Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 49 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Tahta Rayat al-Qur'an تحت راية القرآن

Tahta Rayat al-Qur'an

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Mustafa Sadiq Rafici (مصطفى صادق الرافعي
49
Total sections
49 chapters
#1 Chapter 1 — تقديم · ref. #1
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
تقديم
Translation
تقديم
#2 Chapter 2 — المؤلف في سطور · ref. #2
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
بعد الصلاة والسلام على أشرف خلق الله تعالى - محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه أجمعين، لقد اعتاد القارئ العربي الكريم الاطلاع على كل جديد التراث الإسلامي والعربي من إصدارات المكتبة العصرية للطباعة والنشر والتوزيع، وها هي الدار اليوم تقدّم للقارئ العربي "تحت راية القرآن" لأحد رجال الفكر الإسلامي العربي الأديب مصطفى صادق الرافعي ﵀ بحلة جديدة، آملة أن ترضي القارئ الكريم، عله أن يجد ضالته فيما تركه الأديب من مادة، نحن بأمس الحاجة إليها في زمننا هذا. والأديب ينسج خطوط قصصه بريشة شاعر فنَّان، يحقق في عالم الشعر، مصبوغة بوجدان الإيمان العميق، تبغي العدالة، ونشر قيم الإسلام الحنيف ببساطتها وروعتها، وأبطالها يمثلون الفضيلة بجلالها وأصالتها الإسلامية، والحبُّ السامي بخيوطه المحبوكة من قلوب أبطاله الملائكيين في ميولهم
وطهارتهم وسمو نفوسهم.
وبما أن مصطفى صادق الرافعي شاعر مثقف ثقافة شعرية، يمتاز بحسٍّ
مرهف، كان لا بدَّ له من ممارسة عملية النقد الفني الرفيع بتجرد يمزجه بحماس وإعجاب وحبٍّ لمعاصريه من لدن البارودي، مرورًا بأحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
وبالاختصار يمكن اعتبار الرافعي في هدا المجال مؤرخًا للأدب - المصري في
مطلع القرن العشرين، بحيث لا يمكن الاشتغناء عقا يقدمه من آراء ومعلومات قيمة
عن الحركة الأدبية في الشعر والنثر في عصره.
المؤلف في سطور
هو مصظفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي:
عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب.
أصله من طرابليس الشام، ومولده في بهتيم (بمنزل والد أمه) ووفاته في
طنطا (بمصر) أصيب بصمم فكان يُكتب له ما يراد مخاطبته به.
شعره نقي الديباجة، على جفاف في أكثره. ونثره من الطراز الأول.
مؤلفات الرافعى
- ديوان شعر، ثلاثة أجزاء.
- تاريخ آداب العرب، جزآن.
- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.
- تحت راية القرآن.
- رسائل الأحزان.
- على السفود، رد فيه علىْ عباس محمود العقاب.
- ديوان النظرات.
- السحاب الأحمر في فلسفة الحب والجمال.
- حديث القمر.
- المعركة، رد فيه علي الدكتور طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي ".
- المساكين.
- أوراق الورد.
- وحي القلم، ثلاثة أجزاء.
دراسات حول المؤلف وتراثه "
- حياة الرإفعي ة محمد سعيد العريان.
- رسائل الرافعي: محمود أبو رية.
وانظر ترجمته في
- المنتخب من أدب العرب ١: ٥٥.
- تراجم علماء طرابلس ٢١١، في آخر ترجمة عمه عبد الحميد بن سعيد الرافعي.
- معجم المطبوعات "٢٦.
- الأعلام: ٧: ٢٣٥.
- المقتطف ٧٣: ٣٥٢.
- مجلة الرابطة العربية، ١٨ ربيع الأول سنة ١٣٥٧ هـ.
الناشر.
Translation
المؤلف في سطور
#3 Chapter 3 — تنبيه · ref. #3
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
تنبيه
نلفت القراء إلى أننا في هذا الكتاب إنما نعمل على إسقاط
فكرة خطيرة، وإذا هي قامت اليوم بفلان الذي نعرفه فقد تكون غدًا
في من لا نعرفه، ونحن نرد على هذا وعلى هذا برد سواء، لا
جهلُنا من نجهله يلطف منه، ولا معرفتنا من نعرفه تبالغ فيه.
والفكرة لا تسمى بأسماء الناس، وقد تكون لألف سنة خلَت
ثم تعود بعد ألف سنة تأتي، فما توصف من بعد إلا كما وُصفت
من قبل ما دام موقعها في النفس لم يتغير، ولا نظنه سيأتي يوم
يُذكر فيه إبليس فيقال: ﵁.
ونحن مستيقنون أن ليس في جدال من نجادلهم عائدة على
أنفسهم، إذ هم لا يضلون إلا بعلم وعلى بينة! فمن ثم نزعنا في
أسلوب الكتاب إلى مَنحى بياني نديره على سياسة من الكلام
بعينها، فإن كان فيه من الشدة أو العنف أو القول المؤلم أو
التهكم، فما ذلك أردنا، ولكنا كالذي يصف الرجل الضال ليمنع
المهتدي أن يضل، فما به زَجر الأول بل عظة الثاني، ولهذا في
مناحي البيان أسلوب ولذلك أسلوب غيره، ألا وإن أقبح من القبح
ما جهله يسمى قبحًا، وان أحسن من الحسن ما جهله حسنًا، ولكل
معنى باعتباره موضع، ولكل موضع في حقه وصف ولكل وصف
في غرضه تعبير، ولكل تعبير أسلوبه وطريقته، فهذا ما ننبه إليه.
ولو كان أصحابنا غير مَن هم في الأثر والمنزلة لكان أسلوبنا
غير ما هو في النمط والعبارة، والسلام.
الرافعي
Translation
تنبيه
#4 Chapter 4 — بين يدي الكتاب · ref. #4
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على رسله وأَنبياء
بين يدي الكتاب
اللهم هيئ لنا الخير، واعزم لنا على الرشد، وآتنا من لدُنكَ رحمة.
واكتب لنا السلامة في الرأي، وجنبنا فتنةَ الشيطان أن يقوى بها فنضعف، أو
نضعفَ لها فيقوى، ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا.
واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق البين مكان الليل من نهاره، أو تنزل ظنوننا
من اليقين النيِّر منزلة الدخان من ناره، نسألك بوجهك، ونتوسل إليك بحمدك وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذب غيرها فأقرَّت، وآمنت بك فزُلزل غيرها واستقرت.
وأما بعدُ، فإني قد نظرت فإذا كل ما كنتُ أريد أن أقوله في هذه الكلمة
قد كتبتُه في هذه المقالات، فهي لا تدع مسألة ولا تترك شبهة ولا تزال تأخذ
بيد القارئ فتضعها على غلطات أصحابنا المجددين، بل المبددين، واحدة بعد
واحدة، وشيئًا بعد شيء، فهو منها في برهان لائح من حيث بدًا إلى حيث
ينتهي، كالنجم لا يزال بعين منه أين مشى وكيف تلفت.
وما رأيت فئة يأكل الدليل الواحد أدلتها جميعًا كهؤلاء المجددين في
العربية، فهم عند أنفسهم كالجمرة المتوقدة، لا يُشبعها حطبُ الدنيا ولكن غرفة من الماء تأكل الجمرة، وهم مخذولون بقوة الله، إذ ليس فيهم رجل فصيح بليغ يكون لهم كالتعبير من الطبيعة عن هذا المذهب، حتى يثبت مذهبهم فلا يُدفع ويقوم فلا يُنقص، ولن يأتي لهم هذا الرجل، فلو أَنه اتفق لهم لكان أشد أعدائهم، ولأغلظ فيهم النكاية، فما زال ينقصهم أبدًا ولن يتموا به أبدًا، وذلك من عجيب تقدير الله في العربية، لمكان القرآن منها، حتى لا يدخل في طمع أحد ولا تناله يد متناول، فهو محفوظ بالقدَر كما ترى، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) .
وإن طائفة من الذباب لو أصابت حاميًا مدافعًا من النسور فجاءت تطنُّ
بأجنحتها لتلوذ به وتنضويَ إليه، ثم قصفَ النسر قصفة بجناحيه لأهلكها أو
بعثرها وشردها، وهو كان في وهمها مَلاذًا وكان عندها حمَى فذلك مثل القوم
وما يحتاجون إليه من الرجل البليغ إذا التمسوه فاصابوه!
* * *
أما إنه ليس يقوم العقل ما يسمى عقلًا، ولكن على ما يسمى غرضًا
وحاجة ورغبة واضطرارًا، فأهواء امرئ من الناس جاعلة له عقلًا غير عقل من لم تدعه نفسه إلى مثل هذه الأهواء، وإن كان أمرهما واحدًا بعد.
ومن هنا اختلافنا معْ هؤلاء المجددين، فإن لهم أغراضًا لا مناص أن تجعل لهم عقولًا بحَسبها وعلى مقاديرها في المصلحة والمفسَدة، وهم صُور من ضمائرهم،فليس - في الملحد يكون ضمير مؤمن، ولا في الفاجر ضمير تقي، ولا في المستهتر ضمير ورع، ومن ثم وجب أن تتحذرهم الأمة وأن تقرهم في ذلك الحيز من تخيلاتهم وأوهامهم، فهم من الأمة إذا غلبت هي عليهم وليسوا منها إذا غلبوا عليها، وما مَثلُهم إلا كالرمل والحصى، تكون في مجرى الماء العذب فتكون شيئًا من طبيعته وتحدث فيه لونًا من الحسن والرونق، وإذا هي خيال من شعر النهر، حتى إذا خرجت مع الماء وانساغت في حلق من يجرعه كانت بلاء وأذى وانقلبت للماء سُبة ورُمي بها ورميت به!
وهم يريدون بآرائهم الأمة ومصالحها ومراشدها، ويقولون في ذلك بما
يسعه طغيانهم على القول واتساعهم في الكلام واقتدارهم على الثرثرة، حتى إذا فتشتَ وحققت لم تجد في أقوالهم إلا ذواتهم وأغراضهم وأهواءهم يريدون أن يبتلوا بها الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، كالمسلول يصافحك ليُبلغك تحيته وسلامه فلا يبلغك إلا مرضه وأسباب موته!
ولقد كان من أشدهم عُرامًا وشراسة وحمقًا هذا الدكتور "طه حسين"
أستاذ الآداب العربية في الجامعة المصرية، فكانت دروسه الأولى "في الشعر
الجاهلي" كفرًا بالله وسخرية بالناس، فكذب الأديان وسفه التواريخْ "وكثر غلطه وجهله، فلم تكن في الطبيعة توة تعينه على حمل كل ذلك والقيام به إلا
المكابرة واللجاجة، فمرَّ يهذي في دروسه، ولا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا
يترك الحقيقة الثابتة، وأراد أن يسلب أهل العلم ما يعلمونه كما يسلبك اللص ما تملك بالجرأة لا بالحق وبالحيلة لا بالإقناع، وعن غفلة لا عن بينة. وما يضحكني إلا أن أرى هذا الأستاذ واثنين أو ثلاثة من أشباهه يريدون أن يكونوا ثورة في الأدب العربي، ونسوا أنهم إنما يريدون ذلك لأنهم خُلقوا لذلك، فكان "طه" في الجامعة كالممثل، إنما وسيلته أن يتصنع ويجترئ ويزور.
فلما نزعنا
عنه ثوب الرواية، نزعنا في الثوب الحادثة والرواية والممثل جميعًا، ورجع طه
حسين وهو طه حسين. وأين هو أو مثله من وسائل القدرة، وما وسائلها إلا
القلم الذي لا يجارى، والفكر الذي لا يُنقض، والخيال الذي لا يُلحق، والقوة المستحصدة، والطبع المستجيب، والكلام الذي تراه حيًا. ساميًا فتحسبه ينبع من موضع يد الله في النفس الإنسانية.
على أن أستاذ الجامعة إنما يقلد الهدامين من جبابرة العقول في أوروبا.
وإنه منهم ولكن كما تكون هذه الكرة الجغرافية، المدرسية التي تصور عليها
القاراتُ الخمس - من كرة الأرض التي تحمل القارات الخمس. . . ولأيسرُ
عليه أن يملك أوروبا أو أمريكا من أن يملك عقلًا كتلك العقول التي يحاول
مثل عملها في غير هندستها ولا حكمتها ولا سموها ولا معانيها؛ وظنك أنت
قد غرستَ في جناح غراب ريشة من الطاووس لتكون زرعًا يُنبت الريش من مثله فينقلب الغراب من ذلك يومًا يزدهي ويتخايل وَيبرُق ويرف بألوانه وتحاسينه، فإنه لينقلب طاووسًا قبل أن تعد طه حسين عبقريا فيلسوفًا..! فالرجل متخلِّف الذهن تستعجم عليه الأساليب الدقيقة ومعانيها وأكبر ما معه أنه يتحذلَقُ ويتداهى ويتشبه بالمفكرين ولكن في ثوب الرواية. . .!
هو وأمثاله المجددون يسمَّون كتَّابًا وعلماء وأدباء، إذ كان لا بد لهم من
نعت وسِمة فى طبقات الأمة، غير أنهم على التحقيق غلطات إنسانية تخرجها
الأقدار في شكْل علمي أو أدبي لتعارض بها صوابًا كاد يهمله الناس، فيخشى
الناس أن يتحئفَ الخطأ صوابهم أو يذهب به، فيستمسكون بحبله ويشدون
عليه، ويعود ذلك الصواب بعد ظهور الخطأ الذي يقابله ووقوفِه بإزائه موقف العدو من العدو، كأنما ظهر دليلُه لا نقيضه، فيعرف الناس وجه الحاجة إليه، ومكان الغناء فيه، وضرورة المنفعة به، وكان وشيكًا أن يضيع، فكأنهم استنقذوه، وكل ذلك مما يُكبره ويرفعه ويُبين عنه أحسن إبانة وأوضحها، وكل ذلك مما يُغري به الحرص على سنة طبيعية قاهرة لا تُدافع؛ وما زالت هذه من عجائب حكمة الله فيما يحوط به هذا الدين الإسلامي وكتابه العربي الخالد، فكلما وهَن عصر من عصوره رماه الله بزنديق فإذا الناس أشد ما كانوا طيرة وأبلغ ما كانوا دفعًا ومحاماة، وإذا الدين أقوى ما كان فيهم وأثبت، وإذا الزنديق
كأنما سِيقَ إليهم من جهنم ليقول لهم: هلم إليها! فيقول ميسم النار عليه: إياكم وإياها!
فالمجددون الملحدون هم جزء من الخطأ يخرج من عمله جزء من
الصواب، وما أشبههم بالمواد السامة يُدافُ قليلها في الدواء لتكون قوته من
قوتها، فإذا مازجته عادت فيه غير ما كانت وهي في نفسها لا تزال كما هي.
وما نريد أن نزيد "طه " على ما قلنا فيه مما ستقرأه في هذا الكتاب، ولكنا
نرجو أن يهديه الله فيكون من أمته ويعود إليها، فإنه إن لم يكن بها لا يكن
بغيرها، وإنها إن لم تكن به تكن بغيره.
وقد كان أمره وأمر أصحابه كما يكون من الوباء يمر بالدنيا مرة فيصيب
منها ولكنه يترك في أيدي أطبائها المصل الواقي منه أبدَ الدهر؛ ولقد تركوا لنا هذا الكتاب؛ فالله نسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا بهذه النية، مثوبًا بهذا النفع؛ وله الحمد في الأولى والآخرة.
مصطفى صادق الرافعي
Translation
بين يدي الكتاب
#5 Chapter 5 — المذهبان القديم والجديد · ref. #5
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
المذهبان القديم والجديد
"كتب أحد الكتاب فصلًا في مجلة الهلال"
الغراء، نحلنا فيه زعامة المذهب القديم، وسمي
جديدًا وسمي قديمًا واحتج ونازع، فرددنا عليه
بهدا الفصل"
زعم الكاتب فيما كتب أن ما نقول به، من احتذاء العرب في أساليبهم
والارتياض بكلامهم، والحرص على لغتهم، وأن يكون الكاتب في هذه اللغة
حَسن البيان، رشيق المعرِض، رائع الخلابة، يتثبت في ألفاظه وينظر في
أعطاف كلامه ويفتن في أساليبه - كل هذا وما إليه "مذهب قديم".
"ووطنية أدبية" ترجع العلة فيها إلى ذلك العقل الباطن الذي يخلط بين الدين والقومية والأدب العربي.
ثم قال: "وإن أهل المذهب القديم يهملون العلم، لأن العلوم
تتعارض ومعتقدات العرب،. وظاهر أنه يعني بالعرب المسلمين لا غيرهم، فإن الجاهلية أصبحت من أكاذيب التاريخ وبَلِيَتْ معتقداتها بلَى أدخلها في قبور أهلها.
فالمذهب القديم إذًا هو أَن تكون اللغة لا تزال لغة العرب في أصولها
وفروعها، وأن تكون هذه الأسفار القديمة التي تحويها لا تزال حية تنزل من كل زهن منزلة أمة من العرب الفصحاء، وأن يكون الدين العربي لا يزال هو هو كأنما نزل به الوحي أمس لا يَفتننا فيه علم ولا رأي، وأن يأتي الحرص على اللغة من جهة الحرص على الدين، إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة فيهما معًا إلا بقيامهما معًا.
ولكن ما هو المذهب الجديد؛ أنأخذ بالمقابلة فنقول: إذا كان الأبيض هو
القديم فالأسود هو الجديد، وإذا كانت الفصاحة، وإذا كان الحرص على ميراث التاريخ، وإذا كان القانون الطبيعي للفضيلة الاجتماعية، وإذا كنا نولد بجلود كجلود آبائنا - فالركاكة، وإهمال القومية التاريخية، والتحلل من قيود الواجبات، والانسلاخ من الجلد لأنها ليست أوروبية - كل هذا جديد لأن كل
ذلك قديم؟.. أم هناك حقيقة ثابتة محدودة خفيتْ على عِظمها وخطرها في
هذه اللغة خفاء أمريكا في هول المحيط.. حتى بعث الله لها في أيامنا هذه من
يرميها ببصره فكشفها وسماها وكان منها المذهب الجديد وكانت هي إياه.
لو تأمل أصحابنا تاريخ هذه اللغة وآدابها لرأوا في كل عصر من عصورها
شيئًا كان يمكن أن يسمى مذهبًا جديدًا، ولكنا لم نجد أحدًا سماه كذلك ولا
بناه على أنه شيء بنفسه إلا في هذه الأيام الأخيرة، ثم لم نجده إلا في هؤلاء
الذين غلبت عليهم صناعة الترجمة ورجعوا من العربية إلى طبع ضعيف ومادة
واهنة، فورد عليهم من الصناعة ما لا تقوم به أداتهم وسال بهم الوادي عجزًا، فلم يكن بدٌ من أن تُدخِل اللغات الأعجمية الضيمَ على عربيتهم، وصار أكثرهم بِلغتيه كالميزان ثقلت كفة منه فرجحت وخفت الأخرى فظهرت فارغة. . . ولو هو وضع في هذه وزنَ ما في تلك وكافًا بينهما لانقلب الأمر وكانتا على سواء فلا واف ولا ناقص.
العلة في الحقيقة لا ترجع إلى مذهب قديم أو جديد، بل إلى الضعف في
لغة والقوة في أخرى، وإن صاحب المذهب الجديد.. أخذ بالحزم في واحدة
وبالتضييع في الثانية، وأكثر من الإقبال على شيء دون الآخر، فتعلق به وأمضى أمرَه عليه وحسنت نيته فيه واستمكنت فصارت إلى نوع من العصبية للأدب الأجنبي وأهله، فلما ضربتْ هذه العصبية واستحكمت وجهت الذوق في الأدب وأساليبه إلى تفسير معين بحكم المذهب والهوى ثم جعلت الفهم من وراء الذوق.
وأنت تعلم أن الذوق الأدبي في شيء إنما هو عن فهمه، وأن الحكم على
شيء إنما هو أثر الذوق فيه، وأن النقد إنما هو الذوق والفهم جميعًا، ومن
ههنا جاء ذلك الخطأ الذي يحسبونه صوابًا، على أنك واجد في القوم من لا
تتهم فهمه ولكنك لا تبرئ إنصافه، ومن لا تتهم فيه هذا ولا ذاك ولكنه مع
ذلك يجيء فهمه خطأ لأنه لا يريد أن يجيء إلا هكذا. . . لمكان العصبية من
نفسه لرأي على رأي، أو شخص على شخص، أو دين على دين، مما لا يكون الشأن فيه إلا للحس الباطن.
وقد قال علماء الأدب إنه لما اتسعت ممالك العرب وكثرت الحواضر
ونزعت البوادي إلى القرى وفشا التأدب والظرف، اختار الناس من الكلام ألينه وأسهله، وعمدوا إلى كل شيء ذي أسماء كئيرة فاختاروا أحسنها مسمعًا وألطفها من القلب موقعًا، وإلى ما للعرب فيه لغات فاقتصروا على أسلسها وأشرفها،
كما رأشهم يختصرون (الطويل)، فإنهم وجدوا للعرب فيه نحوًا من ستين لفظة
أكثرها بشع شنع. . . فنبذوا جميع ذلك وتركوه واكتفوا بالطويل لخفته على
اللسان. وقع هذا ومثله في عصر بعد عصر، وما رأينا أحدًا سماه مذهبًا جديدًا أو زعمه، والقرآن نفسه مذهب جديد بكل معاني هذه الكلمة، وما قال فيه أحد هذا القول لا من أهل اللغة ولا ممن دخلوا عليها؛ وقد نقل عبد الحميد الكاتب أشياء من الأساليب الفارسية فأدخلها في كتابته، وترجم العلماء عن اللغات المختلفة أكثر مما يترجم كتاب هذه الأيام، ومنهم من كان يرجع في التصحيح وتحرير الألفاظ إلى رجال أهدفوهم لذلك من العلماء باللغة، وظهرت الأفكار المتياينة، وتعددت الأساليب في الكتابة، وافتن المتأخرون من القرن الرابع إلى التاسع في فنون من الجد والهزل، وفي نكت بديعية لم يعرفها العرب إلى أن اختلط لسانهم، وفي كل ذلك لم يقل أديب ولا عالم ولا كاتب إن له مذهبا جديدًا من مذهب قديم، لأنهم كانوا أبصر باللغة وأقدر على تصريفها وأعلم بحكمة الوضع فيها وأحرص على وجوه الفائدة منها والانتفاع بها، ثم كانت أسباب اللغة ميسرة لهم، ينشأ الناشئ منهم على حفظ ورواية، ويتلقى عن أشياخ ثقات قد أخلصوا نيتهم للعلم وناصحوا عن أنفسهم فيه وجمعوا واستوعبوا وكأنما عُصرت أرواحهم من الفنون عصرًا، وكان في الواحد منهم روح مكتبة كبرى.
فلما تعطل الزمن وأصبح الأدب صَحفيا.،. وآلت العربية وآدابها إلى
بضعة كتب مدرسية، وانزوى ذلك العلم المستطيل وأصبحت المكاتب له
كالقبور المملوءة بالتوابيت. . . "، وفشت العصبية بيتا للأجنبي وحضارته - رجع الأمر على مقدار ذلك في صغر الشأن وضعف المنزلة، واجتاج أهل هذا القليل من العربية إلى أن يعتبره كلا بنفسه لا جزءًا من كله، فكان لذلك مذهبًا وكان مذهبًا جديدًا. . .
وإذا أنت لم تجد في كل علماء المتقدمين من استطاع أن يقول إنه صاحب
مذهب جديد في اللغة أو يرى لنفسه رأيًا إلا أنه يعمل لحفظها ونمائها ورونقها، وإلا أنه يُرفق ما استطاع ويتصرف بما أطاق - فإنك واجد في أهل سنة
١٩٢٣. . . من يقول في هذه اللغة بعينها: "لك مذهبك ولي مذهبي.
ولك لغتك ولي لغتي. . . فمتى كنت يا فتى صاحبَ اللغة وواضعها ومنزِّل أصولها ومخرج فروعها وضابط قواعدها ومُطلق شواذها؛ ومن سلم لك بهذا حتى يسلم لك حق التصرف "كما يتصرف المالك في ملكه!.
وحتى يكون لك من هذا حق الإيجاد، ومن الإيجاد ما تسميه أنت مذهبك ولغتك؛ إنه لأهون عليك أن تولد
ولادة جديدة فيكون لك عمر جديد تبتدئ فيه الأدب على حقه من قوة
التحصيل وتستأنف دراسة اللغة بما يجعلك شيئًا فيها - من أن تلد مذهبًا جديدا أو تبتاع لغة تسميها لغتك، فإنك عُمر واحد في عصر واحد بين ملايين من الأعمار في عصور متطاولة، وإن ما تحدثه على خطأ لا يبقى على أنه صواب، ولن يبقى أبدًا إلا كما تبقى العلة على أنها علة، فلا يقاس عليها أمر الصحيح ولا يحكم بها فيمن لم يعتل.
إن أرادوا بالمذهب الجديد العلم والتحقيق وتمحيص الرأي والإبداع في
المعنى، على أن تبقى اللغة قائمة على أصولها، على أن يكون التفنن "طرائق "
كما قيل مثلًا في ابتداع القاضي الفاضل الذي سموه الطريقة الفاضلية.
لا مذاهب يراد بها إثبات ومحو - فإننا لا ندفع شيئًا من هذا ولا ننازع فيه، بل هو رأينا، بل هو رأي الحياة، بل هو قانون الطبيعة، ولكنا مع هذا نزيد عليه أن الأصل في كل ذلك سلامة اللغة وسلامة القومية، فلا ننظر في آراء الأمم إلا على أننا شرقيون، ولا ننقل من لغات الإفزنج إلا على أننا أهل لغة لها خصائصها، ولا تصرفنا مدنيتهم عن أنفسنا، ولا تأتي بسيوفهم لرقابنا.
وبنزغاتهم بقلوبنا، وكوكايينهم لأنوفنا..، بل يُؤثر الفضيلة على الرأي وإن كان من رأس المجنون "نيتشه" ونرغب في المصلحة الجافية الخشنة على المفسدة
اللينة الناعمة وإن كانت نعومة الأنوثة الباريسية.
وانظر كم بين من يسلم لفلان وغيره من علماء أوروبا لأنهم من علماء
أوروبا، وبين من لا يسلم إلا عن اقتناع وعن بينة من المصلحة والعائدة وبعد
أن تبلغ الحجة مبلغها! فهذا فلان كاتب شرقي ينزع إلى الاشتراكية ويدين بها
ويراها مائدة الخالق التي مُدت في أرضه للناس جميعًا، وينعى علينا أننا
نتجاهلها كأننا لم نلمَّ بها، على أننا نراها تلك المائدة بعينها غير أننا نزيد عليه
أنها ممدودة للناس جميعًا ليتدافع عنها الناس جميعًا فلا يصل إليها أحد. . .
ونفضل على كل هذه المائدة الخيالية بما حفلت به من لذائذها وألوانها، تلك
اللقيمات التي يفرضها نظام الزكاة في الإسلام فرضًا لا يتم الإسلام لأحد إلا به وعلى هذا فاعتبر
ولا يفوتن صاحبنا أن كثرة الآراء في هذا العصر وكثرة العقول المفكرة
والاستقلال الفكري التام. . . بلا قيد ولا شرط، ثم الرغبة في أن يكون لكل عقل أثر في الاجتماع، ولكل أثر دليل عليه، ولكل دليل اتباع - كل ذلك سينتهي إلى أن تكون علة الاجتماع الإنساني لا بُرءَ منها إلا بالقيود الإلهية التي تسمى " الأديان "، وها نحن أولاء نرى في أوروبا وأمريكا أن من الغفلة ما هو مذهب، ومن الرقاعة مذهب، ومن تسفل الشهوات مذهب، ومن الجنون مذهب، ومن كل شذوذ مذهب، ومن غير المذهب مذهب أيضًا..
تلك واحدة، والثانية: أنهم إن أرادوا بالمذهب الجديد أن يكتب
الكاتب في العربية منصرفًا إلى المعنى والغرض، تاركًا اللغة وشأنها، متعسفًا
فيها، آخذًا ما يتفق كما يتفق، وما يجري على قلمه كما يجري، معتبرًا ذلك
اعتبار من يرى أن مخه بلا غلاف من عظام رأسه، وأن عظام رأسه كعظام
رجليه، وأن أصابع قدميه كأهداب عينيه، وأن مطلق التركيب هو مطلق النظام والمناسبة، وأن اللغة أداة ولا بأس بالأداة ما اتفق منها، ولا بأس أن يمزع الجراح مزعًا من جلد العليل بأسنانه أو بأظافره أو بنصل الفأس. . .
ما دامت معقمة. وما دام ذلك بعينه هو فعل المِبضَع لا يزيد المبضع عليه إلا في الدقة -
إن أرادوا بهذا أو أشباهه ما يسمونه المذهب الأدبي الجديد، قلنا: لا، ثم لا، ثم لا - ثلاث مرات!
فأما الأولى فإن خيرًا من ترك الجاهل في جهله أن يُزجَر عن جهله.
وإذا كان مذهب الضعف أن لا يحمل عليه إلا بقدره وفي طاقته، فهل يجعل ذلك أصلًا للقوة؛ والضعف إن هو إلا استثناء منها، وقاعدة الاستثناء أن يُقيَّد بنصه ولا يُتوسع فيه. . .
ثم أيما خير لآدابنا وعلومنا وكتبنا: أن نحرص على الأصل الصحيح
القوي الذي في أيدينا ونحتمل فيه ضعف الضعفاء ونصبر على مدافعتهم عن
إفساده حتى ينشأ جيل أقوى من جيل وتخرج أمة خير من أمة فتجد الأصل
سليمًا فتبني عليه وتزيد فيه، أم ندع الصلاح للفساد ونتراخى في القوة حتى
تحول ضعفًا فإذا جاء من بعدنا وجدَ الأصل فاسدًا فزاده فسادًا، ويعود مذهبنا
الجديد بعد حين من الدهر مذهبًا قديمًا فيُستحدَث منه جديد على نمط آخر.
ثم يتقادم* هذًا أيضًا على السنة نفسها، وهلم إلى أن تصير هذه العربية في بعض أزمانها لعنةَ على كل أزمانها، فتُنسخ جملة واحدة ويصبح الكلام المأنوس الذي تراه اليوم سهلًا لينًا وهو الجاسِي الجِلف الغليظ الذي يحسن ترجمته يومئذ إلى عالم بصير بما كان يسمى من قبل فعلًا واسمًا وحرفًا.،. وإلا فليقل لنا أصحاب المذهب الجديد. ما هو حدُّ التجديد عندهم؛ ولم يقصرونه على حد معين؛ بل كيف يقصرونه وفي الناس من هو أضعف من ضعيفهم فوجب أن يكون له جديد من جديدهم على مقدار صعفه، ما دام شكل القياس واحدا والقضية فيه واحدة والعلة لا تختلف!
وأما الثانية، فإن هذه العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن
الكريم، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصاحته، إلا من لا حَفل
به من زنديق يتجاهل أو جاهل يتزندق. فإذا كان المعجِز فى لغة من اللغات
بإجماع علمائها وأدبائها هو من قديمها خاصة، فهل يكون الْجديد فيها كمالًا
يسمو أم نقصًا يتدلي؟ . . .
. . . ثم إن فصاحة القرآن يجب أن تبقى مفهومة، ولا يدنو الفهم منها إلا
بالمِران والمزاولة ودرس الأساليب الفصحى والاحتذاء عليها وأحكام - اللغة
والبصر بدقائقها وفنون بلاغتها والحرص على سلامة الذوق فيها، وكل هذا مما يجعل الترخص في هذه اللغة وأساليبها، ضربًا من الفساد والجهل، فلا تزال اللغة كلها مذهبًا قديمًا، وإنما يكون المذهب الجديد فيها رجلًا إلى حين. . . ثم يدخل مذهبه القبر. . .
. . . وما عسى أن يصنع كاتب وعشرة ومائة وألف في لغة يخفق على
كتابها المعجز - أربعمائة مليون قلب؛ وكم من أسلوب ركيك أو ضعيف أو عامي ظهر في هذه اللغة منذ دَونوا وكتبوه، وكم، من فكر فاسد أو زائغ أو مدخول، وكم من كتاب كان يصلح أن يسمى بلغة اليوم مذهبًا جديدًا - فأين كل ذلك وأين أثره في اللغة وأساليبها بعد ثلاثة عشر قرنًا؛ لقد ابتلعته ثلاث عشرة موجة فانحدر إلى أعماق الموت الطامي! . . . .
. . . على أني رأيت لأصحاب "المذهب الجديد" أصلًا في تاريخ الأدب
البربي، وكانت جذوره ممن انتحلوا الإسلام وهم يدينون بغيره، وممن كانوا
يدينون وتزندقوا فيه، حتى قال الجاحظ في بعض رسائله - يعني هؤلاء
وأولئك -: "فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا تأمل، فمن قبَلهم كان أولها" ورحم الله أبا عثمان، إن التاريخ ليعيد نفسه اليوم "بسخنة عين
جديدة".
وأما الثالثة فإن الخاصية في فصاحة هذه اللغة ليست في ألفاظها، ولكن في
تركيب ألفاظها، كما أن الهزة والطرب ليست في النعمات ولكن في وجوه تأليفها.
وهذا هو الفن كل الفن في الأسلوب، لأنه يرجع إلى الذوق الموسيقي في حروف هذه اللغة وأجراس حروفها، وأشهد ما رأيت قط كاتبًا واحدًا من أهل "المذهب الجديد" يحسن شيئًا من هذا الأمر، ولو هو أحسنه لانكشف له من إحسانه ما لا يُبقي عنده شكًّا في إبطال هذا المذهب وتوهيته، ولذا تراهم يعتلون لمذهبهم الجديد بالفن والمنطق والفكر وبكل شيء إلا الفصاحة، وإذا فصُحُوا جاؤوا بالكلام الفج الثقيل، والمجازات المستوخِمة، والاستعارات الباردة، والتشبيهات المجنونة.، والعبارات الطويلة المضطربة التي تقع من النفس كما تقع الكرة المنفوخة من الأرض لا تزال تنبو عن موضع إلى موضع حتى تهمد!.
ولا نريد أن نطيل في هذا الوجه، فقد استوفينا أكثر الكلام عليه في الجزء
الثاني من "تاريخ آداب العرب "، وإنما نقول إن الكلام الوحشي الغريب ينقسمِ إلى قسمين: ما كان خشنًا مُستغرَبًا لا يعلمه إلا باحث مطلع.
وما كان مأنوسا واقعًا في غير موقعه، كما ترى في أساليب بعض كتاب هذه الأيام التي تنفجر بما لا يطاق على رقتها وتهب عليك هبوب النسيم ولكنه بين موضع وموضع لا بد أن يكنس الأرض. . .!
فالقسم الأول نافر بنفسه،. فهو وحشي على حالة واحدة لا تختلف.
والثاني نافر بموضعه، فهو وحشي يعلو ويسفل على مقدار اضطرابه، ثم هي
وحشية المذهب الجديد اختص بها ولا يكادون يتنبهون إليها.
هذه كلمة لم نعرض في إجمالها للتفاصيل وإنما حَدَرناها حدرًا، وإذا
أنت أردت تشبيهًا في مخاصمة المذهب الجديد للقديم وما يتوهمه هذا الجديد
وما ينتهي إليه أمره، قلنا لك التمس رجلًا يرى ظل رأسه على حائط فيضربه برأسه الذي على عنقه. -.!
ولكن اعلم أنا وإياك إلا نحذره ونمنعه فقد جنينا عليه وإن لم نمسه
بأذًى، وإن كان هو برأسه فَلق رأسه..!
Translation
المذهبان القديم والجديد
#6 Chapter 6 — الميراث العربي · ref. #6
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
الميراث العربي
كان أبو خالد النميري في القرن الثالث للهجرة، وكان ينتحل الأَعرابية
ويتجافى في ألفاظه ويَتبادى في كلامه ويذهب المذاهب المنكرة في مضغ الكلام
والتشدق به، ليتحقق أنه أعرابي وما هو به، وإنما ولد ونشأ بالبصرة، قالوا
فخرج إلى البادية فأقام بها أيامًا يسيرة ثم رجع إلى البصرة فرأى الميازيب على
سطوح الدور فأنكرها وقال: ما هذه الخراطيم التي لا نعرفها في بلادنا. . .؟ فهذا طرَف من العربية يقابله التاريخ في زماننا هذا بطرف آخر من جماعة
قد رُزقوا اتساعًا في الكلام إلى ما يفوت حد العقل أحيانًا، ووهبوا طبعًا زائغًا
في انتحال المدنية الأوروبية إلى ما يتخطى العلل والمعاذير، ورأوا أنفسهم أكبر
من دهرهم، ودهرهم أصغر من عقلهم، فتعرف منهم أبا خالد الفرنسي، وأبا خالد الإنجليزي، وغيرهم من أجازوا إلى فرنسا وانجلترا فأقاموا بهما مدة ثم رجعوا إلى بلادهم ومَنبتهم ينكرون الميراث العربي بجملته في لغته وعلومه
وآدابه، ويقولون: ما هذا الدين القديم؛ وما هذه اللغة القديمة؟ وما هذه
الأساليب القديمة؟ ويمرُّون جميعًا في هدم أبنية اللغة ونقض قواها وتفريقها.
وهم على ذلك أعجز الناس عن أن يضعوا جديدًا أو يستحدثوا طريفًا أو يبتكروا بديعًا، وإنما ذلك زيغ الطبع، وجنون الفكر، وانقلاب النفس عكسًا على نشأتها، حتى صارت علوم الأعاجم فيهم كالدم النازل إليهم من آبائهم وأجدادهم وصار دخولهم في لغة خروجًا من لغة، وإيمانهم بشيء كفرًا بشيء غيره كأنه لا يستقيم الجمع بين لغتين وأدبين، ولا يستوي لأحدهم أن يكون شرقيًا وإن في لسانه لغة لندن أو باريس!
ومنهم كتاب يكتبون بالعربية ويرتزقون منها - وأدباء يبحثون في آدابها
وفنونها، وكلهم مجيد محسن إلا حيث يكتب كاتبهم في إصلاح الكتابة ويبحث باحثهم في إصلاح الأدب، فهنالك ترى أكثر هَمِّ الأول أن تسلم له عاميته
فلا ينكر عليه ضعف ولا لحن ولا يهجن له أسلوب ولا عبارة وأن يكون له كل ما يعرض له من النقص معتبرًا من الكمال العصري. . .
وترى همَّ الثاني أن يُكره الآداب العربية على أساليب غيرها ويقتسرها جزًا وتلفيقًا وتلزيقًا ويبسط فيها المعاريض الكلامية، فهذا عنده كذب ولا دليل عليه، وهذا محال ولا برهان فيه، وهذا قائم على الشك، وذاك على ما لا أدري ولا يدري أحد.
حدثني كاتب شهير من هذه الفئة، فكان من أعجب ما قال: إن ابن
المقفع فصيح بليغ، وهو مع ذلك ليس بمسلم ولا عربي ولا شأن له بالحديث
ولا بالقرآن ولا بالدين، وساق ذلك ردًا على ما قلته من أن لا فصاحة ولا لغة إلا بالحرص على القرآن والحديث وكتب السلف وآدابهم.
ولا أدري والله كيف يفهم هذا وأمثاله، ولكنك تتبين في عبارته مبلغ الغفلة التي تعتري هذه الفئة من نقص الاطلاع وضعف الفكر وبناء الأمر على بحث صَحفي بلا تحقيق ولا تنقيب، وترى كيف يذهبون عن الأصل الذي يقوم عليه الغرض ثم يحاولون أن يؤصلوا له على قدر عقولهم وأفهامهم، وقد تفلح الفلسفة في كل شيء إلا في
تعليل ما علته معروفة، وهل نشأ ابن المقفع إلا على اللغة العربية والأدب
العربي والرواية العربية، وكان من أقوى أسباب فصاحته المشهورة أخذه هذه
الفصاحة وهذا الأسلوب عن ثور بن يزيد الأعرابي الذي قالوا فيه إنه كان من
أفصح الناس لسانًا. ولكن أين من ينقب عن هذا ونحوه في تلك الجماعة أو - يتوهمه فيقف عفى حذه، وهل علموا أن ابن المقفع على انصرافه إلى النقل من الفارسية ولليونانية اختار يومًا أسلوب العامة في زمنه، أو استجاده للنقل
والترجمة، أو خرج على الأدب الذي تادب به أو حاول فيه محاولة، أو قال
بوجوب هدم القديم لأنه لا يرى للعرب مثل الذي لا يعرف لليونان من العلم
والحكمة والخيال وأساليب الحكاية الكتابية، أو نزل بأسلوبه وكتابته منزلة من يمكُر الحيلة في اللغة أو يكيد للأدب أو يساهل نفسه لغرض كالذي في نفوس هؤلاء المجددين؟
قال لي ذلك الكاتب في بعض كلامه؛ إن الميراث العربي القديم الذي
ورثناه يجب هدمه كله وتسويته بالعدم. تلت: أفتحدث أنت للناس لغة وأدبا وتاريخًا ثم طبائع متوارثة تقوم على حفظ اللغة والأدب والتاريخ أم تحسب أنك تستطيع بمقالة عرجاء في صحيفة مقعدة. . . أن تهدم شيئًا أنت بين أوله وآخره كعود من القش يؤتى به لاقتلاع جبل من أصوله.
من أين جاء الميراث العربى وكيف اجتمع وتكامل إلا من القرآئح التي
جدَّت في إبداعه وإنمائه، وأضافت أعمارها صفحات فيه، واستخلصت له آداب الفرس والهند واليونان وغيرهم، فأعربت كل ذلك ليندمج في اللغة لا لتندمج اللغة فيه، وليكون من بعضها لا لتكون من بعضه، وليبقى بها لا لتذهب به؟
ومن ذا الذي يزعم أن العرب هم كل الأرض، وأن آدابهم خلقت على
الكفاية لا تحتاج إلى تحرير أو تبديل؛ ولكن من ذا الذي يرضى أن يجعل لكل
أرض عربية لغة عربية قائمة بنفسها، ولكل مصر أدبًا على حياله، ولكل طائفة من الكتاب كتابة وحدها؛ ومن ذا الذي فعل ذلك أو حاوله في التاريخ الإسلامي كله على طول ما امتد وتساوق؟
لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة وسبب اتساعها واستفاضتها.
وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأنَّ كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع مجازًا واستعارة وبديعًا، ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ثم تتابع الشعراء والكتاب والأدباء فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص منه، ثم جاء أدباء المترجمين وفيهم من جمع البراعة من أطرافها فكانوا هم القبائل
الحديثة في معاني اللغة وفنونها، وكان مذهبهم في كل ما ترجموه وما اقتبسوه
هذه الكلمة التي قالها العتابي " اللغة لنا والمعاني لهم" يريد العجم.
وكان ينسخ من كتبهم وقد يسافر في طلب الكتب شهرًا، والعتابي من أبلغ من أخرجتهم العربية وكان واحد دهره في الأجوبة المسكتة ولولا فصاحته لما بقي اسمه.
فلو صنعت القبائل الحديثة من أبي خالد الفرنسي إلى أبي خالد الإنجليزي
هذا الصنيع لكان رأس أمرهم الحرص على اللغة، ثم إن شدُّوا عليها أيديهم
فسيحرصون على كتبها التي هي مادتها، ثم إن جمعوا هذه فيدرسونها
ويتناقلونها، ثم إن هم تدارسوها فقد رسخت فيهم الملكة واستحكم عندهم
الذوق وانقاد لهم الطبع واستفحصوا واستجادوا؛ فإذا انتهينا إلى هذا لم يبق من موضوع يخالفون عليه، وصار أدباء اللغة جميعًا جنسًا واحدًا ولم يبق إلا النقد يبين شخصًا من شخص وطريقة من طريقة، واللغة بعدُ محفوظة سليمة وإليها المرجع كله ولها العمل كله وهي الأمر كله، وهذا ما تقوم عليه آداب الأمم المستقلة المنفردة بجنسيتها ومقوماتها.
ألا يرى أبو خالد الإنجليزي وأبو خالد الفرنسي كيف تُباهي كل أمة في
أوروبا بلغتها، وكيف يفخر الفرنسيون بلسانهم حتى إنهم ليجعلونه أول ما
يعقدون عليه الخنصر إذا عدوا مفاخرهم ومآثرهم، وهل أعجب من أن المجمع العلمي الفرنسي يؤذن في قومه بإبطال كلمة إنجليزية كانت في الألسنة من أثر
الحرب الكبرى ويوجب إسقاطها من اللغة جملة، وهي كلمة "نظام الحصر
البحري "، وكانت مما جاءت مع نكبات فرنسا في الحرب العظمى، فلما ذهبت تلك النكبات رأى المجمع العلمي أن الكلمة وحدها نكبة على اللغة كأنها جندي دولة أجنبية في أرض دولة مستقلة بشارَته وسلاحه وعلمه يعلن عن قهر أو غلبة أو استعباد! وهل فعلوا ذلك إلا أن التهاون يدعو بعضه إلى بعض، وأن الغفلة تبعث على ضعف الحفظ والتصوُّن، وأن الاختلاط والاضطراب يجيء من الغفلة، والفساد يجتمع من الاختلاط والاضطراب.
إنما الأمور بمقاديرها في ميزان الاصطلاح، لا بأوزانها في نفسها، فألف
جندي أجنبي بأسلحتهم وذخيرتهم في أرض هالكة بأهليها ربما كانوا غوثًا
تفتحت به السْماء، ولكن جنديًا واحدًا من هؤلاء في أمة قوية مستقلة، تنشق له الأرض وتكاد السماء أن تقع، فالمذهب الجديد فساد اجتماعي ولا يدري أهله أنهم يضربون به الذلة على الأمة.
وتلك جنايتهم على أنفسهم وجنايتهم على الناس بأنفسهم، وهم لا
يشعرون بالأولى فلا جرم لا يأنفون من الثانية!
Translation
الميراث العربي
#7 Chapter 7 — الجملة القرآنية · ref. #7
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
الجملة القرآنية
نبهتني إحدى الصحف العربية التي تصدر في أمريكا عندما تناولت الكلام
على " رسائل الأحزان" بقول جاء في بعض معانيه أني لو تركت "الجملة
القرآنية" والحديث الشريف ونزعتُ إلى غيرهما لكان ذلك أجدى على ولملأت الدهر ثم لحطمتُ في أهل المذهب الجديد حطمةَ لا يبعد في أغلب الظن أن تجعلني في الأدب مذهبًا وحدي!
ولقد وقفت طويلًا عند قولها " الجملة القرآنية" فظهر لي في نور هذه
الكلمة ما لم أكن أراه من قبل، حتى لكأنها "المكرسكوب! وما يجهر به من
الجراثيم مما يكون خفيا فيستَعْلن ودقيقًا فيستعظم، وما يكون كأنه لا شيء ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به.
وإاذا أنا تركت الجملة القرآنية وعربيتها وفصاحتها وسموها، وقيامها في
تربية الملكة وإرهاف المنطق وحل الذوق مقام نشأة خالصة في أفصح قبائل
العرب، وردَّها تاريخنا القديم إلينا حتى كأننا فيه، وصلتنا به حتى كأنه فينا.
وحِفظِها لنا منطق رسول الله ﷺ ومنطق الفصحاء من قومه حتى لكان ألسنتهم، عند التلاوة هي تدور في أفواهنا وسلائقهم هي تقيمنا على أوزانها - إذا أنا فعلت ذلك ورضيته، أفتراني أتبع أسلوب الترجمة في الجملة الإنجيلية. . .
وأسِفٌ إلى هذه الرطانة الأعجمية المعربة، وارتضخ تلك اللكنة المعوجة.
وأعين بنفسي على لغتي وقوميتي، وأكتب كتابة تميت أجدادي في الإسلام ميتة جديدة فتنقلب كلماتي على تاريخهم كالدود يخرج من الميت ولا يأكل إلا الميت، وأنشئ على سنتي المريضة نشأة من الناس يكون أبغض الأشياء عندها هو الصحيح الذي كان يجب أن يكون أحب الأشياء إليها؟
كنت أعرف أن صاحبنا الكاتب البليغ المدقق الشيخ إبراهيم اليازجي لما
أرادوه على تصحيح ترجمة الأناجيل رغب إليهم أن يصرف قلمه في الترجمة
فينزلها منزلتها من اللسان ويتخير ألفاظها ويزيل عجمتها ويخلصها من فساد
التركيب وسوء التأليف ويفرغ عليها جزالة ويجعل لها حلاوة، فأبوا عليه كل
ذلك ومنعوه منه وأقاموه فيها بمنزلة من يعرب آخر الكلمة فعليه أن يترك الكلمة إلا آخرها. . .
كنت أعرف ذلك وما فطنت يومًا إلى سببه حتى قولة "الجملة القرآنية"
كالمنبهة عليه، فرأيت القوم قد أثمرت شجرتهم ثمرها المر وخلف من بعدهم
خلف أضاعوا العربية بعربيتهم وأفسدوا اللغة بلغتهم ودفعوا الأقلام في أسلوب ما أدري أهو عبراني إلى العربية أم عربي إلى العبرانية لا يعرفون غيره ولا يطيقون سواه، وترى أحدهم يهوي باللغة إلى الأرض وإنه عند نفسه لطائر بها في طيارة من طراز زبلن. . .!
وليتهم اقتصروا على هذا في أنفسهم وأنصفوا منها، بل هم يدعون إلى
مذهبهم ذلك، ويعتدونه المذهب لا معدل عنه، ويسمونه الجديد لا رغبة عن دونه، ويعتبرونه الصحيح لا يصح إلا هو، وكلهم يعلم أنه ليس بصاحب لغة ولا هو معنى بها ولا كان ممن يتسمون بعلومها؛ ثم ينقلهم هذا العبث إلى آراء كآراء الصغار في الأمور الكبيرة فيحاولون أن يختلقوا في اللغة فطرة جديدة غير تلك الأولى التي وضعت عليها جبلتها واستقام بها أمرها وتحقق إعجاز الفصاحة العربية بخصائصها.
ومرجع هذا البلاء كله أن عربية الجملة الإنجيلية تغزو عربية الجملة
القرآنية من حيث يدري أولئك أو لا يدرون، فما أشبه هذه الأساليب الركيكة في مَقرها من الآداب العربية بالمرض الموروث الكامن في الجسم الصحيح يتربص غفلة أو علة أو تهاونًا فيظهر فإذا هو مشغلة للصحة، ثم يستشري فإذا هو مَفسدة لها، ثم يضرب فيتمكن فإذا هو مزاج جديد، ثم إذا هو الموت بعد!
على أني لا أعرف من السبب في ضعف الأساليب الكتابية والنزول باللغة
دون منزلتها إلا واحدًا من ثلاثة، مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها
لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به، وإما النشأة
في الأدب على مثل منهج الترجمة في الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعوج
اللسان بها، وإما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف فإنه ليس كل كاتب يبلغ، ولا كل من ارتهن نفسه بصناعة نبغ فيها لان هو نسب إليها،
وإن عد في طبقة من أهلها. والكتابة صناعة لها أدواتها، وفيها النمط الأعلى
والأوسط وما دون ذلك.
أفمن الرأي أن نعين المستعمرين على خصائصنا ومقوماتنا، أو نتخذ في
اللغة أديانًا شتى، أو نجعل قياس العلم من الجهل في بعضه والضعف عن
بعضه؛ وإلا فماذا بقي بعد هذه الثلاثة مما ينفسح له جانب العذر إن نحن قلنا
بمذهب جديد في اللغة؟
أحسب إخواننا في مصر أنهم كانوا يحسنون اليوم شيئًا من الكتابة
الفصيحة لو لم يكن في العصر الذي خلا من قبلهم أمثالُ السيد جمال الدين
ومحمد عبده وعلي يوسف والبارودي والمويلحي وغيرهم ممن دفعوا الاستعمار
عن اللغة ببلاغتهم، وردوا أساليب السياسة اللغوية بأساليب الفصاحة، وأشرعوا دون الميراث العربي أقلامهم، وحاطوه بألسنتهم، وحفظوه بعقائدهم، حتى أمنوا عليه أن ينتقص أو يمحق أو يزول. . .
ألا فليقرأوا هذه البلاغة الجديدة. . . التي أنقلها بحروفها عن صحيفة
عربية إسلامية تصدر في طنجة، وليتأملوا أكان فيهم من يكتب اليوم أبلغ منها بعد أربعين سنة ونيف من الاحتلال الإنجليزي والاحتلال الآخر الأوروبي في زيغ الطباع وفسادها، لولا تلك النفوس الشرقية العربية الكبيرة التي كانت في هذا السييل كنفوس الأنبياء قائمة على أنها حمى للحق وشعار فيه ودعوة إليه. وجهاد من دونه؟
قالت الصحيفة وهي تبحث في تاريخ الحج وتكتب كلامًا لم يبق منه معنى
ولا لفظ ولا صيغة إلا وردت في الكتب المختلفة بأفصح عبارة وأبلغ أسلوب، بل هو من بعض دين ذلك الكاتب.
واقرًا ماذا قالت:
"زيارة الكعبة المعظمة فريضة على كل مسلم ومسلمة، لو عندهم استطاعة
صحية ومالية، ومن مناسك الحج، سبع مرات طواف حول الكعبة كل عام، في المحل المقدس المذكور يجتمع ٢٠٠٠٠٠ من المؤمنين والمؤمنات هم الحجاج الكرام، ولابسين كلهم كسوة بيضاء، وسامعين الخطبة لمفتي الأنام في جبل عرفات، لبيك اللهم لبيك.
الكعبة مبنية من طرف إبراهيم خليل الله.
ولكن بمرور الدهر والأزمان وبتأثير سيلان وأمطار قد خربت مرارًا.
ولكن تصلحت من موادها القديمة وأحجارها الابتدائية، وحجر الأسود موضوعة بمحلها بيد المبارك المحمدية ﷺ.
"نظرًا للتواريخ القديمة إن ماء زمزم خرجت من ضربة قدم سيدنا إسماعيل
ومن المعاني والمعالي. . . زيارة بيت الله المقدس أهم المادة وهي اجتماع
مسلمين العالم في كل سنة في الأراضي المقدسة الحجازية بتأبيد الولاء
والمخالصة بين عالم الإسلامي ".
انتهي وأشهد أن لا إله إلا الله!.
وأما بعد، فهذه الألفاظ التي نقلناها إنما تنزل من أصولها الجزلة الفصيحة
منزلة أولئك الكتاب المفتونين من أصولهم في البلاغة والرأي والتدقيق، فلو
خُلق اللفظ من هذه الجملة إنسانًا لكان واحدًا منهم، ولو مُسخ الواحد منه
لفظًا لكان كلمة منها، أفيقبل منا بعد ذلك أن نغفل عنهم أو نتسامح في أمرهم أو نترخص معهم في أسلوب أو قاعدة أو كلمة؟.
ألا إن الأوزان إنما هي بمقاديرها في الميزان وفاء ونقصًا، لا بمقاديرها
في أنفسها زعمًا ودعوى، فلا تزعمت لي أنك أنت من أنت وأن لغتك هي ما هي وأن الرأي ما ترى والكتابة ما تكتب، بل هلُّم إلى ميزانك من علماء الكلام إلى ميزان لغتك من اللغة وإلى رأيك من الحقيقة وإلى كتابتك من الكتابة، وأنت بعدُ وقبلُ أيضًا لا تستطيع أن تهجم على علم من العلوم فتقول فيه قولًا إلا على قياس من العلم نفسه ترد إليه قولك وتقيم به حجتك ثم لا يقبل قولك مع هذا ولا يُعد قولًا حتى تكون من أهل هذا العلم وممن لابسوه وقتلوا مسائله درسًا وبحثًا، وأنت كذلك إذا عرضت لك مسألة في فن من الفنون رجعت إلى كتبها وإلى أهلها ففتشت أقوالهم قبل أن تقول شيئًا، وعرفت حكمهم قبل أن تحكم بشيء؛ واتقيت الخطأ بصوابهم، وتحاميت التقصير باجتهادهم؛ ثم ما هو إلا أن تنزل على رأيهم في العلم والفن لا تحاول مكرًا ولا تتكل على خداع من الرأي ولا تتعلل بعذر من الأعذار، فليت شعري لِمَ يكون ذلك منك في علم
وفي كل علم وفي كل فن ولا يكون كذلك في اللغة وأصولها والكتابة وأساليبها والبلاغة ومذاهبها؟.
ثم ما هي اللغة؟ أفرأيت قط شعبًا من الدفاتر قامت عليه حكومة من
المجلدات وتملك فيها مَلك من المعجمات الضخمة. . . أم اللغة هي أنت وأنا
ونحن وهو وهي وهم وهن، فإذا أهملناها ولم نأخذها على حقها ولم نحسن
القيام عليها وجئت أنت تقول: هذا الأسلوب لا أسيغه فما هو من اللغة، ويقول غيرك: وهذا لا أطيقه فما هو منها، وتقول الأخرى: وأنا امرأة أكتب كتابة أنثى. . . وانسحبنا على هذا نقول بالرأي ونستريح إلى العجز ونحتج بالضعف
ويتخذ كل منا ضعفه أو هواه مقياسًا يحد به علم اللغة في أصله وفرعه، فما
عسى أن تكون لغتنا هذه بعدُ وما عسى أن يبقى منها وأين تكون نهايتها؛ ثم أي علم من العلوم يصلح على مثل هذا أو يستقيم عليه؛ وفيم تكون المجاذبة
والمدافعة، وبم يقوم المِراء والجدل إذا اتفقنا على أن بعض الجهل لا يمكن أن
يكون قاعدة في بعض العلم؟
إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالدًا عليها فلا تهرم
ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فَلكًا دائِرًا للنيِّرين الأرضيين العظيمين. كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ومن ثم كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع.
وأنا أتحدى كل أصحابنا الذين أشرت إليهم أن يأتوني بكاتب واحد تنقّل
في منازل البلاغة وأطلق أساليب الكتابة العالية، ثم نزل عنها إلى الركاكة أو
المذهب الجديد أو ما شئت من الأسماء ولزمها مذهبًا وجعلها طريقة؛ وهذا
التاريخ بين أيديهم، وبعضهم بين أيدي بعض؛ فليأتوني بمثل واحد أسلِّم لهم
كل ما في يدي من الأدلة على سخفهم وأجعل واحدهم هذا بألف من عندي!
فأما أن لا تدري يا أبا خالد وتزعم العفة، وأن تعجز ثم تجنح إلى الرأي.
وأن تضعف ثم تتمدح بالسلامة؛ فهذه أساليب ابتدعها مَن قبلك من أذكياء
الثعالب. . . وزعموا أنه اقتصر على القول بأن العنقود حامض وأراه ما اقتصر على ذلك إلا لأن زمنه كان أحسن من زمننا وأسلم وأقرب إلى الصدق. . .
فلو هو كان من ثعالبنا. . . لزعم أنه ابتاع زجاجة من الخل وصبها بيده في حبات العنقود الحلو وبذا صار إلى الحموضة ولهذا تركه!
وكيف تريد ممن عجز عن الفصيح أن يثني عليه، وهو لو أثنى عليه
لطولب به، ولو طولب به لبان عجزه وتصوره، ولو ظهر الناس منه على العجز والقصور لما عدُّوه في شيء ولذهب عندهم قليل ما لا يحسنه بالكثير الذي يحسنه؟
لقد سألت بعضهم: ما هو هذا الجديد الذي تحامون عنه؟
قال: هو ما يكتب به في الصحف.
قلت: فإن فيما يكتب الضعيفَ والساقط والمرذول، ثم
ما هو إلى الجزالة والفصاحة، ثم ما يلتحق بجيد الكلام، فأي هذه تريد؟ وأيها ليس قياسًا من أصله العربي المعروف؟
أفتجعلون النقص مذهبًا من كماله، ثم لا تكتفون بخطأ واحد وتدعون أن الكمال في نفسه يجب أن يعد مذهبًا من النقص؟ أم الجديد هو ما يكتب به في الصحف تعني لأنك أنت تكتب في الصحف. . .؟
أما إننا لا ندفع أسلوبهم، فهو على كل حال خير من العامية، ولسنا نقول
إن كل الناس يجب أن يخاطبوا في كل أمور دنياهم ودينهم من فوق المآذن.
ولكن الخلاف بيننا وبين هؤلاء جميعًا ينحصر في أمر واحد وهو تفسير لكل
فروعه، وذلك أن هؤلاء الكتاب لا يريدون أبدًا أن تسمى الغلطة
باسمها. . . . . . . فإذا أخطاوا فلا تقولن أخطأوا، ولكن قل: إنه صواب
جديد.
Translation
الجملة القرآنية
#8 Chapter 8 — ما وراء الأكمة · ref. #8
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
ما وراء الأكمة
حضرة الأستاذ العبقري نابغة الأدب وحجة العرب السيد مصطفى صادق
الرافعي نفع الله به.
أَراك قد استغربت قول إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا إنك لو
تركت "الجملة القرآنية" والحديثَ الشريف لكنت الآن المرجع الذي لا ينازع، ولبذَّ مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث. -
ويحق لك ولغيرك وأَيمُ الله أن يستغربوا هذا التمني الدال على مرض
روحي عند بعض الناس، لأنه قد يجوز أن إنسانًا لا يعتقد بتنزيل القرآن ولكن يوجد عربي سليم الذوق لا يعتقد ببلاغة القرآن وحديث الرسول ﷺ.
ولعمري إن الأمر لكما قال ذلك الذي سأله سائل: هل يقال
(فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ)؟
فأجابه: ويحك! هبك تتهم محمدًا بأنه لم يكن نبيًا، أتتهمه بأنه لم يكن عربيًا؟
ولكنك لم تلبث أن فهمت مغزى هذه النزعة الغريبة، وعبرت عما ظهر
لك في تلك الجملة الموجزة من المرامي والمقاصد البعيدة، فقلت وأنت سيد
القائلين "فظهر لي في نور هذه الكلمة ما لم أكن أراه من قبل، حتى لكأنها
"المكرسكوب " وما يجهر به من بعض الجراثيم مما يكون خقيًا فيستعلن، ودقيقا فيستعظم، وما يكون كأنه لا شيء، ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به ".
نعم إن وراء الأكمة ما وراءها، إن هناك دسائس خفية تظهر بعض أطرافها
في هذه الجملة، ولكن دعني أقول لك إنه ليس مرادهم العدول إلى الركاكة، ولا مناصبة القرآن العداوة لمجرد كونه فصيحًا، وليس الأمر من قبل ما ذكره أحمد فارس في (الفارياق) من أن بعض خدمة الدين ممن كان يتكلم عنهم يتبركون بالركيك من القول ويستوحشون من العربي الجزل البليغ، ولا هو من نمط ما رواه في "كشف المخبَّا عن فنون أوروبا" من أنه كان يعرب التوراة وهو في إنجلترا فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنجليزي شدا شيئًا من
العربية، فكان كلما رأى لأحمد فارس جملة شم منها رائحة الفصاحة مسخها، واستبدل بها جملة ركيكة، فكان الشدياق يعجب من أمره، وقد نقل عنه من هذا النسق جملًا يستغرب لها الإنسان من الضحك، إذ يرى كيف كان ذلك القسيس يتعمد قلب العالي بالساقط، والجيد بالرذل تعمدًا، وتهافت على الركيك تهافت الذباب على الحلواء، ويصرح بأنه إنما يتوخى بذلك إبعاد الكلام عن شبه القرآن.
كلا يا أيها الأخ، إن هذه الفئة لا تمج الفصاحة من حيث هي، ولا تدين
بالركاكة التي كان يدين بها قسوس أحمد فارس فيسخر بهم ما يسخر ولا
تحارب اللغة العربية نفسها ولكنها تحارب مها القرآن. . . القرآن. . .
إن هذه الفئة تحارب القرآن والحديث وجميع الآثار الإسلامية، وتريد أن
تتبدل بها من كلام الجاهلية وكلام فصحاء العرب حتى من المخضرَمين
والمولدين، وكل كلام لا يكون عليه مسحة دينية، وهذه الفئة قد تعددت غاياتها في هذا المنزع، ولكن قد اتفقت في الوسائل، فمنها من لا يجهل بلاغة القرآن وجزالته، وكونه من العربية بمنزلة القطب من الرحى، ولكنه يدس الدسائس من طرف خفي لإقصائه عن دائرة الأدب العربي وتزهيد النشءِ فيه، بحجة كونه قديمًا وأن كل قديم هو بال، حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غض مكانة القرآن في صدور الناس يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه. . . على حين هم يزعمون أن الموضوع موضوع لغوي لا مدخل للسياسة فيه فيُزلقون بهذه الدعوى المدحاض كثيرين ممن لو تفطنوا لما وراء الدعاية البارزة في زي لغوي أدبي من المآرب السياسية الخبيثة لكانوا منها على حذر، بل لانقلبوا عليها وصاروا قرآنيين، ولكن مع الأسف نقول إن الحوادث الأخيرة، لا سيما ما جرى قبيل الحرب الكبرى إلى ما بعدها قد أثبتت أنه ما زالت هناك فئة تلعب
بفئة وتسوقها إلى حيث تريد، فلا تستفيق هذه من سكرتها إلا وقد قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وهذه الدسيسة التي ظهر لكم مكنونها من جملة واحدة، إن هي إلا حلقة لغوية من سلسلة دسائس مقصود منها الإسلام لا القرآن من حيث كونه قرآنًا، ولا الفصاحة من حيث كونها فصاحة. . .
ولقد أشرتم إلى ذلك في مقالكم الجليل فقلتم: "لا أعرف من السبب في
ضعف الأساليب الكتابية، والنزول باللغة دون منزلتها إلا واحدًا من ثلاثة. فأما مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به وإما النشأة في الأدب على مثل نهج الترجمة في
الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعويج اللسان بها، وإما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف ".
فأنا أقول إن الوجوه الثلاثة متوفرة في السبب ولكن الوجه الأول هو
أقواها، وأصحاب هذا الوجه منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمة لمبدأ الاستعمار الأوروبي، ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة أنها أقرب إلى الأفهام، ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها لا حبًا باللغة والآداب، ولكن علمًا باستحالة تنصل العرب من لغتهم وآدابهم، ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط أن لا يكون ثمة قرآن ولا حديث، وأن تكون الصيغة لا دينية، وحجتهم في ذلك حب التجدد وكون القرآن والحديث وكلمات السلف كلها من القديم الذي لا يتلاءم مع الروح العصرية في شيء، وآخرون حجتهم في ذلك النزعة القومية التي هي بزعمهم تناقض النزعة الدينية، وأصحاب النزعة القومية هؤلاء يقولون إنها من باب التجدد، وإن روح القومية هي السائدة في هذا العصر، فالدين والمعاصرة نقيضان لا يجتمعان، فأما إذا سألهم سائل قائلًا إنكم وأنتم من دعاة التجدد ومن قراء الآداب الأوروبية لا تنكرون أن كتاب أوروبا اليوم من فرنسيس وألمان وإنجليز وطليان وإسبانيول وروس. . . الخ الخ إنما آدابهم كلها مأخوذة من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية وأن آيات التوراة والإنجيل تدور على ألسنتهم وأقلامهم جارية فيها مجرى الأمثال لا يكاد يخلو منها خطاب ولا كتاب حتى إن المنفضين منهم من العقيدة يتكلمون بلغة من الإنجيل والتوراة، وهذا كليمنصو الذي لا يوجد على الدْين حرب أشد منه، كان يجاوب بعض من اعترض عليه
من أجل بعض نقاط في معاهدة فرساي قائلًا: "ادخلوا في فرح المعاهدة
تجدوها كما تريدون " ومعروف أن جملة "دخل في الفرح " هي آية إنجيلية
"ادخل في فرحِ سيدك " وهذا شيء لا يمكن أن يحصى إلا إذا أحصيت رمال
يَبرِين وإنما نريد أن نثبت به كون التجدد والمعاصرة لم يمنعها بقاء لغات أوروبا، وآدابها على صيغتها - القديمة ومآخذها من التوراة والإنجيل ومن شعراء يونان وخطباء رومة، وأن أدباء أوروبا في هذا العصر يستهجنون اختراع إنشاء جديد وأسلوب غير مألوف ويحسبونه مخالفًا للذوق ويتمثلون بمعان غابرة لم يبق لها أَثر؛ أنظر هل بقي أثر للقوس والنشَاب، في أوروبا، وهل يوجد أعرق في
القُدْمةِ من القوس والنشاب؛ صهالى هذا اليوم يقولون:
[. . .]
ترجمتها: "يأخذ نشابًا من كل خشب ومرادهم بها أنه يستعين بأي قوة
حصلت في يده، أفتراهم وقد أرادوا مراعاة الأحوال العصرية يقولون يعمل
بندقية من كل حديد، أو يصنع قنبلة من كل ديناميت؛ كلا لا يقولون ذلك، ولا يرون الخلط بين العلوم والآداب، ولا يجدون التجدد في الفنون والصناعات داعيًا إلى تغيير أسلوب الكتابة بحجة أن هذه التعابير كانت يوم لم يكن تلغراف ولا تليفون ولا أشعة رونتجن، أفرأيت كاتبًا أوروبيًا يقول: حلقت بمنطاد الفكر في سماء الموضوع؛ كلا ولا ما أشبه ذلك؛ ولا ينكر أنه قد جدَّت في أوروبا فرائد وجمل لم تكن مألوفة في الأعصر السابقة، كما وجدت اصطلاحات في كل عصر من أعصر اللغة العربية، فليس جميع ما اصطلح عليه الناس في أيام العباسيين كان معروفًا في صدر الإسلام أو في الجاهلية، ولكن كل ما يتجدد هنا أو هناك لا بد من أن يرجع إلى نصاب اللغة وينزل على حكمها، ولن تُترك اللغة فوضى لا في شرق ولا في غرب.
طالما ترنحت الأعطاف عند ذكر الكاتب الفرنسي العظيم " أناتول فرانس "
الذي توفي منذ بضعة أشهر، وكان هدا الكاتب هو الصدر المقدم في الإنشاء
عند قومه، لا يرون أحدًا في منزلته بعد رنان، وكان مما تميز به النزوع إلى
المذاهب الاجتماعية الجديدة والغلو في كره العقائد الدينية والعادات القديمة
والنفور من النصرانية بأجمعها، حتى لقد وصفه كثيرون من الشيوعيين، وبالرغم من هذا فقد اتفق جميع من ترجموه لدن وفاته حتى من أدباء الفئة الاشتراكية والشيوعية على أنه كان في إنشائه أصوليًا أستاذيًا مقلدًا يحذو حذو راسين الشاعر الذي عاش قبل هذا العهد بماثتي سنة، وأنه حافظ على الطريقة الكتابية الأصولية المسماة عندهم "كلاسيكًا أي الطريقة المدرسية وقيل للكاتب المشهور موريس باريس - وكان من أنصار الديانة والكثلكة - أفلا ترى مبادئ
أناتول فرانس وغلوه في الاشتراكية الخ؛ فأجابهم: قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم، إلا أنه حفظ اللغة.
وهي جملة شهيرة يحفظها الجميع في باريس.
نعم يقدر العربي أن لا يكون صحيح العقيدة ولا مسلمًا؛ ويكون نِصاب اللغة عنده القرآن والحديث وكلام السلف، لأنها هي الطبقة العليا التي تصح أن تكون مثلًا، ولكن ليس هذا مراد هذه الفئة التي تريد حربًا وتوزي بغيرها، تبغي نقض قواعد القرآن - التي هي السد الأمنع الحائل دون الاستعمار والثقافة الإفرنجية وغيرها - وتأتي ذلك من طريق نبذ القديم والبالي والأخذ بالجديد والحالي، ولا يوجد مع الأسف كثيرون ممن ينتبهون لهذه السفسطة ويعلمون مرمى هذه الدعاية، بل إن كثيرًا من نشئنا ومن عامتنا هم من فخ إلى فخ. . . ومن جملة هذه الأشراك أن القرآن حائل دون القومية العربية لا يفسح لها مجالًا، فتراهم ينصبون لها العداوة.
وأمراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان، ولكن أمراض القلوب هي التي لا حيلة فيها. . . هذا لمان بعضًا من أدعياء الجديد - لا دعاة الجديد - لا يحاربون القرآن ولا الشرع عن بحث وتدقيق ومقايسة ومقابلة يتبعون المعقول قديمًا كان أو جديدًا ويرتادون المفيد مُعرَّقًا كان أو محدثًا كلا، بل هم قد اختاروا مذهبهم من قبل فرجحوا كل جديد كيف كان وبدون محاكمة، وذلك ليقال إنهم رقاة عصريون، أما نظرية أخذ الأحسن من كل شيء، واختيار الأوفق من أي جهة جاء، فهذه ليسوا منها بسبيل، وإنما يؤثرون الشيء إذا علموا أن بعض أمم الإفرنجية أخذت به.
ولما وافقت هذه الفئة في تركيا على منع المسكرات لم يكن السبب في هذه الموافقة ضرر المسكرات أو النهي الشرعي، بل حرموا الخمور لمجرد كون أمريكا حرمتها!
وخذ لك هذا المثال:
كنا في مجلس المبعوثين في الآستانة، وكان من زملائنا زهراب أفندي
الأرمني الشهير، ولم يكن علمه وذكاؤه بأقل من شهرته، وكان يصعب على
مبعوث مهما كان قويً العارضة قاطع الحجة أن يخاصم زهراب لا سيما في
التشريع، فاتفق أن بعض مبعوثي الترك من المولعين بالجديد - لمجرد ادعاء
الرقي العصري - اختلفوا مع زهراب في سن مادة قانونية، فعقدوا لها مجلسا
خاصًا؛ وانبرى لزهراب اثنان من هؤلاء العصريين يجادلانه ويحاولان أن
يحملاه على رأيهما، فبعد حوار طويل تغلب زهراب عليهما وألزمهما الحجة
ولم يبق أمامهما إلا السكوت، إلا أن زهراب أخطأ في شيء، وهو عدم معرفته عقلية هذه الفئة، فبعد أن أخرسهما في الجدال عاد فقال لهم: وهذا أيضًا وفق أحكام شريعتكم (الإسلامية) التي تقول كذا وكذا.
حدثنا الأستاذ الفلكي الرياضي فطين أفندي مدير مرصد الآستانة، أنه لما قال لهما زهراب هذا القول عادا فنبرا بغتة قائلين: إذا كان الأمر كذلك فلا نقبل هذا الرأي! ومن بعد تلك الفلتة لم يعد زهراب قادرًا أن يقنعهما بوجه من الوجوه، فليس صواب الشيء وعدمه هو الحاكم عند هذه الفئة، بل هو مصدر الشيء بدون نظر إلى أي اعتبار
آخر، فإن علموا كونه آتيًا من طريق الدين أو ملائمًا لحكم وارد في الشرع
استمرأُوا مذاقه قبل أن يذوقوه، وليس هذا منحصرًا في الترك وفي الفئة التورانية منهم، بل عندنا نحن من هذا النخل فسيل في مصر والشام وغيرهما.
ويا ليتك ترى هذه الفرقة على شيء من التحقق بالجديد فيما يلزم فيه
الأخذ بالجديد من علم نافع أو فن مفيد أو صناعة دارة، فإن العلم لا يجب أن يكون فيه قديم وجديد، بل هو أصل يتفرع منه فروع كل يوم يتحتم على الإنسان أن يتتبعها كلها ناظرًا إلى حقيقتها وصدق تجربتها وفائدتها للاجتماع.
كلا يا سيدي، قلما رأيت من هذه الفرقة إلا الادعاء الفارغ والنزوع إلى الثورة على ما يسمونه بالقديم، وهم ينسون أن هناك مبادئ ثابتة وبديهيات ليس فيها قديم وجديد، وأن الاثنين والاثنين أربعة من مائة ألف سنة فلا نقدر أن نعمل على ذلك ثورة، وأن المقولات العشر مما لا تتناوله الثورة وأن الثورة إنما هي واجبة على الجهل والوهم لا على الحق والعلم، وأن العلم لا يكون قديمًا، وأن الأدب لا بد أن يراعَى فيه ذوق الأمة وتاريخها وعاداتها وعُرفها، وأنه ليس بتجربة كيماوية.
هذا يا أخي هو المرمى الصحيح ممن أخذ عليك "الجملة القرآنية" فأما
الفئات الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه، ومن يستأنس بالركيك لأنه هو الشيء الوحيد - الذي يقدر عليه فهذه - خطبها يسير - وقلعتها أوهى من أن يحمل مثل قلمك عليها.
لوزان ٨ فبراير سنة ١٩٢٥ م
شكيب أرسلان
Translation
ما وراء الأكمة
#9 Chapter 9 — الرأي العام في العربية الفصحى · ref. #9
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
الرأي العام في العربية الفصحى
هذا مذهبٌ من الكلام في اللغة، كثيرًا ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ
إلى تمحيصه، ويلتوي الظن حتى لا يُطاق على تخليصه، وأنت كيف مددتَ
عينيك في هذا الجيل فلست آمنًا أن تقع من صغار نَشئه الذين يطمحون إلى
مشيخة الكتاب. . . على كل ضيق المَجمّ، ضئيل الهم، ألف اللسان
ملتف البيان، كالجبَل عند نفسه ويوضع في بندقة. . . وكالبحر ويصب في
فستقَة، وهو مع ذلك يسمع بالفصاحة والفصحاء، ويستطيل في البلاغة
والبلغاء، ويبسط في هذا الرهان من جلده على هُزاله، ويُفسح في هذا الميدان من خطوه على كلالِه، ومهما أخطأ فيما يُعَمى عليك من حقيقة أمره، ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره، فلا يخطئك أن تستبين منه رأيًا كأنه في رأسه نزوة أَلم، وعقلًا مدنفًا لو هو مات لما قطرت له دمعةٌ من قلم.
ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحزون
بزعمهم من النصفة والمعدَلة: فلو تدسَّس أحدهم إلى كل مكروه وأصعد في
كل بلاء، لكان ذلك بعضه كبعضه سواء في بادئ الرأي وعند تقليب النظر، لا يدرك فروْ ما بين درجاته، ولا فصل ما بين صفاته، حتى إذا ضرب كل سبب في غايته، واتصل كل مبدًا بنهايته، ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائمًا، وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدّمًا.
عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله، وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من
التسبب له وأشف من ذلك، ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد
مضى، وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها، فكأن
المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل؛ وما أعزها كلمة لا تفهم إلا
من مصيبة!.
وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأيًا من خصال: فأما واحدة
فاقتضابه الرأي، لا يُغبه للخبرة، ولا يبلوه بالتثبت، ولا يكاد يرى فيه مذهبا لتقليب النظر، لْما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صوابًا من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه، وافتكه من عقال عقله على أنه الحق لا مراء فيه، وعسى أن لا تجد في باب المراء مثلًا أدل منه على الرأي القائل كيف يهلك أو يقيل.
وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على سخفه حتى يدفع عنه كل الدفع.
ويحوطه بكل حجة، مُلجلجة، وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته، وأن
الثبات على الكد هو يحققه، فلا يزال يخور بمقدار ما يشتد في أمره تعنتًا ثم لا
يصيب من وجه الأمر إلا ما يضل في مجاهله؛ فيكون قد تأتى من سبيل الثقة
إلى الغرور، ومن سبيل الغرور إلى الباطل، وكبُر ذلك مقتًا وساء سبيلًا.
وأما الأخرى من تلك الخصال فإن الرأي متى تماسك بما يجم حوله
ويستمر عليه من الخواطر؛ فإنه سيكون منه عَقد يخرج عن أن يكون رأيا
موضوعًا إلى أن يصير وحيًا مرفوعًا، ويكبر عن أن يكون مضطربًا في العقل بين الحجج والبراهين، فينحدر إلى القلب عند مستقر العاطفة والدين ثم لا يكون من هذا إلا ما تراه في كل جاهل من الرأي يصدره وكأنما يصدره شرعًا معصومًا
لا يزيغ عنه الزائغ إلا بخذلان من الله. . . فإن هو لم يُتبع عليه ولم يتشيع له فيه أحد كان هذا الجاهل نبئ نفسه، لا يبالي ما ترك الناس مما اتبع هو ولا ما
اتبعوا مما ترك!
وتلك خصال في نسق واحد وعلى نظام مطرد لا هوادة بين أولها
وآخرها؛ فهي وإن تعددت إلا أنها كما يتعدد الموج للغريق، تنتصب منه أشباه الجبال ثم لا يستند الغريق من جميعها إلا إلى الماء الذي يغرق فيه.
وهذا تفسير القول آنفًا إن الجهل على استواء واحد في نظر أهله.
لا جَرم كان العنت كل العنت والبلاء كل البلاء أن نُفهم من لم يستجمع
أداة الفهم لما تلقي إليه، وأن تناظر صاحب الرأي وليس له مما قِبَلك إلا أنه
يرى وإلا أنك تدفع، فإن الحجة في مثل هذا وإن وضحت واستبانت بَيد أنها لا تصيب من غرض يستهدف لها، فلا تلزم ولا تُقنع، وإنما تستعرض كما
يستعرض السهم من الهواء يمر فيه منطلقًا لا يلتوي؛ فمهما نلت من ذلك لا
تنال سببًا إلى الإقناع وليس لك بعد إلا أن تطيب نفسًا عن نتيجة أنت فرغت من مقدماتها، وترتد عن غاية كنت في ظل قصباتها، لأن الحجج لا تنتهي إلى
الحق إلا إذا كانت متكافئة، فهي تختلف متدابرة ولكنها متى تواجهت وأخذت كل حجة برقبة الأخرى فاختصمت ثم ارتفعت إلى العقل قضى بينها وكشف عن وجه الحق فيها، أما الحجة الواهية التي لا يشد منها علم ولا ينهض بها يقين فهذه تظل مدبرة، وإنما قوتها في إدبارها ولياذها بكل مُنطلِق فأنت تجد في كل الناس إلا في صاحبها مقنعًا ومَعدَلًا وما إن تزال مقبلًا منه على مدبر عنك حتى تنكص عنه غالبًا كمغلوب، وتنقلب طالبًا كمطلوب؛ وأنا لا أدري ولا جرم ما الذي زين لفلان أن يكون صاحب رأي في العربية وآدابها، وأن يتمحل لرأيه ويشتد للنضال عنه ولا يعدوَ بالخصومة فيه من لا يُقازُه عليه؛ أذلك حين بذلت له اللغة مَقادَتها أم حين جمحت عنه؛ وحين استطاع له علمه أم حين طوع له وهمه؛ وما فلان هذا والعربية وآدابها والمراءَ في كل ذلك، وهو بعدُ في حاجة من هذا العلم إلى استئناف الطفولة كرة أخرى. . . إن التوى عليه أمر اللغة منذ
دارسَهُ فيها طلبة يسمونهم معلمين فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف
يعلم نفسه. . . رمى هذه اللغةَ بالنقص وجعل الكمال لله ثم له.
فأراد أن يحيلها عن وضع رآها منحرفة فيه، وما انحرف بها إلا حولُ عينه، فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب. وافترش لسانهْ البكيء فيما يسميه جديدًا وفلسفة جديدة وهل اللغة إلا علم بعد أن انقضت فينا الفطرة واختبلت الألسنة؛ وهل يناظر في كل علم إلا أهله؟
ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقوم على أداة من الآلات
البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك، ولو كان هذا التركب القبيح أجمل - مما هو، ولو أخرتَ أو قدمت، ولو زدت أو أقللت، ولو نقضت أو أقمت، فعلت وفعلت. . .؟ وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذاك وكيف يراه ويرى فيه من قول كله في وحصر وعلم كله جهل وفضول.
ألم يَأنِ أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غرَرًا، وأن راكب الخطر من ذلك
إنما يركب رأسه، وأن الأمة لم توقَف شرعًا على فرد ولا أفراد، وأن في
الصمت زاوية باردة مظلمة ثواري المخزيات لو عرف الجاهل معنى
المخزية. . .!
إن العجز مِطواع؛ وإن كل ما يعني أهلَ الحزم يهم به العاجز ويراه سهلًا.
لأن ذلك يحقق معنى عجزه؛ وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن
يصلح لغتها وأساليبها، ومن يعجز عن الشعر هو الذي يقول في إصلاحه أوسع القول، وهلُمَّ إلى أن تستوعب الباب كله فقد قالوا إننا نخاطب الدهماء
والأجلاف ومن يسفُّ إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السَّراة ونتوهم
من سبل الحضارة بَوادي قيس وتميم وأسد، وبالجملة فنحن نضرب في حدود
الفوضى التي لا وجه فيها ولا مخرج منها، وفي ذلك مَزأرَة بالأدب ومضرَّة على الأمة وفساد كبير.
قالوا هذا وما يجري مجراه ويذهب في نزعته ولم يستحوا أن يصدعوا به
وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصُحوا وأقبلوا على آدابنا
وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم، وأحاطوا بها ما أطاقوا، بل كادوا
يكونون أحق بها وأهلها: وقد كانوا في غنى عن كل ذلك بلغاتهم وآدابهم وما أفاء الله عليهم ومكن لهم فيه، ثم لم يشفق أصحابنا أن يبتلوا تاريخهم بالعقوق وهو الثْكل الذي لا عزاء معه، فأرادونا على أن نخلع بأنفسنا هذا التاريخ لا نعطيه طاعة، ولا نبايع له منا عن جماعة ثم نكون كزنوج أفريقيا إذا غابت عنهم الشمس غاب عنهم التاريخ وإذا طلعت عليهم استأنفوا تاريخًا جديدًا. . .!
أليسوا ينقمون منا أننا نشد أيدينا على لغة لسيت لنا، فلِم لا ينقمون أننا
نصرف وجوهنا إلى قبلة ليست في أرضنا؟ ثم يقولون إنهم يهجنون التصرف في اللغة وإرسال الألفاظ والأساليب على وجوهها العربية، ويريدون أن يزيلوا التدبير في هذه الصناعة عن هذا الوجه، لأنهم لا يحسنونه ولا ينفذون فيه إذا تعاطوه، ويريدون فوق ذلك أن يطرحوا عنا كذ الصناعة لتكون خاتمة عجائبنا في هذا الجيل صناعة بلا كد.
ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إذا قلبوا أوضاع الكلام
وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد
بالخلق.
لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة
جعلتها كالواعلة علينا والغريبة عنا، وجعلتنا من نقص فهمنا فيها بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه، فصار إصلاح اللغة كأنه دُربة لإفسادنا وإفسادها فيما نتوهمُ دُربة لإصلاحنا، إنما هما خطتان لا تفضي كلتاهما إلى شر من أختها مبدًا أو مُنقلبا" وإن أقبح ما ترى من شيئين أن يكون أحسن الرأي تركهما جميعًا.
زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في
استوائها وجمالها كصفحة السماء، فهل البلاغة العربية إلا تلك وهل هذا أمر
عربي؛ بلى وهل يعرفون - أصلحهم الله - أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يتفق لهما اغتصابًا واعتسافًا واستكراهًا، إذ لا يفهم من كل ذلك شيئًا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته وإذ هي لغة أوسع من لغته مادة وصناعة، فلم لا يكون الرأي أن ينزل الآباء إلى لغات أطفالهم ويقتصر هذا المنطق الإنساني على المترادف المتوارد من أسماء الألعاب الصبيانية وما يلتحق بها..؟
ثم ما هو حكم العامي - وهو في كل أمة الطفل العلمي - بجانب أهل
العلوم: أتراه يَلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الصغير مع أبويه؛ فلم تمحى العلوم وألفاظها ومصطلحاتها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما
تتراخى به شُقهُ الفهم إذا تعاطاه ذلك العامي أو خاوله، ويكون جهد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال. . .؟
وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في الحد
الأعلى لهذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأدب، فهل يكبر
عليهم أن يكبروا ويشتدوا أن يساوقوا الفطرة في مجراها، فيأخذوا الشيء
بأسبابه، ويأتوا الأمر من بابه، ويدعوا الرأي إلى يوم يكونون من أربابه؟..
يصدرون رأيهم على جهل، فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت
بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة، أنكروا ما جئت به
وحسبوك تفتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارًا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون، فالرأي عندهم هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما يتأدَّى إليه.
إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد
تكون صمْة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها.
فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية، ولو انتزَت بهم أمة أخرى غير الأمة العربية لهجروا العربية لا محالة؛ وكذلك يتوجه هذا القياس طردًا وعكسًا كما ترى؛ وإن في العربية سرًا خالدًا هو هذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويُحكم منطقًا وإعرابًا بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها، وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر، ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيِّم على الفطرة الإنسانية حيث توزعت وأين استقرت فالأمر أكثر من أن تؤثر فيه سورة حمق أو تأخذ منه كلمة جهل، وأعضل من أن يزيله قلم كاتب ولو تناهت به سن الدهر
حتى يلقى من الأمة أربعة عشر جيلًا كالتي مرت منذ التاريخ الإسلامي إلى
اليوم!.
والقرآن الكريم ليس كتابًا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب
فحسبُ، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عُقده وإن كانت وثيقة، ولأتى عليه الزمان، أو بالحريّ لنُفس من أمره شيء كثير من الأمم، ولاستبان فيه مساغ للتحريف والتبديل من غالٍ أو مُبطِلٍ، ولكانت عربيته الصريحة الخالصة عذرًا للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك.
ولو فعلوه لما كان بدعًا من الرأي ولا مستنكرًا في قياس أصحابنا. . . لأنهم لم يَعدُوا منفعة طلبوها من سبيلها وخطةً انتهجوها بدليلها.
وليس يقول هذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على
دِخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا يُوَجهه ولكن يتوجه معه، ولا يُقبل به ولكن يدبر به الرأي.
إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله
مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا حتى يتأذن الله بانقراض
الخلق وطيِّ هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس
وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله، ولما تماسكت أِجزاء هذه الأمة ولا استقلتِ بها الوحدِة الإسلامية،
ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينهم فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحمهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية - لا السياسية - فلا تتبين من آثارهم في أنفسهم بعد ذلك إلا كما يثبت منْ طرائق الماء إذا انساب الجدول في المحيط.
إنما يصب الله علينا بلاء فتياننا لأنهم ينشأون في أرضنا نشأة المستعبَد
الرقيق، وإن غُنمًا لهم أن نحرص على ما بقي من جنسيتنا العربية، وأن نشعَب لحفظ هذه الصلة وتوثيق تلك العقدة بيننا وبين أسلافنا ونمد من ذلك سببًا إلى حاضرنا ثم إلى مستقبلنا فلا يكون في تاريخنا اقتضاب ولا بتر، ثم - لكيلا نكون على ديننا ولغتنا ما كان أولئك الأوشاب والزعانف من الترك والديلم إلى غيرهما من أصناف تلك الحمراء التي اجتاحت العرب منذ الدولة العباسية ورتعت في أمور الناس وجعلت بأسهم بينهم لعلة المباينة في الجنسية اللغوية، حتى لم يكن في ثمانمائة سنة من استبدادهم ما يعدل ثمانين سنة كانت منذ أول العهد بالإسلام، ولكن أنى لفتياننا ذلك وهم لا يأخذون من لغتهم ولا يصيبون من آدابها إلا كما يأخذ الإسفنج من الماء: ينتفخ بقليل منه ثم لا يلبث أن يمجه أو يتطاير منه ولا يثبت فيه شيء.
على أنك لو اعترضت كل من يهجن العربية ويُزري على سبكها لرأيته
أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها، ثم لرأيت له غِرّة في
تاريخ قومه، فهو إن عرف منه شيئًا فقد تجرد من ثمرة المعرفة كأنه يحفظ
طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى أنه مُستدرَج من حيث لا يعلم، فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويَجزي منفعة تاريخ عَلِمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه، والناس أعداء ما يجهلون!.
نعم بقي لأصحابنا مذهب آخر ينتحلونه ويستدفعون به الظنة، وهو من أحسن رأيهم الذي يعانون عليه، لو فهموه على الوجه الذي يفهم منه، ولو أبدوا لنا صفحته دون قفائه. . . وذلك أنهم يقولون إننا أن نلائم بين حاجة الأمة من الكلام وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة، ونريد الإصلاح ما استطعنا، فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجًا من الكلام بطراز وغير طراز ولا نترك أمتنا على سَوْم بين
العربية واللغات الأجنبية ونحن نقول إن هذا أمر ليس له مَترك ولا عنه مَحيص، ولكن أين ما ينزعون إليه مما ينزعون به، وهم إنما خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
وإنما يُؤتؤن من حساب العربية الفصحى لغة أثرية لا تماد الزمن ولا تشايع روح التاريخ، فيرون أنها لا بد أن تكون قد انقرضت مع أهلها فلا تبقى إلا لقوم في حكم أولئك المنقرضين، ثم يُفضون من هذا الوهم إلى تلك المحرقة التي أشرنا إليها في صدر الكلام، لأنهم لم يمارسوا هذه اللغة إنما علموها عن عُرُض، وهذا ولا جرم ضرب منْ الجهل العلمي؛ ولو هم فقهوا سر العربية ووقفوا على طرق تركيبها وجاذبوا من أزمتها وصرفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من
ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة كما فصلنا القول فيه لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه، وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه، ولتقلدوا البلية من حيث يدفعونها لا من حيث تدفعهم ولكنهم كما ترى يصفون لنا الفوضى وهم صفاتها، وَيطِبون للأمة وهم آفاتها، ويبادرون حسمَ الأمور بما يتفاقم به صَدعُها، ويضعون أوزار النوائب بما يثور به نَقعها، وما عليهم إذا تبينوا أن يصيبوا قومًا بجهالة أو يردوهم عن الهدى إلى ضلالة، فاللهم بصِّرنا بأقدارنا، ولا تُذلنا بصغارنا، ولا تخذلنا في الأمل وأنت الرحيم، دون غاية أتحت لنا وقتها، ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم، (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . . .
Translation
الرأي العام في العربية الفصحى
#10 Chapter 10 — تمصير اللغة · ref. #10
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
تمصير اللغة
نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم فضلاء يرون أن تكون هذه
اللغة التي استخفِظوا عليها مصرية بعد أن كانت مُضرية، وأن تطرد لهم مع النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل، ويصدر الكتاب من الكتب فيجري في أفهام القوم على طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذًا معروفًا غير متباين بعضه من بعضه.
ولا ملتو على فئة دون فئة، ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجم الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصّر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرْب، فإن هذا بالطبع غير ما نحن فيه
- بل يأخذ من تحت كل لسان، ويلقف عن كل شفة، ولا يُبعِد في التناول إلى مضطرب واسع، ولا يمضي حيث يمضي إلا مُخِفًّا من هذه القواعد وتلك
الضوابط العربية، إذ تتهادن يومئذ العدوتان: هذه العامية وهذه الفصحى.
وتصلحان بينهما أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلمًا ولا لسانًا، وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في "المواد" السامة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العلمية المبتذَلة والألفاظ العربية الغريبة، ثم على أن لا تحفل إحداهما ما تركت الأخرى مما سوى ذلك، فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها.
يقولون إن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين، أو هي المعاني التي ترجع
إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى
التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطًا في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملًا مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يُثبتون النظر فيها ولا يحققون خطوةً ما بين الإرادة والقدرة، وفَوْتَ ما بين الأمل والعمل، ثم لا يعرفونها إلا أحلامًا قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها
لِمامًا، وتروحوا بالإعراض عنها سلامًا، حتى تناولها الأستاذ مدير "الجريدة"
فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة
رأيآ! فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك
وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئًا مذكورًا.
بَيدَ أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما
ليس من أسبابه، وجاء به قولًا إن يكن فيه صواب فهو ما آثره من تقريب ما بين العامة والخاصة، وإزالة الجفوة بين هؤلاء وهؤلاء، وتوثيق العقدة المنحلة بين الألسنة والأقلام، أو بين لغة الكتاب ولغة الكلام، ثم ما رآه من التخطي بالعربية إلى الأمام، وإن يكن فيه خطأ فهو ما وراء ذلك مما أرسله في أقواله البليغة سِنادًا لرأيه وتثبيتًا لحجته.
وإن مَجمَّ هذا الرأي ومسْتَجمَعَه أن الأستاذ يرى أخذ أسماء المستحدثات
من اللغة "اليومية" وإمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان، فإن لم يكن لها ثمة أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم - لأن هذه عنده دون اللغة اليومية -
فإن لم يصب في هذه أيضًا وضع لها الواضع ما شاء، وأن في استعمال مفردات العامة وتركيبها إحياءَ للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة، إذ يكون من ذلك
رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي والنزول بالضروري من اللغة المكتوبة إلى
ميدان التخاطب والتعامل، ذلك وإن ما استعملته العامة إنما هو "قرارات " الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها، وأن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى، وإننا إذا أردنا الصلح بين اللغتين فأقرب الطرق لهذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية، ومتى استعملناها في الكتابة.. اضطررنا إلى تخليصها من الضعف وجعلنا العامة يتابعون الكتاب في كتاباتهم.. الخ الخ.
هذا هو تحصيل رأي الأستاذ، وأكثر ما أوردناه إنما هو من ألفاظه
بحروفها، فإن طال عليك ذلك السرد وبَرِمتَ به جملة فإن لك أن تدمجه في
كلمتين.
ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء، وذلك أن الأستاذ يرى
"تمصير اللغة" لأننا إذا تابعناه فإننا نلتمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية
وحدها ونعطي هذه العامية سَعَة أنفسنا وبذلَ أقلامنا، فنلبسها بالفصيح
ونخلط منها عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا نحن المصريين ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذنا في عاميتها وتنزع إلى
نزعنا إليه، فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم، كان لعمري أسرع في فناء العربية ومحوها وجَدَا عليها شؤمُ هذا الرأي ما لا يجدو تألب الأعداء ولو استأصلوا أهلها، وبلغ منها ما لا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها، ثم نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية، وسينقاد لذلك من بعدنا ثم من بعدهم إلى أجيال كثيرة يتراخى بعضها عن بعض، فيوشك أن يأتي يوم تكون نجيه تلك اللغة الفصحى في كتابها الكريم ضربًا من اللغات الأثرية، لأننا لا ننظر فيما يترخص فيه الآن من كلمات معدودة صدرت بها " قراراتالأمة" أن لا تزال على وجه الدهر عامية، ولكنا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص، فإذا أثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبهها أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل، ثم تنتهي بالتسامح في كل شيء قلَّ أو كثر!
ونحن فإن كنا نفهم رأيًا من هذه الآراء الحاضرة فإننا لا نفهم كيف يكون
إحياء العربية باستعمال العامية، وكيف يُرضي لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبلُ لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية، ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء وهي أبدًا دائمة التغير بالأسباب المختلفة التي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى مصر كأنها مالطية "متمصرة" وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض كما ترى بين أقصى الدلتا وأقصى الصعيد.
وإذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري من أي لهجة نأخذ، وأي
لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها؛ وإذا ابتغينا بهذا الإصلاح استدراج العامة ليتابعوا الكتاب والخطباء فيما يكتبون ويخطبون فهل يتابعونهم على العامي وحده حتى يُنزل في الفصيح إذ يستمرئونه ويسيغونه حتى إذا عرض لهم الفصيح خالصًا أنكروه وغضوا به، أم تكون المتابعة على العامي والفصيح جميعًا؛ وإذا جاز على القوم أن يتابعوا الكتاب والخطباء على الفصيح الممزوج بالعامي، فلمَ لا يكون ذلك
إذا كان الفصيح خالصًا مأنوسًا وكانت القرائن قائمة على ما فيه من جديد أو غريب وكانت ألفاظه لا تبرًا من معانيه ولا هذه تشق على تلك؟.
نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه
النهضة مجمع يحوطها ويصنع لها ولو على الأقل " كمصلحة الكنس والرش". ولا نقول إن هذه العربية كاملة في مفرداتها، ولا إنه ليس لنا أن نتصرف فيها تصرف أهلها، فإن من يذهب إلى ذلك لا يعدو باللغة وسيلة من وسائل العيش وأداة من أدوات الاجتماع الفطري، وليت شعري ما يصنع أولئك إذا صارت العربية لغة العلوم والفنون الحديثة وجاؤوا إلى طائفة واحدة من الحشرات يقسمها العلماء إلى عشرين ألف ضرب اعتبروا في وضع أسمائها تباين ما بينها في طبقات التشريح؛ ثم
ماذا يصنعون بضروب سائر الحيوان والنبات وغير النبات مما لا يأتي عليه الإحصاء من متعلقات العلوم وفروعها، وهل تجزئُ في ذلك كله ألفاظ لسان العرب وكتب الحيوان والنبات العربية وما إليها مما أطلقت ألفاظه واضطربت أوضاعه واختلفت معانيه واستفاضت حدوده حتى ليصح أن تعم اللفظة الواحدة بكثرة ما تطلق عليه في هذه اللغة شطرًا من معاني العلم التي هي فيه؟
ألا وإن أعجب ما في أمرنا في المعروف والمنكر أن تختلف الأمم في
معاني الألفاظ واختراعها وتحديدها ووجوه الانتفاع بها ولا نختلف نحن إلا
على ألفاظ هذه المعاني، وأنها عربية أو معربة، وهل نتقبلها أو نردها، ونثبتها أم ننفيها، ونننسخها أو نمسخها. . . وقد فاتنا أن العرب أنفسهم لم يكونوا يعرفون شيئًا يسمى لغة إنما كان همهم استيعاب أجزاء البيان في كل ما ينطقون به على أصول الفطرة اللغوية التي ينشأون عليها، وقد ضُبطت هذه الأصول فيما انتهى إلينا من قواعد اللغة وما نقل من ألفاظها، فصار لنا حكمهم إذا نحن تدبرناها ونفذنا في أسرارها وأحستا القيام عليها.
وليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤ أن
اللغة بالمفردات لا بالأوضاع والتراكيب، فإن اللغات المرتقية هي تلك التي
تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه فيها، ولا يمكن ألبتَّة أن تكون لغة من اللغات ذات وَفْر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوهُ أوضاعها
وتراكيبها، ولا تجد عندنا من الإنكار على من يقول بإباحة التصرف في تراكيب العربية ثم التكذيب له والاستعظام لما جاء به إلا كما عندنا من الرد لقول من يمنع التصرف في مفرداتها - بالتعريب وغير التعريب - ما دامت الحاجة إلى ذلك ماسة، وما دام ذلك لا يخرج اللفظ الموضوع عن الشبه العربي الذي يجريه في
اللغة ويجعله إليها ويلحقه بمادتها ثم ما دمنا نعمل هذا العمل فنقضيه صريحًا
محكمًا ونستن فيه سنة العرب في طريقة الوضع اللغوي وحكمة هذه الطريقة
ووجه هذه الحكمة.
فأنت ترى أنه لا ينقصنا من اللغة شيء وهي على ما هي من إحكام
الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات ولو أقبلت كأعناق السيل، ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا، ويعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان، وكيف يكون عملهم عملًا.
ولقد كان من سوء الصنع لهذه العربية أن قامت لإحيائها "مجتمعات" كلها
كان يكدح في هذا العمل الجديد على قاعدة قديمة، فلا يعدُون في طريقة
العمل وجهة القصد منه أن يبدلوا لفظًا بلفظ وحرفًا بحرف وينبهوا إلى خطأ في بعض الاستعمال وصواب في بعض الإهمال مما يستخرجونه أو يقفون عليه أو يتفق لهم اتفاقًا؛ وهذا عمل تكون الجماعة فيه مهما اعتزمت واشتدت كأنها فرد واحد، ويقوم الفرد المضطلع بالجماعة، بل قد يفي بها ويمسح وجهها ويكون منها مكان الإمام ممن خلفه.
وإن كانوا صفوفًا متراصة متقابلة، وهو أمر
كان قديمًا، فإن العلماء والكتاب كانوا يتلقون الرواة والحفاظ بالمسألة عن
صواب الكلمة وعن وجه استعمال الحرف من اللغة، وكان المأمون العباسي قد أرصد من هؤلاء طائفة في "دار الحكمة" ليرجع إليها المترجمون، ثم ليتصفحوا عليهم فيصلحوا خطأ أو يقيموا وزنًا أو يغيروا كلمة، وكذلك فعل بعض الأمراء المتأخرين في دواوين الإنشاء حين ضعف الأدباء عن اللغة والتوت الألسنة وغلبت العامية، وقد تولى ذلك للفاطميين طاهر بن بابشاذ في القرن الخامس، وابن بري في القرن السادس وتولاه كبرهما من بعدُ إلى هذه الغاية في عصور ودول مختلفة.
على أن كل ذلك قد مضى مع أهله وبقيت اللغة تضرب في
حدودها مقبلة مدبرة لم يزد فيها ما زادوا ولم ينقص منها ما نقصوا.
ولسنا نرتاب على حال أنه لو قام في صباح كل يوم مجمع لغوي على هذه
الطريقة لانتقض في مساء كل يوم مجمع منها، لأن القوم يَدعُون الجهات الملتبسة إلى الصريحة ويتخطون الأصول إلى الفروع، ويعملون في سد خلة محتملة ويتكلفون لضرورة في الوسع والطاقة، واللغة وافية بكل ما يأتون به، لا يصد عنها إلا الجهل والإهمال، وإلا سوء طلب الطالب وتحصيل المحصل، وهذا - أصلحك الله -
أهون الخطب وأخف الضرر وأيسر ما التاث علينا من أمر هذه العربية فإن
المحنة فيها باقية أبدًا ما بقي في الأرض معنى ليس له فيها لفظ، وما دمنا لا نطرق فيها لهذه الألفاظ المحدَثة بقواعد ثابتة وعلى طرق نهجته، وما دامت في أيدينا جامدة لا نغمزْ منها ولا نعيدها سيرتها الأولى في الوضع والاشتقاق بما لا يفسدها ولا يضار أصولها ولا يأتي بنيانها من " القواعد،.
وإن ذلك لأمر أولُ التبعة فيه على متقدمي العلماء ممن دونوا الأمهات في
اللغة وممن كتبوا في العلوم أو ترجموا من كتبها، لأنهم - عفا الله عنهم - لم ينظروا لمن بعدهم، فلم يضعوا في ذلك ديوانًا جامعًا، ولا أمضوا فيه بإجماع معروف ينتهي إليه علم أو يقف عليه طريق من طرق الرواية، إنما كان لكل واحد منهم رأيه ونظره ومبلغ علمه وإحاطة روايته؛ فإن اضطر أحدكم إلى ما يُعجله عن الأناة وإحالة الرأي في اختيار اللفظ وتعريبه ودفع إلى الكتابة والتأليف من هذه المضايق، لم يبال أن يتناول اللفظ كما هو في لسان أهله ولغة واضعه ما دام لا يرسله إلا في أسلوب محكم من اللغة ولا يحيطه إلا بالتركيب العربي المبين، وهم كانوا أبصر بما قررناه من أن اللغة بالأوضاع والتراكيب لا بالمفردات بالغة ما بلغت، وأن الشأن
فيما ينتظم الكلمة الأعجمية انتظامًا عربيًا لا في الكلمة نفسها.
وهذا الجاحظ عالم كتاب هذه الأمة وفردُ بلغائها المتسعين في الكتابة
تتصفح كتبه فتعثر بالشيء من أسماء الأدوات ومصطلحات الفنون، وبعض ذلك لا سبيل إلى فهمه ومعرفة مدلوله إلا بالرجوع إليه في الفارسية والهندية والرومية ونحوها، وإلا أن اتفق للباحث أن يعثر على بيانه وتفسيره في بعض المعجمات العربية أو كتب الفنون، وقد كان دأب هذا البليغ أن لا يتوقف عند اللفظة المحدثة يقليها ويشققها، ولا يتردد عند الكلمة الدخيلة ينظر فيها ويحققها، وهو قد نص على ذلك في موضع من كتابه "الحيوان" فقال بعد أن ساق ألفاظًا من مصطلحات الزنادقة، كالساتر والغامر والبطلان وغيرها، وأنكر غرابة الدلالة فيها وأنها مهجورة عند أهل دعوته وملته وعند العوام والجمهور:
"إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها، على أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود الهتكليف لما عسى أن لا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة، وأرى أن ألفظ بالفاظ المتكلمين ما دمت خائضًا في صناعة الكلام مع خاص أهل الكلام، فإن ذلك أفهم عندي وأخف لمؤنتهم علي.
ولكل صناعة ألفاظ قد جُعلت لأهلها بعد امتحان سواها فلم تلزق
بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وين معاني تلك الصناعة مشاكلات، وقبيح
بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو في مخاطبة
العوام والجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا حدث أو
خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل" اهـ.
على أننا لا نستقصي القول في هذه الجهة، فإن موقع النية أن نتكلم في
"تمصير اللغة" وإنما أفضينا إلى الكلام من هذه الناحية إذ كانت هي سبيلنا إليه، فإن القائلين بهذا الرأي والغالين فيه والمكابرين عليه إنما يدعون به الإصلاح
ويذهبون إلى أنه خير ما ينتهي إليه الصواب من رأي وخير ما يمكن لهم في
جانب تلك الغاية، فإنهم زعموا يريدون الإصلاح من أقرب السبيل، ويطلبون الحاجة الراهنة والمنفعة الدانية؛ وقد رأوا سواد الأمة عاميًّا فلا بأس أن يكون من هذا السواد ظل في اللغة أو على اللغة أو قريبًا من اللغة، وفاتهم أن من دون هذا السبيل سبلًا أخرى هي أقرب في منحاهم وأدنى إلى غايتهم لو كانوا يرمون إلى تعليم الأمة وإلى الغاية من هذا التعليم، فإن الزمن الذي تعرب فيه الكتب أو تمصر ثم تطبع وتنشر ثم تقرأ وتدرس لا يذهب باطلًا إذا هو ذهب في تعليم لغة أجنبية من لغات العلوم ثم إلقاء هذه العلوم بها، ويكون في ذلك أن الأمة تستفيد العلوم والفنون محققة وتربح معها فضلًا كبيرًا، وأن تربح إلى لغتها لغة أخرى برمتها وتجمع إليها آدابها وفوائدها، وهذا ما لا يتيسر بعضه إذا مصرنا العربية لتلك الغاية التي زعموا وما يطلبون بها من الكفاية والإصلاح.
وقد أخذت بهذا الرأي جمهورية الصين الحديثة، فإنها فرضت اللغة
الإنجليزية على كل من يطلب علمًا أو صناعة، حرصًا على الوقت أن تضيع به الترجمة والطبع والدرس، وتفاديًا مما تدخله الترجمة على مصطلحات العلوم
والفنون من الضيم في الشرح والتعيين وتحديد الدلالة ونحوها مما ليس منه بد
في النقل بين اللغات المتباينة لغة إلى لغة.
على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه، وهب أن
أمرًا من ذلك كائن، وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، وأقحمنها مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام وأتبعناه مَقادتهم، فما جداء ذلك عنهم وماذا يرد على الأمة، ونحن نعلم أن جمهورها إذا احتاجوا إلى كتب في العلم فإنما هي كتب ألف باء تاء. . .
قبل كتب المصطلحات العلمية والفنية!
وإنه لعجيب أن نبدًا بالتربية من آخرها، وإن نجيء إلى حال من الضعف
فنتوهم فيها القوة، ثم فمضي على ما نخيل نعتده حقًّا فنقرر الأحكام ونؤصل
الأصول ونقابل شيئًا بشيء ونستخرج حالًا من حال، وليس لنا مما قِبلَ ذلك
جميعه إلا أنه ظن توهمناه يقينًا، وفرض حسبناه قياسًا، وإلا أنها العامية جعلنا
لسومها ما ليس في طبيعتها وحسبناها أصلًا بائنًا بنفسه متميزًا من سواه بالصفات التي تجعل الأصل أصلًا وتنفيه من صفات فروعه، مع أن أصل هذه العامية لا يزال في ألسنتنا وأقلامنا، ولا نبرح نردها إليه ونحكمها به ونقيمها على طريقه، ومع أن هذه العامية لا تصلح في تراكيمها وصِيغها للكتابة ما لم تفضح على وجه من الوجوه، وهي بعد لا وزن لها في كل ما ابتعدت به عن الفصيح إلا في عبارات قليلة مما يكون أكبرُ حُسنه أنه أخرج على نسق معروف في البلاغة العربية: كضرب المجاز والكناية وما إلى ذلك، فإذا نافرت الفصيح لفظًا أو نسقًا فلستَ واجدًا فيها إلا أطلالًا من كلمات عربية يأباها من يعرفها صحيحة ماثلة، ويَعُدها من النقص يقيمها سوية كاملة، وكيفما أدرتها لا تعرف لها إلا رقة الشأن - وسقوط المنزلة بإزاء أصلها الفصيح الذي خرجت منه ولا تزال فيها مادته.
فما اختلافنا في لغة هي في طبيعتها اللغوية تأبى أن تكون أصلًا وأن تعد لغة
ومهما جهدتَ بها لا تتحول الا إلى أصلها المعروف المتميز، فإذا أريدت على
غير ذلك التاثت واضطربت وفرت إلى الأسواق والسُّبل!
فإن عارضنا القوم بأنهم يريدون تقريب الفصيح من العامة، لا من العامية
ليسهل عليهم أن يتأدبوا أو أن يتعلموا، قلنا: ذلك وجه وسبيله غير ما يقولون به من تمصير هذا الفصيح العربي، فإن لهم مندوحة في طرق مختلفة يفصحون بها العامية نفسها بردها إلى أصولها القريبة على نحو ما كانت عليه أيام الأمويين والعباسيين، فإني لأحسب أن العامي من أهل ذلك الزمن لو بُعث اليوم لرأى أكثر أساليبنا الفصيحة دون عاميته.
وقد كنا بسطنا جانبًا من القول في مقالتَينا اللتين نشرتا في "البيان" عن الرأي
العامي في العربية الفصحى والجنسية العربية في القرآن وأبَنَّا ثمة فساد الرأي في
إحالة الفصحى عن وجهها، فلا نعيد شيئًا مما بسطناه وانما نرسل كلمة في تحقيق استحالة هذا الرأي، وأن القائلين به مهما عملوا فإنهم لا يعدون أن يجتذبوا إليهم طائفة من ضعاف شبابنا المتفرنجين يناصرونهم بما تعده الأمة خذلانا، ويزيدون فيهم بما لا تشعر به الأمة زيادة أو نقصانًا، وذلك أنهم يغفلون عن الروح الدينية
التي ينشأ عليها المسلمون - أهل هذه العربية - في جهات الأرض، وأن هذه الروح قائمة على نفي العصبية والوطنية كالمصرية وغيرها، فقد كانت هذه العصبية عامة في قبائل العرب حتى محاها الإسلام، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وجعلهم إخوة، ثم نفاها النبي ﷺ ونفى المؤمنين منها بقوله:
"ليس منا من دعا إلى عصبية. . . الحديث.
وما عصبية قبيلة وقبيلة في المعنى إلا كعصبية بلد وبلد ومصرِ ومصر، وما يقولون به من تمصير اللغة لا يعدو أن يكون
وجهًا من وجوه هذه العصبية الممقوتة، فإنك لتجد المسلمين يختلفون في كل شيء حتى في الدين نفسه ولا تجدهم إلا شعورًا واحدًا بالروح الدينية العربية التي مِساكها الكتاب والسنة في عربيتهما الفصيحة، وهي لا سبيل إلى التغيير أو التبديل فيها، لا على وجه التمصير ولا على وجه آخر، وسواء أكان في ذلك إصلاح بين العامية والفصحى أو لم يكن.
فإن شذ عن الجماعة فئة من شبابنا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين
ونشأوا في غير قومه وعلى غير مبادئه فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ورضوا له ما لا يرضاه لأهله، فهؤلاء مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا حدثًا، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة الله، ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية.
ولن تجد ذا دِخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة، وإن كنا
لا نقول بالعكس، فإن فينا من الفضلاء من يخطئ في الرأي يراه أو يعجَل به
دون أن يُطيل ترديده وتقليبه، فإذا بصرته بما فيه أعانك على نفسه وأحكم ناحية الصواب منها وأعطاك عن رضا وكان في عمله خليقًا أن تعرفه بالحكمة وأن ترى تحوله عن الخطأ صوابًا إن لم يكن أحسن من صوابك فليس بدونه.
هذا وإن أصحابنا لا يجهلون أن الأصل في التربية العامة بالحمل على
الأخلاق لا على العقول، وعلى روح الأمة التي تتميز بها وتتفق فيها لا على
صفاتها الأخرى، ونحن لا نجد في ذلك شيئًا في المسلمين كافة من المصريين
وغيرهم إلا ما أومأنا إليه من الروح الدينية التي تشملهم جميعًا والتي هي أساس هذا الدين فلا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلًا لغويًا مجمعًا عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي تقوم عليه هذه العربية، فإن بعض ذلك سبب طبيعي إلى بعضه؛ فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصريًا وطنيًا. . . وبصرنا باسباب ذلك ونتائجه قلنا له: أخطانا وأصبت (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) .
Translation
تمصير اللغة
#11 Chapter 11 — جلدة هرة · ref. #11
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
جلدة هرَّة
كان الأستاذ الكاتب البليغ الذي يكتب (ليالي رمضان) في جريدة السياسة
قد سئل: ما الجديد وما القديم وما مثَل كل منهما وماذا يُبين أحدهما من
الآخر؟
فأحال في الجواب على قوم سماهم ممن يتسِمون بهذا وذلك وعدنا
فيهم، فكتبنا إليه هذه الكلمة الموجزة:
إلى كوكب الليالي المباركة:
كنت قررت أن أمسك عن الجواب حتى أرى ما عسى أن يكتب الذين
سميتهم فأتعقب أقوالهم، فإن آرائي معروفة منشورة، ولكن حجة أهل الجديد لا تزال هي كلمة الجديد.
أحسبك لا تظفر بشيء منهم بعد كلمة "الدكتور صبري " وهو يبين ذلك لا
إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإن ظفرت بعد أيام بكلمة وكلمات فمن لك بليلة أو ليال تزيدها يا شوال على رمضان. . .
أم تريد أن تتخذ لك في التاريخ الإسلامي مذهبًا جديدًا كمذهبهم في الأدب العربي فتدعي لشيء ما ليس له وتنحل شهر رمضان من شهر يوليو. . .
لم أقرأ إلى يوم الناس هذا في معنى هذا (الجديد) كلامًا يبلغ أن يصور منه
برهان أو تؤلَف منه قضية صحيحة، وكل أقاويلهم ترجع إلى ثلاثة أبواب جديدة، ومجدد، ولنجدد، فأما الأول فهو عندهم تقبيح القديم والزراية عليه والنفير منه.
وأما الثاني فهو العائب والشاتم والمهزئ، وأما باب قولهم (ولنجدد) فهو لا يزال إلى الآن مقصورًا على قول كل واحد منهم للآخر (ولنجدِّد) . . .
على أن القديم هو الواقع الثابت الذي يقوم به الماضي والحاضر معًا وقد
رأيتَ أن الجديد لا يعدو أمرًا يتوهمونه أمرًا وهو بعدُ لم يقع، فليس الممكن
أولى به من المستحيل ولا المستحيل أحق به من الممكن، وإنما أضيعُ الناس
في الناس رجلان: واحد يأتي قبل زمنه، والآخر لا يكون إلا وقد مضى زمنه، أفلا ترى والحالة هذه أن كل السائغ الممكن لأهل الجديد هو أن يجادلوا أهل المستقبل؟
وأنا والله لا أعرف أهؤلاء القوم يجدون أم يسخرون؟ ولكن الذي لا
أجهله أن في بعض الناس أرواحًا وأمزجة انطبعت فيها صور الاجتماع الأوروبي بما يحوي من فضائله ورذائله - لأن هذه نتائج تلك، ما منها لهم بد - فتريد هذه النفوس الرقيقة الجميلة أن تنسخ الرسم الإسلامي الشرقي وتقر كل ذلك الأوروبي في مكأنه، وتلك هي نزعة الجديد.
وأنت فإذا كنت محاميًا أفلا يكون من واجبك أن تلبس اللص إذا دافعت
يومًا عن لص، فتقف الوقفة الشريفة وإن فكرك وذكاءك ومنطقك كل ذلك
يحتال احتيال اللصوص ويتصل بمعانيهم ويستنبط من الوسائل ما لعل اللص
نفسه يعجز عن بعضه.
هذا هو المثل لا غيره، ولأقل لك فى صراحة إن مساجد القاهرة ترى
ألف سائح كل سنة ولا ترى في السنة كلها واحدًا من أهل الجديد، فهذا هو
مَرد تلك النزعة، ثم إن هناك فئة قليلة من الصَّحفيين ترى في كلمة الجديد
معنى بديعًا من معاني "لغة الإعلانات" وهذه اللغة لا تبالي ما ينفع مما يضر.
ولا ما يصدق مما يكذب، ولكن ما يروج وما يكسد، وما يربح وما يخسر.
فالجديد العربي عند هؤلاء إنما هو كذلك في تسميته، أما في معناه فهو جديد
أمريكاني.
إن كان الخلط أيها الناس يسمى جديدًا فقد كان في القوم من يخلط وإن
كانت الركاكة ففي القديم ما شئتم منها حتى ومن أساليب "جراميق الشام
وأمريكا" وإن كان التحامل والطعن والعيب فذلك كله قديم، وإن كانت
الإنسانية فهي قديمة، وإن كان العقل فإن أعظم العقول البشرية من القديم
وحده، فماذا إذًا؟
لعلكم تريدون الذوق، فكيف تصنعون وأنتم ترون لكل امرئ ذوقه
وتبصرون الأحوال تجري في ذلك بأشياء غريبة حتى في أجمل ما في الجمال.
فلقد يكون أثقل ما في الثقل على بعض الطباع كثقل الفصاحة على طباعكم، وثقلكم أنتم على طباعنا فليس لكم في الذوق شيء لا يكون لنا مثله.
أم تريدون من الجديد تصوير الحياة العصرية بمذاهبها في الشعر والنثر؛
فمن الذي يدفعكم عن هذا ومن الذي يقول بغيره منا أو منكم؟
فنحن في ذلك سواء لا نختلف.
أم تريدون الأسلوب واللغة والسهولة في السبك والضعف في التأليف
والتسمح في القواعد وأخذَ اللفظ من حيث يتفق وكيف قدر عليه كاتبه؛ فهذا لا يسمى جديدًا وإنما هو في الجملة ضرب من العجز واحتيال فقهي.. على جعل ما ليس بقاعدة قاعدة.
لقد سئمت نفوسنا هذه الدعاوى الفارغة فاعملوا ثم سموا عملكم.
وصيدوا الدب ثم بيعوا للناس جلده، فلعلكم وأنتم تبيعون فروة دب لا
تحصلون إلا على جلدة هرة.
Translation
جلدة هرة
#12 Chapter 12 — مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية · ref. #12
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية
Translation
مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية
#13 Chapter 13 — للتاريخ · ref. #13
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
للتاريخ
ظهرت الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٨ للميلاد، وكانت يومئذ فكرة
وطنية سياسية انشق لها مكأنها في الحوادث فجاءت كما تجيء الحادثة الوطنية
قائمة - على ما قبلها ليقوم عليها ما بعدها، وبذلت فيها الأمة وشمَّرت لها وجدَّ بها الجِد فإذا هي ما هي.
ولم يكن في ذلك العهد ما يعرف "بتاريخ آداب اللغة العربية" إلا كراسة
صغيرة الحجم لفقها بعض الأساتذة على طريقة المستشرقين، وكانت تدرس في مدرسة دار العلوم، وإلا بعض فصول كان كتبها على هذه الطريقة صديقنا العلامة جرجي زيدان صاحب "الهلال" ونشرها في مجلته، ثم كتابان في علوم اللغة العربية الاثني عشر، أحدهما كتاب الوسيلة الأدبية للأستاذ الشهير الشيخ حسين المرصفي، وهو كتاب قديم، إلى كتب أخرى مما يجمع من مختارات النظم والتثر، أو مما يجمع من كل شيء كالمواهب الفتحية للأستاذ الحجة الكبير الشيخ حمزة فتح الله، فكتبنا يومئذ في (الجريدة) مقالًا تراه بعدُ، ولنسمه "مقال الجريدة الأول"
وكان مدير الجريدة هو الأستاذ النابغة مدير الجامعة
اليوم فكان من أثر ذلك المقال أن نشرت اللجنة الفنية للجامعة دعوة على
الأدباء إلى تأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" جعلت جائزة الفائز فيه مائة
جنيه، وضربت أجلًا لتقديمه إليها سبعة أشهر، فكتبنا المقال الثاني في
الجريدة، فعادوا ونشروا المسابقة لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية"
وجعلوا المدة سنتين والجائزة مائتي جنيه، وقالوا: (ولأجل مساعدة المؤلف
على نشر الكتاب تتعهد الجامعة بالطبعة الأولى على نفقتها. . . فإن لم يستحق الجائزة أحد تتجدد الدعوة لهذه المسابقة مرة ثانية لميعاد آخر مدته سنتان بهذه الشروط بعينها".
وكان ذلك من عملنا ولله الحمد والمنة - هو السبب في تدريس الآداب
العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهو السبب كذلك في وضع ما وُضع
من الكتب في هذا العلم، ولكن أحدًا لم يعرض كتابه على الجامعة إلى اليوم.
ثم كان أسبق تلك المؤلفات ظهورًا الجزء الأول من كتاب العلامة جرجي
زيدان، ثم الجزء الأول من كتابنا "تاريخ آداب العرب " سبقه ذاك بشهر أو
شهرين سبقًا مطبعيًا.
ثم ألحقت الجامعة بوزارة المعارف وفُتحت سنة ١٩٢٥ فاختاروا لتدريس
الأدب العربي فيها الأستاذ الدكتور طه حسين، وكنا نعلم أنه يُلقي دروسه "في الشعر الجاهلي ".
غير أنا لم نقف على شيء منها ولا أردنا ذلك ولا فكرنا فيه.
إذ لم يخطر لنا أن كائنًا من كان يزين له الغرور أن يحمل كرة الأرض فيُلقي بها
في غير مدارها كما فعل طه شبيهًا من ذلك في الأدب، حتى نبهنا مقال الأستاذ عباس فضلي الذي نشرته له "السياسة" ثم كتب بعده صديقنا الجليل كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان مقاله
"التاريخ لا يكون بالافتراض" في جريدة "كوكب الشرق"، فكتبنا نحن بعد ذلك هذه المقالات في "الكوكب ".
وقد تركناها كما هي لم نمسسها إلا في الفرط والندرة والحمد لله على ما وَفق
من قبل ومن بعد.
Translation
للتاريخ
#14 Chapter 14 — مقال الجريدة الأول الأدب العربي في الجامعة المصرية · ref. #14
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
مقال الجريدة الأول
الأدب العربي في الجامعة المصرية
قالوا إن فئة القائمين بامر هذه الجامعة قد تعجلوا لنا العمل في هذه السنة
فلم يُطَيبوا ولم يُتضجوا لمكان العجلة من تلك الحال، وعُقم الأمة بالنابغين من
الرجال. ولذلك جعلوا الدروس فيها محاضرات من مستطرف الأحاديث
ومستظرف النوادر والأمالي في تاريخ الحضارة والبلدان والآداب الأجنبية وطرف مما تعتبر به اللغة، ثم هم في الغابر يستحدثون الجديد ويطرحون أيديهم في العمل المفيد متى تمت لهم الأداة واجتمعت القوة ولفَّ شملهم بأولئك الفضلاء الذين أنفذوهم إلى أوروبا، وكذلك قالوا إنهم بادروا العمل وما تلبثوا إلا يسيرًا، تنزيهًا لعهدهم، وتفاديًا من سوء المؤاخذة على الرَّسْلة ووناء الهمم، ولأن الفائدة لا ينفيها أن تكون من القليل إذا لم يتهيأ أكثر منه، فإن لجلجة المضغة عند الجوع خير من جمود الفكين!.
ونحن نؤمن بكل ذلك ولا نحاول أن ندلس على عيب أمتنا ونكتم
نقائصها، فقد لا يستقيم هذا الأمر عندنا إذا ابتدأ كاملًا، وإن من يركم أحجار البناء كلها في فضاء الأرض لا يبلغ أن يكون بذلك قد رفع بناء، بل لا بد من إمساك الحجر بالحجر على نسبة معينة في التنسيق والاطراد، وما قط ابتُغِيت حاجة من غير مَبغاتها.
ونزيدهم على هذا أيضًا أننا أمة ترك بها الزمانُ ما ترك من عادة وخُلق بين
سيئ وحسن، فلا تجتمع على بغض ولا رضا، ولا يزال بعضها حربًا لبعض
في العادات والأخلاق، كما تكون الأمم في أول جهادها للتقدم، وتلك هي
المزلَّة التي يهوي فيها الأساة، والمنزلة التي يحارُ بها الهداة؛ فلو قذفتنا المقابر
بمن فيها من الفلاسفة وحكماء المجتمع ما زادوا على أن يبتدئوا تعليمنا
بالقليل، ولكن ليس كل قليل لازمًا، بل أخرِ في ذلك أن يكون شيء ألزم من شيء.
فلا سبيل إلى عذر القوم في إغفال الأدب العربي وهم قد نصُّوا في دستور
الجامعة على نوعين من الآداب الأجنبية.
فإما أن تكون هذه أحق من ذلك بالتقديم وأقرب إلى فائدة الأمة منه، أو هم يمتهدون اليوم لحاجتهم فينشئون لنا في أوروبا أديْبًا ويخرجون بعلوم الأعاجم عربيًا صليبًا، أو لا هذا ولا ذاك ولكنهم يمضون على غير هدى كما تخيل النفس ما دامت هذه الأمة قد بذلت وتابعت على ما يريدون.
فإن كان الأول فهو الرأي الفائل والسوءة التي لا يسترها إحسانهم بأجمعه
إذ لا يكون ذلك في أمة لا يزال يغلط كبار كتابها غلطًا قبيحًا فيما يستعملون من لغتهم، لا يرون ذلك هُجنة ولا نقصًا؛ حتى أصبحت اللغة في الأيدي كالثياب المتداعية: كلما حِيصت من جانب تهتكت من آخر.
وانظر كيف يتسمى الكتاب المسترسلون في الجرائد "بالمحررين"، وأنت
إذا سألت عن سواد الكتاب في الأمة قيل هم أولئك ولكنهم مع ذلك لا يعلمون أنها مذمَّة لهم، فإن المحرر فيما سبق به الاصطلاح هو كاتب الخط لا غير
"الخطاط" لأنه يحرر الأصول ويضبط الأحرف ويراعي اعتدال النسب بين ما
يعزله من البياض في القرطاس أو الكاغَد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه
وأسفله، وتباعُدِ ما بين السطور، وسعة الفصول وضيقها ومرجع ذلك جميعه
إلى مُفاد لفظة "التحرير".
ولا أخوض في تفصيل الرأي الثالث وبسطه فإني أنزه رجال الجامعة عن
هذه الشبهات، إما أن يكونوا منتظرين أن يُنشئوا في أوروبا من يدرس الأدب العربي أو يستعين بما يدرسه عليه، فذلك ما نرمي إليه بهذه الكلمات وإن علينا بيانه:
لا أعلم ماذا يراد بقولهم: "آداب اللغة العربية" إلا أن يكون ذلك إحاطةَ
الأديب بفُصَح اللغة وتمكنه من استعمالها في تنزيل الكلام، ومعرفة الإعراب
والأبنية والتصاريف، وبُعد النظر في معاني البلاغة وأساليب الفصاحة والاقتدارَ عليهما نظمًا ونثرًا، ثم معرفة الرجال ومراتبهم وطبقات كلامهم وآثارهم واختلافِ العصور بهم، مع البصر بالنقد ومواضع المؤأخذة إلى الطبع السمح
والفطنة المؤاتية، حتى لا يكون برمًا بالحجة إذا نزع بها، ولا ضعيف الدليل إذا حاول الاستخراجَ والتعليل، ثم الإحاطة بذلك كله إحاطة تاريخية فلسفية وتدبره على اختلاف وجوهه وأسبابه، وهو كله جملة واحدة لا يغني فيه بعضه عن بعض، وعلى مقدار ما يبلغ منه الأديب يكون أدبه، فقد يقال للعالم باللغة لغوي، ولصاحب النحو نحوي، ولمن يقرض الشعر شاعر، وبالجملة ينسب كل ذي علم إلى علمه إلا الأديب، فلا علم له إلا مجموع تلك العلوم وإحسان المشاركة فيها جميعًا.
ولا أذهب بك بعيدًا في انتزاع المثال، أو أحيلك على أن تتبع ذلك في
أوصاف الرجال، ولكي أسوق لك هذا الخبر عن ابن عبدون الأديب الشاعر
الأندلسي، لتستبين منه أصل الأدب فيمن كانوا يسمونه أديبًا:
ذكروا أن أبا بكر بن زهر الوزير الأندلسي حضر إليه في داره - وهو فتى -
شيخ كان ينسخ له كتاب الأغاني، ومعه كراريس مما كتب ولكنه نسي أن يحضر أصولها من الكتاب، فبينما هو يكلم شيخه إذ دخل عليه رجل بَذ الهيئة، غليظ الثياب، على رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان، فتقدم إليه أن يستأذن له على أبيه الوزير أبي مروان، فحملته نزوة الصبي وما رأى من خشونة هيئته على أن تكلَّف جوابه وكَرَّهَ له من وجهه، فسكت عنه الرجل ساعة ثم سأله عن الكتاب الذي في يده وإلى أين بلغ الكاتب منه وما له لا يكتب، فعبث به أبو بكر وجعل يسخر منه ويضحك على قالبه وشكله، ومع ذلك لا يتكلف له إلا النبذ من خبر ما يسأل، فلما علم الرجل أن أصل الكتاب غيرُ موجود لدى الناسخ ليعارض به، قال له: يا بني، خذ كراريسك وعارض فإني كنت أحفظ الكتاب في صباي، فتبسم الفتى ضاحكًا من قوله، فقال الرجل بعد أن تراءى ذلك منه: يا بني أمسك على وجعل يقرأ.
قال ابن زهر فوالله إن أخطأ واوًا ولا فاء حتى قرأ نحوًا من كراستين.
ثم أخذ له في وسط السفر وآخره، فإذا حِفظه في ذلك
كله سواء، فقام مسرعًا حتى دخل على أبيه وذكر له الخبر وصاحبه؛ فخف
الوزير أبو مروان من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس، حافي القدمين لا يرفه على نفسه، وابنه بين يديه وهو يقول: يا مولاي اعذرني! فوالله ما أعلمنا هذا الجلفُ إلا الساعة! وجعل يسب ابنه والرجل
يخفض عليه ويقول: ما عرفني، فيقول الوزير: هبهُ ما عرفك.
فما عذره في حسن الأدب؟
ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلًا حتى خرج
"الوزير" بين يديه على هيئته تلك، فلما أن ركب وانفصل قال الفتى لأبيه: من هذا الذي عظمته هذا التعظيم؟ . . .
قال: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس
وإمامها وسيدها في "علم الآداب" هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر
محفوظاته كتاب الأغاني - انتهى.
ومن ذلك نعرف كيف ابتذل هذا اللقب العظيم - لقب الأديب - في زمننا
حتى لم يُحرم منه إلا العامة من الجهلاء، وإلا نفر ممن لا يدفعون ثمنه للجرائد
في أخبار الهناء والعزاء.
وقد نظرت في كتب يقول أصحابها إنهم صنفوها في "آداب اللغة العربية"
وما أظن كتابًا طبع في ذلك للمحدثين ولم أقف عليه، ولا أظن كأني وقفت من ذلك على كتاب. . . فهم يثبتون في كتبهم بعض فصول في تاريخ اللغة ونظمها ونثرها، ويومئون إلى طائفة من الكتاب والشعراء غير منتقدين ولا مميزين، ويأتون بشيء من كلامهم يصيبونه - كما يقول النحاة - حيثما اتفق، وقد يتكلمون في العلوم الاثني عشر ويسردون لك أسماء من الكتب المؤلفة فيها، وإنك ما أصبت من فائدة في بعض كتبهم فذلك حكم الجمع ومما يطرده لك التأليف، ولا أقبح من كتاب
تستعرض فيه العقول وتتصفح الآراء إلا عقل صاحبه ورأيه وهم وإن ذكروا أن اختيار المرء قطعة من عقله إلا أن ذلك على جهة نوع المختار ومنزلتيه من الأشباه والنظائر، لا على جهة أن للعقل في ذلك عملًا يُلزمه التبعة ويأخذه بالعهد، إذا كان الاختيار على حسب ما تنبعث له الرغبة، وكانت الرغبة على مقدار ما يهيئه الطبع وتعطيه القوة، فلا يحسن عند الفقيه مثلًا اختيار الطبيب من أهل الفقه، ولا عند اختيار صاحبه مما هو بسبيله، وهكذا.
وليت شعري أين من عهدنا طبقات الرواة والحفاظ وأهل النقد والجرح
والتعديل، فإنهم منا كطِباق السماء مع الأرض، وما ذلك لانقطاع الرواية
وذهاب أثرها، فإن في دراسة الكتب وتصفح الأسفار بعض الغناء، ولكنه من فساد التلقين وسوء التلقي بما نشأت عن موت الذين يصلحون للإفادة، ولقد كانت الرواية في ذلك الصدر درسًا من أحسن الدروس الجامعة، إذ يتناول مجلس الرواية الأدبيات بأنواعها بحثًا وشرحًا وإيرادًا وتمحيصًا، فيعي الطالب من ذلك في الساعة الواحدة ما لو تُرك فيه لنفسه ومبلغ همته لدأب في تحصيله بضع سنين
وما أدري الجامعة مفلحةَ في الأدب إذ هي لم تحيِ ذلك العهد ولم تَطو
الأيام إليه، فإن الأمة لا تحيا إذا ماتت لغتها، ولن تموت لغة أمة حية، وما
دامت العربية على أصلها فأدبها ما أخرجه لنا السلف، لا ينقص منه ولكن يزاد عليه بما تمثله الأيام وتبتدعه الأفهام وتستانفه القرائح وتتدبره العقول ويمحصه التحقيق وتُبدعه مذاهب النقدِ، وذلك منشأ الحاجة في الأدب العربي إلى الآداب الأجنبية، وهي حاجة إذا مس إليها فضل الإتقان وزيادة الإحسان فإنه! لا تبلغ أن تجعل أدبنا حَميلة على غيره، لا يقوم إلا به ولا يتعلق إلا عليه، وإنما شأننا في ذلك شأن أدباء الغربيين فيما أخذوه عن اليونان والعرب وغيرهم إلى أن اتجهت لهم هذه الطريقة التي هم عليها اليوم.
فإن كان رجال الجامعة يتوخون تلك الطريقة التي أشرنا إليها فلا عذر لهم
فيما أهملوه، وإلا فهم قد أعذروا من أنفسهم، وهيهات يفيد من لا يعرفون
آداب لغتهم أن تلقى إليهم "المحاضرات عليها باعتبار علاقتها بأهل أوروبا
وخصوصًا بإيطاليا".
فهذا رأينا قذمناه لرجالنا الفضلاء
"وإن تعتِب الأيام فيهم فربما.. ".
Translation
مقال الجريدة الأول الأدب العربي في الجامعة المصرية
#15 Chapter 15 — مقال الجريدة الثاني الأدب العربي في الجامعة · ref. #15
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
مقال الجريدة الثاني
الأدب العربي في الجامعة
عزيزي. . . الرافعي:
لم تزل مقالتك "عن الأدب العربي والجامعة " - التي نشرتها الجريدة - في
مستقرها من الأذهان.
ولن تذهب هذه الفترة بين تنبيهك القائمين على ذلك
الأمر وإجابتهم مقترحَك في هذه الأيام، بما لك من حسن الأثر وفضل السابقة.
قلت إنهم تعجلوا العمل فلم يطيبوا ولم يُنضِجوا لمكان العجلة من تلك
الحال، وعقم الأمة بالنابغين من الرجال. فهم اليوم قد طيبوا وأنضجوا وفرضوا جائزتهم لمن يضع الكتاب الوافي في أدبيات اللغة العربية وتاريخها.
ولا أخالك إلا قد هيأت مادة هذا الكتاب وأخذت في إبرازه متثبتًا في
اعتزامك، وإني لأعلم أن الزمن إلى موعدهم قصير، وأن العمل في اقتراحهم
كثير، وأن القلم لن يصبح من أجلهم طائرًا يطير، ولكنها أيضًا عجلة الفوز في الزحام، ومثار الهمة من الهمام، وموضع الفصل بين التأخر والإقدام، فلعلك محقق أملي في أدبك والسلام؟
. . . إبراهيم
سيدي الفاضل:
أنت أعزك الله قسِيم في المعرفة بأني لا أتكلف ما لا أحسن، ولا أحسن
ما لا أتقن عملًا يضيق به وقته ولا تبلغ فيه وسائله، وإن استفرغتُ له الجهد
وأقمت فيه الوهجَ المتعب وجعلت الليل والنهار عليه أنفسًا حِرارًا.
وهؤلاء الذين قرروا تعميم الدعوة على الأدباء لوضع كتاب واف في
أدبيات اللغة العربية وتاريخها، وجعلوا لذلك العمل إلى فصاله سبعة أشهر إنما
مست بهم الحاجة إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه فالتمسوه بتلك الدعوة يفتشون عنه في ضوء الجائزة. . . ولو كان هذا الأمر على حكمهم لجاز أن يمضي على إرادتهم، ولكنه على الخلاف، إلا أن يكون فى الأدب ما لا نظنه ولا نعلمه،
وفي الأدباء من لا نعرفه ولا نتوهمه، وفي ذلك الأمر ما أحكموه وليس في
الناس من يُحكمه!
إني إذا أغمضت عيني فتمثلت لي الكتب هيأت لي منها خواطري كتابا
ممتعًا في الآداب العربية يوفي على الغاية وأشف من الغاية، ولكني التمست
ذات مرة طرفًا من أخبار الرواية والرواة عند العرب في فصل من هذا الباب
فجعلت أستقصي وأتصفح وأتقصص حتى نفضت على القلم سواد خمس عشرة ليلة، ولم يكن هذا البحث مما جردت فيه رسالة أو أفردت له مقالة، فما بالك بكتاب يكون هذا بعضَ فصوله وفرعًا من أصوله؟
وعندنا مباحث أخرى كمبحث التنظير والموازنة، ومبحث الصناعات
اللفظية وتحقيقها وتاريخها، وهي المادة الخبيثة التي لم يقم لها الأدب بعد أن
فشت فيه وكانت مسقط البلاء عليه، وناهيك من مبحث لم يضبط منه كتاب في الأدبيات إلا كما يحفظ الماء من أثر السابح وإن هو ضرب فيه بيديه ورجليه!
هذا إلى ما يعترض من أبواب كثيرة لا بد من كتابتها بما يستوفي حق التاريخ
وحق النقد وحق الأدب، وذلك مَقذف الحصا والجمار والنصَب الذي لا
يستخف به إلا من يقتحم على الرجال والأقدار، والرمض الذي لا يُسار فيه إلا على مثل حر النار، التراجم على طريقة النقد والتمحيص.
وأنت خبير بأن تاريخ العظماء إذا لم يكن في كتابته ابتسام العظمة وبشاشة الحياة وأثر الأخلاق فإنما هو صور ميتة منهم، وإنك إذا كتبت أن فلانًا الشاعر الكبير ولد سنة كذا وتوفي سنة كذا. . . ومن شعره قوله، وقوله، وقوله، وكان الناس لا يعلِّقون حساب أعمالهم على سنة ولادته ولا سنة وفاته، فما عدوتَ أن نشرتَ لهم من ذلك الميت صورة ميتة أيضًا!
ولعلك تذكر أيها العزيز ما بسطتُه في المقالة الأولى من نمط التأليف الذي
جرى عليه المعاصرون في ذلك، وكيف يجيئون بالطم والرَّم ولا يميزون
خبيثًا من طيب، وهم مع ذلك يُظهرون الاستبصار فيه ويتكلفون التبجح به، وقد قيل في رجل محروم منحوس الحظ يتعاطى مثل هذا الشأوِ من الطمع والرغبة:
إنه ما رئي أحد عَشق الرزقَ عشقه ولا أبغضه الرزق بُغضه، وكذلك أرى
أصحابنا وأولى لهم!
ألم يكن في الأدب إلا بعض فصول التاريخ ومختارات النظيم والنثير، ثم
يُمسح القلم ويُرسل الكتاب وفي صدره اسم صاحبه يسعل به في الناس كما
يسعل المصدور، وأنت لو تصفحت الكتاب واعتبرت بعضه ببعض لرأيته على ما احتفل فيه كورم الأنف في غير الكريم: يبلغ ما يبلغ به الغضب ثم ينحل بكلمة للزجر والتأنيب، أو صفعة للمؤاخذة والتأديب!
ولقد أستشفُّ أن القوم إنما يريدون في تأليف ذلك "الكتاب الوافي " هذا
النوع الذي يسميه الظرفاء من أهل الصحافة "التحرير بالمقص"، فمن كل كتاب فصل إلى فصل حتى تجتمع كلها في كتاب.
فإن لم يكن مرماهم إلى هذا ولا إلى قريب منه، فما هذا الموعد الذي
ضربوه أجلًا "للمسابقة" وما بالهم تعجلوا آخرًا بقدر ما أبطاوا أولًا دون أن يزنوا صواب العجلة بخطأ الإبطاء.
ونحن إنما أخذنا عليهم أنهم - بدأوا - بتدريس
الآداب الأجنبية وحدها، فإما أن يكونوا قد انححطوا في هوى، أو شالت كفة الرأي منهم أو لهم غرض يتربصون به أسبابه وذرائعه، فلو أنهم إذ أخطاوا في الأولى أصابوا على قدر ذلك في الثانية، لكان الأمر بينهما ولخرج آخره كفارة لأوله.
أما وقد نشروا الدعوة إلى أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون، ووثقوا من أنفسهم بأول خاطر ظنوه صوابًا، وأمَّلوا في مهب الريح أو غبرة توهموها سحابًا - فقد صار لنا أن نظن أنهم لم يتبينوا مواضع النفرة في ذلك النمط السخيف المبتذل فكان بعيدًا عليهم أن يوافقوا مكامن الرغبة في الممتع الممتنع.
اعتبر ذلك بأنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغيره مؤلفه.
فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم، ولا فضل لدارهم إلا أنها مصدر التلقين، فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة، لأن العلم هو الكتاب لا الذي يلقيه، وإلا فما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؛ وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ القدرة على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته، حتى لا يزيد على أن يكون هو بين تلامذته التلميذ الكبير. . .؟
ثم من هم أولئك الذين سيحكمونهم في التفضيل والتنظير والمقايسة بين
الكتب الوافية التي تنتهي إليهم؟
لا جرم أن أولى الناس بالحكم أبصرهم بالمحكوم فيه، وإلا كان حكمه في الخصومة خصومة أخرى تحتاج إلى حكم
من غيره، وليس أولئك المحكمون في وزن من فُرضت لهم الطاعة والتسليم
على الناس كفئة الفضاة في الشرع والنظام، فلا يكون ثمة دليل على كفايتهم
للحكم إلا تسليم الأدباء لهم بهذه الكفاية، وإذا كان ذلك فلمَ تنفضُ إدارة
الجامعة يدها من قوم هم رؤساء الصناعة وظهور مناصبها العالية وألسنة الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة، وهي تعلم أن الحمل الذي تتوزعه الأكفُّ يهون على الرقاب؟
هذه - أصلحك الله - بعض أسباب الفساد في ذلك الاقتراح، فإن كانت
فيه جهة صالحة لم تنكشف لي فذلك لأن هذا الأمر عندي أمرُ ليل مشتبه
مظلم، وما أحتسبك الآن إلا وقد ضننت - بسبعة أَشهر - من عمري وعرفت أني سأكون من قراء الكتاب ومنتقديه إن شاء الله، لأني وإن كنت أحمل القلم غير أني لم أعوده أن يكون ناسخًا يتمسك بحرف الكلام، ويمشي في الكتاب مشية الضرير لا يستفيد من ضوء ولا يستضيء من ظلام، فأما وقد أرادوا القلم على ما أرادوه، فالسلام على الأقلام.
Translation
مقال الجريدة الثاني الأدب العربي في الجامعة
#16 Chapter 16 — الدكتور طه حسين وما يقرره · ref. #16
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
الدكتور طه حسين وما يقرِّره
تفضل الأستاذ الدكتور طه حسين بإلقاء محاضرته على تأثير الوثنية
واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، وانتهى إلى نتيجتين:
١ - أن لا تأثير للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، والجاهلي
منه على الأخص.
٢ - أن ما وجد من الشعر مشتملًا على مبادئ الوثنية أو اليهودية أو
النصرانية إنما هو مدسوس على من نسب إليهم، وإنه لم يكن موجودًا في
عصرهم.
وأرجع هاتين النتيجتين إلى ما يأتي:
ا - إن الحكام المسلمين منعوا تداول كل شعر اشتمل على مبادئ هذه
الديانات مما يخالف سنن الإسلام ومبادئه ومحَوه جميعه.
٢ - إن أهل هذه الملل بعد سكون حركة الفتوحات واستتباب السلم
وتيقظ الحركة الفكرية في ميدان الأدب والعلم قد دفعهم تعصبهم لشعراء ملَّتهم السابقين إلى التقول عليهم بما لم يقولوه ونسبةِ أشعار إليهم لم تكن من نسج بيانهم ولا هي من منتجات عقولهم.
وإننا نستمح الأستاذ الفاضل ونتقدم إليه بحق حرمة حرية البحث أن
يتفضل علينا بالإجابة على ما تلجلج في صدورنا من أثر ما قرره حضرته ويفيدنا بما وسعه علمه الغزير عن المسائل الآتية:
١ - قرر حضرته أن لا أثر للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي
لأن العرب بعد الإسلام محوا جميع الأشعار التي تشتمل على مبادئ هذه
الديانات أو على مبادئ تختلف مع الدين الإسلامي وتناقض أصوله، وهذه
تهمة لا يعزب عن فطنته أنها على جانب من الخطورة لا يصح السكوت عليها
على أنها من مقررات العلم المسلم بها، لأن الأبحاث العلمية ليست أساسها
المشاعر وقيام نزعات وميول خاصة عند من يقررها، وإنما أساسها دائمًا اليقين الذي يطمئن إليه الباحث في بحثه ويقتنع به كل من يدلي إليه بهذا البحث.
وإذا كان الأمر كذلك فليتفضل علينا الأستاذ ويقل لنا:
مَن مِن ملوك المسلمين وحكامهم هو الذي أمر بوأد الشعر الوثني
واليهودي والنصراني ومحوِه؟
مَن مِن أعوان هؤلاء الحكام الذىِ تولى ذلك؟
وكيف كانت طريقة المحو؟
وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟
وهل لم تجد لها في البلاد الأخرى ملجأ إليه؟
وهنا نستلفت حضرته إلى أن الشعر كان يتناقل بالرواية وتعيه صدور
الحفاظ، وأن هؤلاء الحفاظ كانوا على ما وصل إليه علمنا في أكثرية ممن
يعرفون القراءة والكتابة، وأنه إذا كان لحاكم أيًّا كان أن يمحو ما حوته بطون
الكتب فكيف السبيل له أن يذهب بما وعته صدور الحفاظ من أهل هاته الملل
وأن يعقل ألسنتهم عن أن ينقلوا إلى أهل ملتهم من بنيهم ومُعاشريهم
ومخالطيهم وأصدقائهم والى غيرهم ممن لهم ضِلع معهم من صداقة أو صلة
علمية؛ وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم بأنه لم يتسرب إلينا من شعر هاته الملل
شيء أصلًا؟
وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم في راحة من الضمير أن ما نُسب إلى شعراء
هاته الملل من الشعر المشتمل على مبادئ دياناتهم واعتقاداتهم ليس هو من
شعرهم وأنه ملفق كله ولا يشتمل أي مأثور من أقوالهم؟
وإذا تجوزنا وقلنا باحتمال الشك فيما نقل إلينا من الأشعار المنسوبة إلى
هؤلاء القوم، فهل لا يحسن بالأستاذ أن يبين لنا مميزات الشعر الجاهلي
والأموي والعباسي بحيث يمكن التفريق بين كل منهم في كل فن من فنون
الشعر؟
وهل له أن يبين لنا أن هاته الفروق هي من الأصول الثابتة لم يخرج عليها
أحد من أهل تلك العصور؟
وهل لم يكن بينهم - على ما نعهده في رجال الأدب من معاصرينا من
ميل إلى الغريب والمهجور ويتعمد التعقيد في العبارة أو يميل إلى الابتذال.
وأنه لم يكن ثم من بينهم المتعصب إلى القديم والثائر عليهم المتعشق لكل
جديد؟ -
وهل يحسن بالأستاذ أن يبين لنا ما طباع كل شاعر ممن نسب إليهم هذا
الشعو كالأعشى وزهير وعبيد بن الأبرص وغيرهم من أصحاب المعلقات
وشعراء الجاهلية؟
وهل له أن يتنبأ لنا عما قام بنفسه وما كان يتملكه من الإحساس طول
حياته، في غضبه وحلمه، وزهده وتفاخره، وسرائه وضرائه، وما تكيفت به نفسيته في حله وترحاله، وصحته ومرضه وجِده ومجونه، وعبثه ولهوه، وفرحه وحزنه، وعبادته وعمله، وشبابه وهرمه؟
وأن يبين لنا وجه استحالة أن يصدر منه ما نسب إليه من الشعر؟
أظن - وليعذرني الأستاذ في ذلك - أن الوصول إلى شيء من هذا الذي بيناه ليس هو الشيء الهين إن لم يكن من المستحيل، وبعبارة أخرى أنه يستحيل الجزم بحال من الأحوال بأنه لم يصدر من واحد من هؤلاء أي شعر مما هو منسوب إليه الآن.
وإذا كان الأمر كذلك كان من المستحيل أن يقرر بطريقة علمية وعلى وجه
الجزم واليقين بعدم تسرب شعر أهل هاته الديانات إلينا، وأن الموجود منه بين
أيدينا متقول على أصحابه.
وهناك دليل آخر نسوقه إلى حضرته، وهو أن دينًا يحث على نشر العلم
ويزهو نبيه ﷺ بقوله: "أنا مدينة العلم"
يستحيل عقلًا أن يعمل على دثر آثار شعراء
هاته الديانات لمجرد مخالفة مبادئهم لمبادئه، فقد جاء في الكتاب العزيز
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .
كما دلت الآثار على أن المسلمين كانوا على فهم تام لهذا
المبدأ، إذ بينما يحرم دينهم الخمر ويلعن رسولهم شاربها وحاملها وساقيها
تراهم قد وسِعَت صدورهم ما ضمنه الشعراء عنها في أشعارهم، بل زاد بهم
التسامح حتى أن زعيم المتصوفة والكثير منهم أتوا بخمريات في أشعارهم، في
حين أن هؤلاء من لا مطعن عليه في دينه ولا مطعن في أخذه بمبدأ تحليل
الخمر!
والأبلغ من ذلك تلك القصائد الكبيرة التي تضمنتها مجموعاتُ الأدب
الكبرى والطبقات الوافية من كتبه المعتبرة، كالأغاني والأمالى والعقد الفريد.
وغيرها، مما هو صريح في مسائل الملامسة والغزل.
وما ورد في المساحقة وغيرها من مسائل الاختلاط الشهواني والتعبير عن وسائل هذا بألفاظ هي غاية في الصراحة، وبالأخص في خروجها على آداب الدين ومبادئه وهي مع ذلك لم يمتنع تناولها ولا أمكن توقيف تيار تسربها من قائليها إلينا مع طول الفترة التي تفصل بيننا وبينهم.
وسواء قلنا بأن هذه الأشعار وصلت إلينا بسبب تسامح المسلمين أو بسبب
استحالة عملية الوأد والمحو، فالنتيجة المنطقية لذلك واحدة، وهي أنه لا يمكن التسليم بحال من الأحوال بما أراد حضرته أن يصلَ إليه وهو أن جميع الشعر المنسوب إلى شعراء الملل غير الإسلامية في الجاهلية على الأخص هو شعر مدخول عليهم مدسوس بحكم التعصب ونعرة الانتصار لأهل الملة.
هذا وإن مجرد القول بعدم وجود شعر لأهل الملل غير الإسلامية من
شعراء الجاهلية وعصور الخلفاء الراشدين ودولتي بني أمية وبني العباس هو قول يناقضه الواقع، ويكفينا ما حكاه الأستاذ الفاضل في محاضرته بأن هناك مجموعة كبيرة اسمها: شعراء النصرانية، وأن هناك طائفة أخرى منسوبة إلى شعراء أهل الملل والديانات الأخرى، إذ الأصل في الناس إذا ما رووا أن يحكموا الصدق، ولا يصح نسبة الكذب إليهم لغير علة ظاهرة.
وكل رواية لا تناقض العقل ولا تتنافى مع المشهور عن أخلاق من نسبت إليه والمتعارف من عاداته وطباعه ووسطه الذي نشأ فيه وببيئته التي تربى في أحضانها، لا يمكن ولا يصح أن يسلَّم بالشك فيها، كما أنه لا يتفق مع كرامة العلم واعتلاء عرش الأستاذية أن يتبرع الأستاذ بسرد التهم جزافًا إلى طوائف وجماعات بغير حجة قائمة عليهم تبعث اليقين إلى كل من عرضت عليه من أهل الحصانة، ومن باب أولى إن الأمانة تقضي بالتريث في الحكم بالإدانة في أية تهمة لأن من ألزم اللزوميات لمبادئ العلم رجوعها إلى قضايا يقينية وإلا فقدت قيمتها، لأن ما يرتكن على
قضايا تخمينية أو تصورية إنما يرتكن على أساس لا هو بالمأمون ولا هو محل
للثقة والاعتبار.
وإذا كانت هذه هي المبادئ الأولية المسلَّم بها في كل بحث علمي
الواجب اتباعها عند الحكم على أية مسألة من المسائل، فإن اتهام العرب من
المسلمين أو حكام دولهم بأنهم محوا الشعر المشتمل على مبادئ لأهل الوثنية
واليهودية والنصرانية تختلف عن مبادئ الدين الإسلامي - هو قول لا يرتكن
إلى شيء من الحقيقة اليقينية، وكان أيضًا القول بتلفيق كل الموجود من شعر
هؤلاء القوم مما هو منسوب إلى العصر الجاهلي أو الأموي أو العباسي هو
الآخر قول لم يقم الدليل على صحته، فضلًا عن مخالفته لمقتضى المعقول
الذي يجزم باستحاله منع تسرب شعر هؤلاء القوم.
وأظنني وقد وصلت إلى عكس ما ذهب إليه الأستاذ، ولم يطاوعني لا
ذمتي ولا ضميري على مشايعته في حكمه القاسي الذي حكمه، قد بينت
لحضرته مثار الشك في كل ما قرره.
عباس فضلي
القاضي بالمحاكم الأهلية
قلنا وقد نشرنا هذا المقال بحروفه لأنه كان سببًا في أن الدكتور طه حسين
أسقط من كتابه ما كان قرره في الجامعة مما أشار إليه صاحب المقال حتى
لتستطيع أن تضع يدك على مكان التمزيق من تلك المرقعة. . .
ولم يرد "طه" على هذا المقال ولكن ردت الطاء من طه. . .
فكتب لأحد تلاميذه أو كتب أحد تلاميذه، وهو وتلميذه كما قيل في حمار الأخطل:
هو وذيل حماره سواء!
Translation
الدكتور طه حسين وما يقرره
#17 Chapter 17 — التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم · ref. #17
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم
لا أريد أن أناقش أحدًا ولا أن أسمي أشخاصًا ولا أن أحمل على باحث أديب
بتجهيل وإنما ألمح من خلال الكتابات التي يجود بها بعض أدباء، الوقت - منزعًا؛ وإن كان في حد ذاته محمودًا فقد ينقلب في إساءة استعماله مذمومًا ويصير ضلالًا.
ولع بعض الأدباء باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا وسلوكِ طريقة في
التعليل لم يسلكها الأولون، ارتيادًا لوجوه جديدة وأسباب للحوادث لم تكن
معروفة، بحيث يقال: إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم أو عرفوا
أسرارًا أعماها التاريخ الديني أو عمتها السياسة وأهواؤها على الجمهور.
ويسمون ذلك تمحيصًا وتحقيقًا، ويظنون أن التمحيص والتحقيق هما مجرد
المخالفة والخروج عما عليه الرأي العام.
والحقيقة أنه إن كان مقصدهم مجرد المخالفة وتغيير الأسلوب لعدم الصبر على طعام واحد فقد أصابوا الغرض.
ولكن إن كانوا يزعمون أن هذه التعليلات الغريبة هي الأصل في تلك الوقائع
فليسمحوا لنا أن نستعفيهم من التصديق لأننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية
والنقلية وملاحظة ما سبق وما لحق واستنباط النتائج من المقدمات، ولا نعرفه
تخرصات وافتراضات وأبنية على غير أساس، فإن كان هذا هو التمحيص
التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا
التمحيص الذي هو عبارة عن قلب الحقائق لأجل الإتيان بالبدع، ويجهل علماء الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض التمحيص ولكن نبه المدققون منهم على أنهم خلطوا.
فعندما يقوم واحد فيذهب إلى أن تاريخ حرب اليمامة محاط بالغموض.
وأن مقاتلة أبي بكر لأهل الردَّة لم تكن من أجل إقامة الدين بل من أجل تأسيس
الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل - نعلم أنه
حاول أن ينهج مناهج الممحصين فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع
ولو كان الإجماع صحيحًا، فلم يصب المرمى.
وعندما يقوم آخر فيدعي أن السلف في صدر الإسلام وضعوا "سانسورا"
على الشعر الجاهلي المُشرَب مبادئ الوثنية أو النصرانية أو اليهودية - نعلم أن هذه الدعوى مبنية على الافترَاض والتخيل، وأنها لا تستند على دليل بل الواقع يناقضها من كل الجهات.
أعجبتني جدًا عبارة الذي رد على هذه الفئة فقال لهم: "مَن مِن ملوك
المسلمين وحكامهم أمر بوأد الشعر الوثني واليهودي والنصراني ومَحوه؟
مَن مِن أعوان هؤلاء الحكام تولى ذلك؟ وكيف كانت طريقة المحو؟
وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟ . . . الخ ".
والحقيقة أنه ليس لهم من جواب على هذا السؤال، ولا حيلة لهم في التخلص
منه إلا بإيراد أدلة واهية لا تدفع شيئًا من حقيقة حرية الرواية في ذلك العصر ومِن كون بابها بقي مفتوحًا على مصراعيه؛ ولا تنفي أن عصر الصحابة لم يعرف "السانسور" ولا مراقبة الرواية، رلا كمِّ الأفواه، ولا شيئًا من أوضاع "ديوان التفتيش ".
وإذا تأملتَ في كلام هذه الفرقة رأيتهم يشيرون من طرف خفي إلى نزول
درجة الحضارة التي كان عليها الصحابة، وأن شرائعهم وقوانينهم إنما كانت
شرائع قوم في طفولة المدنية، وأنها "لا تمس الحياة إلا قليلًا"، وما أشبه ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إن هي إلا من أوضاع الهيئات
الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثل الملك، وأن "السانسور"
لا يأتي مع بداوة المجتمع ولا يعقل وجوده في أيام السذاجة كالتي عاش فيها
النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم.
فمراقبة الكتب والخطب كانت تقع في رومية والقسطنطينية لعهد عظمة
القياصرة، وفي أيام سلطة الباباوات، وفي عهد ملوك فاتحين كـ لويس الرابع عشر، وقد بالغ فيها نابليون الأول ثم الثالث، وقد وقعت من أيام العرب في عهد العباسيين وغيرهم من ملوك الأعاجم، أو الملوك العرب الذين اتخذوا أطوار الأعاجم، فأما القول بأنها كانت في عهد الخلفاء الراشدين وفي أيام الصحابة فمحض تحكم ومكابرة.
نعم كان هؤلاء الناس من شديدي التحمس بالدين الجديد الذي جاءهم به
محمد ﷺ، ولكن حماستهم هذه لم تقلع ما في قلوبهم من حب الحرية التي نشأوا عليها في الجاهلية والتي لا يوجد في الشرق ولا في الغرب أمة بلغت شأو العرب فيها، ومن قال:
"إن العرب أعرق الأمم في الحرية" فغير مبالغ، لهذا تجدهم رووا
بألسنتهم وكتبوا بأقلامهم جميع مطاعن المشركين في النبي ﷺ وصحبه ولم يُخفوا منها قليلًا ولا كثيرًا، ونقلوا الشبه والاعتراضات التي كانت تقع عَلى الرسول ﷺ ورهطه، وذكروا كثيرًا مما كان يرد به بعض العرب على رسول الله ﷺ، وكيف أن اثنين تخاصما إليه فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: هذا حكم لم يُرد به وجه الله، فقال ﵊:
" أوذِيَ موسى من قبلي بأكثر من هذا"
وغير ذلك مما هو مستفيض في كتب السيرة النبوية وأخبار صدر الإسلام، ومما رواه الرواة المسلمون وحرره الكتبة المسلمون وأقرأه العلماء المسلمون، ولم يكن عندهم حرج في نقل تلك الأحاديث وإبرازها كما جاءت، لأنهم كانوا على بينة من دينهم الذي دانوا به، وكانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، وكانت سيرة النبي ﷺ معلومة
عندهم بدقائقها، فلم يكونوا يحتاجون فيها إلى "السانسور" دَرءًا للشبهات عنها وخوفًا من أن يُفضي تدأول هذه الروايات إلى زعزعة عقيدة الإسلام التي لم تكن منذ بها جاء بها صاحبها ﷺ إلى اليوم على شفا جُرف هار.
إن الإسلام مولود رُزق الصحة ووثاقة التركيب منذ ولادته.
نعم في هاتيك الأيام وما يليها كانوا يردون أهاجي بعض الشعراء للصحابة
والأنصار و"لبني النجار" وفي تلك الأيام كان يعاتبُ الرسول ويقال له:
ما كان ضَرك لو عفوتَ فربما. . . مَن الفتى وهو المَغيظُ المُحنقُ
في أيام السلف كان ينادي الأخطل:
ولستُ بصائم رمضانَ عمري. . . ولستُ بآكل لحم الأضاحي
ولستُ بقائل ما عشتُ يومًا. . . قُبيل الصبح حيَّ على الفلاح
كان يقول هذا ويدخل على الخلفاء ويجيزونه الجوائز السنية، وكان هو
وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم ويعلنونه في أشعارهم التي كان
يرويها المسلمون ويقيدونها في دفاترهم، ولما جاء الملكَ النعمانَ ابن المنذر
رجل نصراني في اليوم الذي كان عنده يوم بؤس وأمر النعمان بقتله، استماحه النصرانى مهلة أن يذهب ويودع أهله، فأذن له، على أن يقدم كفيلًا يحل محله فى القتل إذا هو لم يرجع، فرجع، وتعجب النعمان من وفائه، فسأله:
ما حملك على الوفاء؟
فأجابه النصراني: حملني ديني!
فقال له النعمان: وما دينك؟ قال له: النصرانية.
وتنصر النعمان بعد هذه فكانت هذه الرواية مما حرره المسلمون ولم يغمطوا النصرانية حقها، ولا غمطوا اليهودية أيضًا حقها، وأجمع العرب المسلمون على نقل مآثر السموأل وكان السموأل يهوديًا، وما زال السموأل مضربًا للأمثال في علو النفس وكرم السجية إلى يومنا هذا، حتى قال شوقي -
شاعر العصر - منذ أيام قلائل:
كأَّ من السموأل فيه شيئًا - فكل جهاته كرم وخُلقُ
فكيف يكون المسلمون الأوائل حاولوَا خنق كل صوت غير صوتهم ومحو
آثار النصرانية واليهودية والوثنية من شعر العرب؟
ثم إن شعر شعراء النصرانية في الجاهلية يملأ الدواوين، وما منهم إلا مَن
حَرص علماء الإسلام على التنبيه أنه كان نصرانيًا، وقد نقلوا خُطب قس بن
ساعدة الذي كان مطرانًا، ونقلوا ثناء النبي ﷺ.
وأما كون ديوان شعراء النصرانية المطبوع في بيروت موضوعًا وأن الشعراء
المروية أشعارهم فيه لم يكونوا نصارى بل جعلهم صاحب الديوان نصارى وهم جاهليون لا غير، فمن يقول هذا، ومن يصل به المراء إلى إنكار أن أكثر أولئك الشعراء كانوا نصارى؟
غاية ما يقال إن بعض أولئك الشعراء لم تثبت نصرانيتهم.
وهذا لا ينفي أن شعراء كثيرين مثل العبادي والأخطل والقطامي كانوا نصارى مجمعًا على نصرانيتهم، وأن المسلمين نقلوا أشعارهم كما هي، ولم يحذفوا منها شيئًا، وكان الشعراء المسملمون يناقشونهم ويداعبونهم، وكان جرير يقول:
قال الأخيطل أن رأى راياتهم. . . يا مارِ سرجس لا نريد قتالا!
فالقول بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة
تخالف دين الإسلام، وأنهم طووا شعر النصارى واليهود والمشركين محض تحكم لم يقم عليه أدنى دليل، بل قام الدليل على حرية الإسلام وتساهله في الدين.
ونقل رواة المسلمين ليس شعر النصارى واليهود والمشركين فقط، بل
أهاجيَ كثيرة قالها هؤلاء في النبي وأصحابه وأنصاره.
يا إخواننا، إنه في صدر الإسلام كانوا يتناقلون مثل قوله:
لعبت هاشم بالدين وما. . . نبأ جاء ولا وحي نزل
ليت أشياخي ببدر شهدوا. . . جزعَ الخزرج من وقع الأسل
روى هذا المسلمون وما زالوا يروونه، وفي زمان بني أمية كان العهد
بسذاجة الجاهلية قريبًا، فكانت الحرية في القول تامة والألسنة منطلقة، ومما
عُزيَ إلى يزيد يوم جيء برأس الحسين ﵁:
مذ أقبلت تلك الرؤوس وأشرقت. . . تلك الشموس على ربي جيرون
صاح الغراب فقلت صح أو لا تصح. . . إني قضيتُ من النبي ديوني
ثم عُزي الوليد أنه قال وقد سكر ومزق القرآن:
إذا ما جئتَ ربك يوم حشر. . . فقل يا رب مزقني الوليدُ
نعم رُويت هذه الأشعار وأمثالها مع لعن قائلها، ولكنها رويت وقيدت في
التواريخ ولم تمنع روايتها، ولا كان قلم مراقبة ولا ديوان تفتيش ولا كتب جائزة ولا كتب ممنوعة.
وأما عدم حرمة النبي والصحابة للشعر وقولهم إِن روايته ضلال، فهذا
زعم باطل مخالف للإجماع، فقد روى النبي ﷺ الشعر واستحسنه وقال:
"إن من الشعر لحكمة"
ورواه عمر وعلي وسائر الصحابة وتناشدوه وطربوا له
وكان فكاهة مجالسهم.
وقصة كعب بن زهير مع رسول الله ﷺ وإنشاده إياه
" بانت سعادُ" واهتزاز النبي ﷺ لهذه القصيدة وإنعامه على كعب ببُردته الشريفة - كل ذلك لا يحتاج إلى بيان، ولكن الشعر كسائر الأشياء إذا أسيء استعماله انقلب إلى الضرر، وإذا كان وقع من عمر ﵁ وهو من أبصر الناس بنقد الشعر
وأشدهم اهتزازًا لجيده - تضييق على الشعراء، فيكون في المواطن التي أسيء
فيها استعمال الشعر وصار بابًا للمشاحنات والفتن، وكما أن للخليفة طبيعة
ينعش بها إلى الأدب، ويعجب بسحر البيان، فإن عليه واجبًا هو حماية
الأعراض وحفظ السلام.
أما إزراء الشعراء بالعلماء وما قاله بعض هؤلاء في الإعراض عنه والتعوذ
منه فهو من باب التورع من بعض الفقهاء، وذلك لأنهم كانوا يرون فيه مبالغة وغلوًا وعبثًا، فأشفقوا من أن يؤثر الاعتماد عليه في أخلاق النشءِ ويصرفهم عن العبادة؛ ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم ولا حَمل الخلفاء والسلاطين
على منع قرض الشعر وروايته والتأدب به، وذلك كما أن نصرانية الأخطل
والقطامي وأمثالهما لم تمنع متأدبي الإسلام من رواية أشعارهم وحفظها والتأدب
بها، وأن وثنية أكثر شعراء الجاهلية لم تحل دون انطباع طلاب الفصاحة من
المسلمين بأساليبهم ونسجهم على منوالهم، ومَق مِن العلماء والمؤرخين
المحققين يقدر أن يقول إن أدباء العرب بعد الإسلام رغبوا عن شعر الجاهلية
وأهملوا روايته من أجل أن قائليه كانوا شركين؛ أو أن المسلمين طووا كلام
قس بن ساعدة لأنه كان نصرانيًا؛ أو لم يعجبوا بقصيدة "إذا المرء لم يَدنس من
اللؤم عرضه " لأن صاحبها كان يهوديًا؛ مَن يا رب يقول هذا إلا الذين يبنون التاريخ على الأهواء والخيالات؟
وقع التشدد في مثل هذه الأمور في أيام الدولة العباسية؛ لبعد العهد
بسذاجة الدور الأول، وميلِ هذه الدولة إلى مناحي الأعاجم، وفُشُوِّ الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية في دار السلام، مما أخاف الخلفاء ووزراءهم على العقيدة الدينية وحَفَزهم على الاحتياط لعدم انحلالها، وهذا أشبه بما كان في أوروبا في القرون الوسطى، لا بل في القرون الأخيرة، لا بل بما لا تزال بقاياه إلى هذه الآونة، وبرغم ما كان من هذا الاحتياط في أيام العباسيين ومَن في عصرهم من ملوك الإسلام فقد كان الناس يروون أهاجيهم ومثالبهم ويتناشدون المطاعن الفاحشة في أعراضهم حتى في مجالس أقرب الناس إليهم، وقد قال المأمون للقاضي يحيى بن أكثم: من ذا الذي يقول:
قاض يرى الحدَّ في الزناءِ. . . لا يرى على من يلوط من باس
يشير إلى أن هذا البيت قيل فيه، فأجابه: هو الذي يقول يا أمير
المؤمنين:
لا أرى الجور ينقضي وعلى الأمَّة. . . والٍ من بني العباس
وقد شاعت أقاويل التعطيل والإلحاد في هاتيك الأيام برغم الضبط
والمراقبة ودونت أقوال الملحدين والدهريين.
ورويت أشعار المعري ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل
قوله:
وقوم أتوا من أقاصي البلاد. . . لرمي الجمار ولثم الحجر
وكثير غير هذا من أقواله، ورسالة الغفران وصلت إلينا، ولولا أنها
تدوولت بالنسخ من قراب ألف سنة ما وصلت إلينا، ولو كان هناك "سانسور" ما أبقى على رسالة الغفران.
وتجادل نصراني في الدين مع أحد بني العباس، ونال النصراني من
العقيدة الإسلامية، وبلغ المأمون ذلك فقال ما معناه، ما كان أغنى ابن عمنا عن تعريض دينه للطعن!
والكتاب الذي كتبه أبو بكر الخوارزمي لشيعة نيسابور أشهر من " قِفا نبكِ.
وليس بكتاب خاص أو رسالة مكتومة، بل هو خطاب لأهل بلدة كانت من أشهر البلاد، وفيه من السب لمعاوية ما فيه، ومن النعوت لخلفاء بني أمية وبني العباس والخوض في أعراضهم ما لا يردُ في أقذع الجرائد وهو الذي يقول عن الرشيد: "هارون بن الخيزران"، وعن المتوكل "المتوكل على الشيطان لا على الرحمن " وهلم جرَّا، وكان أبو بكر الخوارزمي في زمن بني العباس، وكان إذا قال أثر الناسُ قوله وتدارسوه.
ولا أنفي - مع ذلك - أن الدولة الإسلامية في القرون التالية كانت تحجر
أحيانًا على الفلسفة التي يراد منها التعطيل أو الالحاد، ويسمونها الزندقة، فأما إزالة شعر النصارى أو اليهود أو المشركين ومنع روايته فشيء لم يقع لا في زمن الصحابة ولا في أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.
وقد ألف النصارى في تعظيم دينهم في زمان بني العباس كتبًا كثيرةَ
وتواريخ أيدوا بها مذهبهم، وما اعترضهم أحد ولا منعت الدولة كتبهم.
وإن كان النبي ﷺ أمر بأن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وأَجلى عمرُ النصارى واليهود عنها، فلم يكن ذلك لينقص شيئًا من حرية النصارى واليهود في دينهم في سائر بلاد الإسلام، بل من حرية الصابئة والمجوس، وما قال مؤرخ غربي ولا شرقي إن الإسلام أكره أحدًا في الدين أو منع كتب الملل الأخرى.
فيا إخواننا إن التاريخ لا يكون بالظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.
وهذا نتف من كثير، ووشل من بحر؛ ولو كانت بيدنا الآن كتب لأحلناكم على شواهد لا تنتهي، فإن كنتم مع هذا تصرون على المخالفة لأجل المخالفة فليس هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما ينقصها، وبدلًا من أن يضع العلم على قواعد اليقين يضعه على قواعد أوهى من بيت العنكبوت. . .
شكيب أرسلان
رومة في مارس سنة ١٩٢٦ م
Translation
التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم
#18 Chapter 18 — أسلوب طه حسين · ref. #18
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
أسلوب طه حسين
لم ينفرد الأستاذ - طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من
زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلف،. وقال فيه بالرأي الأحمق، وأداره على الوهم البعيد، وتناوله من حيث يأخذه علمًا ليتركه جهلًا وهو يحسب أنه آخذُه جهلًا وتاركه علمًا، ثم كان أول من استعمل الركاكة في أسلوب التكرار كأنه يمضغ الكلام مضغًا، فنزل به إلى أحط منازله، وابتلى العربية منه بالمكروه الذي لا صبر فيه، والمرض الذي لا علاج منه، وصار ذلك طبعًا بالإدمان عليه، فلا يأتي - بالجملة الواحدة إلا انتزع منها الانتزاعات المختلفة، ودار بها أو دارت به تعسفًا وضعفًا وإخلالًا بشروط الفصاحة وقوانين العربية.
والآفة الكبرى أنه كان يحتسب ذلك إبداعًا منه في الأسلوب وإحكامًا في السبك وطريقة بين المنطق والبلاغة!
وإن من عَجزأن يعلوَ لا يعجز أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير
هذا الأستاذ أحدًا يرضى لنفسه أنْ يتمدح بالعيب، ويتحسَّن بالقبح، ويرفع
المنازعة مما لا نزاع فيه، فكان يزعم أنه لا ينساغ لأديب أن يرد عليه هذه
الطريقة، وأنه هو لا يحصي من قلَّدوه فيها، حتى رميناه في جريدة "السياسة"
بهذه الكلمة التي تراها فجعل من بعدها يتحفظ على نفسه ويتوقى التكرار
بجهده، وقد أثبتنا الكلمة لأنها ستأتي الإشارة إليها، ثم لأنها مما يحسن أن
يحفظ للتاريخ ليعرف مَن بعدنا كيف كان "جديد" من قبلهم.. وترى الكلمة
على طريقة السؤال والمداراة في وجه غير النقد أو التصريح، لأن الأستاذ كان يتولى "صحيفة الأدب" في جريدة "السياسة" الغراء ويقوم على كل ما ينشر فيها، فكان لا يجيز إلا ما أراد نشره أو وقع من نفسه موقعًا، وليس مع رأيه في ذلك رأى ألبتَّة، فاحتلنا عليه بتوجيه الخطاب وجهة لا ينفر منها وإن لم يأنس إليها، ولا ينكر إن لم يقرَّها، وجازت عليه الحيلة فوقع فيها ثم فطن لها من بعدُ، نبهه صديق كنا حكيناها له فأسرَّها في نفسه.
إلى الأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين.
عرفنا أنك تدعو إلى نمط جديد في الكتابة تنتقل به أساليب الإنشاء أو
تتغير به رسوم هذه الأساليب أو تَعفُو طرائق هذه الرسوم، وأن هذا مما تبعث
عليه سنة التطور لأنه فصلُ ما بين القديم والحديث، ثم هو هو الذوق الأدبي
الجديد الذي تزعمه والذي يختلج إليه الطبع في هذا الزمن وتقتضيه ضرورة
العلم والاتساع فيه، والأدبِ والتحقق فيه، واللغةِ والرغبة في إحيائها.
وقد كشف لنا الأستاذ الفاضل ومن يجاهدون في سبيله ويكتبون على
طريقته أو يحتذونها - عن حقيقة ذلك النمط وعرضوا أمثلة، وحققوا معنى
مصاحبة الطبع ومفارقة التكلف في هذه اللغة الفصحى التي لا يولد أحد فيها
ولا ينشأ أحد عليها. . . وبينوا كيف يكون الكاتب حضرِيًا في رأيهم وكيف
يتسمَّح لهذا الذوق ويترفق فيه، ويتظرف به، وكل ذلك بما كتبوا ويكتبون من هذه المقالات السائغة اللينة الحلوة. . . التي تسرع في تلاوتها إلى الطبع بأشد مما تسرع كتابتها إلى المطبعة، غير أني حفظك الله رجل قد جعل الله فيما جعل من محنتي وبلائي أني داثب على الاستقراء لهذه اللغة والتتبع لأساليب الكلام فيها، مما يسمح أو يلتوي، ومما يأبى أو ينقاد، ومما يتسهل أو يتوغر، ومما يؤمن به عصر ويكفر به عصر آخر، لأن فلسفة ذلك باب من أبواب كتاب أضعه، ولكني في كل ما قرأت من بدء اتصال الرواية بالعرب إلى اليوم لم أصب مثل هذا الأسلوب الذي تكتب به. كقولك في صدر قصة المعلمين التي نشرتها "السياسة" اليوم "نعم قصة المعلمين، فللمعلمين قصة وللمعلمين قضية، وكنا نحب ألا تكون للمعلمين قصة وألا تكون للمعلمين قضية، لأننا نربأ بمقام المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية، ولكن أراد الله ولا مرد لما أراد الله أن يتورط المعلمون في قصة، وأن يتورط المعلمون في قضية، ليست قضيتهم أمام المحاكم وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم.
وليست قصتهم مفزعة مُهلعة (كذا كذا) وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تكون مفزعة مهلعة".
فهذه عشرة أسطر صغيرة دار "المعلمين" فيها عدد أيام الحسوم. . .
وحكيت "القصة" ست مرات، وكان "للقضية" ست جلسات، غير ما هناك من مفزعة ومهلعة قد أفزعت وأهلعت مرتين وكير ما بقي مما هو ظاهر بنفسه.
ولا ريب أن الأستاذ إما أن يكون قد نحا بهذا نحوًا لا نعرفه وقصد إلى وجه لم
نتبينه، فهو يدلنا عليه لنجريه فيما أجرينا من أساليب البلاغة ونؤرخ له في الذوق الجديد، وإما أن يكون عند ظننا به في اعتبار هذه الكلمات رُقى وطلاسم للتسخير بقوتها وروحانيتها. . . فإذا قرأ المعلمون هذه المقالة عشر مرات انحلت المشكلة وجاءهم الرزق وهم نائمون، ولكن يبقى يا سيدي أن تختم الكلام بعد هذه الهمهمة والغمغمة بقولك.
الوحَى الوحَى العَجَلَ العَجَلَ الساعةَ الساعةَ. . . والسلام.
Translation
أسلوب طه حسين
#19 Chapter 19 — القنبلة الأولى · ref. #19
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
القنبلة الأولى
ولما أهدينا إلى جريدة " السياسة " كتابنا "رسائل الأحزان في فلسفة الجمال
والحب"، كتب عنه الدكتور طه حسين في صحيفة "الأدب" - بعد مجلس كان لنا معه عند رئيس التحرير أغضبناه فيه بقولة الحق - فما زاد في كتابته على المماحكة والسفه وما عرف به من التحامل وزعمه أنه لم يفهم الكتاب، وهذا الزعم حلة قديمة فيه، لا يبالي معها أَن يُباهتَ بها نفسه ويُزري على عقله ورأيه، فقد كتب في سنة ١٩١٢ في "الجريدة" نقدًا لكتابنا "حديث القمر" كان كله دائرًا على أنه لم يفهم من الكتاب شيئًا، ولما جرى يومئذ في كلامه ذكر الجزء الأول في كتابنا "تاريخ آداب العرب" قال فيه
"هذا الكتاب الذي نشهد الله على أننا لم نفهمه أيضًا ثم جاء هو نفسه في سنة ١٩٢٦ فخص هذا الجزء الذي أشهد الله على أنه لم يفهمه، بأجمل الثناء ونوه به أحسن تنويه في كتابه " الشعر الجاهلي " فتأمل وأعجب!
وقد رددنا في "السياسة " على نقده للرسائل بهذا الفصل، وهو أول ما
نشرته "السياسة" نقدًا صريحًا على الأستاذ الفاضل، وكانت قبل ذلك في يده
كالقلعة المحصنة، تخرج منها القذائف ولا تدخل إليها. . .
Translation
القنبلة الأولى
#20 Chapter 20 — رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب · ref. #20
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب
إلى الأستاذ الفهَّامة الدكتور طه حسبن
يسلم عليك المتنبي ويقول لك:
وكم من عائبِ قولًا صحيحًا. . . وآفتُه من الفهم السقيم!
ولقد رووا أن كيسان مستملي أبي عبيدة كان يكتب غير - ما يسمع، ويقرأ
غير ما يكتب، ويفهم غير ما يقرأ؛ وكنت أحسب الخبر موضوعًا يتملح به
للظرف والنكتة؛ أو معدولًا به عن وجهه إلى ناحية المبالغة، ولكني رأيت فيك دليلًا على أنه إن لم يكن صحيحًا فليس بعيدًا، وإن لم يكن واقعًا فليس يمتنع، أكتب إليك فتفهم غير ما تقرأ، وأحدثك فتحسب غير ما تسمع، وأراك إذا انتقدت كلامي دارت بك الأرض حول نفسك فأخذتك الغشية ولم يبق في الألفاظ ولا في المعاني ولا في الأساليب ولا في الشعر ولا في النثر إلا صورة تمر بسرعة دوران الأرض فلا تتبين منها شيئًا ولا تفهم منها شيئًا!
هن ثلاثة أيها الفاضل؛ فإما طبيعة في النفس مبنية على المكابرة والمراء
لا تبالي معها أن تحذف العقل وتُسقط الخلُق وتمتهن الكرامة، وتقول هذا
الذهب حجر وهذا الحجر ذهب، وتمضي في تعليل ذلك وإقامة الدليل عليه
والدفع عنه، ثم اللجاج والسفسطة وإثبات المنفي ونفي الثابت كما يفعل كل
أهل الجدل في غير طائل ولا منفعة إلا غلبة ثرثرة على ثرثرة، وإما طبع في
الكتاب مستوخم بارد تجذب إليه أصول ضعيفة في الخيال والفكر، فلا يرتفع
ارتفاعًا ساميًا وانما يُسِف ويخبط؛ وإما عقل لا كالعقول.
ونسأل الله السلامة.
فما من واحدة من هذه لك بُد!
قرأت يا سيدي ما كتبته عن "رسائل الأحزان " مما أتسمَّح في تسميته
نقدًا، وألممتُ بالغاية التي أجريت إليها كلامك، وما كان يخفى علي أن في
الحق ما يسمى تعسفًا، وفى النقد ما يدعى تهجُّمًا، وفى المنطق ما يعرف
بالمغالطة، وفي كل صناعة ما هو انتحال ودعوى وتلفيق؛ وإلا ففيم يخالف
بعض الناس على بعضهم، وكيف ترى الرجل الذي لا بأس بعقله يكون عليه
الدين مؤكدًا بالايمان والوثائق حتى لا سبيل إلى إنكاره ثم ينكره ويحلف على
ذلك ويكابر فيه كان الذي حلف به عندما أخذ منك غيرُ الذي يحلف به عندما أنكر عليك، ثم يدبرك معه على كل أساليب الباطل ويمر بك في كل قضايا المغالطة، وإن في دمه ولحمه لو شُق عنه لأنطقه الله بأنه كاذب! ولعمري لقد كنت تكتب غير ما كتبت لولا أنك سمعت مني ما سمعته في تخطئتك والرد عليك حين قام الجدال بينك وبين الأستاذ هيكل؛ ورأيتك وقتئذ تكاد تبتلعك ثيابك، وكان كلامي منك كالماء يسقي شجرة الحنظل المر فما يزيد إلا مرارة.
ولو عقلتَ أيها الشيخ لعرفت أني أغضبتك عامدًا متعمدًا، وأفرطتُ عليك حتى اقتلعت نفسك من المجلس اقتلاعًا، وما أردت بذلك إلا أن أعرف مبلغ
إنصافك، وأمتحن هذه الحرية التي تدعيها في كل ما تكتب، فإنه ليس ينفعني
أن تثني على، وليس يضرني أن تجهد في ذمي، ولا أنا أحفل بشيء من ذلك، وما أحسبك تظنني ألتوي في يدك أو ألين لغمزاتك، فقد بلغ من إنصافك حين تغضب أن تنفس علي كلمة واحدة من اللغة فلا تذكرني بها، فقلت فيما علقت على كتاب الأستاذ هيكل "أنكرت عليه استعمال كلمة مهوب بالواو لا بالياء، ونبهني " بعض الأدباء" إلى أن هذا الاستعمال صحيح، فرجعت إلى المعاجم، فمن الذي نبهك وردَّك إلى المعاجم؟ ولماذا لم تذكر اسمه وحقدت عليه حتى في الصواب الذي تعترف به، وأنت قد اندرأتَ عليه طعنًا في ثلاثة أنهر من الصحيفة التي تقول فيها هذا القول، أفيشق عليك أن تذكر لي حسنة واحدة في كلمة كنت لا تعرفها، ثم تسمِّي نفسك بعد ناقدًا حرًّا منصفًا وتريد أن يقبل الناس منك ويستمعوا لك ولا يعرفوا الذهب ذهبًا صحيحًا حتى ينظروا " دمغتك "
عليه، ولا الجوهر جوهرًا كريمًا حتى يسمعوا شهادتك فيه. . .؟
ثم أنزلت نفسك منزلة دون هذه وكنتُ والله أرفعك عنها، فقلت
"كنت أصف العقاد في فصل مضى بشدة الغموض أحيانًا، وقد مضى الأستاذ الرافعي عن هذا الفصل وأنباني أنه لم يرض عن شيء مما كتبت كما رضي عن هذا الفصل" ولكن كيف أنبأتك هذا النبأ، بل متى تفهم دقائق الكلام وأغراضه وتكون حكيمًا في سياسة المعاني وأساليب الفكر؟ لقد كتبت إليك وإنه لم يعجبني شيء مما قرأتُ لك ما أعجبني ما كتبته في هذا الأسبوع والذي قبله " أي انتقادك من انتقدت: فلانًا وفلانًا وفلانًا والعقاد جميعًا لا العقاد وحده كما
تزعم، وهذا هو ظاهر اللفظ، ولكن ما باطنه أيها الفهامة، فإنه يقال إن للكلامِ ظهرًا وبطنًا وحدًّا ومطلعًا.
لو كنت تعرف هذا أو تفهمه أفلا تسأل نفسك لِمَ لم تعجبني كل الفصول التي كتبتها في الأدب وتاريخه وأنت تتخبط منذ سنتين
وتكتب كل أسبوع مرة، فإن سألتها فهل تستخرج من ذلك إلا أن هذه الفصول هي في رأيي خلط مخلوط تركب فيها الشطط ثم تعتسف الطريق ثم تضع التاريخ كما تخلقه أنت لا كما خلقه الله، وتصول على الأموات الذين لا يملكون دفعًا ولا ردًّا ولا حوارًا ولا جوابًا، فإذا استخرجت هذا فهل ينتج لك إلا أن إعجابي بهذين الفصلين خاصة إنما كان لأنك تصادم الأحياء الذين
يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يردوك إلى الطريقة المسلوكة والنهج
القاصد إن كانوا على شيء مما يسمى به الكاتب كاتبًا والأديب أديبًا، ولم
يكونوا بهذا الجبن الهالع المخزي الذي ميز أبا حية بسيفه الخشبي. . . وجعله
بطل المعركة، وأنت تعرف القصة بعد.
ثم رأيتك تنحط في منزلة دون المنزلتين مما يدل على بعدك من الإنصاف
وذهابك عن حقيقة النقد، فتزعم أن "كل جملة من جمل الكتب تبعث في
نفسك شعورًا قويًا أن الكاتب يلدها ولادة وهو يقاسي في هذه الولادة ما تقاسيه الأم من آلام الوضع" كذا كذا، لقد نبغت في الخيال بعد أن قرأت "رسائل الأحزان " وستنبغ أكثر من هذا بعد أن تقرأ "السحاب الأحمر" الذي أهديتك إياه، على أني لو أردت أن آخذ معك في كتابتي هذا المأخذ لجعلتك تتلوى من الكلام المؤلم على مثل أسنان الإبَر، ولاستقبلتك بما لا تدري معه أين تذهب ولا كيف تتوارى، كالإعصار الذي يأخذ عليك الجهات الأربع من آفاقها، أفانت تقوم لي في باب الاستعارة والمجاز والتشبيه؛ ولكني أدع هذا الآن، فحدثني من أين علمت أني أكتب على هذه الهيئة؟
لعلك أخذت هذا المعنى البذيء من قولي لك "أتظن أني أكتب هذه الكتابة وأنا نائم؟ ألا إني أتعب نفسي لتجديد الآثار الفنية في البيان العربي "
هذه هي كلماتي بالحرف الواحد، فأنا لا أكاد أنسى ما أقول وما يقال لي.
ولقد كتبت رسائل الأحزان في ستة وعشرين يومًا فاكتب أنت مثلها في
ستة وعشرين شهرًا، وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي
من النشاط ولا من الوقت إلا قليلًا، وها أنا أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها، وإن لم يكن الأمر عندك في هذا الأسلوب الشاق عليك إلا ولادة وآلامًا من آلام الوضع كما تقول فعلى نفقات القابلة والطبيبة متى ولدت بسلامة الله. . . وإني لأتحداك وأنا أخبر الناس بما تطيق وما لا تطيق. وسبحان من خلق النسر خلقة والديك الرومي خلقة أخرى. . .
ومنزلة رابعة هي أحط وأدنى من كل هذه الثلاث، فقلت "أنا أعلم أن
الأستاذ الرافعي قد تكلف مشقة لا تكاد تَعدلها مشقة في وضع هذا الكتاب. . .
وهو تكلف العناء في طبعه ونشره، وأنفق مالًا في هذا الطبع والنشر، فقد يكون من الإسراف في القسوة أن نعرض لعمل كهذا فيه مشقة وعناء ومال فنعلن أنه غير جيد. . . الخ الخ ".
فما أنت والمال والطبع والنشر؟ ولكن اعلم أن هذا الكتاب لم يمض على
صدوره أربعون يومًا معدودة حتى رد كل ما أنفق عليه غرشًا غرشًا، وسل كل طابعي الكتب العربية وكل المؤلفين هل اتفق لهم حادث واحد مثل هذا؟.. ألا عدْ عن هذا الأسلوب، أسلوب شفقة الضرَّة على الضرة، وأبق مثل هذا الكلام لكتبك وأمثال كتبك.
إني والله - على إعجاب كان بك - أصبحت مستيقنًا أن الله تعالى لم يهبك
إلى اليوم قلم الكاتب، ولا أودعك دهاء السياسي، ولا خصك بفهم الحكيم، وكيف يكون لك من ذلك وأنت تصف رئيس تحرير "السياسة" في ظرف
ولطف. . . بأن يزدري القراء ويزدري الناس ويتخذ هذا قولًا ومذهبًا وفلسفة، ففي أي شيء يكون عمل الرجل في الجريدة الكبرى في أمة هي أشد الأمم حاجة إلى من يتألفها ويتولى إرشادها وهدايتها بأخلاق كأخلاق الأنبياء، تتسع كلما ضاقت الصدور، وتنعطف كلما نفرت القلوب، ولا ترى في الناس طبيعة تُزدرى، ولكن خطأ يُستصلح؟
عساك تحسب هذا مني دهانا ومصانعة لرئيس التحرير، فسل أديب هذا
العصر الأمير شكيب أرسلان ماذا كتبت له منذ سنة خلت في ردِّي على بعض كتبه، وهل أثنيت له على غير الدكتور هيكل، وهل وصفت غيره بالذكاء وعمق الفكر وحسن الوصف وبلاغة التعبير، على حين لم تكن بيني وبينه شابكة، ولم يكن رآني ولا رأيته إلا مرة واحدة جاء فيها إلى طنطا مع الأستاذ الجليل لطفي
السيد؛ ولكن الإنصاف يا سيدي إن لم يكن فوقه إلا الحق فذلك لأنه هو أساس الحق، ولقد أخبرتك أن هذه الحرية التي تزعمونها في الكتابة والنقد إن لم تكن مقيدة بالإنصاف وتواعده فهي سخافة ودعوى، وطلبتَ مني هذه القواعد ولعلي أكتبها لك يومًا إن شاء الله.
* * *
ولننظر الآن في نقدك "رسائل الأحزان"، والعلة في أنك لا تفهمها.
فأما النقد فليس هناك إلا أنك لا تفهم كما تدعي على نفسك، وماذا علي من ذلك، ولقد قلت لك إن الذي لا تفهمه أنت يفهمه سواك، وإن الله خلق رؤوسًا غير رأسك وعقولًا غير عقلك، وإنه ليس من أَحد يعترف أنك مقياس العقل الإنساني في الأرض؛ فمسختَ هذا كله وزعمتَ أني قلت لك "لِمَ تتخذ نفسك مقياسًا للناس " ثم رددت على هذه الكلمة بقولك: "إني أتخذ نفسي مقياسًا لنفسي" ففسر لي أصلحك الله كيف تكون نفسك مقياسًا لنفسها؟
أليس المقياس آلة لقياس غيره، فكيف يتأتى لك أن تكون نفسك التي تقيسها غير نفسك التي تقيس عليها؟ أم أنت ستلجأ إلى أصول البلاغة وتجعل العبارة على التجريد؟
فلم لا تفهم الكلام البليغ على هذه الأصول بعينها؟ وما هذا التحذلق وما هذا التداهي؟ (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) .
وإما أنك لم تفهم فلست أردُّ عليك بفلان وفلان ممن فهموا الكتاب
وأعجبوا به وأثنوا عليه، وأنت تعرفهم وتذعن لهم وتبالغ في تقديمهم، ولا أرد عليك بأن الطلبة فهموه، ولا بأن النساء فهمنه؛ وانظر ماذا كتبت مجلة
"السيدات " في مصر وماذا كتبت مجلة "منيرفا" في سورية، فإنك لا تطمع في
سطر واحد من مثل هذه الكتابة.
لا أراد عليك بهذا ولا بنحوه، ولكني أقول لك إن العسكري روى عن الأنصاري قال: قلت لبعض الكتاب - كتاب الخراج
وأشباههم من رجال الديوان -: ما فعل أبوك بحمارِه؟ قال باعِه!
قلت: فلمَ تقول باعِه؟
قال: وأنت فلم تقول بحمارِه؟
فقلت: أنا جررته بالباء.
قال: فمن الذي جعل باءك تجر وبائي أنا. . . لا تجر
"يعني الباء التي في فعل باع". . .
أليس هذا فهمًا يا دكتور، وقد اجتهد الرجل في القياس وانتهى إلى هذه
النتيجة؛ فما عسى أن تقول، ولمن تشكو مثل هذا الفهامة؟ إلى السلطان؟ إلى أهل اللغة؟ إلى الأطباء؟ . . . ولكن هل كان فهمه أن الباء في "باعه " حرف جر مما يفسد مقاييس النحو ويكره اللغة على أن تتسع لحكمه وتطرد على قياس
فهمه؛ وأنت أفلا ترى معي ومع الناس أن سوء الفهم وخطًا الفهم وعدم الفهم.
كل ذلك في مَرَدًه إلى معنى واحد هو سقم الفهم.
إنك لتجمع الكتب وتحفظ التاريخ وتدرس الأدب، فهل نفعك ذلك في
قول الشعر حتى ذهب ديوان طه حسين بديوان المتنبي. . .؟
وأنت تدرس البلاغة وتعرف قواعدها وأمثلتها، فهل أعانك ذلك في قطعة
بليغة يعرفها لك الناس ويتناقلونها ويرونها من البيان في موقع ومن الجمال في
منزلة؛ وهل جئت قط في كتابك بشيء من الوصف، أو قضى لك الناس بخيال ابتدعته أو مجازٍ اخترعته؟ وهل كتبت شيئًا في الحب والجمال وفلسفتهما وأوصافهما؟ فهذا كله من بعض العلة في أنك لا تفهم
"رسائل الأحزان " إن صح قولك أنك لا تفهم!
وعلة أخرى: لمَ تكرر الكلام دائمًا في غير حاجة إلى التكرار مع أن
أصحابك يرون هذا من أقبح العيوب، ويقولون إن المذهب الجديد. . .
قائم على الأسلوب التلغرافي، فإذا كتبتَ فقدر أنك سترسل المقالة بالتلغراف وتدفع أجرة إرسالها، لقد كنتَ أفلستَ من زمن بعيد يا دكتور لو حققوا معك هذه القاعدة وأرسلوا مقالاتك بالتلغراف.. ولكن لِم تلتزم هذه الطريقة حتى أصبح كالشعوذة المطبعية أن تكتب ستة أسطر وهي ثلاثة بعد حذف المكرر والحشو؟
كنت أقرأ مقالة افتتاحية في "السياسة" ومعي أديب، فدفعتها إليه وقلت:
لمن ترى هذه المقالة؟ فنظر فلم يجد عليها توقيعًا، فقلت له: لا يجب أن يكون التوقيع في ذيل المقالة بل قد يكون في أثنائها!
قال: فأين هو؟
قلت: اسمع: هذا هو التوقيع.
"فعلوا هذا، نعم فعلوه، فعلوه؛ أقسم لقد فعلوه، فعلوه. . . ".
أفمن يكتب هذا الهُراء ونحوه يرتقي به الفهم إلى دقائق المجازات
والاستعارات والكناية والإشارة ونحوها مما قامت عليه هذه اللغة في بيانها
وبديعها، وما لو حذف منها لتعطلت من كل محاسنها ولما صح أن يكون فيها
كلام معجز ولا مقبول ألبتة؟
وما العلة في هذا وما السبب في أنه لا ينفق لك أبدًا خيال رائع، ولا تبدع
شيئًا مما يبدعه الكتاب في كل الأمم، إلا مرة واحدة أردت أن تصف المرأة
الجميلة في رواية "الإغواء" منذ أسابيع فقلت: صورتها، حركاتها، ألفاظها.
زيها، مذهبها في الحوار والكلام: هي فتنة تتحرك ".
فتنة تتحرك! لا أعرف لك في كل كلامك أحسن ولا أبدع من هذه
الكلمة، وأنت تعرف من أين أخذتها وإن كنت لم تحسن السرقة، وإلا فما
قولك حين تكون هذه (الفتنة) نائمة؛ أفتريد أن أدل قراءك في أي رسالة
"من رسائل الأحزان " وصف الألفاظ والحركات والزي والمذهب في الجدال
والشكل والدل وأنها فتنة خلقت امرأة؟
تقول في نقدك: "يجب أن أكون منصفًا (كذا وكذا) فأنت تستطيع أن تقطع
كتاب الرافعي جملًا جملًا، وأن تجد من هذه الجمل طائفة غير قليلة
"اسمعوا. . . اسمعوا" فيها شيء من جمال اللفظ يخلبك ويستهويك "تنويم
مغناطيسي بالبلاغة" وفيها معان قيمة لا تخلو من نفع، ولكن المشقة كل المشقة في أن تصل هذه الجمل بعضها ببعض وتستخرج منها شيئًا".
إذن فالمشقة عليك ليست في الفهم ولكن في صلة الجمل بعضها ببعض.
وأظن هذه المشقة بعينها هي التي تجعل من طبعك تكرار الكلام دائمًا في غير
طائل ولا منفعة، وإذن فمن سبيلك أن تحسن فهم كتب التاريخ والحوادث
وحدها دون سواها مما لا يقع في الذهن متصلًا بعضه ببعض، وإذن فلك
مذهب لا ينبغي أن نعرض له كما لا ينبغي لك أن تجعله قياسًا تقيس عليه!
ثم كيف يكون في الكتاب "معان قيمة" وجمل تستهوي وتخلب وهي مع
ذلك طائفة غير قليلة، مع أنك تصرح قبل هذا الكلام بنصف سطر أبيض. . . -
يعني مباشرة بالكلام الذي تفهمه - فتقول "أتممت الكتاب " ولم تفهم منه شيئًا؟
لا بد أن لك منطقًا خاصًا بك إذا كانت المقدمة فيه أنك أتممت كتابًا برأسه لا تفهم منه شيئًا.
فالنتيجة من هذه المقدمة أن في الكتاب طائفة غير قليلة تستهوي
وتخلب وفيه معان قيمة أيضًا. . .!
وهل هذا أقبح في التناقض أم قولك "ورأي في الكتاب أني لا أفهمه، فلا
"أستطيع " أن أقول إنه جيد أو رديء، بل "أستطيع" أن أقول إني لم أفهمه.
وإذن "فلا يمكن " أن يكون جيدًا. . . لا.
فأية الاستطاعتين هي الكاذبة المردودة؟ وإذا كنت لا تفهمه وكان من أجل
ذلك (من أجل ذلك وحده) لا يمكن "يعني يستحيل " أن يكون جيدًا، أفلا يعد هذا اعترافًا منك بما أنكرته من أنك تعتبر نفسك مقياسًا للعقل الإنساني في الأرض المؤمنة بالله وكتابه وسنة نبيه؟
ألا يرى القراء كيف يتهافت الشيخ كان في جوفه شيئًا يغلي على شيء
يتضرم وكيف تقول "لا يمكن " إلا إذا كنت أنت الممكن كله يا مولانا..؟
* * *
ألا ليت شعري كيف يجمع الكلام العالي بعضه إلى بعض ويستخرج منه
شيئًا وهو يراه ملء كتاب، إذا كان لا يستطيغ جمع كلامه هو في مقال صغير
حتى ينفي عنه مثل هذا التناقض العجيب الذي يأتيك بسطر مؤمن يلعنه سطر
كافر؟
أنا لا أقول إن الأستاذ طه ليس شيئًا في فضله وأدبه وعلمه، بل هو عندي
أشياء كثيرة، بل هو مكتبة تنطق كتبها، ولكنه لم يلابس صناعة الشعر ولا
أساليب الخيال، ولا أخذ نفسه في ذلك بمزاولة ولا عمل، فليس له أن ينقد
هذه الصناعة ولا أن يقول في هذه الأساليب إلا بعد أن يجيء بمثل ما يكتب
أهلها، فإن لم يكن ذلك في طبعه ولا في قوته ولم يستوِ له شيء منه فلا يغرنه
أن يكون مؤرخًا، ولا يخدعنه أن يكون مِنطيقًا، ولا يحسبن فهمَ شيء هو فهم كل شيء، ولو كان الأمر موضوعًا في الأدب على الاتساع في الكلام والقدرة على القول الكثير صوابًا وخطأ، لما كان أكبرُ أديب هو أكبرَ الأدباء، ولكن أكبرُ الثرثارين. . .
ويقول الأستاذ إنه يفهم القرآن وكذا وكذا ولا يفهم كتابي، وأنا لا أصدق
من هذا شيئًا، وأين حقائق البلاغة المعجزة في القرآن ممن إذا انتقدت بيت
شوقي:
يا لطفُ أنت هو الصدى. . . من ذلك الصوت الرخيم
فهِمَ أن والشاعر يقول إن أرسطو كان ذا صوت رخيم. . . وأورد على ذلك أنه لا هو ولا شوقي سمع هذا الصوت. . . علم الله لو تقدم صاحب هذا القول إلى الامتحان في الأزهر وفسر لهم في البلاغة هذا التفسير لأعطوه "المكعب "
كما يقول الأزهريون، والمكعب عندهم هو الصفر في درجات الامتحان!
أيفهم هذا حقائق البلاغة في القرآن ودقائق الإشارات التي فيه؟
وقد قال صاحب المثل السائر وهو من كبار المجتهدين في علوم البلاغة ومن أبلغ كتاب الدهر: " كنت أقرأ في اليوم ختمة، ثم في الشهر.
ثم في السنة، ثم ها أنا أقرأ
في ختمة واحدة منذ كذا وكذا سنة ولم أفرع منها، وكلما أعدت النظر ظهر لي ما لم يكن ظهر من قبل".
هذه هي أصول البيان العربي المعجزة، وهذه هي طريقة فهمه، فخذ أو
فدع!
* * *
إن المجاز وهو أساس البيان يمنعك أن تفهم إلا بالقرينة والعلاقة، فلا
يطلق لك الفهم بل يقيده بهما، ولا يترك لك أن تقول أفهم ولا أفهم بل إحدى اثنتين: إما أن تقر للكلام وإما أن تقر على نفسك.
وقد كان العرب أصحاب أذهان حديدة، وكانوا لا يكتبون، فاضطرهم
ذلك إلى الابداع في ألفاظهم وطئ المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة والاكتفاء باللمحة الدالة والإشارة الموجزة والكناية الرائعة والتفنن في أساليب القول على وجوه شتى ومذاهب كثيرة؛ فليس يتولى هذا البيانَ العربي إلا الذهنُ الدقيق والفطنة الحادة والبصيرة النقادة، وإلا من جَرَى مجرى العرب أنفسهم، ينزعه طبع أو يجذبه أصل؛ فإن لم يكن هناك فابعَدَهُ الله، والسلام!
Translation
رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound