Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 62 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة

al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Ibn Hajar Haytami (ابن حجر الهيتمي
62
Total sections
62 chapters
#41 Chapter 41 — الفصل الأول في خلافته · ref. #41
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الأول فِي خِلَافَته

هُوَ آخر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بِنَصّ جده ﷺ ولي الْخلَافَة بعد قتل أَبِيه بمبايعة أهل الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا سِتَّة أشهر وأياما خَليفَة حق وَإِمَام عدل وَصدق تَحْقِيقا لما اخبر بِهِ جده الصَّادِق المصدوق ﷺ بقوله (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة)
فَإِن تِلْكَ السِّتَّة الْأَشْهر هِيَ المكملة لتِلْك الثَّلَاثِينَ فَكَانَت خِلَافَته مَنْصُوصا عَلَيْهَا وَقَامَ عَلَيْهَا إِجْمَاع من ذكر فَلَا مرية فِي حقيتها وَلذَا أناب مُعَاوِيَة عَنهُ وَأقر لَهُ مُعَاوِيَة بذلك كَمَا ستعلمه مِمَّا يَأْتِي قَرِيبا فِي خطبَته حَيْثُ قَالَ إِن مُعَاوِيَة نَازَعَنِي حَقًا وَهُوَ لي دونه
وَفِي كتاب الصُّلْح وَالنُّزُول عَن الْخلَافَة لمعاوية
وَبعد تِلْكَ الْأَشْهر السِّتَّة سَار إِلَى مُعَاوِيَة فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَسَار إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ علم الْحسن أَنه لن يغلب أحد الفئتين حَتَّى يذهب أَكثر الْأُخْرَى فَكتب إِلَى مُعَاوِيَة بِخَبَر أَنه يصير الْأَمر إِلَيْهِ على ان تكون لَهُ الْخلَافَة من بعده
وعَلى أَن لَا يطْلب أحدا من أهل الْمَدِينَة والحجاز وَالْعراق بِشَيْء مِمَّا كَانَ أَيَّام أَبِيه وعَلى أَن يقْضِي عَنهُ دُيُونه فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَة إِلَى طلب إِلَّا عشرَة فَلم يزل يُرَاجع حَتَّى بعث إِلَيْهِ برق أَبيض وَقَالَ اكْتُبْ مَا شِئْت فِيهِ فَأَنا ألتزمه
كَذَا فِي كتب السّير
وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ قَالَ اسْتقْبل الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بكتائب لَا أَمْثَال الْجبَال فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية إِنِّي لأرى كتائب لَا تولي حَتَّى تقتل أقرانها فَقَالَ مُعَاوِيَة وَكَانَ وَالله خير الرجلَيْن أَي عَمْرو إِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ من لي بِأُمُور الْمُسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فَبعث إِلَيْهِ رجلَيْنِ من قُرَيْش من بني عبد شمس عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وعبد الرحمن بن عَامر فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرجل فاعرضا عَلَيْهِ وقولا لَهُ واطلبا إِلَيْهِ فدخلا عَلَيْهِ وتكلما وَقَالا لَهُ وطلبا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهما الْحسن بن عَليّ ﵄ إِنَّا بَنو عبد الْمطلب قد أصبْنَا من هَذَا المَال وَإِن هَذِه الْأمة قد عامت فِي دمائها
قَالَا لَهُ فَإِنَّهُ يعرض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيطْلب إِلَيْك ويسألك
قَالَ من لي بِهَذَا قَالَا نَحن لَك بِهِ
فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئا إِلَّا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَصَالحه
انْتهى
وَيُمكن الْجمع بِأَن مُعَاوِيَة أرسل إِلَيْهِ أَولا فَكتب الْحسن إِلَيْهِ يطْلب مَا ذكر
وَلما تصالحا كتب بِهِ الْحسن كتابا لمعاوية صورته
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ الْحسن بن عَليّ ﵄ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
صَالحه على أَن يسلم إِلَيْهِ ولَايَة الْمُسلمين على أَن يعْمل فيهم بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُول الله ﷺ وسيرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين وَلَيْسَ لمعاوية بن أبي سُفْيَان أَن يعْهَد إِلَى أحد من بعده عهدا بل يكون الْأَمر من بعده شُورَى بَين الْمُسلمين وعَلى أَن النَّاس آمنون حَيْثُ كَانُوا من أَرض الله تَعَالَى فِي شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعَلى أَن أَصْحَاب عَليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادهمْ حَيْثُ كَانُوا وعَلى مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان بذلك عهد الله وميثاقه وَأَن لَا يَبْتَغِي لِلْحسنِ بن عَليّ وَلَا لِأَخِيهِ الْحُسَيْن وَلَا لأحد من أهل بَيت رَسُول الله ﷺ غائلة سرا وَلَا جَهرا وَلَا يخيف أحدا مِنْهُم فِي أفق من الْآفَاق
أشهد عَلَيْهِ فلَان وَفُلَان بن فلَان وَكفى بِاللَّه شَهِيدا
وَلما انبرم الصُّلْح التمس مُعَاوِيَة من الْحسن أَن يتَكَلَّم بِجمع من النَّاس وَيُعلمهُم أَنه قد بَايع مُعَاوِيَة وَسلم إِلَيْهِ الْأَمر فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن أَكيس الْكيس التقى وأحمق الْحمق الْفُجُور ... إِلَى أَن قَالَ وَقد علمْتُم أَن الله تَعَالَى جلّ ذكره وَعز اسْمه هدَاكُمْ بجدي وأنقذكم من الضَّلَالَة وخلصكم من الْجَهَالَة وأعزكم بِهِ
بعد الذلة وكثركم بِهِ بعد الْقلَّة إِن مُعَاوِيَة نَازَعَنِي حَقًا هُوَ لي دونه فَنَظَرت إصْلَاح الْأمة وَقطع الْفِتْنَة وَقد كُنْتُم بايعتموني على أَن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني فَرَأَيْت أَن أسالم مُعَاوِيَة وأضع الْحَرْب بيني وَبَينه وَقد بايعته وَرَأَيْت أَن حقن الدِّمَاء خير من سفكها وَلم أرد بذلك إِلَّا صلاحكم وبقاءكم وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم ومتاع إِلَى حِين
وَمِمَّا شرح الله بِهِ صَدره فِي هَذَا الصُّلْح ظُهُور معْجزَة النَّبِي ﷺ فِي قَوْله فِي حق الْحسن (إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين)
// رَوَاهُ البُخَارِيّ //
وَأخرج الدولابي أَن الْحسن قَالَ إِن كَانَت جماجم الْعَرَب بيَدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حَارَبت فتركتها ابْتِغَاء وَجه الله وحقن دِمَاء الْمُسلمين
وَكَانَ نُزُوله عَنْهَا سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فِي شهر ربيع الأول وَقيل الآخر
وَقيل فِي جُمَادَى الأولى فَكَانَ أَصْحَابه يَقُولُونَ لَهُ يَا عَار الْمُؤمنِينَ
فَيَقُول الْعَار خير من النَّار
وَقَالَ رجل السَّلَام عَلَيْك يَا مذل الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لست بمذل الْمُؤمنِينَ وَلَكِنِّي كرهت أَن أقتلكم على الْملك
ثمَّ ارتحل من الْكُوفَة إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا
Translation
الفصل الأول في خلافته
#42 Chapter 42 — الفصل الثاني في فضائله ﵁ · ref. #42
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الثَّانِي فِي فضائله ﵁

الحَدِيث الاول أخرج الشَّيْخَانِ عَن الْبَراء قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وَالْحسن على عَاتِقه وَهُوَ يَقُول (اللَّهُمَّ إِنِّي أحبه فَأَحبهُ)
الحَدِيث الثَّانِي أخرج البُخَارِيّ عَن أبي بكرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَالْحسن إِلَى جنبه ينظر إِلَى النَّاس مرّة وَإِلَيْهِ مرّة وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين من الْمُسلمين)
الحَدِيث الثَّالِث أخرج عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (هما ريحانتاي من الدُّنْيَا) يَعْنِي الْحسن وَالْحُسَيْن
الحَدِيث الرَّابِع أخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ
رَسُول الله ﷺ (الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة)
الحَدِيث الْخَامِس أخرج التِّرْمِذِيّ عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وَالْحسن وَالْحُسَيْن على وركيه فَقَالَ (هَذَانِ ابناي وابنا ابْنَتي اللَّهُمَّ إِنِّي أحبهما وَأحب من يحبهما)
الحَدِيث السَّادِس أخرج التِّرْمِذِيّ عَن أنس قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي أهل بَيْتك أحب إِلَيْك قَالَ (الْحسن وَالْحُسَيْن)
الحَدِيث السَّابِع أخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أقبل النَّبِي ﷺ وَقد حمل الْحسن على رقبته فَلَقِيَهُ رجل الْمركب فَقَالَ نعم الركب ركبت يَا غُلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَنعم الرَّاكِب هُوَ)
الحَدِيث الثَّامِن أخرج ابْن سعد عَن عبد الله بن الزبير قَالَ أشبه أهل النَّبِي ﷺ بِهِ وأحبهم إِلَيْهِ الْحسن رَأَيْته يَجِيء وَهُوَ ساجد فيركب رقبته أَو قَالَ ظَهره فَمَا ينزله حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي ينزل وَلَقَد رَأَيْته وَهُوَ رَاكِع فيفرج لَهُ بَين رجلَيْهِ
حَتَّى يخرج من الْجَانِب الآخر
الحَدِيث التَّاسِع أخرج ابْن سعد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يدْفع لِسَانه لِلْحسنِ بن عَليّ فَإِذا رأى الصَّبِي حمرَة اللِّسَان يهش إِلَيْهِ
الحَدِيث الْعَاشِر أخرج الْحَاكِم عَن زُهَيْر بن الْأَقْمَر قَالَ قَامَ الْحسن بن عَليّ يخْطب فَقَامَ رجل من أَزْد شنُوءَة فَقَالَ أشهد لقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وَاضعه على حبوته وَهُوَ يَقُول (من أَحبَّنِي فليحبه وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب) وَلَوْلَا كَرَامَة النَّبِي ﷺ مَا حدثت بِهِ أحدا
الحَدِيث الْحَادِي عشر أخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن أبي بكرَة قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَجِيء الْحسن وَهُوَ ساجد وَهُوَ إِذْ ذَاك صَغِير فيجلس على ظَهره مرّة وَمرَّة على رقبته فيرفعه النَّبِي ﷺ رفعا رَفِيقًا فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك تصنع بِهَذَا الصَّبِي شَيْئا لَا تَصنعهُ بِأحد
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِن هَذَا وَإِن هَذَا رحانتي ابْني سيد وحسبي أَن يصلح الله تَعَالَى بِهِ بَين فئتين من الْمُسلمين)
الحَدِيث الثَّانِي عشر أخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أحبه وَأحب من يُحِبهُ) يَعْنِي الْحسن
وَفِي رِوَايَة (اللَّهُمَّ إِنِّي إحبه فَأَحبهُ وَأحب من يُحِبهُ)
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَمَا كَانَ أحد أحب إِلَيّ من الْحسن بعد أَن قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا عِنْد الْحَافِظ السلَفِي فَقَالَ مَا رَأَيْت الْحسن بن عَليّ قطّ إِلَّا فاضت عَيْنَايَ دموعا وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ خرج يَوْمًا وَأَنا فِي الْمَسْجِد فَأخذ بيَدي واتكأ عَليّ حَتَّى جِئْنَا سوق بني قينقاع فَنظر فِيهِ ثمَّ رَجَعَ حَتَّى جلس فِي الْمَسْجِد ثمَّ قَالَ ادْع ابْني قَالَ فَأتى الْحسن بن عَليّ يشْتَد حَتَّى وَقع فِي حجره فَجعل رَسُول الله ﷺ يفتح فَمه ثمَّ يدْخل فَمه فِي فَمه وَيَقُول (اللَّهُمَّ إِنِّي أحبه فَأَحبهُ وَأحب من يُحِبهُ) ثَلَاث مَرَّات
وروى أَحْمد (من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن يَعْنِي حسنا وَحسَيْنا وأباهما وأمهما كَانَ معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ (كَانَ معي فِي الْجنَّة
وَقَالَ // حَدِيث غَرِيب //
وَلَيْسَ المُرَاد بالمعية هُنَا الْمَعِيَّة من حَيْثُ الْمقَام بل من جِهَة رفع الْحجاب نَظِير مَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ النِّسَاء ٦٩
Translation
الفصل الثاني في فضائله ﵁
#43 Chapter 43 — الفصل الثالث في بعض مآثره · ref. #43
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الثَّالِث فِي بعض مآثره

كَانَ ﵁ سيدا كَرِيمًا حَلِيمًا زاهدا ذَا سكينَة ووقار وحشمة جوادا ممدوحا وَسَيَأْتِي بسط شَيْء من ذَلِك
أخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية أَنه قَالَ إِنِّي لأستحيي من رَبِّي أَن أَلْقَاهُ وَلم أمش إِلَى بَيته
فَمشى عشْرين حجَّة
وَأخرج الْحَاكِم عَن عبد الله بن عمر قَالَ لقد حج الْحسن خمْسا وَعشْرين حجَّة مَاشِيا وَإِن النجائب لتقاد بَين يَدَيْهِ
وَأخرج أَبُو نعيم أَنه خرج من مَاله مرَّتَيْنِ وقاسم الله تَعَالَى مَاله ثَلَاث مَرَّات حَتَّى أَنه كَانَ ليعطي نعلا ويمسك نعلا وَيُعْطِي خفا ويمسك خفا
وَسمع رجلا يسْأَل ربه ﷿ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَبعث بهَا إِلَيْهِ
وجاءه رجل يشكو إِلَيْهِ حَاله وَفَقره وَقلة ذَات يَده بعد أَن كَانَ مثريا فَقَالَ يَا هَذَا حق سؤالك يعظم لدي معرفتي بِمَا يجب لَك وَيكبر عَليّ ويدي تعجز
عَن نيلك مَا أَنْت أَهله وَالْكثير فِي ذَات الله قَلِيل وَمَا فِي ملكي وَفَاء لشكرك فَإِن قبلت الميسور وَرفعت عني مُؤنَة الاحتفال والاهتمام لما أتكلفه فعلت
فَقَالَ يَا ابْن بنت رَسُول الله أقبل الْقَلِيل وأشكر الْعَطِيَّة وأعذر على الْمَنْع
فأحضر الْحسن وَكيله وحاسبه وَقَالَ هَات الْفَاضِل
فأحضر خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ مَا فعلت فِي الْخَمْسمِائَةِ دِينَار الَّتِي مَعَك قَالَ هِيَ عِنْدِي قَالَ أحضرها فأحضرها
فَدَفعهَا وَالْخمسين ألفا إِلَى الرجل وَاعْتذر مِنْهُ
وأضافته هُوَ وَالْحُسَيْن وَعبد الله بن جَعْفَر عَجُوز فَأَعْطَاهَا ألف دِينَار وَألف شَاة وَأَعْطَاهَا الْحُسَيْن مثل ذَلِك وَأَعْطَاهَا عبد الله بن جَعْفَر مثلهمَا ألفي شَاة وَألْفي دِينَار
وَأخرج الْبَزَّار وَغَيره عَنهُ أَنه لما اسْتخْلف بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِذْ وثب عَلَيْهِ رجل فطعنه بخنجر وَهُوَ ساجد ثمَّ خطب النَّاس فَقَالَ يَا أهل الْعرَاق اتَّقوا الله فِينَا فَإنَّا أمراؤكم وضيفانكم وَنحن أهل الْبَيْت الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ الْأَحْزَاب ٢٣ فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى مَا بَقِي أحد فِي الْمَسْجِد إِلَّا وَهُوَ يبكي
وَأخرج ابْن سعد عَن عُمَيْر بن إِسْحَاق أَنه لم يسمع مِنْهُ كلمة فحش إِلَّا مرّة
كَانَ بَينه وَبَين عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان خُصُومَة فِي أَرض فَقَالَ لَيْسَ لَهُ عندنَا إِلَّا مَا أرْغم أَنفه
قَالَ فَهَذِهِ أَشد كلمة فحش سَمعتهَا مِنْهُ
وَأرْسل إِلَيْهِ مَرْوَان يسبه وَكَانَ عَاملا على الْمَدِينَة ويسب عليا كل جُمُعَة على الْمِنْبَر فَقَالَ الْحسن لرَسُوله ارْجع إِلَيْهِ فَقل لَهُ إِنِّي وَالله لَا أمحو عَنْك شَيْئا مِمَّا قلت بِأَن اسبك وَلَكِن موعدي وموعدك الله فَإِن كنت صَادِقا فجزاك الله خيرا بصدقك وَإِن كنت كَاذِبًا فَالله أَشد نقمة
وَأَغْلظ عَلَيْهِ مَرْوَان مرّة وَهُوَ سَاكِت ثمَّ امتخط بِيَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ الْحسن وَيحك أما علمت أَن الْيَمين للْوَجْه وَالشمَال لِلْفَرجِ أُفٍّ لَك
فَسكت مَرْوَان
وَكَانَ ﵁ مطلاقا للنِّسَاء وَكَانَ لَا يُفَارق امْرَأَة إِلَّا وَهِي تحبه وَأحْصن تسعين امْرَأَة
وَأخرج ابْن سعد عَن عَليّ أَنه قَالَ يَا أهل الْكُوفَة لَا تزوجوا الْحسن فَإِنَّهُ رجل مطلاق
فَقَالَ رجل من هَمدَان لنزوجنه فَمَا رَضِي أمسك وَمَا كره طلق
وَلما مَاتَ بَكَى مَرْوَان فِي جنَازَته فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن أتبكيه وَقد كنت تجرعه مَا تجرعه فَقَالَ إِنِّي كنت أفعل ذَلِك إِلَى أحلم من هَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَبَل
وَأخرج ابْن عَسَاكِر أَنه قيل لَهُ إِن أَبَا ذَر يَقُول الْفقر أحب إِلَيّ من الْغنى والسقم أحب إِلَى من الصِّحَّة إِلَيّ فَقَالَ رحم الله أَبَا ذَر أما أَنا فَأَقُول من اتكل إِلَى حسن اخْتِيَار الله لم يتمن أَنه فِي غير الْحَالة الَّتِي اخْتَار الله لَهُ
وَكَانَ عطاؤه كل سنة مائَة ألف فحبسها عَنهُ مُعَاوِيَة فِي بعض السنين فَحصل لَهُ إِضَافَة شَدِيدَة
قَالَ فدعوت بداوة لأكتب إِلَى مُعَاوِيَة لأذكره نَفسِي ثمَّ أَمْسَكت فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام فَقَالَ كَيفَ أَنْت يَا حسن فَقلت بِخَير يَا ابت وشكوت إِلَيْهِ تَأَخّر المَال عني فَقَالَ أدعوت بِدَوَاةٍ لتكتب إِلَى مَخْلُوق مثلك تذكره ذَلِك قلت نعم يَا رَسُول الله فَكيف أصنع فَقَالَ قل اللَّهُمَّ اقذف فِي قلبِي رجاءك واقطع رجائي عَمَّن سواك حَتَّى لَا أَرْجُو أحدا غَيْرك اللَّهُمَّ وَمَا ضعفت عَنهُ قوتي وَقصر عَنهُ عَمَلي وَلم تَنْتَهِ إِلَيْهِ رغبتي وَلم تبلغه مَسْأَلَتي وَلم يجر على لساني مِمَّا أَعْطَيْت أحدا من الْأَوَّلين والآخرين من الْيَقِين فخصني بِهِ يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
قَالَ فوَاللَّه مَا ألححت فِيهِ أسبوعا حَتَّى بعث إِلَيّ مُعَاوِيَة بِأَلف ألف وَخَمْسمِائة ألف فَقلت الْحَمد لله الَّذِي لَا ينسى من ذكره وَلَا يخيب من دَعَاهُ فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فَقَالَ (يَا حسن كَيفَ أَنْت)
فَقلت بِخَير يَا رَسُول الله وحدثته بحديثي فَقَالَ (يَا بني هَكَذَا من رجا الْخَالِق وَلم يرج الْمَخْلُوق)
وَلما احْتضرَ قَالَ لِأَخِيهِ يَا أخي إِن أَبَاك قد استشرف لهَذَا الْأَمر فَصَرفهُ الله عَنهُ ووليها أَبُو بكر ثمَّ استشرف لَهَا وصرفت عَنهُ إِلَى عمر ثمَّ لم يشك وَقت الشورى أَنَّهَا لَا تعدوه فصرفت عَنهُ إِلَى عُثْمَان فَلَمَّا قتل عُثْمَان بُويِعَ ثمَّ نوزع حَتَّى جرد السَّيْف فَمَا صفت لَهُ وَإِنِّي وَالله مَا أرى أَن يجمع الله فِينَا النُّبُوَّة والخلافة فَلَا أَعرفن بِمَا استخفك سُفَهَاء الْكُوفَة فأخرجوك
وَقد كنت طلبت إِلَى عَائِشَة ﵂ أَن أدفن مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَت نعم فَإِذا مت فأطلب ذَلِك إِلَيْهَا وَمَا أَظن الْقَوْم إِلَّا سيمنعونك فَإِن فعلوا فَلَا تراجعهم
فَلَمَّا مَاتَ أَتَى الْحُسَيْن عَائِشَة ﵂ فَقَالَت نعم وكرامة فَمَنعهُمْ مَرْوَان فَلبس الْحُسَيْن وَمن مَعَه السِّلَاح حَتَّى رده أَبُو هُرَيْرَة ثمَّ دفن بِالبَقِيعِ إِلَى جنب أمه ﵄
وَكَانَ سَبَب مَوته أَن زَوجته جعدة بنت الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ دس إِلَيْهَا يزِيد أَن تسمه ويتزوجها وبذل لَهَا مائَة ألف دِرْهَم فَفعلت فَمَرض أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا مَاتَ بعثت إِلَى يزِيد تسأله الْوَفَاء بِمَا وعدها فَقَالَ لَهَا إِنَّا لم نرضك لِلْحسنِ فنرضاك لأنفسنا
وبموته مسموما شَهِيدا جزم غير وَاحِد من الْمُتَقَدِّمين كقتادة وَأبي بكر بن
حَفْص والمتأخرين كالزبن الْعِرَاقِيّ فِي مُقَدّمَة شرح التَّقْرِيب
وَكَانَت وَفَاته سنة بسع وَأَرْبَعين أَو خمسين أَو إِحْدَى وَخمسين أَقْوَال وَالْأَكْثَرُونَ على الثَّانِي كَمَا قَالَه جمَاعَة وَغلط الْوَاقِدِيّ مَا عدا الأول سِيمَا من قَالَ سنة سِتّ وَخمسين
وَمن قَالَ سنة تسع وَخمسين
وَجهد بِهِ أَخُوهُ أَن يُخبرهُ بِمن سقَاهُ فَلم يُخبرهُ وَقَالَ الله أَشد نقمة إِن كَانَ الَّذِي أَظن وَإِلَّا فَلَا يقتل بِي وَالله برىء
وَفِي رِوَايَة يَا أخي قد حضرت وفاتي ودنا فراقي لَك وَإِنِّي لَاحق بربي وَأَجد كَبِدِي تقطع وَإِنِّي لعارف من أَيْن دهيت فَأَنا أخاصمه إِلَى الله تَعَالَى فبحقي عَلَيْك لَا تَكَلَّمت فِي ذَلِك بِشَيْء فأذا أذا قضيت نحبي فقمصني وغسلني وكفني واحملني على سَرِيرِي إِلَى قبر جدي رَسُول الله ﷺ أجدد بِهِ عهدا ثمَّ ردني إِلَى قبر جدتي فَاطِمَة بنت أَسد فَاطِمَة بنت أَسد فادفني هُنَاكَ وَأقسم عَلَيْك بِاللَّه أَن لَا تريق فِي أَمْرِي محجمة دم
وَفِي رِوَايَة إِنِّي يَا أخي سقيت السم ثَلَاث مَرَّات لم أسقه مثل هَذِه الْمرة
فَقَالَ من سقاك قَالَ مَا سؤالك عَن هَذَا تُرِيدُ أَن تقَاتلهمْ أكل أَمرهم إِلَى الله
أخرجه ابْن عبد الْبر
وَفِي أُخْرَى لقد سقيت السم مرَارًا مَا سقيته مثل هَذِه الْمرة وَلَقَد لفظت طَائِفَة من كَبِدِي فرأيتني أقلبها بِعُود فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن أَي أخي من سقاك قَالَ وَمَا تُرِيدُ إِلَيْهِ أَتُرِيدُ أَن تقتله قَالَ نعم
قَالَ لَئِن كَانَ الَّذِي أَظن فَالله أَشد نقمة وَإِن كَانَ غَيره فَلَا يقتل بِي بَرِيء
وَرَأى كَأَن مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ فَاسْتَبْشَرَ بِهِ هُوَ وَأهل بَيته فقصوها على ابْن الْمسيب فَقَالَ إِن صدقت رُؤْيَاهُ فَقل مَا بَقِي من أَجله فَمَا بَقِي إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ
وَصلى عَلَيْهِ سعيد بن الْعَاصِ لِأَنَّهُ كَانَ واليا على الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة وَدفن عِنْد جدته بنت أَسد بقبته الْمَشْهُورَة وعمره سبع وَأَرْبَعُونَ سنة كَانَ مِنْهَا مَعَ ريسول الله ﷺ سبع سِنِين ثمَّ مَعَ أَبِيه ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ خَليفَة سِتَّة أشهر ثمَّ تسع سِنِين وَنصف سنة بِالْمَدِينَةِ ﵁
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي فَضَائِل أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ وَفِيه فُصُول
ولنقدم على ذَلِك أَصله وَهُوَ تَزْوِيج النَّبِي ﷺ فَاطِمَة من عَليّ كرم الله وجههما وَذَلِكَ أَوَاخِر السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة على الْأَصَح وَكَانَ سنّهَا خمس عشرَة سنة وَنَحْو نصف سنة وَسنة إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَلم يتَزَوَّج عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَت وأراده فَمَنعه ﷺ خوفًا عَلَيْهَا لشدَّة غيرتها عَن أنس كَمَا عِنْد ابْن أبي حَاتِم وَلأَحْمَد نَحوه قَالَ جَاءَ أَبُو بكر وَعمر يخطبان فَاطِمَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَسكت وَلم يرجع إِلَيْهِمَا شَيْئا فَانْطَلقَا إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه يأمرانه بِطَلَب ذَلِك
قَالَ عَليّ فنبهاني لأمر فَقُمْت أجر رِدَائي حَتَّى أتيت إِلَى النَّبِي ﷺ فَقلت تزَوجنِي فَاطِمَة قَالَ وعندك شَيْء قلت فرسي وبدني فَقَالَ أما فرسك فَلَا بدلك مِنْهَا وَأما بدنك فبعها فبعتها بأربعمائة وَثَمَانِينَ فَجِئْته بهَا فوضعها فِي حجره فَقبض مِنْهَا قَبْضَة فَقَالَ أَي بِلَال ابتع لنا بهَا طيبا وَأمرهمْ أَن يجهزوها فَجعل لَهَا سَرِير مَشْرُوط ووسادة من أَدَم حشوها لِيف
وَقَالَ لعَلي إِذا أتتك فَلَا تحدث شَيْئا حَتَّى آتِيك فَجَاءَت مَعَ أم أَيمن فَقَعَدت فِي جَانب الْبَيْت وَأَنا فِي جَانب وَجَاء رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَهُنَا أخي فَقَالَت أم أَيمن أَخُوك وَقد زَوجته ابْنَتك قَالَ نعم وَدخل ﷺ فَقَالَ لفاطمة ائْتِينِي بِمَاء فَقَامَتْ إِلَى قَعْب فِي الْبَيْت فَأَتَت فِيهِ بِمَاء فَأَخذه وَمَج فِيهِ ثمَّ قَالَ لَهَا تقدمي فتقدمت فنضح بَين ثدييها وعَلى رَأسهَا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ قَالَ لَهَا أدبري فأدبرت فصب
بَين كتفيها ثمَّ فعل مثل ذَلِك بعلي ثمَّ قَالَ ادخل بأهلك بِسم الله وَالْبركَة
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أنس أَيْضا عِنْد أبي الْخَيْر الْقزْوِينِي الحاكمي خطبهَا عَليّ بعد أَن خطبهَا أَبُو بكر ثمَّ عمر ﵃ فَقَالَ قد أَمرنِي رَبِّي بذلك قَالَ أنس ثمَّ دَعَاني النَّبِي ﷺ بعد أَيَّام فَقَالَ ادْع أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وعدة من الْأَنْصَار فَلَمَّا اجْتَمعُوا وَأخذُوا مجَالِسهمْ وَكَانَ عَليّ غَائِبا قَالَ ﷺ (الْحَمد لله الْمَحْمُود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عَذَابه وسطوته النَّافِذ أمره فِي سمائه وأرضه الَّذِي خلق الْخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بِدِينِهِ وَأكْرمهمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد ﷺ إِن الله تبَارك اسْمه وتعالت عَظمته جعل الْمُصَاهَرَة سَببا لاحقا وأمرا مفترضا أوشج بِهِ الْأَرْحَام أَي ألف بَينهَا وَجعلهَا مختلطة مشتبكة وألزمها الْأَنَام فَقَالَ عز من قَائِل ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا وَكَانَ رَبك قَدِيرًا﴾ الْفرْقَان ٥٤ فَأمر الله تَعَالَى يجْرِي إِلَى قَضَائِهِ وقضاؤه يجْرِي إِلَى قدره وَلكُل قَضَاء قدر وَلكُل قدر أجل وَلكُل أجل كتاب يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب الرَّعْد ٣٩ ثمَّ إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أزوج فَاطِمَة من عَليّ بن أبي طَالب فَاشْهَدُوا أَنِّي قد زَوجته على أَرْبَعمِائَة مِثْقَال فضَّة إِن رَضِي بذلك عَليّ)
ثمَّ دَعَا
ﷺ بطبق من بسر ثمَّ قَالَ انتهبوا فانتهبنا وَدخل عَليّ فَتَبَسَّمَ النَّبِي ﷺ فِي وَجهه ثمَّ قَالَ (إِن الله ﷿ أَمرنِي أَن أزَوجك فَاطِمَة على أَرْبَعمِائَة مِثْقَال فضَّة أرضيت بذلك) قَالَ قد رضيت بذلك يَا رَسُول الله
فَقَالَ ﷺ (جمع الله شملكما وأعز جدكما وَبَارك عَلَيْكُمَا وَأخرج مِنْكُمَا كثيرا طيبا)
قَالَ أنس فوَاللَّه لقد أخرج الله مِنْهُمَا الْكثير الطّيب
تَنْبِيه ظَاهر هَذِه الْقِصَّة لَا يُوَافق مَذْهَبنَا من اشْتِرَاط الْإِيجَاب وَالْقَبُول فَوْرًا بِلَفْظ التَّزْوِيج أَو النِّكَاح دون نَحْو رضيت وَاشْتِرَاط عدم التَّعْلِيق لَكِنَّهَا وَاقعَة حَال مُحْتَملَة أَن عليا قبل فَوْرًا لما بلغه الْخَبَر
وَعِنْدنَا أَن من زوج غَائِبا بِإِيجَاب صَحِيح كَمَا هُنَا فَبَلغهُ الْخَبَر فَقَالَ فَوْرًا قبلت تَزْوِيجهَا أَو قبلت نِكَاحهَا صَحَّ
وَقَوله إِن رَضِي بذلك
لَيْسَ تَعْلِيقا حَقِيقِيًّا لِأَن الْأَمر مَنُوط بِرِضا الزَّوْج وَإِن لم يذكر فَذكره تَصْرِيح بالواقع وَوَقع لبَعض الشَّافِعِيَّة مِمَّن لم يتقن الْفِقْه هُنَا كَلَام غير ملائم فليجتنب
تَنْبِيه آخر أَشَارَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان إِلَى أَن هَذِه الرِّوَايَة كذب فَقَالَ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن دِينَار رَاوِي الحَدِيث أَتَى بِحَدِيث كذب وَلَا نَدْرِي من
هُوَ
انْتهى
قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر فِي لِسَان الْمِيزَان وَالْخَبَر الْمَذْكُور أسْندهُ عَن أنس قَالَ بَينا أَنا عِنْد النَّبِي ﷺ إِذْ غشيه الْوَحْي فَلَمَّا سري عَنهُ قَالَ (إِن رَبِّي أَمرنِي أَن أزوج فَاطِمَة من عَليّ فَانْطَلق فَادع أَبَا بكر وَعمر) وسمى جمَاعَة من الْمُهَاجِرين وبعددهم من الْأَنْصَار فَلَمَّا أخذُوا مجَالِسهمْ خطب النَّبِي ﷺ فَقَالَ (الْحَمد لله الْمَحْمُود بنعمته) فَذكر الْخطْبَة وَالْعقد وَقدر الصَدَاق وَذكر الْبشر وَالدُّعَاء
أخرجه ابْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمته عَن أبي الْقَاسِم النسيب بِسَنَد لَهُ إِلَى مُحَمَّد بن نَهَار بن أبي المحياة عَن عبد الْملك بن خِيَار ابْن عَم يحيى بن معِين عَن مُحَمَّد هَذَا عَن هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن أنس
قَالَ ابْن عَسَاكِر غَرِيب ثمَّ نقل عَن مُحَمَّد بن طَاهِر أَنه ذكره فِي تَكْمِلَة الْكَامِل والراوي فِيهِ جَهَالَة
انْتهى
وَبِه يعلم أَن إِطْلَاق الذَّهَبِيّ كَونه كذبا فِيهِ نظر وَإِنَّمَا هُوَ غَرِيب فِي سَنَده مَجْهُول وَسَيَأْتِي فِي الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة بسط يتَعَلَّق بذلك وَفِيه عَن النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح مَا يرد على الذَّهَبِيّ وَيبين أَن للقصة أصلا أصيلا فَلْيَكُن مِنْك على ذكر
Translation
الفصل الثالث في بعض مآثره
#44 Chapter 44 — الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم · ref. #44
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الأول فِي الْآيَات الْوَارِدَة فيهم

الْآيَة الأولى قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ الْأَحْزَاب ٣٣
أَكثر الْمُفَسّرين على أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن لتذكير ضمير عَنْكُم وَمَا بعده
وَقيل نزلت فِي نِسَائِهِ ﷺ لقَوْله ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن﴾ الْأَحْزَاب ٣٤ وَنسب لِابْنِ عَبَّاس وَمن ثمَّ كَانَ مَوْلَاهُ عِكْرِمَة يُنَادي بِهِ فِي السُّوق
وَقيل المُرَاد النَّبِي ﷺ وَحده وَقَالَ آخَرُونَ نزلت فِي نِسَائِهِ لأَنهم فِي بَيت سكناهُ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن﴾ وَأهل بَيته نِسْبَة وهم من تحرم الصَّدَقَة عَلَيْهِم
وَاعْتَمدهُ جمع ورجحوه وأيده ابْن كثير بأنهن سَبَب النُّزُول وَهُوَ دَاخل قطعا إِمَّا وَحده على قَوْله أَو مَعَ غَيره على الْأَصَح
وَورد فِي ذَلِك أَحَادِيث مِنْهَا مَا يصلح متمسكا للْأولِ وَمِنْهَا مَا يصلح متمسكا للْآخر وَهُوَ أَكْثَرهَا فَلِذَا كَانَ هُوَ الْمُعْتَمد كَمَا تقرر
ولنذكر من تِلْكَ الْأَحَادِيث جملَة فَنَقُول أخرج أَحْمد عَن أبي سعيد
الْخُدْرِيّ أَنَّهَا نزلت فِي خَمْسَة النَّبِي ﷺ وَعلي وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن
وَأخرجه ابْن جرير مَرْفُوعا بِلَفْظ (أنزلت هَذِه الْآيَة فِي خَمْسَة فِي وَفِي عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة)
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا
وَلمُسلم أَنه ﷺ أَدخل أُولَئِكَ تَحت كسَاء عَلَيْهِ وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة
وَصَحَّ أَنه ﷺ جعل على هَؤُلَاءِ كسَاء وَقَالَ (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي وحامتي أَي خاصتي أذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا) فَقَالَت أم سَلمَة وَأَنا مَعَهم قَالَ (إِنَّك على خير)
وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ بعد تَطْهِيرا (أَنا حَرْب لمن حاربهم وَسلم لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم)
وَفِي أُخْرَى ألْقى عَلَيْهِم كسَاء وَوضع يَده عَلَيْهِم ثمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ إِن هَؤُلَاءِ
آل مُحَمَّد فَاجْعَلْ صلواتك وبركاتك على آل مُحَمَّد إِنَّك حميد مجيد)
وَفِي أُخْرَى أَن الْآيَة نزلت بِبَيْت أم سَلمَة فَأرْسل ﷺ إِلَيْهِم وجللهم بكساء ثمَّ قَالَ نَحْو مَا مر وَفِي أُخْرَى أَنهم جَاءُوا واجتمعوا فَنزلت فَإِن صحتا حمل على نُزُولهَا مرَّتَيْنِ
وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَ (اللَّهُمَّ أَهلِي اذْهَبْ عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا) ثَلَاثًا وَأَن أم سَلمَة قَالَت لَهُ أَلَسْت من أهلك قَالَ بلَى وَأَنه أدخلها فِي الكساء بَعْدَمَا قضى دعاءه لَهُم
وَفِي أُخْرَى أَنه لما جمعهم ودعا لَهُم بأطول مِمَّا مر قَالَ وَاثِلَة وَعلي يَا رَسُول الله فَقَالَ (اللَّهُمَّ وعَلى وَاثِلَة)
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة قَالَ وَاثِلَة وَأَنا من أهلك قَالَ وَأَنت من أَهلِي قَالَ وَاثِلَة إِنَّهَا لمن أَرْجَى مَا أَرْجُو
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَكَأَنَّهُ جعله فِي حكم الْأَهْل تَشْبِيها بِمن يسْتَحق هَذَا الِاسْم لَا تَحْقِيقا
وَأَشَارَ الْمُحب الطبرى إِلَى أَن هَذَا الْفِعْل تكَرر مِنْهُ ﷺ فِي بَيت أم سَلمَة وَبَيت فَاطِمَة وَغَيرهمَا وَبِه جمع بَين اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي هَيْئَة اجْتِمَاعهم وَمَا جللهم بِهِ وَمَا دَعَا بِهِ لَهُم وَمَا أجَاب بِهِ وَاثِلَة وَأم سَلمَة وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة أَنه قَالَ نَحْو ذَلِك لهَؤُلَاء وهم فِي بَيت فَاطِمَة وَفِي رِوَايَة أَنه ضم إِلَى هَؤُلَاءِ بَقِيَّة بَنَاته وأقاربه وأزواجه وَصَحَّ عَن أم سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله أما أَنا من أهل بَيْتك فَقَالَ بلَى إِن شَاءَ الله
وَذهب الثَّعْلَبِيّ إِلَى أَن المُرَاد من أهل الْبَيْت فِي الْآيَة جَمِيع بني هَاشم
وَيُؤَيِّدهُ الحَدِيث الْحسن أَنه ﷺ اشْتَمَل على الْعَبَّاس وبنيه بملاءة ثمَّ قَالَ (يَا رب هَذَا عمي وصنو أبي وَهَؤُلَاء أهل بَيْتِي فاسترهم من الناسر كستري إيَّاهُم بملاءتي هَذِه) فأمنت أُسْكُفَّة الْبَاب وحوائط الْبَيْت فَقَالَت آمين ثَلَاثًا
وَفِي رِوَايَة فِيهَا من وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه غَيره ثمَّ جعل الْقَبَائِل بُيُوتًا فجعلني فِي خَيرهمْ بَيْتا وَذَلِكَ قَوْله ﷿ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ الْأَحْزَاب ٣٣
وَالْحَاصِل أَن أهل بَيت السُّكْنَى داخلون فِي الْآيَة لأَنهم المخاطبون بهَا وَلما كَانَ أهل بَيت النّسَب تخفى إرادتهم مِنْهَا بَين ﷺ بِمَا فعله مَعَ من مر أَن المُرَاد من أهل الْبَيْت هُنَا مَا يعم أهل بَيت سكناهُ كأزواجه وَأهل بَيت نسبه وهم جَمِيع بني هَاشم وَالْمطلب وَقد ورد عَن الْحسن من طرق بَعْضهَا سَنَده حسن وَأَنا من أهل الْبَيْت الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا
فبيت النّسَب مُرَاد فِي الْآيَة كبيت السُّكْنَى وَمن ثمَّ أخرج مُسلم عَن زيد ابْن أَرقم أَنه لما سُئِلَ أنساؤه من أهل بَيته فَقَالَ نساؤه من أهل بَيته وَلَكِن أهل بَيته من حرم الله الصَّدَقَة عَلَيْهِم
فَأَشَارَ إِلَى أَن نِسَاءَهُ من أهل بَيت سكناهُ الَّذين امتازوا بكرامات وخصوصيات أَيْضا لَا من أهل بَيت نسبه وَإِنَّمَا أُولَئِكَ من حرمت عَلَيْهِم الصَّدَقَة
ثمَّ هَذِه الْآيَة منبع فَضَائِل أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حَيْثُ ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إِرَادَته تَعَالَى فِي
أَمرهم على إذهاب الرجس الَّذِي هُوَ الْإِثْم أَو الشَّك فِيمَا يجب الْإِيمَان بِهِ عَنهُ وتطهيرهم من سَائِر الْأَخْلَاق وَالْأَحْوَال المذمومة
وَسَيَأْتِي فِي بعض الطّرق تحريمهم على النَّار وَهُوَ فَائِدَة ذَلِك التَّطْهِير وغايته إِذْ مِنْهُ إلهام الْإِنَابَة إِلَى الله تَعَالَى وإدامة الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَمن ثمَّ لما ذهبت عَنْهُم الْخلَافَة الظَّاهِرَة لكَونهَا صَارَت ملكا وَلذَا لم تتمّ لِلْحسنِ عوضوا عَنْهَا بالخلافة الْبَاطِنَة حَتَّى ذهب قوم إِلَى ان قطب الْأَوْلِيَاء فِي كل زمن لَا يكون إِلَّا مِنْهُم وَمِمَّنْ قَالَ يكون من غَيرهم الْأُسْتَاذ أَبُو الْعَبَّاس المرسي كَمَا نَقله عَنهُ تِلْمِيذه التَّاج ابْن عَطاء الله
وَمن تطهيرهم تَحْرِيم صَدَقَة الْفَرْض بل وَالنَّفْل على قَول لمَالِك عَلَيْهِم لِأَنَّهَا أوساخ النَّاس مَعَ كَونهَا تنبىء عَن ذل الْآخِذ وَعز الْمَأْخُوذ مِنْهُ وعوضوا عَنْهَا خمس خمس الْفَيْء وَالْغنيمَة المنبىء عَن عز الْآخِذ وذل الْمَأْخُوذ مِنْهُ وَمن ثمَّ كَانَ الْمُعْتَمد دُخُول أهل بَيت النّسَب فِي الْآيَة وَلذَا اختصوا بمشاركته ﷺ فِي تَحْرِيم صَدَقَة الْفَرْض وَالزَّكَاة وَالنّذر وَالْكَفَّارَة وَغَيرهَا
وَخَالف بعض الْمُتَأَخِّرين فبحث أَن النّذر كالنفل وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وامتاز
ﷺ بِحرْمَة النَّفْل وَإِن كَانَ على جِهَة عَامَّة أَو غير مُتَقَوّم على الْأَصَح وَاخْتَارَ الْمَاوَرْدِيّ حل صلَاته فِي الْمَسَاجِد وشربه من سِقَايَة زَمْزَم وبئر رومة وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي ﵁ لحل النَّفْل لَهُم بقول الباقر لما عوتب فِي شربه من سقايات بَين مَكَّة وَالْمَدينَة إِنَّمَا حرم علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة
وَوَجهه أَن مثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي لتَعَلُّقه بالخصائص فَيكون مُرْسلا لِأَن الباقر تَابِعِيّ جليل وَقد اعتضد مرسله بقول أَكثر أهل الْعلم وَتَحْرِيم ذَلِك يعم بني هَاشم وَالْمطلب مواليهم قيل وأزواجه وَهُوَ ضَعِيف وَإِن حكى ابْن عبد الْبر الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَلُزُوم نفقتهن بعد الْمَوْت لَا يحرم الْأَخْذ إِلَّا من جِهَة الْفقر والمسكنة بِخِلَافِهِ بِجِهَة أُخْرَى كَدين أَو سفر كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الْفِقْه وَفِي خبر أَنَّهَا تحل لبَعض بني هَاشم من بعض لكنه ضَعِيف مُرْسل فَلَا حجَّة فِيهِ
وشربه ﷺ من سِقَايَة زَمْزَم وَاقعَة حَال تحْتَمل أَن المَاء الَّذِي فِيهَا من نَزعه ﷺ أَو نزع مأذونه فَلم يتَحَقَّق أَنه من صَدَقَة الْعَبَّاس
وَحِكْمَة ختم الْآيَة بتطهير الْمُبَالغَة فِي وصولهم لأعلاه وَفِي رفع التَّجَوُّز عَنهُ ثمَّ تنويه تَنْوِين التَّعْظِيم والتكثير والإعجاز الْمُفِيد إِلَى أَنه لَيْسَ من جنس مَا يتعارف ويؤلف ثمَّ أكد ﷺ ذَلِك كُله بتكرير طلب مَا فِي الْآيَة لَهُم بقوله (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي) إِلَى آخر مَا مر وبإدخاله نَفسه مَعَهم فِي الْعد لتعود عَلَيْهِم بركَة اندراجهم فِي سلكه بل فِي رِوَايَة أَنه اندرج مَعَهم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إِشَارَة إِلَى
عَليّ قدرهم وأكده أَيْضا بِطَلَب الصَّلَاة عَلَيْهِم بقوله (فَاجْعَلْ صَلَاتك) إِلَى آخر مَا مر وأكده أَيْضا بقوله (أَنا حَرْب لمن حاربهم) إِلَى آخر مَا مر أَيْضا وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ بعد ذَلِك (أَلا من آذَى قَرَابَتي فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله تَعَالَى)
وَفِي أُخْرَى (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن عبد بِي حَتَّى يحبني وَلَا يحبني يحب ذَوي قَرَابَتي فأقامهم مقَام نَفسه وَمن ثمَّ صَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وعترتي) وألحقوا بِهِ أَيْضا فِي قصَّة المباهلة فِي آيَة ﴿قل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم﴾ آل عمرَان ٦١ الْآيَة فغدا ﷺ مُحْتَضِنًا الْحسن آخِذا بيد الْحُسَيْن وَفَاطِمَة تمشي خَلفه وَعلي خلفهَا
وَهَؤُلَاء هم أهل الكساء فهم المُرَاد فِي آيَة المباهلة كَمَا أَنهم من جملَة المُرَاد بِآيَة ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فَالْمُرَاد بِأَهْل الْبَيْت فِيهَا وَفِي كل مَا جَاءَ فِي فَضلهمْ أَو فضل الْآل أَو ذَوي الْقُرْبَى جَمِيع آله ﷺ وهم مؤمنو بني هَاشم وَالْمطلب وَخبر (آلي كل مُؤمن تَقِيّ) ضَعِيف بالمرة وَلَو صَحَّ لتأيد بِهِ
جمع بَعضهم بَين الْأَحَادِيث بِأَن الْآل فِي الدُّعَاء لَهُم فِي نَحْو الصَّلَاة يَشْمَل كل مُؤمن تَقِيّ وَفِي حُرْمَة الصَّدَقَة عَلَيْهِم مُخْتَصّ بِمُؤْمِن بني هَاشم وَالْمطلب وأيد ذَلِك الشُّمُول بِخَبَر البُخَارِيّ (مَا شبع آل مُحَمَّد من خبز مأدوم ثَلَاثًا)
(اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا)
وَفِي قَول إِن الْآل هم الْأزْوَاج والذرية فَقَط
الْآيَة الثَّانِيَة قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ الْأَحْزَاب ٥٦
صَحَّ عَن كَعْب بن عجْرَة قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة قُلْنَا يَا رَسُول لله قد علمنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك فَقَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَيفَ الصَّلَاة عَلَيْكُم أهل الْبَيْت قَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) إِلَى آخِره فسؤالهم بعد نزُول الْآيَة وإجابتهم باللهم صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد إِلَى آخِره دَلِيل ظَاهر على ان الْأَمر بِالصَّلَاةِ على أهل
بَيته وَبَقِيَّة آله عقب نُزُولهَا وَلم يجابوا بِمَا ذكر فَلَمَّا أجِيبُوا بِهِ دلّ على ان الصَّلَاة عَلَيْهِم من جملَة الْمَأْمُور بِهِ وَأَنه ﷺ أقامهم فِي ذَلِك مقَام نَفسه لِأَن الْقَصْد من الصَّلَاة عَلَيْهِ مزِيد تَعْظِيمه وَمِنْه تعظيمهم وَمن ثمَّ لما أَدخل من مر فِي الكساء قَالَ (اللَّهُمَّ إِنَّهُم مني وَأَنا مِنْهُم فَاجْعَلْ صَلَاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عَليّ وَعَلَيْهِم)
وَقَضِيَّة استجابة هَذَا الدُّعَاء أَن الله صلى عَلَيْهِم مَعَه فَحِينَئِذٍ طلب من الْمُؤمنِينَ صلَاتهم عَلَيْهِم مَعَه ويروى (لَا تصلوا عَليّ الصَّلَاة البتراء) فَقَالُوا وَمَا الصَّلَاة البتراء قَالَ (تَقولُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وتمسكون بل قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) وَلَا يُنَافِي مَا تقدم حذف الْآل فِي حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أَزوَاجه وَذريته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره لِأَن ذكر الْآل ثَبت فِي رِوَايَات أخر وَبِه يعلم أَنه ﷺ قَالَ ذَلِك كُله فحفظ بعض الروَاة مَا لم يحفظه الآخر ثمَّ عطف الْأزْوَاج والذرية على الْآل فِي كثير من الرِّوَايَات يَقْتَضِي أَنَّهُمَا ليسَا من الْآل وَهُوَ وَاضح فِي الْأزْوَاج بِنَاء على الْأَصَح فِي الْآل أَنهم مؤمنو بني هَاشم وَالْمطلب وَأما الذُّرِّيَّة فَمن الْآل على سَائِر الْأَقْوَال فَذكرهمْ
بعد الْآل للْإِشَارَة إِلَى عَظِيم شرفهم
روى أَبُو دَاوُد (من سره أَن يكتال بالمكيال الأوفى إِذا صلى علينا أهل الْبَيْت فَلْيقل اللَّهُمَّ صل على النَّبِي مُحَمَّد وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَذريته وَأهل بَيته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد)
وَقَوْلهمْ علمنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك
أشاروا بِهِ إِلَى السَّلَام عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّد كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره
وَيدل لَهُ خبر مُسلم أمرنَا الله أَن نصلي عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك فَسكت النَّبِي ﷺ حَتَّى تمنينا أننا لم نَسْأَلهُ ثمَّ قَالَ ﷺ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) الحَدِيث
وَزَاد آخِره (وَالسَّلَام كَمَا قد علمْتُم) أَي من الْعلم ويروى من التَّعْلِيم لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يعلمهُمْ التَّشَهُّد كَمَا يعلمهُمْ السُّورَة وَصَحَّ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أما السَّلَام عَلَيْكُم فقد عَرفْنَاهُ فَكيف نصلي عَلَيْك إِذا نَحن صلينَا عَلَيْك فِي صَلَاتنَا صلى الله عَلَيْك فَصمت ﷺ حَتَّى أحببنا أَن الرجل لم يسْأَله فَقَالَ (إِذا أَنْتُم صليتم عَليّ فَقولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد)
الحَدِيث
وَلَا يُقَال تفرد بِهِ ابْن إِسْحَق وَمُسلم لم يخرج لَهُ إِلَّا فِي المتابعات لأَنا نقُول الْأَئِمَّة وثقوه وَإِنَّمَا هُوَ مُدَلّس فَقَط وَقد زَالَت عِلّة التَّدْلِيس بتصريحه فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فاتضح أَن ذَلِك خرج مخرج الْبَيَان لِلْأَمْرِ الْوَارِد فِي الْآيَة
وَيُوَافِقهُ قَوْله قُولُوا فَإِنَّهَا صِيغَة أَمر وَهُوَ للْوُجُوب وَمَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود بتشهيد الرجل فِي الصَّلَاة ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو لنَفسِهِ فَهَذَا التَّرْتِيب مِنْهُ لَا يكون من قبل الرَّأْي فَيكون فِي حكم الْمَرْفُوع
وَصَحَّ أَيْضا أَنه ﷺ سمع رجلا يَدْعُو فِي صلَاته لم يحمد الله وَلم يصل على النَّبِي ﷺ فَقَالَ (عجل هَذَا) ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَو لغيره (إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بتحميد ربه وَالثنَاء عَلَيْهِ ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ)
وَمحل الْبدَاءَة بالتحميد وَالثنَاء على الله تَعَالَى جُلُوس التَّشَهُّد
وَبِهَذَا كُله اتَّضَح قَول الشَّافِعِي ﵁ بِوُجُوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد لما علمت مِنْهُ أَنه صَحَّ عَنهُ ﷺ الْأَمر بِوُجُوبِهَا فِيهِ وَمن أَنه صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود تعْيين محلهَا وَهُوَ بَين التَّشَهُّد وَالدُّعَاء فَكَانَ القَوْل بِوُجُوبِهَا
لذَلِك الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي هُوَ الْحق الْمُوَافق لصريح السّنة ولقواعد الْأُصُولِيِّينَ وَيدل لَهُ أَيْضا أَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة استوعبتها فِي شرحي الْإِرْشَاد والعباب مَعَ بَيَان الرَّد الْوَاضِح على من شنع على الشَّافِعِي وَبَيَان أَن الشَّافِعِي لم يشذ بل قَالَ بِهِ قبله جمَاعَة من الصَّحَابَة كَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَجَابِر وَأبي مَسْعُود البدري وَغَيرهم وَالتَّابِعِينَ كالشعبي والباقر وَغَيرهم كإسحاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بل لمَالِك قَول مُوَافق للشَّافِعِيّ رَجحه جمَاعَة من أَصْحَابه
قَالَ شيخ الْإِسْلَام خَاتِمَة الْحفاظ ابْن حجر لم أر عَن أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْوُجُوب إِلَّا مَا نقل عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من إشعاره بِأَن غَيره كَانَ قَائِلا بِالْوُجُوب انْتهى
فَزعم أَن الشَّافِعِي شَذَّ وَأَنه خَالف فِي ذَلِك فُقَهَاء الْأَمْصَار مُجَرّد دعة بَاطِلَة لَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا يعول عَلَيْهَا وَمن ثمَّ قَالَ ابْن الْقيم أَجمعُوا على مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فِي التَّشَهُّد وَإِنَّمَا أختلفوا فِي الْوُجُوب والاستحباب فَفِي تمسك من لم يُوجِبهَا بِعَمَل السّلف نظر لأَنهم كَانُوا يأْتونَ بهَا فِي صلَاتهم فَإِن أُرِيد بعملهم اعْتِقَادهم احْتَاجَ إِلَى نقل صَرِيح عَنْهُم بِعَدَمِ الْوُجُوب وأنى يُوجد ذَلِك قَالَ وَأما قَول عِيَاض إِن النَّاس شنعوا على الشَّافِعِي
فَلَا معنى لَهُ فَأَي شناعة فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لم يُخَالف فِي ذَلِك نصا وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسا وَلَا مصلحَة راجحة بل القَوْل بذلك من محَاسِن مذْهبه وَللَّه در الْقَائِل حَيْثُ قَالَ
(وَإِذا محاسني اللَّاتِي أدل بهَا ... صَارَت ذنوبا فَقل لي كَيفَ أعْتَذر)
وَاعْلَم أَن النَّوَوِيّ نقل عَن الْعلمَاء كَرَاهَة إِفْرَاد الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ وَمن ثمَّ قَالَ بعض الْحفاظ كنت أكتب الحَدِيث فأكتب الصَّلَاة فَقَط فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم
فَقَالَ لي أما تتمّ الصَّلَاة فِي كتابك فَمَا كتبت بعد ذَلِك إِلَّا صليت عَلَيْهِ وسلمت
وَلَا يحْتَج بتعليمهم كَيْفيَّة الصَّلَاة السَّابِقَة لِأَن السَّلَام سبقها فِي التَّشَهُّد فَلَا إِفْرَاد فِيهِ وَقد جَاءَ ذكر الصَّلَاة مقرونة بِالسَّلَامِ فِي مَوَاطِن مِنْهَا عقب مَا يُقَال عِنْد ركُوب الدَّابَّة كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء مَرْفُوعا وَكَذَا فِي غَيره وَإِنَّمَا حذف فِي بعض المواطن اختصارا وَكَذَا حذف الْآل
وَقد اخْرُج الديلمي أَنه ﷺ قَالَ (الدُّعَاء مَحْجُوب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد وَأهل بَيته اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَآله)
وَكَأن قَضِيَّة الْأَحَادِيث السَّابِقَة وجوب الصَّلَاة على الْآل فِي التَّشَهُّد الْأَخير كَمَا هُوَ قَول الشَّافِعِي خلافًا لما يُوهِمهُ
كَلَام الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَرجحه بعض أَصْحَابه وَمَال إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ وَمن ادّعى الْإِجْمَاع على عدم الْوُجُوب فقد سَهَا لَكِن بَقِيَّة الْأَصْحَاب قد ذَهَبُوا إِلَى أَن اخْتِلَاف تِلْكَ الرِّوَايَات من أجل أَنَّهَا وقائع مُتعَدِّدَة فَلم يوجبوا إِلَّا مَا اتّفقت الطّرق عَلَيْهِ وَهُوَ أصل الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ وَمَا زَاد فَهُوَ من قبيل الْأَكْمَل وَلذَا استدلوا على عدم وجوب قَوْله (كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم) بسقوطه فِي بعض الطّرق وَللشَّافِعِيّ ﵁
(يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ)
(كفاكم من عَظِيم الْقدر أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ)
فَيحْتَمل لَا صَلَاة لَهُ صَحِيحَة فَيكون مُوَافقا لقَوْله بِوُجُوب الصَّلَاة على الْآل وَيحْتَمل لَا صَلَاة لَهُ كَامِلَة فيوافق أظهر قوليه
الْآيَة الثَّالِثَة قَوْله تَعَالَى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠
فقد نقل جمَاعَة من الْمُفَسّرين عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن المُرَاد بذلك سَلام على آل مُحَمَّد
وَكَذَا قَالَه الْكَلْبِيّ وَعَلِيهِ فَهُوَ ﷺ دَاخل بطرِيق الأولى أَو النَّص كَمَا فِي
اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى
لَكِن أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد إلْيَاس ﵇ وَهُوَ قَضِيَّة السِّيَاق
تَنْبِيه لفظ السَّلَام فِي نَحْو هَذِه الْجُمْلَة خبر مُرَاد بِهِ الْإِنْشَاء والطلب على الْأَصَح والطلب يَسْتَدْعِي مَطْلُوبا مِنْهُ وَطَلَبه تَعَالَى من غَيره محَال فَالْمُرَاد بسلامه تَعَالَى على عباده إِمَّا بشارتهم بالسلامة وَإِمَّا حَقِيقَة الطّلب فَكَأَنَّهُ طلب من نَفسه إِذْ سَلَامه تَعَالَى يرجع لكَلَامه النَّفْسِيّ الأزلي وتضمنه الطّلب مِنْهُ لإنالة السَّلامَة الْكَامِلَة للْمُسلمِ عَلَيْهِ غير محَال إِذْ هُوَ طلب نَفسِي مُقْتَض لتَعلق الْإِرَادَة بِهِ والطلب من النَّفس مَعْقُول يُعلمهُ كل أحد من نَفسه فَالْحَاصِل أَنه تَعَالَى طلب لَهُم مِنْهُ إنالتهم السَّلامَة الْكَامِلَة فَيتَعَلَّق ذَلِك بهم فِي الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى تخصيصهم بِهِ كَمَا فِي أمره وَنَهْيه المتعلقين بِنَا مَعَ قدمهما
وَذكر الْفَخر الرَّازِيّ أَن أهل بَيته ﷺ يساوونه فِي خَمْسَة أَشْيَاء فِي السَّلَام قَالَ السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠
وَفِي الصَّلَاة عَلَيْهِم فِي التَّشَهُّد
وَفِي الطَّهَارَة قَالَ تَعَالَى ﴿طه﴾ طه ١ أَي يَا طَاهِر وَقَالَ ﴿وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ الْأَحْزَاب ١٣٣
وَفِي تَحْرِيم الصَّدَقَة
وَفِي الْمحبَّة قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ آل عمرَان وَقَالَ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى ٢٣
الْآيَة الرَّابِعَة قَوْله تَعَالَى ﴿وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون﴾ الصافات ٢٤
أخرج الديلمي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون عَن ولَايَة عَليّ)
وَكَأن هَذَا هُوَ مُرَاد الواحدي بقوله رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وقفوهم إِنَّهُم مسؤولون﴾ أَي عَن ولَايَة عَليّ وَأهل الْبَيْت لِأَن الله أَمر نبيه ﷺ أَن يعرف الْخلق أَنه لَا يسألهم على تَبْلِيغ الرسَالَة أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَالْمعْنَى أَنهم يسْأَلُون هَل وَالوهم حق الْمُوَالَاة كَمَا أوصاهم النَّبِي ﷺ أم أضاعوها وأهملوها فَتكون عَلَيْهِم الْمُطَالبَة والتبعة
انْتهى
وَأَشَارَ بقوله كَمَا أوصاهم النَّبِي ﷺ إِلَى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك وَهِي كَثِيرَة وَسَيَأْتِي مِنْهَا جملَة فِي الْفَصْل الثَّانِي
وَمن ذَلِك حَدِيث مُسلم عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ
(أما بعد أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوشك أَن يأتني رَسُول رَبِّي ﷿ فَأُجِيبَهُ وَإِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن أَولهمَا كتاب الله ﷿ فِيهِ الْهدى والنور فَتمسكُوا بِكِتَاب الله ﷿ وخذوا بِهِ وحث فِيهِ وَرغب فِيهِ ثمَّ قَالَ وَأهل بَيْتِي أذكركم الله ﷿ فِي أهل بَيْتِي) ثَلَاث مَرَّات فَقيل لزيد من
أهل بَيته أَلَيْسَ نساؤه من أهل بَيته قَالَ بلَى إِن نِسَاءَهُ من أهل بَيته لَكِن أهل بَيته من حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة بعده قَالَ وَمن هم قَالَ هم عَليّ وَآل جَعْفَر وَآل عقيل وَآل عَبَّاس قَالَ كل هَؤُلَاءِ حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة قَالَ نعم
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب أَنه ﷺ قَالَ (إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله ﷿ حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا)
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده بِمَعْنَاهُ وَلَفظه (إِنِّي أوشك أَن أدعى فَأُجِيب وَإِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَإِن اللَّطِيف الْخَبِير أَخْبرنِي أَنَّهُمَا لن يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فانظروا بِمَ تخلفوني فيهمَا وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ
وَفِي رِوَايَة أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع وَفِي اخرى مثله يَعْنِي كتاب الله كسفينة نوح من ركب فِيهَا نجا وَمثلهمْ أَي أهل بَيته كَمثل بَاب حطة من
دخله غفرت لَهُ الذُّنُوب
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ لذَلِك فِي الْعِلَل المتناهية وهم أَو غَفلَة عَن استحضار بَقِيَّة طرقه بل فِي مُسلم عَن زيد بن أَرقم أَنه ﷺ قَالَ ذَلِك يَوْم غَدِير خم وَهُوَ مَاء بِالْجُحْفَةِ كَمَا مر وَزَاد (أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي) قُلْنَا لزيد من أهل بَيته نساؤه قَالَ لَا وأيم الله إِن الْمَرْأَة تكون من الرجل الْعَصْر من الدَّهْر ثمَّ يطلقهَا فترجع إِلَى أَبِيهَا وقومها أهل بَيته أَهله وعصبته الَّذين حرمُوا الصَّدَقَة بعده
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (إِنِّي تَارِك فِيكُم أَمريْن لن تضلوا إِن تبعتموهما وهما كتاب الله وَأهل بَيْتِي عِتْرَتِي)
زَاد الطَّبَرَانِيّ (إِنِّي سَأَلت ذَلِك لَهما فَلَا تقدموهما فَتَهْلكُوا وَلَا تقصرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلكُوا وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم)
وَفِي رِوَايَة كتاب الله وسنتي وَهِي المُرَاد من الْأَحَادِيث المقتصرة على الْكتاب لِأَن السّنة مبينَة لَهُ فأغنى ذكره عَن ذكرهَا
وَالْحَاصِل أَن الْحَث وَقع على التَّمَسُّك بِالْكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل الْبَيْت وَيُسْتَفَاد من مَجْمُوع ذَلِك بَقَاء الْأُمُور الثَّلَاثَة إِلَى قيام السَّاعَة
ثمَّ اعْلَم أَن لحَدِيث التَّمَسُّك بذلك طرقا كَثِيرَة وَردت عَن نَيف وَعشْرين صحابيا وَمر لَهُ طرق مبسوطة فِي حادي عشر الشّبَه وَفِي بعض تِلْكَ الطّرق انه قَالَ ذَلِك بِحجَّة الْوَدَاع بعرقة وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَه بِالْمَدِينَةِ فِي مَرضه وَقد امْتَلَأت الْحُجْرَة بِأَصْحَابِهِ وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَ ذَلِك بغدير خم وَفِي أُخْرَى أَنه قَالَه لما قَامَ خَطِيبًا بعد انْصِرَافه من الطَّائِف كَمَا مر وَلَا تنَافِي إِذْ لَا مَانع من أَنه كرر عَلَيْهِم ذَلِك فِي تِلْكَ المواطن وَغَيرهَا اهمتاما بشأن الْكتاب الْعَزِيز والعترة الطاهرة
وَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ (أخلفوني فِي أهل بَيْتِي)
وَفِي أُخْرَى عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَأبي الشَّيْخ (إِن لله ﷿ ثَلَاث حرمات فَمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه وَمن لم يحفظهن لم يحفظ الله دُنْيَاهُ وَلَا آخرته) قلت مَا هن قَالَ (حُرْمَة الْإِسْلَام وحرمتي وَحُرْمَة رحمي)
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن الصّديق ﵁ من قَوْله يَا أَيهَا النَّاس ارقبوا
مُحَمَّدًا ﷺ فِي أهل بَيته
أَي احفظوه فيهم فَلَا تؤذوهم
وَأخرج ابْن سعد والملا فِي سيرته أَنه ﷺ قَالَ (اسْتَوْصُوا بِأَهْل بَيْتِي خيرا فَإِنِّي أخاصمكم عَنْهُم غَدا وَمن أكن خَصمه أخصمه وَمن أخصمه دخل النَّار)
وَأَنه قَالَ (من حفظني فِي أهل بَيْتِي فقد اتخذ عِنْد الله عهدا)
وَأخرج الأول (أَنا وَأهل بَيْتِي شَجَرَة فِي الْجنَّة وَأَغْصَانهَا فِي الدُّنْيَا فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا)
وَالثَّانِي حَدِيث (فِي كل خلف من أمتِي عدُول من أهل بَيْتِي ينفون عَن هَذَا الدّين تَحْرِيف الضَّالّين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين أَلا وَإِن أئمتكم وفدكم إِلَى الله ﷿ فانظروا من توفدون)
وَأخرج أَحْمد خبر (الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا الْحِكْمَة أهل الْبَيْت)
وَفِي خبر حسن (أَلا إِن عيبتي وكرشي أهل بَيْتِي وَالْأَنْصَار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عَن مسيئهم)
تَنْبِيه سمى رَسُول الله ﷺ الْقُرْآن وعترته وَهِي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة الْأَهْل
والنسل والرهط الأدنون ثقلين لِأَن الثّقل كل نَفِيس خطير مصون وَهَذَانِ كَذَلِك إِذْ كل مِنْهُمَا مَعْدن الْعُلُوم الدينة والأسرار وَالْحكم الْعلية وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَلذَا حث ﷺ على الِاقْتِدَاء والتمسك بهم والتعلم مِنْهُم وَقَالَ (الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا الْحِكْمَة أهل الْبَيْت)
وَقيل سميا ثقلين لثقل وجوب رِعَايَة حقوقهما ثمَّ الَّذين وَقع الْحَث عَلَيْهِم مِنْهُم إِنَّمَا هم العارفون بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ إِذْ هم الَّذين لَا يفارقون الْكتاب إِلَى الْحَوْض وَيُؤَيِّدهُ الْخَبَر السَّابِق (وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم)
وتميزوا بذلك لأَنهم عَن بَقِيَّة الْعلمَاء لِأَن الله أذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة وَقد مر بَعْضهَا وَسَيَأْتِي الْخَبَر الَّذِي فِي قُرَيْش (تعلمُوا مِنْهُم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم) فَإِذا ثَبت هَذَا الْعُمُوم لقريش فَأهل الْبَيْت مِنْهُم أولى مِنْهُم بذلك امتازوا عَنْهُم بخصوصيات لَا يشاركهم فِيهَا بَقِيَّة قُرَيْش
وَفِي أَحَادِيث الْحَث على التَّمَسُّك بِأَهْل الْبَيْت إِشَارَة إِلَى عدم انْقِطَاع متأهل مِنْهُم للتمسك بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا أَن الْكتاب الْعَزِيز كَذَلِك وَلِهَذَا كَانُوا أَمَانًا لأهل الأَرْض كَمَا يَأْتِي وَيشْهد لذَلِك الْخَبَر السَّابِق (فِي كل خلف من أمتِي عدُول من أهل بَيْتِي) إِلَى آخِره
ثمَّ أَحَق من يتَمَسَّك بِهِ مِنْهُم إمَامهمْ وعالمهم عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه لما قدمْنَاهُ من مزِيد علمه ودقائق مستنبطاته وَمن ثمَّ قَالَ أَبُو بكر ﵁
عَليّ عترة رَسُول الله ﷺ
أَي الَّذين حث على التَّمَسُّك بهم فخصه بِمَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ خصّه ﷺ بِمَا مر يَوْم غَدِير خم
وَالْمرَاد بالعيبة والكرش فِي الْخَبَر السَّابِق آنِفا أَنهم مَوضِع سره وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته إِذْ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فِيهِ مِمَّا بِهِ القوام وَالصَّلَاح لِأَن الأول لما يحرز فِيهِ نفائس الْأَمْتِعَة وَالثَّانِي مُسْتَقر الْغذَاء الَّذِي بِهِ النمو وقوام البنية وَقيل هما مثلان لاختصاصهم بالأمور الظَّاهِرَة والباطنة إِذْ مظروف الكرش بَاطِن والعيبة ظَاهر وعَلى كل فَهَذَا غَايَة فِي التعطف عَلَيْهِم وَالْوَصِيَّة بهم
وَمعنى (وتجاوزوا عَن مسيئهم) أَي فِي غير الْحُدُود وَحُقُوق الْآدَمِيّين
وَهَذَا أَيْضا محمل الْخَبَر الصَّحِيح (أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم) وَمن ثمَّ ورد فِي رِوَايَة (إِلَّا الْحُدُود) وفسرهم الشَّافِعِي بِأَنَّهُم الَّذين لَا يعْرفُونَ بِالشَّرِّ
وَيقرب مِنْهُ قَول غَيره هم أَصْحَاب الصَّغَائِر دون الْكَبَائِر وَقيل من إِذا أذْنب تَابَ
الْآيَة الْخَامِسَة قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ آل عمرَان ١٠٣
أخرج الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيرهَا عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ أَنه قَالَ نَحن حَبل الله الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَكَانَ جده زين العابدين إِذا تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ التَّوْبَة ١١٩ يَقُول دُعَاء طَويلا يشْتَمل على طلب اللحوق بِدَرَجَة الصَّادِقين والدرجات الْعلية وعَلى وصف المحن وَمَا انتحلته المبتدعة المفارقون لأئمة الدّين والشجرة النَّبَوِيَّة ثمَّ يَقُول وَذهب آخَرُونَ إِلَى التَّقْصِير فِي أمرنَا وَاحْتَجُّوا بمتشابه الْقُرْآن فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الْخَبَر ... إِلَى أَن قَالَ فَإلَى من يفزع خلف هَذِه الْأمة وَقد درست أَعْلَام هَذِه الْملَّة ودانت الْأمة بالفرقة وَالِاخْتِلَاف يكفر بَعضهم بَعْضًا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ آل عمرَان ١٠٥ فَمن الموثوق بِهِ على إبلاغ الْحجَّة وَتَأْويل الحكم إِلَى أهل الْكتاب وَأَبْنَاء أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الدجى الَّذين احْتج الله بهم على عباده وَلم يدع الْخلق سدى من غير حجَّة هَل تعرفونهم أَو تجدونهم إِلَّا من فروع الشَّجَرَة الْمُبَارَكَة وبقايا الصفوة الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا وبرأهم من الْآفَات وافترض مَوَدَّتهمْ فِي الْكتاب
الْآيَة السَّادِسَة قَوْله تَعَالَى ﴿أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ النِّسَاء ٥٤
أخرج أَبُو الْحسن المغازلي عَن الباقر ﵁ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة نَحن النَّاس وَالله
الْآيَة السا بعة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ الْأَنْفَال ٣٣
أَشَارَ ﷺ إِلَى وجود ذَلِك الْمَعْنى فِي أهل بَيته وَإِنَّهُم أَمَان لأهل الأَرْض كَمَا كَانَ هُوَ ﷺ أَمَانًا لَهُم وَفِي ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة يَأْتِي بَعْضهَا وَمِنْهَا (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي) أخرجه جمَاعَة كلهم بِسَنَد ضَعِيف وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة أَيْضا (أهل بَيْتِي أَمَان لأهل الأَرْض فَإِذا هلك أهل بَيْتِي جَاءَ أهل الأَرْض من الْآيَات مَا كَانُوا يوعدون)
وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَد (فَإِذا ذهب النُّجُوم ذهب أهل السَّمَاء وَإِذا ذهب أهل بَيْتِي ذهب أهل الأَرْض)
وَفِي رِوَايَة صححها الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ (النُّجُوم أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي من الِاخْتِلَاف فَإِذا خالفتها قَبيلَة من الْعَرَب اخْتلفُوا فصاروا حزب إِبْلِيس)
وَجَاء من طرق عديدة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا (إِنَّمَا مثل أهل بَيْتِي فِيكُم كَمثل سفينة نوح من ركبهَا نجا) وَفِي رِوَايَة مُسلم (وَمن تخلف عَنْهَا غرق) وَفِي رِوَايَة
(هلك وَإِنَّمَا مثل أهل بَيْتِي فِيكُم مثل بَاب حطة فِي بني إِسْرَائِيل من دخله غفر لَهُ) وَفِي رِوَايَة (غفر لَهُ الذُّنُوب)
وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن المُرَاد بِأَهْل الْبَيْت الَّذين هم أَمَان علماؤهم لأَنهم الَّذين يهتدى بهم كَالنُّجُومِ وَالَّذين إِذا فقدوا جَاءَ أهل الأَرْض من الْآيَات مَا يوعدون وَذَلِكَ عِنْد نزُول الْمهْدي لما يَأْتِي فِي أَحَادِيثه أَن عِيسَى يُصَلِّي خَلفه وَيقتل الدَّجَّال فِي زَمَنه وَبعد ذَلِك تتتابع الايات بل فِي مُسلم أَن النَّاس بعد قتل عِيسَى للدجال يمكثون سبع سِنِين ثمَّ يُرْسل الله ريحًا بَارِدَة من قبل الشَّام فَلَا يبْقى على وَجه الأَرْض أحد فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خير أَو إِيمَان إِلَّا قَبضه فَيبقى شرار فِي خفَّة الطير وأحلام السبَاع لَا يعْرفُونَ مَعْرُوفا وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا
الحَدِيث
قَالَ وَيحْتَمل وَهُوَ الْأَظْهر عِنْدِي أَن المُرَاد بهم سَائِر أهل الْبَيْت فَإِن الله لما خلق الدُّنْيَا بأسرها من أجل النَّبِي ﷺ جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بَيته لأَنهم يساوونه فِي أَشْيَاء مر عَن الرَّازِيّ بَعْضهَا وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي حَقهم (اللَّهُمَّ إِنَّهُم مني وَأَنا مِنْهُم) وَلِأَنَّهُم بضعَة مِنْهُ بِوَاسِطَة أَن فَاطِمَة ﵂ أمّهم بضعته فأقيموا مقَامه فِي الْأمان
انْتهى مُلَخصا
وَوجه تشبيههم بالسفينة فِيمَا مر أَن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة
٣ - مشرفهم ﷺ وَأخذ بِهَدي عُلَمَائهمْ نجا من ظلمَة المخالفات وَمن تخلف عَن ذَلِك غرق فِي بَحر كفر النعم وَهلك فِي مفاوز الطغيان
وَمر فِي خبر (أَن من حفظ حُرْمَة الْإِسْلَام وَحُرْمَة النَّبِي ﷺ وَحُرْمَة رَحمَه حفظ الله تَعَالَى دينه ودنياه وَمن لم يحفظ لم يحفظ الله دُنْيَاهُ وَلَا آخرته)
وَورد (يرد الْحَوْض أهل بَيْتِي وَمن أحبهم من أمتِي كهاتين السبابتين) وَيشْهد لَهُ خبر (الْمَرْء مَعَ من أحب)
وبباب حطة أَن الله تَعَالَى جعل دُخُول ذَلِك الْبَاب الَّذِي هُوَ بَاب أريحاء أَو بَيت الْمُقَدّس مَعَ التَّوَاضُع وَالِاسْتِغْفَار سَببا للمغفرة وَجعل لهَذِهِ الْأمة مَوَدَّة أهل الْبَيْت سَببا لَهَا كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا
الْآيَة الثَّامِنَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ طه ٨٢
قَالَ ثَابت الْبنانِيّ اهْتَدَى إِلَى ولَايَة أهل بَيته ﷺ
وَجَاء ذَلِك عَن أبي جَعْفَر الباقر أَيْضا
وَأخرج الديلمي مَرْفُوعا (إِنَّمَا سميت ابْنَتي فَاطِمَة لِأَن الله فطمها ومحبيها
عَن النَّار)
وَأخرج أَحْمد أَنه ﷺ أَخذ بيد الحسنين وَقَالَ (من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن واباهما وأمهما كَانَ معي فِي درجتي يَوْم الْقيام)
وَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب (وَكَانَ معي فِي الْجنَّة)
وَمعنى الْمَعِيَّة هُنَا معية الْقرب وَالشُّهُود لَا معية الْمَكَان والمنزل
وَأخرج ابْن سعد عَن عَليّ أَخْبرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أول من يدْخل الْجنَّة أَنا وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن قلت يَا رَسُول الله فمحبونا قَالَ من وَرَائِكُمْ
وَمر فِي فَضَائِل أبي بكر ﵁ أَنه أول من يدْخل الْجنَّة
وَفِي فَضَائِل عمر ﵁ ذَلِك أَيْضا وَمر الْجمع بَينهمَا بِمَا يعلم بِهِ محمل هَذَا الحَدِيث
وَلَا تتوهم الرافضة والشيعة قبحهم الله من هَذِه الْأَحَادِيث أَنهم محبوا
أهل الْبَيْت لأَنهم أفرطوا فِي محبتهم حَتَّى جرهم ذَلِك إِلَى تَكْفِير الصَّحَابَة وتضليل الْأمة وَقد قَالَ عَليّ يهْلك فِي محب مفرط يقرظني بِمَا لَيْسَ فِي
وَمر خبر لَا يجْتَمع حب عَليّ وبغض أبي بكر وَعمر فِي قلب مُؤمن
وَهَؤُلَاء الضالون الحمقى أفرطوا فِيهِ وَفِي اهل بَيته فَكَانَت محبتهم عارا عَلَيْهِم وبوارا قَاتلهم الله أَنى يؤفكون
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف أَن عليا أُتِي يَوْم الْبَصْرَة بِذَهَب وَفِضة فَقَالَ ابيضي واصفري غري غَيْرِي غري أهل الشَّام غَدا إِذا ظَهَرُوا عَلَيْك
فشق قَوْله ذَلِك على النَّاس فَذكر ذَلِك لَهُ فَأذن فِي النَّاس فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ إِن خليلي ﷺ قَالَ (يَا عَليّ إِنَّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين وَيقدم عَلَيْهِ عَدوك غضابا مقمحين) ثمَّ جمع عَليّ يَده إِلَى عُنُقه يُرِيهم الإقماح
وشيعته هم أهل السّنة لأَنهم الَّذين أحبوهم كَمَا أَمر الله أمرنَا وَرَسُوله وَأما غَيرهم فاعداؤه فِي الْحَقِيقَة لِأَن الْمحبَّة الْخَارِجَة عَن الشَّرْع الجائرة عَن سنَن الْهدى هِيَ الْعَدَاوَة الْكُبْرَى فَلِذَا كَانَت سَببا لهلاكهم كَمَا مر آنِفا عَن لاصادص المصدوق ﷺ
وأعداؤهم الْخَوَارِج وَنَحْوهم من أهل الشَّام لَا مُعَاوِيَة وَنَحْوه من الصَّحَابَة لأَنهم متأولون فَلهم أجر وَله هُوَ وشيعته أَجْرَانِ ﵃
وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ من أَن أُولَئِكَ المبتدعة الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا لَيْسُوا من شيعَة
عَليّ وَذريته بل من أعدائهم مَا أخرجه صَاحب المطالب الْعَالِيَة عَن عَليّ وَمن جملَته أَنه مر على جمع فَأَسْرعُوا إِلَيْهِ قيَاما فَقَالَ من الْقَوْم فَقَالُوا من شيعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَقَالَ لَهُم خيرا ثمَّ قَالَ يَا هَؤُلَاءِ مَالِي لَا أرى فِيكُم سمة شِيعَتِنَا وَحلية أحبتنا فأمسكوا حَيَاء فَقَالَ لَهُ من مَعَه نَسْأَلك بِالَّذِي أكْرمكُم أهل الْبَيْت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بِصفة شيعتكم
فَقَالَ شِيعَتِنَا هم العارفون بِاللَّه الْعَامِلُونَ بِأَمْر الله أهل الْفَضَائِل الناطقون بِالصَّوَابِ مأكولهم الْقُوت وملبوسهم الاقتصاد ومشيهم التَّوَاضُع نجعوا لله بِطَاعَتِهِ وخضعوا إِلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ مضوا غاضين أَبْصَارهم عَمَّا حرم الله عَلَيْهِم رامقين أسماعهم على الْعلم برَبهمْ نزلت أنفسهم مِنْهُم فِي الْبلَاء كَالَّتِي نزلت مِنْهُم فِي الرخَاء رَضوا عَن الله تَعَالَى بِالْقضَاءِ فلولا الْآجَال الَّتِي كتب الله تَعَالَى لَهُم لم تَسْتَقِر أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم طرفَة عين شوقا إِلَى لِقَاء الله وَالثَّوَاب وخوفا من أَلِيم الْعقَاب عظم الْخَالِق فِي انفسهم وَصغر مَا دونه فِي أَعينهم فهم وَالْجنَّة كمن رَآهَا فهم على أرائكها متكئون وهم وَالنَّار كمن رَآهَا فهم فِيهَا معذبون صَبَرُوا أَيَّامًا قَليلَة فأعقبتهم رَاحَة طَوِيلَة أرادتهم الدُّنْيَا فَلم يريدوها وطلبتهم فأعجزوها أما اللَّيْل فصافون أَقْدَامهم تالون لأجزاء الْقُرْآن ترتيلا يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تَارَة وَتارَة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أَقْدَامهم تجْرِي دموعهم على خدودهم يمجدون جبارا عَظِيما ويجأرون
إِلَيْهِ فِي فكاك رقابهم
هَذَا ليلهم فَأَما نهارهم فحكماء عُلَمَاء بررة أتقياء براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى أَو قد خولطوا وَمَا هم بذلك بل خاسرهم من عَظمَة رَبهم وَشدَّة سُلْطَانه مَا طاشت لَهُ قُلُوبهم وذهلت مِنْهُ عُقُولهمْ فَإِذا أشفقوا من ذَلِك بَادرُوا إِلَى الله تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الزاكية لَا يرضون لَهُ بِالْقَلِيلِ وَلَا يستكثرون لَهُ الجزيل فهم لأَنْفُسِهِمْ متهمون وَمن أَعْمَالهم مشفقون ترى لأَحَدهم قُوَّة فِي دين وحزما فِي لين وإيمانا فِي يَقِين وحرصا على علم وفهما فِي فقه وعلما فِي حلم وكيسا فِي قصد وقصدا فِي غنى وتجملا فِي فاقة وصبرا فِي شَفَقَة وخشوعا فِي عبَادَة وَرَحْمَة لمجهود وَإِعْطَاء فِي حق ورفقا فِي كسب وطلبا فِي حَلَال ونشاطا فِي هدى واعتصاما فِي شَهْوَة لَا يغره مَا جَهله وَلَا يدع إحصاء مَا عمله يستبطىء نَفسه فِي الْعلم وَهُوَ من صَالح عمله على وَجل يصبح وشغله الذّكر ويمسي وهمه الشُّكْر يبيت حذرا من سنة الْغَفْلَة وَيُصْبِح فَرحا بِمَا أصَاب من الْفضل وَالرَّحْمَة ورغبته فِيمَا يبْقى وزهادته فِيمَا يفنى وَقد قرن الْعلم بِالْعَمَلِ وَالْعلم بالحلم دَائِما نشاطه بَعيدا كسله قَرِيبا أمله قَلِيلا زلله متوقعا أَجله عَاشِقًا قلبه شاكرا ربه قانعا نَفسه محرزا دينه كاظما غيظه آمنا مِنْهُ جَاره سهلا أمره مَعْدُوما كبره بَينا صبره كثيرا ذكره لَا يعْمل شَيْئا من الْخَيْر رِيَاء وَلَا يتْركهُ حَيَاء
أُولَئِكَ شِيعَتِنَا وأحبتنا وَمنا ومعنا أَلا هَؤُلَاءِ شوقا إِلَيْهِم
فصاح بعض من مَعَه وَهُوَ همام بن عباد بن خَيْثَم وَكَانَ من المتعبدين صَيْحَة فَوَقع مغشيا عَلَيْهِ فحركوه فَإِذا هُوَ فَارق الدُّنْيَا فَغسل وَصلى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن مَعَه
فَتَأمل وفقك الله لطاعته وأدام عَلَيْك من سوابغ نعمه وحمايته هَذِه الْأَوْصَاف الجليلة الرفيعة الباهرة الْكَامِلَة المنيعة تعلم أَنَّهَا لَا تُوجد إِلَّا فِي أكَابِر العارفين لأئمة الْوَارِثين فَهَؤُلَاءِ هم شيعَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأهل بَيته
وَأما الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا إخْوَان الشَّيَاطِين وأعداء الدّين وسفهاء الْعُقُول ومخالفوا الْفُرُوع وَالْأُصُول ومنتحلو الضلال ومستحقو عَظِيم الْعقَاب والنكال فهم لَيْسُوا بشيعة لأهل الْبَيْت المبرئين من الرجس المطهرين من شوائب الدنس لأَنهم أفرطوا وفرطوا فِي جنب الله فاستحقوا مِنْهُ أَن يبقيهم متحيرين فِي مهالك الضلال والاشتباه وَإِنَّمَا هم شيعَة إِبْلِيس اللعين وحلفاء أبنائه المتمردين فَعَلَيْهِم لعنة الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَكَيف يزْعم محبَّة قوم من لم يتخلق قطّ بِخلق من أَخْلَاقهم وَلَا عمل فِي عمره بقول من أَقْوَالهم وَلَا تأسى فِي دهره بِفعل من أفعالهم وَلَا تأهل لفهم شَيْء من أَحْوَالهم لَيست هَذِه محبَّة فِي الْحَقِيقَة بل بغضة عِنْد أَئِمَّة الشَّرِيعَة والطريقة إِذْ حَقِيقَة الْمحبَّة طَاعَة المحبوب وإيثار محابه ومرضاته على محاب النَّفس ومرضاتها والتأدب بآدابه وأخلاقه وَمن ثمَّ قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه لَا يجْتَمع حبي وبغض أبي بكر وَعمر
لِأَنَّهُمَا ضدان وهما لَا يَجْتَمِعَانِ
الْآيَة التَّاسِعَة قَوْله تَعَالَى فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا منساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين آل عمرَان ٦١
قَالَ فِي الْكَشَّاف لَا دَلِيل أقوى من هَذَا على فضل أَصْحَاب الكساء وهم عَليّ وَفَاطِمَة والحسنان لِأَنَّهَا لما نزلت دعاهم ﷺ فاحتضن الْحُسَيْن وَأخذ بيد الْحسن ومشت فَاطِمَة خَلفه وَعلي خلفهمَا فَعلم أَنهم المُرَاد من الْآيَة وَأَن أَوْلَاد فَاطِمَة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إِلَيْهِ نِسْبَة صَحِيحَة نافعة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
ويوضح ذَلِك أَحَادِيث نذكرها مَعَ مَا يتَعَلَّق بهَا تتميما للفائدة فَنَقُول
صَحَّ عَنهُ ﵊ أَنه قَالَ على الْمِنْبَر (مَا بَال أَقوام يَقُولُونَ إِن رحم رَسُول الله ﷺ لَا ينفع قومه يَوْم الْقِيَامَة بلَى وَالله إِن رحمي مَوْصُولَة افي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنِّي أَيهَا النَّاس فرط لكم على الْحَوْض)
وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة وَإِن صححها الْحَاكِم أَنه ﷺ بلغه أَن قَائِلا قَالَ لبريدة إِن مُحَمَّدًا لن يُغني عَنْك من الله شَيْئا
فَخَطب ثمَّ قَالَ (مَا بَال أَقوام يَزْعمُونَ أَن رحمي لَا ينفع بل حَتَّى حاء وَحكم أَي هما قبيلتان من الْيمن أَنِّي لأشفع فأشفع حَتَّى إِن من أشفع لَهُ فَيشفع حَتَّى إِن إِبْلِيس ليتطاول طَمَعا فِي الشَّفَاعَة)
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن عليا يَوْم الشورى احْتج على أَهلهَا فَقَالَ لَهُم أنْشدكُمْ بِاللَّه هَل فِيكُم أحد أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي الرَّحِم مني وَمن جعله ﷺ نَفسه وأبناءه أبناءه ونساؤه نِسَاءَهُ غَيْرِي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا الحَدِيث
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ إِن الله ﷿ جعل ذُرِّيَّة كل نَبِي فِي صلبه وَإِن الله تَعَالَى جعل ذريتي فِي صلب عَليّ بن أبي طَالب
وَأخرج أَبُو الْخَيْر الحاكمي وَصَاحب كنوز المطالب فِي بني أبي طَالب أَن عليا دخل على النَّبِي ﷺ وَعِنْده الْعَبَّاس فَسلم فَرد عَلَيْهِ ﷺ السَّلَام وَقَامَ فعانقه وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَأَجْلسهُ عَن يَمِينه فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس أَتُحِبُّهُ قَالَ يَا عَم وَالله لله أَشد حبا لَهُ مني إِن الله ﷿ جعل ذُرِّيَّة كل نَبِي فِي صلبه وَجعل ذريتي فِي صلب هَذَا زَاد الثَّانِي فِي رِوَايَته إِنَّه إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دعِي النَّاس بأسماء أمهاتهم سترا من الله عَلَيْهِم إِلَّا هَذَا وَذريته فَإِنَّهُم يدعونَ بأسماء آبَائِهِم لصِحَّة ولادتهم
وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ (كل بني أم ينتمون إِلَى عصبَة إِلَّا ولد فَاطِمَة فَأَنا وليهم وَأَنا عصبتهم) وَله طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا وَقَول ابْن الْجَوْزِيّ بعد أَن أورد ذَلِك فِي الْعِلَل المتناهية إِنَّه لَا يَصح
غير جيد كَيفَ وَكَثْرَة طرقه رُبمَا توصله إِلَى دَرَجَة الْحسن بل صَحَّ عَن عمر أَنه خطب أم كُلْثُوم من عَليّ فاعتل بصغرها وَبِأَنَّهُ أعدهَا لِابْنِ أَخِيه جَعْفَر فَقَالَ لَهُ مَا أردْت الْبَاءَة وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة مَا خلا سببي ونسبي وكل بني أُنْثَى عصبتهم لأبيهم مَا خلا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا أبوهم وعصبتهم) وَفِي رِوَايَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد رِجَاله من أكَابِر أهل الْبَيْت أَن عليا عزل بَنَاته لولد أَخِيه جَعْفَر فَلَقِيَهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحسن أنكحني ابْنَتك أم كُلْثُوم بنت فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ
فَقَالَ قد حبستها لولد أخي جَعْفَر
فَقَالَ عمر إِنَّه وَالله مَا على وَجه الأَرْض من يرصد من حسن صحبتهَا مَا أرصد فأنكحني يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ
قد أنكحتكها فَعَاد عمر إِلَى مَجْلِسه بالروضة مجْلِس الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَقَالَ رفئوني قَالُوا بِمن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ بِأم كُلْثُوم بنت عَليّ وَأخذ يحدث أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول (كل صهر أَو سَبَب أَو نسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا صهري وسببي ونسبي) وَأَنه كَانَ لي صُحْبَة فَأَحْبَبْت أَن يكون لي مَعهَا سَبَب
وَبِهَذَا الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طَريقَة أهل الْبَيْت يزْدَاد التَّعَجُّب من إِنْكَار جمَاعَة من جهلة أهل الْبَيْت فِي أزمنتنا تَزْوِيج عمر بِأم كُلْثُوم
لَكِن لَا عجب لِأَن أُولَئِكَ لم يخالطوا الْعلمَاء وَمَعَ ذَلِك استولى على عُقُولهمْ جهلة الروافض فأدخلوا فِيهَا ذَلِك فقلدوهم فِيهِ وَمَا دروا أَنه عين الْكَذِب ومكابرة للحس إِذْ من مارس الْعلم وطالع كتب الْأَخْبَار وَالسّنَن علم ضَرُورَة أَن عليا زَوجهَا لَهُ وَأَن إِنْكَار ذَلِك جهل وعناد ومكابرة للحس وخبال فِي الْعقل وَفَسَاد فِي الدّين
وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَن عمر لما قَالَ فَأَحْبَبْت ان يكون لي من رَسُول الله ﷺ سَبَب وَنسب فَقَامَ عَليّ للحسنين زوجا عمكما
فَقَالَا هِيَ امْرَأَة من النِّسَاء تخْتَار لنَفسهَا
فَقَامَ عَليّ مغضبا فَأمْسك الْحسن ثَوْبه وَقَالَ لَا صَبر لنا على هجرانك يَا أبتاه فزوجاه
وَفِي رِوَايَة أَن عمر صعد الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّه وَالله مَا حَملَنِي على الإلحاح على عَليّ فِي ابْنَته إِلَّا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل سَبَب
وَنسب وصهر يَنْقَطِع إِلَّا سببي وصهري وإنهما يأتيان يَوْم الْقِيَامَة فيشفعان لصاحبهما وَفِي رِوَايَة أَنه لما أَكثر تردده إِلَى عَليّ اعتل بصغرها فَقَالَ لَهُ مَا حَملَنِي على كَثْرَة ترددي إِلَيْك إِلَّا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل حسب وَنسب وَسبب وصهر يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا حسبي ونسبي وسببي وصهري فَأمر بهَا عَليّ فزينت وَبعث بهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا قَامَ إِلَيْهَا وأجلسها فِي حجره وَقبلهَا ودعا لَهَا فَلَمَّا قَامَت أَخذ بساقها وَقَالَ لَهَا قولي لأَبِيك قد رضيت قد رضيت فَلَمَّا جَاءَت قَالَ لَهَا مَا قَالَ لَك فَذكرت لَهُ جَمِيع مَا فعله وَمَا قَالَه وأنكحها إِيَّاه فَولدت لَهُ زيدا مَاتَ رجلا
وَفِي رِوَايَة أَنه لما خطبهَا إِلَيْهِ قَالَ حَتَّى اسْتَأْذن فَاسْتَأْذن ولد فَاطِمَة فأذنوا لَهُ
وَفِي رِوَايَة أَن الْحُسَيْن سكت وَتكلم الْحسن فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أبتاه من بعد عمر صحب رَسُول الله ﷺ وَتُوفِّي وَهُوَ عَنهُ رَاض ثمَّ ولي الْخلَافَة فَعدل
فَقَالَ لَهُ أَبوهُ صدقت وَلَكِن كرهت أَن أقطع أمرا دونكما ثمَّ قَالَ لَهَا انطلقي إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقولِي لَهُ إِن أبي يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك إِنَّا قد قضينا حَاجَتك الَّتِي طلبت فَأَخذهَا عمر وَضمّهَا إِلَيْهِ وَأعلم من عِنْده أَنه تزَوجهَا فَقيل لَهُ إِنَّهَا صبية صَغِيرَة فَذكر الحَدِيث السَّابِق وَفِي آخِره أردْت أَن يكون بيني وَبَين رَسُول الله ﷺ سَبَب وصهر
وَتَقْبِيله وضمه لَهَا على جِهَة الْإِكْرَام لِأَنَّهَا لصغرها لم تبلغ حدا تشْتَهى حَتَّى يحرم ذَلِك وَلَوْلَا صغرها لما بعث بهَا أَبوهَا كَذَلِك ثمَّ حَدِيث عمر هَذَا جَاءَ عَن جمَاعَة آخَرين من الصَّحَابَة كالمنذر
وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَابْن عمر
قَالَ الذَّهَبِيّ وَإِسْنَاده صَالح
تَنْبِيه علم مِمَّا ذكر فِي هَذِه الْأَحَادِيث عَظِيم نفع الانتساب إِلَيْهِ ﷺ وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي أَحَادِيث أخر من حثه لأهل بَيته على خشيَة الله واتقائه وطاعته وَأَن الْقرب إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ بالتقوى فَمن ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ الشُّعَرَاء ٢١٤ دَعَا قُريْشًا فَاجْتمعُوا فَعم وَخص وَطلب مِنْهُم أَن ينقذوا أنفسهم من النَّار إِلَى أَن قَالَ (يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد يَا صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب يَا بني عبد الْمطلب لَا أملك لكم من الله شَيْئا غير أَن لكم رحما سيأبلها بِبلَالِهَا)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن حبَان (يَا بني هَاشم لَا يَأْتِين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بِالآخِرَة يحملونها على ظُهُورهمْ وتأتون بالدنيا على ظهوركم لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا)
وَأخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد (إِن أوليائي يَوْم الْقِيَامَة المتقون وَإِن كَانَ نسب أقرب من نسب لَا تَأتي النَّاس بِالْأَعْمَالِ وتأتون بالدنيا تحملونها على رِقَابكُمْ فتقولون يَا مُحَمَّد فَأَقُول هَكَذَا وَهَكَذَا) وَأعْرض فِي كلا عطفيه
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ (إِن أهل بَيْتِي هَؤُلَاءِ يرَوْنَ أَنهم أولى النَّاس بِي وَلَيْسَ كَذَلِك إِن أوليائي مِنْكُم المتقون من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا)
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ جهارا غير سر يَقُول (إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا بأوليائي إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ) زَاد البُخَارِيّ (لَكِن لَهُم رحم سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا)
يَعْنِي سأصلها بصلتها
وَوجه عدم الْمُنَافَاة كَمَا قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ وَغَيره من الْعلمَاء أَنه ﷺ لَا يملك لأحد شَيْئا لَا نفعا وَلَا ضرا لَكِن الله ﷿ يملكهُ نفع أَقَاربه وَجَمِيع أمته بالشفاعة الْعَامَّة والخاصة فَهُوَ لَا يملك إِلَّا مَا يملكهُ لَهُ مَوْلَاهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (غير أَن لكم رحما سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا) وَكَذَا معنى قَوْله (لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا) أَي بِمُجَرَّد نَفسِي من غير مَا يكرمني بِهِ الله من نَحْو شَفَاعَة أَو مغْفرَة وخاطبهم بذلك رِعَايَة لمقام التخويف والحث على الْعَمَل والحرص على أَن يَكُونُوا أولى النَّاس حظا فِي تقوى الله وخشيته ثمَّ أَوْمَأ إِلَى حق رَحمَه إِشَارَة إِلَى
إِدْخَال نوع طمأنينة عَلَيْهِم
وَقيل هَذَا قبل علمه بِأَن الانتساب إِلَيْهِ ينفع وَبِأَنَّهُ يشفع فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَرفع دَرَجَات آخَرين وَإِخْرَاج قوم من النَّار وَلما خَفِي ذَلِك الْجمع عَن بَعضهم حمل حَدِيث (كل سَبَب وَنسب) على أَن المُرَاد أَن أمته ﷺ يَوْم الْقِيَامَة ينسبون إِلَيْهِ بِخِلَاف أُمَم الْأَنْبِيَاء لَا ينسبون إِلَيْهِم وَهُوَ بعيد
وَإِن حَكَاهُ وَجها فِي الرَّوْضَة بل يردهُ مَا مر من استناد عمر إِلَيْهِ فِي الْحِرْص على تَزْوِيجه بِأم كُلْثُوم وَإِقْرَار عَليّ والمهاجرين وَالْأَنْصَار لَهُ على ذَلِك وَيَردهُ على ذَلِك وَيَردهُ أَيْضا ذكر الصهر والحسب مَعَ السَّبَب وَالنّسب كَمَا مر وغضبه ﷺ لما قيل إِن قرَابَته لَا تَنْفَع
على أَن فِي حَدِيث البُخَارِيّ مَا يَقْتَضِي نِسْبَة بَقِيَّة الْأُمَم إِلَى أَنْبِيَائهمْ فَإِن فِيهِ (يَجِيء نوح ﵇ وَأمته فَيَقُول الله تَعَالَى هَل بلغت فَيَقُول أَي رب نعم فَيَقُول لأمته هَل بَلغَكُمْ. .) الحَدِيث
وَكَذَا جَاءَ فِي غَيره
وَاعْلَم أَنه اسْتُفِيدَ من قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث السَّابِق (إِن أوليائي مِنْكُم المتقون) وَقَوله (إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ) أَن نفع رَحمَه وقرابته وشفاعته للمذنبين من أهل بَيته وَإِن لم تنتف لَكِن يَنْتَفِي عَنْهُم بِسَبَب عصيانهم ولَايَة الله وَرَسُوله لكفرانهم نعْمَة قرب النّسَب إِلَيْهِ بارتكابهم مَا يسوءه ﷺ عِنْد عرض عَمَلهم عَلَيْهِ وَمن ثمَّ يعرض ﷺ عَمَّن يَقُول لَهُ مِنْهُم يَوْم الْقِيَامَة يَا مُحَمَّد
كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق
وَقد قَالَ الْحسن بن الْحسن السبط لبَعض الغلاة فيهم وَيحكم أحبونا لله فَإِن أَطعْنَا الله فأحبونا وَإِن عَصَيْنَاهُ فابغضونا وَيحكم لَو كل الله نَافِعًا بِقرَابَة من رَسُول الله ﷺ بِغَيْر عمل بِطَاعَتِهِ لنفع بذلك من هُوَ أقرب إِلَيْهِ منا وَالله إِنِّي أَخَاف أَن يُضَاعف للعاصي منا الْعَذَاب ضعفين وَإِن يُؤْتى المحسن منا أجره مرَّتَيْنِ
وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ الْأَحْزَاب ٣٠
خَاتِمَة علم من الْأَحَادِيث السَّابِقَة اتجاه قَول صَاحب التَّلْخِيص من أَصْحَابنَا من خَصَائِصه ﷺ أَن أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ ﷺ وَأَوْلَاد بَنَات غَيره لَا ينسبون إِلَى جدهم من الْكَفَاءَة وَغَيرهَا وَأنكر ذَلِك الْقفال وَقَالَ لَا خُصُوصِيَّة بل كَانَ أحد ينْسب إِلَيْهِ اولاد بَنَاته
وَيَردهُ الْخَبَر السَّابِق (كل بني أم ينتمون إِلَى عصبَة) إِلَى آخِره ثمَّ معنى الانتساب إِلَيْهِ ﷺ الَّذِي هُوَ من خصوصياته أَنه يُطلق عَلَيْهِ أَنه أَب لَهُم وَأَنَّهُمْ بنوه حَتَّى يعْتَبر ذَلِك فِي الْكَفَاءَة فَلَا يكافىء شريفة هاشمية غير شرِيف
وَقَوْلهمْ إِن بني هَاشم وَالْمطلب أكفاء مَحَله فِيمَا عدا هَذِه الصُّورَة كَمَا بَينته بِمَا فِيهِ كِفَايَة فِي إِفْتَاء طَوِيل مسطر فِي الْفَتَاوَى وَحَتَّى
يدْخلُونَ فِي الْوَقْف على أَوْلَاده وَالْوَصِيَّة لَهُم وَأما أَوْلَاد بَنَات غَيره فَلَا تجْرِي فيهم مَعَ جدهم لأمهم هَذِه الْأَحْكَام
نعم يَسْتَوِي الْجد للْأَب وَالأُم فِي الانتساب إِلَيْهِمَا من حَيْثُ تطلق الذُّرِّيَّة والنسل والعقب عَلَيْهِم فَأَرَادَ صَاحب التَّلْخِيص بالخصوصية مَا مر وَأَرَادَ الْقفال بعدمها هَذَا وَحِينَئِذٍ فَلَا خلاف بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة
وَمن فَوَائِد ذَلِك أَيْضا أَنه يجوز أَن يُقَال للحسنين أَبنَاء رَسُول الله ﷺ وَهُوَ أَب لَهما اتِّفَاقًا وَلَا يجْرِي فِيهِ القَوْل الضَّعِيف لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال لَهُ ﷺ أَب الْمُؤمنِينَ وَلَا عِبْرَة بِمن منع ذَلِك حَتَّى فِي الحسنين من الأمويين للْخَبَر الصَّحِيح الْآتِي فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد
وَمُعَاوِيَة وَإِن نقل الْقُرْطُبِيّ عَنهُ ذَلِك لَكِن نقل عَنهُ مَا يَقْتَضِي أَنه رَجَعَ عَن ذَلِك وَغير مُعَاوِيَة من بَقِيَّة الأمويين الْمَانِع لذَلِك لَا يعْتد بِهِ وعَلى الْأَصَح فَقَوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ الْأَحْزَاب ٤٠ إِنَّمَا سيق لانْقِطَاع حكم التبني لَا لمنع هَذَا الْإِطْلَاق المُرَاد بِهِ أَنه أَبُو الْمُؤمنِينَ فِي الاحترام وَالْإِكْرَام
الْآيَة الْعَاشِرَة قَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ الضُّحَى ٥
نقل الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ رَضِي مُحَمَّد ﷺ أَن لَا يدْخل أحد من أهل بَيته النَّار وَقَالَهُ السّديّ
انْتهى
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ أَنه ﷺ قَالَ (وَعَدَني رَبِّي فِي أهل بَيْتِي
من أقرّ مِنْهُم لله بِالتَّوْحِيدِ ولي بالبلاغ أَن لَا يعذبهم)
وَأخرج الملا (سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل النَّار أحد من أهل بَيْتِي فَأَعْطَانِي ذَلِك)
وَأخرج أَحْمد فِي المناقب أَنه ﷺ قَالَ (يَا معشر بني هَاشم وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا لَو أخذت بِحَلقَة الْجنَّة مَا بدأت إِلَّا بكم)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (أول من يرد عَليّ الْحَوْض أهل بَيْتِي وَمن أَحبَّنِي من أمتِي)
وَهُوَ ضَعِيف وَالَّذِي صَحَّ (أول من يرد عَليّ الْحَوْض فُقَرَاء الْمُهَاجِرين) فَإِن صَحَّ الأول أَيْضا حمل على أَن أُولَئِكَ أول من يرد بعد هَؤُلَاءِ
وَأخرج المخلص وَالطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (أول من أشفع لَهُ من أمتِي أهل بَيْتِي ثمَّ
الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من قُرَيْش ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ من آمن بِي واتبعني من الْيمن ثمَّ سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم وَمن أشفع لَهُ أَولا أفضل)
وَعند الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا (أول من أشفع لَهُ من أمتِي من أهل الْمَدِينَة ثمَّ أهل مَكَّة ثمَّ أهل الطَّائِف)
وَيجمع بَينهمَا بِأَن ذَاك فِيهِ تَرْتِيب من حَيْثُ الْقَبَائِل وَهَذَا فِيهِ تَرْتِيب من حَيْثُ الْبلدَانِ فَيحْتَمل أَن المُرَاد الْبدَاءَة فِي قُرَيْش بِأَهْل الْمَدِينَة ثمَّ مَكَّة ثمَّ الطَّائِف وَكَذَا فِي الْأَنْصَار ثمَّ من بعدهمْ وَمن أهل مَكَّة بذلك على هَذَا التَّرْتِيب وَمن أهل الطَّائِف بذلك كَذَلِك
وَأخرج تَمام وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم أَنه ﷺ قَالَ (إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار) وَفِي رِوَايَة (فَحَرمهَا الله وذريتها على النَّار)
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الدِّمَشْقِي أَنه قَالَ (يَا فَاطِمَة لم سميت فَاطِمَة) قَالَ عَليّ لم سميت فَاطِمَة يَا رَسُول الله قَالَ (إِن الله قد فطمها
وذريتها من النَّار)
وَأخرج النَّسَائِيّ (إِن ابْنَتي فَاطِمَة حوراء آدمية لم تَحض وَلم تطمث إِنَّمَا سَمَّاهَا فَاطِمَة لِأَن الله فطمها ومحبيها عَن النَّار)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد رِجَاله ثِقَات أَنه ﷺ قَالَ لَهَا (إِن الله غير معذبك وَلَا أحد من ولدك)
وَورد أَيْضا (يَا عَبَّاس إِن الله غير معذبك وَلَا أحد من ولدك)
وَصَحَّ (يَا بني عبد الْمطلب) وَفِي رِوَايَة (يَا بني هَاشم إِنِّي قد سَأَلت الله ﷿ لكم أَن يجعلكم رحماء نجباء وَسَأَلته أَن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم)
وَأخرج الديلمي وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ (نَحن بَنو عبد الْمطلب سَادَات أهل
الْجنَّة أَنا وَحَمْزَة وجعفر بن أبي طَالب وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَالْمهْدِي)
وَفِي حَدِيث ضَعِيف عَن عَليّ شَكَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ حسد النَّاس فَقَالَ لي (أما ترْضى أَن تكون رَابِع أَرْبَعَة أول من يدْخل الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأَزْوَاجنَا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا وَذُرِّيَّتنَا خلف أَزوَاجنَا)
وَأخرج أَحْمد فِي المناقب أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (أما ترْضى أَنَّك معي فِي الْجنَّة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَذُرِّيَّتنَا خلف ظُهُورنَا وَأَزْوَاجنَا خلف ذريتنا وشيعتنا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا)
وَمر عَن عَليّ فِي الْآيَة الثَّامِنَة بَيَان صفة تِلْكَ الشِّيعَة فراجع ذَلِك فَإِنَّهُ مُهِمّ وَبِه تبين لَك أَن أَن الْفرْقَة الْمُسَمَّاة بالشيعة الْآن إِنَّمَا هم شيعَة إِبْلِيس لِأَنَّهُ استولى على عُقُولهمْ فأضلها ضلالا مُبينًا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (أول أَرْبَعَة يدْخلُونَ الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَذُرِّيَّاتنَا خلف ظُهُورنَا وَأَزْوَاجنَا خلف ذرياتنا وشيعتنا عَن
وَسَنَده ضَعِيف لَكِن يشْهد لَهُ مَا صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس (إِن الله يرفع ذُرِّيَّة الْمُؤمن مَعَه فِي دَرَجَته وَإِن كَانُوا دونه فِي الْعَمَل) ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ الطّور ٢١ الْآيَة
وَأخرج الديلمي (يَا عَليّ إِن الله قد غفر لَك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فَإنَّك الأنزع البطين)
وَهُوَ // ضَعِيف //
وَكَذَا خبر (أَنْت وشيعتك تردون عَليّ الْحَوْض رُوَاة مرويين مبيضة وُجُوهكُم وَإِن عَدوك يردون عَليّ الْحَوْض ظماء مقمحين)
ضَعِيف أَيْضا
وَمر بَيَان صِفَات شيعته فاحذر من غرور الضَّالّين وتمويه الجاحدين الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا ﴿قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾ التَّوْبَة ٣٠
الْآيَة الْحَادِيَة عشرَة قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ الْبَيِّنَة ٧
أخرج الْحَافِظ جمال الدّين الزرندي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن هَذِه
الْآيَة لما نزلت قَالَ النَّبِي ﷺ لعَلي (هُوَ أَنْت وشيعتك تَأتي أَنْت وشيعتك يَوْم الْقِيَامَة راضين مرضيين وَيَأْتِي عَدوك غضابا مقمحين) قَالَ وَمن عدوي قَالَ (من تَبرأ مِنْك ولعنك)
وَخبر (السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة طُوبَى لَهُم)
قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ (شيعتك يَا عَليّ ومحبوك) فِيهِ كَذَّاب
واستحضر مَا مر فِي صِفَات شيعته واستحضر أَيْضا الْأَخْبَار السَّابِقَة فِي الْمُقدمَات أول الْبَاب فِي الرافضة
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ (يَا أَبَا الْحسن أما أَنْت وشيعتك فِي الْجنَّة وَإِن قوما يَزْعمُونَ أَنهم يحبونك يصغرون الْإِسْلَام ثمَّ يلفظونه يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة فَإِن أدركتهم فَقَاتلهُمْ فَإِنَّهُم مشركون)
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لهَذَا الحَدِيث عندنَا طرقات كَثِيرَة ثمَّ أخرج عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت كَانَت لَيْلَتي وَكَانَ النَّبِي ﷺ عِنْدِي فَأَتَتْهُ فَاطِمَة فتبعها عَليّ ﵄ فَقَالَ النَّبِي ﷺ (يَا عَليّ أَنْت وَأَصْحَابك فِي الْجنَّة أَنْت وشيعتك فِي الْجنَّة إِلَّا أَنه مِمَّن يزْعم مِمَّن يحبك أَقوام يصغرون الْإِسْلَام يلفظونه يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة فجاهدهم فَإِنَّهُم مشركون) قَالُوا يَا رَسُول الله مَا الْعَلامَة فيهم قَالَ (لَا
يشْهدُونَ جُمُعَة وَلَا جمَاعَة ويطعنون على السّلف)
وَمن ثمَّ قَالَ مُوسَى بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ وَكَانَ فَاضلا عَن أَبِيه عَن جده إِنَّمَا شِيعَتِنَا منأطاع الله وَرَسُوله وَعمل أَعمالنَا
الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾ الزخرف ٦١
قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان وَمن تبعه من الْمُفَسّرين إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمهْدي وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيث المصرحة بِأَنَّهُ من أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ وَحِينَئِذٍ فَفِي الْآيَة دلَالَة على الْبركَة فِي نسل فَاطِمَة ﵄ وَأَن الله ليخرج مِنْهُمَا كثيرا طيبا وَأَن يَجْعَل نسلهما مَفَاتِيح الْحِكْمَة ومعادن الرَّحْمَة
وسر ذَلِك أَنه ﷺ أعاذها وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم
ودعا لعَلي بِمثل ذَلِك وَشرح ذَلِك كُله يعلم بسياق الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَيْهِ
وَأخرج النَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح أَن نَفرا من الْأَنْصَار قَالُوا لعَلي ﵁ لَو كَانَت عنْدك فَاطِمَة
فَدخل على النَّبِي ﷺ يَعْنِي ليخطيها فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ (مَا حَاجَة ابْن أبي طَالب) قَالَ فَذكرت فَاطِمَة
فَقَالَ ﷺ (مرْحَبًا وَأهلا) فَخرج إِلَى الرَّهْط من الْأَنْصَار ينتظرونه فَقَالُوا لَهُ مَا وَرَاءَك قَالَ مَا أَدْرِي غير أَنه قَالَ لي مرْحَبًا وَأهلا قَالُوا يَكْفِيك من رَسُول الله ﷺ أَحدهمَا قد أَعْطَاك الْأَهْل وأعطاك الرحب فَلَمَّا كَانَ بعد مَا زوجه قَالَ لَهُ (يَا
عَليّ إِنَّه لَا بُد للعرس من وَلِيمَة)
قَالَ سعد ﵁ عِنْدِي كَبْش وَجمع لَهُ رَهْط من الْأَنْصَار آصعا من ذرة فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْبناء قَالَ (يَا عَليّ لَا تحدث شَيْئا حَتَّى تَلقانِي) فَدَعَا ﷺ بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ ثمَّ أفرغه على عَليّ وَفَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ (اللَّهُمَّ بَارك فيهمَا وَبَارك عَلَيْهِمَا وَبَارك لَهما فِي نسلهما) وَفِي رِوَايَة (فِي شملهما) وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ الْجِمَاع وَفِي أُخْرَى (شبليهما) قيل وَهُوَ تَضْعِيف فَإِن صحت فالشبل ولد الْأسد فَيكون ذَلِك كشفا واطلاعا مِنْهُ ﷺ على أَنَّهَا تَلد الحسنين فَأطلق عَلَيْهِمَا شبلين وهما كَذَلِك
وَأخرج أَبُو عَليّ الْحسن بن شَاذان أَن جِبْرِيل جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تزوج فَاطِمَة من عَليّ فَدَعَا ﷺ جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ (الْحَمد لله الْمَحْمُود بنعمته) الْخطْبَة الْمَشْهُورَة ثمَّ زوج عليا وَكَانَ غَائِبا وَفِي آخرهَا (فَجمع الله شملهما وأطاب نسلهما وَجعل نسلهما مَفَاتِيح الرَّحْمَة ومعادن الْحِكْمَة وَأمن الْأمة) فَلَمَّا حضر عَليّ تَبَسم ﷺ وَقَالَ لَهُ (إِن الله أَمرنِي أَن أزَوجك فَاطِمَة على أَرْبَعمِائَة مِثْقَال فضَّة أرضيت بذلك) فَقَالَ قد
رضيتها يَا رَسُول الله ثمَّ خر عَليّ سَاجِدا لله شكرا فَلَمَّا رفع رَأسه قَالَ لَهُ ﷺ (بَارك الله لَكمَا وَبَارك فيكما وأعز جدكما وَأخرج مِنْكُمَا الْكثير الطّيب)
قَالَ أنس ﵁ وَالله لقد أخرج الله مِنْهُمَا الْكثير الطّيب وَأخرج أَكْثَره أَبُو الْخَيْر الْقزْوِينِي الحاكمي
وَالْعقد لَهُ مَعَ غيبته سَائِغ لِأَن من خَصَائِصه ﷺ أَن ينْكح من شَاءَ لمن شَاءَ بِلَا إِذن لِأَنَّهُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم على أَنه يحْتَمل أَنه بِحُضُور وَكيله وَيحْتَمل أَنه إِعْلَام لَهُم بِمَا سيفعله وَقَوله قد رضيتها يحْتَمل أَنه إِخْبَار عَن رِضَاهُ بِوُقُوع العقد السَّابِق من وَكيله فَهِيَ وَاقعَة حَال مُحْتَملَة
وَأخرج أَبُو دَاوُد السجسْتانِي أَن أَبَا بكر خطبهَا فَأَعْرض عَنهُ ﷺ ثمَّ عمر فَأَعْرض عَنهُ فَأتيَا عليا فنبهاه إِلَى خطبتها فجَاء فَخَطَبَهَا فَقَالَ لَهُ ﷺ (مَا مَعَك) فَقَالَ فرسي وبدني
قَالَ (أما فرسك فَلَا بُد لَك مِنْهُ وَأما بدنك فبعها وائتني بهَا) فَبَاعَهَا باربعمائة وَثَمَانِينَ ثمَّ وَضعهَا فِي حجره فَقبض مِنْهَا قَبْضَة وَأمر بِلَالًا أَن يَشْتَرِي بهَا طيبا ثمَّ أَمرهم أَن يجهزوها فَعمل لَهَا سريرا شريط وَفِي شريط وسَادَة من أَدَم حشوها لِيف وملأ الْبَيْت كثيبا يَعْنِي رملا وَأمر أم أَيمن أَن تَنْطَلِق إِلَى ابْنَته وَقَالَ لعَلي (لَا تعجل حَتَّى آتِيك) ثمَّ أَتَاهُم ﷺ فَقَالَ لأم أَيمن هَهُنَا أخي قَالَت أَخُوك وتزوجه ابْنَتك قَالَ (نعم) فَدخل على فَاطِمَة
ودعا بِمَاء فَأَتَتْهُ بقدح فِيهِ مَاء فمج فِيهِ ثمَّ نضح على رَأسهَا وَبَين ثدييها وَقَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم) ثمَّ قَالَ لعَلي (ائْتِنِي بِمَاء) فَعلمت مَا يُرِيد فملأت الْقَعْب فَأَتَيْته بِهِ فنضح مِنْهُ على رَأْسِي وَبَين كَتِفي وَقَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُعِيذهُ بك وَذريته من الشَّيْطَان الرَّجِيم)
ثمَّ قَالَ (ادخل بأهلك على اسْم الله تَعَالَى وبركته) وَأخرج أَحْمد وَأَبُو حَاتِم نَحوه
وَقد ظَهرت بركَة دُعَائِهِ ﷺ فِي نسلهما فَكَانَ مِنْهُ من مضى وَمن يَأْتِي وَلَو لم يكن فِي الآتين إِلَّا الإِمَام الْمهْدي لكفى وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْل الثَّانِي جملَة مستكثرة من الْأَحَادِيث المبشرة بِهِ
وَمن ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ وَآخَرُونَ (الْمهْدي من عِتْرَتِي من ولد فَاطِمَة)
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (لَو لم يبْق من الدَّهْر إِلَّا يَوْم لبعث الله فِيهِ رجلا من عِتْرَتِي) وَفِي رِوَايَة (رجلا من أهل بَيْتِي يملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا) وَفِي رِوَايَة لمن عدا الْأَخير (لَا تذْهب الدُّنْيَا وَلَا تَنْقَضِي حَتَّى يملك رجل من أهل بَيْتِي يواطىء اسْمه اسْمِي) وَفِي أُخْرَى لأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (لَو لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا يَوْم وَاحِد لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يبْعَث الله
فِيهِ رجلا من أهل بَيْتِي يواطىء اسْمه اسْمِي وَاسم أَبِيه اسْم أبي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت جورا وظلما)
وَأحمد وَغَيره (الْمهْدي منا أهل الْبَيْت يصلحه الله فِي لَيْلَة)
وَالطَّبَرَانِيّ (الْمهْدي منا يخْتم الدّين بِنَا كَمَا فتح بِنَا)
وَالْحَاكِم فِي صَحِيحه (يحل بأمتي فِي آخر الزَّمَان بلَاء شَدِيد من سلطانهم لم يسمع بلَاء أَشد مِنْهُ حَتَّى لَا يجد الرجل ملْجأ فيبعث الله رجلا من عِتْرَتِي أهل بَيْتِي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت ظلما وجورا يُحِبهُ سَاكن الأَرْض وَسَاكن السَّمَاء وَترسل السَّمَاء قطرها وَتخرج الأَرْض نباتها لَا تمسك فِيهَا شَيْئا يعِيش فيهم سبع سِنِين أَو ثمانيا أَو تسعا يتَمَنَّى الْأَحْيَاء الْأَمْوَات مِمَّا صنع الله بِأَهْل الأَرْض من خَيره)
وروى االطبراني وَالْبَزَّار نَحوه وَفِيه (يمْكث فِيكُم سبعا أَو ثمانيا فَإِن أَكثر فتسعا)
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالْحَاكِم (يملك فِيكُم سبع سِنِين) وَفِي أُخْرَى لِلتِّرْمِذِي
(إِن فِي أمتِي الْمهْدي يخرج يعِيش خمْسا أَو سبعا أَو تسعا فَيَجِيء إِلَيْهِ الرجل فَيَقُول يَا مهْدي أَعْطِنِي أَعْطِنِي فيحثي لَهُ فِي ثَوْبه مَا اسْتَطَاعَ أَن)
يعْمل رِوَايَة وَفِي رِوَايَة (فيلبث فِي ذَلِك سِتا أَو سبعا أَو ثمانيا أَو تسع سِنِين)
وَسَيَأْتِي أَن الَّذِي اتّفقت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث سبع سِنِين من غير شكّ
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم (يكون فِي آخر الزَّمَان خَليفَة يحثو المَال حثيا وَلَا يعده عدا)
وَابْن مَاجَه مَرْفُوعا (يخرج نَاس من الْمشرق فيوطئون للمهدي سُلْطَانه)
وَصَحَّ أَن اسْمه يُوَافق اسْم النَّبِي ﷺ وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه
وَأخرج ابْن ماجة بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ أقبل فِئَة من بني هَاشم فَلَمَّا رَآهُمْ ﷺ اغرورقت عَيناهُ وَتغَير لَونه
قَالَ فَقلت مَا نزال نرى فِي وَجهك شَيْئا نكرهه فَقَالَ (إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَإِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي بلَاء شَدِيدا وتطريدا حَتَّى يَأْتِي قوم من قبل الْمشرق مَعَهم رايات سود فيسالون الْخَيْر فَلَا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون مَا سَأَلُوا فَلَا يقبلونه حَتَّى يدفعوها إِلَى رجل من أهل بَيْتِي فيملؤها قسطا كَمَا ملأوها جورا فَمن أدْرك ذَلِك مِنْكُم فليأتهم وَلَو حبوا على الثَّلج)
وَفِي سَنَده من هُوَ سيء الْحِفْظ مَعَ اخْتِلَاطه فِي آخر عمره
وَأخرج أَحْمد عَن ثَوْبَان مَرْفُوعا (إِذا رَأَيْتُمْ الرَّايَات السود قد خرجت من خُرَاسَان فأتوها وَلَو حبوا على الثَّلج فَإِن فِيهَا خَليفَة الله الْمهْدي) وَفِي سَنَده مضعف لَهُ مَنَاكِير
وَإِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة وَلَا حجَّة فِي هَذَا وَالَّذِي قبله لَو
فرض انهما صَحِيحَانِ لمن زعم أَن الْمهْدي ثَالِث خلفاء بني الْعَبَّاس
وَأخرج نصير بن حَمَّاد مَرْفُوعا (هُوَ رجل من عِتْرَتِي يُقَاتل عَن سنتي كَمَا قَاتَلت انا على الْوَحْي
وَأخرج أَبُو نعيم ليبْعَثن الله رجلا من عِتْرَتِي أفرق الثنايا أجلى الْجَبْهَة يمْلَأ الأَرْض عدلا يفِيض المَال فيضا)
وَأخرج الرَّوْيَانِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا (الْمهْدي من وَلَدي وَجهه كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي اللَّوْن لون عَرَبِيّ والجسم جسم إسرائيلي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا يرضى لخلافته أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض وَالطير فِي الجو يملك عشْرين سنة)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا (يلْتَفت الْمهْدي وَقد نزل عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ كَأَنَّمَا يقطر من شعره المَاء فَيَقُول الْمهْدي تقدم فصل بِالنَّاسِ فَيَقُول عِيسَى إِنَّمَا أُقِيمَت الصَّلَاة لَك فَيصَلي خلف رجل من وَلَدي) الحَدِيث
وَفِي صَحِيح ابْن حبَان فِي إِمَامَة الْمهْدي نَحوه
وَصَحَّ مَرْفُوعا (ينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم فَيَقُول أَمِيرهمْ الْمهْدي تعال صل بِنَا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم أَئِمَّة على بعض تكرمة الله هَذِه الْأمة)
وَأخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم أَنه ﷺ قَالَ (لَا يزْدَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا الدُّنْيَا
إِلَّا إدبارا وَلَا النَّاس إِلَّا شحا وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَلَا مهْدي إِلَّا عِيسَى ابْن مَرْيَم) أَي لَا مهْدي على الْحَقِيقَة سواهُ لوضعه الْجِزْيَة وإهلاكه الْملَل الْمُخَالفَة لملتنا كَمَا صحت بِهِ الْأَحَادِيث أَو لَا مهْدي مَعْصُوما إِلَّا هُوَ وَلَقَد قَالَ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة لطاوس عمر بن عبد الْعَزِيز الْمهْدي قَالَ لَا إِنَّه لم يستكمل الْعدْل كُله
أَي فَهُوَ من جملَة المهديين وَلَيْسَ الْمَوْعُود بِهِ آخر الزَّمَان وَقد صرح أَحْمد وَغَيره بِأَنَّهُ من المهديين الْمَذْكُورين فِي قَوْله ﷺ (عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي)
ثمَّ تَأْوِيل حَدِيث (لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى) إِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير ثُبُوته وَإِلَّا فقد قَالَ الْحَاكِم أوردته تَعَجبا لَا محتجا بِهِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن خَالِد وَقد قَالَ الْحَاكِم إِنَّه مَجْهُول وَاخْتلف عَنهُ فِي إِسْنَاده وَصرح النَّسَائِيّ بِأَنَّهُ مُنكر وَجزم غَيره من الْحفاظ بَان الْأَحَادِيث الَّتِي قبله أَي الناصة على أَن الْمهْدي من ولد فَاطِمَة أصح إِسْنَادًا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ (إِذا قَامَ قَائِم آل مُحَمَّد ﷺ جمع الله أهل الْمشرق وَأهل الْمغرب فَأَما الرفقاء فَمن أهل الْكُوفَة وَأما الأبدال فَمن أهل الشَّام) وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (يكون اخْتِلَاف عِنْد موت خَليفَة فَيخرج رجل من الْمَدِينَة
هَارِبا إِلَى مَكَّة فيأتيه نَاس من أهل مَكَّة فيخرجونه وَهُوَ كَارِه فيبايعونه بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَيبْعَث إِلَيْهِم بعث من الشَّام فيخسف بهم بِالْبَيْدَاءِ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فَإِذا رأى النَّاس ذَلِك أَتَاهُ أبدال أهل الشَّام وعصائب أهل الْعرَاق فيبايعونه ثمَّ ينشأ رجل من قُرَيْش أَخْوَاله كلب فيبعث إِلَيْهِم بعثا فيظهرون عَلَيْهِم وَذَلِكَ بعث كلب والخيبة لمن لم يشْهد غنيمَة كلب فَيقسم المَال وَيعْمل فِي النَّاس بِسنة نَبِيّهم ﷺ ويلقي الْإِسْلَام بجرانه إِلَى الأَرْض) وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ لفاطمة (نَبينَا خير الْأَنْبِيَاء وَهُوَ أَبوك وشهيدنا خير الشُّهَدَاء وَهُوَ عَم أَبِيك حَمْزَة وَمنا من لَهُ جَنَاحَانِ يطير بهما فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ هُوَ ابْن عَم أَبِيك جَعْفَر ومناسبطا هَذِه الْأمة الْحسن وَالْحُسَيْن وهما ابناك) وَالْمرَاد أَنه يتشعب مِنْهُمَا قبيلتان وَيكون من نسلهما خلق كثير وَمنا الْمهْدي
وَأخرج ابْن مَاجَه أَنه ﷺ قَالَ (لَو لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا يَوْم وَاحِد لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يملك رجل من أهل بَيْتِي يملك جبل الديلم والقسطنطينية)
وَصَحَّ عِنْد الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ منا أهل الْبَيْت أَرْبَعَة منا السفاح وَمنا الْمُنْذر وَمنا الْمَنْصُور وَمنا الْمهْدي
فَإِن أَرَادَ بِأَهْل الْبَيْت مَا يَشْمَل جَمِيع بني هَاشم وَيكون الثَّلَاثَة الأول من نسل الْعَبَّاس والأخير من نسل فَاطِمَة
فَلَا إِشْكَال فِيهِ
وَإِن أَرَادَ أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة من نسل الْعَبَّاس أمكن حمل الْمهْدي فِي كَلَامه على ثَالِث خلفاء بني الْعَبَّاس لِأَنَّهُ فيهم كعمر بن عبد الْعَزِيز فِي بني أُميَّة لما أوتيه من الْعدْل التَّام والسيرة الْحَسَنَة وَلِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن اسْم الْمهْدي يُوَافق اسْم النَّبِي ﷺ وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه
وَالْمهْدِي هَذَا كَذَلِك لِأَنَّهُ مُحَمَّد بن عبد الله الْمَنْصُور وَيُؤَيّد ذَلِك خبر ابْن عدي الْمهْدي من ولد الْعَبَّاس عمي لَكِن قَالَ الذَّهَبِيّ تفرد بِهِ مُحَمَّد بن الْوَلِيد مولى بني هَاشم وَكَانَ يضع الحَدِيث
وَلَا يُنَافِي هَذَا الْحمل وصف ابْن عَبَّاس للمهدي فِي كَلَامه بِأَنَّهُ يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئث جورا وتأمن الْبَهَائِم السبَاع فِي زَمَنه وتلقي الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا أَي أَمْثَال الأسطوان من الذَّهَب وَالْفِضَّة لِأَن هَذِه الْأَوْصَاف يُمكن تطبيقها على الْمهْدي العباسي وَإِذا أمكن حمل كَلَامه على مَا ذَكرْنَاهُ لم يناف الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة السَّابِقَة أَن الْمهْدي من ولد فَاطِمَة لِأَن المُرَاد بالمهدي فِيهَا الْآتِي آخر الزَّمَان الَّذِي يأتم بِهِ عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسلم
وَرِوَايَة (إِنَّه يَلِي الْأَمر بعد الْمهْدي اثْنَا عشر رجلا سِتَّة من ولد الْحسن وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن وَآخر من غَيرهم) واهية جدا
كَمَا قَالَه شيخ الْإِسْلَام والحافظ الشهَاب ابْن حجر أَي مَعَ مخالفتها للأحاديث الصَّحِيحَة أَنه آخر الزَّمَان وَأَن عِيسَى يأتم بِهِ وَلخَبَر الطَّبَرَانِيّ (سَيكون من بعدِي
خلفاء ثمَّ من بعد الْخُلَفَاء أُمَرَاء ثمَّ من بعد الْأُمَرَاء مُلُوك وَمن بعد الْمُلُوك جبابرة ثمَّ يخرج رجل من أهل بَيْتِي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا ثمَّ يُؤمر القحطاني فوالذي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دونه) وَفِي نُسْخَة مَا يقوونه وعَلى مَا حملنَا عَلَيْهِ كَلَام ابْن عَبَّاس يُمكن أَن يحمل مَا رَوَاهُ هُوَ عَن النَّبِي ﷺ (لن تهْلك أمة أَنا أَولهَا وَعِيسَى ابْن مَرْيَم آخرهَا وَالْمهْدِي وَسطهَا) أخرجه أَبُو نعيم
فَيكون المُرَاد بِهِ الْمهْدي العباسي ثمَّ رَأَيْت بَعضهم قَالَ المُرَاد بالوسط فِي خبر (لن تهْلك أمة أَنا أَولهَا ومهديها وَسطهَا والمسيح ابْن مَرْيَم آخرهَا) مَا قبل الآخر
وَأخرج أَحْمد وَالْمَاوَرْدِيّ أَنه ﷺ قَالَ (أَبْشِرُوا بالمهدي رجل من قُرَيْش من عِتْرَتِي يخرج فِي اخْتِلَاف من النَّاس وزلزال فَيمْلَأ الأَرْض عدلا وقسطا كَمَا ملئت ظلما وجورا ويرضى عَنهُ سَاكن السَّمَاء وَسَاكن الأَرْض وَيقسم المَال صحاحا بِالسَّوِيَّةِ ويملأ قُلُوب أمة مُحَمَّد غنى ويسعهم عدله حَتَّى إِنَّه يَأْمر مناديا فينادي من لَهُ حَاجَة إِلَيّ فَمَا يَأْتِيهِ أحد إِلَّا رجل وَاحِد يَأْتِيهِ فيسأله فَيَقُول ائْتِ السادن حَتَّى يعطيك فيأتيه فَيَقُول أَنا رَسُول الْمهْدي إِلَيْك لتعطيني مَالا فَيَقُول أحث فيحثي مَالا يَسْتَطِيع أَن يحملهُ فيلقي حَتَّى يكون قدر مَا يَسْتَطِيع أَن يحمل فَيخرج بِهِ فيندم فَيَقُول أَنا كنت أجشع أمة مُحَمَّد نفسا كلهم دعِي إِلَى هَذَا المَال فَتَركه غَيْرِي فَيرد عَلَيْهِ فَيَقُول إِنَّا لَا نقبل شَيْئا أعطيناه فيلبث فِي
ذَلِك سِتا أَو سبعا أَو ثمانيا أَو تسع سِنِين وَلَا خير فِي الْحَيَاة بعده)
تَنْبِيه الْأَظْهر أَن خُرُوج الْمهْدي قبل نزُول عِيسَى ﵇ وَقيل بعده
قَالَ أَبُو الْحسن الآبري قد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار واستفاضت بِكَثْرَة رواتها عَن الْمُصْطَفى ﷺ بِخُرُوجِهِ وَأَنه من أهل بَيته وَأَنه يمْلَأ الأَرْض عدلا وَأَنه يخرج مَعَ عِيسَى على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فيساعده على قتل الدَّجَّال بِبَاب لد بِأَرْض فلسطين وَأَنه يؤم هَذِه الْأمة وَيُصلي عِيسَى خَلفه
انْتهى
وَمَا ذكره من أَن الْمهْدي يُصَلِّي بِعِيسَى هُوَ الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث كَمَا علمت
وَأما مَا صَححهُ السعد التَّفْتَازَانِيّ من أَن عِيسَى هُوَ الإِمَام بالمهدي لِأَنَّهُ أفضل فإمامته أولى فَلَا شَاهد لَهُ فِيمَا علل بِهِ لِأَن الْقَصْد بإمامة الْمهْدي لعيسى إِنَّمَا هُوَ إِظْهَار أَنه نزل تَابعا لنبينا حَاكما بِشَرِيعَتِهِ غير مُسْتَقل بِشَيْء من شَرِيعَة نَفسه واقتداؤه بِبَعْض هَذِه الْأمة مَعَ كَونه أفضل من ذَلِك الإِمَام الَّذِي اقْتدى بِهِ فِيهِ من إذاعة ذَلِك وإظهاره مَا لَا يخفى على أَنه يُمكن الْجمع بِأَن يُقَال إِن عِيسَى يَقْتَدِي بالمهدي أَو لَا لإِظْهَار ذَلِك الْغَرَض ثمَّ بعد ذَلِك يَقْتَدِي الْمهْدي بِهِ على أصل الْقَاعِدَة من اقْتِدَاء الْمَفْضُول بالفاضل وَبِه يجْتَمع الْقَوْلَانِ
وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَنه من ولد الْحسن
وَكَأن سره ترك الْحسن الْخلَافَة
لله ﷿ شَفَقَة على الْأمة فَجعل الله الْقَائِم بالخلافة الْحق عِنْد شدَّة الْحَاجة إِلَيْهَا من وَلَده ليملأ الأَرْض عدلا
وَرِوَايَة كَونه من ولد الْحُسَيْن واهية جدا وَمَعَ ذَلِك لَا حجَّة فِيهِ لما زعمته الرافضة أَن الْمهْدي هُوَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد الْحجَّة بن الْحسن العسكري ثَانِي عشر الْأَئِمَّة الآتين فِي الْفَصْل الْآتِي على اعْتِقَاد الإمامية
وَمِمَّا يرد عَلَيْهِم مَا صَحَّ أَن اسْم أبي الْمهْدي يُوَافق اسْم أبي النَّبِي ﷺ وَاسم أبي مُحَمَّد الْحجَّة لَا يُوَافق ذَلِك وَيَردهُ أَيْضا قَول عَليّ مولد الْمهْدي بِالْمَدِينَةِ
وَمُحَمّد الْحجَّة هَذ إِنَّمَا ولد بسر من رأى سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
وَمن المجازفات والجهالات زعم بَعضهم أَن رِوَايَة إِنَّه من أَوْلَاد الْحسن وَرِوَايَة اسْم أَبِيه اسْم أبي كل مِنْهُمَا وهم
وزعمه أَيْضا أَن الْأمة أَجمعت على أَنه من أَوْلَاد الْحُسَيْن وأنى لَهُ بتوهيم الروَاة بالتشهي وَنقل الْإِجْمَاع بِمُجَرَّد التخمين والحدس والقائلون من الرافضة بِأَن الْحجَّة هَذَا هُوَ الْمهْدي يَقُولُونَ لم يخلف أَبوهُ غَيره وَمَات وعمره خمس سِنِين آتَاهُ الله فِيهَا الْحِكْمَة كَمَا آتاها يحيى ﵊ صَبيا وَجعله إِمَامًا فِي حَال الطفولية كَمَا جعل
عِيسَى ﵇
كَذَلِك توفّي أَبوهُ بسر من رأى وتستر هُوَ بِالْمَدِينَةِ وَله غيبتان صغرى من مُنْذُ وِلَادَته إِلَى انْقِطَاع السفارة بَينه وَبَين شيعته وكبرى وَفِي آخرهَا يقوم وَكَانَ فَقده يَوْم الْجُمُعَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
فَلم يدر أَيْن ذهب خَافَ على نَفسه فَغَاب فَقَالَ ابْن خلكان والشيعة ترى فِيهِ أَنه المنتظر والقائم الْمهْدي وَهُوَ صَاحب السرداب عِنْدهم وأقاويلهم فِيهِ كَثِيرَة وهم ينتظرون خُرُوجه آخر الزَّمَان من السرداب بسر من رأى دخله فِي دَار أَبِيه وَأمه تنظر إِلَيْهِ سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وعمره حِينَئِذٍ تسع سِنِين فَلم يعد يخرج إِلَيْهَا وَقيل دخله وعمره أَربع وَقيل خمس وَقيل سَبْعَة عشر
انْتهى مُلَخصا
وَالْكثير على أَن العسكري لم يكن لَهُ ولد لطلب أَخِيه جَعْفَر مِيرَاثه من تركته لما مَاتَ فَدلَّ طلبه أَن أَخَاهُ لَا ولد لَهُ وَإِلَّا لم يَسعهُ الطّلب وَحكى السُّبْكِيّ عَن جُمْهُور الرافضة أَنهم قَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا عقب للعسكري وَأَنه لم يثبت لَهُ ولد بعد أَن تعصب قوم لإثباته وَأَن أَخَاهُ جعفرا أَخذ مِيرَاثه
وجعفر هَذَا ضللته فرقة من لاشيعة ونسبوه للكذب فِي ادعائه مِيرَاث أَخِيه وَلذَا سموهُ وَاتبعهُ فرقة وأثبتوا لَهُ الْإِمَامَة
وَالْحَاصِل أَنهم تنازعوا فِي المنتظر بعد وَفَاة العسكري على عشْرين فرقة وَأَن الْجُمْهُور غير الإمامية على أَن الْمهْدي غير الْحجَّة هَذَا إِذْ تغيب شخص هَذِه الْمدَّة المديدة من خوارق الْعَادَات فَلَو كَانَ هُوَ لَكَانَ وَصفه ﷺ بذلك أظهر من
وَصفه بِغَيْر ذَلِك مِمَّا مر
ثمَّ الْمُقَرّر فِي الشَّرِيعَة المطهرة أَن الصَّغِير لَا تصح ولَايَته فَكيف سَاغَ لهَؤُلَاء الحمقى المغفلين أَن يزعموا إِمَامَة من عمره خمس سِنِين وَأَنه أُوتِيَ الحكم صَبيا مَعَ أَنه ﷺ لم يخبر بِهِ مَا ذَلِك إِلَّا مجازفة وجراءة على الشَّرِيعَة الغراء
قَالَ بعض أهل الْبَيْت وليت شعري من الْمخبر لَهُم بِهَذَا وَمَا طَرِيقه وَلَقَد صَارُوا بذلك وبوقوفهم بِالْخَيْلِ على ذَلِك السرداب وصياحهم بِأَن يخرج إِلَيْهِم ضحكة لأولي الْأَلْبَاب وَلَقَد أحسن الْقَائِل
(مَا آن للسرداب أَن يلد الَّذِي ... كلمتموه وبجهلكم ماآنا)
(فعلى عقولكم العفاء فَإِنَّكُم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا)
وَزَعَمت فرقة من الشِّيعَة أَن الإِمَام الْمهْدي هُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر بن الْحُسَيْن السبط حَبسه المعتصم فنقبت شيعته الْحَبْس وأخرجوه وذهبوا بِهِ فَلم يعرف لَهُ خبر
وَفرْقَة أَن الإِمَام الْمهْدي مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة
قيل فقد بعد أَخَوَيْهِ السبطين وَقيل قبلهمَا وَأَنه حَيّ بجبال رضوى
وَلم تعد الرافضة من أهل الْبَيْت زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن مَعَ أَنه إِمَام جليل
من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من التَّابِعين بَايعه كَثِيرُونَ بِالْكُوفَةِ وَطلبت مِنْهُ الرافضة أَن يتبرأ من الشَّيْخَيْنِ لينصروه فَقَالَ بل أتولاهما فَقَالُوا إِذا نرفضك
فَقَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الرافضة
فسموا بذلك من حِينَئِذٍ
وَكَانَ جملَة من بَايعه خَمْسَة عشر ألفا وَعند مُبَايَعَتهمْ قَالَ لَهُ بعض بني الْعَبَّاس يَا ابْن عَم لَا يغرنك هَؤُلَاءِ من نَفسك فَفِي أهل بَيْتك لَك أتم العبر وَفِي خذلانهم إيَّاهُم كِفَايَة
وَلما أَبى إِلَّا الْخُرُوج تقاعد عَنهُ جمَاعَة مِمَّن بَايعه وَقَالُوا الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ابْن أَخِيه الباقر فَلم يبْق مَعَه إِلَّا مِائَتَا رجل وَعِشْرُونَ رجلا فجَاء الْحجَّاج بجموعه فَهزمَ زيدا وأصابه سهم فِي جَبهته فَمَاتَ فَدفن بِأَرْض نهر وَأجْرِي المَاء عَلَيْهِ ثمَّ علم الْحجَّاج بِهِ فنبشه ثمَّ بعث بِرَأْسِهِ وصلب جثته سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَاسْتمرّ مصلوبا حَتَّى مَاتَ هِشَام بن عبد الْملك وَقَامَ الْوَلِيد فدفنه وَقيل بل كتب لعامله اعمد إِلَى عجل أهل الْعرَاق فحرقه ثمَّ انسفه فِي اليم نسفا فَفعل بِهِ ذَلِك
ورؤي النَّبِي ﷺ مُسْتَندا إِلَى جذعه المصلوب عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول للنَّاس هَكَذَا تَفْعَلُونَ بولدي
وروى غير وَاحِد أَنهم صلبوه مُجَردا فَنسجَتْ العنكبوت على عَوْرَته فِي يَوْمه
وَلم يعدوا أَيْضا إِسْحَاق بن جَعْفَر الصَّادِق مَعَ جلالة قدره حَتَّى كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول عَنهُ حَدثنِي الثِّقَة الرضى
وَذَهَبت فرقة من الشِّيعَة إِلَى إِمَامَته
ثمَّ من عَجِيب تنَاقض الرافضة أَنهم لم يدعوها لزيد وَإِسْحَاق مَعَ جلالتهما وادعاء زيد لَهَا وَمن قواعدهم أَنَّهَا تثبت لمن ادَّعَاهَا من أهل الْبَيْت وَأظْهر خوارق الْعَادة الدَّالَّة على صدقه وادعوها لمُحَمد الْحجَّة مَعَ أَنه لم يَدعهَا وَلَا أظهر ذَلِك لغيبته عَن أَبِيه صَغِيرا على مَا زَعَمُوا واختفائه بِحَيْثُ لم يره إِلَّا آحَاد زَعَمُوا رُؤْيَته وكذبهم غَيرهم فِيهَا وَقَالُوا لَا وجود لَهُ أصلا كَمَا مر فَكيف يثبت لَهُ ذَلِك بِمُجَرَّد الْإِمْكَان ويكتفي الْعَاقِل بذلك فِي بَاب العقائد ثمَّ أَي فَائِدَة فِي إِثْبَات الْإِمَامَة لعاجز عَن أعبائها ثمَّ مَا هِيَ الطَّرِيق المثبتة لِأَن كل وَاحِد من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين ادّعى الْإِمَامَة بِمَعْنى ولَايَة الْخلق وَأظْهر الخوارق على ذَلِك مَعَ أَن الطافح من كلماتهم الثَّابِتَة دَال على أَنهم لَا يدعونَ ذَلِك بل يبعدون مِنْهُ وَإِن كَانُوا أَهلا لَهُ ذكر ذَلِك بعض أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ الَّذين طهر الله قُلُوبهم من الزيغ والضلال ونزه عُقُولهمْ من السَّفه وتناقض الآراء لتمسكهم بواضح الْبُرْهَان وصحيح الِاسْتِدْلَال وألسنتهم عَن الْكَذِب والبهتان الْمُوجب لأولئك غَايَة الْبَوَار والنكار
الْآيَة الثَّالِثَة عشرَة قَوْله تَعَالَى وعَلى الْأَعْرَاف رجال يعْرفُونَ كلا
بِسِيمَاهُمْ) الْأَعْرَاف ٤٦
أخرج الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ الْأَعْرَاف مَوضِع عَال من الصِّرَاط عَلَيْهِ الْعَبَّاس وَحَمْزَة وَعلي بن أبي طَالب وجعفر ذُو الجناحين يعْرفُونَ محبيهم ببياض الْوُجُوه مبغضيهم بسواد الْوُجُوه
وَأورد الديلمي وَابْنه مَعًا لَكِن بِلَا إِسْنَاد أَن عليا ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اللَّهُمَّ ارْزُقْ من أبغضني وَأهل بَيْتِي كَثْرَة المَال والعيال)
كفاهم بذلك أَن يكثر مَالهم فَيطول حسابهم وَأَن تكْثر عِيَالهمْ فتكثر شياطينهم
وَحِكْمَة الدُّعَاء عَلَيْهِم بذلك أَنه لَا حَامِل على بغضه ﷺ وبغض أهل بَيته إِلَّا الْميل إِلَى الدُّنْيَا لما جبلوا عَلَيْهِ من محبَّة المَال وَالْولد فَدَعَا عَلَيْهِم ﷺ بتكثير ذَلِك مَعَ سلبهم نعْمَته فَلَا يكون إِلَّا نقمة عَلَيْهِم لكفرانهم نعْمَة من هُدُوا على يَدَيْهِ إيثارا للدنيا بِخِلَاف من دَعَا لَهُ ﷺ بتكثير ذَلِك كأنس ﵁ إِذْ الْقَصْد بِهِ كَون ذَلِك نعْمَة عَلَيْهِم فيتوصل بِهِ إِلَى مَا رتبه عَلَيْهِ من الْأُمُور الأخروية والدنيوية النافعة
الْآيَة الرَّابِعَة عشرَة قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات وَيعلم مَا تَفْعَلُونَ﴾ الشورى ٢٣ ٢٥
اعْلَم أَن هَذِه الْآيَة مُشْتَمِلَة على مَقَاصِد وتوابع
Translation
الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم
#45 Chapter 45 — المقصد الأول في تفسيرها · ref. #45
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْمَقْصد الأول فِي تَفْسِيرهَا

أخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن هَذِه الْآيَة لما نزلت قَالُوا يَا رَسُول الله من قرابتك هَؤُلَاءِ الَّذين وَجَبت علينا مَوَدَّتهمْ قَالَ (عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما)
وَفِي سَنَده شيعي غال لكنه صَدُوق
وروى أَبُو الشَّيْخ وَغَيره عَن عَليّ كرم الله وَجهه فِينَا آل حم آيَة لَا يحفظ مودتنا إِلَى كل مُؤمن ثمَّ قَرَأَ (قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى)
وَأخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن الْحسن ﵁ من طرق بَعْضهَا حسان أَنه خطب خطْبَة من جُمْلَتهَا من عرفني فقد عرفني وَمن لم يعرفنِي فَأَنا الْحسن بن مُحَمَّد ﷺ ثمَّ تَلا (وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم) الْآيَة يُوسُف ٣٨ ثمَّ قَالَ أَنا ابْن البشير أَنا ابْن النذير ثمَّ قَالَ وَأَنا من أهل الْبَيْت الَّذين افْترض الله ﷿ مَوَدَّتهمْ وموالاتهم فَقَالَ فِيمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ
أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) وَفِي رِوَايَة الَّذين افْترض الله مَوَدَّتهمْ على كل مُسلم وَأنزل فيهم ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ الشورى ٢٣ واقتراف الْحَسَنَات مودتنا أهل الْبَيْت
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن زين العابدين أَنه لما جِيءَ بِهِ أَسِيرًا عقب مقتل أَبِيه الْحُسَيْن ﵄ وأقيم على درج دمشق قَالَ بعض جُفَاة أهل الشَّام الْحَمد لله الَّذِي قتلكم واستأصلكم وَقطع قرن الْفِتْنَة فَقَالَ لَهُ مَا قَرَأت قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَى الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى قَالَ وَأَنْتُم هم قَالَ نعم
وللشيخ الْجَلِيل شمس الدّين ابْن الْعَرَبِيّ ﵀
(رَأَيْت ولائي آل طه فَرِيضَة ... على رغم أهل الْبعد يورثني القربا)
(فَمَا طلب الْمَبْعُوث أجرا على الْهدى ... بتبليغه إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى)
وَأخرج أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالُوا يَا رَسُول الله من قرابتك ... الحَدِيث
وَأخرج الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي ﴿وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ قَالَ الْمَوَدَّة لآل مُحَمَّد ﷺ
وَنقل الثَّعْلَبِيّ وَالْبَغوِيّ عَنهُ أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ قَالَ قوم فِي نُفُوسهم مَا يُرِيد إِلَّا أَن يحثنا على قرَابَته من بعده فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي ﷺ أَنهم اتَّهَمُوهُ فَأنْزل ﴿أم يَقُولُونَ افترى على الله كذبا﴾ الشورى ٢٤ الْآيَة فَقَالَ الْقَوْم يَا رَسُول الله إِنَّك صَادِق
فَنزل ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ الشورى ٢٥
وَنقل الْقُرْطُبِيّ وَغَيره عَن السّديّ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى إِن الله لغَفُور شكور الشورى ٢٣ غَفُور لذنوب آل مُحَمَّد ﷺ شكور لحسناتهم
وَرَأى ابْن عَبَّاس حمل الْقُرْبَى فِي الْآيَة على الْعُمُوم فَفِي البُخَارِيّ وَغَيره عَنهُ أَن ابْن جُبَير لما فسر الْقُرْبَى بآل مُحَمَّد قَالَ لَهُ عجلت أَي فِي التَّفْسِير إِنَّه ﷺ لم يكن بطن فِي قُرَيْش إِلَّا كَانَ فِيهِ قرَابَة فَقَالَ (إِلَّا أَن تصلوا مَا بيني وَبَيْنكُم من الْقَرَابَة) وَفِي رِوَايَة عَنهُ (قل لَا أَسأَلكُم على مَا أدعوكم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة تودوني بِقَرَابَتِي فِيكُم وتحفظوني فِي ذَلِك)
وَفِي أُخْرَى عَنهُ أَنهم لما أَبَوا أَن يبايعوه أنزل الله عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ ﷺ (يَا قوم إِذا أَبَيْتُم أَن تُبَايِعُونِي فاحفظوا قَرَابَتي وَلَا تؤذوني)
وَتَبعهُ على ذَلِك عِكْرِمَة فَقَالَ كَانَت قُرَيْش تصل الْأَرْحَام فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا دعاهم ﷺ إِلَى الله خالفوه وقاطعوه فَأَمرهمْ بصلَة الرَّحِم الَّتِي بَينهم وَبينهمْ
فَقَالَ (إِن لم تحفظوني فِيمَا جِئْت بِهِ فاحفظوني لقرابتي فِيكُم)
وَجرى على ذَلِك أَيْضا قَتَادَة وَالسُّديّ وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم وَغَيرهم وَيُؤَيِّدهُ أَن السُّورَة مَكِّيَّة وَرِوَايَة نُزُولهَا بِالْمَدِينَةِ لما فخرت الْأَنْصَار على الْعَبَّاس وَابْنه ضَعِيفَة
وعَلى فرض صِحَّتهَا تكون نزلت مرَّتَيْنِ وَمَعَ ذَلِك فَهَذَا كُله لَا يُنَافِي مَا مر من تَخْصِيص الْقُرْبَى بالآل لِأَن من ذهب إِلَيْهِ كَابْن جُبَير اقْتصر على أخص أَفْرَاد الْقُرْبَى وَبَين أَن حفظهم آكِد من حفظ بَقِيَّة تِلْكَ الْأَفْرَاد وَيُسْتَفَاد من الِاقْتِصَار عَلَيْهِم طلب مودته ﷺ وَحفظه بِالْأولَى لِأَنَّهُ إِذا طلب حفظهم لأَجله فحفظه هُوَ أولى بذلك وَأَحْرَى وَلذَا لم ينْسب ابْن عَبَّاس ابْن جُبَير إِلَى الْخَطَأ بل إِلَى العجلة أَي عَن تَأمل ان الْقَصْد من الْآيَة الْعُمُوم والأهم مِنْهَا أَولا وبالذات وده ﷺ
وَمِمَّا يُؤَيّد أَن لَا مضادة بَين تفسيري ابْن جُبَير وَابْن عَبَّاس أَن ابْن جُبَير كَانَ يُفَسر الْآيَة تَارَة بِهَذَا وَتارَة بِهَذَا فَافْهَم صِحَة إِرَادَة كل مِنْهُمَا فِيهَا بل جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَا يُوَافق تَفْسِير ابْن جُبَير وَهُوَ رِوَايَته للْحَدِيث الَّذِي ذكرنَا أَن فِي سَنَده شِيعِيًّا غاليا وَلَا يُنَافِي ذَلِك كُله أَيْضا تَفْسِيرهَا بِأَن المُرَاد إِلَّا التودد إِلَى الله لما أخرجه غير وَاحِد عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا (لَا أَسأَلكُم على مَا أتيتكم بِهِ من
الْبَينَات وَالْهدى أجرا إِلَّا أَن تودوا الله وتتقربوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ) وَوجه عدم الْمُنَافَاة أَن من جملَة مَوَدَّة الله سُبْحَانَهُ والتقرب إِلَيْهِ مَوَدَّة رَسُوله وَأهل بَيته وَذكر بعض مَعَاني اللَّفْظ لَا يُنَافِي مَا لَا يضاده مِنْهَا فضلا عَمَّا يومىء وَيُشِير إِلَيْهِ
وَقيل الْآيَة مَنْسُوخَة لِأَنَّهَا نزلت بِمَكَّة وَالْمُشْرِكُونَ يؤذونه أَمرهم بمودته وصلَة رَحمَه فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وآواه الْأَنْصَار ونصروه ألحقهُ الله بإخوانه من الْأَنْبِيَاء فَأنْزل ﴿قل مَا سألتكم من أجر فَهُوَ لكم إِن أجري إِلَّا على الله﴾ سبأ ٤٧ ورده الْبَغَوِيّ بِأَن مودته ﷺ وكف الْأَذَى عَنهُ ومودة أَقَاربه والتقرب إِلَى الله بِالطَّاعَةِ وَالْعَمَل الصَّالح من فَرَائض الدّين أَي الْبَاقِيَة على ممر الْأَبَد فَلم يجز ادِّعَاء بنسخ الْآيَة الدَّالَّة على ذَلِك فَإِن هَذَا الحكم الَّذِي دلّت عَلَيْهِ بَاقٍ مُسْتَمر فَكيف يَدعِي رَفعه وَنسخ وَإِلَّا الْمَوَدَّة اسْتثِْنَاء مُنْقَطع أَي لكني أذكركم أَن تودوا الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم فَلَيْسَ ذَلِك أجرا فِي مُقَابلَة أَدَاء الرسَالَة حَتَّى تكون هَذِه الْآيَة مُنَافِيَة لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَة الَّتِي استدلوا بهَا على النّسخ
وَقد بَالغ الثَّعْلَبِيّ فِي الرَّد عَلَيْهِم فَقَالَ وَكفى قبحا بقول من زعم أَن التَّقَرُّب إِلَى الله بِطَاعَتِهِ ومودة نبيه وَأهل بَيته ﷺ مَنْسُوخ انْتهى
وَيصِح دَعْوَى أَنه مُتَّصِل بِخَبَر الملا فِي سيرته (إِن الله جعل أجري عَلَيْكُم الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَإِنِّي سَائِلكُمْ عَنْهُم غَدا)
وَحِينَئِذٍ فتسمية ذَلِك أجرا مجَاز
Translation
المقصد الأول في تفسيرها
#46 Chapter 46 — المقصد الثاني فيما تضمنته تلك الآية من طلب محبة آله ﷺ وأن ذلك من كمال الإيمان · ref. #46
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْمَقْصد الثَّانِي فِيمَا تضمنته تِلْكَ الْآيَة من طلب محبَّة آله ﷺ وَأَن ذَلِك من كَمَال الْإِيمَان

ولنفتح هَذَا الْمَقْصد بِآيَة أُخْرَى ثمَّ نذْكر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ مَرْيَم ٩٦
أخرج الْحَافِظ السلَفِي عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة أَنه قَالَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة لَا يبْقى مُؤمن إِلَّا وَفِي قلبه ود لعَلي وَأهل بَيته
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله ﷿ وأحبوا أهل بَيْتِي لحبي)
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ لهَذَا فِي الْعِلَل المتناهية وهم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو الشَّيْخ والديلمي أَنه ﷺ قَالَ (لَا يُؤمن عبد حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه وَتَكون عِتْرَتِي أحب إِلَيْهِ من نَفسه وَيكون أَهلِي
أحب إِلَيْهِ من أَهله وَتَكون ذاتي أحب إِلَيْهِ من ذَاته)
وَأخرج الديلمي أَنه ﷺ قَالَ (أدبوا أَوْلَادكُم على ثَلَاث خِصَال حب نَبِيكُم وَحب أهل بَيته وعَلى قِرَاءَة الْقُرْآن) الحَدِيث
وَصَحَّ أَن الْعَبَّاس شكا إِلَى رَسُول الله ﷺ مَا يلقون من قُرَيْش من تعبيسهم فِي وُجُوههم وقطعهم حَدِيثهمْ عِنْد لقائهم فَغَضب ﷺ غَضبا شَدِيدا حَتَّى احمر وَجهه ودر عرق بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يحبكم لله وَلِرَسُولِهِ)
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة أَيْضا (مَا بَال أَقوام يتحدثون فَإِذا رَأَوْا الرجل من أهل بَيْتِي قطعُوا حَدِيثهمْ وَالله لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يُحِبهُمْ لله ولقرابتهم مني)
وَفِي أُخْرَى (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يُؤمنُوا وَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يحبوكم لله وَلِرَسُولِهِ أترجو مُرَاد شَفَاعَتِي وَلَا يرجوها بَنو عبد الْمطلب)
وَفِي أُخْرَى (لن يبلغُوا خيرا حَتَّى يحبوكم لله ولقرابتي) وَفِي أُخْرَى لَا
(لَا يُؤمن أحدهم حَتَّى يحبكم بحبي أترجون أَن تدْخلُوا الْجنَّة بشفاعتي وَلَا يرجوها بَنو عبد الْمطلب) وَبَقِي لَهُ طرق أُخْرَى كَثِيرَة
وقدمت بنت أبي لَهب الْمَدِينَة مهاجرة فَقيل لَهَا لَا تغني عَنْك هجرتك أَنْت بنت حطب النَّار فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَاشْتَدَّ غَضَبه ثمَّ قَالَ على منبره (مَا بَال أَقوام يؤذوني فِي نسبي وَذَوي رحمي أَلا وَمن آذي نَبِي وَذَوي رحمي فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله)
أخرجه ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مندة وَالْبَيْهَقِيّ بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَسميت تِلْكَ الْمَرْأَة فِي رِوَايَة درة وَفِي أُخْرَى سبيعة فإمَّا هما لوَاحِدَة اسمان أَو لقب وَاسم أَو لامرأتين وَتَكون الْقِصَّة تعدّدت لَهما
وَخرج عَمْرو الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ من أَصْحَاب الْحُدَيْبِيَة مَعَ عَليّ ﵄ إِلَى الْيمن فر أى مِنْهُ جفوة فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة أذاع شكايته فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (لقد آذيتني) فَقَالَ أعوذ بِاللَّه أَو أؤذيك يَا رَسُول الله فَقَالَ (بل من آذي عليا فقد آذَانِي) أخرجه أَحْمد زَاد ابْن عبد الْبر (من أحب عليا فقد
أَحبَّنِي وَمن أبْغض عليا فقد أبغضني وَمن آذَى عليا فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله)
وَكَذَلِكَ وَقع لبريدة أَنه كَانَ مَعَ عَليّ
فِي الْيمن فَقدم مغضبا عَلَيْهِ وَأَرَادَ شكايته بِجَارِيَة أَخذهَا من الْخمس فَقيل لَهُ أخبرهُ ليسقط عَليّ من عَيْنَيْهِ وَرَسُول الله ﷺ يسمع من رواء الْبَاب فَخرج مغضبا فَقَالَ (مَا بَال أَقوام ينتقصون عليا من أبْغض عليا فقد أبغضني وَمن فَارق عليا فقد فارقني إِن عليا مني وَأَنا مِنْهُ خلق من طينتي وخلقت من طِينَة إِبْرَاهِيم وَأَنا أفضل من إِبْرَاهِيم ﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم﴾ آل عمرَان ١٤ يَا بُرَيْدَة أما علمت أَن لعَلي أَكثر من الْجَارِيَة الَّتِي أَخذ) الحَدِيث
أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَفِيه حُسَيْن الْأَشْقَر وَمر أَنه شيعي غال
وَفِي خبر ضَعِيف أَنه ﷺ قَالَ (الزموا مودتنا أهل الْبَيْت فَإِنَّهُ من لَقِي الله ﷿ وَهُوَ يودنا دخل الْجنَّة بشفاعتنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا ينفع عبدا عمله إِلَّا بِمَعْرِفَة حَقنا)
وَيُوَافِقهُ قَول كَعْب الْأَحْبَار وَعمر بن عبد الْعَزِيز لَيْسَ أحد من أهل بَيت النَّبِي ﷺ إِلَّا لَهُ شَفَاعَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ والديلمي (من لم يعرف حق عِتْرَتِي وَالْأَنْصَار وَالْعرب
فَهُوَ لإحدى ثَلَاث إِمَّا مُنَافِق وَإِمَّا ولد زنية وَإِمَّا امْرُؤ حملت بِهِ أمه فِي غير طهر)
وَأخرج الديلمي (من أحب الله أحب الْقُرْآن وَمن أحب الْقُرْآن أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي أحب أَصْحَابِي وَقَرَابَتِي)
وَمر فِي الْآيَة الثَّامِنَة مَا لَهُ كَبِير تعلق بِمَا نَحن فِيهِ فَرَاجعه
وَأخرج أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ أَنه ﷺ خرج عَلَيْهِم وَوَجهه مشرق كدائرة الْقَمَر فَسَأَلَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ (بِشَارَة أَتَتْنِي من رَبِّي فِي أخي وَابْن عمي وابنتي بِأَن الله زوج عليا من فَاطِمَة وَأمر رضوَان خَازِن الْجنان فهز شَجَرَة طُوبَى فَحملت رقاقا يَعْنِي صكاكا بِعَدَد محبي أهل الْبَيْت وَأَنْشَأَ تحتهَا مَلَائِكَة من نور دفع إِلَى كل ملك صكا فَإِذا اسْتَوَت الْقِيَامَة بِأَهْلِهَا نادت الْمَلَائِكَة فِي الْخَلَائق فَلَا يبْقى محب لأهل الْبَيْت إِلَّا دفعت إِلَيْهِ صكا فِيهِ فكاكه من النَّار فَصَارَ أخي وَابْن عمي وابنتي فكاك رِقَاب رجال وَنسَاء من أمتِي من النَّار)
وَأخرج الملا (لَا يحبنا أهل الْبَيْت إِلَّا مُؤمن تَقِيّ وَلَا يبغضنا إِلَّا مُنَافِق شقي)
وَمر خبر أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ (من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن يَعْنِي حسنا وَحسَيْنا وأباهما وأمهما كَانَ معي فِي الْجنَّة)
وَفِي رِوَايَة (فِي درجتي)
زَاد أَبُو دَاوُد (وَمَات مُتبعا لسنتي)
وَبهَا يعلم أَن مُجَرّد محبتهم من غير اتِّبَاع للسّنة كَمَا يزعمه الشِّيعَة والرافضة من محبتهم مَعَ مجانبتهم للسّنة لَا يُفِيد مدعيها شَيْئا من الْخَيْر بل تكون عَلَيْهِ وبالا وَعَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَقد مر عَن عَليّ فِي الْآيَة الثَّامِنَة بَيَان صِفَات شيعته الَّذين تنفعهم محبته ومحبة أهل بَيته فراجع تِلْكَ الْأَوْصَاف فَإِنَّهَا تقضي على هَؤُلَاءِ المنتحلين حبهم مَعَ مخالفتهم هديهم بِأَنَّهُم وصلوا إِلَى غَايَة الشقاوة والحماقة والجهالة والغباوة
رزقنا الله دوَام محبتهم وَاتِّبَاع هديهم آمين
وَأما خبر (يَا عَليّ إِن أهل شِيعَتِنَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة على مَا فيهم من الذُّنُوب والعيوب وُجُوههم كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) فموضوع كأحاديث كَثِيرَة من هَذَا النمط بَينهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته
وَأخرج الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى ٢٣ حَدِيثا طَويلا من هَذَا النمط قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر آثَار الْوَضع لائحة عَلَيْهِ
وَحَدِيث (من أحبنا بِقَلْبِه وأعاننا بِيَدِهِ وَلسَانه كنت أَنا وَهُوَ فِي عليين وَمن أحبنا بِقَلْبِه وأعاننا بِلِسَانِهِ وكف عَنَّا يَده فَهُوَ فِي الدرجَة الَّتِي تَلِيهَا وَمن أحبنا بِقَلْبِه وكف عَنَّا لِسَانه وَيَده فَهُوَ فِي الدرجَة الَّتِي تَلِيهَا) فِي سَنَده رَافِضِي غال فِي الرَّفْض وَرجل آخر مَتْرُوك
رجلا أفضل من مُحَمَّد ﷺ وقلبت الأَرْض مشارقها ومغارها فَلم أجد
Translation
المقصد الثاني فيما تضمنته تلك الآية من طلب محبة آله ﷺ وأن ذلك من كمال الإيمان
#47 Chapter 47 — المقصد الثالث فيما أشارت إليه من التحذير من بغضهم · ref. #47
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْمَقْصد الثَّالِث فِيمَا أشارت إِلَيْهِ من التحذير من بغضهم

صَحَّ انه ﷺ قَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يبغضنا أهل الْبَيْت أحد إِلَّا أدخلهُ الله إِلَى النَّار)
وَأخرج أَحْمد مَرْفُوعا (من أبْغض أهل الْبَيْت فَهُوَ مُنَافِق)
وَأخرج هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ عَن جَابر (مَا كُنَّا نَعْرِف الْمُنَافِقين إِلَّا ببغضهم عليا)
وَخبر (من ابغض أحدا من أهل بَيْتِي فقد حرم شَفَاعَتِي)
مَوْضُوع
وَهَكَذَا خبر (من أبغضنا أهل الْبَيْت حشره الله يَوْم الْقِيَامَة يَهُودِيّا وَإِن لَا شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله)
فَهُوَ مَوْضُوع أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ والعقيلي وَغير هذَيْن مِمَّا مر وَمَا يَأْتِي مغن عَنْهُمَا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف عَن الْحسن ﵁ مَرْفُوعا (لَا يبغضنا وَلَا يحسدنا أحد إِلَّا ذيد عَن الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة بسياط من النَّار)
وَفِي رِوَايَة لَهُ ضَعِيفَة أَيْضا من جملَة قصَّة طَوِيلَة (أَنْت الساب عليا لَئِن وَردت عَلَيْهِ الْحَوْض وَمَا أَرَاك ترده لتجدنه مشمرا حاسرا عَن ذِرَاعَيْهِ يذود الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ عَن حَوْض رَسُول الله ﷺ قَول الصَّادِق المصدوق مُحَمَّد ﷺ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ (يَا عَليّ مَعَك يَوْم الْقِيَامَة عَصا من عصي الْجنَّة تذود بهَا الْمُنَافِقين عَن الْحَوْض)
وَأحمد (أَعْطَيْت فِي عَليّ خمْسا هن أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أما وَاحِدَة فَهُوَ بَين يَدي الله حَتَّى يفرغ من الْحساب وَأما الثَّانِيَة فلواء الْحَمد بِيَدِهِ آدم وَمن وَلَده تَحْتَهُ وَأما الثَّالِثَة فواقف على حَوْضِي يسْقِي من عرف من أمتِي)
وَمر خبر أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (إِن عَدوك يردون عَليّ الْحَوْض ظماء مقمحين)
وَأخرج الديلمي مَرْفُوعا (بغض بني هَاشم وَالْأَنْصَار كفر وبغض الْعَرَب نفاق)
وَصحح الْحَاكِم خبر انه ﷺ قَالَ (يَا بني عبد الْمطلب إِنِّي سَأَلت الله لكم ثَلَاثًا أَن يثبت قائمكم وَأَن يهدي ضالكم وَأَن يعلم جاهلكم وَسَأَلت الله أَن يجعلكم جودا) وَفِي رِوَايَة نجدا من النجدة الشجَاعَة وَشدَّة الْبَأْس (نجباء رحماء فَلَو أَن رجلا صفن بَين الرُّكْن وَالْمقَام أَي جمع قَدَمَيْهِ فصلى وَصَامَ ثمَّ لَقِي الله وَهُوَ مبغض لأهل بَيت مُحَمَّد ﷺ دخل النَّار)
وَصَحَّ أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ (سِتَّة لعنتهم ولعنهم الله وكل نَبِي مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله ﷿ والمكذب بِقدر الله والمتسلط على امتي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذلّ الله والمستحل حُرْمَة الله وَفِي رِوَايَة لحرم الله والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك للسّنة) وَفِي رِوَايَة زِيَادَة سَابِع وَهُوَ (المستأثر بالفيء)
وَأخرج أَحْمد عَن أبي رَجَاء أَنه كَانَ يَقُول لَا تسبوا عليا وَلَا أهل هَذَا الْبَيْت إِن جارا لنا قدم من الْكُوفَة فَقَالَ ألم تروا هَذَا الْفَاسِق ابْن الْفَاسِق إِن الله قَتله يَعْنِي الْحُسَيْن فَرَمَاهُ الله بكوكبين فِي عَيْنَيْهِ وطمس الله بَصَره
تَنْبِيه قَالَ القَاضِي فِي الشِّفَاء مَا حَاصله من سبّ أَبَا أحد من ذُريَّته ﷺ وَلم تقم قرينَة على إِخْرَاجه ﷺ من ذَلِك قتل
وَعلم من الْأَحَادِيث السَّابِقَة وجوب محبَّة أهل الْبَيْت وَتَحْرِيم بغضهم التَّحْرِيم الغليظ وبلزوم محبتهم صرح الْبَيْهَقِيّ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا أَنَّهَا من فَرَائض الدّين بل نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِيمَا حُكيَ عَنهُ من قَوْله
(يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ)
وَفِي (تَوْثِيق عرى الْإِيمَان) للبارزي عَن الإِمَام الحرالي مَا حَاصله إِن خَواص الْعلمَاء يَجدونَ فِي قُلُوبهم مزية تَامَّة بمحبته ﷺ ثمَّ محبَّة ذُريَّته لعلمهم باصطفاء نطفهم الْكَرِيمَة ثمَّ بمحبة أَوْلَاد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ ثمَّ أَوْلَاد بَقِيَّة الصَّحَابَة وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِم الْيَوْم نظرهم إِلَى آبَائِهِم بالْأَمْس لَو رَأَوْهُمْ وَيَنْبَغِي الإغضاء عَن انتقادهم وَمن ثمَّ يَنْبَغِي أَن الْفَاسِق من أهل الْبَيْت لبدعة أَو غَيرهَا إِنَّمَا نبغض أَفعاله لَا ذَاته لِأَنَّهَا بضعَة مِنْهُ ﷺ وَإِن كَانَ بَينه وَبَينهَا وسائط
وَأخرج أَبُو سعد فِي شرف النُّبُوَّة وَابْن الْمثنى أَنه ﷺ قَالَ (يَا فَاطِمَة إِن الله يغْضب لغضبك ويرضى لرضاك)
فَمن آذَى أحدا من وَلَدهَا فقد تعرض لهَذَا الْخطر الْعَظِيم لِأَنَّهُ أغضبها وَمن أحبهم فقد تعرض لرضاها
وَلذَا صرح الْعلمَاء بِأَنَّهُ يَنْبَغِي إكرام سكان بَلَده ﷺ وَإِن تحقق مِنْهُم ابتداع أَو نَحوه رِعَايَة لحُرْمَة جواره الشريف فَمَا بالك بذريته الَّذين هم بضعَة مِنْهُ
وروى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ الْكَهْف ٨٢ أَنه كَانَ بَينهم وَبَين الْأَب الَّذِي حفظا فِيهِ سَبْعَة أَو تِسْعَة آبَاء
وَمن ثمَّ قَالَ جَعْفَر الصَّادِق احْفَظُوا فِينَا مَا حفظ الله الصَّالح فِي اليتيمين وَمَا انتقد ذُريَّته ﷺ محب لمُحَمد ﷺ
Translation
المقصد الثالث فيما أشارت إليه من التحذير من بغضهم
#48 Chapter 48 — المقصد الرابع مما أشارت إليه الآية الحث على صلتهم وإدخال السرور عليهم · ref. #48
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْمَقْصد الرَّابِع مِمَّا أشارت إِلَيْهِ الْآيَة الْحَث على صلتهم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِم
وَورد
أخرج الديلمي مَرْفُوعا (من أَرَادَ التوسل إِلَيّ وَأَن يكون لَهُ عِنْدِي يَد أشفع لَهُ بهَا يَوْم الْقِيَامَة فَليصل أهل بَيْتِي وَيدخل السرُور عَلَيْهِم)
وروى عَن عمر من طرق أَنه قَالَ للزبير انْطلق بِنَا نزور الْحسن بن عَليّ ﵄ فتباطأ عَلَيْهِ الزبير فَقَالَ أما علمت أَن عِيَادَة بني هَاشم فَرِيضَة وزيارتهم نَافِلَة أَرَادَ أَن ذَلِك فيهم آكِد مِنْهُ فِي غَيرهم لَا حَقِيقَة الْفَرِيضَة فَهُوَ على حد قَوْله ﷺ (غسل الْجُمُعَة وَاجِب)
وَأخرج الْخَطِيب مَرْفُوعا (يقوم الرجل للرجل إِلَّا بني هَاشم فَإِنَّهُم لَا يقومُونَ لأحد)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا (من اصْطنع إِلَى أحد من ولد عبد الْمطلب يدا فَلم
يُكَافِئهُ بهَا فِي الدُّنْيَا فعلي مكافأته غَدا إِذا لَقِيَنِي)
زَاد الثَّعْلَبِيّ فِي رِوَايَة لَكِن فِي سندها كَذَّاب (وَحرمت الْجنَّة على من ظَلَمَنِي فِي اهل بَيْتِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي)
وَفِي خبر ضَعِيف (أَرْبَعَة أَنا لَهُم شَفِيع يَوْم الْقِيَامَة المكرم لذريتي وَالْقَاضِي لَهُم حوائجهم والساعي لَهُم فِي أُمُورهم عِنْدَمَا اضطروا إِلَيْهِ والمحب لَهُم بِقَلْبِه وَلسَانه)
وَأخرج الملا فِي سيرته أَنه ﷺ أرسل أَبَا ذَر يُنَادي عليا فَرَأى رحى تطحن فِي بَيته وَلَيْسَ مَعهَا أحد فَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك فَقَالَ (يَا ابا ذَر أما علمت أَن لله مَلَائِكَة سياحين فِي الأَرْض قد وكلوا بمعونة آل مُحَمَّد ﷺ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ من جملَة حَدِيث طَوِيل (يَا أَيهَا النَّاس إِن الْفضل والشرف والمنزلة وَالْولَايَة لرَسُول الله ﷺ وَذريته فَلَا تذهبن بكم الأباطيل)
Translation
المقصد الرابع مما أشارت إليه الآية الحث على صلتهم وإدخال السرور عليهم
#49 Chapter 49 — المقصد الخامس مما أشارت إليه الآية من توقيرهم وتعظيمهم والثناء عليهم · ref. #49
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْمَقْصد الْخَامِس مِمَّا أشارت إِلَيْهِ الْآيَة من توقيرهم وتعظيمهم وَالثنَاء عَلَيْهِم

وَمن ثمَّ كثر ذَلِك من السّلف فِي حَقهم اقْتِدَاء بِهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يكرم بني هَاشم كَمَا مر ودرج على ذَلِك الْخُلَفَاء الراشدون فَمن بعدهمْ
أخرج البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي بكر ﵁ أَنه قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَفِي رِوَايَة أحب إِلَيّ من قَرَابَتي
وَفِي أُخْرَى وَالله لِأَن أصلكم أحب إِلَيّ من أَن أصل قَرَابَتي لقرابتكم من رَسُول الله ﷺ ولعظم الْحق الَّذِي جعله الله لَهُ على كل مُسلم
وَهَذَا قَالَه ﵁ على سَبِيل الِاعْتِذَار لفاطمة ﵂ عَن مَنعه إِيَّاهَا مَا طلبت مِنْهُ من تَرِكَة النَّبِي ﷺ وَقد مر الْكَلَام على ذَلِك فِي الشّبَه مَبْسُوطا
وَأخرج أَيْضا عَنهُ ارقبوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أهل بَيته
وَصَحَّ عَنهُ أَيْضا انه حمل الْحسن على عُنُقه مَعَ ممازحته لعَلي ﵃ وَبِقَوْلِهِ وَهُوَ حَامِل لَهُ بِأبي شَبيه بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيها بعلي وَعلي يضْحك
وَيُوَافِقهُ قَول أنس كَمَا فِي البُخَارِيّ عَنهُ لم يكن أحد أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ من الْحسن
لكنه قَالَ ذَلِك فِي الْحُسَيْن ﵃ وَطَرِيق الْجمع بَينهمَا قَول عَليّ كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان عَنهُ الْحسن أشبه برَسُول الله ﷺ مَا بَين الرَّأْس إِلَى الصَّدْر وَالْحُسَيْن أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَل من ذَلِك
وَورد فِي جمَاعَة من بني هَاشم وَغَيرهم أَنهم كَانُوا يشبهونه ﷺ أَيْضا وَقد ذكرت عدتهمْ فِي شرحي لشمائل التِّرْمِذِيّ
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحسن جَاءَ لأبي بكر ﵄ وَهُوَ على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ انْزِلْ عَن مجْلِس أبي
فَقَالَ صدقت وَالله إِنَّه لمجلس أَبِيك ثمَّ أَخذه وَأَجْلسهُ فِي حجره وَبكى
فَقَالَ عَليّ ﵁ أما وَالله مَا كَانَ عَن رَأْيِي
فَقَالَ صدقت وَالله مَا اتهمتك
فَانْظُر لعظم محبَّة أبي بكر وتعظيمه وتوقيره لِلْحسنِ حَيْثُ أجلسه على حجره وَبكى
وَوَقع للحسين نَحْو ذَلِك مَعَ عمر وَهُوَ على الْمِنْبَر فَقَالَ لَهُ مِنْبَر أَبِيك وَالله لَا مِنْبَر أبي
فَقَالَ عَليّ وَالله مَا أمرت بذلك
فَقَالَ عمر وَالله مَا اتهمناك
زَاد ابْن سعد أَنه أَخذه فأقعده إِلَى جنبه وَقَالَ وَهل أنبت الشّعْر على رؤوسنا إِلَّا أَبوك أَي إِن الرّفْعَة مَا نلناها إِلَّا بِهِ
وَأخرج العسكري عَن أنس قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجِد إِذْ أقبل عَليّ فَسلم ثمَّ وقف ينظر موضعا يجلس فِيهِ فَنظر ﷺ فِي وُجُوه الصَّحَابَة أَيهمْ يُوسع لَهُ وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ يَمِينه فتزحزح لَهُ عَن مَجْلِسه وَقَالَ لَهُ هَهُنَا يَا أَبَا حسن فَجَلَسَ بَين النَّبِي ﷺ وَبَين أبي بكر فَعرف السرُور فِي وَجه رَسُول الله ﷺ وَقَالَ (يَا ابا بكر إِنَّمَا يعرف الْفضل لأهل الْفضل ذَوُو الْفضل)
وَأخرج ابْن شَاذان عَن عَائِشَة أَن أَبَا بكر فعل نَظِير ذَلِك مَعَ الْعَبَّاس أَيْضا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ذَلِك وتأسى فِي ذَلِك بِهِ ﷺ فقد أخرج الْبَغَوِيّ عَن عَائِشَة ﵂ لقد رَأَيْت من تَعْظِيم رَسُول الله ﷺ عَمه الْعَبَّاس أمرا عجيبا
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ﷺ كَانَ إِذا جلس أَبُو بكر عَن يَمِينه وَعمر عَن يسَاره وَعُثْمَان بَين يَدَيْهِ وَكَانَ كَاتب سر رَسُول الله ﷺ فَإِذا جَاءَ الْعَبَّاس ابْن عبد الْمطلب تنحى أَبُو بكر وَجلسَ الْعَبَّاس مَكَانَهُ
وَأخرج ابْن عبد الْبر أَن الصَّحَابَة كَانُوا يعْرفُونَ للْعَبَّاس فَضله فيقدمونه
ويشاورونه وَيَأْخُذُونَ بِرَأْيهِ ﵃
وَكَانَ أَبُو بكر يكثر النّظر إِلَى وَجه عَليّ فَسَأَلته عَائِشَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (النّظر إِلَى وَجه عَليّ عبَادَة)
وَمر نَحْو هَذَا وَأَنه حَدِيث حسن
وَلما جَاءَ أَبُو بكر وَعلي لزيارة قَبره ﷺ بعد وَفَاته بِسِتَّة أَيَّام قَالَ عَليّ تقدم يَا خَليفَة رَسُول الله
فَقَالَ أَبُو بكر مَا كنت لأتقدم رجلا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِيهِ (عَليّ مني كمنزلتي من رَبِّي)
أخرجه ابْن السمان
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ بَيْنَمَا أَبُو بكر جَالس إِذْ طلع عَليّ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ من سره أَن ينظر إِلَى أعظم النَّاس منزلَة وأقربهم قرَابَة وأفضلهم حَالَة وأعظمهم حَقًا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَلْينْظر إِلَى هَذَا الطالع
وَأخرج أَيْضا أَن عمر رأى رجلا يَقع فِي عَليّ فَقَالَ وَيحك أتعرف عليا هَذَا ابْن عَمه وَأَشَارَ إِلَى قَبره ﷺ وَالله مَا آذيت إِلَّا هَذَا فِي قَبره
وَفِي رِوَايَة فَإنَّك إِن أبغضته آذيت هَذَا فِي قَبره
// وَسَنَده ضَعِيف //
وَأخرج أَيْضا عَن ابْن الْمسيب قَالَ قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تحببوا إِلَى الْأَشْرَاف وتوددوا وَاتَّقوا على اعراضكم من السفلة وَاعْلَمُوا أَنه لَا يتم شرف إِلَّا بِولَايَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وَأخرج البُخَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب كَانَ إِذا قحطوا استسقى بِالْعَبَّاسِ ﵁ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نتوسل إِلَيْك بنبينا مُحَمَّد ﷺ إِذا قحطنا فتسقينا وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا فاسقنا فيسقون
وَفِي تَارِيخ دمشق أَن النَّاس كرروا الاسْتِسْقَاء عَام الرَّمَادَة سنة سَبْعَة عشر من الْهِجْرَة فَلم يسقوا فَقَالَ عمر لأستسقين غَدا بِمن يسقيني الله بِهِ فَلَمَّا أصبح غَدا للْعَبَّاس فدق عَلَيْهِ الْبَاب فَقَالَ من قَالَ عمر
قَالَ مَا حَاجَتك قَالَ اخْرُج حَتَّى نستسقي الله بك
قَالَ اقعد فَأرْسل إِلَى بني هَاشم أَن تطهروا وَالْبَسُوا من صَالح ثيابكم فاتوه فَأخْرج طيبا فطيبهم ثمَّ خرج وَعلي أَمَامه بَين يَدَيْهِ وَالْحسن عَن يَمِينه وَالْحُسَيْن عَن يسَاره وَبَنُو هَاشم خلف ظَهره فَقَالَ يَا عمر لات تخلط بِنَا غَيرنَا ثمَّ أَتَى الْمصلى فَوقف فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك خلقتنا وَلم تؤامرنا وَعلمت مَا نَحن عاملون قبل أَن تخلقنا فَلم يمنعك علمك فِينَا عَن رزقنا اللَّهُمَّ فَكَمَا تفضلت فِي أَوله تفضل علينا فِي آخِره
قَالَ جَابر فَمَا برحنا حَتَّى سحت السَّمَاء علينا سَحا فَمَا وصلنا إِلَى
مَنَازلنَا إِلَّا خوضا فَقَالَ الْعَبَّاس أَنا المسقي ابْن المسقي ابْن المسقي ابْن المسقي خمس مَرَّات وَأَشَارَ إِلَى أَن أَبَاهُ عبد الْمطلب استسقى خمس مَرَّات فسقي
وَأخرج الْحَاكِم أَن عمر لما استسقى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يرى للْعَبَّاس مَا يرى الْوَلَد لوالده يعظمه ويفخمه ويبر قسمه فاقتدوا أَيهَا النَّاس برَسُول الله ﷺ فِي عَمه الْعَبَّاس فاتخذوه وَسِيلَة إِلَى الله ﷿ فِيمَا نزل بكم
وَأخرج ابْن عبد الْبر من وُجُوه عَن عمر أَنه لما استسقى بِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نتقرب إِلَيْك بعم نبيك ونستشفع بِهِ فاحفظ فِيهِ نبيك كَمَا حفظت الغلامين بصلاح أَبِيهِمَا وأتيناك مستغفرين ومستشفعين ... الْخَبَر
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ قُتَيْبَة اللَّهُمَّ إِنَّا نتقرب إِلَيْك بعم نبيك وَبَقِيَّة آبَائِهِ وَكَثْرَة رِجَاله فَإنَّك تَقول وقولك الْحق ﴿وَأما الْجِدَار فَكَانَ لغلامين يتيمين فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْتَهُ كنز لَهما وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ الْكَهْف ٨٢ فحفظتهما لصلاح أَبِيهِمَا فاحفظ اللَّهُمَّ نبيك فِي عَمه فقد دنونا بِهِ إِلَيْك مستشفعين
وَأخرج ابْن سعد أَن كَعْبًا قَالَ لعمر إِن بني إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا أَصَابَتْهُم سنة استسقوا بعصبة نَبِيّهم فَقَالَ عمر هَذَا الْعَبَّاس انْطَلقُوا بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا أَبَا فضل مَا ترى مَا النَّاس فِيهِ
وَأخذ بِيَدِهِ وَأَجْلسهُ مَعَه على الْمِنْبَر
وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا قد توجهنا إِلَيْك بعم نبيك ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس
وَأخرج ابْن عبد الْبر أَن الْعَبَّاس لم يمر بعمر وَعُثْمَان ﵃ راكبين إِلَّا نزلا حَتَّى يجوز إجلالا لعم رَسُول الله ﷺ أَن يمشي وهما راكبان
وَأخرج الزبير بن بكار عَن ابْن شهَاب أَن أَبَا بكر وَعمر زمن ولايتهما كَانَ لَا يلقاه وَاحِد مِنْهُمَا رَاكِبًا إِلَّا نزل وقاد دَابَّته وَمَشى مَعَه حَتَّى يبلغ منزله أَو مَجْلِسه فيفارقه
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا أَن عمر لما أَرَادَ أَن يفْرض للنَّاس قَالُوا لَهُ ابدأ بِنَفْسِك فَأبى وَبَدَأَ بالأقرب فَالْأَقْرَب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَلم يَأْتِ قبيلته إِلَّا بعد خمس قبائل وَفرض للبدريين خَمْسَة آلَاف وَلمن ساواهم إسلاما وَلم يشْهد بَدْرًا خَمْسَة آلَاف وللعباس اثْنَي عشر ألفا وللحسنين كأبيهما وَمن ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس إِنَّه كَانَ يحبهما لِأَنَّهُ فضلهما فِي الْعَطاء على أَوْلَاده
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ﵁ قَالَ لفاطمة مَا من الْخلق أحد أحب إِلَيْنَا من أَبِيك وَمَا من أحد أحب إِلَيْنَا مِنْك بعد أَبِيك
وَأخرج أَيْضا أَن عمر سَأَلَ عَن عَليّ فَقيل لَهُ ذهب إِلَى أرضه فَقَالَ
اذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ فوجدوه يعْمل فعملوا مَعَه سَاعَة ثمَّ جَلَسُوا يتحدثون فَقَالَ لَهُ عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت لَو جَاءَك قوم من بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَك أحدهم أَنا ابْن عَم مُوسَى ﷺ أَكَانَت لَهُ عنْدك أَثَرَة على أَصْحَابه قَالَ نعم
قَالَ فَأَنا وَالله أَخُو رَسُول الله وَابْن عَمه
قَالَ فَنزع عمر رِدَاءَهُ فبسطه فَقَالَ لَا وَالله لَا يكون لَك مجْلِس غَيره حَتَّى نفترق
فَلم يزل جَالِسا عَلَيْهِ حَتَّى تفَرقُوا
وَذكر عَليّ لَهُ ذَلِك إعلاما بِأَن مَا فعله مَعَه من مَجِيئه إِلَيْهِ وَعَمله مَعَه فِي أرضه وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هُوَ لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله ﷺ
فَزَاد عمر فِي إكرامه وَأَجْلسهُ على رِدَائه
وَأخرج أَيْضا أَن عمر سَأَلَ عليا عَن شَيْء فَأَجَابَهُ فَقَالَ لَهُ عمر أعوذ بِاللَّه أَن أعيش فِي قوم لست فيهم يَا أَبَا الْحسن
وَأخرج أَيْضا أَنه قيل لعمر إِنَّك تصنع بعلي شَيْئا مَا تَفْعَلهُ بِبَقِيَّة الصَّحَابَة فَقَالَ إِنَّه مولَايَ
وَأخرج أَيْضا أَن الْحسن اسْتَأْذن على عمر فَلم يُؤذن لَهُ فجَاء عبد الله بن عمر فَلم يُؤذن لَهُ فَمضى الْحسن فَقَالَ عمر عَليّ بِهِ فجَاء فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت إِن لم يُؤذن لعبد الله لَا يُؤذن لي
فَقَالَ أَنْت أَحَق بِالْإِذْنِ مِنْهُ وَهل أنبت الشّعْر فِي الرَّأْس بعد الله إِلَّا أَنْتُم
وَفِي رِوَايَة لَهُ إِذا جِئْت فَلَا تستأذن
وَأخرج أَيْضا أَنه جَاءَهُ أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فَأذن لعَلي فِي الْقَضَاء بَينهمَا فَقضى فَقَالَ أَحدهمَا هَذَا يقْضِي بَيْننَا فَوَثَبَ إِلَيْهِ عمر وَأخذ بتلبيه وَقَالَ وَيحك مَا تَدْرِي من هَذَا هَذَا مولَايَ وَمولى كل مُؤمن وَمن لم يكن مَوْلَاهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن
وَأخرج أَحْمد أَن رجلا سَأَلَ مُعَاوِيَة عَن مَسْأَلَة فَقَالَ اسْأَل عَنْهَا عليا فَهُوَ أعلم
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جوابك فِيهَا أحب إِلَيّ من جَوَاب عَليّ
قَالَ بئس مَا قلت لقد كرهت رجلا كَانَ رَسُول الله ﷺ يغزه بِالْعلمِ غزا وَلَقَد قَالَ لَهُ (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي) وَكَانَ عمر إِذا أشكل عَلَيْهِ شَيْء أَخذ مِنْهُ
وَأخرجه آخَرُونَ بِنَحْوِهِ لَكِن زَاد بَعضهم قُم لَا أَقَامَ الله رجليك ومحا اسْمه من الدِّيوَان وَلَقَد كَانَ عمر يسْأَله وَيَأْخُذ عَنهُ وَلَقَد شهدته إِذا أشكل عيله شَيْء قَالَ هَهُنَا عَليّ
وَصلى زيد بن ثَابت على جَنَازَة أمه كَمَا قَالَه ابْن عبد البر فقربت لَهُ بغلته ليركب فَأخذ ابْن عَبَّاس بركابه فَقَالَ خل عَنْك يَا ابْن عَم رَسُول الله فَقَالَ ابْن عَبَّاس هَكَذَا أمرنَا ان نَفْعل بالعلماء لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ عَنهُ الْعلم فَقبل زيد يَده وَقَالَ هَكَذَا أمرنَا أَن نَفْعل بِأَهْل بَيت نَبينَا ﷺ
وَصَحَّ عَنهُ أَنه كَانَ يَأْتِي لبيت بعض الصَّحَابَة ليَأْخُذ عَنهُ الحَدِيث فيجده قَائِلا فيتوسد رِدَاءَهُ على بَابه فتسفي الرّيح التُّرَاب على وَجهه فَإِذا اخْرُج وَرَآهُ قَالَ يَا ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ماجاء بك أَلا أرْسلت إِلَيّ فآتيك
فَيَقُول لَا
أَنا أَحَق أَن آتِيك
وَحج ابْن عَبَّاس مَعَ مُعَاوِيَة ﵃
وَكَانَ لمعاوية موكب وَلابْن عَبَّاس موكب مِمَّن يطْلب الْعلم
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لعبد الله بن حسن بن حُسَيْن إِذا كَانَت لَك حَاجَة فَاكْتُبْ لي بهَا فَإِنِّي أستحيي من الله أَن يراك عَليّ بَابي
وَلما دخلت عَلَيْهِ فَاطِمَة بنت عَليّ وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أخرج من عِنْده وَقَالَ لَهَا مَا على ظهر الأَرْض أهل بَيت أحب إِلَيّ مِنْكُم وَلَأَنْتُمْ أحب إِلَيّ من أهل بَيْتِي
وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش كَمَا فِي الشِّفَاء لَو أَتَانِي أَبُو بكر وَعمر وَعلي ﵃ لبدأت بحاجة عَليّ قبلهمَا لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله ﷺ وَلِأَن أخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيّ من أَن أقدمه عَلَيْهِمَا
وَلما ضرب جَعْفَر بن سُلَيْمَان العباسي وَالِي الْمَدِينَة مَالِكًا ﵁ ونال مِنْهُ وَحمل مغشيا عَلَيْهِ وأفاق قَالَ أشهدكم أَنِّي جعلت ضاربي فِي حل
ثمَّ سُئِلَ فَقَالَ خفت أَن أَمُوت وَألقى النَّبِي ﷺ وأستحيي مِنْهُ أَن يدْخل بعض آله النَّار بسببي
وَلما قدم الْمَنْصُور الْمَدِينَة أَرَادَ إقادته من جَعْفَر فَقَالَ أعوذ بِاللَّه وَللَّه مَا ارْتَفع مِنْهُ سَوط إِلَّا وَقد جعلته فِي حل لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله ﷺ
وَدخل عبد الله بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط على عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ حَدِيث السن وَله وفرة فَرفع عمر مَجْلِسه وَأَقْبل عَلَيْهِ فلامه قومه فَقَالَ إِن الثِّقَة حَدثنِي حَتَّى كَأَنِّي أسمعهُ من فِي رَسُول الله ﷺ (إِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني يسرني مَا يسرها)
وَأَنا أعلم أَن فَاطِمَة لَو كَانَت حَيَّة لسرها مَا فعلت بابنها
وَأخرج الْخَطِيب أَن أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ كَانَ إِذا جَاءَهُ شيخ أَو حدث من قُرَيْش أَو الْأَشْرَاف قدمهم بَين يَدَيْهِ وَخرج وَرَاءَهُمْ
وَكَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يعظم أهل الْبَيْت كثيرا ويتقرب بِالْإِنْفَاقِ على المتسترين مِنْهُم والظاهرين حَتَّى قيل إِنَّه بعث إِلَى متستر مِنْهُم باثنى عشر ألفا دِرْهَم وَكَانَ يحض أَصْحَابه على ذَلِك
ولمبالغة الشَّافِعِي فيهم صرح بِأَنَّهُ من شيعتهم حَتَّى قيل كَيْت وَكَيْت
فَأجَاب عَن ذَلِك بِمَا قدمْنَاهُ عَنهُ من النّظم البديع وَله أَيْضا
(آل النَّبِي ذريعتي ... وهم إِلَيْهِ وسيلتي)
(أَرْجُو بهم أعْطى غَدا ... يُبْدِي الْيَمين صحيفتي)
وقارف الزُّهْرِيّ ذَنبا فهام على وَجهه فَقَالَ لَهُ زين العابدين قنوطك من ﵀ الَّتِي وسعت كل شَيْء أعظم عَلَيْك من ذَنْبك
فَقَالَ الزُّهْرِيّ الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته فَرجع إِلَى أَهله وَمَاله
Translation
المقصد الخامس مما أشارت إليه الآية من توقيرهم وتعظيمهم والثناء عليهم
#50 Chapter 50 — خاتمة فيما أخبر به ﷺ مما حصل على آله ومما أصاب مسيئهم من الانتقام الشديد · ref. #50
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
خَاتِمَة فِيمَا أخبر بِهِ ﷺ مِمَّا حصل على آله وَمِمَّا أصَاب مسيئهم من الانتقام الشَّديد

وَفِي آدَاب أُخْرَى قَالَ ﷺ (إِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي من أمتِي قتلا وتشريدا وَإِن أَشد قَومنَا لنا بغضا بَنو أُميَّة وَبَنُو وَبَنُو الْمُغيرَة وَبَنُو مَخْزُوم) صَححهُ الْحَاكِم لَكِن فِيهِ إِسْمَاعِيل وَالْجُمْهُور على أَنه ضَعِيف لسوء حفظه وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ البُخَارِيّ فقد نقل التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَنه ثِقَة مقارب الحَدِيث وَمن اشد النَّاس بغضا لأهل الْبَيْت مَرْوَان بن الحكم وَكَأن هَذَا هُوَ سر الحَدِيث الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ كَانَ لَا يُولد لأحد مَوْلُود إِلَّا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ فيدعو لَهُ فَأدْخل عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم فَقَالَ (هَذَا الوزغ ابْن الوزغ الملعون ابْن الملعون)
وروى بعده بِيَسِير عَن مُحَمَّد بن زيد قَالَ لما بَايع مُعَاوِيَة ﵁ لِابْنِهِ يزِيد قَالَ مَرْوَان سنة أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بل سنة هِرقل وَقَيْصَر فَقَالَ لَهُ مَرْوَان أَنْت الَّذِي
أنزل الله فِيك ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا﴾ الْأَحْقَاف ١٧ فَبلغ ذَلِك عَائِشَة ﵂ فَقَالَت كذب وَالله مَا هُوَ بِهِ وَلَكِن رَسُول الله ﷺ لعن أَبَا مَرْوَان ومروانه فِي صلبه
ثمَّ روى عَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ اسْتَأْذن على رَسُول الله ﷺ فَعرف صَوته فَقَالَ (ائذنوا لَهُ عَلَيْهِ لعنة الله وعَلى من يخرج من صلبه إِلَّا الْمُؤمن مِنْهُم وَقَلِيل مَا هم يشرفون فِي الدُّنْيَا ويصغرون فِي الْآخِرَة ذَوُو مكر وخديعة يُعْطون فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُم فِي الْآخِرَة من خلاق)
قَالَ ابْن ظفر وَكَانَ الحكم هَذَا يرْمى بالداء العضال وَكَذَلِكَ أَبُو جهل كَذَا ذكر ذَلِك كُله الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان
ولعنته ﷺ للْحكم وَابْنه لَا تضرهما لِأَنَّهُ ﷺ تدارك ذَلِك بقوله مِمَّا بَينه فِي الحَدِيث الآخر (أَنه بشر يغْضب كَمَا يغْضب الْبشر وَأَنه سَأَلَ ربه أَن من سبه أَو لَعنه أَو دَعَا عَلَيْهِ أَن يكون ذَلِك رَحْمَة لَهُ وَزَكَاة وَكَفَّارَة وطهارة)
وَمَا نَقله عَن ابْن ظفر فِي أبي جهل لَا يلام عَلَيْهِ فِيهِ بِخِلَافِهِ فِي الحكم فَإِنَّهُ
صَحَابِيّ وقبيح أَي قبح أَن يرْمى صَحَابِيّ بذلك فليحمل على أَنه إِن صَحَّ ذَلِك كَانَ يرْمى بِهِ قبل الْإِسْلَام وَمر فِي أَحَادِيث الْمهْدي أَنه ﷺ رأى فتية من بني هَاشم فاغرورقت عَيناهُ وَتغَير لَونه ثمَّ قَالَ (إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَإِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي بلَاء وتشريدا وتطريدا)
وَأخرج ابْن عَسَاكِر (إِن أول النَّاس هَلَاكًا قُرَيْش وَأول هَلَاك قُرَيْش هَلَاك أهل بَيْتِي)
وَنَحْوه للطبراني وَأبي يعلى
وَاعْلَم أَنه يتَأَكَّد فِي حق النَّاس عَامَّة وَأهل الْبَيْت خَاصَّة رِعَايَة أُمُور
الأول الاعتناء بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي نسب من غير علم وَدَلَائِل الْحَث على الاعتناء بالعلوم الشَّرْعِيَّة وآدابها وآداب الْعلمَاء والمتعلمين وتفصيل ذَلِك كُله ظَاهر مَعْرُوف منكتب الْأَئِمَّة فَلَا نطول بِهِ
الثَّانِي ترك الْفَخر بِالْآبَاءِ وَعدم التعويل عَلَيْهِم من غير اكْتِسَاب للعلوم الدِّينِيَّة
فقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ الحجرات ١٣ وَفِي البُخَارِيّ وَغَيره أَنه ﷺ سُئِلَ أَي النَّاس أكْرم فَقَالَ (أكْرمهم عِنْد الله أَتْقَاهُم)
وروى ابْن جرير وَغَيره (إِن الله لَا يسألكم عَن أحسابكم وَلَا أنسابكم يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عَن أَعمالكُم إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم)
وروى أَحْمد أَنه ﷺ قَالَ (أنظر فَإنَّك لست بِخَير من أَحْمَر وَلَا أسود إِلَّا أَن تفضله بتقوى)
وَأخرج ايضا من جملَة خطبَته ﷺ وَهُوَ بمنى (يَا أَيهَا النَّاس إِن ربكُم وَاحِد وَإِن أَبَاكُم وَاحِد وَلَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لأحمر على أسود إِلَّا بالتقوى خَيركُمْ عِنْد الله أَتْقَاكُم)
وَأخرج الْقُضَاعِي وَغَيره مَرْفُوعا (من أَبْطَأَ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه)
وَهُوَ فِي مُسلم من جملَة حَدِيث
وَسبق فِي هَذَا الْبَاب تَخْصِيصه ﷺ لأهل بَيته بالحث على تقوى الله وخشيته وتحذيرهم على أَن لَا يكون أحد اقْربْ إِلَيْهِ مِنْهُم بالتقوى يَوْم الْقِيَامَة وَأَن لَا يؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة اغْتِرَارًا بأنسابهم وَأَن أولياءه ﷺ يَوْم الْقِيَامَة المتقون من كَانُوا حَيْثُ كَانُوا
وَقد ذكر أهل السّير أَن زيد بن مُوسَى الكاظم خرج على الْمَأْمُون فظفر بِهِ فَأرْسلهُ إِلَى أَخِيه الْآتِي عَليّ الرِّضَا فوبخه بِكَلَام كثير من جملَته مَا أَنْت قَائِل لرَسُول الله ﷺ إِذا سفكت الدِّمَاء وأخفت السَّبِيل وَأخذت المَال من غير حلّه أغرك حمقى أهل الْكُوفَة وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن فَاطِمَة قد أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار) هَذَا لمن خرج من بَطنهَا مثل الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَط لَا لي وَلَك وَالله مَا نالوا ذَلِك إِلَّا بِطَاعَة الله فَإِن أردْت أَن تنَال بِمَعْصِيَة الله مَا نالوه بِطَاعَة الله إِنَّك إِذا لأكرم على الله مِنْهُم انْتهى
فَتَأمل ذَلِك فَمَا أعظم موقعه مِمَّن وَفقه الله من أهل هَذَا الْبَيْت المكرم فَإِن من يتَأَمَّل ذَلِك مِنْهُم لم يغتر بنسبه وَرجع إِلَى الله سُبْحَانَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا لم يكن عَلَيْهِ المتقدمون الْأَئِمَّة من آبَائِهِ واقتدى بهم فِي عظم مآثرهم وزهدهم وعباداتهم وتحليهم بالعلوم السّنيَّة وَالْأَحْوَال الْعلية والخوارق الجلية أعَاد الله من بركتهم وحشرنا فِي زمرة محبيهم آمين
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد الْجواد الْآتِي ابْن عَليّ الرِّضَا الْمُتَقَدّم آنِفا أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث (إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا)
الحَدِيث الْمَذْكُور فَقَالَ بِمَا مر عَن أَبِيه ذَاك خَاص بالْحسنِ وَالْحُسَيْن
وَلما اسْتَشَارَ زيد أَبَاهُ زين العابدين فِي الْخُرُوج نَهَاهُ وَقَالَ أخْشَى أَن تكون الْمَقْتُول المصلوب بِظهْر الْكُوفَة أما علمت أَنه لَا يخرج أحد من ولد فَاطِمَة على أحد من السلاطين قبل خُرُوج السفياني إِلَّا قتل فَكَانَ كَمَا قَالَ أَبوهُ كَمَا مرت قصَّته فِي هَذَا الْبَاب
وَأخرج أَحْمد وَغَيرهَا مَا حَاصله أَنه ﷺ كَانَ إِذا قدم من سفر أَتَى فَاطِمَة وَأطَال الْمكْث عِنْدهَا فَفِي مرّة صنعت لَهَا مِسْكين من ورق وقلادة وقرطين وسترا لباب بَيتهَا فَقدم ﷺ وَدخل عَلَيْهَا ثمَّ خرج وَقد عرف الْغَضَب فِي وَجهه حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فظنت أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك لما رأى مَا صَنعته فَأرْسلت بِهِ إِلَيْهِ ليجعله فِي سَبِيل الله فَقَالَ (فعلت فداها أَبوهَا ثَلَاث مَرَّات لَيست الدُّنْيَا من مُحَمَّد وَلَا من آل مُحَمَّد وَلَو كَانَت الدُّنْيَا تعدل عِنْد الله فِي الْخَيْر جنَاح بعوضة مَا سقى مِنْهَا كَافِرًا شربة مَاء) ثمَّ قَامَ فَدخل ﷺ عَلَيْهَا زَاد أَحْمد أَنه ﷺ أَمر ثَوْبَان أَن يدْفع ذَلِك إِلَى بعض أَصْحَابه وَبِأَن يَشْتَرِي لَهَا قلادة من عصب وسوارين من عاج وَقَالَ (إِن هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي وَلَا أحب أَن يَأْكُلُوا طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا)
فَتَأمل ذَلِك تَجِد الْكَمَال لَيْسَ إِلَّا بالتحلي بالزهد والورع والدأب فِي الطَّاعَات والتخلي عَن سَائِر الرذالات وَلَيْسَ فِي التحلي بِجمع الْأَمْوَال ومحبة الدُّنْيَا والترفع بهَا إِلَّا غَايَة المتاعب والنقائص والمثالب وَلَقَد طلق عَليّ الدُّنْيَا ثَلَاثًا وَقَالَ لقد رقعت مدرعتي هَذِه حَتَّى استحييت من راقعها
وَمر فِي فضائله طرف من ذَلِك
الثَّالِث تَعْظِيم الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لأَنهم خير الْأُمَم بِشَهَادَة قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ آل عمرَان ١١٠ وَخير هَذِه الْأمة بِشَهَادَة الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته (خير الْقُرُون قَرْني)
وَقد قدمت فِي الْمُقدمَة الأولى من هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على فَضلهمْ وكمالهم وَوُجُوب محبتهم واعتقاد كمالهم وبراءتهم من النقائص والجهالات وَالْإِقْرَار على بَاطِل مَا تقر بِهِ الْعُيُون وتزول بِهِ عَمَّن أَرَادَ الله توفيقه وهدايته مَا توالى عَلَيْهِ من المحن والغبون والفتون فاحذر أَن تكون إِلَّا مَعَ السوَاد الْأَعْظَم من هَذِه الْأمة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَأَن تتخلف مَعَ أُولَئِكَ المتخلفين عَن الكمالات إخْوَان الأهوية والبدع والضلال والحمق والجهالات فَلَا ينفعك حِينَئِذٍ نسب وَرُبمَا سلبت الْإِسْلَام فألحقت بِأبي جهل وَأبي لَهب
الرَّابِع اعْلَم أَن مَا أُصِيب بِهِ الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي يَوْم
عَاشُورَاء كَمَا سَيَأْتِي بسط قصَّته إِنَّمَا هُوَ الشَّهَادَة الدَّالَّة على مزِيد حظوته ورفعته ودرجته عِنْد الله وإلحاقه بدرجات أهل بَيته الطاهرين فَمن ذكر ذَلِك الْيَوْم مصابه لم يَنْبغ أَن يشْتَغل إِلَّا بالاسترجاع امتثالا لِلْأَمْرِ وإحرازا لما رتبه تَعَالَى عَلَيْهِ بقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ الْبَقَرَة ١٥٧ وَلَا يشْتَغل ذَلِك الْيَوْم إلابنلاء وَنَحْوه من عظائم الطَّاعَات كَالصَّوْمِ وإياه ثمَّ إِيَّاه أَن يشْغلهُ ببدع الرافضة من النّدب والحزن والنياحة والحزن إِذْ لَيْسَ ذَلِك من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا لَكَانَ يَوْم وَفَاته ﷺ أولى بذلك وَأَحْرَى أَو ببدع الناصبة المتعصبين على أهل الْبَيْت أَو الْجُهَّال المقابلين الْفَاسِد بالفاسد والبدعة بالبدعة وَالشَّر بِالشَّرِّ من إِظْهَار غَايَة الْفَرح وَالسُّرُور واتخاذه عيدا وَإِظْهَار الزِّينَة فِيهِ كالخضاب والاكتحال وَلبس جَدِيد الثِّيَاب وتوسيع النَّفَقَات وطبخ الْأَطْعِمَة والحبوب الْخَارِجَة عَن الْعَادَات واعتقادهم أَن ذَلِك من السّنة والمعتاد وَالسّنة ترك ذَلِك كُله فَإِنَّهُ لم يرد فِي ذَلِك شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا أثر صَحِيح يرجع إِلَيْهِ
وَقد سُئِلَ بعض أَئِمَّة الحَدِيث وَالْفِقْه عَن الْكحل وَالْغسْل والحناء وطبخ الْحُبُوب وَلبس الْجَدِيد وَإِظْهَار السرُور يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ لم يرد فِيهِ حَدِيث صَحِيح عَنهُ ﷺ وَلَا عَن أحد من أَصْحَابه وَلَا استحبه أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين لَا من الْأَرْبَعَة وَلَا من غَيرهم وَلم يرد فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة فِي ذَلِك لَا صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَمَا قيل (إِن من اكتحل يَوْمه لم يرمد ذَلِك الْعَام وَمن
اغْتسل لم يمرض كَذَلِك وَمن وسع على عِيَاله فِيهِ وسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته) وأمثال ذَلِك مثل فضل الصَّلَاة فِيهِ وَأَنه فِيهِ تَوْبَة آدم واستواء السَّفِينَة على الجودي وإنجاء إِبْرَاهِيم من النَّار وإفداء الذَّبِيح بالكبش ورد يُوسُف على يَعْقُوب فَكل ذَلِك مَوْضُوع إِلَّا حَدِيث التَّوسعَة على الْعِيَال لَكِن فِي سَنَده من تكلم فِيهِ فَصَارَ هَؤُلَاءِ لجهلهم يتخذونه موسما وَأُولَئِكَ لرفضهم يتخذونه مأتما وَكِلَاهُمَا مخطىء مُخَالف للسّنة كَذَا ذكر ذَلِك جَمِيعه بعض الْحفاظ
وَقد صرح الْحَاكِم بِأَن الاكتحال يَوْمه بِدعَة مَعَ رِوَايَته خبر (إِن من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم ترمد عينه أبدا) لكنه قَالَ إِنَّه مُنكر وَمن ثمَّ أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من طَرِيق الْحَاكِم
قَالَ بعض الْحفاظ وَمن غير تِلْكَ الطَّرِيق وَنقل الْمجد اللّغَوِيّ عَن الْحَاكِم أَن سَائِر الْأَحَادِيث فِي فَضله غير الصَّوْم وَفضل الصَّلَاة فِيهِ والإنفاق والخضاب والادهان والاكتحال وطبخ الْحُبُوب وَغير ذَلِك كُله مَوْضُوع ومفترى
وَبِذَلِك صرح ابْن الْقيم أَيْضا
فَقَالَ حَدِيث الاكتحال والادهان والتطيب يَوْم عَاشُورَاء من وضع الْكَذَّابين وَالْكَلَام فِيمَن خص يَوْم عَاشُورَاء بالكحل وَمَا مر من أَن التَّوسعَة فِيهِ لَهَا أصل هُوَ كَذَلِك فقد أخرج حَافظ الْإِسْلَام الزين الْعِرَاقِيّ فِي أَمَالِيهِ من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من وسع على عِيَاله وَأَهله يَوْم عَاشُورَاء وسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته)
ثمَّ قَالَ عقبه هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده لين لكنه حسن على رَأْي ابْن حبَان وَله طَرِيق آخر صَححهُ الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر وَفِيه زيادات مُنكرَة
وَظَاهر كَلَام الْبَيْهَقِيّ أَن حَدِيث التَّوسعَة حسن على رَأْي غير ابْن حبَان أَيْضا فَإِنَّهُ رَوَاهُ من طرق عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ وَهَذِه الْأَسَانِيد وَإِن كَانَت ضَعِيفَة لَكِنَّهَا إِذا ضم بَعْضهَا إِلَى بعض أحدثت قُوَّة وإنكار ابْن تَيْمِية أَن التَّوسعَة لم يرد فِيهَا شَيْء عَنهُ ﷺ وهم لما علمت وَقَول أَحْمد إِنَّه حَدِيث لَا يَصح
أَي لذاته فَلَا يَنْفِي كَونه حسنا لغيره وَالْحسن لغيره يحْتَج بِهِ كَمَا بَين فِي علم الحَدِيث
الْخَامِس يَنْبَغِي لكل أحد أَن يكون لَهُ غيرَة على هَذَا النّسَب الشريف وَضَبطه حَتَّى لَا ينتسب إِلَيْهِ ﷺ أحد إِلَّا بِحَق وَلم تزل أَنْسَاب أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ مضبوطة على تطاول الْأَيَّام وأحسابهم الَّتِي بهَا يتميزون مَحْفُوظَة عَن أَن يدعيها الْجُهَّال واللئام قد ألهم الله من يقوم بتصحيحها فِي كل زمَان وَمن يعتني بِحِفْظ تفاصيلها فِي كل أَوَان خُصُوصا أَنْسَاب الطالبيين والمطلبيين وَمن ثمَّ وَقع الِاصْطِلَاح على اخْتِصَاص الذُّرِّيَّة الطاهرة ببني فَاطِمَة من بَين ذَوي الشّرف كالعباسيين والجعافرة بِلبْس الْأَخْضَر إِظْهَارًا لمزيد شرفهم قيل وَسَببه أَن الْمَأْمُون أَرَادَ أَن يَجْعَل الْخلَافَة فيهم أَي وَيدل عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَة عَليّ الْجواد من أَنه عهد إِلَيْهِ بالخلافة فَاتخذ لَهُم شعارا أَخْضَر وألبسهم ثيابًا خضرًا لكَون السوَاد شعار العباسيين وَالْبَيَاض شعار سَائِر الْيَهُود فِي آخر الْأَمر ثمَّ انثنى عزمه عَن ذَلِك ورد الْخلَافَة لبني الْعَبَّاس فَبَقيَ ذَلِك شعار الْأَشْرَاف العلويين من بني الزهراء لكِنهمْ اختصروا الثِّيَاب إِلَى قِطْعَة ثوب خضراء تُوضَع على عمائمهم شعارا لَهُم ثمَّ انْقَطع ذَلِك إِلَى أَوَاخِر الْقرن الثَّامِن ثمَّ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون أَن يمتازوا على النَّاس بعصائب خضر على العمائم فَفعل ذَلِك بِأَكْثَرَ الْبِلَاد كمصر
وَالشَّام وَغَيرهمَا وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن جَابر الأندلسي الْأَعْمَى نزيل حلب وَهُوَ صَاحب شرح ألفية ابْن مَالك الْمُسَمّى بالأعمى والبصير
(جعلُوا لأبناء الرَّسُول عَلامَة ... إِن الْعَلامَة شَأْن من لم يشهر)
(نور النُّبُوَّة فِي كريم وُجُوههم ... يُغني الشريف عَن الطّراز الْأَخْضَر)
وَقَالَ فِي ذَلِك جمَاعَة من الشُّعَرَاء مَا يطول ذكره وَمن أحْسنه قَول الأديب مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ابْن بركَة الدِّمَشْقِي المزين
(أَطْرَاف تيجان أَتَت من سندس ... خضر بأعلام على الْأَشْرَاف)
(والأشرف السُّلْطَان خصهم بهَا ... شرفا ليعرفهم من الْأَطْرَاف)
هَذَا وَقد ورد التحذير الْعَظِيم عَن الانتساب إِلَى غير الْآبَاء وَأَنه كَافِر مَلْعُون فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
(من انتسب إِلَى غير أَبِيه أَو تولى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة مَشْهُورَة فَلَا نطيل بذكرها أعاذنا الله من الْكَذِب عَلَيْهِ وعَلى أنبيائه وأوليائه وحشرنا فِي زمرة أهل هَذَا الْبَيْت النَّبَوِيّ الْمُعظم المكرم فإننا من محبيهم وخدمة جنابهم وَمن أحب قوما رجى أَن يكون مَعَهم بِنَصّ الحَدِيث الصَّحِيح وَهَذَا هُوَ علالة الضَّعِيف المقصر مثلي عَن أَن يعْمل بأعمال الصَّادِقين أَو يتحلى بعلي أَحْوَال المخلصين لَكِن سَعَة الرَّجَاء فِي مواهب ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام تفيض إِن شَاءَ الله علينا غَايَة الْقبُول والإنعام إِنَّه أكْرم كريم وأرحم رَحِيم
Translation
خاتمة فيما أخبر به ﷺ مما حصل على آله ومما أصاب مسيئهم من الانتقام الشديد
#51 Chapter 51 — الفصل الثاني في سرد أحاديث واردة في أهل البيت ومر أكثر هذا في الفصل الأول ولكن قصدت سردها في هذا الفصل ليكون ذلك أسرع لاستحضارها · ref. #51
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الثَّانِي فِي سرد أَحَادِيث وَارِدَة فِي أهل الْبَيْت وَمر أَكثر هَذَا فِي الْفَصْل الأول وَلَكِن قصدت سردها فِي هَذَا الْفَصْل ليَكُون ذَلِك أسْرع لاستحضارها

الحَدِيث الأول أخرج الديلمي عَن أبي سعيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (اشْتَدَّ غضب الله على من آذَانِي فِي عِتْرَتِي)
وَورد أَنه ﷺ قَالَ (من أحب أَن ينسأ أَي يُؤَخر فِي أَجله وَأَن يمتع بِمَا خوله الله فليخلفني فِي أَهلِي خلَافَة حَسَنَة فَمن لم يخلفني فيهم بتر عمره وَورد عَليّ يَوْم الْقِيَامَة مسودا وَجهه)
الحَدِيث الثَّانِي أخرج الْحَاكِم عَن أبي ذَر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن مثل أهل بَيْتِي فِيكُم مثل سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا هلك) وَفِي رِوَايَة للبزار عَن ابْن عَبَّاس وَعَن ابْن الزبير وللحاكم عَن أبي ذَر أَيْضا (مثل أهل بَيْتِي مثل سفينة نوح من ركبهَا نجا
وَمن تخلف عَنْهَا غرق)
الحَدِيث الثَّالِث أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر ﵄ (أول من أشفع لَهُ يَوْم الْقِيَامَة من أمتِي أهل بَيْتِي ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من قُرَيْش ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ من آمن بِي واتبعني من أهل الْيمن ثمَّ من سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم وَمن أشفع لَهُ أَولا أفضل)
الحَدِيث الرَّابِع أخرج الْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (خَيركُمْ خَيركُمْ لأهلي من بعدِي)
الحَدِيث الْخَامِس أخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم عَن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَأَلت رَبِّي أَن لَا أَتزوّج إِلَى أحد من أمتِي وَلَا يتَزَوَّج إِلَيّ أحد من أمتِي إِلَّا كَانَ معي فِي الْجنَّة فَأَعْطَانِي ذَلِك
الحَدِيث السَّادِس أخرج الشِّيرَازِيّ فِي الألقاب عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (سَأَلت رَبِّي أَن لَا أزوج إِلَّا من أهل الْجنَّة وَلَا أَتزوّج إِلَّا من
أهل الْجنَّة)
الحَدِيث السَّابِع أخرج أَبُو الْقَاسِم بن بَشرَان فِي أَمَالِيهِ عَن عمرَان ابْن حُصَيْن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل أحدا من أهل بَيْتِي النَّار فَأَعْطَانِي)
الحَدِيث الثَّامِن أخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بَيْتِي لحبي)
الحَدِيث التَّاسِع أخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من صنع إِلَى أهل بَيْتِي يدا كافأته عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة)
الحَدِيث الْعَاشِر أخرج الْخَطِيب عَن عُثْمَان ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من صنع صَنِيعَة إِلَى أحد من خلف عبد الْمطلب فِي الدُّنْيَا فعلي مكافاته إِذا لَقِيَنِي)
الحَدِيث الْحَادِي عشر أخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ
قَالَ (من آذانى شَعْرَة مني فقد ذاني وَمن آذَانِي فقد آذَى الله)
الحَدِيث الثَّانِي عشر أخرج أَبُو يعلى عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي)
الحَدِيث الثَّالِث عشر أخرج الْحَاكِم عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وَعَدَني رَبِّي فِي أهل بَيْتِي من أقرّ مِنْهُم لله بِالتَّوْحِيدِ ولي بالبلاغ أَن لَا يعذبهم)
الحَدِيث الرَّابِع عشر أخرج ابْن عدي والديلمي عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أثبتكم على الصِّرَاط أَشدّكُم حبا لأهل بَيْتِي ولأصحابي)
الحَدِيث الْخَامِس عشر أخرج التِّرْمِذِيّ عَن حُذَيْفَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن هَذَا ملك لم ينزل الأَرْض قطّ قبل هَذِه اللَّيْلَة اسْتَأْذن ربه أَن يسلم عَليّ ويبشرني بِأَن فَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة وَأَن الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة)
الحَدِيث السَّادِس عشر أخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (أَنا حَرْب لمن حاربهم وَسلم لمن سالمهم)
الحَدِيث السَّابِع عشر أخرج ابْن ماجة عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَا بَال أَقوام إِذا جلس إِلَيْهِم أحد من أهل بَيْتِي قطعُوا حَدِيثهمْ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخل قلب امرىء الْإِيمَان حَتَّى يُحِبهُمْ لله ولقرابتي)
الحَدِيث الثَّامِن عشر أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن وأباهما وأمهما كَانَ معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة)
الحَدِيث التَّاسِع عشر أخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نَحن ولد عبد الْمطلب سادة أهل الْجنَّة أَنا وَحَمْزَة وَعلي وجعفر وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَالْمهْدِي)
الحَدِيث الْعشْرُونَ أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن فَاطِمَة الزهراء رَضِي الله عَن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لكل بني أُنْثَى عصبَة ينتمون إِلَيْهِ إِلَّا ولد فَاطِمَة فَأَنا وليهم وَأَنا عصبتهم)
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (كل بني أُنْثَى فَإِن عصبتهم لأبيهم مَا خلا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا عصبتهم وَأَنا أبوهم)
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن فَاطِمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (كل بني أُنْثَى ينتمون إِلَى عصبتهم إِلَّا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا وليهم وَأَنا عصبتهم وَأَنا أبوهم)
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أخرج أَحْمد وَالْحَاكِم عَن الْمسور أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فَاطِمَة بضعَة مني يغضبني مَا يغضبها ويبسطني مَا يبسطها وَإِن الْأَنْسَاب تَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة غير نسبي وسببي وصهري)
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ اخْرُج الْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فَاطِمَة أحصنت فرجهَا فَحَرمهَا الله وذريتها على النَّار)
وَمِمَّا ينْدَرج فِي هَذَا السلك وسلك الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة السَّابِق ذكرهم الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي قُرَيْش لأَنهم كلهم من قُرَيْش وهم ولد النَّضر بن
كنَانَة فَإِن مَا ثَبت للأعم ثَبت للأخص فَلِذَا أثبتها على عد مَا مر وأخرتها إِلَى هُنَا ليعم جَمِيع من سبق فَقلت
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أخرج الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ عَن عبد الله بن حنْطَب قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ (يَا أَيهَا النَّاس قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها وتعلموا مِنْهَا وَلَا تعلموها)
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن جُبَير بن مطعم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (يَا أَيهَا النَّاس لَا تتقدموا قُريْشًا فَتَهْلكُوا وَلَا تخلفوا عَنْهَا فتضلوا وَلَا تعلموها وتعلموا مِنْهَا فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم لَوْلَا أَن تبطر قُرَيْش لأخبرتها بِالَّذِي لَهَا عِنْد الله ﷿
الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ اخْرُج الشَّيْخَانِ عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (النَّاس تبع لقريش فِي هَذَا الشَّأْن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم
وَالنَّاس معادن خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا)
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ أخرج البُخَارِيّ عَن مُعَاوِيَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش لَا يعاديهم أحد إِلَّا أكبه الله على وَجهه فِي النَّار)
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق الْقوس وأمان لأهل الأَرْض من الِاخْتِلَاف الْمُوَالَاة لقريش قُرَيْش أهل الله فَإِذا خالفتها قَبيلَة من الْعَرَب صَارُوا حزب إِبْلِيس)
والقوس هُوَ الْمَشْهُور بقوس قزَح سمي بِهِ لِأَنَّهُ أول مَا رئي فِي الْجَاهِلِيَّة على قزَح جبل بِالْمُزْدَلِفَةِ أَو لِأَن قزَح هُوَ الشَّيْطَان وَمن ثمَّ قَالَ عَليّ لَا تقل قَوس قزَح قزَح هُوَ الشَّيْطَان وَلكنهَا قَوس الله تَعَالَى هِيَ عَلامَة كَانَت بَين نوح
على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبَين ربه ﷿ وَهِي أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أخرج ابْن عَرَفَة الْعَبْدي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَحبُّوا قُريْشًا فَإِن من أحبهم أحبه الله)
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أخرج مُسلم
وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا عَن وَاثِلَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الله اصْطفى كنَانَة من بني إِسْمَاعِيل وَاصْطفى من بني كنَانَة قُريْشًا وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم وَاصْطَفَانِي من بني هَاشم)
وَفِي رِوَايَة (إِن الله اصْطفى من ولد آدم إِبْرَاهِيم واتخذه خَلِيلًا وَاصْطفى من ولد إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل ثمَّ اصْطفى من ولد إِسْمَاعِيل نزارا ثمَّ اصْطفى من نزار مُضر ثمَّ اصْطفى من مُضر كنَانَة ثمَّ اصْطفى من كنَانَة قُريْشًا ثمَّ اصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم ثمَّ اصْطفى من بني هَاشم بني عبد الْمطلب ثمَّ اصطفاني من بني عبد الْمطلب)
الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد بِسَنَد جيد عَن الْعَبَّاس قَالَ بلغ
رَسُول الله ﷺ مَا يَقُول النَّاس فَصَعدَ الْمِنْبَر فَقَالَ (من أَنا) قَالُوا أَنْت رَسُول الله فَقَالَ (أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب إِن الله خلق الْخلق فجعلني من خير خلقه وجعلهم فرْقَتَيْن فجعلني من خَيرهمْ فرقة وَجعل الْقَبَائِل فجعلني من خَيرهمْ قَبيلَة وجعلهم بُيُوتًا فجعلني من خَيرهمْ بَيْتا فَأَنا خَيركُمْ بَيْتا وَأَنا خَيركُمْ نفسا)
الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد والمحاملي والمخلص والذهبي وَغَيرهم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (قَالَ جِبْرِيل ﵇ قلبت مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَلم أجد رجلا أفضل من مُحَمَّد ﷺ وقلبت الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا فَلم أجد بني أَب أفضل من بني هَاشم)
الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن سعد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من يرد هوان قُرَيْش أهانه الله)
الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد وَمُسلم عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (النَّاس تبع لقريش فِي الْخَيْر)
الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أما بعد يَا معشر قُرَيْش فَإِنَّكُم أهل هَذَا الْأَمر مَا لم تعصوا الله فَإِذا عصيتموه بعث الله عَلَيْكُم من يلحاكم كَمَا يلحى هَذَا الْقَضِيب)
الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد وَمُسلم عَن مُعَاوِيَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش لَا يعاديهم أحد إِلَّا أكبه الله مَا أَقَامُوا الدسن
الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ أخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ والضياء عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَلَهُم عَلَيْكُم حق وَلكم مثل ذَلِك مَا إِن استرحموا رحموا وَإِن استحكموا عدلوا وَإِن عَاهَدُوا وفوا فَمن لم يفعل ذَلِك مِنْهُم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا)
الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن جَابر بن سَمُرَة أَن النَّبِي ﷺ
قَالَ (يكون بعدِي اثْنَا عشر أَمِيرا كلهم من قُرَيْش)
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ أخرج الْحسن بن سُفْيَان وَأَبُو نعيم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَعْطَيْت قُرَيْش مَا لم يُعْط النَّاس أعْطوا مَا أمْطرت السَّمَاء وَمَا جرت بِهِ الْأَنْهَار وَمَا سَالَتْ بِهِ السُّيُول)
الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ أخرج الْخَطِيب وَابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ اهد قُريْشًا فَإِن عالمها يمْلَأ طباق الأَرْض علما اللَّهُمَّ كَمَا أذقتهم عذَابا فاذقهم نوالا)
وَهَذَا الْعَالم هُوَ الشَّافِعِي ﵁ كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره لِأَنَّهُ لم يحفظ لقريش من انْتَشَر علمه فِي الْآفَاق مَا حفظ الشَّافِعِي
الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ أخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش أبرارها أُمَرَاء أبرارها وفجارها أُمَرَاء فجارها وَإِن امرت عَلَيْكُم قُرَيْش عبدا حَبَشِيًّا مجدعا فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا مَا لم يُخَيّر أحدكُم بَين إِسْلَامه وَضرب عُنُقه فَإِن خير بَين إِسْلَام أى تَركه وَضرب عُنُقه فليقدم عُنُقه)
الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ أخرج أَحْمد وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (انْظُرُوا قُريْشًا فَخُذُوا من قَوْلهم وذروا فعلهم)
الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أم هانىء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فضل الله قُريْشًا بِسبع خِصَال لم يُعْطهَا أحدا قبلهم وَلَا يعطاها أحد بعدهمْ فضل الله قُريْشًا أَنِّي مِنْهُم وَأَن النُّبُوَّة فيهم وَأَن الحجابة فيهم وَأَن السِّقَايَة فيهم ونصرهم على الْفِيل وعبدوا الله عشر سِنِين لَا يعبده غَيرهم وَأنزل الله فيهم سُورَة من الْقُرْآن لم يذكر فِيهَا أحد غَيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾)
وَفِي رِوَايَة للطبراني (فضل الله قُريْشًا بِسبع خِصَال فَضلهمْ بِأَنَّهُم عبدُوا الله عشر سِنِين لم يعبد الله إِلَّا قرشي وفضلهم بِأَن نَصرهم يَوْم الْفِيل وهم مشركون وفضلهم بِأَن نزلت فيهم سُورَة من الْقُرْآن لم يدْخل فِيهَا أحد غَيرهم من الْعَالمين وَهِي ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ وفضلهم بِأَن فيهم النُّبُوَّة والخلافة والحجابة والسقاية)
Translation
الفصل الثاني في سرد أحاديث واردة في أهل البيت ومر أكثر هذا في الفصل الأول ولكن قصدت سردها في هذا الفصل ليكون ذلك أسرع لاستحضارها
#52 Chapter 52 — الفصل الثالث في الأحاديث الواردة في بعض أهل البيت كفاطمة وولديها ﵃ · ref. #52
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي بعض أهل الْبَيْت كفاطمة وولديها ﵃

الحَدِيث الأول أخرج أَبُو بكر فِي الغيلانيات عَن أبي أَيُّوب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد من بطْنَان الْعَرْش يَا أهل الْجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حَتَّى تمر فَاطِمَة بنت مُحَمَّد على الصِّرَاط فتمر مَعَ سبعين ألف جَارِيَة من الْحور الْعين كمر الْبَرْق)
الحَدِيث الثَّانِي أخرج أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي مُنَاد من بطْنَان الْعَرْش أَيهَا النَّاس غضوا أبصاركم حَتَّى تجوز فَاطِمَة إِلَى الْجنَّة)
الحَدِيث الثَّالِث أخرج أَحْمد والشيخان وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن
الْمسور بن مخرمَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة اسْتَأْذنُوا أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب فَلَا آذن ثمَّ لَا آذن يثم لَا آذن إِلَّا أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي وينكح ابنتهم فَإِنَّمَا هِيَ بضعَة مني يريبني مايريبها وَيُؤْذِينِي مَا يؤذيها)
الحَدِيث الرَّابِع أخرج الشَّيْخَانِ عَن فَاطِمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا (إِن جِبْرِيل كَانَ يعارضني الْقُرْآن كل سنة مرّة وَإنَّهُ عارضني الْعَام مرَّتَيْنِ وَلَا أرَاهُ إِلَّا حضر أَجلي وَإنَّك أول أهل بَيْتِي لحَاقًا بِي فاتقي الله واصبري فَإِنَّهُ نعم السّلف أَنا لَك)
الحَدِيث الْخَامِس أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن ابْن الزبير ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني يُؤْذِينِي مَا آذاها وينصبني مَا أنصبها)
الحَدِيث السَّادِس أخرج الشَّيْخَانِ عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا (يَا فَاطِمَة أَلا ترْضينَ أَن تَكُونِي سيدة نسَاء الْمُؤمنِينَ)
الحَدِيث السَّابِع أخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن أُسَامَة بن زيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أحب أَهلِي إِلَيّ فَاطِمَة)
الحَدِيث الثَّامِن أخرج الْحَاكِم عَن أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة إِلَّا مَرْيَم بنت عمرَان)
الحَدِيث التَّاسِع عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَلي (فَاطِمَة أحب إِلَيّ مِنْك وَأَنت أعز عَليّ مِنْهَا)
الحَدِيث الْعَاشِر أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد وَالطَّبَرَانِيّ عَن عمر وَعَن عَليّ وَعَن جَابر وَعَن أبي هُرَيْرَة وَعَن أُسَامَة بن زيد وَعَن الْبَراء وَابْن عدي عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة)
الحَدِيث الْحَادِي عشر أخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ وَعَن ابْن عمر وَابْن ماجة وَالْحَاكِم عَن ابْن عمر وَالطَّبَرَانِيّ عَن قُرَّة وَعَن مَالك بن الْحُوَيْرِث وَالْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (ابناي هَذَانِ الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة وأبوهما خير مِنْهُمَا)
الحَدِيث الثَّانِي عشر أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان عَن حُذَيْفَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ (أما رَأَيْت الْعَارِض الَّذِي عرض لي قبل ذَلِك هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة لم يهْبط إِلَى الأَرْض قطّ قبل هَذِه اللَّيْلَة اسْتَأْذن ربه ﷿ أَن يسلم عَليّ ويبشرني أَن الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة وَأَن فَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة)
الحَدِيث الثَّالِث عشر أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن فَاطِمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أما حسن فَلهُ هيبتي وسؤددي وَأما حُسَيْن فَإِن لَهُ جرأتي وجودي)
الحَدِيث الرَّابِع عشر أخرج التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الْحسن وَالْحُسَيْن هما ريحانتاي من الدُّنْيَا)
الحَدِيث الْخَامِس عشر أخرج ابْن عدي وَابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن ابْني هذَيْن ريحانتاي من الدُّنْيَا)
الحَدِيث السَّادِس عشر أخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان عَن أُسَامَة بن زيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (هَذَانِ ابناي وابنا ابْنَتي اللَّهُمَّ إِنِّي أحبهما فأحبهما وَأحب من يحبهما)
الحَدِيث السَّابِع عشر أخرج أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم عَن بُرَيْدَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (صدق الله وَرَسُوله ﴿أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ نظرت إِلَى هذَيْن الصَّبِيَّيْنِ يمشيان ويعثران فَلم أَصْبِر حَتَّى قطعت حَدِيثي ورفعتهما)
الحَدِيث الثَّامِن عشر أخرج أَبُو دَاوُد عَن الْمِقْدَاد بن معد يكرب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (هَذَا مني يَعْنِي الْحسن وحسين من عَليّ)
الحَدِيث التَّاسِع عشر أخرج البُخَارِيّ وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ
وَالْحَاكِم عَن أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة إِلَّا ابْني الْخَالَة عِيسَى ابْن مَرْيَم وَيحيى بن زَكَرِيَّا وَفَاطِمَة سيدة نسَاء أهل الْجنَّة إِلَّا مَا كَانَ من مَرْيَم)
الحَدِيث الْعشْرُونَ أخرج أَحْمد وَابْن عَسَاكِر عَن الْمِقْدَاد بن معد يكرب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْحسن مني وَالْحُسَيْن من عَليّ)
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الْحسن وَالْحُسَيْن شنفا الْعَرْش وليسا بمعلقين)
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين) يَعْنِي الْحسن
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أخهرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة عَن يعلى بن مرّة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (حُسَيْن مني وَأَنا مِنْهُ أحب الله من أحب حُسَيْنًا الْحسن وَالْحُسَيْن سبطان من الأسباط)
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أخرج التِّرْمِذِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أحب أهل بَيْتِي إِلَيّ الْحسن وَالْحُسَيْن)
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أخرج أَحْمد وَابْن ماجة وَالْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من أحب الْحسن وَالْحُسَيْن فقد أَحبَّنِي وَمن أبغضهما فقد أبغضني)
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أخرج ابو يعلى عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من سره أَن ينظر إِلَى سيد شباب أهل الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى الْحُسَيْن)
الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ أخرج الْبَغَوِيّ وَعبد الْغَنِيّ فِي الْإِيضَاح عَن سلمَان ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (سمى هَارُون ابنيه شبْرًا وشبيرا وَإِنِّي سميت ابْني الْحسن وَالْحُسَيْن بِمَا سمى بِهِ هَارُون ابنيه)
وَأخرج ابْن سعد عَن عمرَان أَن ابْن سُلَيْمَان قَالَ الْحسن وَالْحُسَيْن من
أَسمَاء أهل الْجنَّة مَا سميت الْعَرَب بهما فِي الْجَاهِلِيَّة
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ أخرج ابْن سعد وَالطَّبَرَانِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَخْبرنِي جِبْرِيل أَن ابْني الْحُسَيْن يقتل بعدِي بِأَرْض الطف وَجَاءَنِي بِهَذِهِ التربة فَأَخْبرنِي أَن فِيهَا مضجعه)
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أخرج أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم عَن أم الْفضل بنت الْحَارِث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَتَانِي جِبْرِيل فَأَخْبرنِي أَن أمتِي ستقتل ابْني هَذَا يَعْنِي الْحُسَيْن وأتاني بتربة من تربته حَمْرَاء)
وَأخرج أَحْمد (لقد دخل عَليّ الْبَيْت ملك لم يدْخل عَليّ قبلهَا فَقَالَ لي إِن ابْنك هَذَا حُسَيْنًا مقتول وَإِن شِئْت أريتك من تربة الأَرْض الَّتِي يقتل بهَا قَالَ فَأخْرج تربة حَمْرَاء)
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أخرج الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه من حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اسْتَأْذن ملك الْقطر ربه أَن يزورني فَأذن لَهُ) وَكَانَ فِي يَوْم أم سَلمَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا أم سَلمَة احفظي علينا الْبَاب لَا يدْخل أحد) فَبينا هِيَ
على الْبَاب إِذْ دخل الْحُسَيْن فاقتحم فَوَثَبَ على رَسُول الله ﷺ فَجعل رَسُول الله ﷺ يلثمه ويقبله فَقَالَ لَهُ الْملك أَتُحِبُّهُ قَالَ نعم قَالَ إِن أمتك ستقتله وَإِن شِئْت أريك الْمَكَان الَّذِي يقتل بِهِ فَأرَاهُ فجَاء بسهلة أَو تُرَاب فَأَخَذته أم سَلمَة فَجَعَلته فِي ثوبها
قَالَ ثَابت كُنَّا نقُول إِنَّهَا كربلاء
وَأخرجه أَيْضا أَبُو حَاتِم فِي صَحِيحه وروى أَحْمد نَحوه وروى عبد بن حميد وَابْن احْمَد نَحوه أَيْضا لَكِن فِيهِ أَن الْملك جِبْرِيل فَإِن صَحَّ فهما وَاقِعَتَانِ وَزَاد الثَّانِي أَيْضا أَنه ﷺ شمها وَقَالَ (ريح كرب وبلاء) والسهلة بِكَسْر أول رمل خشن لَيْسَ بالدقاق الناعم
وَفِي رِوَايَة الملا وَابْن أَحْمد فِي زِيَادَة الْمسند قَالَت ثمَّ ناولني كفا من تُرَاب أَحْمَر وَقَالَ (إِن هَذَا من تربة الأَرْض الَّتِي يقتل بهَا فَمَتَى صَار دَمًا فاعلمي أَنه قد قتل) قَالَت أم سَلمَة فَوَضَعته فِي قَارُورَة عِنْدِي وَكنت أَقُول إِن يَوْمًا يتَحَوَّل فِيهِ دَمًا ليَوْم عَظِيم
وَفِي رِوَايَة عَنْهَا فَأَصَبْته يَوْم قتل الْحُسَيْن وَقد صَار دَمًا
وَفِي أُخْرَى ثمَّ قَالَ يَعْنِي جِبْرِيل أَلا أريك تربة مَقْتَله فجَاء بحصيات فجعلهن رَسُول الله ﷺ
فِي قَارُورَة
قَالَت أم سَلمَة فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة قتل الْحُسَيْن سَمِعت قَائِلا يَقُول
(أَيهَا القاتلون جهلا حُسَيْنًا ... أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ والتذليل)
(قد لعنتم على لِسَان ابْن دَاوُد ... ومُوسَى وحامل الْإِنْجِيل)
قَالَت فَبَكَيْت وَفتحت القارورة فَإِذا الحصيات قد جرت دَمًا
وَأخرج ابْن سعد عَن الشّعبِيّ قَالَ مر عَليّ ﵁ بكربلاء عِنْد مسيره إِلَى صفّين وحاذى نِينَوَى قَرْيَة على الْفُرَات فَوقف وَسَأَلَ عَن اسْم هَذِه الأَرْض فَقيل كربلاء فَبكى حَتَّى بل الأَرْض من دُمُوعه ثمَّ قَالَ دخلت على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يبكي فَقلت مَا يبكيك قَالَ (كَانَ عِنْدِي جِبْرِيل آنِفا وَأَخْبرنِي أَن وَلَدي الْحُسَيْن يقتل بشاطىء الْفُرَات بِموضع يُقَال لَهُ كربلاء ثمَّ قبض جِبْرِيل قَبْضَة من تُرَاب شمني إِيَّاه فَلم أملك عَيْني أَن فاضتا)
وَرَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا عَن عَليّ قَالَ دخلت على النَّبِي ﷺ الحَدِيث
وروى الملا أَن عليا مر بِقَبْر الْحُسَيْن فَقَالَ هَهُنَا مناخ رِكَابهمْ وَهَهُنَا مَوضِع رحالهم وَهَهُنَا مهراق دِمَائِهِمْ فتية من آل مُحَمَّد يقتلُون بِهَذِهِ الْعَرَصَة تبْكي عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض
وَأخرج أَيْضا أَنه ﷺ كَانَ لَهُ مشربَة درجتها فِي حجرَة عَائِشَة يرقى إِلَيْهَا إِذا ٠٠
أَرَادَ لَقِي جِبْرِيل فرقى إِلَيْهَا وَأمر عَائِشَة أَن لَا يطلع إِلَيْهَا أحد فرقى حُسَيْن وَلم تعلم بِهِ فَقَالَ جِبْرِيل من هَذَا قَالَ ابْني فأذخه رَسُول الله ﷺ فَجعله على فَخذه فَقَالَ جِبْرِيل ستقتله أمتك فَقَالَ ﷺ أمتِي قَالَ نعم وَإِن شِئْت أَخْبَرتك الأَرْض الَّتِي يقتل فِيهَا فَأَشَارَ جريل بِيَدِهِ إِلَى الطف بالعراق فَأخذ مِنْهَا تربة حَمْرَاء فَأرَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ هَذِه من تربة مصرعه
وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَن أم سَلمَة رَأَتْ النَّبِي ﷺ باكيا وبرأسه ولحيته التُّرَاب فَسَأَلته فَقَالَ (قتل الْحُسَيْن آنِفا)
وَكَذَلِكَ رَآهُ ابْن عَبَّاس نصف النَّهَار أَشْعَث أغبر بِيَدِهِ قَارُورَة فِيهَا دم يلتقطه فَسَأَلَهُ فَقَالَ (دم الْحُسَيْن واصحابه لم أزل أتتبعه مُنْذُ الْيَوْم) فنظروا فوجدوه قد قتل فِي ذَلِك الْيَوْم
فاستشهد الْحُسَيْن كَمَا قَالَ لَهُ ﷺ بكربلاء من أَرض الْعرَاق بِنَاحِيَة الْكُوفَة وَيعرف الْموضع أَيْضا بالطف قَتله سِنَان بن أنس النَّخعِيّ وَقيل غَيره يَوْم الْجُمُعَة عَاشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَله سِتّ وَخَمْسُونَ سنة وَأشهر
وَلما قَتَلُوهُ بعثوا بِرَأْسِهِ إِلَى يزِيد فنزلوا أول مرحلة فَجعلُوا يشربون بِالرَّأْسِ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ خرجت عَلَيْهِ من الْحَائِط يَد مَعهَا قلم من حَدِيد فَكتبت سطر بِدَم
(أترجو أمة قتلت حُسَيْنًا ... شَفَاعَة جده يَوْم الْحساب)
فَهَرَبُوا وَتركُوا الرَّأْس
أخرجه مَنْصُور بن عمار
وَذكر غَيره أَن هَذَا الْبَيْت وجد بِحجر قبل مبعثه ﷺ بثلاثمائة سنة وَأَنه مَكْتُوب فِي كَنِيسَة من أَرض الرّوم لَا يدرى من كتبه
وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كتاب دَلَائِل النُّبُوَّة فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مَمْلُوءَة دَمًا
وَكَذَا رُوِيَ فِي أَحَادِيث غير هَذِه
وَمِمَّا ظهر يَوْم قَتله من الْآيَات أَيْضا أَن السَّمَاء اسودت اسودادا عَظِيما حَتَّى رؤيت النُّجُوم نَهَارا وَلم يرفع حجر إِلَّا وجد تَحْتَهُ دم عبيط
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَن الورس الَّذِي كَانَ فِي عَسْكَرهمْ تحول رَمَادا وَكَانَ فِي قافلة من الْيمن تُرِيدُ الْعرَاق فوافيتهم حِين قَتله
وَحكى ابْن عُيَيْنَة عَن جدته أَن جمالا مِمَّن انْقَلب ورسه رَمَادا أخبرنَا بذلك ونحروا نَاقَة فِي عَسْكَرهمْ فَكَانُوا يرَوْنَ فِي لَحمهَا مثل الفيران فطبخوها فصارات مثل العلقم وَأَن السَّمَاء احْمَرَّتْ لقَتله وانكسفت الشَّمْس حَتَّى بَدَت الْكَوَاكِب نصف النَّهَار وَظن النَّاس أَن الْقِيَامَة قد قَامَت وَلم يرفع حجر فِي الشَّام إِلَّا رُؤِيَ تَحت دم عبيط
وَأخرج عُثْمَان بن أبي شيبَة أَن السَّمَاء مكثت بعد قَتله سَبْعَة أَيَّام ترى على الْحِيطَان كَأَنَّهَا ملاحف معصفرة من شدَّة حمرتها وَضربت الْكَوَاكِب بَعْضهَا بَعْضًا
وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ عَن ابْن سِيرِين أَن الدُّنْيَا أظلمت ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ ظَهرت الْحمرَة فِي السَّمَاء
وَقَالَ أَبُو سعيد مَا رفع حجر من الدُّنْيَا إِلَّا وجد تَحْتَهُ دم عبيط وَلَقَد مطرَت السَّمَاء دَمًا بَقِي أَثَره فِي الثِّيَاب مُدَّة حَتَّى تقطعت
واخرج الثَّعْلَبِيّ وَأَبُو نعيم مَا مر من أَنهم مُطِرُوا دَمًا
زَاد أَبُو نعيم فأصبحنا
وحبابنا وجرارنا مملوءه دَمًا
وَفِي رِوَايَة أَنه مطر كَالدَّمِ على الْبيُوت والجدر بخراسان وَالشَّام والكوفة وَأَنه لما جِيءَ بِرَأْس الْحُسَيْن إِلَى دَار زِيَاد سَأَلت حيطانها دَمًا
وَأخرج الثَّعْلَبِيّ أَن السَّمَاء بَكت وبكاؤها حمرتها
وَقَالَ غَيره احْمَرَّتْ آفَاق السَّمَاء سِتَّة أشهر بعد قَتله ثمَّ لَا زَالَت الْحمرَة ترى بعد ذَلِك وَأَن ابْن سِيرِين قَالَ أخبرنَا أَن الْحمرَة لم تَرَ فِي السَّمَاء قبل قَتله
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وحكمته أَن غضبنا يُؤثر حمرَة الْوَجْه وَالْحق منزه عَن الجسمية فأظهر تَأْثِير غَضَبه على من قتل الْحُسَيْن بحمرة الْأُفق إِظْهَارًا لعظم الْجِنَايَة
قَالَ وأنين الْعَبَّاس وَهُوَ ماسور ببدر منع النَّبِي ﷺ النّوم فَكيف بأنين الْحُسَيْن وَلما أسلم وَحشِي قَاتل حَمْزَة قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (غيب وَجهك عني فَإِنِّي لَا أحب أَن أرى من قتل الْأَحِبَّة)
قَالَ وَهَذَا وَالْإِسْلَام يجب مَا قبله فَكيف بِقَلْبِه ﷺ أَن يرى من ذبح الْحُسَيْن وَأمر بقتْله وَحمل أَهله على أقتاب الْجمال وَمَا مر من أَنه لم يرفع حجر فِي الشَّام أَو الدُّنْيَا إِلَّا رُؤِيَ تَحْتَهُ دم عبيط وَقع يَوْم قتل عَليّ أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ حكى عَن الزُّهْرِيّ أَنه قدم الشَّام يُرِيد الْغَزْو فَدخل على عبد الْملك فَأخْبرهُ أَنه يَوْم قتل عَليّ لم يرفع حجر من بَيت الْمُقَدّس إِلَّا وجد تَحت دم ثمَّ قَالَ لَهُ لم يبْق من يعرف هَذَا غَيْرِي
وَغَيْرك فَلَا تخبر بِهِ
قَالَ فَمَا أخْبرت بِهِ إِلَّا بعد مَوته
وَحكى عَنهُ أَيْضا أَن غير عبد الْملك أخبر بذلك أَيْضا
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالَّذِي صَحَّ عَنهُ أَن ذَلِك حِين قتل الْحُسَيْن وَلَعَلَّه وجد عِنْد قَتلهمَا جَمِيعًا
انْتهى
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَن جمعا تَذَاكَرُوا أَنه مَا من أحد اعان على قتل الْحُسَيْن إِلَّا أَصَابَهُ بلَاء قبل أَن يَمُوت فَقَالَ شيخ أَنا أعنت وَمَا أصابني شَيْء
فَقَامَ ليصلح السراج فَأَخَذته النَّار فَجعل يُنَادي النَّار النَّار وانغمس فِي الْفُرَات وَمَعَ ذَلِك فَلم يزل بِهِ حَتَّى مَاتَ
وَأخرج مَنْصُور بن عمار أَن بَعضهم ابْتُلِيَ بالعطش وَكَانَ يشرب رِوَايَة وَلَا يرْوى وَبَعْضهمْ طَال ذكره حَتَّى كَانَ إِذا ركب الْفرس لواه على عُنُقه كَأَنَّهُ حَبل
وَنقل سبط ابْن الْجَوْزِيّ عَن السّديّ أَنه أَضَافَهُ رجل بكربلاء فتذاكروا أَنه
مَا شَارك أحد فِي دم الْحُسَيْن إِلَّا ى مَاتَ أقبح موتَة فكذب المضيف بذلك وَقَالَ إِنَّه مِمَّن حضر فَقَامَ آخر اللَّيْل يصلح السراج فَوَثَبت النَّار فِي جسده فَأَحْرَقتهُ
قَالَ السّديّ فَأَنا وَالله رَأَيْته كَأَنَّهُ حميمة
وَعَن الزُّهْرِيّ لم يبْق مِمَّن قَتله إِلَّا من عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا إِمَّا بقتل أَو عمى اَوْ سَواد الْوَجْه أَو زَوَال الْملك فِي مُدَّة يسيرَة
وَحكى سبط ابْن الْجَوْزِيّ عَن الْوَاقِدِيّ أَن شَيخا حضر قَتله فَقَط فَعميَ فَسئلَ عَن سَببه فَقَالَ إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ حاسرا عَن ذِرَاعَيْهِ وَبِيَدِهِ سيف وَبَين يَدَيْهِ نطع وَرَأى عشرَة من قاتلي الْحُسَيْن مذبوحين بَين يَدَيْهِ ثمَّ لَعنه وسبه بتكثيره سوادهم ثمَّ أكحله بمرود من دم الْحُسَيْن فَأصْبح أعمى
وَأخرج أَيْضا أَن شخصا مِنْهُم علق فِي لبب فرسه رَأس الْحُسَيْن بن عَليّ فرؤي بعد ايام وَوَجهه أَشد سوادا من القار
فَقيل لَهُ إِنَّك كنت أَنْضَرُ الْعَرَب وَجها فَقَالَ مَا مرت عَليّ لَيْلَة من حِين حملت تِلْكَ الرَّأْس إِلَّا وَاثْنَانِ يأخذان بضبعي ثمَّ ينتهيان بِي إِلَيّ نَار تأجج فيدفعاني فِيهَا وَأَنا أنكص فتسفعني كَمَا ترى ثمَّ مَاتَ على أقبح حَاله
وَأخرج أَيْضا أَن شَيخا رأى النَّبِي ﷺ فِي النّوم وَبَين يَدَيْهِ طست فِيهَا دم وَالنَّاس يعرضون عَلَيْهِ فيلطخهم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَيْهِ فَقلت مَا حضرت
فَقَالَ لي هويت فَأَوْمأ إِلَيّ بإصبعه فَأَصْبَحت أعمى
وَمر أَن أَحْمد روى أَن شخصا قَالَ قتل الله الْفَاسِق ابْن الْفَاسِق الْحُسَيْن فَرَمَاهُ الله بكوكبين فِي عَيْنَيْهِ فَعميَ
وَذكر الْبَارِزِيّ عَن الْمَنْصُور أَنه رأى رجلا بِالشَّام وَجهه وَجه خِنْزِير فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنَّه كَانَ يلعن عليا كل يَوْم ألف مرّة وَفِي الْجُمُعَة ألف مرّة وَأَوْلَاده مَعَه فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ وَذكر مناما طَويلا من جملَته أَن الْحسن شكاه إِلَيْهِ فلعنه ثمَّ بَصق فِي وَجهه فَصَارَ مَوضِع بصاقه خنزيرا وَصَارَ آيَة للنَّاس
وَأخرج الملا عَن أم سَلمَة أَنَّهَا سَمِعت نوح الْجِنّ على الْحُسَيْن
وَابْن سعد عَنْهَا أَنَّهَا بَكت عَلَيْهِ حَتَّى غشي عَلَيْهَا
وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر أَنه سَأَلَهُ رجل عَن دم البعوض طَاهِر أَو لَا فَقَالَ لَهُ مِمَّن أَنْت قَالَ من أهل الْعرَاق
فَقَالَ انْظُرُوا إِلَى هَذَا يسألني عَن دم البعوض وَقد قتلوا ابْن النَّبِي ﷺ وَقد سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (هما ريحانتاي من الدُّنْيَا)
وَسبب مخرجه ﵁ أَن يزِيد لما اسْتخْلف سنة سِتِّينَ أرسل لعامله بِالْمَدِينَةِ أَن يَأْخُذ لَهُ الْبيعَة على الْحُسَيْن ففر لمَكَّة خوفًا على نَفسه فَسمع بِهِ أهل الْكُوفَة فأرسلوا إِلَيْهِ أَن يَأْتِيهم ليبايعوه ويمحو عَنْهُم مَا هم فِيهِ من الْجور فَنَهَاهُ ابْن عَبَّاس وَبَين لَهُ غدرهم وقتلهم لِأَبِيهِ وخذلانهم لِأَخِيهِ فابى فَنَهَاهُ أَن لَا يذهب بأَهْله فَأبى فَبكى ابْن عَبَّاس وَقَالَ واحبيباه واحسيناه
وَقَالَ لَهُ ابْن عمر نَحْو ذَلِك فَأبى فَبكى ابْن عمر وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ أستودعك الله من قَتِيل
وَنَهَاهُ ابْن الزبير أَيْضا فَقَالَ لَهُ حَدثنِي أبي إِن لمَكَّة كَبْشًا بِهِ يسْتَحل حرمتهَا فَمَا أحب أَن أكون أَنا ذَلِك الْكَبْش
وَمر قَول أَخِيه الْحسن لَهُ إياك وسفهاء الْكُوفَة أَن يستخفوك فيخرجوك ويسلموك فتندم ولات حِين مناص وَقد تذكر ذَلِك لَيْلَة قَتله فترحم على أَخِيه الْحسن ﵄ وَلما بلغ مسيره أَخَاهُ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة كَانَ بَين يَدَيْهِ طست يتَوَضَّأ فِيهِ فَبكى حَتَّى ملأَهُ من دُمُوعه وَلم يبْق بِمَكَّة إِلَّا من حزن لمسيره
وَقدم أَمَامه مُسلم بن عقيل فَبَايعهُ من أهل الْكُوفَة اثْنَا عشر ألفا
وَقيل أَكثر من ذَلِك وَأمر يزِيد ابْن زِيَاد فجَاء إِلَيْهِ وَقَتله وَأرْسل بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ فشكره وحذره من الْحُسَيْن وَلَقي الْحُسَيْن فِي مسيره الفرزدق فَقَالَ لَهُ بَين لي خبر النَّاس
فَقَالَ أجل على الْخَبِير سَقَطت يَا ابْن رَسُول الله ﷺ قُلُوب النَّاس مَعَك
وَسُيُوفهمْ مَعَ بني أُميَّة وَالْقَضَاء ينزل من السَّمَاء وَالله يفعل مَا يَشَاء
وَسَار الْحُسَيْن وَهُوَ على غير علم بِمَا جرى لمُسلم حَتَّى كَانَ على ثَلَاث من الْقَادِسِيَّة تَلقاهُ الْحر بن يزِيد التَّمِيمِي فَقَالَ ارْجع فَمَا تركت لَك خَلْفي خيرا ترجوه وَأخْبرهُ الْخَبَر وقدوم ابْن زِيَاد واستعداده لَهُ فهم بِالرُّجُوعِ بِالرُّجُوعِ فَقَالَ أَخُو مُسلم وَالله لَا نرْجِع حَتَّى نصيب بثأرنا أَو نقْتل فَقَالَ لَا خير فِي الْحَيَاة بعدكم ثمَّ سَار فَلَقِيَهُ أَوَائِل خيل ابْن زِيَاد فَعدل إِلَى كربلاء ثامن الْمحرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَكَانَ لما شَارف الْكُوفَة سمع بِهِ أميرها عبيد الله بن زِيَاد فَجهز إِلَيْهِ عشْرين ألف مقَاتل فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ التمسوا مِنْهُ نُزُوله على حكم ابْن زِيَاد وبيعته ليزِيد فابى فقاتلوه وَكَانَ أَكثر الخارجين لقتاله الَّذين كاتبوه وَبَايَعُوهُ ثمَّ لما جَاءَهُم أخلفوه وفروا عَنهُ إِلَى أعدائه إيثارا للسحت العاجل على الْخَيْر الآجل
فحارب أُولَئِكَ الْعدَد الْكثير وَمَعَهُ من إخْوَته وَأَهله نَيف وَثَمَانُونَ نفسا فَثَبت فِي ذَلِك الْموقف ثباتا باهرا مَعَ كَثْرَة أعدائه وعددهم ووصول سِهَامهمْ ورماحهم إِلَيْهِ
وَلما حمل عَلَيْهِم وسيفه مصلت فِي يَده أنْشد يَقُول
(أَنا ابْن عَليّ الحبر من آل هَاشم ... كفاني بِهَذَا مفخرا حِين أَفْخَر)
(وجدي رَسُول الله أكْرم من مَشى ... وَنحن سراج الله فِي النَّاس يزهر)
(وَفَاطِمَة أُمِّي سلالة أَحْمد ... وَعمي يدعى ذَا الجناحين جَعْفَر)
(وَفينَا كتاب الله أنزل صَادِقا ... وَفينَا الْهدى وَالْوَحي وَالْخَيْر يذكر)
وَلَوْلَا مَا كادوه بِهِ من أَنهم حالوا بَينه وَبَين المَاء لم يقدروا عَلَيْهِ إِذْ هُوَ الشجاع القرم الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يتَحَوَّل
وَلما منعُوهُ وَأَصْحَابه المَاء ثَلَاثًا قَالَ لَهُ بَعضهم انْظُر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ كبد السَّمَاء لَا تذوق مِنْهُ قَطْرَة حَتَّى تَمُوت عطشا
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن اللَّهُمَّ اقتله عطشا
فَلم يرو مَعَ كَثْرَة شربه للْمَاء حَتَّى مَاتَ عطشا
ودعا الْحُسَيْن بِمَاء ليشربه فحال رجل بَينه وَبَينه بِسَهْم ضربه فَأصَاب حنكه فَقَالَ اللَّهُمَّ أظمئه
فَصَارَ يَصِيح الْحر فِي بَطْنه وَالْبرد فِي ظَهره وَبَين يَدَيْهِ الثلَّة والمراوح وَخَلفه الكافور وَهُوَ يَصِيح الْعَطش فَيُؤتى بسويق وَمَاء وَلبن لَو شربه خَمْسَة لكفاهم فيشربه ثمَّ يَصِيح فيسقى كَذَلِك إِلَى أَن انقد بَطْنه
وَلما استحر الْقَتْل باهله فَإِنَّهُم لَا يزَالُوا يقتلُون مِنْهُم وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى قتلوا مَا يزِيد على الْخمسين صَاح الْحُسَيْن أما ذاب يذب عَن حَرِيم رَسُول الله ﷺ فَحِينَئِذٍ خرج يزِيد بن الْحَارِث الريَاحي من عَسْكَر أعدائه رَاكِبًا فرسه وَقَالَ يَا ابْن بنت رَسُول الله لَئِن كنت أول من خرج عَلَيْك فإنني الْآن من حزبك لعَلي أنال بذلك شَفَاعَة جدك
ثمَّ قَاتل بَين يَدَيْهِ حَتَّى قتل فَحمل عَلَيْهِ جمع
كَثِيرُونَ مِنْهُم حالوا بَينه وَبَين حريمه فصاح كفوا سفهاءكم عَن الْأَطْفَال وَالنِّسَاء
فكفوا ثمَّ لم يزل يقاتلهم حَتَّى أثخنوه بالجراح وَسقط إِلَى الأَرْض فحزوا رَأسه يَوْم عَاشُورَاء عَام إِحْدَى وَسِتِّينَ وَلما وضع بَين يَدي عبيد الله بن زِيَاد أنْشد قَاتله
(املأ ركابي فضَّة وذهبا ... فقد قتلت الْملك المحجبا)
(وَمن يُصَلِّي الْقبْلَتَيْنِ فِي الصِّبَا ... وَخَيرهمْ إِذْ يذكرُونَ النسبا)
(قتلت خير النَّاس أما وَأَبا ...)
فَغَضب ابْن زِيَاد من قَوْله وَقَالَ إِذا علمت ذَلِك فَلم قتلته وَالله لَا نلْت مني خيرا ولألحقنك بِهِ
ثمَّ ضرب عُنُقه
وَقتل مَعَه من اخوته وَبني أَخِيه الْحسن وَمن أَوْلَاد جَعْفَر وَعقيل تِسْعَة عشر رجلا وَقيل أحد وَعِشْرُونَ
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ مَا كَانَ على وَجه الأَرْض يَوْمئِذٍ لَهُم شَبيه
وَلما حمل رَأسه لِابْنِ زِيَاد جعله فِي طست وَجعل يضْرب ثناياه بقضيب وَيَقُول بِهِ فِي أَنفه وَيَقُول مَا رَأَيْت مثل هَذَا حسنا إِن كَانَ لحسن الثغر
وَكَانَ عِنْده أنس فَبكى وَقَالَ كَانَ أشبههم برَسُول الله ﷺ
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره
وروى ابْن أبي الدُّنْيَا أَنه كَانَ عِنْده زيد بن أَرقم فَقَالَ لَهُ ارْفَعْ قضيبك فوَاللَّه لطالما رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبل مَا بَين هَاتين الشفتين
ثمَّ جعل زيد يبكي فَقَالَ ابْن زِيَاد
أبكى الله عَيْنَيْك لَوْلَا أَنَّك شيخ قد خرفت لضَرَبْت عُنُقك
فَنَهَضَ وَهُوَ يَقُول أَيهَا النَّاس أَنْتُم العبيد بعد الْيَوْم قتلتم ابْن فَاطِمَة وأمرتم ابْن مرْجَانَة وَالله ليقْتلن خياركم ويستعبدن شِرَاركُمْ فبعدا لمن رَضِي بالذلة والعار
ثمَّ قَالَ يَا ابْن زِيَاد لأحدثنك بِمَا هُوَ أَغيظ عَلَيْك من هَذَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ أقعد حسنا على فَخذه الْيُمْنَى وَحسَيْنا على فَخذه الْيُسْرَى ثمَّ وضع يَده على يافوخهما ثمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أستودعك إيَّاهُمَا وَصَالح الْمُؤمنِينَ) فَكيف كَانَت وَدِيعَة النَّبِي ﷺ عنْدك يَا ابْن زِيَاد وَقد انتقم الله من ابْن زِيَاد هَذَا فقد صَحَّ عِنْد التِّرْمِذِيّ أَنه لما جِيءَ بِرَأْسِهِ وَنصب فِي الْمَسْجِد مَعَ رُؤُوس أَصْحَابه جَاءَت حَيَّة فتخللت الرؤوس حَتَّى دخلت فِي منخره فَمَكثت هنيهة ثمَّ خرجت ثمَّ جَاءَت فَفعلت كَذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا
وَكَانَ نصبها فِي مَحل نَصبه لرأس الْحُسَيْن وفاعل ذَلِك بِهِ هُوَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد تبعه طَائِفَة من الشِّيعَة تدفعوا على خذلانهم للحسين وَأَرَادُوا غسل الْعَار عَنْهُم ففرقة مِنْهُم تبِعت الْمُخْتَار فملكوا الْكُوفَة وَقتلُوا السِّتَّة آلَاف الَّذين قَاتلُوا الْحُسَيْن أقبح القتلات وَقتل رئيسهم عمر بن سعد وَخص شمر قَاتل
الْحُسَيْن على قَول بمزيد نكال وأوطأوا الْخَيل صَدره وظهره لِأَنَّهُ فعل ذَلِك بالحسين وشكر النَّاس للمختار ذَلِك لكنه أنبأ آخرا عَن خبث قَبِيح حَتَّى زعم أَنه يُوحى إِلَيْهِ وَأَن ابْن الْحَنَفِيَّة هُوَ الْمهْدي وَلما نزل ابْن زِيَاد الْموصل فِي ثَلَاثِينَ ألفا جهز لَهُ الْمُخْتَار سنة تسع وَسِتِّينَ طَائِفَة قَتَلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابه على الْفُرَات يَوْم عَاشُورَاء وَبعث برؤوسهم للمختار فَنصبت فِي الْمحل الَّذِي نصب فِيهِ رَأس الْحُسَيْن ثمَّ حولت إِلَى مَا مر حَتَّى دَخَلتهَا تِلْكَ الْحَيَّة
وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق قَول عبد الْملك بن عُمَيْر دخلت قصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ على ابْن زِيَاد وَالنَّاس عِنْده سماطان وَرَأس الْحُسَيْن ﵁ على ترس على يَمِينه ثمَّ دخلت على الْمُخْتَار فِيهِ فَوجدت رَأس ابْن زِيَاد وَعِنْده النَّاس كَذَلِك ثمَّ دخلت على مُصعب بن الزبير فِيهِ فَوجدت رَأس الْمُخْتَار عِنْده كَذَلِك ثمَّ دخلت على عبد الْملك بن مَرْوَان فِيهِ فَوجدت عِنْده رَأس مُصعب كَذَلِك فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ لَا أَرَاك الله الْخَامِس ثمَّ أَمر بهدمه
وَلما أنزل ابْن زِيَاد رَأس الْحُسَيْن وَأَصْحَابه جهزها مَعَ سَبَايَا آل الْحُسَيْن إِلَى يزِيد فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ قيل إِنَّه ترحم عَلَيْهِ وتنكر لِابْنِ زِيَاد وَأرْسل بِرَأْسِهِ وَبَقِيَّة بنيه إِلَى الْمَدِينَة
وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره الْمَشْهُور أَنه جمع أهل الشَّام
وَجعل ينكت الرَّأْس بالخيزران وَجمع بِأَنَّهُ أظهر الأول وأخفى الثَّانِي بِقَرِينَة أَنه بَالغ فِي رفْعَة ابْن زِيَاد حَتَّى أدخلهُ على نِسَائِهِ
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا من ضرب يزِيد ثنايا الْحُسَيْن بالقضيب وَحمل آل النَّبِي ﷺ على أقتاب الْجمال أَي مُوثقِينَ فِي الحبال وَالنِّسَاء مكشفات الرؤوس وَالْوُجُوه وَذكر أَشْيَاء من قَبِيح فعله
وَلما وصلوا دمشق أقِيمُوا على درج الْجَامِع حَيْثُ يُقَام الْأُسَارَى والسبي وَقيل إِن يزِيد أرسل بِرَأْس الْحُسَيْن وَمن بَقِي من أَهله إِلَى الْمَدِينَة فَكفن رَأسه وَدفن عِنْد قبر أمه بقبة الْحسن
وَقيل أُعِيد إِلَى الجثة بكربلاء بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا من قَتله
وَقيل بل كَانَت الرَّأْس فِي خزانته لِأَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام يلاطفه ويبشره فَسَأَلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن ذَلِك فَقَالَ لَعَلَّك صنعت إِلَى آله مَعْرُوفا
قَالَ نعم وجدت رَأس الْحُسَيْن فِي خزانَة يزِيد فكسوته خَمْسَة أَثوَاب وَصليت عَلَيْهِ مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابِي وقبرته
فَقَالَ لَهُ الْحسن هُوَ ذَلِك سَبَب رِضَاهُ ﷺ عَلَيْك
فَأمر سُلَيْمَان لِلْحسنِ بجائزة سنية
وَلما فعل يزِيد بِرَأْس الْحُسَيْن مَا مر كَانَ عِنْده رَسُول قَيْصر فَقَالَ مُتَعَجِّبا إِن عندنَا فِي بعض الجزائر فِي دير حافر حمَار عِيسَى فَنحْن نحج إِلَيْهِ كل عَام من الأقطار وننذر النذور ونعظمه كَمَا تعظمون كعبتكم فَأشْهد إِنَّكُم على بَاطِل
وَقَالَ ذمِّي آخر بيني وَبَين دَاوُد سَبْعُونَ أَبَا وَإِن الْيَهُود تعظمني وتحترمني وَأَنْتُم قتلتم ابْن نَبِيكُم
وَلما كَانَت الحرس على الرَّأْس كلما نزلُوا منزلا وضعوه على رمح وحرسوه فَرَآهُ رَاهِب فِي دير فَسَأَلَ عَنهُ فعرفوه بِهِ فَقَالَ بئس الْقَوْم أَنْتُم لَو كَانَ للمسيح ولد لأسكناه أحداقنا بئس الْقَوْم أَنْتُم هَل لكم فِي عشرَة آلَاف دِينَار ويبيت الرَّأْس عِنْدِي هَذِه اللَّيْلَة
قَالُوا نعم فَأَخذه وغسله وطيبه وَوَضعه على فَخذه فَوجدَ مِنْهُ نورا صاعدا إِلَى عنان السَّمَاء وَقعد يبكي إِلَى الصُّبْح ثمَّ أسلم لِأَنَّهُ رأى نورا ساطعا من الرَّأْس إِلَى السَّمَاء ثمَّ خرج عَن الدَّيْر وَمَا فِيهِ وَصَارَ يخْدم أهل الْبَيْت
وَكَانَ مَعَ أُولَئِكَ الحرس دَنَانِير أخذوها من عَسْكَر الْحُسَيْن ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفا وعَلى أحد جَانِبي كل مِنْهَا ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾ إِبْرَاهِيم ٤٢ وعَلى الآخر ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٧ وَسَيَأْتِي فِي الخاتمة الْكَلَام فِي أَنه هَل يجوز لعن يزِيد أَو يمْتَنع وسيق حَرِيم الْحُسَيْن إِلَى الْكُوفَة كالأسارى فَبكى أهل الْكُوفَة فَجعل زين العابدين بن الْحُسَيْن يَقُول أَلا إِن هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ من أجلنا فَمن ذَا الَّذِي قتلنَا
وَأخرج الْحَاكِم من طرق مُتعَدِّدَة أَنه ﷺ قَالَ (قَالَ جِبْرِيل قَالَ الله تَعَالَى إِنِّي قتلت بِدَم يحيى بن زَكَرِيَّا سبعين الْفَا وَإِنِّي قَاتل بِدَم الْحُسَيْن بن عَليّ سبعين ألفا)
وَلم يصب ابْن الْجَوْزِيّ فِي ذكره لهَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات وَقتل هَذِه الْعدة بِسَبَبِهِ لَا يسْتَلْزم أَنَّهَا كعدد عدَّة المقاتلين لَهُ فَإِن فتنته أفضت إِلَى تعصبات ومقاتلات تفي بذلك
وزين العابدين هَذَا هُوَ الَّذِي خلف أَبَاهُ علما وزهدا وَعبادَة وَكَانَ إِذا تَوَضَّأ للصَّلَاة اصفر لَونه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَلا تَدْرُونَ بَين يَدي من أَقف
وَحكي أَنه كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ألف رَكْعَة وَحكى ابْن حمدون عَن الزُّهْرِيّ أَن عبد الْملك حمله مُقَيّدا من الْمَدِينَة بأثقلة من حَدِيد ووكل بِهِ حفظَة
فَدخل عَلَيْهِ الزُّهْرِيّ لوداعه فَبكى وَقَالَ وددت أَنِّي مَكَانك
فَقَالَ أتظن أَن ذَلِك يكربني لَو شِئْت لما كَانَ وَإنَّهُ ليذكرني عَذَاب الله ثمَّ أخرج رجلَيْهِ من الْقَيْد وَيَديه من الغل ثمَّ قَالَ لَا جزت مَعَهم على هَذَا يَوْمَيْنِ من الْمَدِينَة فَمَا مضى يَوْمَانِ إِلَّا وفقدوه حِين طلع الْفجْر وهم يَرْصُدُونَهُ فطلبوه فَلم يجدوه قَالَ الزُّهْرِيّ فَقدمت على عبد الْملك فَسَأَلَنِي عَنهُ فَأَخْبَرته فَقَالَ قد جَاءَ فِي يَوْم فَقده الأعوان فَدخل عَليّ فَقَالَ مَا أَنا وَأَنت فَقلت أقِم عِنْدِي
فَقَالَ لَا أحب ثمَّ خرج فوَاللَّه لقد امْتَلَأَ قلبِي مِنْهُ خيفة
أَي وَمن ثمَّ كتب عبد الْملك للحجاج أَن يجْتَنب دِمَاء بني عبد الْمطلب وَأمره بكتم ذَلِك فكوشف بِهِ زين العابدين فَكتب إِلَيْهِ إِنَّك كتبت للحجاج يَوْم كَذَا سرا فِي حَقنا بني عبد الْمطلب بِكَذَا وَكَذَا وَقد شكر الله لَك ذَلِك وَأرْسل بِهِ إِلَيْهِ فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ وجد تَارِيخه مُوَافقا لتاريخ كِتَابه للحجاج وَوجد مخرج الْغُلَام مُوَافقا لمخرج رَسُوله للحجاج فَعلم أَن زين العابدين كوشف بأَمْره فسر بِهِ وَأرْسل إِلَيْهِ مَعَ غُلَامه بوقر رَاحِلَته دَرَاهِم وَكِسْوَة وَسَأَلَهُ أَن لَا يخليه من صَالح دُعَائِهِ
وَأخرج أَبُو نعيم والسلفي لما احج هِشَام بن عبد الملك فِي حَيَاة أَبِيه أَو الْوَلِيد لم يُمكنهُ أَن يصل للحجر من الزحام فنصب لَهُ مِنْبَر إِلَى جَانب زَمْزَم وَجلسَ ينظر إِلَى النَّاس وَحَوله جمَاعَة من أَعْيَان أهل الشَّام فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبل زين العابدين فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْحجر تنحى لَهُ النَّاس حَتَّى اسْتَلم فَقَالَ أهل الشَّام لهشام من هَذَا قَالَ لَا أعرفهُ
مَخَافَة أَن يرغب أهل الشَّام فِي زين العابدين فَقَالَ الفرزدق أَنا أعرفهُ ثمَّ أنْشد
(هَذَا الَّذِي تعرف الْبَطْحَاء وطأته ... وَالْبَيْت يعرفهُ والحل وَالْحرم)
(هَذَا ابْن خير عباد الله كلهم ... هَذَا التقي النقي الطَّاهِر الْعلم)
(إِذا رَأَتْهُ قُرَيْش قَالَ قَائِلهَا ... إِلَى مَكَارِم هَذَا يَنْتَهِي الْكَرم)
(ينمى إِلَى ذرْوَة الْعِزّ الَّتِي قصرت ... عَن نيلها عرب الْإِسْلَام والعجم)
القصيدة الْمَشْهُورَة وَمِنْهَا
(هَذَا ابْن فَاطِمَة إِن كنت جاهله ... بجده أَنْبيَاء الله قد ختموا)
(فَلَيْسَ قَوْلك من هَذَا بضائره ... الْعَرَب تعرف من أنْكرت والعجم)
ثمَّ قَالَ
(من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم)
(لَا يَسْتَطِيع جواد بعد غايتهم ... وَلَا يدانيهم قوم وَإِن كرموا)
فَلَمَّا سَمعهَا هِشَام غضب وَحبس الفرزدق بعسفان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وامر لَهُ زين العابدين بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ اعذر لَو كَانَ عندنَا أَكثر لوصلناك بِهِ فَردهَا قَالَ إِنَّمَا امتدحه لله لَا لعطاء
فَقَالَ زين زين العابدين ﵁ إِنَّا أهل بَيت إِذا وهبنا شَيْئا لَا نستعيده
فقبلها الفرزدق ثمَّ هجا هشاما فِي الْحَبْس فَبعث فَأخْرجهُ
وَكَانَ زين العابدين عَظِيم التجاوز وَالْعَفو والصفح حَتَّى إِنَّه سبه رجل فتغافل عَنهُ فَقَالَ لَهُ إياك أَعنِي
فَقَالَ وعنك أعرض أَشَارَ إِلَى آخر ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ الْأَعْرَاف ١٩٩
وَكَانَ يَقُول مَا يسرني بنصيبي من الذل حمر النعم
توفّي وعمره سبع وَخَمْسُونَ مِنْهَا سنتَانِ مَعَ جده عَليّ ثمَّ عشر مَعَ عَمه الْحسن ثمَّ إِحْدَى عشرَة مَعَ أَبِيه الْحُسَيْن
وَقيل سمه الْوَلِيد بن عبد الْملك وَدفن بِالبَقِيعِ عِنْد عَمه الْحسن عَن أحد عشر ذكرا وَأَرْبع إناث
وَارثه مِنْهُم عبَادَة وعلما وزهادة
أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد الباقر سمي بذلك من بقر الأَرْض أَي شقها وأثار مخبئاتها ومكامنها فَكَذَلِك هُوَ أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الْأَحْكَام وَالْحكم واللطائف مَا لَا يخفى إِلَّا على منطمس البصيرة أَو فَاسد الطوية السريرة وَمن ثمَّ قيل فِيهِ هُوَ باقر الْعلم وجامعه وشاهر علمه وعمرت أوقاته بِطَاعَة الله وَله من الرسوخ فِي مقامات العارفين مَا تكل عَنهُ أَلْسِنَة
الواصفين وَله كَلِمَات كَثِيرَة فِي السلوك والمعارف لَا تحتملها هَذِه العجالة وَكَفاهُ شرفا أَن ابْن الْمَدِينِيّ روى عَن جَابر أَنه قَالَ لَهُ وَهُوَ صَغِير رَسُول الله ﷺ يسلم عَلَيْك فَقيل لَهُ وَكَيف ذَاك قَالَ كنت جَالِسا عِنْده وَالْحُسَيْن فِي حجره وَهُوَ يداعبه فَقَالَ (يَا جَابر يُولد لَهُ مَوْلُود اسْمه عَليّ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد ليقمْ سيد العابدين
فَيقوم وَلَده ثمَّ يُولد لَهُ ولد اسْمه مُحَمَّد فَإِن أَدْرَكته يَا جَابر فأقرئه مني السَّلَام)
توفّي سنة سبع عشرَة ومئة عَن ثَمَان وَخمسين سنة مسموما كأبيه وَهُوَ علوي من جِهَة أَبِيه وَأمه وَدفن أَيْضا فِي قبَّة الْحسن وَالْعَبَّاس بِالبَقِيعِ وَخلف سِتَّة أَوْلَاد أفضلهم وأكملهم
جَعْفَر الصَّادِق وَمن ثمَّ كَانَ خَلِيفَته ووصيه وَنقل النَّاس عَنهُ من الْعُلُوم مَا سَارَتْ بِهِ الركْبَان وانتشر صيته فِي جَمِيع الْبلدَانِ وروى عَنهُ الْأَئِمَّة الأكابر كيحيى بن سعيد وَابْن جريج والسفيانين وَأبي حنيفَة وَشعْبَة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ
وَأمه أم فَرْوَة بنت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر كَمَا مر
وسعي بِهِ عِنْد الْمَنْصُور لما حج فَلَمَّا حضر السَّاعِي بِهِ يشْهد قَالَ لَهُ أتحلف قَالَ نعم
فَحلف بِاللَّه الْعَظِيم إِلَى آخِره فَقَالَ أحلفه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا أرَاهُ فَقَالَ لَهُ حلفه فَقَالَ لَهُ قل بَرِئت من حول الله وقوته والتجأت إِلَى حَولي وقوتي لقد فعل جَعْفَر كَذَا وَكَذَا وَقَالَ كَذَا وَكَذَا فَامْتنعَ الرجل ثمَّ حلف فَمَا تمّ حَتَّى مَاتَ مَكَانَهُ
فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ لجَعْفَر لَا بَأْس عَلَيْك أَنْت المبرأ الساحة الْمَأْمُون الغائلة ثمَّ انْصَرف فَلحقه الرّبيع بجائزة حَسَنَة وَكِسْوَة سنية وللحكاية تَتِمَّة
وَوَقع نَظِير هَذِه الْحِكَايَة ليحيى بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بِأَن شخصا زبيريا سعى بِهِ للرشيد فَطلب تَحْلِيفه فتلعثم فزبره الرشيد فَتَوَلّى يحيى تَحْلِيفه بذلك فَمَا أتم يَمِينه حَتَّى اضْطربَ وَسقط لجنبه فَأخذُوا بِرجلِهِ وَهلك فَسَأَلَ الرشيد يحيى عَن سر ذَلِك فَقَالَ تمجيد الله فِي الْيَمين يمْنَع المعاجلة بالعقوبة
وَذكر المَسْعُودِيّ أَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت مَعَ أخي يحيى هَذَا الملقب بمُوسَى الجون وَأَن الزبيرى سعى بِهِ للرشيد فطال الْكَلَام بَينهمَا ثمَّ طلب مُوسَى
تَحْلِيفه فحلفه بِنَحْوِ مَا مر فَلَمَّا حلف قَالَ مُوسَى الله أكبر حَدثنِي أبي عَن جدي عَن أَبِيه عَن جده عَليّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (مَا حلف أحد بِهَذِهِ الْيمن أَي وَهِي تقلدت الْحول وَالْقُوَّة دون حول الله وقوته إِلَى حَولي وقوتي مَا فعلت كَذَا وَهُوَ كَاذِب إِلَّا عجل الله لَهُ الْعقُوبَة قبل ثَلَاث) وَالله مَا كذبت وَلَا كذبت فَوكل عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن مَضَت ثَلَاث وَلم يحدث بالزبيري حَادث فدمي لَك حَلَال
فَوكل بِهِ
فَلم يمض عصر ذَلِك الْيَوْم حَتَّى أصَاب الزبيرِي جذام فتورم حَتَّى صَار كالزق فَمَا مضى إِلَّا قَلِيل وَقد توفّي وَلما أنزل فِي قَبره انخسف قَبره وَخرجت رَائِحَة مفرطة النتن فطرحت فِيهِ أحمال الشوك فانخسف ثَانِيًا فَأخْبر الرشيد بذلك فَزَاد تعجبه ثمَّ أَمر لمُوسَى بِأَلف دِينَار وَسَأَلَهُ عَن سر تِلْكَ الْيَمين فروى لَهُ حَدِيثا عَن جده عَليّ عَن النَّبِي ﷺ (مَا من أحد يحلف بِيَمِين مجد الله فِيهَا إِلَّا استحيا من عُقُوبَته وَمَا من أحد حلف بِيَمِين كَاذِبَة نَازع الله فِيهَا حوله وقوته إِلَّا عجل الله لَهُ الْعقُوبَة قبل ثَلَاث)
وَقتل بعض الطغاة مَوْلَاهُ فَلم يزل ليلته يُصَلِّي ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ عِنْد السحر فَسمِعت الْأَصْوَات بِمَوْتِهِ
وَلما بلغه قَول الحكم بن الْعَبَّاس الْكَلْبِيّ فِي عَمه زيد
(صلبنا لكم زيدا على جذع نَخْلَة ... وَلم نر مهديا على الْجذع يصلب)
قَالَ اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك فافترسه الْأسد
وَمن مكاشفاته أَن ابْن عَمه عبد الله الْمَحْض كَانَ شيخ بني هَاشم وَهُوَ
وَالِد مُحَمَّد الملقب بِالنَّفسِ الزكية فَفِي آخر دولة بني أُميَّة وضعفهم أَرَادَ بَنو هَاشم مبايعة مُحَمَّد وأخيه وَأَرْسلُوا لجَعْفَر ليبايعهما فَامْتنعَ فاتهم أَنه يحسدهما فَقَالَ وَالله لَيست لي وَلَا لَهما إِنَّهَا لصَاحب القباء الْأَصْفَر ليلعبن بهَا صبيانهم وغلمانهم
وَكَانَ الْمَنْصُور العباسي يَوْمئِذٍ حَاضرا وَعَلِيهِ قبَاء أصفر فَمَا زَالَت كلمة جَعْفَر تعْمل فِيهِ حَتَّى ملكوا
وَسبق جعفرا إِلَى ذَلِك وَالِده الباقر فَإِنَّهُ أخبر الْمَنْصُور بِملك الأَرْض شرقها وغربها وَطول مدَّته فَقَالَ لَهُ وملكنا قبل ملككم قَالَ نعم
قَالَ وَيملك أحد من وَلَدي قَالَ نعم
قَالَ فمدة بني أُميَّة أطول أم مدتنا قَالَ مدتكم وليلعبن بِهَذَا الْملك صِبْيَانكُمْ كَمَا يلْعَب بالكرة هَذَا مَا عهد إِلَيّ أبي فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة للمنصور بِملك الأَرْض تعجب من قَول الباقر
وَأخرج أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن وهب قَالَ سَمِعت اللَّيْث ابْن سعد يَقُول حججْت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة فَلَمَّا صليت الْعَصْر فِي الْمَسْجِد رقيت أَبَا قبيس فَإِذا رجل جَالس يَدْعُو فَيَقُول يَا رب يَا رب حَتَّى انْقَطع نَفسه ثمَّ قَالَ يَا حَيّ يَا حَيّ حَتَّى انْقَطع نَفسه ثمَّ قَالَ إلهي إِنِّي أشتهي الْعِنَب فأطعمنيه اللَّهُمَّ وَإِن برداي قد خلقا فاكسني
قَالَ اللَّيْث فوَاللَّه مَا استتم كَلَامه حَتَّى نظرت إِلَى سلة مَمْلُوءَة عنبا وَلَيْسَ على الأَرْض يَوْمئِذٍ عِنَب وَإِذا بردَان موضوعان لم أر مثلهمَا فِي الدُّنْيَا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل فَقلت أَنا شريكك فَقَالَ وَلم فَقلت لِأَنَّك دَعَوْت وَكنت أُؤْمِن فَقَالَ تقدم وكل
فتقدمت وأكلت
عنبا لم آكل مثله قطّ مَا كَانَ لَهُ عجم فأكلنا حَتَّى شبعنا وَلم تَتَغَيَّر السلَّة فَقَالَ لَا تدخر وَلَا تخبىء مِنْهُ شَيْئا ثمَّ أَخذ أحد البردين وَدفع إِلَيّ الآخر فَقلت أَنا لي غنى عَنهُ فائتزر بِأَحَدِهِمَا وارتدى بِالْآخرِ ثمَّ أَخذ برديه الخلقين فَنزل وهما بِيَدِهِ فَلَقِيَهُ رجل بالمسعى فَقَالَ لَهُ اكسني يَا ابْن رَسُول الله مِمَّا كساك الله فإنني عُرْيَان فدفعهما إِلَيْهِ فَقلت من هَذَا قَالَ جَعْفَر الصَّادِق فطلبته بعد ذَلِك لأسْمع مِنْهُ شَيْئا فَلم أقدر عَلَيْهِ
انْتهى
توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة مسموما أَيْضا على مَا حُكيَ وعمره ثَمَان وَسِتُّونَ سنة وَدفن بالقبة السَّابِقَة عِنْد أَهله عَن سِتَّة ذُكُور وَبنت
مِنْهُم
مُوسَى الكاظم وَهُوَ وَارثه علما وَمَعْرِفَة وكمالا وفضلا سمي الكاظم لِكَثْرَة تجاوزه وحلمه وَكَانَ مَعْرُوفا عِنْد أهل الْعرَاق بِبَاب قَضَاء الْحَوَائِج عِنْد الله وَكَانَ أعبد أهل زَمَانه وأعلمهم وأسخاهم
وَسَأَلَهُ الرشيد كَيفَ قُلْتُمْ إِنَّا ذُرِّيَّة رَسُول الله ﷺ وَأَنْتُم أَبنَاء عَليّ فَتلا ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿وَعِيسَى﴾ الْأَنْعَام ٨٤ وَلَيْسَ لَهُ أَب وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى فَمن حاجك فِيهِ من بَعْدَمَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم آل عمرَان ٦١ الْآيَة وَلم يدع النَّبِي ﷺ عِنْد مباهلته النَّصَارَى غير عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ فَكَانَ الْحسن وَالْحُسَيْن هما الْأَبْنَاء
وَمن بديع كراماته ماحكاه ابْن الْجَوْزِيّ والرامهرمزي وَغَيرهمَا عَن شَقِيق الْبَلْخِي أَنه خرج حَاجا سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة فَرَآهُ بالقادسية مُنْفَردا عَن النَّاس فَقَالَ فِي نَفسه هَذَا فَتى من الصُّوفِيَّة يُرِيد أَن يكون كلا على النَّاس لأمضين إِلَيْهِ ولأوبخنه فَمضى إِلَيْهِ فَقَالَ يَا شَقِيق اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعد الظَّن إِثْم الحجرات ١٢ الْآيَة فَأَرَادَ أَن يحالله فَغَاب عَن عَيْنَيْهِ فَمَا رَآهُ إِلَّا بواقصة يُصَلِّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر فجَاء إِلَيْهِ ليعتذر فَخفف فِي صلَاته وَقَالَ ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن﴾ طه ٢٨ الْآيَة فَلَمَّا نزلُوا زبالة رَآهُ على بِئْر فَسَقَطت ركوته فِيهَا فَدَعَا فطغى المَاء لَهُ حَتَّى أَخذهَا فَتَوَضَّأ وَصلى أَربع رَكْعَات ثمَّ مَال إِلَى كثيب رمل فَطرح مِنْهَا فِيهَا وَشرب فَقَالَ لَهُ أَطْعمنِي من فضل مَا رزقك الله تَعَالَى
فَقَالَ يَا شَقِيق لم تزل نعم الله علينا ظَاهِرَة وباطنة فَأحْسن ظَنك بِرَبِّك فناولنيها فَشَرِبت مِنْهَا فَإِذا سويق وسكر مَا شربت وَالله ألذ مِنْهُ وَلَا أطيب ريحًا فشبعت وَرويت وأقمت أَيَّامًا لَا أشتهي شرابًا وَلَا طَعَاما ثمَّ لم أره إِلَّا بِمَكَّة وَهُوَ بغلمان وغاشية وَأُمُور على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ
وَلما حج الرشيد سعي بِهِ إِلَيْهِ وَقيل لَهُ إِن الْأَمْوَال تحمل إِلَيْهِ من كل جَانب حَتَّى اشْترى ضَيْعَة بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار فَقبض عَلَيْهِ وأنفذه لأميره بِالْبَصْرَةِ عِيسَى بن
جَعْفَر بن مَنْصُور فحبسه سنة ثمَّ كتب لَهُ الرشيد فِي دَمه فاستعفى وَأخْبر أَنه لم يدع على الرشيد وَأَنه إِن لم يُرْسل من يتسلمه وَإِلَّا خلى سَبيله فَبلغ الرشيد كِتَابه فَكتب للسندي بن شاهك بتسلمه وَأمره فِيهِ بِأَمْر فَجعل لَهُ سما فِي طَعَامه وَقيل فِي رطب فتوعك وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام وعمره خمس وَسِتُّونَ سنة
وَذكره المَسْعُودِيّ أَن الرشيد رأى عليا فِي النّوم مَعَه حَرْبَة وَهُوَ يَقُول إِن لم تخل عَن الكاظم وَإِلَّا نحرتك بِهَذِهِ
فَاسْتَيْقَظَ فَزعًا وَأرْسل فِي الْحَال وَالِي شرطته إِلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ وَأَن يدْفع لَهُ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَأَنه يخيره بَين الْمقَام فيكرمه أَو الذّهاب إِلَى الْمَدِينَة وَلما ذهب إِلَيْهِ قَالَ لَهُ رَأَيْت مِنْك عجبا وَأخْبرهُ أَنه رأى النَّبِي ﷺ وَعلمه كَلِمَات قَالَهَا فَمَا فرغ مِنْهَا إِلَّا وَأطلق
قيل وَكَانَ مُوسَى الْهَادِي حَبسه أَولا ثمَّ أطلقهُ لِأَنَّهُ رأى عليا ﵁ يَقُول ﴿فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم﴾ مُحَمَّد ٢٢ فانتبه وَعرف أَنه المُرَاد فَأَطْلقهُ لَيْلًا
قَالَ لَهُ الرشيد حِين رَآهُ جَالِسا عِنْد الْكَعْبَة أَنْت الَّذِي تبايعك النَّاس سرا فَقَالَ أَنا إِمَام الْقُلُوب وَأَنت إِمَام الجسوم
وَلما اجْتمعَا أَمَام الْوَجْه الشريف على صَاحبه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ الرشيد السَّلَام عَلَيْك يَا ابْن عَم
مسمعا من حوله فَقَالَ الكاظم السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَت
فَلم يحتملها وَكَانَت سَببا لإمساكه لَهُ وَحمله مَعَه إِلَى بَغْدَاد وحبسه فَلم يخرج من حَبسه إِلَّا مَيتا مُقَيّدا وَدفن جَانب بَغْدَاد الغربي
وَظَاهر هَذِه الحكايات التَّنَافِي إِلَّا أَن يحمل على تعدد الْحَبْس وَكَانَت أَوْلَاده حِين وَفَاته سَبْعَة وَثَلَاثِينَ ذكرا وَأُنْثَى مِنْهُم
عَليّ الرضى وَهُوَ أنبههم ذكرا وأجهلم قدرا وَمن ثمَّ أحله الْمَأْمُون مَحل مهجته وأشركه فِي مَمْلَكَته وفوض إِلَيْهِ أَمر خِلَافَته فَإِنَّهُ كتب بِيَدِهِ كتابا سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ بِأَن عليا الرضى ولي عَهده وَأشْهد عَلَيْهِ جمعا كثيرين
لكنه توفّي قبله فأسف عَلَيْهِ كثيرا
وَأخْبر قبل مَوته بِأَنَّهُ يَأْكُل عنبا ورمانا مبثوثا وَيَمُوت وَأَن الْمَأْمُون يُرِيد دَفنه خلف الرشيد فَلم يسْتَطع فَكَانَ ذَلِك كُله كَمَا أخبر بِهِ
وَمن موَالِيه مَعْرُوف الْكَرْخِي أستاذ السّري السَّقطِي لِأَنَّهُ أسلم
على يَدَيْهِ
وَقَالَ لرجل يَا عبد الله ارْض بِمَا يُرِيد واستعد لما لَا بُد مِنْهُ فَمَاتَ الرجل بعد ثَلَاثَة أَيَّام
رَوَاهُ الْحَاكِم
وروى الْحَاكِم عَن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن أبي حبيب قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فِي الْمنزل الَّذِي ينزل الْحجَّاج ببلدنا فَسلمت عَلَيْهِ فَوجدت عِنْده طبقًا من خوص الْمَدِينَة فِيهِ تمر صيحاني فناولني مِنْهُ ثَمَانِي عشرَة فتألوت أَن أعيش عدتهَا فَلَمَّا كَانَ بعد عشْرين يَوْمًا قدم أَبُو الْحسن عَليّ الرِّضَا من الْمَدِينَة وَنزل ذَلِك الْمَسْجِد وهرع النَّاس بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فمضيت نَحوه فَإِذا هُوَ جَالس فِي الْموضع الَّذِي رَأَيْت النَّبِي ﷺ جَالِسا فِيهِ وَبَين يَدَيْهِ طبق من خوص الْمَدِينَة فِيهِ تمر صيحاني فَسلمت عَلَيْهِ فاستدناني وناولني قَبْضَة من ذَلِك التَّمْر فَإِذا عدتهَا بِعَدَد مَا ناولني النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَقلت زِدْنِي فَقَالَ لَو زادك رَسُول الله ﷺ لزدناك
وَلما دخل نيسابور كَمَا فِي تاريخها وشق سوقها وَعَلِيهِ مظلة لَا يرى من وَرَائِهَا تعرض لَهُ الحافظان أَو زرْعَة الرَّازِيّ وَمُحَمّد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة الْعلم والْحَدِيث مَا لَا يُحْصى فتضرعا إِلَيْهِ أَن يُرِيهم وَجهه ويروي لَهُم حَدِيثا عَن آبَائِهِ فاستوقف البغلة وَأمر غلمانه بكف المظلة وَأقر عُيُون تِلْكَ الْخَلَائق بِرُؤْيَة طلعته الْمُبَارَكَة فَكَانَت لَهُ ذؤابتان مدليتان على عَاتِقه وَالنَّاس بَين
صارخ وَبَاكٍ ومتمرغ فِي التُّرَاب ومقبل لحافر بغلته فصاحت الْعلمَاء معاشر النَّاس أَنْصتُوا فأنصتوا واستملى مِنْهُ الحافظان الْمَذْكُورَان فَقَالَ حَدثنِي أبي مُوسَى الكاظم عَن أَبِيه جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه مُحَمَّد الباقر عَن أَبِيه زين العابدين عَن أَبِيه الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب ﵃ قَالَ حَدثنِي حَبِيبِي وقرة عَيْني رَسُول الله ﷺ قَالَ (حَدثنِي جِبْرِيل قَالَ سَمِعت رب الْعِزَّة يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن قَالَهَا دخل حصني وَمن دخل حصني أَمن من عَذَابي)
ثمَّ أرْخى السّتْر وَسَار فعد أهل المحابر والدوى الَّذين كَانُوا يَكْتُبُونَ فأنافوا على عشْرين ألفا
وَفِي رِوَايَة أَن الحَدِيث الْمَرْوِيّ (الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ وَإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَعمل بالأركان)
وَلَعَلَّهُمَا وَاقِعَتَانِ قَالَ أَحْمد لَو قَرَأت هَذَا الْإِسْنَاد على مَجْنُون لبرىء من جنته
وَنقل بعض الْحفاظ أَن امْرَأَة زعمت أَنَّهَا شريفة بِحَضْرَة المتَوَكل فَسَأَلَ عَمَّن يُخبرهُ بذلك فَدلَّ على عَليّ الرضى فجَاء فأجلسه مَعَه على السرير وَسَأَلَهُ فَقَالَ إِن الله حرم لحم أَوْلَاد الْحُسَيْن على السبَاع فلتلق للسباع فَعرض عَلَيْهَا بذلك فَاعْترفت بكذبها ثمَّ قيل للمتوكل أَلا تجرب ذَلِك فِيهِ فَأمر بِثَلَاثَة من السبَاع فجيء بهَا فِي صحن قصره ثمَّ دَعَاهُ فَلَمَّا دخل بَابه
أغلق عَلَيْهِ وَالسِّبَاع قد أصمت الأسماع من زئيرها فَلَمَّا مَشى فِي الصحن يُرِيد الدرجَة مشت إِلَيْهِ وَقد سكنت وتمسحت بِهِ ودارت حوله وَهُوَ يمسحها بكمه ثمَّ ربضت فَصَعدَ للمتوكل وتحدث مَعَه سَاعَة ثمَّ نزل فَفعلت مَعَه كفعلها الأول حَتَّى خرج فَأتبعهُ المتَوَكل بجائزة عَظِيمَة فَقيل للمتوكل افْعَل كَمَا فعل ابْن عمك فَلم يَجْسُر عَلَيْهِ وَقَالَ أتريدون قَتْلِي ثمَّ أَمرهم أَن لَا يفشوا ذَلِك
وَنقل السعودي أَن صَاحب هَذِه الْقِصَّة هُوَ ابْن ابْن عَليّ الرضى هُوَ عَليّ العسكري وَصوب لِأَن الرضى توفّي فِي خلَافَة الْمَأْمُون اتِّفَاقًا وَلم يدْرك المتَوَكل
وَتُوفِّي ﵁ وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة عَن خَمْسَة ذُكُور وَبنت أَجلهم
مُحَمَّد الْجواد لكنه لم تطل حَيَاته
وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه بعد موت أَبِيه بِسنة وَاقِف وَالصبيان يَلْعَبُونَ فِي أَزِقَّة بَغْدَاد إِذْ مر الْمَأْمُون فَفرُّوا ووقف مُحَمَّد وعمره تسع سِنِين فَألْقى الله مجبته فِي قلبه فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام مَا مَنعك من الِانْصِرَاف فَقَالَ لَهُ مسرعا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يكن بِالطَّرِيقِ ضيق فأوسعه لَك وَلَيْسَ لي جرم فأخشاك وَالظَّن بك حسن
أَنَّك لَا تضر من لَا ذَنْب لَهُ
فأعجبه كَلَامه وَحسن صورته فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك وَاسم أَبِيك فَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الرضى
فترحم على أَبِيه وسَاق جَوَاده
وَكَانَ مَعَه بزاة للصَّيْد فَلَمَّا بعد عَن الْعمار أرسل بازه على دراجة فَغَاب عَنهُ ثمَّ عَاد من الجو فِي منقاره سَمَكَة صَغِيرَة وَبهَا بَقَاء الْحَيَاة فتعجب من ذَلِك غَايَة الْعجب وَرجع فَرَأى الصّبيان على حَالهم وَمُحَمّد عِنْدهم فَفرُّوا إِلَّا مُحَمَّدًا فَدَنَا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ مَا فِي يَدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى خلق فِي بَحر قدرته سمكًا صغَارًا يصيدها بازات الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء فيختبر بهَا سلالة أهل بَيت الْمُصْطَفى
فَقَالَ لَهُ أَنْت ابْن الرضى حَقًا وَأَخذه مَعَه وَأحسن إِلَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه فَلم يزل مشفقا بِهِ لما ظهر لَهُ بعد ذَلِك من فَضله وَعلمه وَكَمَال عَظمته وَظُهُور برهانه مَعَ صغر سنه وعزم على تَزْوِيجه بابنته أم الْفضل وصمم على ذَلِك فَمَنعه العباسيون من ذَلِك خوفًا من أَن يعْهَد إِلَيْهِ كَمَا عهد إِلَى أَبِيه فَلَمَّا ذكر لَهُم أَنه إِنَّمَا اخْتَارَهُ لتميزه على كَافَّة أهل الْفضل علما وَمَعْرِفَة وحلما مَعَ صغر سنه فنازعوا فِي اتصاف مُحَمَّد بذلك ثمَّ تواعدوا على أَن يرسلوا إِلَيْهِ من يختبره فأرسلوا إِلَيْهِ يحيى بن أَكْثَم ووعدوه بِشَيْء كثير إِن قطع لَهُم مُحَمَّدًا فَحَضَرُوا للخليفة وَمَعَهُمْ ابْن أَكْثَم وخواص الدولة فَأمر الْمَأْمُون بفرش حسن لمُحَمد فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ يحيى مسَائِل أَجَابَهُ عَنْهَا بِأَحْسَن جَوَاب وأوضحه فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة أَحْسَنت أَبَا جَعْفَر فَإِن أردْت أَن تسْأَل يحيى وَلَو مَسْأَلَة وَاحِدَة فَقَالَ لَهُ مَا تَقول فِي رجل نظر إِلَى امْرَأَة أول النَّهَار حَرَامًا ثمَّ حلت لَهُ ارتفاعه ثمَّ حرمت عَلَيْهِ عِنْد الظّهْر ثمَّ حلت لَهُ عِنْد الْعَصْر ثمَّ حرمت عَلَيْهِ الْمغرب ثمَّ حلت لَهُ الْعشَاء ثمَّ حرمت عَلَيْهِ نصف اللَّيْل ثمَّ حلت لَهُ الْفجْر فَقَالَ يحيى لَا أَدْرِي
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد هِيَ أمة نظرها أَجْنَبِي
بِشَهْوَة وَهِي حرَام ثمَّ اشْتَرَاهَا ارْتِفَاع النَّهَار فَأعْتقهَا الظّهْر وَتَزَوجهَا الْعَصْر وَظَاهر مِنْهَا الْمغرب وَكفر الْعشَاء وَطَلقهَا رَجْعِيًا نصف اللَّيْل وراجعها الْفجْر
فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ الْمَأْمُون للعباسيين قد عَرَفْتُمْ مَا كُنْتُم تنكرون
ثمَّ زوجه فِي ذَلِك الْمجْلس بنته أم الْفضل ثمَّ توجه بهَا إِلَى الْمَدِينَة فَأرْسلت تَشْتَكِي مِنْهُ لأَبِيهَا أَنه تسرى عَلَيْهَا فَأرْسل إِلَيْهَا أَبوهَا إِنَّا لم نُزَوِّجك لَهُ لنحرم عَلَيْهِ حَلَالا فَلَا تعودي لمثله ثمَّ قدم بهَا بِطَلَب من المعتصم لليلتين بَقِيَتَا من الْمحرم سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي فِيهَا فِي آخر ذِي الْقعدَة وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش فِي ظهر جده الكاظم وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه سم أَيْضا عَن ذكرين وبنتين أَجلهم
عَليّ العسكري سمي بذلك لِأَنَّهُ لما وَجه لإشخاصه من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِلَى سر من رأى وَأَسْكَنَهُ بهَا وَكَانَت تسمى الْعَسْكَر فَعرف بالعسكري وَكَانَ وَارِث أَبِيه علما وسخاء وَمن ثمَّ جَاءَهُ أَعْرَابِي من أَعْرَاب الْكُوفَة وَقَالَ إِنِّي من المتمسكين بولاء جدك وَقد ركبني دين أثقلني حمله وَلم أقصد لقضائه سواك
فَقَالَ كم دينك قَالَ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ طب نفسا بِقَضَائِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ كتب لَهُ ورقة فِيهَا ذَلِك الْمبلغ دينا عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ ائْتِنِي بِهِ فِي الْمجْلس الْعَام وطالبني بهَا وَأَغْلظ عَليّ فِي الطّلب فَفعل فاستمهله ثَلَاثَة أَيَّام فَبلغ ذَلِك المتَوَكل فَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألفا فَلَمَّا وصلته أَعْطَاهَا الْأَعرَابِي
فَقَالَ يَا ابْن رَسُول الله إِن الْعشْرَة آلَاف أَقْضِي بهَا أربي
فَأبى أَن يسْتَردّ مِنْهُ من الثَّلَاثِينَ ألف شَيْئا فولى الْأَعرَابِي وَهُوَ يَقُول الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته
وَمر أَن الصَّوَاب فِي قصَّة السبَاع الْوَاقِعَة من المتَوَكل أَنه هُوَ الممتحن بهَا وَأَنَّهَا لم تقربه بل خضعت واطمأنت لما رَأَتْهُ وَيُوَافِقهُ مَا حَكَاهُ المَسْعُودِيّ وَغَيره أَن يحيى بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط لما هرب إِلَى الديلم ثمَّ أُتِي بِهِ إِلَى الرشيد وَأمر بقتْله ألقِي فِي بركَة فِيهَا سِبَاع قد جوعت فَأَمْسَكت عَن أكله ولاذت بجانبه وهابت الدنو مِنْهُ فَبنِي عَلَيْهِ ركن بالجص وَالْحجر وَهُوَ حَيّ
توفّي ﵁ بسر من رأى فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَدفن بداره وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَكَانَ المتَوَكل أشخصه من الْمَدِينَة إِلَيْهَا سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن قضى عَن أَرْبَعَة ذُكُور وَأُنْثَى أَجلهم
أَبُو مُحَمَّد الْحسن الْخَالِص وَجعل ابْن خلكان هَذَا هُوَ العسكري
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَوَقع لبهلول مَعَه أَنه رَآهُ وَهُوَ صبي يبكي وَالصبيان يَلْعَبُونَ فَظن أَنه يتحسر على مَا فِي أَيْديهم فَقَالَ اشْترِي لَك مَا تلعب بِهِ فَقَالَ يَا قَلِيل الْعقل مَا للعب خلقنَا
فَقَالَ لَهُ فلماذا خلقنَا قَالَ للْعلم وَالْعِبَادَة
فَقَالَ لَهُ من أَيْن لَك ذَلِك قَالَ من قَول الله ﷿ ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١١٥ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يعظه فوعظه بِأَبْيَات ثمَّ خر الْحسن مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ مَا نزل بك وَأَنت صَغِير لَا ذَنْب لَك فَقَالَ إِلَيْك عني يَا بهْلُول إِنِّي رَأَيْت والدتي توقد النَّار بالحطب الْكِبَار فَلَا تتقد إِلَّا بالصغار وَإِنِّي أخْشَى أَن أكون من صغَار حطب نَار جَهَنَّم
وَلما حبس قحط النَّاس بسر من رأى قحطا شَدِيدا فَأمر الْخَلِيفَة الْمُعْتَمد ابْن المتَوَكل بِالْخرُوجِ للاستسقاء ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يسقوا فَخرج النَّصَارَى وَمَعَهُمْ رَاهِب كلما مد يَده إِلَى السَّمَاء هطلت ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّانِي كَذَلِك فَشك بعض الجهلة وارتد بَعضهم فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة فَأمر بإحضار الْحسن الْخَالِص وَقَالَ لَهُ أدْرك أمة جدك رَسُول الله ﷺ قبل أَن يهْلكُوا فَقَالَ الْحسن يخرجُون غَدا وَأَنا أزيل الشَّك إِن شَاءَ الله وكلم الْخَلِيفَة فِي إِطْلَاق أَصْحَابه من السجْن فَأَطْلَقَهُمْ فَلَمَّا خرج النَّاس للاستسقاء وَرفع الراهب يَده مَعَ النَّصَارَى غيمت السَّمَاء فَأمر الْحسن بِالْقَبْضِ على يَده فَإِذا فِيهَا عظم آدَمِيّ فَأَخذه من يَده وَقَالَ استسق فَرفع يَده فَزَالَ الْغَيْم وطلعت الشَّمْس فَعجب النَّاس من ذَلِك فَقَالَ الْخَلِيفَة لِلْحسنِ مَا هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّد فَقَالَ هَذَا عظم نَبِي ظفر بِهِ هَذَا الراهب من بعض الْقُبُور وَمَا كشف من عظم نَبِي تَحت السَّمَاء إِلَّا هطلت بالمطر فامتحنوا ذَلِك
الْعظم فَكَانَ كَمَا قَالَ وزالت الشُّبْهَة عَن النَّاس
وَرجع الْحسن إِلَى دَاره
وَأقَام عَزِيزًا مكرما وصلات الْخَلِيفَة تصل إِلَيْهِ كل وَقت إِلَى أَن مَاتَ بسر من رأى وَدفن عِنْد أَبِيه وَعَمه وعمره ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه سم أَيْضا
وَلم يخلف غير وَلَده
أبي الْقَاسِم مُحَمَّد الْحجَّة وعمره عِنْد وَفَاة أَبِيه خمس سِنِين لَكِن آتَاهُ الله فِيهَا الْحِكْمَة وَيُسمى الْقَائِم المنتظر
قيل لِأَنَّهُ ستر بِالْمَدِينَةِ وَغَابَ فَلم يعرف أَيْن ذهب
وَمر فِي الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة قَول الرافضة فِيهِ أَن الْمهْدي وأوردت ذَلِك مَبْسُوطا فَرَاجعه فَإِنَّهُ مُهِمّ
Translation
الفصل الثالث في الأحاديث الواردة في بعض أهل البيت كفاطمة وولديها ﵃
#53 Chapter 53 — الخاتمة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة رضوان الله عليهم وفي قتال معاوية وعلي وفي حقية خلافة معاوية بعد نزول الحسن له عن الخلافة وفي بيان اختلافهم في كفر ولده يزيد وفي جواز لعنه وفي توابع وتتمات تتعلق بذلك · ref. #53
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
الخاتمة فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وَفِي قتال مُعَاوِيَة وَعلي وَفِي حقية خلَافَة مُعَاوِيَة بعد نزُول الْحسن لَهُ عَن الْخلَافَة وَفِي بَيَان اخْتلَافهمْ فِي كفر وَلَده يزِيد وَفِي جَوَاز لَعنه وَفِي تَوَابِع وتتمات تتَعَلَّق بذلك

وَإِنَّمَا افتحت هَذَا الْكتاب بالصحابة وختمته بهم إِشَارَة إِلَى أَن الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من تأليفه تبرئتهم عَن جَمِيع مَا افتراه عَلَيْهِم أَو على بَعضهم من غلبت عَلَيْهِم الشقاوة وتردوا بأردية الحماقة والغباوة ومرقوا من الدّين وَاتبعُوا سَبِيل الْمُلْحِدِينَ وركبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء فباؤا من الله بعظيم النكال ووقعوا فِي أهوية الوبال والضلال مَا لم يدراكهم الله بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَة فيعظموا خير الْأُمَم وَهَذِه الْأمة أماتنا الله على محبتهم وحشرنا فِي زمرتهم آمين
اعْلَم أَن الَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَنه يجب على كل أحد تَزْكِيَة جَمِيع الصَّحَابَة بِإِثْبَات الْعَدَالَة لَهُم والكف عَن الطعْن فيهم وَالثنَاء عيلهم فقد أثنى الله ﷾ عَلَيْهِم فِي آيَات من كِتَابه
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ آل عمرَان ١١٠ فَأثْبت الله لَهُم الْخَيْرِيَّة على سَائِر الْأُمَم وَلَا شَيْء يعادل شَهَادَة الله لَهُم بذلك لِأَنَّهُ تَعَالَى أعلم بعباده وَمَا انطووا عَلَيْهِ من الْخيرَات وَغَيرهَا بل لَا يعلم ذَلِك غَيره تَعَالَى فَإِذا شهد تَعَالَى فيهم بِأَنَّهُم خير الْأُمَم وَجب على كل أحد اعْتِقَاد ذَلِك وَالْإِيمَان بِهِ وَإِلَّا كَانَ مُكَذبا لله فِي إخْبَاره وَلَا شكّ أَن من ارتاب فِي حقية شَيْء مِمَّا أخبر الله أَو رَسُوله بِهِ كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ وَالصَّحَابَة فِي هَذِه الْآيَة وَالَّتِي قبلهَا هم المشافهون بِهَذَا الْخطاب على لِسَان رَسُول الله ﷺ حَقِيقَة فَانْظُر إِلَى كَونه تَعَالَى خلقهمْ عُدُولًا وخيارا ليكونوا شُهَدَاء على بَقِيَّة الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة وَحِينَئِذٍ فَكيف يستشهد الله تَعَالَى بِغَيْر عدُول أَو بِمن ارْتَدُّوا بعد وَفَاة نَبِيّهم إِلَّا نَحْو سِتَّة أنفس مِنْهُم كَمَا زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم مَا أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه نورهم يسْعَى يبن أَيْديهم وبأيمانهم التَّحْرِيم ٨ فآمنهم الله من خزيه وَلَا يَأْمَن من خزيه فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَّا الَّذين مَاتُوا وَالله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله عَنْهُم رَاض فَأَمنَهُمْ من الخزي صَرِيح فِي مَوْتهمْ على كَمَال الْإِيمَان وحقائق الْإِحْسَان وَفِي أَن الله لم يزل رَاضِيا
عَنْهُم وَكَذَلِكَ رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ الْفَتْح ١٨ فَصرحَ تَعَالَى بِرِضَاهُ عَن أُولَئِكَ وهم ألف وَنَحْو أَرْبَعمِائَة وَمن ﵁ تَعَالَى لَا يُمكن مَوته على الْكفْر لِأَن الْعبْرَة بالوفاة على الْإِسْلَام فَلَا يَقع الرِّضَا مِنْهُ تَعَالَى إِلَّا على من علم مَوته على الْإِسْلَام وَأما من علم مَوته على الْكفْر فَلَا يُمكن أَن يخبر الله تَعَالَى بِأَنَّهُ رَضِي عَنهُ فَعلم أَن كلا من هَذِه الآياة وَمَا قبلهَا صَرِيح فِي رد مَا زَعمه وافتراه أُولَئِكَ الْمُلْحِدُونَ الجاحدون حَتَّى لِلْقُرْآنِ الْعَزِيز إِذْ يلْزم من الْإِيمَان بِهِ الْإِيمَان بِمَا فِيهِ وَقد علمت أَن الَّذِي فِيهِ أَنهم خير الْأُمَم وَأَنَّهُمْ عدُول أخيار وَأَن الله لَا يخزيهم وَأَنه رَاض عَنْهُم فَمن لم يصدق بذلك فيهم فَهُوَ مكذب لما فيالقرآن وَمن كذب بِمَا فِيهِ مِمَّا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ كَافِرًا جاحدا ملحدا مارقا
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ولذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ التَّوْبَة ١٠٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ الْأَنْفَال ٦٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا
تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم﴾ - ١٠ الحشد
فَتَأمل مَا وَصفهم الله بِهِ من هَذِه الْآيَة تعلم بِهِ ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة وَرَمَاهُمْ بِمَا هم بريئون مِنْهُ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ الْفَتْح ٢٩ فَانْظُر إِلَى عَظِيم مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة فَإِن قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ جملَة مبينَة للْمَشْهُود بِهِ فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق﴾ إِلَى قَوْله ﴿شَهِيدا﴾ الْفَتْح ٢٨ فَفِيهَا ثَنَاء عَظِيم على رَسُوله ﷺ ثمَّ ثنى بالثناء على أَصْحَابه بقوله ﴿وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ الْمَائِدَة ٥٤ فوصفهم الله تَعَالَى بالشدة والغلظة على الْكفَّار وبالرحمة وَالْبر والعطف على الْمُؤمنِينَ والذلة والخضوع لَهُم ثمَّ أثنى عَلَيْهِم بِكَثْرَة الْأَعْمَال مَعَ الْإِخْلَاص التَّام وسعة الرَّجَاء فِي فضل الله وَرَحمته بابتغائهم فَضله ورضوانه وَبِأَن آثَار ذلكالإخلاص وَغَيره من أَعْمَالهم الصَّالِحَة ظَهرت على وُجُوههم حَتَّى إِن من نظر إِلَيْهِم بهره حسن سمتهم وهديهم وَمن ثمَّ قَالَ مَالك
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بَلغنِي أَن النَّصَارَى كَانُوا إِذا رَأَوْا الصَّحَابَة الَّذين فتحُوا الشَّام قَالُوا وَالله لهَؤُلَاء خير من الحواريين فِيمَا بلغنَا
وَقد صدقُوا فِي ذَلِك فَإِن هَذِه الْأمة المحمدية خُصُوصا الصَّحَابَة لم يزل ذكرهم مُعظما فِي الْكتب كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة ﴿ذَلِك مثلهم﴾ أَي وَصفهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ أَي وَصفهم يَفِ الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه أَي فِرَاخه فآزره أَي شده وَقواهُ فاستغلظ أَي شب فطال فَكَذَلِك أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم مَعَه كالشطء مَعَ الزَّرْع ليغيظ بهم الْكفَّار
وَمن هَذِه الْآيَة أَخذ الإِمَام مَالك فِي رِوَايَة عَنهُ بِكفْر الروافض الَّذين يبغضون الصَّحَابَة قَالَ لِأَن الصَّحَابَة يغيظونهم وَمن غاظه الصَّحَابَة فَهُوَ كَافِر
وَهُوَ مَأْخَذ حسن يشْهد لَهُ ظَاهر الْآيَة وَمن ثمَّ وَافقه الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله بكفرهم وَوَافَقَهُ أَيْضا جمَاعه من الْأَئِمَّة
وَالْأَحَادِيث فِي فضل الصَّحَابَة كَثِيرَة وَقد قدمنَا معظمها فِي أول هَذَا الْكتاب ويكفيهم شرفا أَي شرف ثَنَاء الله عَلَيْهِم فِي تِلْكَ الْآيَات كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي غَيرهَا وَرضَاهُ عَنْهُم وَأَنه تَعَالَى وعدهم جَمِيعهم لَا بَعضهم إِذْ من فِي مِنْهُم لبَيَان الْجِنْس لَا للتَّبْعِيض مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما ووعد الله صدق وَحقّ لَا يتَخَلَّف وَلَا يخلف لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم
فَعلم أَن جَمِيع مَا قدمْنَاهُ من الْآيَات هُنَا وَمن الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الشهيرة فِي
الْمُقدمَة يَقْتَضِي الْقطع بتعديلهم وَلَا يحْتَاج أحد مِنْهُم مَعَ تَعْدِيل الله لَهُ إِلَى تَعْدِيل أحد من الْخلق على أَنه لَو لم يرد من الله وَرَسُوله فيهم شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ لأوجبت الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من الْهِجْرَة وَالْجهَاد ونصرة الْإِسْلَام ببذل المهج وَالْأَمْوَال وَقتل الْآبَاء وَالْأَوْلَاد والمناصحة فِي الدّين وَقُوَّة الْإِيمَان وَالْيَقِين الْقطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم هَذَا مَذْهَب كَافَّة الْعلمَاء وَمن يعْتَمد قَوْله وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا شذوذ من المبتدعة الَّذين ضلوا وأضلوا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم وَلَا يعول عَلَيْهِم وَقد قَالَ إِمَام عصره أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ من أجل شُيُوخ مُسلم إِذا رَأَيْت الرجل ينتقص أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَاعْلَم أَنه زنديق وَذَلِكَ أَن الرَّسُول ﷺ حق وَالْقُرْآن حق وَمَا جَاءَ بِهِ حق وَإِنَّمَا أدّى إِلَيْنَا ذَلِك كُله الصَّحَابَة فَمن جرحهم إِنَّمَا أَرَادَ إبِْطَال الْكتاب وَالسّنة فَيكون الْجرْح بِهِ ألصق وَالْحكم عَلَيْهِ بالزندقة والضلالة وَالْكذب وَالْفساد هُوَ الأقوم الأحق
وَقَالَ ابْن حزم الصَّحَابَة كلهم من أهل الْجنَّة قطعا قَالَ تَعَالَى لَا
يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى) الْحَدِيد ١٠
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠١ فَثَبت أَن جَمِيعهم من أهل الْجنَّة وَأَنه لَا يدْخل أحد مِنْهُم النَّار لأَنهم المخاطبون بِالْآيَةِ الأولى الَّتِي أثبت لكل مِنْهُم الْحسنى وَهِي الْجنَّة وَلَا يتَوَهَّم أَن التَّقْيِيد بِالْإِنْفَاقِ أَو الْقِتَال فِيهَا وبالإحسان فِي الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان يخرج من لم يَتَّصِف بذلك مِنْهُم لِأَن تِلْكَ الْقُيُود خرجت مخرج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهَا على أَن المُرَاد من اتّصف بذلك وَلَو بِالْقُوَّةِ أَو الْعَزْم وَزعم الْمَاوَرْدِيّ اخْتِصَاص الحكم بِالْعَدَالَةِ بِمن لَازمه وَنَصره دون من اجْتمع بِهِ يَوْمًا أَو لغَرَض غير مُوَافق عَلَيْهِ بل اعْتَرَضَهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء قَالَ شيخ الْإِسْلَام العلائي هُوَ قَول غَرِيب يخرج كثيرا من الْمَشْهُورين بالصحبة وَالرِّوَايَة عَن الحكم بِالْعَدَالَةِ كوائل بن حجر وَمَالك بن الْحُوَيْرِث وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَغَيرهم مِمَّن وَفد عَلَيْهِ ﷺ وَلم يقم عِنْده إِلَّا قَلِيلا وَانْصَرف وَالْقَوْل بالتعميم هُوَ الَّذِي صرح بِهِ الْجُمْهُور وَهُوَ الْمُعْتَبر
انْتهى
وَمِمَّا رد بِهِ عَلَيْهِ أَن تَعْظِيم الصَّحَابَة وَإِن قل اجْتِمَاعهم بِهِ ﷺ كَانَ مقررا عِنْد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَغَيرهم وَقد صَحَّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة تنَاول مُعَاوِيَة فِي حَضرته وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ ثمَّ ذكر أَنه وَأَبا بكر ورجلا
يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى) الْحَدِيد ١٠ من أهل الْبَادِيَة نزلُوا على أَبْيَات فيهم امْرَأَة حَامِل فَقَالَ البدوي لَهَا أُبَشِّرك أَن تلدي غُلَاما
قَالَت نعم
قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي شَاة ولدت غُلَاما فَأَعْطَتْهُ فَسمع لَهَا اسجاعا ثمَّ عمد إِلَى الشَّاة فذبحها وطبخها وَجَلَسْنَا نَأْكُل مِنْهَا ومعنا أَبُو بكر فَلَمَّا علم الْقِصَّة قَامَ فتقيأ كل شَيْء أكل قَالَ ثمَّ رَأَيْت ذَلِك البدوي قد أُتِي بِهِ عمر وَقد هجا الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُم عمر لَوْلَا أَن لَهُ صُحْبَة من رَسُول الله ﷺ مَا أَدْرِي مَا قَالَ فِيهَا لكفيتكموه
انْتهى
فَانْظُر توقف عمر عَن مُعَاتَبَته فضلا عَن معاقبته لكَونه علم أَنه لَقِي النَّبِي ﷺ تعلم أَن فِيهِ أبين شَاهد على أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن شَأْن الصُّحْبَة لَا يعدله شَيْء كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله ﷺ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه)
وتواتر عَنهُ ﷺ قَوْله (خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ)
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله اخْتَار أَصْحَابِي على الثقلَيْن سوى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ) وَفِي رِوَايَة
(أَنْتُم موفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله ﷿
وَاعْلَم أَنه وَقع خلاف فِي التَّفْضِيل بَين الصَّحَابَة وَمن جَاءَ بعدهمْ من صالحي هَذِه الْأمة فَذهب أَبُو عمر بن عبد الْبر إِلَى أَنه يُوجد فِيمَن يَأْتِي بعد الصَّحَابَة من هُوَ أفضل من بعض الصَّحَابَة وَاحْتج على ذَلِك بِخَبَر (طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي مرّة وطوبى لمن لم يرني وآمن بِي سبع مَرَّات)
وبخبر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أَتَدْرُونَ أَي الْخلق أفضل إِيمَانًا) قُلْنَا الْمَلَائِكَة
قَالَ (وَحقّ لَهُم بل غَيرهم) قُلْنَا الْأَنْبِيَاء قَالَ وَحقّ لَهُم بل غَيرهم ثمَّ قَالَ ﷺ (أفضل الْخلق إِيمَانًا قوم فِي أصلاب الرِّجَال يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني فهم أفضل الْخلق إِيمَانًا)
وَبِحَدِيث (مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدرى آخِره خير أم أَوله)
وبخبر (ليدركن الْمَسِيح أَقْوَامًا إِنَّهُم لمثلكم أَو خير ثَلَاثًا وَلنْ يخزي الله أمة أَنا أَولهَا والمسيح آخرهَا)
وبخير (يَأْتِي أَيَّام لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أجر خمسين)
قيل مِنْهُم أَو منا يَا رَسُول الله قَالَ (بل مِنْكُم) وَبِمَا روى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة كتب إِلَى سَالم بن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَن أكتب لي بسيرة عمر فَأَنت أفضل من عمر لِأَن زَمَانك لَيْسَ كزمان عمر وَلَا رجالك كرجال عمر وَكتب إِلَى فُقَهَاء زَمَانه فكلهم كتب بِمثل قَول سَالم
قَالَ أَبُو عمر فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَقْتَضِي مَعَ تَوَاتر طرقها وحسنها التَّسْوِيَة بَين أول هَذِه الْأمة وَآخِرهَا فِي فضل الْعَمَل إِلَّا أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة قَالَ وَخبر (خير النَّاس قَرْني) لَيْسَ على عُمُومه لِأَنَّهُ جمع الْمُنَافِقين وَأهل الْكَبَائِر الَّذين قَامَ عَلَيْهِم وعَلى بَعضهم الْحُدُود انْتهى
والْحَدِيث الأول لَا شَاهد فِيهِ للأفضلية وَالثَّانِي ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ لَكِن صحّح الْحَاكِم وَحسن غَيره خبر يَا رَسُول الله هَل أحد خير منا أسلمنَا مَعَك وجاهدنا مَعَك قَالَ (قوم يكونُونَ من بعدكم يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني)
وَالْجَوَاب عَنهُ وَعَن الحَدِيث الثَّالِث فَإِنَّهُ حَدِيث حسن لَهُ طرق قد يرتقي بهَا إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَعَن الحَدِيث الرَّابِع فَإِنَّهُ حسن أَيْضا وَعَن الحَدِيث الْخَامِس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَن الْمَفْضُول قد يكون فِيهِ مزية لَا تُوجد فِي الْفَاضِل
وَأَيْضًا مُجَرّد زِيَادَة الْأجر لَا تَسْتَلْزِم الْأَفْضَلِيَّة الْمُطلقَة
وَأَيْضًا الْخَيْرِيَّة بَينهمَا إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار مَا يُمكن أَن يجتمعا فِيهِ وَهُوَ عُمُوم الطَّاعَات الْمُشْتَركَة بَين سَائِر الْمُؤمنِينَ فَلَا يبعد حِينَئِذٍ تَفْضِيل بعض من ياتي على بعض الصَّحَابَة فِي ذَلِك
وَأما مَا اخْتصَّ بِهِ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وفازوا بِهِ من مُشَاهدَة طلعته ﷺ ورؤية ذَاته المشرفة المكرمة فَأمر من وَرَاء الْعقل إِذْ لَا يسع أحد أَن يَأْتِي من الْأَعْمَال وَإِن جلت بِمَا يُقَارب ذَلِك فضلا عَن أَن يماثله وَمن ثمَّ سُئِلَ عبد الله ابْن الْمُبَارك وناهيك بِهِ جلالة وعلما أَيّمَا أفضل مُعَاوِيَة أَو عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ الْغُبَار الَّذِي دخل أنف فرس مُعَاوِيَة مَعَ رَسُول الله ﷺ خير من عمر ابْن عبد الْعَزِيز كَذَا وَكَذَا مرّة
أَشَارَ بذلك إِلَى أَن فَضِيلَة صحبته ﷺ ورؤيته لَا
يعدلها شَيْء وَبِذَلِك علم الْجَواب عَن اسْتِدْلَال أبي عمر بقضية عمر بن عبد الْعَزِيز وَأَن قَول أهل زَمَنه لَهُ أَنْت أفضل من عمر
إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لما تَسَاويا فِيهِ إِن تصور من الْعدْل فِي الرّعية وَأما من حَيْثُ الصُّحْبَة وَمَا فَازَ بِهِ عمر من حقائق الْقرب ومزايا الْفضل وَالْعلم وَالدّين الَّتِي شهد لَهُ بهَا النَّبِي ﷺ فَأنى لِابْنِ عبد الْعَزِيز وَغَيره وَأَن يلحقوه فِي ذرة من ذَلِك
فَالصَّوَاب مَا قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفا لما يَأْتِي وَعلم من قَول أبي عمر إِلَّا أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة
أَن الْكَلَام فِي غير أكَابِر الصَّحَابَة مِمَّن لم يفز إِلَّا بِمُجَرَّد رُؤْيَته ﷺ وَقد ظهر أَنه فَازَ بِمَا لم يفز بِهِ من بعده وَأَن من بعده لَو عمل ماعساه أَن يعْمل لَا يُمكنهُ أَن يحصل مَا يقرب من هَذِه الخصوصية فضلا عَن أَن يساويها هَذَا فِيمَن لم يفز إِلَّا بذلك فَمَا بالك بِمن ضم إِلَيْهَا أَنه قَاتل مَعَه ﷺ أَو فِي زَمَنه بأَمْره أَو نقل شَيْئا من الشَّرِيعَة إِلَى من بعده أَو أنْفق شَيْئا من مَاله بِسَبَبِهِ فَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِي أَن أحدا من الجائين بعده لَا يُدْرِكهُ وَمن ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ الْحَدِيد ١٠
وَمِمَّا يشْهد لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف من أَنهم خير خلق الله وأفضلهم بعد النَّبِيين وخواص الْمَلَائِكَة والمقربين مَا قَدمته من فَضَائِل الصَّحَابَة ومآثرهم أول الْكتاب وَهُوَ كثير فَرَاجعه وَمِنْه حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ (لَا تسبوا
أَصْحَابِي فَلَو أَن أحدا أنْفق مثل أحد مَا بلغ مثل أمد أحدهم وَلَا نصيفه) وَفِي رِوَايَة لَهما (فَإِن أحدكُم) بكاف الْخطاب وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (لَو أنْفق أحدكُم)
الحَدِيث والنصيف بِفَتْح النُّون لُغَة فِي النّصْف
وروى الدَّارمِيّ وَابْن عدي وَغَيرهمَا أَنه ﷺ قَالَ (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ)
وَمن ذَلِك أَيْضا الْخَبَر الْمُتَّفق على صِحَّته (خير الْقُرُون أَو النَّاس أَو أمتِي قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ)
والقرن أهل زمن وَاحِد مُتَقَارب اشْتَركُوا فِي وصف مَقْصُود وَيُطلق على زمن مَخْصُوص وَقد اخْتلفُوا فِيهِ من عشرَة أَعْوَام إِلَى مائَة وَعشْرين إِلَّا السّبْعين والمئة وَعشرَة فَلم يحفظ قَائِل بهما وَمَا عداهما قَالَ بِهِ قَائِل وَأَعْدل الْأَقْوَال قَول صَاحب الْمُحكم هُوَ الْقدر الْمُتَوَسّط من أَعمار أهل كل زمن وَالْمرَاد بقرنه ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحَابَة وَآخر من مَاتَ مِنْهُم على الْإِطْلَاق بِلَا خلاف أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة
اللَّيْثِيّ كَمَا جزم بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه وَكَانَ مَوته سنة مائَة على الصَّحِيح وَقيل سنة سبع وَمِائَة وَقيل سنة عشر وَمِائَة
وَصَححهُ الذَّهَبِيّ لمطابقته للْحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ قَوْله ﷺ قبل وَفَاته بِشَهْر (على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى على وَجه الأَرْض مِمَّن هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم أحد) وَفِي رِوَايَة مُسلم (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِنَّهُ لَيْسَ من نفس منفوسة يَأْتِي عَلَيْهَا مائَة سنة) فَأَرَادَ بذلك انخرام الْقرن بعد مائَة سنة من حِين مقَالَته
وَالْقَوْل بِأَن عكراش بن ذُؤَيْب عَاشَ بعد وقْعَة الْجمل مائَة سنة غير صَحِيح وعَلى التنزل فَمَعْنَاه استكملها بعد ذَلِك لَا أَنه بَقِي بعْدهَا مائَة سنة كَمَا قَالَ الْأَئِمَّة وَمَا قَالَه
جمَاعَة فِي رتن الْهِنْدِيّ وَمعمر المغربي وَنَحْوهمَا فقد بَالغ الْأَئِمَّة سِيمَا الذَّهَبِيّ فِي تزييفه وبطلانه قَالَ الْأَئِمَّة وَلَا يروج ذَلِك على من لَهُ أدني مسكة من الْعقل وَمر أَن أَفضَلِيَّة قرنه ﷺ على من يَلِيهِ وهم التابعون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوع لَا إِلَى كل فَرد خلافًا لِابْنِ عبد الْبر وَكَذَا يُقَال فِي التَّابِعين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وتابعيهم
ثمَّ الصَّحَابَة أَصْنَاف مهاجرون وأنصار وحلفاء وهم من أسلم يَوْم الْفَتْح أَو بعده فأفضلهم إِجْمَالا الْمُهَاجِرُونَ فَمن بعدهمْ على التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَأما تَفْصِيلًا فسباق الْأَنْصَار أفضل من جمَاعَة من متأخري الْمُهَاجِرين وسباق الْمُهَاجِرين أفضل من سباق الْأَنْصَار ثمَّ هم بعد ذَلِك يتفاوتون فَرب مُتَأَخّر إسلاما كعمر أفضل من مُتَقَدم كبلال
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ من أكَابِر أَئِمَّتنَا أجمع أهل السّنة أَن أفضل
الصَّحَابَة أَبُو بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ فَأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعَة الرضْوَان بِالْحُدَيْبِية فباقي الصَّحَابَة
انْتهى
وَمر اعْتِرَاض حكايته الْإِجْمَاع بَين عَليّ وَعُثْمَان إِلَّا إِن أَرَادَ بِالْإِجْمَاع فيهمَا إِجْمَاع أَكثر أهل السّنة فَيصح مَا قَالَه حِينَئِذٍ هَذَا وَقد أخرج الْأنْصَارِيّ عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (يَا أَبَا بكر لَيْت أَنِّي لقِيت إخْوَانِي)
فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله نَحن إخوانك قَالَ (أَنْتُم أَصْحَابِي إخْوَانِي الَّذين لم يروني وَصَدقُوا بِي وأحبوني حَتَّى إِنِّي لأحب إِلَى أحدهم من وَلَده ووالده)
قَالُوا يَا رَسُول الله نَحن إخوانك
قَالَ (أَنْتُم أَصْحَابِي أَلا تحب يَا ابا بكر قوما أحبوك بحبي إياك فأحبهم مَا أحبوك بحبي إياك)
وَقَالَ ﷺ (من أحب الله أحب الْقُرْآن وَمن أحب الْقُرْآن أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي أحب أَصْحَابِي وَقَرَابَتِي)
رَوَاهُ الديلمي
وَقَالَ ﷺ (يَا أَيهَا النَّاس احْفَظُونِي فِي أختاني وأصهاري وأصحابي
لَا يطالبنكم الله بمظلمة أحد مِنْهُم فَإِنَّهَا لَيست مِمَّا يُوهب)
رَوَاهُ الخلعي
قَالَ ﷺ (الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي من أحبهم فقد أَحبَّنِي وَمن أبْغضهُم فقد أبغضني وَمن آذاهم فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله وَمن آذَى الله يُوشك أَن يَأْخُذهُ)
وَرَوَاهُ المخلص الذَّهَبِيّ
فَهَذَا الحَدِيث وَمَا قبله خرج مخرج الْوَصِيَّة بِأَصْحَابِهِ على طَرِيق التَّأْكِيد وَالتَّرْغِيب فِي حبهم والترهيب عَن بغضهم وَفِيه أَيْضا إِشَارَة إِلَى أَن حبهم إِيمَان وبغضهم كفر لِأَن بغضهم إِذا كَانَ بغضا لَهُ ﷺ كَانَ كفرا بِلَا نزاع لخَبر (لن يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه)
وَهَذَا يدل على
كَمَال قربهم مِنْهُ من حَيْثُ أنزلهم منزلَة نَفسه حَتَّى كَأَن أذاهم وَاقع عَلَيْهِ ﷺ وَفِيه أَيْضا أَن محبَّة من أحبه النَّبِي ﷺ كآله وَأَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عَلامَة على محبَّة رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن محبته ﷺ عَلامَة على محبَّة الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ عَدَاوَة من عاداهم وبغض من أبْغضهُم وسبهم عَلامَة على بغض رَسُول الله ﷺ وعدواته وسبه وبغضه ﷺ وعداوته وسبه عَلامَة على بغض الله تَعَالَى وعداوته وسبه فَمن أحب شَيْئا أحب من يحب وَأبْغض من يبغض قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ المجادلة ٢٢ فحب أُولَئِكَ أَعنِي آله ﷺ وأزواجه وذرياته وَأَصْحَابه من الْوَاجِبَات المتعينات وبغضهم من الموبقات المهلكات وَمن محبتهم توقيرهم وبرهم وَالْقِيَام بحقوقهم والاقتداء بهم بِالْمَشْيِ على سنتهمْ وآدابهم وأخلاقهم وَالْعَمَل بأقوالهم مِمَّا لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مجَال ومزيد الثَّنَاء عَلَيْهِم وَحسنه بِأَن يذكرُوا بأوصافهم الجميلة على قصد التَّعْظِيم فقد أثنى الله عَلَيْهِم فِي آيَات كَثِيرَة من كِتَابه الْمجِيد وَمن أثنى الله عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِب الثَّنَاء وَمِنْه الاسْتِغْفَار لَهُم
قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أمروا بِأَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فسبوهم
رَوَاهُ مُسلم وَغَيره على أَن فَائِدَة المستغفر عَائِد أَكْثَرهَا إِلَيْهِ
إِذْ يحصل بذلك مزِيد الثَّوَاب
قَالَ سهل بن عبد الله التسترِي
وناهيك بِهِ علما وزهدا وَمَعْرِفَة وجلالة لم يُؤمن برَسُول الله ﷺ من لم يوقر أَصْحَابه
وَمِمَّا يُوجب أَيْضا الْإِمْسَاك عَمَّا شجر أَي وَقع بَينهم من الِاخْتِلَاف والإضراب صفحا عَن أَخْبَار المؤرخين سِيمَا جهلة الروافض وضلال الشِّيعَة والمبتدعين القادحين فِي أحد مِنْهُم فقد قَالَ ﷺ (إِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا)
وَالْوَاجِب أَيْضا على كل من سمع شَيْئا من ذَلِك أَن يثبت فِيهِ وَلَا ينْسبهُ إِلَى أحدهم بِمُجَرَّد رُؤْيَته فِي كتاب أَو سَمَاعه من شخص بل لَا بُد أَن يبْحَث عَنهُ حَتَّى يَصح عِنْده نسبته إِلَى أحدهم فَحِينَئِذٍ الْوَاجِب أَن يلْتَمس لَهُم أحسن التأويلات وأصوب المخارج إِذْ هم أهل لذَلِك كَمَا هُوَ مَشْهُور فِي مناقبهم ومعدود من مآثرهم مِمَّا يطول إِيرَاده وَقد مر لذَلِك مِنْهُ جملَة فِي بَعضهم
وَمَا وَقع بَينهم من المنازعات والمحاربات فَلهُ محامل وتأويلات وَأما سبهم والطعن فيهم فَإِن خَالف دَلِيلا قَطْعِيا كقذف عَائِشَة ﵂ أَو إِنْكَار صُحْبَة
أَبِيهَا كَانَ كفرا وَإِن كَانَ بِخِلَاف ذَلِك كَانَ بِدعَة وفسقا
وَمن اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن مَا جرى بَين مُعَاوِيَة وَعلي ﵄ من الحروب فَلم يكن لمنازعة مُعَاوِيَة لعَلي فِي الْخلَافَة للْإِجْمَاع على حقيتها لعَلي كَمَا مر فَلم تهج الْفِتْنَة بِسَبَبِهَا وَإِنَّمَا هَاجَتْ بِسَبَب أَن مُعَاوِيَة وَمن مَعَه طلبُوا من عَليّ تَسْلِيم قتلة عُثْمَان إِلَيْهِم لكَون مُعَاوِيَة ابْن عَمه فَامْتنعَ عَليّ ظنا مِنْهُ أَن تسليمهم إِلَيْهِم على الْفَوْر مَعَ كَثْرَة عَشَائِرهمْ واختلاطهم بعسكر عَليّ يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَاب وتزلزل فِي أَمر الْخلَافَة الَّتِي بهَا انتظام كلمة أهل الْإِسْلَام سِيمَا وَهِي فِي ابتدائها لم يستحكم الْأَمر فِيهَا فَرَأى عَليّ ﵁ أَن تَأْخِير تسليمهم أصوب إِلَى أَن يرسخ قدمه فِي الْخلَافَة ويتحقق التَّمَكُّن من الْأُمُور فِيهَا على وَجههَا وَيتم لَهُ انتظام شملها واتفاق كلمة الْمُسلمين ثمَّ بعد ذَلِك يلتقطهم وَاحِدًا فواحدا ويسلمهم إِلَيْهِم وَيدل لذَلِك أَن بعض قتلته عزم على الْخُرُوج على عَليّ ومقاتلته لما نَادَى يَوْم الْجمل بِأَن يخرج عَنهُ قتلة عُثْمَان وَأَيْضًا فَالَّذِينَ تمالؤا على قتل عُثْمَان كَانُوا جموعا كَثِيرَة كَمَا علم مِمَّا قَدمته فِي قصَّة محاصرتهم لَهُ إِلَى أَن قَتله بَعضهم جمع من أهل مصر قيل سَبْعمِائة وَقيل ألف وَقيل خَمْسمِائَة وَجمع من الْكُوفَة وَجمع من الْكُوفَة وَجمع من الْبَصْرَة وَغَيرهم قدمُوا كلهم الْمَدِينَة وَجرى مِنْهُم مَا جرى بل ورد أَنهم هم وعشائرهم نَحْو من عشرَة آلَاف فَهَذَا هُوَ الْحَامِل لعَلي ﵁ على الْكَفّ عَن تسليمهم لتعذره كَمَا عرفت وَيحْتَمل أَن عليا ﵁ رأى أَن قتلة عُثْمَان بغاة حملهمْ على قَتله
تَأْوِيل فَاسد استحلوا بِهِ دَمه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لإنكارهم عَلَيْهِ أمورا كجعله مَرْوَان ابْن عَمه كَاتبا لَهُ ورده إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن طرده النَّبِي ﷺ مِنْهَا وتقديمه أَقَاربه فِي ولَايَة الْأَعْمَال وَقَضِيَّة مُحَمَّد بن أبي بكر ﵄ السَّابِقَة فِي مَبْحَث خلَافَة عُثْمَان مفصلة ظنُّوا أَنَّهَا مبيحة لما فَعَلُوهُ جهلا مِنْهُم وَخطأ والباغي إِذا انْقَادَ إِلَى الإِمَام الْعدْل لَا يُؤَاخذ بِمَا أتْلفه فِي حَال الْحَرْب عَن تَأْوِيل دَمًا كَانَ أَو مَالا كَمَا هُوَ الْمُرَجح من قَول الشَّافِعِي ﵁ وَبِه قَالَ جمَاعَة آخَرُونَ من الْعلمَاء وَهَذَا الِاحْتِمَال وَإِن أمكن لَكِن مَا قبله أولى بالاعتماد مِنْهُ فَإِن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ كَثِيرُونَ من الْعلمَاء أَن قتلة عُثْمَان لم يَكُونُوا بغاة وَإِنَّمَا كَانُوا ظلمَة وعتاة لعدم الِاعْتِدَاد بشبههم وَلِأَنَّهُم أصروا على الْبَاطِل بعد كشف الشُّبْهَة وإيضاح الْحق لَهُم وَلَيْسَ كل من انتحل شُبْهَة يصير بهَا مُجْتَهدا لِأَن الشُّبْهَة تعرض للقاصر عَن دَرَجَة الِاجْتِهَاد وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا هُوَ الْمُقَرّر فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ من أَن من لَهُم شَوْكَة دون تَأْوِيل لَا يضمنُون مَا أتلفوه فِي حَال الْقِتَال كالبغاة لِأَن قتل السَّيِّد عُثْمَان ﵁ لم يكن فِي قتال فَإِنَّهُ لم يُقَاتل بل نهى عَن الْقِتَال حَتَّى إِن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ لما أَرَادَهُ قَالَ لَهُ عُثْمَان عزمت عَلَيْك يَا أَبَا هُرَيْرَة إِلَّا رميت بسيفك إِنَّمَا ترَاد نَفسِي وسأقي الْمُسلمين بنفسي كَمَا أخرجه ابْن عبد الْبر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة
وَمن اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَيْضا أَن مُعَاوِيَة ﵁ لم يكن فِي أَيَّام عَليّ خَليفَة وَإِنَّمَا كَانَ من الْمُلُوك وَغَايَة اجْتِهَاده أَنه كَانَ لَهُ أجر وَاحِد على
اجْتِهَاده وَأما عَليّ ﵁ فَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ أجر على اجْتِهَاده وَأجر على إِصَابَته بل عشرَة أجور لحَدِيث (إِذا اجْتهد الْمُجْتَهد فَأصَاب فَلهُ عشرَة أجور) وَاخْتلفُوا فِي إِمَامَة مُعَاوِيَة بعد موت عَليّ ﵄ فَقيل صَار إِمَامًا وَخَلِيفَة لِأَن الْبيعَة قد تمت لَهُ وَقيل لم يصر إِمَامًا لحَدِيث أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا)
وَقد انْقَضتْ الثَّلَاثُونَ بوفاة عَليّ وَأَنت خَبِير بِمَا قَدمته أَن الثَّلَاثِينَ لم تتمّ بِمَوْت عَليّ وَبَيَانه أَنه توفّي فِي رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة
وَالْأَكْثَرُونَ على أَن وَفَاته سَابِع عشر ووفاة النَّبِي ﷺ ثَانِي عشر ربيع الأول فبينهما دون الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سِتَّة أشهر وتمت الثَّلَاثِينَ بِمدَّة خلَافَة الْحسن بن عَليّ ﵄ فَإِذا تقرر ذَلِك فَالَّذِي يَنْبَغِي كَمَا قَالَه غير وَاحِد من الْمُحَقِّقين أَن يحمل قَول من قَالَ بإمامة مُعَاوِيَة عِنْد وَفَاة عَليّ على مَا تقرر من وَفَاته بِنَحْوِ نصف سنة لما سلم لَهُ الْحسن الْخلَافَة والمانعون لإمامته يَقُولُونَ لَا يعْتد بِتَسْلِيم الْحسن الْأَمر إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ إِلَيْهِ إِلَّا للضَّرُورَة لعلمه بِأَنَّهُ أَعنِي مُعَاوِيَة لَا يسلم الْأَمر لِلْحسنِ وَأَنه قَاصد لِلْقِتَالِ والسفك إِن لم يسلم الْحسن الْأَمر إِلَيْهِ فَلم يتْرك الْأَمر إِلَيْهِ إِلَّا صونا لدماء الْمُسلمين وَلَك رد مَا وَجه بِهِ هَؤُلَاءِ مَا ذكر بِأَن الْحسن كَانَ هُوَ الإِمَام الْحق والخليفة الصدْق وَكَانَ مَعَه من الْعدة وَالْعدَد مَا يُقَاوم من مَعَ مُعَاوِيَة فَلم يكن نُزُوله عَن الْخلَافَة وتسليمه الْأَمر لمعاوية اضطراريا بل كَانَ اختياريا كَمَا
يدل عَلَيْهِ مَا مر فِي قصَّة نُزُوله من أَنه اشْترط عَلَيْهِ شُرُوطًا كَثِيرَة فالتزمها ووفى لَهُ بهَا وَأَيْضًا فقد مر عَن صَحِيح البُخَارِيّ أَن مُعَاوِيَة هُوَ السَّائِل لِلْحسنِ فِي الصُّلْح وَمِمَّا يدل على مَا ذكرته حَدِيث البُخَارِيّ السَّابِق عَن أبي بكرَة قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى جنبه وَهُوَ يقبل على النَّاس مرّة وَعَلِيهِ أُخْرَى وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين)
فَانْظُر إِلَى ترجيه ﷺ الْإِصْلَاح بِهِ وَهُوَ ﷺ لَا يترجى إِلَّا الْأَمر الْحق الْمُوَافق للْوَاقِع بترجيه الْإِصْلَاح من الْحسن يدل على صِحَة نُزُوله لمعاوية عَن الْخلَافَة وَإِلَّا لَو كَانَ الْحسن بَاقِيا على خِلَافَته بعد نُزُوله عَنْهَا لم يَقع ينزوله إصْلَاح وَلم يحمد الْحسن على ذَلِك وَلم يترج ﷺ مُجَرّد النُّزُول من غير أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَته الشَّرْعِيَّة وَوُجُوب طَاعَته على الكافة وَهِي اسْتِقْلَال المنزول لَهُ بِالْأَمر وَصِحَّة خِلَافَته ونفاذ تصرفه وَوُجُوب طَاعَته على الكافة وقيامه بِأُمُور الْمُسلمين فَكَانَ ترجيه ﷺ لوُقُوع الْإِصْلَاح بَين أُولَئِكَ الفئتين العظيمتين من الْمُسلمين بالْحسنِ فِيهِ دلَالَة أَي دلَالَة على صِحَة مَا فعله الْحسن وعَلى أَنه مُخْتَار فِيهِ وعَلى أَن تِلْكَ الْفَوَائِد الشَّرْعِيَّة وَهِي صِحَة خلَافَة مُعَاوِيَة وقيامه بِأُمُور الْمُسلمين وتصرفه فِيهَا بِسَائِر مَا تَقْتَضِيه الْخلَافَة مترتبة على ذَلِك الصُّلْح فَالْحق ثُبُوت الْخلَافَة لمعاوية من حِينَئِذٍ وَأَنه بعد ذَلِك خَليفَة حق وَإِمَام صدق كَيفَ وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن
عبد الرَّحْمَن بن أبي عميرَة الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لمعاوية (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هاديا مهديا)
وَأخرج أَحْمد فِي مُسْنده عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (اللَّهُمَّ علم مُعَاوِيَة الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عبد الْملك ابْن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت أطمع فِي الْخلَافَة مُنْذُ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ (يَا مُعَاوِيَة إِذا ملكت فَأحْسن)
فَتَأمل دُعَاء النَّبِي ﷺ لَهُ فِي الحَدِيث الأول بِأَن الله يَجعله هاديا مهديا والْحَدِيث حسن كَمَا علمت فَهُوَ مِمَّا يحْتَج بِهِ على فضل مُعَاوِيَة وَأَنه لَا ذمّ يلْحقهُ بِتِلْكَ الحروب لما علمت أَنَّهَا كَانَت مَبْنِيَّة على اجْتِهَاد وَأَنه لم يكن لَهُ إِلَّا أجر وَاحِد لِأَن الْمُجْتَهد إِذا أَخطَأ لَا ملام عَلَيْهِ وَلَا ذمّ يلْحقهُ بِسَبَب ذَلِك لِأَنَّهُ مَعْذُور وَلذَا كتب لَهُ أجر
وَمِمَّا يدل لفضله أَيْضا الدُّعَاء فِي الحَدِيث الثَّانِي بِأَن يعلم ذَلِك ويوقى
الْعَذَاب وَلَا شكّ أَن دعاءه ﷺ مستجاب فَعلمنَا مِنْهُ أَنه لَا عِقَاب على مُعَاوِيَة فِيمَا فعل من تِلْكَ الحروب بل لَهُ الْأجر كَمَا تقرر
وَقد سمى النَّبِي ﷺ فئته الْمُسلمين وساواهم بفئة الْحسن فِي وصف الْإِسْلَام فَدلَّ على بَقَاء حُرْمَة الْإِسْلَام لِلْفَرِيقَيْنِ وَأَنَّهُمْ لم يخرجُوا بِتِلْكَ الحروب عَن الْإِسْلَام وَأَنَّهُمْ فِيهِ على حد سَوَاء فَلَا فسق وَلَا نقص يلْحق أَحدهمَا لما قَرَّرْنَاهُ من أَن كلا مِنْهُمَا متأول تَأْوِيلا غير قَطْعِيّ الْبطلَان وَفِئَة مُعَاوِيَة وَإِن كَانَت هِيَ الباغية لكنه بغي لَا فسق بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صدر عَن تَأْوِيل يعْذر بِهِ أَصْحَابه
وَتَأمل أَنه ﷺ أخبر مُعَاوِيَة بِأَنَّهُ يملك وَأمره بِالْإِحْسَانِ تَجِد فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى صِحَة خِلَافَته وَأَنَّهَا حق بعد تَمامهَا لَهُ بنزول الْحسن لَهُ عَنْهَا فَإِن أمره بِالْإِحْسَانِ الْمُتَرَتب على الْملك يدل على حقية ملكه وخلافته وَصِحَّة تصرفه ونفوذ أَفعاله من حَيْثُ صِحَة الْخلَافَة لَهُ من حَيْثُ التغلب لِأَن المتغلب فَاسق معاقب لَا يسْتَحق أَن يبشر وَلَا يُؤمر بِالْإِحْسَانِ فِيمَا تغلب عَلَيْهِ بل إِنَّمَا يسْتَحق الزّجر والمقت والإعلام بقبيح أَفعاله وَفَسَاد أَحْوَاله
فَلَو كَانَ مُعَاوِيَة متغلبا لأشار لَهُ النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك أَو صرح لَهُ بِهِ فَلَمَّا لم يشر لَهُ فضلا عَن أَن يُصَرح إِلَّا بِمَا يدل على حقية مَا هُوَ عَلَيْهِ علمنَا أَنه بعد نزُول الْحسن لَهُ خَليفَة حق وَإِمَام صدق
وَيُشِير إِلَى ذَلِك كَلَام الإِمَام أَحْمد فقد أخرج الْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد الأرمني قَالَ قلت لِأَحْمَد ابْن حَنْبَل من الْخُلَفَاء قَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي
قلت فمعاوية قَالَ لم يكن أحد أَحَق بالخلافة فِي زمَان عَليّ من عَليّ
فأفهم كَلَامه أَن مُعَاوِيَة بعد زمَان عَليّ أَي وَبعد نزُول الْحسن لَهُ أَحَق النَّاس بالخلافة
وَأما مَا أخرجه ابْن ابي شيبَة فِي المُصَنّف عَن سعيد بن جمْهَان قَالَ قلت لسفينة إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم
فَقَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء بل هم مُلُوك من أشر الْمُلُوك وَأول الْمُلُوك مُعَاوِيَة
فَلَا يتَوَهَّم مِنْهُ أَن لَا خلَافَة لمعاوية لِأَن مَعْنَاهُ أَن خِلَافَته وَإِن كَانَت صَحِيحَة إِلَّا أَنه غلب عَلَيْهَا مشابهة الْملك لِأَنَّهَا خرجت عَن سنَن خلَافَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي كثير من الْأُمُور فَهِيَ حقة وصحيحة من حِين نزُول الْحسن لَهُ واجتماع النَّاس أهل الْحل وَالْعقد عَلَيْهِ وَتلك من حَيْثُ إِنَّه وَقع فِيهَا أُمُور ناشئة عَن اجتهادات غير مُطَابقَة للْوَاقِع لَا يَأْثَم بهَا الْمُجْتَهد لَكِنَّهَا تُؤخر عَن دَرَجَات ذَوي الاجتهادات الصَّحِيحَة الْمُطَابقَة للْوَاقِع وهم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَالْحسن ﵃ فَمن أطلق على ولَايَة مُعَاوِيَة أَنَّهَا ملك أَرَادَ من حَيْثُ مَا وَقع فِي خلالها من تِلْكَ الاجتهادات الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن أطلق عَلَيْهَا أَنَّهَا خلَافَة أَرَادَ انه بنزول الْحسن لَهُ واجتماع أهل
الْحل وَالْعقد عَلَيْهِ صَار خَليفَة حق مُطَاعًا يجب لَهُ من حَيْثُ الطواعية والانقياد مَا يجب للخلفاء الرَّاشِدين قبله
وَلَا يُقَال بنظير ذَلِك فِيمَن بعده لِأَن أُولَئِكَ لَيْسُوا من أهل الِاجْتِهَاد بل مِنْهُم عصاة فسقة وَلَا يعدون من جملَة الْخُلَفَاء بِوَجْه بل من جملَة الْمُلُوك بل من أشرهم إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ مُلْحق بالخلفاء الرَّاشِدين وَكَذَلِكَ ابْن الزبير
وَأما مَا يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فَلهُ فِيهِ اسوة أَي أُسْوَة بالشيخين وَعُثْمَان وَأكْثر الصَّحَابَة فَلَا يلْتَفت لذَلِك وَلَا يعول عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يصدر إِلَّا عَن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لَا يُبَالِي الله بهم فِي أَي وَاد هَلَكُوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللَّعْنَة والخذلان وَأقَام على رؤوسهم من سيوف أهل السّنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدَّلَائِل والبرهان مَا يقمعهم عَن الْخَوْض فِي تنقيص أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْأَعْيَان وَلَقَد اسْتعْمل مُعَاوِيَة عمر وَعُثْمَان ﵃ وَكَفاهُ ذَلِك شرفا وَذَلِكَ أَن أَبَا بكر ﵁ لما بعث الجيوش إِلَى الشَّام سَار مُعَاوِيَة مَعَ أَخِيه يزِيد بن أبي سُفْيَان فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يزِيد اسْتَخْلَفَهُ على دمشق فأقره ثمَّ أقره عمر ثمَّ عُثْمَان وَجمع لَهُ الشَّام كُله فَأَقَامَ أَمِيرا عشْرين سنة وَخَلِيفَة عشْرين سنة
قَالَ كَعْب الْأَحْبَار لم يملك أحد هَذِه الْأمة مَا ملك مُعَاوِيَة
قَالَ الذَّهَبِيّ توفّي كَعْب قبل أَن يسْتَخْلف مُعَاوِيَة وَصدق كَعْب فِيمَا نَقله فَإِن مُعَاوِيَة بَقِي خَليفَة عشْرين سنة لَا ينازعه أحد الْأَمر فِي الأَرْض بِخِلَاف غَيره مِمَّن بعده فَإِنَّهُ كَانَ لَهُم مُخَالف وَخرج عَن أَمرهم بعض الممالك
انْتهى
وَفِي إِخْبَار كَعْب بذلك قبل اسْتِخْلَاف مُعَاوِيَة دَلِيل على أَن خِلَافَته مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي بعض كتب الله الْمنزلَة فَإِن كَعْبًا كَانَ حبرها فَلهُ من الِاطِّلَاع عَلَيْهَا والإحاطة بأحكامها مَا فاق سَائِر أَحْبَار أهل الْكتاب وَفِي هَذَا من التقوية لشرف مُعَاوِيَة وحقية خِلَافَته بعد نزُول الْحسن لَهُ مَا لَا يخفى وَكَانَ نُزُوله لَهُ عَنْهَا واستقراره فِيهَا من ربيع الآخر أوجمادى الأولى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فَسُمي هَذَا الْعَام عَام الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاع الْأمة فِيهِ على خَليفَة وَاحِد
وَاعْلَم أَن اهل السّنة اخْتلفُوا فِي تَكْفِير يزِيد بن مُعَاوِيَة وَولي عَهده من بعده فَقَالَت طَائِفَة إِنَّه كَافِر لقَوْل سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره الْمَشْهُور أَنه لماجاء رَأس الْحُسَيْن ﵁ جمع أهل الشَّام وَجعل ينكت رَأسه بالخيزران وينشد ابيات ابْن الزِّبَعْرَى
(لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ...) الأبيات الْمَعْرُوفَة وَزَاد فِيهَا بَيْتَيْنِ مشتملين على صَرِيح الْكفْر
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِيمَا حَكَاهُ سبطه عَنهُ لَيْسَ الْعجب من قتال ابْن زِيَاد للحسين وَإِنَّمَا الْعجب من خذلان يزِيد وضربه بالقضيب ثنايا الْحُسَيْن وَحمله آل رَسُول الله ﷺ سَبَايَا على أقتاب الْجمال
وَذكر أَشْيَاء من قَبِيح مَا اشْتهر عَنهُ ورده الرَّأْس إِلَى الْمَدِينَة وَقد تَغَيَّرت رِيحه ثمَّ قَالَ وَمَا كَانَ مَقْصُوده إِلَّا الفضيحة وَإِظْهَار الرَّأْس أفيجوز أَن يفعل هَذَا بالخوارج لَيْسَ بِإِجْمَاع الْمُسلمين أَن الْخَوَارِج والبغاة يكفنون وَيصلى عَلَيْهِم ويدفنون وَلَو لم يكن فِي قلبه أحقاد جَاهِلِيَّة وأضغان بدرية لاحترم الرَّأْس لما وصل إِلَيْهِ وكفنه وَدَفنه وَأحسن إِلَى آل رَسُول الله ﷺ
انْتهى
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ بِكَافِر فَإِن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للكفر لم يثبت عندنَا مِنْهَا شَيْء وَالْأَصْل بَقَاؤُهُ على إِسْلَامه حَتَّى يعلم مَا يُخرجهُ عَنهُ وَمَا سبق أَنه الْمَشْهُور يُعَارضهُ مَا حُكيَ أَن يزِيد لما وصل إِلَيْهِ رَأس الْحُسَيْن قَالَ رَحِمك الله يَا حُسَيْن لقد قَتلك رجل لم يعرف حق الْأَرْحَام
وتنكر لِابْنِ زِيَاد وَقَالَ قد زرع لي الْعَدَاوَة فِي قلب الْبر والفاجر ورد نسَاء الْحُسَيْن وَمن بَقِي من بنيه مَعَ رَأسه إِلَى الْمَدِينَة ليدفن الرَّأْس بهَا وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لم يثبت مُوجب وَاحِدَة من المقالتين وَالْأَصْل أَنه مُسلم فنأخذ بذلك الأَصْل حَتَّى يثبت عندنَا مَا يُوجب الْإِخْرَاج عَنهُ وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة من الْمُحَقِّقين إِن الطَّرِيقَة الثَّابِتَة القويمة فِي شَأْنه التَّوَقُّف فِيهِ وتفويض أمره إِلَى الله ﷾ لِأَنَّهُ الْعَالم بالخفيات والمطلع على مكنونات السرائر وهواجس الضمائر فَلَا نتعرض لتكفيره أصلا لِأَن هَذَا هُوَ الأحرى والأسلم
وعَلى القَوْل بِأَنَّهُ مُسلم فَهُوَ فَاسق شرير سكير جَائِر كَمَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ فقد أخرج أَبُو يعلى فِي مُسْنده بِسَنَد لكنه ضَعِيف عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد) وَأخرج الرَّوْيَانِيّ فِي
مُسْنده عَن أبي ذَر قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (أول من يُبدل سنتي رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد)
وَفِي هذَيْن الْحَدِيثين دَلِيل أَي دَلِيل لما قَدمته أَن مُعَاوِيَة كَانَت خِلَافَته لَيست كخلافة من بعده من بني أُميَّة فَإِنَّهُ ﷺ أخبر أَن أول من يثلم أَمر أمته ويبدل سنته يزِيد فَافْهَم أَن مُعَاوِيَة لم يثلم وَلم يُبدل وَهُوَ كَذَلِك لما مر أَنه مُجْتَهد وَيُؤَيّد ذَلِك مَا فعله الإِمَام الْمهْدي كَمَا عبر بِهِ ابْن سِيرِين وَغَيره عَن عمر بن عبد الْعَزِيز بِأَن رجلا نَالَ من مُعَاوِيَة بِحَضْرَتِهِ فَضَربهُ ثَلَاثَة أسواط مَعَ ضربه لمن سمى ابْنه يزِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ عشْرين سَوْطًا كَمَا سَيَأْتِي فَتَأمل فرقان مَا بَينهمَا
وَكَانَ مَعَ أبي هُرَيْرَة ﵁ علم من النَّبِي ﷺ بِمَا مر عَنهُ ﷺ فِي يزِيد فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من رَأس السِّتين وإمارة الصّبيان
فَاسْتَجَاب الله لَهُ وتوفاه سنة تسع وَخمسين وَكَانَ وَفَاة مُعَاوِيَة وَولَايَة ابْنه سنة سِتِّينَ فَعلم أَبُو هُرَيْرَة بِولَايَة يزِيد فِي هَذِه السّنة فاستعاذ مِنْهَا لما علمه من قَبِيح أَحْوَاله بِوَاسِطَة إِعْلَام الصَّادِق المصدوق ﷺ بذلك
وَقَالَ نَوْفَل بن أبي الْفُرَات كنت عِنْد عمر بن عبد الْعَزِيز فَذكر رجل يزِيد فَقَالَ قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يزِيد بن مُعَاوِيَة
فَقَالَ تَقول أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمر بِهِ
فَضرب عشْرين سَوْطًا
ولإسرافه فِي الْمعاصِي خلعه أهل الْمَدِينَة فقد أخرج الْوَاقِدِيّ من طرق أَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل قَالَ وَالله مَا خرجنَا على يزِيد حَتَّى خفنا أَن نرمي بِالْحِجَارَةِ من السَّمَاء أَن كَانَ رجلا ينْكح أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات وَيشْرب الْخمر ويدع الصَّلَاة
وَقَالَ الذَّهَبِيّ وَلما فعل يزِيد بِأَهْل الْمَدِينَة مَا فعل مَعَ شربه الْخمر وإتيانه الْمُنْكَرَات اشْتَدَّ عَلَيْهِ النَّاس وَخرج عَلَيْهِ غير وَاحِد وَلم يُبَارك الله فِي عمره
وَأَشَارَ بقوله مَا فعل إِلَى مَا وَقع مِنْهُ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ فَإِنَّهُ بلغه أَن أهل الْمَدِينَة خَرجُوا عَلَيْهِ وخلعوه فَأرْسل لَهُم جَيْشًا عَظِيما وَأمرهمْ بقتالهم فجاؤا إِلَيْهِم وَكَانَت وقْعَة الْحرَّة على بَاب طيبَة وَمَا أَدْرَاك مَا وقْعَة الْحرَّة
ذكرهَا الْحسن مرّة فَقَالَ لله مَا كَاد ينجو مِنْهُم وَاحِد قتل فِيهَا خلق كثير من الصَّحَابَة وَمن غَيرهم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَبعد اتِّفَاقهم على فسقه اخْتلفُوا فِي جَوَاز لَعنه بِخُصُوص اسْمه فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ وَنَقله عَن أَحْمد وَغَيره فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالرَّدِّ على
المتعصب العنيد الْمَانِع من ذمّ يزِيد سَأَلَني سَائل عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ يَكْفِي مَا بِهِ فَقَالَ أَيجوزُ لَعنه فَقلت قد أجَازه الْعلمَاء الورعون مِنْهُم أَحْمد ابْن حَنْبَل فَإِنَّهُ ذكر فِي حق يزِيد مَا يزِيد على اللَّعْنَة ثمَّ روى ابْن الْجَوْزِيّ عَن القَاضِي أبي يعلى الْفراء أَنه روى فِي كِتَابه الْمُعْتَمد فِي الْأُصُول بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ قلت لأبي إِن قوما ينسبوننا إِلَى تولي يزِيد
فَقَالَ يَا بني وَهل يتَوَلَّى يزِيد أحد يُؤمن بِاللَّه وَلم لَا يلعن من لَعنه الله فِي كِتَابه فَقلت وَأَيْنَ لعن الله يزِيد فِي كِتَابه فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم﴾ أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم مُحَمَّد ٢٢ ٢٣ فَهَل يكون فَسَاد أعظم من الْقَتْل وَفِي رِوَايَة فَقَالَ يَا بني مَا أَقُول فِي رجل لَعنه الله فِي كِتَابه فَذكره
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وصنف القَاضِي أَبُو يعلى كتابا ذكر فِيهِ بَيَان من يسْتَحق اللَّعْن وَذكر مِنْهُم يزِيد ثمَّ ذكر حَدِيث (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظلما أخافه الله وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
وَلَا خلاف أَن يزِيد غزا الْمَدِينَة بِجَيْش وأخاف أَهلهَا
انْتهى
والْحَدِيث الَّذِي
ذكره رَوَاهُ مُسلم
وَوَقع من ذَلِك الْجَيْش من الْقَتْل وَالْفساد الْعَظِيم والسبي وَإِبَاحَة الْمَدِينَة مَا هُوَ مَشْهُور حَتَّى فض نَحْو ثَلَاثمِائَة بكر وَقتل من الصَّحَابَة نَحْو ذَلِك وَمن قراء الْقُرْآن نَحْو سبع مائَة نفس وأبيحت الْمَدِينَة أَيَّامًا وَبَطلَت الْجَمَاعَة من الْمَسْجِد النَّبَوِيّ أَيَّامًا وأخيفت أهل الْمَدِينَة أَيَّامًا فَلم يُمكن أحدا دُخُول مَسْجِدهَا حَتَّى دَخلته الْكلاب والذئاب وبالت على منبره ﷺ تَصْدِيقًا لما أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ
وَلم يرض أَمِير ذَلِك الْجَيْش إِلَّا بِأَن يبايعوه ليزِيد على أَنهم خول لَهُ إِن شَاءَ بَاعَ وَإِن شَاءَ أعتق فَذكر لَهُ بَعضهم الْبيعَة على كتاب الله وَسنة رَسُوله فَضرب عُنُقه وَذَلِكَ فِي وقْعَة الْحرَّة السَّابِقَة
ثمَّ سَار جَيْشه
هَذَا إِلَى قتال ابْن الزبير فرموا الْكَعْبَة بالمنجنيق وأحرقوها بالنَّار فَأَي شَيْء أعظم من هَذِه القبائح الَّتِي وَقعت فِي زَمَنه ناشئة عَنهُ وَهِي مصداق الحَدِيث السَّابِق (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد)
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يجوز لَعنه إِذْ لم يثبت عندنَا مَا يَقْتَضِيهِ وَبِه أفتى الْغَزالِيّ وَأطَال فِي الِانْتِصَار لَهُ وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بقواعد أَئِمَّتنَا وَبِمَا صَرَّحُوا بِهِ من أَنه لَا يجوز أَن يلعن شخص بِخُصُوصِهِ إِلَّا إِن علم مَوته على الْكفْر كَأبي جهل وَأبي لَهب وَأما من لم يعلم فِيهِ ذَلِك فَلَا يجوز لَعنه حَتَّى إِن الْكَافِر الْحَيّ الْمعِين لَا يجوز لَعنه لِأَن اللَّعْن هُوَ الطَّرْد عَن رَحْمَة الله المستلزم لليأس مِنْهَا وَذَلِكَ إِنَّمَا يَلِيق بِمن علم مَوته على الْكفْر وَأما من لم يعلم فِيهِ ذَلِك فَلَا وَإِن كَانَ كَافِرًا فِي الْحَالة الظَّاهِرَة لاحْتِمَال أَن يخْتم لَهُ بِالْحُسْنَى فَيَمُوت على الْإِسْلَام وصرحوا أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يجوز لعن فَاسق مُسلم معِين وَإِذا علمت أَنهم صَرَّحُوا بذلك علمت أَنهم مصرحون بِأَنَّهُ لَا يجوز لعن يزِيد وَإِن كَانَ فَاسِقًا خبيثا وَلَو سلمنَا أَنه أَمر بقتل الْحُسَيْن وسر بِهِ لِأَن ذَلِك حَيْثُ لم يكن عَن استحلال أَو كَانَ عَنهُ لَكِن بِتَأْوِيل وَلَو بَاطِلا وَهُوَ فسق لَا كفر على أَن أمره بقتْله وسروره بِهِ لم يثبت صدوره عَنهُ من وَجه صَحِيح
بل كَمَا حُكيَ عَنهُ ذَلِك حُكيَ عَنهُ ضِدّه كَمَا قَدمته
وَأما مَا اسْتدلَّ بِهِ أَحْمد على جَوَاز لَعنه من قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذين دلّ لعنهم الله مُحَمَّد ٢٣ وَمَا اسْتدلَّ بِهِ غَيره من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث مُسلم (وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) فَلَا دلَالَة فيهمَا لجَوَاز لعن يزِيد بِخُصُوص اسْمه وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَيْهِ جَوَاز لَعنه لَا بذلك الْخُصُوص وَهَذَا جَائِز بِلَا نزاع وَمن ثمَّ حُكيَ الِاتِّفَاق على أَنه يجوز لعن من قتل الْحُسَيْن ﵁ أَو أَمر بقتْله أَو أجَازه أَو رَضِي بِهِ من غير تَسْمِيَة ليزِيد كَمَا يجوز لعن شَارِب الْخمر وَنَحْوه من غير تعْيين وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْآيَة والْحَدِيث إِذْ لَيْسَ فيهمَا تعرض للعن أحد بِخُصُوص اسْمه بل لمن قطع رَحمَه وَمن أَخَاف أهل الْمَدِينَة فَيجوز اتِّفَاقًا أَن يُقَال لعن الله من قطع رَحمَه وَمن أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظلما
وَإِذا جَازَ هَذَا اتِّفَاقًا لكَونه لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَة أحد بِخُصُوصِهِ فَكيف يسْتَدلّ بِهِ أَحْمد وَغَيره على جَوَاز لعن شخص معِين بِخُصُوصِهِ مَعَ وضوح الْفرق بَين المقامين فاتضح أَنه لَا يجوز لَعنه بِخُصُوصِهِ وَأَنه لَا دلَالَة فِي الْآيَة والْحَدِيث للْجُوَاز
ثمَّ رَأَيْت ابْن الصّلاح من أكَابِر أَئِمَّتنَا الْفُقَهَاء والمحدثين قَالَ فِي فَتَاوِيهِ
لما سُئِلَ عَمَّن يلعنه لكَونه أَمر بقتل الْحُسَيْن ﵁ لم يَصح عندنَا أَنه أَمر بقتْله ﵁ وَالْمَحْفُوظ أَن الْآمِر بقتاله المفضي إِلَى قَتله كرمه الله إِنَّمَا هُوَ عبيد الله بن زِيَاد وَالِي الْعرَاق إِذْ ذَاك
وَأما سبّ يزِيد ولعنه فَلَيْسَ ذَلِك من شَأْن الْمُؤمنِينَ وَإِن صَحَّ أَنه قَتله أَو أَمر بقتْله
وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَحْفُوظ أَن (لعن الْمُسلم كقتله) وَقَاتل الْحُسَيْن ﵁ لَا يكفر بذلك وَإِنَّمَا ارْتكب إِثْمًا عَظِيما وَإِنَّمَا يكفر بِالْقَتْلِ قَاتل نَبِي من الْأَنْبِيَاء
وَالنَّاس فِي يزِيد ثَلَاث فرق فرقة تتولاه وتحبه وَفرْقَة تسبه وتلعنه وَفرْقَة متوسطة فِي ذَلِك لَا تتولاه وَلَا تلعنه وتسلك بِهِ مَسْلَك سَائِر مُلُوك الْإِسْلَام وخلفائهم غير الرَّاشِدين فِي ذَلِك وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الْمُصِيبَة ومذهبها هُوَ اللَّائِق بِمن يعرف سير الماضين وَيعلم قَوَاعِد الشَّرِيعَة المطهرة
جعلنَا الله من أخيار أَهلهَا آمين
انْتهى لَفظه بِحُرُوفِهِ وَهُوَ نَص فِيمَا ذكرته
وَفِي الْأَنْوَار منكتب أَئِمَّتنَا الْمُتَأَخِّرين والباغون لَيْسُوا بفسقة وَلَا كفرة وَلَكنهُمْ مخطئون فِيهَا يَفْعَلُونَهُ ويذهبون إِلَيْهِ وَلَا يجوز الطعْن فِي مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ من كبار الصَّحَابَة وَلَا يجوز لعن يزِيد وَلَا تكفيره فَإِنَّهُ من جملَة الْمُؤمنِينَ
وَأمره إِلَى مَشِيئَة الله إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ عَفا عَنهُ قَالَه الْغَزالِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَغَيرهمَا
قَالَ الْغَزالِيّ وَغَيره وَيحرم على الْوَاعِظ وَغَيره رِوَايَة مقتل الْحُسَيْن وحكاياته وَمَا جرى بَين الصَّحَابَة من التشاجر والتخاصم فَإِنَّهُ يهيج على بغض الصَّحَابَة والطعن فيهم وهم أَعْلَام الدّين تلقى الْأَئِمَّة الدّين عَنْهُم رِوَايَة وَنحن تلقيناه من الْأَئِمَّة دراية فالطاعن فيهم مطعون طَاعن فِي نَفسه وَدينه
قَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ الصَّحَابَة كلهم عدُول وَكَانَ للنَّبِي ﷺ مائَة ألف وَأَرْبَعَة عشر ألف صَحَابِيّ عِنْد مَوته ﷺ وَالْقُرْآن وَالْأَخْبَار مصرحان بِعَدَالَتِهِمْ وجلالتهم وَلما جرى بَينهم محامل لَا يحْتَمل ذكرهَا هَذَا الْكتاب
انْتهى مُلَخصا
وَمَا ذكره من حُرْمَة رِوَايَة قتل الْحُسَيْن وَمَا بعْدهَا لَا يُنَافِي ماذكرته فِي هَذَا الْكتاب لِأَن هَذَا الْبَيَان الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده من جلالة الصَّحَابَة وبراءتهم من كل نقص بِخِلَاف مَا يَفْعَله الوعاظ الجهلة فَإِنَّهُم يأْتونَ بالأخبار الكاذبة الْمَوْضُوعَة وَنَحْوهَا وَلَا يبينون المحامل وَالْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده فيوقعون الْعَامَّة فِي بغض الصَّحَابَة وتنقيصهم بِخِلَاف مَا ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ لغاية إجلالهم وتنزيههم هَذَا
وَقد بتر عمر يزِيد لسوء مَا فعله واستجابة لدَعْوَة أَبِيه فَإِنَّهُ ليم على عَهده إِلَيْهِ فَخَطب وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت إِنَّمَا عهِدت ليزِيد لما رَأَيْت من فعله فَبَلغهُ مَا أملته وأعنه وَإِن كنت إِنَّمَا حَملَنِي حب الْوَالِد لوَلَده وَأَنه لَيْسَ لما صنعت بِهِ أَهلا فاقبضه قبل أَن يبلغ ذَلِك
فَكَانَ كَذَلِك لِأَن ولَايَته كَانَت سنة سِتِّينَ وَمَات سنة أَربع وَسِتِّينَ لَكِن عَن ولد شَاب صَالح عهد إِلَيْهِ فاستمر مَرِيضا إِلَى أَن مَاتَ وَلم يخرج إِلَى النَّاس وَلَا صلى بهم وَلَا أَدخل نَفسه فِي شَيْء من الْأُمُور وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقيل شَهْرَيْن وَقيل ثَلَاثَة شهور وَمَات عَن إِحْدَى وَعشْرين سنة وَقيل عشْرين
وَمن صَلَاحه الظَّاهِر أَنه لما ولي الْعَهْد صعد الْمِنْبَر فَقَالَ إِن هَذِه الْخلَافَة حَبل الله وَإِن جدي مُعَاوِيَة نَازع الْأَمر أَهله وَمن هُوَ أَحَق بِهِ مِنْهُ عَليّ بن أبي طَالب وَركب بكم مَا تعلمُونَ حَتَّى أَتَتْهُ منيته فَصَارَ فِي قَبره رهينا بذنوبه ثمَّ قلد أبي الْأَمر وَكَانَ غير أهل لَهُ وَنَازع ابْن بنت رَسُول الله ﷺ فقصف عمره وانبتر عقبه وَصَارَ فِي قَبره رهيبا بذنوبه ثمَّ بَكَى وَقَالَ إِن من أعظم الْأُمُور علينا علمنَا بِسوء مصرعه وبئيس منقلبه وَقد قتل عترة رَسُول الله ﷺ وأباح الْحرم وَخرب الْكَعْبَة وَلم أذق حلاوة الْخلَافَة فَلَا أتقلد مرارتها
فشأنكم أَمركُم وَالله لَئِن كَانَت الدُّنْيَا خيرا فقد نلنا مِنْهَا حظا وَلَئِن كَانَت شرا فَكفى ذُرِّيَّة أبي سُفْيَان مَا أَصَابُوا مِنْهَا ثمَّ تغيب فِي منزله حَتَّى مَاتَ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا على مَا مر فرحمه الله حَيْثُ أنصف من أَبِيه وَعرف الْأَمر لأَهله كَمَا عرفه عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان الْخَلِيفَة الصَّالح ﵁ فقد مر عَنهُ أَنه ضرب من سمى يزِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ عشْرين سَوْطًا ولعظيم صَلَاحه وعدله وَجَمِيل أَحْوَاله ومآثره قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ كَمَا أخرجه عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه الْخُلَفَاء الراشدون خَمْسَة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعمر بن عبد الْعَزِيز
وَإِنَّمَا لم يعد الْحسن وَابْن الزبير مَعَ صَلَاحِية كل مِنْهُمَا أَن يكون مِنْهُم بل مر النَّص على أَن الْحسن مِنْهُم لقصر مُدَّة الْحسن وَلِأَن كلا مِنْهُمَا لم يتم لَهُ من نَفاذ الْكَلِمَة واجتماع الْأمة مَا تمّ لعمر بن عبد الْعَزِيز
وَعَن ابْن الْمسيب أَنه قَالَ إِنَّمَا الْخُلَفَاء ثَلَاثَة أَبُو بكر وَعمر وَعمر
فَقَالَ لَهُ حبيب هَذَا أَبُو بكر وَعمر قد عرفناهما فَمن عمر قَالَ إِن عِشْت أَدْرَكته وَإِن مت كَانَ بعْدك
هَذَا مَعَ كَون ابْن الْمسيب مَاتَ قبل خلَافَة عمر وَالظَّاهِر أَنه اطلع على ذَلِك من بعض أخصاء الصَّحَابَة الَّذين أخْبرهُم النَّبِي ﷺ بِكَثِير مَا يكون بعده كَأبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَكَذَا يُقَال فِيمَا يَأْتِي عَن عمر من
التبشير بعمر
وَورد من طرق أَن الذئاب فِي أَيَّام خِلَافَته رعت مَعَ الشَّاة فَلم تعد إِلَّا لَيْلَة مَوته
وَأمه بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب وَكَانَ يبشر بِهِ وَيَقُول من وَلَدي رجل بِوَجْهِهِ شجة يمْلَأ الأَرْض عدلا
أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَ بِوَجْهِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز شجة ضَربته دَابَّة فِي جَبهته وَهُوَ غُلَام فَجعل أَبوهُ يمسح الدَّم عَنهُ وَيَقُول إِن كنت أشج بني أُميَّة إِنَّك لسَعِيد فَصدق ظن أَبِيه فِيهِ
وَأخرج ابْن سعد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ لَيْت شعري من ذُو الشين من وَلَدي يملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا
وَأخرج ابْن عمر قَالَ كُنَّا نتحدث أَن الدُّنْيَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى يَلِي رجل من آل عمر يعْمل بِمثل عمل عمر فَكَانَ بِلَال بن عبد الله بن عُمَيْر بِوَجْهِهِ شامة وَكَانُوا يرَوْنَ أَنه هُوَ حَتَّى جَاءَ الله بعمر بن عبد الْعَزِيز
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من طرق عَن أنس مَا صليت وَرَاء إِمَام بعد رَسُول الله
ﷺ خير من هَذَا الْفَتى
يَعْنِي عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ أَمِير على الْمَدِينَة من جِهَة الْوَلِيد بن عبد الْملك فَإِنَّهُ لما ولي الْخلَافَة بِعَهْد أَبِيه إِلَيْهِ بهَا أَمر عمر عَلَيْهَا من سنة سِتّ وَثَمَانِينَ إِلَى سنة ثَلَاث وَتِسْعين
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عيلة قَالَ دَخَلنَا على عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْم الْعِيد وَالنَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ تقبل الله منا ومنك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَيرد عَلَيْهِم وَلَا يُنكر عَلَيْهِم
قَالَ بعض الْحفاظ الْفُقَهَاء من الْمُتَأَخِّرين وَهَذَا أصل حسن للتهنئة بالعيد وَالْعَام والشهر
انْتهى
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ من أوعية الْعلم وَالدّين وأئمة الْهدى وَالْحق كَمَا يعلم ذَلِك من طالع مناقبه الجليلة ومآثره الْعلية وأحواله السّنيَّة وَقد استوفى كثيرا مِنْهَا أَبُو نعيم وَابْن عَسَاكِر وَغَيرهمَا
وَلَوْلَا خوف الإطالة والانتشار لذكرت مِنْهَا غررا مستكثرة لَكِن فِيمَا أَشرت إِلَيْهِ كِفَايَة
ولنختم الْكتاب بحكاية جليلة نفيسة فِيهَا فَوَائِد غَرِيبَة وَهِي أَن أَبَا نعيم أخرج بِسَنَد صَحِيح عَن رَبَاح بن عُبَيْدَة قَالَ خرج عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الصَّلَاة وَشَيخ يتَوَكَّأ على يَده فَقلت فِي نَفسِي إِن هَذَا الشَّيْخ جَاف فَلَمَّا صلى وَدخل لحقته فَقلت أصلح الله الْأَمِير من الشَّيْخ الَّذِي كَانَ يتكىء على يدك قَالَ يَا رَبَاح رَأَيْته قلت نعم قَالَ مَا أحسبك إِلَّا رجلا صَالحا ذَاك أخي الْخضر أَتَانِي فَأَعْلمنِي أَنِّي سألي أَمر هَذِه الْأمة وَأَنِّي سأعدل فِيهَا
فرحمه الله وَرَضي عَنهُ
وَأَنا أسأَل الله المنان الْوَهَّاب أَن يلحقني بعباده الصَّالِحين وأوليائه العارفين وأحبائه المقربين وَأَن يميتني على محبتهم ويحشرني فِي زمرتهم وَأَن يديم لي خدمَة جناب آل مُحَمَّد وَصَحبه ويمن عَليّ بِرِضَاهُ وحبه ويجعلني من الهادين المهديين أَئِمَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الْعلمَاء والحكماء السَّادة القادة العاملين إِنَّه أكْرم كريم وأرحم رَحِيم دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتحيتهم فِيهَا سَلام وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ وَسَلام على الْمُرْسلين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا وظاهرا وَبَاطنا سرا وعلنا يَا رَبنَا لَك الْحَمد كَمَا يَنْبَغِي لجلال وَجهك وعظيم سلطانك حمدا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ ملْء السَّمَاوَات وملء الأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد أهل الثَّنَاء وَالْمجد أَحَق مَا قَالَ العَبْد وكلنَا لَك عبد لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام التامان الأكملان على أشرف خلقك سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وأزواجه وذرياته عدد خلقك ورضا لنَفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك كلما ذكرك وَذكره الذاكرون وغفل عَن ذكرك وَذكره الغافلون
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
Translation
الخاتمة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة رضوان الله عليهم وفي قتال معاوية وعلي وفي حقية خلافة معاوية بعد نزول الحسن له عن الخلافة وفي بيان اختلافهم في كفر ولده يزيد وفي جواز لعنه وفي توابع وتتمات تتعلق بذلك
#54 Chapter 54 — تتمة في أبواب منتقاة من كتاب للحافظ السخاوي · ref. #54
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
تَتِمَّة فِي أَبْوَاب منتقاة من كتاب لِلْحَافِظِ السخاوي
Translation
تتمة في أبواب منتقاة من كتاب للحافظ السخاوي
#55 Chapter 55 — تتمة · ref. #55
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
تَتِمَّة

لما فرغت من هَذَا الْكتاب أَعنِي الصَّوَاعِق المحرقة رَأَيْت بعد أَربع عشرَة سنة وَقد كتب مِنْهُ من النّسخ مَا لَا أحصي وَنقل إِلَى أقاصي الْبلدَانِ والأقاليم كأقصى الْمغرب وَمَا وَرَاء النَّهر سَمَرْقَنْد وبخارى وكشمير وَغَيرهَا والهند واليمن كتابا فِي مَنَاقِب أهل الْبَيْت فِيهِ زيادات على مَا مر لبَعض الْحفاظ من معاصري مَشَايِخنَا وَهُوَ الْحَافِظ السخاوي ﵀ وَكَانَ يُمكن إِلْحَاق زياداته لقلتهَا على حَوَاشِي النّسخ لَكِن لتفرقها تعذر ذَلِك فَأَرَدْت أَن ألخص هَذَا الْكتاب مَعَ زيادات فِي وَرَقَات إِن أفردت فَهِيَ كَافِيَة فِي التَّنْبِيه على كثير من مآثرهم وَإِن ضمت لهَذَا الْكتاب فَهِيَ مُؤَكدَة تَارَة ومؤسسة أُخْرَى
فَأَقُول اعْلَم أَنه أَشَارَ فِي خطْبَة هَذَا الْكتاب إِلَى بعض حط على ذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى للْإِمَام الْحَافِظ الْمُحب الطَّبَرِيّ بِأَن فِيهِ كثيرا من الْمَوْضُوع وَالْمُنكر فضلا عَن الضَّعِيف ثمَّ نقل عَن شَيْخه الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي أَنه قَالَ فِي حق الْمُحب الطَّبَرِيّ إِنَّه كثير الْوَهم فِي عزوه للْحَدِيث مَعَ كَونه لم يكن
فِي زَمَنه مثله ثمَّ ذكر مُقَدّمَة فِي بَيَان فروع بني هَاشم وفروع بني الْمطلب ولاحاجة لنا بذلك لِأَنَّهُ مَعْرُوف مَشْهُور أَكْثَره وَلِأَن الْغَرَض إِنَّمَا هُوَ ذكر مَا يخْتَص بآل الْبَيْت المطهر
وَفِيه أَبْوَاب
بَاب وَصِيَّة النَّبِي ﷺ

قَالَ ﷺ (أَلا إِن عيبتي الَّتِي آوي إِلَيْهَا أهل بَيْتِي وَإِن كرشي الْأَنْصَار فاعفوا عَن مسيئهم من واقبلوا محسنهم) حَدِيث حسن
وَفِي رِوَايَة (أَلا إِن عيبتي وكرشي أهل بَيْتِي وَالْأَنْصَار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عَن مسيئهم) أَي إِنَّهُم جماعتي وأصحابي الَّذين أَثِق بهم وأطلعهم على أسراري وأعتمد عَلَيْهِم
وكرشي باطني وعيبتي ظاهري وجمالي
وَهَذَا غَايَة فِي التعطف عَلَيْهِم وَالْوَصِيَّة بهم وَمعنى (وتجاوزوا عَن مسيئهم) أقيلوهم عثراتهم فَهُوَ كَحَدِيث (أقيلوا ذَوي الهيئات)
وَصَحَّ من طرق عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه فسر قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى ٢٣ بِأَن المُرَاد مِنْهُ أَنه مَا من بطن من قُرَيْش إِلَّا وَلِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهَا ولادَة وقرابة قريبَة
أَي إِن لم تؤمنوا بِمَا جِئْت بِهِ وتبايعوني عَلَيْهِ فَلَا أَسأَلكُم مَالا وَإِنَّمَا أَسأَلكُم أَن تحفظُوا الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم فَلَا تؤذوني وَلَا تنفرُوا النَّاس عني صلَة للرحم الَّتِي بيني وَبَيْنكُم إِذْ أَنْتُم فِي الْجَاهِلِيَّة كُنْتُم تصلونَ الْأَرْحَام وَلَا تدعوا غَيْركُمْ من الْعَرَب يكون أولى مِنْكُم بحفظي ونصرتي
وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة من تلامذته وَغَيرهم وَلَكِن خَالفه أَجلهم تِلْمِيذه الإِمَام سعيد بن جُبَير ففسر بِحَضْرَتِهِ الْآيَة بِأَن المُرَاد قل لَا أَسأَلكُم أَيهَا النَّاس مَالا على مَا بلغته إِلَيْكُم وَإِنَّمَا الَّذِي أسالكموه أَن تصلوا قَرَابَتي وتودوني فيهم
وَكَانَ ابْن جُبَير مَعَ ذَلِك يُفَسر الْآيَة بِالْوَجْهِ الأول أَيْضا وَهُوَ التَّحْقِيق لِأَنَّهَا صَالِحَة لكل مِنْهُمَا لَكِن يُؤَيّد الأول أَن السُّورَة مَكِّيَّة وَقد رد ابْن عَبَّاس على ابْن جُبَير تَفْسِيره وَلم يرجع إِلَيْهِ
وَجَاء من طَرِيق ضَعِيفَة أَن ابْن عَبَّاس فَسرهَا بِمَا فسر بِهِ ابْن جُبَير وَرفع ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ قَالُوا يَا رَسُول الله عِنْد نزُول الْآيَة من قرابتك هَؤُلَاءِ الَّذين وَجَبت علينا مَوَدَّتهمْ قَالَ (عَليّ وَفَاطِمَة وابناهما)
وَفِي طَرِيق ضَعِيفَة أَيْضا لَكِن لَهَا شَاهد مُخْتَصر صَحِيح أَن سَبَب نزُول الْآيَة افتخار الْأَنْصَار بآثارهم الحميدة فِي الْإِسْلَام على قُرَيْش فَأَتَاهُم النَّبِي ﷺ فِي مجَالِسهمْ فَقَالَ (ألم تَكُونُوا أَذِلَّة فَأَعَزكُم الله بِي) قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله
قَالَ (أَلا تَقولُونَ ألم يخْرجك قَوْمك فَآوَيْنَاك أَو لم يُكذِّبُوك فَصَدَّقْنَاك أَو لم يَخْذُلُوك فَنَصَرْنَاك)
فَمَا زَالَ يَقُول لَهُم حَتَّى جثوا على الركب وَقَالُوا أَمْوَالنَا وَمَا فِي أَيْدِينَا لله وَرَسُوله فَنزلت الْآيَة
وَفِي طَرِيق ضَعِيفَة أَيْضا أَن سَبَب نُزُولهَا أَنه ﷺ لما قدم الْمَدِينَة كَانَت تنوبه نَوَائِب وَلَيْسَ فِي يَده شَيْء فَجمع لَهُ الْأَنْصَار مَالا فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك ابْن أُخْتنَا وَقد هدَانَا الله بك وتنوبك نَوَائِب وَحُقُوق وَلَيْسَ مَعَك سَعَة فجمعنا لَك من أَمْوَالنَا مَا تستعين بِهِ عَلَيْهَا فَنزلت
وَكَونه ابْن أختهم جَاءَ فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة لِأَن أم عبد الْمطلب من بني النجار مِنْهُم
وَفِي حَدِيث سَنَده حسن (أَلا إِن لكل نَبِي تَرِكَة ووضيعة وَإِن تركتي ووضيعتي الْأَنْصَار فاحفظوني فيهم)
وَيُؤَيّد مَا مر من تَفْسِير ابْن جُبَير أَن الْآيَة فِي الْآل ماجاء عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ فِينَا آل حم آيَة لَا يحفظ مودتنا إِلَّا كل مُؤمن ثمَّ قرا الْآيَة
وَجَاء ذَلِك عَن زين العابدين أَيْضا فَإِنَّهُ لما قتل أَبوهُ الْحُسَيْن ﵁ جِيءَ بِهِ أَسِيرًا فأقيم على درج دمشق فَقَالَ رجل من أهل الشَّام الْحَمد لله الَّذِي قتلكم واستأصلكم وَقطع قرن الْفِتْنَة
فَقَالَ لَهُ زين العابدين أَقرَأت الْقُرْآن قَالَ نعم فَبين لَهُ أَن الْآيَة فيهم وَأَنَّهُمْ الْقُرْبَى فِيهَا فَقَالَ وَإِنَّكُمْ لَأَنْتُم هم قَالَ نعم
أخرجه الطَّبَرَانِيّ
وَأخرج الدولابي أَن الْحسن كرم الله وَجهه قَالَ فِي خطبَته أَنا من أهل الْبَيْت الَّذين افْترض الله مَوَدَّتهمْ على كل مُسلم فَقَالَ لنبينا ﷺ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾ واقتراف الْحَسَنَة مودتنا أهل الْبَيْت
وَأورد الْمُحب الطَّبَرِيّ أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله جعل أجري عَلَيْكُم الْمَوَدَّة فِي أهل بَيْتِي وَإِنِّي سَائِلكُمْ غَدا عَنْهُم)
وَقد جَاءَت الْوَصِيَّة الصَّرِيحَة بهم فِي عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث (إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي الثقلَيْن أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا)
قَالَ التِّرْمِذِيّ // حسن غَرِيب // وَأخرجه آخَرُونَ وَلم يصب ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِيرَاده فِي الْعِلَل المتناهية كَيفَ وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره فِي خطبَته قرب رابغ مرجعه من حجَّة الْوَدَاع قبل وَفَاته بِنَحْوِ شهر (إِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن أَولهمَا كتاب الله فِيهِ الْهدى والنور) ثمَّ قَالَ (وَأهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي) ثَلَاثًا فَقيل لزيد بن أَرقم رَاوِيه من أهل بَيته أَلَيْسَ نساؤه من أهل بَيته قَالَ من أهل بَيته وَلَكِن أهل بَيته من حرم الصَّدَقَة بعده قيل وَمن هم قَالَ هم آل عَليّ وَآل عقيل وَآل جَعْفَر وَآل الْعَبَّاس ﵃
قيل كل هَؤُلَاءِ حرم الصَّدَقَة قَالَ نعم
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (كَأَنِّي قد دعيت فأجبت إِنِّي قد تركت فِيكُم الثقلَيْن أَحدهمَا آكِد من الآخر كتاب الله ﷿ وعترتي أَي بِالْمُثَنَّاةِ فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا فَإِنَّهُمَا لن يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ حَوْضِي) وَفِي رِوَايَة (وإنهما لن يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض سَأَلت رَبِّي ذَلِك لَهما فَلَا تتقدموهما فَتَهْلكُوا وَلَا تقصرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلكُوا وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم) وَلِهَذَا الحَدِيث طرق كَثِيرَة عَن بضع وَعشْرين صحابيا الْحَاجة لنا إِلَى بسطها وَفِي رِوَايَة آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ (اخلفوني فِي أَهلِي)
وسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما إِذْ يُقَال لكل خطير شرِيف ثقلا أَو لِأَن الْعَمَل بِمَا أوجب الله من حقوقهما ثقيل جدا
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا) المزمل ٥ أَي لَهُ وزن وَقدر لِأَنَّهُ لَا يُؤدى إِلَّا بتكليف مَا يثقل
وَسمي الْإِنْس وَالْجِنّ ثقلين لاختصاصهما بكونهما قطان الأَرْض وبكونهما فضلا بالتمييز على سَائِر الْحَيَوَان وَفِي هَذِه الْأَحَادِيث سِيمَا قَوْله ﷺ (انْظُرُوا كَيفَ تخلفوني فيهمَا) و(أوصيكم بعترتي خيرا) و(أذكركم الله فِي اهل بَيْتِي) الْحَث الأكيد على مَوَدَّتهمْ ومزيد الْإِحْسَان إِلَيْهِم واحترامهم وإكرامهم وتأدية حُقُوقهم الْوَاجِبَة والمندوبة كَيفَ وهم أشرف بَيت وجد على وَجه الأَرْض فخرا وحسبا ونسبا وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا متبعين للسّنة النَّبَوِيَّة كَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلفهم كالعباس وبنيه وَعلي وَأهل بَيته وَعقيل وبنيه وَبني
جَعْفَر وَفِي قَوْله ﷺ (لَا تتقدموهما فَتَهْلكُوا وَلَا تقصرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلكُوا وَلَا تعلموهم فَإِنَّهُم أعلم مِنْكُم) دَلِيل على ان من تاهل مِنْهُم للمراتب الْعلية والوظائف الدِّينِيَّة كَانَ مقدما على غَيره وَيدل لَهُ التَّصْرِيح بذلك فِي كل قُرَيْش كَمَا مر فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فيهم
وَإِذا ثَبت هَذَا لجملة قُرَيْش فَأهل الْبَيْت النَّبَوِيّ الَّذين هم غرَّة فَضلهمْ ومحتد فَخْرهمْ وَالسَّبَب فِي تميزهم على غَيرهم بذلك أَحْرَى وأحق وَأولى
وَسبق عَن زيد بن أَرقم أَن نِسَاءَهُ ﷺ من أهل بَيته ثمَّ قَالَ وَلَكِن أهل بَيته إِلَى آخِره وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنهم من أهل بَيته بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ دون الْأَخَص وهم من حرمت عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَيُؤَيّد ذَلِك خبر مُسلم أَنه ﷺ خرج ذَات غَدَاة وَعَلِيهِ مرط مرجل من شعر أسود فجَاء الْحسن فَأدْخلهُ ثمَّ الْحُسَيْن فَأدْخلهُ ثمَّ فَاطِمَة فَأدْخلهَا ثمَّ عَليّ فَأدْخلهُ ﵃ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ الْأَحْزَاب ٣٣ وَفِي رِوَايَة (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي) وَفِي أُخْرَى أَن أم سَلمَة أَرَادَت أَن تدخل مَعَهم فَقَالَ ﷺ بعد مَنعه لَهَا (أَنْت على خير) وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله وَأَنا فَقَالَ (وَأَنت) أَي من أهل الْبَيْت الْعَام بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى قَالَت وَأَنا قَالَ (وَأَنت من أَهلِي)
وَكَذَا قَالَ ﷺ لواثلة لما قَالَ يَا رَسُول الله وَأَنا فَقَالَ (أَنْت من أَهلِي) وَرُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (سُلَيْمَان منا آل الْبَيْت وَهُوَ نَاصح
فاتخذه لنَفسك) فعده مِنْهُم بِاعْتِبَار صدق صحبته وعظيم قربه وولائه
وَفِي سَنَد كل مَا عدا رِوَايَة مُسلم مقَال
وَفِي رِوَايَة (أُسَامَة منا آل الْبَيْت ظهرا لبطن) وروى أَحْمد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن الَّذين نزلت فيهم الْآيَة النَّبِي ﷺ وَعلي وَفَاطِمَة وابناهما ﵃ وَقَالَ (يَا رب هَذَا عمي وصنوا أبي وَهَؤُلَاء أهل بَيْتِي فاسترهم من النَّار كستري إيَّاهُم بملاءتي هَذِه) فأمنت أسكفه الْبَاب وحوائط الْبَيْت آمين آمين آمين
وَحَدِيث مُسلم أصح من هَذَا وَأهل الْبَيْت فِيهِ غير أَهله فِي حَدِيث الْعَبَّاس وبنيه الْمَذْكُور لما مر أَن لَهُ إطلاقين إطلاقا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَهُوَ مَا يشْتَمل جَمِيع الْآل تَارَة والزوجات أُخْرَى وَمن صدق فِي ولائه ومحبته أُخْرَى وإطلاقا بِالْمَعْنَى الْأَخَص وهم من ذكرُوا فِي خبر مُسلم وَقد صرح الْحسن ﵁ بذلك فَإِنَّهُ حِين اسْتخْلف وثب عَلَيْهِ رجل من بني أَسد فطعنه وَهُوَ ساجد بخنجر لم يبلغ مِنْهُ مبلغا وَلذَا عَاشَ بعده عشر سِنِين فَقَالَ يَا أهل الْعرَاق اتَّقوا الله فِينَا فَإنَّا امراؤكم وضيفانكم وَنحن أهل الْبَيْت الَّذين قَالَ الله ﷿ فيهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ
تَطْهِيرا) وَلَا زَالَ يُكَرر ذَلِك حَتَّى مَا بَقِي أحد من أهل الْمَسْجِد إِلَّا وَهُوَ يحن بكاء
وَقَالَ زين العابدين لبَعض أهل الشَّام أما قَرَأت فِي الْأَحْزَاب ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ قَالَ وَلَأَنْتُمْ هم قَالَ نعم
وَقَول زيد بن أَرقم أهل بَيته من حرم الصَّدَقَة هُوَ بِضَم الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَالْمرَاد بِالصَّدَقَةِ فِيهِ وفسرهم الشَّافِعِي وَغَيره ببني هَاشم وَالْمطلب وعوضوا عَنْهَا خمس الْخمس من الْفَيْء وَالْغنيمَة الْمَذْكُور فِي سورتي الْأَنْفَال والحشر إِذْ هم المُرَاد بِذِي الْقُرْبَى فيهمَا
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِي تَخْصِيصه ﷺ بني هَاشم وَالْمطلب بإعطائهم سهم ذَوي الْقُرْبَى وَقَوله ﷺ (إِنَّمَا بنوا هَاشم وَالْمطلب شَيْء وَاحِد) فَضِيلَة أُخْرَى وَهِي أَنه حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وعوضهم عَنْهَا خمس الْخمس فَقَالَ (إِن الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد)
قَالَ وَذَلِكَ يدل أَيْضا على أَن آله الَّذين أمرنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِم مَعَه هم الَّذين حرم الله عَلَيْهِم الصَّدَقَة وعوضهم عَنْهَا خمس الْخمس فالمسلمون من بني هَاشم وَالْمطلب يكونُونَ داخلين فِي صَلَاتنَا على آل نَبينَا ﷺ فِي فرائضنا ونوافلنا وفيمن أمرنَا بحبهم
انْتهى
وَقصر مَالك وَأَبُو حنيفَة ﵄ تَحْرِيم الزَّكَاة على بني هَاشم وَعَن أبي حنيفَة جَوَازهَا لَهُم مُطلقًا
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ إِنَّهُم حرمُوا سهم ذَوي الْقُرْبَى
وَأَبُو يُوسُف تحل من بَعضهم لبَعض وَمذهب أَكثر الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد حل أَخذهم النَّفْل
وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك وَعنهُ حل أَخذ الْفَرْض دون التَّطَوُّع لِأَن الذل فِيهِ أَكثر
وَأسْندَ الْمُحب الطَّبَرِيّ خبر (اسْتَوْصُوا بِأَهْل بَيْتِي خيرا فَإِنِّي أخاصمكم عَنْهُم غَدا يَوْم الْقِيَامَة وَمن أكن خَصمه أخصمه وَمن أخصمه دخل النَّار)
قَالَ الْحَافِظ السخاوي لم أَقف لَهُ على أصل أعتمده وَصَحَّ عَن أبي بكر ﵁ أَنه قَالَ ارقبوا مُحَمَّدًا أَي احْفَظُوا عَهده ووده ﷺ فِي أهل بَيته
Translation
تتمة
#56 Chapter 56 — تتمة في أبواب منتاة من كتاب للحافظ السخاوي · ref. #56
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
تَتِمَّة فِي أَبْوَاب منتاة من كتاب لِلْحَافِظِ السخاوي
بَاب الْحَث على حبهم وَالْقِيَام بِوَاجِب حَقهم

صَحَّ خلافًا لما وهم فِيهِ ابْن الْجَوْزِيّ أَنه ﷺ قَالَ (أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بَيْتِي لحبي)
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَغَيره (يُؤمن عبد حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه وَتَكون عِتْرَتِي أحب إِلَيْهِ من عترته وَيكون أَهلِي أحب إِلَيْهِ من أَهله وَتَكون ذاتي أحب إِلَيْهِ من ذَاته)
وَصَحَّ أَن الْعَبَّاس قَالَ يَا رَسُول الله إِن قُريْشًا إِذا لَقِي بَعضهم بَعْضًا لقوهم ببشر حسن وَإِذا لقونا لقونا بِوُجُوه لَا نعرفها فَغَضب ﷺ غَضبا شَدِيدا وَقَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يحبكم الله وَلِرَسُولِهِ)
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ ماجة عَن ابْن عَبَّاس كُنَّا نلقى قُريْشًا وهم يتحدثون فيقطعون حَدِيثهمْ فَذَكرنَا ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ (مَا بَال أَقوام يتحدثون فَإِذا رَأَوْا الرِّجَال من أهل بَيْتِي قطعُوا حَدِيثهمْ وَالله لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يُحِبهُمْ لله ولقربتهم مني) وَفِي أُخْرَى عِنْد أَحْمد وَغَيره (حَتَّى يحبكم الله ولقرابتي) وَفِي أُخْرَى للطبراني جَاءَ الْعَبَّاس ﵁ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنَّك تركت فِينَا ضغائن مُنْذُ صنعت الَّذِي صنعت أَي بِقُرَيْش وَالْعرب
فَقَالَ ﷺ (لَا يبلغ الْخَيْر أَو قَالَ الْإِيمَان عبد حَتَّى يحبكم لله ولقرابتي أترجوا سلهب أَي حَيّ من مُرَاد شَفَاعَتِي وَلَا يرجوها بَنو عبد الْمطلب)
وَفِي أُخْرَى للطبراني أَيْضا (يَا بني هَاشم إِنِّي قد سَأَلت الله ﷿ لكم أَن يجعلكم رحماء نجباء وَسَأَلته أَن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم)
وَإِن الْعَبَّاس ﵁ أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي انْتَهَيْت إِلَى قوم يتحدثون فَلَمَّا رأوني سكتوا لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحبكم لحبي أيرجون أَن يدخلُوا الْجنَّة بشفاعتي وَمَا ذَاك إِلَّا أَنهم يبغضونا فَقَالَ ﷺ (أَو قد فَعَلُوهَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وَلَا يرجوها بَنو عبد الْمطلب) وَفِي حَدِيث بِسَنَد ضَعِيف أَنه ﷺ خرج مغضبا فرقى الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ (مَا بَال رجال يؤذوني فِي أهل بَيْتِي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن عبد حَتَّى يحبني وَلَا يحبني حَتَّى يحب ذَوي رحمي)
وَفِي رِوَايَة للبيهقي وَغَيره وَبَعضهَا سَنَده ضَعِيف وَبَعضهَا سَنَده واه أَن نسْوَة عيرن بنت أبي لَهب بأبيها فَغَضب ﷺ وَاشْتَدَّ غَضَبه فَصَعدَ الْمِنْبَر ثمَّ قَالَ (أَيهَا النَّاس مَالِي أوذى فِي أَهلِي فوَاللَّه إِن شَفَاعَتِي لتنال قَرَابَتي) وَفِي رِوَايَة (مَا بَال أَقوام يؤذونني فِي نسبي وَذَوي رحمي أَلا وَمن آذَى نسبي وَذَوي رحمي فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله) وَفِي أُخْرَى (مَا بَال رجال يؤذونني فِي قَرَابَتي أَلا
من آذَى قَرَابَتي فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله ﵎
وروى الطَّبَرَانِيّ أَن أم هانىء أُخْت عَليّ ﵄ بدا قرطاها فَقَالَ لَهَا عمر إِن مُحَمَّدًا لَا يُغني عَنْك من الله شَيْئا
فَجَاءَت إِلَيْهِ فَأَخْبَرته فَقَالَ ﷺ (تَزْعُمُونَ أَن شَفَاعَتِي لَا تنَال أهل بَيْتِي وَإِن شَفَاعَتِي تنَال صداء وَحكما)
أَي وهما قبيلتان من عرب الْيمن
وروى الْبَزَّار أَن صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله ﷺ توفّي لَهَا ابْن فصاحت فصبرها النَّبِي ﷺ فَخرجت ساكتة فَقَالَ لَهَا عمر فَأمر بِلَالًا فَنَادَى بِالصَّلَاةِ فَصَعدَ الْمِنْبَر ثمَّ قَالَ (مَا بَال أَقوام يَزْعمُونَ أَن قَرَابَتي لَا تَنْفَع كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ونسبي وسببي فَإِنَّهَا مَوْصُولَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)
الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه ضعفاء
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ على الْمِنْبَر (مَا بَال رجال يَقُولُونَ إِن رحم رَسُول الله ﷺ لَا تَنْفَع قومه يَوْم الْقِيَامَة وَالله إِن رحمي مَوْصُولَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنِّي أَيهَا النَّاس فَرَطكُمْ على الْحَوْض)
وَلَا يُنَافِي هَذِه الْأَحَادِيث مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك﴾ خرج فَجمع قومه ثمَّ عَم وَخص بقوله (لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا) حَتَّى قَالَ (يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد) إِمَّا لِأَن هَذِه الرِّوَايَة مَحْمُولَة على من مَاتَ كَافِرًا أَو أَنَّهَا خرجت مخرج التَّغْلِيظ والتنفير أَو أَنَّهَا قبل علمه بِأَنَّهُ يشفع عُمُوما وخصوصا
وَجَاء عَن الْحسن ﵁ أَنه قَالَ لرجل يغلوا فيهم وَيحكم أحبونا لله ١ فَإِن أَطعْنَا الله فأحبونا وَإِن عصينا الله فأبغضونا
فَقَالَ لَهُ الرجل إِنَّكُم ذَوُو قرَابَة رَسُول الله ﷺ وَأهل بَيته
فَقَالَ وَيحكم لَو كَانَ الله نافعنا بِقرَابَة رَسُول الله ﷺ من غير عمل بِطَاعَتِهِ لنفع بذلك من هُوَ أقرب إِلَيْهِ منا وَإِنِّي أَخَاف أَن يُضَاعف للعاصي مِنْهَا الْعَذَاب ضعفين
وَورد (إِنَّمَا سميت ابْنَتي فَاطِمَة لِأَن الله فطمها ومحبيها عَن النَّار)
وَأخرج أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ أَن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ ﵃ دخل يَوْمًا على عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ حدث السن وَله وفرة فَرفع عمر مَجْلِسه وَأَقْبل عَلَيْهِ وَقضى حَوَائِجه ثمَّ أَخذ بعكنة من عكنه فغمزها حَتَّى أوجعهُ وَقَالَ أذكرها عنْدك للشفاعة فَلَمَّا خرج ليم على مَا فعل بِهِ فَقَالَ حَدثنِي الثِّقَة حَتَّى كَأَنِّي أسمعهُ من رَسُول الله ﷺ (إِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني يسرني مَا يسرها) وَأَنا أعلم أَن فَاطِمَة لَو كَانَت حَيَّة لسرها مَا فعلت بابنها
قَالُوا فَمَا غمزك بَطْنه وقولك مَا قلت فَقَالَ غنه لَيْسَ أحد من بني هَاشم إِلَّا وَله شَفَاعَة ورجوت أَن أكون فِي شَفَاعَة هَذَا
وروى الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف أَنه ﷺ قَالَ (الزموا مودلنا أهل الْبَيْت فَإِنَّهُ من لَقِي الله وَهُوَ يودنا دخل الْجنَّة بشفاعتنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا ينفع أحد عمله إِلَّا بِمَعْرِفَة حَقنا)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَنه ﷺ قَالَ لعَلي كرم الله وَجهه (أَنْت وشيعتك)
أَي أهل بَيْتك ومحبوكم الَّذين لم يبتدعوا بسب أَصْحَابِي وَلَا بِغَيْر ذَلِك (تردون عَليّ الْحَوْض رُوَاة مرويين مبيضة وجوكم وَإِن عَدوكُمْ يردون عَليّ ظماء مقمحين)
وَفِي رِوَايَة (إِن الله قد غفر لشيعتك ولمحبي شيعتك)
وروى التِّرْمِذِيّ أَنه ﷺ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِر للْعَبَّاس ولولده مغْفرَة ظَاهِرَة وباطنة مغْفرَة لَا تغادر ذَنبا اللَّهُمَّ اخلفه فِي وَلَده)
وَكَذَا دَعَا رَسُول الله ﷺ بالمغفرة للْأَنْصَار ولأبنائهم وَأَبْنَاء أبنائهم وَلمن أحبهم وروى الْمُحب الطَّبَرِيّ حَدِيث (لَا يحبنا اهل الْبَيْت إِلَّا مُؤمن تَقِيّ وَلَا يبغضنا إِلَّا مُنَافِق شقي)
وَأخرج الديلمي (من أحب الله أحب الْقُرْآن وَمن احب الْقُرْآن أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي أحب أَصْحَابِي وَقَرَابَتِي) وَحَدِيث (أَحبُّوا أَهلِي وأحبوا عليا فَإِن من أبْغض أحدا من أَهلِي فقد حرم شَفَاعَتِي)
قَالَ ابْن عدي وَابْن الْجَوْزِيّ مَوْضُوع وَحَدِيث (حب آل مُحَمَّد يَوْمًا خير من عبَادَة سنة) وَحَدِيث (حبي وَحب آل بَيْتِي نَافِع فِي سبع مَوَاطِن أهوالها عَظِيمَة) وَحَدِيث (معرفَة آل مُحَمَّد بَرَاءَة من النَّار وَحب آل مُحَمَّد جَوَاز على الصِّرَاط وَالْولَايَة لآل مُحَمَّد أَمَان من الْعَذَاب)
قَالَ الْحَافِظ السخاوي وأحسب الثَّلَاثَة غير صَحِيحَة الْإِسْنَاد وَحَدِيث (أَنا شَجَرَة وَفَاطِمَة حملهَا وَعلي لقاحها وَالْحسن وَالْحُسَيْن ثَمَرهَا والمحبون أهل بَيْتِي وَرقهَا وكلنَا فِي الْجنَّة حَقًا حَقًا)
وَحَدِيث (إِن شِيعَتِنَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة على مَا بهم من الْعُيُوب والذنُوب وُجُوههم كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر) // مَوْضُوعَات //
وَحَدِيث (من مَاتَ على حب آل مُحَمَّد مَاتَ شَهِيدا مغفورا لَهُ تَائِبًا مُؤمنا مُسْتَكْمل الْإِيمَان يبشره ملك الْمَوْت بِالْجنَّةِ ومنكر وَنَكِير يزفانه إِلَى الْجنَّة كَمَا تزف الْعَرُوس إِلَى بَيت زَوجهَا وَفتح لَهُ بَابَانِ إِلَى الْجنَّة وَمَات على السّنة وَالْجَمَاعَة وَمن مَاتَ على بغض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله)
أخرجه مَبْسُوطا الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره قَالَ الْحَافِظ السخاوي وآثار الْوَضع كَمَا قَالَ شَيخنَا أَي الْحَافِظ ابْن حجر لائحة عَلَيْهِ
وَحَدِيث (من أحبنا بِقَلْبِه وأعاننا بِيَدِهِ وَلسَانه كنت أَنا وَهُوَ فِي عليين وَمن أحبنا بِقَلْبِه وأعاننا بِلِسَانِهِ وكف يَده فَهُوَ فِي الدرجَة الَّتِي تَلِيهَا وَمن أحبنا بِقَلْبِه وكف عَنَّا لِسَانه وَيَده فَهُوَ فِي الدرجَة الَّتِي تَلِيهَا) فِي سَنَده غال فِي الرَّفْض وهالك كَذَّاب
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ حَدِيث (إِن الله ﷿ ثَلَاث حرمات فَمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه وَمن لم يحفظهن لم يحفظ الله دينه وَلَا دُنْيَاهُ) قلت وَمَا هن قَالَ (حُرْمَة الْإِسْلَام وحرمتي وَحُرْمَة رحمي)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ أَيْضا والديلمي (من لم يعرف حق عِتْرَتِي وَالْأَنْصَار وَالْعرب فَهُوَ لإحدى ثَلَاث إِمَّا مُنَافِق وَإِمَّا لزنية وَإِمَّا حملت بِهِ أمه فِي غير طهر)
Translation
تتمة في أبواب منتاة من كتاب للحافظ السخاوي
#57 Chapter 57 — باب مشروعية الصلاة عليهم تبعا للصلاة على مشرفهم ﷺ · ref. #57
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
بَاب مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِم تبعا للصَّلَاة على مشرفهم ﷺ
بَاب مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِم تبعا للصَّلَاة على مشرفهم ﷺ

صَحَّ يَا رَسُول الله كَيفَ الصَّلَاة عَلَيْكُم أهل الْبَيْت قَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم) الحَدِيث
وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات كَيفَ نصلي عَلَيْك يَا رَسُول الله قَالَ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) الحَدِيث
وَيُسْتَفَاد من الرِّوَايَة الأولى أَن أهل الْبَيْت من جملَة الْآل أَو هم الْآل لَكِن صَحَّ مَا يُصَرح بِأَنَّهُم بَنو هَاشم وَالْمطلب وهم أَعم من أهل الْبَيْت وَمر أَن أهل الْبَيْت قد يُرَاد بهم الْآل وأعم مِنْهُم
وَمِنْه حَدِيث أبي دَاوُد (من سره أَن يكتال بالمكيال الأوفى إِذا صلى علينا أهل الْبَيْت فَلْيقل اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَأهل بَيته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد)
وَجَاء بِسَنَد ضَعِيف عَن وَاثِلَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما جمع فَاطِمَة وعليا وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ تَحت ثَوْبه (اللَّهُمَّ قد جعلت صَلَاتك ومغفرتك ورحمتك ورضوانك على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّهُم مني وَأَنا مِنْهُم
فَاجْعَلْ صَلَاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عَليّ وَعَلَيْهِم) وَقَالَ وَاثِلَة وَكنت وَاقِفًا على الْبَاب فَقلت وَعلي بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله فَقَالَ (اللَّهُمَّ وعَلى وَاثِلَة)
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ حَدِيث (وَمن صلى صَلَاة وَلم يصل فِيهَا عَليّ وعَلى أهل بَيْتِي لم تقبل مِنْهُ)
وَكَأن هَذَا الحَدِيث هُوَ مُسْتَند قَول الشَّافِعِي ﵁ إِن الصَّلَاة على الْآل من وَاجِبَات الصَّلَاة كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ لكنه // ضَعِيف // فمستنده الْأَمر فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ (قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد) وَالْأَمر للْوُجُوب حَقِيقَة على الْأَصْلَح وَبَقِي لهَذِهِ الْأَحَادِيث تتمات وطرق بينتها فِي كتابي الدّرّ المنضود
بَاب دُعَائِهِ ﷺ بِالْبركَةِ فِي هَذَا النَّسْل الْكَرِيم

روى النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَن نَفرا من الْأَنْصَار قَالُوا لعَلي ﵁ لَو كَانَت عنْدك فَاطِمَة فَدخل ﵁ على النَّبِي ﷺ يَعْنِي ليخطبها فَسلم عَليّ فَقَالَ (مَا حَاجَة ابْن أبي طَالب) قَالَ ذكرت فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ
قَالَ (مرْحَبًا وَأهلا) لم يزده عَلَيْهَا فَخرج إِلَى الرَّهْط من الْأَنْصَار وهم ينتظرونه فَقَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ مَا أَدْرِي غير أَنه قَالَ لي مرْحَبًا وَأهلا قَالُوا يَكْفِيك من رَسُول الله ﷺ أَحدهمَا قد أَعْطَاك الْأَهْل وأعطاك الرحب
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بَعْدَمَا زوجه قَالَ (يَا عَليّ لَا بُد للعرس من وَلِيمَة)
قَالَ سعد ﵁ عِنْدِي كَبْش وَجمع لَهُ رَهْط من الْأَنْصَار آصعا من ذرة قَالَ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْبناء قَالَ (لَا تحدث شَيْئا حَتَّى تَلقانِي) فَدَعَا ﷺ بِمَاء فتوضا مِنْهُ ثمَّ أفرغه على عَليّ وَفَاطِمَة ﵄ وَقَالَ (اللَّهُمَّ بَارك فيهمَا وَبَارك عَلَيْهِمَا وَبَارك لَهما فِي نسلهما)
وَرَوَاهُ آخَرُونَ مَعَ حذف بعضه
Translation
باب مشروعية الصلاة عليهم تبعا للصلاة على مشرفهم ﷺ
#58 Chapter 58 — باب بشارتهم الجنة · ref. #58
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
بَاب بشارتهم الْجنَّة
بَاب بشارتهم بِالْجنَّةِ

مر فِي الْبَاب الثَّانِي عدَّة أَحَادِيث فِي أَن لَهُم مِنْهُ ﷺ شَفَاعَة مَخْصُوصَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار) أخرجه تَمام فِي فَوَائده وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ (فَحَرمهَا الله وذريتها على النَّار)
وَجَاء عَن عَليّ بِسَنَد ضَعِيف قَالَ شَكَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ حسدا فِي النَّاس فَقَالَ (أما ترْضى أَن تكون رَابِع أَرْبَعَة أول من يدْخل الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَأَزْوَاجنَا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا وَذُرِّيَّاتنَا خلف أَزوَاجنَا)
وَفِي رِوَايَة سندها ضَعِيف جدا أَنه ﷺ قَالَ لعَلي (إِن أول أَرْبَعَة يدْخلُونَ الْجنَّة أَنا وَأَنت وَالْحسن وَالْحُسَيْن وذراريتنا خلف ظُهُورنَا وَأَزْوَاجنَا خلف ذرارينا وشيعتنا عَن أَيْمَاننَا وَشَمَائِلنَا)
وروى ابْن السّديّ والديلمي فِي مُسْنده (نَحن بَنو عبد الْمطلب سَادَات أهل الْجنَّة أَنا وَحَمْزَة وَعلي وجعفر ابْنا أبي طَالب وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَالْمهْدِي)
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (وَعَدَني رَبِّي فِي أهل بَيْتِي من أقرّ مِنْهُم لله بِالتَّوْحِيدِ ولي بالبلاغ أَن لَا يعذبهم)
وَجَاء بِسَنَد رُوَاته ثِقَات أَنه ﷺ قَالَ لفاطمة (إِن الله غير معذبك وَلَا ولدك) وَفِي رِوَايَة أَنه ﷺ قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاس (يَا عَبَّاس إِن الله غير معذبك وَلَا أحد من ولدك) وَفِي رِوَايَة (يَا عَم سترك الله وذريتك من النَّار)
وروى الْمُحب الطَّبَرِيّ والديلمي وَولده بِلَا إِسْنَاد حَدِيث (سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل النَّار أحدا من أهل بَيْتِي فَأَعْطَانِي ذَلِك)
وروى الْمُحب عَن عَليّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (اللَّهُمَّ إِنَّهُم عترة رَسُولك فَهَب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي فَفعل) قلت مافعل قَالَ (فعله ربكُم بكم ويفعله بِمن بعدكم)
وَفِي حَدِيث قَالَ السخاوي لَا يَصح (يَا عَليّ إِن الله قد غفر لَك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فَإنَّك الأنزع البطين)
وروى أَحْمد أَنه ﷺ قَالَ (يَا معشر بني هَاشم وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا لَو أخذت بِحَلقَة الْجنَّة مَا بدأت إِلَّا بكم)
وَفِي حَدِيث سَنَده ضَعِيف (أول من يرد عَليّ حَوْضِي أهل بَيْتِي وَمن
أَحبَّنِي من أمتِي)
وَصَحَّ (أول النَّاس يرد عَليّ الْحَوْض فُقَرَاء الْمُهَاجِرين الشعث)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا (أول من اشفع لَهُ من أمتِي أهل بَيْتِي الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ الْأَنْصَار ثمَّ من آمن بِي واتبعني ثمَّ الْيمن ثمَّ سَائِر الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم)
وَفِي رِوَايَة للبزار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن شاهين وَغَيرهم (أول من أشفع لَهُ من أمتِي أهل الْمَدِينَة ثمَّ أهل مَكَّة ثمَّ أهل الطَّائِف)
Translation
باب بشارتهم الجنة
#59 Chapter 59 — باب الأمان ببقائهم · ref. #59
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
بَاب الْأمان ببقائهم
بَاب الْأمان ببقائهم

أخرج جمَاعَة بِسَنَد ضَعِيف خبر (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي)
وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَغَيره (النُّجُوم أَمَان لأهل السَّمَاء فَإِذا ذهبت النُّجُوم ذهب أهل السَّمَاء وَأهل بَيْتِي أَمَان لأهل الأَرْض فَإِذا ذهب أهل بَيْتِي ذهب أهل الأَرْض)
(النُّجُوم أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي من الِاخْتِلَاف أَي الْمُؤَدِّي لاستئصال الْأمة فَإِذا خالفتها قَبيلَة من الْعَرَب اخْتلفُوا فصاروا حزب إِبْلِيس)
وَجَاء من طرق كَثِيرَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا (مثل أهل بَيْتِي) وَفِي رِوَايَة (إِنَّمَا مثل أهل بَيْتِي) وَفِي أُخْرَى (إِن مثل أهل بَيْتِي) وَفِي رِوَايَة (أَلا إِن مثل أهل بَيْتِي فِيكُم مثل سفينة نوح فِي قومه من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق)
وَفِي رِوَايَة (من ركبهَا سلم وَمن لم يركبهَا غرق وَإِن مثل أهل بَيْتِي فِيكُم مثل بَاب حطة فِي بني إسرائل من دخله غفر لَهُ)
وَجَاء عَن الْحُسَيْن كرم الله وَجهه من أطَاع الله من وَلَدي وَاتبع كتاب الله وَجَبت طَاعَته
وَعَن وَلَده زين العابدين ﵄ إِنَّمَا شِيعَتِنَا من أطَاع الله وَعمل مثل أَعمالنَا
وَعزا الْمُحب الطَّبَرِيّ لأبي سعيد فِي شرف النُّبُوَّة بِلَا إِسْنَاد حَدِيث (أَنا وَأهل بَيْتِي شَجَرَة فِي الْجنَّة وَأَغْصَانهَا فِي الدُّنْيَا فَمن تمسك بهَا اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا)
وَأورد أَيْضا بِلَا إِسْنَاد حَدِيث (فِي كل خلف من أمتِي عدُول من أهل بَيْتِي ينفون عَن هَذَا الدّين تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين. .) الحَدِيث
وَأشهر مِنْهُ الحَدِيث الْمَشْهُور (يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ. .) إِلَى آخِره
وَهَذَا هُوَ مُسْتَند ابْن عبد الْبر وَغَيره أَن كل من حمل الْعلم وَلم يتَكَلَّم فِيهِ بِجرح فَهُوَ عدل
بَاب خصوصياتهم الدَّالَّة على عَظِيم كراماتهم

وَجَاء طرق بَعْضهَا رِجَاله موثقون أَنه ﷺ قَالَ (كل سَبَب وَنسب مُنْقَطع) وَفِي رِوَايَة (يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا) وَفِي رِوَايَة (مَا خلا سببي ونسبي يَوْم الْقِيَامَة وكل ولد أم) وَفِي رِوَايَة (وكل ولد أَب فَإِن عصبتهم لأبيهم مَا خلا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا أبوهم وعصبتهم)
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عمر ﵁ لعَلي ﵄ لما خطب مِنْهُ بنته أم كُلْثُوم فاعتل بصغرها فَقَالَ إِنِّي لم أرد الْبَاءَة وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فَذكره ثمَّ قَالَ فَأَحْبَبْت أَن يكون لي من رَسُول الله ﷺ سَبَب وَنسب
وَلما تزَوجهَا قَالَ للنَّاس أَلا تهنئوني سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فَذكر الحَدِيث
وَفِي رِوَايَة (كل سَبَب وصهر مُنْقَطع إِلَّا سببي وصهري) وَفِي رِوَايَة فِي سندها ضعف (لكل بني أم عصبَة ينتمون إِلَيْهِ إِلَّا ولد فَاطِمَة فَأَنا وليهم وعصبتهم)
وَفِي رِوَايَة (فَأَنا أبوهم وَأَنا عصبتهم)
وَجَاء من طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا خلافًا لما زَعمه ابْن الْجَوْزِيّ (إِن الله ﷿ جعل ذُرِّيَّة كل نَبِي فِي صلبه وَإِن الله تَعَالَى جعل ذريتي فِي صلب عَليّ بن أبي طَالب)
وَفِي هَذِه الْأَحَادِيث دَلِيل ظَاهر لما قَالَه جمع من محققي أَئِمَّتنَا أَن من خَصَائِصه ﷺ أَن أَوْلَاد بَنَاته ينسبون إِلَيْهِ فِي الْكَفَاءَة وَغَيرهَا أَي حَتَّى لَا يكافىء بنت شرِيف ابْن هاشمي غير شَرّ يَفِ وَأَوْلَاد بَنَات غَيره إِنَّمَا ينسبون لِآبَائِهِمْ لَا إِلَى آبَاء أمهاتهم
وَفِي البُخَارِيّ أَنه ﷺ قَالَ على الْمِنْبَر وَهُوَ ينظر للنَّاس مرّة وللحسن مرّة (إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَيت فئتين من الْمُسلمين)
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقد سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ ابْنه حِين ولد وسمى إخْوَته بذلك
وَعَن الْحسن بِسَنَد حسن كنت مَعَ النَّبِي ﷺ فَمر على جرين من تمر الصَّدَقَة فَأخذت مِنْهُ تَمْرَة فألقيتها فِي فِي فَأَخذهَا بلعابها ثمَّ قَالَ (إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة)
واخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَآخَرُونَ خبر (الْمهْدي من عِتْرَتِي من ولد فَاطِمَة) وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَد وَغَيره (الْمهْدي منا أهل الْبَيْت يصلحه الله فِي لَيْلَة) وَفِي أُخْرَى للطبراني (الْمهْدي منا يخْتم الدّين بِنَا كَمَا فتح بِنَا)
وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه نظر إِلَى ابْنه الْحسن ﵁ فَقَالَ إِن ابْني هَذَا سيد كَمَا سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ وسيخرج من صلبه رجل يُسمى باسم نَبِيكُم يُشبههُ فِي الْخلق وَلَا يُشبههُ فِي الْخلق يمْلَأ الأض عدلا وَفِي رِوَايَة إِن عِيسَى ﷺ يُصَلِّي خَلفه
وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ منا أهل الْبَيْت أَرْبَعَة منا السفاح وَمنا الْمُنْذر وَمنا الْمَنْصُور وَمنا الْمهْدي ثمَّ ذكر بعض وصف كل من الثَّلَاثَة الأول ثمَّ قَالَ وَأما الْمهْدي فَإِنَّهُ يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وتأمن الْبَهَائِم وَالسِّبَاع وتلقي الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا أَمْثَال الأسطوانة من الذَّهَب وَالْفِضَّة
وَهَذَا كَحَدِيث (الْمهْدي من ولد الْعَبَّاس عمي) وكحديث (هَذَا أَي الْعَبَّاس عمي أَبُو الْخُلَفَاء وَإِن من وَلَده السفاح والمنصور وَالْمهْدِي يَا عَم بِي فتح الله هَذَا الْأَمر ويختمه بِرَجُل من ولدك)
سَنَد كل مِنْهُمَا ضَعِيف وعَلى تَقْدِير صحتهما لَا يُنَافِي كَون الْمهْدي من ولد فَاطِمَة الْمَذْكُور فِي الْأَحَادِيث الَّتِي هِيَ أصح واكثر لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِك فِيهِ شُعْبَة من بني الْعَبَّاس كَمَا أَن فِيهِ شُعْبَة من بني الْحُسَيْن وَأما هُوَ حَقِيقَة فَهُوَ من ولد الْحسن كَمَا مر عَن عَليّ كرم الله وَجهه
وَأخرج ابْن الْمُبَارك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ الْمهْدي اسْمه مُحَمَّد ابْن عبد الله ربعَة مشرب بحمرة يفرج الله بِهِ عَن هَذِه الْأمة كل كرب وَيصرف بعدله كل جور ثمَّ يَلِي الْأَمر من بعده اثْنَا عشر رجلا سِتَّة من ولد
الْحسن وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن وَآخر من غَيرهم ثمَّ يَمُوت فَيفْسد الزَّمَان وَحَدِيث (لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى ابْن مَرْيَم) مَعْلُول أَو المُرَاد لَا مهْدي كَامِل على الْإِطْلَاق إِلَّا عِيسَى وَجَاء فِي رِوَايَة (أشبه الْخلق بِهِ ﷺ من أهل بَيته وَلَده إِبْرَاهِيم) وَفِي أُخْرَى (فَاطِمَة فِي الحَدِيث وَالْكَلَام والمشية) وَفِي أُخْرَى صَحِيحَة (الْحسن) أَي فِي الْوَجْه وَالنّصف الْأَعْلَى وَفِي أُخْرَى (الْحُسَيْن) أَي فِيمَا بَقِي وعد الْمهْدي مِمَّن أشبهوه ل ﷺ وهم كَثِيرُونَ
أقواهم شبها جمَاعَة من أهل الْبَيْت المطهر غلط قَائِله بِمَا مر أَنه يُشبههُ خلقا لَا خلقا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والخطيب حَدِيث (يقوم الرجل لِأَخِيهِ عَن مَقْعَده إِلَّا بني هَاشم فَإِنَّهُم لَا يقومُونَ لأحد)
وَجَاء عَن ابْن عَبَّاس // بِسَنَد ضَعِيف // أَنه قَالَ نَحن أهل الْبَيْت شَجَرَة النُّبُوَّة مُخْتَلف الْمَلَائِكَة وَأهل بَيت الرسَالَة وَأهل بَيت الرَّحْمَة ومعدن الْعلم
وَعَن عَليّ بِسَنَد ضَعِيف أَيْضا قَالَ نَحن النجباء وأفراطنا أفراط الْأَنْبِيَاء وحزبنا حزب الله ﷿ والفئة الباغية حزب الشَّيْطَان وَمن سوى بَيْننَا وَبَين عدونا فَلَيْسَ منا
بَاب إكرام الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ لأهل الْبَيْت

صَحَّ عَن أبي بكر ﵁ أَنه قَالَ لعَلي كرم الله وَجهه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ ان أصل من قَرَابَتي
وَحلف عمر للْعَبَّاس ﵄ إِن إِسْلَامه أحب إِلَيْهِ من إِسْلَام أَبِيه لَو أسلم لِأَن إِسْلَام الْعَبَّاس أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ
وأتى زين العابدين ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ مرْحَبًا بالحبيب ابْن الحبيب
وَصلى زيد بن ثَابت ﵁ على جَنَازَة فقربت لَهُ بغلة ليرْكبَهَا فَأخذ ابْن عَبَّاس ﵄ بركابه فَقَالَ لَهُ خل عَنْك يَا ابْن عَم رَسُول الله فَقَالَ هَكَذَا أمرنَا أَن نَفْعل بالعلماء والكبراء فَقبل زيد يَده وَقَالَ هَكَذَا أمرنَا أَن نَفْعل بِأَهْل بَيت نَبينَا
وأتى عبد الله بن حسن بن حُسَيْن عمر بن عبد الْعَزِيز فِي حَاجَة فَقَالَ لَهُ إِذا كَانَت لَك حَاجَة فَأرْسل أَو اكْتُبْ بهَا إِلَيّ فَإِنِّي أستحيي من الله أَن يراك على بَابي
وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش لَو أَتَانِي أَبُو بكر وَعمر وَعلي ﵃ فِي حَاجَة لبدأت بحاجة عَليّ قبلهمَا لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله ﷺ وَلِأَن أخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيّ أَن اقدمه عَلَيْهِمَا
وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا بلغه حَدِيث عَن صَحَابِيّ ذهب إِلَيْهِ فَإِذا رَآهُ قَائِلا توسد رِدَاءَهُ على بَابه فتسفي الرّيح التُّرَاب على وَجهه حَتَّى يخرج فَيَقُول أَلا أرْسلت إِلَيّ فآتيك
فَيَقُول لَهُ ابْن عَبَّاس أَنا أَحَق أَن آتِيك
وَدخلت فَاطِمَة بنت عَليّ على عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فَبَالغ فِي إكرامها وَقَالَ وَالله مَا على ظهر الأَرْض أهل بَيت أحب إِلَيّ مِنْكُم وَلَأَنْتُمْ أحب إِلَيّ من أَهلِي
وَعُوتِبَ أَحْمد فِي تقريبه لشيعي فَقَالَ سُبْحَانَهُ الله رجل أحب قوما من أهل بَيت النَّبِي ﷺ وَهُوَ ثِقَة
وَكَانَ إِذا جَاءَهُ شرِيف بل قرشي قدمه وَخرج وَرَاءه
وَضرب جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَالِي الْمَدِينَة مَالِكًا حَتَّى حمل مغشيا عَلَيْهِ فَدخل عَلَيْهِ النَّاس فأفاق فَقَالَ أشهدكم أَنِّي قد جعلت ضاربي فِي حل فَسئلَ بعد ذَلِك فَقَالَ خفت أَن أَمُوت فَألْقى النَّبِي ﷺ فأستحي مِنْهُ أَن يدْخل بعض آله النَّار بسببي
وَلما دخل الْمَنْصُور الْمَدِينَة مكن مَالِكًا من الْقود من ضاربه فَقَالَ أعوذ بِاللَّه وَالله مَا ارْتَفع مِنْهَا سَوط عَن جسمي إِلَّا وَقد جعلته فِي حل لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ رجل للباقر وَهُوَ بِفنَاء الْكَعْبَة هَل رَأَيْت الله حَيْثُ عبدته فَقَالَ مَا كنت أعبد شَيْئا لم أره
قَالَ وَكَيف رَأَيْته قَالَ لم تره الْأَبْصَار بمشاهدة العيان لَكِن رَأَتْهُ الْقُلُوب بحقائق الْإِيمَان
وَزَاد على ذَلِك مَا أبهر السامعين فَقَالَ الرجل الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته
وقارف الزُّهْرِيّ ذَنبا فهام على وَجهه فَقَالَ لَهُ زين العابدين قنوطك من رَحْمَة الله الَّتِي وسعت كل شَيْء أعظم عَلَيْك من ذَنْبك فَقَالَ الزُّهْرِيّ الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته فَرجع إِلَى أَهله وَمَاله
وَكَانَ هِشَام بن إِسْمَاعِيل يُؤْذِي زين العابدين وَأهل بَيته وينال من عَليّ فَعَزله الْوَلِيد وَأَوْقفهُ للنَّاس وَكَانَ أخوف مَا عَلَيْهِ أهل الْبَيْت فَمر عَلَيْهِم فَلم يتَعَرَّض لَهُ أحد مِنْهُم فَنَادَى الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته
بَاب مكافأته ﷺ لمن أحسن إِلَيْهِم

أخرج الطَّبَرَانِيّ حَدِيث (من صنع إِلَى أحد من ولد عبد الْمطلب يدا فَلم يُكَافِئهُ بهَا فِي الدُّنْيَا فعلي مكافأته غَدا إِذا لَقِيَنِي)
وَجَاء بِسَنَد ضَعِيف (أَرْبَعَة أَنا لَهُم مُشَفع يَوْم الْقِيَامَة المكرم لذريتي وَالْقَاضِي لَهُم حوائجهم والساعي لَهُم فِي أُمُورهم عِنْدَمَا اضطروا إِلَيْهِ والمحب لَهُم بِقَلْبِه وَلسَانه) وَفِي رِوَايَة فِي سندها كَذَّاب (من اصْطنع صَنِيعَة إِلَى أحد من ولد عبد الْمطلب وَلم يُجَازِهِ عَلَيْهَا فَأَنا أُجَازِيهِ عَلَيْهَا إِذا لَقِيَنِي يَوْم الْقِيَامَة وَحرمت الْجنَّة على من ظلم أهل بَيْتِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي)
بَاب إِشَارَته ﷺ لما يحصل عَلَيْهِم بعده من الشدَّة

قَالَ ﷺ (إِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي من أمتِي قتلا وتشريدا وَإِن أَشد قَومنَا بغضا بَنو أُميَّة وَبَنُو الْمُغيرَة وَبَنُو مَخْزُوم) وَصَححهُ الْحَاكِم وَاعْترض بِأَن فِيهِ من ضعفه الْجُمْهُور
وَأخرج ابْن مَاجَه أَنه ﷺ رأى فتية من بني هَاشم فاغرورقت عَيناهُ فَسئلَ فَقَالَ (إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَإِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي بلَاء وتشريدا وتطريدا) الحَدِيث
وَأخرج ابْن عَسَاكِر (أول النَّاس هَلَاكًا قُرَيْش وَأول قُرَيْش هَلَاكًا أهل بَيْتِي) وَفِي رِوَايَة قيل لَهُ فَمَا بَقَاء النَّاس بعدهمْ قَالَ (بَقَاء الْحمار إِذا كسر صلبه)
Translation
باب الأمان ببقائهم
#60 Chapter 60 — باب النحذير من بغضهم وسبهم · ref. #60
al-Sawa'iq al-Muhriqa 'ala Ahl al-Rafd wa-al-Dalal wa-al-Zandaqa
Arabic text Aqeedah
بَاب النحذير من بغضهم وسبهم
بَاب التحذير من بَعضهم وسبهم

مر خبر (من أبْغض أحدا من أهل بَيْتِي حرم شَفَاعَتِي) وَحَدِيث (لَا يبغضنا إِلَّا مُنَافِق شقي) وَحَدِيث (من مَاتَ على بغض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله)
وَقَالَ الْحسن من عَادَانَا فلرسول الله ﷺ عادى
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يبغضنا أهل الْبَيْت أحد إِلَّا أدخلهُ الله النَّار)
وروى أَحْمد وَغَيره (من أبْغض أهل الْبَيْت فَهُوَ مُنَافِق) وَفِي رِوَايَة (بغض بني هَاشم نفاق)
وَجَاء عَن الْحسن // بِسَنَد ضَعِيف // إياك وبغضنا فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا يبغضنا وَلَا يحسدنا أحد إِلَّا ذيد عَن الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة بسياط من النَّار)
وَفِي رِوَايَة (من أبغضنا أهل الْبَيْت حشره الله يَهُودِيّا وَإِن شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله)
وَلَكِن سندها مظلم وَمن ثمَّ حكم ابْن الْجَوْزِيّ كالعقيلي بوضعها
وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (يَا بني عبد الْمطلب إِنِّي سَأَلت الله لكم ثَلَاثًا أَن يثبت قائمكم وَأَن يهدي ضالكم وَأَن يعلم جاهلكم وَسَأَلت الله أَن يجعلكم كرماء نجباد رحماء فَلَو أَن رجلا صفن أَي من الصفن وَهُوَ صف الْقَدَمَيْنِ بَين الرُّكْن وَالْمقَام فصلى وَصَامَ ثمَّ لَقِي الله وَهُوَ يبغض آل بَيت مُحَمَّد ﷺ دخل النَّار)
وَورد (من سبّ أهل بَيْتِي فَإِنَّمَا يُرِيد الله وَالْإِسْلَام وَمن آذَانِي فِي عِتْرَتِي فَعَلَيهِ لعنة الله وَمن آذَانِي فِي عِتْرَتِي فقد آذَى الله إِن الله حرم الْجنَّة على من ظلم أهل بَيْتِي أَو قَاتلهم أَو أعَان عَلَيْهِم أَو سبهم يَا أَيهَا النَّاس إِن قُريْشًا أهل أَمَانَة فَمن بغاهم العواثر كَبه الله ﷿ لمنخريه) مرَّتَيْنِ (مني رد هوان قُرَيْش أهانه الله) (خَمْسَة أَو سِتَّة لعنتهم وكل نَبِي مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله والمكذب بِقدر الله والمستحل محارم الله والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك للسّنة)
Translation
باب النحذير من بغضهم وسبهم

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound