Back to the aqeedah library
36 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-Iqtisad fi al-I'tiqad الاقتصاد في الاعتقاد
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Cabd Ghani Maqdisi (تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعلي الدمشقي الحنبلي
36
Total sections
36 chapters
#1
Chapter 1 — مقدمة
· ref. #1
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
الاقتصاد في الاعتقاد
تأليف: تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
تحقيق: د/ أحمد بن عطية الغامدي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن ما منيت به الأمة الإسلامية على مختلف عصورها من انحرافات عقدية لعبت بأفكار بعض طوائفها بسبب جنوحهم عن الطريق القويم، وسلوك طرق ملتوية تؤدي إلى ما يريده أعداء الإسلام من إبعاد المسلمين عن دينهم وفك ارتباطهم بعقيدتهم، جعل علماء هذه الأمة يولون هذا الجانب اهتمامهم، حفاظًا على عقيدة الإسلام، وصيانة لها، ودفعًا لصولة أعدائها، فانبروا لبيان العقيدة الصحيحة التي يجب على المسلمين اعتناقها مدعومة بأدلتها الصريحة الواضحة من مصدرها الذي يجب على كل مسلم تعظيمه، والتسليم له، ألا وهو الوحي بقسميه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، مبتعدين في ذلك عن أوضار الأفكار المنحلة،
والمذاهب المنحرفة، فألفوا الكتب لتقرير الحق بأدلته التي تحمل في منطوقها ومفهومها تهافت كل ما خالفها، وفضح عواره، ولست في حاجة إلى ضرب أمثلة لذلك فهذه المكتبة السلفية تزخر بمؤلفاتهم على مختلف العصور، كمؤلفات ابن منده وابن خزيمة، وابن قتيبة، واللالكائي، وقبل هؤلاء جميعًا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي أصطلى بنار الأفكار الهدامة والعقائد الباطلة، فقارع أصحابها حتى أظهره الله عليهم.
وبعد هؤلاء جميعًا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألقم كل صاحب فكر ضال أو منهج منحرف ألف حجر وحجر، وبين هؤلاء وأولئك كان ثمة علماء أجلاء، ساروا على الطريق نفسه وخدموا الهدف ذاته، ومن هؤلاء الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي الذي أسهم في خدمة هذا الهدف النبيل، حيث جاهد في سبيل ذلك، فامتحن كما امتحن غيره، وأوذي في عقيدته كما أوذي غيره من العلماء المخلصين، وقد ألف كتبًا قيمة، ولعل أهمها هذا الكتاب النفيس الذي يدل عنوانه على محتواه فهو كتاب يحمل في طياته إيضاحًا لعقيدة السلف، وأنها العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف، ولذلك حمل هذا السفر النفيس اسم
«الاقتصاد في الاعتقاد» وهو اسم على مسمى، فعقيدة السلف وسط بين الإفراط والتفريط، عقيدة تجمع ولا تفرق، لها من الخصائص العظيمة ما لم ولن يتوافر في ما سواها من العقائد المنحرفة، التي ضلت الطريق القويم باطراح دلالة الوحي، والجري وراء عقليات سقيمة، وفلسفات عقيمة، أدت إلى تعطيل الخالق عن صفات الكمال، وإلى نفي القدر، وإلى القول بالجبر، والتكفير لمذنبي الأمة ونفي الغيبيات الثابتة، وغير ذلك من الانحرافات المزرية.
وكان حامل لواء الانحراف رجل دخيل هو الجهم بن صفوان الترمذي، الذي ظهر في نهاية المئة الأولى، فحمل لواء التعطيل، وتولى كبر الجحود والإنكار، فعطل صفات الرب تعالى، وحارب تعاليم الإسلام، وانتشرت بعد ذلك المذاهب الكلامية، والمناهج الفلسفية، وتوزعت تركته بين أربابها، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فهو أبلج ناصع، سهل ميسور، أما تعقيدات القوم فلم تنطل إلا على من فسدت فطرته، أو عظم جهله، أو غلبت عليه شقوته، وقد أدى علماء الأمة ومن بينهم الإمام المقدسي واجب الإيضاح والبيان، والتحذير من مجانبة طريق أهل القرآن، وإنني إذ أقدم هذا السفر القيم بما حوى من تعليقات توضح غامضًا، أو تفصل مجملًا،
لأرجو الله الكريم، رب العرش العظيم أن يجعل عملى خالصًا لوجهه، وأن يهئ لنا من أمرنا رشدًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د/ أحمد بن عطية الغامدي
المدينة المنورة في ٢٥/١٢/١٤١٣هـ.
(التعربف بالمؤلف)
اسمه ونسبه
هو الإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي١، الجَمّاعيلي٢، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي٣، يكنى أبا محمد، ويلقب بتقي الدين.
_________
١ المَقْدسي، بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال، هذه النسبة إلى بيت المقدس، وينسب إليه كثير من العلماء.
انظر: اللباب ٣/٢٤٦.
٢ جَمَّاعيل: بالفتح وتشديد الميم، قرية من جبل نابلس، من أرض فلسطين، وإنما انتسب المقدسي المولود بها إلى بيت المقدس لقرب جَمَّاعيل منها، ولأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس، وبينهما مسيرة يوم واحد.
معجم البلدان ٢/١٥٩-١٦٠.
٣ نسبة إلى الصالحية، وهي قرية كبيرة، ذات أسواق وجامع في جبل قاسيون من غوطة دمشق، كان أكثر سكانها من النازحين من بيت المقدس، ممن هم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
انظر: معجم البلدان ٣/٣٩٠.
ولادته
ولد ﵀ بجَمَّاعيل من أرض نابلس، واختلف في تاريخ ولادته، فبينما يذكر ابن رجب عن الحافظ ضياء الدين المقدسي١ أن ولادته كانت في ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ٢ يذكر ابن طولون عن الضياء نفسه ترجيحه أنه ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة٣، وقال المنذري: ذكر عنه بعض أصحابه ما يدل على أن مولده كان سنة أربع وأربعين وخمسمائة٤، وهو ما ذكره ابن الدمياطي في المستفاد ٥.
_________
١ محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، ضياء الدين، أبو عبد الله السَّعْدي المقدسي الجًمَّاعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، ولد سنة ٥٦٩هـ، وكان إمامًا حافظًا، كتب مجموعة سير للمقادسة، منها سيرة شيخيه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، توفي سنة٦٤٣هـ.
انظر: السير ٢٣/١٢٦-١٣٠، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣٦-٢٤٠.
٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢-٥، والسير ٢١/٤٤٤.
٣ انظر: القلائد الجوهرية ٢/٤٣٩.
٤ التكملة ٢/١٨.
٥ انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٩.
وذكر ابن رجب نقلًا عن ابن النجار في تاريخه أنه سأل الحافظ عبد الغني عن مولده فقال: إما في سنة ثلاث، أو في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ١، فهذه ثلاثة أقوال متقاربة في تاريخ ولادته.
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥.
أسرته
ترعرع ﵀ في أكناف أسرة كريمة، شغوفة بالعلم، نذرت نفسها لخدمته، وكانت هذه الأسرة تقيم في بيت المقدس، ثم رحلت بأبنائها إلى دمشق ونزلت عند مسجد أبي صالح، خارج الباب الشرقي أولًا، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فعرفت محلة الصالحية بهم ١ وكان من أشهر هذه الأسرة وأجلهم الإمامان الحافظ عبد الغني، وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الذي وصف علاقته بالحافظ عبد الغني بقوله: " رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل ..." ٢.
وحين استقرت هذه الأسرة بسفح جبل قاسيون، بنوا دارًا
_________
١ انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٨.
٢ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١.
تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ «المدرسة العمرية» ١.
ومن هذه الأسرة ظهر علماء أجلاء، أسهموا في نشر المذهب الحنبلي في الشام حيث انتشر هذا المذهب ومدارسه، لا في دمشق وحدها، بل حتى في المناطق المجاورة لها، وكان لهجرتهم الأثر البالغ في خدمة مذهب الإمام أحمد، حيث ألفوا فيه الكتب القيمة التي أصبحت عمدة في فقه المذهب حتى يومنا هذا، ومؤلفوها يعدون من جهابذة العلماء، كالحافظ عبد الغني، وابن خالته موفق الدين ابن قدامة صاحب أشهر كتاب في تاريخ الفقة الإسلامي ألا وهو كتاب المغني، وعميد أسرتهم العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي خال الحافظ عبد الغني ٢.
_________
١ انظر: القلائد الجوهرية ١/٢٥٠، وقد أنشأ هذه المدرسة الشيخ أبو عمر المقدسي، محمد بن أحمد بن قدامة، والد الموفق، وكانت من أشهر المدارس في ذلك العصر.
٢ انظر: مقدمة كتاب عمدة الأحكام ص١٨.
وأصبح لهذه الأسرة الكريمة شهرة عظيمة، سارت بها الركبان، وألفت في فضائلها وتاريخها الكتب، ومن أشهرها مؤلفات الضياء المقدسي وكتاب القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون، وغيرها.
وهي أسرة جديرة بعناية المؤرخين، لما لها من دور بارز في نشر العلم وخدمته بشتى الوسائل، من تدريس، وتأليف، وإنشاء مدارس، وعناية بطلابه.
وقد رزق الإمام عبد الغني ثلاثة أولاد من زوجته إبنة خاله: رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وهم، محمد، وعبد الله، وعبد الرحمن، وبنت واحدة أسماها فاطمة.
وقد كان أولاده الثلاثة علماء أجلاء، لهم شأن كبير في ميدان الفقه والحديث.
١ - فأما محمد فكان أكبرهم، وهو محدث حافظ إمام رحال، يلقب بعز الدين ويكنى أبا الفتح، مات سنة ثلاث عشرة وستمائة.
٢ - وأما عبد الله، فهو المحدث الحافظ المصنف جمال الدين أبو موسى، رحل وسمع من ابن كُلَيب، وخليل الرَّاراني، مات في رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
٣ - أما الابن الثالث وهو عبد الرحمن ويكنى أبا سليمان، فقد اشتغل بعلم الفقه حتى برز فيه، وأصبح من المفتين في مسائله، وسمع من البوصيري، وابن الجوزي ١.
وإذا علمنا أن زوجته رابعة كانت من المشتغلين بعلم الحديث، وكانت ذات دين وزهد وعبادة وصلاح فإنه يتضح لنا أن هذه الأسرة الفريدة كانت ذات سيرة حميدة ومكانة علمية مرموقة، أثرت في أبنائها بما جعلهم من أوعية العلم حفظًا، ومن حذاقه عناية وتدقيقًا ونشرًا.
فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________
١ انظر عن هؤلاء الثلاثة: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٨.
رحلاته العلمية
ما تحدثنا به كتب التاريخ عن الوسائل التي اتبعها علماؤنا الأجلاء من سلفنا الصالح في سبيل تحصيل العلم، وتتبع مصادره، وجمع شتاته، تحفز الهمم، وتبعث على الإعجاب والتقدير، فقد كانوا ﵏ يركبون الصعب والذلول، ويقطعون المفاوز، ويتعرضون للأخطار الجسام، في سبيل الوصول إلى العلماء في مواطن إقامتهم، والأخذ عنهم، وتدوين علمهم، وروايته ونشره، خدمة لهذا الدين، وأداءًا لواجب الأمانة، ونصحًا للأمة، وهداية لها بنور العلم الشرعي الأصيل.
والحافظ عبد الغني المقدسي لم يصل إلى ما وصل إليه من مكانة علمية سامقة، ولم يتمكن من النبوغ الفريد في علم الحديث، ويؤلف ما ألف فيه من كتب عظيمة، إلا بعد بذل جهد كبير، ومكابدة مشقة عظيمة، فقد سلك السنة المعروفة المميزة لجهابذة العلماء، ألا وهي الرحلة في سبيل الطلب، والإتصال بأئمة هذا
الشأن في ما تيسر له الوصول إليه من بقاع العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتتلمذ على أيديهم، وتدوين ما تيسر له من علومهم، وكان يفصل بين مواطن رحلاته مسافات شاسعة، فمن أصبهان شرقًا، إلى ثغر مصر غربًا، وهي مسافات تعد بمقاييس المواصلات في ذلك العصر شاسعة متباعدة، ولكن همة طالب العلم تستسهل الصعب، ولا تقف به دون بلوغ مطامحه، سيما بين أولئك العلماء الأفذاذ من أسلافنا الكرام، الذين كانوا يطلبون العلم لله بإخلاص وتجرد، لا يهمهم في ذلك بلوغ جاه، أو نيل دنيا.
ولذلك نرى أثار رحلاتهم انعكست على سعة تحصيلهم، وجودة تأليفهم، وعموم نفعها لمن بعدهم. فكلما تعددت الرحلات، وكثر الشيوخ، وطالت المدد، كلما كان صاحبها أوسع علمًا، وأكثر إتقانًا، وأحظى مكانة بين تلاميذه وأقرانه.
وتحدثنا كتب التاريخ عن رحلات كثيرة للحافظ عبد الغني، بدأها بهجرته مع أسرته من مسقط رأسه في فلسطين، إلى دمشق وهو صغير، وكان ذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانت سنه آنذاك إحدى عشرة سنة على القول بأن ولادته كانت سنة
إحدى وأربعين وخمسمائة، وثمان سنين على القول بأن ولادته كانت سنة أربع وأربعين وخسمائة، وكان أول طلبه العلم بها، حيث سمع من أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي وغيرهما.
وكانت هذه الرحلة بداية الانطلاق لمراحل أرحب، ورحلات أشق وأوسع، ففي سنة ستين وقيل إحدى وستين وخمسمائة رحل إلى بغداد، وكانت حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، وقد صحبه في هذه الرحلة ابن خالته الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، وكان بين ميولهما العلمية اختلاف، فبينما فضل الإمام الموفق الاتجاه إلى الفقه والعناية به، والتبحر فيه، وجه الحافظ عبد الغني عنايته إلى الحديث.
وفيها نزلا على الشيخ عبد القادر الجيلي في مدرسته، وكان لا ينزل بها أحدًا، إلا أنه توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح، وكان يراعيهما، ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئًا من الحديث والفقه، ودامت إقامتهما عنده أربعين يومًا - كما ذكر الشيخ الموفق، وقيل خمسين، توفي بعدها الشيخ عبد القادر، ثم تتلمذا بعده في الفقه
والخلاف على الشيخ نصر بن فتيان المعروف بابن المنى، وأكثرا فيها من السماع على عدد كبير من الشيوخ، ثم قدما دمشق بعد أربع سنوات.
ورحل الشيخ عبد الغني إلى مصر والاسكندرية وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة فأقام هناك مدة، إلا أنه عاد إلى الاسكندرية سنة سبعين، وسمع بها من الحافظ أبي طاهر السلفي وأكثر عنه، حتى قيل: إنه كتب عنه ألف جزء.
وسمع بمصر من عدد كبير من العلماء من أبرزهم العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي، وأبو عبد الله محمد بن علي الرحبي، وغيرهم.
وكانت له رحلة إلى الجزيرة ١ كما يذكر الإمام ابن كثير، ورحلة أخرى إلى بغداد، أما رحلته إلى أصبهان فكانت بعد
_________
١ هي جزيرة أقُور، بالقاف، وهي بين دجلة والفرات، مجاورة الشام، تشتمل على ديار مضر، وديار بكر، سميت الجزيرة لأنها بين دجلة والفرات.
معجم البلدان ٢/١٣٤.
السبعين، وفي هذه الرحلة كابد شظف العيش حيث لم يتيسر له فيها إلا القليل من المال الذي لا يكفيه لمؤنة سفره، إلا أن الله أعانه عليها لصفاء مقصده، حيث هيأ له من أعانه على أعباء المعيشة حتى دخل أصبهان، وحصّل بها الكثير من العلم، والنفيس من الكتب، وبها تتلمذ على أئمة أجلاء من أبرزهم الحافظ: أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِيني، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ، وخلق كثير سواهم.
أما رحلته إلى همذان، فلم أجد من أرّخها إلا أنه رحل إليها، ولعل رحلته إليها كانت بعد خروجه من أصبهان، حيث سمع بها من أبي المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، وأبي سعيد المطهر بن عبد الكريم القومساني وسواهما.
ويذكر المنذري أنه حدث بدمياط، وهذا يدل على أنه رحل إليها أيضًا، ورحل إلى الموصل، وسمع من خطيبها أبي الفضل الطوسي. وله رحلات جانبية أخرى، إذ كان ﵀ عالي الهمة، شديد التعلق بكل ما يزيد في علمه، ويخدم هدفه ١.
_________
١ انظر عن رحلاته: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥-٦، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٨، والبداية والنهاية ١٣/٣٨-٣٩.
وإذا كان الحافظ عبد الغني قد طوف حواضر العلم شرقًا وغربًا، وحصل بذلك العلم الغزير وتبحر فيه حتى أصبح من أعلامه البارزين، فإنه لابد من أن يبذل كما أخذ، فقد حدث بأكثر البلاد التي دخلها، وروى عنه خلق كثير ١.
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٢.
شيوخه
لقد كان الإكثار من الشيوخ سمة بارزة بين علماء السلف الصالح، فما من عالم له شأن إلا ونجد وراء نبوغه عددًا غير قليل من العلماء الذين تتلمذ على أيديهم، والحافظ عبد الغني المقدسي ممن أكثر من الشيوخ، حيث حرص على أن لا يفوته السماع من مشاهير عصره، ورحلاته التي سبق الحديث عنها، كانت وسيلة رئيسة في الاتصال بهم، وفيما يلي أورد أهم شيوخه في كل بلد رحل إليه، كما ذكرهم المنذري وهو من تلاميذه، وهو لذلك كان من أكثر الناس معرفة به، وهم:
١ـ أبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال.
٢ـ أبو علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي.
٣ـ أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر.
أبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبي جميل.
ومن هؤلاء وغيرهم كان سماعه بدمشق.
٥ـ الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي. وكان سماعه منه بالموصل.
٦ـ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي - شيخه في الفقه.
٧ـ أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي.
٨ـ أبو الفضل المبارك بن المبارك بن صدقه السّمْسَار.
٩ـ أبوالفتوح عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن الوكيل.
١٠ـ أبو بكر أحمد بن المُقَرَّب الكَرْخي.
١١ـ أبو المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد الباجِسرائي.
١٢ـ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدَّجَاجي.
١٣ـ الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد بن الفاخر.
١٤ـ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان.
١٥ـ أبو المظفر يحيى بن علي بن خطاب الخِيَميّ.
١٦ـ أبو بكر عبد الله بن محمد ابن النقور.
١٧ـ أبوالقاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدار.
١٨ـ أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي.
أبو المكارم المبارك بن محمد بن المُعَمَّر البادرائي.
٢٠ـ أبو الحسن علي بن المبارك بن الحسين الواسطي.
٢١ـ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن الخشّاب.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في بغداد.
٢٢ـ أبو المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل.
٢٣ـ أبو سعيد المُطَهَّر بن عبد الكريم.
٢٤ـ أبو الفرج إسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في همذان.
٢٥ـ أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِينِيّ.
٢٦ـ أبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ.
٢٧ـ أبو الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخِرَقي.
٢٨ـ ابو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن يَنَال.
٢٩ـ أبو رشيد حبيب بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ.
٣٠ـ ابو رشيد إسماعيل بن غانم بن خالد البيّع.
٣١ـ أبو غالب محمد بن محمد بن ناصر.
٣٢ـ أبو القاسم عبد الله سفيان وأبو القاسم عليّ ابني أبي الفضل بن طاهر الخرقي.
أبو بكر بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي الفتح السبّاك. وسمع
من هؤلاء وسواهم في أصبهان.
٣٤ـ العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي.
٣٥ـ أبو عبد الله محمد بن علي الَّرحْبي.
٣٦ـ أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي. وكان سماعه منهم في مصر. وسمع بالاسكندرية من
٣٧ـ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني. وهو من أشهر مشايخه الذين أكثر عنهم.
٣٨ـ وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني.
٣٩ـ وأبي القاسم عبد الرحمن بن خلف المقري.
٤٠ـ وأبي الحسين يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وغيرهم ١.
هؤلاء هم بعض أبرز مشايخه، وهم كثر، ولم يدع أحد من المؤرخين أنه استوعب ذكر مشايخه في أي بلد من البلدان التي رحل
_________
١ التكملة لوفيات النقلة ٢/١٨-١٩، وانظر السير ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ١٦٨-١٦٩، والقلائد الجوهرية ٢/٤٣٩-٤٤٠، وغيرها من مصادر ترجمته.
إليها. إلا أن أكثر مشايخه كان في بغداد، ولعل السبب في ذلك أنها كانت عامرة بعدد كبير من جهابذة العلماء، فكانت تُعد بحق عاصمة العلم في ذلك العصر، إذ لم يجتمع من العلماء بذلك العدد الضخم، والشهرة الواسعة في أي بلد كما اجتمع فيها. والله أعلم.
تلاميذه
إن عالمًا جليلًا مثل الإمام عبد الغني المقدسي بلغ مرتبة الحفاظ المتقنين لا بد أن يتطلع إليه طلاب العلم للتتلمذ على يديه والإفادة منه، ولا بد أن يكون نشر العلم أحد أهدافه السامية التي أراد تكريس حياته لها، إلا أنه انشغل في طلب العلم وجمعه، وحينما اتجه لنشره توفاه الله قبل أن يتم ما عزم عليه، ولذلك يقول عنه ابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي: " رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها "١ ومع ذلك حدث وعقد حلق العلم، وتتلمذ على يديه الكثير، ومن أشهرهم إبناه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي الملقب بجمال الدين الذي نال ثناء العلماء وإعجابهم ٢، وأبو الفتح محمد بن عبد الغني الملقب بعزالدين.
_________
١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١.
٢ انظر: السير ٢٢/٣١٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٨.
وممن تتلمذ على يديه محمد بن الواحد بن أحمد المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي المعروف بالضياء المقدسي. الذي جمع سيرة الإمام عبد الغني في مجلدين، وابن خالته الإمام موفق الذين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي وكان من أقرانه.
ويوسف بن خليل بن قراجا عبد الله شمس الدين أبو الحجاج الدمشقي الأدمي. وعثمان بن مكي الشارعي، وعبد القادر الرهاوي ومحمد بن مهلهل الحسني، وهو آخر من سمع منه ١ وغيرهم.
ويذكر المنذري أنه حدث ببغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية ... ولم يزل يَجمع ويَسْمع ويُسْمع، وذكر أنه ممن حضر عنده وسمع منه ٢، وإذا كان ﵀ قد حدّث في جميع هذه البلدان، وهو بالمكانة التي لا تخفى على أحد، فلنا أن نتصور العدد الهائل من طلاب العلم الذين سمعوا منه وتتلمذوا على يديه، إلا إن كتب التاريخ لم تسعفنا عنهم إلا بأمثلة قليلة ذكرت
_________
١ انظر عن تلاميذه تذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢.
٢ انظر: التكملة ٢/١٩.
بعضًا منها.
وكان ﵀ ذا عناية بتلاميذه، يكرمهم، ويحسن إليهم، ويتعهد النابهين منهم ويرشدهم إلى الرحلة من أجل الطلب، بل ويحملهم عليها ويعينهم على أعبائها ١؛ لأنه ﵀ يرى فيها أنجح السبل لتحصيل العلم، من واقع تجربته التي عاشها، وكابدها.
_________
١ انظر: السير ٢١/٤٥٠.
ثقافته وثناء العلماء عليه
كان الإمام المقدسي شغوفًا بالحديث وعلومه، فقد قضى جل طلبه في هذا الميدان حتى برز فيه، وفاق مشايخه وأقرانه، وأصبح من جهابذته وأعلامه، وإنتاجه العلمي في هذا الفن تميز بالجودة والدقة والإتقان، فكتابه الشهير الضخم في الرجال المعروف بـ «الكمال» والكتاب الذي ألفه مستدركًا فيه بعض الأوهام التي وقع فيها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «معرفة الصحابة» يدلان على نبوغ وبراعة وإتقان، فعمله في كتاب «تبيين الإصابة» كان عملًا جسورًا هابه جهابذة سواه، فهذا شيخه أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني تمنى أن يقوم بهذا العمل فلم يجسر عليه كما ذكر الضياء المقدسي حين قال: ... فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فلم يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا ١.
_________
١ السير ٢١/٤٥٨.
ووصف الذهبي عمله فيه بأنه يدل على براعته وحفظه١.
وللحافظ عبد الغني اهتمامات علمية أخرى، وإن كان اشتهر عنه نبوغه في الحديث بحيث لا يعرف عنه إلا أنه محدث نحرير لا يشق له غبار، فقد درس الفقه والخلاف وأخذ منه بنصيب وافر حتى أصبح فيه متكلمًا، وفي مسائله مناظرًا، وكان أبرز شيوخه في هذا الفن هو وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة الشيخ نصر بن فتيان المشهور بابن المنى، والشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد، وكان عالمًا في عقيدة السلف متمكنًا فيها واسع الدراية بها، وكان ذا دراية بالمذاهب المخالفة، وكتابه هذا أكبر شاهد على معرفته بعقيدة السلف وتضلعه في مسائلها، وإحاطته بالمذاهب الأخرى.
وله مؤلفات أخرى تدل على تمكنه في هذا العلم العظيم، مثل كتاب التوحيد، وكتاب الصفات، وغيرها.
كما أن تأليفه في مشكل الحديث يدل على أنه عالم لغوي متمكن حيث ألف في ذلك كتابه «غنية الحفاظ في تحقيق مشكل
_________
١ نفس المصدر ص٤٤٨.
الألفاظ» وإن كنت لم أطلع عليه إلا أن عنوانه يدل على أنه في علم الغريب الذي لا يؤلف فيه عادة إلا من كان له من علم العربية نصيب.
أما مكانته بين العلماء وثناؤهم عليه فكان مداره على ما اشتهر به وتبحر فيه، ألا وهو علم الحديث ورجاله، إذ أنه - يرحمه الله - أولاه العناية الكبرى حتى أصبح إمامًا فيه، وجهبذًا من أبرز جهابذته، وعلمًا من أعلامه ومشاهيره. ولذلك وصفه الحافظ الضياء بقوله: كان الحافظ عبد الغني أمير المؤمنين في الحديث ١.
ووصفه ابن النجار بقوله: كان غزير الحفظ، من أهل الحفظ والإتقان والتجويد، قيّمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه وأصوله، وعلله، وصحيحه وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم ٢.
_________
١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/٧، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٨.
٢ نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
ووصفه الحافظ ابن كثير قارنًا بينه وبين شيخه المزي حيث قال: لقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال، حفظًا وإنقانًا، وسماعًا وإسماعًا وسردًا للمتون وأسماء الرجال ١.
وقد دون شيخه أبو موسى المديني ثناءه على الحافظ على كتاب «تبيين الإصابة» حيث قال: قَلَّ من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغَلَطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقَلّ من يفهم في زماننا ما فهم. ٢
وقال عنه الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيَّنه وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه ٣.
هذا قليل من كثير قيل بحق هذا الجهبذ الفذ، فقد نال إعجاب العلماء في عصره وفي كل عصر جاء بعده إلى يومنا هذا، وكتبه تعد مرجعًا أمينًا وكنزًا ثمينًا من كنوز هذا العلم العظيم.
_________
١ البداية والنهاية ١٣/٣٩.
٢ سير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٩.
٣ نفس المصدر ص٤٤٨.
مؤلفاته
لقد كان لبنوغ الحافظ المقدسي، وسعة علمه، وفرط عنايته بجمع كل ما تيسر له من الكتب، أثر بارز في وفرة إنتاجه سيما في مجال الحديث ورجاله، وفي بعض المجالات الأخرى التي لا تنفك عن السنة والتي تعتبر أحد مصادرها مثل علم العقيدة على منهج السلف الصالح.
وفيما يلي أورد ما تيسر لي من عناوين مصنفاته:
١ـ كتاب التوحيد: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية، وله صورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة والمنورة رقم «١٥٤٤» ضمن مجموعة مصورة عن أصلها بالمكتبة الظاهرية في دمشق.
الجامع الصغير لأحكام البشير النذير: لم يتمه المصنف، ويوجد منه عدة أجزاء مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم
«٢٣٢٤»، و«٥٤٨» وأصلها في المكتبة الظاهرية في دمشق.
٣ـ الأحكام: وهو كتاب غير مسند صنفه على أبواب الفقه يقع في ستة أجزاء.
٤ـ الأربعين من كلام رب العالمين: وقد ذكر الحافظ ابن رجب أربعة كتب بعنوان الأربعين، ولم يميز منها في الاسم إلا هذا العنوان الذي أوردت ولعلها أحاديث مختارة في موضوعات متعددة في كل موضوع أربعين حديثًا.
٥ـ الترغيب في الدعاء والحث عليه: وقد حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية وله نسخة مصورة عن أصلها بالظاهرية، محفوظة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٢» و«٢٣١٣» ضمن مجموعة.
٦ـ التوكل وسؤال الله ﷿: ومنه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٥» ضمن مجموعة، مصورة عن أصلها بظاهرية دمشق.
الآثار المرضية في فضائل خير البرية: أربعة أجزاء.
٨ـ أحاديث الأنبياء: منه صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقم «١٥٤٤» .
٩ـ أحاديث الشعر: مصور بالجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٨٧٣» .
١٠ـ كتاب الجواهر: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٥٤٩» وأصله في المكتبة الظاهرية.
١١ـ أخبار الحسن البصري: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٧٧٨» ضمن مجموعة.
١٢ـ أخبار الصلاة: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموعة رقم «٩٦٤» .
١٣ـ كتاب التهجد: جزءان.
١٤ـ كتاب الأسرار: جزءان.
١٥ـ الروضة: أربعة أجزاء.
كتاب الفرج: جزءان.
١٧ـ الصلات من الأحياء إلى الأموات، جزءان.
١٨ـ الصفات: جزءان.
١٩ـ اعتقاد الإمام الشافعي، جزء كبير.
٢٠ـ الاقتصاد في الاعتقاد: جزء غير مسند، وهو موضوع عملي هذا.
٢١ـ الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ، جزء.
٢٢ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: جزء.
٢٣ـ المصباح، في عيون الأحاديث الصحاح، ثمانية وأربعين جزءًا يشتمل على أحاديث الصحيحين، يوجد منه بعض أجزاء مصورة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية.
٢٤ـ النصيحة في الأدعية الصحيحة: جزء غير مسند.
٢٥ـ اليواقيت في المواقيت: مجلد.
تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة: ويعني بمعرفة الصحابة كتاب الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وقد عد عمل الحافظ عبد الغني في هذا الكتاب دليل براعته وتمكنه.
(راجع الحديث عن ثقافته) .
٢٧ـ تحريم القتل وتعظيمه: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» .
٢٨ـ تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين.
٢٩ـ تذكرة مختصرة في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد: منها نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «١٥٣١» .
٣٠ـ جزء في ذكر القبور.
٣١ـ حديث الإفك: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية فيلم رقم «٣٦٦٧/٢٠» .
٣٢ـ كتاب الحكايات: سبعة أجزاء.
٣٣ـ درر الأثر: على حروف المعجم. غير مسند، ويقع في تسعة أجزاء.
٣٤- ذكر الإسلام: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية،
ويوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» ضمن مجموعة.
٣٥ـ ذكر النار: حقق ضمن الرسالة العلمية المشار إليها آنفًا، وله نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية، ضمن مجموعة رقمها «١٤٩٩» .
٣٦ـ ذم الرياء: جزء كبير.
٣٧ـ ذم الغيبة: جزء كبير.
٣٨ـ رسالة في الجواب عن سؤال معنى لا إله إلا الله المعبود بكل مكان: يوجد منه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٩٥٥/٤» ضمن مجموعة.
٣٩ـ سيرة النبي ﷺ، جزء كبير، غير مسند.
٤٠ـ عمدة الأحكام من كلام خير الأنام: طبعة بتحقيق محمود الأرناؤط. وهو غير مسند.
٤١ـ غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ: مجلدان.
٤٢- فضائل الحج: جزء.
٤٣ـ فضائل حسان ومقتل عثمان: يوجد له صورة بمكتبة الجامعة ضمن مجموع رقم «٥٦٣» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٤٤ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٥ـ فضائل رمضان: جزء ويوجد له نسختان مصورتان عن أصلهما في الظاهرية ورقمها بالجامعة الإسلامية «٥٥٤،٤٨٤» ضمن مجموعة.
٤٦ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٧ـ فضائل عشر ذي الحجة: جزء.
٤٨ـ فضائل عمر بن الخطاب، ويوجد له نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «٣٦٦٧/١٩» .
٤٩ـ فضائل مكة: أربعة أجزاء.
٥٠- فضل الجهاد: منه نسخة مصورة عن أصلها في الظاهرية، وتوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «٥٤٥/٣٧» .
٥١ـ الكمال في معرفة الرجال: على رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه «تهذيب الكمال» .
٥٢ـ محنة الإمام أحمد بن حنبل: نشرت بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.
٥٣ـ نهاية المراد من كلام خير العباد في السنن يقع في نحو مائتي جزء، ويوجد منه قطعة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية ورقمها «٤٩٠» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٥٤ـ مناقب عمر بن عبد العزيز: جزء.
٥٥ـ وفاة النبي ﷺ: جزء١.
وما أوردته ليس حصرًا لمصنفاته فهناك الكثير مما لم يتم، والكثير مما جمعه ولم يبيضه
_________
١ مصادري عن هذه المؤلفات: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٨-١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٣٢٦/خ، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٦-٤٤٨، وهدية العارفين ٥/٥٨٩، وفهارس المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية.
وهكذا نرى أن إنتاجه وفير، ومنهجه في التأليف يميل إلى إفراد مهمات المسائل والموضوعات بمؤلفات خاصة، فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر والثواب، إنه سميع مجيب.
محنته
لقد ابتلي كثير من العلماء المخلصين على مر التاريخ بكثير من المحن، لثباتهم على الحق وصمودهم في وجه أعدائه، وعدم ممالاة الحكام والسلاطين، ومجاراتهم في أهوائهم، فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل اصطلى بنار المبتدعة من أرباب الإعتزال في عصره وسلطانهم الذي سخروه لخدمة فكرهم، فما انقاد لما يريدون، ولا ضعف أمام بطشهم ولا استكان، بل صمد صمود الرواسي، فأظهر الله الحق على يديه في مسألة من أخطر ما تكلم فيه المبتدعة في ذلك العصر، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، فكان لموقفه العظيم هذا أثره الكبير في قمع البدعة وانحسار سلطانها، وظهور الحق على الباطل في ملحمة تاريخية فريدة، سجلها رجل واحد بسبب صموده وتحديه لأئمة البدعة والضلال وسلطانهم الذي كان يناصرهم، ويحمل على اعتناق فكرهم لا بالإقناع - ففكرهم متهافت مصادم لفطر العقول المستقيمة والأفكار المستنيرة بنور
والوحي - بل بالقتل والضرب والتعذيب، وهذا شأن كل مفلس من الحق، لا يتورع أن يسلك ما استطاع من وسائل لنشر باطله، وقمع خصومه.
ولنا مثل آخر ناصع الدلالة والبيان على إفلاس أرباب الأفكار المتهوكة من كل إقناع يؤيد فكرهم، ويظهر باطلهم، فهذا الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفي سنة٤٨١هـ، تألب عليه المبتدعة لإظهاره الحق ووقوفه بحزم في وجه الباطل، وحاولوا بما استطاعوا من حيل ووسائل لاستخدام السلطان وإيغار صدره عليه لينتقم منه ويبطش به، لأنهم أفلسوا فكريًا، وما استطاعوا أن يدافعوا عن باطلهم أمام صولة الحق الدامغ الذي كان يقرره الإمام الهروي، مستندًا إلى أنصع دليل وأوضح حجة، من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فبلغ بهم الإسفاف والحقد إلى أن يحيكوا ضده مؤامرة قذرة تمثلت في حملهم صنمًا صغيرًا من نحاس، جعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ الهروي، ودخلوا على السلطان مستغيثين مولولين بأن الشيخ مجسم، ودليلهم على ذلك الصنم الذي وضعوه سجادته وقالوا - ظلمًا وزورًا وبهتانًا - بأنه هو الذي وضعه لأنه يزعم أن الله
على صورته. ولكن الله أبطل مكيدتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم فانكشف للسلطان مكرهم وخبثهم وكذبهم، وأقروا بصنيعهم فارتد كيدهم إلى نحورهم ١.
وهذه محنة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي مات في السجن لدفاعة عن الحق وصموده في وجه الباطل.
تلك أمثلة يسيرة مما حصل لعلماء الأمة المخلصين، ليس الإمام المقدسي بدعًا من هؤلاء، فقد أراد الله له الخير بأن جعله من المبتلين الصابرين، فالإبتلاء سنة الله في أهل الخير والصلاح، فالأنبياء ﵈ أكثر الناس ابتلاءًا يليهم الأمثل فالأمثل من أتباعهم. وهذه قصة الإمام المقدسي في محنته كما روتها لنا كتب التاريخ، وموقفه فيها، وصموده في وجه طغاتها، مثل آخر على حقد المبتدعة على أهل السنة والجماعة وعلمائهم، فقد كان الإمام المقدسي متأثرًا بالإمام أحمد وسيرته العطرة وآرائه السديدة تأثرًا كبيرًا، حتى إنه دعا الله تعالى أن يرزقه سيرة مثل سيرته، فقد ذكر الذهبي نقلًا عن الحافظ الضياء المقدسي أحد تلامذة الإمام عبد الغني
_________
١ انظر هذه القصة في تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٨٨.
قال: سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.١
ونظرًا لما للحافظ من مكانة علمية عالية لم تتوفر لأحد من أبناء عصره، وما كان يبذله من جهد في نشر العلم الصحيح، متمسكًا في ذلك بالكتاب والأثر، فقد كثر حساده ومخالفوه من المبتدعة، الذين لا يفتأون على مر التاريخ يحاربون أهل السنة والجماعة، فجعلوا يجتهدون في إيذائه والنيل منه، ذكر الحافظ ابن رجب أن الحافظ عبد الغني كان يحدث بدمشق، وينتفع الناس به إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه٢فضايقوه في جامع دمشق، وكادوا له كثيرًا، ودبروا له بعض المؤامرات التي أثاروا بها أنصار الفريقين، ثم أغروا به الوالي زاعمين أنه هو وأصحابه من الحنابلة إنما يريدون الفتنة، وذكروا مخالفته
_________
١ السير ٢١/٤٥٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٨، وذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩.
٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
لهم في الاعتقاد، وطلبوا مناظرته، وأرادوا حمله على أن يقول بقولهم، ويعتقد عقيدتهم، ويسجل ذلك لهم بخط يده، ولكنه صمد في وجوههم فناظرهم وأظهره الله عليهم، فما كان منهم إلا أن رفعوا كل ما يختص به وبأصحابه من جامع دمشق بإذن من واليها، وكسروا منبره ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابه حتى من الصلاة في الجامع، وكادت تحصل فتنة عظيمة، لولا أن الحافظ كان حكيمًا، فآثر الخروج من دمشق درءًا لشرهم فمضى إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فلاحقه أهل دمشق الذين أرسلوا إلى ملكها العزيز عثمان رسولًا حاملًا إليه افتراءاتهم وتشنيعاتهم على الحافظ، ولكن الله وقاه شر هذه المكيدة، فأقام في مصر معززًا مكرمًا في حماية ملكها الجديد الملك العادل، رغم ما بذله المخالفون في مصر من جهد في سبيل إيذائه، حيث حاولوا إيغار صدر الملك عليه، حتى يقال إنه قد بلغ الأمر ببعضهم أن بذل أموالًا طائلة من أجل قتله، ولكن الله نجاه من مكيدتهم، فلما سافر الملك العادل إلى دمشق وحل محله الملك الكامل، عزم هذا على إخراج الحافظ من مصر لكثرة ما قاله فيه عنده المخالفون، واعتقل في دار سبع ليال، وصفها ﵀
بقوله: " ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي ".١
إلا أنه بعد أن تأكد للملك سوء مقاصد مخالفيه وخبث طويتهم وأنهم حاسدون له، وحانقون عليه بسبب تشبثه القرآن والسنة في الاعتقاد خلى سبيله وأمر بعدم التعرض له ٢.
فما أشبه موقف هؤلاء من الحافظ المقدسي بموقف اسلافهم من المبتدعة من إمام أهل السنة الإمام أحمد، الذي دعا الحافظ الله أن يرزقه حالًا مثل حاله، فكان له ما أراد.
وليست هذه هي المحنة الوحيدة التي حصلت للإمام المقدسي بل حصلت له محنتان أخريان، إحداهما في أصبهان، والأخرى بالموصل.
فأما بالموصل: فيذكر الحافظ الضياء أن الإمام عبد الغني حينما استدرك على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا، استاء لذلك صدر الدين أبو بكر محمد بن
_________
١ انظر: ذيل الطبقات ٢/٢١،٢٥، والسير ٢١/٤٥٩-٤٦١.
٢ انظر ما ذكره ابن رجب من قصص تؤيد ذلك ٢/٢٦من الذيل.
عبد اللطيف بن محمد الخجندي، رئيس الشافعية بأصبهان، وكان أشعريًا متعصبًا لأبي نعيم، فطلب الحافظ عبد الغني فأراد هلاكه لذلك فاختفى. ١
أما بالموصل فيحكي الحافظ قصته قائلًا: كنا بالموصل نسمع الضعفاء للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيئ فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئًا، ثم اطلقوني ٢.
وسبب خلاصه: أن أحد من كان يسمع معه قلع ذلك الشيئ الذي أغضب أهل الموصل - من الكراس - ولعله كان يتصل بأبي حنيفة - فلما أرسلوا وفتشوا عما يريدون لم يجدوا شيئًا ٣.
وهكذا نرى أن الحافظ عبد الغني قد ناله أذى كثير من أجل ثباته على عقيدته، وعدم مداهنته للمبتدعة، فقد كان ﵀ لا يخاف في الله لومة لائم.
_________
١ انظر: السير ٢١/٤٥٨-٤٥٩.
٢ نفس المصدر ص٤٥٩.
٣ نفس المصدر.
عقيدته
الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ رزقه الله العلم الشرعي الخالي من شوائب الآراء السقيمة والأهواء العقيمة، فقد ترعرع في أحضان السنة النبوية الشريفة، ورتع من رياضها الورافة، حتى أصبح علمًا من أعلامها، إذا تحدث أنصت له الناس، وإذا ألف تقلى طلاب العلم، بل والعلماء تأليفاته بالقبول، فذاعت بينهم ونفع الله بها، وأصبحت مثالًا يحتذى في الدقة والإلتزام، وإذا كان هذا هو مرتعه فلن يكون له إلى غيره معدلًا، ولا يمكن أن يرضى بسواه بدلًا وكان قد دعى - كما سبق أن أسلفت - أن يرزقه الله حالًا كحال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، فكان له ما أراد، فقد تأثر به تأثرًا كبيرًا في مسلكه ومنهجه، والإمام أحمد كان إمامًا في العلم والعمل، والمنهج والسلوك، فقد كان قدوة صالحة بأسلوبه المميز في إيضاح العقيدة الصحيحة، والجهاد في إقرارها والدفاع عنها، فقد كافح ونافح، ووقف سدًا منيعًا في وجه الدخلاء على عقيدة الأمة،
الذين حاولوا النيل منها، وزعزعة منهجها القويم، واشتهر هو وأتباعه بالتمسك بعقيدة السلف، والذب عنها، وتأليف الكتب في إيضاحها وترسيخها، ولجم خصومها، بالحجج الدامغة، والأدلة الواضحة، ولذلك كانت مؤلفات الإمام عبد الغني المقدسي تقصد إلى الهدف نفسه، حيث سار على منهج السلف في التأليف في العقيدة، فقد جعل من نصوص الكتاب والسنة مدارًا لما يهدف إليه، مجانبًا للكلام المذموم، فمنها ما هو سرد للنصوص بأسانيدها، كما هو الحال في كتاب التوحيد إلا أن عقيدته تتضح لنا أكثر من ثنايا هذا الكتاب الذي هو موضوع دراستي هذه، حيث ألفه بأسلوب يقرر به عقيدته التي هي عقيدة السلف، ويتضمن الرد على الخصوم، مستندًا في كل ما يقول إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، فيقول في أوله: " اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عِدْل، ولا مثل، وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها
كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ وصح بها النقل عن نبيه، وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر ... ولم يدع لملحد مجالًا، ولا لقائل مقالًا. . فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المُرْدية الرّديّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية " ١.
ثم شرع بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات بإيراد أدلتها من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة مثل صفتي العلو والاستواء، الذي قال بعد إيراد أدلتهما: " وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث، مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله "
_________
١ راجع ص٧٩،٨٠.
وقال ﵀ معقبًا على حديث الجارية التي سألها الرسول ﷺ: أين الله؟ فقالت: في السماء: " ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟! ١
وقال معقبًا على ما أورده من أدلة لإثبات صفة الوجه: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "٢.
وفي صفة النزول سار على المنوال نفسه، فأثبت بالأدلة، ونفى جواز التأويل حيث قال: " وتواترت الأخبار، وصحت الآثار، بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان به، والتسليم له وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول ... ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك "٣.
_________
١ راجع ص٨٩.
٢ راجع ص٩٨.
٣ راجع ص١٠٠، ١٠١
وهكذا في بقية ما أورده من صفات، إثبات مقرون بالتحذير من التشبيه والتعطيل، وهذا هو مذهب السلف الذي به يقولون، وعنه ينافحون، ألا ترى إلى قول الحافظ أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀: " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، يعرفون ربهم ﵎ بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله، على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله سبحانه أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه"١، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ فهو سلفي العقيدة منهجًا وتقريرًا، وجميع ما ورد في كتابه هذا، وفي غيره من الكتب المؤلفة في مسائل العقيدة
_________
١ ذكره عنه بسنده الإمام ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل ص١٦، وانظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن الرسائل المنيرية ١/١٠٦-١٠٧.
دليل على ذلك، فقد اشتملت على بيان مجمل لعقيدة السلف، بأسلوب تميز بالإلتزام بمنهج الوحي، وعدم تجاوزه إلى الكلام الممقوت، الذي ارتضاه المتأخرون، فجانبوا به طريق الحق، ووقعوا في حبائل الكائدين من أعداء الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفاته
توفي ﵀ يوم الإثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة من الهجرة النبوية، ودفن بالقرافة١ في مصر يوم الثلاثاء، وشيعه خلق كثير من الأئمة والأمراء ٢.
وكانت وصيته ﵀ لابنه موسى هو: المحافظة على علم الحديث الذي تعب في جمعه وخدمته، وتقوى الله تعالى، والمحافظة على طاعته٣، وكانت أمنيته الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، فأنعم بها من وصية تهم كل مسلم يرجو أن يلقى الله تعالى
_________
١ القَرَافَةُ: خطة بالفسطاط من مصر، وقرافة بطن من المعافر نزلوها فسميت باسمهم، وكانت في ذلك الوقت مقبرة أهل مصر.
انظر: معجم البلدان ٤/٣١٧.
٢ انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٧، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٩، والمنهج الأحمد ص٣٢٧ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢، والبداية والنهاية ١٣/٣٩.
٣ نفس المصادر.
وهو عنه راض، وأنعم بها من أمنية هي غاية عمل العاملين. فرحم الله هذا الإمام الجِهْبذ، الذي قضى عمره خادمًا لسنة رسول الله، مجاهدًا من أجل حماية عقيدة السلف، آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، لا يهمه من الدنيا إلا ما يقيم صلبه، مستعينًا به على طاعة الله، فقد كانت سيرته مثلًا يحتذى، واجتهاده في تحصيل العلم مثلاُ يضرب، وهاهم طلاب العلم - إلى يومنا هذا - ينهلون من معين علمه، ويفيدون من اجتهاده وجهاده، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
(التعريف بالكتاب)
موضوع الكتاب
للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي مؤلفات عظيمة في خدمة عقيدة السلف الصالح، فقد سار على منهاجهم فيها تأليفًا لنصوصها، وتقريرًا وإيضاحًا لمسائلها، وله جهاد بارز في مقارعة المبتدعة، حيث ناله بسبب عقيدته السلفية الملتزمة كثير من الأذى - كما تقدم عند الكلام عن محنته - فأصابه فيها ما أصاب أسلافه، وإذا كان ﵀ قد ألف قدرًا لا بأس به من الكتب في إيضاح عقيدة السلف وتقريرها، مثل كتاب التوحيد الذي سار فيه على طريقة السلف، حيث ساق أدلة مسائله بإسنادها، دون أن يعلق عليها، لأنه من عادة علماء السلف أن يوردوا النصوص مسندة، ولا يخوضوا في بيان معانيها، لأنهم يرون ذلك من الأمور المسلمة، إذ من منهجهم الذي رسموه لأنفسهم في هذا الباب أن يوردوا النصوص ويقفوا عليها لوضوح معناها، وجلاء دلالتها.
إلا أنهم قد يضطرون إلى الخروج عن هذه القاعدة بسبب ما
ابتلوا به من طوائف ندّت عن منهج السلف، الذي هو منهج القرآن، وفضلوا اتباع أساليب الأدعياء من فلاسفة اليونان، وحذروا من الاعتماد على ما في نصوص الوحي من البيان يقول ابن المرتضي اليماني واصفًا حالهم: " نبغ في هذا الزمان من عادى علوم القرآن، وفارق فريق الفرقان، وصنف في التحذير من الإعتماد على ما فيه من التبيان، في معرفة الديان، وأصول قواعد الأديان، وحث على الرجوع في ذلك إلى معرفة قواعد المبتدعة واليونان، منتقصًا لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان، مقبحًا لتلقي كثير من محكماته بالقبول والإيمان، لا جرم أن الله تعالى وإن وصفه بأنه لقوم هدى، فقد وصفه بأنه على قوم عمى، فحسبوه حين عموا عنه وصموا أنه لأمر يرجع إلى ذاته، ولخلل يعود إلى بَيّن آياته، ولم يعلموا أن ذلك يخصهم، لما في قلوبهم من العمه والعمى، والرداءة والرديء، فكأنهم المنافقون ريبًا وخبثًا وبهتانًا، حين قالوا أيكم زادته هذه إيمانًا.
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مُرًا به الماء الزلالا "١
_________
١ ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص٨.
وهؤلاء لم يكونوا في عهد ابن المرتضي الذي عاش في القرنين الثامن والتاسع وحسب بل ظهروا بين المسلمين في وقت مبكر. ولذلك ألف بعض علماء السلف كتبًا في الرد على هذه الطوائف، على طريقتهم المعهودة التي تتمثل في إيراد الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وقد يُتْبعون الأدلة بعض الايضاحات، ويشرعون في تفنيد باطلهم بطريقة تستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة وإلى العقل الذي يوافق النقل.
والإمام المقدسي ﵀ ألف كتابه هذا لغرضين:
١ - تقرير المذهب الحق في المسائل العقدية التي تحدث عنها، بأدلته من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
٢ - الرد على المبتدعة، ليس بعرض آرائهم، وأدلتهم ومناقشتها، بل بسوق الأدلة النقلية، بل والعقلية أحيانًا، وهو يفترض أنه إنما يخاطب مسلمين يريدون الحق، فبأيضاحه بأدلته من نصوص الوحي، يكون قد أوضح بطلان ما سواه الذي لاحظ له من أدلة الكتاب والسنة، بل وأبطل بصريح العبارة ووضوح الاستدلال دعوى من يزعم أن ما يذهب إليه من القول بالتأويل، أو التفويض هو
مذهب السلف. لأنه حينما يذكر في بداية كتابه هذا إجماع السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة على أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال التي وردت بها أدلة الوحي من نصوص الكتاب والسنة، من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، فإنه يشير بذلك إلى تفرق من سواهم وتعدد آرائهم، وتنوع مشاربهم، وهذا أكبر الشواهد على مجانبتهم للحق، لزيغهم عن الطريق الموصلة إليه، شرع ﵀ بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات صفة صفة، فتحدث عن الإستواء، والعلو، والنزول، والوجه واليدين، وصفة الكلام، وغير ذلك من الصفات، موردًا أدلتها مفصلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وله على بعضها تعقيبات تتضمن إيضاح تهافت آراء المخالفين، ومما اشتمل عليه الكتاب من مسائل العقيدة: الحديث عن القضاء والقدر، والإسراء والمعراج، والحوض، وعذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والجنة والنار، والإيمان بالميزان، ثم تحدث عن مسائل الإيمان، وخروج الدجال، ونزول عيسى، والإيمان بملك الموت، وأنه يذبح يوم القيامة على هيئة كبش أملح، ثم تحدث عن خصائص الرسول
ﷺ والمفاضلة بين الخلفاء وسائر الصحابة، والشهادة لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، وعن فضل الإتباع وخطر الإبتداع.
وقد حاول أن يكون كتابه هذا شاملًا لجميع مسائل العقيدة، مظهرًا في حديثه أصالة مذهب السلف، وأنه مذهب مقتصد حيث أحب أن يحمل كتابه هذا اسم «الاقتصاد في الاعتقاد» لأن مذهب السلف كان وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط، وهذا هو معنى الاقتصاد كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ حين قال: " والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير، ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل بين الطرفين ... والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله ﷺ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا
من بلى بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق، يكون مقصرًا مفرّطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه، والمهدي من هداه الله "١.
وهذا هو الاقتصاد الذي أراده المصنف عنوانًا لهذا الكتاب، وقد أدى كتابه هذا ما هدف إليه من إيضاح الحق بأدلته الناصعة من القرآن والسنة، وأقوال أئمة السلف، وبيان أن السلف ﵏ أعدل الطوائف في باب الاعتقاد، حيث ساروا خلف رسول الله ﷺ وأصحابه، ضاربين بكل ما يخالف منهج الوحي عرض الحائط، متمسكين بنصوصه، ولم يغلو في إثبات ما جاءت به على خلاف منطوقها في الإثبات، ومفهوم القواعد العامة التي وضعت لهذا الإثبات، حيث تجاوزوا الإفراط في الإثبات الذي يؤدي إلى التشبيه، والتفريط فيه الذي أدى إلى التعطيل، فسلكوا مسلك الوحي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كما أنهم لم يُفْرطوا في إثبات القدر إلى حد القول بالجبر، كما فعلت الجبرية،
_________
١ الروح ص٣٨٤.
ولم يُفرّطوا تفريط المعتزلة الذي أداهم إلى ادعاء أن العبد يخلق فعله سالبين الله القدرة على ذلك، بل اثبتوا للعبد قدرة واختيارًا في حدود علم الله السابق ومشيئته النافذة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .
وكذا الحال في الإيمان، كانوا وسطًا بين من يقول بأنه كل لا يتجزأ، فكَفّروا من أخل بشيئ منه كما يقول الخوارج، وبين من يقول بأنه مجرد المعرفة، وأنه لذلك لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. لأن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه، كما يقوله المرجئة الخالصة.
أما السلف فكان قولهم وسطًا بين الفريقين حين قالوا: إنه يزيد وينقص ويتفاضل أهله فيه والعاصي مؤمن فاسق، واقع تحت مشيئة الله تعالى مستحق لعقابه.
وهكذا الشأن في مسائل العقيدة كلها، كانوا فيها وسطًا بين جميع الطوائف، لأن منبع رأيهم الإتباع لا الابتداع، وذلك بالسير على هدي خير العباد صلوات الله وسلامه عليه.
_________
أما مخالفوهم من الفرق الكلامية التي زاغت عن المنهج الحق،
والطريق الأقوم، فإنهم سلكوا مناهج عقلية سقيمة، بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصحيح، وهي مناهج هزيلة، تعجز حتى عن اقناع أصحابها، فضلًا عن قدرتها على إقناع الآخرين، لأنها مجرد جدل عقيم لا فائدة منه، فهي في غاية التهافت والقصور، وفي غاية التباين والاختلاف، وذلك من أبرز سمات المناهج العقلية المجردة.
ومن أمعن النظر في مناهج المتكلمين يجدها تثير من الشبه ما تعجز معه عن الإقناع، لأنها تمثل منهجًا شيطانيًا يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، ولذلك كان مصير أساطينه الحيرة والإعتراف بالعجز وعدم الاهتداء، ورجوع كثير منهم إلى مذهب السلف بعد أن أدركوا إفلاس مناهجهم، وتملكتهم الحيرة، فأعلنوا التوبة، وعضوا أصابع الندم على ما فات من حياتهم التي قضوها في القيل والقال، الذي يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويفرق ولا يجمع ١.
فعلم التوحيد لا يؤخذ من عقول الرجال، لأنه أساس الدين الذي عليه تنبني فروعه، فالمصدر الأوحد له هو الوحي المتمثل في
_________
١ انظر: مقدمة إثبات صفة العلو ص٣٩-٤٠.
الكتاب والسنة ومفهوم السلف الصالح لنصوصه.
أما المذاهب الكلامية فهي مذاهب دخيلة هدامة لا تمت إلى الإسلام بصلة. نسأل الله الهداية إلى الحق والثبات عليه
اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
النسخ التي بين أيدينا افتتحت بنسبة محتواها إلى عبد الغني المقدسي، وكتب عليها: " هذه عقيدة الشيخ الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ".
وهذا بالتأكيد ليس هو العنوان الذي اختاره له مؤلفه، وإنما هو عنوان وضعه النساخ باعتبار أن الموضوع عقيدة، والمؤلف هو عبد الغني المقدسي ولكنني بعد تتبع مؤلفاته وما ورد في وصفها، تبين لي أن هذا الكتاب عنوانه الصحيح «الاقتصاد في الاعتقاد» ودليلي على ذلك ما يأتي:
١ - أن هذا العنوان ذكر ضمن مؤلفات الحافظ عبد الغني المقدسي، ذكره كل من:
ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، وعبد الرحمن العليمي في المنهج الأحمد، وابن طولون في القلائد الجوهرية، ووصفوه
بأنه جزء، ووصفه ابن رجب بأنه كبير، واتفقوا على أنه غير مسند١. وذكره أيضًا إسماعيل باشا في هداية العارفين ٢.
٢ - هذا الوصف لا ينطبق إلا على هذا الكتاب من مؤلفات المقدسي في العقيدة، لأن بقية مؤلفاته فيها وصفت بأنها مسندة، وقد وجدتها جميعًا مسندة، عدا كتاب الصفات الذي وصف بأنه جزءان وذكر ضمن المؤلفات المسندة، وهذا يعني أنه ضعف حجم هذا الكتاب، وإذا كان كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» هو الوحيد من مصنفاته في العقيدة الذي وصف بأنه غير مسند، فإن هذا يقطع بأنه هذا الكتاب الذي بين أيدينا لأنه جزء في العقيدة غير مسند، ولم يوصف بهذا الوصف غيره من مؤلفات المقدسي في هذا الفن.
٣ - أن شمول الكتاب وطريقة مؤلفه في عرض مسائله تتفق تمامًا مع هذا الاسم، لأنه عبارة عن عرض لعقيدة السلف في جميع المسائل العقدية تقريبًا بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٢٢٦ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤١.
٢ ٥/٥٨٩.
الأمة، وقد تقدم بيان معنى الاقتصاد وملائمته لموضوع الكتاب.
٤ - لم أجد من ذكر للمقدسي كتابًا في العقيدة يتسم بالشمول، وغير مسند بحيث يمكن أن يلتبس مع هذا الكتاب. فجميع ما ورد من معلومات تؤيد ما ذهبت إليه من أن عنوان الكتاب هو الاسم الذي ذكر ضمن مؤلفاته «الاقتصاد في الاعتقاد» .
أما عن نسبة الكتاب إلى مؤلفه فإن النسخ الخطية التي بين أيدينا كتب عليها نسبة هذا الكتاب إلى الإمام المقدسي، وقد ذكر كما اسلفت بعنوان الاقتصاد في الاعتقاد ونسبه إليه كل من ذكره ضمن مؤلفاته بهذا الاسم، فلا أشك في صحة هذه النسبة سيما إذا علمنا أن بعض الألفاظ التي أخذها المبتدعة عليه وامتحنوه بسببها موجودة في هذا الكتاب، مثل ما أورده ابن رجب وهو قوله: " ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول "١.
_________
١ راجع ص١٠٠.
ومسألة الحرف والصوت، وقد تحدث عنها في هذا الكتاب حيث أثبت أن الله يتكلم بحرف وصوت ١.
_________
١ راجع ص١٤٩.
نسخ الكتاب
لقد تيسر لي الحصول على نسختين خطيتين لهذا الكتاب:
النسخة الأولى:
من محفوظات المكتبة السعودية العامة بالرياض، التابعة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم «٦٨٦/٨٦» ضمن مجموعة، وهي بخط نسخ جيد مكتوبة بقلم القاضي الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى المتوفي سنة ١٢٢٨هـ، وتقع في ست عشرة صفحة، عدد أسطر الصفحة الواحدة ما بين «٢١-٢٢» سطرًا، كلمات السطر الواحد ما بين «١٨-٢٠» كلمة.
وقد اعتمدت هذه النسخة أصلًا لوضوحها ودقتها، ورمزت لها بكلمة «الأصل» .
النسخة الثانية:
أهداها إلي - مشكورًا مأجورًا إن شاء الله - فضيلة الشيخ الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، وهي أيضًا بخط نسخ جيد وتقع في ثلاث وعشرين صفحة، عدد أسطر كل صفحة «٢٠» سطرًا، وكلمات كل سطر ما بين «١١-١٣» كلمة. وسجل في نهايتها الشهر واليوم الذي فرغ من نسخها فيه، ولم يذكر العام. وقد رمزت لهذه النسخة بحرف «ل» .
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان «عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي» بتحقيق فضيلة الشيخ / عبد الله البصيري عام ١٤١١هـ، ونشرته دار الإفتاء السعودي بالرياض، وسبق أن ذكرت عنوانه الصحيح، وقد وصلني بعد أن أوشكت على الإنتهاء من عملي، وأترك الحكم في الفرق بين العملين للقارئ الكريم فسيتبين له ذلك إن شاء الله.
عملي في الكتاب
اتبعت في خدمة هذا الكتاب الخطوات التالية:
١ - تحقيق النصوص الواردة فيه حتى يخرج على أقرب صورة تركه عليها المصنف - قدر الإمكان - ولذلك قمت بمقابلة النسختين وإثبات الفروقات بينهما في الهامش، معتمدًا عبارة الأصل، ما لم يكن لفظ النسخة الأخرى أصح فأثبته وأشير إلى لفظ الأصل في الهامش، وهذا قليل جدًا، لأن نسخة الأصل أكثر دقة، وقد أستعين في الضبط بمصادر الحديث.
٢ - تخريج الأحاديث والآثار التي أوردها المصنف، بإحالتها إلى مواضعها من كتب السنة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
٣ - دراسة الأحاديث والآثار من حيث الصحة أو الضعف معتمدًا كلام العلماء فيها.
٤ - الإشارة إلى مواضع الآيات من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٥ - الترجمة لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب.
٦ - قدمت للكتاب بدراسة تناولت فيها حياة المصنف الإجتماعية والعلمية، وبعض العناصر الأخرى المتعلقة بالمؤلف والكتاب.
٧ - قمت بالتعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى ذلك، وقد يطول التعليق حسب ما يقتضيه الحال ويتطلبه المقام من تفصيل أو إيضاح.
٨ - شرحت الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا نصوص الكتاب.
٩ - وضعت عناوين جانبية لموضوعاته.
١٠ - ختمت عملي بالفهارس الآتية:
١ـ فهرس الآيات القرآنية.
٢ـ فهرس الأحاديث والآثار.
٣ـ فهرس للأعلام المترجم لهم.
٤ـ فهرس للمراجع.
٥ـ فهرس موضوعات المقدمة.
٦ـ فهرس موضوعات الكتاب.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه وأن يكتب للجميع الأجر والثواب. والله الهادي إلى سواء السبيل.
تأليف: تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
تحقيق: د/ أحمد بن عطية الغامدي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن ما منيت به الأمة الإسلامية على مختلف عصورها من انحرافات عقدية لعبت بأفكار بعض طوائفها بسبب جنوحهم عن الطريق القويم، وسلوك طرق ملتوية تؤدي إلى ما يريده أعداء الإسلام من إبعاد المسلمين عن دينهم وفك ارتباطهم بعقيدتهم، جعل علماء هذه الأمة يولون هذا الجانب اهتمامهم، حفاظًا على عقيدة الإسلام، وصيانة لها، ودفعًا لصولة أعدائها، فانبروا لبيان العقيدة الصحيحة التي يجب على المسلمين اعتناقها مدعومة بأدلتها الصريحة الواضحة من مصدرها الذي يجب على كل مسلم تعظيمه، والتسليم له، ألا وهو الوحي بقسميه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، مبتعدين في ذلك عن أوضار الأفكار المنحلة،
والمذاهب المنحرفة، فألفوا الكتب لتقرير الحق بأدلته التي تحمل في منطوقها ومفهومها تهافت كل ما خالفها، وفضح عواره، ولست في حاجة إلى ضرب أمثلة لذلك فهذه المكتبة السلفية تزخر بمؤلفاتهم على مختلف العصور، كمؤلفات ابن منده وابن خزيمة، وابن قتيبة، واللالكائي، وقبل هؤلاء جميعًا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي أصطلى بنار الأفكار الهدامة والعقائد الباطلة، فقارع أصحابها حتى أظهره الله عليهم.
وبعد هؤلاء جميعًا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألقم كل صاحب فكر ضال أو منهج منحرف ألف حجر وحجر، وبين هؤلاء وأولئك كان ثمة علماء أجلاء، ساروا على الطريق نفسه وخدموا الهدف ذاته، ومن هؤلاء الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي الذي أسهم في خدمة هذا الهدف النبيل، حيث جاهد في سبيل ذلك، فامتحن كما امتحن غيره، وأوذي في عقيدته كما أوذي غيره من العلماء المخلصين، وقد ألف كتبًا قيمة، ولعل أهمها هذا الكتاب النفيس الذي يدل عنوانه على محتواه فهو كتاب يحمل في طياته إيضاحًا لعقيدة السلف، وأنها العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف، ولذلك حمل هذا السفر النفيس اسم
«الاقتصاد في الاعتقاد» وهو اسم على مسمى، فعقيدة السلف وسط بين الإفراط والتفريط، عقيدة تجمع ولا تفرق، لها من الخصائص العظيمة ما لم ولن يتوافر في ما سواها من العقائد المنحرفة، التي ضلت الطريق القويم باطراح دلالة الوحي، والجري وراء عقليات سقيمة، وفلسفات عقيمة، أدت إلى تعطيل الخالق عن صفات الكمال، وإلى نفي القدر، وإلى القول بالجبر، والتكفير لمذنبي الأمة ونفي الغيبيات الثابتة، وغير ذلك من الانحرافات المزرية.
وكان حامل لواء الانحراف رجل دخيل هو الجهم بن صفوان الترمذي، الذي ظهر في نهاية المئة الأولى، فحمل لواء التعطيل، وتولى كبر الجحود والإنكار، فعطل صفات الرب تعالى، وحارب تعاليم الإسلام، وانتشرت بعد ذلك المذاهب الكلامية، والمناهج الفلسفية، وتوزعت تركته بين أربابها، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فهو أبلج ناصع، سهل ميسور، أما تعقيدات القوم فلم تنطل إلا على من فسدت فطرته، أو عظم جهله، أو غلبت عليه شقوته، وقد أدى علماء الأمة ومن بينهم الإمام المقدسي واجب الإيضاح والبيان، والتحذير من مجانبة طريق أهل القرآن، وإنني إذ أقدم هذا السفر القيم بما حوى من تعليقات توضح غامضًا، أو تفصل مجملًا،
لأرجو الله الكريم، رب العرش العظيم أن يجعل عملى خالصًا لوجهه، وأن يهئ لنا من أمرنا رشدًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د/ أحمد بن عطية الغامدي
المدينة المنورة في ٢٥/١٢/١٤١٣هـ.
(التعربف بالمؤلف)
اسمه ونسبه
هو الإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي١، الجَمّاعيلي٢، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي٣، يكنى أبا محمد، ويلقب بتقي الدين.
_________
١ المَقْدسي، بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال، هذه النسبة إلى بيت المقدس، وينسب إليه كثير من العلماء.
انظر: اللباب ٣/٢٤٦.
٢ جَمَّاعيل: بالفتح وتشديد الميم، قرية من جبل نابلس، من أرض فلسطين، وإنما انتسب المقدسي المولود بها إلى بيت المقدس لقرب جَمَّاعيل منها، ولأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس، وبينهما مسيرة يوم واحد.
معجم البلدان ٢/١٥٩-١٦٠.
٣ نسبة إلى الصالحية، وهي قرية كبيرة، ذات أسواق وجامع في جبل قاسيون من غوطة دمشق، كان أكثر سكانها من النازحين من بيت المقدس، ممن هم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
انظر: معجم البلدان ٣/٣٩٠.
ولادته
ولد ﵀ بجَمَّاعيل من أرض نابلس، واختلف في تاريخ ولادته، فبينما يذكر ابن رجب عن الحافظ ضياء الدين المقدسي١ أن ولادته كانت في ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ٢ يذكر ابن طولون عن الضياء نفسه ترجيحه أنه ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة٣، وقال المنذري: ذكر عنه بعض أصحابه ما يدل على أن مولده كان سنة أربع وأربعين وخمسمائة٤، وهو ما ذكره ابن الدمياطي في المستفاد ٥.
_________
١ محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، ضياء الدين، أبو عبد الله السَّعْدي المقدسي الجًمَّاعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، ولد سنة ٥٦٩هـ، وكان إمامًا حافظًا، كتب مجموعة سير للمقادسة، منها سيرة شيخيه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، توفي سنة٦٤٣هـ.
انظر: السير ٢٣/١٢٦-١٣٠، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣٦-٢٤٠.
٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢-٥، والسير ٢١/٤٤٤.
٣ انظر: القلائد الجوهرية ٢/٤٣٩.
٤ التكملة ٢/١٨.
٥ انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٩.
وذكر ابن رجب نقلًا عن ابن النجار في تاريخه أنه سأل الحافظ عبد الغني عن مولده فقال: إما في سنة ثلاث، أو في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ١، فهذه ثلاثة أقوال متقاربة في تاريخ ولادته.
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥.
أسرته
ترعرع ﵀ في أكناف أسرة كريمة، شغوفة بالعلم، نذرت نفسها لخدمته، وكانت هذه الأسرة تقيم في بيت المقدس، ثم رحلت بأبنائها إلى دمشق ونزلت عند مسجد أبي صالح، خارج الباب الشرقي أولًا، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فعرفت محلة الصالحية بهم ١ وكان من أشهر هذه الأسرة وأجلهم الإمامان الحافظ عبد الغني، وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الذي وصف علاقته بالحافظ عبد الغني بقوله: " رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل ..." ٢.
وحين استقرت هذه الأسرة بسفح جبل قاسيون، بنوا دارًا
_________
١ انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٨.
٢ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١.
تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ «المدرسة العمرية» ١.
ومن هذه الأسرة ظهر علماء أجلاء، أسهموا في نشر المذهب الحنبلي في الشام حيث انتشر هذا المذهب ومدارسه، لا في دمشق وحدها، بل حتى في المناطق المجاورة لها، وكان لهجرتهم الأثر البالغ في خدمة مذهب الإمام أحمد، حيث ألفوا فيه الكتب القيمة التي أصبحت عمدة في فقه المذهب حتى يومنا هذا، ومؤلفوها يعدون من جهابذة العلماء، كالحافظ عبد الغني، وابن خالته موفق الدين ابن قدامة صاحب أشهر كتاب في تاريخ الفقة الإسلامي ألا وهو كتاب المغني، وعميد أسرتهم العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي خال الحافظ عبد الغني ٢.
_________
١ انظر: القلائد الجوهرية ١/٢٥٠، وقد أنشأ هذه المدرسة الشيخ أبو عمر المقدسي، محمد بن أحمد بن قدامة، والد الموفق، وكانت من أشهر المدارس في ذلك العصر.
٢ انظر: مقدمة كتاب عمدة الأحكام ص١٨.
وأصبح لهذه الأسرة الكريمة شهرة عظيمة، سارت بها الركبان، وألفت في فضائلها وتاريخها الكتب، ومن أشهرها مؤلفات الضياء المقدسي وكتاب القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون، وغيرها.
وهي أسرة جديرة بعناية المؤرخين، لما لها من دور بارز في نشر العلم وخدمته بشتى الوسائل، من تدريس، وتأليف، وإنشاء مدارس، وعناية بطلابه.
وقد رزق الإمام عبد الغني ثلاثة أولاد من زوجته إبنة خاله: رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وهم، محمد، وعبد الله، وعبد الرحمن، وبنت واحدة أسماها فاطمة.
وقد كان أولاده الثلاثة علماء أجلاء، لهم شأن كبير في ميدان الفقه والحديث.
١ - فأما محمد فكان أكبرهم، وهو محدث حافظ إمام رحال، يلقب بعز الدين ويكنى أبا الفتح، مات سنة ثلاث عشرة وستمائة.
٢ - وأما عبد الله، فهو المحدث الحافظ المصنف جمال الدين أبو موسى، رحل وسمع من ابن كُلَيب، وخليل الرَّاراني، مات في رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
٣ - أما الابن الثالث وهو عبد الرحمن ويكنى أبا سليمان، فقد اشتغل بعلم الفقه حتى برز فيه، وأصبح من المفتين في مسائله، وسمع من البوصيري، وابن الجوزي ١.
وإذا علمنا أن زوجته رابعة كانت من المشتغلين بعلم الحديث، وكانت ذات دين وزهد وعبادة وصلاح فإنه يتضح لنا أن هذه الأسرة الفريدة كانت ذات سيرة حميدة ومكانة علمية مرموقة، أثرت في أبنائها بما جعلهم من أوعية العلم حفظًا، ومن حذاقه عناية وتدقيقًا ونشرًا.
فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________
١ انظر عن هؤلاء الثلاثة: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٨.
رحلاته العلمية
ما تحدثنا به كتب التاريخ عن الوسائل التي اتبعها علماؤنا الأجلاء من سلفنا الصالح في سبيل تحصيل العلم، وتتبع مصادره، وجمع شتاته، تحفز الهمم، وتبعث على الإعجاب والتقدير، فقد كانوا ﵏ يركبون الصعب والذلول، ويقطعون المفاوز، ويتعرضون للأخطار الجسام، في سبيل الوصول إلى العلماء في مواطن إقامتهم، والأخذ عنهم، وتدوين علمهم، وروايته ونشره، خدمة لهذا الدين، وأداءًا لواجب الأمانة، ونصحًا للأمة، وهداية لها بنور العلم الشرعي الأصيل.
والحافظ عبد الغني المقدسي لم يصل إلى ما وصل إليه من مكانة علمية سامقة، ولم يتمكن من النبوغ الفريد في علم الحديث، ويؤلف ما ألف فيه من كتب عظيمة، إلا بعد بذل جهد كبير، ومكابدة مشقة عظيمة، فقد سلك السنة المعروفة المميزة لجهابذة العلماء، ألا وهي الرحلة في سبيل الطلب، والإتصال بأئمة هذا
الشأن في ما تيسر له الوصول إليه من بقاع العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتتلمذ على أيديهم، وتدوين ما تيسر له من علومهم، وكان يفصل بين مواطن رحلاته مسافات شاسعة، فمن أصبهان شرقًا، إلى ثغر مصر غربًا، وهي مسافات تعد بمقاييس المواصلات في ذلك العصر شاسعة متباعدة، ولكن همة طالب العلم تستسهل الصعب، ولا تقف به دون بلوغ مطامحه، سيما بين أولئك العلماء الأفذاذ من أسلافنا الكرام، الذين كانوا يطلبون العلم لله بإخلاص وتجرد، لا يهمهم في ذلك بلوغ جاه، أو نيل دنيا.
ولذلك نرى أثار رحلاتهم انعكست على سعة تحصيلهم، وجودة تأليفهم، وعموم نفعها لمن بعدهم. فكلما تعددت الرحلات، وكثر الشيوخ، وطالت المدد، كلما كان صاحبها أوسع علمًا، وأكثر إتقانًا، وأحظى مكانة بين تلاميذه وأقرانه.
وتحدثنا كتب التاريخ عن رحلات كثيرة للحافظ عبد الغني، بدأها بهجرته مع أسرته من مسقط رأسه في فلسطين، إلى دمشق وهو صغير، وكان ذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانت سنه آنذاك إحدى عشرة سنة على القول بأن ولادته كانت سنة
إحدى وأربعين وخمسمائة، وثمان سنين على القول بأن ولادته كانت سنة أربع وأربعين وخسمائة، وكان أول طلبه العلم بها، حيث سمع من أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي وغيرهما.
وكانت هذه الرحلة بداية الانطلاق لمراحل أرحب، ورحلات أشق وأوسع، ففي سنة ستين وقيل إحدى وستين وخمسمائة رحل إلى بغداد، وكانت حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، وقد صحبه في هذه الرحلة ابن خالته الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، وكان بين ميولهما العلمية اختلاف، فبينما فضل الإمام الموفق الاتجاه إلى الفقه والعناية به، والتبحر فيه، وجه الحافظ عبد الغني عنايته إلى الحديث.
وفيها نزلا على الشيخ عبد القادر الجيلي في مدرسته، وكان لا ينزل بها أحدًا، إلا أنه توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح، وكان يراعيهما، ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئًا من الحديث والفقه، ودامت إقامتهما عنده أربعين يومًا - كما ذكر الشيخ الموفق، وقيل خمسين، توفي بعدها الشيخ عبد القادر، ثم تتلمذا بعده في الفقه
والخلاف على الشيخ نصر بن فتيان المعروف بابن المنى، وأكثرا فيها من السماع على عدد كبير من الشيوخ، ثم قدما دمشق بعد أربع سنوات.
ورحل الشيخ عبد الغني إلى مصر والاسكندرية وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة فأقام هناك مدة، إلا أنه عاد إلى الاسكندرية سنة سبعين، وسمع بها من الحافظ أبي طاهر السلفي وأكثر عنه، حتى قيل: إنه كتب عنه ألف جزء.
وسمع بمصر من عدد كبير من العلماء من أبرزهم العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي، وأبو عبد الله محمد بن علي الرحبي، وغيرهم.
وكانت له رحلة إلى الجزيرة ١ كما يذكر الإمام ابن كثير، ورحلة أخرى إلى بغداد، أما رحلته إلى أصبهان فكانت بعد
_________
١ هي جزيرة أقُور، بالقاف، وهي بين دجلة والفرات، مجاورة الشام، تشتمل على ديار مضر، وديار بكر، سميت الجزيرة لأنها بين دجلة والفرات.
معجم البلدان ٢/١٣٤.
السبعين، وفي هذه الرحلة كابد شظف العيش حيث لم يتيسر له فيها إلا القليل من المال الذي لا يكفيه لمؤنة سفره، إلا أن الله أعانه عليها لصفاء مقصده، حيث هيأ له من أعانه على أعباء المعيشة حتى دخل أصبهان، وحصّل بها الكثير من العلم، والنفيس من الكتب، وبها تتلمذ على أئمة أجلاء من أبرزهم الحافظ: أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِيني، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ، وخلق كثير سواهم.
أما رحلته إلى همذان، فلم أجد من أرّخها إلا أنه رحل إليها، ولعل رحلته إليها كانت بعد خروجه من أصبهان، حيث سمع بها من أبي المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، وأبي سعيد المطهر بن عبد الكريم القومساني وسواهما.
ويذكر المنذري أنه حدث بدمياط، وهذا يدل على أنه رحل إليها أيضًا، ورحل إلى الموصل، وسمع من خطيبها أبي الفضل الطوسي. وله رحلات جانبية أخرى، إذ كان ﵀ عالي الهمة، شديد التعلق بكل ما يزيد في علمه، ويخدم هدفه ١.
_________
١ انظر عن رحلاته: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥-٦، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٨، والبداية والنهاية ١٣/٣٨-٣٩.
وإذا كان الحافظ عبد الغني قد طوف حواضر العلم شرقًا وغربًا، وحصل بذلك العلم الغزير وتبحر فيه حتى أصبح من أعلامه البارزين، فإنه لابد من أن يبذل كما أخذ، فقد حدث بأكثر البلاد التي دخلها، وروى عنه خلق كثير ١.
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٢.
شيوخه
لقد كان الإكثار من الشيوخ سمة بارزة بين علماء السلف الصالح، فما من عالم له شأن إلا ونجد وراء نبوغه عددًا غير قليل من العلماء الذين تتلمذ على أيديهم، والحافظ عبد الغني المقدسي ممن أكثر من الشيوخ، حيث حرص على أن لا يفوته السماع من مشاهير عصره، ورحلاته التي سبق الحديث عنها، كانت وسيلة رئيسة في الاتصال بهم، وفيما يلي أورد أهم شيوخه في كل بلد رحل إليه، كما ذكرهم المنذري وهو من تلاميذه، وهو لذلك كان من أكثر الناس معرفة به، وهم:
١ـ أبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال.
٢ـ أبو علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي.
٣ـ أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر.
أبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبي جميل.
ومن هؤلاء وغيرهم كان سماعه بدمشق.
٥ـ الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي. وكان سماعه منه بالموصل.
٦ـ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي - شيخه في الفقه.
٧ـ أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي.
٨ـ أبو الفضل المبارك بن المبارك بن صدقه السّمْسَار.
٩ـ أبوالفتوح عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن الوكيل.
١٠ـ أبو بكر أحمد بن المُقَرَّب الكَرْخي.
١١ـ أبو المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد الباجِسرائي.
١٢ـ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدَّجَاجي.
١٣ـ الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد بن الفاخر.
١٤ـ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان.
١٥ـ أبو المظفر يحيى بن علي بن خطاب الخِيَميّ.
١٦ـ أبو بكر عبد الله بن محمد ابن النقور.
١٧ـ أبوالقاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدار.
١٨ـ أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي.
أبو المكارم المبارك بن محمد بن المُعَمَّر البادرائي.
٢٠ـ أبو الحسن علي بن المبارك بن الحسين الواسطي.
٢١ـ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن الخشّاب.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في بغداد.
٢٢ـ أبو المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل.
٢٣ـ أبو سعيد المُطَهَّر بن عبد الكريم.
٢٤ـ أبو الفرج إسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في همذان.
٢٥ـ أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِينِيّ.
٢٦ـ أبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ.
٢٧ـ أبو الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخِرَقي.
٢٨ـ ابو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن يَنَال.
٢٩ـ أبو رشيد حبيب بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ.
٣٠ـ ابو رشيد إسماعيل بن غانم بن خالد البيّع.
٣١ـ أبو غالب محمد بن محمد بن ناصر.
٣٢ـ أبو القاسم عبد الله سفيان وأبو القاسم عليّ ابني أبي الفضل بن طاهر الخرقي.
أبو بكر بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي الفتح السبّاك. وسمع
من هؤلاء وسواهم في أصبهان.
٣٤ـ العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي.
٣٥ـ أبو عبد الله محمد بن علي الَّرحْبي.
٣٦ـ أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي. وكان سماعه منهم في مصر. وسمع بالاسكندرية من
٣٧ـ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني. وهو من أشهر مشايخه الذين أكثر عنهم.
٣٨ـ وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني.
٣٩ـ وأبي القاسم عبد الرحمن بن خلف المقري.
٤٠ـ وأبي الحسين يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وغيرهم ١.
هؤلاء هم بعض أبرز مشايخه، وهم كثر، ولم يدع أحد من المؤرخين أنه استوعب ذكر مشايخه في أي بلد من البلدان التي رحل
_________
١ التكملة لوفيات النقلة ٢/١٨-١٩، وانظر السير ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ١٦٨-١٦٩، والقلائد الجوهرية ٢/٤٣٩-٤٤٠، وغيرها من مصادر ترجمته.
إليها. إلا أن أكثر مشايخه كان في بغداد، ولعل السبب في ذلك أنها كانت عامرة بعدد كبير من جهابذة العلماء، فكانت تُعد بحق عاصمة العلم في ذلك العصر، إذ لم يجتمع من العلماء بذلك العدد الضخم، والشهرة الواسعة في أي بلد كما اجتمع فيها. والله أعلم.
تلاميذه
إن عالمًا جليلًا مثل الإمام عبد الغني المقدسي بلغ مرتبة الحفاظ المتقنين لا بد أن يتطلع إليه طلاب العلم للتتلمذ على يديه والإفادة منه، ولا بد أن يكون نشر العلم أحد أهدافه السامية التي أراد تكريس حياته لها، إلا أنه انشغل في طلب العلم وجمعه، وحينما اتجه لنشره توفاه الله قبل أن يتم ما عزم عليه، ولذلك يقول عنه ابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي: " رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها "١ ومع ذلك حدث وعقد حلق العلم، وتتلمذ على يديه الكثير، ومن أشهرهم إبناه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي الملقب بجمال الدين الذي نال ثناء العلماء وإعجابهم ٢، وأبو الفتح محمد بن عبد الغني الملقب بعزالدين.
_________
١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١.
٢ انظر: السير ٢٢/٣١٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٨.
وممن تتلمذ على يديه محمد بن الواحد بن أحمد المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي المعروف بالضياء المقدسي. الذي جمع سيرة الإمام عبد الغني في مجلدين، وابن خالته الإمام موفق الذين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي وكان من أقرانه.
ويوسف بن خليل بن قراجا عبد الله شمس الدين أبو الحجاج الدمشقي الأدمي. وعثمان بن مكي الشارعي، وعبد القادر الرهاوي ومحمد بن مهلهل الحسني، وهو آخر من سمع منه ١ وغيرهم.
ويذكر المنذري أنه حدث ببغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية ... ولم يزل يَجمع ويَسْمع ويُسْمع، وذكر أنه ممن حضر عنده وسمع منه ٢، وإذا كان ﵀ قد حدّث في جميع هذه البلدان، وهو بالمكانة التي لا تخفى على أحد، فلنا أن نتصور العدد الهائل من طلاب العلم الذين سمعوا منه وتتلمذوا على يديه، إلا إن كتب التاريخ لم تسعفنا عنهم إلا بأمثلة قليلة ذكرت
_________
١ انظر عن تلاميذه تذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢.
٢ انظر: التكملة ٢/١٩.
بعضًا منها.
وكان ﵀ ذا عناية بتلاميذه، يكرمهم، ويحسن إليهم، ويتعهد النابهين منهم ويرشدهم إلى الرحلة من أجل الطلب، بل ويحملهم عليها ويعينهم على أعبائها ١؛ لأنه ﵀ يرى فيها أنجح السبل لتحصيل العلم، من واقع تجربته التي عاشها، وكابدها.
_________
١ انظر: السير ٢١/٤٥٠.
ثقافته وثناء العلماء عليه
كان الإمام المقدسي شغوفًا بالحديث وعلومه، فقد قضى جل طلبه في هذا الميدان حتى برز فيه، وفاق مشايخه وأقرانه، وأصبح من جهابذته وأعلامه، وإنتاجه العلمي في هذا الفن تميز بالجودة والدقة والإتقان، فكتابه الشهير الضخم في الرجال المعروف بـ «الكمال» والكتاب الذي ألفه مستدركًا فيه بعض الأوهام التي وقع فيها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «معرفة الصحابة» يدلان على نبوغ وبراعة وإتقان، فعمله في كتاب «تبيين الإصابة» كان عملًا جسورًا هابه جهابذة سواه، فهذا شيخه أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني تمنى أن يقوم بهذا العمل فلم يجسر عليه كما ذكر الضياء المقدسي حين قال: ... فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فلم يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا ١.
_________
١ السير ٢١/٤٥٨.
ووصف الذهبي عمله فيه بأنه يدل على براعته وحفظه١.
وللحافظ عبد الغني اهتمامات علمية أخرى، وإن كان اشتهر عنه نبوغه في الحديث بحيث لا يعرف عنه إلا أنه محدث نحرير لا يشق له غبار، فقد درس الفقه والخلاف وأخذ منه بنصيب وافر حتى أصبح فيه متكلمًا، وفي مسائله مناظرًا، وكان أبرز شيوخه في هذا الفن هو وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة الشيخ نصر بن فتيان المشهور بابن المنى، والشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد، وكان عالمًا في عقيدة السلف متمكنًا فيها واسع الدراية بها، وكان ذا دراية بالمذاهب المخالفة، وكتابه هذا أكبر شاهد على معرفته بعقيدة السلف وتضلعه في مسائلها، وإحاطته بالمذاهب الأخرى.
وله مؤلفات أخرى تدل على تمكنه في هذا العلم العظيم، مثل كتاب التوحيد، وكتاب الصفات، وغيرها.
كما أن تأليفه في مشكل الحديث يدل على أنه عالم لغوي متمكن حيث ألف في ذلك كتابه «غنية الحفاظ في تحقيق مشكل
_________
١ نفس المصدر ص٤٤٨.
الألفاظ» وإن كنت لم أطلع عليه إلا أن عنوانه يدل على أنه في علم الغريب الذي لا يؤلف فيه عادة إلا من كان له من علم العربية نصيب.
أما مكانته بين العلماء وثناؤهم عليه فكان مداره على ما اشتهر به وتبحر فيه، ألا وهو علم الحديث ورجاله، إذ أنه - يرحمه الله - أولاه العناية الكبرى حتى أصبح إمامًا فيه، وجهبذًا من أبرز جهابذته، وعلمًا من أعلامه ومشاهيره. ولذلك وصفه الحافظ الضياء بقوله: كان الحافظ عبد الغني أمير المؤمنين في الحديث ١.
ووصفه ابن النجار بقوله: كان غزير الحفظ، من أهل الحفظ والإتقان والتجويد، قيّمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه وأصوله، وعلله، وصحيحه وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم ٢.
_________
١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/٧، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٨.
٢ نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
ووصفه الحافظ ابن كثير قارنًا بينه وبين شيخه المزي حيث قال: لقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال، حفظًا وإنقانًا، وسماعًا وإسماعًا وسردًا للمتون وأسماء الرجال ١.
وقد دون شيخه أبو موسى المديني ثناءه على الحافظ على كتاب «تبيين الإصابة» حيث قال: قَلَّ من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغَلَطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقَلّ من يفهم في زماننا ما فهم. ٢
وقال عنه الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيَّنه وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه ٣.
هذا قليل من كثير قيل بحق هذا الجهبذ الفذ، فقد نال إعجاب العلماء في عصره وفي كل عصر جاء بعده إلى يومنا هذا، وكتبه تعد مرجعًا أمينًا وكنزًا ثمينًا من كنوز هذا العلم العظيم.
_________
١ البداية والنهاية ١٣/٣٩.
٢ سير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٩.
٣ نفس المصدر ص٤٤٨.
مؤلفاته
لقد كان لبنوغ الحافظ المقدسي، وسعة علمه، وفرط عنايته بجمع كل ما تيسر له من الكتب، أثر بارز في وفرة إنتاجه سيما في مجال الحديث ورجاله، وفي بعض المجالات الأخرى التي لا تنفك عن السنة والتي تعتبر أحد مصادرها مثل علم العقيدة على منهج السلف الصالح.
وفيما يلي أورد ما تيسر لي من عناوين مصنفاته:
١ـ كتاب التوحيد: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية، وله صورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة والمنورة رقم «١٥٤٤» ضمن مجموعة مصورة عن أصلها بالمكتبة الظاهرية في دمشق.
الجامع الصغير لأحكام البشير النذير: لم يتمه المصنف، ويوجد منه عدة أجزاء مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم
«٢٣٢٤»، و«٥٤٨» وأصلها في المكتبة الظاهرية في دمشق.
٣ـ الأحكام: وهو كتاب غير مسند صنفه على أبواب الفقه يقع في ستة أجزاء.
٤ـ الأربعين من كلام رب العالمين: وقد ذكر الحافظ ابن رجب أربعة كتب بعنوان الأربعين، ولم يميز منها في الاسم إلا هذا العنوان الذي أوردت ولعلها أحاديث مختارة في موضوعات متعددة في كل موضوع أربعين حديثًا.
٥ـ الترغيب في الدعاء والحث عليه: وقد حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية وله نسخة مصورة عن أصلها بالظاهرية، محفوظة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٢» و«٢٣١٣» ضمن مجموعة.
٦ـ التوكل وسؤال الله ﷿: ومنه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٥» ضمن مجموعة، مصورة عن أصلها بظاهرية دمشق.
الآثار المرضية في فضائل خير البرية: أربعة أجزاء.
٨ـ أحاديث الأنبياء: منه صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقم «١٥٤٤» .
٩ـ أحاديث الشعر: مصور بالجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٨٧٣» .
١٠ـ كتاب الجواهر: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٥٤٩» وأصله في المكتبة الظاهرية.
١١ـ أخبار الحسن البصري: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٧٧٨» ضمن مجموعة.
١٢ـ أخبار الصلاة: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموعة رقم «٩٦٤» .
١٣ـ كتاب التهجد: جزءان.
١٤ـ كتاب الأسرار: جزءان.
١٥ـ الروضة: أربعة أجزاء.
كتاب الفرج: جزءان.
١٧ـ الصلات من الأحياء إلى الأموات، جزءان.
١٨ـ الصفات: جزءان.
١٩ـ اعتقاد الإمام الشافعي، جزء كبير.
٢٠ـ الاقتصاد في الاعتقاد: جزء غير مسند، وهو موضوع عملي هذا.
٢١ـ الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ، جزء.
٢٢ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: جزء.
٢٣ـ المصباح، في عيون الأحاديث الصحاح، ثمانية وأربعين جزءًا يشتمل على أحاديث الصحيحين، يوجد منه بعض أجزاء مصورة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية.
٢٤ـ النصيحة في الأدعية الصحيحة: جزء غير مسند.
٢٥ـ اليواقيت في المواقيت: مجلد.
تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة: ويعني بمعرفة الصحابة كتاب الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وقد عد عمل الحافظ عبد الغني في هذا الكتاب دليل براعته وتمكنه.
(راجع الحديث عن ثقافته) .
٢٧ـ تحريم القتل وتعظيمه: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» .
٢٨ـ تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين.
٢٩ـ تذكرة مختصرة في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد: منها نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «١٥٣١» .
٣٠ـ جزء في ذكر القبور.
٣١ـ حديث الإفك: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية فيلم رقم «٣٦٦٧/٢٠» .
٣٢ـ كتاب الحكايات: سبعة أجزاء.
٣٣ـ درر الأثر: على حروف المعجم. غير مسند، ويقع في تسعة أجزاء.
٣٤- ذكر الإسلام: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية،
ويوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» ضمن مجموعة.
٣٥ـ ذكر النار: حقق ضمن الرسالة العلمية المشار إليها آنفًا، وله نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية، ضمن مجموعة رقمها «١٤٩٩» .
٣٦ـ ذم الرياء: جزء كبير.
٣٧ـ ذم الغيبة: جزء كبير.
٣٨ـ رسالة في الجواب عن سؤال معنى لا إله إلا الله المعبود بكل مكان: يوجد منه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٩٥٥/٤» ضمن مجموعة.
٣٩ـ سيرة النبي ﷺ، جزء كبير، غير مسند.
٤٠ـ عمدة الأحكام من كلام خير الأنام: طبعة بتحقيق محمود الأرناؤط. وهو غير مسند.
٤١ـ غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ: مجلدان.
٤٢- فضائل الحج: جزء.
٤٣ـ فضائل حسان ومقتل عثمان: يوجد له صورة بمكتبة الجامعة ضمن مجموع رقم «٥٦٣» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٤٤ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٥ـ فضائل رمضان: جزء ويوجد له نسختان مصورتان عن أصلهما في الظاهرية ورقمها بالجامعة الإسلامية «٥٥٤،٤٨٤» ضمن مجموعة.
٤٦ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٧ـ فضائل عشر ذي الحجة: جزء.
٤٨ـ فضائل عمر بن الخطاب، ويوجد له نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «٣٦٦٧/١٩» .
٤٩ـ فضائل مكة: أربعة أجزاء.
٥٠- فضل الجهاد: منه نسخة مصورة عن أصلها في الظاهرية، وتوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «٥٤٥/٣٧» .
٥١ـ الكمال في معرفة الرجال: على رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه «تهذيب الكمال» .
٥٢ـ محنة الإمام أحمد بن حنبل: نشرت بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.
٥٣ـ نهاية المراد من كلام خير العباد في السنن يقع في نحو مائتي جزء، ويوجد منه قطعة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية ورقمها «٤٩٠» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٥٤ـ مناقب عمر بن عبد العزيز: جزء.
٥٥ـ وفاة النبي ﷺ: جزء١.
وما أوردته ليس حصرًا لمصنفاته فهناك الكثير مما لم يتم، والكثير مما جمعه ولم يبيضه
_________
١ مصادري عن هذه المؤلفات: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٨-١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٣٢٦/خ، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٦-٤٤٨، وهدية العارفين ٥/٥٨٩، وفهارس المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية.
وهكذا نرى أن إنتاجه وفير، ومنهجه في التأليف يميل إلى إفراد مهمات المسائل والموضوعات بمؤلفات خاصة، فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر والثواب، إنه سميع مجيب.
محنته
لقد ابتلي كثير من العلماء المخلصين على مر التاريخ بكثير من المحن، لثباتهم على الحق وصمودهم في وجه أعدائه، وعدم ممالاة الحكام والسلاطين، ومجاراتهم في أهوائهم، فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل اصطلى بنار المبتدعة من أرباب الإعتزال في عصره وسلطانهم الذي سخروه لخدمة فكرهم، فما انقاد لما يريدون، ولا ضعف أمام بطشهم ولا استكان، بل صمد صمود الرواسي، فأظهر الله الحق على يديه في مسألة من أخطر ما تكلم فيه المبتدعة في ذلك العصر، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، فكان لموقفه العظيم هذا أثره الكبير في قمع البدعة وانحسار سلطانها، وظهور الحق على الباطل في ملحمة تاريخية فريدة، سجلها رجل واحد بسبب صموده وتحديه لأئمة البدعة والضلال وسلطانهم الذي كان يناصرهم، ويحمل على اعتناق فكرهم لا بالإقناع - ففكرهم متهافت مصادم لفطر العقول المستقيمة والأفكار المستنيرة بنور
والوحي - بل بالقتل والضرب والتعذيب، وهذا شأن كل مفلس من الحق، لا يتورع أن يسلك ما استطاع من وسائل لنشر باطله، وقمع خصومه.
ولنا مثل آخر ناصع الدلالة والبيان على إفلاس أرباب الأفكار المتهوكة من كل إقناع يؤيد فكرهم، ويظهر باطلهم، فهذا الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفي سنة٤٨١هـ، تألب عليه المبتدعة لإظهاره الحق ووقوفه بحزم في وجه الباطل، وحاولوا بما استطاعوا من حيل ووسائل لاستخدام السلطان وإيغار صدره عليه لينتقم منه ويبطش به، لأنهم أفلسوا فكريًا، وما استطاعوا أن يدافعوا عن باطلهم أمام صولة الحق الدامغ الذي كان يقرره الإمام الهروي، مستندًا إلى أنصع دليل وأوضح حجة، من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فبلغ بهم الإسفاف والحقد إلى أن يحيكوا ضده مؤامرة قذرة تمثلت في حملهم صنمًا صغيرًا من نحاس، جعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ الهروي، ودخلوا على السلطان مستغيثين مولولين بأن الشيخ مجسم، ودليلهم على ذلك الصنم الذي وضعوه سجادته وقالوا - ظلمًا وزورًا وبهتانًا - بأنه هو الذي وضعه لأنه يزعم أن الله
على صورته. ولكن الله أبطل مكيدتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم فانكشف للسلطان مكرهم وخبثهم وكذبهم، وأقروا بصنيعهم فارتد كيدهم إلى نحورهم ١.
وهذه محنة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي مات في السجن لدفاعة عن الحق وصموده في وجه الباطل.
تلك أمثلة يسيرة مما حصل لعلماء الأمة المخلصين، ليس الإمام المقدسي بدعًا من هؤلاء، فقد أراد الله له الخير بأن جعله من المبتلين الصابرين، فالإبتلاء سنة الله في أهل الخير والصلاح، فالأنبياء ﵈ أكثر الناس ابتلاءًا يليهم الأمثل فالأمثل من أتباعهم. وهذه قصة الإمام المقدسي في محنته كما روتها لنا كتب التاريخ، وموقفه فيها، وصموده في وجه طغاتها، مثل آخر على حقد المبتدعة على أهل السنة والجماعة وعلمائهم، فقد كان الإمام المقدسي متأثرًا بالإمام أحمد وسيرته العطرة وآرائه السديدة تأثرًا كبيرًا، حتى إنه دعا الله تعالى أن يرزقه سيرة مثل سيرته، فقد ذكر الذهبي نقلًا عن الحافظ الضياء المقدسي أحد تلامذة الإمام عبد الغني
_________
١ انظر هذه القصة في تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٨٨.
قال: سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.١
ونظرًا لما للحافظ من مكانة علمية عالية لم تتوفر لأحد من أبناء عصره، وما كان يبذله من جهد في نشر العلم الصحيح، متمسكًا في ذلك بالكتاب والأثر، فقد كثر حساده ومخالفوه من المبتدعة، الذين لا يفتأون على مر التاريخ يحاربون أهل السنة والجماعة، فجعلوا يجتهدون في إيذائه والنيل منه، ذكر الحافظ ابن رجب أن الحافظ عبد الغني كان يحدث بدمشق، وينتفع الناس به إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه٢فضايقوه في جامع دمشق، وكادوا له كثيرًا، ودبروا له بعض المؤامرات التي أثاروا بها أنصار الفريقين، ثم أغروا به الوالي زاعمين أنه هو وأصحابه من الحنابلة إنما يريدون الفتنة، وذكروا مخالفته
_________
١ السير ٢١/٤٥٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٨، وذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩.
٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
لهم في الاعتقاد، وطلبوا مناظرته، وأرادوا حمله على أن يقول بقولهم، ويعتقد عقيدتهم، ويسجل ذلك لهم بخط يده، ولكنه صمد في وجوههم فناظرهم وأظهره الله عليهم، فما كان منهم إلا أن رفعوا كل ما يختص به وبأصحابه من جامع دمشق بإذن من واليها، وكسروا منبره ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابه حتى من الصلاة في الجامع، وكادت تحصل فتنة عظيمة، لولا أن الحافظ كان حكيمًا، فآثر الخروج من دمشق درءًا لشرهم فمضى إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فلاحقه أهل دمشق الذين أرسلوا إلى ملكها العزيز عثمان رسولًا حاملًا إليه افتراءاتهم وتشنيعاتهم على الحافظ، ولكن الله وقاه شر هذه المكيدة، فأقام في مصر معززًا مكرمًا في حماية ملكها الجديد الملك العادل، رغم ما بذله المخالفون في مصر من جهد في سبيل إيذائه، حيث حاولوا إيغار صدر الملك عليه، حتى يقال إنه قد بلغ الأمر ببعضهم أن بذل أموالًا طائلة من أجل قتله، ولكن الله نجاه من مكيدتهم، فلما سافر الملك العادل إلى دمشق وحل محله الملك الكامل، عزم هذا على إخراج الحافظ من مصر لكثرة ما قاله فيه عنده المخالفون، واعتقل في دار سبع ليال، وصفها ﵀
بقوله: " ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي ".١
إلا أنه بعد أن تأكد للملك سوء مقاصد مخالفيه وخبث طويتهم وأنهم حاسدون له، وحانقون عليه بسبب تشبثه القرآن والسنة في الاعتقاد خلى سبيله وأمر بعدم التعرض له ٢.
فما أشبه موقف هؤلاء من الحافظ المقدسي بموقف اسلافهم من المبتدعة من إمام أهل السنة الإمام أحمد، الذي دعا الحافظ الله أن يرزقه حالًا مثل حاله، فكان له ما أراد.
وليست هذه هي المحنة الوحيدة التي حصلت للإمام المقدسي بل حصلت له محنتان أخريان، إحداهما في أصبهان، والأخرى بالموصل.
فأما بالموصل: فيذكر الحافظ الضياء أن الإمام عبد الغني حينما استدرك على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا، استاء لذلك صدر الدين أبو بكر محمد بن
_________
١ انظر: ذيل الطبقات ٢/٢١،٢٥، والسير ٢١/٤٥٩-٤٦١.
٢ انظر ما ذكره ابن رجب من قصص تؤيد ذلك ٢/٢٦من الذيل.
عبد اللطيف بن محمد الخجندي، رئيس الشافعية بأصبهان، وكان أشعريًا متعصبًا لأبي نعيم، فطلب الحافظ عبد الغني فأراد هلاكه لذلك فاختفى. ١
أما بالموصل فيحكي الحافظ قصته قائلًا: كنا بالموصل نسمع الضعفاء للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيئ فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئًا، ثم اطلقوني ٢.
وسبب خلاصه: أن أحد من كان يسمع معه قلع ذلك الشيئ الذي أغضب أهل الموصل - من الكراس - ولعله كان يتصل بأبي حنيفة - فلما أرسلوا وفتشوا عما يريدون لم يجدوا شيئًا ٣.
وهكذا نرى أن الحافظ عبد الغني قد ناله أذى كثير من أجل ثباته على عقيدته، وعدم مداهنته للمبتدعة، فقد كان ﵀ لا يخاف في الله لومة لائم.
_________
١ انظر: السير ٢١/٤٥٨-٤٥٩.
٢ نفس المصدر ص٤٥٩.
٣ نفس المصدر.
عقيدته
الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ رزقه الله العلم الشرعي الخالي من شوائب الآراء السقيمة والأهواء العقيمة، فقد ترعرع في أحضان السنة النبوية الشريفة، ورتع من رياضها الورافة، حتى أصبح علمًا من أعلامها، إذا تحدث أنصت له الناس، وإذا ألف تقلى طلاب العلم، بل والعلماء تأليفاته بالقبول، فذاعت بينهم ونفع الله بها، وأصبحت مثالًا يحتذى في الدقة والإلتزام، وإذا كان هذا هو مرتعه فلن يكون له إلى غيره معدلًا، ولا يمكن أن يرضى بسواه بدلًا وكان قد دعى - كما سبق أن أسلفت - أن يرزقه الله حالًا كحال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، فكان له ما أراد، فقد تأثر به تأثرًا كبيرًا في مسلكه ومنهجه، والإمام أحمد كان إمامًا في العلم والعمل، والمنهج والسلوك، فقد كان قدوة صالحة بأسلوبه المميز في إيضاح العقيدة الصحيحة، والجهاد في إقرارها والدفاع عنها، فقد كافح ونافح، ووقف سدًا منيعًا في وجه الدخلاء على عقيدة الأمة،
الذين حاولوا النيل منها، وزعزعة منهجها القويم، واشتهر هو وأتباعه بالتمسك بعقيدة السلف، والذب عنها، وتأليف الكتب في إيضاحها وترسيخها، ولجم خصومها، بالحجج الدامغة، والأدلة الواضحة، ولذلك كانت مؤلفات الإمام عبد الغني المقدسي تقصد إلى الهدف نفسه، حيث سار على منهج السلف في التأليف في العقيدة، فقد جعل من نصوص الكتاب والسنة مدارًا لما يهدف إليه، مجانبًا للكلام المذموم، فمنها ما هو سرد للنصوص بأسانيدها، كما هو الحال في كتاب التوحيد إلا أن عقيدته تتضح لنا أكثر من ثنايا هذا الكتاب الذي هو موضوع دراستي هذه، حيث ألفه بأسلوب يقرر به عقيدته التي هي عقيدة السلف، ويتضمن الرد على الخصوم، مستندًا في كل ما يقول إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، فيقول في أوله: " اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عِدْل، ولا مثل، وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها
كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ وصح بها النقل عن نبيه، وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر ... ولم يدع لملحد مجالًا، ولا لقائل مقالًا. . فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المُرْدية الرّديّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية " ١.
ثم شرع بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات بإيراد أدلتها من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة مثل صفتي العلو والاستواء، الذي قال بعد إيراد أدلتهما: " وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث، مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله "
_________
١ راجع ص٧٩،٨٠.
وقال ﵀ معقبًا على حديث الجارية التي سألها الرسول ﷺ: أين الله؟ فقالت: في السماء: " ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟! ١
وقال معقبًا على ما أورده من أدلة لإثبات صفة الوجه: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "٢.
وفي صفة النزول سار على المنوال نفسه، فأثبت بالأدلة، ونفى جواز التأويل حيث قال: " وتواترت الأخبار، وصحت الآثار، بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان به، والتسليم له وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول ... ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك "٣.
_________
١ راجع ص٨٩.
٢ راجع ص٩٨.
٣ راجع ص١٠٠، ١٠١
وهكذا في بقية ما أورده من صفات، إثبات مقرون بالتحذير من التشبيه والتعطيل، وهذا هو مذهب السلف الذي به يقولون، وعنه ينافحون، ألا ترى إلى قول الحافظ أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀: " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، يعرفون ربهم ﵎ بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله، على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله سبحانه أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه"١، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ فهو سلفي العقيدة منهجًا وتقريرًا، وجميع ما ورد في كتابه هذا، وفي غيره من الكتب المؤلفة في مسائل العقيدة
_________
١ ذكره عنه بسنده الإمام ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل ص١٦، وانظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن الرسائل المنيرية ١/١٠٦-١٠٧.
دليل على ذلك، فقد اشتملت على بيان مجمل لعقيدة السلف، بأسلوب تميز بالإلتزام بمنهج الوحي، وعدم تجاوزه إلى الكلام الممقوت، الذي ارتضاه المتأخرون، فجانبوا به طريق الحق، ووقعوا في حبائل الكائدين من أعداء الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفاته
توفي ﵀ يوم الإثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة من الهجرة النبوية، ودفن بالقرافة١ في مصر يوم الثلاثاء، وشيعه خلق كثير من الأئمة والأمراء ٢.
وكانت وصيته ﵀ لابنه موسى هو: المحافظة على علم الحديث الذي تعب في جمعه وخدمته، وتقوى الله تعالى، والمحافظة على طاعته٣، وكانت أمنيته الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، فأنعم بها من وصية تهم كل مسلم يرجو أن يلقى الله تعالى
_________
١ القَرَافَةُ: خطة بالفسطاط من مصر، وقرافة بطن من المعافر نزلوها فسميت باسمهم، وكانت في ذلك الوقت مقبرة أهل مصر.
انظر: معجم البلدان ٤/٣١٧.
٢ انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٧، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٩، والمنهج الأحمد ص٣٢٧ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢، والبداية والنهاية ١٣/٣٩.
٣ نفس المصادر.
وهو عنه راض، وأنعم بها من أمنية هي غاية عمل العاملين. فرحم الله هذا الإمام الجِهْبذ، الذي قضى عمره خادمًا لسنة رسول الله، مجاهدًا من أجل حماية عقيدة السلف، آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، لا يهمه من الدنيا إلا ما يقيم صلبه، مستعينًا به على طاعة الله، فقد كانت سيرته مثلًا يحتذى، واجتهاده في تحصيل العلم مثلاُ يضرب، وهاهم طلاب العلم - إلى يومنا هذا - ينهلون من معين علمه، ويفيدون من اجتهاده وجهاده، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
(التعريف بالكتاب)
موضوع الكتاب
للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي مؤلفات عظيمة في خدمة عقيدة السلف الصالح، فقد سار على منهاجهم فيها تأليفًا لنصوصها، وتقريرًا وإيضاحًا لمسائلها، وله جهاد بارز في مقارعة المبتدعة، حيث ناله بسبب عقيدته السلفية الملتزمة كثير من الأذى - كما تقدم عند الكلام عن محنته - فأصابه فيها ما أصاب أسلافه، وإذا كان ﵀ قد ألف قدرًا لا بأس به من الكتب في إيضاح عقيدة السلف وتقريرها، مثل كتاب التوحيد الذي سار فيه على طريقة السلف، حيث ساق أدلة مسائله بإسنادها، دون أن يعلق عليها، لأنه من عادة علماء السلف أن يوردوا النصوص مسندة، ولا يخوضوا في بيان معانيها، لأنهم يرون ذلك من الأمور المسلمة، إذ من منهجهم الذي رسموه لأنفسهم في هذا الباب أن يوردوا النصوص ويقفوا عليها لوضوح معناها، وجلاء دلالتها.
إلا أنهم قد يضطرون إلى الخروج عن هذه القاعدة بسبب ما
ابتلوا به من طوائف ندّت عن منهج السلف، الذي هو منهج القرآن، وفضلوا اتباع أساليب الأدعياء من فلاسفة اليونان، وحذروا من الاعتماد على ما في نصوص الوحي من البيان يقول ابن المرتضي اليماني واصفًا حالهم: " نبغ في هذا الزمان من عادى علوم القرآن، وفارق فريق الفرقان، وصنف في التحذير من الإعتماد على ما فيه من التبيان، في معرفة الديان، وأصول قواعد الأديان، وحث على الرجوع في ذلك إلى معرفة قواعد المبتدعة واليونان، منتقصًا لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان، مقبحًا لتلقي كثير من محكماته بالقبول والإيمان، لا جرم أن الله تعالى وإن وصفه بأنه لقوم هدى، فقد وصفه بأنه على قوم عمى، فحسبوه حين عموا عنه وصموا أنه لأمر يرجع إلى ذاته، ولخلل يعود إلى بَيّن آياته، ولم يعلموا أن ذلك يخصهم، لما في قلوبهم من العمه والعمى، والرداءة والرديء، فكأنهم المنافقون ريبًا وخبثًا وبهتانًا، حين قالوا أيكم زادته هذه إيمانًا.
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مُرًا به الماء الزلالا "١
_________
١ ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص٨.
وهؤلاء لم يكونوا في عهد ابن المرتضي الذي عاش في القرنين الثامن والتاسع وحسب بل ظهروا بين المسلمين في وقت مبكر. ولذلك ألف بعض علماء السلف كتبًا في الرد على هذه الطوائف، على طريقتهم المعهودة التي تتمثل في إيراد الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وقد يُتْبعون الأدلة بعض الايضاحات، ويشرعون في تفنيد باطلهم بطريقة تستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة وإلى العقل الذي يوافق النقل.
والإمام المقدسي ﵀ ألف كتابه هذا لغرضين:
١ - تقرير المذهب الحق في المسائل العقدية التي تحدث عنها، بأدلته من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
٢ - الرد على المبتدعة، ليس بعرض آرائهم، وأدلتهم ومناقشتها، بل بسوق الأدلة النقلية، بل والعقلية أحيانًا، وهو يفترض أنه إنما يخاطب مسلمين يريدون الحق، فبأيضاحه بأدلته من نصوص الوحي، يكون قد أوضح بطلان ما سواه الذي لاحظ له من أدلة الكتاب والسنة، بل وأبطل بصريح العبارة ووضوح الاستدلال دعوى من يزعم أن ما يذهب إليه من القول بالتأويل، أو التفويض هو
مذهب السلف. لأنه حينما يذكر في بداية كتابه هذا إجماع السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة على أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال التي وردت بها أدلة الوحي من نصوص الكتاب والسنة، من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، فإنه يشير بذلك إلى تفرق من سواهم وتعدد آرائهم، وتنوع مشاربهم، وهذا أكبر الشواهد على مجانبتهم للحق، لزيغهم عن الطريق الموصلة إليه، شرع ﵀ بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات صفة صفة، فتحدث عن الإستواء، والعلو، والنزول، والوجه واليدين، وصفة الكلام، وغير ذلك من الصفات، موردًا أدلتها مفصلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وله على بعضها تعقيبات تتضمن إيضاح تهافت آراء المخالفين، ومما اشتمل عليه الكتاب من مسائل العقيدة: الحديث عن القضاء والقدر، والإسراء والمعراج، والحوض، وعذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والجنة والنار، والإيمان بالميزان، ثم تحدث عن مسائل الإيمان، وخروج الدجال، ونزول عيسى، والإيمان بملك الموت، وأنه يذبح يوم القيامة على هيئة كبش أملح، ثم تحدث عن خصائص الرسول
ﷺ والمفاضلة بين الخلفاء وسائر الصحابة، والشهادة لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، وعن فضل الإتباع وخطر الإبتداع.
وقد حاول أن يكون كتابه هذا شاملًا لجميع مسائل العقيدة، مظهرًا في حديثه أصالة مذهب السلف، وأنه مذهب مقتصد حيث أحب أن يحمل كتابه هذا اسم «الاقتصاد في الاعتقاد» لأن مذهب السلف كان وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط، وهذا هو معنى الاقتصاد كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ حين قال: " والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير، ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل بين الطرفين ... والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله ﷺ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا
من بلى بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق، يكون مقصرًا مفرّطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه، والمهدي من هداه الله "١.
وهذا هو الاقتصاد الذي أراده المصنف عنوانًا لهذا الكتاب، وقد أدى كتابه هذا ما هدف إليه من إيضاح الحق بأدلته الناصعة من القرآن والسنة، وأقوال أئمة السلف، وبيان أن السلف ﵏ أعدل الطوائف في باب الاعتقاد، حيث ساروا خلف رسول الله ﷺ وأصحابه، ضاربين بكل ما يخالف منهج الوحي عرض الحائط، متمسكين بنصوصه، ولم يغلو في إثبات ما جاءت به على خلاف منطوقها في الإثبات، ومفهوم القواعد العامة التي وضعت لهذا الإثبات، حيث تجاوزوا الإفراط في الإثبات الذي يؤدي إلى التشبيه، والتفريط فيه الذي أدى إلى التعطيل، فسلكوا مسلك الوحي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كما أنهم لم يُفْرطوا في إثبات القدر إلى حد القول بالجبر، كما فعلت الجبرية،
_________
١ الروح ص٣٨٤.
ولم يُفرّطوا تفريط المعتزلة الذي أداهم إلى ادعاء أن العبد يخلق فعله سالبين الله القدرة على ذلك، بل اثبتوا للعبد قدرة واختيارًا في حدود علم الله السابق ومشيئته النافذة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .
وكذا الحال في الإيمان، كانوا وسطًا بين من يقول بأنه كل لا يتجزأ، فكَفّروا من أخل بشيئ منه كما يقول الخوارج، وبين من يقول بأنه مجرد المعرفة، وأنه لذلك لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. لأن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه، كما يقوله المرجئة الخالصة.
أما السلف فكان قولهم وسطًا بين الفريقين حين قالوا: إنه يزيد وينقص ويتفاضل أهله فيه والعاصي مؤمن فاسق، واقع تحت مشيئة الله تعالى مستحق لعقابه.
وهكذا الشأن في مسائل العقيدة كلها، كانوا فيها وسطًا بين جميع الطوائف، لأن منبع رأيهم الإتباع لا الابتداع، وذلك بالسير على هدي خير العباد صلوات الله وسلامه عليه.
_________
أما مخالفوهم من الفرق الكلامية التي زاغت عن المنهج الحق،
والطريق الأقوم، فإنهم سلكوا مناهج عقلية سقيمة، بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصحيح، وهي مناهج هزيلة، تعجز حتى عن اقناع أصحابها، فضلًا عن قدرتها على إقناع الآخرين، لأنها مجرد جدل عقيم لا فائدة منه، فهي في غاية التهافت والقصور، وفي غاية التباين والاختلاف، وذلك من أبرز سمات المناهج العقلية المجردة.
ومن أمعن النظر في مناهج المتكلمين يجدها تثير من الشبه ما تعجز معه عن الإقناع، لأنها تمثل منهجًا شيطانيًا يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، ولذلك كان مصير أساطينه الحيرة والإعتراف بالعجز وعدم الاهتداء، ورجوع كثير منهم إلى مذهب السلف بعد أن أدركوا إفلاس مناهجهم، وتملكتهم الحيرة، فأعلنوا التوبة، وعضوا أصابع الندم على ما فات من حياتهم التي قضوها في القيل والقال، الذي يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويفرق ولا يجمع ١.
فعلم التوحيد لا يؤخذ من عقول الرجال، لأنه أساس الدين الذي عليه تنبني فروعه، فالمصدر الأوحد له هو الوحي المتمثل في
_________
١ انظر: مقدمة إثبات صفة العلو ص٣٩-٤٠.
الكتاب والسنة ومفهوم السلف الصالح لنصوصه.
أما المذاهب الكلامية فهي مذاهب دخيلة هدامة لا تمت إلى الإسلام بصلة. نسأل الله الهداية إلى الحق والثبات عليه
اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
النسخ التي بين أيدينا افتتحت بنسبة محتواها إلى عبد الغني المقدسي، وكتب عليها: " هذه عقيدة الشيخ الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ".
وهذا بالتأكيد ليس هو العنوان الذي اختاره له مؤلفه، وإنما هو عنوان وضعه النساخ باعتبار أن الموضوع عقيدة، والمؤلف هو عبد الغني المقدسي ولكنني بعد تتبع مؤلفاته وما ورد في وصفها، تبين لي أن هذا الكتاب عنوانه الصحيح «الاقتصاد في الاعتقاد» ودليلي على ذلك ما يأتي:
١ - أن هذا العنوان ذكر ضمن مؤلفات الحافظ عبد الغني المقدسي، ذكره كل من:
ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، وعبد الرحمن العليمي في المنهج الأحمد، وابن طولون في القلائد الجوهرية، ووصفوه
بأنه جزء، ووصفه ابن رجب بأنه كبير، واتفقوا على أنه غير مسند١. وذكره أيضًا إسماعيل باشا في هداية العارفين ٢.
٢ - هذا الوصف لا ينطبق إلا على هذا الكتاب من مؤلفات المقدسي في العقيدة، لأن بقية مؤلفاته فيها وصفت بأنها مسندة، وقد وجدتها جميعًا مسندة، عدا كتاب الصفات الذي وصف بأنه جزءان وذكر ضمن المؤلفات المسندة، وهذا يعني أنه ضعف حجم هذا الكتاب، وإذا كان كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» هو الوحيد من مصنفاته في العقيدة الذي وصف بأنه غير مسند، فإن هذا يقطع بأنه هذا الكتاب الذي بين أيدينا لأنه جزء في العقيدة غير مسند، ولم يوصف بهذا الوصف غيره من مؤلفات المقدسي في هذا الفن.
٣ - أن شمول الكتاب وطريقة مؤلفه في عرض مسائله تتفق تمامًا مع هذا الاسم، لأنه عبارة عن عرض لعقيدة السلف في جميع المسائل العقدية تقريبًا بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف
_________
١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٢٢٦ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤١.
٢ ٥/٥٨٩.
الأمة، وقد تقدم بيان معنى الاقتصاد وملائمته لموضوع الكتاب.
٤ - لم أجد من ذكر للمقدسي كتابًا في العقيدة يتسم بالشمول، وغير مسند بحيث يمكن أن يلتبس مع هذا الكتاب. فجميع ما ورد من معلومات تؤيد ما ذهبت إليه من أن عنوان الكتاب هو الاسم الذي ذكر ضمن مؤلفاته «الاقتصاد في الاعتقاد» .
أما عن نسبة الكتاب إلى مؤلفه فإن النسخ الخطية التي بين أيدينا كتب عليها نسبة هذا الكتاب إلى الإمام المقدسي، وقد ذكر كما اسلفت بعنوان الاقتصاد في الاعتقاد ونسبه إليه كل من ذكره ضمن مؤلفاته بهذا الاسم، فلا أشك في صحة هذه النسبة سيما إذا علمنا أن بعض الألفاظ التي أخذها المبتدعة عليه وامتحنوه بسببها موجودة في هذا الكتاب، مثل ما أورده ابن رجب وهو قوله: " ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول "١.
_________
١ راجع ص١٠٠.
ومسألة الحرف والصوت، وقد تحدث عنها في هذا الكتاب حيث أثبت أن الله يتكلم بحرف وصوت ١.
_________
١ راجع ص١٤٩.
نسخ الكتاب
لقد تيسر لي الحصول على نسختين خطيتين لهذا الكتاب:
النسخة الأولى:
من محفوظات المكتبة السعودية العامة بالرياض، التابعة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم «٦٨٦/٨٦» ضمن مجموعة، وهي بخط نسخ جيد مكتوبة بقلم القاضي الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى المتوفي سنة ١٢٢٨هـ، وتقع في ست عشرة صفحة، عدد أسطر الصفحة الواحدة ما بين «٢١-٢٢» سطرًا، كلمات السطر الواحد ما بين «١٨-٢٠» كلمة.
وقد اعتمدت هذه النسخة أصلًا لوضوحها ودقتها، ورمزت لها بكلمة «الأصل» .
النسخة الثانية:
أهداها إلي - مشكورًا مأجورًا إن شاء الله - فضيلة الشيخ الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، وهي أيضًا بخط نسخ جيد وتقع في ثلاث وعشرين صفحة، عدد أسطر كل صفحة «٢٠» سطرًا، وكلمات كل سطر ما بين «١١-١٣» كلمة. وسجل في نهايتها الشهر واليوم الذي فرغ من نسخها فيه، ولم يذكر العام. وقد رمزت لهذه النسخة بحرف «ل» .
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان «عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي» بتحقيق فضيلة الشيخ / عبد الله البصيري عام ١٤١١هـ، ونشرته دار الإفتاء السعودي بالرياض، وسبق أن ذكرت عنوانه الصحيح، وقد وصلني بعد أن أوشكت على الإنتهاء من عملي، وأترك الحكم في الفرق بين العملين للقارئ الكريم فسيتبين له ذلك إن شاء الله.
عملي في الكتاب
اتبعت في خدمة هذا الكتاب الخطوات التالية:
١ - تحقيق النصوص الواردة فيه حتى يخرج على أقرب صورة تركه عليها المصنف - قدر الإمكان - ولذلك قمت بمقابلة النسختين وإثبات الفروقات بينهما في الهامش، معتمدًا عبارة الأصل، ما لم يكن لفظ النسخة الأخرى أصح فأثبته وأشير إلى لفظ الأصل في الهامش، وهذا قليل جدًا، لأن نسخة الأصل أكثر دقة، وقد أستعين في الضبط بمصادر الحديث.
٢ - تخريج الأحاديث والآثار التي أوردها المصنف، بإحالتها إلى مواضعها من كتب السنة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
٣ - دراسة الأحاديث والآثار من حيث الصحة أو الضعف معتمدًا كلام العلماء فيها.
٤ - الإشارة إلى مواضع الآيات من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٥ - الترجمة لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب.
٦ - قدمت للكتاب بدراسة تناولت فيها حياة المصنف الإجتماعية والعلمية، وبعض العناصر الأخرى المتعلقة بالمؤلف والكتاب.
٧ - قمت بالتعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى ذلك، وقد يطول التعليق حسب ما يقتضيه الحال ويتطلبه المقام من تفصيل أو إيضاح.
٨ - شرحت الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا نصوص الكتاب.
٩ - وضعت عناوين جانبية لموضوعاته.
١٠ - ختمت عملي بالفهارس الآتية:
١ـ فهرس الآيات القرآنية.
٢ـ فهرس الأحاديث والآثار.
٣ـ فهرس للأعلام المترجم لهم.
٤ـ فهرس للمراجع.
٥ـ فهرس موضوعات المقدمة.
٦ـ فهرس موضوعات الكتاب.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه وأن يكتب للجميع الأجر والثواب. والله الهادي إلى سواء السبيل.
Translation
مقدمة
#2
Chapter 2 — النص المحقق (مقدمة المؤلف)
· ref. #2
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
النص المحقق (مقدمة المؤلف)
...
(النص المحقق)
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل.١
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور [الحنبلي] ٢ المقدسي - رحمه الله تعالى ـ: الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء، والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء، المنزه عن الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء، من السعادة والشقاء، واستوى على عرشه فوق السماء، وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله وصحبه الطاهرين الأتقياء، صلاة دائمة إلى يوم اللقاء.
_________
١ من قوله: [رب يسر] إلى هنا لا يوجد في [ل] .
٢ من [ل] .
اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول [والنية] ١ والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا [شبيه] ٢ [له] ٣ ولا نظير ولا عِدْل ولا مثل.
وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ ٤، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع [لملحد] ٥ مجالًا، ولا لقائل مقالًا.
_________
١ في الأصل [السنه] وما أثبت من [ل] .
٢ في الأصل: [شبه] وما أثبت من [ل] .
٣ لا توجد في [ل] .
٤ سورة فصلت /٤٢.
٥ في [ل]: [للملحد] .
١ - فروى طارق بن شهاب١ قال: جاء يهودي٢ إلى عمر بن الخطاب [﵁] ٣ فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤.
فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن بعرفة عشية جمعة ٥.
_________
١ طارق بن شهاب بن عبدشمس البجلي الأحمسي، أبوعبد الله الكوفي، رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، مات سنة اثنتين أو ثلاثًا وثمانين.
التقريب /٣٧٦.
٢ هو كعب الأحبار، وفي بعض روايات الحديث عند البخاري ومسلم: " قالت اليهود " قال ابن حجر: " يحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة وتكلم كعب على لسانهم ". فتح الباري ١/١٠٥.
٣ من [ل] .
٤ سورة المائدة /٣.
٥ متفق عليه. انظر صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، ح «٤٥» ١/٣١، وكتاب التفسير، باب «اليوم أكملت لكم دينكم» ح «٤٦٠٦» ٣/٢٢٢، وصحيح مسلم، كتاب التفسير، ح «٣٠١٧» ٤/٢٣١٢.
...
(النص المحقق)
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
والحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل.١
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور [الحنبلي] ٢ المقدسي - رحمه الله تعالى ـ: الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء، والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء، المنزه عن الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء، من السعادة والشقاء، واستوى على عرشه فوق السماء، وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله وصحبه الطاهرين الأتقياء، صلاة دائمة إلى يوم اللقاء.
_________
١ من قوله: [رب يسر] إلى هنا لا يوجد في [ل] .
٢ من [ل] .
اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول [والنية] ١ والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا [شبيه] ٢ [له] ٣ ولا نظير ولا عِدْل ولا مثل.
وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ ٤، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع [لملحد] ٥ مجالًا، ولا لقائل مقالًا.
_________
١ في الأصل [السنه] وما أثبت من [ل] .
٢ في الأصل: [شبه] وما أثبت من [ل] .
٣ لا توجد في [ل] .
٤ سورة فصلت /٤٢.
٥ في [ل]: [للملحد] .
١ - فروى طارق بن شهاب١ قال: جاء يهودي٢ إلى عمر بن الخطاب [﵁] ٣ فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤.
فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله ﷺ ونحن بعرفة عشية جمعة ٥.
_________
١ طارق بن شهاب بن عبدشمس البجلي الأحمسي، أبوعبد الله الكوفي، رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، مات سنة اثنتين أو ثلاثًا وثمانين.
التقريب /٣٧٦.
٢ هو كعب الأحبار، وفي بعض روايات الحديث عند البخاري ومسلم: " قالت اليهود " قال ابن حجر: " يحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة وتكلم كعب على لسانهم ". فتح الباري ١/١٠٥.
٣ من [ل] .
٤ سورة المائدة /٣.
٥ متفق عليه. انظر صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، ح «٤٥» ١/٣١، وكتاب التفسير، باب «اليوم أكملت لكم دينكم» ح «٤٦٠٦» ٣/٢٢٢، وصحيح مسلم، كتاب التفسير، ح «٣٠١٧» ٤/٢٣١٢.
Translation
النص المحقق (مقدمة المؤلف)
#3
Chapter 3 — صفة الاستواء
· ref. #3
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة الاستواء
...
فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل١. ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة ٢ المردية الرَّدِيّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية.
[فمن صفات الله تعالى] ٣ التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه: أنه مستو على عرشه كما أخبر عن
_________
١ يشير المصنف ﵀ إلى وجوب التمسك بالوحي، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، إذ لا بد من الإلتزام بالوحي منطوقًا ومفهومًا، فيثبت لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له الرسول ﷺ من غير تأويل ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، بل ينهج فيه منهج الوحي كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في جانب التنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في جانب الإثبات، فلا بد من الإثبات مع قطع الطمع عن إدارك الكيفية.
٢ البدعة هي: الأمر المحدث المخالف للسنة الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي.
التعريفات للجرجاني ص٤٣.
٣ في [ل]: [فمن صفاته ﷿] .
نفسه فقال [عز من قائل] ١ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣. وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ ٤ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٧. وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا
_________
١ في [ل]: [﷿] .
٢ سورة الأعراف /٥٤.
٣ سورة يونس /٣.
٤ في [ل]: [خلق] وهو خطأ.
٥ سورة الرعد /٢.
٦ سورة طه /٥.
٧ سورة الفرقان /٥٩.
يْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١. وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. فهذه سبعة مواضع أخبر [الله] ٣ فيها سبحانه أنه على العرش.
٢ - وروى أبو هريرة٤ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ﷿ كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو عنده فوق العرش" ٥.
_________
١ سورة السجدة /٤.
٢ سورة الحديد /٤.
٣ لا يوجد في [ل] .
٤ اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو عشرين قولًا، فقيل عمير بن عامر، وقيل عبد الرحمن، وقيل عبدشمس، وقيل غير ذلك، وقد اشتهر بكنيته، وهو من أشهر صحابة رسول الله ﷺ وأكثرهم تحديثًا عنه.
انظر: الاستغناء ١/٣٤٦.
٥ متفق عليه. انظر صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «وهو الذي يبدأ الخلق» ح «٣١٩٤» ٢/٤١٩، وكتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٢» ٤/٣٨٨، وباب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٤» ١٣/٣٨٣، ومواضع أخرى غيرها.
وصحيح مسلم، كتاب التوبة، «باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه»
........................................................
_________
ح «٢٧٥١» ٤/٢١٠٧.
ورواه أيضًا أحمد في المسند ٢/٣٥٨، ٣٨١، وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٨» ١/٢٧٠. وابن ماجه في كتاب الزهد من سننه، باب ما يرجي من رحمة الله يوم القيامة ح «٤٢٩٥» ٢/١٤٣٥. وابن خزيمة في التوحيد ص٥٨، والآجري في الشريعة ص٢٩٠. وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين ح «١٢» ص٥٥. وابن قدامة في إثبات صفة العلو ح «١٨» ص١٠٤.
وهذا الحديث يدل على إثبات صفتين أخريين هما: صفة الرحمة، وصفة الغضب، وهما ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة. فأما صفة الرحمة فيدل على إثباتها من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة غافر ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وفي سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . وفي سورة الأنعام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدًا. أما من السنة فهناك أحاديث كثيرة منها ما أورد المصنف في هذا الكتاب وستأتي، ومنها حديث أسامة عند البخاري " ... إنما يرحم الله من عباده الرحماء " ح «٧٤٤٨» ٤/٣٩٤، وحديث أبي هريرة المتفق عليه في اختصام الجنة والنار وفيه: " ... فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي " وغيرها من الأحاديث.
أما صفة الغضب فقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ . وقال في سورة الفتح: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ . وقال في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . وغيرها. أما من السنة فورد بإثباتها أحاديث أخرى غير هذا الحديث، فمنها حديث
٣ - وروى العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ ذكر سبع سموات وما [بينها] ١ ثم قال: " وفوق ذلك بحر بين [أعلاه وأسلفه] ٢، كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك " ٣. رواه أبو داود، والترمذي
_________
أبي قتادة ﵁ عند مسلم رقم «١١٦٢» وفيه: " ... فغضب رسول الله ﷺ فلما رآى عمر ﵁ غضبه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا. نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ... " الحديث.
وحديث عائشة ﵂ عند البخاري رقم «٦٤٠١» وفيه: أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السامُ عليك. قال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله ﷺ: مهلًا ياعائشة ..." الحديث. وغيرها من الأحاديث التي تدل على إثبات هذه الصفة. فهاتان الصفتان ثابتتان لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا رحمته تشبه رحمة المخلوقين ولا غضبه يشبه غضبهم.
١ في [ل]: [وما بينهما] .
٢ في [ل]: [بين أسفله وأعلاه] .
٣ سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، ح «٤٧٢٣» ٥/٩٣، وسنن الترمذي، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الحاقة» ح «٣٣٢٠» ٥/٤٢٤،
وابن ماجه القزويني.
٤ - وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ، ومالك بن أنس في قوله [﷿] ١: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر٢.
_________
وقال: هذا حديث حسن غريب.
وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٩٣» ١/٦٩.
ورواه أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص ١٠١-١٠٢. وابن أبي عاصم في كتاب السنة، ح «٥٧٧» ١/٢٥٣، وأحمد في المسند ١/٢٠٦-٢٠٧.
وأورده الذهبي في العلو ص ٥٠ وقال: تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة. أهـ.
وحكم الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث السنة لابن أبي عاصم بضعف إسناده.
١ في [ل]: [تعالى] .
٢ أخرجه عن أم سلمة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٣» ٢/٣٩٧، وأشار إلى قولها ابن حجر في الفتح ١٣/٤٠٦، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ٥/٣٦٥ حيث قال: رُوي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه.
وأخرجه الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن
........................................................
_________
مجموعة الرسائل المنيرية ١/١١٠، وأورده الذهبي في العلو ص٦٥ وقال: فأما عن أم سلمة فلا يصح. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٦٧» ص١٧٦.
أما قول الإمام مالك فثابت عنه، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٥١٦ من طريقين، وذكره الحافظ في الفتح ١٣/٤٠٦-٤٠٧ وحكم بأن إسناده جيد.
ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٤» ٢/٣٩٨، وأبوعثمان الصابوني في عقيدة السلف ضمن الرسائل المنيرية ١/١١١، وأبو نعيم في الحلية ٦/٣٢٥، والدارمي في الرد على الجهمية ص٢٧، والذهبي في العلو ص١٠٣ وقال: " وهذا ثابت عن مالك ". وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٨» ص١٩٤. قال الإمام ابن تيمية معلقًا على قول مالك: وكلام مالك صريح في إثبات الإستواء، وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بَدّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم استواءه، وليس كل ما كان معلومًا وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا. مجموع الفتاوى ٥/١٨١.
وقد روى مثل هذا القول عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة. وإن من أعجب العجب أن نرى كثيرًا من أصحاب مالك - المتأخرين - فارقوا عقيدته، ودانوا بغيرها، فسلكوا مسلك الأشاعرة في منهجهم العقدي الذي يتسم بمخالفة منطوق الوحي، خاصة ما يتعلق بمسائل الصفات.
...
فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل١. ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة ٢ المردية الرَّدِيّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية.
[فمن صفات الله تعالى] ٣ التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه: أنه مستو على عرشه كما أخبر عن
_________
١ يشير المصنف ﵀ إلى وجوب التمسك بالوحي، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، إذ لا بد من الإلتزام بالوحي منطوقًا ومفهومًا، فيثبت لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له الرسول ﷺ من غير تأويل ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، بل ينهج فيه منهج الوحي كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في جانب التنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في جانب الإثبات، فلا بد من الإثبات مع قطع الطمع عن إدارك الكيفية.
٢ البدعة هي: الأمر المحدث المخالف للسنة الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي.
التعريفات للجرجاني ص٤٣.
٣ في [ل]: [فمن صفاته ﷿] .
نفسه فقال [عز من قائل] ١ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣. وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ ٤ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٧. وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا
_________
١ في [ل]: [﷿] .
٢ سورة الأعراف /٥٤.
٣ سورة يونس /٣.
٤ في [ل]: [خلق] وهو خطأ.
٥ سورة الرعد /٢.
٦ سورة طه /٥.
٧ سورة الفرقان /٥٩.
يْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١. وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢. فهذه سبعة مواضع أخبر [الله] ٣ فيها سبحانه أنه على العرش.
٢ - وروى أبو هريرة٤ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ﷿ كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو عنده فوق العرش" ٥.
_________
١ سورة السجدة /٤.
٢ سورة الحديد /٤.
٣ لا يوجد في [ل] .
٤ اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو عشرين قولًا، فقيل عمير بن عامر، وقيل عبد الرحمن، وقيل عبدشمس، وقيل غير ذلك، وقد اشتهر بكنيته، وهو من أشهر صحابة رسول الله ﷺ وأكثرهم تحديثًا عنه.
انظر: الاستغناء ١/٣٤٦.
٥ متفق عليه. انظر صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «وهو الذي يبدأ الخلق» ح «٣١٩٤» ٢/٤١٩، وكتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٢» ٤/٣٨٨، وباب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٤» ١٣/٣٨٣، ومواضع أخرى غيرها.
وصحيح مسلم، كتاب التوبة، «باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه»
........................................................
_________
ح «٢٧٥١» ٤/٢١٠٧.
ورواه أيضًا أحمد في المسند ٢/٣٥٨، ٣٨١، وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٨» ١/٢٧٠. وابن ماجه في كتاب الزهد من سننه، باب ما يرجي من رحمة الله يوم القيامة ح «٤٢٩٥» ٢/١٤٣٥. وابن خزيمة في التوحيد ص٥٨، والآجري في الشريعة ص٢٩٠. وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين ح «١٢» ص٥٥. وابن قدامة في إثبات صفة العلو ح «١٨» ص١٠٤.
وهذا الحديث يدل على إثبات صفتين أخريين هما: صفة الرحمة، وصفة الغضب، وهما ثابتتان لله تعالى بالكتاب والسنة. فأما صفة الرحمة فيدل على إثباتها من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة غافر ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وفي سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . وفي سورة الأنعام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدًا. أما من السنة فهناك أحاديث كثيرة منها ما أورد المصنف في هذا الكتاب وستأتي، ومنها حديث أسامة عند البخاري " ... إنما يرحم الله من عباده الرحماء " ح «٧٤٤٨» ٤/٣٩٤، وحديث أبي هريرة المتفق عليه في اختصام الجنة والنار وفيه: " ... فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي " وغيرها من الأحاديث.
أما صفة الغضب فقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ . وقال في سورة الفتح: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ . وقال في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . وغيرها. أما من السنة فورد بإثباتها أحاديث أخرى غير هذا الحديث، فمنها حديث
٣ - وروى العباس بن عبد المطلب ﵁ أن النبي ﷺ ذكر سبع سموات وما [بينها] ١ ثم قال: " وفوق ذلك بحر بين [أعلاه وأسلفه] ٢، كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك " ٣. رواه أبو داود، والترمذي
_________
أبي قتادة ﵁ عند مسلم رقم «١١٦٢» وفيه: " ... فغضب رسول الله ﷺ فلما رآى عمر ﵁ غضبه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا. نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ... " الحديث.
وحديث عائشة ﵂ عند البخاري رقم «٦٤٠١» وفيه: أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السامُ عليك. قال: وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال رسول الله ﷺ: مهلًا ياعائشة ..." الحديث. وغيرها من الأحاديث التي تدل على إثبات هذه الصفة. فهاتان الصفتان ثابتتان لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا رحمته تشبه رحمة المخلوقين ولا غضبه يشبه غضبهم.
١ في [ل]: [وما بينهما] .
٢ في [ل]: [بين أسفله وأعلاه] .
٣ سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، ح «٤٧٢٣» ٥/٩٣، وسنن الترمذي، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الحاقة» ح «٣٣٢٠» ٥/٤٢٤،
وابن ماجه القزويني.
٤ - وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ، ومالك بن أنس في قوله [﷿] ١: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر٢.
_________
وقال: هذا حديث حسن غريب.
وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٩٣» ١/٦٩.
ورواه أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص ١٠١-١٠٢. وابن أبي عاصم في كتاب السنة، ح «٥٧٧» ١/٢٥٣، وأحمد في المسند ١/٢٠٦-٢٠٧.
وأورده الذهبي في العلو ص ٥٠ وقال: تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة. أهـ.
وحكم الشيخ الألباني في تخريجه لأحاديث السنة لابن أبي عاصم بضعف إسناده.
١ في [ل]: [تعالى] .
٢ أخرجه عن أم سلمة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٣» ٢/٣٩٧، وأشار إلى قولها ابن حجر في الفتح ١٣/٤٠٦، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ٥/٣٦٥ حيث قال: رُوي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه.
وأخرجه الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن
........................................................
_________
مجموعة الرسائل المنيرية ١/١١٠، وأورده الذهبي في العلو ص٦٥ وقال: فأما عن أم سلمة فلا يصح. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٦٧» ص١٧٦.
أما قول الإمام مالك فثابت عنه، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٥١٦ من طريقين، وذكره الحافظ في الفتح ١٣/٤٠٦-٤٠٧ وحكم بأن إسناده جيد.
ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٦٤» ٢/٣٩٨، وأبوعثمان الصابوني في عقيدة السلف ضمن الرسائل المنيرية ١/١١١، وأبو نعيم في الحلية ٦/٣٢٥، والدارمي في الرد على الجهمية ص٢٧، والذهبي في العلو ص١٠٣ وقال: " وهذا ثابت عن مالك ". وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٨» ص١٩٤. قال الإمام ابن تيمية معلقًا على قول مالك: وكلام مالك صريح في إثبات الإستواء، وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بَدّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم استواءه، وليس كل ما كان معلومًا وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا. مجموع الفتاوى ٥/١٨١.
وقد روى مثل هذا القول عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة. وإن من أعجب العجب أن نرى كثيرًا من أصحاب مالك - المتأخرين - فارقوا عقيدته، ودانوا بغيرها، فسلكوا مسلك الأشاعرة في منهجهم العقدي الذي يتسم بمخالفة منطوق الوحي، خاصة ما يتعلق بمسائل الصفات.
Translation
صفة الاستواء
#4
Chapter 4 — صفة العلو
· ref. #4
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة العلو
...
٥ - وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده مامن رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى " ١.
٦ - وروى أبو سعيد الخدري٢ ﵁ أن [النبي] ٣ ﷺ قال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من
_________
وهم بهذا ينزعون ثقتهم بإمام جليل لا يحيدون عن مذهبه في الفروع قيد أنملة، ويضربون بمذهبه في الأصول - الملتزم بالوحي - عرض الحائط. وهذا شأن بعض أتباع مذاهب الأئمة الآخرين أبي حنيفة والشافعي وأحمد، حيث ذهبوا مذاهب في الاعتقاد فارقوا بها ما عليه أئمتهم الذين اعتصموا بالتنزيل ولم يفارقوه.
أما أولئك الأتباع المفارقون فقد ارتضوا لأنفسهم مذاهب الكلام والسفسطة التي أودت بهم إلى الزيغ والضلال. نسأل الله الهداية والثبات على الحق.
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها» «٥١٩٣-٥١٩٤» ٣/٣٨٧.
وصحيح مسلم، كتاب النكاح «باب تحريم امتناعها من فراش زوجها» ح «١٤٣٦» ٢/١٠٦٠ واللفظ لمسلم في إحدى الروايات عنده.
٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهوخدره بن عوف الأنصاري، صحابي مشهور، مات سنة ٧٤.
انظر: الاستيعاب ١/٣١٤.
٣ في [ل]: [رسول الله] .
في السماء صباحًا ومساءًا " ١.
٧ - وروى معاوية بن الحكم السلمي٢ ﵁ أن النبي ﷺ قال لجاريته: " أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة " ٣. رواه
_________
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب المغازي، «باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن ...» ح «٤٣٥١» ٣/١٦٢. وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب «ذكر الخوارج وصفاتهم» ح «١٠٦٤» ٢/٧٤٢.
ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند ٣/ ٤.
وهو حديث طويل يتضمن قصة ذي الخويصرة التميمي مع رسول الله ﷺ وما أخبر به ﵇ من أمر الخوارج.
٢ معاوية بن الحكم السلمي، قال أبو عمر: كان يسكن بني سليم وينزل المدينة، وقال البخاري: له صحبة يعد في أهل الحجاز.
٣ جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد من صحيحه، باب «تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة» ح «٥٣٧» ١/٣٨١. وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب «تشميت العاطس في الصلاة» ح «٩٣٠» ١/٥٧٠، والنسائي في كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة ٣/١٣.
وابن أبي عاصم في كتاب السنة ح «٤٨٩» ١/٢١٥، ومالك في الموطأ، كتاب العتق والولاء، باب «ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة» ٢/٧٧٦.
مسلم [بن الحجاج] ١ وأبو داود، و[أبو عبد الرحمن] ٢ النسائي.
ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله [أين الله] ٣؟!.
_________
إلا أن مالك قال: عن عمر بن الحكم، وصوابه «معاوية»، وقد وهم فيه مالك كما قال الحافظ في التقريب ٢/٥٣، وانظر الإصابة ٦/١٤٩، ورواه ابن أبي زامنين المالكي في أصول السنة وتابع مالكًا في هذا الوهم، انظر ح «٤٧» ١/٣٥٣ بتحقيق محمد هارون.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٤٢٢، إلا أنه وهم فقال: إن مسلمًا أخرج الحديث دون قصة الجارية. وأحمد في المسند ٥/٤٧٧، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص١٥٠، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٢١.
١ لا يوجد في [ل] .
٢ لا يوجد في [ل] .
٣ جهم بن صفوان وأصحابه هم المانعون من السؤال عن الله بأين، ووافقهم على ذلك بعض من ينفي علو الله تعالى من الأشاعرة والمعتزلة.
يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب - وهو من مثبتي صفة العلو
........................................................
_________
والرادين على من أنكرها وتأولها من المبتدعة - يقول: ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا يجيز الأين ويقوله ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين، ويحرمون القول به. قال: ولو كان خطأ كان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي هذا فتوهمي أنه ﷿ محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان، لأنه هو الصواب دون ما قلت. كلا، فلقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الإيمان، بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له؟!
انظر مجموع الفتاوى ٥/٣١٩.
وكل صاحب فطرة مستقيمة لا يمكن أن يجيب على مثل هذا السؤال إلا بمثل ما أجابت به الجارية. ففي الخبر مسألتان كما يقول الإمام الذهبي:
أحداهما: شرعية قول المسلم: أين الله؟.
وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ.
انظر: العلو ص ٤٦.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله ﷿ في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أن رسول الله ﷺ جعل أمارة إيمانها معرفتها أن
........................................................
_________
الله في السماء وفي قول رسول الله ﷺ: (أين الله؟) تكذيب لقول من يقول هو في كل مكان لا يوصف بأين، لأن شيئًا لا يخلو منه مكان يستحيل أن يقال: أين الله؟، ولا يقال: أين إلا لمن هو في مكان يخلو منه مكان. ولو كان الأمر كما يدعي هؤلاء الزائفة لأنكر عليها رسول الله ﷺ قولها وعلّمها، ولكنها علمت به فصدقها رسول الله ﷺ، وشهد لها بالإيمان بذلك، ولو كان في الأرض كما هو في السماء لم يتم إيمانها حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء. فالله ﵎ فوق عرشه، فوق سمواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيئ.
الرد على الجهمية ص١٧-١٨.
ويقول أستاذنا الدكتور / محمد خليل هراس ﵀: " هذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحًا، وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل، فهذا رجل أخطأ في حق جاريته بضربها، فأراد أن يكفّر عن خطيئته بعتقها، فاستمهله الرسول ﷺ حتى يمتحن إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الإمتحان هو: أين الله؟ ولما أجابت بأنه في السماء رضي جوابها وشهد لها بالإيمان، ولو أنك قلت لمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفران ".
انظر هامش كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢١.
وقد أعلّ بعض المبتدعة هذا الحديث بالإضطراب، كما فعل محمد زاهد الكوثري حين علق عليه في هامش كتاب الأسماء والصفات للبيهقي. إلا أن قدحه هذا غير وارد لأنه تعسف واضح وتجن بيّن، وقد فنده ورد عليه الشيخ
٨ - وروى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب بنت جحش [تفخر] ١ على أزواج النبي ﷺ تقول: " زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات "٢ رواه البخاري.
٩ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ ذكر المؤمن عند موته، وأنه يعرج بروحه حتى ينتهي إلى السماء
_________
الألباني في اختصاره لكتاب العلو للذهبي ص١٨. الكوثري صاحب مواقف مغرضة وظالمة من أئمة السلف وعقيدتهم الناصعة الصافية التي لم تشبها شوائب البدع لرجوعهم فيما يعتقدون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، لا إلى المنطق العقيم والفلسفة السقيمة وتصورات العقول المريضة.
راجع الدراسة التي قدمت بها بالإشتراك - لكتاب الصواعق المنزلة لابن القيم.
١ في [ل]: [تفتخر] .
٢ صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٠»، و«٧٤٢٠» ٤/٣٨٨. والترمذي، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الأحزاب» ح «٣٢١٣» ٥/٣٥٤-٣٥٥. وأبو نعيم في الحلية ٢/٥٢، وابن سعد في الطبقات ٨/١٠٣،١٠٦، والذهبي في العلو ص٢٠.
التي فيها الله ﷿ " ١ رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما.
١٠ - وروى أبو الدرداء٢ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والارض، كما رحمتك في السماء، إغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، انزل رحمة وشفاءًا من شفائك على هذا الوجع فيبرأ " ٣ رواه أبو القاسم
_________
١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/٣٦٤، وابن ماجه في الزهد من سننه باب «ذكر الموت والاستعداد له» ح «٤٢٦٢» ٢/١٤٢٣، والذهبي في العلو ص٢٢، والحاكم في المستدرك ١/٣٥٣. وقد أورده الألباني في صحيح ابن ماجه وحكم بصحته ٢٠/٤٢٠، وكذا في مختصر العلو للذهبي ص٨٥.
٢ هو الصحابي الجليل عويمر بن زيد، ويقال: ابن عبد الله، ويقال ابن عامر، الأنصاري الخزرجي، أسلم بعد غزوة بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق وبها توفي سنة ٣٢هـ، وقيل٣٣هـ.
انظر الإستغناء لابن عبد البر ١/١٦٩، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٣٥.
٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للطبري اللالكائي «٦٤٨» ٢/٣٨٩، وسنن أبي داود كتاب الطب، باب كيف الرقي، ح «٣٨٩٢» ٤/٢١٨. ومسند أحمد
[الطبري] ١ سننه.
وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب.
ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله.
١١ - وقال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان٢.
_________
٦/٢١، والرد على الجهمية للدارمي ص١٨، والأسماء والصفات للبيهقي ص٥٣٣، والعلو للعلي الغفار للذهبي ص٢٨. والحديث ضعيف الإسناد جدًا، لأن فيه زياد بن محمد الأنصاري قال عنه الذهبي: لين الحديث. وقال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك.
انظر التهذيب لابن حجر ٣/٣٩٢.١ في [ل]: [الطبراني] .
٢ رواه الآجري في كتاب الشريعة ص٢٨٩، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «١١» ١/١٠٧، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٧٦» ص١٨٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٧٣» ٢/٤٠١.
١٢ - وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع [عليها] ١ قلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم٢.
١٣ - وقال عبد الله بن المبارك٣: نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض٤.
_________
١ في [ل]: [عليه] .
٢ رواه ابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٩٣» ص١٨١ عن طريق أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف الهكاري الذي قال فيه ابن عساكر: لم يكن موثقًا. وقال ابن النجار: متهم بوضع الأحاديث وتركيب الأسانيد.
انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣/١١٢، والكشف الحثيث لبرهان الدين الحلبي ص٢٩٣.
٣ هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، مولى بني حنظلة، الحافظ شيخ الإسلام، ولد سنة ١١٨ وتوفي سنة١٨١، وقيل ١٨٢هـ.
انظر حلية الأولياء ٢/٢٣٧، وتاريخ بغداد ١٠/١٥٢، وشذرات الذهب ٢/٢٣٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٨/٢٣٦.
٤ رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «٢٢» و«٥٩٨» ١/١١١، ٣٠٧.
والبخاري في خلق أفعال العباد ص٨، والدارمي في الرد على الجهمية ص٩،
...
٥ - وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده مامن رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى " ١.
٦ - وروى أبو سعيد الخدري٢ ﵁ أن [النبي] ٣ ﷺ قال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من
_________
وهم بهذا ينزعون ثقتهم بإمام جليل لا يحيدون عن مذهبه في الفروع قيد أنملة، ويضربون بمذهبه في الأصول - الملتزم بالوحي - عرض الحائط. وهذا شأن بعض أتباع مذاهب الأئمة الآخرين أبي حنيفة والشافعي وأحمد، حيث ذهبوا مذاهب في الاعتقاد فارقوا بها ما عليه أئمتهم الذين اعتصموا بالتنزيل ولم يفارقوه.
أما أولئك الأتباع المفارقون فقد ارتضوا لأنفسهم مذاهب الكلام والسفسطة التي أودت بهم إلى الزيغ والضلال. نسأل الله الهداية والثبات على الحق.
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها» «٥١٩٣-٥١٩٤» ٣/٣٨٧.
وصحيح مسلم، كتاب النكاح «باب تحريم امتناعها من فراش زوجها» ح «١٤٣٦» ٢/١٠٦٠ واللفظ لمسلم في إحدى الروايات عنده.
٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهوخدره بن عوف الأنصاري، صحابي مشهور، مات سنة ٧٤.
انظر: الاستيعاب ١/٣١٤.
٣ في [ل]: [رسول الله] .
في السماء صباحًا ومساءًا " ١.
٧ - وروى معاوية بن الحكم السلمي٢ ﵁ أن النبي ﷺ قال لجاريته: " أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة " ٣. رواه
_________
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب المغازي، «باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن ...» ح «٤٣٥١» ٣/١٦٢. وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب «ذكر الخوارج وصفاتهم» ح «١٠٦٤» ٢/٧٤٢.
ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند ٣/ ٤.
وهو حديث طويل يتضمن قصة ذي الخويصرة التميمي مع رسول الله ﷺ وما أخبر به ﵇ من أمر الخوارج.
٢ معاوية بن الحكم السلمي، قال أبو عمر: كان يسكن بني سليم وينزل المدينة، وقال البخاري: له صحبة يعد في أهل الحجاز.
٣ جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد من صحيحه، باب «تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة» ح «٥٣٧» ١/٣٨١. وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب «تشميت العاطس في الصلاة» ح «٩٣٠» ١/٥٧٠، والنسائي في كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة ٣/١٣.
وابن أبي عاصم في كتاب السنة ح «٤٨٩» ١/٢١٥، ومالك في الموطأ، كتاب العتق والولاء، باب «ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة» ٢/٧٧٦.
مسلم [بن الحجاج] ١ وأبو داود، و[أبو عبد الرحمن] ٢ النسائي.
ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله [أين الله] ٣؟!.
_________
إلا أن مالك قال: عن عمر بن الحكم، وصوابه «معاوية»، وقد وهم فيه مالك كما قال الحافظ في التقريب ٢/٥٣، وانظر الإصابة ٦/١٤٩، ورواه ابن أبي زامنين المالكي في أصول السنة وتابع مالكًا في هذا الوهم، انظر ح «٤٧» ١/٣٥٣ بتحقيق محمد هارون.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٤٢٢، إلا أنه وهم فقال: إن مسلمًا أخرج الحديث دون قصة الجارية. وأحمد في المسند ٥/٤٧٧، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص١٥٠، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٢١.
١ لا يوجد في [ل] .
٢ لا يوجد في [ل] .
٣ جهم بن صفوان وأصحابه هم المانعون من السؤال عن الله بأين، ووافقهم على ذلك بعض من ينفي علو الله تعالى من الأشاعرة والمعتزلة.
يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب - وهو من مثبتي صفة العلو
........................................................
_________
والرادين على من أنكرها وتأولها من المبتدعة - يقول: ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا يجيز الأين ويقوله ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين، ويحرمون القول به. قال: ولو كان خطأ كان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي هذا فتوهمي أنه ﷿ محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان، لأنه هو الصواب دون ما قلت. كلا، فلقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الإيمان، بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له؟!
انظر مجموع الفتاوى ٥/٣١٩.
وكل صاحب فطرة مستقيمة لا يمكن أن يجيب على مثل هذا السؤال إلا بمثل ما أجابت به الجارية. ففي الخبر مسألتان كما يقول الإمام الذهبي:
أحداهما: شرعية قول المسلم: أين الله؟.
وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ.
انظر: العلو ص ٤٦.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله ﷿ في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أن رسول الله ﷺ جعل أمارة إيمانها معرفتها أن
........................................................
_________
الله في السماء وفي قول رسول الله ﷺ: (أين الله؟) تكذيب لقول من يقول هو في كل مكان لا يوصف بأين، لأن شيئًا لا يخلو منه مكان يستحيل أن يقال: أين الله؟، ولا يقال: أين إلا لمن هو في مكان يخلو منه مكان. ولو كان الأمر كما يدعي هؤلاء الزائفة لأنكر عليها رسول الله ﷺ قولها وعلّمها، ولكنها علمت به فصدقها رسول الله ﷺ، وشهد لها بالإيمان بذلك، ولو كان في الأرض كما هو في السماء لم يتم إيمانها حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء. فالله ﵎ فوق عرشه، فوق سمواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد، لا يبعد عنه شيئ.
الرد على الجهمية ص١٧-١٨.
ويقول أستاذنا الدكتور / محمد خليل هراس ﵀: " هذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحًا، وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل، فهذا رجل أخطأ في حق جاريته بضربها، فأراد أن يكفّر عن خطيئته بعتقها، فاستمهله الرسول ﷺ حتى يمتحن إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الإمتحان هو: أين الله؟ ولما أجابت بأنه في السماء رضي جوابها وشهد لها بالإيمان، ولو أنك قلت لمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفران ".
انظر هامش كتاب التوحيد لابن خزيمة ص١٢١.
وقد أعلّ بعض المبتدعة هذا الحديث بالإضطراب، كما فعل محمد زاهد الكوثري حين علق عليه في هامش كتاب الأسماء والصفات للبيهقي. إلا أن قدحه هذا غير وارد لأنه تعسف واضح وتجن بيّن، وقد فنده ورد عليه الشيخ
٨ - وروى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب بنت جحش [تفخر] ١ على أزواج النبي ﷺ تقول: " زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات "٢ رواه البخاري.
٩ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ ذكر المؤمن عند موته، وأنه يعرج بروحه حتى ينتهي إلى السماء
_________
الألباني في اختصاره لكتاب العلو للذهبي ص١٨. الكوثري صاحب مواقف مغرضة وظالمة من أئمة السلف وعقيدتهم الناصعة الصافية التي لم تشبها شوائب البدع لرجوعهم فيما يعتقدون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، لا إلى المنطق العقيم والفلسفة السقيمة وتصورات العقول المريضة.
راجع الدراسة التي قدمت بها بالإشتراك - لكتاب الصواعق المنزلة لابن القيم.
١ في [ل]: [تفتخر] .
٢ صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٠»، و«٧٤٢٠» ٤/٣٨٨. والترمذي، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الأحزاب» ح «٣٢١٣» ٥/٣٥٤-٣٥٥. وأبو نعيم في الحلية ٢/٥٢، وابن سعد في الطبقات ٨/١٠٣،١٠٦، والذهبي في العلو ص٢٠.
التي فيها الله ﷿ " ١ رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما.
١٠ - وروى أبو الدرداء٢ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والارض، كما رحمتك في السماء، إغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، انزل رحمة وشفاءًا من شفائك على هذا الوجع فيبرأ " ٣ رواه أبو القاسم
_________
١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/٣٦٤، وابن ماجه في الزهد من سننه باب «ذكر الموت والاستعداد له» ح «٤٢٦٢» ٢/١٤٢٣، والذهبي في العلو ص٢٢، والحاكم في المستدرك ١/٣٥٣. وقد أورده الألباني في صحيح ابن ماجه وحكم بصحته ٢٠/٤٢٠، وكذا في مختصر العلو للذهبي ص٨٥.
٢ هو الصحابي الجليل عويمر بن زيد، ويقال: ابن عبد الله، ويقال ابن عامر، الأنصاري الخزرجي، أسلم بعد غزوة بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق وبها توفي سنة ٣٢هـ، وقيل٣٣هـ.
انظر الإستغناء لابن عبد البر ١/١٦٩، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٣٥.
٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للطبري اللالكائي «٦٤٨» ٢/٣٨٩، وسنن أبي داود كتاب الطب، باب كيف الرقي، ح «٣٨٩٢» ٤/٢١٨. ومسند أحمد
[الطبري] ١ سننه.
وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب.
ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله.
١١ - وقال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان٢.
_________
٦/٢١، والرد على الجهمية للدارمي ص١٨، والأسماء والصفات للبيهقي ص٥٣٣، والعلو للعلي الغفار للذهبي ص٢٨. والحديث ضعيف الإسناد جدًا، لأن فيه زياد بن محمد الأنصاري قال عنه الذهبي: لين الحديث. وقال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك.
انظر التهذيب لابن حجر ٣/٣٩٢.١ في [ل]: [الطبراني] .
٢ رواه الآجري في كتاب الشريعة ص٢٨٩، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «١١» ١/١٠٧، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٧٦» ص١٨٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٦٧٣» ٢/٤٠١.
١٢ - وقال الشافعي: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع [عليها] ١ قلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم٢.
١٣ - وقال عبد الله بن المبارك٣: نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض٤.
_________
١ في [ل]: [عليه] .
٢ رواه ابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٩٣» ص١٨١ عن طريق أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف الهكاري الذي قال فيه ابن عساكر: لم يكن موثقًا. وقال ابن النجار: متهم بوضع الأحاديث وتركيب الأسانيد.
انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣/١١٢، والكشف الحثيث لبرهان الدين الحلبي ص٢٩٣.
٣ هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، مولى بني حنظلة، الحافظ شيخ الإسلام، ولد سنة ١١٨ وتوفي سنة١٨١، وقيل ١٨٢هـ.
انظر حلية الأولياء ٢/٢٣٧، وتاريخ بغداد ١٠/١٥٢، وشذرات الذهب ٢/٢٣٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٨/٢٣٦.
٤ رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «٢٢» و«٥٩٨» ١/١١١، ٣٠٧.
والبخاري في خلق أفعال العباد ص٨، والدارمي في الرد على الجهمية ص٩،
Translation
صفة العلو
#5
Chapter 5 — صفة الوجه
· ref. #5
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة الوجه
...
ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه.
قال الله عز وجل١: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣.
١٤ - وروى أبو موسى٤ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " جنات الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم
_________
والرد على بشر المريسي ص١٠٣، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٥٣٨، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٣ و٨٤» ص١٩٢، ١٩٣.
وأورده الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٧٦ وصححه.
١ في [ل] قدم ذكر الآية الثانية هنا على الأولى.
٢ سورة القصص/ ٨٨.
٣ سورة الرحمن/ ٢٧.
٤ هو عبد الله بن قيس بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مشهور باسمه وكنيته معًا، أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين. مات سنة «٥٠» وقيل بعدها.
الإصابة ٤/٢١١، وتقريب التهذيب ١/٤٤١.
ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه.
قال الله عز وجل١: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣.
١٤ - وروى أبو موسى٤ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " جنات الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم
_________
والرد على بشر المريسي ص١٠٣، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٥٣٨، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٣ و٨٤» ص١٩٢، ١٩٣.
وأورده الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٧٦ وصححه.
١ في [ل] قدم ذكر الآية الثانية هنا على الأولى.
٢ سورة القصص/ ٨٨.
٣ سورة الرحمن/ ٢٧.
٤ هو عبد الله بن قيس بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مشهور باسمه وكنيته معًا، أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين. مات سنة «٥٠» وقيل بعدها.
الإصابة ٤/٢١١، وتقريب التهذيب ١/٤٤١.
وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ١.
١٥ - وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيئ
_________
١ البخاري مع الشرح، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٤٤» ٤/٣٩٣. ومسلم في كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، ح «٢٩٦» ١/١٦٣. والترمذي في سننه، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة ح «٢٥٢٨» ٤/٦٧٣. وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية ح «١٨٦» ١/٦٦، وابن منده في الرد على الجهمية ح «٨٢» ص٩٤. والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣٨٤.
وهذا الحديث يدل أيضًا على إثبات صفة الكبرياء لله جل وعلا، وفي بيان هذه الدلالة يقول الإمام البيهقي ﵀: رداء الكبرياء، يريد به صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه وهم في جنة عدن.
الأسماء والصفات ص٣٨٤.
أدركه بصره. ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ١ رواه مسلم٢.
فهذه صفة [ثابتة] ٣ بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات٤.
_________
١ سورة النمل/ ٨.
٢ مسلم، كتاب الإيمان باب قوله ﵇: " إن الله لا ينام ..." ح «٢٩٣» ١/١٦١، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٩٥» ١/٧٠، ومسند أحمد ٤/٤٠١، ٤٠٥، والأسماء والصفات للبيهقي ص٣٩٢.
٣ في [ل]: [ثانية] .
٤ صفة الوجه من صفات الذات الثابتة لله تعالى بنصوص الكتاب والسنة، ودلالتها عليها في غاية الصراحة والوضوح، ولذلك لم يجد بعض المؤولة سبيلًا إلى تأويلها.
فالأشاعرة مثلًا - وهم من رواد منهج التأويل - نرى بعضهم يصرح بأنه لا سبيل إلى تأويل هذه الصفة، كما يقول أبوبكر بن فورك مؤلف كتاب مشكل الحديث الذي تصدى فيه لأحاديث الصفات بالتأويل على مقتضى العقل، يقول عن صفة الوجه: وذلك من الصفات التي لاسبيل إلى إثباتها إلا من جهة النقل، ... وذهب أصحابنا إلى أن الله ﷿ ذو وجه، وأن الوجه صفة من
........................................................
_________
الصفات القائمة به، ... والمقصود بالوجه: إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد.
مشكل الحديث ص١٣١-١٣٢.
وممن قال بإثبات هذه الصفة من الأشاعرة الإمام البيهقي ﵀ مستدلًا بما استدل به السلف من نصوص الكتاب والسنة.
انظر الأسماء والصفات ص٣٠١.
ويذهب جماعة آخرون من أئمة الأشاعرة إلى صرف هذه النصوص عن دلالتها بتأويلها عن ظاهر معناها، كما فعل البغدادي والآمدي اللذين أولا الوجه بالذات.
انظر أصول الدين للبغدادي ص١١٠، وغاية المرام في علم الكلام للآمدي ص١٤٠، وهذا بعينه تأويل المعتزلة من قبل. انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٢٤٥-٢٤٨.
ولا يخفى أن منهج التأويل منهج ضال لجنايته على العقيدة الإسلامية الصحيحة التي نهجها السلف متبعين لا مبتدعين، بل أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تفويض ولا تشبيه، بل إثبات مع التنزيه وفق ما رسمه الله من منهج لذلك حيث قال جل شأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فإثبات الوجه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تشبه ما يتصف به المخلوق هو مذهب السلف الصالح الذي يصوره الإمام ابن خزيمة ﵀ بقوله: " نحن نقول،
...
ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه.
قال الله عز وجل١: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣.
١٤ - وروى أبو موسى٤ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " جنات الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم
_________
والرد على بشر المريسي ص١٠٣، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٥٣٨، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٣ و٨٤» ص١٩٢، ١٩٣.
وأورده الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٧٦ وصححه.
١ في [ل] قدم ذكر الآية الثانية هنا على الأولى.
٢ سورة القصص/ ٨٨.
٣ سورة الرحمن/ ٢٧.
٤ هو عبد الله بن قيس بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مشهور باسمه وكنيته معًا، أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين. مات سنة «٥٠» وقيل بعدها.
الإصابة ٤/٢١١، وتقريب التهذيب ١/٤٤١.
ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه.
قال الله عز وجل١: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٣.
١٤ - وروى أبو موسى٤ ﵁ عن النبي ﷺ قال: " جنات الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم
_________
والرد على بشر المريسي ص١٠٣، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٥٣٨، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٣ و٨٤» ص١٩٢، ١٩٣.
وأورده الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٧٦ وصححه.
١ في [ل] قدم ذكر الآية الثانية هنا على الأولى.
٢ سورة القصص/ ٨٨.
٣ سورة الرحمن/ ٢٧.
٤ هو عبد الله بن قيس بن حَضَّار، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مشهور باسمه وكنيته معًا، أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين. مات سنة «٥٠» وقيل بعدها.
الإصابة ٤/٢١١، وتقريب التهذيب ١/٤٤١.
وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ١.
١٥ - وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيئ
_________
١ البخاري مع الشرح، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٤٤» ٤/٣٩٣. ومسلم في كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، ح «٢٩٦» ١/١٦٣. والترمذي في سننه، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة ح «٢٥٢٨» ٤/٦٧٣. وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية ح «١٨٦» ١/٦٦، وابن منده في الرد على الجهمية ح «٨٢» ص٩٤. والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣٨٤.
وهذا الحديث يدل أيضًا على إثبات صفة الكبرياء لله جل وعلا، وفي بيان هذه الدلالة يقول الإمام البيهقي ﵀: رداء الكبرياء، يريد به صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه وهم في جنة عدن.
الأسماء والصفات ص٣٨٤.
أدركه بصره. ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ١ رواه مسلم٢.
فهذه صفة [ثابتة] ٣ بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات٤.
_________
١ سورة النمل/ ٨.
٢ مسلم، كتاب الإيمان باب قوله ﵇: " إن الله لا ينام ..." ح «٢٩٣» ١/١٦١، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٩٥» ١/٧٠، ومسند أحمد ٤/٤٠١، ٤٠٥، والأسماء والصفات للبيهقي ص٣٩٢.
٣ في [ل]: [ثانية] .
٤ صفة الوجه من صفات الذات الثابتة لله تعالى بنصوص الكتاب والسنة، ودلالتها عليها في غاية الصراحة والوضوح، ولذلك لم يجد بعض المؤولة سبيلًا إلى تأويلها.
فالأشاعرة مثلًا - وهم من رواد منهج التأويل - نرى بعضهم يصرح بأنه لا سبيل إلى تأويل هذه الصفة، كما يقول أبوبكر بن فورك مؤلف كتاب مشكل الحديث الذي تصدى فيه لأحاديث الصفات بالتأويل على مقتضى العقل، يقول عن صفة الوجه: وذلك من الصفات التي لاسبيل إلى إثباتها إلا من جهة النقل، ... وذهب أصحابنا إلى أن الله ﷿ ذو وجه، وأن الوجه صفة من
........................................................
_________
الصفات القائمة به، ... والمقصود بالوجه: إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد.
مشكل الحديث ص١٣١-١٣٢.
وممن قال بإثبات هذه الصفة من الأشاعرة الإمام البيهقي ﵀ مستدلًا بما استدل به السلف من نصوص الكتاب والسنة.
انظر الأسماء والصفات ص٣٠١.
ويذهب جماعة آخرون من أئمة الأشاعرة إلى صرف هذه النصوص عن دلالتها بتأويلها عن ظاهر معناها، كما فعل البغدادي والآمدي اللذين أولا الوجه بالذات.
انظر أصول الدين للبغدادي ص١١٠، وغاية المرام في علم الكلام للآمدي ص١٤٠، وهذا بعينه تأويل المعتزلة من قبل. انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ١/٢٤٥-٢٤٨.
ولا يخفى أن منهج التأويل منهج ضال لجنايته على العقيدة الإسلامية الصحيحة التي نهجها السلف متبعين لا مبتدعين، بل أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تفويض ولا تشبيه، بل إثبات مع التنزيه وفق ما رسمه الله من منهج لذلك حيث قال جل شأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فإثبات الوجه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تشبه ما يتصف به المخلوق هو مذهب السلف الصالح الذي يصوره الإمام ابن خزيمة ﵀ بقوله: " نحن نقول،
Translation
صفة الوجه
#6
Chapter 6 — صفة النزول
· ref. #6
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول١.
_________
وعلماؤنا جميعًا في الأقطار: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيئ أدركه بصره، محجوب عنه أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال، فنفى عنه الهلاك والفناء ". كتاب التوحيد ص٢٢-٢٣
١يشير إلى دعوى الذين أولوا صفة النزول بنفي حقيقة هذه الصفة، مدعين أنهم إنما فعلوا ذلك لأن الإثبات الحقيقي يتنافى مع مقصد التنزيه، وأن التنزيه يقتضي نفي هذه الحقيقة.
وكذا القائلين بالتفويض لجزمهم بنفي حقيقة النزول مع تفويضهم المعنى.
وهذه العبارة مما أخذه المبتدعة على الإمام عبد الغني وشنعوا عليه بها، ورد عليهم الحافظ ابن رجب بقوله: إن صح هذا عنه فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك.
ذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣.
١٦ - فروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر " ١. وفي لفظ: " ينزل الله ﷿ " ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة ولا نزول الملك.
_________
١ رواه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، ح «٣٠» ١/٢١٤، وعنه رواه البخاري في كتاب التهجد من صحيحه باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح «١١٤٥» ١/٣٥٦، وكتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، ح «٦٣٢١» ٤/١٥٧. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ح «٧٤٩٤» ٤/٤٠٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ح «٧٥٨» ١/٥٢١. وأحمد في عدة مواضع من مسنده، انظر مثلًا٢/٢٦٤، ٢٦٧، وغيرها، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الرد على الجهمية ح «٤٧٣٣» ٥/١٠٠-١٠١. والترمذي في كتاب الدعوات. ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦. وابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل ح «١٣٦٦» ١/٤٣٥.
١٧ - لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح١ عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يضئ الفجر " ٢.
١٨ - وروى رفاعة بن عرابة الجهني٣ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، ينزل الله ﷿ إلى
_________
١ سهيل بن ابي صالح، ذكوان السّمان، أبو يزيد المدني، صدوق، تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور.
تقريب التهذيب ١/٣٣٨.
٢ هذه أحدى طرق الحديث السابق عند مسلم ١/٥٢٢. ورواه أيضًا الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب ﷿ إلى السماء الدنيا كل ليلة ح «٤٤٦» ٢/٣٠٧.
٣ هو رفاعة بن عَرابة، وقيل عَراده الجهني المدني: قال الترمذي: عَرادَة وهم، وقال ابن حبان: عرادة جده، فمن قال: ابن عرادة نسبة إلى جده.
وذكر ابن حجر صحابيًا آخر اسمه: رفاعة بن عرادة العذري.
الإصابة ٢/٤٩٣، وانظر التاريخ الكبير للبخاري ٣/٣٢١.
السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني أستجيب له، من ذا الذي يسألني أعطيه. حتى ينفجر الصبح " رواه الإمام أحمد١.
_________
١ انظر مسند أحمد ٤/١٦، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أقضل، ح «١٣٦٧» ١/٥٣٥، والرد على الجهمية للدارمي ضمن مجموعة عقائد السلف ص٣٧٨.
فهذه روايات ثلاث في وقت النزول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته هو: " إذا بقي ثلت الليل الآخر "، وأما رواية النصف والثلثين، فانفرد به مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " وقد روي عن النبي ﷺ من رواية جماعة كثيرة من الصحابة ... فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " فإن كان النبي ﷺ قد ذكر النزول أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول، وإذا انتصف الليل، فقوله حق، وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة ... شرح حديث النزول ص١٠٧-١٠٨.
فالأخبار المثبتة لصفة النزول متواترة كما ذكر المصنف، وكما أوردت في كلام الإمام ابن تيمية السابق، ويقول ابن عبد البر عن حديث النزول: إنه
........................................................
_________
حديث كثير الطرق متواتر من جهة النقل.
التمهيد ٧/١٢٨.
ولذلك اتفق السلف على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فنزوله سبحانه لا يشبه نزول المخلوق، فهو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه في سبعة مواضع من كتابه، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولا مناقاة بين نزوله سبحانه واستوائه على عرشه، لأنه سبحانه ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، لا نعلم كيفيته ولا ندرك كنهه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا ما يجب اعتقاده من حديث النزول: " اتفق سلف الأمة وأئمتها، وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول، ومن قال ما قاله الرسول ﷺ فقوله حق وصدق، وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني، كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، والنبي ﷺ قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليعًا عامًا، لم يخص به أحدًا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكان الصحابة والتابعون تذكره، وتأثره، وتبلغه، وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة، كصحيحي البخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وأمثال ذلك من كتب المسلمين، ولكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد
........................................................
_________
أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه ﷾ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات ...".
شرح حديث النزول ص٥.
وقال الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: " الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة. وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يَحْذَرونه ويُحَذّرن منه.
الشريعة ص٣٠٦.
ويقول إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن يصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين إليه حاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق السماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليها، إذ محال في لغة العرب أن يقول: ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى إلى
وهاذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل.
وروى حديث النزول علي بن أبي طالب١ وعبد الله
_________
أسفل.
التوحيد ١٢٥-١٢٦
هذا هو مذهب السلف في صفة النزول وهو شأن مذهبهم في بقية الصفات إثبات من غير تشبيه ولا تعطيل، والأمر كما قال المصنف هنا-أعني المقدسي- نحن مؤمنون بذلك مصدقوم من غير أن نصف له كيفية أو نشبهه بنزول المخلوقين.
أما المتكلمون فقد غلبت عليهم شقوتهم فنحوا بهذه الصفة فنحاهم ببقية الصفات واختاروا جانب التأويل حيث أولوا نزول الله تعالى بنزول أمره ورحمته، وهو ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن سار على طريقتهم، وقالت جماعة أخرى بالتفويض كما هو رأي بعض محدثي الأشاعرة كالبيهقي والخطابي.
انظر: الأسماء والصفات للبيهقيص٤٩٦، زمعالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود ٥/١٠١
١ انظر روايته عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٨» ٣/٤٣٧، وابن ماجه مقيدًا بليلة النصف من شعبان، ح «١٣٨٨» ١/٤٤٤.
ابن مسعود١ وجبير بن مطعم٢ وجابر بن عبد الله٣، وأبو سعيد الخدري٤، وعمرو بن عبسه٥،
_________
١ انظر روايته عند أحمد في المسند ١/٣٨٨، ٤٠٣، والشريعة للآجري ص٣١٢، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٧» ٣/٤٤٣.
٢ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبدمناف بن قُصي، شيخ قريش في زمانه من الطلقاء الذين حسن أسلامهم.
سير أعلام النبلاء ٣/٩٥.
انظر حديثه في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٩» ٣/٤٤٣، والسنة لابن أبي عاصم ح «٥٠٧» ١/٢٢٢، قال المحقق الشيخ الألباني: صحيح على شرط مسلم، ومسند أحمد ٤/٨١، وسنن الدارمي ١/٣٤٧، والتوحيد لابن خزيمة ١/٣١٥.
٣ انظر روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥١» ٣/٣٣٩، والتوحيد لابن خزيمة ١/٢٩٦.
٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٦» ٣/٤٣٦، والسنة لابن ابي عاصم ح «٥٠٠-٥٠١»، وسنن الترمذي ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦.
٥ هو عمرو بن عَبَسة بن خالد بن حذيفة، أبو نجيح السلمي البجلي، أحد السابقين، كان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. السير ٢/٤٥٦.
انظر حديثه في مسند أحمد ٤/٣٨٥، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٦١» ٣/٤٤٥
وأبو الدرداء١، وعثمان بن أبي العاص٢، ومعاذ بن جبل٣، وأم سلمة زوج٤ [رسول الله] ٥ ﷺ، وخلق سواهم.
ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية،
_________
١ انظر التوحيد لابن خزيمة ١/٣٢٣، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٦» ٣/٤٤٢.
٢ عثمان بن أبي العاص، أبو عبد الله الثقفي الطائفي، قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ سنة تسع فأسلم، توفي ﵁ سنة ٥١هـ.
انظر التاريخ الكبير ٦/٢١٢، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٧٤، وانظر روايته عند أحمد في المسند ٤/٢٢، ٢١٧، وابن خزيمة في التوحيد ص١٣٥.
٣ انظر روايته عند ابن أبي عاصم في السنة ح «٥١٢» ١/٢٢٤.
٤ انظر شرح أصول اعتقاد اهل السنة ح «٧٦٧-٧٦٨» ٣/٤٥٠.
وهذه الروايات وإن كان في أسانيد بعضها ضعف إلا أن منها ما اتفق عليه الشيخان، ومنها مالم يتفقا عليه أو لم يخرجاه أصلًا ولكن حكم أئمة الحديث بصحته. وقد ذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٤٣٤ أن حديث النزول رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا ... فهي لكثرتها التي بلغت حد التواتر - كما تقدم - تجعل المسألة من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، لا يسع أحدًا المكابرة فيها، إلا من غلب عليه الهوى وتردى في هوة الضلال والعياذ بالله.
٥ في [ل]: [النبي] .
أو نشبهه بنزول [المخلوقين] ١.
١٩ - وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني عن النزول - فقال: ينزل بلا كيف٢.
٢٠ - وقال محمد بن الحسن الشيباني٣ - صاحبه ـ: " الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث٤ أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها "٥.
_________
١ في [ل]: [المخلوقون] .
٢ انظر الأسماء والصفات للبيهقي ص٥٧٢.
٣ هو محمد بن الحسن بن فَرقد، فقيه العراق، أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم على القاضي أبي يوسف. كان الشافعي يقول عنه: كتبت عنه وِقْر بخْتي، وما ناظرت سمينًا أذكى منه. توفي بالري سنة «١٨٩» .
انظر: سير أعلام النبلاء ٩/١٣٤، وشذرات الذهب ١/٣٢٥.
٤ من بداية كلام الحسن إلى هنا مكرر في [ل] .
٥ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٤١» ٣/٤٣٣. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٢» ص١٧٠، والذهبي في العلو ص١١٣.
٢١ - وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل١ قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًا يقص بحديث النزول فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، فارتعد أبي ﵀ واصفر لونه، [ولزم] ٢ يدي، وأمسكته حتى سكن ثم قال: قف بنا على هذا [المتخوض] ٣، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه ﷿ منك، قل كما قال رسول الله ﷺ. وانصرف٤.
_________
١ هو عبد الله بن أحمد بن محمد حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن ولد الإمام، من الثانية عشرة، قال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتًا فهمًا. وقال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد. مات سنة «٢٩٠هـ» .
انظر تقريب التهذيب ٢/٤٠١، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٦٥.
٢ في [ل]: [وأمسك] .
٣ في [ل]: [المتخرص] .
٤ لم أجد ذكرًا لهذه القصة فيما اطلعت عليه من مظانها.
٢٢ - قال حنبل١: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمضي الحديث على ما روى بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب٢.
٢٣ - وقال [الإمام] ٣ إسحاق بن راهويه٤: قال لي الأمير عبد الله
_________
١ حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو علي الشيباني، الحافظ الثقة، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. توفي سنة «٢٧٣» .
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/٦٠٠.
٢ روى هذه القصة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٧» ٣/٤٥٣.
٣ من [ل] .
٤ الإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحفاظ، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو يعقوب الحنظلي، ولد سنة ١٦٣، وتوفي سنة «٢٣٨» وقيل غير ذلك.
انظر السير ١١/٣٥٨، وطبقات الحنابلة ١/١٠٩، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٣٧٩.
_________
وعلماؤنا جميعًا في الأقطار: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيئ أدركه بصره، محجوب عنه أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال، فنفى عنه الهلاك والفناء ". كتاب التوحيد ص٢٢-٢٣
١يشير إلى دعوى الذين أولوا صفة النزول بنفي حقيقة هذه الصفة، مدعين أنهم إنما فعلوا ذلك لأن الإثبات الحقيقي يتنافى مع مقصد التنزيه، وأن التنزيه يقتضي نفي هذه الحقيقة.
وكذا القائلين بالتفويض لجزمهم بنفي حقيقة النزول مع تفويضهم المعنى.
وهذه العبارة مما أخذه المبتدعة على الإمام عبد الغني وشنعوا عليه بها، ورد عليهم الحافظ ابن رجب بقوله: إن صح هذا عنه فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك.
ذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣.
١٦ - فروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر " ١. وفي لفظ: " ينزل الله ﷿ " ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة ولا نزول الملك.
_________
١ رواه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، ح «٣٠» ١/٢١٤، وعنه رواه البخاري في كتاب التهجد من صحيحه باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ح «١١٤٥» ١/٣٥٦، وكتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، ح «٦٣٢١» ٤/١٥٧. وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ح «٧٤٩٤» ٤/٤٠٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ح «٧٥٨» ١/٥٢١. وأحمد في عدة مواضع من مسنده، انظر مثلًا٢/٢٦٤، ٢٦٧، وغيرها، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الرد على الجهمية ح «٤٧٣٣» ٥/١٠٠-١٠١. والترمذي في كتاب الدعوات. ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦. وابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل ح «١٣٦٦» ١/٤٣٥.
١٧ - لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح١ عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يضئ الفجر " ٢.
١٨ - وروى رفاعة بن عرابة الجهني٣ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، ينزل الله ﷿ إلى
_________
١ سهيل بن ابي صالح، ذكوان السّمان، أبو يزيد المدني، صدوق، تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور.
تقريب التهذيب ١/٣٣٨.
٢ هذه أحدى طرق الحديث السابق عند مسلم ١/٥٢٢. ورواه أيضًا الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب ﷿ إلى السماء الدنيا كل ليلة ح «٤٤٦» ٢/٣٠٧.
٣ هو رفاعة بن عَرابة، وقيل عَراده الجهني المدني: قال الترمذي: عَرادَة وهم، وقال ابن حبان: عرادة جده، فمن قال: ابن عرادة نسبة إلى جده.
وذكر ابن حجر صحابيًا آخر اسمه: رفاعة بن عرادة العذري.
الإصابة ٢/٤٩٣، وانظر التاريخ الكبير للبخاري ٣/٣٢١.
السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني أستجيب له، من ذا الذي يسألني أعطيه. حتى ينفجر الصبح " رواه الإمام أحمد١.
_________
١ انظر مسند أحمد ٤/١٦، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في أي ساعات الليل أقضل، ح «١٣٦٧» ١/٥٣٥، والرد على الجهمية للدارمي ضمن مجموعة عقائد السلف ص٣٧٨.
فهذه روايات ثلاث في وقت النزول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته هو: " إذا بقي ثلت الليل الآخر "، وأما رواية النصف والثلثين، فانفرد به مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " وقد روي عن النبي ﷺ من رواية جماعة كثيرة من الصحابة ... فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه: " إذا بقي ثلث الليل الآخر " فإن كان النبي ﷺ قد ذكر النزول أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول، وإذا انتصف الليل، فقوله حق، وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة ... شرح حديث النزول ص١٠٧-١٠٨.
فالأخبار المثبتة لصفة النزول متواترة كما ذكر المصنف، وكما أوردت في كلام الإمام ابن تيمية السابق، ويقول ابن عبد البر عن حديث النزول: إنه
........................................................
_________
حديث كثير الطرق متواتر من جهة النقل.
التمهيد ٧/١٢٨.
ولذلك اتفق السلف على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فنزوله سبحانه لا يشبه نزول المخلوق، فهو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه في سبعة مواضع من كتابه، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولا مناقاة بين نزوله سبحانه واستوائه على عرشه، لأنه سبحانه ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، لا نعلم كيفيته ولا ندرك كنهه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينًا ما يجب اعتقاده من حديث النزول: " اتفق سلف الأمة وأئمتها، وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول، ومن قال ما قاله الرسول ﷺ فقوله حق وصدق، وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني، كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، والنبي ﷺ قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليعًا عامًا، لم يخص به أحدًا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكان الصحابة والتابعون تذكره، وتأثره، وتبلغه، وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة، كصحيحي البخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وأمثال ذلك من كتب المسلمين، ولكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد
........................................................
_________
أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه ﷾ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات ...".
شرح حديث النزول ص٥.
وقال الإمام محمد بن الحسين الآجري ﵀: " الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة. وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يَحْذَرونه ويُحَذّرن منه.
الشريعة ص٣٠٦.
ويقول إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن يصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين إليه حاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق السماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليها، إذ محال في لغة العرب أن يقول: ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى إلى
وهاذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل.
وروى حديث النزول علي بن أبي طالب١ وعبد الله
_________
أسفل.
التوحيد ١٢٥-١٢٦
هذا هو مذهب السلف في صفة النزول وهو شأن مذهبهم في بقية الصفات إثبات من غير تشبيه ولا تعطيل، والأمر كما قال المصنف هنا-أعني المقدسي- نحن مؤمنون بذلك مصدقوم من غير أن نصف له كيفية أو نشبهه بنزول المخلوقين.
أما المتكلمون فقد غلبت عليهم شقوتهم فنحوا بهذه الصفة فنحاهم ببقية الصفات واختاروا جانب التأويل حيث أولوا نزول الله تعالى بنزول أمره ورحمته، وهو ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة ومن سار على طريقتهم، وقالت جماعة أخرى بالتفويض كما هو رأي بعض محدثي الأشاعرة كالبيهقي والخطابي.
انظر: الأسماء والصفات للبيهقيص٤٩٦، زمعالم السنن للخطابي بهامش سنن أبي داود ٥/١٠١
١ انظر روايته عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٨» ٣/٤٣٧، وابن ماجه مقيدًا بليلة النصف من شعبان، ح «١٣٨٨» ١/٤٤٤.
ابن مسعود١ وجبير بن مطعم٢ وجابر بن عبد الله٣، وأبو سعيد الخدري٤، وعمرو بن عبسه٥،
_________
١ انظر روايته عند أحمد في المسند ١/٣٨٨، ٤٠٣، والشريعة للآجري ص٣١٢، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٧» ٣/٤٤٣.
٢ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبدمناف بن قُصي، شيخ قريش في زمانه من الطلقاء الذين حسن أسلامهم.
سير أعلام النبلاء ٣/٩٥.
انظر حديثه في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٩» ٣/٤٤٣، والسنة لابن أبي عاصم ح «٥٠٧» ١/٢٢٢، قال المحقق الشيخ الألباني: صحيح على شرط مسلم، ومسند أحمد ٤/٨١، وسنن الدارمي ١/٣٤٧، والتوحيد لابن خزيمة ١/٣١٥.
٣ انظر روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥١» ٣/٣٣٩، والتوحيد لابن خزيمة ١/٢٩٦.
٤ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٤٦» ٣/٤٣٦، والسنة لابن ابي عاصم ح «٥٠٠-٥٠١»، وسنن الترمذي ح «٣٤٩٨» ٥/٥٢٦.
٥ هو عمرو بن عَبَسة بن خالد بن حذيفة، أبو نجيح السلمي البجلي، أحد السابقين، كان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. السير ٢/٤٥٦.
انظر حديثه في مسند أحمد ٤/٣٨٥، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٦١» ٣/٤٤٥
وأبو الدرداء١، وعثمان بن أبي العاص٢، ومعاذ بن جبل٣، وأم سلمة زوج٤ [رسول الله] ٥ ﷺ، وخلق سواهم.
ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية،
_________
١ انظر التوحيد لابن خزيمة ١/٣٢٣، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ح «٧٥٦» ٣/٤٤٢.
٢ عثمان بن أبي العاص، أبو عبد الله الثقفي الطائفي، قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ سنة تسع فأسلم، توفي ﵁ سنة ٥١هـ.
انظر التاريخ الكبير ٦/٢١٢، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٧٤، وانظر روايته عند أحمد في المسند ٤/٢٢، ٢١٧، وابن خزيمة في التوحيد ص١٣٥.
٣ انظر روايته عند ابن أبي عاصم في السنة ح «٥١٢» ١/٢٢٤.
٤ انظر شرح أصول اعتقاد اهل السنة ح «٧٦٧-٧٦٨» ٣/٤٥٠.
وهذه الروايات وإن كان في أسانيد بعضها ضعف إلا أن منها ما اتفق عليه الشيخان، ومنها مالم يتفقا عليه أو لم يخرجاه أصلًا ولكن حكم أئمة الحديث بصحته. وقد ذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٤٣٤ أن حديث النزول رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا ... فهي لكثرتها التي بلغت حد التواتر - كما تقدم - تجعل المسألة من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، لا يسع أحدًا المكابرة فيها، إلا من غلب عليه الهوى وتردى في هوة الضلال والعياذ بالله.
٥ في [ل]: [النبي] .
أو نشبهه بنزول [المخلوقين] ١.
١٩ - وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني عن النزول - فقال: ينزل بلا كيف٢.
٢٠ - وقال محمد بن الحسن الشيباني٣ - صاحبه ـ: " الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث٤ أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها، ونؤمن بها، ولا نفسرها "٥.
_________
١ في [ل]: [المخلوقون] .
٢ انظر الأسماء والصفات للبيهقي ص٥٧٢.
٣ هو محمد بن الحسن بن فَرقد، فقيه العراق، أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم على القاضي أبي يوسف. كان الشافعي يقول عنه: كتبت عنه وِقْر بخْتي، وما ناظرت سمينًا أذكى منه. توفي بالري سنة «١٨٩» .
انظر: سير أعلام النبلاء ٩/١٣٤، وشذرات الذهب ١/٣٢٥.
٤ من بداية كلام الحسن إلى هنا مكرر في [ل] .
٥ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٤١» ٣/٤٣٣. وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٨٢» ص١٧٠، والذهبي في العلو ص١١٣.
٢١ - وروينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل١ قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًا يقص بحديث النزول فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، فارتعد أبي ﵀ واصفر لونه، [ولزم] ٢ يدي، وأمسكته حتى سكن ثم قال: قف بنا على هذا [المتخوض] ٣، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه ﷿ منك، قل كما قال رسول الله ﷺ. وانصرف٤.
_________
١ هو عبد الله بن أحمد بن محمد حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن ولد الإمام، من الثانية عشرة، قال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتًا فهمًا. وقال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد. مات سنة «٢٩٠هـ» .
انظر تقريب التهذيب ٢/٤٠١، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٦٥.
٢ في [ل]: [وأمسك] .
٣ في [ل]: [المتخرص] .
٤ لم أجد ذكرًا لهذه القصة فيما اطلعت عليه من مظانها.
٢٢ - قال حنبل١: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمضي الحديث على ما روى بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب٢.
٢٣ - وقال [الإمام] ٣ إسحاق بن راهويه٤: قال لي الأمير عبد الله
_________
١ حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو علي الشيباني، الحافظ الثقة، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. توفي سنة «٢٧٣» .
انظر: تذكرة الحفاظ ٢/٦٠٠.
٢ روى هذه القصة اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٧» ٣/٤٥٣.
٣ من [ل] .
٤ الإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحفاظ، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو يعقوب الحنظلي، ولد سنة ١٦٣، وتوفي سنة «٢٣٨» وقيل غير ذلك.
انظر السير ١١/٣٥٨، وطبقات الحنابلة ١/١٠٩، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٣٧٩.
Translation
صفة النزول
#7
Chapter 7 — صفة اليدين
· ref. #7
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
ابن طاهر١: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٢: ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا. كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب ﷿ كيف، إنما ينزل بلا كيف٣، ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع٤.
ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
_________
١ عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء، أبو العباس، أمير خراسان، من أشهر الولاة في العصر العباسي، للمؤرخين إعجاب بأعماله وثناء عليه. قال ابن خلكان: كان عبد الله سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهمًا، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه.
انظر وفيات الأعيان ٣/٨٣، والأعلام للزركلي ٤/٢٢٦.
٢ لا توجد في [ل] .
٣ ذكره بنحوه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٤» ٣/٤٥٢، وأورده الذهبي في العلو ص١٣٢. وانظر مختصره للألباني ص١٩٣، وشرح حديث النزول لابن تيمية ص٥١.
٤ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة أقوال في هذه المسألة حيث قال: وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش.
وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش. شرح حديث النزول ص٤٣.
ثم قال شيخ الإسلام - بعد أن بسط الكلام في هذه المسألة ـ: فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه.
شرح حديث النزول ص٥٤.
وقد أورد الذهبي في كتاب العلو ص١٣٢ قول الإمام إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام، فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قلت: فلم تتلكم في هذا؟
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: إسناده صحيح، ثم عقب عليه بقوله: في قول إسحاق ﵀: " يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش " إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر. وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه تعالى لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصواب.
مختصر كتاب العلو ص١٩٢-١٩٣.صفة اليدين
...
ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
المصطفى الأمين: اليدان
قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١. وقال ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢.
٢٤ - وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا [من الجنة] ٣. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٤؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره [الله] ٥ علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال [النبي ﷺ] ٦: فحج آدم موسى٧.
_________
١ سورة المائدة/ ٦٤.
٢ سورة ص/ ٧٥.
٣ من [ل] .
٤ سورة طه/ ١٢١.
٥ من [ل] .
٦ لا يوجد في [ل] .
٧ رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، انظر كتاب التفسير باب «واصطفتك لنفسي» ح «٤٧٣٦»، «وباب ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾» ح «٤٧٣٨» ٣/٢٦٠. وكتاب القدر، باب «تحاج آدم وموسى» ح «٦٦١٤»
........................................................
_________
٤/٢١٢، وكتاب التوحيد، باب «ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾» ح «٧٥١٥» ٤/٤٠٧.
ومسلم، كتاب القدر، باب «احتجاج آدم وموسى ﵉)، ح «٢٦٥٢» ٤/٢٠٤٢، ٢٠٤٣.
وأبو داود في سننه، كتاب السنة ح «٤٧٠١» ٥/٧٦.
والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى ح «٢١٣٤» ٤/٤٤٤.
وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر ح «٨٠» ١/٣١. هذا الحديث الذي أورده المصنف دليلًا على إثبات صفة اليد، هو دليل أيضًا على إثبات القدر. وقد استدل به بعض المبتدعة على الاحتجاج بالقدر. ولذلك علق عليه الإمام ابن تيمية ﵀ في معرض رده على أصحاب هذا الاتجاه فقال: " وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء، جعلوه حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا، ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل.
ثم قال: ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇ لم يلم أباه لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من
فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين
_________
الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من العائب ".
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١١٥، وانظر التدمرية ص٢٣٠.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في معرض كلامه عن هذا الحديث: وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة، كأبي علي الجبائي، ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الامر، أو فعل النهي، إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم ... ولم يزل أهل الكلام المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة، وعقائدهم الفاسدة.
شفاء العليل ص٢٩.
ثم أورد ﵀ الاتجاهات في فهم هذا الحديث، ورد الفاسد منها، والتقى مع شيخ الإسلام ابن تيمية فيما سبق ذكره مما يجب فهمه من هذا الحديث.
انظر: المصدر نفسه ص٣٠-٤١.
على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل١، بل نؤمن
_________
١ ذهب المبتدعة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم إلى تأويل اليد الواردة في النصوص مضافة إلى الله تعالى على قولين، فمنهم من أولها بمعنى النعمة، وآخرون أولوها بمعنى القدرة.
انظر أصول الدين للبغدادي ص١١١، وأساس التقديس للرازي ص١٢٥.
وهذا التأويل واضح التهافت والبطلان لأن النصوص الواردة بإثبات هذه الصفة في غاية الصراحة والبيان، ولا يمكن أن يستقيم لمبتدع تأويلها لأمور كثيرة - منها:
أـ أن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس لعنه الله، في هذا الأمر، لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأنه كان بيد الله، لأن إبليس - لعنه الله - يعلم هذه الخصيصة لآدم، وإلا لاحتج على الله تعالى حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، بأنه خلقه أيضًا بيديه كما خلق آدم، إذا كان معنى بيدي: بقدرتي، إلا أن إبليس - لعنه الله - كان أكثر إدراكًا لهذه الحقيقة من المعطلة.
ب - أن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل أيضًا، لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد.
وقد فصل الإمام عثمان بن سعيد الدارمي الرد على هذا التأويل الباطل في رده على بشر المريسي ص٢٨-٤١، وانظر الاعتقاد للبيهقي ص ٢٩-٣٠.
بذلك ونثبت [له] ١ الصفة من غير تحديد٢ ولا تشبيه. ولا يصح حمل اليدين على القدرتين، فإن قدرة الله [﷿] ٣ واحدة، ولا على النعمتين، فإن نعم الله [﷿] ٤ لا تحصى، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٥ وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل
_________
١ من [ل] .
٢ أي من غير تحديد لكيفية الصفة، لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله، فالسلف إنما يثبتون الصفة بمعناها الظاهر منها وينفون المشابهة والكيفية.
٣ لا توجد في [ل] .
٤ لا توجد في [ل] .
٥ سورة إبراهيم/ ٣٤.
ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
_________
١ عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء، أبو العباس، أمير خراسان، من أشهر الولاة في العصر العباسي، للمؤرخين إعجاب بأعماله وثناء عليه. قال ابن خلكان: كان عبد الله سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهمًا، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه.
انظر وفيات الأعيان ٣/٨٣، والأعلام للزركلي ٤/٢٢٦.
٢ لا توجد في [ل] .
٣ ذكره بنحوه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٧٧٤» ٣/٤٥٢، وأورده الذهبي في العلو ص١٣٢. وانظر مختصره للألباني ص١٩٣، وشرح حديث النزول لابن تيمية ص٥١.
٤ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة أقوال في هذه المسألة حيث قال: وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش.
وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش. شرح حديث النزول ص٤٣.
ثم قال شيخ الإسلام - بعد أن بسط الكلام في هذه المسألة ـ: فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث، وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه.
شرح حديث النزول ص٥٤.
وقد أورد الذهبي في كتاب العلو ص١٣٢ قول الإمام إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام، فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قلت: فلم تتلكم في هذا؟
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: إسناده صحيح، ثم عقب عليه بقوله: في قول إسحاق ﵀: " يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش " إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر. وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه تعالى لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصواب.
مختصر كتاب العلو ص١٩٢-١٩٣.صفة اليدين
...
ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله
المصطفى الأمين: اليدان
قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١. وقال ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٢.
٢٤ - وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا [من الجنة] ٣. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٤؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره [الله] ٥ علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال [النبي ﷺ] ٦: فحج آدم موسى٧.
_________
١ سورة المائدة/ ٦٤.
٢ سورة ص/ ٧٥.
٣ من [ل] .
٤ سورة طه/ ١٢١.
٥ من [ل] .
٦ لا يوجد في [ل] .
٧ رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، انظر كتاب التفسير باب «واصطفتك لنفسي» ح «٤٧٣٦»، «وباب ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾» ح «٤٧٣٨» ٣/٢٦٠. وكتاب القدر، باب «تحاج آدم وموسى» ح «٦٦١٤»
........................................................
_________
٤/٢١٢، وكتاب التوحيد، باب «ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾» ح «٧٥١٥» ٤/٤٠٧.
ومسلم، كتاب القدر، باب «احتجاج آدم وموسى ﵉)، ح «٢٦٥٢» ٤/٢٠٤٢، ٢٠٤٣.
وأبو داود في سننه، كتاب السنة ح «٤٧٠١» ٥/٧٦.
والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى ح «٢١٣٤» ٤/٤٤٤.
وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر ح «٨٠» ١/٣١. هذا الحديث الذي أورده المصنف دليلًا على إثبات صفة اليد، هو دليل أيضًا على إثبات القدر. وقد استدل به بعض المبتدعة على الاحتجاج بالقدر. ولذلك علق عليه الإمام ابن تيمية ﵀ في معرض رده على أصحاب هذا الاتجاه فقال: " وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء، جعلوه حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا، ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل.
ثم قال: ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇ لم يلم أباه لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من
فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين
_________
الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من العائب ".
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١١٥، وانظر التدمرية ص٢٣٠.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في معرض كلامه عن هذا الحديث: وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة، كأبي علي الجبائي، ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الامر، أو فعل النهي، إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم ... ولم يزل أهل الكلام المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة، وعقائدهم الفاسدة.
شفاء العليل ص٢٩.
ثم أورد ﵀ الاتجاهات في فهم هذا الحديث، ورد الفاسد منها، والتقى مع شيخ الإسلام ابن تيمية فيما سبق ذكره مما يجب فهمه من هذا الحديث.
انظر: المصدر نفسه ص٣٠-٤١.
على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل١، بل نؤمن
_________
١ ذهب المبتدعة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم إلى تأويل اليد الواردة في النصوص مضافة إلى الله تعالى على قولين، فمنهم من أولها بمعنى النعمة، وآخرون أولوها بمعنى القدرة.
انظر أصول الدين للبغدادي ص١١١، وأساس التقديس للرازي ص١٢٥.
وهذا التأويل واضح التهافت والبطلان لأن النصوص الواردة بإثبات هذه الصفة في غاية الصراحة والبيان، ولا يمكن أن يستقيم لمبتدع تأويلها لأمور كثيرة - منها:
أـ أن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس لعنه الله، في هذا الأمر، لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأنه كان بيد الله، لأن إبليس - لعنه الله - يعلم هذه الخصيصة لآدم، وإلا لاحتج على الله تعالى حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، بأنه خلقه أيضًا بيديه كما خلق آدم، إذا كان معنى بيدي: بقدرتي، إلا أن إبليس - لعنه الله - كان أكثر إدراكًا لهذه الحقيقة من المعطلة.
ب - أن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل أيضًا، لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد.
وقد فصل الإمام عثمان بن سعيد الدارمي الرد على هذا التأويل الباطل في رده على بشر المريسي ص٢٨-٤١، وانظر الاعتقاد للبيهقي ص ٢٩-٣٠.
بذلك ونثبت [له] ١ الصفة من غير تحديد٢ ولا تشبيه. ولا يصح حمل اليدين على القدرتين، فإن قدرة الله [﷿] ٣ واحدة، ولا على النعمتين، فإن نعم الله [﷿] ٤ لا تحصى، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٥ وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل
_________
١ من [ل] .
٢ أي من غير تحديد لكيفية الصفة، لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله، فالسلف إنما يثبتون الصفة بمعناها الظاهر منها وينفون المشابهة والكيفية.
٣ لا توجد في [ل] .
٤ لا توجد في [ل] .
٥ سورة إبراهيم/ ٣٤.
Translation
صفة اليدين
#8
Chapter 8 — صفة المحبة والمشيئة والإرادة
· ref. #8
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة المحبة والمشيئة والإرادة
...
المحبة١، والمشيئة والإرادة٢،
_________
١ من أدلة إثباتها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة/ ٥٤، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة/ ٨، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران/ ٣١، وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: " إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ". رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة»، ح «٣٢٠٩» ٢/٤٢٤، وكتاب الأدب باب «المِقة من الله» ح «٦٠٤٠» ٤/٩٨، وكتاب التوحيد، باب «كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة» ح «٧٤٨٥» ٤/٤٠١، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب «إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده»، ح «٢٦٣٧» ٤/٢٠٣٠.
٢ من أدلة إثبات الإرادة والمشيئة قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ الكهف/ ٣٩، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة/ ٢٥٣، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام/ ١٢٥، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة/١٨٥، وغيرها. أما من السنة فالأدلة كثيرة جدًا. انظر مثلاُ ما أورده البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه، باب في المشيئة والإرادة، ح «٧٤٦٤-٧٤٨٠» ٤/٣٩٦-٤٠٠. والإرادة نوعان:
أـ إرادة كونية ترادفها المشيئة، وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه فهو سبحانه إذا أراد شيئًا وشاءه كان عقب إرادته له، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يس/٨٢.
ب - إرادة شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . راجع شرح الدكتور محمد خليل هراس على العقيدة الواسطية لابن تيمية ص٩٩
...
المحبة١، والمشيئة والإرادة٢،
_________
١ من أدلة إثباتها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة/ ٥٤، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة/ ٨، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران/ ٣١، وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: " إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ". رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة»، ح «٣٢٠٩» ٢/٤٢٤، وكتاب الأدب باب «المِقة من الله» ح «٦٠٤٠» ٤/٩٨، وكتاب التوحيد، باب «كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة» ح «٧٤٨٥» ٤/٤٠١، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب «إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده»، ح «٢٦٣٧» ٤/٢٠٣٠.
٢ من أدلة إثبات الإرادة والمشيئة قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ الكهف/ ٣٩، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة/ ٢٥٣، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام/ ١٢٥، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة/١٨٥، وغيرها. أما من السنة فالأدلة كثيرة جدًا. انظر مثلاُ ما أورده البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه، باب في المشيئة والإرادة، ح «٧٤٦٤-٧٤٨٠» ٤/٣٩٦-٤٠٠. والإرادة نوعان:
أـ إرادة كونية ترادفها المشيئة، وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه فهو سبحانه إذا أراد شيئًا وشاءه كان عقب إرادته له، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يس/٨٢.
ب - إرادة شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . راجع شرح الدكتور محمد خليل هراس على العقيدة الواسطية لابن تيمية ص٩٩
Translation
صفة المحبة والمشيئة والإرادة
#9
Chapter 9 — صفة الضحك والفرح
· ref. #9
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة الضحك والفرح
...
والضحك١، والفرح٢،
_________
١ من أدلة إثبات صفة الضحك الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ..." الحديث. صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فَيُسَدَّد بعد ويقتل. ح «٢٨٢٦» ٢/٣١٣، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، ح «١٨٩٠» ٣/١٥٠٤،١٥٠٥.
وحديث أبي هريرة عند البخاري، وفيه قصة الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا، - كما في نص الحديث - وساق القصة حتى قال ﷺ حاكيًا قصة الرجل: " ... فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة ..." كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٣٧» ٤/٣٩٠.
٢ من أدلة إثباتها حديث أنس بن مالك ﵁ المتفق على صحته، وهو قوله ﷺ: " لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة " صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة ح «٦٣٠٩» ٤/١٥٤، وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب «في الحض على التوبة والفرح بها»، ح «٢٧٤٧» ٤/٢١٠.
وحديث ابن مسعود في هذا المعنى عند الشيخين في نفس الموضع السابق، البخاري رقم «٦٣٠٨»، ومسلم رقم «٢٧٤٤» .
...
والضحك١، والفرح٢،
_________
١ من أدلة إثبات صفة الضحك الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ..." الحديث. صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فَيُسَدَّد بعد ويقتل. ح «٢٨٢٦» ٢/٣١٣، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، ح «١٨٩٠» ٣/١٥٠٤،١٥٠٥.
وحديث أبي هريرة عند البخاري، وفيه قصة الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا، - كما في نص الحديث - وساق القصة حتى قال ﷺ حاكيًا قصة الرجل: " ... فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة ..." كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٣٧» ٤/٣٩٠.
٢ من أدلة إثباتها حديث أنس بن مالك ﵁ المتفق على صحته، وهو قوله ﷺ: " لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة " صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة ح «٦٣٠٩» ٤/١٥٤، وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب «في الحض على التوبة والفرح بها»، ح «٢٧٤٧» ٤/٢١٠.
وحديث ابن مسعود في هذا المعنى عند الشيخين في نفس الموضع السابق، البخاري رقم «٦٣٠٨»، ومسلم رقم «٢٧٤٤» .
Translation
صفة الضحك والفرح
#10
Chapter 10 — صفة العجب والبغض
· ref. #10
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة العجب والبغض
...
والعجب١، والبغض٢،
_________
١ من أدلته حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل " رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب الأسارى في السلاسل، ح «٣٠١٠» ٢/٣٦١. وأحمد في المسند ٢/٣٠٢، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب «في الأسير يوثق» ح «٢٦٧٧» ٣/١٢٧.
وحديث ابي هريرة أيضًا وفيه قوله ﵊: " ... لقد عجب الله - أو ضحك - من فلان وفلانه " صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ ح «٤٨٨٩» ٣/٣٠٦.
٢من أدلته حديث ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه،. . - إلى أن قال ـ: وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الارض " رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب «إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده» ح «٢٦٣٧» ٤/٢٠٣٠.
...
والعجب١، والبغض٢،
_________
١ من أدلته حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل " رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب الأسارى في السلاسل، ح «٣٠١٠» ٢/٣٦١. وأحمد في المسند ٢/٣٠٢، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب «في الأسير يوثق» ح «٢٦٧٧» ٣/١٢٧.
وحديث ابي هريرة أيضًا وفيه قوله ﵊: " ... لقد عجب الله - أو ضحك - من فلان وفلانه " صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ ح «٤٨٨٩» ٣/٣٠٦.
٢من أدلته حديث ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه،. . - إلى أن قال ـ: وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الارض " رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب «إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده» ح «٢٦٣٧» ٤/٢٠٣٠.
Translation
صفة العجب والبغض
#11
Chapter 11 — صفة السخط والكره والرضا
· ref. #11
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة السخط والكره والرضا
...
والسخط١، والكره٢، والرضا٣، وسائر ما صح
_________
١ من أدلته قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ سورة محمد/٢٨، وقوله سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ المائدة/ ٨٠. وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتفق عليه وفيه: " ... فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يارب، وأي شيئ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا " البخاري، كتاب الرقاق، باب «صفة الجنة» ح «٦٥٤٩» ٤/٢٠٠، وكتاب التوحيد، «باب كلام الرب مع أهل الجنة» ح «٧٥١٨» ٤/٤٠٨. وأخرجه مسلم مطولًا في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ح «١٨٣» ١/١٦٧.
٢ من أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ التوبة/٤٦، وقوله ﷺ: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " متفق عليه. البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ح «٦٥٠٧، ٦٥٠٨» ٤/١٩٢، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب «من أحب لقاء الله ...»، ح «٢٦٨٣-٢٦٨٦» ٤/٢٠٦٥-٢٠٦٧.
٣ من أدلته قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ المائدة/ ١١٩، والتوبة/ ١٠٠، وقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ الزمر/ ٧.
وقوله ﷺ في حديث الأقرع والأبرص والأعمى المتفق عليه: " ... فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك " البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل، ح «٣٤٦٤» ٢/٤٩٥. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق ح «٢٩٦٤» ٤/٢٢٧٥.
وقوله ﷺ: " اللهم أعوذ برضاك من سخطك. . " رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب «ما يقال في الركوع والسجود» ح «٤٨٦» ١/٣٥٢.
...
والسخط١، والكره٢، والرضا٣، وسائر ما صح
_________
١ من أدلته قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ سورة محمد/٢٨، وقوله سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ المائدة/ ٨٠. وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتفق عليه وفيه: " ... فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يارب، وأي شيئ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا " البخاري، كتاب الرقاق، باب «صفة الجنة» ح «٦٥٤٩» ٤/٢٠٠، وكتاب التوحيد، «باب كلام الرب مع أهل الجنة» ح «٧٥١٨» ٤/٤٠٨. وأخرجه مسلم مطولًا في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ح «١٨٣» ١/١٦٧.
٢ من أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ التوبة/٤٦، وقوله ﷺ: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " متفق عليه. البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ح «٦٥٠٧، ٦٥٠٨» ٤/١٩٢، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب «من أحب لقاء الله ...»، ح «٢٦٨٣-٢٦٨٦» ٤/٢٠٦٥-٢٠٦٧.
٣ من أدلته قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ المائدة/ ١١٩، والتوبة/ ١٠٠، وقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ الزمر/ ٧.
وقوله ﷺ في حديث الأقرع والأبرص والأعمى المتفق عليه: " ... فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك " البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل، ح «٣٤٦٤» ٢/٤٩٥. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق ح «٢٩٦٤» ٤/٢٢٧٥.
وقوله ﷺ: " اللهم أعوذ برضاك من سخطك. . " رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب «ما يقال في الركوع والسجود» ح «٤٨٦» ١/٣٥٢.
Translation
صفة السخط والكره والرضا
#12
Chapter 12 — صفة النفس
· ref. #12
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة النفس
...
[عن الله ورسوله] ١، وإن نبت٢ عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين.
ومما نطق بها القرآن، وصح [بها] ٣ النقل من الصفات: النفس، قال الله ﷿ إخبارًا عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٤. وقال ﷿: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٥، وقال ﷿ لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٦.
_________
١ في [ل]: [عن رسوله] .
٢ أي تجافت عنها لعدم قبولها بها.
قال ابن فارس: نبا بصره عن الشيئ ينبو، ونبا السيف عن الضريبة: تجافى ولم يمض فيها، ونبا به منزله لم يوافقه، وكذا: فراشه، ويقال نبا جنبه عن الفراش، قال:
إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسَرّ فوق الظّرب
معجم مقاييس اللغة ٥/٣٨٥، مادة «نبو» .
٣ في [ل]: [به] .
٤ سورة المائدة/ ١١٦.
٥ سورة الأنعام/ ١٢. وفي [ل]: [كتب ربكم. .] وهي في السورة نفسها آية/ ٥٤.
٦ سورة طه/ ٤١.
٢٥ - وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة " ١.
٢٦ - وروى أبو هريرة [﵁] ٢ قال: قال رسول الله ﷺ: " لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب
_________
١ رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٥» ٤/٣٨٤، ومسلم كتاب الذكر والدعاء ن باب «الحث على ذكر الله»، ح «٢٦٧٥» ٤/٢٠٦١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب «في حسن الظن بالله ﷿)، ح «٣٨٢٢» ٢/١٢٥٥، وأحمد في المسند ٢/٢٥١.
وراجع معنى الحديث بكامله في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لشيخنا الجليل عبد الله بن محمد الغنيمان ١/٢٦٣-٢٧١.
٢ من [ل] .
...
[عن الله ورسوله] ١، وإن نبت٢ عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين.
ومما نطق بها القرآن، وصح [بها] ٣ النقل من الصفات: النفس، قال الله ﷿ إخبارًا عن نبيه عيسى ﵇ أنه قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٤. وقال ﷿: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٥، وقال ﷿ لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٦.
_________
١ في [ل]: [عن رسوله] .
٢ أي تجافت عنها لعدم قبولها بها.
قال ابن فارس: نبا بصره عن الشيئ ينبو، ونبا السيف عن الضريبة: تجافى ولم يمض فيها، ونبا به منزله لم يوافقه، وكذا: فراشه، ويقال نبا جنبه عن الفراش، قال:
إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسَرّ فوق الظّرب
معجم مقاييس اللغة ٥/٣٨٥، مادة «نبو» .
٣ في [ل]: [به] .
٤ سورة المائدة/ ١١٦.
٥ سورة الأنعام/ ١٢. وفي [ل]: [كتب ربكم. .] وهي في السورة نفسها آية/ ٥٤.
٦ سورة طه/ ٤١.
٢٥ - وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة " ١.
٢٦ - وروى أبو هريرة [﵁] ٢ قال: قال رسول الله ﷺ: " لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب
_________
١ رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٥» ٤/٣٨٤، ومسلم كتاب الذكر والدعاء ن باب «الحث على ذكر الله»، ح «٢٦٧٥» ٤/٢٠٦١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب «في حسن الظن بالله ﷿)، ح «٣٨٢٢» ٢/١٢٥٥، وأحمد في المسند ٢/٢٥١.
وراجع معنى الحديث بكامله في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لشيخنا الجليل عبد الله بن محمد الغنيمان ١/٢٦٣-٢٧١.
٢ من [ل] .
Translation
صفة النفس
#13
Chapter 13 — صفة الرؤية
· ref. #13
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة الرؤية
...
غضبي " ١.
وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله [ﷺ] ٢، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
_________
١ رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده»، ح «٣١٩٤» ٢/٤١٩، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٤» ١٣/٣٨٤ وباب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٢» ٤/٣٨٨، وباب «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين» ح «٧٤٥٣» ٤/٣٩٥، وباب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، ح «٧٥٥٤» ٤/٤١٧.
ورواه مسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ح «٢٧٥١» ٤/٢١٠٧. وأحمد في المسند ٢/٣٥٨، ٣٨١، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، ح «٤٢٩٥» ٢/١٤٣٥، وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٨،٦٠٩» ١/٢٧٠، وابن خزيمة في التوحيد ٥٨، والآجري في الشريعة ص٢٩٠، وأبو إسماعيل الهروي في كتاب الأربعين ح «١٢» ص٥٥.
وطرق الحديث عن أبي هريرة كثيرة.
٢ من [ل] .
٣ سورة القيامة/٢٣.
٢٧ - وروى جرير بن عبد الله البجلي١ ﵁ قال: كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: " إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون ٢ في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل
_________
١ صحابي شهير ن يكنى أبا عمرو، وقيل أبا عبد الله، اختلف في تاريخ إسلامه، توفي سنة ٥١، وقيل ٥٤، وهو الذي بعثه النبي ﷺ إلى ذي الخلصة فهدمها.
انظر الإصابة ١/٤٧٥-٤٧٦.
٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوله: " لا تضامون " يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل: " لا تَضامّون ": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال ..."
مجموع الفتاوى ١٦/٨٥،٨٦.
أما الأشاعرة ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية كالبيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسروا " تضامّون " بالتشديد بأن معناه: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن جهة.
الاعتقاد للبيهقي ص٥١.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية: بأن هذا القول انفرد به هؤلاء الأشاعرة دون بقية طوائف الأمة، وأن هذا معروف الفساد ضرورة، ولأجل ذلك ذهب بعض حذاقهم إلى موافقة المعتزلة في ما ذهبوا إليه من نفي للرؤية والجهة معًا، وتفسير الرؤية بأنها زيادة انكشاف، وليس رؤية حقيقية.
مجموع الفتاوى ١٦/٨٥.
ثم قال ﵀: " فأما أن يروى بالتشديد ويقال: " لا تضامّون " أي لا تضمكم جهة واحدة، فهذا باطل، لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض، فهو تفاعل، كالتَّمَاسّ، والتَّرَادّ، ونحوذلك، ... ثم يقال: الراؤون كلهم في جهة واحدة على الأرض، وإن قُدّر أن المرئي ليس في جهة، فكيف يجوز أن يقال: لا تضمكم جهة واحدة، وهم كلهم على الأرض، أرض القيامة، أو في الجنة، وكل ذلك جهة، ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسًا وعقلًا.
نفس المصدر ص٨٦.
طلوع الشمس وقبل [غروبها] ١ فافعلو" ٢. ثم قرأ:
_________
١ في [ل]: [الغروب] .
٢ رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب «فضل صلاة العصر»، ح «٥٥٤» ١/١٩٠، وباب «فضل صلاة الفجر»، ح «٥٧٣» ١/١٩٦، وكتاب التفسير، تفسير سورة ق، باب «وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب» ح «٤٨٥١» ٣/٢٩٦، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٣٤» وح «٧٤٣٦» ٤/٣٩٠. ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، ح «٦٣٣» ١/٤٣٩.
وأبوداود، كتاب السنة، باب «في الرؤية» ح «٤٧٢٩» ٥/٩٧-٩٨.
والترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب ﵎، ح «٢٥٥١» ٤/٦٨٧.
وابن ماجه في المقدمة، باب «فيما أنكرت الجهمية» ح «١٧٧» ١/٦٣.
وأحمد في المسند ٤/٣٦٠،٣٦٢،٣٦٥، والبيهقي في الاعتقاد ص٥٠، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٦٩.
﴿وَسَبِّحْ ١ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٢.
وفي رواية: سترون ربكم عيانًا٣.
٢٨ - وروى صهيب٤ عن النبي ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنة
_________
١ في الأصل وفي [ل]: [فسبح] وهو خطأ.
٢ سورة ق/ ٣٩.
٣ هذه الرواية عند البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ح «٧٤٣٥» ٤/٣٩٠، ورواها أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٦٩، والبيهقي في الاعتقاد ص٥١، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «٤١٥» ١/٢٣٠.
٤ هو صهيب بن سنان بن مالك، ويقال: خالد بن عمر بن عُقيل، ويقال طفيل بن عامر بن جَنْدلة بن سعد بن خزيمة - وقيل: جذيمة - بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن التمر بن قاسط النمري، أبو يحي، وهو الرومي، قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيرًا، أسلم بمكة، وشهد بدرًا، توفي في شوال سنة٣٨هـ. والطبقات الكبري ٣/٢٢٦، والإصابة ٣/٢٤٩.
الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم [يبيض] ١ وجوهنا [ويزحزحنا] ٢ عن النار، [ويدخلنا] ٣ الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٤. رواه مسلم٥.
٢٩ - وقال مالك بن أنس [﵁] ٦: [الناس] ٧ ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة٨.
_________
١ في [ل]: [تبيض] .
٢ في [ل]: [وتزحزحنا] .
٣ في [ل]: [وتدخلنا] .
٤ سورة يونس/ ٢٦.
٥ مسلم، كتاب الإيمان، باب «إثبات رؤية المؤمنين ربهم ﷾)، ح «١٨١» ١/١٦٣، والترمذي، كتاب التفسير، باب «من سورة يونس»، ح «٣١٠٥» ٥/٢٨٦، وابن ماجه، المقدمة ح «١٨٧» ١/٦٧، وأحمد في المسند ٦/١٦.
٦ من [ل] .
٧ لا توجد في [ل] .
٨ رواه الآجري في كتاب الشريعة ص٢٥٤.
...
غضبي " ١.
وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله [ﷺ] ٢، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
_________
١ رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده»، ح «٣١٩٤» ٢/٤١٩، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ح «٧٤٠٤» ١٣/٣٨٤ وباب «وكان عرشه على الماء» ح «٧٤٢٢» ٤/٣٨٨، وباب «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين» ح «٧٤٥٣» ٤/٣٩٥، وباب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، ح «٧٥٥٤» ٤/٤١٧.
ورواه مسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ح «٢٧٥١» ٤/٢١٠٧. وأحمد في المسند ٢/٣٥٨، ٣٨١، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، ح «٤٢٩٥» ٢/١٤٣٥، وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٨،٦٠٩» ١/٢٧٠، وابن خزيمة في التوحيد ٥٨، والآجري في الشريعة ص٢٩٠، وأبو إسماعيل الهروي في كتاب الأربعين ح «١٢» ص٥٥.
وطرق الحديث عن أبي هريرة كثيرة.
٢ من [ل] .
٣ سورة القيامة/٢٣.
٢٧ - وروى جرير بن عبد الله البجلي١ ﵁ قال: كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: " إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون ٢ في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل
_________
١ صحابي شهير ن يكنى أبا عمرو، وقيل أبا عبد الله، اختلف في تاريخ إسلامه، توفي سنة ٥١، وقيل ٥٤، وهو الذي بعثه النبي ﷺ إلى ذي الخلصة فهدمها.
انظر الإصابة ١/٤٧٥-٤٧٦.
٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوله: " لا تضامون " يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل: " لا تَضامّون ": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال ..."
مجموع الفتاوى ١٦/٨٥،٨٦.
أما الأشاعرة ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية كالبيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسروا " تضامّون " بالتشديد بأن معناه: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن جهة.
الاعتقاد للبيهقي ص٥١.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية: بأن هذا القول انفرد به هؤلاء الأشاعرة دون بقية طوائف الأمة، وأن هذا معروف الفساد ضرورة، ولأجل ذلك ذهب بعض حذاقهم إلى موافقة المعتزلة في ما ذهبوا إليه من نفي للرؤية والجهة معًا، وتفسير الرؤية بأنها زيادة انكشاف، وليس رؤية حقيقية.
مجموع الفتاوى ١٦/٨٥.
ثم قال ﵀: " فأما أن يروى بالتشديد ويقال: " لا تضامّون " أي لا تضمكم جهة واحدة، فهذا باطل، لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض، فهو تفاعل، كالتَّمَاسّ، والتَّرَادّ، ونحوذلك، ... ثم يقال: الراؤون كلهم في جهة واحدة على الأرض، وإن قُدّر أن المرئي ليس في جهة، فكيف يجوز أن يقال: لا تضمكم جهة واحدة، وهم كلهم على الأرض، أرض القيامة، أو في الجنة، وكل ذلك جهة، ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسًا وعقلًا.
نفس المصدر ص٨٦.
طلوع الشمس وقبل [غروبها] ١ فافعلو" ٢. ثم قرأ:
_________
١ في [ل]: [الغروب] .
٢ رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب «فضل صلاة العصر»، ح «٥٥٤» ١/١٩٠، وباب «فضل صلاة الفجر»، ح «٥٧٣» ١/١٩٦، وكتاب التفسير، تفسير سورة ق، باب «وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب» ح «٤٨٥١» ٣/٢٩٦، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ح «٧٤٣٤» وح «٧٤٣٦» ٤/٣٩٠. ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، ح «٦٣٣» ١/٤٣٩.
وأبوداود، كتاب السنة، باب «في الرؤية» ح «٤٧٢٩» ٥/٩٧-٩٨.
والترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب ﵎، ح «٢٥٥١» ٤/٦٨٧.
وابن ماجه في المقدمة، باب «فيما أنكرت الجهمية» ح «١٧٧» ١/٦٣.
وأحمد في المسند ٤/٣٦٠،٣٦٢،٣٦٥، والبيهقي في الاعتقاد ص٥٠، وابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٦٩.
﴿وَسَبِّحْ ١ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٢.
وفي رواية: سترون ربكم عيانًا٣.
٢٨ - وروى صهيب٤ عن النبي ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنة
_________
١ في الأصل وفي [ل]: [فسبح] وهو خطأ.
٢ سورة ق/ ٣٩.
٣ هذه الرواية عند البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ح «٧٤٣٥» ٤/٣٩٠، ورواها أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص١٦٩، والبيهقي في الاعتقاد ص٥١، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة رقم «٤١٥» ١/٢٣٠.
٤ هو صهيب بن سنان بن مالك، ويقال: خالد بن عمر بن عُقيل، ويقال طفيل بن عامر بن جَنْدلة بن سعد بن خزيمة - وقيل: جذيمة - بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن التمر بن قاسط النمري، أبو يحي، وهو الرومي، قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيرًا، أسلم بمكة، وشهد بدرًا، توفي في شوال سنة٣٨هـ. والطبقات الكبري ٣/٢٢٦، والإصابة ٣/٢٤٩.
الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم [يبيض] ١ وجوهنا [ويزحزحنا] ٢ عن النار، [ويدخلنا] ٣ الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٤. رواه مسلم٥.
٢٩ - وقال مالك بن أنس [﵁] ٦: [الناس] ٧ ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة٨.
_________
١ في [ل]: [تبيض] .
٢ في [ل]: [وتزحزحنا] .
٣ في [ل]: [وتدخلنا] .
٤ سورة يونس/ ٢٦.
٥ مسلم، كتاب الإيمان، باب «إثبات رؤية المؤمنين ربهم ﷾)، ح «١٨١» ١/١٦٣، والترمذي، كتاب التفسير، باب «من سورة يونس»، ح «٣١٠٥» ٥/٢٨٦، وابن ماجه، المقدمة ح «١٨٧» ١/٦٧، وأحمد في المسند ٦/١٦.
٦ من [ل] .
٧ لا توجد في [ل] .
٨ رواه الآجري في كتاب الشريعة ص٢٥٤.
Translation
صفة الرؤية
#14
Chapter 14 — صفة الكلام
· ref. #14
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
صفة الكلام
...
٣٠ - وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر١.
ومن مذهب أهل الحق أن الله ﷿ لم يزل متكلمًا بكلام مسموع، مفهوم، مكتوب، قال الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢.
٣١ - وروى عدي بن حاتم٣ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا [ينظر] ٤ إلا شيئًا قدمه، ثم
_________
١ رواه الآجري في نفس المصدر، وفي كتاب التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة ص٤٦.
٢ سورة النساء/١٦٤.
٣ هوعدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي، ولد الجواد المشهور، أبو طريف، أسلم سنة تسع، وقيل سنة عشر، شهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي، ومات بعد الستين في زمن المختار، وقد أَسَنَّ، قال خليفة: بلغ عشرًا ومائة سنة.
الإصابة ٤/٤٦٩، وانظر الطبقات لابن سعد ٦/٢٢.
٤ في [ل]: [يرى] .
ينظر أشأم١ منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل " ٢.
٣٢ - وروى جابر بن عبد الله قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام٣ قال رسول الله ﷺ: " يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله
_________
١ يعني الشمال، ورد في صفة الإبل: " ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشْأم ".
النهاية في غريب الحديث ٢/٤٣٧.
٢ رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب «من نوقش الحساب عذب»، ح «٦٥٣٩» ٤/١٩٨، وكتاب التوحيد ح «٧٤٤٣» ٤/٣٩٣، ومسلم كتاب الزكاة، باب «الحث على الصدقة ولو بشق تمرة. .» ح «١٠١٦» ٢/٧٠٣، والترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع ح «٢٤١٥» ٤/٦١١، وأحمد في المسند ٤/٢٥٦، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٨٥» ١/٦٦، وابن خزيمة في التوحيد ص١٥٠، والآجري في الشريعة ص٢٧٠.
٣ هو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، والد جابر بن عبد الله الصحابي المشهور راوي هذا الحديث، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان أول النقباء واستشهد بأحد.
الإصابة ٤/١٨٩.
أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا١، قال: يا عبد الله تمن عليّ أعطيك، قال: يارب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: [إنه] ٢ سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣. رواه ابن ماجه٤.
والقرآن كلام الله ﷿، ووحيه، وتنزيله، والمسموع من
_________
١ أي مواجهة، ليس بينهما حجاب ولا رسول.
النهاية لابن الأثير ٤/١٨٥.
٢ في [ل]: [إن] .
٣ سورة آل عمران/١٦٩.
٤ ابن ماجه المقدمة، باب «فيما أنكرت الجهمية»، ح «١٩٠» ١/٦٨، وكتاب الجهاد باب «فضل الشهادة في سبيل الله»، ح «٢٨٠٠» ٢/٩٣٦. وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران، ح «٣٠١٠» ٥/٢٣٠، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٢» ١/٢٦٧. قال المحقق الشيخ الألباني: إسناده حسن، رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/١٢٠ وقال: صحيح الإسناد.
...
٣٠ - وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر١.
ومن مذهب أهل الحق أن الله ﷿ لم يزل متكلمًا بكلام مسموع، مفهوم، مكتوب، قال الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢.
٣١ - وروى عدي بن حاتم٣ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا [ينظر] ٤ إلا شيئًا قدمه، ثم
_________
١ رواه الآجري في نفس المصدر، وفي كتاب التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة ص٤٦.
٢ سورة النساء/١٦٤.
٣ هوعدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي، ولد الجواد المشهور، أبو طريف، أسلم سنة تسع، وقيل سنة عشر، شهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي، ومات بعد الستين في زمن المختار، وقد أَسَنَّ، قال خليفة: بلغ عشرًا ومائة سنة.
الإصابة ٤/٤٦٩، وانظر الطبقات لابن سعد ٦/٢٢.
٤ في [ل]: [يرى] .
ينظر أشأم١ منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل " ٢.
٣٢ - وروى جابر بن عبد الله قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام٣ قال رسول الله ﷺ: " يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله
_________
١ يعني الشمال، ورد في صفة الإبل: " ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشْأم ".
النهاية في غريب الحديث ٢/٤٣٧.
٢ رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب «من نوقش الحساب عذب»، ح «٦٥٣٩» ٤/١٩٨، وكتاب التوحيد ح «٧٤٤٣» ٤/٣٩٣، ومسلم كتاب الزكاة، باب «الحث على الصدقة ولو بشق تمرة. .» ح «١٠١٦» ٢/٧٠٣، والترمذي كتاب صفة القيامة والرقائق والورع ح «٢٤١٥» ٤/٦١١، وأحمد في المسند ٤/٢٥٦، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ح «١٨٥» ١/٦٦، وابن خزيمة في التوحيد ص١٥٠، والآجري في الشريعة ص٢٧٠.
٣ هو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، والد جابر بن عبد الله الصحابي المشهور راوي هذا الحديث، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان أول النقباء واستشهد بأحد.
الإصابة ٤/١٨٩.
أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا١، قال: يا عبد الله تمن عليّ أعطيك، قال: يارب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: [إنه] ٢ سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣. رواه ابن ماجه٤.
والقرآن كلام الله ﷿، ووحيه، وتنزيله، والمسموع من
_________
١ أي مواجهة، ليس بينهما حجاب ولا رسول.
النهاية لابن الأثير ٤/١٨٥.
٢ في [ل]: [إن] .
٣ سورة آل عمران/١٦٩.
٤ ابن ماجه المقدمة، باب «فيما أنكرت الجهمية»، ح «١٩٠» ١/٦٨، وكتاب الجهاد باب «فضل الشهادة في سبيل الله»، ح «٢٨٠٠» ٢/٩٣٦. وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران، ح «٣٠١٠» ٥/٢٣٠، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وابن أبي عاصم في السنة ح «٦٠٢» ١/٢٦٧. قال المحقق الشيخ الألباني: إسناده حسن، رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/١٢٠ وقال: صحيح الإسناد.
Translation
صفة الكلام
#15
Chapter 15 — القول في القرآن
· ref. #15
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
القول في القرآن
...
القاري كلام الله ﷿، قال الله ﷿: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١، وإنما [سمعه] ٢ من التالي، وقال الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣ وقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٤. وقال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٥. وهو محفوظ في الصدور، كما قال ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ٦.
٣٣ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إستذكروا القرآن فلهو أشد [تَفَصّيًا] ٧ من صدور
_________
١ سورة التوبة/ ٦.
٢ في [ل]: [يسمعه] .
٣ سورة الفتح/ ١٥.
٤ سورة الحجر/ ٩.
٥ سورة الشعراء/ ١٩٢-١٩٤.
٦ سورة العنكبوت/ ٤٩.
٧ أي أشد خروجًا، يقال: تفصيتُ من الأمر تَفصّيًا إذا خرجت منه وتخلصت.
النهاية لابن الأثير ٣/٤٥٢.
وفي رواية أبي موسى الأشعري: " أشد تفلتًا " والمعنى واحد.
الرجال من النعم من [عقله] ١. وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله ﷿: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ٢. وقال ﷿: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٣.
٣٤ - وروى عبد الله بن عمر: " أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو "٤.
_________
١ كذا عند المصنف وعند النسائي، وهي رواية عند مسلم وأحمد، وفي بقية مصادر الحديث: [عقلها] . والحديث رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، ح «٥٠٣٢» ٣/٣٤٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ح «٧٩٠» ١/٥٤٤، والدارمي في كتاب الرقائق، باب «في تعاهد القرآن»، ٢/٣٠٨-٣٠٩، وكتاب فضائل القرآن للنسائي بتحقيق الدكتور/ فاروق حمادة ح «٦٤،٦٥» ص٨٨-٨٩. وأحمد في المسند ١/٤٦٣.
٢ سورة الطور/ ١-٣.
٣ سورة الواقعة/ ٧٧-٧٩.
٤ رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه، باب «كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو» ح «٢٩٩٠» ٢/٣٥٦، ومسلم في كتاب الأمارة، باب «النهي أن يسافر بالمصاحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم»، ح «١٨٦٩» ٣/١٤٩٠»، وأبوداود في سننه، كتاب الجهاد، باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ح «٢٦١٠» ٣/٨٢، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب «النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، ح «٢٨٧٩، ٢٨٨٠» ٢/٩٦١، والإمام مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب «النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، ح «٧» ١/٤٤٦، وأحمد في المسند ٢/٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٥٦٥» ٢/٣٤١. وقوله: " مخافة أن يناله العدو " من قول الإمام مالك، كما ذكر ذلك أبوداود، وهو كذلك في الموطأ.
٣٥ - وقال عثمان بن عفان ﵁: " ما أحب أن يأتي علي يوم [وليلة] ١ حتى أنظر في كلام الله ﷿ "٢ يعني القراءة في المصحف.
٣٦ - وقال عبد الله بن أبي مليكة٣: " كان عكرمة بن أبي
_________
١ في [ل]: [ولا ليلة] .
٢ رواه البيهقي بلفظ " لو أن قلوبنا ظهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف ". الأسماء والصفات ص٣١٣.
٣ هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، زهير بن عبد الله بن جدعان، إمام حجة حافظ، حدث عن عائشة أم المؤمنين وأختها أسماء، وابن عباس، وغيرهم، كان عالمًا فقيهًا، صاحب حديث وإتقان، وحدث عنه رفيقه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم. مات سنة ١١٧هـ.
انظر: التاريخ الكبير ٢/١٠٨، وحلية الأولياء ٥/٢٢١، وسير أعلام النبلاء ٥/٨٨.
جهل١ ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي ﷿ وكلام ربي ﷿ "٢.
وأجمع أئمة السلف، والمُقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر.
٣٧ - قال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: " ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله، منه بدا وإليه يعود" ٣.
٣٨ - وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود٤: " القرآن كلام
_________
١ عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أسلم عام الفتح، وأبلى في حروب الردة بلاءًا حسنًا، قيل توفي في خلافة أبي بكر سنة ١٣هـ. وقيل غير ذلك. الإصابة ٤/٥٣٨.
٢ رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم «١١٠» ١/١٤٠-١٤١.
٣ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٣٧٤» ١/٢٢٩-٢٣٠.
٤ في [ل]: [عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس] .
الله منه بدا وإليه يعود" ١.
٣٩ - وروي عن سفيان بن عيينة٢ قال: سعت عمرو بن دينار٣ يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة
_________
١ رواه اللالكائي عن ابن عباس رقم «٣٧٦» ١/٢٣٠-٢٣١. ورواه عن ابن عباس أيضًا البيهقي في الاسماء والصفات ص٣١٢. وأورده البغوي في شرح السنة ١/١٨٦.
أما ابن مسعود ﵁ فلم أجده عنه بهذا اللفظ، وإنما ورد قوله في القرآن بألفاظ أخرى كقوله فيما رواه عنه الإمام البيهقي: القرآن كلام الله تعالى، فمن كذب على القرآن فإنما يكذب على الله. والأسماء والصفات ص٣١١.
وانظر أقوالًا مشابهة عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٢٣١-٢٣٢.
٢ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه حجة، من رؤس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ١٩٨هـ وله إحدى وتسعون سنة. انظر: حلية الأولياء ٧/٢٧٠، وتقريب التهذيب ١/٣١٢، وسير أعلام النبلاء ٨/٤٠٠.
٣ الإمام الكبير، الحافظ، أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي الأثرم، أحد الأعلام، ولد في إمرة معاوية سنة خمس أو ست وأربعين، وتوفي سنة ست وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة.
انظر التهذيب ٨/٢٨، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٠٠، وشذرات الذهب ١/١٧١.
يقولون: " القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعود ". رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه وهبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ الطبريان في كتاب السنة لهما١. وقد أدرك عمرو بن
_________
١ يريد المصنف بكتاب «السنة لهما»: كتاب «صريح السنة» للإمام محمد بن جرير الطبري المفسر المعروف، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ونقل منه، انظر مجموع الفتاوى ٦/١٨٧. وقد طبعت هذه العقيدة ثلاث مرات، الأولى في بومباي بالهند سنة١٣١١هـ، والثانية في مكة المكرمة بمطبعة النهضة الحديثة سنة ١٣٩١هـ، وهذه الأخيرة بتحقيق الشيخ/ عبد الله بن حميد ﵀، أما الطبعة الثالثة فهي بتحقيق الشيخ بدر بن يوسف المعتوق، قام بنشرها دار الخلفاء للكتاب الإسلامي عام ١٤٠٥هـ. ولها نسخة مصورة في مكتبة جلال كشك بتركيا، وهي ضمن مجموعة بالجامعة الإسلامية رقمها «١٨٧» .
أما كتاب السنة لهبة الله الحسن بن منصور الطبري فيريد به المصنف كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وقد قام بتحقيقه الدكتور أحمد سعد حمدان، وقامت بنشره دار طيبة بالرياض، والأثر المذكور فيه برقم «١٣٨١» ١/٢٣٤.
ورواه أيضًا الدارمي في الرد على الجهمية ص٨٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣١٥.
ولبيان مراد أئمة السلف من قولهم في القرآن: " منه بدا وإليه يعود " أورد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قول الإمام أحمد: " كلام الله من الله ليس ببائن منه "، ثم عقب عليه بقوله: " وهذا معنى قول السلف: " القرآن كلام الله منه بدا، ومنه خرج، وإليه يعود ". . وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج، ومنه بدا، أنه فارق ذاته وحل بغيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله؟ ... ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية، فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره، فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه، لا من الله كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج ".
مجموع الفتاوى ١٢/٥١٧-٥١٨.
دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر.
واحتج أحمد١ على ذلك بأن الله كلم موسى٢، فكان الكلام من الله والإستماع من موسى، وبقوله ﷿: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ٣.
٤٠ - وروى الترمذي من رواية خباب بن الأرت٤ أن النبي ﷺ
_________
١ في [ل]: [أحمد بن حنبل] .
٢ انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد، بتحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة ص١١٧.
٣ سورة السجدة/ ١٣.
٤ الصحابي الجليل خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم، أبو يحي التميمي، وقيل أبو عبد الله، من نجباء السابقين، مات بالكوفة سنة ٣٧هـ.
التاريخ الكبير ٣/٢١٥، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٢٣-٣٣٥، وشذرات الذهب ١/٤٧.
قال: " إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه" ١. يعني القرآن.
ونعتقد أن الحروف المكتوبة [والأصوات المسموعة] ٢ عين كلام الله ﷿، لا حكاية ولا عبارة. قال الله ﷿:
_________
١ لم أجد هذا الحديث في سنن الترمذي عن طريق خباب، وإنما فيه روايتان، إحداهما عن أبي أمامة ولفظها: " ... وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه "، قال الترمذي: قال أبو النضر: يعني القرآن. كتاب فضائل القرآن ح «٢٩١١» . والأخرى في نفس الموضع عن جبير بن نفير ﵁، ولفظها: قال النبي ﷺ: " إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه " يعني القرآن ح «٢٩١٢» ٥/١٧٦، ١٧٧.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ حديث جبير هذا وعزاه إلى الإمام أحمد، وأشار إلى الرواية السابقة عن أبي أمامة فقال: وقد روي أيضًا عن أبي أمامة مرفوعًا.
انظر مجموع الفتاوى ٢/٥١٧.
وذكر الإمام البخاري قول خباب بن الأرت موقوفًا عليه بلفظ: " تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى الله بشيئ أحب إليه من كلامه ".
انظر: خلق أفعال العباد ص١٣، ورواه عنه أيضًا الآجري في الشريعة ص٧٧، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣١١.
٢ ما بين القوسين سقط من [ل] .
﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١. وقال: ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ٢. وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ٣. وقال: ﴿المر﴾ ٤. وقال: ﴿كهيعص﴾ ٥. ﴿حم عسق﴾ ٦، فمن لم يقل إن هذه الأحرف عين كلام الله ﷿ فقد مرق من الدين، وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفًا فقد كابر العيان وأتى بالبهتان٧.
_________
١ سورة البقرة/ ١-٢.
٢ سورة الأعراف/ ١-٢. والآية الثانية لا توجد في الأصل، وأضفتها من [ل] .
٣ سورة يوسف/ ١. وهذه الآية لا توجد في الأصل وأضفتها من [ل] .
٤ سورة الرعد/ ١.
٥ سورة مريم/ ١.
٦ سورة الشورى/ ١-٢.
٧ يشير المصنف ﵀ هنا إلى مقالة الأشاعرة في القرآن الكريم والتي يقولون فيها: إن القرآن الكريم ليس هو كلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة عن كلام الله تعالى - على قول طائفة منهم - أو حكاية لكلام الله تعالى على قول طائفة أخرى. لأن كلام الله تعالى - عندهم - نفسي قديم قائم بذات الله تعالى ليس بحروف ولا أصوات. والمصنف ﵀ يرد هنا على هذه الفرية ويقرر الحق بأدلته من الكتاب والسنة.
انظر مقالة الأشاعرة في الإنصاف للباقلاني ص١٠٦-١٠٧. ولهم على ذلك استدلالات باطلة. راجع كتاب البيهقي وموقفه من الإليهات ص١٩٩-٢١٣.
٤١ - وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من قرأ حرفًا من كتاب الله ﷿ فله عشر حسنات ". قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه غيره من الأئمة وفيه: " أما أني لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن [ألف] ١ حرف ولام حرف وميم حرف"٢.
_________
١ في [ل]: [الألف] .
٢ سنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر، ح «٢٩١٠» ٥/١٧٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وما ذكره المصنف هنا من أن الترمذي قال عن هذا الحديث: هذا حديث صحيح، لعله وهم منه، لأن ثمة فرقًا بين الإصطلاحين عند الترمذي، فقوله في الحديث: هذا حديث صحيح غير قوله: حديث حسن صحيح غريب.
انظر علوم الحديث لابن الصلاح بتحقيق الدكتور نور الدين عتر ص٣٦ هامش «١» . والحديث رواه أيضًا الإمام الدارمي في سننه ٢/٤٢٩ من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ولفظه: " تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول بـ ﴿الم﴾ ولكن بألف ولام وميم، بكل حرف عشر حسنات ".
ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا أيضًا من عدة طرق في بعضها ضعف.
انظر ح «٨٦٤٦-٨٦٤٩» ٩/١٣٠.
٤٢ - وروى يعلى بن مَمْلك١ عن أم سلمة " أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا ". رواه أبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي٢، وقال: حديث حسن صحيح [غريب] ٣.
٤٣ - وروى سهل بن سعد الساعدي٤ قال: بينا نحن نقتري إذ
_________
١ في الأصل: [مالك] وهو خطأ والتصويب من [ل] ومن مصادر الحديث، وهو يعلى بن مملك - بوزن جعفر - المكي، مقبول، من الثالثة.
انظر: التقريب ٢/٣٧٩.
٢ سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب «استحباب الترتيل في القراءة» ح «١٤٦٦» ٢/١٥٤. وسنن النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب «ذكر صلاة رسول الله ﷺ بالليل»، ح «١٦٢٩» ٣/٢١٤. وسنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب «ما جاء كيف كان قراءة النبي ﷺ) ح «٢٩٢٣» ٥/١٨٢.
ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند ٦/٢٩٤،٣٠٠، ٣٢٣. والبخاري في خلق أفعال العباد ص٢٣، والنسائي في فضائل القرآن رقم «٨٢» ص٩٧، وابن المبارك في مسنده رقم «٥٦» ص٣٣. تحقيق صبحي السامرائي.
٣ لا توجد في الأصل ولا في [ل] وأضفتها من الترمذي.
٤ هو الصحابي الجليل سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، الأنصاري الساعدي، يقال: كان اسمه حَزْنًا فغيره النبي ﷺ، آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك.
الإصابة ٣/٢٠٠.
خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " الحمد لله كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، إقرأوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرأونه [يقيمون حروفه كما يُقام السهم لا يتجاوز تراقيهم يتعجلون أجره] ١ ولا يتأجلونه ". رواه أبو بكر الآجري وأئمة غيره٢.
٤٤ - وروي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا: " إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه "٣.
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في الأصل، وأثبته من [ل] ومن مصدره الذي أحال عليه المصنف.
٢ رواه الآجري في أخلاق حملة القرآن، باب «أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله ﷿)، ح «٢٩»، وإسناده فيه ضعف لوجود موسى بن عبيدة الربذي فيه، قال عنه ابن حجر: ضعيف. التقريب ٢/٢٨٦.
ورواه أبو داود في السنن بإسناد جيد، كتاب الصلاة، باب «ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة»، ح «٨٣٠» ١/٥٢٠.
٣ أورده الإمام ابن قدامة المقدسي في المناظرة التي جرت بينه وبين بعض المبتدعين لوحة رقم «٦٧» ضمن مجموع مصور بالجامعة الإسلامية رقم «٢٤٦٦»، وفي كتاب البرهان في بيان القرآن بتحقيق الدكتور/ سعود الفنيسان ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد «١٩» ص٢٣٠.
٤٥ - وروى أبو عبيد١ في فضائل القرآن بإسناده قال: " سئل علي ﵁ عن الجنب [يقرأ] ٢ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفًا "٣.
٤٦ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كفر بحرف منه - يعني القرآن - فقد كفر به أجمع٤.
_________
١ هو الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سَلاّم بن عبد الله، سمع شريكًا ويحيى القطان وغيرهم، وقرأ القرآن على أبي الحسين الكسائي، وآخرين، وله تصانيف كثيرة منها: كتاب غريب الحديث، وكتاب الأموال، وكتاب فضائل القرآن، وقد بلغ عددها - كما يقول الذهبي - بضعة وعشرون كتابًا. توفي بمكة سنة «٢٢٤» . انظر: الطبقات الكبري لابن سعد ٧/٣٥٥، والتاريخ الكبير للبخاري ٧/١٧٢، وسير أعلام النبلاء ١٠/٤٩.
٢ في [ل]: [أيقرأ] .
٣ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/١٠٢، وأورده ابن قدامة في كتاب البرهان في بيان القرآن منشور في مجلة البحوث الإسلامية عدد «١٩» ص٢٣١.
٤ رواه الإمام الطبري في مقدمة تفسيره ١/٢٣، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٣٧٩» ١/٢٣٢، والهروي في ذم الكلام رقم «١٧٩» ٢/٢٢٨ بلفظ: " من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع ".
٤٧ - وقال أيضًا: من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين١.
٤٨ - وقال طلحة بن مصرّف٢: قرأ رجل على معاذ بن جبل فترك واوًا فقال: لقد تركت حرفًا أعظم من جبل أحد٣.
٤٩ - وقال الحسن البصري٤ في كلام له: قال الله ﷿:
_________
١ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم «١٥٩٥٠» ٨/٤٧٣.
٢ طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب الإمام الحافظ المقرئ المجود، شيخ الإسلام، أبو محمد اليامي الهَمْذاني الكوفي، قال عنه عبد الملك بن أبجر: ما رأيت طلحة بن مصرف في ملأ إلا رأيت له الفضل عليهم، توفي سنة ١١٢هـ.
انظر طبقات ابن سعد ٦/٣٠٨، والتاريخ الكبير ٤/٣٤٦، وسير أعلام النبلاء ٥/١٩١.
٣ لم أجد من ذكره.
٤ الحسن بن أبي الحسن، أبو سعيد البصري، واسم أبيه يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة ١١١هـ قال ابن سعد: كان جامعًا عالمًا رفيعًا ثقة حجة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا.
انظر طبقات ابن سعد ٧/١٥٦، والتاريخ الكبير ٢/٢٨٩، والبداية والنهاية ٩/٢٦٦، وسير أعلام النبلاء ٨/٣٣٦.
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ١، وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما اسقطت منه حرفًا، وقد اسقطه والله كله٢.
٥٠ - وقال عبد الله بن المبارك٣: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن [بهذه اللام] ٤ فقد كفر٥.
٥١ - وروى عبد الله بن أنيس٦ [﵁] ٧ قال: سمعت
_________
١ سورة ص/٢٩.
٢ رواه ابن كثير في تفسيره ٧/٥٥، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
٣ تقدمت ترجمته، راجع ص١٢.
٤ في عقيدة السلف للصابوني: [بهذا الكلام] .
٥ رواه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن الرسائل المنيرية ١/١٠٩.
٦ هو الصحابي الجليل: عبد الله بن أنيس الجهني، أبو يحي المدني، حليف بني سلمة، من الأنصار، كان أحد من كسر أصنام بني سلمة من الأنصار، توفي بالشام سنة ٥٤.
انظر: الإصابة لابن حجر ٤/١٥.
٧ ما بين القوسين من [ل] .
...
القاري كلام الله ﷿، قال الله ﷿: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١، وإنما [سمعه] ٢ من التالي، وقال الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣ وقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٤. وقال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٥. وهو محفوظ في الصدور، كما قال ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ٦.
٣٣ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إستذكروا القرآن فلهو أشد [تَفَصّيًا] ٧ من صدور
_________
١ سورة التوبة/ ٦.
٢ في [ل]: [يسمعه] .
٣ سورة الفتح/ ١٥.
٤ سورة الحجر/ ٩.
٥ سورة الشعراء/ ١٩٢-١٩٤.
٦ سورة العنكبوت/ ٤٩.
٧ أي أشد خروجًا، يقال: تفصيتُ من الأمر تَفصّيًا إذا خرجت منه وتخلصت.
النهاية لابن الأثير ٣/٤٥٢.
وفي رواية أبي موسى الأشعري: " أشد تفلتًا " والمعنى واحد.
الرجال من النعم من [عقله] ١. وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله ﷿: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ٢. وقال ﷿: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٣.
٣٤ - وروى عبد الله بن عمر: " أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو "٤.
_________
١ كذا عند المصنف وعند النسائي، وهي رواية عند مسلم وأحمد، وفي بقية مصادر الحديث: [عقلها] . والحديث رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، ح «٥٠٣٢» ٣/٣٤٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ح «٧٩٠» ١/٥٤٤، والدارمي في كتاب الرقائق، باب «في تعاهد القرآن»، ٢/٣٠٨-٣٠٩، وكتاب فضائل القرآن للنسائي بتحقيق الدكتور/ فاروق حمادة ح «٦٤،٦٥» ص٨٨-٨٩. وأحمد في المسند ١/٤٦٣.
٢ سورة الطور/ ١-٣.
٣ سورة الواقعة/ ٧٧-٧٩.
٤ رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه، باب «كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو» ح «٢٩٩٠» ٢/٣٥٦، ومسلم في كتاب الأمارة، باب «النهي أن يسافر بالمصاحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم»، ح «١٨٦٩» ٣/١٤٩٠»، وأبوداود في سننه، كتاب الجهاد، باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ح «٢٦١٠» ٣/٨٢، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب «النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، ح «٢٨٧٩، ٢٨٨٠» ٢/٩٦١، والإمام مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب «النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، ح «٧» ١/٤٤٦، وأحمد في المسند ٢/٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٥٦٥» ٢/٣٤١. وقوله: " مخافة أن يناله العدو " من قول الإمام مالك، كما ذكر ذلك أبوداود، وهو كذلك في الموطأ.
٣٥ - وقال عثمان بن عفان ﵁: " ما أحب أن يأتي علي يوم [وليلة] ١ حتى أنظر في كلام الله ﷿ "٢ يعني القراءة في المصحف.
٣٦ - وقال عبد الله بن أبي مليكة٣: " كان عكرمة بن أبي
_________
١ في [ل]: [ولا ليلة] .
٢ رواه البيهقي بلفظ " لو أن قلوبنا ظهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف ". الأسماء والصفات ص٣١٣.
٣ هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، زهير بن عبد الله بن جدعان، إمام حجة حافظ، حدث عن عائشة أم المؤمنين وأختها أسماء، وابن عباس، وغيرهم، كان عالمًا فقيهًا، صاحب حديث وإتقان، وحدث عنه رفيقه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وغيرهم. مات سنة ١١٧هـ.
انظر: التاريخ الكبير ٢/١٠٨، وحلية الأولياء ٥/٢٢١، وسير أعلام النبلاء ٥/٨٨.
جهل١ ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي ﷿ وكلام ربي ﷿ "٢.
وأجمع أئمة السلف، والمُقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر.
٣٧ - قال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: " ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله، منه بدا وإليه يعود" ٣.
٣٨ - وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود٤: " القرآن كلام
_________
١ عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أسلم عام الفتح، وأبلى في حروب الردة بلاءًا حسنًا، قيل توفي في خلافة أبي بكر سنة ١٣هـ. وقيل غير ذلك. الإصابة ٤/٥٣٨.
٢ رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم «١١٠» ١/١٤٠-١٤١.
٣ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٣٧٤» ١/٢٢٩-٢٣٠.
٤ في [ل]: [عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس] .
الله منه بدا وإليه يعود" ١.
٣٩ - وروي عن سفيان بن عيينة٢ قال: سعت عمرو بن دينار٣ يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة
_________
١ رواه اللالكائي عن ابن عباس رقم «٣٧٦» ١/٢٣٠-٢٣١. ورواه عن ابن عباس أيضًا البيهقي في الاسماء والصفات ص٣١٢. وأورده البغوي في شرح السنة ١/١٨٦.
أما ابن مسعود ﵁ فلم أجده عنه بهذا اللفظ، وإنما ورد قوله في القرآن بألفاظ أخرى كقوله فيما رواه عنه الإمام البيهقي: القرآن كلام الله تعالى، فمن كذب على القرآن فإنما يكذب على الله. والأسماء والصفات ص٣١١.
وانظر أقوالًا مشابهة عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٢٣١-٢٣٢.
٢ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه حجة، من رؤس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ١٩٨هـ وله إحدى وتسعون سنة. انظر: حلية الأولياء ٧/٢٧٠، وتقريب التهذيب ١/٣١٢، وسير أعلام النبلاء ٨/٤٠٠.
٣ الإمام الكبير، الحافظ، أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي الأثرم، أحد الأعلام، ولد في إمرة معاوية سنة خمس أو ست وأربعين، وتوفي سنة ست وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة.
انظر التهذيب ٨/٢٨، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٠٠، وشذرات الذهب ١/١٧١.
يقولون: " القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعود ". رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه وهبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ الطبريان في كتاب السنة لهما١. وقد أدرك عمرو بن
_________
١ يريد المصنف بكتاب «السنة لهما»: كتاب «صريح السنة» للإمام محمد بن جرير الطبري المفسر المعروف، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ونقل منه، انظر مجموع الفتاوى ٦/١٨٧. وقد طبعت هذه العقيدة ثلاث مرات، الأولى في بومباي بالهند سنة١٣١١هـ، والثانية في مكة المكرمة بمطبعة النهضة الحديثة سنة ١٣٩١هـ، وهذه الأخيرة بتحقيق الشيخ/ عبد الله بن حميد ﵀، أما الطبعة الثالثة فهي بتحقيق الشيخ بدر بن يوسف المعتوق، قام بنشرها دار الخلفاء للكتاب الإسلامي عام ١٤٠٥هـ. ولها نسخة مصورة في مكتبة جلال كشك بتركيا، وهي ضمن مجموعة بالجامعة الإسلامية رقمها «١٨٧» .
أما كتاب السنة لهبة الله الحسن بن منصور الطبري فيريد به المصنف كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وقد قام بتحقيقه الدكتور أحمد سعد حمدان، وقامت بنشره دار طيبة بالرياض، والأثر المذكور فيه برقم «١٣٨١» ١/٢٣٤.
ورواه أيضًا الدارمي في الرد على الجهمية ص٨٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣١٥.
ولبيان مراد أئمة السلف من قولهم في القرآن: " منه بدا وإليه يعود " أورد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قول الإمام أحمد: " كلام الله من الله ليس ببائن منه "، ثم عقب عليه بقوله: " وهذا معنى قول السلف: " القرآن كلام الله منه بدا، ومنه خرج، وإليه يعود ". . وليس معنى قول السلف والأئمة: إنه منه خرج، ومنه بدا، أنه فارق ذاته وحل بغيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله؟ ... ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية، فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره، فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه، لا من الله كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج ".
مجموع الفتاوى ١٢/٥١٧-٥١٨.
دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر.
واحتج أحمد١ على ذلك بأن الله كلم موسى٢، فكان الكلام من الله والإستماع من موسى، وبقوله ﷿: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ٣.
٤٠ - وروى الترمذي من رواية خباب بن الأرت٤ أن النبي ﷺ
_________
١ في [ل]: [أحمد بن حنبل] .
٢ انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد، بتحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة ص١١٧.
٣ سورة السجدة/ ١٣.
٤ الصحابي الجليل خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم، أبو يحي التميمي، وقيل أبو عبد الله، من نجباء السابقين، مات بالكوفة سنة ٣٧هـ.
التاريخ الكبير ٣/٢١٥، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٢٣-٣٣٥، وشذرات الذهب ١/٤٧.
قال: " إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه" ١. يعني القرآن.
ونعتقد أن الحروف المكتوبة [والأصوات المسموعة] ٢ عين كلام الله ﷿، لا حكاية ولا عبارة. قال الله ﷿:
_________
١ لم أجد هذا الحديث في سنن الترمذي عن طريق خباب، وإنما فيه روايتان، إحداهما عن أبي أمامة ولفظها: " ... وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه "، قال الترمذي: قال أبو النضر: يعني القرآن. كتاب فضائل القرآن ح «٢٩١١» . والأخرى في نفس الموضع عن جبير بن نفير ﵁، ولفظها: قال النبي ﷺ: " إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه " يعني القرآن ح «٢٩١٢» ٥/١٧٦، ١٧٧.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ حديث جبير هذا وعزاه إلى الإمام أحمد، وأشار إلى الرواية السابقة عن أبي أمامة فقال: وقد روي أيضًا عن أبي أمامة مرفوعًا.
انظر مجموع الفتاوى ٢/٥١٧.
وذكر الإمام البخاري قول خباب بن الأرت موقوفًا عليه بلفظ: " تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى الله بشيئ أحب إليه من كلامه ".
انظر: خلق أفعال العباد ص١٣، ورواه عنه أيضًا الآجري في الشريعة ص٧٧، والبيهقي في الأسماء والصفات ص٣١١.
٢ ما بين القوسين سقط من [ل] .
﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١. وقال: ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ٢. وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ٣. وقال: ﴿المر﴾ ٤. وقال: ﴿كهيعص﴾ ٥. ﴿حم عسق﴾ ٦، فمن لم يقل إن هذه الأحرف عين كلام الله ﷿ فقد مرق من الدين، وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفًا فقد كابر العيان وأتى بالبهتان٧.
_________
١ سورة البقرة/ ١-٢.
٢ سورة الأعراف/ ١-٢. والآية الثانية لا توجد في الأصل، وأضفتها من [ل] .
٣ سورة يوسف/ ١. وهذه الآية لا توجد في الأصل وأضفتها من [ل] .
٤ سورة الرعد/ ١.
٥ سورة مريم/ ١.
٦ سورة الشورى/ ١-٢.
٧ يشير المصنف ﵀ هنا إلى مقالة الأشاعرة في القرآن الكريم والتي يقولون فيها: إن القرآن الكريم ليس هو كلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة عن كلام الله تعالى - على قول طائفة منهم - أو حكاية لكلام الله تعالى على قول طائفة أخرى. لأن كلام الله تعالى - عندهم - نفسي قديم قائم بذات الله تعالى ليس بحروف ولا أصوات. والمصنف ﵀ يرد هنا على هذه الفرية ويقرر الحق بأدلته من الكتاب والسنة.
انظر مقالة الأشاعرة في الإنصاف للباقلاني ص١٠٦-١٠٧. ولهم على ذلك استدلالات باطلة. راجع كتاب البيهقي وموقفه من الإليهات ص١٩٩-٢١٣.
٤١ - وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من قرأ حرفًا من كتاب الله ﷿ فله عشر حسنات ". قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه غيره من الأئمة وفيه: " أما أني لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن [ألف] ١ حرف ولام حرف وميم حرف"٢.
_________
١ في [ل]: [الألف] .
٢ سنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر، ح «٢٩١٠» ٥/١٧٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وما ذكره المصنف هنا من أن الترمذي قال عن هذا الحديث: هذا حديث صحيح، لعله وهم منه، لأن ثمة فرقًا بين الإصطلاحين عند الترمذي، فقوله في الحديث: هذا حديث صحيح غير قوله: حديث حسن صحيح غريب.
انظر علوم الحديث لابن الصلاح بتحقيق الدكتور نور الدين عتر ص٣٦ هامش «١» . والحديث رواه أيضًا الإمام الدارمي في سننه ٢/٤٢٩ من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ولفظه: " تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول بـ ﴿الم﴾ ولكن بألف ولام وميم، بكل حرف عشر حسنات ".
ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا أيضًا من عدة طرق في بعضها ضعف.
انظر ح «٨٦٤٦-٨٦٤٩» ٩/١٣٠.
٤٢ - وروى يعلى بن مَمْلك١ عن أم سلمة " أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا ". رواه أبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي٢، وقال: حديث حسن صحيح [غريب] ٣.
٤٣ - وروى سهل بن سعد الساعدي٤ قال: بينا نحن نقتري إذ
_________
١ في الأصل: [مالك] وهو خطأ والتصويب من [ل] ومن مصادر الحديث، وهو يعلى بن مملك - بوزن جعفر - المكي، مقبول، من الثالثة.
انظر: التقريب ٢/٣٧٩.
٢ سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب «استحباب الترتيل في القراءة» ح «١٤٦٦» ٢/١٥٤. وسنن النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب «ذكر صلاة رسول الله ﷺ بالليل»، ح «١٦٢٩» ٣/٢١٤. وسنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب «ما جاء كيف كان قراءة النبي ﷺ) ح «٢٩٢٣» ٥/١٨٢.
ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند ٦/٢٩٤،٣٠٠، ٣٢٣. والبخاري في خلق أفعال العباد ص٢٣، والنسائي في فضائل القرآن رقم «٨٢» ص٩٧، وابن المبارك في مسنده رقم «٥٦» ص٣٣. تحقيق صبحي السامرائي.
٣ لا توجد في الأصل ولا في [ل] وأضفتها من الترمذي.
٤ هو الصحابي الجليل سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، الأنصاري الساعدي، يقال: كان اسمه حَزْنًا فغيره النبي ﷺ، آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك.
الإصابة ٣/٢٠٠.
خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " الحمد لله كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، إقرأوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرأونه [يقيمون حروفه كما يُقام السهم لا يتجاوز تراقيهم يتعجلون أجره] ١ ولا يتأجلونه ". رواه أبو بكر الآجري وأئمة غيره٢.
٤٤ - وروي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا: " إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه "٣.
_________
١ ما بين القوسين لا يوجد في الأصل، وأثبته من [ل] ومن مصدره الذي أحال عليه المصنف.
٢ رواه الآجري في أخلاق حملة القرآن، باب «أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله ﷿)، ح «٢٩»، وإسناده فيه ضعف لوجود موسى بن عبيدة الربذي فيه، قال عنه ابن حجر: ضعيف. التقريب ٢/٢٨٦.
ورواه أبو داود في السنن بإسناد جيد، كتاب الصلاة، باب «ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة»، ح «٨٣٠» ١/٥٢٠.
٣ أورده الإمام ابن قدامة المقدسي في المناظرة التي جرت بينه وبين بعض المبتدعين لوحة رقم «٦٧» ضمن مجموع مصور بالجامعة الإسلامية رقم «٢٤٦٦»، وفي كتاب البرهان في بيان القرآن بتحقيق الدكتور/ سعود الفنيسان ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد «١٩» ص٢٣٠.
٤٥ - وروى أبو عبيد١ في فضائل القرآن بإسناده قال: " سئل علي ﵁ عن الجنب [يقرأ] ٢ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفًا "٣.
٤٦ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كفر بحرف منه - يعني القرآن - فقد كفر به أجمع٤.
_________
١ هو الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سَلاّم بن عبد الله، سمع شريكًا ويحيى القطان وغيرهم، وقرأ القرآن على أبي الحسين الكسائي، وآخرين، وله تصانيف كثيرة منها: كتاب غريب الحديث، وكتاب الأموال، وكتاب فضائل القرآن، وقد بلغ عددها - كما يقول الذهبي - بضعة وعشرون كتابًا. توفي بمكة سنة «٢٢٤» . انظر: الطبقات الكبري لابن سعد ٧/٣٥٥، والتاريخ الكبير للبخاري ٧/١٧٢، وسير أعلام النبلاء ١٠/٤٩.
٢ في [ل]: [أيقرأ] .
٣ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/١٠٢، وأورده ابن قدامة في كتاب البرهان في بيان القرآن منشور في مجلة البحوث الإسلامية عدد «١٩» ص٢٣١.
٤ رواه الإمام الطبري في مقدمة تفسيره ١/٢٣، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٣٧٩» ١/٢٣٢، والهروي في ذم الكلام رقم «١٧٩» ٢/٢٢٨ بلفظ: " من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع ".
٤٧ - وقال أيضًا: من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين١.
٤٨ - وقال طلحة بن مصرّف٢: قرأ رجل على معاذ بن جبل فترك واوًا فقال: لقد تركت حرفًا أعظم من جبل أحد٣.
٤٩ - وقال الحسن البصري٤ في كلام له: قال الله ﷿:
_________
١ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم «١٥٩٥٠» ٨/٤٧٣.
٢ طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب الإمام الحافظ المقرئ المجود، شيخ الإسلام، أبو محمد اليامي الهَمْذاني الكوفي، قال عنه عبد الملك بن أبجر: ما رأيت طلحة بن مصرف في ملأ إلا رأيت له الفضل عليهم، توفي سنة ١١٢هـ.
انظر طبقات ابن سعد ٦/٣٠٨، والتاريخ الكبير ٤/٣٤٦، وسير أعلام النبلاء ٥/١٩١.
٣ لم أجد من ذكره.
٤ الحسن بن أبي الحسن، أبو سعيد البصري، واسم أبيه يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي سنة ١١١هـ قال ابن سعد: كان جامعًا عالمًا رفيعًا ثقة حجة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا.
انظر طبقات ابن سعد ٧/١٥٦، والتاريخ الكبير ٢/٢٨٩، والبداية والنهاية ٩/٢٦٦، وسير أعلام النبلاء ٨/٣٣٦.
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ١، وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما اسقطت منه حرفًا، وقد اسقطه والله كله٢.
٥٠ - وقال عبد الله بن المبارك٣: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن [بهذه اللام] ٤ فقد كفر٥.
٥١ - وروى عبد الله بن أنيس٦ [﵁] ٧ قال: سمعت
_________
١ سورة ص/٢٩.
٢ رواه ابن كثير في تفسيره ٧/٥٥، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
٣ تقدمت ترجمته، راجع ص١٢.
٤ في عقيدة السلف للصابوني: [بهذا الكلام] .
٥ رواه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن الرسائل المنيرية ١/١٠٩.
٦ هو الصحابي الجليل: عبد الله بن أنيس الجهني، أبو يحي المدني، حليف بني سلمة، من الأنصار، كان أحد من كسر أصنام بني سلمة من الأنصار، توفي بالشام سنة ٥٤.
انظر: الإصابة لابن حجر ٤/١٥.
٧ ما بين القوسين من [ل] .
Translation
القول في القرآن
#16
Chapter 16 — كلام الله بحرف وصوت
· ref. #16
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
كلام الله بحرف وصوت
...
٥٢ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان، فيخرون سجدًا " ١. وذكر الحديث.
وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج باطل ومحال٢. قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ
_________
١ رواه البخاري تعليقًا في كتاب التوحيد، باب «قول الله تعالى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾» ٤/٤٠٠، وأخرج نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة في كتاب التفسير، باب ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ح «٤٧٠١» ٣/٢٤٧، باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ...﴾ ح «٤٨٠٠» ٣/٢٨١.
وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب «في القرآن»، ح «٤٧٣٨» ٥/١٠٥، وابن خزيمة في كتاب التوحيد من عدة طرق ص١٤٥-١٤٨.
٢ هذه الشبهة هي ما استند إليه نفاة الحرف والصوت عن كلام الله تعالى، وبمثل رد المصنف هنا رد أئمة السلف غيره، يقول الإمام أحمد ﵀ " ... وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف يشاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان "، الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣١. فهذه الأدلة تدل على أنه ليس من شرط المتكلم أن يكون ذا مخارج فبطلت شبهة القوم.
امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ١.
وكذلك قال [﷿] ٢ إخبارًا عن السماء والأرض أنهما ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٣. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات.
٥٣ - وروي عن النبي ﷺ أنه كلمه الذراع المسمومة٤.
٥٤ - وصح أنه سلم عليه الحجر٥.
_________
١ سورة ق/ ٣٠.
٢ من [ل] .
٣ سورة فصلت/ ١١.
٤ يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قصة الشاة المسمومة التي أهداها اليهود للنبي ﷺ يوم فتح خيبر. وراه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب «إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟» ح «٣١٦٩» ٢/٤١٠، ورواه البيهقي في دلائل البنوة ٤/٢٥٦.
٥ حديث تسليم الحجر على رسول الله ﷺ رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب «فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة» ح «٢٢٧٧» ٤/١٧٨٢ والترمذي في سننه كتاب المناقب، باب «في آيات إثبات نبوة النبي ﷺ وما قد خصه الله ﷿ به» ح «٣٦٢٤» ٥/٥٩٢، والدارمي في سننه، باب «كيف كان أول شأن النبي ﷺ) ١/١٢، وأحمد في المسند ٥/٩٨، ٩٥، ١٠٥.
...
٥٢ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان، فيخرون سجدًا " ١. وذكر الحديث.
وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج باطل ومحال٢. قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ
_________
١ رواه البخاري تعليقًا في كتاب التوحيد، باب «قول الله تعالى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾» ٤/٤٠٠، وأخرج نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة في كتاب التفسير، باب ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ح «٤٧٠١» ٣/٢٤٧، باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ...﴾ ح «٤٨٠٠» ٣/٢٨١.
وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب «في القرآن»، ح «٤٧٣٨» ٥/١٠٥، وابن خزيمة في كتاب التوحيد من عدة طرق ص١٤٥-١٤٨.
٢ هذه الشبهة هي ما استند إليه نفاة الحرف والصوت عن كلام الله تعالى، وبمثل رد المصنف هنا رد أئمة السلف غيره، يقول الإمام أحمد ﵀ " ... وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف يشاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان "، الرد على الجهمية والزنادقة ص١٣١. فهذه الأدلة تدل على أنه ليس من شرط المتكلم أن يكون ذا مخارج فبطلت شبهة القوم.
امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ١.
وكذلك قال [﷿] ٢ إخبارًا عن السماء والأرض أنهما ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٣. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات.
٥٣ - وروي عن النبي ﷺ أنه كلمه الذراع المسمومة٤.
٥٤ - وصح أنه سلم عليه الحجر٥.
_________
١ سورة ق/ ٣٠.
٢ من [ل] .
٣ سورة فصلت/ ١١.
٤ يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قصة الشاة المسمومة التي أهداها اليهود للنبي ﷺ يوم فتح خيبر. وراه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب «إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟» ح «٣١٦٩» ٢/٤١٠، ورواه البيهقي في دلائل البنوة ٤/٢٥٦.
٥ حديث تسليم الحجر على رسول الله ﷺ رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب «فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة» ح «٢٢٧٧» ٤/١٧٨٢ والترمذي في سننه كتاب المناقب، باب «في آيات إثبات نبوة النبي ﷺ وما قد خصه الله ﷿ به» ح «٣٦٢٤» ٥/٥٩٢، والدارمي في سننه، باب «كيف كان أول شأن النبي ﷺ) ١/١٢، وأحمد في المسند ٥/٩٨، ٩٥، ١٠٥.
Translation
كلام الله بحرف وصوت
#17
Chapter 17 — الإيمان بالقضاء والقدر
· ref. #17
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
الإيمان بالقضاء والقدر
...
٥٥ - وسلمت عليه الشجرة١.
وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيئ إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله [به] ٢ عدلًا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ ٤. وقال [تعالى] ٥: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٦، وقال
_________
١ ورد ذلك في حديث علي ﷺ عند الحاكم في المستدرك ٢/٦٢٠ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
٢ في الأصل: [بها] وما أثبت من [ل] .
٣ سورة الأنبياء/ ٢٣.
٤ سورة الأعراف/ ١٧٩.
٥ في [ل]: [﷿] .
٦ سورة السجدة/ ١٣.
﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١.
٥٦ - وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد٢ فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه [مخصره] ٣ فنكّس وجعل [ينكت] ٤ بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد إلا قد [كتب] ٥ مقعده من الجنة ومقعده من النار٦"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من
_________
١ سورة القمر/ ٤٩.
٢ الغرقد ضرب من شجر العِضَاة، وشجر الشوك، وفي حديث أشراط الساعة: " إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود "، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة: " بقيع الغرقد " لأنه كان فيه غرقد فقطع. النهاية في غريب الحديث ٣/٣٦٢.
٣ المِخْصَرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا، أو عكازة، أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكى عليه. النهاية ٢/٣٦.
٤ أي يضرب الأرض.
انظر: المجموع المغيث لأبي موسى الأصفهاني ٣/٣٣٩.
٥ سقطت من [ل] .
٦ في [ل]: [مقعده من النار ومقعده من الجنة] .
أهل السعادة [فييسر] ١ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل [الشقاوة] ٢ [فييسر] ٣ لعمل [أهل] ٤ الشقاء "، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٥ الآية.
٥٧ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق أن خلق أحدكم
_________
١ في [ل]: [فسيصير] .
٢ في [ل]: [الشقاء] .
٣ في [ل]: [فسيصير] .
٤ لا توجد في [ل] .
٥ الآيات من سورة الليل/ ٥-٧، أما الحديث فمتفق عليه، البخاري، كتاب التفسير ح «٤٩٤٦-٤٩٤٩» ٣/٣٢٥-٣٢٦، وكتاب القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ح «٦٦٠٥» ٤/٢١٠، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ...﴾ ح «٧٥٥٢» ٤/٤١٧، ومسلم في كتاب القدر، باب «كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ...» ح «٢٦٤٧» ٤/٢٠٣٩-٢٠٤٠، وأخرجه أيضًا ابو داود في سننه، كتاب السنة «باب في القدر» ح «٢٦٩٤» ٥/٦٨، والترمذي في القدر «باب ما جاء في الشقاء والسعادة» ح «٢١٣٥» ٤/٤٤٥، وابن ماجه في المقدمة، باب «في القدر» ح «٧٨» ١/٣٠، وأحمد في المسند ١/٨٢،١٤٠.
[يجتمع] ١ في بطن أمه أربعين يومًا [نطفة] ٢ ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكًا بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها "٣.
_________
١ في [ل]: [يُجمع] .
٢ سقطت من الأصل، وأضفتها من [ل] .
٣ متفق عليه، البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة»، ح «٣٢٠٨» ٢/٤٢٤، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب «خلق آدم وذريته» ح «٣٣٣٢» ٢/٤٥١، وكتاب القدر ح «٦٥٩٤» ٤/٢٠٨، وكتاب التوحيد، باب «قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ح «٧٤٥٤» ٤/٣٩٥-٣٩٦، ومسلم كتاب القدر، باب «كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. .» ح «٢٦٤٣» ٤/٢٠٣٦، ورواه أيضًا أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في القدر ح «٤٧٠٨» ٥/٨٢، والترمذي، كتاب القدر، باب «ما جاء أن الأعمال بالخواتيم» ح «٢١٣٧» ٤/٤٤٦، وابن ماجه، المقدمة، باب «في القدر» ح «٧٦» ١/٢٩.
...
٥٥ - وسلمت عليه الشجرة١.
وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيئ إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله [به] ٢ عدلًا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ ٤. وقال [تعالى] ٥: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٦، وقال
_________
١ ورد ذلك في حديث علي ﷺ عند الحاكم في المستدرك ٢/٦٢٠ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
٢ في الأصل: [بها] وما أثبت من [ل] .
٣ سورة الأنبياء/ ٢٣.
٤ سورة الأعراف/ ١٧٩.
٥ في [ل]: [﷿] .
٦ سورة السجدة/ ١٣.
﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١.
٥٦ - وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد٢ فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه [مخصره] ٣ فنكّس وجعل [ينكت] ٤ بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد إلا قد [كتب] ٥ مقعده من الجنة ومقعده من النار٦"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من
_________
١ سورة القمر/ ٤٩.
٢ الغرقد ضرب من شجر العِضَاة، وشجر الشوك، وفي حديث أشراط الساعة: " إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود "، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة: " بقيع الغرقد " لأنه كان فيه غرقد فقطع. النهاية في غريب الحديث ٣/٣٦٢.
٣ المِخْصَرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا، أو عكازة، أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكى عليه. النهاية ٢/٣٦.
٤ أي يضرب الأرض.
انظر: المجموع المغيث لأبي موسى الأصفهاني ٣/٣٣٩.
٥ سقطت من [ل] .
٦ في [ل]: [مقعده من النار ومقعده من الجنة] .
أهل السعادة [فييسر] ١ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل [الشقاوة] ٢ [فييسر] ٣ لعمل [أهل] ٤ الشقاء "، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٥ الآية.
٥٧ - وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق أن خلق أحدكم
_________
١ في [ل]: [فسيصير] .
٢ في [ل]: [الشقاء] .
٣ في [ل]: [فسيصير] .
٤ لا توجد في [ل] .
٥ الآيات من سورة الليل/ ٥-٧، أما الحديث فمتفق عليه، البخاري، كتاب التفسير ح «٤٩٤٦-٤٩٤٩» ٣/٣٢٥-٣٢٦، وكتاب القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ح «٦٦٠٥» ٤/٢١٠، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ...﴾ ح «٧٥٥٢» ٤/٤١٧، ومسلم في كتاب القدر، باب «كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ...» ح «٢٦٤٧» ٤/٢٠٣٩-٢٠٤٠، وأخرجه أيضًا ابو داود في سننه، كتاب السنة «باب في القدر» ح «٢٦٩٤» ٥/٦٨، والترمذي في القدر «باب ما جاء في الشقاء والسعادة» ح «٢١٣٥» ٤/٤٤٥، وابن ماجه في المقدمة، باب «في القدر» ح «٧٨» ١/٣٠، وأحمد في المسند ١/٨٢،١٤٠.
[يجتمع] ١ في بطن أمه أربعين يومًا [نطفة] ٢ ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكًا بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها "٣.
_________
١ في [ل]: [يُجمع] .
٢ سقطت من الأصل، وأضفتها من [ل] .
٣ متفق عليه، البخاري، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة»، ح «٣٢٠٨» ٢/٤٢٤، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب «خلق آدم وذريته» ح «٣٣٣٢» ٢/٤٥١، وكتاب القدر ح «٦٥٩٤» ٤/٢٠٨، وكتاب التوحيد، باب «قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ح «٧٤٥٤» ٤/٣٩٥-٣٩٦، ومسلم كتاب القدر، باب «كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. .» ح «٢٦٤٣» ٤/٢٠٣٦، ورواه أيضًا أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في القدر ح «٤٧٠٨» ٥/٨٢، والترمذي، كتاب القدر، باب «ما جاء أن الأعمال بالخواتيم» ح «٢١٣٧» ٤/٤٤٦، وابن ماجه، المقدمة، باب «في القدر» ح «٧٦» ١/٢٩.
Translation
الإيمان بالقضاء والقدر
#18
Chapter 18 — الإسراء والمعراج
· ref. #18
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
الإسراء والمعراج
...
٥٨ - وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح، وأبو داود في السنن، وغيرهما من الأئمة: " أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم "١، وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال.
وأجمع القائلون بالأخبار، والمؤمنون بالآثار، أن رسول الله ﷺ أسري به إلى [فوق] ٢ سبع سماوات، ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن
_________
١ مسلم، كتاب الإيمان، باب «بيان الإيمان والإسلام والإحسان» ح «٨» ١/٣٦، وأبو داود، باب «في القدر» ح «٤٦٩٥» ٥/٦٩-٧٣، وابن ماجه، المقدمة، باب «في الإيمان» ح «٦٣» ١/٢٤، وأحمد في المسند ١/٢٧، ومواضع كثيرة منه.
٢ من [ل] .
الإسراء في ليلة والمعراج [في ليلة] ١ فقد غلط، ومن قال: إنه منام وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٢.
٥٩ - وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر٣، وأنس بن مالك، ومالك بن صعصعة٤، وجابر بن عبد الله، وشداد بن أوس٥،
_________
١ في [ل]: [في أخرى] .
٢ سورة الإسراء/ ١.
٣ اسمه جندب بن جنادة، ويقال: جندب بن سكن، وقيل أيضًا: برير بن جنادة، وجندب بن جنادة أشهر، وقائلوه أكثر.
انظر: الأسماء المبهمة للخطيب البغدادي ص٤٦.
٤ مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن غنم بن عدي بن عامر بن عدي بن النجار الأنصاري، حدث أنس بن مالك عنه عن النبي ﷺ بقصة الإسراء، قال البغوي: سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ حديثين.
الإصابة ٥/٧٢٨.
٥ شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، أبو يعلى ويقال أبو عبد الرحمن، روى عن النبي ﷺ وعن كعب الأحبار، قال خالد بن معدان: لم يبق من أصحاب رسول الله ﷺ بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه، ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. توفي سنة ٥٨، وقيل غيرها.
الإصابة ٣/٣١٩، وانظر طبقات ابن سعد ٢/٣٧٤.
وغيرهم، كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل، مخرجة في الصحاح١.
_________
١ الحديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب «المعراج»، ح «٣٨٨٧» ٣/٦٣، ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب «الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات» ح «١٦٢» ١/١٤٥، و«١٦٣» ١/١٤٨.
ورواه الإمام ابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٣١» وذكر في نهايته قول الحافظ أبو الفضل بن ناصر ﵀ اتفق أئمة الحديث على صحة هذا الحديث وثبوته.
وذكر الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٩٨ أن قصة الإسراء والمعراج متواترة، وقد أفردها بعض العلماء بالتأليف كما فعل السيوطي في كتابه «الآية الكبرى في المعراج والإسراء»، وجمع الإمام ابن كثير ﵀ طرق هذا الحديث في تفسير سورة الإسراء، ومنها الصحيح والحسن والضعيف. انظر تفسير القرآن العظيم ٥/٤-٣٩.
اما مسألة الإسراء فقد حصل الخلاف فيها هل كان بالروح فقط، أم بالروح والبدن جميعًا، وهل كان ذلك يقظة أم منامًا؟ . إلا أن الحق في ذلك ما عليه جمهور علماء الأمة وأئمتها من أن الإسراء كان بالروح والبدن جميعًا، يقظة لا منامًا، واستدلوا لذلك بما يلي:
١ - أن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الإسراء/١، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع.
٢ - أن ذلك جائز عقلًا، إذ لو جاز إستبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.
٣ - أن التسبيح في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ الآية، إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيئ ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان أسلم.
٤ - أنه ﷺ حمل على البراق، وهو دابة، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه.
انظر شرح الطحاوية ١/٢٧٠، وتفسير ابن كثير ٥/٤٠-٤١، وزاد المعاد ٣/٤٠٤٢.
أما قول المصنف ﵀: إن من قال إنه منام فقد كفر، فإنه وإن كان القول بأن الإسراء كان منامًا فيه مخالفة بيّنه وتكذيب واضح للأخبار التي رويت في الإسراء، فإن القول بتكفير قائله فيه نظر، لأنه لا يعدو كونه متأولًا مخطئًا، وإن كان خطؤه شنيعًا، ولذلك ذكر هذا القول الإمام الطبري في تفسيره، وتعقبه بالإنكار والتشنيع، لأن هذا خلاف سياق الأدلة من الكتاب والسنة، إلا أنه لم يُكَفّر أصحابه، ولم أجد من كفرهم سوى المصنف ﵀.
راجع تفسير الطبري ١٥/١٧.
...
٥٨ - وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح، وأبو داود في السنن، وغيرهما من الأئمة: " أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم "١، وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال.
وأجمع القائلون بالأخبار، والمؤمنون بالآثار، أن رسول الله ﷺ أسري به إلى [فوق] ٢ سبع سماوات، ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن
_________
١ مسلم، كتاب الإيمان، باب «بيان الإيمان والإسلام والإحسان» ح «٨» ١/٣٦، وأبو داود، باب «في القدر» ح «٤٦٩٥» ٥/٦٩-٧٣، وابن ماجه، المقدمة، باب «في الإيمان» ح «٦٣» ١/٢٤، وأحمد في المسند ١/٢٧، ومواضع كثيرة منه.
٢ من [ل] .
الإسراء في ليلة والمعراج [في ليلة] ١ فقد غلط، ومن قال: إنه منام وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ٢.
٥٩ - وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر٣، وأنس بن مالك، ومالك بن صعصعة٤، وجابر بن عبد الله، وشداد بن أوس٥،
_________
١ في [ل]: [في أخرى] .
٢ سورة الإسراء/ ١.
٣ اسمه جندب بن جنادة، ويقال: جندب بن سكن، وقيل أيضًا: برير بن جنادة، وجندب بن جنادة أشهر، وقائلوه أكثر.
انظر: الأسماء المبهمة للخطيب البغدادي ص٤٦.
٤ مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن غنم بن عدي بن عامر بن عدي بن النجار الأنصاري، حدث أنس بن مالك عنه عن النبي ﷺ بقصة الإسراء، قال البغوي: سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ حديثين.
الإصابة ٥/٧٢٨.
٥ شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، أبو يعلى ويقال أبو عبد الرحمن، روى عن النبي ﷺ وعن كعب الأحبار، قال خالد بن معدان: لم يبق من أصحاب رسول الله ﷺ بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه، ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. توفي سنة ٥٨، وقيل غيرها.
الإصابة ٣/٣١٩، وانظر طبقات ابن سعد ٢/٣٧٤.
وغيرهم، كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل، مخرجة في الصحاح١.
_________
١ الحديث متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب «المعراج»، ح «٣٨٨٧» ٣/٦٣، ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب «الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات» ح «١٦٢» ١/١٤٥، و«١٦٣» ١/١٤٨.
ورواه الإمام ابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم «٣١» وذكر في نهايته قول الحافظ أبو الفضل بن ناصر ﵀ اتفق أئمة الحديث على صحة هذا الحديث وثبوته.
وذكر الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص٩٨ أن قصة الإسراء والمعراج متواترة، وقد أفردها بعض العلماء بالتأليف كما فعل السيوطي في كتابه «الآية الكبرى في المعراج والإسراء»، وجمع الإمام ابن كثير ﵀ طرق هذا الحديث في تفسير سورة الإسراء، ومنها الصحيح والحسن والضعيف. انظر تفسير القرآن العظيم ٥/٤-٣٩.
اما مسألة الإسراء فقد حصل الخلاف فيها هل كان بالروح فقط، أم بالروح والبدن جميعًا، وهل كان ذلك يقظة أم منامًا؟ . إلا أن الحق في ذلك ما عليه جمهور علماء الأمة وأئمتها من أن الإسراء كان بالروح والبدن جميعًا، يقظة لا منامًا، واستدلوا لذلك بما يلي:
١ - أن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الإسراء/١، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع.
٢ - أن ذلك جائز عقلًا، إذ لو جاز إستبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.
٣ - أن التسبيح في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ الآية، إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيئ ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان أسلم.
٤ - أنه ﷺ حمل على البراق، وهو دابة، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه.
انظر شرح الطحاوية ١/٢٧٠، وتفسير ابن كثير ٥/٤٠-٤١، وزاد المعاد ٣/٤٠٤٢.
أما قول المصنف ﵀: إن من قال إنه منام فقد كفر، فإنه وإن كان القول بأن الإسراء كان منامًا فيه مخالفة بيّنه وتكذيب واضح للأخبار التي رويت في الإسراء، فإن القول بتكفير قائله فيه نظر، لأنه لا يعدو كونه متأولًا مخطئًا، وإن كان خطؤه شنيعًا، ولذلك ذكر هذا القول الإمام الطبري في تفسيره، وتعقبه بالإنكار والتشنيع، لأن هذا خلاف سياق الأدلة من الكتاب والسنة، إلا أنه لم يُكَفّر أصحابه، ولم أجد من كفرهم سوى المصنف ﵀.
راجع تفسير الطبري ١٥/١٧.
Translation
الإسراء والمعراج
#19
Chapter 19 — رؤية الرسول ربه ليلة الإسراء
· ref. #19
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
رؤية الرسول ربه ليلة الإسراء
...
وأنه ﷺ رأى ربه ﷿ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ١.
_________
١ سورة النجم/ ١٣-١٤.
٦٠ - قال الإمام أحمد في ما روينا عنه: وأن النبي ﷺ رأى ﷿، فإنه مأثور عن النبي ﷺ، صحيح رواه قتادة عكرمة عن ابن عباس١. [ورواه الحكم بن إبان عن عكرمة عن ابن عباس] ٢، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس٣. والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا٤.
_________
١ رواه الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥، ٢٩٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٣ رقم «٨٩٧»، وأورده الإمام ابن كثير في التفسير وقال: إسناده على شرط الصحيح.
تفسير القرآن العظيم ٧/٤٢٥.
٢ ما بين القوسين لا يوجد في [ل] . وهذه الرواية عند الترمذي كتاب التفسير، باب «ومن سورة النجم»، ح «٣٢٧٩» ٥/٣٩٥، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٧» وقال: وفيه كلام. قال الألباني: ورجاله ثقات لكن الحكم بن أبان فيه ضعف من جهة حفظه.
٣ لم أجد هذه الرواية.
٤ إلى هنا انتهى كلام الإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٢٢٣، بسنده إلى عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ... وذكر عقيدته، ومنها هذا الكلام الذي أورده المصنف هنا. ولكن
........................................................
_________
هل ما اختاره المصنف هنا وعزاه إلى الإمام أحمد هو القول الراجح أم غيره؟ يقول الإمام أبو بكر ابن خزيمة ﵀: أهل قبلتنا من الصحابة والتابعات والتابعين، ومن بعدهم إلى من شاهدنا من العلماء من أهل عصرنا، لم يختلفوا، ولم يشكوا، ولم يرتابوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم القيامة عيانًا، وإنما اختلف العلماء هل رأى النبي ﷺ خالقه ﷿ قبل نزول المنية؟ التوحيد ص٢٢١.
أقول: كان هذا الاختلاف الذي يشير إليه الإمام ابن خزيمة على قولين:
١ - أن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه في الدنيا، وهو رأي ابن عباس وأنس وعكرمة وغيرهم، وبه قال أبو الحسن الأشعري وجملة من أصحابه.
٢ - أنه ﷺ لم يره بعينه مع القول بإمكان الرؤية بدليل سؤال موسى الله تعالى أن يريه ذاته سبحانه، ولكنه لم يره لامتناعها في الدنيا. وممن قال بالمنع عائشة ﵂، وشددت النكير على أصحاب القول الأول، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، وقال بذلك أيضًا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
انظر: الشفا للقاضي عياض ١/٢٥٧-٢٦١.
إلا أن الصحيح الذي تدل عليه الأدلة أن الرسول ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه في الدنيا، كما في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم، وفيه يقول أبو ذر ﵁: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه "، مسلم، كتاب الإيمان، باب «باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "» ح «٢٩١» ١/١٦١. وقد قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
........................................................
_________
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. والألفاظ الواردة عن ابن عباس ﵁ إما مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت لفظ صريح عن ابن عباس أنه رآه بعينه.
انظر فتاوى ابن تيمية ٦/٥٠٩.
ومما ورد عن ابن عباس مقيدًا ما رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ...﴾ عن ابن عباس قال: " رآه بقلبه " رقم «١٧٦»، وفي رواية أخرى في نفس الموضع عن أبي العالية عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال " رآه بفؤاد مرتين " فهذا مقيد، والمطلق محمول على المقيد.
فما ذكره المصنف هنا من استدلال غير قاطع فيما يريد، بل الأدلة تدل على خلافه، وما روي عن الإمام أحمد ﵀ لا دليل فيه أيضًا، ولم يثبت عنه قطعًا القول برؤية العين، يقول الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول بفؤاده، ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه الرؤية بالعين.
مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩.
ومعول مثبتي الرؤية بالعين على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والإحتمال لها ممكن - كما قال القاضي عياض ﵀.
شرح الطحاوية ص٩٢.
٦١ - وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: " إن الله ﷿ اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدً ﷺ بالرؤية " ١.
٦٢ - وروى عطاء٢ عن ابن عباس قال: " رأى محمد ﷺ ربه
_________
ومن أراد المزيد حول هذه المسألة فليراجع تفسير ابن كثير ٧/٤١٩-٤٣٠، والتوحيد لابن خزيمة ص٢٢١-٢٣٠، وابن خزيمة من مناصري القول بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه. أما نفاة هذه الرؤية فيجيبون عن استدلال أصحاب الرأي الآخر بآية النجم بأن الرؤية الواردة فيها إنما هي رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير ٧/٤٢٦.١ أخرجه النسائي في كتاب التفسير من السنن الكبرى ح «١١٥٣٩» ٦/٤٧٢، قال الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨: إسناده صحيح وصححه الحاكم. ورواه ابن خزيمة في التوحيد ص١٩٩، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم «٥٧٧-٥٧٩» ١/٢٩٨-٢٩٩. وابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٦» ١/١٨٩، قال الألباني: إسناده صحيح موقوف أيضًا، رجاله ثقات على شرط البخاري وهو قول الحاكم في المستدرك ١/٦٥ ووافقه الذهبي.
٢ هو عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال من الثالثة، مات سنة اربع عشرة ومائة على أشهر الأقوال.
التقريب ٢/٢٢، وسير أعلام النبلاء ٥/٧٨.
مرتين " ١.
٦٣ - وروي عن أحمد ﵀ أنه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵂: " من زعم أن محمدًا قد رأى ربه ﷿ ..."٢ الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ: " رأيت ربي ﷿ " ٣.
_________
١ أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص٢٠٠، وعبد الله بن أحمد في السنة رقم «١١٣٨» ٢/٤٩٥. قال المحقق: رجاله ثقات. وهناك رواية أخرى مقيدة عند مسلم بلفظ " رأى محمد ربه بفؤاده مرتين " وقد تقدم ذكرها قريبًا.
٢ يشير إلى حديث مسروق الذي قال فيه: " قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى به فقد كذب ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، كتاب التفسير ح «٤٨٥٥» ٨/٦٠٦. وورد بألفاظ أخرى عند غيره.
٣ قول الإمام أحمد أورده الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨ وعزاه إلى الخلال في كتاب السنة. وذكره يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي في كتاب تحفة الوصول إلى علم الأصول ورقة ١٢ل «أ» مخطوط بمكتبة برلين، وزعم فيه إجماع الحنابلة على ذلك وفي هذه الدعوى نظر.
...
وأنه ﷺ رأى ربه ﷿ كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ١.
_________
١ سورة النجم/ ١٣-١٤.
٦٠ - قال الإمام أحمد في ما روينا عنه: وأن النبي ﷺ رأى ﷿، فإنه مأثور عن النبي ﷺ، صحيح رواه قتادة عكرمة عن ابن عباس١. [ورواه الحكم بن إبان عن عكرمة عن ابن عباس] ٢، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس٣. والحديث على ظاهره كما جاء عن النبي ﷺ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا٤.
_________
١ رواه الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥، ٢٩٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٣ رقم «٨٩٧»، وأورده الإمام ابن كثير في التفسير وقال: إسناده على شرط الصحيح.
تفسير القرآن العظيم ٧/٤٢٥.
٢ ما بين القوسين لا يوجد في [ل] . وهذه الرواية عند الترمذي كتاب التفسير، باب «ومن سورة النجم»، ح «٣٢٧٩» ٥/٣٩٥، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٧» وقال: وفيه كلام. قال الألباني: ورجاله ثقات لكن الحكم بن أبان فيه ضعف من جهة حفظه.
٣ لم أجد هذه الرواية.
٤ إلى هنا انتهى كلام الإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٢٢٣، بسنده إلى عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ... وذكر عقيدته، ومنها هذا الكلام الذي أورده المصنف هنا. ولكن
........................................................
_________
هل ما اختاره المصنف هنا وعزاه إلى الإمام أحمد هو القول الراجح أم غيره؟ يقول الإمام أبو بكر ابن خزيمة ﵀: أهل قبلتنا من الصحابة والتابعات والتابعين، ومن بعدهم إلى من شاهدنا من العلماء من أهل عصرنا، لم يختلفوا، ولم يشكوا، ولم يرتابوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم القيامة عيانًا، وإنما اختلف العلماء هل رأى النبي ﷺ خالقه ﷿ قبل نزول المنية؟ التوحيد ص٢٢١.
أقول: كان هذا الاختلاف الذي يشير إليه الإمام ابن خزيمة على قولين:
١ - أن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه في الدنيا، وهو رأي ابن عباس وأنس وعكرمة وغيرهم، وبه قال أبو الحسن الأشعري وجملة من أصحابه.
٢ - أنه ﷺ لم يره بعينه مع القول بإمكان الرؤية بدليل سؤال موسى الله تعالى أن يريه ذاته سبحانه، ولكنه لم يره لامتناعها في الدنيا. وممن قال بالمنع عائشة ﵂، وشددت النكير على أصحاب القول الأول، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة، وقال بذلك أيضًا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
انظر: الشفا للقاضي عياض ١/٢٥٧-٢٦١.
إلا أن الصحيح الذي تدل عليه الأدلة أن الرسول ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه في الدنيا، كما في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم، وفيه يقول أبو ذر ﵁: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه "، مسلم، كتاب الإيمان، باب «باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "» ح «٢٩١» ١/١٦١. وقد قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
........................................................
_________
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. والألفاظ الواردة عن ابن عباس ﵁ إما مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت لفظ صريح عن ابن عباس أنه رآه بعينه.
انظر فتاوى ابن تيمية ٦/٥٠٩.
ومما ورد عن ابن عباس مقيدًا ما رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ...﴾ عن ابن عباس قال: " رآه بقلبه " رقم «١٧٦»، وفي رواية أخرى في نفس الموضع عن أبي العالية عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال " رآه بفؤاد مرتين " فهذا مقيد، والمطلق محمول على المقيد.
فما ذكره المصنف هنا من استدلال غير قاطع فيما يريد، بل الأدلة تدل على خلافه، وما روي عن الإمام أحمد ﵀ لا دليل فيه أيضًا، ولم يثبت عنه قطعًا القول برؤية العين، يقول الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول بفؤاده، ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه الرؤية بالعين.
مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩.
ومعول مثبتي الرؤية بالعين على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والإحتمال لها ممكن - كما قال القاضي عياض ﵀.
شرح الطحاوية ص٩٢.
٦١ - وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: " إن الله ﷿ اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدً ﷺ بالرؤية " ١.
٦٢ - وروى عطاء٢ عن ابن عباس قال: " رأى محمد ﷺ ربه
_________
ومن أراد المزيد حول هذه المسألة فليراجع تفسير ابن كثير ٧/٤١٩-٤٣٠، والتوحيد لابن خزيمة ص٢٢١-٢٣٠، وابن خزيمة من مناصري القول بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه. أما نفاة هذه الرؤية فيجيبون عن استدلال أصحاب الرأي الآخر بآية النجم بأن الرؤية الواردة فيها إنما هي رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير ٧/٤٢٦.١ أخرجه النسائي في كتاب التفسير من السنن الكبرى ح «١١٥٣٩» ٦/٤٧٢، قال الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨: إسناده صحيح وصححه الحاكم. ورواه ابن خزيمة في التوحيد ص١٩٩، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم «٥٧٧-٥٧٩» ١/٢٩٨-٢٩٩. وابن أبي عاصم في السنة ح «٤٣٦» ١/١٨٩، قال الألباني: إسناده صحيح موقوف أيضًا، رجاله ثقات على شرط البخاري وهو قول الحاكم في المستدرك ١/٦٥ ووافقه الذهبي.
٢ هو عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال من الثالثة، مات سنة اربع عشرة ومائة على أشهر الأقوال.
التقريب ٢/٢٢، وسير أعلام النبلاء ٥/٧٨.
مرتين " ١.
٦٣ - وروي عن أحمد ﵀ أنه قيل له: بم تجيب عن قول عائشة ﵂: " من زعم أن محمدًا قد رأى ربه ﷿ ..."٢ الحديث؟ قال: بقول النبي ﷺ: " رأيت ربي ﷿ " ٣.
_________
١ أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص٢٠٠، وعبد الله بن أحمد في السنة رقم «١١٣٨» ٢/٤٩٥. قال المحقق: رجاله ثقات. وهناك رواية أخرى مقيدة عند مسلم بلفظ " رأى محمد ربه بفؤاده مرتين " وقد تقدم ذكرها قريبًا.
٢ يشير إلى حديث مسروق الذي قال فيه: " قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى به فقد كذب ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، كتاب التفسير ح «٤٨٥٥» ٨/٦٠٦. وورد بألفاظ أخرى عند غيره.
٣ قول الإمام أحمد أورده الحافظ في الفتح ٨/٦٠٨ وعزاه إلى الخلال في كتاب السنة. وذكره يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي في كتاب تحفة الوصول إلى علم الأصول ورقة ١٢ل «أ» مخطوط بمكتبة برلين، وزعم فيه إجماع الحنابلة على ذلك وفي هذه الدعوى نظر.
Translation
رؤية الرسول ربه ليلة الإسراء
#20
Chapter 20 — الشفاعة
· ref. #20
al-Iqtisad fi al-I'tiqad
Arabic text
Aqeedah
الشفاعة
...
٦٤ - وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فرجعت إلى ربي وهو في مكانه "، والحديث بطوله مخرج في الصحيحين١ والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله.
ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي ﷺ يشفع [يوم القيامة] ٢ لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا.
٦٥ - كما روى أبو هريرة [﵁] ٣ أن رسول الله ﷺ
_________
١ صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ح «٧٥١٧» ٤/٤٠٧، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان من حديث ثابت البناني عن أنس، باب «الإسراء برسول الله ﷺ. .» ح «١٦٢» ١/١٤٥، وما ذكره المصنف عند البخاري فقط مع اختلاف في اللفظ، إذ لفظه عند البخاري (فقال وهو مكانه) .
ولا أدري ما وجه استدلال المصنف به على هذه المسألة؟
إذ ليس فيه - فيما يظهر لي - ما يمكن الاستدلال به عليها فضلًا عن أن يكون فاصلًا في الموضوع لا يمكن تجاوزه أو الحيدة عنه.
٢ ما بين القوسين من [ل] .
٣ من [ل]؟
قال: " لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" ١.
٦٦ - وروى أبو هريرة [﵁] ٢ أنه قال: " قلت يارسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول [منك] ٣ لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه " رواه البخاري٤.
_________
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب «لكل نبي دعوة مستجابة» ح «٦٣٠٤» ٤/١٥٣، وكتاب التوحيد، باب «في المشيئة والإرادة» ح «٧٤٧٤» ٤/٣٩٩، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب «اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته» ح «١٩٨» ١/١٨٨، ومالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب «ما جاء في الدعاء» ح «٢٦» ١/٢١٢، وأحمد في المسند ١/٢٨١، ٢٩٥، ومواضع أخرى.
٢ من [ل] .
٣ في [ل]: [منكم] .
٤ صحيح البخاري مع شرحه، كتاب العلم، باب «الحرص على الحديث»، ح «٩٩» ١/١٩٣، وكتاب الرقاق، باب «صفة الجنة والنار»، ح «٦٥٧٠» ٤/٢٠٣، ورواه الإمام أحمد في المسند٢/٣٧٣.
وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق١، وعبد الله بن عباس٢، وعبد الله بن عمر بن الخطاب٣، وأنس بن مالك٤، وحذيفة بن اليمان٥، وأبو موسى عبد الله
_________
١ في مسند أحمد ١/٤-٥، والسنة لابن أبي عاصم رقم «٧٥١،٨١٢» ٢/٣٤٩، ٣٨١، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٣٧٤-٣٧٥: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجاله ثقات.
٢ في المسند ١/٢٨١، ومسند الطيالسي ص٣٥٣، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأحمد وفيه علي بن زيد وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهما رجال الصحيح.
مجمع الزوائد ١/٣٧٣.
٣ رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب «عسى ربك أن يبعثك مقامًا محمودًا» ح «٤٧١٨» ٣/٢٥٢، والبيهقي في البعث، القسم الثاني رقم «٢٩-٣٠» .
٤ رواه البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ح «٤٤٧٦» ٣/١٨٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٣» ١/١٨٠، والبيهقي في الاعتقاد ص١٢٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٢٠٦٢» ٦/١٠٩٩، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب في ذكر الشفاعة ح «٤٣١٢» ٢/١٤٤٢.
٥ رواه مسلم في كتاب الإيمان باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٥» ١/١٨٦.
بن قيس١، وأبو هريرة٢، وغيرهم٣.
_________
١ رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ح «٨١٩» ٢/٣٨٩، قال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعبد الرزاق في مصنفه ح «٢٠٨٦٥» ١٢/٤١٣.
٢ رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب «يَزفون النّسَلان في المشي» ح «٣٣١٦» ٢/٤٦٢، وباب «قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾» ح «٣٣٤٠» ٢/٤٥٣، وكتاب التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ح «٤٧١٢» ٣/٢٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٤» ١/١٨٤.
٣ ممن روى حديث الشفاعة من الصحابة غير هؤلاء عقبة بن عامر الجهني كما في سنن الدارمي ٢/٣٢٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم، الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له وسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله تعالى من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
مجموع الفتاوى ٣/١٤٧-١٤٨.
وهذه الشفاعة ينكرها الخوارج والمعتزلة، بناءًا على مذهبهم في إنكار خروج أحد من أهل النار بعد دخولها، وعلى القول بدخول مرتكب الكبيرة النار حتمًا وخلوده فيها، على اختلاف بين الفريقين في الحكم الدنيوي.
...
٦٤ - وفي حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فرجعت إلى ربي وهو في مكانه "، والحديث بطوله مخرج في الصحيحين١ والمنكر لهذه اللفظة راد على الله ورسوله.
ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي ﷺ يشفع [يوم القيامة] ٢ لأهل الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا.
٦٥ - كما روى أبو هريرة [﵁] ٣ أن رسول الله ﷺ
_________
١ صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ح «٧٥١٧» ٤/٤٠٧، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان من حديث ثابت البناني عن أنس، باب «الإسراء برسول الله ﷺ. .» ح «١٦٢» ١/١٤٥، وما ذكره المصنف عند البخاري فقط مع اختلاف في اللفظ، إذ لفظه عند البخاري (فقال وهو مكانه) .
ولا أدري ما وجه استدلال المصنف به على هذه المسألة؟
إذ ليس فيه - فيما يظهر لي - ما يمكن الاستدلال به عليها فضلًا عن أن يكون فاصلًا في الموضوع لا يمكن تجاوزه أو الحيدة عنه.
٢ ما بين القوسين من [ل] .
٣ من [ل]؟
قال: " لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" ١.
٦٦ - وروى أبو هريرة [﵁] ٢ أنه قال: " قلت يارسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول [منك] ٣ لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه " رواه البخاري٤.
_________
١ متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب «لكل نبي دعوة مستجابة» ح «٦٣٠٤» ٤/١٥٣، وكتاب التوحيد، باب «في المشيئة والإرادة» ح «٧٤٧٤» ٤/٣٩٩، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب «اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته» ح «١٩٨» ١/١٨٨، ومالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب «ما جاء في الدعاء» ح «٢٦» ١/٢١٢، وأحمد في المسند ١/٢٨١، ٢٩٥، ومواضع أخرى.
٢ من [ل] .
٣ في [ل]: [منكم] .
٤ صحيح البخاري مع شرحه، كتاب العلم، باب «الحرص على الحديث»، ح «٩٩» ١/١٩٣، وكتاب الرقاق، باب «صفة الجنة والنار»، ح «٦٥٧٠» ٤/٢٠٣، ورواه الإمام أحمد في المسند٢/٣٧٣.
وروى حديث الشفاعة بطوله أبو بكر الصديق١، وعبد الله بن عباس٢، وعبد الله بن عمر بن الخطاب٣، وأنس بن مالك٤، وحذيفة بن اليمان٥، وأبو موسى عبد الله
_________
١ في مسند أحمد ١/٤-٥، والسنة لابن أبي عاصم رقم «٧٥١،٨١٢» ٢/٣٤٩، ٣٨١، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٣٧٤-٣٧٥: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجاله ثقات.
٢ في المسند ١/٢٨١، ومسند الطيالسي ص٣٥٣، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأحمد وفيه علي بن زيد وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهما رجال الصحيح.
مجمع الزوائد ١/٣٧٣.
٣ رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب «عسى ربك أن يبعثك مقامًا محمودًا» ح «٤٧١٨» ٣/٢٥٢، والبيهقي في البعث، القسم الثاني رقم «٢٩-٣٠» .
٤ رواه البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ح «٤٤٧٦» ٣/١٨٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٣» ١/١٨٠، والبيهقي في الاعتقاد ص١٢٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم «٢٠٦٢» ٦/١٠٩٩، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب في ذكر الشفاعة ح «٤٣١٢» ٢/١٤٤٢.
٥ رواه مسلم في كتاب الإيمان باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٥» ١/١٨٦.
بن قيس١، وأبو هريرة٢، وغيرهم٣.
_________
١ رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ح «٨١٩» ٢/٣٨٩، قال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعبد الرزاق في مصنفه ح «٢٠٨٦٥» ١٢/٤١٣.
٢ رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب «يَزفون النّسَلان في المشي» ح «٣٣١٦» ٢/٤٦٢، وباب «قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾» ح «٣٣٤٠» ٢/٤٥٣، وكتاب التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ح «٤٧١٢» ٣/٢٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب «أدنى أهل الجنة منزلة» ح «١٩٤» ١/١٨٤.
٣ ممن روى حديث الشفاعة من الصحابة غير هؤلاء عقبة بن عامر الجهني كما في سنن الدارمي ٢/٣٢٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم، الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له وسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله تعالى من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
مجموع الفتاوى ٣/١٤٧-١٤٨.
وهذه الشفاعة ينكرها الخوارج والمعتزلة، بناءًا على مذهبهم في إنكار خروج أحد من أهل النار بعد دخولها، وعلى القول بدخول مرتكب الكبيرة النار حتمًا وخلوده فيها، على اختلاف بين الفريقين في الحكم الدنيوي.
Translation
الشفاعة