْتَهُمْ لِنَفْسِكَ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيِّرَاتِ، فَلَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا مَرْحُومًا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ مَصَاحِفَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يُصَفُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، أَصْوَاتُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ بَرِئَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، مِثْلَ مَا بَرِئَ الْحَجَرُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ. قَالَ مُوسَى: فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
فَلَمَّا عَجِبَ مُوسَى مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتُهُ، قَالَ: لَيْتَنِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ آيَاتٍ يُرْضِيهِ بِهِنَّ: يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ الْآيَةَ، وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قَالَ: فَرَضِيَ كُلَّ الرِّضَا....
وَهَذِهِ الْفُصُولُ بَعْضُهَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ غَيْرِهِ. وَالتَّوْرَاةُ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ ﷾ كَتَبَ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمَّا كَسَرَهَا رُفِعَ
مِنْهَا الْكَثِيرُ وَبَقِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، فَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا النَّقْلِ جَهْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ، فَلَا يَزَالُ فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْآحَادُ مِنَ النَّاسِ أَوِ الْوَاحِدُ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى قُرْبِ عَهْدِهَا بِنَبِيِّهَا، فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ، مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْأَفْرَادُ الْقَلِيلُونَ جِدًّا مِنْ أُمَّتِهِ، وَسَائِرُ النَّاسِ مُنْكِرٍ لَهُ وَجَاهِلٌ بِهِ.
وَسَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِلْحِسَابِ فَدَعَا الْأَنْبِيَاءَ فَجَاءَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ، وَرَأَيْتُ لِكُلِّ نَبِيٍّ نُورَيْنِ وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِذَا لِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ نُورٌ، وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورَانِ يَمْشِي بِهِمَا.
فَقَالَ كَعْبٌ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا؟ قَالَ: رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا فِي مَنَامِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لِصِفَةُ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتُهُ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، لَكَأَنَّمَا قَرَأْتَهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ....
وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يَا رُوحَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أُمَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَأَيَّةُ أُمَّةٍ؟ قَالَ: أُمَّةُ أَحْمَدَ، قِيلَ: يَا رُوحُ اللَّهِ! وَمَا أُمَّةُ أَحْمَدَ؟ قَالَ: عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءٌ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَرْضَى اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَالَ كَعْبٌ: عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ.
ثُمَّ نَقُولُ: وَمَا يُدْرِيكُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصُّلْبَانِ وَأُمَّةَ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ بِالْفِقْهِ
وَالْعِلْمِ وَمُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، حَيْثُ تَسْلُبُونَهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ هُمْ وَتَلَامِيذُهُمْ كَأَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ وَهَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ وَيَعْرِفُ مَقَادِيرَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَمَعْدُودٌ فِي زُمْرَتِهِمْ؟ فَأَمَّا طَائِفَةٌ شَبَّهَ اللَّهُ عُلَمَاءَهُمْ بِالْحَمِيرِ الَّتِي تَحْمِلُ الْأَسْفَارَ، وَطَائِفَةٌ عُلَمَاؤُهُمْ يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مَا لَا تَرْضَاهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِيمَنْ تُعَظِّمُهُ وَتُجِلُّهُ، وَتَأْخُذُ دِينَهَا عَنْ كُلِّ كَاذِبٍ وَمُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَمَثَلُهَا مَثَلُ عُرْيَانٍ يُحَارِبُ شَاكِيَ السِّلَاحِ، وَمَنْ سَقْفُ بَيْتَهُ زُجَاجٌ، وَهُوَ يُرَاجِمُ أَصْحَابَ الْقُصُورِ بِالْأَحْجَارِ، وَلَا يَسْتَكْثِرُ عَلَى مَنْ قَالَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا قَالَ أَنْ يَقُولَ فِي أَعْلَمَ الْخَلْقِ إِنَّهُمْ عَوَامٌّ.
فَلْيَهْنِ أُمَّةَ الْغَضَبِ عَلِمُ الْمَشْنَا وَالتَّلْمُودِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى، وَمَا يُحْدِثُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاءُ السُّوءِ كُلَّ وَقْتٍ، وَلْيَهْنِهِمْ عُلُومٌ دَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُنَاجُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: يَا إِلَهَنَا انْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِكَ كَمْ تَنَامُ، يُنَخُّونَهُ حَتَّى يَنْتَخِيَ وَيُنْقَذَ دَوْلَتَهُمْ، وَلْيَهْنِ أُمَّةَ الضَّلَالِ عُلُومُهُمُ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا جَمِيعَ
شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالَفُوا فِيهَا الْمَسِيحَ خِلَافًا يَتَحَقَّقُهُ عُلَمَاؤُهُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ، وَعُلُومُهُمُ الَّتِي قَالُوا بِهَا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا قَالُوا، مِمَّا كَادَتِ السَّمَاوَاتُ تَنْشَقُّ مِنْهُ وَالْأَرْضُ تَنْفَطِرُ وَالْجِبَالُ تَنَهَّدُ لَوْلَا أَنْ أَمْسَكَهَا الْحَكِيمُ الصَّبُورُ.
وَعُلُومُهُمُ الَّتِي دَلَّتْهُمْ عَلَى التَّثْلِيثِ، وَعِبَادَةِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ بِالسِّيرْقُونِ وَالزُّنْجُفْرِ.
وَدَلَّتْكُمْ عَلَى قَوْلِ عَالِمِكُمْ أَفْرَيِمَ " إِنَّ الْيَدَ الَّتِي جَلَبَتْ طِينَةَ آدَمَ هِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ عَلَى الصَّلْبُوتِ، وَأَنَّ الشِّبْرَ الَّذِي ذُرِعَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ هُوَ الَّذِي سُمِّرَ عَلَى الْخَشَبَةِ، وَقَوْلِ عَالِمِكُمْ عَرَنْقُورِسَ: مَنْ لَمْ يَقُلْ إِنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ.
(فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ:
تَدْخُلُ عَلَيْنَا الرِّيبَةُ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَنَّكُمْ قَدْ بَنَيْتُمْ أَكْثَرَ أَسَاسِ شَرِيعَتِكُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى أَحَادِيثِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ بَحْثٌ فِي عِلْمٍ وَلَا دِرَاسَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى أَنْ تَأْخُذَ بِأَحَادِيثِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَبَحْثٍ وَدِرَاسَةٍ وَكِتَابَةٍ، قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ وَبَعْدَهُ، وَلَا نَرَاكُمْ تَرْوُونَ عَنْهُمْ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَكُمْ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بَهْتٌ مِنْ قَائِلِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَبْنِ أَسَاسَ شَرِيعَتِنَا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا الْمَجِيدِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الْأُمَمَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلَافِ عُلُومِهَا وَأَجْنَاسِهَا وَطَبَائِعِهَا وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَعْدَاؤُهُ طَبَقُ الْأَرْضِ، أَنْ يُعَارِضُوهُ بِمِثْلِهِ فَيَكُونُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ، وَيَظْهَرَ كَذِبُهُ وَصِدْقُهُمْ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ. فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا، فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا.
هَذَا وَأَعْدَاؤُهُ الْأَدْنَوْنَ مِنْهُ أَفْصَحُ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَاللَّسَنِ
وَالنَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَالْخُطَبِ وَأَنْوَاعِ الْكَلَامِ، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ فَاهَ فِي مُعَارَضَتِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَأَشَدَّهُمْ أَذًى لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَمَا تَفَرَّدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: يَا ضِفْدَعُ بِنْتَ ضِفْدَعَيْنِ، نِقِّي كَمْ تَنِقِّينَ، لَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ، وَمِثْلِ: وَالطَّاحِنَاتِ طِحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، فَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ بِأَلْفَاظِ أَهْلِ الْمُجُونِ وَالْمَعْتُوهِينَ أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَلْفَاظِ الْعُقَلَاءِ. فَالْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ وَمَعَالِمَ حَلَالِهِمْ وَحَرَامِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، بِهِ هَدَى اللَّهُ رَسُولَهُ وَأُمَّتَهُ فَهُوَ أَسَاسُ دِينِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَأَفْحَشِ الْكَذِبِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أُمِّيِّينَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ زَكَّاهُمْ وَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَفَضَّلَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنُّفُوسِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَلَمْ تَبْقَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ تُدَانِيهِمْ فِي فَضْلِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، فَلَوْ قِيسَ مَا عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَعَلَمٍ وَهُدًى وَبَصِيرَةٍ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ أَعْلَمَ بِالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ، وَالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ، وَالنَّبْضِ وَالْقَارُورَةِ وَالْبَوْلِ
وَالْقَسْطَةِ، وَوَزْنِ الْأَنْهَارِ وَنُقُوشِ الْحِيطَانِ، وَوَضْعِ الْآلَاتِ الْعَجِيبَةِ، وَصِنَاعَةِ الْكِيمْيَاءِ، وَعِلْمِ الْفِلَاحَةِ، وَعِلْمِ الْهَيْئَةِ وَتَسْيِيرِ الْكَوَاكِبِ، وَعِلْمِ الْمُوسِيقَى وَالْأَلْحَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ، وَبَيْنَ عِلْمٍ نَفْعُهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَلَيْسَ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي هَذِهِ الْعُلُومِ فَنَعَمْ إِذًا، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَدِينِهِ وَشَرْعِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَتَفَاصِيلِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِلْمِ سَعَادَةِ النُّفُوسِ وَشَقَاوَتِهَا، وَعِلْمِ صَلَاحِ الْقُلُوبِ وَأَمْرَاضِهَا، فَمَنْ بَهَتَ نَبِيَّهُمْ بِمَا بَهَتَهُ بِهِ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ وَرِسَالَتَهُ الَّتِي هِيَ لِلْبَصَائِرِ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لِلْأَبْصَارِ، لَمْ يُنْكَرْ لَهُ أَنْ يَبْهَتَ أَصْحَابَهُ، وَيَجْحَدُ فَضْلَهُمْ وَمَعْرِفَتَهُمْ، وَيُنْكِرَ مَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، وَمَنْ هُوَ كَائِنٌ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ الَّذِينَ نَقَلُوا لِأَتْبَاعِ الْمَسِيحِ مَعَالِمَ دِينِهِ، وَسِيرَةَ الْمَسِيحِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى مَنَّ اللَّهُ بِالْمَسِيحِ وَشَاهَدُوا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَأَظْهَرُهُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَكَمَّلَ نُفُوسَهُمْ بِالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَصَارُوا يَفْعَلُونَ مَا نَقَلَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ إِلَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَيُدَوِّنُونَ الْعُلُومَ، كُلُّ ذَلِكَ بِبِرْكَتِهِ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أَعْنِي الصَّحَابَةَ ﵃، وَكَيْفَ يَكُونُونَ عَوَامًّا فِي ذَلِكَ وَهُمْ أَذْكَى النَّاسِ فِطْرَةً، وَأَزْكَاهُمْ نُفُوسًا، هُمْ يَتَلَقَّوْنَهُ غَضًّا طَرِيًّا، وَمَحْضًا لَمْ يُشَبْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَأَشْوَقُهُمْ إِلَيْهِ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ يَأْتِيهِمْ عَلَى لِسَانِهِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَكِتَابُهُمْ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى عُلُومِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ،
وَعِلْمِ مَا كَانَ مِنَ الْمَبْدَأِ، وَتَخْلِيقِ الْعَالِمِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَدَرَجَاتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَعَدَدِهِمْ، وَعَدَدِ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ، وَذِكْرِ كُتُبِهِمْ وَأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهُ بِهَا أَعْدَاءَهُمْ، وَمَا أَكْرَمَ بِهِ أَتْبَاعَهُمْ، وَذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَأَصْنَافِهِمْ وَأَنْوَاعِهِمْ وَمَا وُكِّلُوا بِهِ وَاسْتُعْمِلُوا فِيهِ، وَذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَتَفَاصِيلِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلِ عَذَابِهَا، وَذِكْرِ الْبَرْزَخِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِيهِ، وَذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْإِخْبَارِ بِهَا مُفَصَّلًا بِمَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتَابٌ غَيْرُهُ مِنْ حِينِ قَامَتِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْإِنْجِيلِ وَقَدْ بَشَّرَهُمْ بِهِ فَقَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُحْيِي لَكُمُ الْأَسْرَارَ وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَأَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَجِيئُكُمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. فَمَنْ هَذَا عِلْمُهُ بِشَهَادَةِ الْمَسِيحِ، وَأَصْحَابُهُ يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَنْهُ، وَهُمْ أَذْكَى الْخَلْقِ وَأَحْفَظُهُمْ وَأَحْرَصُهُمْ، كَيْفَ تُدَانِيهِمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ؟
وَلَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى، وَصَعِدَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى وَصَعِدَ
وَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْمَغْرِبُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، فَكَانَ أَعْلَمُهُمْ أَحْفَظَهُمْ. وَخَطَبَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ.
وَقَالَ يَهُودِيٌّ لِسَلْمَانَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةِ! قَالَ أَجَلْ. فَهَذَا الْيَهُودِيُّ كَانَ أَعْلَمَ بِنَبِيِّنَا مِنْ هَذَا السَّائِلِ وَطَائِفَتِهِ!! .
وَكَيْفَ يُدَّعَى فِي أَصْحَابِ نَبِيِّنَا أَنَّهُمْ وَهَذِهِ الْعُلُومُ النَّاقِصَةُ الْمَبْثُوثَةُ فِي الْأُمَمِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَتَفَنُّنِ ضُرُوبِهَا إِنَّمَا هِيَ عَنْهُمْ مَأْخُوذَةٌ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ صِبْيَانِهِمْ وَفِتْيَانِهِمْ وَقَدْ طَبَقَ الْأَرْضَ عِلْمًا، وَبَلَغَتْ فَتَاوِيهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سِفْرًا، وَكَانَ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ لَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفَرَائِضِ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ يَقُولُ السَّامِعُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي السُّنَّةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَسِيَرِ الْمَاضِينَ فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي أَنْسَابِ الْعَرَبِ وَقَبَائِلِهَا وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ فَكَذَلِكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ...،... وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ....
وَلَمَّا حَضَرَ مُعَاذًا الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ بِمَكَانِهِمَا، مَنِ اتَّبَعَهُمَا وَجَدَهُمَا، الْتَمَسُوا الْعِلْمَ عَنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقُ السَّبِيعِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عُلَمَاءُ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، رَجُلٌ بِالشَّامِ، وَآخَرُ بِالْكُوفَةِ، وَآخَرُ بِالْمَدِينَةِ. فَأَمَّا هَذَانِ فَيَسْأَلَانِ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، وَالَّذِي بِالْمَدِينَةِ لَا يَسْأَلُهُمَا عَنْ شَيْءٍ.
وَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ: حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: عَنْ أَيِّهِمْ؟ قَالُوا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَلِمَ السُّنَّةَ ثُمَّ انْتَهَى وَكَفَاهُ بِذَلِكَ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَعْلَمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْمُنَافِقِينَ، قَالُوا: فَأَبُو ذَرٍّ؟، قَالَ: كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا، قَالُوا: فَعَمَّارٌ؟، قَالَ: مُؤْمِنٌ نَسِيَ إِذَا ذَكَّرْتَهُ ذَكَرَ، خَلَطَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، لَيْسَ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ، قَالُوا: فَأَبُو مُوسَى؟، قَالَ: صُبِغَ فِي الْعِلْمِ صَبْغَةً، قَالُوا: فَسَلْمَانُ؟، قَالَ: عَلِمَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ، بَحْرٌ لَا يُنْزَحُ، مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ نَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟، قَالَ: إِيَّاهَا أَرَدْتُمْ، كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ أُعْطِيتُ، وَإِذَا سَكَتَّ ابْتُدِئْتُ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... شَافَهْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى سِتَّةٍ، إِلَى: عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ شَافَهْتُ السِّتَّةَ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: جَالَسَتْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانُوا كَالْأَخَاذِ، الْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ، وَالْأَخَاذَ يَرْوِي الْعَشَرَةَ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ
لَأَصْدَرَهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَخَاذِ....
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى أَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ، فَقَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ....... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وُضِعَ....
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَأَنَّ عِلْمَ النَّاسِ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ دُسَّ فِي جُحْرٍ ...،... وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَبُو مُوسَى.... وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَلَا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا أَفْقَهَ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ عُمَرَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تُرْسِلُنِي إِلَى قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانُكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُو عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟، قَالَ فَأَتَيْتُهُ بِشَّاةٍ فَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَنَزَلَ لَبَنٌ فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: اقْلِصْ فَقَلَصَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّكَ عَلِيمٌ مُعَلَّمٌ.
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: مَا أَرَى أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ حِينَ لَا نَسْمَعُ، وَيَدْخُلُ حِينَ لَا نَدْخُلُ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أُنْزِلَتْ سُورَةً إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ
أَنَّ رَجُلًا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تُبْلُغُهُ الْإِبِلُ وَالْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ ...، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿: حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا قَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
وَقِيلَ لِمَسْرُوقٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ....
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا مِنْهُ عِلْمًا.
وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ....
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَبُو ذَرٍّ وَعَى عِلْمًا، ثُمَّ وَكَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ....
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَوَجَدْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ،
وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا الدَّرْدَاءِ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ....
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتَ حِلْمًا، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَحِلْمًا....
وَلَمَّا مَاتَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ قَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: هَكَذَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ.
وَضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ، ... وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنِيفِيَّةِ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَا أَجْلَدُ رَأْيًا وَلَا أَثْقُبُ نَظَرًا حِينَ يَنْظُرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ طَرَأَتْ عَلَيْنَا عُضَلٌ أَقَضِيَتُهُ أَنْتَ لَهَا وَلِأَمْثَالِهَا ثُمَّ ... يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ: وَعُمَرُ عُمَرُ فِي جَدِّهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ....
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَكْثَرَ فِقْهًا وَأَعْظَمَ جَفْنَةً، إِنَّ أَصْحَابَ الْفِقْهِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الشِّعْرِ عِنْدَهُ، يُصْدِرُهُمْ كُلُّهُمْ فِي وَادٍ وَاسِعٍ....
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَفِقْهًا....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَسْنَانَنَا مَا عَشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ. أَيْ مَا بَلَغَ عُشْرَهُ....
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ إِلَّا عَرَفْتُ أَنَّهُ فَقِيهٌ أَوْ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَقِيلَ لَهُ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ، وَكَانَ يُسَمَّى الْبَحْرُ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ....
وَقَالَ طَاوُسٌ: أَدْرَكْتُ نَحْوَ خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْئًا خَالَفُوهُ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى يُقَرِّرَهُمْ....
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتَ: أَجْمَلُ النَّاسِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ قُلْتَ: أَفْصَحُ النَّاسِ، فَإِذَا حَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ....
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأَيْتُ عَلَيْهِ النُّورَ....... وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ.
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَكَأَنَّهُ رَآنِي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ؟....
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ وُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فِي كِفَّةٍ وَعِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ
لَرَجَحَ بِهِمْ عَلَمُ عُمَرَ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ؟ إِنْ كُنَّا لِنَحْسَبُهُ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ....
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُقَدَّمَةً فِي الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالتَّفْسِيرِ....
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِقَضَاءٍ وَلَا بِحَدِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا أَرَوَى لِلشِّعْرِ وَلَا أَعْلَمَ بِفَرِيضَةٍ وَلَا طِبٍّ، مِنْ عَائِشَةَ ﵂....
وَقَالَ عَطَاءٌ: ... كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَفْقَهَ النَّاسِ....
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: رَوَى الْعِلْمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَمَانُمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَاحِبٍ
وَتَابِعٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ وَبَعَثَهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجُعِلُوا وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ....
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ....
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّحَابَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَسَبَقَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ نَخْرُجْ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّامَ، نَظَرَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالْمَنَاشِيرِ وَصُلِّبُوا عَلَى الْخَشَبِ بِأَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَقَدْ شَهِدَ لَهُمُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
كَمَا شَهِدَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﵎ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَعُلَمَاؤُهُمْ وَتَلَامِيذُهُمُ الَّذِينَ مَلَئُوا الْأَرْضَ عِلْمًا، فَعُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَهَلُمَّ جَرَّا.
وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ طَبَقَ عِلْمُهُمُ الْأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، تَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَخِيَارُ مَا عِنْدَهُمْ مَا كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخِيَارُ الْفِقْهِ مَا كَانَ مِنْهُمْ، وَأَوْضَحُ التَّفْسِيرِ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ.
وَأَمَّا كَلَامُهُمْ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَفِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَرَفَ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَرَفَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ مُتَرْجَمٌ عَنْهُ، وَكُلُّ عَلَمٍ نَافِعٍ فِي الْأُمَّةِ فَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمَأْخُوذٌ عَنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ قَدْ طَبَقَتْ تَصَانِيفِهِمْ وَفَتَاوِيهِمُ الْأَرْضَ. فَهَذَا مَالِكٌ جُمِعَتْ فَتَاوِيهِ عِدَّةَ أَسْفَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ تَصَانِيفُ الشَّافِعِيِّ ﵁ تُقَارِبُ الْمِائَةَ، وَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَلَغَتْ فَتَاوِيهِ وَتَآلِيفُهُ نَحْوَ مِائَةِ سِفْرٍ، وَفَتَاوِيهِ عِنْدَنَا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ سِفْرًا، وَغَالِبُ تَصَانِيفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا عَلَّامَتُهُمُ الْمُتَأَخِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَتَاوَاهُ فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا وَرَأَيْتُهَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهَذِهِ تَآلِيفُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ، كُلُّهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ يُقِرُّ لِلصَّحَابَةِ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ عِلْمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِهِمْ كَعُلُومِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ نَبِيِّهِمْ.
وَفِي الثَّقَفِيَّاتِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَافِرَيِّ، عَنْ أَبِيهِ: ... أَنَّ كَعْبًا رَأَى حَبْرَ الْيَهُودِ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ بَعْضَ الْأَمْرِ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَئِنْ أَخْبَرْتُكَ مَا أَبْكَاكَ لَتَصْدُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ: هَلْ تَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُونَ أَعْوَرَ الدَّجَّالِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً هُمُ الْحَمَّادُونَ رُعَاةُ الشَّمْسِ الْمُحَكَّمُونَ إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا قَالُوا: نَفْعَلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً إِذَا أَشْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَرَفٍ كَبَّرَ اللَّهَ، وَإِذَا هَبَطَ حَمَدَ اللَّهَ، الصَّعِيدُ طَهُورُهُمْ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ مَسْجِدًا، حَيْثُمَا كَانُوا يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، طَهُورُهُمْ بِالصَّعِيدِ كَطُهُورِهِمْ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَا يَجِدُونَ الْمَاءَ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً مَرْحُومَةً
يَرِثُونَ الْكِتَابَ وَاصْطَفَيْتَهُمْ لِنَفْسِكَ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيِّرَاتِ، فَلَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا مَرْحُومًا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ مَصَاحِفَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يُصَفُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، أَصْوَاتُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ بَرِئَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، مِثْلَ مَا بَرِئَ الْحَجَرُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ. قَالَ مُوسَى: فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ.
فَلَمَّا عَجِبَ مُوسَى مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتُهُ، قَالَ: لَيْتَنِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ آيَاتٍ يُرْضِيهِ بِهِنَّ: يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ الْآيَةَ، وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قَالَ: فَرَضِيَ كُلَّ الرِّضَا....
وَهَذِهِ الْفُصُولُ بَعْضُهَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ غَيْرِهِ. وَالتَّوْرَاةُ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ ﷾ كَتَبَ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمَّا كَسَرَهَا رُفِعَ
مِنْهَا الْكَثِيرُ وَبَقِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، فَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا النَّقْلِ جَهْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ، فَلَا يَزَالُ فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْآحَادُ مِنَ النَّاسِ أَوِ الْوَاحِدُ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى قُرْبِ عَهْدِهَا بِنَبِيِّهَا، فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ، مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْأَفْرَادُ الْقَلِيلُونَ جِدًّا مِنْ أُمَّتِهِ، وَسَائِرُ النَّاسِ مُنْكِرٍ لَهُ وَجَاهِلٌ بِهِ.
وَسَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِلْحِسَابِ فَدَعَا الْأَنْبِيَاءَ فَجَاءَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ، وَرَأَيْتُ لِكُلِّ نَبِيٍّ نُورَيْنِ وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِذَا لِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ نُورٌ، وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورَانِ يَمْشِي بِهِمَا.
فَقَالَ كَعْبٌ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا؟ قَالَ: رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا فِي مَنَامِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لِصِفَةُ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتُهُ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، لَكَأَنَّمَا قَرَأْتَهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ....
وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يَا رُوحَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أُمَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَأَيَّةُ أُمَّةٍ؟ قَالَ: أُمَّةُ أَحْمَدَ، قِيلَ: يَا رُوحُ اللَّهِ! وَمَا أُمَّةُ أَحْمَدَ؟ قَالَ: عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءٌ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَرْضَى اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَالَ كَعْبٌ: عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ.
ثُمَّ نَقُولُ: وَمَا يُدْرِيكُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصُّلْبَانِ وَأُمَّةَ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ بِالْفِقْهِ
وَالْعِلْمِ وَمُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، حَيْثُ تَسْلُبُونَهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ هُمْ وَتَلَامِيذُهُمْ كَأَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ وَهَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ وَيَعْرِفُ مَقَادِيرَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَمَعْدُودٌ فِي زُمْرَتِهِمْ؟ فَأَمَّا طَائِفَةٌ شَبَّهَ اللَّهُ عُلَمَاءَهُمْ بِالْحَمِيرِ الَّتِي تَحْمِلُ الْأَسْفَارَ، وَطَائِفَةٌ عُلَمَاؤُهُمْ يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مَا لَا تَرْضَاهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِيمَنْ تُعَظِّمُهُ وَتُجِلُّهُ، وَتَأْخُذُ دِينَهَا عَنْ كُلِّ كَاذِبٍ وَمُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَمَثَلُهَا مَثَلُ عُرْيَانٍ يُحَارِبُ شَاكِيَ السِّلَاحِ، وَمَنْ سَقْفُ بَيْتَهُ زُجَاجٌ، وَهُوَ يُرَاجِمُ أَصْحَابَ الْقُصُورِ بِالْأَحْجَارِ، وَلَا يَسْتَكْثِرُ عَلَى مَنْ قَالَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا قَالَ أَنْ يَقُولَ فِي أَعْلَمَ الْخَلْقِ إِنَّهُمْ عَوَامٌّ.
فَلْيَهْنِ أُمَّةَ الْغَضَبِ عَلِمُ الْمَشْنَا وَالتَّلْمُودِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى، وَمَا يُحْدِثُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاءُ السُّوءِ كُلَّ وَقْتٍ، وَلْيَهْنِهِمْ عُلُومٌ دَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُنَاجُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: يَا إِلَهَنَا انْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِكَ كَمْ تَنَامُ، يُنَخُّونَهُ حَتَّى يَنْتَخِيَ وَيُنْقَذَ دَوْلَتَهُمْ، وَلْيَهْنِ أُمَّةَ الضَّلَالِ عُلُومُهُمُ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا جَمِيعَ
شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالَفُوا فِيهَا الْمَسِيحَ خِلَافًا يَتَحَقَّقُهُ عُلَمَاؤُهُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ، وَعُلُومُهُمُ الَّتِي قَالُوا بِهَا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا قَالُوا، مِمَّا كَادَتِ السَّمَاوَاتُ تَنْشَقُّ مِنْهُ وَالْأَرْضُ تَنْفَطِرُ وَالْجِبَالُ تَنَهَّدُ لَوْلَا أَنْ أَمْسَكَهَا الْحَكِيمُ الصَّبُورُ.
وَعُلُومُهُمُ الَّتِي دَلَّتْهُمْ عَلَى التَّثْلِيثِ، وَعِبَادَةِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ بِالسِّيرْقُونِ وَالزُّنْجُفْرِ.
وَدَلَّتْكُمْ عَلَى قَوْلِ عَالِمِكُمْ أَفْرَيِمَ " إِنَّ الْيَدَ الَّتِي جَلَبَتْ طِينَةَ آدَمَ هِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ عَلَى الصَّلْبُوتِ، وَأَنَّ الشِّبْرَ الَّذِي ذُرِعَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ هُوَ الَّذِي سُمِّرَ عَلَى الْخَشَبَةِ، وَقَوْلِ عَالِمِكُمْ عَرَنْقُورِسَ: مَنْ لَمْ يَقُلْ إِنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ.
Translation
[المسألة السادسة] (فصل): قال السائل: تدخل علينا الريبة من جهة عبد الله بن سلام وأصحابه،
#36
Chapter 36 — [المسألة السابعة] (فصل): قال السائل: نرى في دينكم أكثر الفواحش فيمن هو أعلم وأفقه في دينكم
· ref. #36
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
[المسألة السابعة] (فَصْلٌ): قَالَ السَّائِلُ:
نَرَى فِي دِينِكُمْ أَكْثَرَ الْفَوَاحِشِ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ فِي دِينِكُمْ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ وَالْبُخْلِ، وَالْغَدْرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَقِلَّةِ الْوَرَعِ وَالْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَكَثْرَةِ الْهَلَعِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْكَسَلِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الْحَالُ يُكَذِّبُ لِسَانَ الْمَقَالِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَاذَا عَلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ مِنْ مَعَاصِي أُمَمِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا فِي وَجْهِ رِسَالَتِهِمْ؟! وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسَالَتِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعَاهُ طَبِيبٌ نَاصِحٌ إِلَى سَبَبٍ يَنَالُ بِهِ غَايَةَ عَافِيَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَرْضَى. وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أَنْ يَشْفُوا جَمِيعَ الْمَرْضَى بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْعَالَمِ مَرِيضٌ؟ وَهَلْ تَعَنَّتَ أَحَدٌ عَلَى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعَنُّتِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذُّنُوبَ أَوِ الْمَعَاصِيَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ فِي
الْعَالَمِ مِنْ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَزَاهِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرَاغِبِهِمْ، وَأَمِيرِهِمْ وَمَأْمُورِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يُقْدَحَ بِهِ فِيهَا وَفِي نَبِيِّهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا. فَالْمَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ وَإِنْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَعَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى، ثُمَّ تَابَ مِنْهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً فَالْمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهُمْ ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إِنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلَى مَحْوِ آثَارِهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ إِذَا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ وَالْكُفَّارُ فَإِنَّ شِرْكَهُمْ وَكُفْرَهُمْ مُحْبِطٌ حَسَنَاتِهِمْ، فَلَا يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ، وَلَا يَعْقُبُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا.
فَالذُّنُوبُ تَزُولُ آثَارُهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ لَهَا، وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَآخِرُ ذَلِكَ إِذَا عُذِّبَ بِمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النَّارِ، وَأَمَّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَسَنَةٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ لِمُورِدِ هَذَا السُّؤَالِ - إِنَّ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، مَنْ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ؟ وَفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا جَفَّتْ أَقْدَامُهُمْ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وَلَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أَنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهَابِهِ الْعِجْلَ الْمَصُوغَ، وَغُلِبَ أَخُوهُ هَارُونُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْعَجَائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَالْوَحْيُ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، قَالُوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَآذَوْا مُوسَى أَنْوَاعَ الْأَذَى، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ آدَرُ وَهَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَاغْتَسَلَ يَوْمًا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى
حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ وَعَدَا خَلْفَهُ عُرْيَانًا حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى عَوْرَتِهِ، فَرَأَوْهُ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا.
وَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ هَارُونَ قَالُوا: مُوسَى قَتَلَهُ وَغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ تَابُوتَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى عَايَنُوهُ مَيِّتًا، وَآثَرُوا الْعَوْدَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الْعُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْبَصَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْعَدَسِ، هَكَذَا عِنْدَهُمْ.
وَالَّذِي حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ آثَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَانْهِمَاكُهُمْ عَلَى الزِّنَى، وَمُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَعَدُوُّهُمْ بِإِزَائِهِمْ، حَتَّى ضَعُفُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَعِبَادَتُهُمُ الْأَصْنَامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وَتَحَيُّلُهُمْ عَلَى صَيْدِ
الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لَا تَنْسَهُ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَقَامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأَنَّهُمْ جَزَرُوا غَنَمًا، أَمْرٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَنَشْرُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْمِنْشَارِ.
وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَرَمْيُهُمْ لُوطًا بِأَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا.
وَرَمْيُهُمْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَجْلِسَ الْمَرْأَةِ مِنَ الْقَابِلَةِ حَتَّى انْشَقَّ الْحَائِطُ، وَخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ، فَقَامَ وَهَرَبَ، وَهَذَا لَوْ رَآهُ أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَفْجَرُهُمْ لَقَامَ وَلَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ.
وَطَاعَتُهُمْ لِلْخَارِجِ عَلَى وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَمَّا وَضَعَ لَهُمْ كَبْشَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ،
فَعَكَفَتْ جُمْلَتُهُمْ عَلَى عِبَادَتِهَا، إِلَى أَنْ جَرَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ وَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي مَعْرَكَةٍ وَاحِدَةٍ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ.
أَفَلَا يَسْتَحِي عُبَّادُ الْكِبَاشِ وَالْبَقَرِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِمْ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي ذُرِّيَّةُ قَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُجَاهِدِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ؟ فَأَيْنَ ذُرِّيَّةُ مَنْ سُيُوفُ آبَائِهِمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ تَقْطُرُ سُيُوفُهُمْ مِنْ دِمَاءِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ لِرَبِّهِ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ، اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ، يُنَخِّيهِ بِذَلِكَ وَيَحْمِيهِ، مِنْ تَعْيِيرِ مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ عَدَدَ الْحَصَى وَالرَّمْلِ، وَالتُّرَابِ وَالْأَنْفَاسِ، مَا بَلَغَتْ مَبْلَغَ قَتْلِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَلَا وَصَلَتْ إِلَى قَوْلِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِهِمْ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَجَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَعُودُهُ، وَقَوْلِهُمْ: إِنَّهُ عَضَّ أَنَامِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ وَشَقَّ عَلَيْهِ لَمَّا رَأَى
نَرَى فِي دِينِكُمْ أَكْثَرَ الْفَوَاحِشِ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ فِي دِينِكُمْ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ وَالْبُخْلِ، وَالْغَدْرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَقِلَّةِ الْوَرَعِ وَالْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَكَثْرَةِ الْهَلَعِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْكَسَلِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الْحَالُ يُكَذِّبُ لِسَانَ الْمَقَالِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَاذَا عَلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ مِنْ مَعَاصِي أُمَمِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا فِي وَجْهِ رِسَالَتِهِمْ؟! وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسَالَتِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعَاهُ طَبِيبٌ نَاصِحٌ إِلَى سَبَبٍ يَنَالُ بِهِ غَايَةَ عَافِيَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَرْضَى. وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أَنْ يَشْفُوا جَمِيعَ الْمَرْضَى بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْعَالَمِ مَرِيضٌ؟ وَهَلْ تَعَنَّتَ أَحَدٌ عَلَى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعَنُّتِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذُّنُوبَ أَوِ الْمَعَاصِيَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ فِي
الْعَالَمِ مِنْ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَزَاهِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرَاغِبِهِمْ، وَأَمِيرِهِمْ وَمَأْمُورِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يُقْدَحَ بِهِ فِيهَا وَفِي نَبِيِّهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا. فَالْمَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ وَإِنْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَعَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى، ثُمَّ تَابَ مِنْهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً فَالْمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهُمْ ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إِنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلَى مَحْوِ آثَارِهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ إِذَا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ وَالْكُفَّارُ فَإِنَّ شِرْكَهُمْ وَكُفْرَهُمْ مُحْبِطٌ حَسَنَاتِهِمْ، فَلَا يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ، وَلَا يَعْقُبُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا.
فَالذُّنُوبُ تَزُولُ آثَارُهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ لَهَا، وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَآخِرُ ذَلِكَ إِذَا عُذِّبَ بِمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النَّارِ، وَأَمَّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَسَنَةٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ لِمُورِدِ هَذَا السُّؤَالِ - إِنَّ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، مَنْ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ؟ وَفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا جَفَّتْ أَقْدَامُهُمْ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وَلَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أَنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهَابِهِ الْعِجْلَ الْمَصُوغَ، وَغُلِبَ أَخُوهُ هَارُونُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْعَجَائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَالْوَحْيُ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، قَالُوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَآذَوْا مُوسَى أَنْوَاعَ الْأَذَى، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ آدَرُ وَهَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَاغْتَسَلَ يَوْمًا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى
حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ وَعَدَا خَلْفَهُ عُرْيَانًا حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى عَوْرَتِهِ، فَرَأَوْهُ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا.
وَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ هَارُونَ قَالُوا: مُوسَى قَتَلَهُ وَغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ تَابُوتَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى عَايَنُوهُ مَيِّتًا، وَآثَرُوا الْعَوْدَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الْعُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْبَصَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْعَدَسِ، هَكَذَا عِنْدَهُمْ.
وَالَّذِي حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ آثَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَانْهِمَاكُهُمْ عَلَى الزِّنَى، وَمُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَعَدُوُّهُمْ بِإِزَائِهِمْ، حَتَّى ضَعُفُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَعِبَادَتُهُمُ الْأَصْنَامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وَتَحَيُّلُهُمْ عَلَى صَيْدِ
الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لَا تَنْسَهُ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَقَامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأَنَّهُمْ جَزَرُوا غَنَمًا، أَمْرٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَنَشْرُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْمِنْشَارِ.
وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَرَمْيُهُمْ لُوطًا بِأَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا.
وَرَمْيُهُمْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَجْلِسَ الْمَرْأَةِ مِنَ الْقَابِلَةِ حَتَّى انْشَقَّ الْحَائِطُ، وَخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ، فَقَامَ وَهَرَبَ، وَهَذَا لَوْ رَآهُ أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَفْجَرُهُمْ لَقَامَ وَلَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ.
وَطَاعَتُهُمْ لِلْخَارِجِ عَلَى وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَمَّا وَضَعَ لَهُمْ كَبْشَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ،
فَعَكَفَتْ جُمْلَتُهُمْ عَلَى عِبَادَتِهَا، إِلَى أَنْ جَرَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ وَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي مَعْرَكَةٍ وَاحِدَةٍ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ.
أَفَلَا يَسْتَحِي عُبَّادُ الْكِبَاشِ وَالْبَقَرِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِمْ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي ذُرِّيَّةُ قَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُجَاهِدِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ؟ فَأَيْنَ ذُرِّيَّةُ مَنْ سُيُوفُ آبَائِهِمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ تَقْطُرُ سُيُوفُهُمْ مِنْ دِمَاءِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ لِرَبِّهِ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ، اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ، يُنَخِّيهِ بِذَلِكَ وَيَحْمِيهِ، مِنْ تَعْيِيرِ مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ عَدَدَ الْحَصَى وَالرَّمْلِ، وَالتُّرَابِ وَالْأَنْفَاسِ، مَا بَلَغَتْ مَبْلَغَ قَتْلِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَلَا وَصَلَتْ إِلَى قَوْلِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِهِمْ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَجَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَعُودُهُ، وَقَوْلِهُمْ: إِنَّهُ عَضَّ أَنَامِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ وَشَقَّ عَلَيْهِ لَمَّا رَأَى
Translation
[المسألة السابعة] (فصل): قال السائل: نرى في دينكم أكثر الفواحش فيمن هو أعلم وأفقه في دينكم
#37
Chapter 37 — (فصل): وهذه الأمة الغضبية وإن كانوا مفترقين افتراقا كثيرا فيجمعهم فرقتان:
· ref. #37
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
مِنْ مَعَاصِيهِمْ وَظُلْمِهِمْ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ هَذَا كُلِّهِ إِلَى التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى كَلِيمِهِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَتْ لَكَانَتْ فِي جَنْبٍ ذَلِكَ كَتَفْلَةٍ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْسَ قِصَّةَ أَسْلَافِهِمْ مَعَ شَاءُولَ الْخَارِجَ عَلَى دَاوُدَ، فَإِنَّ سَوَادَهُمُ الْأَعْظَمَ انْضَمَّ إِلَيْهِ، وَشَهِدُوا مَعَهُ عَلَى حَرْبِ دَاوُدَ، ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى طَاعَةَ دَاوُدَ، وَجَاءَتْ وُفُودُهُمْ وَعَسَاكِرُهُمْ مُسْتَغْفِرِينَ مُعْتَذِرِينَ بِحَيْثُ اخْتَصَمُوا فِي السَّبْقِ إِلَيْهِ، فَتَتَبَّعُ مِنْهُمْ شَخْصٌ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: لَا نَصِيبَ لَنَا فِي دَاوُدَ وَلَا حَظَّ فِي شَاءُولَ، لِيَمْضِ كُلٌّ مِنْكُمْ إِلَى خِبَائِهِ يَا إِسْرَائِيلِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ بِأَوْشَكَ مِنْ أَنْ ذَهَبَ جَمِيعُ عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَخْبِيَتِهِمْ بِسَبَبِ كَلِمَتِهِ، وَلَمَّا قُتِلَ هَذَا الصَّائِحُ، عَادَتِ الْعَسَاكِرُ جَمِيعُهَا إِلَى خِدْمَةِ دَاوُدَ، فَمَا كَانَ الْقَوْمُ إِلَّا مِثْلَ هَمَجٍ رِعَاعٍ يَجْمَعُهُمْ طَبْلٌ وَيُفَرِّقُهُمْ عَصَا.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ افْتِرَاقًا كَثِيرًا فَيَجْمَعُهُمْ فِرْقَتَانِ:
الْقَرَّاءُونَ وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَكَانَ لَهُمْ أَسْلَافٌ فُقَهَاءُ وَهُمْ صَنَعُوا كِتَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْمِشْنَا وَمَبْلَغُ حَجْمِهِ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةِ وَرَقَةٍ، وَالثَّانِي يُسَمَّى التَّلْمُودَ وَمَبْلَغُهُ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ حِمْلِ بِغْلٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُؤَلِّفُونَ لَهُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَلَّفُوهُ فِي جِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ، فَمَا نَظَرَ مُتَأَخِّرُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ زَادُوا فِيهِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَا يَنْقُضُ كَثِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُغْلِقُوا بَابَ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى الْخَلَلِ الْفَاحِشِ، فَقَطَعُوا الزِّيَادَةَ وَحَظَرُوهَا عَلَى فُقَهَائِهِمْ، وَحَرَّمُوا مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَوَقَفَ الْكِتَابُ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَكَانَ فُقَهَاؤُهُمْ قَدْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ مُؤَاكَلَةَ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ أَكْلَ اللُّحْمَانِ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ دِينَهُمْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ تَحْتَ الذُّلِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَقَهْرِ الْأُمَمِ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَتَهُمْ وَالْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَبْتَدِعُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إِنَّمَا حَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَةَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ لِئَلَّا يُوَافِقُوا أَزْوَاجَهُنَّ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا حُرَّمَتْ عَلَيْهِمْ أَكْلَ ذَبَائِحِ الْأُمَمِ الَّتِي
يَذْبَحُونَهَا قُرْبَانًا لِلْأَصْنَامِ لِأَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ وَذُبِحَ لِلَّهِ فَلَمْ تَنْطِقِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِهِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ نَطَقَتْ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِمْ مِنْ أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمُوسَى إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ مُنَاكَحَةِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ خَاصَّةً، وَأَكْلِ مَا يَذْبَحُونَهُ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ، قَالُوا: التَّوْرَاةُ حَرَّمَتْ عَلَيْنَا أَكْلَ الطَّرِيفَا، قِيلَ لَهُمْ: الطَّرِيفَا هِيَ الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ السِّبَاعِ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوا لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ فُقَهَاؤُهُمْ إِلَى التَّوْرَاةِ غَيْرِ نَاطِقَةٍ بِتَحْرِيمٍ مَأْكَلٍ الْأُمَمِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَصَرَّحَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مُؤَاكَلَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ خَوْفَ اسْتِدْرَاجِ الْمُخَالَطَةِ إِلَى الْمُنَاكَحَةِ، وَالْمُنَاكَحَةُ قَدْ تَسْتَتْبِعُ الِانْتِقَالَ إِلَى أَدْيَانِهِمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَوَجَدُوا جَمِيعَ هَذَا وَاضِحًا فِي التَّوْرَاةِ، اخْتَلَقُوا كِتَابًا سُمُّوهُ (هَلَكَتْ شَحِيطَا) وَتَفْسِيرُهُ: عَلِمُ الذَّبَاحَةِ، وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ مَا شَغَلَهُمْ بِهِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْخِزْيِ، فَأَمَرُوهُمْ فِيهِ أَنْ يَنْفُخُوا الرِّئَةَ حَتَّى يَمْلَئُوهَا هَوَاءً، وَيَتَأَمَّلُونَهَا هَلْ يَخْرُجُ الْهَوَّاءُ مِنْ ثُقْبٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الْهَوَاءُ حَرَّمُوهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ أَطْرَافِ الرِّئَةُ لَاصِقَةً بِبَعْضٍ لَمْ يَأْكُلُوهُ، وَأَمَرُوا الَّذِي يَتَفَقَّدُ الذَّبِيحَةَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ وَيَتَأَمَّلُ بِأَصَابِعِهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْقَلْبَ مُلْتَصِقًا إِلَى الظَّهْرِ أَوْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِالْتِصَاقُ بِعِرْقٍ دَقِيقٍ كَالشَّعْرَةِ، حَرَّمُوهُ وَلَمْ يَأْكُلُوهُ وَسُمُّوهُ طَرِيفًا، وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَرَامٌ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ عُدْوَانٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا فِي لُغَتِهِمْ هُوَ: الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا السَّبْعُ، لَيْسَ لَهَا مَعْنَى فِي لُغَتِهِمْ سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا جَاءُوا بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ: " طَارُوفْ يَطْرَافْ يُوسُفَ "، تَفْسِيرُهُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ افْتِرَاسًا افْتَرَسَ يُوسُفَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ مِنَ الطَّرِيفَا، وَهَذَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي التِّيهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ قَرَمُهُمُ إِلَى اللَّحْمِ فَمُنِعُوا مِنْ أَكْلِ الْفَرِيسَةِ وَالْمَيْتَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُرَافَاتٍ وَهَذَيَانَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالرِّئَةِ وَقَالُوا: مَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ سَلِيمًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهُوَ " دَخْيَا "، وَتَفْسِيرُهُ: طَاهِرٌ مُذَكًّى، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ طَرِيفَا، وَتَفْسِيرُهُ: نَجِسٌ حَرَامٌ.
ثُمَّ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمُ فَرِيسَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا تَأْكُلُوهُ لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، يُعْنَى: إِذَا ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةً وَلَمْ تُوجَدْ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا تَأْكُلُوهَا، بَلْ بِيعُوهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ أَيْ: لِمَنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَهُوَ الْكَلْبُ فَأَطْعِمُوهُ إِيَّاهُ بِالثَّمَنِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّحْرِيفَ وَالْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَلِذَلِكَ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي السُّورَةِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي خَاطَبَ فِيهَا أَهْلَ الْكِتَابِ: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فَهَذَا تَحْرِيمٌ زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهِيَ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ نُزُولًا: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ.
فَهَذَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ وَنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ عَانَانَ وَبِنْيَامِينَ إِلَى هَذِهِ الْمُحَالَاتِ الشَّنِيعَةِ وَالِافْتِرَاءِ الْفَاحِشِ وَالْكَذِبِ الْبَارِدِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّ أَصْحَابَ التَّلْمُودِ وَالْمِشْنَا كَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَمَاقَاتٍ وَرُقَاعَاتٍ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ وَمَشَايِخَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا، يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُونَهُ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْفَقِيهِ فُلَانٍ، وَيُسَمُّونَ هَذَا الصَّوْتَ، بَثُّ قَوْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ إِلَى هَذَا الْكَذِبِ وَالْمُحَالِ، قَالُوا: قَدْ فَسَقَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِ فَاسِقٍ وَلَا فَتْوَاهُ، فَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا أَصَّلُوهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا تِلْكَ التُّرَّهَاتُ الَّتِي أَلَّفَهَا فُقَهَاؤُهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ
الْحَخَامِيمَ فِي عِلْمِ الذِّبَاحَةِ وَرَتَّبُوهَا وَنَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، فَأَطْرَحَهَا الْقَرَّاءُونَ كُلَّهَا وَأَلْغَوْهَا، وَصَارُوا لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنَ الذَّبَائِحِ الَّتِي يَقُولُونَ ذَبْحَهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَهُمْ فُقَهَاءُ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ ظَوَاهِرَ مُجَرَّدَةٍ، وَالْأَوَّلُونَ أَصْحَابُ اسْتِنْبَاطٍ وَقِيَاسَاتٍ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ لَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَفِيهِمُ الْحَخَامِيمُ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ يُخَاطِبُ جَمِيعَهُمْ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (بَثُّ قَوْلٍ) وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَشَدُّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّ الْحَخَامِيمَ أَوْهَمُوهُمْ بِأَنَّ الذَّبَائِحَ لَا يَحِلُّ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَإِنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ لَا تَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّهُ شَيْءٌ خُصُّوا بِهِ وَمُيِّزُوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُمْ بِهِ كَرَامَةً لَهُمْ، فَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الدَّابَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى ذَبَائِحِهِ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَيْتَةِ.
وَأَمَّا الْقَرَّاءُونَ فَأَكْثَرُهُمْ خَرَجُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنَفَعَهُمْ تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمِ تَحْرِيفِهِمْ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسَاءَةُ ظَنِّهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الْكَذَّابِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي: تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمُ تَحْرِيفِهَا وَإِبْطَالِ مَعَانِيهَا.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الرَّبَّانِيُّونَ، فَإِنَّ فُقَهَاءَهُمْ وَحَخَامِيمَهُمْ حَصَرُوهُمْ فِي مِثْلِ سَمِّ الْخِيَاطِ، بِمَا وَضَعُوا لَهُمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ وَالْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ:
مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَتَهُمْ فِي مُضَادَّةِ مَذَاهِبِ الْأُمَمِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطُوا بِهِمْ، فَيُؤَدِّي اخْتِلَاطُهُمْ بِهِمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَالْخُرُوجِ مِنَ السَّبْتِ وَالْيَهُودِيَّةِ.
الْقَصْدُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ مُبَدَّدُونَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَجَنُوبِهَا وَشَمَالِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَمَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ إِلَّا إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الْخُشُونَةَ فِي دِينِهِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ شَرَعَ فِي إِنْكَارِ أَشْيَاءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهُمْ قِلَّةَ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَكُلَّمَا شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ، فَأَعْلَمُهُمْ أَعْظَمُهُمْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَرَاهُ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، وَيَتَأَمَّلُ سِكِّينَ الذَّابِحِ وَيَشْرَعُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا آكُلُ إِلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ يَدِي.
فَتَرَاهُمْ مَعَهُ فِي عَذَابٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا عَالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَا يَزَالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَكُلَّمَا فَعَلَ هَذَا قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحَاخَامُ الْفَاضِلُ، فَإِذَا رَآهُ رَئِيسُهُمْ قَدْ مَشَى حَالُهُ وَقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقَالَهُ، وَزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ أَزْرَى بِهِ وَطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الْغَرِيبِ، وَيَنْسُبُهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ، وَلَا يُصَدِّقُونَهُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْقَادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وَضَيَّقَ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ تَشْدِيدًا وَتَضْيِيقًا كَانَ أَفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوَابَ فُلَانٍ إِذْ قَوَّى نَامُوسَ الدِّينِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، شَيَّدَ أَسَاسَهُ، وَأَحْكَمَ سِيَاجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ الْقَادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذَا مَا عِنْدَكُمْ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ وَإِذَا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَلَدِنَا وَنَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطَّائِفَةَ.
وَإِنْ كَانَ الْقَادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَهُنَاكَ تَرَى الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ وَالسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ تَرَاهُمْ مُسَلِّمِينَ لَهُ، وَهُوَ يَجْتَلِبُ دَرَّهُمْ وَيَجْتَلِبُ دِرْهَمَهُمْ. وَإِذَا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى مِنْهُ جُلُوسًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ لَبَنًا أَوْ خَمْرًا أَوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمِشْنَا، وَالتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ الْيَهُودِ، وَأَبَاحَهُمْ عِرْضَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ الْبَلَدُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَلَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَبْرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ وَرَاجَعَ الْحَقَّ وَأَقْلَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلَى الْوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ.
وَأَذْكُرُ لَكَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ شَرْعِهِمُ الْمُبَدَّلِ أَوِ الْمَنْسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْبَيَامَا وَالْجَالُوسِ وَهِيَ: أَنْ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِذَا أَقَامَ أَخَوَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعَقِّبْ فَلَا تَصِيرُ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ إِلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوهَا يَنْكِحُهَا، وَأَوَّلُ وَلَدٍ يُولَدُ لَهَا يُنْسَبُ إِلَى أَخِيهِ الدَّارِجِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَنْكِحَهَا خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إِلَى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قَائِلَةً: قَدْ أَبَى حَمْوِي أَنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأَخِيهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُرِدْ نِكَاحِي، فَيُحْضِرُهُ وَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَقِفَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، فَتَتَنَاوَلَ الْمَرْأَةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِنْ رِجْلِهِ وَتُمْسِكُهُ بِيَدِهَا وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُنَادِي عَلَيْهِ: كَذَا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ،
وَيُدْعَى فِيمَا بَعْدُ بِالْمَخْلُوعِ النَّعْلِ، وَيُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذَا اللَّقَبِ، وَفِي هَذَا كَالتَّلْجِئَةِ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا اسْتَحَى وَخَجِلَ مِنْ شَيْلِ نَعْلِهِ مِنْ رِجْلِهِ وَالْبَصْقِ فِي وَجْهِهِ، وَنَبْذِهِ بِاللَّقَبِ الْمُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ عَارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ نِكَاحِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيهَا وَالْكَرَاهَةِ لَهَا، بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا، وَهَانَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى نِكَاحِهَا.
هَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَنَشَأَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأَةِ مُحِبًّا لَهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ لَهُ، فَأَحْدَثُوا بِهَذَا الْفَرْعِ حُكْمًا فِي غَايَةِ الظُّلْمِ وَالْفَضِيحَةِ، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْحَاكِمِ أَحْضَرُوهُ مَعَهَا وَلَقَّنُوهَا، أَنْ تَقُولَ: إِنَّ حَمْوِي لَا يُقِيمُ لِأَخِيهِ اسْمًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَرُدْ نِكَاحِي، وَهُوَ عَاشِقٌ لَهَا، فَيُلْزِمُونَهَا بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتْهُ فَامْتَنَعَ - فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَقُومَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، وَنِكَاحُهَا غَايَةُ سُؤْلِهِ وَأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالْكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا شَيْلَ هُنَا وَيُبْصَقُ فِي وَجْهِهِ، وَيُنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْخِزْيِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْكَذِبِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَالْعِتَابِ عَلَى ذَنْبٍ جَرَّهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، كَمَا قِيلَ:
وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ ... وَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ الْعَذَابُ
أَفَلَا يَسْتَحِي مِنْ تَعْيِيرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هَذَا شَرْعُهُ وَدِينُهُ؟!
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ هَذَا كُلِّهِ إِلَى التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى كَلِيمِهِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَتْ لَكَانَتْ فِي جَنْبٍ ذَلِكَ كَتَفْلَةٍ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْسَ قِصَّةَ أَسْلَافِهِمْ مَعَ شَاءُولَ الْخَارِجَ عَلَى دَاوُدَ، فَإِنَّ سَوَادَهُمُ الْأَعْظَمَ انْضَمَّ إِلَيْهِ، وَشَهِدُوا مَعَهُ عَلَى حَرْبِ دَاوُدَ، ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى طَاعَةَ دَاوُدَ، وَجَاءَتْ وُفُودُهُمْ وَعَسَاكِرُهُمْ مُسْتَغْفِرِينَ مُعْتَذِرِينَ بِحَيْثُ اخْتَصَمُوا فِي السَّبْقِ إِلَيْهِ، فَتَتَبَّعُ مِنْهُمْ شَخْصٌ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: لَا نَصِيبَ لَنَا فِي دَاوُدَ وَلَا حَظَّ فِي شَاءُولَ، لِيَمْضِ كُلٌّ مِنْكُمْ إِلَى خِبَائِهِ يَا إِسْرَائِيلِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ بِأَوْشَكَ مِنْ أَنْ ذَهَبَ جَمِيعُ عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَخْبِيَتِهِمْ بِسَبَبِ كَلِمَتِهِ، وَلَمَّا قُتِلَ هَذَا الصَّائِحُ، عَادَتِ الْعَسَاكِرُ جَمِيعُهَا إِلَى خِدْمَةِ دَاوُدَ، فَمَا كَانَ الْقَوْمُ إِلَّا مِثْلَ هَمَجٍ رِعَاعٍ يَجْمَعُهُمْ طَبْلٌ وَيُفَرِّقُهُمْ عَصَا.
(فَصْلٌ): وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ افْتِرَاقًا كَثِيرًا فَيَجْمَعُهُمْ فِرْقَتَانِ:
الْقَرَّاءُونَ وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَكَانَ لَهُمْ أَسْلَافٌ فُقَهَاءُ وَهُمْ صَنَعُوا كِتَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْمِشْنَا وَمَبْلَغُ حَجْمِهِ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةِ وَرَقَةٍ، وَالثَّانِي يُسَمَّى التَّلْمُودَ وَمَبْلَغُهُ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ حِمْلِ بِغْلٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُؤَلِّفُونَ لَهُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَلَّفُوهُ فِي جِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ، فَمَا نَظَرَ مُتَأَخِّرُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ زَادُوا فِيهِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَا يَنْقُضُ كَثِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُغْلِقُوا بَابَ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى الْخَلَلِ الْفَاحِشِ، فَقَطَعُوا الزِّيَادَةَ وَحَظَرُوهَا عَلَى فُقَهَائِهِمْ، وَحَرَّمُوا مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَوَقَفَ الْكِتَابُ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَكَانَ فُقَهَاؤُهُمْ قَدْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ مُؤَاكَلَةَ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ أَكْلَ اللُّحْمَانِ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ دِينَهُمْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ تَحْتَ الذُّلِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَقَهْرِ الْأُمَمِ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَتَهُمْ وَالْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَبْتَدِعُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إِنَّمَا حَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَةَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ لِئَلَّا يُوَافِقُوا أَزْوَاجَهُنَّ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا حُرَّمَتْ عَلَيْهِمْ أَكْلَ ذَبَائِحِ الْأُمَمِ الَّتِي
يَذْبَحُونَهَا قُرْبَانًا لِلْأَصْنَامِ لِأَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ وَذُبِحَ لِلَّهِ فَلَمْ تَنْطِقِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِهِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ نَطَقَتْ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِمْ مِنْ أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمُوسَى إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ مُنَاكَحَةِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ خَاصَّةً، وَأَكْلِ مَا يَذْبَحُونَهُ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ، قَالُوا: التَّوْرَاةُ حَرَّمَتْ عَلَيْنَا أَكْلَ الطَّرِيفَا، قِيلَ لَهُمْ: الطَّرِيفَا هِيَ الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ السِّبَاعِ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوا لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ فُقَهَاؤُهُمْ إِلَى التَّوْرَاةِ غَيْرِ نَاطِقَةٍ بِتَحْرِيمٍ مَأْكَلٍ الْأُمَمِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَصَرَّحَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مُؤَاكَلَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ خَوْفَ اسْتِدْرَاجِ الْمُخَالَطَةِ إِلَى الْمُنَاكَحَةِ، وَالْمُنَاكَحَةُ قَدْ تَسْتَتْبِعُ الِانْتِقَالَ إِلَى أَدْيَانِهِمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَوَجَدُوا جَمِيعَ هَذَا وَاضِحًا فِي التَّوْرَاةِ، اخْتَلَقُوا كِتَابًا سُمُّوهُ (هَلَكَتْ شَحِيطَا) وَتَفْسِيرُهُ: عَلِمُ الذَّبَاحَةِ، وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ مَا شَغَلَهُمْ بِهِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْخِزْيِ، فَأَمَرُوهُمْ فِيهِ أَنْ يَنْفُخُوا الرِّئَةَ حَتَّى يَمْلَئُوهَا هَوَاءً، وَيَتَأَمَّلُونَهَا هَلْ يَخْرُجُ الْهَوَّاءُ مِنْ ثُقْبٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الْهَوَاءُ حَرَّمُوهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ أَطْرَافِ الرِّئَةُ لَاصِقَةً بِبَعْضٍ لَمْ يَأْكُلُوهُ، وَأَمَرُوا الَّذِي يَتَفَقَّدُ الذَّبِيحَةَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ وَيَتَأَمَّلُ بِأَصَابِعِهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْقَلْبَ مُلْتَصِقًا إِلَى الظَّهْرِ أَوْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِالْتِصَاقُ بِعِرْقٍ دَقِيقٍ كَالشَّعْرَةِ، حَرَّمُوهُ وَلَمْ يَأْكُلُوهُ وَسُمُّوهُ طَرِيفًا، وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَرَامٌ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ عُدْوَانٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا فِي لُغَتِهِمْ هُوَ: الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا السَّبْعُ، لَيْسَ لَهَا مَعْنَى فِي لُغَتِهِمْ سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا جَاءُوا بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ: " طَارُوفْ يَطْرَافْ يُوسُفَ "، تَفْسِيرُهُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ افْتِرَاسًا افْتَرَسَ يُوسُفَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ مِنَ الطَّرِيفَا، وَهَذَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي التِّيهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ قَرَمُهُمُ إِلَى اللَّحْمِ فَمُنِعُوا مِنْ أَكْلِ الْفَرِيسَةِ وَالْمَيْتَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُرَافَاتٍ وَهَذَيَانَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالرِّئَةِ وَقَالُوا: مَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ سَلِيمًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهُوَ " دَخْيَا "، وَتَفْسِيرُهُ: طَاهِرٌ مُذَكًّى، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ طَرِيفَا، وَتَفْسِيرُهُ: نَجِسٌ حَرَامٌ.
ثُمَّ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمُ فَرِيسَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا تَأْكُلُوهُ لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، يُعْنَى: إِذَا ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةً وَلَمْ تُوجَدْ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا تَأْكُلُوهَا، بَلْ بِيعُوهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ أَيْ: لِمَنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَهُوَ الْكَلْبُ فَأَطْعِمُوهُ إِيَّاهُ بِالثَّمَنِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّحْرِيفَ وَالْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَلِذَلِكَ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي السُّورَةِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي خَاطَبَ فِيهَا أَهْلَ الْكِتَابِ: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فَهَذَا تَحْرِيمٌ زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهِيَ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ نُزُولًا: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ.
فَهَذَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ وَنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ عَانَانَ وَبِنْيَامِينَ إِلَى هَذِهِ الْمُحَالَاتِ الشَّنِيعَةِ وَالِافْتِرَاءِ الْفَاحِشِ وَالْكَذِبِ الْبَارِدِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّ أَصْحَابَ التَّلْمُودِ وَالْمِشْنَا كَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَمَاقَاتٍ وَرُقَاعَاتٍ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ وَمَشَايِخَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا، يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُونَهُ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْفَقِيهِ فُلَانٍ، وَيُسَمُّونَ هَذَا الصَّوْتَ، بَثُّ قَوْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ إِلَى هَذَا الْكَذِبِ وَالْمُحَالِ، قَالُوا: قَدْ فَسَقَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِ فَاسِقٍ وَلَا فَتْوَاهُ، فَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا أَصَّلُوهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا تِلْكَ التُّرَّهَاتُ الَّتِي أَلَّفَهَا فُقَهَاؤُهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ
الْحَخَامِيمَ فِي عِلْمِ الذِّبَاحَةِ وَرَتَّبُوهَا وَنَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، فَأَطْرَحَهَا الْقَرَّاءُونَ كُلَّهَا وَأَلْغَوْهَا، وَصَارُوا لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنَ الذَّبَائِحِ الَّتِي يَقُولُونَ ذَبْحَهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَهُمْ فُقَهَاءُ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ ظَوَاهِرَ مُجَرَّدَةٍ، وَالْأَوَّلُونَ أَصْحَابُ اسْتِنْبَاطٍ وَقِيَاسَاتٍ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ لَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَفِيهِمُ الْحَخَامِيمُ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ يُخَاطِبُ جَمِيعَهُمْ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (بَثُّ قَوْلٍ) وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَشَدُّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّ الْحَخَامِيمَ أَوْهَمُوهُمْ بِأَنَّ الذَّبَائِحَ لَا يَحِلُّ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَإِنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ لَا تَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّهُ شَيْءٌ خُصُّوا بِهِ وَمُيِّزُوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُمْ بِهِ كَرَامَةً لَهُمْ، فَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الدَّابَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى ذَبَائِحِهِ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَيْتَةِ.
وَأَمَّا الْقَرَّاءُونَ فَأَكْثَرُهُمْ خَرَجُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنَفَعَهُمْ تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمِ تَحْرِيفِهِمْ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسَاءَةُ ظَنِّهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الْكَذَّابِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي: تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمُ تَحْرِيفِهَا وَإِبْطَالِ مَعَانِيهَا.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الرَّبَّانِيُّونَ، فَإِنَّ فُقَهَاءَهُمْ وَحَخَامِيمَهُمْ حَصَرُوهُمْ فِي مِثْلِ سَمِّ الْخِيَاطِ، بِمَا وَضَعُوا لَهُمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ وَالْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ:
مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَتَهُمْ فِي مُضَادَّةِ مَذَاهِبِ الْأُمَمِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطُوا بِهِمْ، فَيُؤَدِّي اخْتِلَاطُهُمْ بِهِمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَالْخُرُوجِ مِنَ السَّبْتِ وَالْيَهُودِيَّةِ.
الْقَصْدُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ مُبَدَّدُونَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَجَنُوبِهَا وَشَمَالِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَمَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ إِلَّا إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الْخُشُونَةَ فِي دِينِهِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ شَرَعَ فِي إِنْكَارِ أَشْيَاءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهُمْ قِلَّةَ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَكُلَّمَا شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ، فَأَعْلَمُهُمْ أَعْظَمُهُمْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَرَاهُ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، وَيَتَأَمَّلُ سِكِّينَ الذَّابِحِ وَيَشْرَعُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا آكُلُ إِلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ يَدِي.
فَتَرَاهُمْ مَعَهُ فِي عَذَابٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا عَالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَا يَزَالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَكُلَّمَا فَعَلَ هَذَا قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحَاخَامُ الْفَاضِلُ، فَإِذَا رَآهُ رَئِيسُهُمْ قَدْ مَشَى حَالُهُ وَقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقَالَهُ، وَزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ أَزْرَى بِهِ وَطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الْغَرِيبِ، وَيَنْسُبُهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ، وَلَا يُصَدِّقُونَهُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْقَادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وَضَيَّقَ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ تَشْدِيدًا وَتَضْيِيقًا كَانَ أَفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوَابَ فُلَانٍ إِذْ قَوَّى نَامُوسَ الدِّينِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، شَيَّدَ أَسَاسَهُ، وَأَحْكَمَ سِيَاجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ الْقَادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذَا مَا عِنْدَكُمْ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ وَإِذَا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَلَدِنَا وَنَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطَّائِفَةَ.
وَإِنْ كَانَ الْقَادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَهُنَاكَ تَرَى الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ وَالسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ تَرَاهُمْ مُسَلِّمِينَ لَهُ، وَهُوَ يَجْتَلِبُ دَرَّهُمْ وَيَجْتَلِبُ دِرْهَمَهُمْ. وَإِذَا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى مِنْهُ جُلُوسًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ لَبَنًا أَوْ خَمْرًا أَوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمِشْنَا، وَالتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ الْيَهُودِ، وَأَبَاحَهُمْ عِرْضَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ الْبَلَدُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَلَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَبْرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ وَرَاجَعَ الْحَقَّ وَأَقْلَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلَى الْوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ.
وَأَذْكُرُ لَكَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ شَرْعِهِمُ الْمُبَدَّلِ أَوِ الْمَنْسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْبَيَامَا وَالْجَالُوسِ وَهِيَ: أَنْ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِذَا أَقَامَ أَخَوَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعَقِّبْ فَلَا تَصِيرُ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ إِلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوهَا يَنْكِحُهَا، وَأَوَّلُ وَلَدٍ يُولَدُ لَهَا يُنْسَبُ إِلَى أَخِيهِ الدَّارِجِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَنْكِحَهَا خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إِلَى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قَائِلَةً: قَدْ أَبَى حَمْوِي أَنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأَخِيهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُرِدْ نِكَاحِي، فَيُحْضِرُهُ وَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَقِفَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، فَتَتَنَاوَلَ الْمَرْأَةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِنْ رِجْلِهِ وَتُمْسِكُهُ بِيَدِهَا وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُنَادِي عَلَيْهِ: كَذَا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ،
وَيُدْعَى فِيمَا بَعْدُ بِالْمَخْلُوعِ النَّعْلِ، وَيُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذَا اللَّقَبِ، وَفِي هَذَا كَالتَّلْجِئَةِ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا اسْتَحَى وَخَجِلَ مِنْ شَيْلِ نَعْلِهِ مِنْ رِجْلِهِ وَالْبَصْقِ فِي وَجْهِهِ، وَنَبْذِهِ بِاللَّقَبِ الْمُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ عَارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ نِكَاحِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيهَا وَالْكَرَاهَةِ لَهَا، بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا، وَهَانَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى نِكَاحِهَا.
هَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَنَشَأَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأَةِ مُحِبًّا لَهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ لَهُ، فَأَحْدَثُوا بِهَذَا الْفَرْعِ حُكْمًا فِي غَايَةِ الظُّلْمِ وَالْفَضِيحَةِ، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْحَاكِمِ أَحْضَرُوهُ مَعَهَا وَلَقَّنُوهَا، أَنْ تَقُولَ: إِنَّ حَمْوِي لَا يُقِيمُ لِأَخِيهِ اسْمًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَرُدْ نِكَاحِي، وَهُوَ عَاشِقٌ لَهَا، فَيُلْزِمُونَهَا بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتْهُ فَامْتَنَعَ - فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَقُومَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، وَنِكَاحُهَا غَايَةُ سُؤْلِهِ وَأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالْكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا شَيْلَ هُنَا وَيُبْصَقُ فِي وَجْهِهِ، وَيُنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْخِزْيِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْكَذِبِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَالْعِتَابِ عَلَى ذَنْبٍ جَرَّهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، كَمَا قِيلَ:
وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ ... وَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ الْعَذَابُ
أَفَلَا يَسْتَحِي مِنْ تَعْيِيرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هَذَا شَرْعُهُ وَدِينُهُ؟!
Translation
(فصل): وهذه الأمة الغضبية وإن كانوا مفترقين افتراقا كثيرا فيجمعهم فرقتان:
#38
Chapter 38 — (فصل): ولا يستبعد اصطلاح الأمة الغضبية على المحال واتفاقهم على أنواع من الكفر والضلال
· ref. #38
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
(فَصْلٌ): وَلَا يُسْتَبْعَدُ اصْطِلَاحُ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ عَلَى الْمُحَالِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ إِذَا انْقَرَضَتْ عَنْ أُمَّةٍ بِاسْتِيلَاءِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَأَخْذِ بِلَادِهَا، وَانْطَمَسَتْ حَقَائِقُ سَالِفِ أَخْبَارِهَا، وَدُرِسَتْ مَعَالِمُ دِينِهَا وَآثَارِهَا، وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى الصَّوَابِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا وَأَسْلَافُهَا، لِأَنَّ زَوَالَ الدَّوْلَةِ عَنِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَتَابُعِ الْغَارَاتِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَإِحْرَاقِهَا وَجَلَاءِ أَهْلِهَا عَنْهَا، فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْبَلَايَا مُتَتَابِعَةً عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَسْتَحِيلَ رُسُومُ دِيَانَتِهَا وَتَضْمَحِلَّ أُصُولُ شَرْعِهَا وَتَتَلَاشَى قَوَاعِدُ دِينِهَا، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْأُمَّةُ أَقْدَمَ، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهَا الدُّوَلُ الْمُتَنَاوِلَةُ لَهَا بِالْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ كَانَ حَظُّهَا مِنِ انْدِرَاسِ دِينِهَا أَوْفَرَ.
وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ أَوْفَرُ الْأُمَمِ حَظًّا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَقْدَمُ الْأُمَمِ عَهْدًا، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا سَائِرُ الْأُمَمِ مِنَ الْكِشْدَانِيِّينَ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَالْبَابِلِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْيُونَانِ وَالنَّصَارَى، وَمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ أُمَّةٌ إِلَّا قَصَدَتِ اسْتِئْصَالَهُمْ، وَإِحْرَاقَ كُتُبِهِمْ وَتَخْرِيبَ بِلَادِهِمْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَدِينَةٌ وَلَا جَيْشٌ وَلَا حِصْنٌ إِلَّا بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَخَيْبَرَ، فَأَعَزَّ مَا كَانُوا هُنَاكَ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَاسْتَعْلَنَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْ جِبَالِ فَارَانَ صَادَفَهُمْ تَحْتَ ذِمَّةِ الْفُرْسِ وَالنَّصَارَى، وَصَادَفَ هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ بِخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ
لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ، فَكَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، وَشَتَّتَهُمْ وَمَزَّقَهُمْ بِالْإِسْلَامِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَطْيَبَ مِنْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا آمَنَ، فَإِنَّ الَّذِي نَالَهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَالْفُرْسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ لَمْ يَنَلْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي نَالَهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمُ الْعُصَاةِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَبَالَغُوا فِي طَلَبِهِمْ، وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَأَحْضَرُوا مِنَ الْبِلَادِ سَدَنَةَ الْأَصْنَامَ لِتَعْظِيمِهَا وَتَعْظِيمِ رُسُومِهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَبَنَوْا لَهَا الْبِيَعَ وَالْهَيَاكِلَ وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهَا وَتَرَكُوا لَهَا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعَ مُوسَى أَزْمِنَةً طَوِيلَةً، وَأَعْصَارًا مُتَّصِلَةً، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمْ فَمَا الظَّنُّ بِشَأْنِهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَشَدِّ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا الْمَسِيحَ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَالْفُرْسِ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَثِيرًا مَا مَنَعَهُمْ مُلُوكُ الْفُرْسِ مِنَ الْخِتَانِ وَجَعَلُوهُمْ قُلْفًا، وَكَثِيرًا مَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّ مُعْظَمَ صَلَوَاتِهِمْ دُعَاءٌ إِلَى الْأُمَمِ بِالْبَوَارِ وَعَلَى بِلَادِهِمْ بِالْخَرَابِ إِلَّا أَرْضَ كَنْعَانَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ صَلَاتَهُمْ هَكَذَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَرَأَتِ الْيَهُودُ أَنَّ الْفُرْسَ قَدْ جَدُّوا فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَاخْتَرَعُوا أَدْعِيَةً خَرَّجُوا بِهَا صَلَاتَهُمْ سَمَّوْهَا الْخِزَانَةَ، وَصَاغُوا لَهَا أَلْحَانًا عَدِيدَةً وَصَارُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَلْحِينِهَا وَتِلَاوَتِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِزَانَةِ وَالصَّلَاةِ، أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهَا وَحْدَهُ، وَالْخِزَانَةُ بِلَحْنٍ يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ إِذَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قَالَتْ
الْيَهُودُ: نَحْنُ نُغَنِّي وَنَنُوحُ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَيُخَلُّونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَجَاءَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ فَأَمِنُوا فِيهَا غَايَةَ الْأَمْنِ، وَتَمَكَّنُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَاسْتَمَرَّتِ الْخِزَانَةُ فِيهِمْ، فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ وَالْأَفْرَاحِ، وَتَعَوَّضُوا بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَعَ ذَهَابِ دَوْلَتِهِمْ وَتَفَرُّقِ شَمْلِهِمْ وَعَمَلِهِمْ بِالْغَضَبِ الْمَمْدُودِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَمَسْخِ أَسْلَافِهِمْ قِرَدَةً، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَعُدْوَانِهِمْ فِي السَّبْتِ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَتَعْطِيلِهِمْ لِأَحْكَامِهَا، يَقُولُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي صَلَاتِهِمْ (مَحَبَّةُ الدَّهْرِ):
(أَحِبَّنَا يَا إِلَهَنَا! يَا أَبَانَا! أَنْتَ أَبُونَا مُنْقِذُنَا)
وَيُمَثِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِعَنَاقِيدِ الْعِنَبِ، وَسَائِرِ الْأُمَمِ بِالشَّوْكِ الْمُحِيطِ بِالْكَرْمِ لِحِفْظِهِ، وَأَنَّهُمْ سَيُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ آلِ دَاوُدَ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْيَهُودُ، وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَيُنَبِّهُونَ اللَّهَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ رَقْدَتِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيُنِخُّونَهُ وَيَحْمُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَضَلَالُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَكَذِبُهَا وَافْتِرَاؤُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى دِينِهِ وَأَنْبِيَائِهِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَكْلُهُمُ الرِّبَا وَالسُّحْتَ وَالرِّشَا، وَاسْتِبْدَادُهُمْ دُونَ الْعَالَمِ بِالْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْبَهْتِ، وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَالذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْخِزْيِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، وَرَمِيِ الْبُرَآءِ بِالْعُيُوبِ وَالطَّعْنِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَرْخَصُ شَيْءٍ عِنْدَهُمْ، وَمَا عَيَّرُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرُوهُ فَهُوَ فِي بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهِمْ، وَنَبِيُّهُمْ وَكِتَابُهُ وَدِينُهِ وَشَرْعُهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِي أُمَّتِهِ وَذُنُوبِهِمْ، فَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِيَابُهُمْ وَعَلَى اللَّهِ حِسَابُهُمْ.
وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ أَوْفَرُ الْأُمَمِ حَظًّا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَقْدَمُ الْأُمَمِ عَهْدًا، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا سَائِرُ الْأُمَمِ مِنَ الْكِشْدَانِيِّينَ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَالْبَابِلِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْيُونَانِ وَالنَّصَارَى، وَمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ أُمَّةٌ إِلَّا قَصَدَتِ اسْتِئْصَالَهُمْ، وَإِحْرَاقَ كُتُبِهِمْ وَتَخْرِيبَ بِلَادِهِمْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَدِينَةٌ وَلَا جَيْشٌ وَلَا حِصْنٌ إِلَّا بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَخَيْبَرَ، فَأَعَزَّ مَا كَانُوا هُنَاكَ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَاسْتَعْلَنَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْ جِبَالِ فَارَانَ صَادَفَهُمْ تَحْتَ ذِمَّةِ الْفُرْسِ وَالنَّصَارَى، وَصَادَفَ هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ بِخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ
لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ، فَكَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، وَشَتَّتَهُمْ وَمَزَّقَهُمْ بِالْإِسْلَامِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَطْيَبَ مِنْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا آمَنَ، فَإِنَّ الَّذِي نَالَهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَالْفُرْسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ لَمْ يَنَلْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي نَالَهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمُ الْعُصَاةِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَبَالَغُوا فِي طَلَبِهِمْ، وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَأَحْضَرُوا مِنَ الْبِلَادِ سَدَنَةَ الْأَصْنَامَ لِتَعْظِيمِهَا وَتَعْظِيمِ رُسُومِهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَبَنَوْا لَهَا الْبِيَعَ وَالْهَيَاكِلَ وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهَا وَتَرَكُوا لَهَا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعَ مُوسَى أَزْمِنَةً طَوِيلَةً، وَأَعْصَارًا مُتَّصِلَةً، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمْ فَمَا الظَّنُّ بِشَأْنِهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَشَدِّ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا الْمَسِيحَ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَالْفُرْسِ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَثِيرًا مَا مَنَعَهُمْ مُلُوكُ الْفُرْسِ مِنَ الْخِتَانِ وَجَعَلُوهُمْ قُلْفًا، وَكَثِيرًا مَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّ مُعْظَمَ صَلَوَاتِهِمْ دُعَاءٌ إِلَى الْأُمَمِ بِالْبَوَارِ وَعَلَى بِلَادِهِمْ بِالْخَرَابِ إِلَّا أَرْضَ كَنْعَانَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ صَلَاتَهُمْ هَكَذَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَرَأَتِ الْيَهُودُ أَنَّ الْفُرْسَ قَدْ جَدُّوا فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَاخْتَرَعُوا أَدْعِيَةً خَرَّجُوا بِهَا صَلَاتَهُمْ سَمَّوْهَا الْخِزَانَةَ، وَصَاغُوا لَهَا أَلْحَانًا عَدِيدَةً وَصَارُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَلْحِينِهَا وَتِلَاوَتِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِزَانَةِ وَالصَّلَاةِ، أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهَا وَحْدَهُ، وَالْخِزَانَةُ بِلَحْنٍ يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ إِذَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قَالَتْ
الْيَهُودُ: نَحْنُ نُغَنِّي وَنَنُوحُ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَيُخَلُّونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَجَاءَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ فَأَمِنُوا فِيهَا غَايَةَ الْأَمْنِ، وَتَمَكَّنُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَاسْتَمَرَّتِ الْخِزَانَةُ فِيهِمْ، فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ وَالْأَفْرَاحِ، وَتَعَوَّضُوا بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَعَ ذَهَابِ دَوْلَتِهِمْ وَتَفَرُّقِ شَمْلِهِمْ وَعَمَلِهِمْ بِالْغَضَبِ الْمَمْدُودِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَمَسْخِ أَسْلَافِهِمْ قِرَدَةً، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَعُدْوَانِهِمْ فِي السَّبْتِ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَتَعْطِيلِهِمْ لِأَحْكَامِهَا، يَقُولُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي صَلَاتِهِمْ (مَحَبَّةُ الدَّهْرِ):
(أَحِبَّنَا يَا إِلَهَنَا! يَا أَبَانَا! أَنْتَ أَبُونَا مُنْقِذُنَا)
وَيُمَثِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِعَنَاقِيدِ الْعِنَبِ، وَسَائِرِ الْأُمَمِ بِالشَّوْكِ الْمُحِيطِ بِالْكَرْمِ لِحِفْظِهِ، وَأَنَّهُمْ سَيُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ آلِ دَاوُدَ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْيَهُودُ، وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَيُنَبِّهُونَ اللَّهَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ رَقْدَتِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيُنِخُّونَهُ وَيَحْمُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَضَلَالُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَكَذِبُهَا وَافْتِرَاؤُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى دِينِهِ وَأَنْبِيَائِهِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَكْلُهُمُ الرِّبَا وَالسُّحْتَ وَالرِّشَا، وَاسْتِبْدَادُهُمْ دُونَ الْعَالَمِ بِالْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْبَهْتِ، وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَالذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْخِزْيِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، وَرَمِيِ الْبُرَآءِ بِالْعُيُوبِ وَالطَّعْنِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَرْخَصُ شَيْءٍ عِنْدَهُمْ، وَمَا عَيَّرُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرُوهُ فَهُوَ فِي بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهِمْ، وَنَبِيُّهُمْ وَكِتَابُهُ وَدِينُهِ وَشَرْعُهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِي أُمَّتِهِ وَذُنُوبِهِمْ، فَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِيَابُهُمْ وَعَلَى اللَّهِ حِسَابُهُمْ.
Translation
(فصل): ولا يستبعد اصطلاح الأمة الغضبية على المحال واتفاقهم على أنواع من الكفر والضلال
#39
Chapter 39 — (فصل): وإن كان المعير للمسلمين من أمة الضلال وعباد الصليب والصور المدهونة في الحيطان والسقوف
· ref. #39
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
(فَصْلٌ): وَإِنْ كَانَ الْمُعَيِّرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا يَسْتَحِي مَنْ أَصْلُ دِينِهِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ وَيَعْتَقِدُهُ: أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﵎ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظْمَتِهِ وَعَرْشِهِ وَدَخَلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَبُولُ وَتَتَغَوَّطُ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِهَا، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَتَلَبَّطُ بَيْنَ نَجْوٍ وَبَوْلٍ وَدَمِ طَمْثٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْقِمَاطِ وَالسَّرِيرِ كُلَّمَا بَكَى أَلْقَمَتْهُ أُمُّهُ ثَدْيَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْمَكْتَبِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُ إِلَى لَطْمِ الْيَهُودِ خَدَّيْهِ، وَصَفْعِهِمْ قَفَاهُ، وَبَصْقِهِمْ فِي وَجْهِهِ، وَوَضْعِهِمْ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَالْقَصَبَةِ فِي يَدِهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَانْتِهَاكًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَرَّبُوهُ مِنْ مَرْكَبٍ خُصَّ بِالْبَلَاءِ، فَشَدُّوهُ عَلَيْهِ وَرَبَطُوهُ بِالْحِبَالِ، وَسَمَّرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَصِيحُ وَيَبْكِي وَيَسْتَغِيثُ مِنْ حَرِّ الْحَدِيدِ وَأَلَمِ الصَّلِيبِ.
هَذَا وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَسَّمَ الْأَرْزَاقَ وَالْآجَالَ، وَلَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحِمْتُهُ أَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَنَالُوا مِنْهُ مَا نَالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ الْعَذَابَ وَالسِّجْنَ فِي الْجَحِيمِ، وَيَفْدِي أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ رُوحَ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهُمْ كَانَتْ فِي سِجْنِ إِبْلِيسَ فِي النَّارِ حَتَّى خَلَّصَهَا مِنْ سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أَعْدَائِهِ مِنْ صَلْبِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي مَرْيَمَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا أُمٌّ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَالِدَتُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا أُمَّ لِابْنِ اللَّهِ إِلَّا هِيَ وَالِدَةٌ، وَلَا وَالِدَةَ لَهُ غَيْرُهَا، وَلَا أَبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ وَلِوِلَادَةِ وَلَدِهِ وَابْنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ لَمَا وَلَدَتْ إِلَّا عَنْ وَطْءِ الرِّجَالِ لَهَا، وَلَكِنِ اخْتُصَّتْ عَنِ النِّسَاءِ بِأَنَّهَا حَبِلَتْ بِابْنِ اللَّهِ، وَوَلَدَتِ ابْنَهُ الَّذِي لَا ابْنَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّهَا عَلَى الْعَرْشِ جَالِسَةٌ عَنْ يَسَارِ الرَّبِّ تَعَالَى وَالِدِ ابْنِهَا، وَابْنُهَا عَنْ يَمِينِهِ. وَالنَّصَارَى يَدْعُونَهَا وَيَسْأَلُونَهَا سَعَةَ الرِّزْقِ، وَصِحَّةَ الْبَدَنِ، وَطُولَ الْعُمُرِ، وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِنْدَ ابْنِهَا وَوَالِدِهِ - الَّذِي يَعْتَقِدُ عَامَّتُهُمْ أَنَّهُ زَوْجُهَا، وَلَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَشَفِيعًا وَرُكْنًا، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ:
يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ اشْفَعِي لَنَا!
وَهُمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيَرْفَعُونَهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَيَسْأَلُونَهَا مَا يُسْأَلُ الْإِلَهَ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ وَالْمَغْفِرَةِ.
حَتَّى أَنَّ الْيَعْقُوبِيَّةَ يَقُولُونَ فِي مُنَاجَاتِهِمْ لَهَا: يَا مَرْيَمُ، يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، كُونِي لَنَا سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَرُكْنًا.
وَالنَّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ: يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ كَوْنِي لَنَا كَذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ لِلْيَعْقُوبِيَّةِ: لَا تَقُولُوا: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، وَقُولُوا يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ: الْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ مُصَالَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمُقَارَنَتَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ.
هَذَا وَالْأَوْقَاحُ الَأَرْجَاسُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الضَّالَّةِ تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ ﷾ اخْتَارَ مَرْيَمَ لِنَفْسِهِ، وَتَخَطَّاهَا كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ.
قَالَ النَّظَّامُ بَعْدَ أَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ: وَهُمْ يُفْصِحُونَ بِهَذَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْإِخْشِيدِ هَذَا عَنْهُمْ فِي الْمَعُونَةِ.
وَقَالَ: إِلَيْهِ يُشِيرُونَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ وَالِدًا يَكُونُ عَقِيمًا وَالْعُقْمُ آفَةٌ وَعَيْبٌ.
وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وَإِلَى الْمُبَاضَعَةِ يُشِيرُونَ، وَمَنْ خَالَطَ الْقَوْمَ وَطَاوَلَهُمْ وَبَاطَنَهُمْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَهَذَا كُفْرُهُمْ وَشِرْكُهُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَسَبَّتُهُمْ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِمْ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَهِينُوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُوَلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ.
هَذَا وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَسَّمَ الْأَرْزَاقَ وَالْآجَالَ، وَلَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحِمْتُهُ أَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَنَالُوا مِنْهُ مَا نَالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ الْعَذَابَ وَالسِّجْنَ فِي الْجَحِيمِ، وَيَفْدِي أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ رُوحَ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهُمْ كَانَتْ فِي سِجْنِ إِبْلِيسَ فِي النَّارِ حَتَّى خَلَّصَهَا مِنْ سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أَعْدَائِهِ مِنْ صَلْبِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي مَرْيَمَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا أُمٌّ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَالِدَتُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا أُمَّ لِابْنِ اللَّهِ إِلَّا هِيَ وَالِدَةٌ، وَلَا وَالِدَةَ لَهُ غَيْرُهَا، وَلَا أَبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ وَلِوِلَادَةِ وَلَدِهِ وَابْنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ لَمَا وَلَدَتْ إِلَّا عَنْ وَطْءِ الرِّجَالِ لَهَا، وَلَكِنِ اخْتُصَّتْ عَنِ النِّسَاءِ بِأَنَّهَا حَبِلَتْ بِابْنِ اللَّهِ، وَوَلَدَتِ ابْنَهُ الَّذِي لَا ابْنَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّهَا عَلَى الْعَرْشِ جَالِسَةٌ عَنْ يَسَارِ الرَّبِّ تَعَالَى وَالِدِ ابْنِهَا، وَابْنُهَا عَنْ يَمِينِهِ. وَالنَّصَارَى يَدْعُونَهَا وَيَسْأَلُونَهَا سَعَةَ الرِّزْقِ، وَصِحَّةَ الْبَدَنِ، وَطُولَ الْعُمُرِ، وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِنْدَ ابْنِهَا وَوَالِدِهِ - الَّذِي يَعْتَقِدُ عَامَّتُهُمْ أَنَّهُ زَوْجُهَا، وَلَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَشَفِيعًا وَرُكْنًا، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ:
يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ اشْفَعِي لَنَا!
وَهُمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيَرْفَعُونَهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَيَسْأَلُونَهَا مَا يُسْأَلُ الْإِلَهَ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ وَالْمَغْفِرَةِ.
حَتَّى أَنَّ الْيَعْقُوبِيَّةَ يَقُولُونَ فِي مُنَاجَاتِهِمْ لَهَا: يَا مَرْيَمُ، يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، كُونِي لَنَا سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَرُكْنًا.
وَالنَّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ: يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ كَوْنِي لَنَا كَذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ لِلْيَعْقُوبِيَّةِ: لَا تَقُولُوا: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، وَقُولُوا يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ: الْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ مُصَالَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمُقَارَنَتَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ.
هَذَا وَالْأَوْقَاحُ الَأَرْجَاسُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الضَّالَّةِ تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ ﷾ اخْتَارَ مَرْيَمَ لِنَفْسِهِ، وَتَخَطَّاهَا كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ.
قَالَ النَّظَّامُ بَعْدَ أَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ: وَهُمْ يُفْصِحُونَ بِهَذَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْإِخْشِيدِ هَذَا عَنْهُمْ فِي الْمَعُونَةِ.
وَقَالَ: إِلَيْهِ يُشِيرُونَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ وَالِدًا يَكُونُ عَقِيمًا وَالْعُقْمُ آفَةٌ وَعَيْبٌ.
وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وَإِلَى الْمُبَاضَعَةِ يُشِيرُونَ، وَمَنْ خَالَطَ الْقَوْمَ وَطَاوَلَهُمْ وَبَاطَنَهُمْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَهَذَا كُفْرُهُمْ وَشِرْكُهُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَسَبَّتُهُمْ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِمْ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَهِينُوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُوَلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ.
Translation
(فصل): وإن كان المعير للمسلمين من أمة الضلال وعباد الصليب والصور المدهونة في الحيطان والسقوف
#40
Chapter 40 — (فصل): فهذا أصل دينهم وأساسه الذي قام عليه.
· ref. #40
Hidayat al-Hayara fi Ajwibat al-Yahud wa al-Nasara
Arabic text
Aqeedah
فَلَوْ أَتَى الْمُوَحِّدُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ وَفَعَلُوا كُلَّ قَبِيحٍ وَارْتَكَبُوا كُلَّ مَعْصِيَةٍ، مَا بَلَغَتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي جَنْبِ هَذَا الْكُفْرِ الْعَظِيمِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَسَبَّتِهِ هَذَا السَّبَّ، وَقَوْلِ الْعَظَائِمِ فِيهِ، فَمَا ظَنُّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ إِذَا لَقَوْهُ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وَيُسْأَلُ الْمَسِيحُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَهُمْ يَسْمَعُونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولَ الْمَسِيحُ مُكَذِّبًا لَهُمْ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
(فَصْلٌ): فَهَذَا أَصْلُ دِينِهِمْ وَأَسَاسُهُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فُرُوعُهُ وَشَرَائِعُهُ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْمَسِيحِ فِي جَمِيعِهَا، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَلَكِنْ يُحِيلُونَ عَلَى الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِالطَّهَارَةِ، وَيَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوجِبُ غُسْلَ الْحَائِضِ، وَطَوَائِفُ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُومُ مِنْ عَلَى بَطْنِ الْمَرْأَةِ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَلَا يَسْتَنْجِي، وَالْبَوْلُ وَالنَّجْوُ يَنْحَدِرُ عَلَى سَاقِهِ وَفَخْذِهِ وَيُصَلِّي
كَذَلِكَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ، وَلَوْ تَغَوَّطَ وَبَالَ وَهُوَ يُصَلِّي لَمْ يَضُرَّهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَفْسُوَ وَيَضْرَطَ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الصَّلَاةَ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَبْعَدُ مِنْ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَأَقْرَبُ إِلَى مُخَالَفَةِ الْأُمَّتَيْنِ.
وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّصْلِيبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَرِيءٌ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الْحَوَارِيِّينَ الْمُبَيِّنِينَ، فَإِنَّ هَذَا بِالِاسْتِهْزَاءِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَةِ، وَحَاشَا الْمَسِيحَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ مَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ.
وَطَوَائِفُ النَّصَارَى إِنَّمَا يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَلَامًا قَدْ لَحَّنَهُ لَهُمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ وَيُصَلُّونَ بِهِمْ، يَجْرِي مَجْرَى النَّوْحِ وَالْأَغَانِي، فَيَقُولُونَ: هَذَا قُدَّاسُ فُلَانٍ يَنْسِبُونَهُ إِلَى الَّذِينَ وَضَعُوهُ لَهُمْ.
وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى الشَّرْقِ، وَمَا صَلَّى الْمَسِيحُ إِلَى الشَّرْقِ قَطُّ، وَمَا صَلَّى إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَّا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ قِبْلَةُ دَاوُدَ وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقِبْلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْمَسِيحُ اخْتَتَنَ وَأَوْجَبَ الْخِتَانَ كَمَا أَوْجَبَهُ مُوسَى وَهَارُونُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ.
وَالْمَسِيحُ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَلَعَنَ آكِلَهُ، وَبَالَغَ فِي ذَمِّهِ - وَالنَّصَارَى تُصِرُّ بِذَلِكَ - وَلَقَدْ
رُفِعَ إِلَى اللَّهِ وَمَا طَعِمَ مِنْ لَحْمِهِ وَزْنَ شَعِيرَةٍ، وَالنَّصَارَى تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِأَكْلِهِ.
وَالْمَسِيحُ مَا شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الصَّوْمَ الَّذِي يُصُومُونَهُ قَطُّ، وَلَا صَامَهُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَا صَامَ الْعَذَارَى فِي عُمُرِهِ، وَلَا أَكْلَ فِي الصَّوْمِ مَا يَأْكُلُونَهُ، وَلَا حَرَّمَ مَا يُحَرِّمُونَهُ، وَلَا عَطَّلَ السَّبْتَ يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَلَا اتَّخَذَ الْأَحَدَ عِيدًا قَطُّ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ أَنَّهُ رَقَى مَرْيَمَ الْمَجْدَلَانِيَّةَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَ شَيَاطِينٍ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ قَالَتْ لَهُ: أَيْنَ تَأْوِي؟ فَقَالَ لَهَا: اسْلُكِي هَذِهِ الدَّابَّةَ النَّجِسَةَ يَعْنِي الْخِنْزِيرَ. فَهَذِهِ حِكَايَةُ النَّصَارَى عَنْهُ.
وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ أَطْهَرَ الدَّوَابِّ وَأَجْمَلِهَا، وَأَطْيَبِهَا.
وَالْمَسِيحُ سَائِرٌ فِي الذَّبَائِحِ وَالْمُنَاكَحِ وَالطَّلَاقِ وَالْمَوَارِيثِ سِيرَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ لَاطَ أَوْ سَكِرَ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَبَدًا، وَلَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْقِسَّ وَالرَّاهِبَ يَغْفِرُهُ لَهُمْ، فَكُلَّمَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا أَهْدَى لِلْقِسِّ هَدِيَّةً وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهَا لِيَغْفِرَ لَهُ، وَإِذَا أَذْنَبَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمْ بَيَّتَهَا عِنْدَ الْقِسِّ لِيُطَيِّبَهَا لَهُ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا أَنَّ الْقِسَّ طَيَّبَهَا، قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا وَتَبَرَّكَ بِهِ.
وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لَأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَبِوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ أَيْسَرُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَمَنْ نَقَضَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُدْعَى نَاقِضًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.
وَمَا زَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اعْمَلُوا بِمَا رَأَيْتُمُونِي أَعْمَلُ، وَوَصُّوا النَّاسَ بِمَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ كَمَا كُنْتُ مَعَكُمْ، وَكُونُوا لَهُمْ كَمَا كُنْتُ لَكُمْ.
وَمَا زَالَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أَخَذَ الْقَوْمَ فِي التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَهْوَوْنَ وَمَا تَكْرَهُ الْيَهُودُ وَمُنَاقَضَتِهِمْ بِمَا فِيهِ تَرْكُ دِينِ الْمَسِيحِ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْهُ جُمْلَةً، فَرَأَوُا الْيَهُودَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ سَاحِرٌ مُمَخْرِقٌ وَلَدُ زِنَا، فَقَالُوا: هُوَ الرَّتَامُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ!! وَرَأَوُا الْيَهُودَ يَخْتَتِنُونَ فَتَرَكُوا الْخِتَانَ! وَرَأَوْهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الطَّهَارَةِ فَتَرَكُوهَا جُمْلَةً! وَرَأَوْهُمْ يَجْتَنِبُونَ مِنْ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَمُلَامَسَتِهَا، فَجَامَعُوهَا هُمْ! وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ الْخِنْزِيرَ، فَأَبَاحُوهُ وَجَعَلُوهُ شِعَارَ دِينِهِمْ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْحَيَوَانِ فَأَبَاحُوا مَا دُونُ الْفِيلِ إِلَى الْبَعُوضَةِ، وَقَالُوا: كُلْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ لَا حَرَجَ.
وَرَأَوْهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَقْبَلُوا هُمُ الشَّرْقَ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ عَلَى اللَّهِ نَسْخَ شَرِيعَةٍ شَرَعَهَا، فَجَوَّزُوا هُمْ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِكَتِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مَا شَاءُوا وَيُحَلِّلُوا مَا شَاءُوا وَيُحَرِّمُوا مَا شَاءُوا.
وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ السَّبْتَ وَيَحْفَظُونَهُ فَحَرَّمُوا هُمُ الْأَحَدَ، وَأَحَلُّوا السَّبْتَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يُعَظِّمُ السَّبْتَ وَيَحْفَظُهُ.
وَرَأَوْهُمْ يَنْفِرُونَ مِنَ الصَّلِيبِ، فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِهَذَا، فَعَبَدُوا هُمُ الصَّلِيبَ، كَمَا أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ تَحْرِيمَ الْخِنْزِيرِ نَصًّا فَتَعَبَّدُوا هُمْ بِأَكْلِهِ.
وَفِيهَا الْأَمْرُ بِالِاخْتِتَانِ، فَتَعَبَّدُوا بِتَرْكِهِ، مَعَ إِقْرَارِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لِأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعَ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ، أَيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى.
فَذَهَبَتِ النَّصَارَى تَنْقُضُهَا شَرِيعَةً شَرِيعَةً فِي مُكَايَدَةِ الْيَهُودِ وَمُغَايَظَتِهِمْ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَا السَّبَبِ مَا فِي كِتَابِهِمُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ بِإِفْرَاكِيسَ.
(أَنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصَارَى خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَتَوْا أَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرَهَا - مِنَ الشَّامِ - فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْعَمَلِ فِي التَّوْرَاةِ، وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِ مَنْ لَيْسَ أَهْلِهَا، وَإِلَى الْخِتَانِ وَإِقَامَةِ السَّبْتِ، وَتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ، وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَمِ وَاسْتَثْقَلُوهُ، فَاجْتَمَعَ النَّصَارَى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَشَاوَرُوا فِيمَا يَحْتَالُونَ بِهِ عَلَى الْأُمَمِ لِيُجِيبُوهُمْ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، وَيَدْخُلُوا فِيهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُدَاخَلَةِ الْأُمَمِ، وَالتَّرْخِيصِ لَهُمْ وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَالِانْحِطَاطِ فِي أَهْوَائِهِمْ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَإِنْشَاءِ شَرِيعَةٍ تَكُونُ بَيْنَ شَرِيعَةِ الْإِنْجِيلِ وَمَا عَلَيْهِ الْأُمَمُ، وَأَنْشَئُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا، فَهَذَا أَحَدُ مَجَامِعِهِمُ الْكِبَارِ - وَكَانُوا كُلَّمَا أَرَادُوا إِحْدَاثَ شَيْءٍ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا - وَافْتَرَوْا فِيهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ إِحْدَاثَهُ إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا الْمَجْمَعَ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعُ
لَهُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الرُّومِيِّ ابْنِ هِيلَانَةَ الْحَرَّانِيَّةِ الْفَنْدَقِيَّةِ) .
وَفِي زَمَنِهِ بُدِّلَ دِينُ الْمَسِيحِ وَهُوَ الَّذِي شَادَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ الْمُبْتَدَعَ، وَقَامَ بِهِ وَقَعَدَ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ زُهَاءَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَقَرَّرُوا تَقْرِيرًا ثُمَّ رَفَضُوهُ وَلَمْ يَرْتَضُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَهُمُ الْآبَاءَ، فَقَرَّرُوا هَذَا التَّقْرِيرَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَهُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِهِمْ، لَا تَتِمُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ نَصْرَانِيَّةٌ إِلَّا بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ سَنْهُودِسَ وَهِيَ الْأَمَانَةُ! وَلَفْظُهَا:
نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِّ الْوَاحِدِ خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، بِكْرِ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا مَعَاشِرَ النَّاسِ وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ الْبَتُولُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ أَيَّامَ
بِلَاطِسَ الرُّومِيِّ، وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ - وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْوَاحِدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبِيهِ رُوحُ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيحِيَّةٍ جَاثِلِيقِيَّةٍ، وَبِقِيَامِ أَبْدَانِنَا، وَبِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ إِلَى أَبَدَ الْآبِدِينَ.
فَصَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّ الْمَسِيحَ رَبٌّ، وَأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ بِكْرُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، أَيْ لَيْسَ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ رَبٌّ خَالِقٌ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ اسْتُلَّ وَوُلِدَ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَأَنَّهُ مُسَاوٍ لِأَبِيهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَأَنَّهُ بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ، وَهَذِهِ الْيَدُ الَّتِي أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ بِهَا عِنْدَهُمْ، هِيَ الَّتِي ذَاقَتْ حَرَّ الْمَسَامِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ:
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا: إِنَّ الْيَدَ الَّتِي سَمَّرَهَا الْيَهُودُ فِي الْخَشَبَةِ، هِيَ الْيَدُ الَّتِي عَجَنَتْ طِينَ آدَمَ وَخَلَقَتْهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي شَبَرَتِ السَّمَاءَ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي كَتَبَتِ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى، قَالُوا: وَقَدْ وَصَفُوا صَنِيعَ الْيَهُودِ بِهِ - وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ - وَإِنَّهُمْ لَطَمُوا الْإِلَهَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ.
قَالُوا: وَفِي بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ أَنَّ الْإِلَهَ تَحْبَلُ بِهِ امْرَأَةٌ عَذْرَاءُ وَتَلِدُهُ وَيُؤْخَذُ وَيُصْلَبُ وَيُقْتَلُ.
قَالُوا: وَأَمَّا سَنْهُودِسُ دُونَ الْأُمَمِ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ الْآبَاءِ وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَفِيهِ: أَنَّ مَرْيَمَ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ وَأَوْلَدَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ وَسَقَتْهُ وَأَطْعَمَتْهُ، قَالُوا: وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ آدَمَ وَهُوَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ إِسْرَائِيلَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَرَبُّهَا وَخَالِقُهَا وَرَازِقُهَا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَنْ هُوَ الْقُدْوَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِنَا: يَسُوعُ فِي الْبَدْءِ لَمْ يَزَلْ
كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، وَاللَّهُ هُوَ الْكَلِمَةُ، فَذَاكَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَّهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ، قَالُوا: فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي عَايَنَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَخَاطَبَ النَّاسَ مِنْ بَطْنِهَا، حَيْثُ قَالَ لِلْأَعْمَى: أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قَالَ الْأَعْمَى: وَمَنْ هُوَ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قَالَ: هُوَ الْمُخَاطِبُ لَكَ. فَقَالَ: آمَنْتُ بِكَ وَخَرَّ سَاجِدًا.
قَالُوا: فَالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هُوَ اللَّهُ، وَابْنُ اللَّهِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ، قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَصُفِعَ وَكُتِّفَتْ يَدَاهُ وَسُمِّرَ فِي وَجْهِهِ وَمَاتَ وَدُفِنَ وَذَاقَ أَلَمَ الصَّلْبِ وَالتَّسْمِيرِ وَالْقَتْلِ لِأَجْلِ خَلَاصِ النَّصَارَى مِنْ خَطَايَاهُمْ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ عِنْدَ طَوَائِفِنَا الثَّلَاثَةِ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ بَلْ هُوَ رَبُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَاللُّطْفِ وَالْمَعُونَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْإِنَاثِ وَلَا الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَعَهَا بِحَبَلِهَا بِهِ وَاحْتِوَاءِ بَطْنِهَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا فَارَقَتْ جَمِيعَ إِنَاثِ الْحَيَوَانِ، وَفَارَقَ ابْنُهَا جَمِيعَ الْخَلْقِ، فَصَارَ اللَّهُ وَابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدْتُهُ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا، وَرَبًّا وَاحِدًا، وَخَالِقًا وَاحِدًا، لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَا يَبْطَلُ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي حَبَلٍ، وَلَا فِي وِلَادَةٍ، وَلَا فِي حَالِ نَوْمٍ، وَلَا مَرَضٍ، وَلَا صَلْبٍ، وَلَا مَوْتٍ، وَلَا دَفْنٍ، بَلْ هُوَ مُتَحِدٌ بِهِ فِي حَالِ الْحَبَلِ، فَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَفِي حَالِ الْوِلَادَةِ كَذَلِكَ، وَفِي حَالِ الصَّلْبِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ، قَالُوا: فَمِنَّا مَنْ يُطْلِقُ فِي لَفْظِهِ وَعِبَارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَمَاتَ الْإِلَهُ، وَمِنَّا
مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهَا، وَيُعْطَى مَعْنَاهَا وَحَقِيقَتَهَا، وَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَلَدَتِ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ أُمُّ الْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَرَبٌّ فِي الْحَقِيقَةِ، وَابْنُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا ابْنَ لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَلَا أَبَّ لِلْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا هُوَ.
قَالُوا: فَهَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ فِي الْمَعْنَى قَوْلَ مَنْ يَقُولُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَقُتِلَ الْإِلَهُ، وَصُلِبَ الْإِلَهُ وَدُفِنَ الْإِلَهُ، وَإِنْ مَنَعُوا اللَّفْظَ وَالْعِبَارَةَ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا مَنَعْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا إِخْوَانُنَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنَا إِذَا قُلْنَا: حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَأُمُّ إِلَهٍ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حَلَّ وَنَزَلَ بِالْإِلَهِ الَّذِي هُوَ أَبٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَلَّ هَذَا كُلُّهُ وَنَزَلَ بِالْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ طَوَائِفِنَا إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، فَنَحْنُ وَإِخْوَانُنَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَنَا إِلَّا فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ، قَالُوا: فَهَذَا حَقِيقَةُ دِينِنَا وَإِيمَانِنَا، وَالْآبَاءُ وَالْقُدْوَةُ قَدْ قَالُوا قَبْلَنَا وَسَنُّوهُ لَنَا وَمَهَّدُوهُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْمَسِيحِ مِنَّا.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَكِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَرَازِقُهُمْ وَمُحْيِيهُمْ وُمُمِيتُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ مِنَ الْقُبُورِ، وَحَاشِرُهُمْ وَمُحَاسِبُهُمْ، وَمُثِيبُهُمْ وَمُعَاقِبُهُمْ.
وَالنَّصَارَى تَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَبَ انْخَلَعَ مِنْ مُلْكِهِ كُلِّهِ، وَجَعْلُهُ لِابْنِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيُرْزُقُ وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ: ابْنُ اللَّهِ وَبِكْرُ أَبِيهِ، وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ؟
وَيَقُولُونَ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمَسِيحُ يَسُوعُ تُحْيِينَا وَتُمِيتُنَا، وَتَرْزُقُنَا وَتَخْلُقُ أَوْلَادَنَا، وَتُقِيمُ أَجْسَادَنَا وَتَبْعَثُنَا وَتُجَازِينَا.
وَقَدْ تَضْمَنُ هَذَا كُلُّهُ تَكْذِيبَهُمُ الصَّرِيحَ لِلْمَسِيحِ، وَإِنْ أَوْهَمَتْهُمْ ظُنُونُهُمُ الْكَاذِبَةُ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ.
فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، كَمَا أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُمْ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ كَمَا أَرْسَلَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ.
فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ فِي دُعَائِهِ: إِنَّ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّكَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْحَقُّ، وَأَنَّكَ أَرْسَلْتَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ.
وَهَذَا حَقِيقَةُ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ قَتْلِي وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ، فَذَكَرَ غَايَتَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ بَلَّغَهُمْ مَا قَالَهُ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ وَأَنَا إِلَهٌ وَلَا ابْنُ إِلَهٍ، عَلَى مَعْنَى التَّوَالُدِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَجِئْ لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِي وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنِّي لَيْسَ هُوَ لِي، وَلَكِنْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ قُلْتُ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي.
وَكَانَ يُوَاصِلُ الْعِبَادَةَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَيَقُولُ: مَا جِئْتُ لِأُخْدَمَ، بَلْ جِئْتُ لِأَخْدِمَ، فَأَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْخُدَّامِ لِلَّهِ، وَقَالَ: لَسْتُ أُدِينُ الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ وَلَا أُحَاسِبُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْهُمْ.
كُلُّ هَذَا فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: يَا رَبُّ، قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَدْ أَرْسَلْتَنِي، وَقَدْ ذَكَرْتُ لَهُمُ اسْمَكَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِيهِ: إِنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَرْسَلَ مَنْ أَرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ لِيُقْبِلُوا إِلَى الْحَقِّ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي أَعْمَلُ هِيَ الشَّاهِدَاتُ لِي بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ. وَفِيهِ مَا أَبْعَدَنِي وَأَتْعَبَنِي إِنْ أَحْدَثْتُ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَلَكِنْ أَتَكَلَّمُ وَأُجِيبُ بِمَا عَلَّمَنِي رَبِّي. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَسَحَنِي وَأَرْسَلَنِي، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ الْوَاحِدَ لِيَوْمِ الْخَلَاصِ،
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ مَا أَكَلَ وَلَا يَأْكُلُ وَمَا شَرِبَ وَلَا يَشْرَبُ وَلَمْ يَنَمْ وَلَا يَنَامُ وَلَا وَلَدَ وَلَا يَلِدُ، وَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، تَذْكِيرًا لِلنَّصَارَى بِمَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ.
وَقَالَ فِي دُعَائِهِ لَمَّا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ الْمَيِّتَ: أَنَا أَشْكُرُكَ وَأَحْمَدُكَ لِأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي فِي هَذَا الْوَقْتِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُحْيِيَ هَذَا الْمَيِّتَ لِتَعْلَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي.
وَفِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ الْمَسِيحَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّامِرِيَّةِ وَلَحِقَ بِجَلْجَالَ قَالَ: لَمْ يُكْرَمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا: لَمْ يُقْبَلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنِهِ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَنِي، وَفِي إِنْجِيلِ مُرْقُسَ: أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلُ إِلَى الْمَسِيحِ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ خَيْرٍ أَعْمَلُ لِأَنَالَ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: لِمَ قُلْتَ صَالِحًا؟ إِنَّمَا الصَّالِحُ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ الشُّرُوطَ، لَا تَسْرِقْ وَلَا تَزْنِ وَلَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ وَلَا تَخُنْ، وَأَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَرَادُوا قَبْضَهُ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: قَدْ دَنَا الْوَقْتُ يَا إِلَهِي فَشَرِّفْنِي لَدَيْكَ، وَاجْعَلْ لِي سَبِيلًا أَنْ أُمَلِّكَ كُلَّ مَنْ مَلَّكْتَنِي الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ. وَإِنَّمَا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إِلَهًا وَاحِدًا وَبِالْمَسِيحِ الَّذِي بَعَثْتَ، وَقَدْ عَظَّمْتُكَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَاحْتَمَلْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ فَشَرِّفْنِي.
فَلَمْ يَدَّعِ سِوَى أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ مَبْعُوثٌ، وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى: لَا تَنْسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَلَا تَدْعُوَا مُعَلِّمِينَ فَإِنَّمَا مُعَلِّمُكُمُ الْمَسِيحُ وَحْدَهُ.
وَالْآبُّ فِي لُغَتِهِمُ الرَّبُّ الْمُرَبِّي، أَيْ لَا تَقُولُوا: إِلَهُكُمْ وَرَبُّكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ أَنْزَلَ نَفْسَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ، وَهُوَ أَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُ فِي الْأَرْضِ، وَإِلَهُهُمْ هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حِينَ دَعَا اللَّهَ فَأَحْيَا وَلَدَ الْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَفَقَّدَ أُمَّتَهُ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْمَسِيحَ أَعْلَى صَوْتَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَالَ لِلْيَهُودِ: قَدْ عَرَفْتُمُونِي وَمَوْضِعِي، وَلَمْ آتِ مِنْ ذَاتِي، وَقَدْ بَعَثَنِي الْحَقُّ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي أَجْهَلُهُ كُنْتُ كَاذِبًا مِثْلَكُمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ وَهُوَ بَعَثَنِي.
فَمَا زَادَ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْأَنْبِيَاءُ فَأَمْسَكَتِ الْمُثَلِّثَةُ قَوْلَهُ: إِنِّي مِنْهُ، وَقَالُوا: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَفِي الْقُرْآنِ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ هُودٌ: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَالِحٌ! وَلَكِنَّ أُمَّةَ الضَّلَالِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَرُدُّونَ الْمُحْكَمَ. وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِلْيَهُودِ، وَقَدْ قَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبَاكُمْ لَأَطَعْتُمُونِي لِأَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ، خَرَجْتُ مُقْبِلًا، وَلَمْ أُقْبِلْ مِنْ ذَاتِي، وَلَكِنْ هُوَ بَعَثَنِي، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ وَصِيَّتِي، وَتَعْجِزُونَ عَنْ سَمَاعِ كَلَامِي، إِنَّمَا أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الشَّيْطَانِ، وَتُرِيدُونَ إِتْمَامَ شَهَوَاتِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْيَهُودَ حَاطَتْ بِهِ، وَقَالَتْ لَهُ: إِلَى مَتَى تُخْفِي أَمْرَكَ إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ فَأَعْلِمْنَاهُ بِذَلِكَ؟
وَلَمْ تَقُلْ إِنْ كُنْتَ اللَّهَ أَوِ ابْنَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، وَلَا فَهْمِهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَعْدَائِهِ وَلَا أَتْبَاعِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّ الْيَهُودَ أَرَادُوا الْقَبْضَ عَلَيْهِ فَبَعَثُوا الْأَعْوَانَ وَأَنَّ الْأَعْوَانَ رَجَعُوا إِلَى قُوَّادِهِمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ لَمْ تَأْخُذُوهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا آدَمِيًّا أَنْصَفَ مِنْهُ،
فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا مَخْدُوعُونَ، أَتَرَوْنَ أَنَّهُ آمَنَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ: أَتَرَوْنَ كِتَابَكُمْ يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: اكْشِفِ الْكُتُبَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْ جِلْجَالَ نَبِيٌّ. فَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طَاعَتِهِ، لِأَنَّ كَذِبَهُ كَانَ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ - لَوْ سَبَقَ فِي حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبَادِهِ، وَيَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَيُبَاشِرُهُمْ بِنَفْسِهِ - أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ، وَيُقِيمُ فِي بَطْنِهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالنَّجْوِ وَالدَّمِ عِدَّةَ أَشْهُرٍ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لَا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ وَيَبْكِي، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَا يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَشْرَبُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنَامُ مَعَهُمْ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْخَرَأَةِ إِذْ هِيَ مَنْقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِنَقْصِهِ وَحَاجَتِهِ، وَهُوَ تَعَالَى الْمُخْتَصُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ، الَّذِي مَا وَسِعَتْهُ سَمَاوَاتُهُ وَلَا أَرْضُهُ، وَكُرْسِيُّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَيْفَ وَسِعَهُ فَرْجُ امْرَأَةٍ، تَعَالَى رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَكُلُّكُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ.
فَيَا مَعْشَرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصَّلِيبِ، أَخْبِرُونَا مَنْ كَانَ الْمُمْسِكَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ كَانَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَقَدْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ بِالْحِبَالِ، وَسُمِّرَتِ الْيَدُ الَّتِي أَتْقَنَتِ الْعَوَالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْوًا مِنْ إِلَهِهَا وَفَاطِرِهَا؟ وَقَدْ جَرَى
عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ؟ أَمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلَى تَدْبِيرِهَا غَيْرَهُ، وَهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَلِيَذُوقَ حَرَّ الْمَسَامِيرِ وَلِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أَمْ تَقُولُونَ: - وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُكُمْ - لَا نَدْرِي وَلَكِنْ هَذَا فِي الْكُتُبِ، وَقَدْ قَالَهُ الْآبَاءُ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَالْجَوَابُ عَلَيْهِمْ.
فَنَقُولُ لَكُمْ: وَإِلَّا يَا مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ، مَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ؟
(الشُّبْهَةُ الْأَوْلَى)
فَإِنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ مِنْ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكُمْ وَسَوْقِهِ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وَهُمْ يَبْصُقُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وَشَدُّوا يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَضَرَبُوا فِيهَا الْمَسَامِيرَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَتَعَلَّقَ ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ وَأَوْدَعَ ضَرِيحَهُ.
فَمَا أَصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلَالٍ عِنْدَ أَمْثَالِكُمْ مِمَّنْ هُوَ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمْ عَارٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ مَوْلُودًا مِنَ الْبَشَرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إِلَهُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ إِلَهًا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَّ لَهُ وَالْمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ.
وَحَوَّاءُ أَيْضًا اجْعَلُوهَا إِلَهًا خَامِسًا ; لِأَنَّهَا لَا أُمَّ لَهَا، وَهِيَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ.
وَاللَّهُ ﷾ قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وَبَنِيهِ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ مَنْ ذَكَرٍ لَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ عَبْدَهُ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى لَا مِنْ ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ النَّوْعِ مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى.
وَإِنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَلَا يُحْيِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، فَاجْعَلُوا مُوسَى إِلَهًا آخَرَ، فَإِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ الْمَسِيحُ بِنَظِيرِهِ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ، وَهُوَ جَعْلُ الْخَشَبَةِ حَيَوَانًا عَظِيمًا، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى جِسْمٍ كَانَتْ فِيهِ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا غَيْرُ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَذَا الْيَسَعُ النَّبِيُّ أَتَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إِيلِيَا النَّبِيُّ أَيْضًا أَحْيَا صَبِيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَذَا مُوسَى قَدْ أَحْيَا بِإِذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ قَوْمِهِ.
وَفِي كُتُبِكُمْ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ: فَهَلْ صَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَهًا بِذَلِكَ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِلْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعَجَائِبُ مُوسَى أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ.
وَهَذَا إِيلِيَاءُ النَّبِيُّ بَارَكَ عَلَى دَقِيقِ الْعَجُوزِ وَدُهَنِهَا فَلَمْ يَنْفُذْ مَا فِي جِرَابِهَا مِنَ الدَّقِيقِ وَمَا فِي قَارُورَتِهَا مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِكَوْنِهِ أَطْعَمَ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلَافًا مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا مُوسَى قَدْ أَطْعَمَ أُمَّتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى! وَهَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَطْعَمَ الْعَسْكَرَ كُلَّهُ مِنْ زَادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتَّى شَبِعُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ، وَسَقَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ لَا يَغْمُرُ الْيَدَ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ سِقَاءٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَاحَ بِالْبَحْرِ فَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وَقَامَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْحِيطَانِ، وَفَجَّرَ مِنَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سَارِحَةً.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَى الْمَوْتَى فَآيَاتُ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونَ إِنَّمَا ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وَالِافْتِقَارَ وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإِنْ كَمَا كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا أَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا صَادِقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ وَنَمْرُودَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَأَخْرَجْتُمُ الْمَسِيحَ عَنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَجَعَلْتُمُوهُ أَعْظَمَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَلِهَذَا كُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمَسِيحِ فِي صُورَةِ مُحِبٍّ مُوَالٍ! وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مَسِيحَ الْهُدَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، وَيُظْهِرُ لِلْخَلَائِقِ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُصْلَبَ وَيُسَمَّرَ وَيُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ!
وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَشَهِدْتُمْ أَنْتُمْ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ - وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِكُمْ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مَا يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَدَّقْتُمْ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ، كَذَلِكَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ وَيُخْبِرُ عَنْ حَوَادِثَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جُزْئِيَّةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ.
وَيَقَعُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ لِلْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالسَّحَرَةِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي، وَإِنِّي سَائِلُ أَبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَابْنُ الْإِلَهِ إِلَهٌ، قِيلَ: فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبَاهُ وَأَبَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ.
وَفِيهِ: لَا تَنَسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ تَلَامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكُمْ أَنَاجِيلُكُمُ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ، وَكُلُّهَا صَرِيحَةٌ أَظْهَرَ صَرَاحَةٍ بِأَنَّهُمْ مَا ادَّعَوْا لَهُ إِلَّا مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ.
فَهَذَا مَتَّى يَقُولُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ إِنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ عَنِ اللَّهِ ﷿: هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ نَفْسِي لَهُ.
وَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ: إِنِّي أَشْكُرُكَ يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَهَذَا لُوقَا يَقُولُ فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِآخَرَ مِنْ تَلَامِيذِهِ فِي الطَّرِيقِ مَلَكٌ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالِكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ غَرِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْإِنْجِيلِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَهَذَا أَخْنُوخُ وَإِلْيَاسُ قَدْ صَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَهُمَا حَيَّانِ مُكَرَّمَانِ لَمْ تَشُكْهُمَا شَوْكَةٌ وَلَا طَمَعَ فِيهِمَا طَامِعٌ.
وَالْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ عَبْدٌ مَحْضٌ وَهَذِهِ الْمَلَائِكَةُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْأَبْدَانُ، وَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهَلْ كَانَ الصُّعُودُ إِلَى السَّمَاءِ مُخْرِجٌ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّتْهُ إِلَهًا وَرَبًّا وَسَيِّدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ كَثِيرٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﷿ تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَفِي سَائِرِ الْكُتُبِ، وَمَا زَالَتِ الرُّومُ وَالْفُرْسُ وَالْهِنْدُ وَالسُّرْيَانِيُّونَ وَالْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِبْطُ وَغَيْرُهُمْ يُسَمُّونَ مُلُوكَهُمْ آلِهَةً وَأَرْبَابًا.
وَفِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ بَنِي اللَّهِ دَخَلُوا عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَرَأَوْهُنَّ بَارِعَاتِ الْجَمَالِ فَتَزَوَّجُوا مِنْهُنَّ.
وَفِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنَ التَّوْرَاةِ قِصَّةُ الْمَخْرَجِ مِنْ مِصْرَ إِنِّي جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ، وَفِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي وَالثَّمَانِينَ: وَقَامَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ الْآلِهَةِ.
هَذَا فِي الْعِبْرَانِيَّةِ، وَأَمَّا مَنْ نَقَلَهُ إِلَى السُّرْيَانِيَّةِ فَإِنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقَالَ: قَامَ اللَّهُ فِي جَمَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَزْمُورِ وَهُوَ يُخَاطِبُ قَوْمًا بِالرُّوحِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ آلِهَةً وَأَنَّكُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ كُلُّكُمْ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَبْدَهُ بِالْمَلِكِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وَسَمَّى نَبِيَّهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَسَمَّاهُ بِالْعَزِيزِ وَسَمَّى نَفْسَهُ كَذَلِكَ، وَاسْمُ الرَّبِّ وَاقِعٌ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لُغَةِ أُمَّةِ التَّوْحِيدِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ رَبُّ الدَّارِ، وَرَبُّ الْمَنْزِلِ، وَرَبُّ الْإِبِلِ، وَرَبُّ هَذَا الْمَتَاعِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْعِيَا: عَرَفَ الثَّوْرُ مَنِ اقْتَنَاهُ، وَالْحِمَارُ مَرْبَطَ رَبِّهِ، وَلَمْ تَعْرِفْ بَنُو إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مَنْ خَلَقَهُمْ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَنَعَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أَيْ: صُورَةَ طَائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَصَارَتْ لَحْمًا وَدَمًا وَطَائِرًا حَقِيقَةً وَلَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا اللَّهُ.
قِيلَ: فَاجْعَلُوا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ إِلَهَ الْآلِهَةِ فَإِنَّهُ أَلْقَى عَصًا فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَصَارَتْ عَصًا كَمَا كَانَ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا بِشَهَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلِ لَهُ بِذَلِكَ، قَالَ عِزْرَا حَيْثُ سَبَاهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً: يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَعِنْدَ انْتِهَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَتَى الْمَسِيحُ، وَمَنْ يُطِيقُ يُخَلِّصُ الْأُمَمَ
وَالشُّعُوبَ غَيْرَ الْإِلَهِ التَّامِّ، قِيلَ لَكُمْ: فَاجْعَلُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ آلِهَةً فَإِنَّهُمْ خَلَّصُوا الْأُمَمَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَخَلَّصُوهُمْ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ خَلَّصَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مَنْ ذَلِّ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، كَمَا خَلَّصَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنِ وَقَوْمِهِ، وَخَلَّصَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
وَخَلَّصَ اللَّهُ ﷾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ مَا لَمْ يُخَلِّصْهُ نَبِيٌّ سِوَاهُ، فَإِنْ وَجَبَتْ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةُ لِعِيسَى بِذَلِكَ فَمُوسَى وَمُحَمَّدٌ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةَ لِقَوْلِ أَرْمِيا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ: وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (يَقُومُ لِدَاودَ ابْنٌ)، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ، يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ، وَيُسَمَّى الْإِلَهَ.
فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ وَالْآبِ، وَلَوْ كَانَ عِيسَى هُوَ اللَّهُ لَكَانَ أَجَلَّ مَنْ أَنْ يُقَالَ: وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، وَكَانَ يَقُولُ وَهُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ لَا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بِهِ إِلَهًا أَعْظَمُ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ، فَهَذَا الَّذِي
قَامَ لِدَاوُدَ هُوَ الَّذِي سَمَّى بِالْإِلَهِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لِمَخْلُوقٍ مَصْنُوعٍ مَوْلُودٍ لَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ جِهَةِ قَوْلِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ: قُلْ لِصَهْيُونَ يَفْرَحُ وَيَتَهَلَّلُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَيُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ فِيهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدِّدِينَ، وَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٍ، وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ وَلَا غَلَطٍ فِي التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى وَمُحَمَّدًا إِلَهَيْنِ.
وَالْمُرَادُ مَجِيءُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَشَرْعِهِ وَهُدَاهُ وَنُورِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدَّدِينَ، فَفِي التَّوْرَاةِ مِثْلَ هَذَا وَأَبْلَغُ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَهَابُوهُمْ وَلَا تَخَافُوهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبُّكُمُ السَّائِرُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَهُوَ مُحَارِبٌ عَنْكُمْ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ مُوسَى: إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ،
فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ أَمَامَنَا، وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةَ كَذَا إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا؟.
وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ: إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ بِقُدْرَتِكَ فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْكَ: اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِمْ، وَيَعُودُ غَمَامٌ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا وَيَعُودُ نَارًا لَيْلًا.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنِّي آتٍ إِلَيْكَ فِي غِلْظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ.
وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، وَفِيمَا حَكَى خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي.
وَإِنْ قُلْتُمْ جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيَّا فِي نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يَا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأَنِّي آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ وَأَتَرَاءَى، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأُمَمُ الْكَثِيرَةُ، وَيَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا
وَاحِدًا، وَيَحِلُّ هُوَ فِيهِمْ وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكَ، وَيَأْخُذُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُلْكَ مَنْ يَهُوَدَا وَيَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْأَبَدِ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ وَجَبَتْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِهَذَا فَتَجِبُ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْتُمْ مَعَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَعْلَنَ لَهُ وَتَرَاءَى لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ﷾ حُلُولَ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَيْفَ تَحِلُّ ذَاتُهُ فِي مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرَارِ الْخَلْقِ؟ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ؟ أَفَتَرَى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَشَدِّ يَدَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَرَبْطِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَدَقِّ الْمَسَامِيرِ فِي يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ، وَوَضْعِ تَاجِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ؟ وَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا وَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ.
وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صِحَّةً لَا تُدْفَعُ، وَصَحَّتْ تَرْجَمَتُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، لَكَانَ مَعْنَاهَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ، وَذِكْرَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ حَلَّ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، لَمَّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ الْمَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَجِمَاعُ الْأَمْرِ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْبَشَرِ إِلَهًا تَامًّا، إِلَهَ حَقٍّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إِلَّا بِمَا خُصَّ بِهِ أَخُوهُ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
وَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ مُوَافِقَةٌ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمِيعُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ مِنْ
أَلْفَاظٍ وَكَلِمَاتٍ فِي الْكُتُبِ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وَكَلِمَةً وَرُوحَ الْحَقِّ وَإِلَهًا، وَكَذَلِكَ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، أَمَّا رُوحُ الْقُدُسِ فَهِيَ سِرُّ اللَّهِ وَأَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ.
وَقَدْ أُطْلِقَتْ لِمَعَانٍ مِنْهَا جِبْرِيلُ، وَمِنْهَا اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَمِنْهَا الْوَحْيُ، وَقَدْ أُطْلِقَتْ عَلَى الْمَسِيحِ لِأَنَّ رُوحَهُ لَمْ تُخَالِطْ نُطْفَةً، وَالْقُدُّوسُ هُوَ الطَّاهِرُ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى الْمَسِيحِ رُوحُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَكَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ يُطْلِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَمِنْهَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الشَّامِلُ لِكُلِّ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ.
وَأَمَّا الرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ فَهِيَ النَّفْسُ عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ السُّنَّةُ، وَهِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ وَيُشَاكِلُ الْأَجْسَامَ الْمَحْسُوسَةَ تُحْدَثُ، وَيُخْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ بِفَرَحٍ، لَا تَمُوتُ وَلَا تَفْنَى، وَهِيَ مِمَّا لَهُ أَوَّلٌ وَلَيْسَ لَهُ آخِرٌ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاَلْأَجْسَادُ فِي الْمَعَادِ وَهِيَ بِعَيْنَيْنِ وَيَدِينِ، وَهِيَ ذُو رِيحَةٍ طَيِّبَةٍ أَوْ كَرِيهَةٍ بِحَسْبَ مَحَلِّهَا، وَهِيَ إِمَّا مُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ، وَذَلِكَ غَايَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حُدُوثِهَا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَسِيحُ رُوحَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ ذُو رُوحٍ وَجَدٍّ مِنْ غَيْرِ جُزْءٍ مِنْ ذِي رُوحٍ، كَالنُّطْفَةِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنَ الْأَبِّ الْحَيِّ، وَإِنَّمَا اخْتُرِعَ اخْتِرَاعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقُدْرَتُهُ خَالِصَةٌ.
وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَتِهِ وَأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍّ وَلَا نُطْفَةٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ مَا أُطْلِقَ مِنْ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذَاتِ الرَّبِّ،
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ مَا فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجِلُّونَهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْمُرَادُ مَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِهِمْ لَا نَفْسَ ذَاتِهِ، وَهَذَا أَمُرُّ تَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَلَازِلْتَ فِي عَيْنِي كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهُمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ، وَهُمْ مَعِي ... وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي، وَهُمْ فِي سَوَادِهَا
وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي، وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
وَقَالَ آخَرُ:
خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي عَيْنِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
وَقَالَ آخَرُ فِي الْمَعْنَى وَأَجَادَ:
إِنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لَا يُصَدِّقُنِي ... إِذْ أَنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ
أَوْ قُلْتُ مَا غِبْتِ قَالَ الطَّرْفُ ذَا كَذِبٌ ... فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَقَالَ آخَرُ: (فِي الْمَعْنَى مُفْرَدٌ)
أَحِنُّ إِلَيْهِ وَهْوَ فِي الْقَلْبِ سَاكِنٌ ... فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ
وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ، وَكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذَا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَحِلُّ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَتَتَّحِدُ بِهَا وَتَمْتَزِجُ بِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلِ أَشْعِيَا: مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ.
قِيلَ: لَكُمْ هَذَا، مَعَ أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ عَنْ أَشْعِيَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِنْ تَرْجَمَةٍ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ يُوَلَدُ مِنْهُ، لَا مِنَ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ قَوْلِ مَتَّى فِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ.
قِيلَ: هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْهَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ فِي إِنْجِيلِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَابْنُ الْإِنْسَانِ يَفْضَحُهُ إِذَا جَاءَ فِي مِحْرَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمُقَدِّسِينَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الْمَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فِي جَمِيعِ مُلُوكِ الْكُفْرِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِنْ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَإِدْخَالِهِمُ النَّارَ.
وَالضَّمِيرُ فِي الْمَلَائِكَةِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا الْقَوْمُ جَهَلَةٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمَقَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ عَنْ لُغَتِهِمْ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ بَلْ هَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، بَلْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْصَاهُمْ بِحِفْظِ الْمَسِيحِ وَتَأْيِيدِهِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ. ثُمَّ بِشَهَادَةِ لُوقَا: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَوِّيَهُ.
هَذَا الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الْكُتُبُ، فَحَرَّفَ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى مَسِيحِهِ ذَلِكَ، وَنَسَبُوا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
وَإِذَا شَهِدَ الْإِنْجِيلُ وَاتَّفَقَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِالْمَسِيحِ لِيَحْفَظُوهُ، عُلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ عَبِيدُ اللَّهِ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، لَيْسُوا أَرْبَابًا وَلَا آلِهَةً.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ: مَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَنْ أَرْسَلَنِي.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ أَيْضًا: مَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ أَنْكَرْتُهُ قُدَّامَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ: اغْمِدْ سَيْفَكَ. وَلَا تَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ الْأَبَ فَيُقِيمَ لِي أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
فَهَلْ يَقُولُ هَذَا مَنْ هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَهُهُمْ وَخَالِقُهُمْ؟
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِمَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أَشْعِيَا: تَخْرُجُ عَصَا مِنْ بَيْتِ نَبِيٍّ وَيَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْحِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَّكِلُونَ وَيَكُونُ لَهُمُ التَّاجُ وَالْكَرَامَةُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرَيْنِ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنْ أَشْعِيَا، وَصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَأَنَّهُ لَمْ تُحَرِّفْهُ التَّرَاجِمُ، هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ لَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أُيِّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْعِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلْ: تَحِلُّ فِيهِ حَيَاةُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحِلَّ اللَّهُ فِيهِ وَيَتَّحِدَ بِهِ، وَيَتَّخِذَ حِجَابًا مِنْ نَاسُوتِهِ. وَهَذِهِ الرُّوحُ تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَرُوحُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْهُدَى وَالنَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ.
وَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صِفَتُهُ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ، وَجِبْرِيلُ يُسَمَّى رُوحُ اللَّهِ، وَالْمَسِيحُ اسْمُهُ رُوحُ اللَّهِ.
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِذَا كَانَ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ إِضَافَةُ مَمْلُوكٍ إِلَى مَالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، وَلَا نَاقَةً يَرْكَبُهَا، وَلَا رُوحًا قَائِمَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا.
فَهَذِهِ الرُّوحُ أَيَّدَ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الْعَصَا الَّتِي تَنْبُتُ مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا
وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ.
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ وَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً.
وَهَذَا شَأْنُ الْعَبْدِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا الْإِلَهُ الْحَقُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَلَا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ وَلَا خَشْيَةٌ وَلَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَالْمَسِيحُ كَانَ قَائِمًا بِأَوْرَادِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أَشْعِيَا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَإَنَّنَا أَعْطَيْنَاهُ كَذَا وَكَذَا رِئَاسَةً عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ، أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَدَلَالَتُهَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي رِئَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ عَلَى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ
الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَلَامَةُ خَتْمِ دِيوَانِهِمْ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي ظَهْرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَرْفَعُهُ إِذَا ضَرَبَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَئِيسٌ مُسَلَّطٌ قَوِيُّ السَّلَامَةِ، وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ الْمُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلَامَةِ، فَإِنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَمِنَ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ.
وَالْمَسِيحُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى أَعْدَائِهِ كَمَا سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ كَانَ أَعْدَاؤُهُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ قَاهِرِينَ لَهُ حَتَّى عَمِلُوا بِهِ مَا عَمِلُوا عِنْدَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ. فَأَيْنَ مُطَابَقَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلْمَسِيحِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟ وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الَّذِي سُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ مُحَمَّدًا إِلَهًا بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ عَبْدٌ مَحْضٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ عَبْدٌ مَحْضٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ أَجَلُّ مَرَاتِبِهِ، وَاسْمُ الْإِلَهِ مِنْ جِهَةِ التَّرَاجِمِ جَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ لَا إِلَهَ لَهُ، الْمَعْبُودُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلٍ أَشْعِيَا فِيمَا زَعَمْتُمْ: هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ، وَعَمَانُوئِيلُ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ: إِلَهُنَا مَعَنَا.
فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّهُ إِلَهٌ.
قِيلَ لَكُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ: لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَذْرَاءَ وَلَدَتْ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَلِدُ ابْنًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا تُسَمِّي النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ اسْمَيْنِ أَوِ اسْمٍ وَفِعْلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ.
وَمِنْ عُلَمَائِكُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْعَذْرَاءِ هَهُنَا غَيْرُ مَرْيَمَ، وَيَذْكُرُ فِي ذَلِكَ قِصَّةً، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ عَمَانْوِيلُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ اسْمُهُ، فَكَوْنُهُ يُسَمَّى " إِلَهُنَا مَعَنَا " أَوْ " بِاللَّهِ حَسْبِي "، أَوِ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ.
وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَقَالَ: مَعْنَاهَا اللَّهُ مَعَنَا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ مَنْ أَنْصَفَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَحَكَّمَ رُشْدَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَهَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَبَصَّرَهُ مِنْ عَمَاهُ، وَقَالَ: (أَهَذَا هُوَ الْقَائِلُ: أَنَا الرَّبُّ، وَلَا إِلَهَ غَيْرِي، وَأَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وَأَخْلُقُ وَأَرْزُقُ؟.
أَمْ هُوَ الْقَائِلُ لِلَّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَحْدَكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ يُوسَعَ الْمَسِيحَ) .
قَالَ: وَالْأَوَّلُ بَاطِللٌ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْإِنْجِيلُ، وَيَجِبُ تَصْدِيقُ الْإِنْجِيلِ وَتَكْذِيبُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ مَعْبُودٌ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ عَمَانُوئِيلُ اسْمٌ تُسَمِّي بِهِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ أَوْلَادَهَا. قَالَ: وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَمَعْنَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهُمْ شَرِيفُ الْقَدْرِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ السُّرْيَانُ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ وَالْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ
لِلرَّجُلِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإِذَا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُ مَعَكَ، أَوِ: اللَّهُ مَعَنَا، كَانَ هَذَا تَبَرُّكًا بِمَعْنَى هَذِهِ الِاسْمِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِ حَبْقُوقَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَزَيَّا وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ وَيَمْشِي مَعَهُمْ.
وَيَقُولُ أَرْمِيَا أَيْضًا بَعْدَ هَذَا: اللَّهُ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الْبَشَرِ، قِيلَ لَكُمْ: هَذَا بَعْدَ احْتِيَاجِهِ إِلَى ثُبُوتِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ أَوَّلًا، وَإِلَى ثُبُوتِ هَذَا النَّقْلِ عَنْهُمَا، وَإِلَى مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ - وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ يَعِزُّ عَلَيْكُمْ إِثْبَاتُهَا - لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مَصْنُوعٍ، فَفِي التَّوْرَاةِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَأَبْلَغُ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُوسَى إِلَهٌ، وَلَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ الْعَبِيدِ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ يَتَزَيَّا مِثْلَ: تَجَلَّى اللَّهُ وَظَهَرَ وَاسْتَعْلَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى وَتَزَيَّا لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: فُلَانٌ مَعَنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يَمُتْ، إِذَا كَانَ عَمَلُهُ وَسُنَّتُهُ وَسِيرَتُهُ بَيْنَهُمْ وَوَصَايَاهُ يُعْمَلُ بِهَا بَيْنَهُمْ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ مَاتَ وَالِدُهُ: مَا مَاتَ مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ، وَأَنَا وَالِدُكَ. وَإِذَا رَأَوْا تِلْمِيذَ الْعَالِمِ يُعَلِّمُ عِلْمَهُ قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ بَاسِمِ أُسْتَاذِهِ، كَمَا كَانَ يُقَالُ عَنْ عِكْرِمَةَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي حَامِدٍ: هَذَا الشَّافِعِيُّ.
وَإِذَا بَعَثَ الْمَلِكُ نَائِبًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَلَدٍ يَقُولُ النَّاسَ: جَاءَ الْمَلِكُ وحَكَمَ وَرَسَمَ الْمَلِكُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيُقَالُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَّا لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي
فُلَانًا عَطِشَ فَاسْتَقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَّا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَلَوِ اسْتَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ لَكَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا إِلَهٌ مِنْ جِنْسِ اسْتِدْلَالِكُمْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا!.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِهِ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْفُرِ الْمُلُوكِ: وَالْآنَ يَا رَبِّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، يَتَحَقَّقُ كَلَامُكَ لِدَاوُدَ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَنْ يَكُونَ آيَةً، سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ، اسْمَعُوا أَيَّتُهَا الشُّعُوبُ كُلُّكُمْ، وَلْتَنْصِتِ الْأَرْضُ وَكُلُّ مَنْ فِيهَا، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيَنْزِلُ وَيَطَأُ عَلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ فِي شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا السِّفْرُ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُثْبَتَ، وَأَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وَأَنَّ هَذَا لَفَظَهُ، وَأَنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابِقَةٌ لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ. وَبَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْكَلَامِ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَذْكُرُوهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَأَنَّهُ إِلَهٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ قَوْلَهُ:
إِنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ، هُوَ مِثْلَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ نُورُهُ وَهُدَاهُ وَدِينُهُ وَنَبِيُّهُ كَانَتْ هَذِهِ سُكْنَاهُ، لَا أَنَّهُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ يَنْزِلُ عَنْ عَرْشِهِ وَيَسْكُنُ مَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَوْ قُدِّرَ تَقْدِيرُ الْمُحَالَاتِ أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَسِيحُ، فَقَدْ سَكَنَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فَمَا الْمُوجَبُ لِأَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الْإِلَهُ دُونَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، أَتَرَى ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قُلْتُمْ إِنَّهُ قُبِضَ عَلَيْهِ وَفُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ مِنْ غَايَةِ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ وَالْقَهْرِ، فَهَذَا ثَمَرَةُ سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هُوَ ظُهُورُهُ فِي نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أَمَّا الظُّهُورُ الْمُمْكِنُ الْمَعْقُولُ وَهُوَ ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَكَلَامِهِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَنَاسُوتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا الظُّهُورُ الْمُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْبَاهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ وَالشَّرَائِعُ وَجَمِيعُ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ ظُهُورُ ذَاتِ الرَّبِّ فِي نَاسُوتِ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَامْتِزَاجِهِ وَاخْتِلَاطِهِ فَهَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أَصْلًا، بَلِ النُّبُوَّاتُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ قَدِيمٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا كُفْؤَ وَلَا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَا زَوْجَةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ فَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّدَمِ وَالْخَوْفِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذَاتِهِ، وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ عَنْهُ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَغَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ عَلَّامٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ وَلَا سَاكِنٍ وَلَا مُتَحَرِّكٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى
تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، قَدْ أَحَاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَبَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمُبْصِرَاتِ، وَعِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، وَنَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ فِي جَمِيعِ الْبَرِيَّاتِ، وَعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ الشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ أَحْدًا عَلَى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْفَعُ إِلَيْهِ حَوَائِجَ عِبَادِهِ أَوْ يُعَاوِنُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُمْ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ الْأَبَدِيُّ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَضْمَحِلُّ وَلَا يَتَلَاشَى وَلَا يُعْدَمُ وَلَا يَمُوتُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُكَلِّمُ الْآمِرُ النَّاهِي قَائِلُ الْحَقِّ وَهَادِي السَّبِيلِ وَمُرْسِلُ الرُّسُلِ وَمُنْزِلُ الْكُتُبِ وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُجَازِي الْمُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ وَخَبَرِهِ، فَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا. وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ حَدِيثًا، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى صَمَدٌ، بِجَمِيعِ مَعَانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ صَمَدِيَّتَهُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ قُدُّوسٌ سَلَامٌ، فَهُوَ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ وَآفَةٍ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْكَامِلُ الَّذِي لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ وَلَا يَخَافُ عِبَادُهُ مِنْهُ ظُلْمًا.
فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِخِلَافِهِ وَلَا يُخْبِرَ نَبِيٌّ بِخِلَافِهِ أَصْلًا.
فَتَرَكَ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذَا كُلَّهُ، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْمُجْمَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَأَقْوَالِ مَنْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَأُصُولُ الْمُثَلِّثَةِ وَمَقَالَتُهُمْ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ تُخَالِفُ هَذَا كُلَّهُ أَشَدَّ الْمُخَالَفَةِ وَتُبَايِنُهُ أَعْظَمَ الْمُبَايَنَةِ.
فَصْلٌ: فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَظُهُورُ نُبُوَّتِهِ تَصْدِيقٌ لِشَهَادَتِهِمْ وَشَهَادَةٌ لَهُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِرْسَالُهُ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ.
فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ بَشَّرُوا بِهِ وَأَخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ، فَمَجِيئُهُ هُوَ نَفْسُ صِدْقِ خَبَرِهِ، فَكَأَنَّ مَجِيئَهُ تَصْدِيقٌ لَهُمْ إِذْ هُوَ تَأْوِيلُ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ: إِنَّ تَصْدِيقَهُ الْمُرْسَلِينَ بِشَهَادَتِهِ بِصِدْقِهِمْ وَإِيمَانِهِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُمْ بِقَوْلِهِ وَمَجِيئِهِ فَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِنَفْسِ مَجِيئِهِ، وَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِقَوْلِهِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْمَسِيحِ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
فَإِنَّ التَّوْرَاةَ لَمَّا بَشَّرَتْ بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ كَانَ نَفْسُ ظُهُورِهِ تَصْدِيقًا لَهَا، ثُمَّ بَشَّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ ظُهُورُ الرَّسُولِ الْمُبَشَّرِ بِهِ تَصْدِيقًا لَهُ، كَمَا كَانَ ظُهُورُهُ تَصْدِيقًا لِلتَّوْرَاةِ، فَعَادَةُ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ أَنَّ السَّابِقَ يُبَشِّرُ بِاللَّاحِقِ، وَاللَّاحِقَ يُصَدِّقُ السَّابِقَ، فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
وَاللَّهُ ﷾ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَلَا يَكْذِبُ خَبَرُهُ وَقَدْ كَانَ بَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ بِبِشَارَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلَمْ نَرَهَا تَمَّتْ وَلَا ظَهَرَتْ إِلَّا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدَ بُشِّرَتْ هَاجَرُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تُبَشَّرْ بِهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ بِالْمَسِيحِ، عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ بُشِّرَتْ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبُشِّرَتْ هَاجَرُ بِإِسْمَاعِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَبُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مِرَارًا.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَاجَرَ وَبَعْدَ وَفَاتِهَا كَالْمُخَاطِبِ لَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: قَدْ أَجَبْتُ دَعَاكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ، وَكَثَّرْتُهُ، وَعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا. وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، هَكَذَا تَرْجَمَةُ بَعْضِ الْمُتَرْجِمِينَ.
وَأَمَّا فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ وَفِيهَا: لَمَّا هَرَبَتْ هَاجَرُ مِنْ سَارَّةَ تَزَايَا لَهَا مَلَكُ اللَّهِ، وَقَالَ: يَا هَاجَرُ أَمَةَ سَارَّةَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟ قَالَتْ: هَرَبْتُ مِنْ سَيِّدَتِي، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ:
ارْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ وَاخْضَعِي لَهَا، فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، هَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا تُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ وَخُشُوعَكِ، وَهُوَ يَكُونُ عَيْنَ النَّاسِ، وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِصَّةُ إِسْكَانِهَا وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَفِيهَا: فَقَالَ الْمَلَكُ: يَا هَاجَرُ لِيَفْرَحْ رَوْعُكِ. فَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْتَ الصَّبِيِّ، قُومِي فَاحْمِلِيهِ وَتَمَسَّكِي بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهَا فَإِذَا بِئْرُ مَاءٍ فَذَهَبَتْ وَمَلَأَتِ الْمَزَادَةَ مِنْهُ، وَسَقَتِ الصَّبِيَّ مِنْهُ، وَكَانَ اللَّهُ مَعَهَا وَمَعَ الصَّبِيِّ حَتَّى تَرَبَّى، وَكَانَ مَسْكَنُهُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
فَهَذِهِ أَرْبَعُ بِشَارَاتٍ خَالِصَةٍ لِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، نَزَلَتِ اثْنَتَانِ مِنْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاثْنَتَانِ عَلَى هَاجَرَ. وَفِي التَّوْرَاةِ بِشَارَاتٌ أُخْرَى بِإِسْمَاعِيلَ وَوَلَدِهِ وَأَنَّهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ تُحْصَى وَلَا يُحْصَوْنَ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ إِنَّمَا تَمَّتْ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ. وَإِنَّ بَنِي إِسْحَاقَ كَانُوا لَمْ يَزَالُوا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ خَوَلًا لِلْفَرَاعِنَةِ وَالْقِبْطِ حَتَّى أَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَ الشَّامِ، فَكَانَتْ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِمْ، ثُمَّ سَلَبَهُمْ ذَلِكَ وَقَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مَسْلُوبًا عِزُّهُمْ وَمُلْكُهُمْ، قَدْ أَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ السُّودَانِ، وَعَلَتْهُمْ أَعْلَاجُ الْحُمْرَانِ حَتَّى ظَهَرَتْ تِلْكَ الْبِشَارَاتُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وَعَلَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمُدَّتْ وَعَلَتْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ فَهَشَّمُوهُمْ هَشْمًا، وَطَحَنُوهُمْ طِحْنًا، وَانْتَشَرُوا فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمَدَّتِ الْأُمَمُ أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، وَعَلَوْهُمْ
عُلُوَّ الثُّرَيَّا فِيمَا بَيْنَ الْهِنْدِ وَالْحَبَشَةِ وَالسُّوسِ الْأَقْصَى وَبِلَادِ التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْخَزَرِ، وَمَلَكُوا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَحَيْثُ مُلْتَقَى أَمْوَاجِ الْبَحْرَيْنِ. وَظَهَرَ ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ، فَلَيْسَ صَبِيٌّ مِنْ بَعْدِ ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ وَلَا ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ وَالِدَ إِسْمَاعِيلِ.
وَأَمَّا النَّصْرَانِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ظَهَرَتْ فِي أُمَمٍ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَحَلِّ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ سُلْطَانٌ ظَاهِرٌ وَلَا عِزٌّ قَاهِرٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا صَارَتْ أَيْدِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَلَا امْتَدَّتْ إِلَيْهِمْ أَيْدِي الْأُمَمُ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبِشَارَاتِ، وَيُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ تَأْوِيلُهَا بِظُهُورِهِ ﷺ لَبَطَلَتِ النُّبُوَّاتُ.
وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، قَالُوا: نَحْنُ فِي انْتِظَارِهِ وَلَمْ يَجِئْ بَعْدُ.
وَلَمَّا عَلِمَ بَعْضُ الْغُلَاةِ فِي كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنٌ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةِ الْبَهْتِ وَإِخْوَانِ الْقُرُودِ وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَكْثُرْ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوا رَبَّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ مِسَبَّةٍ أَنْ يَطْعَنُوا فِي دِينِنَا، وَيَنْتَقِصُوا نَبِيَّنَا ﷺ.
فَصْلٌ: وَنَحْنُ نُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْمَسِيحِ فَضِيلَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا آيَةً وَلَا مُعْجِزَةً إِلَّا بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَسِيحِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. فَنَقُولُ: إِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لِعِيسَى فَضِيلَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ وَمَنْ نَقَلَ إِلَيْكُمْ عَنْهُ آيَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَبِعْتُمْ مَنْ بَعْدَهُ مَا يَنِيفُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَعَشَرَاتٍ مِنَ السِّنِينَ، أَخْبَرْتُمْ عَنْ مَنَامٍ رُؤِيَ وَأَسْرَعْتُمْ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِمَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ عِيسَى فِي الْعَالَمِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْيَهُودِ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ أَعْظَمُ أَعْدَائِهِ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَأَخْبَارُ الْمَسِيحِ وَالصَّلِيبِ إِنَّمَا شُيُوخُكُمْ فِيهَا الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرِهِ أَعْظَمَ اخْتِلَافٍ، وَأَنْتُمْ مُخْتَلِفُونَ مَعَهُمْ فِي أَمْرِهِ. فَإِنَّ الْيَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَزْعُمُ أَنَّهُمْ حِينَ أَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي السِّجْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالُوا: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَحْبِسُوهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَقْتُلُوهُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُعَضِّدُهُ أَحَدُ قُوَّادِ الرُّومِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُدَاخِلُهُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ عِنْدَهُمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ أَنَّهُ أُخِذَ صُبْحَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصُلِبَ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ فَمَتَى تَتَوَافَقُونَ مَعَ الْيَهُودِ فِي خَبَرِهِ.
وَالْيَهُودُ مُجْمِعَةٌ أَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ وَلَا بَدَتْ مِنْهُ لَهُمْ آيَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ طَارَ يَوْمًا، وَقَدْ هَمُّوا بِأَخْذِهِ فَطَارَ عَلَى أَثَرِهِ آخَرُ مِنْهُمْ، فَعَلَاهُ فِي طَيَرَانِهِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ بِزَعْمِهِمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَا يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا مُعْجِزَةَ لَهُ وَلَا آيَةَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مَنْصُوصَا إِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ يَوْمًا: مَاذَا تَفْعَلُ حَتَّى نَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ بَعَثَهُ، قَالُوا لَهُ: وَمَا آيَتُكَ الَّتِي تُرِينَا وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ آبَاءَنَا قَدْ أَكَلُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى بِالْمَفَاوِزِ؟
قَالَ: إِنْ كَانَ أَطْعَمَكُمْ مُوسَى خُبْزًا فَأَنَا أُطْعِمُكُمْ خُبْزًا سَمَاوِيًّا، يُرِيدُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَلَوْ عَرَفُوا لَهُ مُعْجِزَةً مَا قَالُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَهُ: مَا آيَتُكَ الَّتِي نُصَدِّقُكَ بِهَا؟ قَالَ: اهْدِمُوا الْبَيْتَ أَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَهُودُ تَعْرِفُ لَهُ آيَةً لَمْ تَقُلْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً لَذَكَّرَهُمْ بِهَا حِينَئِذٍ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَيْضًا: أَنَّهُمْ جَاءُوا يَسْأَلُونَهُ آيَةً فَقَذَفَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ الْفَاجِرَةَ الْخَبِيثَةَ آيَةٌ، فَلَا تُعْطَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ بِظَنِّهِمْ: إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ فَأَنْزَلَ نَفْسَكَ نُؤْمِنْ بِكَ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ آيَةً فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَإِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ آيَةٌ وَلَا فَضِيلَةٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَكُمْ عَنْهُ وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، لِاخْتِلَافِكُمْ فِي شَأْنِهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ يَقِينِكُمْ لِجَمِيعِ أُمُورِهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُ ادَّعَاهَا.
وَكَانَ أَقْصَى مُرَادِهِمْ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمُ السَّبَبَ
فِي اسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ لَمَّا مَضَى وَبَقِيَ ذِكْرُهُ، خَافُوا أَنْ يَصِيرَ عَامَّتُهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ عَلَى سُنَنٍ تَقْبَلُهُ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا غَرَضَ لَهُمْ، فَشَنَّعُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ تَزْهِيدًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ عِنْدَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي أَمْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ يَقِينِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ وَيَعْرِفُونَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَيَنْسِبُونَهُ لِزَانِيَةٍ، وَحَاشَاهُ وَحَاشَا أُمَّهُ الصِّدِّيقَةَ الطَّاهِرَةَ الْبَتُولَ، الَّتِي لَمْ يَقْرَعُهَا فَحْلٌ قَطُّ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَيُسَمُّونَ أَبَاهُ لِلزَّانِيَةِ الْبَنْدِيرَا الرُّومِيَّ، وَأُمَّهُ مَرْيَمَ الْمَاشِطَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفَ بْنَ يَهُودًا وَجَدَ الْبَنْدِيرَا عِنْدَهَا عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ شَعَرَ بِذَلِكَ فَهَجَرَهَا وَأَنْكَرَ ابْنَهَا.
وَمِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالُوا: إِنَّمَا أَبُوهُ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا الَّذِي كَانَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي اسْتِفَاضَةِ اسْمِ الزَّنِيمِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ يَوْمًا مَعَ مُعَلِّمِهِ يَهْشُوعَ بْنِ بَرْضِيَا وَسَائِرِ التَّلَامِيذِ فَنَزَلُوا فِي سَفَرٍ مَوْضِعًا، وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَجَعَلَتْ تُبَالِغُ فِي إِكْرَامِهِمْ، فَقَالَ يَهْشُوعُ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ يُرِيدُ أَفْعَالَهَا، فَقَالَ عِيسَى - بِزَعْمِهِمْ - لَوْلَا عَمَشٌ فِي عَيْنِهَا، فَصَاحَ يَهْشُوعُ وَقَالَ: مِمْزَارُ - تَرْجَمَتُهُ: يَا زَنِيمُ - أَتَزْنِي بِالنَّظَرِ؟ وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَحَرَّمَ
اسْمَهُ وَلَعَنَهُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ قَرْنٍ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ بِبَعْضِ قُوَّادِ الرُّومِ وَأَدْخَلَهُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ فَقَوِيَ لِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ذِمَّةِ قَيْصَرَ بَتَارْيُوشَ، وَجَعْلَ يُخَالِفُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهَا، وَيُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
وَطَوَائِفُ مِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ بِالْكُرَةِ فَوَقَفَتْ لَهُمُ الْكُرَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ الْيَهُودِ، فَضَعُفَ الصِّبْيَانُ عَنِ اسْتِخْرَاجِهَا مِنْ بَيْنِهِمْ، حَيَاءً مِنْهُمْ أَيْ مِنْ مَشَايِخِهِمْ، فَقَوِيَ عِيسَى وَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَأَخَذَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا نَظُنُّكَ إِلَّا زَنِيمًا.
وَمِنَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَبَاهُ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي هُوَ خَطِيبُ مَرْيَمَ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا النَّجَّارُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يُوسُفُ الْحَدَّادُ. وَالنَّصَارَى تَزْعُمُ أَنَّهَا ذَاتُ بَعْلٍ، وَأَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يُوسُفُ بْنُ آلٍ.
وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي آبَائِهِ وَعَدَدِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمِ ﵊ فَمِنْ مُقِلٍّ وَمِنْ مُكْثِرٍ. فَهَذَا مَا عِنْدَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ شُيُوخُكُمْ فِي نَقْلِ الصَّلْبِ وَأَمْرِهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى. وَإِنَّمَا حَضَرَهُ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ،
وَقَالُوا: قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا فِيهِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُوهُمْ فِي الصَّلْبِ فَصَدِّقُوهُمْ فِي سَائِرٍ مَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُوهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ فَمَا الْمُوجِبُ لِتَصْدِيقِهِمْ فِي الصَّلْبِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا صَلَبُوهُ بَلْ صَانَهُ اللَّهُ وَحَمَاهُ وَحَفِظَهُ، وَكَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ وَأَوْجَهَ عِنْدِهِ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؟
وَأَمَّا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ أَنْتُمْ، فَلَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَشَدَّ اخْتِلَافًا فِي مَعْبُودِهَا وَنَبِيِّهَا وَدِينِهَا مِنْكُمْ، فَلَوْ سَأَلْتَ الرَّجُلَ وَامْرَأَتَهُ وَابْنَتَهُ وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ عَنْ دِينِهِمْ لَأَجَابَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ جَوَابِ الْآخَرِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الدِّينَ لَتَفَرَّقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ مَذْهَبًا. مَعَ اتِّفَاقِ فِرَقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الْيَوْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وَعِبَادَةِ الصَّلِيبِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِعَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَا نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ وَأَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا هُوَ أَبٌ وَالِدٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ، وَصَارَ هُوَ وَابْنُهَا النَّاسُوتِيُّ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا وَرَازِقًا، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَأُلِمَ وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَلَى يَمِينِ أَبِيهِ.
وَقَالُوا: وَالَّذِي وَلَدْتُهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَتَغَوَّطَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَشُدَّ بِالْحِبَالِ وَسُمِّرَتْ يَدَاهُ.
ثُمَّ اخْتَلَقُوا: فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ - قَاتَلَهُمُ اللَّهُ - وَهُمْ أَتْبَاعُ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِبَاسَهُ كَانَ مِنْ خُرُوقِ بِرَادِعِ الدَّوَابِّ يُرَقِّعُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا - إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ، وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجْوَهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّبِيعَةُ الْوَاحِدَةُ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ هُوَ الْمَسِيحُ، هُوَ إِلَهُ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷾ قُبِضَ عَلَيْهِ، وَصُلِبَ وَسُمِّرَ وَمَاتَ وَدُفِنَ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَقَالَتِ الْمَلِكِيَّةُ - وَهُمُ الرُّومُ نِسْبَةً إِلَى دِينِ الْمَلِكِ، لَا إِلَى رَجُلٍ يُدْعَى مَلِكَايَا، وَهُوَ صَاحِبُ مَقَالَتِهِمْ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ - إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ
الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدَا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ. وَرَكِبَتْ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، إِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسِ كَمِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ، وَصَحَّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتُ الَّذِي لَبِسَهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَطَبِيعَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِّ، وَلَهُ بِنَاسُوتِيَّتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ. وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي مَاتَ هُوَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصَّلْبُ وَالتَّسْمِيرُ وَالصَّفْعُ وَالرَّبْطُ بِالْحِبَالِ، وَاللَّاهُوتُ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يَأْلَمْ وَلَمْ يُدْفَنْ.
قَالُوا: وَهُوَ إِلَهٌ قَامَ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ الْمَشِيئَتَانِ: مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ، وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، فَأَتَوْا بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ نَزَّهُوا الْإِلَهَ عَنِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا تَدَبَّرَتْ قَوْلَهُمْ وَجَدْتَهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مَعَ تُنَاقِضُهُمْ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ أَطْرَدُ لِكُفْرِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَأَمَّا النّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا وُجِدَتْ بِالنَّاسُوتِ صَارَ لَهُمَا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ الْإِلَهُ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الَّذِي يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْفِرَقِ اسْتَنْكَفَتْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ مِنْ ذَلِكَ، وَرَغِبَتْ بِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهَا، بَلْ أَعْلَى مَنَازِلِهِ عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَعْلَى مَنَازِلِهِمَا تَكْمِيلُ مَرَاتِبِ الْعُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَا فَوْزَ مَنْ رَضِيَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدًا، فَلَمْ تَرْضَ الْمُثَلِّثَةُ بِذَلِكَ.
وَقَالَتِ الْآرْيُوسِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ آرِيُوسَ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
وَكَانَ النَّجَاشِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا ظَفَرَتِ الْمُثَلِّثَةُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَفَعَلُوا بِهِ مَا يُفْعَلُ بِمَنْ سَبَّ الْمَسِيحَ وَشَتَمَهُ أَعْظَمَ سَبٍّ.
وَكُلٌّ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ عَوَامُّهُمْ لَا يَفْهَمُ مَقَالَةَ خَوَاصِّهِمْ عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَخَطَّى مَرْيَمَ كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَأَحْبَلَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا، وَلَا يَعْرِفُونَ تِلْكَ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا خَوَاصُّهُمْ، فَهُمْ يَقُولُونَ: الَّذِي تُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ نَحْنُ نَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَقَالِيمِ الثَّلَاثِ وَالطَّبِيعَتَيْنِ وَالْمَشِيئَتَيْنِ، وَذَلِكَ التَّهْوِيلِ وَالتَّطْوِيلِ.
وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ، وَاللَّهَ أَبُوهُ، وَهُوَ الِابْنُ فَهَذَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَالْوَلَدُ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَعْدَاءِ الْمَسِيحِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُغَالِينَ فِيهِ مِنَ النَّصَارَى وَالْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ قَاتَلَ اللَّهُ الْفِئَتَيْنِ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا أَزَالَ الشُّبْهَةَ فِي أَمْرِهِ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَبَرَّأَ الْمَسِيحَ وَأَمَّهُ مِمَّا افْتَرَاهُ (مِنَ افْتِرَاءِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَبَهْتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ، وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ مِمَّا افْتَرَاهُ) عَلَيْهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوهُ أَعْظَمَ السَّبِّ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ. وَأَنْزَلَ أَخَاهُ الْمَسِيحَ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ أَشْرَفُ مَنَازِلِهِ،
فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهَا، وَقَرَّرَ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِتَخْلِيدِ مَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ فِي النَّارِ، وَأَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَنَزَّهَهُ وَصَانَهُ أَنْ يَنَالَ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ أُمَّةُ الْغَضَبِ مِنْهُ مَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى أَنَّهُمْ نَالُوهُ مِنْهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أَعْدَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَلَا نَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِأَذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَسْكَنَهُ سَمَاءَهُ وَسَيُعِيدُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ مَسِيحِ الضَّلَالِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ بِهِ الْخِنْزِيرَ، وَيُعْلِي بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَإِذَا وُضِعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسِيحِ فِي كِفَّةٍ، وَقَوْلُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الْمُثَلِّثَةِ فِي كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ تَفَاوُتَهُمَا كَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْمَسِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْيَهُودُ مِنْ شَرَارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الْهُدَى. وَالَّذِي أَثْبَتَهُ النَّصَارَى مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي عَقْلٍ وَلَا فِطْرَةٍ. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ وَجُودَهُ لَبَطَلَتْ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أَصْلًا، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ وَجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُونَ لَبَطَلَ الْعَالَمُ وَاضْمَحَلَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ.
وَلَا يُسْتَعْجَبُ مِنْ إِطْبَاقِ أُمَّةِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ عَلَى ذَلِكَ، فَكُلُّ بَاطِلٍ فِي الْوُجُودِ يُنْسَبُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ
إِطْبَاقِ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَلِعِبَادِ الصَّلِيبِ أُسْوَةٌ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ.
فَصْلٌ: فِي ذِكْرِ اسْتِنَادِهِمْ فِي دِينِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْمَجَامِعِ الَّذِي كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَلَقِّيهِمْ أُصُولَ دِينِهِمْ عَنْهُمْ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَمْرَ كَيْفَ ابْتَدَأَ، وَتَوَسَّطَ، وَانْتَهَى، حَتَّى كَأَنَّكَ تَرَاهُ عِيَانًا. كَانَ اللَّهُ قَدْ بَشَّرَ بِالْمَسِيحِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ، مِنْ لَدُنْ مُوسَى إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبْشِيرًا بِهِ دَاوُدُ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَنْتَظِرُهُ وَتُصَدِّقُ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا وَشَرَّدُوهُ فِي الْبِلَادِ وَطَرَدُوهُ وَحَبَسُوهُ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ مِرَارًا إِلَى أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَتْلِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يُهِنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَشُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُمْ صَلَبُوهُ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، فَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلَّذِينِ صَلَبُوهُ، بِأَنْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَصَلَبُوا الشَّبَهَ.
وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلنَّصَارَى، أَيْ حَصَلَتْ لَهُمُ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِ
وَلَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ مَا قُتِلَ وَلَا صُلِبَ، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ أَعْدَاؤُهُ: إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ وَاتَّفَقَ رَفْعُهُ مِنَ الْأَرْضِ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِمْ وَصَدَّقَهُمُ النَّصَارَى فِي صَلْبِهِ لِتَتِمَّ الشَّنَاعَةُ عَلَيْهِمْ.
وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَى دِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ يَدْعُونَ الْأُمَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَالْإِيمَانِ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَمَسِيحِهِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي دِينِهِ مَا بَيْنَ ظَاهِرٍ وَمَسْتُورٍ: ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ وَمُخْتَفٍ مَسْتُورٌ.
وَأَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالْأَذَى لِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَلَقِيَ تَلَامِيذُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِنْ قَتْلٍ وَعَذَابٍ وَتَشْرِيدٍ وَحَبْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ الْيَهُودُ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ فِي ذِمَّةِ الرُّومِ، الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكًا عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ نَائِبُ
الْمَلِكِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ وَتَلَامِيذِهِ، وَمَا يَفْعَلُ مِنَ الْعَجَائِبِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَمَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَّبِعَ دِينَهُ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُهُ.
ثُمَّ هَلَكَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى تَلَامِذَةِ الْمَسِيحِ. ثُمَّ مَاتَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ.
وَفِي زَمَنِهِ كَتَبَ مَتَّى إِنْجِيلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَفِي زَمَانِهِ صَارَ مُرْقُسُ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَدَعَا إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَهُوَ أَوَّلُ شَخْصٍ جُعِلَ بَتْرَكًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَصَيَّرَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسِّيسًا عَلَى عِدَةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَاتَ الْبَتْرَكُ أَنْ يَخْتَارُوا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَاحِدًا يَجْعَلُونَهُ مَكَانَهُ، وَيَضَعُ الْاثْنَيْ عَشَرَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ وَيُبَارِكُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَارُونَ رَجُلًا فَاضِلًا قِسِّيسًا يُصَيِّرُونَهُ تَمَامَ الْعِدَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْقَوْمِ كَذَلِكَ إِلَى زَمَانِ قُسْطَنْطِينَ: ثُمَّ انْقَطَعَ هَذَا الرَّسْمُ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُنَصِّبُوا الْبَتْرَكَ مِنْ أَيْ بَلَدٍ كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْقِسِّيسِينَ ثُمَّ يُسَمُّوهُ " بَابَا " وَمَعْنَاهُ أَبُو
الْآبَاءِ، وَخَرَجَ مُرْقُسُ إِلَى (بَرْقَةَ) يَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ جَاءَ مَلِكٌ آخَرُ فَأَهَاجَ عَلَى أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ الشَّرَّ وَالْبَلَاءَ، وَأَخَذَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ بُطْرُسُ رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ إِنْجِيلَ مُرْقُسَ عَنْهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُرْقُسَ. وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ لُوقَا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ لِرَجُلٍ شَرِيفٍ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَتَبَ لَهُ الْإِفْرَكْسِيسَ الَّذِي فِيهِ أَخْبَارُ التَّلَامِيذِ، وَفِي زَمَنِهِ صُلِبَ بُطْرُسُ.
وَزَعَمُوا أَنْ بُطْرُسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصْلُبَنِي فَاصْلُبْنِي مُنَكَّسًا، لِئَلَّا أَكُونَ مِثْلَ سَيِّدِي الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ صُلِبَ قَائِمًا.
وَضُرِبَ عُنُقُ بُولُسَ بِالسَّيْفِ، وَأَقَامَ بُطْرُسُ بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ مُرْقُسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَرْقَةَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، ثُمَّ قُتِلَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ بِالنَّارِ.
ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الْقَيَاصِرَةُ مُلُوكُ الرُّومِ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ إِلَى أَنْ مَلَكَ قَيْصَرُ يُسَمَّى طِيطَسَ فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِسَبْعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا، وَأَصَابَ أَهْلَهَا جُوعٌ عَظِيمٌ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى كَانُوا يَشُقُّونَ بُطُونَ الْحَبَالَى
وَيَضْرِبُونَ بِأَطْفَالِهِنَّ الصُّخُورَ، وَضَرَبَ الْمَدِينَةَ وَأَضْرَمَ فِيهَا نَارًا، وَأُحْصِي الْقَتْلَى فَبَلَغُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ.
ثُمَّ مَلَكَ مُلُوكٌ آخَرُونَ فَكَانَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ شَدِيدًا عَلَى الْيَهُودِ جِدًّا، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ مَلِكُهُمْ وَأَنَّ مُلْكَهُ يَدُومُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِ النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَبْقَى فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ.
وَكَانَ يُوحَنَّا صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ هُنَاكَ فَهَرَبَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِإِكْرَامِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ، وَقَتَلَ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَبَهُ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَمَرَ بِاسْتِعْبَادِ النَّصَارَى، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ إِلَى أَنْ رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ، وَقَالَ لَهُ وُزَرَاؤُهُ: إِنَّ لَهُمْ دِينًا وَشَرِيعَةً، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِعْبَادُهُمْ فَكَفَّ عَنْهُمْ.
وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ يُوحَنَّا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ رَجَعَ الْيَهُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَامْتَلَأَتْ بِهِمُ الْمَدِينَةُ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوا مِنْهُمْ مَلِكًا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْصَرَ، فَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرَ فَأَخَذَ
النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، وَفِي زَمَانِهِ قَتَلَ الْيَهُودَ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَرَبَ الْيَهُودُ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الشَّامِ وَالْجِبَالِ وَالْأَغْوَارِ، وَتَقَطَّعُوا فِي الْأَرْضِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَهُودِيٌّ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْيَهُودُ وَيُسْتَأْصَلُوا، وَأَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ الْيُونَانِيُّونَ. وَامْتَلَأَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ، وَالنَّصَارَى ذِمَّةُ الرُّومِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، فَرَأَوْهُمْ يَأْتُونَ إِلَى مَزْبَلَةٍ هُنَاكَ فَيُصَلُّونَ فِيهَا، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَى الْمَزْبَلَةِ هَيْكَلًا بَاسِمِ الزَّهْرَةِ، فَلَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى بَعْدَ ذَلِكَ قُرْبَانُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
ثُمَّ هَلَكَ هَذَا الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، فَنَصَّبَ يَهُودَا أُسْقُفًّا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَمِنْ يَعْقُوبَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْأَوَّلِ إِلَى يَهُودَا أُسْقُفِّهِ هَذَا كَانَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلُّهُمْ مَجْبُوبِينَ.
[وَعَادَ الْبَلَاءُ]
ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً شَدِيدًا وَحُزْنًا طَوِيلًا، وَوَقَعَ فِي أَيَّامِهِ
قَحْطٌ شَدِيدٌ كَادَ النَّاسُ أَنْ يَهْلِكُوا، فَسَأَلُوا النَّصَارَى أَنْ يَبْتَهِلُوا إِلَى إِلَهِهِمْ، فَدَعَوْا وَابْتَهَلُوا إِلَى اللَّهِ فَأُمْطِرُوا وَارْتَفَعَ الْقَحْطُ وَالْوَبَاءُ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَفِي زَمَانِهِ كَتَبَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَتْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَبَتْرَكِ رُومِيَّةَ فِي (كِتَابٍ) فِصْحَ النَّصَارَى وَصَوْمَهُمْ، وَكَيْفَ يُسْتَخْرَجُ مِنْ فِصْحِ الْيَهُودِ، فَوَضَعُوا فِيهَا كُتُبًا عَلَى مَا هِيَ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْغِطَاسِ مِنَ الْغَدِ يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُونَ كَمَا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَمَدَ بِالْأُرْدُنِّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَقَامَ بِهَا صَائِمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ النَّصَارَى إِذَا أَفْصَحَ الْيَهُودُ عَيَّدُوا هُمُ الْفِصْحَ، فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْبَتَارِكَةُ حِسَابًا لِلْفِصْحِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ (يَوْمَ الْفِصْحِ)، وَكَانَ الْمَسِيحُ يُعَيِّدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي عِيدِهِمْ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ إِلَى أَنِ ابْتَدَعُوا تَغْيِيرَ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَصُومُوا عَقِيبَ الْغِطِاسِ، بَلْ نَقَلُوا الصَّوْمَ إِلَى وَقْتٍ لَا يَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ (عِيدِ) الْيَهُودِ.
ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَ جَالِينُوسُ، وَفِي زَمَنِهِ ظَهَرَتِ الْفُرْسُ، وَغَلَبَتْ عَلَى بَابِلَ وَآمِدَ وَفَارِسَ، وَتَمَلَّكَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ فِي
(إِصْطَخْرَ) وَهُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ عَلَى فَارِسَ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ.
ثُمَّ مَاتَ قَيْصَرُ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى عَذَّبَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، ثُمَّ قَتَلَ مَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهَدَمَ الْكَنَائِسَ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا وَسَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ وَكَانَتِ النَّصَارَى فِي زَمَنِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ذِمَّةٍ - أَيْ تَحْتَ ذِمَّةِ الرُّومِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَتْرَكُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَتْلِهِ هَرَبَ وَتَرَكَ الْكُرْسِيَّ.
ثُمَّ هَلَكَ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي أَيَّامِ هَذَا ظَهَرَ مَانِي الْكَذَّابُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحِيَلِ وَالْمَخَارِيقِ، فَأَخَذَهُ بِهْرَامُ مَلِكُ الْفُرْسِ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِائَتَيْ رَجُلٍ فَغَرَسَ رُءُوسَهُمْ فِي الطِّينِ مُنَكَّسِينَ حَتَّى مَاتُوا.
ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدِهِ فِيلِيبْسُ فَآمَنَ بِالْمَسِيحِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ قُوَّادِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ ذَانْقِيُوسُ، وَيُسَمَّى دِقْيَانُوسُ فَلَقِيَ النَّصَارَى مِنْهُ بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، وَقَتَلَ بَتْرَكَ رُومِيَّةَ، وَبَنَى بِكَنِيسَتِهَا هَيْكَلًا عَظِيمًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَصْنَامَ، وَأَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا وَيُذْبَحَ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يُقْتَلُ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى، وَصُلِبُوا عَلَى الْهَيْكَلِ، وَاتَّخَذَ مِنْ أَوْلَادِ عُظَمَاءِ الْمَدِينَةِ سَبْعَةَ غِلْمَانٍ، فَجَعَلَهُمْ خَاصَّتَهُ فَقَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ، وَكَانُوا لَا يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَامِ، فَأُعْلِمَ الْمَلِكُ بِخَبَرِهِمْ، فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى مَخْرِجٍ لَهُ، فَأَخَذَ الْفِتْيَةُ كُلَّ مَالِهِمْ فَتَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ فِيهِ كَهْفٌ كَبِيرٌ، فَاخْتَفَوْا فِيهِ، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ فَنَامُوا كَالْأَمْوَاتِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِمْ بَابُ الْكَهْفِ كَيْ يَمُوتُوا، فَأَخَذَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ، فِيهَا أَسْمَاؤُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ مَعَ دِقْيَانُوسَ، وَصَيَّرُهَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَدَفَنَهُ دَاخِلَ الْكَهْفِ وَسَدَّهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَلِكُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ جَعَلَ فِي أَنْطَاكِيَةَ بَتْرَكًا
(فَصْلٌ): فَهَذَا أَصْلُ دِينِهِمْ وَأَسَاسُهُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فُرُوعُهُ وَشَرَائِعُهُ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْمَسِيحِ فِي جَمِيعِهَا، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَلَكِنْ يُحِيلُونَ عَلَى الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِالطَّهَارَةِ، وَيَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوجِبُ غُسْلَ الْحَائِضِ، وَطَوَائِفُ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُومُ مِنْ عَلَى بَطْنِ الْمَرْأَةِ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَلَا يَسْتَنْجِي، وَالْبَوْلُ وَالنَّجْوُ يَنْحَدِرُ عَلَى سَاقِهِ وَفَخْذِهِ وَيُصَلِّي
كَذَلِكَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ، وَلَوْ تَغَوَّطَ وَبَالَ وَهُوَ يُصَلِّي لَمْ يَضُرَّهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَفْسُوَ وَيَضْرَطَ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الصَّلَاةَ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَبْعَدُ مِنْ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَأَقْرَبُ إِلَى مُخَالَفَةِ الْأُمَّتَيْنِ.
وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّصْلِيبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَرِيءٌ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الْحَوَارِيِّينَ الْمُبَيِّنِينَ، فَإِنَّ هَذَا بِالِاسْتِهْزَاءِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَةِ، وَحَاشَا الْمَسِيحَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ مَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ.
وَطَوَائِفُ النَّصَارَى إِنَّمَا يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَلَامًا قَدْ لَحَّنَهُ لَهُمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ وَيُصَلُّونَ بِهِمْ، يَجْرِي مَجْرَى النَّوْحِ وَالْأَغَانِي، فَيَقُولُونَ: هَذَا قُدَّاسُ فُلَانٍ يَنْسِبُونَهُ إِلَى الَّذِينَ وَضَعُوهُ لَهُمْ.
وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى الشَّرْقِ، وَمَا صَلَّى الْمَسِيحُ إِلَى الشَّرْقِ قَطُّ، وَمَا صَلَّى إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَّا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ قِبْلَةُ دَاوُدَ وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقِبْلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْمَسِيحُ اخْتَتَنَ وَأَوْجَبَ الْخِتَانَ كَمَا أَوْجَبَهُ مُوسَى وَهَارُونُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ.
وَالْمَسِيحُ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَلَعَنَ آكِلَهُ، وَبَالَغَ فِي ذَمِّهِ - وَالنَّصَارَى تُصِرُّ بِذَلِكَ - وَلَقَدْ
رُفِعَ إِلَى اللَّهِ وَمَا طَعِمَ مِنْ لَحْمِهِ وَزْنَ شَعِيرَةٍ، وَالنَّصَارَى تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِأَكْلِهِ.
وَالْمَسِيحُ مَا شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الصَّوْمَ الَّذِي يُصُومُونَهُ قَطُّ، وَلَا صَامَهُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَا صَامَ الْعَذَارَى فِي عُمُرِهِ، وَلَا أَكْلَ فِي الصَّوْمِ مَا يَأْكُلُونَهُ، وَلَا حَرَّمَ مَا يُحَرِّمُونَهُ، وَلَا عَطَّلَ السَّبْتَ يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَلَا اتَّخَذَ الْأَحَدَ عِيدًا قَطُّ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ أَنَّهُ رَقَى مَرْيَمَ الْمَجْدَلَانِيَّةَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَ شَيَاطِينٍ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ قَالَتْ لَهُ: أَيْنَ تَأْوِي؟ فَقَالَ لَهَا: اسْلُكِي هَذِهِ الدَّابَّةَ النَّجِسَةَ يَعْنِي الْخِنْزِيرَ. فَهَذِهِ حِكَايَةُ النَّصَارَى عَنْهُ.
وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ أَطْهَرَ الدَّوَابِّ وَأَجْمَلِهَا، وَأَطْيَبِهَا.
وَالْمَسِيحُ سَائِرٌ فِي الذَّبَائِحِ وَالْمُنَاكَحِ وَالطَّلَاقِ وَالْمَوَارِيثِ سِيرَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ لَاطَ أَوْ سَكِرَ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَبَدًا، وَلَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْقِسَّ وَالرَّاهِبَ يَغْفِرُهُ لَهُمْ، فَكُلَّمَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا أَهْدَى لِلْقِسِّ هَدِيَّةً وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهَا لِيَغْفِرَ لَهُ، وَإِذَا أَذْنَبَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمْ بَيَّتَهَا عِنْدَ الْقِسِّ لِيُطَيِّبَهَا لَهُ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا أَنَّ الْقِسَّ طَيَّبَهَا، قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا وَتَبَرَّكَ بِهِ.
وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لَأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَبِوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ أَيْسَرُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَمَنْ نَقَضَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُدْعَى نَاقِضًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.
وَمَا زَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اعْمَلُوا بِمَا رَأَيْتُمُونِي أَعْمَلُ، وَوَصُّوا النَّاسَ بِمَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ كَمَا كُنْتُ مَعَكُمْ، وَكُونُوا لَهُمْ كَمَا كُنْتُ لَكُمْ.
وَمَا زَالَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أَخَذَ الْقَوْمَ فِي التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَهْوَوْنَ وَمَا تَكْرَهُ الْيَهُودُ وَمُنَاقَضَتِهِمْ بِمَا فِيهِ تَرْكُ دِينِ الْمَسِيحِ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْهُ جُمْلَةً، فَرَأَوُا الْيَهُودَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ سَاحِرٌ مُمَخْرِقٌ وَلَدُ زِنَا، فَقَالُوا: هُوَ الرَّتَامُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ!! وَرَأَوُا الْيَهُودَ يَخْتَتِنُونَ فَتَرَكُوا الْخِتَانَ! وَرَأَوْهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الطَّهَارَةِ فَتَرَكُوهَا جُمْلَةً! وَرَأَوْهُمْ يَجْتَنِبُونَ مِنْ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَمُلَامَسَتِهَا، فَجَامَعُوهَا هُمْ! وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ الْخِنْزِيرَ، فَأَبَاحُوهُ وَجَعَلُوهُ شِعَارَ دِينِهِمْ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْحَيَوَانِ فَأَبَاحُوا مَا دُونُ الْفِيلِ إِلَى الْبَعُوضَةِ، وَقَالُوا: كُلْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ لَا حَرَجَ.
وَرَأَوْهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَقْبَلُوا هُمُ الشَّرْقَ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ عَلَى اللَّهِ نَسْخَ شَرِيعَةٍ شَرَعَهَا، فَجَوَّزُوا هُمْ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِكَتِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مَا شَاءُوا وَيُحَلِّلُوا مَا شَاءُوا وَيُحَرِّمُوا مَا شَاءُوا.
وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ السَّبْتَ وَيَحْفَظُونَهُ فَحَرَّمُوا هُمُ الْأَحَدَ، وَأَحَلُّوا السَّبْتَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يُعَظِّمُ السَّبْتَ وَيَحْفَظُهُ.
وَرَأَوْهُمْ يَنْفِرُونَ مِنَ الصَّلِيبِ، فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِهَذَا، فَعَبَدُوا هُمُ الصَّلِيبَ، كَمَا أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ تَحْرِيمَ الْخِنْزِيرِ نَصًّا فَتَعَبَّدُوا هُمْ بِأَكْلِهِ.
وَفِيهَا الْأَمْرُ بِالِاخْتِتَانِ، فَتَعَبَّدُوا بِتَرْكِهِ، مَعَ إِقْرَارِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لِأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعَ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ، أَيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى.
فَذَهَبَتِ النَّصَارَى تَنْقُضُهَا شَرِيعَةً شَرِيعَةً فِي مُكَايَدَةِ الْيَهُودِ وَمُغَايَظَتِهِمْ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَا السَّبَبِ مَا فِي كِتَابِهِمُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ بِإِفْرَاكِيسَ.
(أَنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصَارَى خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَتَوْا أَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرَهَا - مِنَ الشَّامِ - فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْعَمَلِ فِي التَّوْرَاةِ، وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِ مَنْ لَيْسَ أَهْلِهَا، وَإِلَى الْخِتَانِ وَإِقَامَةِ السَّبْتِ، وَتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ، وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَمِ وَاسْتَثْقَلُوهُ، فَاجْتَمَعَ النَّصَارَى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَشَاوَرُوا فِيمَا يَحْتَالُونَ بِهِ عَلَى الْأُمَمِ لِيُجِيبُوهُمْ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، وَيَدْخُلُوا فِيهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُدَاخَلَةِ الْأُمَمِ، وَالتَّرْخِيصِ لَهُمْ وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَالِانْحِطَاطِ فِي أَهْوَائِهِمْ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَإِنْشَاءِ شَرِيعَةٍ تَكُونُ بَيْنَ شَرِيعَةِ الْإِنْجِيلِ وَمَا عَلَيْهِ الْأُمَمُ، وَأَنْشَئُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا، فَهَذَا أَحَدُ مَجَامِعِهِمُ الْكِبَارِ - وَكَانُوا كُلَّمَا أَرَادُوا إِحْدَاثَ شَيْءٍ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا - وَافْتَرَوْا فِيهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ إِحْدَاثَهُ إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا الْمَجْمَعَ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعُ
لَهُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الرُّومِيِّ ابْنِ هِيلَانَةَ الْحَرَّانِيَّةِ الْفَنْدَقِيَّةِ) .
وَفِي زَمَنِهِ بُدِّلَ دِينُ الْمَسِيحِ وَهُوَ الَّذِي شَادَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ الْمُبْتَدَعَ، وَقَامَ بِهِ وَقَعَدَ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ زُهَاءَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَقَرَّرُوا تَقْرِيرًا ثُمَّ رَفَضُوهُ وَلَمْ يَرْتَضُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَهُمُ الْآبَاءَ، فَقَرَّرُوا هَذَا التَّقْرِيرَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَهُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِهِمْ، لَا تَتِمُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ نَصْرَانِيَّةٌ إِلَّا بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ سَنْهُودِسَ وَهِيَ الْأَمَانَةُ! وَلَفْظُهَا:
نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِّ الْوَاحِدِ خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، بِكْرِ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا مَعَاشِرَ النَّاسِ وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ الْبَتُولُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ أَيَّامَ
بِلَاطِسَ الرُّومِيِّ، وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ - وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْوَاحِدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبِيهِ رُوحُ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيحِيَّةٍ جَاثِلِيقِيَّةٍ، وَبِقِيَامِ أَبْدَانِنَا، وَبِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ إِلَى أَبَدَ الْآبِدِينَ.
فَصَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّ الْمَسِيحَ رَبٌّ، وَأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ بِكْرُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، أَيْ لَيْسَ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ رَبٌّ خَالِقٌ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ اسْتُلَّ وَوُلِدَ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَأَنَّهُ مُسَاوٍ لِأَبِيهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَأَنَّهُ بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ، وَهَذِهِ الْيَدُ الَّتِي أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ بِهَا عِنْدَهُمْ، هِيَ الَّتِي ذَاقَتْ حَرَّ الْمَسَامِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ:
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا: إِنَّ الْيَدَ الَّتِي سَمَّرَهَا الْيَهُودُ فِي الْخَشَبَةِ، هِيَ الْيَدُ الَّتِي عَجَنَتْ طِينَ آدَمَ وَخَلَقَتْهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي شَبَرَتِ السَّمَاءَ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي كَتَبَتِ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى، قَالُوا: وَقَدْ وَصَفُوا صَنِيعَ الْيَهُودِ بِهِ - وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ - وَإِنَّهُمْ لَطَمُوا الْإِلَهَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ.
قَالُوا: وَفِي بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ أَنَّ الْإِلَهَ تَحْبَلُ بِهِ امْرَأَةٌ عَذْرَاءُ وَتَلِدُهُ وَيُؤْخَذُ وَيُصْلَبُ وَيُقْتَلُ.
قَالُوا: وَأَمَّا سَنْهُودِسُ دُونَ الْأُمَمِ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ الْآبَاءِ وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَفِيهِ: أَنَّ مَرْيَمَ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ وَأَوْلَدَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ وَسَقَتْهُ وَأَطْعَمَتْهُ، قَالُوا: وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ آدَمَ وَهُوَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ إِسْرَائِيلَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَرَبُّهَا وَخَالِقُهَا وَرَازِقُهَا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَنْ هُوَ الْقُدْوَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِنَا: يَسُوعُ فِي الْبَدْءِ لَمْ يَزَلْ
كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، وَاللَّهُ هُوَ الْكَلِمَةُ، فَذَاكَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَّهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ، قَالُوا: فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي عَايَنَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَخَاطَبَ النَّاسَ مِنْ بَطْنِهَا، حَيْثُ قَالَ لِلْأَعْمَى: أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قَالَ الْأَعْمَى: وَمَنْ هُوَ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قَالَ: هُوَ الْمُخَاطِبُ لَكَ. فَقَالَ: آمَنْتُ بِكَ وَخَرَّ سَاجِدًا.
قَالُوا: فَالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هُوَ اللَّهُ، وَابْنُ اللَّهِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ، قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَصُفِعَ وَكُتِّفَتْ يَدَاهُ وَسُمِّرَ فِي وَجْهِهِ وَمَاتَ وَدُفِنَ وَذَاقَ أَلَمَ الصَّلْبِ وَالتَّسْمِيرِ وَالْقَتْلِ لِأَجْلِ خَلَاصِ النَّصَارَى مِنْ خَطَايَاهُمْ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ عِنْدَ طَوَائِفِنَا الثَّلَاثَةِ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ بَلْ هُوَ رَبُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَاللُّطْفِ وَالْمَعُونَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْإِنَاثِ وَلَا الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَعَهَا بِحَبَلِهَا بِهِ وَاحْتِوَاءِ بَطْنِهَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا فَارَقَتْ جَمِيعَ إِنَاثِ الْحَيَوَانِ، وَفَارَقَ ابْنُهَا جَمِيعَ الْخَلْقِ، فَصَارَ اللَّهُ وَابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدْتُهُ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا، وَرَبًّا وَاحِدًا، وَخَالِقًا وَاحِدًا، لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَا يَبْطَلُ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي حَبَلٍ، وَلَا فِي وِلَادَةٍ، وَلَا فِي حَالِ نَوْمٍ، وَلَا مَرَضٍ، وَلَا صَلْبٍ، وَلَا مَوْتٍ، وَلَا دَفْنٍ، بَلْ هُوَ مُتَحِدٌ بِهِ فِي حَالِ الْحَبَلِ، فَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَفِي حَالِ الْوِلَادَةِ كَذَلِكَ، وَفِي حَالِ الصَّلْبِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ، قَالُوا: فَمِنَّا مَنْ يُطْلِقُ فِي لَفْظِهِ وَعِبَارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَمَاتَ الْإِلَهُ، وَمِنَّا
مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهَا، وَيُعْطَى مَعْنَاهَا وَحَقِيقَتَهَا، وَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَلَدَتِ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ أُمُّ الْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَرَبٌّ فِي الْحَقِيقَةِ، وَابْنُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا ابْنَ لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَلَا أَبَّ لِلْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا هُوَ.
قَالُوا: فَهَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ فِي الْمَعْنَى قَوْلَ مَنْ يَقُولُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَقُتِلَ الْإِلَهُ، وَصُلِبَ الْإِلَهُ وَدُفِنَ الْإِلَهُ، وَإِنْ مَنَعُوا اللَّفْظَ وَالْعِبَارَةَ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا مَنَعْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا إِخْوَانُنَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنَا إِذَا قُلْنَا: حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَأُمُّ إِلَهٍ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حَلَّ وَنَزَلَ بِالْإِلَهِ الَّذِي هُوَ أَبٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَلَّ هَذَا كُلُّهُ وَنَزَلَ بِالْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ طَوَائِفِنَا إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، فَنَحْنُ وَإِخْوَانُنَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَنَا إِلَّا فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ، قَالُوا: فَهَذَا حَقِيقَةُ دِينِنَا وَإِيمَانِنَا، وَالْآبَاءُ وَالْقُدْوَةُ قَدْ قَالُوا قَبْلَنَا وَسَنُّوهُ لَنَا وَمَهَّدُوهُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْمَسِيحِ مِنَّا.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَكِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَرَازِقُهُمْ وَمُحْيِيهُمْ وُمُمِيتُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ مِنَ الْقُبُورِ، وَحَاشِرُهُمْ وَمُحَاسِبُهُمْ، وَمُثِيبُهُمْ وَمُعَاقِبُهُمْ.
وَالنَّصَارَى تَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَبَ انْخَلَعَ مِنْ مُلْكِهِ كُلِّهِ، وَجَعْلُهُ لِابْنِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيُرْزُقُ وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ: ابْنُ اللَّهِ وَبِكْرُ أَبِيهِ، وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ؟
وَيَقُولُونَ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمَسِيحُ يَسُوعُ تُحْيِينَا وَتُمِيتُنَا، وَتَرْزُقُنَا وَتَخْلُقُ أَوْلَادَنَا، وَتُقِيمُ أَجْسَادَنَا وَتَبْعَثُنَا وَتُجَازِينَا.
وَقَدْ تَضْمَنُ هَذَا كُلُّهُ تَكْذِيبَهُمُ الصَّرِيحَ لِلْمَسِيحِ، وَإِنْ أَوْهَمَتْهُمْ ظُنُونُهُمُ الْكَاذِبَةُ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ.
فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، كَمَا أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُمْ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ كَمَا أَرْسَلَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ.
فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ فِي دُعَائِهِ: إِنَّ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّكَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْحَقُّ، وَأَنَّكَ أَرْسَلْتَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ.
وَهَذَا حَقِيقَةُ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ قَتْلِي وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ، فَذَكَرَ غَايَتَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ بَلَّغَهُمْ مَا قَالَهُ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ وَأَنَا إِلَهٌ وَلَا ابْنُ إِلَهٍ، عَلَى مَعْنَى التَّوَالُدِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَجِئْ لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِي وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنِّي لَيْسَ هُوَ لِي، وَلَكِنْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ قُلْتُ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي.
وَكَانَ يُوَاصِلُ الْعِبَادَةَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَيَقُولُ: مَا جِئْتُ لِأُخْدَمَ، بَلْ جِئْتُ لِأَخْدِمَ، فَأَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْخُدَّامِ لِلَّهِ، وَقَالَ: لَسْتُ أُدِينُ الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ وَلَا أُحَاسِبُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْهُمْ.
كُلُّ هَذَا فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: يَا رَبُّ، قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَدْ أَرْسَلْتَنِي، وَقَدْ ذَكَرْتُ لَهُمُ اسْمَكَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِيهِ: إِنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَرْسَلَ مَنْ أَرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ لِيُقْبِلُوا إِلَى الْحَقِّ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي أَعْمَلُ هِيَ الشَّاهِدَاتُ لِي بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ. وَفِيهِ مَا أَبْعَدَنِي وَأَتْعَبَنِي إِنْ أَحْدَثْتُ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَلَكِنْ أَتَكَلَّمُ وَأُجِيبُ بِمَا عَلَّمَنِي رَبِّي. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَسَحَنِي وَأَرْسَلَنِي، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ الْوَاحِدَ لِيَوْمِ الْخَلَاصِ،
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ مَا أَكَلَ وَلَا يَأْكُلُ وَمَا شَرِبَ وَلَا يَشْرَبُ وَلَمْ يَنَمْ وَلَا يَنَامُ وَلَا وَلَدَ وَلَا يَلِدُ، وَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، تَذْكِيرًا لِلنَّصَارَى بِمَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ.
وَقَالَ فِي دُعَائِهِ لَمَّا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ الْمَيِّتَ: أَنَا أَشْكُرُكَ وَأَحْمَدُكَ لِأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي فِي هَذَا الْوَقْتِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُحْيِيَ هَذَا الْمَيِّتَ لِتَعْلَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي.
وَفِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ الْمَسِيحَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّامِرِيَّةِ وَلَحِقَ بِجَلْجَالَ قَالَ: لَمْ يُكْرَمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا: لَمْ يُقْبَلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنِهِ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَنِي، وَفِي إِنْجِيلِ مُرْقُسَ: أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلُ إِلَى الْمَسِيحِ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ خَيْرٍ أَعْمَلُ لِأَنَالَ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: لِمَ قُلْتَ صَالِحًا؟ إِنَّمَا الصَّالِحُ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ الشُّرُوطَ، لَا تَسْرِقْ وَلَا تَزْنِ وَلَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ وَلَا تَخُنْ، وَأَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَرَادُوا قَبْضَهُ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: قَدْ دَنَا الْوَقْتُ يَا إِلَهِي فَشَرِّفْنِي لَدَيْكَ، وَاجْعَلْ لِي سَبِيلًا أَنْ أُمَلِّكَ كُلَّ مَنْ مَلَّكْتَنِي الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ. وَإِنَّمَا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إِلَهًا وَاحِدًا وَبِالْمَسِيحِ الَّذِي بَعَثْتَ، وَقَدْ عَظَّمْتُكَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَاحْتَمَلْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ فَشَرِّفْنِي.
فَلَمْ يَدَّعِ سِوَى أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ مَبْعُوثٌ، وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى: لَا تَنْسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَلَا تَدْعُوَا مُعَلِّمِينَ فَإِنَّمَا مُعَلِّمُكُمُ الْمَسِيحُ وَحْدَهُ.
وَالْآبُّ فِي لُغَتِهِمُ الرَّبُّ الْمُرَبِّي، أَيْ لَا تَقُولُوا: إِلَهُكُمْ وَرَبُّكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ أَنْزَلَ نَفْسَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ، وَهُوَ أَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُ فِي الْأَرْضِ، وَإِلَهُهُمْ هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حِينَ دَعَا اللَّهَ فَأَحْيَا وَلَدَ الْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَفَقَّدَ أُمَّتَهُ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْمَسِيحَ أَعْلَى صَوْتَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَالَ لِلْيَهُودِ: قَدْ عَرَفْتُمُونِي وَمَوْضِعِي، وَلَمْ آتِ مِنْ ذَاتِي، وَقَدْ بَعَثَنِي الْحَقُّ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي أَجْهَلُهُ كُنْتُ كَاذِبًا مِثْلَكُمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ وَهُوَ بَعَثَنِي.
فَمَا زَادَ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْأَنْبِيَاءُ فَأَمْسَكَتِ الْمُثَلِّثَةُ قَوْلَهُ: إِنِّي مِنْهُ، وَقَالُوا: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَفِي الْقُرْآنِ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ هُودٌ: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَالِحٌ! وَلَكِنَّ أُمَّةَ الضَّلَالِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَرُدُّونَ الْمُحْكَمَ. وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِلْيَهُودِ، وَقَدْ قَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبَاكُمْ لَأَطَعْتُمُونِي لِأَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ، خَرَجْتُ مُقْبِلًا، وَلَمْ أُقْبِلْ مِنْ ذَاتِي، وَلَكِنْ هُوَ بَعَثَنِي، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ وَصِيَّتِي، وَتَعْجِزُونَ عَنْ سَمَاعِ كَلَامِي، إِنَّمَا أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الشَّيْطَانِ، وَتُرِيدُونَ إِتْمَامَ شَهَوَاتِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْيَهُودَ حَاطَتْ بِهِ، وَقَالَتْ لَهُ: إِلَى مَتَى تُخْفِي أَمْرَكَ إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ فَأَعْلِمْنَاهُ بِذَلِكَ؟
وَلَمْ تَقُلْ إِنْ كُنْتَ اللَّهَ أَوِ ابْنَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، وَلَا فَهْمِهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَعْدَائِهِ وَلَا أَتْبَاعِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّ الْيَهُودَ أَرَادُوا الْقَبْضَ عَلَيْهِ فَبَعَثُوا الْأَعْوَانَ وَأَنَّ الْأَعْوَانَ رَجَعُوا إِلَى قُوَّادِهِمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ لَمْ تَأْخُذُوهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا آدَمِيًّا أَنْصَفَ مِنْهُ،
فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا مَخْدُوعُونَ، أَتَرَوْنَ أَنَّهُ آمَنَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ: أَتَرَوْنَ كِتَابَكُمْ يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: اكْشِفِ الْكُتُبَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْ جِلْجَالَ نَبِيٌّ. فَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طَاعَتِهِ، لِأَنَّ كَذِبَهُ كَانَ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ - لَوْ سَبَقَ فِي حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبَادِهِ، وَيَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَيُبَاشِرُهُمْ بِنَفْسِهِ - أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ، وَيُقِيمُ فِي بَطْنِهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالنَّجْوِ وَالدَّمِ عِدَّةَ أَشْهُرٍ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لَا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ وَيَبْكِي، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَا يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَشْرَبُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنَامُ مَعَهُمْ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْخَرَأَةِ إِذْ هِيَ مَنْقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِنَقْصِهِ وَحَاجَتِهِ، وَهُوَ تَعَالَى الْمُخْتَصُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ، الَّذِي مَا وَسِعَتْهُ سَمَاوَاتُهُ وَلَا أَرْضُهُ، وَكُرْسِيُّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَيْفَ وَسِعَهُ فَرْجُ امْرَأَةٍ، تَعَالَى رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَكُلُّكُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ.
فَيَا مَعْشَرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصَّلِيبِ، أَخْبِرُونَا مَنْ كَانَ الْمُمْسِكَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ كَانَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَقَدْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ بِالْحِبَالِ، وَسُمِّرَتِ الْيَدُ الَّتِي أَتْقَنَتِ الْعَوَالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْوًا مِنْ إِلَهِهَا وَفَاطِرِهَا؟ وَقَدْ جَرَى
عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ؟ أَمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلَى تَدْبِيرِهَا غَيْرَهُ، وَهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَلِيَذُوقَ حَرَّ الْمَسَامِيرِ وَلِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أَمْ تَقُولُونَ: - وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُكُمْ - لَا نَدْرِي وَلَكِنْ هَذَا فِي الْكُتُبِ، وَقَدْ قَالَهُ الْآبَاءُ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَالْجَوَابُ عَلَيْهِمْ.
فَنَقُولُ لَكُمْ: وَإِلَّا يَا مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ، مَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ؟
(الشُّبْهَةُ الْأَوْلَى)
فَإِنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ مِنْ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكُمْ وَسَوْقِهِ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وَهُمْ يَبْصُقُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وَشَدُّوا يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَضَرَبُوا فِيهَا الْمَسَامِيرَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَتَعَلَّقَ ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ وَأَوْدَعَ ضَرِيحَهُ.
فَمَا أَصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلَالٍ عِنْدَ أَمْثَالِكُمْ مِمَّنْ هُوَ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمْ عَارٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ مَوْلُودًا مِنَ الْبَشَرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إِلَهُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ إِلَهًا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَّ لَهُ وَالْمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ.
وَحَوَّاءُ أَيْضًا اجْعَلُوهَا إِلَهًا خَامِسًا ; لِأَنَّهَا لَا أُمَّ لَهَا، وَهِيَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ.
وَاللَّهُ ﷾ قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وَبَنِيهِ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ مَنْ ذَكَرٍ لَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ عَبْدَهُ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى لَا مِنْ ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ النَّوْعِ مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى.
وَإِنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَلَا يُحْيِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، فَاجْعَلُوا مُوسَى إِلَهًا آخَرَ، فَإِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ الْمَسِيحُ بِنَظِيرِهِ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ، وَهُوَ جَعْلُ الْخَشَبَةِ حَيَوَانًا عَظِيمًا، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى جِسْمٍ كَانَتْ فِيهِ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا غَيْرُ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَذَا الْيَسَعُ النَّبِيُّ أَتَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إِيلِيَا النَّبِيُّ أَيْضًا أَحْيَا صَبِيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَذَا مُوسَى قَدْ أَحْيَا بِإِذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ قَوْمِهِ.
وَفِي كُتُبِكُمْ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ: فَهَلْ صَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَهًا بِذَلِكَ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِلْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعَجَائِبُ مُوسَى أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ.
وَهَذَا إِيلِيَاءُ النَّبِيُّ بَارَكَ عَلَى دَقِيقِ الْعَجُوزِ وَدُهَنِهَا فَلَمْ يَنْفُذْ مَا فِي جِرَابِهَا مِنَ الدَّقِيقِ وَمَا فِي قَارُورَتِهَا مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِكَوْنِهِ أَطْعَمَ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلَافًا مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا مُوسَى قَدْ أَطْعَمَ أُمَّتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى! وَهَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَطْعَمَ الْعَسْكَرَ كُلَّهُ مِنْ زَادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتَّى شَبِعُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ، وَسَقَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ لَا يَغْمُرُ الْيَدَ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ سِقَاءٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَاحَ بِالْبَحْرِ فَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وَقَامَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْحِيطَانِ، وَفَجَّرَ مِنَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سَارِحَةً.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَى الْمَوْتَى فَآيَاتُ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونَ إِنَّمَا ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وَالِافْتِقَارَ وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإِنْ كَمَا كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا أَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا صَادِقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ وَنَمْرُودَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَأَخْرَجْتُمُ الْمَسِيحَ عَنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَجَعَلْتُمُوهُ أَعْظَمَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَلِهَذَا كُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمَسِيحِ فِي صُورَةِ مُحِبٍّ مُوَالٍ! وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مَسِيحَ الْهُدَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، وَيُظْهِرُ لِلْخَلَائِقِ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُصْلَبَ وَيُسَمَّرَ وَيُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ!
وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَشَهِدْتُمْ أَنْتُمْ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ - وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِكُمْ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مَا يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَدَّقْتُمْ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ، كَذَلِكَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ وَيُخْبِرُ عَنْ حَوَادِثَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جُزْئِيَّةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ.
وَيَقَعُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ لِلْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالسَّحَرَةِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي، وَإِنِّي سَائِلُ أَبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَابْنُ الْإِلَهِ إِلَهٌ، قِيلَ: فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبَاهُ وَأَبَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ.
وَفِيهِ: لَا تَنَسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ تَلَامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكُمْ أَنَاجِيلُكُمُ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ، وَكُلُّهَا صَرِيحَةٌ أَظْهَرَ صَرَاحَةٍ بِأَنَّهُمْ مَا ادَّعَوْا لَهُ إِلَّا مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ.
فَهَذَا مَتَّى يَقُولُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ إِنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ عَنِ اللَّهِ ﷿: هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ نَفْسِي لَهُ.
وَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ: إِنِّي أَشْكُرُكَ يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَهَذَا لُوقَا يَقُولُ فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِآخَرَ مِنْ تَلَامِيذِهِ فِي الطَّرِيقِ مَلَكٌ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالِكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ غَرِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْإِنْجِيلِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَهَذَا أَخْنُوخُ وَإِلْيَاسُ قَدْ صَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَهُمَا حَيَّانِ مُكَرَّمَانِ لَمْ تَشُكْهُمَا شَوْكَةٌ وَلَا طَمَعَ فِيهِمَا طَامِعٌ.
وَالْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ عَبْدٌ مَحْضٌ وَهَذِهِ الْمَلَائِكَةُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْأَبْدَانُ، وَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهَلْ كَانَ الصُّعُودُ إِلَى السَّمَاءِ مُخْرِجٌ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّتْهُ إِلَهًا وَرَبًّا وَسَيِّدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ كَثِيرٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﷿ تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَفِي سَائِرِ الْكُتُبِ، وَمَا زَالَتِ الرُّومُ وَالْفُرْسُ وَالْهِنْدُ وَالسُّرْيَانِيُّونَ وَالْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِبْطُ وَغَيْرُهُمْ يُسَمُّونَ مُلُوكَهُمْ آلِهَةً وَأَرْبَابًا.
وَفِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ بَنِي اللَّهِ دَخَلُوا عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَرَأَوْهُنَّ بَارِعَاتِ الْجَمَالِ فَتَزَوَّجُوا مِنْهُنَّ.
وَفِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنَ التَّوْرَاةِ قِصَّةُ الْمَخْرَجِ مِنْ مِصْرَ إِنِّي جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ، وَفِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي وَالثَّمَانِينَ: وَقَامَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ الْآلِهَةِ.
هَذَا فِي الْعِبْرَانِيَّةِ، وَأَمَّا مَنْ نَقَلَهُ إِلَى السُّرْيَانِيَّةِ فَإِنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقَالَ: قَامَ اللَّهُ فِي جَمَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَزْمُورِ وَهُوَ يُخَاطِبُ قَوْمًا بِالرُّوحِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ آلِهَةً وَأَنَّكُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ كُلُّكُمْ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَبْدَهُ بِالْمَلِكِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وَسَمَّى نَبِيَّهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَسَمَّاهُ بِالْعَزِيزِ وَسَمَّى نَفْسَهُ كَذَلِكَ، وَاسْمُ الرَّبِّ وَاقِعٌ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لُغَةِ أُمَّةِ التَّوْحِيدِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ رَبُّ الدَّارِ، وَرَبُّ الْمَنْزِلِ، وَرَبُّ الْإِبِلِ، وَرَبُّ هَذَا الْمَتَاعِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْعِيَا: عَرَفَ الثَّوْرُ مَنِ اقْتَنَاهُ، وَالْحِمَارُ مَرْبَطَ رَبِّهِ، وَلَمْ تَعْرِفْ بَنُو إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مَنْ خَلَقَهُمْ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَنَعَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أَيْ: صُورَةَ طَائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَصَارَتْ لَحْمًا وَدَمًا وَطَائِرًا حَقِيقَةً وَلَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا اللَّهُ.
قِيلَ: فَاجْعَلُوا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ إِلَهَ الْآلِهَةِ فَإِنَّهُ أَلْقَى عَصًا فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَصَارَتْ عَصًا كَمَا كَانَ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا بِشَهَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلِ لَهُ بِذَلِكَ، قَالَ عِزْرَا حَيْثُ سَبَاهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً: يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَعِنْدَ انْتِهَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَتَى الْمَسِيحُ، وَمَنْ يُطِيقُ يُخَلِّصُ الْأُمَمَ
وَالشُّعُوبَ غَيْرَ الْإِلَهِ التَّامِّ، قِيلَ لَكُمْ: فَاجْعَلُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ آلِهَةً فَإِنَّهُمْ خَلَّصُوا الْأُمَمَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَخَلَّصُوهُمْ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ خَلَّصَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مَنْ ذَلِّ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، كَمَا خَلَّصَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنِ وَقَوْمِهِ، وَخَلَّصَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
وَخَلَّصَ اللَّهُ ﷾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ مَا لَمْ يُخَلِّصْهُ نَبِيٌّ سِوَاهُ، فَإِنْ وَجَبَتْ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةُ لِعِيسَى بِذَلِكَ فَمُوسَى وَمُحَمَّدٌ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةَ لِقَوْلِ أَرْمِيا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ: وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (يَقُومُ لِدَاودَ ابْنٌ)، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ، يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ، وَيُسَمَّى الْإِلَهَ.
فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ وَالْآبِ، وَلَوْ كَانَ عِيسَى هُوَ اللَّهُ لَكَانَ أَجَلَّ مَنْ أَنْ يُقَالَ: وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، وَكَانَ يَقُولُ وَهُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ لَا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بِهِ إِلَهًا أَعْظَمُ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ، فَهَذَا الَّذِي
قَامَ لِدَاوُدَ هُوَ الَّذِي سَمَّى بِالْإِلَهِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لِمَخْلُوقٍ مَصْنُوعٍ مَوْلُودٍ لَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ جِهَةِ قَوْلِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ: قُلْ لِصَهْيُونَ يَفْرَحُ وَيَتَهَلَّلُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَيُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ فِيهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدِّدِينَ، وَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٍ، وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ وَلَا غَلَطٍ فِي التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى وَمُحَمَّدًا إِلَهَيْنِ.
وَالْمُرَادُ مَجِيءُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَشَرْعِهِ وَهُدَاهُ وَنُورِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدَّدِينَ، فَفِي التَّوْرَاةِ مِثْلَ هَذَا وَأَبْلَغُ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَهَابُوهُمْ وَلَا تَخَافُوهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبُّكُمُ السَّائِرُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَهُوَ مُحَارِبٌ عَنْكُمْ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ مُوسَى: إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ،
فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ أَمَامَنَا، وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةَ كَذَا إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا؟.
وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ: إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ بِقُدْرَتِكَ فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْكَ: اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِمْ، وَيَعُودُ غَمَامٌ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا وَيَعُودُ نَارًا لَيْلًا.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنِّي آتٍ إِلَيْكَ فِي غِلْظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ.
وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، وَفِيمَا حَكَى خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي.
وَإِنْ قُلْتُمْ جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيَّا فِي نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يَا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأَنِّي آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ وَأَتَرَاءَى، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأُمَمُ الْكَثِيرَةُ، وَيَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا
وَاحِدًا، وَيَحِلُّ هُوَ فِيهِمْ وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكَ، وَيَأْخُذُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُلْكَ مَنْ يَهُوَدَا وَيَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْأَبَدِ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ وَجَبَتْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِهَذَا فَتَجِبُ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْتُمْ مَعَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَعْلَنَ لَهُ وَتَرَاءَى لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ﷾ حُلُولَ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَيْفَ تَحِلُّ ذَاتُهُ فِي مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرَارِ الْخَلْقِ؟ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ؟ أَفَتَرَى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَشَدِّ يَدَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَرَبْطِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَدَقِّ الْمَسَامِيرِ فِي يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ، وَوَضْعِ تَاجِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ؟ وَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا وَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ.
وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صِحَّةً لَا تُدْفَعُ، وَصَحَّتْ تَرْجَمَتُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، لَكَانَ مَعْنَاهَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ، وَذِكْرَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ حَلَّ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، لَمَّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ الْمَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَجِمَاعُ الْأَمْرِ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْبَشَرِ إِلَهًا تَامًّا، إِلَهَ حَقٍّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إِلَّا بِمَا خُصَّ بِهِ أَخُوهُ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
وَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ مُوَافِقَةٌ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمِيعُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ مِنْ
أَلْفَاظٍ وَكَلِمَاتٍ فِي الْكُتُبِ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وَكَلِمَةً وَرُوحَ الْحَقِّ وَإِلَهًا، وَكَذَلِكَ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، أَمَّا رُوحُ الْقُدُسِ فَهِيَ سِرُّ اللَّهِ وَأَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ.
وَقَدْ أُطْلِقَتْ لِمَعَانٍ مِنْهَا جِبْرِيلُ، وَمِنْهَا اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَمِنْهَا الْوَحْيُ، وَقَدْ أُطْلِقَتْ عَلَى الْمَسِيحِ لِأَنَّ رُوحَهُ لَمْ تُخَالِطْ نُطْفَةً، وَالْقُدُّوسُ هُوَ الطَّاهِرُ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى الْمَسِيحِ رُوحُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَكَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ يُطْلِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَمِنْهَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الشَّامِلُ لِكُلِّ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ.
وَأَمَّا الرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ فَهِيَ النَّفْسُ عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ السُّنَّةُ، وَهِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ وَيُشَاكِلُ الْأَجْسَامَ الْمَحْسُوسَةَ تُحْدَثُ، وَيُخْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ بِفَرَحٍ، لَا تَمُوتُ وَلَا تَفْنَى، وَهِيَ مِمَّا لَهُ أَوَّلٌ وَلَيْسَ لَهُ آخِرٌ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاَلْأَجْسَادُ فِي الْمَعَادِ وَهِيَ بِعَيْنَيْنِ وَيَدِينِ، وَهِيَ ذُو رِيحَةٍ طَيِّبَةٍ أَوْ كَرِيهَةٍ بِحَسْبَ مَحَلِّهَا، وَهِيَ إِمَّا مُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ، وَذَلِكَ غَايَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حُدُوثِهَا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَسِيحُ رُوحَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ ذُو رُوحٍ وَجَدٍّ مِنْ غَيْرِ جُزْءٍ مِنْ ذِي رُوحٍ، كَالنُّطْفَةِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنَ الْأَبِّ الْحَيِّ، وَإِنَّمَا اخْتُرِعَ اخْتِرَاعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقُدْرَتُهُ خَالِصَةٌ.
وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَتِهِ وَأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍّ وَلَا نُطْفَةٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ مَا أُطْلِقَ مِنْ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذَاتِ الرَّبِّ،
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ مَا فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجِلُّونَهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْمُرَادُ مَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِهِمْ لَا نَفْسَ ذَاتِهِ، وَهَذَا أَمُرُّ تَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَلَازِلْتَ فِي عَيْنِي كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهُمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ، وَهُمْ مَعِي ... وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي، وَهُمْ فِي سَوَادِهَا
وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي، وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
وَقَالَ آخَرُ:
خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي عَيْنِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
وَقَالَ آخَرُ فِي الْمَعْنَى وَأَجَادَ:
إِنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لَا يُصَدِّقُنِي ... إِذْ أَنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ
أَوْ قُلْتُ مَا غِبْتِ قَالَ الطَّرْفُ ذَا كَذِبٌ ... فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَقَالَ آخَرُ: (فِي الْمَعْنَى مُفْرَدٌ)
أَحِنُّ إِلَيْهِ وَهْوَ فِي الْقَلْبِ سَاكِنٌ ... فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ
وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ، وَكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذَا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَحِلُّ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَتَتَّحِدُ بِهَا وَتَمْتَزِجُ بِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلِ أَشْعِيَا: مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ.
قِيلَ: لَكُمْ هَذَا، مَعَ أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ عَنْ أَشْعِيَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِنْ تَرْجَمَةٍ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ يُوَلَدُ مِنْهُ، لَا مِنَ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ قَوْلِ مَتَّى فِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ.
قِيلَ: هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْهَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ فِي إِنْجِيلِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَابْنُ الْإِنْسَانِ يَفْضَحُهُ إِذَا جَاءَ فِي مِحْرَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمُقَدِّسِينَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الْمَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فِي جَمِيعِ مُلُوكِ الْكُفْرِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِنْ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَإِدْخَالِهِمُ النَّارَ.
وَالضَّمِيرُ فِي الْمَلَائِكَةِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا الْقَوْمُ جَهَلَةٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمَقَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ عَنْ لُغَتِهِمْ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ بَلْ هَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، بَلْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْصَاهُمْ بِحِفْظِ الْمَسِيحِ وَتَأْيِيدِهِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ. ثُمَّ بِشَهَادَةِ لُوقَا: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَوِّيَهُ.
هَذَا الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الْكُتُبُ، فَحَرَّفَ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى مَسِيحِهِ ذَلِكَ، وَنَسَبُوا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
وَإِذَا شَهِدَ الْإِنْجِيلُ وَاتَّفَقَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِالْمَسِيحِ لِيَحْفَظُوهُ، عُلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ عَبِيدُ اللَّهِ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، لَيْسُوا أَرْبَابًا وَلَا آلِهَةً.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ: مَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَنْ أَرْسَلَنِي.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ أَيْضًا: مَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ أَنْكَرْتُهُ قُدَّامَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ: اغْمِدْ سَيْفَكَ. وَلَا تَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ الْأَبَ فَيُقِيمَ لِي أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
فَهَلْ يَقُولُ هَذَا مَنْ هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَهُهُمْ وَخَالِقُهُمْ؟
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِمَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أَشْعِيَا: تَخْرُجُ عَصَا مِنْ بَيْتِ نَبِيٍّ وَيَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْحِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَّكِلُونَ وَيَكُونُ لَهُمُ التَّاجُ وَالْكَرَامَةُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرَيْنِ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنْ أَشْعِيَا، وَصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَأَنَّهُ لَمْ تُحَرِّفْهُ التَّرَاجِمُ، هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ لَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أُيِّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْعِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلْ: تَحِلُّ فِيهِ حَيَاةُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحِلَّ اللَّهُ فِيهِ وَيَتَّحِدَ بِهِ، وَيَتَّخِذَ حِجَابًا مِنْ نَاسُوتِهِ. وَهَذِهِ الرُّوحُ تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَرُوحُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْهُدَى وَالنَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ.
وَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صِفَتُهُ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ، وَجِبْرِيلُ يُسَمَّى رُوحُ اللَّهِ، وَالْمَسِيحُ اسْمُهُ رُوحُ اللَّهِ.
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِذَا كَانَ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ إِضَافَةُ مَمْلُوكٍ إِلَى مَالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، وَلَا نَاقَةً يَرْكَبُهَا، وَلَا رُوحًا قَائِمَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا.
فَهَذِهِ الرُّوحُ أَيَّدَ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الْعَصَا الَّتِي تَنْبُتُ مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا
وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ.
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ وَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً.
وَهَذَا شَأْنُ الْعَبْدِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا الْإِلَهُ الْحَقُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَلَا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ وَلَا خَشْيَةٌ وَلَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَالْمَسِيحُ كَانَ قَائِمًا بِأَوْرَادِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أَشْعِيَا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَإَنَّنَا أَعْطَيْنَاهُ كَذَا وَكَذَا رِئَاسَةً عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ، أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَدَلَالَتُهَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي رِئَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ عَلَى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ
الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَلَامَةُ خَتْمِ دِيوَانِهِمْ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي ظَهْرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَرْفَعُهُ إِذَا ضَرَبَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَئِيسٌ مُسَلَّطٌ قَوِيُّ السَّلَامَةِ، وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ الْمُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلَامَةِ، فَإِنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَمِنَ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ.
وَالْمَسِيحُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى أَعْدَائِهِ كَمَا سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ كَانَ أَعْدَاؤُهُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ قَاهِرِينَ لَهُ حَتَّى عَمِلُوا بِهِ مَا عَمِلُوا عِنْدَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ. فَأَيْنَ مُطَابَقَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلْمَسِيحِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟ وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الَّذِي سُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ مُحَمَّدًا إِلَهًا بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ عَبْدٌ مَحْضٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ عَبْدٌ مَحْضٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ أَجَلُّ مَرَاتِبِهِ، وَاسْمُ الْإِلَهِ مِنْ جِهَةِ التَّرَاجِمِ جَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ لَا إِلَهَ لَهُ، الْمَعْبُودُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلٍ أَشْعِيَا فِيمَا زَعَمْتُمْ: هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ، وَعَمَانُوئِيلُ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ: إِلَهُنَا مَعَنَا.
فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّهُ إِلَهٌ.
قِيلَ لَكُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ: لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَذْرَاءَ وَلَدَتْ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَلِدُ ابْنًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا تُسَمِّي النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ اسْمَيْنِ أَوِ اسْمٍ وَفِعْلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ.
وَمِنْ عُلَمَائِكُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْعَذْرَاءِ هَهُنَا غَيْرُ مَرْيَمَ، وَيَذْكُرُ فِي ذَلِكَ قِصَّةً، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ عَمَانْوِيلُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ اسْمُهُ، فَكَوْنُهُ يُسَمَّى " إِلَهُنَا مَعَنَا " أَوْ " بِاللَّهِ حَسْبِي "، أَوِ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ.
وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَقَالَ: مَعْنَاهَا اللَّهُ مَعَنَا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ مَنْ أَنْصَفَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَحَكَّمَ رُشْدَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَهَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَبَصَّرَهُ مِنْ عَمَاهُ، وَقَالَ: (أَهَذَا هُوَ الْقَائِلُ: أَنَا الرَّبُّ، وَلَا إِلَهَ غَيْرِي، وَأَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وَأَخْلُقُ وَأَرْزُقُ؟.
أَمْ هُوَ الْقَائِلُ لِلَّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَحْدَكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ يُوسَعَ الْمَسِيحَ) .
قَالَ: وَالْأَوَّلُ بَاطِللٌ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْإِنْجِيلُ، وَيَجِبُ تَصْدِيقُ الْإِنْجِيلِ وَتَكْذِيبُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ مَعْبُودٌ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ عَمَانُوئِيلُ اسْمٌ تُسَمِّي بِهِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ أَوْلَادَهَا. قَالَ: وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَمَعْنَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهُمْ شَرِيفُ الْقَدْرِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ السُّرْيَانُ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ وَالْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ
لِلرَّجُلِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإِذَا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُ مَعَكَ، أَوِ: اللَّهُ مَعَنَا، كَانَ هَذَا تَبَرُّكًا بِمَعْنَى هَذِهِ الِاسْمِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِ حَبْقُوقَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَزَيَّا وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ وَيَمْشِي مَعَهُمْ.
وَيَقُولُ أَرْمِيَا أَيْضًا بَعْدَ هَذَا: اللَّهُ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الْبَشَرِ، قِيلَ لَكُمْ: هَذَا بَعْدَ احْتِيَاجِهِ إِلَى ثُبُوتِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ أَوَّلًا، وَإِلَى ثُبُوتِ هَذَا النَّقْلِ عَنْهُمَا، وَإِلَى مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ - وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ يَعِزُّ عَلَيْكُمْ إِثْبَاتُهَا - لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مَصْنُوعٍ، فَفِي التَّوْرَاةِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَأَبْلَغُ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُوسَى إِلَهٌ، وَلَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ الْعَبِيدِ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ يَتَزَيَّا مِثْلَ: تَجَلَّى اللَّهُ وَظَهَرَ وَاسْتَعْلَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى وَتَزَيَّا لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: فُلَانٌ مَعَنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يَمُتْ، إِذَا كَانَ عَمَلُهُ وَسُنَّتُهُ وَسِيرَتُهُ بَيْنَهُمْ وَوَصَايَاهُ يُعْمَلُ بِهَا بَيْنَهُمْ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ مَاتَ وَالِدُهُ: مَا مَاتَ مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ، وَأَنَا وَالِدُكَ. وَإِذَا رَأَوْا تِلْمِيذَ الْعَالِمِ يُعَلِّمُ عِلْمَهُ قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ بَاسِمِ أُسْتَاذِهِ، كَمَا كَانَ يُقَالُ عَنْ عِكْرِمَةَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي حَامِدٍ: هَذَا الشَّافِعِيُّ.
وَإِذَا بَعَثَ الْمَلِكُ نَائِبًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَلَدٍ يَقُولُ النَّاسَ: جَاءَ الْمَلِكُ وحَكَمَ وَرَسَمَ الْمَلِكُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيُقَالُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَّا لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي
فُلَانًا عَطِشَ فَاسْتَقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَّا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَلَوِ اسْتَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ لَكَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا إِلَهٌ مِنْ جِنْسِ اسْتِدْلَالِكُمْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا!.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِهِ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْفُرِ الْمُلُوكِ: وَالْآنَ يَا رَبِّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، يَتَحَقَّقُ كَلَامُكَ لِدَاوُدَ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَنْ يَكُونَ آيَةً، سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ، اسْمَعُوا أَيَّتُهَا الشُّعُوبُ كُلُّكُمْ، وَلْتَنْصِتِ الْأَرْضُ وَكُلُّ مَنْ فِيهَا، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيَنْزِلُ وَيَطَأُ عَلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ فِي شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا السِّفْرُ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُثْبَتَ، وَأَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وَأَنَّ هَذَا لَفَظَهُ، وَأَنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابِقَةٌ لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ. وَبَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْكَلَامِ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَذْكُرُوهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَأَنَّهُ إِلَهٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ قَوْلَهُ:
إِنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ، هُوَ مِثْلَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ نُورُهُ وَهُدَاهُ وَدِينُهُ وَنَبِيُّهُ كَانَتْ هَذِهِ سُكْنَاهُ، لَا أَنَّهُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ يَنْزِلُ عَنْ عَرْشِهِ وَيَسْكُنُ مَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَوْ قُدِّرَ تَقْدِيرُ الْمُحَالَاتِ أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَسِيحُ، فَقَدْ سَكَنَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فَمَا الْمُوجَبُ لِأَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الْإِلَهُ دُونَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، أَتَرَى ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قُلْتُمْ إِنَّهُ قُبِضَ عَلَيْهِ وَفُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ مِنْ غَايَةِ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ وَالْقَهْرِ، فَهَذَا ثَمَرَةُ سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هُوَ ظُهُورُهُ فِي نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أَمَّا الظُّهُورُ الْمُمْكِنُ الْمَعْقُولُ وَهُوَ ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَكَلَامِهِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَنَاسُوتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا الظُّهُورُ الْمُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْبَاهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ وَالشَّرَائِعُ وَجَمِيعُ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ ظُهُورُ ذَاتِ الرَّبِّ فِي نَاسُوتِ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَامْتِزَاجِهِ وَاخْتِلَاطِهِ فَهَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أَصْلًا، بَلِ النُّبُوَّاتُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ قَدِيمٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا كُفْؤَ وَلَا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَا زَوْجَةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ فَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّدَمِ وَالْخَوْفِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذَاتِهِ، وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ عَنْهُ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَغَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ عَلَّامٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ وَلَا سَاكِنٍ وَلَا مُتَحَرِّكٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى
تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، قَدْ أَحَاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَبَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمُبْصِرَاتِ، وَعِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، وَنَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ فِي جَمِيعِ الْبَرِيَّاتِ، وَعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ الشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ أَحْدًا عَلَى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْفَعُ إِلَيْهِ حَوَائِجَ عِبَادِهِ أَوْ يُعَاوِنُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُمْ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ الْأَبَدِيُّ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَضْمَحِلُّ وَلَا يَتَلَاشَى وَلَا يُعْدَمُ وَلَا يَمُوتُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُكَلِّمُ الْآمِرُ النَّاهِي قَائِلُ الْحَقِّ وَهَادِي السَّبِيلِ وَمُرْسِلُ الرُّسُلِ وَمُنْزِلُ الْكُتُبِ وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُجَازِي الْمُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ وَخَبَرِهِ، فَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا. وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ حَدِيثًا، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى صَمَدٌ، بِجَمِيعِ مَعَانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ صَمَدِيَّتَهُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ قُدُّوسٌ سَلَامٌ، فَهُوَ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ وَآفَةٍ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْكَامِلُ الَّذِي لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ وَلَا يَخَافُ عِبَادُهُ مِنْهُ ظُلْمًا.
فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِخِلَافِهِ وَلَا يُخْبِرَ نَبِيٌّ بِخِلَافِهِ أَصْلًا.
فَتَرَكَ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذَا كُلَّهُ، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْمُجْمَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَأَقْوَالِ مَنْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَأُصُولُ الْمُثَلِّثَةِ وَمَقَالَتُهُمْ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ تُخَالِفُ هَذَا كُلَّهُ أَشَدَّ الْمُخَالَفَةِ وَتُبَايِنُهُ أَعْظَمَ الْمُبَايَنَةِ.
فَصْلٌ: فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَظُهُورُ نُبُوَّتِهِ تَصْدِيقٌ لِشَهَادَتِهِمْ وَشَهَادَةٌ لَهُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِرْسَالُهُ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ.
فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ بَشَّرُوا بِهِ وَأَخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ، فَمَجِيئُهُ هُوَ نَفْسُ صِدْقِ خَبَرِهِ، فَكَأَنَّ مَجِيئَهُ تَصْدِيقٌ لَهُمْ إِذْ هُوَ تَأْوِيلُ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ: إِنَّ تَصْدِيقَهُ الْمُرْسَلِينَ بِشَهَادَتِهِ بِصِدْقِهِمْ وَإِيمَانِهِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُمْ بِقَوْلِهِ وَمَجِيئِهِ فَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِنَفْسِ مَجِيئِهِ، وَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِقَوْلِهِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْمَسِيحِ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
فَإِنَّ التَّوْرَاةَ لَمَّا بَشَّرَتْ بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ كَانَ نَفْسُ ظُهُورِهِ تَصْدِيقًا لَهَا، ثُمَّ بَشَّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ ظُهُورُ الرَّسُولِ الْمُبَشَّرِ بِهِ تَصْدِيقًا لَهُ، كَمَا كَانَ ظُهُورُهُ تَصْدِيقًا لِلتَّوْرَاةِ، فَعَادَةُ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ أَنَّ السَّابِقَ يُبَشِّرُ بِاللَّاحِقِ، وَاللَّاحِقَ يُصَدِّقُ السَّابِقَ، فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
وَاللَّهُ ﷾ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَلَا يَكْذِبُ خَبَرُهُ وَقَدْ كَانَ بَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ بِبِشَارَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلَمْ نَرَهَا تَمَّتْ وَلَا ظَهَرَتْ إِلَّا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدَ بُشِّرَتْ هَاجَرُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تُبَشَّرْ بِهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ بِالْمَسِيحِ، عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ بُشِّرَتْ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبُشِّرَتْ هَاجَرُ بِإِسْمَاعِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَبُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مِرَارًا.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَاجَرَ وَبَعْدَ وَفَاتِهَا كَالْمُخَاطِبِ لَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: قَدْ أَجَبْتُ دَعَاكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ، وَكَثَّرْتُهُ، وَعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا. وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، هَكَذَا تَرْجَمَةُ بَعْضِ الْمُتَرْجِمِينَ.
وَأَمَّا فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ وَفِيهَا: لَمَّا هَرَبَتْ هَاجَرُ مِنْ سَارَّةَ تَزَايَا لَهَا مَلَكُ اللَّهِ، وَقَالَ: يَا هَاجَرُ أَمَةَ سَارَّةَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟ قَالَتْ: هَرَبْتُ مِنْ سَيِّدَتِي، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ:
ارْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ وَاخْضَعِي لَهَا، فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، هَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا تُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ وَخُشُوعَكِ، وَهُوَ يَكُونُ عَيْنَ النَّاسِ، وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِصَّةُ إِسْكَانِهَا وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَفِيهَا: فَقَالَ الْمَلَكُ: يَا هَاجَرُ لِيَفْرَحْ رَوْعُكِ. فَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْتَ الصَّبِيِّ، قُومِي فَاحْمِلِيهِ وَتَمَسَّكِي بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهَا فَإِذَا بِئْرُ مَاءٍ فَذَهَبَتْ وَمَلَأَتِ الْمَزَادَةَ مِنْهُ، وَسَقَتِ الصَّبِيَّ مِنْهُ، وَكَانَ اللَّهُ مَعَهَا وَمَعَ الصَّبِيِّ حَتَّى تَرَبَّى، وَكَانَ مَسْكَنُهُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
فَهَذِهِ أَرْبَعُ بِشَارَاتٍ خَالِصَةٍ لِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، نَزَلَتِ اثْنَتَانِ مِنْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاثْنَتَانِ عَلَى هَاجَرَ. وَفِي التَّوْرَاةِ بِشَارَاتٌ أُخْرَى بِإِسْمَاعِيلَ وَوَلَدِهِ وَأَنَّهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ تُحْصَى وَلَا يُحْصَوْنَ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ إِنَّمَا تَمَّتْ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ. وَإِنَّ بَنِي إِسْحَاقَ كَانُوا لَمْ يَزَالُوا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ خَوَلًا لِلْفَرَاعِنَةِ وَالْقِبْطِ حَتَّى أَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَ الشَّامِ، فَكَانَتْ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِمْ، ثُمَّ سَلَبَهُمْ ذَلِكَ وَقَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مَسْلُوبًا عِزُّهُمْ وَمُلْكُهُمْ، قَدْ أَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ السُّودَانِ، وَعَلَتْهُمْ أَعْلَاجُ الْحُمْرَانِ حَتَّى ظَهَرَتْ تِلْكَ الْبِشَارَاتُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وَعَلَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمُدَّتْ وَعَلَتْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ فَهَشَّمُوهُمْ هَشْمًا، وَطَحَنُوهُمْ طِحْنًا، وَانْتَشَرُوا فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمَدَّتِ الْأُمَمُ أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، وَعَلَوْهُمْ
عُلُوَّ الثُّرَيَّا فِيمَا بَيْنَ الْهِنْدِ وَالْحَبَشَةِ وَالسُّوسِ الْأَقْصَى وَبِلَادِ التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْخَزَرِ، وَمَلَكُوا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَحَيْثُ مُلْتَقَى أَمْوَاجِ الْبَحْرَيْنِ. وَظَهَرَ ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ، فَلَيْسَ صَبِيٌّ مِنْ بَعْدِ ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ وَلَا ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ وَالِدَ إِسْمَاعِيلِ.
وَأَمَّا النَّصْرَانِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ظَهَرَتْ فِي أُمَمٍ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَحَلِّ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ سُلْطَانٌ ظَاهِرٌ وَلَا عِزٌّ قَاهِرٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا صَارَتْ أَيْدِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَلَا امْتَدَّتْ إِلَيْهِمْ أَيْدِي الْأُمَمُ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبِشَارَاتِ، وَيُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ تَأْوِيلُهَا بِظُهُورِهِ ﷺ لَبَطَلَتِ النُّبُوَّاتُ.
وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، قَالُوا: نَحْنُ فِي انْتِظَارِهِ وَلَمْ يَجِئْ بَعْدُ.
وَلَمَّا عَلِمَ بَعْضُ الْغُلَاةِ فِي كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنٌ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةِ الْبَهْتِ وَإِخْوَانِ الْقُرُودِ وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَكْثُرْ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوا رَبَّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ مِسَبَّةٍ أَنْ يَطْعَنُوا فِي دِينِنَا، وَيَنْتَقِصُوا نَبِيَّنَا ﷺ.
فَصْلٌ: وَنَحْنُ نُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْمَسِيحِ فَضِيلَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا آيَةً وَلَا مُعْجِزَةً إِلَّا بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَسِيحِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. فَنَقُولُ: إِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لِعِيسَى فَضِيلَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ وَمَنْ نَقَلَ إِلَيْكُمْ عَنْهُ آيَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَبِعْتُمْ مَنْ بَعْدَهُ مَا يَنِيفُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَعَشَرَاتٍ مِنَ السِّنِينَ، أَخْبَرْتُمْ عَنْ مَنَامٍ رُؤِيَ وَأَسْرَعْتُمْ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِمَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ عِيسَى فِي الْعَالَمِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْيَهُودِ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ أَعْظَمُ أَعْدَائِهِ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَأَخْبَارُ الْمَسِيحِ وَالصَّلِيبِ إِنَّمَا شُيُوخُكُمْ فِيهَا الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرِهِ أَعْظَمَ اخْتِلَافٍ، وَأَنْتُمْ مُخْتَلِفُونَ مَعَهُمْ فِي أَمْرِهِ. فَإِنَّ الْيَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَزْعُمُ أَنَّهُمْ حِينَ أَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي السِّجْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالُوا: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَحْبِسُوهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَقْتُلُوهُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُعَضِّدُهُ أَحَدُ قُوَّادِ الرُّومِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُدَاخِلُهُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ عِنْدَهُمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ أَنَّهُ أُخِذَ صُبْحَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصُلِبَ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ فَمَتَى تَتَوَافَقُونَ مَعَ الْيَهُودِ فِي خَبَرِهِ.
وَالْيَهُودُ مُجْمِعَةٌ أَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ وَلَا بَدَتْ مِنْهُ لَهُمْ آيَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ طَارَ يَوْمًا، وَقَدْ هَمُّوا بِأَخْذِهِ فَطَارَ عَلَى أَثَرِهِ آخَرُ مِنْهُمْ، فَعَلَاهُ فِي طَيَرَانِهِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ بِزَعْمِهِمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَا يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا مُعْجِزَةَ لَهُ وَلَا آيَةَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مَنْصُوصَا إِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ يَوْمًا: مَاذَا تَفْعَلُ حَتَّى نَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ بَعَثَهُ، قَالُوا لَهُ: وَمَا آيَتُكَ الَّتِي تُرِينَا وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ آبَاءَنَا قَدْ أَكَلُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى بِالْمَفَاوِزِ؟
قَالَ: إِنْ كَانَ أَطْعَمَكُمْ مُوسَى خُبْزًا فَأَنَا أُطْعِمُكُمْ خُبْزًا سَمَاوِيًّا، يُرِيدُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَلَوْ عَرَفُوا لَهُ مُعْجِزَةً مَا قَالُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَهُ: مَا آيَتُكَ الَّتِي نُصَدِّقُكَ بِهَا؟ قَالَ: اهْدِمُوا الْبَيْتَ أَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَهُودُ تَعْرِفُ لَهُ آيَةً لَمْ تَقُلْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً لَذَكَّرَهُمْ بِهَا حِينَئِذٍ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَيْضًا: أَنَّهُمْ جَاءُوا يَسْأَلُونَهُ آيَةً فَقَذَفَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ الْفَاجِرَةَ الْخَبِيثَةَ آيَةٌ، فَلَا تُعْطَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ بِظَنِّهِمْ: إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ فَأَنْزَلَ نَفْسَكَ نُؤْمِنْ بِكَ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ آيَةً فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَإِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ آيَةٌ وَلَا فَضِيلَةٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَكُمْ عَنْهُ وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، لِاخْتِلَافِكُمْ فِي شَأْنِهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ يَقِينِكُمْ لِجَمِيعِ أُمُورِهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُ ادَّعَاهَا.
وَكَانَ أَقْصَى مُرَادِهِمْ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمُ السَّبَبَ
فِي اسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ لَمَّا مَضَى وَبَقِيَ ذِكْرُهُ، خَافُوا أَنْ يَصِيرَ عَامَّتُهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ عَلَى سُنَنٍ تَقْبَلُهُ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا غَرَضَ لَهُمْ، فَشَنَّعُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ تَزْهِيدًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ عِنْدَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي أَمْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ يَقِينِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ وَيَعْرِفُونَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَيَنْسِبُونَهُ لِزَانِيَةٍ، وَحَاشَاهُ وَحَاشَا أُمَّهُ الصِّدِّيقَةَ الطَّاهِرَةَ الْبَتُولَ، الَّتِي لَمْ يَقْرَعُهَا فَحْلٌ قَطُّ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَيُسَمُّونَ أَبَاهُ لِلزَّانِيَةِ الْبَنْدِيرَا الرُّومِيَّ، وَأُمَّهُ مَرْيَمَ الْمَاشِطَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفَ بْنَ يَهُودًا وَجَدَ الْبَنْدِيرَا عِنْدَهَا عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ شَعَرَ بِذَلِكَ فَهَجَرَهَا وَأَنْكَرَ ابْنَهَا.
وَمِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالُوا: إِنَّمَا أَبُوهُ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا الَّذِي كَانَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي اسْتِفَاضَةِ اسْمِ الزَّنِيمِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ يَوْمًا مَعَ مُعَلِّمِهِ يَهْشُوعَ بْنِ بَرْضِيَا وَسَائِرِ التَّلَامِيذِ فَنَزَلُوا فِي سَفَرٍ مَوْضِعًا، وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَجَعَلَتْ تُبَالِغُ فِي إِكْرَامِهِمْ، فَقَالَ يَهْشُوعُ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ يُرِيدُ أَفْعَالَهَا، فَقَالَ عِيسَى - بِزَعْمِهِمْ - لَوْلَا عَمَشٌ فِي عَيْنِهَا، فَصَاحَ يَهْشُوعُ وَقَالَ: مِمْزَارُ - تَرْجَمَتُهُ: يَا زَنِيمُ - أَتَزْنِي بِالنَّظَرِ؟ وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَحَرَّمَ
اسْمَهُ وَلَعَنَهُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ قَرْنٍ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ بِبَعْضِ قُوَّادِ الرُّومِ وَأَدْخَلَهُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ فَقَوِيَ لِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ذِمَّةِ قَيْصَرَ بَتَارْيُوشَ، وَجَعْلَ يُخَالِفُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهَا، وَيُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
وَطَوَائِفُ مِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ بِالْكُرَةِ فَوَقَفَتْ لَهُمُ الْكُرَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ الْيَهُودِ، فَضَعُفَ الصِّبْيَانُ عَنِ اسْتِخْرَاجِهَا مِنْ بَيْنِهِمْ، حَيَاءً مِنْهُمْ أَيْ مِنْ مَشَايِخِهِمْ، فَقَوِيَ عِيسَى وَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَأَخَذَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا نَظُنُّكَ إِلَّا زَنِيمًا.
وَمِنَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَبَاهُ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي هُوَ خَطِيبُ مَرْيَمَ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا النَّجَّارُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يُوسُفُ الْحَدَّادُ. وَالنَّصَارَى تَزْعُمُ أَنَّهَا ذَاتُ بَعْلٍ، وَأَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يُوسُفُ بْنُ آلٍ.
وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي آبَائِهِ وَعَدَدِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمِ ﵊ فَمِنْ مُقِلٍّ وَمِنْ مُكْثِرٍ. فَهَذَا مَا عِنْدَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ شُيُوخُكُمْ فِي نَقْلِ الصَّلْبِ وَأَمْرِهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى. وَإِنَّمَا حَضَرَهُ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ،
وَقَالُوا: قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا فِيهِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُوهُمْ فِي الصَّلْبِ فَصَدِّقُوهُمْ فِي سَائِرٍ مَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُوهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ فَمَا الْمُوجِبُ لِتَصْدِيقِهِمْ فِي الصَّلْبِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا صَلَبُوهُ بَلْ صَانَهُ اللَّهُ وَحَمَاهُ وَحَفِظَهُ، وَكَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ وَأَوْجَهَ عِنْدِهِ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؟
وَأَمَّا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ أَنْتُمْ، فَلَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَشَدَّ اخْتِلَافًا فِي مَعْبُودِهَا وَنَبِيِّهَا وَدِينِهَا مِنْكُمْ، فَلَوْ سَأَلْتَ الرَّجُلَ وَامْرَأَتَهُ وَابْنَتَهُ وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ عَنْ دِينِهِمْ لَأَجَابَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ جَوَابِ الْآخَرِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الدِّينَ لَتَفَرَّقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ مَذْهَبًا. مَعَ اتِّفَاقِ فِرَقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الْيَوْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وَعِبَادَةِ الصَّلِيبِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِعَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَا نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ وَأَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا هُوَ أَبٌ وَالِدٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ، وَصَارَ هُوَ وَابْنُهَا النَّاسُوتِيُّ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا وَرَازِقًا، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَأُلِمَ وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَلَى يَمِينِ أَبِيهِ.
وَقَالُوا: وَالَّذِي وَلَدْتُهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَتَغَوَّطَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَشُدَّ بِالْحِبَالِ وَسُمِّرَتْ يَدَاهُ.
ثُمَّ اخْتَلَقُوا: فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ - قَاتَلَهُمُ اللَّهُ - وَهُمْ أَتْبَاعُ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِبَاسَهُ كَانَ مِنْ خُرُوقِ بِرَادِعِ الدَّوَابِّ يُرَقِّعُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا - إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ، وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجْوَهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّبِيعَةُ الْوَاحِدَةُ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ هُوَ الْمَسِيحُ، هُوَ إِلَهُ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷾ قُبِضَ عَلَيْهِ، وَصُلِبَ وَسُمِّرَ وَمَاتَ وَدُفِنَ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَقَالَتِ الْمَلِكِيَّةُ - وَهُمُ الرُّومُ نِسْبَةً إِلَى دِينِ الْمَلِكِ، لَا إِلَى رَجُلٍ يُدْعَى مَلِكَايَا، وَهُوَ صَاحِبُ مَقَالَتِهِمْ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ - إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ
الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدَا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ. وَرَكِبَتْ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، إِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسِ كَمِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ، وَصَحَّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتُ الَّذِي لَبِسَهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَطَبِيعَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِّ، وَلَهُ بِنَاسُوتِيَّتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ. وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي مَاتَ هُوَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصَّلْبُ وَالتَّسْمِيرُ وَالصَّفْعُ وَالرَّبْطُ بِالْحِبَالِ، وَاللَّاهُوتُ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يَأْلَمْ وَلَمْ يُدْفَنْ.
قَالُوا: وَهُوَ إِلَهٌ قَامَ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ الْمَشِيئَتَانِ: مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ، وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، فَأَتَوْا بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ نَزَّهُوا الْإِلَهَ عَنِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا تَدَبَّرَتْ قَوْلَهُمْ وَجَدْتَهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مَعَ تُنَاقِضُهُمْ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ أَطْرَدُ لِكُفْرِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَأَمَّا النّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا وُجِدَتْ بِالنَّاسُوتِ صَارَ لَهُمَا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ الْإِلَهُ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الَّذِي يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْفِرَقِ اسْتَنْكَفَتْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ مِنْ ذَلِكَ، وَرَغِبَتْ بِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهَا، بَلْ أَعْلَى مَنَازِلِهِ عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَعْلَى مَنَازِلِهِمَا تَكْمِيلُ مَرَاتِبِ الْعُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَا فَوْزَ مَنْ رَضِيَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدًا، فَلَمْ تَرْضَ الْمُثَلِّثَةُ بِذَلِكَ.
وَقَالَتِ الْآرْيُوسِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ آرِيُوسَ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
وَكَانَ النَّجَاشِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا ظَفَرَتِ الْمُثَلِّثَةُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَفَعَلُوا بِهِ مَا يُفْعَلُ بِمَنْ سَبَّ الْمَسِيحَ وَشَتَمَهُ أَعْظَمَ سَبٍّ.
وَكُلٌّ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ عَوَامُّهُمْ لَا يَفْهَمُ مَقَالَةَ خَوَاصِّهِمْ عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَخَطَّى مَرْيَمَ كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، وَأَحْبَلَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا، وَلَا يَعْرِفُونَ تِلْكَ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا خَوَاصُّهُمْ، فَهُمْ يَقُولُونَ: الَّذِي تُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ نَحْنُ نَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَقَالِيمِ الثَّلَاثِ وَالطَّبِيعَتَيْنِ وَالْمَشِيئَتَيْنِ، وَذَلِكَ التَّهْوِيلِ وَالتَّطْوِيلِ.
وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ، وَاللَّهَ أَبُوهُ، وَهُوَ الِابْنُ فَهَذَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، وَالْوَلَدُ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَعْدَاءِ الْمَسِيحِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُغَالِينَ فِيهِ مِنَ النَّصَارَى وَالْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ قَاتَلَ اللَّهُ الْفِئَتَيْنِ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا أَزَالَ الشُّبْهَةَ فِي أَمْرِهِ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَبَرَّأَ الْمَسِيحَ وَأَمَّهُ مِمَّا افْتَرَاهُ (مِنَ افْتِرَاءِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَبَهْتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ، وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ مِمَّا افْتَرَاهُ) عَلَيْهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوهُ أَعْظَمَ السَّبِّ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ. وَأَنْزَلَ أَخَاهُ الْمَسِيحَ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ أَشْرَفُ مَنَازِلِهِ،
فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهَا، وَقَرَّرَ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِتَخْلِيدِ مَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ فِي النَّارِ، وَأَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَنَزَّهَهُ وَصَانَهُ أَنْ يَنَالَ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ أُمَّةُ الْغَضَبِ مِنْهُ مَا زَعَمَتْهُ النَّصَارَى أَنَّهُمْ نَالُوهُ مِنْهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أَعْدَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَلَا نَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِأَذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَسْكَنَهُ سَمَاءَهُ وَسَيُعِيدُهُ إِلَى الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ مَسِيحِ الضَّلَالِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ بِهِ الْخِنْزِيرَ، وَيُعْلِي بِهِ الْإِسْلَامَ، وَيَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أَخِيهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَإِذَا وُضِعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَسِيحِ فِي كِفَّةٍ، وَقَوْلُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الْمُثَلِّثَةِ فِي كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ، وَأَنَّ تَفَاوُتَهُمَا كَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمَا عَرَفْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْمَسِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْيَهُودُ مِنْ شَرَارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الْهُدَى. وَالَّذِي أَثْبَتَهُ النَّصَارَى مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي عَقْلٍ وَلَا فِطْرَةٍ. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ وَجُودَهُ لَبَطَلَتْ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أَصْلًا، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ وَجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُونَ لَبَطَلَ الْعَالَمُ وَاضْمَحَلَّتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ.
وَلَا يُسْتَعْجَبُ مِنْ إِطْبَاقِ أُمَّةِ الضَّلَالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ عَلَى ذَلِكَ، فَكُلُّ بَاطِلٍ فِي الْوُجُودِ يُنْسَبُ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ
إِطْبَاقِ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ﷿ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَلِعِبَادِ الصَّلِيبِ أُسْوَةٌ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ.
فَصْلٌ: فِي ذِكْرِ اسْتِنَادِهِمْ فِي دِينِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْمَجَامِعِ الَّذِي كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَلَقِّيهِمْ أُصُولَ دِينِهِمْ عَنْهُمْ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَمْرَ كَيْفَ ابْتَدَأَ، وَتَوَسَّطَ، وَانْتَهَى، حَتَّى كَأَنَّكَ تَرَاهُ عِيَانًا. كَانَ اللَّهُ قَدْ بَشَّرَ بِالْمَسِيحِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ، مِنْ لَدُنْ مُوسَى إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبْشِيرًا بِهِ دَاوُدُ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَنْتَظِرُهُ وَتُصَدِّقُ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا وَشَرَّدُوهُ فِي الْبِلَادِ وَطَرَدُوهُ وَحَبَسُوهُ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ مِرَارًا إِلَى أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَتْلِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يُهِنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَشُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُمْ صَلَبُوهُ، وَلَمْ يَصْلُبُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، فَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلَّذِينِ صَلَبُوهُ، بِأَنْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَصَلَبُوا الشَّبَهَ.
وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لِلنَّصَارَى، أَيْ حَصَلَتْ لَهُمُ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِ
وَلَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ مَا قُتِلَ وَلَا صُلِبَ، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ أَعْدَاؤُهُ: إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ وَاتَّفَقَ رَفْعُهُ مِنَ الْأَرْضِ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَمْرِهِمْ وَصَدَّقَهُمُ النَّصَارَى فِي صَلْبِهِ لِتَتِمَّ الشَّنَاعَةُ عَلَيْهِمْ.
وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، لَمْ يُقْتَلْ وَلَمْ يُصْلَبْ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَى دِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ يَدْعُونَ الْأُمَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَالْإِيمَانِ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَمَسِيحِهِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي دِينِهِ مَا بَيْنَ ظَاهِرٍ وَمَسْتُورٍ: ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ وَمُخْتَفٍ مَسْتُورٌ.
وَأَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالْأَذَى لِأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَلَقِيَ تَلَامِيذُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِنْ قَتْلٍ وَعَذَابٍ وَتَشْرِيدٍ وَحَبْسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ الْيَهُودُ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ فِي ذِمَّةِ الرُّومِ، الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكًا عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَ نَائِبُ
الْمَلِكِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ وَتَلَامِيذِهِ، وَمَا يَفْعَلُ مِنَ الْعَجَائِبِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَمَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَّبِعَ دِينَهُ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُهُ.
ثُمَّ هَلَكَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى تَلَامِذَةِ الْمَسِيحِ. ثُمَّ مَاتَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ.
وَفِي زَمَنِهِ كَتَبَ مَتَّى إِنْجِيلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَفِي زَمَانِهِ صَارَ مُرْقُسُ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَدَعَا إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَهُوَ أَوَّلُ شَخْصٍ جُعِلَ بَتْرَكًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَصَيَّرَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسِّيسًا عَلَى عِدَةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَاتَ الْبَتْرَكُ أَنْ يَخْتَارُوا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَاحِدًا يَجْعَلُونَهُ مَكَانَهُ، وَيَضَعُ الْاثْنَيْ عَشَرَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ وَيُبَارِكُونَهُ، ثُمَّ يَخْتَارُونَ رَجُلًا فَاضِلًا قِسِّيسًا يُصَيِّرُونَهُ تَمَامَ الْعِدَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْقَوْمِ كَذَلِكَ إِلَى زَمَانِ قُسْطَنْطِينَ: ثُمَّ انْقَطَعَ هَذَا الرَّسْمُ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُنَصِّبُوا الْبَتْرَكَ مِنْ أَيْ بَلَدٍ كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْقِسِّيسِينَ ثُمَّ يُسَمُّوهُ " بَابَا " وَمَعْنَاهُ أَبُو
الْآبَاءِ، وَخَرَجَ مُرْقُسُ إِلَى (بَرْقَةَ) يَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ جَاءَ مَلِكٌ آخَرُ فَأَهَاجَ عَلَى أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ الشَّرَّ وَالْبَلَاءَ، وَأَخَذَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ بُطْرُسُ رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ إِنْجِيلَ مُرْقُسَ عَنْهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُرْقُسَ. وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ لُوقَا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ لِرَجُلٍ شَرِيفٍ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَتَبَ لَهُ الْإِفْرَكْسِيسَ الَّذِي فِيهِ أَخْبَارُ التَّلَامِيذِ، وَفِي زَمَنِهِ صُلِبَ بُطْرُسُ.
وَزَعَمُوا أَنْ بُطْرُسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصْلُبَنِي فَاصْلُبْنِي مُنَكَّسًا، لِئَلَّا أَكُونَ مِثْلَ سَيِّدِي الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ صُلِبَ قَائِمًا.
وَضُرِبَ عُنُقُ بُولُسَ بِالسَّيْفِ، وَأَقَامَ بُطْرُسُ بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ مُرْقُسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَرْقَةَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، ثُمَّ قُتِلَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ بِالنَّارِ.
ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الْقَيَاصِرَةُ مُلُوكُ الرُّومِ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ إِلَى أَنْ مَلَكَ قَيْصَرُ يُسَمَّى طِيطَسَ فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِسَبْعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا، وَأَصَابَ أَهْلَهَا جُوعٌ عَظِيمٌ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مَنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى كَانُوا يَشُقُّونَ بُطُونَ الْحَبَالَى
وَيَضْرِبُونَ بِأَطْفَالِهِنَّ الصُّخُورَ، وَضَرَبَ الْمَدِينَةَ وَأَضْرَمَ فِيهَا نَارًا، وَأُحْصِي الْقَتْلَى فَبَلَغُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ.
ثُمَّ مَلَكَ مُلُوكٌ آخَرُونَ فَكَانَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ شَدِيدًا عَلَى الْيَهُودِ جِدًّا، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ مَلِكُهُمْ وَأَنَّ مُلْكَهُ يَدُومُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِ النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَبْقَى فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ.
وَكَانَ يُوحَنَّا صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ هُنَاكَ فَهَرَبَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِإِكْرَامِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ، وَقَتَلَ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَبَهُ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَمَرَ بِاسْتِعْبَادِ النَّصَارَى، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ إِلَى أَنْ رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ، وَقَالَ لَهُ وُزَرَاؤُهُ: إِنَّ لَهُمْ دِينًا وَشَرِيعَةً، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِعْبَادُهُمْ فَكَفَّ عَنْهُمْ.
وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ يُوحَنَّا إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ رَجَعَ الْيَهُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَامْتَلَأَتْ بِهِمُ الْمَدِينَةُ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوا مِنْهُمْ مَلِكًا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْصَرَ، فَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آخَرَ فَأَخَذَ
النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، وَفِي زَمَانِهِ قَتَلَ الْيَهُودَ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَرَبَ الْيَهُودُ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الشَّامِ وَالْجِبَالِ وَالْأَغْوَارِ، وَتَقَطَّعُوا فِي الْأَرْضِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَهُودِيٌّ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْيَهُودُ وَيُسْتَأْصَلُوا، وَأَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ الْيُونَانِيُّونَ. وَامْتَلَأَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ، وَالنَّصَارَى ذِمَّةُ الرُّومِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، فَرَأَوْهُمْ يَأْتُونَ إِلَى مَزْبَلَةٍ هُنَاكَ فَيُصَلُّونَ فِيهَا، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَى الْمَزْبَلَةِ هَيْكَلًا بَاسِمِ الزَّهْرَةِ، فَلَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى بَعْدَ ذَلِكَ قُرْبَانُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
ثُمَّ هَلَكَ هَذَا الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، فَنَصَّبَ يَهُودَا أُسْقُفًّا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: فَمِنْ يَعْقُوبَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْأَوَّلِ إِلَى يَهُودَا أُسْقُفِّهِ هَذَا كَانَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلُّهُمْ مَجْبُوبِينَ.
[وَعَادَ الْبَلَاءُ]
ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً شَدِيدًا وَحُزْنًا طَوِيلًا، وَوَقَعَ فِي أَيَّامِهِ
قَحْطٌ شَدِيدٌ كَادَ النَّاسُ أَنْ يَهْلِكُوا، فَسَأَلُوا النَّصَارَى أَنْ يَبْتَهِلُوا إِلَى إِلَهِهِمْ، فَدَعَوْا وَابْتَهَلُوا إِلَى اللَّهِ فَأُمْطِرُوا وَارْتَفَعَ الْقَحْطُ وَالْوَبَاءُ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَفِي زَمَانِهِ كَتَبَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَتْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَبَتْرَكِ رُومِيَّةَ فِي (كِتَابٍ) فِصْحَ النَّصَارَى وَصَوْمَهُمْ، وَكَيْفَ يُسْتَخْرَجُ مِنْ فِصْحِ الْيَهُودِ، فَوَضَعُوا فِيهَا كُتُبًا عَلَى مَا هِيَ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْغِطَاسِ مِنَ الْغَدِ يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُونَ كَمَا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَمَدَ بِالْأُرْدُنِّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَقَامَ بِهَا صَائِمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ النَّصَارَى إِذَا أَفْصَحَ الْيَهُودُ عَيَّدُوا هُمُ الْفِصْحَ، فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْبَتَارِكَةُ حِسَابًا لِلْفِصْحِ لِيَكُونَ فِطْرُهُمْ (يَوْمَ الْفِصْحِ)، وَكَانَ الْمَسِيحُ يُعَيِّدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي عِيدِهِمْ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ إِلَى أَنِ ابْتَدَعُوا تَغْيِيرَ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَصُومُوا عَقِيبَ الْغِطِاسِ، بَلْ نَقَلُوا الصَّوْمَ إِلَى وَقْتٍ لَا يَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ (عِيدِ) الْيَهُودِ.
ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَ جَالِينُوسُ، وَفِي زَمَنِهِ ظَهَرَتِ الْفُرْسُ، وَغَلَبَتْ عَلَى بَابِلَ وَآمِدَ وَفَارِسَ، وَتَمَلَّكَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ فِي
(إِصْطَخْرَ) وَهُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ عَلَى فَارِسَ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ.
ثُمَّ مَاتَ قَيْصَرُ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى عَذَّبَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، ثُمَّ قَتَلَ مَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهَدَمَ الْكَنَائِسَ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا وَسَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ وَكَانَتِ النَّصَارَى فِي زَمَنِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ذِمَّةٍ - أَيْ تَحْتَ ذِمَّةِ الرُّومِ.
ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ آخَرُ فَأَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِمْ، وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَتْرَكُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَتْلِهِ هَرَبَ وَتَرَكَ الْكُرْسِيَّ.
ثُمَّ هَلَكَ وَقَامَ بَعْدَهُ آخَرُ، وَفِي أَيَّامِ هَذَا ظَهَرَ مَانِي الْكَذَّابُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحِيَلِ وَالْمَخَارِيقِ، فَأَخَذَهُ بِهْرَامُ مَلِكُ الْفُرْسِ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِائَتَيْ رَجُلٍ فَغَرَسَ رُءُوسَهُمْ فِي الطِّينِ مُنَكَّسِينَ حَتَّى مَاتُوا.
ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدِهِ فِيلِيبْسُ فَآمَنَ بِالْمَسِيحِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ قُوَّادِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ ذَانْقِيُوسُ، وَيُسَمَّى دِقْيَانُوسُ فَلَقِيَ النَّصَارَى مِنْهُ بَلَاءً عَظِيمًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحْصَى، وَقَتَلَ بَتْرَكَ رُومِيَّةَ، وَبَنَى بِكَنِيسَتِهَا هَيْكَلًا عَظِيمًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَصْنَامَ، وَأَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا وَيُذْبَحَ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يُقْتَلُ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى، وَصُلِبُوا عَلَى الْهَيْكَلِ، وَاتَّخَذَ مِنْ أَوْلَادِ عُظَمَاءِ الْمَدِينَةِ سَبْعَةَ غِلْمَانٍ، فَجَعَلَهُمْ خَاصَّتَهُ فَقَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ، وَكَانُوا لَا يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَامِ، فَأُعْلِمَ الْمَلِكُ بِخَبَرِهِمْ، فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى مَخْرِجٍ لَهُ، فَأَخَذَ الْفِتْيَةُ كُلَّ مَالِهِمْ فَتَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ فِيهِ كَهْفٌ كَبِيرٌ، فَاخْتَفَوْا فِيهِ، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ فَنَامُوا كَالْأَمْوَاتِ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِمْ بَابُ الْكَهْفِ كَيْ يَمُوتُوا، فَأَخَذَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ، فِيهَا أَسْمَاؤُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ مَعَ دِقْيَانُوسَ، وَصَيَّرُهَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ نُحَاسٍ، وَدَفَنَهُ دَاخِلَ الْكَهْفِ وَسَدَّهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَلِكُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ جَعَلَ فِي أَنْطَاكِيَةَ بَتْرَكًا
Translation
(فصل): فهذا أصل دينهم وأساسه الذي قام عليه.