Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 49 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Tahta Rayat al-Qur'an تحت راية القرآن

Tahta Rayat al-Qur'an

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Mustafa Sadiq Rafici (مصطفى صادق الرافعي
49
Total sections
49 chapters
#21 Chapter 21 — إلى الجامعة المصرية · ref. #21
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
إلى الجامعة المصرية
قرأت في بعض الحكم هذه الكلمة: "تحَّز من سُكر السلطان وسكر
المال وسكر العلم وسكر المنزلة! ".
ولست أعرف أحدًا قد سَكِرَ من هذه الأربعة حتى عربد وخرج إلى
السخف والهذيان غير الأستاذِ المربع. . . الدكتور طه حسين، منذ ولي تدريس تاريخ الأدب في الجامعة، ووالله ما ندري كيف لا يعهدون إليه مع درس تاريخ الأدب بدرس آخر كشرح القانون المدني مثلًا.. فإنه لقادر على هذا قدرته على ذاك، إذا كان لا مادة له إلا أن يفكر فيما يقول، ثم يقول كما يفكر، ما هو إلا الظن قبل العلم، وإلا الشك قبل اليقين، وإلا الوهم قبل الحقيقة، ولا أكثرَ من الكلام عند كل رجل يُسقط الخطأ والصواب من حسابه، ولا أيسرَ من الإنكار على من يكون رأس المال في علمه العناد والمكابرة.
سَكر الدكتور طه حسين لأنه سُلِّم إلى وزارة المعارف مع الجامعة بعقد
واحد.. وهذا هو سكر السلطان، ثم حثوا له من خزانة الدولة قبل أن
يسمعوا منه حرفًا في تاريخ الأدب أو يعرفوا له وزنًا فيه أو يَبلُوا منه بلاء، وتلك سَكرة المال، ثم ابتدع للجامعة علمًا يلقيه على من يذهب إليه من عُرض الطريق وإن كان لا يميز بين أبي جهل وأبي زرع. . . فجاءت من ذلك سَكرة العلم، ورأى مع كل هذا أنه قارٌّ في منزلته، يريدون أن يجعلوه آمنًا من العزل ممنوعًا من الصرف؛ فتم له سُكر المنزلة.
لا نحسب هذه الجامعَة تملك الأدب بعقد ولا وثيقة شرعية فتنزل عنه
لهذا الأستاذ، ولا نظنها تدعي حقًا على التاريخ فتسوغ له أن يهدم فيه ويبني،
فهي وحدها مأخوذة بعبثه، مسؤولة لخطئه، محاسَبة على ما يجني، ونحن على
ذلك فرع إليها هذه المسائل التي نريد أن نناظرها فيها لنكشف لها عن حقيقة
أستاذها، ولتعلم إن كانت لما تعلم أن الرجل مفسد لا مصلح، وملفق لا محقق وأن مَأتى ذلك فيه من ضعف اطلاعه على مادة التاريخ الأدبي فهو يتوسع بالثرثرة، ومن نقص خياله فهو يتزيَّد بالشك، ومن انحطاط قوته البيانية فهو يتماسك بمحامل الجدل.
نسأل إدارة الجامعة:
١ - هل قرر أستاذها أن المسلمين محوا شعر النصارى واليهود ومنعوا
روايته خوفًا على الإسلام، فمن أجل ذلك لم ينته إلينا من شعرهم شيء؟
٢ - وأنه لا يوجد شعر جاهلي بل هو مصنوع بعد الإسلام، وأن هذا
الجاهلي لا يستشهد به على القرآن بل القرآن هو الذي يحتج به للشعر؟
٣ - وأن العصر الجاهلي الذي ضاع شعره قد حُفظ لأن القرآن الكريم
يمثله؟ . . .
٤ - وأن الغزل المروي لامرئ القيس هو لعمر بن أبي ربيعة؛ ونقتصر
من خلط الرجل على هذه المسائل الأربع.
نسأل إدارة الجامعة هل قرر أستاذها كل ذلك في دروسه التي تأجره عليها
من مال الأمة أم لا؟ وما هي أدلته؟ بل ما هي أدلتها - فلم يعد الرجل كاتبًا في جريدة "السياسة" لا يجيب إلا بالشتم ولا يبالي وهي تنشر له ولا تعبأ - ولا نظنه يملك أن يقول لمدير الجامعة كما قال لرئيس تحرير "السياسة": أغضبتك في السنة الماضية فأثنيتَ على الرافعي في مقال صدَّرتَ به كتابك، وهأنذا أعتذر إليك فانس السنة الماضية وانزل لي عن هذا الفصل. . . أما إنه قد باعد الله بين صاحب هذا القول وبين الفهم، كان رئيس تحرير " السياسة" لا يكتب للحق ولا يرى من رأي للحق، بل للغضب والرضا ولا ثالث لهما؛ أليس من المضحك أن يكون صاحب هذا الكلام المعكوس هو أستاذ الأدب العربي في الجامعة؟
" وماذا بمصرَ من المضحكات. . . وحَسبُك طه حسين بها
"ولكنه ضحكْ كالبكا. . . على علمها وعلى كُتبِها
Translation
إلى الجامعة المصرية
#22 Chapter 22 — وإلى الجامعة أيضا. . . · ref. #22
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
وإلى الجامعة أيضًا. . .
كتبنا نسأل إدارة الجامعة في تلك المسائل الأربع مما يخلط فيه أستاذها
الدكتور طه حسين، لنناظرها فيما يقول الرجل، وما يقول إلا سخفًا؛ وإنها
لتعلم وكأنها لا تعلم، وإنها لَترى كأنها لا ترى؛ وإنها لعلى حال ننكرها أشد
الإنكار فيما تسميه مجازًا درس تاريخ الأدب، وما هو في الحقيقة إلا درس
نفسية طه بما يضطرب فيها من الزيغ والشك وما تضطرب فيه من سوء الفهم
وضعف الرأي وفساد القياس؛ فالجامعة تبتلي طلبتها بالرجل في درسه، ثم
درسُهُ يبتليهم بطباعه، وطباعه تأتيهم بدواهيه، ومن دواهيه ما عرفنا من جُرأة في الباطل لا تعبأ بالحق، وحماقة في الرأي لا تعرف القصد، وإسراف في الظن لا يصلح معه اليقين!
وعلى أنه لو كان أستاذ الجامعة بليغًا معروفًا وشاعرًا معدودًا وحكيمًا
متفلسفًا، ثم كان فيه شيء من تلك الخلال السوء، لنزلت به وغضت منه
فكيف وهو هو ذلك الذي عرف الناس جميعًا أنه سيئ الفهم في أساليب
البيان، إذ كان بطبعه لا يحسن منها شيئًا؛ قاصر الذهن في معاني الشعر
ومناحي البلغاء، لأنه بعيد منهم؛ وليس فيه إلا أنه غليظ الحس، بليد
التصور، منطفئ الخيال؛ ثم هو مع هذا كله يجمع في كل هذا الدعوى
الفارغةَ والاستطالةَ والشر وبذاءةَ اللسان، حتى ليس في مصر سباب لعَّان
يُعرف له من مقالات السب واللعن ما يعرف لاثنين أحدهما أستاذ الجامعة.
ولذلك من سوء الأثر في عقل الرجل ورأيه ما لا بد من مثله في مثله، حتى
ما نرى شذوذه وخروجه على الآراء المجمع عليها في التاريخ إلا أسلوبًا من
أساليب شتم التاريخ نحن نقرر للجامعة أنه لا سبيل إلى تصديق الدكتور طه حسين فيما يهرف به إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون هذا الرجل روحًا متناسخة لا تزال تنحدر في مَهواة الزمن، فإذا هو استوى على كرسي الجامعة مرت هذه الروح بأدوارها في التاريخ فذكرت صحبتها.. لامرئ القيس في سنة ٢٠٠
قبل الإسلام. . . ثم يكر شريط السينما. . . من دهر إلى دهر إلى يوم الناس
هذا، والأستاذ في كل ذلك يحكي عن عيان ويخبر عن مشاهدة وهو على
كرسي الجامعة في حلم مغناطيسي، نائم أشد ما كان يقظة، ويقظان أبعد ما
استغرق نومًا، ولا سبيل في هذا إلا هذا، وعلى إدارة الجامعة أن تتبينه
فلعها ولعله.
إن مجلس الجامعة ليعرف أن هذا الذي يسميه الناس
"تاريخ الأدب العربي" إنما هو علم حديث النشأة، لم يتولَّهُ أهله، ولا وضع في زمنه، ولا أصاب وسائله، ولا تنبه إليه أحد أيام كان العلماء والرواة، وكانت مصادر النقل متوافرة، ولم يتناوله المعاصرون إلا تقليدًا، وعلى قِلةِ من الكتب، وفي موت الرواية، وبعد انقطاع الدهر الإسلامي من مواضع كثيرة، ولو أنه وجد بيننا رجل قرأ كل مطبوع ومخطوط من الكتب العربية المبعثرة في نواحي الدنيا لم يَفُته منها ورقة ولا بعض ورقة، ثم استخرج منها العلم، لجاء به ناقصًا مضطربًا ضعيفًا، - لضياع أكثر الكتب في النكبات التاريخية المختلفة، ولفساد طريقة التأليف في أكثر الكتب التي انتهت إلينا، فما هو كالعلوم التي دونت وضبطت وفرغ منها وصار الكتاب الواحد يغني فيها عن الكتب الكثيرة، كالنحو والصرف والبلاغة وأشباهها، ولا هو كالفنون التي يكشف منها الاختراع وتستحدث الحاجة والتجربة، كالطب والقانون والكيمياء ونحوها.
فمن ثَم لا تستطيع الجامعة أن تسمي أستاذها أستاذها كما تقول أستاذ
القانون وأستاذ الطب؛ ولا تعتبره كذلك أو تجري عليه حكم هؤلاء، بل هو
أستاذ على المجاز، ومدرس للضرورة، ويجب أن يستثنى بخصوصه من كل
ما يتمتع به الأساتذة، فقد ينكشف - يومًا عن أقبح العجز وأفحش الخطأ.
وهو ما نعرفه ونؤكده ولا نرتاب فيه؛ ومن ثم يجب على الجامعة أن تسمع
لكل قول في الأستاذ وتحسن اعتبار أي قول كان وعلى أي وجه جاء ومن
أي شخص تلقته، وإنها لتعلم أن أستاذ الأدب يجب أن يكون من أوسع
الناس اطلاعًا، لا في الروايات المثيلية الفرنسية، ولكن في كتب الأدب
العربي، وأن يكون على اطلاعه من أبلغ الناس كتابة وأشعرهم شعرًا
وأسماهم خيالًا وأدقهم حسًا وأذكاهم فهمًا.
بيد أن هذه الصفات التي حرمها كلها الدكتور طه حسين، فهو أستاذ بالوظيفة اسمها ومرتبها، لا بعلمها وحقها وكفايتها.
ومن أجل ذلك قلنا: إن الجامعة مأخوذة بعيثه، وملزمة أن
تجيب عنه، فإنه يدرس علمًا غير مدون ولا مجتمع الأسباب، ولا يزال
الرجل يمتاز فيه عن الرجل بنص أو بسطر أو بكلمة أو برأي كل ذلك أو
بعضه، فلتعلم الجامعة إن كانت لا تعلم!
Translation
وإلى الجامعة أيضا. . .
#23 Chapter 23 — وشهد شاهد من أهلها. . . · ref. #23
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا. . .
كتب قس فاضل في النسخة الأسبوعية من جريدة "السياسة" يذكر تاريخ
القديس "بفنوس" الذي تناوله أناتول فرانس في رواية "تاييس" فعبث به وسخر من تقواه وصلاحه ورماه بامرأة بغي تركته في الإثم وسقوط النفس وليس بينه وبين أمثالها منزلة ولا فرق، على حين سما بها الكاتب في آخر الرواية فجعلها قديسة تنفتح لها أبواب السماء وتتلقاها الملائكة، وبين القس الفاضل أن ذلك مما تعمد أناتول فرانس أن يفسد به التاريخ، وأنه كذب عمد وإفك صراح.
فعلق الدكتور هيكل على هذا بأن لكاتب فرنسا رأيًا في التاريخ، فهو
يعتبره نوعًا من القصص خاضعًا لأهواء الناس وشهواتهم، وقد وضع لجان دارك الفرنسية الشهيرة تاريخًا بين فيه أن شيئًا اسمه جان دارك لم يوجد، فحسبك أن تظهر ما في الأدلة على وجود شيء في الأشياء من الضعف لتبعث إلى النفوس الشك في وجوده. . .
ثم قال: وقد لا ترى في عمل أناتول فرانس موضعًا للدهشة إذا أنت
رجعت إلى ما يأخذ به أساتذة الأدب في الجامعة المصرية.
فهذا صديقنا الدكتور طه حسين يرى رأي الذين يقولون إن غير واحد من الشعراء الذين يقال إنهم وجدوا لم يوجد قط، فإن ذهب أناتول فرانس مثل هذا المذهب مع الراهب "بفنوس" فذلك أنه أخذ بمثل النظريات التي أخذ بها كثير من العلماء والكتاب، ومن بينهم صديقنا الدكتور طه في شأن الشعراء وغير الشعراء ممن يتناقل الناس أخبارهم. انتهى ملخصًا.
فعلم أستاذ الجامعة "ليس أهون منه" وهل أيسر من الإنكار؛ ولكن هل
أدل على الحمق من هذا الإنكار بعينه؛ وهل الإنكار بلا دليل إلا نوع آخر من الكذب والاختلاق كما يخترع الوضاعون أشخاصًا لا دليل على وجودهم؛ إنهم يزعمون كذبًا أن شاعرًا وُجد وقال كيت وكيت، وكان من خبره كذا وكذا، وأنت تزعم أن شاعرًا لم يوجد، فما الذي يجعل الكذب منهم صدقًا منك؟ وكيف تريدون وأنتم سواسية كأسنان الحمار أن تكون بعض هذه الأسنان نابَ
الليث، فى حين لا تنسب الباقيات إلا للحمار وحده؛ لعمري ما أنت بأصدق منهم ولا هم بأكذب منك، وفضل ما بينك وبينهم أنهم إلى وجه الكذب وأنت إلى - قفاه. . . والكذب كله بينكما وجهًا وقفًا. . .
يعبث أستاذ الجامعة برجال التاريخ العربي " من الشعراء وغير الشعراء"
عَبثَ أناتول فرانس بذلك الراهب الفاضل، ولكن فات الأستاذ المقلد المنعكس أن الغراب لا يصلح طاووسًا ولا حمامة، فإن كاتب أوروبا إنما ألحد وسخر وتماجَن لأن هذه ألوان من ألوان بلاغته التي تضرب الكلام بعضه ببعض وتقوم على المتناقض كما تقوم على المتلائم، فلو هو تركها لتكلف للكتابة وجرى فيها على غير طبعه وفقدَ أحسن ما يميزه في القَصص والرواية، ثم هو يرى التاريخ فنا لا علمًا، لأنه كاتب لا مؤرخ، وقاص لا محقق، فيتولاه بالخيال لا بالحافظة، ويأخذه من الروح أكثر مما يأخذه من الفكر، وبذلك انتهى في رأيه إلى أن الأدلة التاريخية إنما هي منازع تختلف العواطف عندها، فأنكر ما شئت فلك ذلك لأن لك عاطفة، وأثبت ما شئت فذلك إليك لأن لك عاطفة أيضًا. . .
والتاريخ عنده هو كل شيء إلا الحقيقة، لأن الحقيقة بزعمه لا تلتمس فيه
ألبتَّة، ولهذا الكاتب آراء فاسدة ظاهرة البطلان، منها رأيه في التاريخ ولكنه
يسوقها في عبارات بليغة إذا أنت كنت بصيرًا بصناعة البيان ودققت فيها رأيت فساد المعاني وحركة اضطرابها في ذهن هذا الرجل من ألطف أسباب بلاغته، كأنه يريد أن يأتيك بالبلاغة في هيئة راقصة خليعة مبتذلة تتطوَّسُ لك في ألوانها وخُيلائها وتُفحِش عليك في دلِّها وغَزَلها فلا تشك في سقوطها وسفالها، ولكنك لا تنكر أيضًا أن هذا كله أجمل الجمال فيها، ثم إنه رجل ذو فكر واسع ينتظم النقائض من أطرافها، ويأخذها على ما أرادها من معاني نفسه لا من معانيها، ويعطيها قرَّاءه على الوجه الذي يريده من معانيه كذلك لا من معانيها.
وما البلاغة إلا مثل هذا السحر إن لم يكن هو إياها.
ولكن ما بال أستاذ الجامعة في عبارته الركيكة وذهنه الفج وخياله
المطموس وقلبه المطبوع عليه وفلسفته الزائفة وتقليده الأعور؛ وما له يجهل
فرق ما بين التاريخ يتولاه كاتب للقصة والحكاية، وما بينه حين يتولاه أستاذ
للتمحيص والتحقيق! ثم بين التاريخ على أنه مادة فلسفية من الأعمال
والحوادث، وبينه على أنه مادة علمية من الأنفس والعقول؛ وما عسى أن يكون غناء الإنكار مع الحجج والنصوص المجمع عليها، إلا أن تكون تلك حيلة احتال بها الأستاذ، وهو يعلم أنه قليل الاطلاع، فيجعل الكثير الذي لم يقف
عليه بسبيل من القليل الذي وقف عليه، ويبني للمعلوم والمجهول بناء واحدا
هو الشك الذي لا يدري أحد أين يقع ولا ماذا يمحو ولا كيف يكون، ولكنه مع ذلك يمحو ويكون كما يريد طه حسين، ولا طه في الدنيا إلا طه الذي في الجامعة. . . يعلم هذا مَن عَلِمَ ويجهَل من جهل!
يحتج الدكتور هيكل لمذهب أناتول فرانس بأستاذ الجامعة الذي عبر عنه
بأنه "أساتذة الجامعة".. ومنذ أيام احتج بعض المبشرين المسيحيين بأستاذ
الجامعة أيضًا لأنه أثبت "رسميًا في الجامعة التي أنشأتها دولة مسلمة" أن
الإسلام دين الحرج والتعصب وضيق الفكر، وإلا فما المعنى من أن المسلمين
وحكامهم يمحون في أول الإسلام شعر اليهود والنصارى والوثنيين إن لم يكن
هو هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وغفر الله لك أيها المبشر طه حسين!
عجبًا يقلد طه أناتول فرانس! ألا فجئنا أيها الرجل مرة واحدة في مثل
بلاغة من تقلده، ثم أظهر بعد ذلك مائة مرة في مثل سخافة آرائه، نغتفر لك
مائة بواحدة، فأما أن تكون ممن محق الله خيالهم ثم تكون مع ذلك ممن صرف
الله قلوبهم فتلك المصيبة لا مصيبة مثلها، وما نراك اتبعك فيها إلا الذين هم
أراذلنا، وما نراك إلا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حَيران!
وإن لأناتول فرانس كلمة تنطبق على أستاذ الجامعة كأنَّ الله ألهمه إياها
لتقع إلينا، فهو يسمي علم مثل هذا الأستاذ "بالضلالات المعقدة" كأنه يعني
أنهم يحسبون تعقيدها علمًا وحلها علمًا، مع أنها في نفسها ضلالة، والضلالة
في نفسها جهل، والجهل في نفسه ليس بعلم!
قرأنا مرة جريدة "البلاغ " الغراء بتوقيع "فرحات " أن محاضرة أستاذ
الجامعة في امرئ القيس مسروقة من دائرة المعارف الإسلامية المطبوعة في
ألمانيا، واليوم نرى في كلام "السياسة" أن الرجل مقلد تقليدًا مضحكًا، يستعمل الغِربال في مكان المُنخُل فيأتينا بالدقيق الترابي. . . وهذا كله مما يزيدنا إصرارا على أسئلتنا التي رفعناها إلى الجامعة، فإن هذا الرجل إنما هو بلاء على الأدب وفساد في التاريخ، وإن الجامعة لا تملك أن تُضِل الناس به، وما دامت قد أعطتهم من كلامه فلتأخذ من كلامهم، وهي إن كانت على حق في آراء أستاذها فلتذكر للناس باطلنا بالمناظرة التي ندعوها إليها، وإن كانت على باطل فما سبيلها إلا أن تسألنا الحق.
Translation
وشهد شاهد من أهلها. . .
#24 Chapter 24 — فلسفة كمضغ الماء · ref. #24
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
فلسفةٌ كمضغ الماء
قالوا: إن هذه الجامعة إنما أنشئت للبحث العلمي لا للعلم نفسه، إذ
العلم قليله وكثيره عِلم، وجيده ورديئه عِلم، وما صح فيه وما تشابه منه كل ذلك علم؛ أما البحث العلمي فمداره على التحقيق والتمحيص، فهو فوق العلم لأنه سببه وغايته والواسطة إليه، والبحث يتناول الباطل كما يتناول الحق لأنه بحث، ولذلك وضع، وبذلك مادته، فلو أطبق الناس جميعًا على رأي من الآراء أو مذهب من المذاهب ثم قام أستاذ في هذه الجامعة فنقض ذلك الرأي وذهب خلاف ذلك المذهب كان له أن يفعل ما وسعه وأن ينقض وأن يخالف، وهو مصيب وإن أخطأ، وقريب من الحقيقة وإن بعُد، وعالم وإن جهل الجهلة التي لا يلعن ما قبلها إلا ما بعدها.
قالوا: فإنه إنما يبحث ليهتدي إلى شيء، فإن اهتدى فقد اهتدى، وإن
ضل شفع له أنه مجتهد، وأنه لم يسلب الرأيَ الصحيحَ إلا برأي ظن الصحة
غالبةَ عليه.
ومعنى هذه الفلسفة أَن مضغ الماء كمضغ الخبز، كلاهما يحتاج إلى
الأسنان الحادة والأضراس الطاحنة والأنياب الشكسة، ما دام الذي يمضغ الماء أستاذًا في الجامعة وما دام المضغ عنده يسمى بحثًا، إذ العبرة به وحده إن تعاقل وإن تحامق، وإن صدق وإن كذب؛ وما الجامعة إلا مصنع ومختبر تكشف فيه آراء وتصنع فيه آراء، وتزوَّر فيه آراء، والأستاذ في الجامعة يقول ما يشبهه رأيًا وعقيدة وعلمًا وجهلًا، ويمضي في "البحث" على ما يخيل له حقًا أو باطلًا، فما رآه هو الصحيحَ فلا صحيح غيره ولا صحيح من قبله أو بعده.
فيا أيها الناس. . . وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شطره: (وجعل الله الكعبة
البيتَ الحرامَ قيامًا للناس) وجعل الله الجامعة الحرام قيامًا للناس!
على إنه إن صح شيء من ذلك أو قارب أن يصح فقد وجب أن لا يتولى
التدريس في الجامعة إلا رجل لا يوازن به أحد في علمه الذي يتولاه.
ويكون من أيسر صفاته أنه فوق كل صفة معروفة في نظائره وأنداده - قد تم من حيث
يتمون وزاد عليهم أشياء ليست في المواهب المعروفة، بل تقع في أقصى ما
يبلغ العقلُ الإنساني عند الأفق القريب من الوحي والإلهام، فإن ظفرت الجامعة بمثل هذا العقل الفذ كان لها أن تقول ما هي قائلة وأن تزعم ما شاء لها الزعم، وهي في ذلك آمنة أن يُرد عليها لأنها حينئذ تتكلم بما لا يسمو إليه كلام آخر.
وتأتي للناس بما فيه زيادة على الناس ويكون ذلك مع حجتها عليهم، فيسكت المتكلم، وينقطع المكابر، ولا يبقى إلا التسليم للأقوى، وعلى الأصل الذي بنيت عليه الطبائع كلها.
ولقد يتفق للجامعة المصرية مثل هذا الأستاذ - الذي يأكل الأساتذة -
تجده في علم كالقانون أو الطب أو الفلسفة ونحوها مما تعاوَرَهُ العلماء من
أجيال بعيدة وفرغوا منه تدوينًا، وتعليقًا وشرحًا وتحققًا ولم يبق إلا مثل ما
بقي مما تتفاوت به العقول وتختلف القرائح في حدة الذكاء وقوة الملاحظة
من رأي يزاد عليه أو ينقص منه، ولكن أين مثل ذلك في تاريخ الأدب
العربي وهو علم لا يزال يتخلق، ولا يزال كالجزائر البركانية: تظهر الجزيرة
بحالها في البغتة والفجأة وتخسف الأخرى في مثل ذلك، وما علة ما يظهر
إلا علة ما يخسف، ولكن لا بد أن يقع الحدَثُ ثم تجيء الفلسفة والتعليل
بعد ذلك.
ومن العجيب أن أستاذ الجامعة الدكتور طه حسين لم ينتهج إلا الطريقة
التي لا تلتئم مع طبيعة هذا التاريخ، فهو يبحث دائمًا عن العلة في أحد شيئين: إما في غير معلولها، وذلك خطأ كبير؛ وإما في معلولها بعد أن يغيره على ما
يتوهم، وذلك شر من الأول، ومثل هذا إن سُمي بحثًا وسمي فلسفة في التاريخ لا يمكن ألبتَّة أن يسمى تاريخًا، ولا يخرج منه إلا كلام مستفيض هو على كل حال كلام قائله وعلى قدر من عقله وذكائه واطلاعه وطريقة فهمه، لا بحسب التاريخ ورجاله وعلله، فيكون الأستاذ كأنه يدرس فنًا من الكلام بعض مادته من التاريخ، لا فنًا من التاريخ بعض مادته من الكلام.
وهذه الطريقة التي تسمى علمية هي في التاريخ أجهل الطرق، لأنها
تختلف فيما تقرره باختلاف الرجال والأزمنة، مع أن التاريخ شيء ثابت لا
يختلف ولا يمكن أن يُخلَق مرة أخرى، لا بإنشاء الجامعة المصرية ولا بأمر
وزارة المعارف. . . ومتى ولد التاريخ لم يهرم ولم يمت، ثم تلك الطريقة هي
أيسر الطرق وخاصة على من كان قليل الاطلاع، فإنك لا تتقيد فيها بمعروف تعرفه ولا بمنكر تنكره، إلا ما شئت وشاءت لك غفلة من حولك، ثم أنك
تركب إليها كل أسلوب فإذا جميع الطرق تؤدي إلى غايتها، لأنها لا غاية لها إلا ما توهمته غاية وقلتَ إنه غاية.
والتاريخ نوعان: أحدهما طُوِي عليه الدهر وقد وقع وانقطع فلا تغني فيه
هذه الطريقة شيئًا، والآخر تُطوى عليه أدمغة مؤلفي الروايات ومن ينسجون في العلم على منوالهم. . . ولا أفيَدَ في كشف أسرار هذا النوع وإظهار حقائقه. . .
من هذه الطريقة!
فالبحث في تاريخ الأدب على الأصل العلمي الذي أنشئت له الجامعة -
كما يقولون - إنما ينتهي بهذا التاريخ إلى أن يكون فنًا من الكذب تلبسه الجامعة صفتها العلمية فيصبح كذبًا صحيحًا، وهذا نصف الشر فيه، أما النصف الآخر فإنه متى جرى مجرى الصحيح وتناوله الناس بهذا الاعتبار لم يبق إلا أن تكون الكتب العربية التي بين أيدينا كذبًا محضًا، وهذا ما يرمي إليه الدكتور طه حسين، كما بيناه.
فالجامعة تقيم له الأساس ثم هو يبني، هذا إن سكتت الجامعة عنه
وظلت تتحنفُ بهذا السكوت الفلسفي.
وقد حضرتني الآن أرجوزة صغيرة أحب أن أهديها لصاحبنا الدكتور طه حسين ليتقاصر قليلًا، فإنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولًا، وما هو إلا كما هو:
يا عجبًا (طه) أديبُ العصر
أصبح مثلَ انجلترا في مصر
أسطولُهُ يراعة في شِبر
وملكهُ مترٌ بنصف متر
في مجلس للدرس بل للهِتر
يجلس فيه مثلَ ضَبِّ الجُحر
معقدًا من ذَنَب لظهر
تعقيدَ من (قد) خُلقوا للمكر
وهبطوا الدنيا لأمر نُكر
يحتك في كل أديب حرّ
يخيفه بالشتم أو بالشر
كأنَّ فيه روحَ حرف جر. . .
يا ويحه من واهم مغتر
يفزع الليثَ بوجه الهر. . .
إسفنجة جاءت لشرب البحر
وشمعة ضاءت لشمس الظهر
والشيخُ طه في انتقاد الشعر
ثلاثة مضحكة لعَمري!
(حاشية) بعد كتابة هذه الكلمة تلقيت كتاب الدكتور طه حسين
"في الشعر الجاهلي" فتجاوزت المقدمة وقرأت الفصل الذي سماه "مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن" فيا عجبًا، إنه والله لتهكم شديد من القدَر أن لا يكون مقر الجامعة إلا قريبًا من مستشفى الأمراض العقلية.
وسنقرًا هذا الكتاب فهو الجامعة التي رفعنا أسئلتنا إليها. . .
Translation
فلسفة كمضغ الماء
#25 Chapter 25 — قال إنما أوتيته على (علم) بل هي فتنة · ref. #25
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى (عِلْمٍ) بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
قرأت كتاب "الشعر الجاهلي " وقد كتب في عنوانه "تأليف طه حسين:
أستاذ الآداب العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية ".
فما أكثر أسماء الهر وما أقل الهر بنفسه. . .
إن معنى العبارة أن الرجل أستاذ الشعر والكتابة وأساليبهما
وما دخل في ذلك من تفسير ونقد ثم تاريخ الأدب وتحليله وتصحيح رواياته
وجميع مسائله والمقابلة بين نصوصه ثم علومه الأدب المعروفة، كفنون البلاغة
وفنون الرواية، فهذه "الآداب العربية" ومهما ادعى أستاذها في الجامعة فلن
يدعي أنه شاعر ذو مكانة، ولا أنه كاتب ذو فن، واذا أسقطنا هذين فماذا يبقى منه إلا ما يتمحل من بعض الأسباب التاريخية، ثم ما غَناء هذه الأسباب وتاريخ الأدب قائم على الشعراء والكتاب، وصاحبنا يرجع في ذلك إلى طبع ضعيف لم تحكمه صناعة الشعر ولا راضته مذاهب الخيال، ولا عهد له بأسرار الإلهام التي صار بها الشاعر شاعرًا ونبغ الكاتب كاتبًا، وما هو إلا ما ترى من خلط يسمى علمًا، وجرأة تكون نقدًا، وتحامل يصبح رأيًا، وتقليد للمستشرقين يسميه اجتهادًا، وغض من الأئمة يجعل به الرجل نفسه إمامًا، وهدم أحمق يقول هو البناء وهو التجديد.
وما كنا نعرف على التعيين ما الجديد أو التجديد في رأي
هذه الطائفة حتى رأينا أستاذ الجامعة يقرر في مواضع كثيرة من كتابه أنه هو
الشك، ومعنى ذلك أنك إذا عجزت عن نص جديد تقرر به شيئًا جديدًا فشك في النص القديم، فحسبك ذلك شيئًا تعرف به ومذهبًا تجادل فيه؛ لأن للمنطق قاعدتين:
إحداهما تصحيح الفاسد بالقياس والبرهان، والأخرى إفساد الصحيح
بالجدل والمكابرة
ومَثَل طه والقدماء مَثل رجلين من أهل المنطق، أحدهما قال: هذا اللون
أسود فلا يجوز أن يكون أبيض.
والآخر - الحسينى. . . - قال: كلا بل هذا
اللون ليس بأبيض فيجوز أن يكون أسود، وما الفضل بين يجوز أن يكون ولا
يجوز أن يكون إلا موهبة من الله إذا هي لم توجد لم يُغنِ البرهان من الحق
شيئًا، ولا يزال أحد الرجلين مع الآخر في لجاج ومكابرة قد تهاترت بيناتهما
وسقطت، لأن المنطق لا يصح منه إلا ما صحح العقل منه، فحيث لا قيمة
للعقل فلا قيمة للمنطق.
وإنه لولا ضعف خيال الدكتور طه وبُعدُه من الصناعة الفنية في الأدب
واستسلامه لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا بفهمهم في الآداب العربية، ثم لولا هذه العصبية الممقوتة التي نشأت فيه من هاتين الصفتين إلى صفات أخرى يعرفها من نفسه حق المعرفة، لكان قريبًا من الصحة فيما يرى، ولتدبر الأمور بأسبابها القريبة منها، واستعان عليها بما يُصلحها.
ولتوقى بذلك جناية التهجم التي هي في أكثر أحوالها علم الجهلاء وقوة
الضغفَى وكياسةُ الحمقى وعقل الممرورين.
على أن العصبية هي دائمًا نصف الجهل وإن كانت في أعلم الناس
وأذكاهم، وقديمًا أفسدت من تاريخ الأدب العربي أكثر مما أفسد الغلط والجهل معًا.
وقد نقحوا على أن ذهاب الواضح الجلي من الأدب الذي لا يُمترَى فيه
إنما يكون على اثنين، أحدهما: من لم يكن مُرتاضًا بالصناعة متدربًا بالنقد
بصيرًا بما يأتي ويدع، والثاني: الرجل العالم يعرف أنه يعرف ثم تحمله العصبية
على دفع العيان وجحد المشاهد فلا يزيد على التعرض للفضيحة والاشتهار
بالجور والتحامل.
هذا في العالم المتدرب المرتاض، فكيف بالعصبية في العالم القائم على
ركن واحد من ثلاثة أركان؟
فإن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقًا فنيًا مهذبًا مصقولًا، وليس يمكن أن يأتي له هذا
الذوق إلا من إبداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين الإحاطةِ
والذوقِ تلك الموهبةَ الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة فتبدع من
المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصًا فوق هؤلاء جميعًا هو الذي نسميه
الناقد الأدبي.
متى لم تجد الخيال القوي في مؤرخ الأدب، ومتى رأيت هذا المؤرخ لا
يتوكأ إلا على المنطق والمقاييس والأوزان، فاقذف به وبتاريخه وأدبه وآدابه
حيث شئت؛ فإنه لا يمتنع في يدك ولا يستعصي عليك، لأن سكونه واستقراره - ولو كانا على كرسي الجامعة - لا يأتيان من أنه وثيق ركين، ولا من أن أصوله شابكة متصلة بل من سكون الريح من حوله وحياطته بالأستار من هنا وهناك.
فإن صاحب العلم رجل وصاحب الفن رجل غيره، والأصل في العلم العقل.
والأصل في الفن الغريزة، ودليل العقل المنطق والقياس، ودليل الغريزة الحس
والموهبة.
والأدب من العلوم كالأعصاب من الجسم، هي أدق ما فيه ولكنها مع
ذلك هي الحياة والخلق والقوة والإبداع، ولا تقاس بمقياس العظام المشبوحة
الغليظة، ولا توزن بميزان العضلات المكتنزة الشديدة، ولا ينفع فيها المتر ولا
الكيلو.. فإن جاءك صاحب المتر أو الكيلو فاقذف به الطريق، وإن قال لك إن المتر مقسم إلى مائة جزء وكل جزء إلى عشرة أجزاء. . .
* * *
قبل أن نخوض في كتاب الأستاذ طه حسين نشكر له ما تفضل به من الثناء
علينا في كتابه واستثناءه إيانا في بعض المعاني من كل من درسوا تاريخ الآداب
العربية، ونحن، دون هذا في نفسنا ودون ما أبلغَنا إياه مع بعض أصدقائنا وإن كنا نعرف من صنيع الأستاذ الفاضل أنه لا ينصفنا مرة إلا بعد أن يظلمنا مرارًا، وأنه اتخذ الوقيعة فينا مذهبًا عُرف به وغلب عليه.
حتى لا يكاد يقول أنصار القديم أو يكتب أنصار القديم أو يذم أنصار القديم إلا توجه ذلك عنده إلينا خالصًا لنا من دون المؤمنين. . . وهو لو عافاه الله من التعنت بعلمه على الناس، ورَزقه نعمةَ الوقوف عند حده وحَفظ عليه الفضيلة الشرقية الإسلامية، لربحناه ربح الذهب والفضة، ولكننا كيفما عاملنا به في سوق الشرق والغرب لم نجده في يد الشرق إلا نحاسًا وفي يد الغرب إلا ذهبًا، فهو ولكن في الديون التي علينا، أما في الديون التي لنا فلا يُحسب لنا إلا. . . "بقرش خردة!.
التمسنا في كتاب الشعر الجاهلي تلك المسائل الأربع التي رفعناها إلى
الجامعة فإذا الأستاذ قد حذف منه أعظمها خطرًا وأكبرها شأنًا، وهي مسألة
محو المسلمين شعر النصارى واليهود، لم يقل فيها شيئًا ولا أشار إليها إلا إشارة خفيفة، كأنَّ في الأمر أثرًا من حزم الأستاذ الكبير مدير الجامعة.
فقال في صفحة ٨٤ عن أمية بن أبي الصلت: "إنه وقف من النبي ﷺ موقف الخصومة هجا أصحابه وأيد مخالفيه.
ورثى قتلى بدر من المشركين، وكان هذا وحده يكفي للنهي عن رواية شعره، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هُجي فيه النبي ﷺ وأصحابه حين كانت
الخصومة شديدة بينه وبين مخالفيه من العرب الوثنيين واليهود".
وقال في صفحة "٥: "ليس إذن شعر أمية بن أبي الصلت بدعًا في شعر
المتحنفين من العرب أو المتنصرين والمتهودين منهم.
وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه إلا ما كان منه هجاء النبي ﷺ وأصحابه ونعيًا على الإسلام؛ فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع".
فأنت ترى أن ههنا شيئًا من الإصلاح والحذف والاحتراس، وبقي أن
أستاذ الجامعة انخدع بقول كليمان هوار المستشرق الفرنسي فيما زعم من أن
النبي ﷺ نهى عن رواية شعر أمية، فتابعه طه وظن ذلك صحيحًا، غير أنه علل النهي بغير العلة الحمقاء السخيفة التي جاء بها هذا المستشرق (١) .
ولكن ما الدليل على صحة خبر النهي وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ استنشد من شعر أمية وما زال يقول للمنشد " إيه إيه " حتى استوفى مائة بيت!
إن هؤلاء المستشرقين أجرأ الناس على الكذب ووضع النصوص المبالغة
في العبارة متى تعلق الأمر بالإسلام أو بسبب يتصل به، وكل ما عُرف من أمر ذلك النهى أن النبي ﷺ نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى المشركين في بدر، وهي مع ذلك لا تزال مروية في كتب السيرة إلى اليوم؛ فإن وقوع النهي لا يقتضي محو المنهى عنه ولا تركه عند من أراده.
وقد نهى الله عن أشياء كثيرة ما زالت تؤتى، وستبقى ما بقيت الفطرة الإنسانية، فما أهمِل شعر أمية ولا نهي عن روايته، ولكنه الكذب والغفلة من الأستاذين.
_________
(١) يرى هذا الرجل أن شعر أمية مصدر من مصادر القرآن. . . أخذ بعض القرآن منه فلذلك وقع النص عن روايته، وليس في الجهل أجهل من هذا، ولكنه مع ذلك قول أستاذ مستشرق اسمه (كليمان هوارًا) .
على أن الدكتور طه يقول في صفحة ٥٤: كان الأنصار يكتبون هجاءهم
لقريش ويحرصون على أن لا يضيع. . .
فكيف ضاعت إذن " الكثرة المطلقة "؟ وما يمنع قريشًا أن يكتبوا هجاءهم
كما فعل الأنصار؛ وإذا كانوا يكتبون مثل هذا فذلك نص على أنه لا حرج من روايته!
لقدكتب شيخ الأدب صديقنا الأمير شكيب أرسلان مافيه الكفاية للرد
على أستاذ الجامعة في بناء التاريخ على التحكم والافتراض وزعمه أن المسلمين محوا شعر النصارى واليهود أوتسببوا بمحوه؛ فلا نطيل في هذا المعنى، غير أننا نضيف إلى ما قاله شيخنا الجليل أنه لما أسر سهيل بن عمرو من مشركي قريش، وكان أعلم - أي مشقوق الشفة السفلى - وأرادت قريش فداءه، قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: "انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانهُ فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدا! فأبى رسول الله ﷺ وأطلق الرجل، فلو أنه
كان يمحو شيئًا أو يأمر بشيء في توفي الكلام وإبطاله لمحا أكبر وسائل الخطابة
في هذا الخطيب المشرك، ولتركه ما يُبين حرفًا من حرف ولا يقيم الكلام على أصواته فلا يفلحْ بعدها في الخطابة أبدًا.
وما يزال المسلمون يَروون إلى اليوم قول ابن الزبَغرَى في الرد على
النبي ﷺ:
حياة ثم موت ثم نشر. . . حديثُ خرافةٍ يا أم عمرو!
وقول ذلك اليهودي حين ضلت ناقة النبي ﷺ:
يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لايدري أين ناقته!
وهنا نريد أن نقول للدكتور طه: إن بعده من صناعة الشعر هو الذي أوقعه
في هذا الرأي السخيف، فلو نظم اليهودي هذه الكلمة فما عسى أن تزيد على ما قال؟ وهل شعر النصارى واليهود إلا كشعر سائر العرب في الفخر والهجاء والوصف والنسيب وغيرها؟
أم حسب الدكتور أن شعر النصراني يجب أن يكون
في عقائده وإنجيله، وشعر اليهودي في توراته وتجارته.. ولعله لا يعلم أن
أضعف ما يكون الشعر في الصناعة إذ هو تناول هذه المعاني وأشباهها كما يقع في شعر العلماء والمتصوفة، حتى قالوا إن شعر حسان بن ثابت نزل في الإسلام
إلى دون ما كان عليه في الجاهلية.
قال الأصمعي: الشعر إذا أدخلته في باب
الخير لان - أي ضعف - ألا ترى أن حسان بن ثابت كان عَلا في الجاهلية
والإسلام؛ فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهما لأن شعره..
وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة.
صفات الديار والترجل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان. انتهى.
على أن شعر اليهود والنصارى بهان متميزًا في الرواية فإن لم يكن وقع
إلينا فذلك لسقوط الرواية وضياع الكتب لا لضياع الشعر في نفسه بإهمال
المسلمين.
وقد ضاعت معانٍ كثيرة من عادات الجاهلية وأعمالها مما أبطله
الإسلام أو لم يبطله، ومع ذلك أدَّاها الشعر ولم يتحرج العلماء من - روايته؛ وهذا ابن قتيبة يقول في كتاب " الميسر والقداح": إن الميسر أمر من الجاهلية قطعه الله بالإسلام، فلم يبق عند الأعراب إلا النبذ اليسير منه، وعند علمائنا إلا ما أدى - إليهم الشعر القديم.
وقد كتب الجاحظ فيما روى قال: "أدركت رواة المسجديين والمربذيين
ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيبَ الأعراب والأرجازَ
الأعرابية القصار وأشعارَ اليهود فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة، فهذا نص على أن رواية شعر اليهود كانت في الإسلام بابًا خاصًا من أبواب الرواية ونوعًا متميزًا من طرائف الشعر.
وللإمام المَرزُباني كتاب قالوا إنه في أكثر من خمسة آلاف ورقة، كسره
على اثني عشر بابًا منها باب خاص بديانات الشعراء في أشعارهم ومنهم اليهود والنصارى.
"إن أستاذ "الجامعة ليعلم علمًا لا يدخله الشك الذي يتباهى به. . . أن كتب
السلف لم تنته إلينا بجملتها، ولا انتهى أكثرها، ولا ما يقال فيه إنه كثير، وأن الرواية لم تتأدَّ إلينا بما كانت تحمل من ذلك العلم المستطيل من الأشعار
والأخبار والنقد، فكيف يجوز له أن يحكم على شعر الجاهلية بأنه موضوع أو
محمول على أهله، أو الكثرة المطلقة منه موضوعة محمولة، وهو لا يروي هذا
الشعر، وهو لا يعرف ما مقداره، ولا يحيط بأقله فضلًا عن أكثره، وقد قالوا إن ابن الأعرابي أملى وحده من الشعر أحمالًا، فأين هذه الأحمال اليوم حتى يقابل ما فيها بعضه يبعض، ومن الذي يستطيع في عصرنا أن يقول في الشعر: هذا يشبه شعر الجاهلية وهذا لا يشبهه، والتوليد في هذا بيِّن، والصنعة في ذلك ظاهرة، وهذا بقول فلان أشبهُ وهذا ليس من نسج فلان ولا من طبقته، وذلك منحول رويناه في شعر فلان. . . الخ الخ؟
وقد وضع ابن سلام كتابًا في طبقات فحول شعراء الجاهليين لا يُعرف إلا
اسمه، أفتحسب راوية مثله يضع في أوائل القرن الثالث كتابًا في أسماء هؤلاء
" الفحول " وليس بين يديه من شعرهم الكثير الصحيح قد غُربل ونخل ونُفي منه الموضوع والمنحول وما تقولته العشائر بأهوائها وما دسه الرواة بسبب من
أسبابهم؟
نحن لا ندفع أن يكون فيما يُعزَى إلى الجاهلية شعر محمول على أهلها
حملًا، وشعر قد نحلوهم إياه من كلام الشعراء المغمورين، وقد بينا ذلك في
"تاريخ آداب العرب" في باب الرواية والرواة من الجزء الأول، وهو الباب الذي بنى عليه الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي.
ولكن بيننا وبين الجاهلية ثم من نقلوا عنها أزمانًا متناسخة كادت توفي
خمسة عشر قرنًا، وقد باد أكثر الكتب وذهبت فيها أقوال الرواة وعِلم العلماء مما حققوه ونصوا علبه، وما تسامحوا فيه وتوسعوا به، فلا يجوز لكائن من كان بين قطبي الأرض أن يثبت أو ينكر ويزيد أو ينقص إلا بنص عن المتقدمين؛ لأن هذا العلم لا يمكن أن يستقيم على اتباع الظن ولا أن يصح على الشك، فإن محل الشك والتخمين والحدس والاستنتاج إنما يجيء بعد أن تجتمع المادة من أطرافها بحيث لا يشد منها إلا القليل الذي يفرض فيه لقلته أنه لا ينقض حكمًا ولا يبطل رأيًا، للاستغناء بالنصوص الأخرى المتوافرة التي تتحقق بها غلبة الظن إن لم يأت منها اليقين، والأمر في يد أستاذ الجامعة المبتلى بالشك.
على النقيض من ذلك فلا هو يستطيع أن يرد ما ذهب من الكتب فيستوعبها، ولا هو يمكنه أن يطلع على كل ما هو فبعثر في زوايا الدنيا من الكتب التي لم تذهب، ولا هو اطلع على كل ما تناله أيدي الأدباء: ثلاث درجات يَسفل بعضها عن بعض، فالعجب الذي ليس مثله عجب أن يكون الأستاذ ناقصًا هذا النقص كله ثم يزعم أنه يدعو إلى الطريقة العلمية في تاريخ الأدب، وأنه يمحص ويحقق، ويثبت وينفي، ويوقن ويشك، وهذا هو المضحك من أمره.
فإن أخص شروط
الطريقة العلمية في درس التاريخ وكتابته أن يستوعب المؤرخ كل ما قيل وكتب في موضعه، مما يتعلق بحادث أو شخص أو موضوع، لا يفوته من ذلك شيء، فإذا هو أتى على المادة ووضع يده منها حيث أراد وأمِنَ أن يكون ندَّ عنه أمر ذو بال جاء الشرط الثاني لهذه الطريقة ووجب حينئذ أن ينتفي من أهوائه ونزعاته، ويتجرد من شخصه الإنساني، ليصبح في عمله شخصًا، كما يتجرد القاضي ليكون في قضائه شخصًا قانونيًا ليس غير! بيدَ أن طه تجرد قبل أن يلبس. . .
وهذا نوع من الهزل إن احتمل من كاتب في صحيفة لا يحتمل من مدرس في
جامعة!
ومع أن الطريقة العلمية قائمة على استقراء المادة والإحاطة بها من جميع
جهاتها، فهي لا تخرج التاريخ نفسه كما هو في الواقع، وإنما تجيء برأي فيه
يكون معياره دائمًا ذكاء صاحبه وعقله وخياله، ولهذا اشترطوا في صاحب تلك الطريقة أن يكون ممن رُزقوا البراعة كل البراعة في إصابة الحدس وقوة الخاطر وسمو الخيال، وإلا خرج عمله بلا معنى، أو بمعنى لا قيمة له، أو بقيمة ضعيفة تنزل من التاريخ منزلة الهيكل العظمي من الجسم الحي.
وضع الإمام المرزباني كتابًا غير الكتاب الذي أومأنا إليه آنفًا.
قال ابن النديم إنه أكثر من خمسة آلاف ورقة أتى فيه على أخبار (الشعراء المشهورين) من الجاهلية، وبدًا بامرئ القيس وطبقته، ثم المخضرمين، ثم الإسلاميين إلى أول الدولة العباسية، فهذه أخبار شعراء مائتي سنة من التاريخ، بل المشهورين منهم، وقد كتبت في خمسة آلاف ورقة، أي عشرة آلاف صفحة، لم ينته إلينا منها صفحة واحدة، فكيف مع ضياعها وضياع كثير من أمثال هذا الكتاب الجامع الممتع يُقبل عقلًا من مؤرخ علمي يجلس في كرسي التحقيق أن يقرر مثل هذا الهُراء الذي جاءنا به الدكتور طه حسين في إنكار الشعر وإثباته، على حين أنه مع هذا النقص الفاضح تنقصه كذلك ملكة الشعر فما هو بشاعر يدرك
بالحس كما أدرك مثل ذي الرمة حين سئل عن شعر أنشده حماد الرواية في مدح بلال بن أبي بردة فقال: إنه جيد وليس له، فلما عزم بلال على حماد ليخبرنَّه
قال: إن الشعر قديم ولا يرويه غيري وقد انتحلته.
ولجرير والفرزدق وغيرهما من الشعراء أَخبار كثيرة من مثل هذا، يقرأون بنفوسهم كما يقرأون بأعينهم، فلا يحسن أن يقول المؤرخ في الشعر إلا إذا كان شاعرًا يوثق بملكته، فإن الحس والملكة من أقوى أسباب الرأي في مثل ذلك.
ومع نقص النقص في أستاذ الجامعة فهو لا يحسن نقد الشعر، لأن النقد
قائم بالملكة والفهم لا بالفهم وحده، ولم ينتقد في كتابه الشعر الجاهلي نقدًا
فنيًا إلا بيتًا واحدًا من قصيدة عمرو بن كلثوم المعروفة بالمعلقة، وهو قوله:
ألا لا يجهلنْ أحد علينا. . . فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
قال الأستاذ: "قلت إن هذًا البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني
أسرع. . . فأقول إنه لا يمثل سلاسة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف
إلى هذا الحد الممل فتمد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات واشتد هذا
الجهل حتى مُل " انتهى.
قلنا ليته لم يسرع ولم يفرح بهذا الخاطر فقد عثر من
إسراعه فامتلأ فمه ترابًا، ومتى كان الأستاذ طه حسين يفطن إلى عيب تكرار
الحروف وهو الذي كانت تضرب به الأمثال في التكرار قبل أن نلقنه ذلك
الدرس في جريدة "السياسة"، وهو لم يبرأ بعدُ من هذه العلة، فقد رأينا له مقالًا في "مقتطف" شهر مارس من هذه السنة ١٩٢٦ جاءت فيه هذه الشأشأة. . .
" يمضي حيث يشاء ويصور الأشياء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء" فتأمل.
نقول لأستاذ الجامعة: إن التكرار في بيت عمرو بن كلثوم هو سر البلاغة
فيه، وهو اللون الذي نفضه الشاعر من ألوان روحه على المعنى ليخلقه خلقًا
حيًا بحيث لو لم يكن هذا التكرار لضعف المعنى وسقطت رتبة الشعر؛ فإن هذا الشاعر يمثل في البيت غضب قومه وحفاظهم وقدرتهم على المجازاة والنقمة والأخذ الشديد لمن عز وهان، فلم يقل: إذا جهل أحد علينا فعلنا وفعلنا، وكان يستطيعه إذا جعل البيت:
متى ما يجهلن أحد علينا جهلنا. . . الخ، بل نبه أولًا بقوله:
"ألا" ثم نهى بعد ذلك أن يجهل أحد عليهم، ليشعِر أن لقومه الأمر
والنهي؛ فهذه واحدة، ثم كرر بعد ذلك لفظ الجهل بالفعل والمصدر واسم
الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلًا بعد جهل، ليشعر النفوس أن
انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه فلا رحمة فيه.
وكأنه يقول: إن الصاع بثلاثة، وإن من أساء إلينا واحدة رددناها عليه ثلاثًا؛ وكل ذلك إنما أفاده التكرار، وهذا هو غضب الطبع البدوي وحفيظته، فلا تنتظر من هذا الطبع الحر سلاسة ولا رقة في موقف الغضب والتحذير وإنذاره أعداءه البطشة الكبرى، بل ترقب الهول الهائل الذي تمثله لك الجيمات والهاءات واللامات إذا ملأ بها شدقيه عربي جهير الصوت فخم الإنشاد ثائر العاطفة
غضوب الدم يهدر بالكلام هديرًا، أفرأيت يا أستاذ الجامعة؟
* * *
من أقبح ما في كتاب الدكتور طه حسين أنه يعلن في مقدمته تجرده من
دينه عند البحث، يريد أن يأخذ النشء بذلك، اتباعًا لمذهب ديكارت
الفلسفي الذي يقضي على الباحث بالتجرد من كل شيء عندما يبحث عن
الحقيقة.
قال الأستاذ: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن
ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها " وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به!.
وهذا لعمري هو منتهى الجهل، فإنه هناك فرقًا بين البحث عن حقيقة
فلسفية عقلية محضة، وبين البحث عن حقيقة أدبية تاريخية قائمة على النص
وقول فلان وفلان، وإذا هو نسي دينه (وتأمل ما في هذه العبارة) فماذا يكون من أثر هذا التاريخ ما دامت المادة التاريخية لم تجتمع له كما أسلفنا، وما دام الأستاذ مبتلى بالنقص من كل جهة.
أما إنه قد نسي دينه حقيقة في رده على كليمان هوار المستشرق الفرنسي
الذي زعم أنه اهتدى إلى مصدر عربي من مصادر القرآن هو شعر أمية بن أبي
الصلت "الذي يجب أن يكون النبي قد استعان به كثيرًا أو قليلًا في نظم القرآن "
كما جاء في كتاب طه، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) .
وقد كان رد أستاذ الجامعة الذي نسي دينه أنه أنكر الاستعانة بشعر أمية ولكنه لم يرد على حماقة هوار في زعمه أن القرآن من نظم النبي، بل سكت عن ذلك، بل قال بالحرف الواحد في صفحة ٨٣: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون"
فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى، وليس يعينه أن
يكون دينه ودين أمته صحيحًا أو كذبًا. . .
ولو كان طه حسين بليغًا من أئمة البلاغة لقلنا: رأي رآه وإن كان كفرًا وإلحادًا، ولكنه هو هو هو. . . على أن
كلامه في هذا الكتاب عن القرآن الكريم كلام من "نسي دينه" بل كلام من لا دين له، فليس في الأمر عنده معجزة ولا إعجاز ولا تنزيل.
وسيأتي هذا مفصلًا بعدُ.
إن هذا الكتاب السخيف الذي جاءتنا به الجامعة مما تضيق به النفس
لكثرة ما فيه من الخطأ، حتى لا يطيقه إلا من كان في عقل صاحبه وضعف
حجته وتهافت آرائه وكثرة سقطه، وقد وجدنا أن أقوى ما يستند إليه المؤلف في كذب ما روي من الشعر الجاهلي دليل واحد اجتهد فيه وكرره وسماه عقدة لغوية وأيقن أن أنصار القديم لا يستطيعون فيه شيئًا، وذلك ظنه أن اختلاف لهجات العرب يجب أن يكون في أشعارها.
ولما كان شعر الجاهلية ليس فيه شيء منها فهو موضوع بعد الإسلام وبعد أن صارت اللغة قرشية، قال:
"فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر، في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، وإذا لم يكن نظم القرآن وهو ليس شعرًا ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل "يريد اختلاف القراءات " فكيف استطاع الشعر، وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي "؟
فما هي اللهجات يا أستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقر بها قبل أن
تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئًا من أوزان الشعر.
فهي في معظمها بين إبدال حرف بحرف أو حركة بحركة أو مد بمد، وكل ذلك لا يؤثر في إقامة الوزن كثيرًا ولا قليلًا، والاختلاف في الحقيقة هيئات في النطق والصوت أكثر مما هو هيئات في الوضع واللغة، ومع ذلك فقد نصوا على أن العربي الفصيح غير مقيد بلغة قبيلته إذا نافرت طبع الفصاحة فيه، فمنهم من يوافق اللهجة ومنهم من يخالفها لسبب عند هذا وعند هذا راجع إلى الفطرة وقوتها، ومن القبائل من تأخذ لهجة غيرها كما فعلت قريش، فقد كانت لا تهمز، فلما نزل القرآن بالهمز اتخذت هذه اللهجة.
ويجب أن تعلم يا أستاذ الجامعة أن عندنا نصًا عن ابن الكلبي أن العرب
لم ترو من شعر الجاهلية إلا ما كان إلى مائة سنة قبل الإسلام، أي عمر رجلين
يروي أحدهما عن الآخر، وذلك هو الزمن الذي نهضت فيه اللغة وأخذ العَرب بعضهم عن بعض.
ومع كل هذا فهناك نص آخر على أن من اختلاف اللهجات ما يؤخذ به
في إنشاد الشعر إذا وجد في لغة من ترتضى عربيته، ومنه ما لا يؤخذ به إذا
وُجد في لغة من لا تُرضي عربيته، فذلك دليل قاطع على أن العلماء حذفوا
أشياء لم يَرضوها وغيروا في إنشاد الشعر لا في نظمه، قال شاعر من بني تميم:
ولا أكول لكدْر الكوم قد نضجت. . . ولا أكول لباب الدار مكفول
يريد: لا أقول لقدر القوم الخ، وهي القاف المعقودة التي ينطقونها بين
القاف والكاف، وكانت شائعة في العرب، وهي غير القاف الخالصة التي يُقرأ بها القرآن، فهل رُوي كل شعر بني تميم على هذا الوجه؟ وماذا لو أبدلت الكاف في البيت قافًا لتوافق اللغة الفصحى في الإنشاد؟
وفي الحديث من لغة حِمير "ليس من امِبر امصِيامُ في امسفَرِ"
إذ كان من لغتهم إبدال لام التعريف ميمًا، وهذه العبارة لو أشبعت فيها حركة السين في " ليس " خرج منها شطر موزون من الرجز، فإذا أنشدته بالفصحى وقلت "ليسا من البر الصيامُ في السفر" فأين تأثير اللهجات في الوزن والتقطيع الموسيقي. . . والبحر والقافية؟
فالدليل الذي حسب أستاذ الجامعة أنه ليس أقوى ولا أعضل منه في بابه
هو كما تراه أوهَنُ أدلته وأسرعها اضمحلالًا، فكيف بغيره مما تمحل فيه
وتكلف له التلفيق؟
إذا أخذت قيس عليك وخِندِف. . . بأقطارها لم تدرِ من أين تَسرَحُ
Translation
قال إنما أوتيته على (علم) بل هي فتنة
#26 Chapter 26 — أستاذ الآداب والقرآن إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة · ref. #26
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
أستاذ الآداب والقرآن
إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة
لقينا صديق من أدباء المسيحيين فقال، ويحكم! أيها العلماء والكتاب
الذين أقاموا القيامة على رسالة الأستاذ الشيخ علي عبد الرزاق (١) فإن هذه
الرسالة إنما هي تسبيح لله في جنب كتاب طه حسين الذي درَّسه في الجامعة.
فقلنا لهذا الأديب: وكتاب طه حسين هو تسبيح لله في جنب ما يكون في نفس طه حسين، فلولا دين الحكومة والقضاء والنيابة - كما يقول هو في كتابه - لكان قد هدم السماء والأرض وترك الآخر يلعن الأول، ولافترى بين يديه ورجليه ويَسْرته ويُمناه وما فوق وما تحت، سخطة على الدين وكتابه، والإسلام ونبيه، وعلى الأمة وعلمائها؛ وهو على ما يعرف من دين الحكومة والقضاء والنيابة لا تراه ينظر في معنى من معاني الإسلام إلا جاء بشرِّ النظرين وأشدهما جهلًا وحمقًا؛ وتراه يُزهى في كتابه بأنه ممن "خلق الله لهم عقولًا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" - صفحة ٥ - وأنه من فئة (حسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينًا، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه - صفحة ٦ - فهو لا يعد نفسه من أولئك الذين قال الله فيهم: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) بل كرَّه الله
الإيمان وزين في قلبه القلق والاضطراب والشك، ولو نعلم أن كتابه وإلحاده
_________
(١) رسالة شهيرة اسمها " الإسلام وأصول الحكم" ويخيل إلينا أن بعض الناس لهم قوة على تنويم إبليس تنويمًا مغناطيسيًا. . . فالأستاذ البليغ الذكي الشيخ علي عبد الرزاق نوَّم إبليس وتلقى بعض آرائه، أما طه حسين فنوَّمه إبليس.
قلت: كان لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" حديت بين أهل العلم وأهل السياسة في سنة ١٩٢٥ -
قبل حديث كتاب الدكتور طه حسين بنحو عام - وقد ثارت ثائرة العلماء من مشيخة الأزهر على مؤلفه حتى جردوه من صفته وأخرجوه من وظيفته ونسبوه إلى ما يشبه الكفر؛ ثم دارت الأيام دورتها ورضي عنه أهل السياسة، فاسترد اعتباره وعاد كما كان: عالمًا من العلماء ورجلًا من رجالات الإسلام!
حديث بينه وبين نفسه أو بينه وبين مثل "كازانوفا" لأهملناه، ثم لما كان
حكمه عندنا إلا ما قال الله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) ولكن كتابه دروس ألقاها في الجامعة، على طلبة يقول هو إنهم زهاء مائتين؛ فلقد أمِر أمرُهُ إذن بقوة هذه الجامعة، وأصبحت الجامعة هي المتهمة بإزاغة عقيدة مائتي طالب، وصارت في معناها العلمي كمستشفيات المبشرين في معناها الطبي. . . ومن ثم وجب على أئمة الدين أن يحيطوا عقائد أبنائنا وإخواننا، وأن يَزعوا الجامعة ويردوا جماحها ويكسروا شِرَّتها، وإلا شركوها في الإثم وأعانوها عليه، وقد أبلغنا فاللهم اشهد؛ وإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب!
ولننظر الآن في حماقة طه وتكاذيبه التي زعمها في القرآن، ووقاحته
العجيبة فيما يكتب جهلًا بأساليب الكتابة وذوقها واسترسالًا مع طبعه الأحمق
السفيه.
يقول في صفحة ٢٦ "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن
أن يحدثنا عنهما أيضًا؛ ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة. . .
قال: ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى". انتهى. . .
فانظر هذه الوقاحة في قوله "للقرآن أن يحدثنا" كأنه زَعْمُ زاعمٍ له أن يقول
وأن لا يقول؛ وإذا لم يكف النص في كتاب سماوي تدين له الأمة كلها لإثبات وجود المنصوص عليه فما بقي معنى لتصديقه، وما بقي إلا أن يكون القرآن كما يزعم المستشرقون أساتذة طه حسين وأولياؤه كلامًا من كلام النبي ﷺ نفسه.
ومن نظمه وعمله كما نقل عن هذا الخرف المسمى كليمان هوار؛ فهو يدخله ما يدخل كلام الناس من الخطأ والغفلة والحيلة والكذب، فله أن يزعم ما شاء ولكن ليس علينا أن نصدق أو نطمئن، وإذا هو ذكر اثنين من الأنبياء، وإذا هو ورد فيه قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) فذلك غير كاف
في رأي الجامعة المصرية لإثبات أن إبراهيم واسماعيلَ شخصان كان لهما
"وجود تاريخي "، ولا أنهما هاجرا إلى مكة ورفعا قواعد البيت الحرام وبنيا
الكعبة؛ وإذن فالقصة في رأي الجامعة المصرية من الأساطير الموضوعة ومما
يلتحق بحيل الروائيين التي يشدون بها المعاني الاجتماعية، والسياسية.
والتاريخية، ويؤتى بها في الرواية على أنها من الكذب الفني توصلا إلى سبك
حادثة أو تقرير معنى أو شرح عاطفة
أوَلًا يعلمُ أستاذ الجامعة أن النصوص واردة بأن العرب لا يعذون اليهود
منهم (١) وإن كانت الدار واحدة واللغة واحدة، فما حاجتهم إلى حيلة روائية سخيفة، وهم لم تفصل طباعهم على طباع طه حسين، ليكذبوا وينافقوا وهم يعلمون أنهم كاذبون منافقون، على حين أنهم مستيقنون أن اليهود أهل كتاب وعلم فلا يقبلون من أمة جاهلة أن تضع لهم التاريخ؛ ثم كيف دخل هذا الكذب واندست هذه الحيلة في القرآن؟ نبئوني "بعلم " إن كنتم صادقين.
ويقول الأستاذ في صفحة ١٨: "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة
نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية؛ وهي بحكم هاتين النهضتين كانت
تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة. . .
قال: واذا كان هذا حقًّا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدث عنها الأساطير، قال: وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه "الأسطورة" التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم. . . كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة " أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس ابن بريام صاحب طروادة".
انتهى كلام الجامعة المصرية، ومعناه الصريح أن قريشًا قبلت هذه
الأسطورة الخرافية التي تثبت أن الكعبة من بناء إسماعيل وإبراهيم، فأخَذَها مَن وضع القرآن عن قريش لأنه منهم؛ وبذلك تجزم الجامعة المصرية أن في القرآن كذبًا وتلفيقًا، لأن الأسطورة كما يقول أستاذها في صفحة ٢٩ حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني" أي فهي كذب صريح يعلم
_________
(١) تجد النص على هذا في الأغاني وغيره، وقد كانت العداوة طبيعة مستحكمة بين العرب واليهود، ونص القرآن عليها بعد الإسلام، وكان اليهود قلة فيهم، قال الجاحظ: جاء الإسلام وليست
اليهودية بغالبة على قبيلة إلا ما كان من ناس من اليمانية ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة، ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب وحمير وتيما ووادي القرى في ولد هارون دون العرب فتأمل.
الإسلام أنه كذب ويتغفل به العرب لسبب ديني.
فماذا بقي من هذا الدين الذي يتناول الخرافة المخترعة قبل الإسلام بقليل ويوردها في كتابه على أنها منزلة من
السماء وأنها وحي يُوحَى.
وتمامًا على هذه الخرافة يقول أستاذ الجامعة في صفحة ٨٠ فهو - يعني
القرآن - يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير
التوراة والإنجيل شيئًا آخر هو صحف إبراهيم، ويذكر غير دين اليهود والنصارى
دينًا آخر وهو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين
معناها الصحيح، وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم (تأمل!) ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلى دين إبرَاهيم" انتهى.
ولكن، أهمُ المسلمون الذين زعموا هذا، أم نزل ذلك في قرآنهم في قوله
تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) .
إلى آيات أخرى؟
فإذا كان ذلك من فعل المسلمين فالقرآن كذلك من صُنعهم عند أستاذ
الجامعة؛ وهذا الأستاذ يشير (بالحنيفية) التي لم يفهم معناها الصحيح إلى ما
ورد في الحديث من قوله ﷺ:
"بُعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة ".
وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، فكيف سمعها العرب ورواها العلماء ولم يفهموها، وكيف يكون ذلك وهي مبنية على آيات كثيرة وردت في القرآن، مثل قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) .
إلى آيات كثيرة كلها نص قاطع في أن معنى الحنيف إنما هو الذي مال عن الشرك والتشبيه والتجسيد مما يزعمه اليهود والنصارى والمشركون، والحنفُ في اللغة: الميل، وكان العرب يقولون في كل من تعبد واعتزل الأوثان: إنه تحنَّفَ، وكل من حج واستقبل البيت سموه حنيفًا، لأنه بيت إبراهيم، ثم توسع الإسلام في الكلمة على سنته في الألفاظ الإسلامية المعروفة، فالمعنى الصحيح للحنيفية أنها الشريعة النقية التي لا شَوْبَ فيها من الإلحاد والشرك، والتي تعدل بالناس إلى الله وتوجه الخلق إلى الخالق وحده.
وانظر كيف يقول الله: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) ثم يزعم أستاذ الجامعة أنَّ قصة إبراهيم "حيلة" فى إثبات الصلة بين
اليهود والعرب، وبين الإسلام واليهودية وبين التوراة والقرآن. . . فهل في
الجهل أوسع مْن هذا؟
والعجب أن شيخ الجامعة مع كل هذا الخلط وكل هذه الحماقة يقول في
صفحة ١٢٦: "القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصًا للعصر الذي تلي فيه، فأين الشك الذي ابتلي به هذا الرجل، وكيف يستطيع على قاعدته في البحث والتحليل "ووضع علم المتقدمين كفه موضع الشك" أن يثبت هذا القول؛ وهل هو يجهل أنه كان قبله بزمن بعيد قوم "يجدون في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" وهم الرافضة، وقد شكوا في نص القرآن وقالوا إنه وقع فيه نقص وزيادة وتغيير وتبديل؛ فإذا أخذ طلبة الجامعة المصرية بقاعدة الشك التي يقررها أستاذهم ويريد أن ينشئهم عَليها فهل يصدقون طه حسين أم يصدقون الرافضة؟
وما الذي يجعل طه أصدق منهم أو يجعلهم أكذب منه ما دام الأمر إلى الشك والتعسف؟
يعتقد الأستاذ أن القرآن يمثل العصر الجاهلي " ويشخصهُ"، وأنه أصدق
مرآة للحياة الجاهلية - ص ١٦ - وأن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم
يَضع، وأنَّا نستطيع أن نصوره تصورًا واضحًا قويًا صحيحًا، بشرط أن لا نعتمد على الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير. . .
من ناحية أخرى - ص ٨ - ومعنى هذا الخلط مضافًا إلى ما تقدم وإلى قوله في ص ٨٣: "ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية - ابن أبي الصلت - أو لا يكون، أن القرآن عند هذا الرجل كتاب أشبه بالكتب التي يضعها المؤلفون فتكون تمثيلًا للعصر الذي وُضعت فيه لأنها صادرة عن فكر متأثر بالأسباب الكثيرة التي أنشأت العصر نشأته الخاصة به والمميزة له، مؤثرة بهذه الأسباب عينها فيما يضعه ويؤلفه، كما ترى في إلياذة هوميروس مثلًا؛ وإذن فلم يبق معنى لما ورد فيه من أنه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) .
ويلتحق هذا ومثله "بالأساطير التي استغلها الإسلام لسبب ديني" وتكون هذه هي عقيدة الجامعة المصرية في القرآن لا عقيدة طه حسين وحده، ما دامت الجامعة تدرس هذا وتقره وتمتحن الطلبة فيه وتجيزهم عليه.
هل يدري طه حسين معنى قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) ومعنى قوله (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة التي يسجد لها البلغاء؛ إن معناها يا
أستاذ الجامعة أن القرآن لا يشخص عصرًا ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل عِلم وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة
في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ؛ وهذا معنى (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) وأيها ذهب مما
يطويه الماضي، وهذا معنى (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)؛ وليس يخفى عليك أن العصور
يصحح بعضها بعضًا ويكشف بعضها خطأ بعض، وقد يتقرر في زمن ما يثبت
بعد أزمان طويلة أنه كان خطأ فقوله: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)
من الكلمات التي لا تخطر بفكر إنساني يُظنْ أنه يشخص العصر الجاهلي، بل
هي عِلم من لا يعلم غيره أن ستجد أمور وتحدث علوم وتُمَحَّص تواريخ وتنشأ مخترعات، فلو فهم الجاهل لما تكلم إلا الفاهم؛ وقد قال الله في أشباه طه حسين (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) .
ولقد عجبت لأستاذ الجامعة كيف يعتمد في تصور العصر الجاهلي على
التاريخ والأساطير وهو الذي يقول بالشك، وكيف تصح عنده الأساطير ويصح التاريخ العربي دون الشعر الجاهلي؛ وهل جاء هذا الشعر إلا من الطريق التي جاءت منها الأساطير والتاريخ، أي بالرواية والإسناد، ومن الحفظ والتلقين؟
وإذا جاءت ثلاثتها من طريق واحدة وكان الكذب والوضع قد دخلها جميعها
ونص العلماء على أشياء من ذلك في الأبواب الثلاثة، فكيف يكون العصر
الجاهلي في اثنين منها دون الثالث مع أن الوضع فيهما أيسر من الوضع في
الشعر، إذ هما كلام كالكلام لا مؤونة فيه ولا تعب ولا صناعة ولا كذلك
الشعر، وخاصة ما يوضع منه على ألسنة فحول الجاهليين.
إنما جاء أستاذ الجامعة هذا العلم الغريبُ من جهله بالشعر وصناعته
وأغراضه، فهو يحسب أن الشعر الجاهلي لا يكون جاهليًا ولا تصح نسبته إلى الجاهلية إلا إذا مثل الحياة الدينية عند العرب، ولقد ذكر القرآن اليهود
والنصارى والمشركين والصابئة ولم يذكرهم الشعر الجاهلي، بل هو كما يقول في ص ١٨: "يُظهر حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي. . . " فالقرآن عنده لذلك أصح تمثيلًا، والشعر لذلك عنده غير صحيح.
قال في ص ١٩: "وقريش كانت متدينة قوية الإيمان بدينها، ولا يمثل لها الشعر الجاهلي من ذلك إلا قليلًا"
فليذكر لنا الأستاذ شعراء قريش من عهد امرئ القيس، وليقل لنا متى كان الشعر في قريش وقد نصوا على أنها أقل القبائل شعرًا وشعراء في الجاهلية، ثم - ليذكر لنا هذا الباحث المحقق. . . كيف مثل
الشعر الإسلامي الحياة الدينية الإسلامية، وأين هذا في شعر جرير والفرزدق
والبحتري والمتنبي، وهل يحسب أستاذ الجامعة أن القرآن يجري مجرى الشعر
في الوضع والسبب والغاية؛ ألم يعلم طه حسين إلى سنة ١٩٢٦ أن القرآن نزل
بشريعة تنسخ الشرائع، ودينِ يتمم الأديان وعبادة تمحو العبادات، فكان لا بد من ذكر كل ذلك فيه بإجمال حين يُجمل وتفصيل حين يُفصل وقَصص حين يقصى وبرهان - حين يحتج وقياس حين يقايس، - وأنه ما هو عاطفة شاعر ولا وصف كاتب ولا حكاية مؤرخ ولا حيلة قاصٍّ روائي، ولا هو بعلم على قياس فكر طه حسين مدرس الجامعة المصرية. . .
لقد تناولت الآن هذا الكتاب الكريم عندما انتهيت في الكتابة إلى هذه
الكلمة وسألت الله أن يخرج لي آية تشير إلى طه حسين وغروره وحماقته
وتخاليطه، ثم فتحته على هذه النية فوالله لقد خرج قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .
ويا أسفًا ثم يا أسفًا - ثلاث مرات، كما يقول الفرنسيون - لو فهم طه ما في قوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) إذن لأكل نصف أصابعه عضًا من الندم!
القرآن يا شيخ الجامعة يقارع أديانًا فهو يذكرها ويصفها ويحتج عليها.
فماذا يقارع الشعر الجاهلي ليذكر الأديان والشعور الديني القوي؛ وهذا على أنك لم تحط بهذا الشعر ولا بأكثره ولا بكثيره، وعلى أن ما انتهى إليك في الكتب إنما هو ما اختاره الرواة والعلماء للغة والفن والصناعة، لا للتاريخ ولا للبحث التاريخي ولا "لتشخيص" عصر من العصور، ولو هُم أرادوا ذلك وفطنوا له لجاءتك كتب وافرة مصنفة وتاريخ تام محفوظ ولكنهم أهملوا من أمر الشعر في اتصاله بالتاريخ وأسبابه ومعانيه مثل الذين أهملوا في ذلك من أمر اللغة، كما كانت تقتضيه طبيعة عصرهم وعلومهم.
أفليس الحمل على هذا المعنى أقربَ إلى العقل من ذلك الهذيان؟
* * *
وفي ص ٢٠ من كتاب طه حسين ترى الجهل المركب تركيبًا مزجيا
كبعلبك ومعديكرب. . . فهو يزعم أن القرآن يمثل للعرب حياة عقلية توية في الجدال الديني والفلسفي، لأنه وصفهم بشدة الخصام.
قال: "وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؛ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة. . . فيها حياتهم "
فيا فضيحة الجامعة المصرية في جامعات الأمم! ألا يتفضل أستاذها على الأدب والتاريخ فيذكر لنا مجلسًا واحدًا من هذه المجالس العربية الفلسفية وما دار فيه من البحث والتحقيق والجدل والخصام والمحاورة في معضلات الفلاسفة التي ينفقون فيها حياتهم، لنصدق أن معنى اللَّدد والخصام الواردين في القرآن صفة للعرب إنما هو الحوار في
مسائل الدين والجدال في معضلات الفلسفة؛ أمِن حُججهم الفلسفية كانت تلك الحجارةُ التي نص التاريخ على أنهم كانوا يقذفون بها النبي ﷺ حتى يُلجئوه إلى الحائط، وذلك الترابُ الذي كانوا ينثرونه على رأسه؟ أم قولهم: شاعر وساحر وكذاب ومجنون، ونحوها مما يدخل في باب الحمق والسفاهة والاستهزاء؟
ومتى كانت هذه من صفات الفلاسفة يا شيخ الجامعة؟ أم كان من حججهم
الفلسفية حين عرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام ويتلو عليهم القرآن أن أتبعوه عمه عبدَ العُزى يقول من ورائه:
"يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب"
أو كانت مجالسهم العلمية والدينية والفلسفية حين كان ﷺ يجلس فيدعو الناس ويتلو عليهم القرآن ثم يقوم فيأتي عالمهم ومتكلمهم النضر بن الحارث فيخلفه في مجلسه ويقص على الناس من أخبار ملوك فارس ويقول: والله ما محمد بأحسنَ حديثًا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتُها!..
إن معنى الخصام واللدد أنهم سفهاء أهل تكذيب وعناد ومكابرة وتأبٍّ
على من يريد هدايتهم وإرشادهم، لا يمكن صرفهم عن رأي يكون فيه الهوى، كما لا يمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المصر المبتلى بالاستهتار والشك.
فإن أصل الألد في اللغة الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلا يلوي عنقه في
الصراع، وذلك من أكبر الأدلة على وثاقة تركيبه الجسماني فإن عنق المصارع ثُلث المصارع، ولقد كانت هذه الطباع الجاهلة الحمقاء المكابرة من أوضح الأدلة على إعجاز القرآن، لأنه مع إصرارها بلغ منها، ومع عنادها أثر فيها ببلاغته، فلو كانوا كما زعم طه " أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" لما كانت هدايتهم شيئًا يذكر في باب المعجزة.
أولسنا نرى اليوم في الأمم المتحضرة الرقيقة ذات النغمة الفاشية من ينقادون أسهل انقياد وأسرعه لكل ذي مذهب، حتى لعبادة الشيطان في أمريكا بلاد كل شيء ذهبي. . .؟
وكيف يكونون "أصحاب عيش فيه لين ونعمة " وهم أنفسهم حين اجتمع
أشرافهم من قبائل قريش ليكلموا النبي ﷺ ويخاصموه حتى يعذروا فيه قالوا له فيما قالوا: "قد علمتَ أنه ليس أحد من الناس أضيقَ يدًا ولا أقل ماء ولا أشد عيشًا منا"
ولما نزل قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .
قال الزبير بن العوام عن أي النعيم نسأل يا رسول الله؟ إنما هما الأسودان - التمر والماء
فقال ﷺ: أما إنه سيكون فيا سبحان الله! جهل بالأدب وجهل بالتاريخ وجهل باللغة
وجهل بالشعر ثم يكون من هذا كله علم الجامعة المصرية!
والطامة الكبرى في صفحة ٢٢ إذ يزعم الأستاذ أن وجود سورة في القرآن
تسمى سورة الروم دليل على أن العرب لم يكونوا في عزلة سياسية بل هم
أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، وقد أخذت ذلك من قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) .
كأنه يعني أن هدْا التاريخ كان معروفًا في أهل السياسة من العرب وفي وزارة خارجية قريش. . . فأخذه القرآن عنهم كما زعم الرجل في إبراهيم وإسماعيل، وغفل أستاذ الجامعة الذي لا يفهم عن قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)
فلم يدر أن هذا إنباء بالغيب يدخل في باب المعجزة لا في باب التاريخ ولا
في باب السياسة.
فذِكر الروم في القرآن وما يجري مجراها في قصص الأمم
إعجاز من النبي الأمي في هذه الأمة الأمية، فهو بذلك دليل على جهل تلك
الأمة وبدأوتها لا - على علمها وحضارتها، ولن يكون القرآن - دليلًا - على علم العرب وحضارتهم ومعرفتهم بالتاريخ واتصالهم بالسياسة كما يقرر طه حسين في الجامعة إلا إذا كان القرآن كلام النبي الذي جاء به لم يكن وحيًا ولا تنزيلًا، فلتنظر الجامعة أين يذهب أستاذها الخبيث في قوله في ص ٢٣
"وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلة
همجية" وهل نصدق طه فيما يستنتج بفكره العقيم من أن العرب كانوا أمة
متحضرة راقية "وكانوا أصحاب علم ودين وسياسة متصلة بالسياسة العامة"
أو نصدق النبى ﷺ في قوله:
"إنا أمة أمية لا نحسُبُ ولا نكتب "
ومن أين
تجيء الحضارة ويأتي العلم وتستقيم السياسة مع جهل (الأمة) بالكتابة
والحساب؟
إن طه حسين هذا مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطباع زائغة.
وما من عالم في الأرض إلا وأنت واجد آراءه قائمة بمجموع أخلاقه أكثر مما
هي آتية من صفاته العقلية، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح:
"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"
وطه رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوروبا، فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في خرائب روما. . . فيجب أن يكون نفاقه وثرثرته مقصورين على نفسه، ويجب أن تحمي الجامعة طلبتها منها، ويجب أن ينهض علماؤنا في إلزام ١ هذه الجامعة أن تعلن براءتها من آراء أستاذها حتى لا يزيغ به أحد فتبقى قيمته وقيمة آرائه كما هو في نفسه وأهوِن به، لا كما هو بالجامعة وأعْظِم بها.
وإذا كان عميد كلية الآداب لا يحسن من العربية شيئًا ولا يفقه من هذه
المباحث شيئًا ولا هو من دين الأمة فى شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب
الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه: أحْمد (١) .
_________
(١) قلت يعني أحمد لطفي باشا.
Translation
أستاذ الآداب والقرآن إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة
#27 Chapter 27 — للتاريخ · ref. #27
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
للتاريخ
بعد نشر المقالة التي سلفت نهض العلماء في جميع المعاهد الدينية، في
أسيوط وإسكندرية وطنطا ودمياط والزقازيق والقاهرة فحققوا إلحاد أستاذ
الجامعة وجهله وخطله، ثم أرسلوا البرقيات إلى جلالة ملك مصر ورئاسة
وزرائها ووزارة المعارف ونبهوا الأمة جمعاء، فخفق البرق من كل جهات القطر بالاحتجاج على أستاذ الجامعة، وأصبح الرجل ملعَنةَ هذه الأمة بأديانها الثلاثة:
الإسلام، والنصرانية، واليهودية.
وإليك ما كتبه أحد علماء الأزهر ونشرته الصحف، وهو يصف ما كان من
الأزهر الشريف وحده دون سائر المعاهد التي أشرنا إليها آنفًا، قال:
العلماء يطاردون الإلحاد
أهم علماء الأزهر الشريف طلائع تلك الحملة المدبرة ضد الأديان
السماوية التي في مقدمتها كتاب "في الشعر الجاهلي " تأليف طه حسين، فرأوا بعد أن جودل بالحجة والبرهان فلم يخضع لسلطانها وأظهر عنادًا وإصرارًا على الخروج والإلحاد، أن يرفعوا الأمر إلى جلالة الملك وحكومته المسؤولة عن حماية دينها الرسمي، قيامًا بما يقضي به واجبهم نحو الدين الذي هم ممثلوه ودعاته، فاجتمع منهم زهاء مائتي عالم بسكرتارية المعاهد الدينية، ومن هناك يمموا "قصر عابدين " يتقدمهم فضيلة أستاذهم الأكبر شيخ الجامع الأزهر وهيئة كبار العلماء، حيث قابلوا صاحب الدولة توفيق باشا نسيم وبسطوا له شيئًا من المطاعن التي وردت في ذلك الكتاب، فأبدى عظيم استيائه لهذا التبجح.
وأعلن دولته تضامنه مع العلماء في حفظ بيضة الدين والذود عن حياضه.
فخرجوا شاكرين لدولته هذه الروح العالية والنزعة النبيلة.
وقصدوا توًا إلى صاحب الدولة زيور باشا رئيس الوزراء بوزارة الخارجية.
وهناك اجتمعوا بدولته وصاحبي المعالي وزيري الخارجية والمعارف مجتمعين.
فشرحوا لدولته ومعاليهما كذلك بعض ما في هذا المؤلف من كفر وإلحاد.
فعظم عليهم الأمر وأكبروه جد إكبار من شخص مسلم من أبوين مسلمين في أمة
متمدينة يطعم ويكسى من أموالها ويحسب في عداد أبنائها وهو أقبح أثرًا وأكبر إجرامًا من أعدائها.
وأعلنوا مجتمعين اتخاذ الوسائل الحاسمة في القريب العاجل، فحمد
العماء لهم هذه الهمة العالية والعناية الجليلة التي ستعقد لسان الأديان السماوية وجميع معتنقيها على حمدهم والثناء عليهم، ويستوجبون بها عند الله عظيم المثوبة وجزيل الأجر (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)
ولقد عاد العلماء من هذا التطواف ممتلئين ثقة وإيمانًا بأن حضرة صاحب
الجلالة نصير الدين والعلم، وحكومته الرشيدة، سيضعان الحد الفاصل والسد المنيع والعلاج الناجح لهذه الأوباء الفتاكة التي هي أولى بالمطاردة والإفناء من الجراثيم المعدية.
حفظ الله دينه ورعى بعنايته جلالة مليكنا المعظم وولي عهده المحبوب.
إنه سميع الدعاء.
عبد ربه مفتاح
من علماء الأزهر
وكان الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد أمر، فتألفت لجنة من العلماء
لدرس كتاب طه حسين ورفع تقرير بما فيه، فرفعت إلى فضيلته هذا التقرير
الذي ترى نسخته، ثم نشرته في الصحف.
وهو: كتاب الشعر الجاهلي، ورأي لجنة العلماء فيه.
Translation
للتاريخ
#28 Chapter 28 — كتاب الشعر الجاهلي رأي لجنة العلماء فيه · ref. #28
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
كتاب الشعر الجاهلي
رأي لجنة العلماء فيه
حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.
السلام عليكم ورحمة الله:
وبعد، فقد اجتمعت اللجنة المؤلفة بأمر فضيلتكم من الموقعين عليه
لفحص كتاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي" بمناسبة ما قيل عنه من
تكذيب القرآن الكريم، واطلعت على الكتاب، وهذا ما نرفعه إلى فضيلتكم عنه بعد فحصه واستقراء ما فيه:
يقع الكتاب في ١٨٣ صفحة، وموضوعه إنكار الشعر الجاهلي وأنه
منتحل بعد الإسلام لأسباب زعمها - وقال إنه بنى بحثه على التجرد من كل
شيء حتى من دينه وقوميته عملًا بمذهب " ديكارت" الفرنسي.
والكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين
مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات
الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم والموجب للخلاف والشقاق في الأمة وإثارة فتنة عنيفة دينية ضد دين الدولة ودين الأمة.
وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا
الشر من أصله وتطهر دور التعليم من (اللادينية) التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت ستار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.
الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا
يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلا ليأتي
عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي، فإنه تذرع بهذا البحث إلى
إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية من الشعر والنثر قبل الإسلام مما
يرجع إليه فى فهم القرآن والحديث، هذا ما يرمى إليه الكتاب فى جملته،
ولنذكر نبذًا منه بعضها كفر صريح وبعضها يرمي إلى الإلحاد والزندقة
فنقول:
قال في صفحة ٢٦ ما نصه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل.
وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة".
أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉
وقال إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما
التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ﵊
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) .
وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة - يريد قصة الهجرة - نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى".
وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل
والعرب ليحتال على جلب اليهود وتأليفهم، ولينسب العرب إلى أصل ماجد
زورًا وبهتانًا لأسباب سياسية أو دينية.
وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن الكريم في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الآية.
وقال في صفحة ٢٧ "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل
هذه الأسطورة - الهجرة المذكورة - في القرن السابع للمسيح. . . إلى أن قال في صفحة ٢٩ "إذًا فليس ما يمنع قريشًا من أن تقبل هذه الأسطورة التي - تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعتها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة، أمر هذه القصة إذًا واضح. فهي حديثة العهد قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضًا، وإذًا فيستطيع التاريخ الأدبى واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى"
وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) الآية سورة البقرة، ولقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .
وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) .
إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا
الموضوع، وهو فوق تكذيبه للقرآن، يقول إن فيه تدليسًا واحتيالًا لأسباب
سياسية ودينية من أجلها اختلق هذه الأخبار - بهذا وأمثاله يقرر المؤلف أن
القرآن لا يوثق بأخباره ولا بما فيه من التاريخ.
وكم يترك هذا الكفر الفاحش في عقول الطلبة من أثر سيئ وهدم
لعقائدهم ودينهم وماذا بقي في القرآن من ثقة وحرمة في نفوسهم بعد هذا
التكذيب؟
وقال في صفحة "٣٣ وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من
الوقت ما يمكننا من استقصائه أو تفصيل القول فيه، وهو أن القرآن الذي تُلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من
القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تباينًا
كثيرًا. . . إلى أن قال: إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل
ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم
تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم" إلى آخر ما قال.
وهذا تصريح منه بأن القراءات لم تكن منقولة كلها عن النبي ﷺ بل هي من اختلاف لهجات القبائل، فالسبع المتواترة ليست عنده واردة عن النبي ﷺ.
ومعلوم في أصول الدين أن السبع متواترة وأن طريقها الوحي فمنكرها كافر.
وعدا ما سردناه توجد صحائف عديدة فيها مغامز مؤلمة، منها ما قاله في
صفحة ٨١، وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام
يجدد دين إبراهيم.
وفي الصفحة التي قبلها "أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا
للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين
الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل"
وهو في هذا يكذب قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) .
وقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الموضوع، ومنها غير ذلك كثيرًا
مما هو مبثوث في الكتاب.
ولا ريب في أن هذا هو عين ما يطعن به المشركون على القرآن في مبدأ
أمره، قال تعالى في سورة الفرقان (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) .
فاللجنة ترفع إلى فضيلتكم ما وصلت إليه على سرعة من الوقت مما
سطره المؤلف من الكفر الصريح، وتترك ما ينطوي في ثناياه من الإلحاد
والزندقة مما لا يخفى على الناظر.
نرفعه مطالبين فضيلتكم والحكومة بوضع حدٍّ لهذه الفوضى الإلحادية.
خصوصًا التي تنبت في التعليم لهدم الدين بمعول الزندقة كل يوم، فما نفرغ من حادثة إلا ونستقبل حوادث لا تدع المؤمن مطمئنًا على دينه.
نطالب فضيلتكم والحكومة بذلك حرصًا على أبناء الدولة أن يتفشى هذا
الداء فيهم، وهم رجال المستقبل وسيكون بيدهم الحل والعقد في مهام الأمور.
ونحن لا نفهم كيف تُصرف أموال المسلمين وأوقافهم على تعليم نتيجة
هذا الإلحاد الذي يبثه الداعي ويتقاضى عليه مرتبًا ضخمًا من هذه الأموال.
وهل بهذه الطريقة وعلى هذا النحو تخدم وزارة المعارف أبناء الأمة
ورجال الغد وتبني صرح التعليم والتربية؟..
نسأل الله أن يوفقكم لما فيه المصلحة والسلام.
٢٦ شوال سنة ١٣٤٤
الإمضاءات
محمود الديناري. عبد المعطي الشرشيمي. محمد عبد السلام القباني.
عبد ربه مفتاح، عبد الحكم عطا. محمد هلالي الأبياري. عبد الرحمن
المحلاوي. محمد علي سلامة.
* * *
قلنا فما كان بعد ذلك إلا أن خنَس أستاذ الجامعة وذهبت كل شجاعته
الأدبية فى رغيف من الخبز. . .
وأصبح دينه بين عقله وبطنه، فجعل له خوف
الجوع دينًا، وخشي أن يخرجوه من الجامعة فرفع هذا الكتاب إلى مديرها
لينشره على الأمة، قال:
حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية
أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتي:
كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرته منذ حين باسم: " في الشعر
الجاهلي " وقيل إني تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني أعلِّم الإلحاد في الجامعة؛ وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة المعارف حين كففت العمل في لجنة هذا التعليم، ويشهد بذلك معالي وزير المعارف وأعوانه الذين شاركوني في هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسي في الجامعة خلت خلوًا تامًا من التعرض للديانات، لأني أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا.
وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث
تشاؤون وأن تقبلوا تحياتي الخالصة وإجلالي العظيم.
طه حسين
فكتبنا المقالة الآتية: فلما أدركه الغرق. . .
Translation
كتاب الشعر الجاهلي رأي لجنة العلماء فيه
#29 Chapter 29 — فلما أدركه الغرق · ref. #29
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
فلما أدركه الغرق. . .
عندي نسخة من كتاب " كليلة ودمنة " ليس مثلها عند أحد، ما شئتُ من
مَثل إلا وجدته فيها، وقد رجعت إليها اليوم. (١٣ مايو سنهَ ١٩٢٦) فأصبت فيها هذه الحكاية.
قال كليلة: أما تضرب لي المثل الذي قلتَ يا دمنة؟
قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ذراع كانت في غدير، فلما سال به السيلُ جرى بها الماء إلى نهر قريب، فدخلها الغرور فقالت: هذا لعمري ميراث أبي قد كنت عنه غافلة، وما أكثر ما يضيع التهاون والعجز! ثم إنها لبثت في النهر ما شاء الله حتى خرج بها
التيار إلى البحر، فقالت: يا ويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث
أعمامي! . . . ثم ما زالت فىِ ميراث أعمامها حتى قذف بها الماء إلى المحيط
فاتسع لها منه ما يسعها. . . فقالت: قبَّح الله العجز ولو من كسل وهُوَينا، لقد كدت أسلَبُ ميراث أجدادي! . . . لولا أن من دمهم فيّ لم يزل يدفعني ولم يزل يسمو بي. ثم إنها طفت يومًا على الماء فإذا الأسطول الإنجليزي يمخر العُباب إلى جبل طارق في عشر بوارج وعشرين مدرعة ومائة سفينة طوربيد وخمسين غواصة، فطار بها الغيط قِطعًا وقالت: مَن هذا الوقح المتهجم على ميراث أجدادي لا يخشى أن يقتحم علي وقد حميتُ هذا الملك من حيث يجري الماء إلى حيث يبلغ الماء؛ ثم إنها شدت نحو الأسطول وهي تخبط بذنبها من الغيظ تريد أن تضربه بهذا الذنب ضربة تلوي به، ولكن الأسطول كان بعيدًا، ثم إنه كان سريعًا، ففاتها فقالت: أولى لك، ما نجا بك والله إلا حِدة الهرب وسرعة الفرار.
قال دمنة: ثم اضطجعت على الماء تسكن من غضبها فنامت واسترخت.
فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء
وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهبًا ولا مفرًّا، فلما أعياها ذلك وبلغ منها
الجهد قالت: أيتها الشبكة، دعيني، فوالله ما قلت إن المحيط ميراث أجدادي
ولا البحر ميراث أعمامي ولا النهر ميراث أبي!
قال كليلة: فمثلُ مَن هذا يا دمنة؟
قال: مثل طه حسين في كتابه لمدير الجامعة. . .
* * *
قرأت اليوم هذا الكتاب وفيه يقول طه: "أؤكد لعزتكم أني لم أرِد إهانة
الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . وأرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون ".
ونحن فقد أصبحنا من أتباع مذهب ديكارت، فوالله ما نصدق طه حسين
ولا سمكة دمنة حتى نبحث متجردين من كل عاطفة.
فليبحث معنا القراء:
١ - الكتاب مؤرخ ١٢ مايو، فأين كان طه منذ اتهم بالإلحاد من كاتب
واحد ثم من علماء أسيوط ثم الإسكندرية ثم دمياط ثم الزقازيق ثم طنطا ثم
الأزهر ثم الأمة كلها ثم الحكومة!
أيقبل هذا كله على نفسه إلا متعنت كل التعنت مُصِرٌّ أشد الإصرار معاند بغاية العناد؟
٢ - ألم يصرح في منهج البحث من كتابه أنه تجرد من دينه لهذا البحث
وأوجب ذلك على الأدباء، وقال في صفحة ٤٥: إن عقليته اصطبغت بالصبغة الغربية، وفي صفحة ٤٦: إنه خلص شخصيته من الأوهام والأساطير وإن سخط الناس على كتابه "لن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ، فهذا سخط الناس على كتابه فما باله اليوم؟
وهل العقلية الغربية الباحثة على مذهب ديكارت
متجردة من الدين ومن العواطف تعقل الوحي وتقرُّ به؟
٣ - هل يجد القراء في كتابه لمدير الجامعة أنه رجع عن إلحاده وتبرًا من
آرائه في كتاب الشعر الجاهلي من نسبة الخرافة إلى القرآن وتكذيب النبي ﷺ والتهكم به وبحديثه الخ الخ؟
أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ)؟
٤ - ما الغرض من الكتابة لمدير الجامعة؟ أكان الأستاذ المدير يجهل
منهج الدراسة في كلية الآداب إلى هذا التاريخ؟ أم كان لا يعرف أن كتاب الشعر الجاهلي منسوب إلى أستاذ الجامعة وأن اسم الجامعة مطبوع في عنوائه؟
أم كان لا يقرأ في الصفحة الأولى منه أن طه (تحدث بهذا البحث إلى طلابه في
الجامعة وهم أكثر من مائتين" وأنه مصرٌّ على بحثه مكابر فيه " غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزوَر"؟
٥ - ألا تنطق عبارة الكتاب أنه ما كُتب إلا لغرضين: أولهما أن "تبلغه"
الجامعة الحكومة كأنه حل حاسم للمشكلة معها؛ والثاني أن "تنشره" الجامعة
في الصحف كأنه حل لمشكلتها مع الأمة.
فهل مع مثل هذين الغرضين يكون للنية السليمة موضع أو للإيمان محل في هذا الكتاب؟
٦ - كيف يصدق طه في أنه لم يُرِد إهانة الدين والإهانة في كتابه، وكتابه
لا يزال يباع ولا يزال الرجل مصرًّا عليه لم يتبرأ منه ولا تبرأت الجامعة.
وما وردت تلك الإهانة في كتابه إلا ليجعلها برهانًا على نظريته في أن العرب
العدنانية لم تتخذ لغة إسماعيل التي ورد في شأنها الحديث الشريف والتي هي
أساس لغة القرآن، فإذا لم يتبرأ من هذا الرأي ويعلن أنه رجع عنه وكانت
الإهانة هي البرهان الوحيد على هذا الرأي فكيف يقول إنه لم يرِدها؟
٧ - هل يظن طه أن الأمة وعلماءها وأدباءها من البلاهة والغفلة بحيث
يقنعهم هذا العذر البارد، عذر ١٢ مايو؟
هذه سبعة اعتراضات لابد من ردها قبل أن نصدق سمكة دمنة!
Translation
فلما أدركه الغرق
#30 Chapter 30 — موقف حرج لوزارة المعارف · ref. #30
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
موقف حرج لوزارة المعارف
قبل أن نكتب كلمتنا اليوم نسوق حرفين إلى معالي وزير المعارف، فإن
معاليه رجل عالم ذكي، بل نابغة في ذكائه وحدة خاطره؛ لا تخطئ الفراسة أن
تعرف منه رجلًا أي رجل، وهو خير من يعلم أن لكل فن منهجًا ولكل علم
طريقة؛ وأن نادرة الأذكياء في الطب وعالم الدنيا فيه لو هو سمت به همته
ونازعته نفسه لأن يطاول أهل القانون ويفسر لهم ويبصرهم بعلومهم ودقائق
علومهم لجعلوه سخرية بينهم، ولتناولوه من ألسنتهم بما يُلقي في أعصابه كلل آلاف المرضى في مستشفى طويل عريض كمستشفى المجاذيب. . .
والأستاذ طه حسين مدرس الآداب في الجامعة لا يمكن أن يعرفه معالي
الوزير في هذا الفن الأدبي معرفة ذات نسب بينهما، كمعرفته أستاذ القانون
الجنائي مثلًا، أو معرفة التشريح لأستاذ الأمراض العصبية، أو مثل ذلك لمثل
ذلك، بل معرفة عامة غير محدودة بصفات مشتركة ولا متميزة بخصائص
متشابهة، بل معرفة أوسع وأشمل كمعرفة كل من يقرأ لكل من يكتب؛ فلا ريب عندنا أن معالي الوزير يكون معنا فيما نقرره من وجوب نقد طه وتمحيص آرائه وبيان أغاليطه وفيما نوجهه إلى الجامعة من ذلك، وليس هذا بحكم منصبه فقط، بل بحكم ذكائه وعلمه أيضًا، ثم بحكم إخلاصه لأمانة العلم فوق ذلك كله، لا يمكن غير هذا ولا نصدق غير هذا إلا إذا اعتبرت الجامعة المصرية ملجأ أو في حكم ملجأ للدكتور طه حسين، فذاك شيء آخر، والرجل بحيث ترى إن لم تَعُرَّه الجامعة عَرَّها.
والآن يا معالي الوزير الكبير قد تناولك كتاب الأستاذ طه فحصرك في
موضع أحكم شدَّ ثلاث من جهاته الأربع بحيث لا رجعة ولا تحول وليس إلا
المضى بعزيمة لا تنفع فيها الهوينا وحزم فرغت كل الحيل منه وفرغ منها؛ ذلك أن وزارة المعارف تدرس هذا العلم الذي يسمى آداب اللغة في مدارسها الثانوية ومدرسة دار العلوم والقضاء الشرعي، وقد جاءت المدرسة الكبرى التي تسمى الجامعة فسفه أستاذها كل هذه المدارس ونفى ما يعلَّم فيها من ذلك الفن
وأفسده وقال بخطئه من أصوله إلى فروعه، فما يسمَّى في تلك المدارس شعر
امرئ القيس وعَبيد وطرفة وعمرو بن كلثوم وغيرهم تسميه الجامعة كذبًا
وتدليسًا وخرافة، وما يقال له هناك إعجاز القرآن يوصف في الجامعة بأنه
خرافات وأكاذيب الأعراب واستغلال ديني أو سياسي وهكذا. . .
فوزارة المعارف بين اثنتين لا بد من إحداهما ولا تستطيع كل قوانين الطبيعة
أن توجد لهما ثالثة: فإما أن تعلن الوزارة أن هذه الكتب التي تدرس في مدارسها خطأ محض ليست لها ولا لأساتذتها قيمة، ثم تصحح علم طلبتها، ثم تنشر ذلك في كل الصحف ليعلمه من ضلُّوا بهذه الوزارة وبعلومها قديمًا وهم لا يُحصون كثرة؛ وإما أن تعلن أن كتاب الجامعة المصرية سخيف وأن أستاذها قد ذل وضل وقل، فأما أن يكون نصف العلم يكذب نصفه في وزارة واحدة بحيث يجيء الأعلى نقضًا على الأسفل فهذا ما لا نكاد نعقله، وهو إذا استمر كان صريحًا في الدلالة على أن وزارة المعارف المصرية ليست لها قيمة ولا ثقة بها ولا بمدارسها
ولا أمانة فيها للعلم (١)؛ ثم نرجو أن لا تنسى الوزارة - إذا صح عندها كتاب طه حسين فأمرت بتصحيح العلم والتاريخ - لا تنسى أن تأمر وزارة الأوقاف يومئذ بإنارة مآذن جامع القلعة.. ليعلم الأزهر الشريف أن ما أقيمت عليه علوم العربية واللغة والبلاغة والتفسير من الشواهد الكثيرة المنسوبة إلى شعراء الجاهلية، وأن
القرآن وبلاغته وإعجازه وأخباره، كل ذلك يجب الصوم عنه منذ اليوم، لأن أستاذ الجامعة أثبت لوزارة المعارف أنه رأى "هلال "الشك ". . .
الوزارة موسومة الآن في العالم العربي كله بالنقص والخطأ في إحدى
جهتيها، ما يرتاب في ذلك أحد؛ ولسنا نكره أن يكون الأستاذ طه حسين نادرة المشرق وفخر العربية، ولكنا نكره أن يكون فضيحة مصر، وأن يجعل الجامعة المصرية معرضًا للسخرية بهذه الدروس التي نقول من ناحيتنا إنها حماقة في الرأي وفساد في الفهم وتعكس في التأويل والاستخراج، ونقول أكثر من ذلك إنها تشبه رجلًا به مسٌّ فزُيِّن له أن يخالف الناس لأن جنونه أوهمه أنهم مجانين وأن العاقل مثله يجب أن يتميز منهم ليُعرف بينهم فلا تجري عليه أوصافهم، ثم رأى أنه لا يُعرف بينهم إلا بالمخالفة حتى يبين منهم فـ. . . فـ. . . فوضع رأسه في حذائه ومشى. . .
_________
(١) عرض كتاب طه على مدرسة دار العلوم لتقر تدرشه لطلبتها فاجتمع مجلس إدارة المدرسة ونظر فيه
ثم قرر نبذه وإهماله، وقطع بأنه كتاب لا يجوز تدريسه ولا قيمة له، ووقع هذا القرار وزير المعارف ثم رد الكتاب إلى الجامعة كما رجع حذاء أبي القاسم لأبي القاسم. . .
ومن بعدُ؛ فالقول في أغاليط أستاذ الجامعة لا ينتهي، ونحن إنما نبحث
فيما نبحث عن أصول الخطأ في هذا الأستاذ لا عن فروعه، ونعد من ذلك مثلما يعدون من الشجر فيقولون واحدة وفي الواحدة فروع كثيرة، لأنهم إنما ينظرون إلى الجذع الذي يحمل ذلك ويخرجه، فكذلك أمرنا مع طه حسين؛ لماذا نحن كسرنا الجذع فما نبالي ما عدد فروعه، لأنها مكسورة وإن بقيت في جذعها.
لقد عثرنا في كتاب أستاذ الجامعة على نوع غريب من الترجمة، وهو
ترجمة من أصول الخطأ في فكر الرجل أو فكره أصل فيه، ولا تحسبنها ترجمة
من الفرنسية أو اليونانية، بل هي من العربية، وذلك أشنع لها، فلو أنت تدبرت النصوص التي ينقلها الأستاذ في كتابه ويحملها على أغراضه أو يحمل أغراضه عليها وكنت فطنًا باحثًا نقابًا لرأيت هذه النصوص تشكو إليك وتستجير بك مما أصابها من القلة والذلة، فإن طه لا يجد النص أبدًا في كتب العربية إلا كلامًا جزلًا بليغًا محكم السرد موثق التركيب قد نُزلت فيه الألفاظ على منازلها وجُلبت لمعانيها وتلاءمت مع أشكالها وخرج منها أسلوب رصين مطبوع كمصنوع أو مصنوع كمطبوع؛ فإذا أصابه في الكتب على هذه الصفة من البلاغة خشي منه على أسلوبه وكتابته، ورأى أن أشد ما يفضح الثوب القذر أن تنزل فيه رقعة نظيفة لها جدة ورونق، فلا يكون له مِن هَمٍّ غير أن يعمد إلى النص فيُمِرَّه لسانه ويديره على أسلوبه ويرصفه كرصفه ويترجمه من عربية إلى عربية غيرها فيختل ويرك، ثم يندمج في عبارة طه فإذا هو لا يَنبُهُ عليها ولا هي تنبه عليه، ثم يكون لـ طه من ذلك فائدتان غير هذه؛ أما واحدة: فإن النص إذا نقل على أصله
اختلفت فيه العقول وكانت حَرية أن تتفاوت فيما تدرك منه ففهم كل إنسان
بمقدار ذكائه واطلاعه وعلى حسب ما تيسر له وسائله، ولا كذلك النص
المختلف عن أصله المزال عن جهته، فإنه لا يؤتي إلا معنى واحدًا هو ما سيق
له، ثم لا يكاد يدرك أحد حقيقةَ ما وضع النص فيه.
ومما اتفق لي من ذلك أني وقفت في بعض الكتب على نص في تكذيب خبر المعلقات وأنها كتبت أو علقت، ووقف عليه صاحب كتاب في آداب اللغة فإذا هو يسوقه في كتابه نصًا على خبر التعليق مع أنه برهان قاطع في خبر النفي، وإذا الخلاف كله في أنه أخطأ قراءة فعل نقله على غير وجهه فانقلب المعنى وانتكس النص.
وأما الفائدة الثانية التي يرمي إليها طه فإنه إذا ترجم النص وحذف. . .
وحذف منه وغيَّر وبدَّل استطاع أن يجد من ذلك سبيلًا إلى صلة المعنى الذي
في الكلام بالغرض الذي في نفسه، وتسهَّل عليه القول الذي كان صعبًا، وقرب
الرأي الذي كان بعيدًا.
فربما كذب الأستاذ وهو عندك صادق، أو غلط وهو
عندك مصيب، أو نحل الناسَ ما لم يقولوه والنص يوهم أنهم قالوه؛ وأي ذلك قد كان فإنما له نتيجة واحدة، هي أن يقهر النص على أداء معنى لا يراد به إلا ما أراد طه؛ وما هذه بأمانة ولا هذا بصدق، فإنه يجب على كل عالم يحتج بكلام غيره أو على كلام غيره أن يورد الكلام بحروفه وإن حَذَف دل على موضع الحذف، وإن غير أو أبدل نبه إلى أنه تصرف وتعمل، وذلك واجب في العلم، ولهو في التاريخ أوجب، إذ الكلمة التاريخية حادثتها أو معناها كالاسم في الناس على مسماه: مهما بدلتَ فلا يجوز تبديله ومهما قلتَ فليس فيه إلا قول واحد إذا أردته لحقيقته.
ونريد أن نبين للناس وللجامعة التي يظهر لنا أنها في غفلة مغطاة أن صنيع
طه حسين في بتر النصوص وترجمتها طريقة معروفة للطاعنين في الإسلام
وعلومه، سبقه إليها ابن الراوندي العالم الزنديق المشهور الذي كان يؤلف
الكتب لليهود والنصارى في الطعن على المسلمين ونبيهم ﷺ وقرآنهم وأئمة دينهم وأشياخ الكلام فيهم، إذ كان من شأنه الحكايةُ للنص مبتورًا، قالوا: يُسمِّجه
ويوحِشُ الناس منه، ثم ليتأتى له أن يستخرج الرأي الفاسد من كلام يظنه الناس صحيحًا متى عزاه إلى المصححين والثقات.
فإياكم ثم إياكم أيها الأدباء وأيها الطلبة أن تصدقوا أستاذ الجامعة فيما يستخرجه من النصوص إلا إذا أورد هذه
النصوص بعبارتها وحروفها فإنه أحيانًا مريض الذهن، وعسى من يفهم منكم ما لا يفهمه؛ وإه دائمًا مريض النية، فهو بذلك جريء جراءة من خولط في ناحية من عقله، لا يوفر إمامًا ولا يرضى رأيًا ولا يتحرج ولا يقيد نفسه إلا بما يقيده به قانون العقوبات فقط. . . وما دام يأمن (النيابة والقضاء) فما شيء أراد أن يقوله إلا قاله!
وهنا معنى يحسن أن لا ندعه وأن نصل به الكلام، فإن أستاذ الجامعة
رجلُ شك، ولا يمكن أن يكون رجلًا من غير شك. . . فإن لزمَنا عنده العيبُ والشتعة واتهمنا بالغفلة لأننا نصدق دلالة النصوص ونأخذ بها في التاريخ لزمه عندنا أكثر من ذلك إذا هو احتج أو استخرج منه نتيجة علمية، ولم يكن له شيء من الحجة إلا كان لنا عليه أضعافه، إذ ما يدريك يا أستاذ الشك أن هذا النص الذي تحتج به وتسوقه لما تريد ليس من النصوص المكذوبة أو المشكوك فيها.
وكيف تقطع على صحته ولعله أقواها وأضعفها صدقًا؟
وما كنت أنت من أبناء الدهر الأول فتشهد عليه شهادة العدل، ولا الذي رواه أبوك أو أخوك أو
حموك.. فيكون لك إليه سبب من الصهر والقرابة يقوم دليلًا في التعديل
والتجريح؛ وكيف يجوز الكذب والوضع على أكثر النصوص التي نحتج بها ولا يكون النص الذي تحتج به أنت مما هذه سبيله. . .؟
أفتراك يا طه في ريب بعد أو تشك في أن مذهب الشك في التاريخ
يهدمك قبل أن تهدم به شيئًا، ويظهر الناس على غفلتك وأنت تتوهم أنك
ظهرت على غفلاتهم؟
وهل في العلم أحمق من أن تقول إن الكثرة المطلقة في
الشعر الجاهلي موضوعة وأنت لا تعرف القلة الصحيحة منه ولا تستطيع تعيينها ولا تعيين بعضها ولا الجزم ببيت واحد منها؟
نحن لا نرجع عن رأينا في أن تقليد بعض المستشرقين هو الذي أفسد
طه، فقد صحبهم وأخذ عنهم ثم نزع إلى مذاهبهم وأقاويلهم، لأنه وإياهم سواء أو متقاربون في الركاكة وسقم الفهم والوقوع بالبعد البعيد من أسرار الكلام العربي ومعانيه؛ وقديمًا ما أفسد شيخ الرافضة هشام بن الحكم إلا صحبة أبي شاكر الديصاني إمام الديصانية، وكان هذا أبو شاكر رجلًا يظهر الإسلام ويبطن الزندقة كما يظهر بعض المستشرقين الميل إلى العربية وينطوي على هدم الإسلام بهذا الميل، وعلى استعمار أرضه واستعباد أهله.
والعجيب أن مذهب الرافضة هو بعينه مذهب هذه الفئة من المستشرقين.
فإن أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمد ﷺ والتكذيب بالقرآن ورد ما أجمعت عليه الأمة، وهذا كله يدور عليه كتاب أستاذ الجامعة إيماء وجَهرة وتعريضًا وتصريحًا.
وأعجب ما عجبنا له أن الأستاذ تورط في الهلكة وطعن في القرآن وكذب
به واشتمل كتابه من ذلك على ما بيناه في المقال السابق، وهو كان في غنى عن كل ما تكلف منه، وكان في عافية وسعة، لأن شيئًا من ذلك لا يداخل موضع الشعر الجاهلي، ولا هو من أدلته لا بالقرب ولا بالبعد، وما نحسبه أراد به الحشد في كتابه وتكبير حجمه، فإن كتابه مع كل هذه الثرثرة ومع كل ما استعان به من الكلام في الشعراء وتراجمهم ضئيل الحجم قليل الورق في تسعين ونيف من القطع الصغيرة؛ فما بقي إلا أن يكون قد أراد غرضًا علمه الله منه ففضحه به وخذله فيه!
ولقد أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرقين أيضًا، فقد كان
حدثنا الأستاذ العلامة الكبير صاحب مجلة "المقتطف" فى شهر سبتمبر من السنة
الماضية أن مجلة الجمعية الأسيوية نشرت بحثًا للشيخ. . . مرجليوث المستشرق الإنجليزي المعروف، أنكر فيه صحة الشعر الجاهلي، ثم ساق لنا الأستاذ بعض أدلته فلم نجد مقنعًا ولا رضا، وقلنا هو رأي في العلم لا عِلم، ثم هو من مستشرق وذلك أوهن له، وما كان لنا أن نأخذ عن القوم في الأدب العربي إلا بتمريض واحتراس.
ولما فتحت الجامعة إذا المسشر. . . طه حسين ينتحل الفكرة ويدعيها
ويبوب لها أبوابًا ويفصل فصولًا ويدرس ذلك فى الجامعة، فباءت هذه الجامعة
المسكينة من عمله بالخزي والفضيحة، واستمتع هو بمنزلتها وأموالها؛ والجامعة كما رأيناها مريضة يتحامل بعضها على بعض، حتى لو طنت عليها ذبابةُ انتقاد لفزعت وخافت، أما الشيخ فلو قرضوا جلده بالمقاريض لما أحس شيئًا، كأنَّ الله تعالى خلق نصف دمه من "الكلورفورم " فجلده مبنج في كل وقت. . .
ولنرجع إلى ما كنا فيه من النصوص، فانظر كيف يصنع شيخ الجامعة.
قال في صفحة ٦٦: "ولابن سلام مذهب في الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ضاع، لا بأس أن نلم به، فهو يرى أن طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر الشعراء الجاهليين وأشدهم تقدمًا، وهو يرى أن الرواة المصححين لم يحفظوا لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر، فهو يقول: إن لم يكن هذان الشاعران قد قالا إلا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقان هذه الشهرة وهذا التقدم.
وإذن فقد قالا شعرًا كثيرًا ولكنه ضاع ولم يبق منه إلا هذا القليل، وشق على
الرواة أو على غير الرواة ألا يروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر
فأضافوا إليهما ما لم يقولا".
انتهت الترجمة. . . أما الأصل في اللغة العربية فهو: "ومما يدل على
ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة والمصححين لطرفة وعبيد.
والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما
حيث وُضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكأنهما من أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير.
غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول؛ فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما حُمل عليهما حمل "كثير".
انتهى النص، وعارِض أنت بلاغة ببلاغة ولغة بلغة، وقابِل بين ما ذهب
إليه طه وما أراد ابن سلام؛ فمهما أخطأ فلن يخطئك أن تعرف الفرقَ بين الثرثرة والقصد، وبين هزيل الكلام وسمينه؛ وبين صحة الفكر وفساده وبين الأخذ
من الدليل بقيده والاتساع في الدليل على إطلاقه، وما يرى ابن سلام إلا أن
كثرة ما ضاع من شعر طرفة وعبيد إنما كان لأنهما أقدم الفحول، فبعد العهد به ومات بموت من علموه من عرب الجاهلية.
فهذا نص على بعض أسباب ضياع ما ضاع من الشعر إن كثيرًا أو قليلًا، ثم في عبارته نص آخر ينقض كتاب الجامعة كله، وهو إثبات أن لنا "رواة مصححين"، وأنهم صححوا لطرفة وعبيد
قصائد بقدر عشر، وأثبتوا أن ما عداها غثاء حُمل عليها حملًا.
ويلزم من هذا أنهم درسوا الشعر وجمعوه وحققوا روايته وأثبتوا الصحيح ونصوا عليه وميزوا المنحول وردوه وفصلوا الشعراء وقالوا في كل منهم وعارضوا بين الأقوال ورجحوا واستدلوا واحتجوا وناظروا، فوجب من ثم أن نصير إلى قول أولئك المصححين ونأخذ بعلمهم ونقف عند ما نضوا عليه، لأنهم كانوا أهل هذا العلم ولا أهل له من بعدهم إلا بِصلة تنتهي إليهم؛ وهو ظاهر أن هؤلاء الرواة لم يُثبتوا في كتبهم إلا ما صح عندهم، وأنه ليس على الأرض اليوم من يستطيع بعض ما فعلوه، لأننا بالإضافة إليهم أمة من الأعاجم؛ وبديهي أن ما يكون من وسائل العلم والرواية والنقد بعد مائة سنة من تاريخ الجاهلية لا يكون مثله ولا بعضه ولا بعض من بعضه بعد أربعمائة وألف سنة، وخاصة مع انقطاع الأسانيد
وضياع الكتب؛ فأين هذا كله مما يذهب طه إليه وما خرف به في كتابه؟
ويقول شيخ الجامعة في صفحة ٦٧ بعد أن بين أن العصبية كانت من أهم
الأسباب التي حملت العرب على وضع الشعر ونسبته إلى الجاهلية، قال: وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة؛ وأريد أن ترى أنهم قد شقوا بها شقاء كثيرًا، فابن سلام يحدثنا بأن أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة (كذا وهو يريد الوضع لا الانتحال) (١)
في سهولة، ولكنهم يجدون مشقة وعسرًا في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب أنفسَهم!.
انتهت (الترجمة) أما الأصل المعرَّب العربي فهو: " ثم كانت الرواة بعدُ
فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك ولا ما وضع
المولَّدون وإنما عَضَل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من وَلَدِ الشعراء أو
الرجلُ ليس من ولَدِهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال" اهـ.
فانظر إلى الفرق البعيد بين قول ابن سلام: "الرجل من أهل بادية" وبين
_________
(١) يقال: انتحل القصيدة: إذا ادعاها وليست له، ونحلته إياها: نسبتها إليه كذبًا. وطه لا يستعمل في كتابه الانتحال إلا خطأ، كرر ذلك في نحو تسعين موضعًا فتأمل واعجب.
قول طه "الذي ينتحله العرب أنفسهم " وتأمل معنى (يشكل بعض الإشكال)
ومعنى "يجدون مشقة وعسرًا".
وكلام ابن سلام صريح قاطع في أن الشعر الذي نسب إلى الجاهلية
وأشكل أمره على الرواة قليل جدًا، ثم هو لا يشكل إلا "بعض الإشكال"
ثم لا يكون كذلك إلا حين يجيء من عربي قح له عرق في الشعر فتعَينه الوراثة أو عربي في حكم ذلك بالقريحة والقوة والطبع، أما الذي زاده الرواة والذي صنعه المولدون فكل ذلك متميز معروف لا إشكال فيه، وهو بعض ما يقوم عليه الرواة، لأنه من مادة علمهم ولا فائدة للرواية إن لم تتحقق به، فقل لي بعيشك أين هذا مما ذهب إليه طه في الحكم بتزوير (الكثرة المطلقة) من الشعر؟ وقال في صفحة ٥٤: قال ابن سلام - كان الله لك يا ابن سلام. . . - وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في
الإسلام.
قال: وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا
الشعر الذي يُهجى فيه الأنصار.
وترجم هذا النص في صفحة ٦٦ ترجمة أخرى فقال عن ابن سلام: (وهو
يحدثنا باكثر من هذا: يحدثنا أن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا في الجاهلية.
فاضطرها ذلك - تأمل - إلى أن تكون أكثر العرب انتحالًا للشعر في الإسلام) .
أما ترى؟ أما تعي؟ أما تعجب؟ هل كان في النص الأول أن قريشًا كانت
(أقل العرب) شعرًا في الجاهلية فاضطرها ذلك اضطرارًا لأن تكون (أكثر
العرب) انتحالًا؟
على أن كتاب ابن سلام مطبوع، ولم نعثر فيه على أصل النص، وإنما
الذي رأيناه من كلامه في الكتاب كله أنه علل قلة شعر قريش في الجاهلية بأنهم لم يحاربوا ولم تكن بينهم نائرة، وإنما تكثر الأشعار في الحروب والوقائع.
وقال في موضع آخر: وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان.
ففي كلام أستاذ الجامعة كذب وسرقة: فأما الكذب فنسبته إلى ابن سلام
أنه قال إن قريشًا "أكثر العرب انتحالًا للشعر في الإسلام"
وأما السرقة فقوله: "وليس من شك عندي" في أنها استكثرت بنوع خاص. . . من هذا الشعر الذي يهجى فيه الأنصار فذلك من عند ابن سلام لا من عند طه حسين، ويبقى أن تعرف أن - ابن سلام الزيادة كلها من هذا النوع أما أستاذ - الجامعة فجعلها
من أنواع كثيرة وهذا النوع هو " الخاص" منها؛ فكيف ترى الصنيع وكيف
تسميه؟
والغريب أن هذا الأستاذ الذي يحاول ما لم تحاوله أمة كاملة من العلماء
والرواة وأهل الأدب، لا مرجع له في اللغة العربية في علمه ونُقوله إلا كتابان: أحدهما الأغاني والآخر طبقات ابن سلام (١) أفبكتابين يصبح في رأي الجامعة
شيخ المتقدمين والمتأخرين ويمحو ويثبت - كلما شاء كما يشاء لا كما تشاء
الأشياء حينما تشاء الأشياء. . . -؟
وسنتم القول في هذا المعنى وفي عقم استنتاج شيخ الجامعة وفساد آرائه
التي يقهر النصوصَ عليها في فصل آخر إن شاء الله.
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) .
_________
(١) أما سرقاته من كتب المستشرقين فلا نعرفها نحن، وقد فضحها بعضهم وهي كثيرة، وكثرتها خزي وهي في نفسها خزي آخر.
Translation
موقف حرج لوزارة المعارف
#31 Chapter 31 — طه حسين ابن الجامعة البكر. . .! · ref. #31
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
طه حسين ابن الجامعة البكر. . .!
" روى المقطم أن الأستاذ الجليل مدير الجامعة حشد فيها لحفلةْ رياضية
جمعت الرؤساء والأساتذة والطلبة؛ وأنه خطب في الجميع فنصح للطلبة بالجد
والمثابرة.
قال: "وخطب حضرة الأستاذ الدكتور طه - حسين خطبة ممتعة ناقش
فيها برفق وأدب. . .! نصيحة صاحب السعادة "مدير الجامعة".
ثم كان ختام الحفلة كلمة لسعادة المدير ذكر فيها جلالة الملك المفدى أبا الفاروق الأعظم نصر الله بحوله وقوته أعلامه، ونضر بفضله وكرمه أيامه، وألقى من طالع يمنه السعيد على وجه الحياة المصرية أجملَ ابتسامة.
قال المقطم: ثم ناقش خطبة الدكتور طه قائلًا: إنه الابن البكر للجامعة المصرية! ثم قال: يا بني الاعتدال. . . الاعتدالَ ". اهـ.
فأما اندفاع طه للرد على مدير الجامعة في حفلة رسمية أقيمت للألعاب
الرياضية على حين لم يزد المدير فيها على نصح الطلبة بالجد والمثابرة، فهذا
هو الأصل في طه وذلك طبعه وخُلقه، بُني على المجاذبة والمماراة، فما من
كلمة إلا ولها عنده بنت عمة أو بنت خالة. . .
ولو أن الخطبة في هذه الحفلة كانت في تعليم المشي على الحبل. . . لردَّ
طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في
خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم
وهي آفة من آفاته وأصل من أصول الخطأ فيه، ومثل هذا لا تزال الشبهة قائمة على لسانه، ولا يزال مُعِدًّا لكل قول قولًا، فما يسمع شيئًا إلا خُيل له شيء آخر، ولا يفكر في أمر إلا لبس عليه أمر غيره، ولا تفاتحه رأيًا فيرضاه إلا إذا أراد لأمر أن يرضاه، ولا تجادله فيقتنع إلا إذا شاء لغرض أن يقتنع؛ لأن الأصل في تركيبه المراء، والحدة، واللجاجة، وطغيان القول وهي أربع مظاهرها فيه الشك والاضطراب والقلق وفساد النية، ونتائجها الإنكار والخلط والسفه والعناد، وكل ذلك يجمع طه حسين، وأما أنه ناقش مدير الجامعة (برفْق وأدب) فهذا هو الغريب عن طبعه، والنص هنا على الرفق والأدب يُفهم شيئًا،
ولا يمكن أن يقع المقطم في هذه الهفوة البيانية الدقيقة، فهو أستاذ هذا الباب من البلاغة، وإنما كتبت العبارة في الجامعة، كتبها طه أو ذَنَبه أو رأسه. . . وأتى المقطم بها فنشرها -
- نريد أن نستجيز لهذا القلم مناقشة الأستاذ الجليل لطفي بك السيد مدير
الجامعة، وهو عقل من العقول النادرة في مصر بل في الشرق كله، يكاد يكون مُلهمًا محدثًا إذا كتب أو قرأ أو فكر، وهو كذلك شعاع ساطع من تلك المرآة العلوية التي ترسل على آفاق الدنيا نور الذكاء والنبوغ والفلسفة، وقد كنا نحسبه أول من يستجيب لرأينا في وجوب نقد طه وتمييز خطئه من صوابه ورد الرأي عليه فيما لم يصح، فإنه يجب أن تكون الجامعة موضع الثقة في علمها، ويجب أن تعرف الأستاذ بعلمه لا العلم بأستاذه، فإن أظهرها إنسان على غلطة أو نبهها
إلى زلة بحثت وحققت وسألت أهل الذكر وأهل الفكر ورجعت إلى كل ذي
فطنة، ثم أعلنت ما تنتهي إليه من خطأ أو صواب بحججه وأدلته ولم تصرَّ ولم
تستكبر ذهابًا بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . .
وإذا كان طه ابن الجامعة البكرْ فماذا؟ أيترك لطيشه ولهوه وعبثه، ويخلى لشكِّه وحيرته واضطرابه ويدلل حتى على العلم ويضحك له - حتى من أغاليطه، ويُكافأ حتى على ما يجنيه إذا كان ما يجنيه متصلًا بحنان أهله ونازِعتهم أكثر مما هو متصل بأسباب الجناية ونتائجها؟
لعمري إذا كان هذا كله لابن الجامعةِ البكر وكان - اسم الله عليه. . . -
يجعله من عذره في - نتف لحية أبيه وعمه وخاله ويعتده من أسباب الرضا عنه إذا وقع في قبيح أو دخل في كبيرة - إذا كان هذا لابن الجامعة البكر فما بقي على الجامعة إلا أن تضع له بجانب منبر التدريس حصانًا من الخشب. . . ليلهو على هذا وعلى هذا، فمن المنبر إلى الحصان ومن الحصان إلى المنبر. . . ولا تلُم الصبيان فيه على الرقص!.
ثم إن الأستاذ الكبير يقول لـ طه. يا بني الاعتدال. . . الاعتدال: كلا يا
سيدي الأستاذ، لا محل للاعتدال، ولا نقبل منك هذه الكلمة ولا يقبلها طه، أما هو فإنه يقول بوضع علم المتقدمين كله موضع الشك. فأين يعتدل وفيم وكيف؟ وأما نحن فإننا نريد منك أن تقول له: يا بني التوبة التوبة! فقف خرج في درسه على دين الأمة وكذب القرآن ونسب إليه الخرافات وجعل النبي ﷺ رجلًا سياسيًا يحتال الحيل ولا يؤمن فيما بلَّغ عن ربه، ثم جاء في تاريخ الأدب
بأقبح الجهل ودل من نفسه على عجز وضعف وسوء فهم ونية مدخولة وذهن مريض؛ فأين تريده أن يعتدل من ذلك كله؛ على أننا في هذا الكلامِ إنما نأخذ بظاهر الرأي، أما في الحقيقة فنحن نعرف من بلاغة مدير الجامعة وغوره البعيد في أنه بكلامه أراد النصيحة لـ طه كما نصح الطلبة، جعله بذلك لا يزال في حكم الطالب وإن كان أستاذًا وأنزله هذه المنزلة على أعين الملأ، ثم إنه كأنه يقول له: "يا بني إنك مائل فاعتدل، ومعوج فاستقم؛ ومجازف فتبصر، وحديد الطبع فاستأنِ وكثير الخطأ فتعقل!
يا بني إنك مصغر مستصغر لا تستكفي بنفسك ولا تستقل بأمرك فاسمع
وأطع ".
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فكيف بمثقال ستين كيلو جرامًا من إلحاد وخطأ هي في جلد ولحم ودم؟
ولقد فهمنا كلامًا كثيرًا من كلمتي الأستاذ البليغ الدقيق، ولكن يجب أن
يفهم طه وأمثاله، فقد ذهب بعضهم إلى أن مدير الجامعة يرد علينا بهذه الكلمة.
كأنه يبلغنا أن طه مغفور له معفو عنه إذا قلب الأثاث أو كسر الصحون وأن
خطأه طَلق، وأشد ما تعاقبه الجامعة به أن تقول له الاعتدال الاعتدال! لأنه ابن الجامعة البكر! أي غزالها. . . (١)
هكذا قال لنا بعض الأدباء وهكذا فهم.
ولكنا على يقين من الأستاذ مدير بربخ الجامعة، وسيرى الناس أنه مرجع طه إلى ما هو أليق به وأولى بسمعة الجامعة. . .
إن الذي يُخشى من طه أمران: أولهما أنه يقلد المعرِّي ويحتذيه ويسير
على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في على
أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في مدينة بيروت
في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو.
فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك.
وليس له رواية المعرِّي ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته
_________
(١) في أمثال العامة قولهم "القرد في عين أمه غزال".
ولا غيرها مما يصرفه إلى الكناية والإشارة والغميزة ويجعل بعض شره في بعض
خيره ويفسح له من أبواب البلاغة في باب التوجيه والتعاليل فلم يبق إلا الخلط والخبط والحماقة والدعوة الفارغة ومحض التشبه وما يجري هذا المجرى.
وما علم هذا المقلد مع الفارق أن أكثر إلحاد المعري إلحاد شعري تجيء
به القافية ويحمل عليه التخيل، فهو من بعض الوجوه في باب الشعر كالقول في الخمر والغزل والمجون والسفه وما يتصل بها؛ فلما فقدنا هذا من طه لم نر إلا الحثالة والقشر، فهو المعري الذي بقي من المعري في مُنخل الأدب!
وهذا التصريح منه بالتقليد والاحتذاء يُسقط الثقة به وبما يدعي من حرية الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الأحرار، ولكن بالاشتمال على وسائلهم وأسبابهم ومواهبهم، وأما بغير ذلك فلا حرية وإنما هناك غرض من التقليد يقلد الحرية حتى في اسمها، وكل أعمال المقلد تُحمل منه على هذا الغرض الدنيء لا على ذلك المبدأ السامي.
والأمر الثاني الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل في
إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه وتحقير
كل من يتسم بشيء من ذلك عالمًا أو متعلمًا أو متورِّعًا، فهو دائب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم وإيثار دينهم وفضيلتهم
وإجلال علمائهم وسلفهم، مرة بالتكذيب، ومرة بالتهكم ومرة بالزراية، ومرة بإفساد التاريخ، ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين، وهلم جرا! حتى كأنه شيطان عاقبه الله فطمره في جلد إنسان، وتالله لو تم لهذا وأمثاله ما أرادوا فاجترأ الناس على دينهم وكتابهم وعلمائهم، وسخروا من تاريخهم وتقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وخاطروا بما في أيديهم من دين وعلم وتاريخ وفضيلة على ما تسميه صناعة الكتابة مدنية وفنًا وفلسفة - إذن تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلانًا وفلانًا. . .
أما إن هذه فئة من الناس، ولكنها كذلك فئة من المذاهب، والمصيبة أنهم
ما فيهم من فيلسوف ولا عالم ولا أديب ولا من يستطيع أن يقول هذه فلسفتي وهذا علمي وهذا أدبي، بل كلهم عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها وكلهم مقلد وكلهم سارق وناقل؛ فإذا كانوا على هذه الصفة ثم رأيناهم قد زاغت عقائدهم وفسدت طباعهم وانتقلت أهواؤهم أفيكونون بيننا إلا من وسائل التدمير والخراب والاستعمار، شعروا أو لم يشعروا وأرادا أو لم يريدوا؛ وماذا
يجدي علينا صياحهم العلمي أو السياسي أو الأدبي وهم إنما يحترفون هذا
الصياح ويؤجرون عليه ويعيشون منه، كالرجل من أهل الغناء والموسيقى ربما
كان في نفسه مثالُ البؤس والهم والحزن ويستأجره الناس ليغني. . .
إن لشيطان طه سبلًا كثيرة فهو يتراءى لنا في معان مختلفة تذهب بنا أحيانًا
بعيدًا عن كتابه.
ولكن هذا أيضًا من شؤم كتابه، إذ يرجع هذا الكتاب إلى
أسباب في طباع مؤلفه قائمة على النكر والمراء والزيغ أكثر مما هو راجع إلى
أشباب في التأليف قائمة على البحث والرأي والتحقيق.
فلنعد إلى ما نحن بصدده من القول في فساد رأيه وسوء استخراجه وأنه ليس معه إلا الانتحال على غير توفيق، والخنط على غير هدى والجرأة على غير تحقيق ولا استبصار.
لقد توارد أستاذ الجامعة مع الإمام الجاحظ في استخراج واحد من مسألة
واحدة، وكلاهما شك فيها، ونريد أن نعرض ذلك على الجامعة لنعلم صحة
قولنا إن العالم يأتي بالرأي من مجموع أخلاقه وطباعه أكثر مما يأخذه من صفاته
العقلية، وأنه لو كان طه حسين أذكى الأدباء في الرأي والعقل، وأجمعهم في
المادة والحفظ، وأبلغهم في المنطق والأسلوب، ثم كان على بعض فساده
وزيغه - لوجب تنحيته عن التدريس الأدبي وحماية النشء منه؛ لأن تعليمه ينقل إلى هؤلاء الأطهار الأغفال علمه وأهواءه جميعًا فلا يقوم ما فيها من طيب بما فيها من خبيث.
قال طه في صفحة ١٥٢: "وهناك لون من ألوان القصص كان الناس
يتحدثون به ويميلون إليه ميلًا شديدًا ويروون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو
أخبار المعمَّرين الذين مُدت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس، رويت حول
هؤلاء المعمَّرين أخبار وأشعار قبِلها العلماء الثقاتُ في القرن الثالث
للهجر ة " انتهى.
وقال الجاحظ: "وقد ذكرت الرواة في المعمرين أشعارًا وصنعت في ذلك
أخبارًا، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة ولا نقدر على ردها
لجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها".
فأنت ترى من الفرق بين الجاحظ وطه أن هذا يبالغ ويهوِّل ويتعمد الكذب
فيزعم أن الناس كانوا يتحدثون بذلك النوع من الكذب ويميلون إليه ميلًا
شديدًا، كأنه كان شاهدَ أمرهم ورأى الناس يتحدثون ويميلون.
ثم يوهمك أن العلماء الثقات فى القرن الثالث قبلوا تلك الأخبار والأشعار
وما كان الجاحظ إلا
في القرن الثالث، ثم ينفي طه كل ما قيل من ذلك كأنه على ثقة من أن العرب لم يعمَّر منهم أحد، مع أن في زماننا هذا من ارتفعت به السن إلى قرن ونصف، فلو كان هذا شاعرًا فماذا يمنعه أن يقول في هرمه وامتدادِ العمر به.
وثقل الحياة عليه وتبرمه بها ما قال أولئك أو شبيهًا بما قالوا؟
ومن غفلة أستاذ الجامعة وهي من الأدلة الكثيرة على سوء فهمه وتعلقه
بأول خاطر وأنه لا يتبين أسباب المعاني ولا يحققها - أنه يقيسى على ظاهر
الرأي كيفما وقع له؛ فلا يذكر أن العرب قوم لا حساب عندهم ولا يؤرخون إلا الحوادث الكبر، فإذا عُمر شيخ منهم وبلغ خمسين ومائة سنة مثلًا - وهو عمر طبيعي - حسبها ثلاثمائة أو تزيد، وخاصة إذا خَرِف وأسرف وبَعدَ ما بين فكره ولسانه أو أراد التهويل على عصره وقبيلته؛ وكيف يعرف مثلُ هذا حقيقة سنة وما يعد ولا يكتب ولا يحسُب ولا عنده من يدون له، ولا في قبيلته من يحفظ
من التاريخ أو يردُّ منه شيئًا إلى أصل بعيد..
فالرواة إنما نقلوا من هذا ونحوه وما انتهى إليهم فإن كان فيه الكذب ففيه الصدق، وإن كان فيه الموضوع ففيه الصحيح؛ وما كانت المبالغة سببًا من أسباب العدم، بل هي بعض أسباب
الوجود، ولا بد في المنحول من أصل يقاس عليه وصحيح يبالغ فيه، وهذا كله فهمه الجاحظ، فهو لا يرد ما ورد من ذلك، لأن معناه غير بعيد ولا مستحيل.
ولا يثبته بعينه لأنه ليس معه دليل قاطع.
ولو كان الجاحظ ضعيف الفهم قليل
الاطلاع بعيدًا من آداب العلماء لوافق في الرأي أستاذ
الجامعة وتحامق وكذب وسب الرواة وتهزأ بهم كما فعل هذا.
ومن العجائب أن طه يتوارد أيضًا في طريقة الاستنتاج مع الرافضة
ويطابقها مطابقة النعل للنعل؛ ولا تستبعدن ذلك ما دام كِلا الفريقين أسقط
الإيمان من حسابه "وتجرد من دينه" عند البحث والرأي؛ وكأن شيخ الجامعة
يقيس على نفسه فلا يصدق أنه كان في الأمة الإسلامية قوم يؤثرون الله ورسوله على كل وساوس النفس وأهوائها، وليس عنده إلا العصبية والميل مع طبع الجاهلية حتى في إمام أهل الحق عمر بن الخطاب، وقال الشيخ في صفحة ٥٣
وقد ذكر الرواةُ أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين يُنشدهم شعرًا في مسجد النبي ﷺ فأخذ بأذنه وقال: أرُغاء كرغاء البعير، قال حسان:
إليك عني يا عمر! فوالله لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك!
فيرخي عنه عمر ويمضي..
قال: وفقهُ هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدْمنا من أن الأنصار كانوا
موتورين وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم فكانوا يتعززون بنصرهم النبي ﷺ وانتصافهم من قريش. . . وكان عمر قرشيًا تكره عصبيته أن تزدَرَى قريش، وينكر - كذا كذا - ما أصابها من هزيمة - يعني في غزوة بدر - انتهى.
ولكن من أين لأستاذ الجامعة أن حسانًا كان ينشد يومئذ في هجاء قريش
في مسجد النبي ﷺ ليعزي الأنصار وينوح لهم كالنائحة المستأجرة حتى ثارت
لذلك عصبية عمر ورجع وهو أمير المؤمنين إلى طبع الجاهلية!
ومن أين له أن عمر كان ينكر ما أصاب قريشًا من الهزيمة في غزوة بدر أو
فتح مكة!
وهل كان عمر كـ طه حسين يشك في التاريخ ويكذبه مع أن سيفه كان من
تلك السيوف التي هزمت قريشًا؟
ثم كيف يجوز لأستاذ الجامعة أن يكذب ويغير النص فيقول: "فيتركه عمر
ويمضي، وكل الروايات في الكتب متفقة على أنه قال لحسان: صدقت أو
صدقه. ولكن إذا قال عمر صدقت كان ذلك نصًا على أنه لم ينكر ما أنكر، لا حمية ولا عصبية لأن العصبية تأبى عليه أن يصدق، بل يكظم على غيظه
(ويتركه ويمضي) فانظروا أيها الناس ما يصنع الخبيث لرمي الرجل الذي أعز الله به الإسلام واتهام إيمانه وصدقه مع ورود الحديث الشريف
" ليس منا من دعا إلى عصبية"
وقد رأيت كم تكرر لفظ العصبية في كلامه ثم إن قول عمر
لحسان: صدقت، يدل من جهة أخرى على أنه
لم ينكر عليه إلا هيئة الإنشاد.
كان ينشد الشاعر العربي فينتفخ ويربو في ثيابه
ويتكلف التفخيم والتشذق
وإدارة اللسان وتقليبه ويهدر كما يهدر البعير حين يستفحل ويرغو وكل ذلك في مسجد النبي ﷺ فذلك حيث يقول عمر أرغاء كرغاء البعير؟
على أن الأستاذ المخلط الذي يرمي عمر بالعصبية قال في الصفحة
نفسها: تحدثت الرواة "وهنا ترجم نصًا فلننقله عن ابن سلام"، قال: قدم ضرار بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبَعرى المدينة أيام عمر بن الخطاب فأتيا أبا أحمد بن جحش. . . فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان فنناشده ونذاكره، فإنه كان في الإسلام ويقول في الكفر - أي الجاهلية - فأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد، أخواك تطربا إليك يذاكرانك وينشدانك.
قال: نعم، فأنشداه - أي
مما قالا في الأنصار - حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما إلى
مكة، فخرج حسان حتى أتى عمر فأخبره خبرهما، فقال: لا جرم والله لا
يفوتانك! فإرسل في أثرهما فردا، وقال لحسان: أنشد؛ فأنشد حسان حاجته
حتى قال له: اكتفيت؟ قال: نعم! قال: شأنكما الآن إن شئتما فارحلا وإن شئتما فأقيما. انتهى.
ترك الأستاذ هذا النص الواضح الجلي ونقل رواية الأغاني وفيها زيادة
وصنعة ولها توطئة وخاتمة، إذ جاءت بعد رواية ابن سلام بنحو مائة سنة
واستخرج منها أن الأنصار كانوا يكتبون هجاءهم لقريش!
ولكن يا أستاذ؛ كيف غفلتَ هذه الغفلة المطبقة بين صفحتين اثنتين..
وأين ما قلت في عصبية عمر؟ وكيف مالأ حسانًا على أكبر شعراء قريش وتركهُ يُنشد في هجاء قومه مما قاله في الجاهلية حتى اكتفى؛ أليس هذا هو العدلَ والقصاص: إنشادًا بإنشاد وكلامًا بكلام وإن في قريش؟
على أن ما قاله طه في عصبية عمر هو كاستنتاج الرافضة وعلى طريقهم
في الرأي والفكر؛ إذ يقولون إن الصحابة بايعوا أبا بكر وتركوا عليًا، لا طاعة ولا رغبة بل عصبية منهم على عليٍّ، ورجوعًا إلى طباع الجاهلية؛ إذ كان علي قتل من عشائرهم بين يدي رسول الله ﷺ من قتل في الغزوات والفتوح؛ فليس يمحو الإسلام عندهم شيئًا، ولا يكون المؤمن إلا على أصله التاريخي وطبيعة
الجاهلية، ويسقطون ما عدا ذلك من مظاهر النفس الإنسانية التي من أعظمها في الإسلام ذلك اليقين الديني وكان عجيبةَ العجائب وأنزل فيه الله تعالى:
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) .
وليت طه يفهم معنى قوله؛ (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ولكن قلبه هو
لوح ممسوح، ونعوذ بالله من خذلانه.
ومتى تجرد الباحث في التاريخ الإسلامي "من دينه" فهو شيء واحد إن كان من الرافضة أو كان أستاذًا في الجامعة، لأن
هذا التاريخ إنما يقوم في أصله على معان لا يعقلها ولا يصدق بها من يجرد
نفسه منها، وكيف يعقل الجبان المنخوب القلب أفعال بطل من أبطال الدنيا
الذين شذت فيهم طبيعة القوة والجرأة فيقال في أحدهم إنه يحمل مائة قنطار
وأنه يقطع سلاسل من الحديد بيديه وأنه يصلب رجلًا كطه حسين في
خنصره. . .؟
إن التاريخ الإسلامي إذ حُمل على غير طريقته وتولاه غيرُ أهله لم يأت
منه إلا ما هو دخيل فيه، وتقل الرويةُ ويكثر التكذيب ويخصل الخطأ ويقع
الخلل، لأن الأشياء بما كانت عليه لا بما تتوهم أنت أنها كانت عليه وذلك هو السر في خلط المستشرقين والمسيحيين والديكارتيين من أمثال طه حسين إذا هم تعاطوا الكلام في تاريخ الصدر الأول أو ما يتصلى به نوعًا من الاتصال في الأدب أو الشعر أو نحوهما.
وإذا كتبت الشياطين تاريخ الملائكة واتبعت مذهب ديكارت. . .
فتجردت من قوميتها ودينها فهل تراها تُسلب طبيعتها وخُبثها.
وهل يدخل عليها الخطأ إلا من ناحية هذه الطبيعة في تركيبها على غرائز
وأوصاف لا تتحول؟
وانظر حمق العصبية في قول طه صفحة ٥٥: "وأنت لا تنكر أن يزيد هو
صاحب وقعة الحرّة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر "لا حول ولا قوة إلا بالله " والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة، ولأمر ما يقول الرواة حين يقضون وقعة الحرة إنه قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدرًا "
أي من الذين أذلوا قريشًا".
يا هذا، ألك ثأر على الأنصار أم كان أبوك من قريش، وأنا أعلم أن أباك
وأسرتك يتبرأون إلى الله منك ويخشون أن يقال في الآخرة يوم العرض: هؤلاء أهل طه حسين! هَبِ الإسلام ليس شيئًا ولم يُحدث أثرًا ما في نفوس المسلمين إلى زمن يزيد؛ وهب وقعة الحرّة نقمة من غزوة بدر التي لم يغزُها الأنصار إلا بين يدي رسول الله ﷺ هب ذلك معقولًا في رأي رجل مسلم، فيبقى أن الرواة والمؤرخين لا يقولون تلك الكلمة وهم يريدون التفسير الذي جئت به إلا إذا كانوا هم أيضًا متعصبين على - الأنصار، وكان إسلام الأنصار عندهم غير
إسلام قريش، وكانوا مع ذلك أهل جبن ونفاق يخشون الأنصار بعد إذلالهم
وبعد أن لم تقم لهم قائمة؛ فيعبرون بكلمة مبهمة لا يفتحُ الله بتفسيرها على أحد إلا بعد ١٢٥٥ سنة وعلى طه حسين وحده. . .
ألا تفهم شيئًا، وكيف صرت أستاذًا في الجامعة وأنت بهذه الغباوة إنما
يريد الرواة أن وقعة الحرة كانت شديدة النكاية في الإسلام قبيحة الأثر فيه.
وكانت مع ذلك عدوانًا صرفًا وجهلًا محضًا حتى قاتل فيها أهل بدر وقتل منهم ثمانون، وأهل بدر بنص الحديث الصحيح أفضل المسلمين، وهم نجوم الأفق النبوي بعد أن غاب كَره الأزهر.
وما كل ما مر بك أيها القارئ بأشنع من قول طه فى صفحة ٧٢: "ونوع
آخر من تأثير الدين في انتحال - كذا - الشعر وإضافته للجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي ﷺ من ناحية أسرته ونسبه في قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي ﷺ يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني
عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قُصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مُضر، ومضر صفوة عدنان؛ وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها" انتهى.
فما هذا الأمر يا شيخ الجامعة؟ ثم ما هذا التهكم؟ وهل تتهكم أيها
الأحمق المغرور إلا بالحديث الصحيح:
"إن الله تعالى: اصطفبى كِنانة من ولد
إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش. بني هاشم.
واصطفاني من بني هاشم "
ألا قبحك الله من شيخ سوء! وسيحيق بك ما كنت
تستهزئ؛ ومن عساك تظن أنك تبلغ ضُرَّه بهذه الحماقة فتضره؟ -.
Translation
طه حسين ابن الجامعة البكر. . .!
#32 Chapter 32 — عصبية طه حسين على الإسلام · ref. #32
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
عصبية طه حسين على الإسلام
قيلت لي عبارة لم أصدقها ولا أزال في ريب منها، وأرجو أن تكون
حديثًا مفترى وكذبًا صُراحًا، وأن يكون الشيخ طه بريئًا منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إن الدم ليس غريبًا من الذئب.
وليس الذئب إلا طبيبًا دمويًا، ولكن ابن يعقوب له دم غير دماء الناس، وقد كان لا بد لهذا الدم الزكي أن ينشأ به ذلك الفكر النبوي المفهَم فيستنقذ مصرَ وأهلها من المجاعة والقحط.
فلو أن الذئب ولغَ فيه لقتل به أمة كاملة، وبهذا كانت براءة الوحش من ذلك الدم كأنها فضيلة نقلته من طبع الذئاب إلى طباع أهل النْسُك من عباد الله المقرَّبين وجعلت تهمته مثلًا مضروبًا في الظلم دائرًا في الأفواه باقيًا في ميراث بني آدم من الحكمة والبلاغة، وعاد الذئب - وإنه لذئب بعد - كأنما استُشهد وكأنما وقعت عليه التهمة فقتله في سبيل الله فأصبح قديسًا اخضرت أظفاره من ريح الجنة فأنبتت ورق الريحان وانقلب ما كان سَفكه من الدم فنبت منه الورد، وبدا الذئب القديس في التاريخ كأنه طاقة زهر فيها الأخضر والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . .
وطه حسين إن لم يكن ذئبًا، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة
كتهمة الذئب تعدو على النبوة وتمزق بأظفارها أديم الإسلام، وقد علمنا إن كان لبريئًا منها، ولكن يقال والله أعلم إن المبشرين وجدوا في كتاب "الشعر
الجاهلي " ما كانوا يحومون حوله فلا يصلون إليه (١) وما قضوا في البحث عنه ستين سنة تحت شمس المشرق يلتمسون بعضه في كلام عالم من العلماء
المسلمين أو رجل ذي منصب فيهم أو أديب له شهرة ومكانة، فأصابوه اليوم في
_________
(١) بعد نشر هذه المقالة بشهرين جاء في مجلة "الفتح " الإسلامية التي يحررها بعض علماء الأزهر الشريف ما يأتي:
ليقل لنا طه حسين كم يتقاضى من رجال التبشير. أو بعبارة أدق من رجال الدول الغربية من أجر على دعايته تلك لهم وعمله لصالحهم وجهاده من أجلهم هذا الجهاد الطويل العنيف الذي لا يرهب فيه أمة بأسرها. . .
إن ذلك الأجر لا بد أن يكون عظيمًا جدًّا كما يتحدث به الناس في أنديتهم الخ الخ.
دروس أكبر جامعة في أكبر مملكة إسلامية، وأصابوه من أستاذ كبير مصرّ عليه معاند فيه تؤيده الجامعة وتحميه وتدفع من ورائه وتنصره، وإن خَذَلت فيه الأمة كلها، وإن سفهت كل أهل العلم وأهل الأدب، وإن أهانت دين الأمة والحكومة تأييدًا - زعموا - لحرية الفكر، لا يبالون أكان هو الفكر الناضج الصحيح أم الفكر العاجز المستهلك الذي يشبه أفكار الصبيان في إقامة ما يبنونه على شاطئ البحر من قصورهم الشاهقة في أملاكهم الواسعة، أو أفكار البنات تبني ما يلدن من الدُّمى والعرائس، أو أفكار طه حسين فيما زعم في القرآن والنبوة.
لقد ضاعت الثقة بهذه الجامعة فكأنها لا تفهم أن كلام طه ليس برهانًا
واحدًا عند المبشرين.
ولكنه برهان عليه براهين، فهو في نفسه دليل ونسبته إلى
الجامعة دليل، ومجيئه من بلاد الأزهر تقوية للدليلين معًا، وإصرار الجامعة عليه خاتمة للأدلة؛ ألا ليت شعري ما تملك الجامعة أن تصنع إذا ترجم المبشرون خلاصة هذا الكتاب وشرحوه وبسطوه ونقلوه إلى الإنجليزية والفرنسية والسنسكريتية والصينية واليابانية وغيرها، وطبعوا منه الملايين - ولهم المطابع الكبيرة، ولديهم الأموال الطائلة المحبوسة على محاربة الإسلام، وفي أيديهم الدعوة العريضة - وأذاعوا في أقطار الأرض أن الجامعة المصرية الإسلامية لحكومة مصر قررت في دروسها أن القرآن وضع إنساني فيه الخرافة وفيه الكذب، وأن النبي ﷺ رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة (١)، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا التاريخ بقول الزور والانتحال.
ويستشهدون لقرآنهم وحديث نبيهم - وهما أصلا الدين كله - بشعر لفقوه تلفيقًا ونسبوه إلى أشخاص خلقوهم خلقًا.
وأن هذا الكذب مرتفع ممتد يرتقى في عصورهم وأجيالهم إلى زمن الخلفاء الراشدين، وأن ورود الأحاديث الصحيحة
عن النبي ﷺ وما يؤثر من كلام أصحابه عن شيء اسمه امرؤ القيس وغير امرئ القيس لا يوثق به، إذ لم يكن من هذا شيء؛ فالأحاديث الصحيحة كذب، وأسانيدها التي حققها العلماء وحفظوها وتناقلوها وأجاز بها بعضهم بعضًا زمنًا بعد زمن إنما هو تواضع على الكذب من هذه الأمة.
وحسبكم بأمة يمضي عليها زهاء أربعة عشر قرنًا ويكون عديدها ثلاثمائة
مليون وتنبث في أقطار الأرض كلها ثم لا ينبغ فيها رجل يعرف الصحيح ويفطن
_________
(١) أسرعت الجامعة بعد هذه المقالة فجمعت نسخ كتاب طه ومنعت بيعه لكنها اشترتها منه شراء.
فجعلت لعلمه ثمنًا ثم لما ظهر لها أنه جهل دفعت فيه ثمنًا آخر. . .
له ويستعلن به للناس ويقرره ويعلمه إلا رجلا واحدا هو العلامة حجة
المبشرين.. الدكتور طه حسين!..
" ما عسي أن تفعل الجامعة المصرية في هذا البلاء الداهم وهذه الفتنة
الآكلة، وكيف لها بسد الثْلمَة إدْا انفجرت - وانبثق منها هذا الشر العظيم، وهي إلى اليوم كأنها مأخوذة لا تعي، ومسحورة لا تفهم، وعميد الآداب فيها رجل أعجمي لا يزال من العربية في المنزلة التي يقال له فيها: إذا نقلت النقطة من تحت الباء إلى فوق صارت نونًا. . . فما رأينا هذه الجامعة تبرأت من هذا الكتاب. - ولا انتفَت من نسبته إليها، ولا تزال تحسبه كتابًا في الشعر - الجاهلي. . .
وهو كتاب في التنكيل بالإسلام.. وهو في موضوعه شبه بالسلسلة صفحاته
حلقاتهْ، " فلا تستهيننَّ بحلقة لتقول إنما هي واحدة وإنما هي ضئيلة ولا خطر
لها، فإنه ليس الشأن في حلقة حلقة ولا في صفحة صفحة، بل في اتصال بعض ذلك ببعضه واجتماع جملته من أجزائه وتفرق أجزائه على جملته.
وعلم الله ما كتبنا هذه المقالات إلا لنقنع الجامعة بجهل شيخها وفساد رأيه ومرض نيته، ثم لنرد عليه " هذا الغِل الذي في قلبه للمسلمين، وهذه السخرية التي في لسانه وقلمه لدينهم وأئمتهم وعلمائهم، وهو على ذلك ضعيف الفهم سخيف التقليد.
وهو في غاية تحصيله رجل حافظ كالأوراق المجموعة من كتاب إلى كتاب.
وفي غاية عمله رجل جريء يقع في الأشخاص وفي المعاني، ويستوحِل في كل
وَحَل، وقد لبسه عقله الناقص الأهوج فلا يتثبت ولا يتحرج ولا تسوؤة السيئة من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله منها شيئًا بعد موت طه لجاء منهما طه نفسُهُ مرة أخرى.
فقد لقيناه في جريدة "السياسة" عند رئيس تحريرها وقلنا له فيما قلنا: إنك لست بالعقل العام - ولا الحقيقة الكلية فيسوغ لك أن تظن أن ما لا تفهمه أنت لا يفهمه أحد، وإن الناس خُلقوا على درجات قد يبعد أعلاها من أسفلها حتى ليكون العالم من عالم أذكى منه بموضع كموضع الجاهل من العالم، وروينا. له قصة إمام عصره بهاء الدين العاملي حين اجتمع له العلماء في مجلس وفيهم علامة الشام الإمام البوريني، فبدأ البهاء يتكلم في التفسير بكلام صريح واضح فهمه كل من في المجلس من عالم وغير عالم، ثم دقق حتى لم يفهمهْ إلا العلماء، ثم علا حتى لم يفهمه إلا البوريني وحده، ثم غمض غموض السر في حقائق المعقولات حتى لم يفهمه ولا البوريني.
فما كان من جواب الأستاذ الأديب المهذب طه
حسين إلا هذه الجملة بحروفها "دا مغفل لازم ". . .
أما والله إن المغفل هو الذي يحسب أن سنن الكون تنشئ له أمة
جديدة بكتاب ككتاب الشعر الجاهلي، وتفسد له أمة قديمة بمجموعة
كمجموعة قصص السياسة، ثم لا يعلم أن الفاسق الفاجر يكون من الهوان
على الله بحيث لا يجعل الله أمره في هذه الأمة المسلمة يزيد شيئًا على حانة
في شارع في مدينة.
كلما نظرنا في كتاب "الشعر الجاهلي" لم نزدد إلا يقينًا. بأن هذا الأستاذ
الذي يسبح بمذهب ديكارت هو أشد الناس خروجًا في كتابه على هذا
المذْهب، فإنه لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد - يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع، وهو توهين أمر الإسلام وصدعه من مفاصله وتفكيك العُقَد
المحكمة التي يتماسك بها في تاريخه وناهيك به دائبًا يجمع من هنا وهناك من
أثينا إلى مكة. . .!
فالأستاذ لا يبحث كما يدعي وكما هو الأصل في مذهب ديكارت، وإنما
يقرر تقريرًا، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة.
وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول يصلع
على التجرد من الأسباب التي تؤثر في الرأي كالعاطفة والعصبية وغيرهما، وأما الثاني فزَعمُ التجرد فيه حماقة وسخرية؛ لأن النتيجة المعينة لا تجاذب إلا
مقدماتها. وهذه المقدمات - لا تستدعي إلا أسبابها، وهذه الأسباب لا تقوم إلا بأحوال مقررة منها الرأيُ والعصبية والميلُ والهوى ونحوها؛ وذلك ما حمل طه في اقتحام هذه - الخطة وركوب - هذا النهج، على ما فعل من تحريف النصوص وإرادتها لما ليس فيها؛ وعلى ذلك الخبط من سوء الفهم وفساد الاستنتاج، ومن أجل ذلك تناول الدين بالتكذيب والرد، وتعصَّبَ تلك العصبية الحمقاء في تأويله وسياق أدلته، وجعل الشبهة حجة والحجةَ شبهة. ليستوي له أن يخالف الإجماع، فإذا خالفه نقضه، فإذا نقضه وظن أنه قد تهيأ له نسق تاريخي ولو مزورًا مكذوبًا عاد بالهدم على التاريخ وعلى الأسباب الطبيعية الواشجة فيه وكسر كل قياس كان العلماء يقيسون عليه، فيتم له. بذلك ما يسميه هو وأمثاله
جديدًا وهو من السخف - بحيث ترى.
ولسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدَّقون
به، فكل فاسق، وكل ملحد، وكل مقلد أحدَ هذين، وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث - هو مجد إذًا جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى
التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط ما بين أصوله
وفروعه، على أن لا يستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعًا، أو يعيب فضيلة، أو يغض من دين، أو ينقض أصلًا عربيًا جزلًا بسخافة إفرنجية ركيكة، أو يحقر معنى من هذه المعاني التي يعظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا، وبالجملة فالتجديد أن تكون لصًا من لصوص الكتب الأوروبية، ثم لا تكون ذا دين؛ أو لا يكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضُرِب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرج منه إلا في أولادك المساكين كما فعل أبو مرغريت الشيخ (١) . . . ثم لا حاجة للجديد بإلحادك وزيغك إلا إذا طبعتَ بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي، وأفسدت الخالص بالممزوج.
وحقرت الناس والمعاني، وكنت حرًا طليقًا من قيود السماء والأرض إذا
صدرت أو وردت، فتقول على قدر عقلك، ثم تعقل على قدر زيغك، ثم تزيغ قدر ما أنت قادر!
أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس، ثم كنت
لا تستخرج من التاريخ والأدب إلا ما يزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائمهما الصحيحة، ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوروبية فالويل لك فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو المسلمون
تقديس الكعبة وحجرها، وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن
خمسة أو ستة - أو خمسين أو ستين - هم العصر وهم الأمة وهم من التاريخ
المترامي إلى المستقبل كالقطار: فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على
أجناسها وأنواعها ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم، ولكن الخمسة أو الستة هم وحدهم عربة الآلات والبخار وفحم نيوكاسل. . .
بل أيها المجددون، غير أنه ليس على الأرض معصوم من الخطأ، وغير
أننا نعرف أن غلطة العالم تدل على علمه كما يدل صوابه.
وأن شبهة الجاهل تدل على جهله كما يدل خطأُه، إذ كان الأول متحرزًا يتوقى جهده، وكان الثاني متحمقًا يسترسل جهده، فعلى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب نوع الغلطة وشكلها، يُعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني.
_________
(١) وهو أبو "البرت" أيضًا؛ فكأنه مادة من مواد التحول الأجنبي في هذه الأمة وإخراج أبنائهم على غير دينهم ولغير وطنهم لا أكثر الله من أمثاله، ولا جعل في مرآته غير خياله.
فتعالوا نسألكم لو أن عيسى ﵇ كان مَعه مائة ألف من أمثال
الخواجة المجدد سلامة موسى أيكون معه إلا مائة ألف مكابر سخيف
يفسدون عليه ولا يُغنُون في أمره ما يغني رجل واحد من أولئك الصيادين الذين كانت في أنفسهم الصافية روحُ الماء العذب!
ولو أن محمدًا ﷺ كان معه خمسمائة ألف من أمثال الشيخ المجدد طه حسين، أفيردون عليه ما رد عربي واحد قلبُه روحُ سيفه؟
أرأيتم الآن أيها الفضلاء جدًا.. أن الأمم في غنى عنكم، وأن حاجتها
كل الحاجة إنما هي إيمانها وقديمها، وأنكم لا تنزلون منها ومن تاريخها
وأسباب تاريخها إلا منزلة الثرثرة في المعنى الصريح من المعنى الصريح، وأن
مَثلكم معها كمثل حادثة تاريخية عظيمة أخذت ما أخذت من الناس وتركت ما تركت فيهم حتى مضت لسبيلها وصارت حديثًا في الأحاديث، جاء رجل
متسكع متلكع فاحتسى ألف كأس من الخمر وأحرق ألف دخينة من التبغ
وأضرم النار وروح النار على دماغه ليخرج من دماغه رواية تمثيلية في تلك
الحادثة تزخرفها بالكذب وتزينها بالفلسفة وتزيدها بالتحليل والمنطق وتجملها
بالخيال والشعر، ثم لا تكون مع هذا كله في جنب الأصل إلا مَلهاة وهزءا
وسخرية ليس فيها إلا حسام لا يقطع، وبطل لا يمنع، ونار لا تحرق وبحر لا
يغرق؟
أتظنون أنْ التجديد لا يقوم إلا بالهدم، وهل يبلغ ما أنتم فيه من الحماقة
وضعف البصر بعواقب الأمور وأسرار الأشياء أن تقولوا إن البناء الجديد لا يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه وإقرار الجديد في موضعه؛ أهو بناء من الطوب والحجارة والأخشاب ترفعون هذا وتضعون هذا، أم هو بناء بالكلام على أرض من الورق، فكل ما جاء ليبنى بَنَى وكل ما جاء ليهدم هدم؛ أفلا تعلمون أن القديم لا يهدم ألبتة لأنه هو الذي يُباع الجديد ويشقه؛ فإن هُدم في أمة من الأمم زال الجديد بزواله ولم يبق من الأمة إلا بقايا لا تستمسك على حادثة ولا تقر على صدمة.
وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزُخرُف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن
يتجدد التركيب الإنساني والتركيب العقلي، وهو ما لم يقع ولن يقع منه شيء.
فالشأن في الجديد أن تتصل المادة الجديدة بالقديم فإذا هو هو، ولكن
ببعض الزيادة أو بعض الزينة أو بعض القوة، وكل ذلك لإحداث بعض المنفعة، فالرجل المجدد لا يوجد نفسه أيها الفضلاء جديدًا، وما هو من الهوان على الكون ونواميسه وعلله بحيث يقول ساكون فيكون؛ ولو أن كل أسود في مطعم أو حانة كأسود بني عبس لفسدت الأرض ولم يبق للشجاعة تاريخ يُحفظ، ولو أن كل لون أحمر يقول أنا الورد لما بقي للورد معنى إلا أن يكون خجلًا في وحه الدنيا. . .
المجدد أيها الفضلاء جديدًا لا تخرجه للأمة إلا أقوى عناصر القديم متى
اجتمعت فيه صحيحة متظاهرة يمد بعضها بعضًا، فإن من انتهى إلى غاية من
الغايات كان هو الحريُّ أن يستشرف لما بعدها وأن يأتي بما لا يستطيع مَن
دونه، ولكن الشرط أن يكون قد بلغ هذه الغاية، وما يبلغها إلا إذا كان مهيأ بوسائلها، ولن تأتي له هذه الوسائل على أتمها وأكملها إلا إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تنقح شيئًا في أسأليب الحياة والنظام القديم.
فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تُباع الحكمة شيئًا ثم
تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة مما نسميه هدمًا أو بناء، فأنت إذا كنت مجددًا في اللغة مثلًا وكانت فيك العناصر الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تباع شيئًا غير موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت، فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم نفسه هو الدليل على أنك جددتَ فكنت بشهادته مجددًا؛ وهي شهادة كما ترى لا تنالها بأنك "محرر" صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة، بل من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده، إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة.
_________
(١) ذلك أصل جديد في زمننا، فهو راجع إلى العامية والإلحاد والتهور والفساد الأوروبي وما جرى هذا المجرى، ويقابله من معنى القديم، العربية والإسلام والفضائل الرقية وما اتصل بها.
أما الجديد فيما عرف من تاريخ الأدب العربي فكان أن الرواة لم يكونوا يحملون الشعر إلا للمثل والشاهد، فلا حجة لهم من كلام المحدثين ولا رواية الا من الشعر القديم وحده إلى آخر المائة الأولى، وبهذا انصرفوا عن بثار وأبي نواس وطبقتهما وتجنبوهم في الرواية.
كأن هذا بعيد عن موضوعنا، ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين.
وهو رجل كشبكة الصائد: كلها عيون وخروق، وبين كل خرق وخرق
عقدة. . .
رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه: أولها عقيدته في القرآن
وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة.
وثانيهما رأيه في النبي ﷺ وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة.
وثالثها عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمَنْ بعدهم وقياسهم في
الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه. . .
فأما القرآن فقد أفردنا له مقالًا افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة
وأخزاها، ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في صفحة ٨٥ في الرد على
المستشرق هوار الذي زعم أن النبي ﷺ أخذ من شعر أمية بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: "من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرًا من القصص القرآني كان معروفًا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ﷺ تأملوا - كما كان من اليسير أن
يعرفه غير النبي؛ ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلمَ يكون النبي هو الذي أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي؟
وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا أن
يكتب عليه "تأليف فلان" ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ويقول في صفحة ١٨ في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من
الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحدًا لا ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ".
يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه؛ ونعوذ بالله ونتوب إليه
ونستغفره.
ثم يقول في صفحة ٧٦ عن علماء الموالي وعلماء العرب: "وأرادوا هم -
علماء العرب - أو الموالي، أو أولئك وهؤلاء، أن يدرسوا القرآن درسًا لغويًا ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه؛ ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها" انتهى.
والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه، ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا
يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب، ولا هو من شك في العربية ولا "من أمر ما. . . "
وإنما يراد به اتخاذ القرآن سببًا في جمع مادة
اللغة وشواهدها، كما كان هو السبب في وضع العلوم العربية كلها؛ أفترى
وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن، أم كان لإقامة الألسنة الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؛ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها العرب أنفسهم، وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات عندهم، ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم، إذ هو وحده، المحفوظ عنهم، وهو كان متن اللغة والخبر والأثر؛ ولعمري لولا صنيع العلماء في جمع
هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في
اللغة، فانظر، أين هذه الحكمة مما يخبط فيها أستاذ الجامعة.
ويقول في صفحة ٩١: "إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون
بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ".
ولم نفهم شيئًا من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسرَ لنا فسرنا
له وأريناه مبلغ جهله وسوءِ أدبه!
وأما رأيه في النبي ﷺ فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالمٍ أو كاتب مسلم يذكره ﷺ إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف "ص"
وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين
يقراونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبى ﷺ ولا يحس عظمته ولا أثره.
فقد ذكره في كتابه مرارًا تفوت العدَّ فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة
المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين
بعينها، تُشعرك وقاحة الكاتب وغرورَه وانتشار عُقَدِه، مع أنهم قالوا إن هذه
الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلًا على خلوص نيته وقوة عقيدته، وأنه لا شوب فيها ولا شرك، وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه، ولكن شيخ الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى، وقد والله صدق فيه الحديث.
"رَغِمَ أنفُ عبد ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ "
فما أنف أَرغَمُ من أنف طه حسين كمدًا وذلًا وخزيًا ولعنة.
والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر.
وما نظن أحدًا يسلم من تكذيبه، بل هو يقول في صفحة ١٢٨: " فأنا لا أقدس أحدًا من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال".
فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة، فيهم أستاذه
وصديقه وأبوه وأمه، فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب، بل هو يكاد
يصرح في صفحة ١٠١ أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من
أشخاص الأساطير لم يوجد قط؛ قال: "نحن لا نعرف مَن سَعد ومن مالك ومن زيدُ مَناة، فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاصُ أساطير لم يوجدوا قط ".
فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذي ألفوا كتب التاريخ؛ وإذا كنت لا
تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير، وإذن فالكتب قد ألَّفَت
نفسها. . . إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم!
قالوا: سعد ومالك وزيدُ مَناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم.
فإن قلنا إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عيانًا فيجوز لذلك أن يكونوا رجال أساطير - صدق هذا على كل ما كان قبلنا، وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء من بعدنا ووِرثتنا الدنيا، فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام، وحسبك بهذا جهلًا ممن يقول به.
ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من
الخُلُق، فإن وُجد الكذب وُجد معه الصدق، وإن كانت الغفلة كان التحزز، وإن عُرف التلفيق عُرف النقد والتمحيص، وما قطُّ وُجدت أمة يُجمع كل أدبائها وعلمائها على الكذب.
ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه
الكثيرة، كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب؛
فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم، فإن عندنا الناقدين
والمصححين والثقات؛ ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جَهله أوسعُ
من علمه، ولسانه أوفى من عقله، ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلا اطلاع ولا فكر ولا علم، وكل عاقي هو مؤرخ، إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن إنه كان، وفيما كان: يجوز أنه لم يكن، وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علمًا أو تجديدًا في العلم. . .
ويقول في صفحة ٤٨ يعني النبي ﷺ أول أمره مع قريش: "ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قَهر، أو لم يكن ذلك في دعوته ".
وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي
يجعلون لكل جملة منها بابين، غير أن طه سدَّ في عبارته البابين والنافذة
أيضًا. . . فإن معناها الصريح أن النبي ﷺ أولَ أمره لم يكن يطمع في ملك، أو كان يطمع، ولكنه كتم ذلك فلم يُظهره في دعوته التي دعا بها الناس إلى الله.
وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر، ولا تكون كذلك إلا إذا
كانت من عنده هو لا من عند الله، وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا القياس من إنكار النبوة والرسالة، نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ثم يقول في صفحة ٥٥: "إن النبي ﷺ كان يحرض على الهجاء ويثيب عليه أصحابه، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حسانًا".
وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي ﷺ لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سُنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب لحماية أعراض المسلمين، فقد كان من هذه السنّة عند العرب أنه إذا سكت المشتوم صدق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح، ثم كانت معارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل، ولا يُغلب فيها إلا العَيي فعيه ذل آخر، وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بدٌّ من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره
فيهم ويكون سببًا لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (١) .
وما كان جبريل
_________
(١) كأنَّ أستاذ الأدب في الجامعة لا يحفظ القرآن ولم يتل قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) .
فهؤلاء الذين انتصروا من بعد ما ظلموا هم شعراء النبي ﷺ فليس هجاؤهم هجاء ولكنه انتصار من ظلم حاق بهم فتأمل هذا فإنه من أدق معاني الأدب.
يؤيد حسانًا في الهجاء، ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث:
"إن الله ليؤيد حسانًا ما كافح عن نبيه"
والعبارة بهذه اللفظة (الكفاح) تُفهِم معانيَ كثيرة وليس منها معنى الهجاء، وكأنه ﷺ كُشف له أن طه حسين
سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه. . .
وافهموا فإنه..
* * *
وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ، وانظر
كيف يقول في صفحة ٥١ عن أبي سفيان في فتح مكة: "فنظر فإذا هو بين
اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح
ويدخل فيما دخل فيه الناس "وينتظر. . . " لعل هذا السلطان "السياسي"
الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى
قريش وإلى مكة مرة أخرى؛ قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت
متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعًا - في ظاهر الأمر - إخوانًا
مؤتلفين في الدين" انتهى نصًا.
وقد طال "انتظار" أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد
بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحَرّة كما قال في صفحة ٥٥، وفي
هذه الصفحة يقول: "إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على
الإسلام وما سنَّه للناس من سنن (١) .
فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية.
لأنهم لم يكونوا إخوانًا مؤتلفين في الدين إلا - في ظاهر الأمر - وأبو سفيان مع ذلك من كتاب النبي ﷺ وقد شهد معه حنينا والطائف وفُقئت عينه في هذه.
وهو القائل لرسول الله ﷺ بعد غزوة حنين:
"والله إنك لكريم فِداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنِعمَ المحارَب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت"
أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟
_________
(١) هذا أيضًا من جهل الشيخ بالتاريخ، فقد جعل ميراث أبي سفيان في أولاده السخط على الإسلام والانتقام منه والحمق في ذلك، مع أن المعروف في التاريخ أن معاوية إنما ورث حلمه الذي
يضرب به المثل من أبيه أبي سفيان، حتى أنه لما قتل حجر بن عدي وجماعته بعد أن ثاروا عليه في خبرهم المشهور أرسلت إليه عائشة أم المؤمنين تشفع فيه وفي أصحابه؛ فبلغه رسولها وقد قتلوا، فقال لمعاوية: "أين غاب عنك حلم أبي سفيان " فتأمل قول من عرفوا الرجل وعاصروه.
وقول أستاذ الجامعة!
على أن الذي ما يُقضَى العجبُ منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه
رأي الرافضة ومذهبهم، فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله ﷺ: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة المهاجرين وخيارَ الأنصار.
فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة، وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم
هو أستاذ للفكر والرفض؟
Translation
عصبية طه حسين على الإسلام
#33 Chapter 33 — قد تبين الرشد من الغي · ref. #33
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
قبل أن يجري القلم في هذه الكلمة نصحح قولًا جئنا به في بعض ما
كتبناه، فقد ظنَنا أن أستاذ الجامعة أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن
المستشرق مرجليوث، ولكن أحد الفضلاء نبهنا إلى أنه قبلَ جحا قد كان أبو
دلامة. . . فإن هذه الفكرة من آراء مستشرقي الألمان، وهي مبسوطة بكثير من أدلة طه حسين في كتاب "الشعر العربي قبل الإسلام " المطبوع في باريس سنة ١٨٨٠؛ فيسرنا والله أن نباهي الأمم كلها بجامعتنا المصرية التي جاءت في تاريخ الدنيا بمعجزة فوق المعجزات، إذ ظفرت لتدريس الآداب العربية بأستاذ عظيم تُسرَق آراؤه وتُطبع وتنشر في أوروبا قبل أن يولد هو في مصر ببضع سنوات. . .
وما زالت بلادنا هذه مُرَزأة مسكينة لا تبرح الأقدار تمسها في كنوزها
الغالية وترميها بالمتلصصة من آفاق الأرض، فما كفى أوروبا أن تسرق آثار
ملوكها وفراعنتها بعد موتهم، بل اجترأت كذلك فسرقت آراء الفرعون العظيم طه حسين قبل ولادته. . .
أما بعد أيتها الجامعة، فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياكِ نعني.
وعلى قدرِك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة.
وفيك مَثابة العلم ونراك جاهلة، وإليك الرأي في هذا الأدب ثم لا يسف ولا يسقط في الرأي غيرك؛ وقد كان الظن بك أن للعلم حرمة عندك وللأمانة موضعًا فيك، وأنك تعلمين الفرق بين علم مفروغ منه وعلم قد بُدئ؛ فيه وبين العقل العام الذي يجتمع من صواب العلماء جميعًا وبين العقل الخاص الذي يحمله كل عالم وكل جاهل، وكنا نرجو بذلك أن تدركي أن الأدب لا يلبس ثياب طه حسين ولا يحيا بحياته ولا يموت بموته، وأن هذا الرجل هو مِرآتك في الأمة، فهو رادك إلى طبعه وخلقه، وممثلك بجهله وحمقه، ودامغُك بزيغه وإلحاده؛ فتَعَالَمتِ به حتى فضحك جهله، وأمنت له حتى لبسك كفره؛ ثم أنت بعد ذلك لا خطأ نفيتِ ولا صوابًا أتيت، بل ذهبتِ بنفسك؛ غرورًا منك بأن
اسمك الجامعة، وتعصبًا لباطل أستاذك الملحد واستكبارًا في الأرض ومكرَ
السيئ، فكنتِ ما كنتِ، إلى صلابة وعناد، وإلى شدة ونكاية؛ وملتِ إلى
ناحية الازدراء بالأمة والتهكم بدينها والتحقير لعلمائها وأدبائها، كأنه ليس في كل أولئك عالم ولا أديب، وكان مجموعة الأمة المصرية لا توزن عندك "بابن الجامعة البكر" لأن قلبك يزيد فيه حتى يصير جبلًا، وينقص من الأمة حتى ترجع حصاة، والميزانُ ميزان قلبك؛ ثم هو في يدك المتصلة بهذا القلب.
فسبحان الله! كأننا لا نجادلك في العلم والأدب ولكن نعذلك في العشق
والهوى، وأضيع شيء ما تقول العواذل! فما بك إلا الخلاف والمكابرة
والإصرار واعتدادُ كل سيئة من سيئات المحبوب حسنة من حسنات الحب. . .
فلقد صار لنا أن نفهم أن الأمر عندك إنما هو بين أشخاص وأمزجة
ومصالح تجعل علماء الدين في مصر بأسمائهم وألقابهم وإجازتهم كأنهم صفحة
مكتوبة تقرأ وترمى في سلة المهملات.
أما طه وحده فهو الحي العالم القادر المتكلم الابن البكر الذي تجعله شهادة السوربون كأنه الآية الناسخة، ثم لا تكون الآية المنسوخة إلا الأزهر الشريف، على حين لا يكون الخلاف إلا دينيًا وفي كتاب الله.
وصار لنا أن نفهم أن هذه التي تسمى الجامعة المصرية لا تبالي حُسنَ
أثرها على الأمة أو سوء أثرها عليها، ولا تعبأ بسمعة تمدح أم تذم كأنها هي
وحدها مركز المخ من الجسم المصري، أما سائر الناس والطبقات فجلد وعظم وأدوات وشيء كالصبغة فيما تغِله على صاحبها، أو نحو من هذا التشبيه أو قريب من نحوه، فإن سقط رجل فيها كطه حسين ونبذته الأمة كلها لم يكن للجامعة هم إلا أن تشده إلى كرسيه ولو بالحبال، وتثبته ولو بالمسامير، كأنما وظيفته في الجامعة أن لايتركها وحسبُ. . .
أما العلم والأدب فكل كلام هو علم وأدب ما دام قائله "ابن الجامعة
البكر" وما دام التمييز مفقودًا والأهواء ملتبسة، إذ البغية عندهم كما وضح لنا وللناس جميعًا أن يجد أستاذ الأدب عيشه لا أن يجد الأدب أستاذه، والأمران مختلفان جدا كماترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه.
نسأل الجامعة سؤالًا مكشوفًا لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك
السكوت منها:
مَن الذي يصلح من رجالها والقائمين عليها أن يكون حَكمًا فيما شَجر
بينها وبين الأدباء من خلاف؛ فهم يرمون أستاذها بالجهل في تاريخ الأدب
ويهدمون عليه دروسه ينقضون آراءه، وذلك إما حق فينفذ وإما باطل فيرد.
فمن عساه يقول هذه الكلمة الفاصلة من أساتذة الجامعة ورجالها؛ ومن هو هذا الذي يرى في نفسه قوة في هذا العلم ويكون من أهله بهذا الموقع، وما علمنا أن في الجامعة الأصمعى ولا أبا عبيدة ولا الجاحظ ولا من فيه من هؤلاء
وأمثالهم رائحة، وليس في الأرض كلها من يقول إن عالمًا بالقانون هو من أجل ذلك عالم بالأدب، وأن فيلسوفًا في العقليات هو بفلسفته مؤرخ للشعر
والكتابة، وما كل من يحسن شيئًا يحسن كل شيء.
ولقد ادعى الأدباء والعلماء وجاؤوا بالبينة وساقوا الحجج وأثبتوا للجامعة
إلحاد شيخها وضعف رأيه وسوء فهمه وعقم استنباطه، وأنه على ذلك نزر
المادة يتوسع فيها بأشياء من نفسه يسميها التحليل والمنطق، لا بالأسباب التي
تكون المادة نفسها مما يسمى بالنصوص والعلل ونحوها.
قد أقيمت الدعوى فأين القاضي؟ أتريد هذه الجامعة أن تتهزأ بالعلماء والأدباء جميعًا، وأن تتغفل الأمة كلها فتضع لـ طه حسين لحية كثة على عارضيه وفروة بيضاء على رأسه وتخرجه للناس يقول: نحن قاضي الجامعة، فتحت الجلسة وحكمنا أن طه حسين لم يلحد في دين الله ولن يلحد فيه، ولم يخطئ في تاريخ الأدب ولن يخطئ، ولم ولن عشر مرات على بياض..؟ ليضع فيها طه حسين ما شاء كلما شاء؟ "
أيتها الجامعة، لا نسألك إنصافًا ولا بعضًا من الإنصاف، ما دمت تخصين
أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحك ما أنت صانعة في تاريخ
الأدب، ومن الذي ورثك إياه أو وفقه عليك حتى يكون علمك هو العلم
وحده، وأية قوة هذه التي تجعل الغلطة منك ذات عنصر ليس في الغلط حتى لا يطمع أحد في تنبيهك إليها أو حسابك عليها، وفي هذا القياس من الذي يجعل حديدك ذهبًا، وثلجك البارد لهبًا، وحطبك عُود الند، وجَزرَك أعلى المد، سبحانكِ بيدك الخير، وأستاذكِ ولا غير، وورثت ملكَ سليمان "بعِفريت"، وملكت حرارة الشمس في علبة كبريت. . .
أما إنه عزيز علينا والله أن يجري بنا القول إلى هذا المعنى، ولكن الكلام
لا مَقادَة له إلا من الواقع، وما كان لنا أن نرى في المرآة قفًا عريضًا ثم نقول في وصفه تبارك الله ما أبدع سحرَ العين، وما أحلى ندَى الابتسام على ورق
الشفتين، وهذا الخد، قافية في شعر الورد، وذاك الفم على وزن الدم،
ويا عليل الطرف أين منك الدواء، وما هذا الحاجب إلا حاجبًا محكمة
الهوى. . .
* * *
وبعد فلندع الجامعة في أستاذها ولتسخر من الأمة ما شاءت، ولكنا نريد
أن نفهمها أن السماجة كل السماجة في أستاذها أنه يزعم في كتابه تصحيح
الحياة الأدبية الإسلامية، وقد علم أنه ما كان فيها ولا شارك أهلها ولا أحاط
بأسبابها، ولا هو يتولاها بالذهن اللطيف والبصيرة النافذة والطبع الشعري وما يشبه أفكار أهلها ومنازعهم وأغراضهم، بل يزعم في غرور أي غرور أنه تجرد من العاطفة والدين ليدرس ويستثبت ويحقق، وهو لو كان على علم وبصر وكان قد توفر على ما هو بسبيله من هذا الأدب للبس ولم يتجرد. فكان يكسو فكره وخياله عواطف العرب وأذواقهم وعاداتهم وطبائع عصرهم، ويقارب أذهانهم
الحِداد وقرائحهم القوية، ثم يقول بعد ذلك في تاريخهم، وتاريخ أدبهم وينكر
ويثبت. فإنه أحرى أن يقبل منه؛ إذ يكون كأنه اتصل بالحادثة التي يؤرخها بمثل ما يرده العيان والمشاهدة على من عاين وشاهد، وكأنه شارك فيها بإيجاد
وخلق، فمن ثم لا يقول فيها من هو أصدق منه أو أقرب إلى الصدق؛ ويكون فيما يحكيه أو يصفه أو يستنبطه كأنه بقية دهر تصف دهرها، فما ثم إلا القبول منه والمصير إلى قوله ورأيه؛ وينزل عصره منه منزلة الفتى الناشئ الذي يسمع لقصة الهرِم الفاني الذي يقصها عن نفسه.
من أين للفكر المستفاد من عصرنا هذا عصر الشك والإلحاد أن يستبطن
خفايا العصور المؤمنة الغالية في إيمانها، ومن أين للعقل الذي تنشئه أسباب
التخنث ويقوم على النعمة واللين والحياة الوادعة أن يمضي في أسرار الأعصر
المخربة المدمرة البالغة في جبروتها؛ وليت شعري عن أستاذ الجامعة إذ يجانس
فكرُه الغربي الأوروبي ذلك الفكرَ الشرقي العربي حتى يقع التمازُجُ بينهما. هل يكون كلا الفكرين إلا سبًّا للآخر ونقضًا عليه؟ كما ظهر في كتابه الذي سب تاريخ الأدب به وسبه به تاريخُ الأدب؟
أنت يا راكب السيارة وممتطي القطار تزعم أن الحمق أشد الحمق أن
تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما يبلغ لؤمُ القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم إلى
عصرهم فتقول عصر البطء والبلادة والقلة وضياع الوقت والإسراف في إنفاق العمر وكيت وكيت؛ ولكن أيها الأحمق غامر بنفسك مرة في الصحراء وارتم
هناك بين العرض والطول الملتبسين في خيط واحد، ثم اجمع شواهدك
وحججك واستعرضها حجة حجة ودليلًا دليلًا فإنك مشرى الجمل يهدم عليك ذلك المنطق كله ببعره. . . وستتعلم هناك منطقًا آخر تؤمن فيه أشد الإيمان بأن الناقة والجمل ليسا من الحيوان، بل هما الكوكبان اللذان خلقهما الله بقدرته لتلك السماء من الرمل.
إن أقوى أسباب الخطأ في تاريخ الأدب شيئان: ضعف الفكر عن النفاذ
في إدراك الأسرار التي انطوى عليها ذلك التاريخ، وضعف المادة التي تجمع
لك صور التاريخ وتعين أجزاء هذه الصورة وتحقق أوضاع هذه الأجزاء؛ أما
الفكر فلا نفاذ - له إلا - أن يكون فكر شاعر كاتب بليغ على أصل من الفلسفة والذكاء الشفاف والعلم العربي، وأما المادة فلا قيمة لها ما لم تكن من الاتساع بحيث تتناول عصرًا عصرًا ورجلًا رجلًا وما نقص من ذلك، فالنقص في التاريخ بحسبِه وعلى مقداره.
ولنضرب مثلًا بأستاذ الجامعة؛ فقد صنع فصولًا في أبي نواس جعل فيها
هذا الشاعر الماجن الخليع المتخنث دينًا لعصره ومذهبًا للحياة في زمنه فقال إنه كان عصر شك وإلحاد وزندقة؛ وغفل عن قول الأصبهاني جامع شعر أبي
نواس: " إن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريق الشعراء لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والمجون والعبث كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه، قال: وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه".
فإذا كان هذا النص صريحًا قاطعًا في أن شعراء زمن أبي نواس كانوا على
غير طريقته فكيف يكون الزمن نفسه على طريقته.
وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلًا، فقد جاء في كتابه الشعر
الجاهلي بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم
جاء أديب في مثل فكره وفهمه العجيب فوقف على كتابه أو نبذٍ منه أفلا يقطع بهذا الدليل إذا لم يجد غير هذه المادة من التاريخ أن الجامعة المصرية كانت في سنة ١٩٢٦ معهد كفر وإلحاد، ثم ينساق به الفكر إلى الأمة المصرية فيستنبط أنها كانت بقَضها وقضيضها أُمة كافرة ملحدة، لأن الجامعة هي أكبر مدارس الحكومة، والحكومة أقوى مظاهر الأمة الدستورية، ولكن هذا الأحمق - مقدمًا وسلفًا. . . - إنما يقع في هذا الخلط الشنيع من ضعف استجماعه لمادة التاريخ وإن كان سديد الرأي صحيح القياس، فلو هو اطلع على برقيات المعاهد الدينية
المذيَّلة بأسماء جميع علمائها، وعلى قرار علماء الأزهر، وعلى احتجاج الشعب المصري، وعلى ما كتبه الأساتذة الكبار، وعلى مقالاتنا الضعيفة أيضًا، لعلم من كل ذلك فضيحة الجامعة فتغير رأيه، فتغير حكمه، فتغير التاريخ الذي يجيء به ويؤلفه.
لا جرم كانت المادة المحفوظة هي التي تنشئ التاريخ إنشاء على حسبها
فلا تجزئ عنها الفلسفة ولا الفكر ولا مذهب ديكارت ولا مذهب طه حسين؛ إذ هي وحدها سبيلنا إلى ما لا يمكن أن نلحق به أو يرجع إلينا، أما اتهام
الرواية والجرح والتعديل وما كان من الانتحال بزيادة أو نقص ولسبب وغير
سبب، فهذا وما يجرى مجراه عمل الفكر الذي أفيضت عليه تلك المادة لا
الذي انحسرت عنه، فعلى قدر ما يعجز المؤرخ عن استيعاب المادة يكون عجز فكره، ويدخل رأيه من الخلل والاضطراب والنقص بمقدار ما عسى أن يكون في تلك المواد التي سقطت عنه من الإحكام والضبط والزيادة وغيرها من أسباب الرأي، ولن يسلم مؤرخ الأدب من ذلك ولن يكون لفكره نفاذ ولن يكون رأيه رأيًا إلا إذا أزاح هذه العلة بالاطلاع والجمع والاستقصاء؛ وذلك ما نبهنا إليه الجامعة في غير موضع من كلامنا، لنعلم أن المطلب بعيد والطريق وعر، وأن تاريخ الأدب ليس مقالة إلى مقالة ولا فكرة إلى فكرة، ولا هو من باب الكلام الصحفي، ولكنه مادة إلى مادة وتحقيق إلى تحقيق؛ فلتعاير كتاب أستاذها بهذا المعيار، ولتبحث فيه عن المادة قبل الرأي، لَكنها ستراه كله خلطًا أحدثه تمازج
عصرين متناقضين، أحدهما: عصرنا هذا بما فيه مما يعرف الأستاذ عيانًا
وتصديقًا، والآخر: عصر العرب بما كان فيه مما لا يعرف إلا بعضه وهمًا
وتكذيبًا، لأنه لا ينساغ في طبيعته المعتلة الزائغة التي أفسدتها العقلية الأوروبية.
ومتى سُلط الفكر التاريخي بالمشاهدة على الوهم وبالتصديق على
التكذيب وكان لا يجري في ذلك إلا بميل وهوى، لم يبق من التاريخ شيء.
فإن بقي شيء لم يكن تاريخًا بل عملًا كتابيًا يُكد فيه الذهن ويُعنتُ الخاطر
لغرض من الإبداع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض
العقلية - أيها كان إلا غرضَ التاريخ.
وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة ٥٢: وفي
الحق أن النبي ﷺ لم يكد يدع هذه الدنيا - هذا تعبير المبشرين، كأنه حازها ثم تركها، أما التعبير الإسلامي فهو: لم يكد يلحق بربه، أو بالرفيق الأعلى - حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار فى الخلافة أين تكون ولمن تكون؟ وكاد
الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين "كذا كذا، بقية فقط في أصحاب
رسول الله ﷺ وحزمُ نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريشًا وهذا كذب على التاريخ؛ فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة، وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر وأن يبايع عمر وأن يصلي بصلاة المسلمين وأن يحج بحجهم وظل يمثل
المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة حتى قتل غيلة في بعض أسفاره قتلته
الجن فيما يزعم الرواة انتهى.
ثم قال في صفحة ٧١: وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت
الجن أداة من أدواتها "نهنئ الجامعة". . . وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي
نفسه، فقد أشرنا في الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة، ذلك
الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش، وقلنا إنهم تحدثوا أن الجن
قتلته، وهم لم يكتفوا بهذا الحديث وإنما رووا شعرًا قالته الجن تفتخر فيه بقتل
سعد بن عبادة هذا:
قد قتلنا سيد الخز. . . رج سعدَ بن عباده
ورميناه بسهميـ. . . نِ فلم نخطئ فؤاده
انتهى كلام الشيغ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل
وخلطَه وتعمدَه الكذب وقلة تَحفظه وأخذِه على نفسه فيما يقوله ويراه، وستطلع من ذلك على دخيلة نفسه الخبيثة وتعلم يقينًا أن غايته تحقير الإسلام وتهوين أمره، وأنه كالمكره على أن يسوق كلامه مَساق الشبهة مع أنه في سعة من التاريخ ونصوصه واللغةِ وأساليبها، وأنه دائمًا يتبع طريق الزنادقة في جعل الكلام مقدمات فاسدة ثم الإمساك عن النتيجة الآتية منها فلا يصرح بها بل يدع الطالب يستخرجها بفكره؛ ليجعل ذلك من عمله فيكون أَلصق به وأشد تأثيرًا في نفسه وعقله، ويخرجه ذلك إلى أن يعتقد ما انتهى إليه ويتأدى به الشك إلى التهمة، وتسلمه التهمة إلى ما لا يَسلم عليه إيمان ولا يصح به يقين.
يصور الشيخُ سعدَ بن عبادة كما تفهم أنت من موقف كموقف الحزب
الوطني في البرلمان مثلًا، فهو يمثل "المعارضة" وظل يمثلها إلى أن قتل، أي
سنة خمس عشرة للهجرة على بعض الأقوال وبعد وفاة أبي بكر ﵁ بنحو سنتين، والمعارضة إنما كانت معارضة حين نشأت مسألة الخلافة فما
بقاؤها بعد أن استوثق الأمر وهل تسمى بعد إجماع الأمة عصيانًا وخروجًا أو
معارضة يمثلها رجل سياسي؛ ثم يقول إن سعدًا هذا كان لا يصلي بصلاة
المسلمين الخ، فهل يفهم القارئ من هذه التعمية إلا أنَّه كان يصلي بصلاة
النصارى أو اليهود، مع أن صريح المعنى فيها أن الرجل كان يصلي بصلاة
المسلمين لم يغير ولم يبدل، ولكنه يصلي وحده وفي بيته لا مع الجماعة في
المسجد؟.. ثم يقبول إن الجن قتلته غيلة في بعض أسفاره، والرجل لم يُقتل
وإنما"سار. إلى الشام وأقام بحوران إلى أن مات ووجدوه ميتًا على مغتسله، ولم يختلف المؤرخون في ذلك؛ وإنما يذهب شيخ الجامعة إلى جعل القتل سياسيا لمكان "المعارضة" حتى يحسن التلفيق وهذا أفضح لجهله، فما حاجة المسلمين إلى فتل رجل ضعيف مغترب وقد استقر الأمر وبويع أبو بكر ثم بويع عمر ومضت سنتان على ذلك ولم يُقتل، ولا فتنة ولا خلافَ ولا شيء مما يدعو إلى القتل غيلة؟
ثم يقول إن السياسة التي قتلته أنطقت الجن بذينك البيتين، وأنهم
تحدثوا وروَوا؛ وكل ذلك جهل من الأستاذ؛ والخبر أن قريشًا وضعت فيما
وضعت من الشعر بيتًا نحلته الجن في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فزعموا
في أول الإسلام، أنهم لسمعوا صائحًا يصييح ليلًا على جبل أبي قُبيس:
فإن يُشلم السعدانِ يُصبِح محمدٌ. . . بمكة لا يخشى خِلافَ مخالِف
لما كان لهذين الرجلين من الشأن والخطر في قومهما، حتى إن النبي ﷺ اششارهمافي غزوة الخندق دون سائر الناس، فلما كانت هذه من أولية سعد زعم ابن سيرين في قَصصه أنه لما مات بالشام عُرف خبر موته في المدينة
"بالتلغزاف. . . " ولا تلغرافَ يومئذ إلا من الجن، فزعم أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلًا من بئر وأنشد البيتين؛ فأنت ترى لطف الصنعة في هذه الواية ورقتها وحسن سبكها، فإن الصائح الأول قبل إسلام سعد كان على ظهر - جبل والصائح الآخر بعد موته كان في قعر بئر. . . وكل ذلك تعظيم
لشان سعد، ولا سياسة ولا قتل ولا زندقة، وإنما قيل في الشعر - قد قتلنا -
لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائمًا يبول فاتكأ فمات، فهذه
الفجأة هي ما يسمونه قتلًا من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن
عنك أنه إذا صح أن الرجل قتلته السياسة فما قتله إلا عمر بن الخطاب، وما
أشنعها تهمًا أخزى الله قائلها!
ويبقى بعد كل هذا أن شيخ الجامعة قد جانب الفكر وترك التحليل في
هذه الحادثة مع أنه كثيرًا ما يقول في كتابه: "وفِقهُ هذه الرواية "كيت ذيت" فما
باله غفر الله له؟ ونحن نقول له إن "فِقه هذه الرواية" أن سعد بن عبادة كان سيد الأنصار وأجودَهم وصاحبَ رايتهم في المشاهد كلها، وكان غيورًا حتى ورد في الحديث:
"إن سعدًا لغيور وإني لأغيرُ من سعد واللهُ أغيرُ منا وغيرة الله أن تؤتى محارمُه " وكان يرمي بهمته بعيدًا، حتى كان من دعائه: "اللهم هَب لي مجدًا.
لا مجد إلا بفعال، ولا فعَال إلا بمال، اللهم إنه لا يُصلحني القليل ولا أصلح
عليه".
فهذه كلها أخلاق الرجل وطباعه، فلما لحق النبي ﷺ بربه طمع في الخلافة لمكانته وسابقته، وكان وقتئذ مريضًا لا يُسمع صوته، حتى إنه لما اجتمعت له الأنصار قال لابنه: لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم ولكن تلقَّ مني قولي فاسمعهُموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيُسمع أصحابه، فلعل هذا المريض لو كان صحيحًا لصح رأيه ولم تغلبه الفلتة الجاهلية ودخل فيما دخل الناس فيه، وهو إن كان قد غضب بعد أن تولاها أبو بكر فما غضب على المسلمين كافة ولكن على الأنصار بخاصتهم، لأنهم قومه الذين خذلوه. وإذا كان هذا كان الزعم أنه "يمثل المعارضة" زعمًا مضحكًا.
ثم يبقى قول أستاذ الجامعة "ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى
قريش " وما ندري من أين جاء بهذا إلا أن يكون سخافة من سخافاته، كأنه خيل إليه أن الأنصار لو كانوا يملكون القوة المادية لذهبوا بالخلافة، فلما ذهبت بها قريش كان ذلك نصًا على أن القوة كانت فيهم.
وهذا الأشتاذ والله في حاجة شديدة إلى طبيب يحميه الاستنتاج كما يُحمَى
المريضُ الأطعمةَ الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على
هذا النوع الدقيق من معاناه الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا. . .
كيف تكون القوة المادية في قريش، وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن
الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، ملكوا على أيديكم فإن أبوا عليكم ما سألئموه فأجلوهم عن هذه البلاد، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان.
أفيكون هذا كلام الأنصار ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة
المادية إلى قريش ولا تذعن الأنصار إلا خوفًا ورهبًا من هذه القوة لا رغبة ولا
إسلامًا ولا إيمانًا ولا إرادةَ وجه الله ولا تأثرًا بعاطفة؛ ثم ما معنى "القوة
المادية "، أكانت وزارة الحربية في قريش، أم كانت في أيديهم مصانع
الذخيرة. . . أم كان سلاحهم السيوف والرماح، وسلاح الأنصار العصي
والنبابيت. . .؟
Translation
قد تبين الرشد من الغي
#34 Chapter 34 — واضرب لهم مثلا · ref. #34
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
رجعتُ إلى النسخة العتيقة التي عندي من كتاب "كليلة ودمنة" وقد قلت
إنه ليس مثلها عند أحد غيري، وأنه لا تأبى عليها حكمة ولا تهولها حادثة ولا
يتعاظمها مَثل، وقد تصفحتها لعلني أصيب فيها مثلًا للجامعة وشيخها صاحب المعجزات والخوارق، فإذا كليلة يقول في بعض قوله:
فاضرب لي مثلًا في الرجل تعجبه نفسه فتغرُّه فتقحِمهُ في الجهلة المنكرة
يراها وحده علمًا ولا يعرفها الناس أجمعون إلا حمقًا وجهلًا، فإنك أمسكت
عن الحديث آنفًا عند مثل المدرسة التي زعموا أن اسمها الجامعة في إيمانها
بشيخها وتربصها أن تقع منه المعجزة، وقلتَ إنه كان رجلًا مفتونًا فجمعت عليه بين الغرور فيه والغفلة منها، وزادت في حمقه بضعف تمييزها فانقلب لا يمسكه عقل ولا دين، وإنه كان يتقي بعض السوء على نفسه، وكان يعتبر على علمه بعض الاعتبار، فلما رأَى الجامعة مهملة مُخلاة ورأى أنه وحده فوق المئذنة
وأن المصلين وإمامهم على الأرض، أذن في المسلمين بلغة الروم، وقال: إذا
كان المصلون غِربانًا فالمؤذن ولا عجب من البوم. . . وزعمتَ يا دمنةُ أنها
كانت مدرسة كمدرسة الحمار، فما مثل مدرسة الحمار؟
قال دمنة: زعموا أنه كان بأرض كذا حمار خُيًل إليه أنه عظيم الهامة حتى
لا يكبره الثور إلا بقرنيه، وغمه زيادة القرنين في الثور، فلما فكر وقايس واعتبر صح عنده أن أذنًا من أذنيه الطويلتين ترجح بالقرنين جميعًا وكان حمارًا ذا قياس ومنطق عجيب، فزعم لنفسه أن رأسًا في قدر رأسه لا بد أن ينشئ عقلًا، وأن عقلًا كهذا العقل يباع إنسانًا، وأن إنسانًا لا يكون حمارًا، فاهتدى من ذلك إلى أنه خلقٌ غير الحمير وقال: فما يمنعني أن آتي عملًا لا يتعلق فيه أحد بذيلي.
ثم يكون دليلًا في الحمير على أني فوق الناس، فإنه يُشبه أن أكون لهذا خلقت، وما ينفعني أن أكون فخم النهيق، إن لم يكن معي من القدرة والتمكين ما
تحصل به الفضيلة على من لاينهق؟
قال دمنة: وكان له صديق منِ الكلاب يأنس به جماعة من صبيان القرية
فيمسحونه ويطعمونه ويعبثون به، فأسرَّ إليه الحمار يومًا أنه ليس حمارًا.
قال: وما عساك تكون؟ وما هذا الجلد؟ وما هذا الحافر؟ ثم اقتصه القصة فزعم له الحمار أن هذا الجلد الذي هو فيه إنما أشبهَ به الحمير ليكون إرهاصًا للمعجزة التي بُعث بها!
قال الكلب: وإنك لصاحب معجزة؟ قال: نعم فإياك أن يعتريك
شك أو تكذيب، وإنما بعثت حمارًا لأن جنس الإنسان قد فطر على ضرائب من اللؤم والخمسة والدناءة فليس أقربَ إليه من الشك والحسد والجحود، وما تغني فيه الآيات والنذُر، ولا يجيئه من نبي ولا رسول بمعجزة إلا حسده فردها عليه بالحسد فكفر بردِّها عليه، وكان في الأنبياء مَن فَلق البحر ومن أحيا الموتى ومن شق القمر نصفين، ثم لا يزال الكفر مع ذلك باقيًا على الأرض فلم يَغُز كما يغور الماء، ولم يمت كما يموت الحي، ولم يَبْل كما يَبلَى الميت، فلعمري ما بقي في حكم العقل ولا في حيلة الظن لإيمان هذا الجنس الممقوت إلا أن تجيئه المعجزة في جِلد حمار!
قال الكلب: لعمري وعَمرُ أبي إن هذا لهو الرأي، وإن أمرك لأمر له ما بعده، وأنا حَوارِيُّك في هذه الرسالة، أخبرني ما
أنت صانع فلعلي أن أقوم فيه مقامًا، فإنك لتعلم ما عندي من الوفاء والأمانة، وأنت حقيق أن يستكفيني بعض أمرك، فقد عُرفنا معشر الكلاب بهذه الخلال الفاضلة، حتى إن الناس لا يجدون لهم أمثالًا يضربونها إلا منا كلما ذكروا الوفاء أو تمثلوا فيه.
قال الحمار: أخزى الله هؤلاء الناس؛ يضربون بكم المثل
في الأمانة والوفاء ثم لا يَسبُّ بعضهم بعضًا إلا قالوا يا كلب ويا ابن
الكلب. . .!
قال دمنة: ثم إنه قال للكلب: ادْنُ مني حتى أعهد إليك، وإياك أن
يعتريك داء الكلام في الصياح لكل نبأةِ فتفشي ما ائتمنتك عليه؛ فقد قالت
العلماء إن أشقى الخلق من شَقَى بصاحب معجزة!
قال الكلب: وإن كان حمارًا. . .؟
قال: اعْزبْ عني فَعل الله بك وفَعَل، ما أنتَ بصاحبها وإن الكلاب
لكثيرة بعدُ؛ وتالله إن رأيتُ كلبَ سَوْءٍ كاليوم؛ فانكسر الكلب وخشي أن يصيبه ما قالت العلماء، وبصبص بذنبه قليلًا ثم إنه دنا من الحمار وقال: ما أخطأ الناس في تنابزهم بالكلاب فقد عرفتُ معرَّة جنسي، وأنا تائب إليك مما فرط مني، فاعهد إليَّ بعهدك وخُذني بما أحببت فلن تجدني إلا حيث يسرك أن
تجدني.
قال الحمار: بارك الله عليك " وأَعظَم " لك. . . فقد ترى هؤلاء الصبيان
الذين يألفونك ويُلقون إليك بَكسر الخبز، فانظر فيما تحتال به حتى تأتيني بهم
فإن أولَ بَدأتي في المعجزة أن أكون معلم صِبيان.
فذهب الكلب فربض على
مَزجَر قريب منهم وهم يتعابثون ويلعبون، ثم قام فانسل أصغرهم فتمسح به، ثم التقم خبزته فوثب بعيدًا، ثم جعل يستطرد لهم ويعدو عدوًا رفيقًا وهم يتبعونه يريدون أخذه وإمساكه، حتى إذا جاء موضع الحمار دفع بين رجليه، ورفع الحمار راية ذيله فأصبح الكلب في حمايتها. . . وكان هذا الحمار قد رأى في بعض أسفاره قرادًا يرقص قردًا وقد اجتمع له الصبيان، وعاين ما استخرجته حركات القرد من عجبهم ولهوهم، فلما اجتمع أولئك الصبيان يريدون أخذ الكلب طَفق يصنع لهم كما رأى القرد يصنع، وبذل في ذلك غاية جهده وبلغ فيه منتهى حماريته. . . فبهِتَ الكلب وجعل ينظر كالمتعجب ويقول في نفسه:
أقرد هذا أم حمار؟ وأين ويحه المعجزة التي زعم، فإنما هذا رقص كالرقص.
وإذا كان الرقص أكبرَ أمرِه فما في أمره كبير عندنا؛ فإن أهوَنَ الكلاب لأقوى عليه من أعظم الحمير.
قال دمنة: وكان في النظارة خبيث نقاد، فقال: ما لهذا الحمار وخِفةَ
القرود ونَزَقَها وما تصنع من الطيش؛ إِن هذه الشياطين إِنما تُتخذ لمحض اللهو
والعبث، وهذا الغبي لا يرتبط إلا للحمل والمنفعة، فإذا هو ركبتهُ هذه الطبيعة وتُرك لها حتى تأخذ مأخذها فيه فوالله إن بقي أحدٌ يأمنه على أولاده، ويوشك أن يَقمص بأحدهم هذا القِماص فيرمي به فيدق عنقه أو يهشم عظمًا من عظامه.
ثم إنه راغ إلى داره فجاء بهراوة غليظة والحمار في عمَى مما يصنع.
وقد قام في نفسه أنه موحَى إليه، وأنه أكبر معلم للعلم في أكبر مدرسة في الدنيا. . .
فما راعه إلا الخبيث قائمًا يدق ظهره بالهراوة وأسرع الصبيان فتناولوا ما أصابته أيديهم من عود وخشبة وجلدة وما خف وثقل وداروا بالأستاذ الحمار فاعتَوَرُوه، وخرج الكلب يشتد عدوًا حتى إذا نجا بعيدًا أنحى على نفسه وقال: ويحك يا نفس! ما كان أجهلك! لقد كدت والله تهلكينني، أفيمكن في عقل العاقل أن تكون معجزةُ حمار إلا شيئًا كتقليد القرد. . .؟
* * *
وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن
فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يُخرجون عجزهم مخرجَ الحيلة.
فيُحكمون له التدبير ويأتون به في مثل أسلوب السحر والتلبيس والشعوذة، فإذا امتهدوا له من صناعتهم وبذلوا فيه العفو والجهد ثم جاؤونا به، نظرنا وحققنا فلم نر شيئًا، فقلنا: ما أهون وما أضعف وما أسخف، ثم قلنا لهم إنكم مقلدون مفضوحون؛ وإن أحدكم لهزيل ولا يرى إلا حُلة البادن الغليظ، وقصير ثم لا،
يلبس إلا ثياب المارد الطويل، ومفلس ثم لا ينفق على أعين الناس إلا ذهبا
أصفر فهو ماذا؛ ثم قلنا لهم إنكم علماء بالعلم الذي تسرقونه ولكنكم جهلاء لما تتعاطون من السرقة، وإنكم فلاسفة بالآراء التي تنتحلونها ولكنكم أغبياء لما تصنعون من سوء الانتحال، ومصلحون بالأقوال التي تزخرفونها ولكنكم مفسدون لجهلكم عواقب هذا التمويه.
ثم قلنا إننا لا ننخدع ولا نغتر ولا نتعبد للأسماء، ولتأت الأسماء من
حيث هي آتية في المغرب والمشرق فهاتوا حققوا فلسنا في سرعة التقبل منكم
مثلكم في سرعة الأخذ من الأوروبيين، ولا نحن في الشراء من دين الغرب
مثلكم فيما بعتم من دين الشرق، وفصلُ ما بيننا وبينكم أن في أيدينا أصل
الفضيلة فهو قياس لرذائلكم عندنا كما هو قياس لفضائلنا عند أنفسنا؛ وفي
أيديكم أصل الهوى فهو قياس لكل شيء عندكم إلا ديننا وفضائلنا، ثم قلنا لهم من علامة الضعف في عقولكم الجبارة. . . والاستخذاء في نفوسكم الراقية. . .
أنكم تقدسون فلانًا وفلانًا من فلاسفة الأوروبيين حتى فيما يؤخذ عن سواهم، وتحقرون فلانًا وفلانًا من فلاسفة الشرقيين حتى فيما لا يؤخذ إلا عنهم؛ فهل هذه ويلكم إلا سِمَةُ المستعبَدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء
الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء
المستعمرات، ولا تعلمون أيها الفلاسفة المغرورون أن هذا من شر ما تستعبد به الأمم الضعيفة؛ لأن قديمنا الذي تزرون عليه يذهب في جديدهم الذي تدعون إليه، ثم لا يكون جديدهم من بعد إلا مزجا بيننا وبينهم، ثم لا يكون هذا المزج إلا لعاب السياسة في أشداق الاستعمار لإساغة اللقمة أولًا وَحدرِها ثانيا وهضمها بعد ذلك.
فإذا قلنا لهم هذا ونحوه قالوا: متحجرون، وقدماء، وأنصار القديم.
فنعم نعم؛ غير أننا مع ذلك نلين لما لا يكْسِرنا، ونتجدد بما لا يفنينا، ونريد أن تبقى الأمة ولو هلك ألف من أمثال طه حسين، لا أن يبقى هؤلاء وتهلك الأمة، وما هلاك الأمم بالانقراض ولا بالأوبئة ولا بما يجتاحها من اصطدام النواميس، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره القائم وضرورته الملجئة، ولكن الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر المؤمنة وأجسامها ضارية، وتمحق الفضائل والشهواتُ عنيفة، وتموت العقائد والحياة قتال ونزاع؛ فإن كان الشك والزيغ ومذهب فلان وطريقة فلان ورواية فلان والجامعة المصرية وطه حسين والبلاء الأسود - إن كان هذا مما يؤدي إلى ذلك أو بعض ذلك فالنجاةَ النجاةَ
أيتها الأمة والسلامةَ السلامةَ، فإن هذه الجامعة المشؤومة لا تصنع لك دينا
بدينك، ولا تؤلف لك فضيلة من فضائلك، ولا ترد عليك ما تسلبك من ذات نفسك، وما حجتها إلا حجة الزنادقة في كل عصر، وما حجة الزنادقة إلا حرية الفكر والبحث، ولو لم يكن في الإنسان إلا الفكر وحده لقلنا عسى. . . ولكن هناك النية القائمة على الخلق، والخُلق القائم على الطبع، والطبع الذي منه خبيث لا يطيب وطيب قد يخبث!
النجاةَ النجاة أيتها الأمة، فلو استطاعت الجامعة المصرية أن تجعل هذا
المغرور طه حسين يرد على الميت عمره وينقله من قبره ويجعله تلميذًا في
الجامعة يكفر بإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم - لما أمكنها أن ترد على ملحد إيمانه الضائع، وعلى شاك يقينه الذاهب، وهذا لو أنها تكفر أبناء المسلمين بالعلم وللعلم، فكيف والأمر كله جهل في أستاذها وسقوط في نفسه وضعف في عقله وسوء تقليد منه أو تقليد سوء، وهو رجل لا يعرف علته الفلسفية ولا يدرك أنه منهزم أمام الحس، فهو يهدم ويخرب بقانون طبيعي فيه، لأنه أشعل من داخله لينفجر من داخله ولما منعته الحياة أن يعبث بحواسه ذهب عبثه كله إلى فكره وتسلط على لسانه، فهو رجل قانونه الطبيعي أنه مهما يأخذُ يفسِد ومهما يدع يصلح. . .
ولقد أفسد مذهب ديكارت وعدا عليه، فإن هذا الفيلسوف لا يأخذ
بمذهبه إلا مَن يحسن التفكير ويقوى على أن ينتج فيه إنتاجًا صحيحًا ويستجمع لذلك مادته الطبيعية من الذكاء والعلم والرأي. وإلا فديكارت إذن أحمقُ، بل يكون أجهلَ الخلق، إذ لو أطلق لكل إنسان أن يشك ويذهب بفكره ما يذهب على قدر ما يتهيأ له من الوسائل لانقلبت الأرض مارستانًا للمجانين، ولخرجت كل حرية عن وضعها في الطبيعة وفي الاجتماع وزاغت عن طريقها في نظام الدنيا القائم على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت
فلسفته إلى الشخصية، وليس بهين أن يقال في هذه الشخصية إنها حيث يطمع
كل طامع. وإن ديكارت مع ذلك ليخشى على التكوين الاجتماعي من الشك، لأن الشك لا حدَّ له، إذ هو المجهول كله، فهو من أجل هذا يشترط أن لا تُمس أصول الدين ولا يُجترأ على ما أنزله الناس في منزلتها من أصول العادات؛ وكل ذلك على ما فيه من القيود لا يتفق على أحسنه إلا لمن كان عقله من الذكاء والنفاذ كأنه قيد للمعاني والخواطر، فهو إطلاق لا يراد منه الإطلاق الأحمق كما ظهر في كتاب أستاذ الجامعة، بل تقيد الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا من البصيرة، وما البصيرة أن تَعمَى عن الحق بشيء من العاطفة أو العصبية، ولا بشيء من الجهل أو ضعف الذهن، فإن هذين كهذين، ومذهب ديكارت كفه تجده على أسماه وأبعده من الاعتراض وما يدخله من الشبهة في قوله تعالى: (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) وأنت فلا يذهبن عنك معنى "البصيرة" وأنها أذكى الذكاء وأسمى العقل وأقوى الخلق وأصح الطباع، وكل ما نفذ بك إلى الحقيقة المستكنة في حجبها وجنبك عمى النفس بدرجاته المختلفة، وهذه البصيرة كلمة واحدة ولكن كل وسائل الحقيقة واليقين منطوية فيها فهي من الكلام الجامع المعجز، ثم إنها قيد ينفي عن هذا المذهب من لم يكن قد جعلته الطبيعة من أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يُحسن القيام عليه.
وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق
خاصة ولا يطلقه في كل دعوة، إذ كانت النفس الإنسانية لا تتعاطى هذا الشاو البعيد إلا إذا قويت بالحق قوةَ بالغة وكانت من أسمى النفوس وأعظمها وأقربِها إلى الانسلاخ من جلدتها الأرضية، وفيما عدا ذلك فهذا المذهب الفلسفي وهم وخيال وتجاوُز لمقادير الحقائق في طلب هذه الحقائق وأنت خبير أن الصدق إذا نقصت منه كلمة فغيرت من حقيقته استحال كذبًا، وإذا زيدت فيه كلمة فغيرت من حقيقته رجع كأنه نقَص ولم يَزِد وما الزيادة والنقص إلا من هوى أو جهل والهوى بعضُ أثرِ النفس، ولن تجد التهمة على الحقائق إلا حيث تجد هذا الأثر.
وانظر ماذا يقول أناتول فرانس في مثل ما يزعم طه حسين أنه ينتحله من
مذاهب النقد المجرد، فهو يقول: "إن النقد لا قيمة له إلا قيمة الناقد، وهو
كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، فبنفسه يكتب عن نفسه.
وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئًا غير
أنفسهم لا تعدهم إلا في المغرورين، ولا يكبرن منهم أحد في وهمك، فإن
الإنسان لن يخرج من ذاته ".
ويقول الفيلسوف الإنجليزي جون تيودور مرتز: " إن هذه الطريقة التي
يعكف عليها من يزعمون التجرد للحقيقة تنتهي إلى أن ينظر إليها الناظر فيراها طريقة لم يبتغ أهلها أن ينطلقوا من قيود التقليد، بل هم خدعوا أنفسهم أو خدعتهم فظنوا أنهم أحرار فيما صنعوا وما كانوا قطّ إلا مقيدين بخيالهم مستسلمين لوهمهم الذي يتحكم فيهم التحكم كله ".
ونحن لم نقل في طه حسين إلا هذا، فهو يتوهم على التاريخ وعلى
الحقائق، ثم يتسيب بالوهم إلى الحكم؛ وهو يطلق لنفسه كل قول عرض له، ثم يجعل ذلك من العلم ويُكرِه العلم على قبولُه، وقد يكون جاهلًا بالخبر
وأصله، ومع ذلك يقول صدقوني وكذبوا الناس، وتراه سقيم الفهم ضعيف
التخريج ثم يأبى إلا أن تكون الأذهان كلها على أساس من فهمه.
وهو بعدُ خبيث ملحد مستهزئ يقلد أناتول فرانس في السخرية، والمعرِّي في الإلحاد على بُعد ما بينه وبينهما، ثم لا يريد إلا أن تكون نفسه هذه روحَ التاريخ الإسلامي.
فإن امتنع أن يكون التاريخ قد جاء منه إذ كان قد سبقه في الوجود
لم يمتنع أن يُخرج هو حقائقَه وفلسفته مطبوعة بطباعه زائغة بزيغه، فلا يأتينا إلا بما هو من جنسه، ولا يُخرج لنا غير المضحكات التي لا تليق إلا بأمة من
أمثاله، ولقد والله وإن تاريخ لا يصحح ولا يحقق إلا بمثل طه حسين، ولقد
والله ذلت أمة لا يكون القول في تاريخها إلا لمثل "عارورة الجامعة" كما سماه
الأستاذ وحيد بك (١) .
وسنأتيك الآن بمضحكة عجيبة من مضحكات دروس الجامعة المصرية.
فقد تكلم أستاذها عن القصص عند المسلمين ليثبت أنه من أسباب الوضع في
الشعر، فزعم في صفحة ٩٢ "أن الأدب لم يُدْرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه، وإنما دُرس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث، وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصقَ به من هذا
_________
(١) نال الأستاذ طه حسين ألقابًا كثيرة من الأمة، منها إبليس الجامعة وبومة الجامعة، وفيضة الجامعة، وعارورة الجامعة، وأبو جهل الجامعة، وغيرها. أما هذه الجامعة فظهر أنها أبعد في الموت من أن يصل إليها صوت من أهل الدنيا. . .
القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومُثُلَه العليا، فليس غريبًا أن ينصرف عن القصص أصحاب الجد من المسلمين " انتهى.
قلنا: وهذا عجيب جدًا من أستاذ الجامعة، فإن معناه أنه لم يشتغل
بالقصص إلا أصحاب الهزل والرقاعة.
ونحن نقرر أنه لم يكن يقص في أولية هذا الفن الإسلامي إلا أصحاب الجد من المسلمين وبه عُرِفوا وبهم نشأ وبفصاحتهم نبغ، وهذا الحسن البصري كان أشهر قاص في زمنه، وهو من سادات التابعين وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ وكانت أم سلمة
تُرضعه أحيانًا؛ وقد قالوا إنه جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة، وقال أبو عمرو بن العلاء إنه ما رأى في عصره أفصح منه؛ ولكن أستاذ الجامعة يخلط في معنى القصص والقاص لأنه يريد بعد هذه العبارة التي كتبها أن يأخذ اسكندر دوماس صاحب القصص الفرنسية المعروفة - وهو من أكبر المزورين والمدعين والمنتحلين - فيقحمه في التاريخ الإسلامي ويشبه به علماءنا كما سيأتي بعد، فيجعل القصص بذلك روايات وخيالات، أو كما يقول: " أهواء الشعب وشهواته ". . .
ثم إننا نقرر له أن القاص لا يسمى قاصًا عند المسلمين إلا إذا كان يقص
للتعليم والوعظ وللتذكير بالآخرة والتزهيد في الدنيا وحفظ الروح والخُلق
ونحوهما، وأن أساس هذا الفن كان تحريضَ المؤمنين على الجهاد والترغيبَ
فيما عند الله وإيثاره على الحياة، فكان مرجع القاص في قصصه إلى التفسير
والحديث والحكمة وما تناوله من أخبار الماضين وما لا حرج عليه في وضعه
مما يراد به غرض من تلك الأغراض، وقد قرروا أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، فكذلك القصة الموضوعة يؤخذ بها في الوعظ دون
التاريخ؛ لأنها إنما وضعت لذلك دون هذا؛ وما نشأت أهواء الشعب في
القصص إلا بعد أن تعاطاه الهفال المقتحمون عليه من غير أهله وجعلوه من
عملهم للحياة والعيش، ومع هذا فأمثال هؤلاء يعرفهم العلماء من أول التاريخ ويعدون قصصهم بدعة ويحذرون منهم كما يحذر أهلُ كل علم من الواغلين عليه.
وبعد أن ذكر الأستاذ مصادر القصص على زعمه قال: " إن القصص
العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يَزِنه الشعر من حين إلى
حين" (كذا، وإنما لحين الزمن) وضرب مثلًا بألف ليلة وليلة وقصة عنتر، ثم
قال: "وإذن فقد كان القصص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة".
فتأمل بالله كيف يقاس أولُ الزمن أيام بني أُمية على آخر الزمن أيام قصة
عنتر؛ ونحن نقرر للشيخ أن القصص أبعد أنواع الكلام عن اجتلاب الشعر وعن الحاجة إليه ولا يدخله منه إلا مقادير قليلة حيث يراد الشاهد والدليل، فسبيل الشعر في هذا سبيله في غيره من فنون الأدب جميعًا. وإذا وضع القاص شعرًا أو وُضع له شعر فإنما يكون قليلًا على جهة التظرف وليستروح إليه من الجد ويعلل به من يقص لهم استجماعًا للنشاط، فهذه واحدة، والثانية أن يقصد إلى الإغراب في الخبر الذي يقصه ليقال إنه واسع الحفظ، وهذه كانت سبيل الرواة أيضًا فيما وضعوه من الشعر، والثالثة أن يكون القاص قد وعظ ويريد المبالغة في التأثير فيُجري في كلامه قليلًا من الشعر كما تتغرغر الأعين ببعض الدمع؛ وليس غير هذه، ففي أيها تجد المقادير التي لا حد لها.
ثم يقول الشيخ طه: "وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القُصاص لم يكونوا
يستقلون (يريد يقومون) بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم من الأحاديث والأخبار ويلفقونها، وآخرين ينظمون لهم القصائد (صارت قصائد لا أبياتًا ومقاطع) .
قال: ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض، فقد يحدثنا (كذا) ابن سلام أن ابن إسحاق كان يعتذر عما (كذا) كان يروي من غُثاء الشعر فيقول: لا علم لي بالشعر.
إنما أوتى به فأحمله" فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله.
فمن هؤلاء القوم؟ انتهى خلط الرجل.
وهذه عجيبة من عجائب الفهم.
فإذا قال ابن إسحاق إنما أوتى بالشعر فأحمله، وكان ابن إسحاق من المعروفين بالكذب، لم يكن كلامه عند طه إلا صدقًا، ثم لم يكن معنى كلامه إلا أن قومًا يدقون عليه بابه ويهزأون به ويقولون يا ابن إسحاق خذ الشعر واروِه؛ ومن ترى يكون هؤلاء المجانين الذين يُغنِتون أنفسهم ويكدْون الذهن ويتعبون الخاطر في عمل الشعر ليسمعوه بعد ذلك مرويًا
لعاد وثمود وفلان وفلان ممن هلكوا وبادوا.
إذا كان ابن إسحاق بهذه الغفلة وجب أن لا يُصدق ولا يؤخذَ كلامه مأخذ النص ألبتة.
على أن عبارة ابن سلام هكذا: وممن هجن الشعر وأفسده وحملَ - يعني
روى - منه كل غثاء: محمد بن إسحاق، وكان من علماء الناس بالسيَر، فقبل الناس منه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به
فأحمله؛ ولم يكن ذلك عذرًا، فكتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم
يقولوا شعرًا قط. . . الخ!.
فأنت ترى أن الكلام يدور على تهجين الشعر وإفساده، ومثل هذا لا يستقيم
في العقل أن يعتذر منه ابن إسحاق بقوله لا علم لي بالشعر، إلا إذا كان رديئًا فاسدًا وكان من ساقط الكلام وما لا يجوز على أهل البصر بالشعر، فإذا كان على هذه الصفة فلم لا يكون من عمل ابن إسحاق الذي لا علم له بالشعر ويكون العذر تلفيقًا من كذبه؛ وإن يكنْ أن هناك قومًا يصنعون له الشعر ويأتونه به، فيبقى أن ابن إسحاق
ليس أعجميًا؛ بل عربيًا بليغًا؛ وكلامه في السيرة من الطبقة الأولى؛ ومن كان بهذه المنزلة وكان في حاجة إلى الشعر وجب عليه أن يستجيد له فلمَ يُهمل أن يختار لعمل الشعر شعراء وهم كثيرون فيأتونه بالجيد لا السفساف، وإذن فلا يكون ما يحمله غَثًا ضعيفًا؛ وإذن فلا وجه لأن يعتذر منه بقوله لا علم لي بالشعر.
فإن قلت إنه كان بليغًا يميز جيد الكلام من رديئه وكان هو الذي يصنع الشعر الهجين الفاسد وجب أن لا يرضاه لمكانه من الضعف، قلنا: هذه شيمة العلماء، حتى إنهم جعلوا شعر العلماء طبقة على حدة، وهم يتسمحون في الرديء من شعرهم لأنهم لا ينافسون به أحدًا ولأنهم غير معدودين في الشعراء.
وطه حسين نفسه يقع في مثل هذا. فهو يميز الشعر؛ وإن له لشعرًا في
منتهى الركاكة، سنطرف القراء بشيء منه في بعض ما يأتي:
فهما اثنتان في تأويل خبر ابن إسحاق لا ثالثة لهما، وكلتاهما نقض
للأخرى، وكلتاهما هدم على أستاذ الجامعة ودليل على سوء فهمه.
وهنا نمسك القلم خمس دقائق لنضحك من الجامعة كما نضحك من
شارلي شابلن، الممثل الهزلي المشهور، فقد كشفت الجامعة المصرية عن آثار
مصنع إسلامي عظيم للتلفيق والكذب رؤساؤه العمال من القصاص والعمال فيه طائفتان عظيمتان، إحداهما لتلفيق الأخبار والأخرى لوضع الشعر، وكلما اجتمع مقدار من إنتاج المصنع أرسل إلى الأسواق، وذلك حيث يقول طه في صفحة ٩٦: "أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، إنما كان كل واحد منهم - تأمل - يشرت على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النطام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم. . . وأذاعوه بين الناس، ومثلهم لي هذا مَثلُ القاصق الفرنسي المعروف
" إسكندر دوماس الكبير" اهـ.
ولكن يا سيدنا ومولانا أنت تعلم أنه كان من الرواة والعلماء والمتكلمين
قوم متعصبون على العرب قد نحتوا أثلتَهم نحتًا، كأبي عبيدة صاحب كتاب
المثالب الذي هتك فيه العرب وتناول أصحاب رسول الله ﷺ ثم علماء الشعوبية؛ ثم متكلمي الزنادقة وأدبائهم، وكانوا كلهم معاصرين للقصاص الذين تتكلم أنت فيهم؛ فكيف سكتوا ولم يفضحوا العرب وتاريخهم وأدبهم بهذا المصنع العجيب، وكيف غفلوا كلهم عنه وتركوه لك لتكشفه بعد ألف ومائتي سنة؛ أيكون سكوتهم عن ذكر ذلك إلا دليلًا قاطعًا على كذبك أنت فيه؟
النصّ النصّ إن كان عندك رسم المصنع وحجته الشرعية. . . وإلا فاستر
على نفسك يرحمك الله!
Translation
واضرب لهم مثلا
#35 Chapter 35 — وشعر طه هو طه الشعر · ref. #35
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
وشعر طه هو طه الشعر
نريد أن نسجل في هذه المقالات كلمتين كبيرتين، فإننا إنما نكتبها لجيل
سينتهي وأجيال ستبئدئ، ولقد رسخ في يقيننا أن الله تعالى ما أشهر أستاذ
الجامعة بهذه الفضيحة التي نشرها في آفاق الأرض ملكُ الرعد. . . إلا ليجعله خزيًا لقوم ملحدين، وعبرة لقوم منافقين، ومثلًا عند قوم مؤمنين، وما لغير حكمة وتقدير كانت الفضيحة مدخرة حتى تُفتح هذه الجامعة الكبرى لتبدأ تاريخ العلم العالي في مصر ويرتقي طه منصبه فيها، وقد ملئ غرورًا وزهوًا واستطال وبذخ وتوافرت له العلل من نفسه ومما حوله ورفعته في طويل أرادت أن يكون
حبال المعالي وأراد الله أن يكون من حبال المشانق. . . فلو هو سقط هذه
السقطة في غير هذه الجامعة لوقع بالجناحين اللذين ارتفع، ولكنها الجامعة التي
قالوا إنها أكبر من جبال الألب، فلما تمت صنعة الجبل في بضعة أشهر (١) وأراد القدر أن يعلن في الناس مبلغ علوه وارتفاعه لم يكن القياس إلا طه حسين يتدحرج من أعلاه إلى أسفله. . .
إن للأقدار مقاييس عجيبة لا يراد بها الكمية ولكن الكيفية، ولا يُطلب
منها تحديد الشيء في ذاته ولكن تحديده في عواقبه.
ويكون القياس على هذا اليوم الذي نحن فيه مثلًا، ولا يراد به إلا مقدار ما سيكون في غد أو بعد غد أو أي الأزمنة مما يُستقبل، ويأتي رجل كأبي جهل فيكون في أول الإسلام قياسًا للكفر والتعصب في الكفر واللجاج في التعصب، ولكن كل ذلك مَرَده ليشد النبوة ويقيمها على طريقها ويسددها فيه، كان الأقدار تبني بناء فإذا سألت ما الأساسُ قيل لك أوله هذه الحفرة. . .
والأستاذ طه حسين هو حفرةُ اليوم، وكان لا بد من حفرة إذا لم يكن بد
من أساس، فالله أعلم ماذا يبلغ هذا الأساس وماذا يحمل، أما الحفرة فأمرها
_________
(١) كانت هذه الجامعة مصنوعة لم تقمها أصبابها، وإنما جاءت تلفيقًا بغير رجالها وفي غير وقتها ولغير
طلبتها، وهذا من أكبر أصباب سقوطها، فما ير إلا دار وموظفون وقانون وأسماء وكلام قضى صنة
كاملة ينتظر معانيه، فلينتظر.
إلينا نتولاها كيف شئنا بعد أن غارت وانخسفت، وإنه من أجل ذلك نفيض فيما نكتبه ولا نزال نتبسط في الشرح ونتسع في تحليل نفسية طه وإيراد معايبه وبيان أغلاطه وأسبابها، ومن أجل ذلك نسجل هاتين الكلمتين كما أشرنا آنفًا، إذ هما عندنا باب من القول على حدة.
فالكلمة الأولى هي للدكتور طه حسين حديث له مع جريدة
" الأنفورماسيون " ترجمته "السياسة".
قال والإشارة في حديثه لحضرات علماء الدين:
"قيل لهؤلاء البسطاء. . . إني أطعن في الإسلام، فشهروا الحرب علي
جميعًا، وعلى أني أقول عاليًا إنه ليس في كتابي كلمة يمكن أن تؤول ضد
الدين، والعبارة الوحيدة التي يمكن أن أنتقد من أجلها تضع النصوص المقدسة
بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية. . . ".
والكلمة الثانية للأستاذ الشيخ عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر في مقالة
نشرها "الكوكب "، وهي قوله والخطاب لـ طه حسين "وكيف تزعم أيها الدكتور أن بعض العلماء أثار هذا الأمر - أمر كفرِك - وهأنذا أصرح لك - والتبعة في ذلك على وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر، وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوُّز؛ وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو رجاء أن تدلني على واحد منهم
"وواحد فقط" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر.
أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام.
وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق
نحوي. اهـ.
نسجل هاتين الكلمتين للعلم والتاريخ والأدب، ثم ليعلم الناس مبلغ
مصيبة الجامعة في أستاذها الذي كله مصائب، فالأعين ممتدة إليه في هذه البلاد ولا يستحي أن يظن نفسه في أرض قفر، والأمة كلها توفر علماءها وتفزع إليهم في أمر دينها وتراهم من رحمة الله بها ولا يخجل هو أن يسميهم (البسطاء) وهو يعلم أَنها كلمة عامية لا يراد بها في لسان العامة إلا البلاهة والغفلة وما إليهما.
وكل العلماء إجماع على كفره الصريح حتى لا تأويل ولا تجوُّز ولا مطمع في
حكم دون الكفر ثم هو تبلغ به الرقاعة أن يدعي أنه ليس في كتابه (كلمة) يمكن تأويلها ضد الدين، مع أنه لا يُهدم دين من الأديان بأنكى ولا أخبثَ من الطريقة التي انتهجها في كتابه وأدارها على إسقاط هيبة الدين وأهله في نفس الطالب الناشئ، ثم الشك فيه، ثم التأدي بهذا الشك إلى الإنكار منه، ثم التأدي بالإنكار إلى الهدم؛ وهذه درجات يركب بعضها بعضًا كما ترى.
وتالله ما رأيت رجلًا أَعجب من هذا الأستاذ، ولكن كلامه إنما هو صورة
فكرِه، وفكرُه مظهر أخلاقه؛ وحسبُك من أَخلاقه هذا العناد وهذه المكابرة وهذا الكذب وهذه السخرية كأنه ليس في الأمة كلها إلا هو وحده يعقل ويفهم، وإذا نحن تابعناه على منطقه فكل الشهود الذين رأوا اللص بأعينهم وشهدوا على جناية يده هم اللصوص، واللص وحده هو البريء!
فإن قيل له إن في هميانك ألف درهم مسروقة، ووضعوا أصابعهم عليها، قال: وليس فيها واحد يمكن أن يقال إنه مسروق. . . فإن كان فيها فإنما ذلك إبعاد للأموال المقدسة عن قسوة المباحث الشيوعية.
ألا ليت شعري لهذه الجامعة، ما الذي يمنعها أن تعلم هذا المنطقَ البديع
في دروس الحقوق، فإنها بذلك تخدم حرية الفكر والعمل، وإنها بذلك ترحم
كثيرًا من اللصوص والمجرمين وأهل الكبائر والصغائر مما تدعوها إليه الإنسانية
وتحمده لها بتلك الألسنة؟
وأيم الله لو أمكن لصًا من نوابغ اللصوص أن يكون أستاذًا لقانون
العقوبات وأمكن مزورًا أن يدرس القانون المدني وشيوعيًا - أحمر. . . - أن
يكون أستاذًا للقانون الدولي لما فعل أكل واحد منهم في دروسه إلا شبيهًا بما
فعل طه حسين في درس الأدب، فلِمَ تأتي الجامعة بالرجل الملحد يحكم بكفره
ألفُ عالم فتعهد إليه بدرس الفن العربي الذي معجزته القرآن، ولا تأتي باللص
والمزور والشيوعي يتناولون القوانين ويفتحون فيها باب الرحمة بمفتاح
ديكارت؛ وهل هذا إلا جنس واحد بعضه من بعض؟
فإن قالت الجامعة إن أستاذها ليس ملحدًا ولا كافرًا ولا زنديقًا، قلنا وهذا أشد خزيًا ومقتًا، فأيما أقرب إلى الصدق والسداد: قولُ رجل أو رجلين أو ثلاثة لا سابقة لهم في الدين ولا صلة لهم بعلومه، أم قول ألف عالم يحملون ألف شهادة دينية وعلى مقدمتهم شيخ الجامع الأزهر؟
إنهما اثنتان عَقِمَت أم المنطق فلم تلد لهما ثالثة:
فإما إباحة الخلط في كل علوم الجامعة وتَركُ الطلبة أحرارًا في التفكير والاقتناع وفي الشك واليقين، فلا يؤخذ أحدهم بحفظ شيء لا يراه صحيحًا، ولا يُسأل ما رأيُ فلان في كذا بل ما رأيك أنت. . . ولا يحاسَب على خطأ ولا صواب، لأنه لا خطأ ولا صواب في مذهب الشك، بل هو كله كالدائرة المفرغة ليس فيها أطراف، وإنما لها المحيط لو شئتَ لقطعتَ العمر كله دائرًا فيه بلا نهاية ولا غاية معينة، وإن كان في باب المساحة لا تزيد رقعتها على دائرة ثورِ الساقية.
هذه واحدة، والثانية مَحقُ البدعة التي جاء بها طه حسين في الأدب
والبراءةُ من كتابه السخيف وإعلان فساده من الجامعة ذاتها.
فإن التهمة ليست على طه إلا بأنه في الجامعة، فالتهمة على الجامعة نفسها وهي وحدها المتهمة بالإلحاد والجهل والخلط وفساد التأويل والاستهزاء بالأمة وإصغار علمائها وأدبائها، لأنها هي وحدها الراضية بالكفر المُعِينة عليه المشارِكة فيه، والمقرةُ للجهل الداعية إليه المحققة له.
كان الفيلسوف أرسطو يرى بعض الرأي فينكر عليه لأن أفلاطون يذهب
خلاف مذهبه، فكان يقول: إذا اختلف أفلاطون والحق فأيهما أحق أن يتبع؛ ونحن نقول للجامعة: إذا اختلف أفلاطونك. . . والدينُ ثم التاريخ، ثم العقل ثم الفهم؛ فأي الفريقين أحق بالاتباع؟
وفيم نحن أيتها الجامعة إلا في بيان سقَطِه وغلطه، وناهيكِ بهما سَقطا وغلطا لولا أنكِ في فلسفتك على شبيه مما يقول أناتول فرانس في فلسفة القوانين إذ يقول: إن الاجتماع قائم على أصلين:
الأول أن السرقة محرمة، والثاني أن ثمرة السرقة مقدسة لأنها من حرية العمل!
فأنتِ كذلك ترين أن الأدب قائم على أصلين: الأول أن الخطأ جهل مردود، والثاني أن ثمرة الخطأ علم مقبول لأنها من حرية الفكر!
والآن نظهرك أيها القارئ على سر من أسرار الخطأ في أستاذ الجامعة.
وإليه يرجع أكبر السبب في كلال ذهنه وتعقد فهمه وتهافُت آرائه وأنه إذا تعاطى القول في الأدب لم يتمكن من معنى صحيح ولم يصب غرضًا واقعًا، ولا يزال دأبًا يلوذ بأطراف الكلام حتى كأنه لا يفكر إلا بنصف عقل، فلا يخرج نصف كلامه إلا من لغو وعبث وخطأ، ولا يزال يعتريه ما يعتري كل من اتخذ الخلاف مذهبًا فيُحيل أكثر الكلام عن جهته ويجعل الخطأ صوابًا والصوابَ خطأ، ويستلب الرأي من أهله ويفسده عليهم في ظاهره أو باطنه، ثم لا يرضى إذا فرط منه الجهل أن تُبين له العلم، وإذا وقع في الغفلة أن تكشف له عن الحقيقة، فإن فعلتَ طار الغضب في رأسه فزلزله عليك زلزالًا وفجره تفجيرًا وجعله بركانًا فملأه نيرانًا وبذلك تميز في أمثاله ومَهر، وبان وظهر، وغلبَ وقهر، وكان واللهِ سبة لأدباء هذا العصر، فكل ما في الرجل من قوة وجرأة فإنما هو مما فيهم من جبن وانكماش. . .
أما ذلك السر فهو أن طه لما عَرف من نفسه ضعف المخيلة، ورأى أنه لا
يدرك ما يتعرض له ولا ينفذ إلى حقيقته، عَدَل في الأدب عن طبيعة الشعر إلى طبيعة المنطق؛ إذ كان الأصل فى هذا المنطق الاتساع في الكلام وهو من
مميزات الأستاذ وخصائصه؛ غير أن المنطق أيضًا لا يستقيم إلا بالقريحة
النفاذة، وهذه القريحة من بعض أسبابها الطبيعةُ الشعرية، فلما خذلته هذه
الطبيعة في المنطق كما خذلته في الشعر، عدل إلى طبيعة الجدل وهو فن من
الكلام قاعدته الأشكال والمقاييس، وبناؤه على التنظيم والترتيب، ومادته الثرثرة والاستطالة؛ وأعظم مقوماته اللجاج والإصرار، ولا يُسأل فيه ما الحقيقة ولكن ماذا تريد أن تكون الحقيقة؟ ولا ما اليقين ولكن ما ظنك باليقين ولا يقال فيه ما البرهان ولكن ما الاعتراض، ولا ما النص ولكن ما التأويل وكل ذلك إن لم تقم به الجرأة والحماقة ولم يكن سبيله من السخرية وعدم المبالاة ومن الشك والوساوس وما جرى هذا المجرى، لم يستوِ منه شيء لصاحبه وخرج منه مخذولًا لا هو في حجة ولا مغالطة.
فطه حسين مُكرَهٌ على طريقته في الأدب إكراهًا ما دام يريد أن يكون شيئًا
مذكورًا، وإنما كان سبيل مثله أن - يتبع - غيره ويقلد ويحتذي ولا يستنكف أن ينزل على رأي من هو أذكى منه ولا يأنف أن يدخل في قوانين الناس، فلما أبى ذلك وغلبته طبيعته وأراد أن يبتاع وما فيه من الابتداع شيء، كان كل عمله أن يفسد عمل غيره؛ ولا طريقة إلى ذلك إلا أن ينقاد إلى الظن، ولا سبيل لاتباع الظن إلا الشك، ولا برهان على الشك إلا من غاية صاحبه، وهذه الغاية راجعة إلى الطبع والخلق وحالة الفكر، وكما يكون الشك أول اليقين في أهل الطباع السليمة والأفكار القوية والأذهان المرهفة، يكون آخر اليقين في ذوي الطباع المضطربة والأذهان البليدة.
فطه رجل عالم فاضل، تراه من أحسن أدبائنا إذا وقف عند الحفظ
والمراجعة، يقابل بين تواريخ الأمم ويستخرج ما فيها من أنواع المشابهة
والمباينة ويعمل في ترتيبها، وتصنيفها، وإذا وقف عند العقل فأخذ يجمع
الحواشي والمتون والتعاليق ويضم مسألة إلى مسألة وكلامًا إلى كلام في أي علم شاء مما يحسن انتحاله، ولكنك تراه من أسخف الأدباء إذا حاول التجديد والإبداع، ثم من أضعفهم إذا تعاطى ما ليس في طبعه ولا قوته مما يحتاج إلى الطبيعة الشعرية والذهن الحاد والرأي والاستنباط؛، ولا أدل على ذلك من كتابه: الشعر الجاهلي، ثم من القصص التي نقلها عن الفرنسية. فقد كنت أقرأ هذه القصص واحدة بعد واحدة، وهي لأعلام البيان الفرنسي، فلا أراها إلا كعظام الموتى ليس فيها غير المادة - الفطرية ونظام - الهيكل وهيئته -، ولو كانت كذلك - في أصل لغتها لم يكن الأدب الفرسسي إلا فضولًا، وكان أدباء فرنسا أضعف الأمم
خيالًا وأبعدهم من الشعر ومعانيه.
ولقد نقل خلاصة من رواية الزنبقة الحمراء
لأناتول فرانس - وهي من أبلغ كتب هذا العبقري العظيم - فجاء بها كلامًا جافا لا ماء فيه ولا رونق له، وما ينقصها من أنواع النقص أن تكون من تأليف طه حسين لا من ترجمته!
ولست أدري كيف يأتي لمن لا يكون الشعر من طبيعته أن يكون ناقدا
أديبًا أو أستاذًا للأدب، وفي أي أمة نجد مثل هذا، وهل كل من عرف الحساب عرف منه الهندسة، لا نظن أحدًا يزعم ذلك أو يكابر فيه إلا طه، فإنه وحده يعرف من جدول الضرب. . . علومًا كثيرة منها الهندسة والجبر وحساب المثلثات والطبيعة والكيمياء وكل ما دخله العدد، ما دام الحساب هو العدد.
وتراه لا يجادل في شيء بما أوتي من قوة إلا في إثبات أن الناقد الأدبي لا
يجب أن يكون شاعرًا، وأن المعرفة بالشعر ليست ضرورية فيه كضرورة الأداة في الصنعة لمن يتصرف بها، ولو أن الشعر كان جَدَلًا وقياسًا وقواعد وحدودًا لما نازع في أمره، لكنه يعلم أنه الذوق والقريحة وهما من أسرار السموات، ويعلم أن الشمعة إن كانت نورًا فنورها غير أشعة رنتجن "فلا هم له من ثمة إلا أن يزعم أن النقد الأدبي منطق وعلم وتأمل وفلسفة"
وفي بعض هذا كل وسائل النقد، وكل هذا بعض مواهبه هو فيما يدعي.
ولقد رأيت كلمة بليغة للآمدي كأنما كتبها للرد على أستاذ الجامعة منذ
أكثر من ألف سنة؛ أو لعله كان لهم في زمنهم طه كما لنا في زمننا، وكل ذلك (الطاها) يظن أن رِجله برقُ الأرض تطوي أقاصيها في بعض خطوات فقال له الآمدي: (ولعلك أكرمك الله اغتررتَ بأن شارفتَ شيئًا من تقسيمات المنطق وجملًا من الكلام والجدال، أو علمت أبوابًا من الحلال والحرام (هذه نسيها طه. . .) أو حفظت صدرًا من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية؟
وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعاناة ومزاولة ومتصل عناية
فتوحدتَ فيه وميزت، وظننت أن كل ما لا تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتَك عليه نفذت فيه وكشفت عن معانيه؛ هيهات! لقد ظننت باطلًا ورمت عسيرًا، لأن العلم أي نوع كان لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإنكباب عليه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويسهل؛ ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله وما في طاقته فعلُه
فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وُقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا
تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا صناعتك " انتهى.
وقد كان أحد أصدقاء طه يجادلنا ذات يوم؛ فرد علينا ما وصفناه به من أنه
لا حظ له في الشعر ولا يدَ له فيه، وقال: إن له فيه يدًا ورجلًا. . . وإنه غير منسلخ من الشعر بل هو في جلد شاعرين معًا، وإنه قد انبثت خواطره في كل معنى وافتتح للناس طريقة الأدب الحديث التي جمع فيها بين بلاغة اليونان والفرنسيس والعرب، فذهب في شعره بمحاسن هذه الأمم الثلاث؛ ودلنا على أبيات كان نظمها في استقبال العام الهجري، وقال إنها نُشرت في بعض أعداد "المقطم " من زمن، فكتبنا إلى من جاءنا بها، فما منها إلا المعنى البكر والأسلوب النادر واللفظ الموسيقي، وفيها الحلاوة والطلاوة ولها رفيف وعليها ماء، حتى لو تليت على شجرة جافة لاخضرَّت ثم هي بعد آية في الدلالة على القريحة الصافية والبلاغة المتمكنة والطبع البدوي السلس الرقيق الذي عرفه هو في كتابه بأنه يُعرض عن تكرار الحروف، فقال لا فضَّ فوه، وبتعبير المذهب الجديد لا أحوجه الله إلى تركيب أسنان:
ما لي وللبدر أطلب ردّه (١) . . . بل ما لأفلاك السماء وما لي
لا در در المال لو لم يُدَّخر. . . لبناء مكرمة وحسن فعال
لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال
لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لنيل مراتب الإجلال
والأغنياء على الملاهي عكف. . . صرعى اللواحظ والهوى الختَّال
ولا ريب عندنا أن هذه الأبيات من قصيدة طويلة ذهبت بقيتها في إحدى
الزلازل، لأنه بعد هذا الشعر لا يكون إلا الرجم وانقضاض الشهب وتمزق
الأرض. أفلا ترى الشيخ يقول: "بل ما لأفلاك السماء وما لي، فهذا نذير بأنها توشك أن تنقض عليه وتُتبعه شهابًا رصدًا، وتأمل البيت الرابع فإنه من فرط سموه وإبداع معناه والتعميق فيه قد فسد، لأن الشاعر يلعن المال إن لم يدخر إلا لنيل مراتب الإجلال.
فهل مراتب الإجلال إلا العلا والمكارم، وهل يدخر المال إلا لهذا؟
أم تكون المراتب هي الرتب والنياشين؟
وإذن فما كلمة "الإجلال " إلا سمو آخر لإفساد المعنى إذ رُتَبُ الإجلال هي رتب العظماء في
_________
(١) كذا رأيناها منشورة، وظاهر أن أصلها ما لي وما للبدر.
كل أمة. فيا صاحب هذا السمو إن كان ذلك شعرك فقد سلمنا لك ما تدعي من أن الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي منحولة بل كل الشعر الجاهلي مكذوب موضوع لما فيه من التوليد والسخف والركاكة، وأنه لا يمثل الحياة الجاهلية.
وإنما جاءك الدليل على هذا الرأي من أنك لو كنت أنت في ذلك العهد ولجأت إليك القبائل تستكثر بك من وقائعها وأشعارها، وجاءك الرواة يحملون عنك والقُصاص لتخلق لهم ذلك الخلق - لوضعت على فحول الجاهلية من نمط أبياتك هذه جزالة وقوة وإحكامًا وذهابًا في فنون الشعر، فعضَل شعرُك بأهل النقد والتمييز، ولا تُجريه في شعر إلا أشبهته وامتزجت به امتزاج الماء الصافي بالماء الصافي وإن كانا من نبعين مختلفين فلا يعرف بعد امتزاجهما أيهما من هنا وأيهما من ثم! . . .
إني والله أستحي لـ طه حسين أن يكون هذا شعره ثم يتكلم في الشعر، فإن
هذا الكلام الركيك ما فصل عن نفسه إلا وبينهما شبه في الجفاء والغلظة
والاضطراب والتخرق؛ وما يسقط الأستاذ أكثر ما يسقط في كتابه الشعر
الجاهلي إلا من هذه العلة الشعرية في ذهنه، ومن تلك العلة الفلسفية في رأيه
فما هو شاعر ولا هو فيلسوف، ولكن كتابه قائم على الشعر وإدراكه وتمييزه وتصحيح نسبته من فحول كبار أئمة هذا الفن، وعلى الفلسفة في التاريخ وتناولها الأشياء والحوادث والأشخاص من جهة عللها وأسرارها فلا جرم تهافَت وتعثر وأحال وتناقض بحيث لا يصيب في واحدة إلا أخطأ في عشر.
ولم يكن بدعًا أن يجيء كتابه على مقداره فيغلب عليه الضعف ويفسده
التعسف - وتنزعه النزعات - الخبيثة لا يكون كتابه في حاجة إليها ولكنها من حاجة نفسه فلا يزيد على أن يفتضح بها؛ ومن أغربها قوله في صفحة ٧٤ إذ نقل من الأغاني عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال: إنه قال لي أبو بكر بن عبد العزيز وجئته أطلب مَغرَمًا: يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة
وقل: سمعت حسانًا ينشدها رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت. قال: لا.
إلا أن تقول سمعت حسانًا ينشدها رسول الله ﷺ فأبى علي وأبيتُ عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال.
فأرسل إليَّ وقال: قل أبياتًا تمدح بها هشامًا وبني
أمية واجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك الخ الخ.
قال أستاذ الجامعة المتبع مذهب ديكارت: فانظر إلى ابن عبد الرحمن
كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر (كذا) على حسان.
ثم لا يكفيه
هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسانًا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ﷺ كل هذا بأربعة آلاف درهم، ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي ﷺ
بهذا المقدار - واستباح أن يكذب على عائشة ﵂ اهـ.
فهل تجد أنت في القصة مساومة أو ما يشير إليها حتى يكون الرجل
المسلم لم يكره الكذب على النبي ﷺ إلا لقلة الثمن؛ وهل فرق في الكذب بين أن يكون بأربعة آلاف أو بعشرة أو أقل أو أكثر إن لم يكن الإيمان هو الذي منع الرجلَ منه للحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (من كذب علي عامدًا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" غير أن فقه الرواية أن نفس طه في جشعها وتكالبها على
المال حلالًا وحرامًا وفى رقة دينها وإيمانها، هي التي أوحت إليه هذا التعليل
السخيف البارد، فحسب أنه لو كان هو المسؤول أن يكذب لقال للسائل: يا هذا، إن الكذب على عائشة بكذا وعلى رسول الله ﷺ بكذا، فإذا لم تبذل إلا أربعة آلاف فلا أكذب إلا على عائشة..
والرواية في عبارتها صريحة واضحة لا لبس فيها، ولكن طه كما وصفنا
ثمرة لم تنضج إلا مُرة شديدة المرارة، فليست تُذاق أبدًا إلا دلت على نفسها
وتركت طعمًا من مرارتها ينبئ عنها؛ ولو أن الجامعة المصرية ألحقت من أجل
ذلك بشركة السكر. . . لأفلست الشركة في إحلاء هذه الثمرة ولا تحلو!
ويقول في صفحة ٥٦ "في عصبية قريش على الأنصار" إنه كان من قريش
من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء
لهم، ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على "الأنصار" الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي ﷺ فيهم، فقد يحدثنا - كذا - الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان وهم غير حافلين بما يقول فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعرِ حسان من النبي ﷺ وأثر ذلك في نفس حسان فقال
يمدحه: وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر.
فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس "الأنصار" لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش، وأول الشعر هو:
أقام على عهد النبي وهديهِ. . . حوارِيُّه والقولُ بالفعل يُعدَلُ
أقام على منهاجِه وطريقِه. . . يوالي وليَّ الحق والحقُّ أعدل
قال طه: "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر
حسان لعهد النبي ﷺ وحزنه عليه وأسفَه على ما فات "الأنصار" من موالاة النبي لهم وإنصافه إياهم " انتهى.
وبعد صفحة واحدة قال: كما كان الزبير من هذه الفئة القرشية التي كانت
تعطف على "الأنصار" ذكرًا لعهد النبي ﷺ أو
" احتفاظًا بمودة الأنصار ليوم الحاجة. . . ".
والخبر من الأغاني في ترجمة حسان، وعبارته أن الزبير مرَّ بمجلس من
أصحاب رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعونه منه، فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعونه من شعر ابن الفُريعة، فلقد كان يعرض لرسول الله ﷺ فيحسن استماعه ويجزل عليه
ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء، فقال حسان وأنشد الأبيات.
فانظركم في أسباب الدلالة التاريخية بين قول الأغاني إنه مر بمجلس
من أصحاب رسول الله ﷺ وقول طه مر بنفر من المسلمين وهذا الخبر قد مرَّ على كل علماء الأدب والتاريخ الإسلامي فما فطن أحد إلى دلالته على حزن الأنصار وعطف الزبير عليهم "ليوم الحاجة"، إلا أستاذ الجامعة وحده؛ فأين فيه ذكر الأنصار وحزنهم على ما فاتهم، وإنما يتكلم حسان عن نفسه وإياها أراد بقوله: "وليَّ الحق" إذ كان يتولاه رسول الله ﷺ، وهو رجل شاعر كل
مجده في إقبال الناس عليه ونشاطهم لكلامه إن كانوا من قومه الأنصار أو
من غيرهم.
وأين النص يا أستاذ الجامعة على أن ذلك المجلس من الصحابة كان من
قريش، فإنه إذا جاز أن يكون من الأنصار فقد بطل ما جئت به؛ إذ يكون قومُ حسان هم الذين لم ينشطوا لسماعه، ثم كم من الفرق بين أن يكون سامع الشعر غير ناشط له وبين أن يكون غير "حافل " به؛ ثم أين النص على أن ذلك المجلس كان في تاريخ بعينه مع أنه يجوز أنه كان في زمن عمر بن الخطاب بعد أن استقرت الأمور ولم يبق شيء من الخلاف بين قريش والأنصار، أو بعد ذلك بزمن بعيد، فإن الزبير قتل في سنة ست وثلاثين للهجرة.
وإذا علمتَ أن الزبير هو ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريُّه وصفيُّه وقد شهد معه المشاهد كلها فلا تسألني أنا عن معنى قول الأستاذ "ليوم الحاجة"، ولكن سل رجلًا ملحدًا زنديقًا
لا يظن أن في النفوس نفسًا مؤمنة، لأن الإيمان عنده خدعة من خدع السياسة كإسلام نابليون في مصر!
وعجيب من طه بعد أن عرفت شعره ومبلغ فهمه للشعر أن تراه يقول في
صفحة ٩٩: "وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلُّف بيِّن الصنعة. . . ".
وفي صفحة ١٠٣: "ويروي لنا ابن سلام شعرًا آخر ليس أقل من هذا
سخفًا ولا تكلفًا ولا انتحالًا. . . ".
وفي صفحة ٤١٥ وقال دولة سعد باشا للورد لويد: ويحسن استشارة
لندن، فقال اللورد: أنا لندن في المسائل الحاضرة! وأنا أقول كذلك للرافعي
ولغير الرافعي: أنا الشعر، أنا الجامعة. . .!
Translation
وشعر طه هو طه الشعر
#36 Chapter 36 — خنفساء ذات لون أبيض. . . · ref. #36
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
خنفساء ذات لون أبيض. . .
إن من عادتي إذا جلست للكتابة أن أضع ساعتي ناحية إلى اليمين مرتفقة
ذراعي أسد مصنوع من الحديد قد ربض ربضةَ الكبرياء مستوفزًا كأنما يجمع
الوثبة على فريسة وجد في الهواء ريحَها، كاشرًا كأنما يتهيأ لنقضها نفضة
الموت، مقشعرا يضم أجزاءه ليرسل منها حملته الفاتكة، وقد برز له صدر
ضخم مكتنز عُضلة لا أحسبه إلا جحر ذلك الطاحون الحيواني الذي صنعه الله من شدقيه وأنيابه.
وتأملتُ الآن هذا الأسد وهو يحمل ساعتي وأخذت أفكر فيما أكتب اليوم
عن الجامعة، فقلت: أسأل هذه الجامعة: ماذا عسى أن يدرك الأسد من معنى هذه الساعة لو هو أبصرها ملقاة بين يديه في الصحراء ورأى عقاربها تدب دبيبَها؛ أتراه يظنها خنفساء ذات لون أبيض، أم يحسبها في أرقامها السوداء قرية صغيرة من النمل، أم يخالها قطعة من العظم تفرَّق الذباب على أطرافها؟
إنه ظان ما شاء أن يظن إلا أن يعرف أنها أداة لتعيين الوقت، فإن ساعة الوقت عنده هي قرص الشمس يطلع أو يغيب، لا ليدل على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة، بل الساعة ظلام أو الساعة نور.
هذا في الأسد؛ أما في الإنسان فنسأل الجامعة: أكل امرئ يعرف قيمة الوقت في تحريره وضبطه؟ أم كل إنسان في ذلك بحساب من عمله وطريقته في الحياة؟ وماذا يفهم "المتشرد" في الطرقات من معنى قولك الساعة خمسة والساعة عشرة إلا على نحو مما يفهم الأستاذ طه حسين من المعاني الدينية السامية في التاريخ الإسلامي، إذ تعيَّن له فضائل كريمة لا يألفها ولا يسيغها ولا يعقلها، كما تعيَّن الساعة مواقيت دقيقة لا محل لها في حياة المتشرد والمفلول ولا وزن ولا قيمة.
وإذا نحن وضعنا هذه الساعة في ثوب هذا المتشرد وكانت عاملة محرَّرة
ثم وضعناها يومًا آخر وهي معطلة خربة.
فهل هذا اليوم عنده إلا كذاك اليوم؟
وهل تكون ساعة مثل هذا الرجل إلا الرغيف
والقرش ونحوهما مما لا يدله على أن الساعة واحدة أو ثلاثة
أو اثنتا عشرة بل الساعة شبع والساعة جوع؟
لا تعرف الجامعة ولا تريد أن تعرف أن مثل أستاذها في المبالاة بحقائق
المعاني العالية من التاريخ الإسلامي وفقهها مثل ذلك المتشرد في المبالاة
بمعاني الوقت، ومثلُ ذلك الأسد في المبالاة بمعاني الصناعة؛ ولكننا أريناها
بعينيها وبأعين الناس جميعًا أن كل المعاني الإسلامية في دروسها لم يدرك منها
أستاذها إلا شبيهًا بما أدرك الأسد إذ فكر ثم قدَّر ثم تدبر ثم حكم أن الساعة
خنفساء ذات لون أبيض. . .
كنا والله نرتاب في أن الجامعة المصرية مدرسة إلحاد، وأن طه حسين ما
أخذ لها دون سواه ممن كانوا في الجامعة القديمة (١) إلا لهذه العلة فيه، ولأنه
أقوَمُ بها وأقدرُ عليها، وكنا لا نظن هذا فضلًا عن أن نحققه، غير أنا قرأنا اليوم فصلًا إضافيًا لصديقنا الأستاذ العلامة الكبير السيد رشيد رضا كتبه في " المنار" وأذاعته جريدة "البلاغ " وجعل عنوانه " دعاية الإلحاد في مصر" وهو يقول فيه ليس الإلحاد بجديد في مصر، وإنما الجديد هو الدعوة إليه وتأليف الجمعيات لبثه وهدم الإسلام، وتأليف الكتب في الطعن على أعلام حكمائه المتقدمين الذين يعلي الإفرنج قدرهم كالغزالي وابن خلدون، والتنويه بمن اتهموا بالكفر والإلحاد كالمعرِّي، والإشادة بأدب من اشتهر بالفسق والخلاعة كأبي نواس.
"وقد كنا ذكرنا من بضع عشرة سنة خبر تأليف أول جمعية إلحادية من
أعضائها معمَّم من خريجي الأزهر؛ ثم إنهم خلعوا العذار وجهروا بدعايتهم في
دروس "مدرسهّ الجامعة المصرية" ومحاضراتها. . . وإذ فطنوا في هذه الأيام لما
في وطنيتهم ولا دينيتهم من الخسارة الأدبية والسياسية على مصر، وأنشأت
(جريدة السياسة) تعدهم وتمنيهم بأن ثقافتها الإلحادية الجديدة طفقت تتبوأ مباءة تلك الزعامة الدينية من أنفس الشعوب الشرقية عامة والسورية خاصة، إذ شعرت هذه الشعوب بأن الدين صار الأدنى والأضعف من جوامع الأقوام وروابط الأمم، وأن "مدرسة الجامعة المصرية الإلحادية" وهي المظهر الأعلى للثقافة الجديدة. . . قد خلفت الأزهر المتوفى غير مأسوف عليه وورثت مكانته المعنوية. . . لقد صدقت جريدة (السياسة) - وقلما كانت صادقة - فيما صورته من التنازع بين الجامعة الأزهرية الدينية، والجامعة المصرية الإلحادية، فهذا أمر يعرفه البصيرون وإن غفل عنه الأكثرون، وأول من صرح به في مجالسنا من غير
_________
(١) كان الأستاذ طه حسين يدرس في الجامعة قبل تسليمها إلى وزارة المعارف (تاريخ اليونان) وكأنهم لم يروه شيئًا في الأدب، ولكن جامعة تنشأ في بضعة أشهر غير عجيب منها أن توجد أديبًا في بضعة أيام!
المسلمين شابٌّ إسرائيلي ذكي سمعنا نتكلم في مسألة كتاب الشيخ علي عبد
الرزاق عقب ظهوره، وكونه ينصر فيه دعاية الإلحاد الجديدة؛ فقال: ليست المسألة مسألة كتاب ألفه شيخ مسلم في محاربة الإسلام، فلو كان هذا كل ما تشكو منه لهان خطبه. ولكن المسألة كل المسألة - هي التنازع بين " الجامعة المصرية" وجامعة الأزهر، فإذا غلبت الثانية بقيت هذه البلاد إسلامية، وإذا انتصرت الأولى لحقت مصر بالبلاد التركية وانقضى عصر الإسلام فيها" انتهى كلام السيد بحروفه.
وتقع هذه اللطمة وفيها قوة الأربعمائة مليون يد إلا تسعًا. . . على وجه
الجامعة، فلا ترى هذه الجامعة الذليلة تغضب لدين أو كرامة أو أمانة.
ولا يكون منها إلا أن تدير القفا. . . وكنا والله نحسبها ساكتة في جدالنا إياها عن عجز، لأننا على ما نعلم من وجوه الضعف الكثيرة في نفسنا نعلم يقينًا أنه ليس في هذه الجامعة من يقوم لنا في هذا الباب الذي نجادلها فيه، وهي بعدُ مغرورة بأستاذها تحسب الأدباء يتحامَونه لأن في فمه لجة من السب والشتم يغرق فيها من يتصدى له، فليكن في فمه البحر فإن ذلك لا يعجزنا أن نجيئه في وسط اللجة بتراب اليابسة يُرغم أنفه.
والآن علمنا أن إيمان الجامعة أو إيمان طه حسين بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر في ذلك الكتاب الذي أذاعته الجامعة إنما كان في بابه تزيُّنًا كتجمْل تلك المرأة السوداء التي سخر منها القدر حين وُلدت فسماها أهلها دنانير. . . ثم سخر منها حين كبرت فتزوجها أعشى سُليم الشاعر.
ثم سخر منها الثالثة حين تجملت وتكحلت بالإثمد فانطق الأعشى بهذا البيت:
كأنها والكحل في مِرودها. . . تكحل عينيها ببعض جلدها
كثيرًا ما سألت نفسي: هل في مصر كلها رجل واحد يحق له أن يكفر؟
وبمعنى آخر: هل في مصر كلها رجل عبقري شاذ يبلغ من سمو العقل وسعة
الإحاطة وحدة الذهن وغؤر النفس أن يكون له رأي خاص في الإيمان ينكسر به ما أجمع الناس عليه؟ وبمعنى ثالث: هل في مصر ممن يقلدون بعض فلاسفة
الأوروبيين في الإلحاد من يُعد في طبقة من يقلدهم بحيث لو كان في أوروبا
الملحدة لقلده أذكياء الأوروبيين وأساتذة الجامعات هناك. . .؟
إن البلاء كله إنما يجيئنا من ناحية الأخلاق الضعيفة أو الأعراق الدساسة
أو العلم الناقص؛ فأما أثر الخلق الضعيف والعرق الهجين فليس له إلا الحكومة بمدارسها، فإن أهملته في المدارس فلن يهملها هو في الأسواق وما وراءها من الأماكن والجهات حين ينبتُ الملحدون المتعلمون في الأمة ويتعاطون أمورها ويجارونها في أسباب الحياة؛ وأما العلم الناقص فأنت ترى أن صاحبه ما إن يتناول شيئًا من دقائق الفكر إلا انتهى إلى الحكم بأن فيها عجزًا أو ضعفًا أو اضطرابًا، كما يفعل طه حسين في دقائق التاريخ والشعر والدين، وذلك طبيعي لا يكون غيره، فما العقل الناقص إلا كالعين المريضة: لا ترى أثر مرضها إلا في الأشياء التي تراها والأشياء مع ذلك صحيحة لا مرض فيها.
واعلم أن الخطأ ولو في فكرة واحدة إن لم يكن إتلافًا وإحالة وإفسادًا فهو
تشويه ونقص، لأن الفكرة جزء من الأجزاء التي يتألف منها الكل المعنوي.
ومتى كثرت الفِكَرُ المخطئة بأي الأسباب من نقص العقل أو الذكاء أو الخلق، فذلك أشنع ما أنت واجده في عمل هؤلاء الملحدين إذ يفسدون الإيمان وهم يحسبون أنهم يصححونه، وما الإيمان إلا صورة معنوية كاملة لها أجزاء
ولأجزائها ألوان ولألوانها مقادير؛ فقل الآن في رجل أشل اليد أو سقيم النظر أو فاسد الذوق تريده على أن يرسم صورة امرأة جميلة ويكون من بعض آفاته أنه رجلُ منطق وتعليل وإبداع واختراع يزعمه، ثم لا يكون منطقه الذي يلائم ذوقه وفكره وفنه إلا على هذا التمثيل.
إن الحاجب أسود، والأسود يضاده الأبيض.
والضد يظهر حسنَه الضد، فالعين في الصورة يجب أن تكون بيضاء. . . والخد أحمر! والأحمر لون النار وللنار دخان يزينها من حواشيها، فعارضا المرأة يجب أن يكون لونهما في الصورة أسود ويمر في هذا المنطق ثم يخرج لك الصورة الجميلة فإذا هي صورة امرأة عمياء ملتحية، لم يخرجها من الطبيعة ولا من الفن بل من المنطق والحدس.
ثم من منطقه هو خاصة، ثم مما حدث بظنه على أنه
إبداع واختراع، وكل أولئك الذين تعرفهم ما منهم على الأمة إلا ذو مصيبة
واحدة، خلا الدكتور طه، فإنه ذو المصيبتين، لأنه وحده الذي يتناول الأدب العربي من دون هذه الفئة ويريد أن يأتي الإسلام من دعائمه، أما سائرهم فأهلُ سياسة وفلسفة؛ لا يُقدم أجرؤهم على بحث أدبي فيديره على الإلحاد إلا جعله على جهة النظر الاجتماعي أو السياسي.
فبذلك يهاجم الأدب وينهزم عن الأدباء.
لأنك إذا جادلته التوى عليك بأنه ينظر إلى غير ما تنظر، ويذهب في
غير مذهبك، وأخذ يكيلك الحصى وأنت توازنه الذر؛ فكلهم في الأدب مخادع نفسه؛ ولذلك لم يشتغل بهم أحد من علمائنا وأدبائنا على ما يتسع من عيوبهم
ويتضاعف من زلاتهم؛ إلا ذا المصيبتين، فهو وإن كان من جملتهم فإنه
وحده. . .
وبهذا تقدمَ عليهم وبانَ منهم حتى رأينا فيهم من يصفه بأنه زعيم
المجددين، ولعله من أجل هذا لم تجد الجامعة غيره ولم تعدل به أحدًا إذا صح
أن هذه الجامعة أداة من الأدوات كما هي مدرسة من المدارس؛ ونحن لا نزال
نتوقف في هذا فلا نبت الحكم عليه إلا بعد التثبت والاستبانة الصحيحة لأن
أثقال هذا الميزان من الرأي لا تزال ناقصة ولا يقع الرجحان فيه إلا بعد أن يُلقَى في كفتيه عمل الأستاذ الكبير مدير الجامعة، فإن هو ظل ساكتًا بعد الآن فسكوته عمله وكفى، وسكوتهُ يُنطق غيره، فما هو وحده بذي اللسان ولا هو يملك على أحد لسانه، وهو عندنا رجل للتاريخ فليحذر ألسنةَ التاريخ.
قلنا إن طه ذو المصيبتين على الأمة، ولكن الله تعالى يرعى دينه ويكلؤه
فيسر طه لما خُلق له، ثم يسره لمن يصدمه، فهو حجر لكنه هش لين المكسر، إذ كان من طبقاته التي يتألف منها طبقات مُتفتتة خُلقت من كُسارة الأحجار ودُقاقها كالطباشير، فهو ينطوي على طريقة كسره رحمة من الله بهذا الدين، وتلك سنة لن تخطئها في أعداء الإسلام إذ أنت استعرضتَهم وميزتهم فلا تتبدل ولا تتغير، ولولا ذلك لما هلكوا وبقى الدين، ولا ذهبت كتبهم وبقي القرآن.
وترى ذا المصيبتين هذا يحمل أسلحة كثيرة من العلم والتاريخ والجراءة والشك والحماقة، ولكنها كلها متفللة تكسرها في أصابعك لو شئت؛ فمعه إلى قوة الكلام ضعف الفهم وإلى شدة الصولة خَوَرُ الهزيمة، وهو سبَّاق القلم لكنه أعرج الخيال، سديد الجدل لكنه سيئ التاريخ؛ وقس على ذلك من فضائله وأسباب قوته ما إن تدبرته رأيته لا يأتي أبدًا إلا متعارضًا متهاترًا في بعضه إسقاط لبعضه.
وضع الأستاذ كتابه ليبحث في أن الشعر الجاهلي مصنوع محمول على
أهله، وأجمل هذه الفكرة وأسبابها ثم قال في صفحة ": "ولكني لن أقف عند
هذه المباحث، لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها وأريد
أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من
المباحث الماضية كلها، ذلك هو البحث الفني واللغوي، فسينتهي بنا هذا
البحث إلا أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرأ القيس أو إلى الأعشى أو إلى
غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية أو الفنية أن يكون
لهؤلاء الشعراء" انتهى.
لا جرم كان "البحث الفني واللغوي لا هو الأساس الذي يقوم عليه مثل هذا
الكتاب؛ إذ لا معنى للتخرص والحدس وقولِك أشد في هذا وأنكر هذا وأكبر
الظن كذا، فكل عافي وسوقي ونبطي وزنجي يستطيع أن يتناول الميزان الدقيق
فيُميله ويجعله أكذب الموازين وأخبثها ولا يعجزه أن يسوغ فعله بعذر أو دليل وإن لم يكن من القوة على ذلك والتوسع فيه بحيث يصلح أستاذًا، ولكن العجب أن شيخ الجامعة لما انتهى إلى البحث الفني واللغوي تخبط واختل وذاب واضمحل، ورأينا هذا البحر العظيم الذي يقال له الفني واللغوي، مستنقعًا صغيرًا يخوض منه الشيخ في ضحضاح من الماء الراكد، ويخرج مدعيًا الغرق وما يغرق أحد في مثله إلا إلى الكعبين.
وكان جديرًا بمن يقول الفني واللغوي أن يدلنا على نمط كل شاعر
وطريقته ومذهبه وعمودِ شعره وأسباب التوليد عليه بخاصته ووجوه الصنعة في كلامه وأن يعيد لنا من علمه الواسع ذلك العهد الأول الذي كان يقول فيه الرواة لم يصح لامرئ القيس إلا كذا، ولم يصح لطرفة وعبيد إلا كذا. وهذه الأبيات وضعها فلان أو زاد فيها فلان، بيد أن الأستاذ بعد أن وصف هو الأوقيانوس الفني واللغوي وأنه سينتهي بنا إلى القارة الجديدة المسماة أمريكا، اختصر الطريق إلى أمريكا هذه فجاء بها ووضعها في العدوة الأخرى من المستنقع. . .
إذ يقول في صفحة ١٣١: "وإذن فلنتناول مع الإيجاز الشديد شيئًا من البحث عن الشعر والشعراء في العصر الجاهلي، لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه الأشعار".
وفي صفحة ١٥٢ بعد أن روى مطلع قصيدة لعبيدة بن الأبرص: " لولا أننا
نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا يدك على موضع
التوليد فيه. . . ".
قلنا: ففي أي شيء هذا الكتاب إذن ما دام " الإيجاز الشديد وإيثار الإيجاز
والحرص على الإيجاز" هو أساسَ البحث الفني واللغوي فيه، على حين أن
الكتاب هو البحث وكل ما عداه حشو واستعانة وأن امرأ القيس لا يمحى من
التاريخ "بالإيجاز الشديد"، ومهلهلًا لا يكون من رجال الأساطير "بالحرص
على الإيجاز". . . وماذا يغني عنك - ويلك - أن تجمع لحرب أمة مصانع
كروب ومدافعها ومخترعاتها - عدةَ ملايين من المقاتِلة إذا لم يكن لديك إلا
بضعة مدافع بالإيجاز الشديد. . .؟
ألا تستحي يا طه أن تسقط بالجامعة هذا
السقوط كلَّه؛ وأن تتغفل الناس إلى هذا الحد في بحث لم يَخلق الله له أهلًا بعد
أن ذهب أهله؟
على أن المسألة اللغوية في كتاب الشيخ هي مسألة اللهجات، وقد
أسقطناها في بعض ما مر بك، ثم كانت عقدتها قوله في صفحة ١٤١
"وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يعني إن صح أنه خُلق - يمني وشعره قرشى اللغة. . . ولغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز"؛ إلى أن يقول:
"وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقًا في شعر امرئ القيس لفظًا أو أسلوبًا أو
نحوًا من أنحاء القول يدل على أنه يمني، فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة
عدنان فكيف نستطيع أن نتصور أن لغته قد مُحيت من نفسه محوًا تامًا ولم يظهر لها أثر في شعره؛ نظن أن أنصار القديم سيجدون كثيرًا من المشقة والعناء ليحلوا هذه المشكلة ". انتهى.
فنحن مع الأستاذ في اثنتين: أن ينكر وجود امرئ القيس إنكارًا صريحًا.
وحجتنا عليه ذكر هذا الشاعر في الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وفيما رُوي من كلام الصحابة كعمر وعلي وكلام الشعراء الأمويين كالفرزدق وجرير.
وأخرى: أن يقر بوجوده إقرارًا صريحًا ولا يقول "نرجح أنه وجد" وتبقى
المشكلة اللغوية التي أوردها واعترض بها وتوهم فيها في أنصار القديم ما توهم
وجعلها أقوى ما في كتابه من الأدلة، وقد أنذَرنا غير مرة في جدالنا معه أننا
"سنجد مشقة، وعسرًا" في التخلص من مشكلاته، فوالله ما وجدنا في واحدة عسرًا ولا مشقة، ولكنه يرمي الناس بما فيه وذلك من أمره، ولو تثبت واستعان بغيره لكان خيرًا له وأقوم، ولكن فتنه الله بنفسه وبصَّره العيوب إلا عيبه.
وقبل أن نحل له المشكلة نقول: إننا رأينا في بعض كتب الجدل أن رجلًا
ذكيًا قال لجماعة من الناس: إن سقف البيت كان فوق زيد ثم صار تحت زيد، فقال واحد منهم: لا جرم تهدم البيت ووقع السقف فلا حول ولا قوة إلا بالله!
وقال آخر: لا عجب مات الرجل شر ميتة فإنا لله! وقال ثالث: وليس يمشي
الناس في جنازته إلا متوجعين فرحمه الله! وانطلقوا في ذلك يُفضي به بعضهم
إلى بعض ولا رجعة لمن مات فالمشكلة لا حل لها!
ألا دعونا أيها الناس من الموت والهدم ومما قام بأنفسكم من المعاني،
وانظروا في الكلمة ولا تجاوزوها ودققوا الفهم قبل أن تدققوا التخريج فإن
السقف كان فوق زيد حين كان زيد جالسًا في الغرفة، ثم صار تحته حين صعد زيد إلى السطح؛ وهذا حل المشكلة التي هدمت بيتًا وقتلت رجلًا! وهي بعينها مشكلة أستاذ الجامعة، فلا تجد في هذه صعوبة إلا إذا جريتَ على طريقته في التاريخ والاعتماد فيه على العقل والرأي دون المادة متجاهلًا أن العقل ينتج في كل العلوم فيصلحها إلا في التاريخ فإته يفسده إذ لا تنتج فيه إلا المادة، وإذ حاجته إلى العقل المفسر منه لا إلى العقل المنتج فيه، والعقول أنواع بطبائعها وخصائصها ودرجاتها، فإذا تحكمتَ في التاريخ نوعتَه وهو شيء واحد لا يختلف ولا يقبل الزيادة، إذ كان وانتهى ووُضع عليه خاتم الفناء.
انظر يا سيدنا ومولانا طه حسين في كتاب العمدة في صفحة ٥٩ من
الجزء الأول. تجدهم حلُّوا مشكلتك منذ ألف سنة بقولهم إن امرأ القيس يماني
النسب نزاري الدار والمنشأ - يعني المولد والمربى. ولا تؤاخذنا، في التفسير
لك - فقل أنت الآن يا سيدنا ومولانا، هل تريد أن تولد لغة اليمن في دمه
فيكون دمه معجمًا لغويًا لا يجري كريات حمراء بل كلمات واشتقاقات
وأساليب؛ وهل العربية أية لهجة كانت إلا على الدار والمنشأ بالسماع
والمحاكاة؛ كان سبيلك يا سيدنا ومولانا أن تثبت لنا بديًا أن امرأ القيس وُلد
ونشأ في اليمن ثم تنقل بعد ذلك في قبائل العرب، ثم يكون لك أن تقول:
فكيف نسي لغته؟ وماذا نرى في قول بعض الرواة إن الشعر يماني واحتجاجهم لذلك في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بأبي نواس وأصحابه مسلم بن الوليد وأبي الشيص ودعبل - وكلهم من اليمن - وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين أَبي تمام والبحتري.
أكل هؤلاء وهم ينسبون إلى اليمن قد كانوا إلا على لغة الدار والمنشأ؟
ذلك هو كل ما في كتاب طه من المسألة اللغوية، وبقي أنه يجعل من
أسباب وضع الشعر سهولةَ ألفاظه، ويطلق ذلك في كل الشعراء الجاهليين قياسًا واحدًا، مع أن الرواة العلماء نصوا على أن الأعشى يحيل في لفظه كثيرًا ويسفسف دائمًا ويرق ويضعف، وقد جعلوه بإزاء النابغة، قالوا: وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن.
فإذا كان هذا الشعر وضعًا وصنعة فما الذي شدَّ النابغة وأرخى الأعشى؛ وقد أدرك الأعشى الإسلام وكان جاهليًا، وكان أهل
الكوفة يقدمونه على الشعراء، فلا شبهة في وجوده؛ وكان من شعراء ربيعة
كطرفة بن العبد، وإنهما لمتباينان في ألفاظ الشعر؛ فكيف اشتد واحد ولان
الآخر؟
قالوا: وكان الأصمعي يزعم أن العرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن
زيد، وعلل هذا بأن ألفاظهما ليست نجدية، أي ليست قوية متينة السبك في
الغاية من القوة والجزالة، ولقد كان الأصمعي أحق من طه حسين بما ذهب إليه لو أن رقة الألفاظ تنفي نسبة الشعر إلى جاهلي أو مخضرم أو تُثبته لمولَّد أو محدَث تكون سببًا من أسباب الشك.
ومع رقة شعر عدي كان معاوية يفضله
على جماعة الشعراء، ومع رقة أبي دؤاد فضله الحطيئة وهو أعلم بالشعر من طه ومن أجداده؛ فما أظن أن في سلسلته شاعرًا وإلا فأين أثره؟
إن الرقة والجزالة واللين والجفاء لا ترجع في الشعر إلى لغة الشاعر ولا
عصره ولكن لعواطفه ومعانيه وذوقه، وللطريقة التي نشأ عليها، وللشاعر الذي يحتذيه؛ فإن الشاعرية لا تنبت شاعريته كما تنبت الشجرة، بل هو بروي شعر غيره فيعمل عليه، ثم تعرض له أمور من نفسه ودهره وعيشه فتوثر فيه قوة وضعفًا، وقد كانوا لا يعذون الشاعر إلا مَن روى لغيره، لأنه متى روى استفحل.
وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الرواية.
قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيِّد شعره معرفَةَ جيِّد غيرِه، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة؛ وتأمل ما قالوا في حفظ الشعراء المولدين كأبي نواس الذي لم يقل الشعر حتى رَوى لسبعين امرأة من النساء دون الرجال، وأبي تمام الذي كان يحفظ ما لا يُعد، والمتنبي الذي لم يَفته شيء، والمعرِّي الذي لم تَسقط عن حفظه كلمة الخ الخ.
ولو كان طه شاعرًا لعرف كيف تختلف أساليب الشعراء وبمَ تختلف ولِم
تختلف؟ ولكنه بعيد من هذا وهذا بعيد منه كما تعلم، ومتى ثبت أن الشاعر
عندهم هو الراوية - وذلك ثابت لا ريب فيه والنصوص عليه كثيرة وأسماء
الشعراء ورواتهم معروفة - فمن ذلك تعلم كيف تأدى الشعر الجاهلي إلى
الرواة؛ فأولئك هم كانوا الدواوين التي جمعت الشعر وأدَّتْه صحيحًا محفوظًا ثم زيدَ، عليه بعد، ولكن كذبَ الزيادة لا ينفي صحة الأصل؛ والأمر في هذه الزيادة إلى أهله الذين كانوا أهلَه لا إلى طه ولا أمثال طه، فإذا رأيناهم يقولون مثلًا:
كان امرؤ القيس كثير المعاني والتصرف لا يصح له إلا نَيف وعشرون شعرًا من طويل وقطعة؛ فما بنا بعد هذا القول حاجة إلى طفيلي في الشعر وروايته
وتحقيقه كأستاذ الجامعة ينفي أو يثبت"، علىِ مذهب ديكارت أو علِى مذهب
الشيطان؛ لأن المذهب هنا من أقوال العلماء والحفاظ وأهل البصر بالشعر
والحذق في نقده وتمييزه، وما على الأرض اليوم رجل واحد يقول إنه من
هؤلاء.
ومما نظن أن ألفا وثلاثمائة سنة تضحك منه ضحكًا يهز قبور الأدباء، قولُ
شيخ الجامعة في تعيين تاريخ امرئ القيس صفحة ١٥٠
"والذي نرى نحن - تأمل نحن - أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضًا. . . " فربما التي يقال فيها إنها للتقليل هي في حساب التاريخ الحسيني بمائة سنة، لأن الذي يقال فيه إنه عاش قبل القرن السادس للميلاد لا يمكن أن يتقدم على سنة ٥٠٠ فإذا قيل فيه: ربما عاش قبل القرن الخامس أيضًا؛ فأيضًا هذه لا يمكن أن تتقدم سنة ٤٠٥ وما أنا من علماء الرياضة فأجد من عقلي قوة على تخليص هذا الخلط، وإذا جاءنا فيثاغورس فخلصه فقد بقي أنه يجوز أن يكون امرؤ القيس قد عاش قبل القرن الرابع وربما قبل الثالث أيضًا. . .
إن نصف الكذب من الكذاب يشبه أن يكون منه بمنزلة نصف الصدق.
فالحمد لله على أن أستاذ الجامعة قد أبقى لنا شيئًا نفهمه من شيء كان اسمه امرأ القيس!
Translation
خنفساء ذات لون أبيض. . .
#37 Chapter 37 — أعمالهم كرماد اشتدت به الريح · ref. #37
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
قرأت في "الأهرام" حديئًا كان مع أحد كتابها للأستاذ الفاضل مدير
الجامعة يصف ما تم في جامعته مدة عام ويؤرخها فيه، وقد رأينا الأستاذ ركب فنًا غريبًا من الكلام لا يعمد إليه في طبيعة القول وأساليبه إلا من كان في نفسه أشياءُ تناقض ما في لسانه، أو كان قوله على أصل مخترع؛ وسنعرض لحديثه بعد قليل.
ولما استوفيت القراءة رجعت إلى نسختي القديمة من كتاب (كليلة ودمنة)
لعلي أجد فيها بيان الحديث أو تأويل هذه الفلسفة، فأصبت ما أقص عليك من هذا المثل الغريب، قال دمنة:
وأنت يا كليلة بعدُ لا أراك تخرج من نحيزتك ولا تدع زَهوَك وفلسفتك
وما تبرح في لسانك دأبًا كلمتان: واحدة تنحدر وأخرى تَهمُّ أن تنحدر.
وتحسب أن ما معك من هذه الخاصة ليس مع أحد مثله، كأنَّ الله أفردك بها
وما يُفرِد إلا نبيا وما يميز إلا رسولًا وما أنت بأحدهما؟
وإن رجاء الأمور لا يكون بزخرف الكلام ولكن بصحته، ولا تجزئ منه كثرة أساليب الباطل وإنما غَناؤه في أسلوب واحد، إذ كانت الحقيقة الواحدة لا تتعدد.
ولعمري لو نفعك شيء من ذلك لقد كان نفَع الفيلسوفة الأمريكية، قال كليلة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه كان في أمريكا امرأة فيلسوفة أحكمت المنطق وجمعت
العلوم ونظمت الشعر وألفت الكتب، وكانت صلعاء مُنقشرةَ الرأس، يعرفون ذلك منها ويتواصفونه، فكانت لا ترى امرأة جثلةَ الشعر واردة الفرع إلا قالت في نفسها:
أما إني لا أعرف أحدًا من العلماء والفلاسفة وأهل الأدب يقطعني جداله
وتعجزني مسألته، ولو قد جادلتني امرأة كهذه لأعجزتني بأول كلمة منها، فإنها أول بدأتها لا تتكلم إلا في الصلع. . . ويا ويلك إن لم ينطق في قبحك إلا لسانُ الحسن!
قال: ثم إن النساء يومئذ وقع نقص جديد في عقولهن فذهبت كل
حسناء تُجمِّمُ وتقص شعرها تشبهًا بالغلمان والفتيان، وعمهن ذلك، فقالت
الصلعاء الفيلسوفة: لقد وإن أكثر الصبر العسير وقارب فن فنًا، وما الشعر الذي يسقط إلا أخو الشَّعر الذي لا ينبت.
قال دمنة: ثم إن الفيلسوفة أرادت أن تسبح وترى الأرض حتى تنتهي إلى
مصر فترى آثار الفرعون تتخمون، فلما جاوزت البحر ووقعت في الأرض
المسلمة رأت الناس في حيثما نزلت من مراكش إلى مصر يحلقون رؤوسهم
بالمواسي، فقالت: أما والله إن هذه لهي المدنية التي فَتحت العالم ودوَّخت
الممالك، وغيرُ مستنكر ممن ينشأون على حلق رؤوسهم بالموسى أن يحلقوا
أعناق الأمم بالسيف، وإن هذا لهو الرأي، وإني لموفقة أحسن التوفيق، ولن
أبرح الفرصة حتى أفعل وأفعل، إلى أن أحمل هذه المواسي على رؤوس
الأمريكيات، فلا يبقى من فرق بيني وبينهن إلا أنهن يحلقن مرة بعد مرة
وحُلقت أنا بالموسى الإلهية التي ليس لها مر بعد!
قال كليلة: ويحك يا دمنة! فماذا صنعت هذه اللكعاء؟
قال دمنة: سبحان الله! أقول لك فيلسوفة وتقول لكعاء؛ ثم إنها تعجلت
الرجوع إلى أرضها فعملت خطبة سمتها "من بلاد الموسى" ولم تدع فيها جهدًا
من مثلها إلا بلغته، حتى أتت على آخر وسعها، فصنفتها أحسن تصنيف
وعدلت أقسامها وأحكمت فصولها وابتدأتها بأن في الشرق مذهبًا فلسفيًا جديدا أبدعه مدير الجامعة المصرية، وهي مدرسة أفريقيا كلها، فما كان من عمل ولو إنشاء جامعة كبرى في زمننا هذا زمن الجامعات (فسنته الأولى تجربة. . . "
يذهب خطأُها في طلب صوابها فهو لا بد لاحق به، فهو من ثمَّ معدود منه.
فهو ليس بخطأ، ولو أن الدنيا خرِبت به لم يمنعه ذلك أن يسمى في الفلسفة
الشرقية صوابَ تجربة.
ثم إنها حشدت الأمريكيات وخطبت فيهن خطبتها تلك وشرحت قضية
الموسى، ولم تدع أن تزينها وتقرظها وتدعو إليها، وقالت آخر ما قالت: هب أنكن لا تعرفن عواقبها، فإن المذهب الفلسفي الشرقي يقضي "بسنة تجرِبة ".
فلا عليكن أن تكفرن بالمقص وتؤمن بالموسى! واعلمن - أصلحكن الله - أن
"سنة التجربة" ستكون الدين الجديد الذي يطبق الأرض فسارِعنَ إلى تجربة
الحلق بالموسى ليأخذه عنا الأوروبيات والسابقةُ لنا قبل أن نأخذه عنهن والسابقة لهن.
قال دمنة: فانتدبت لها امرأة من المجلس وضيئة حسناء، فلما وقفت
بإزائها أمسكت المشط فمرَّت في شعرها تُفيئه يمينًا وشمالًا وقالت لها: يا هَناهُ!
لو كان على رأسك من هذا لما كان في لسانك هذا.
* * *
وقرأنا حديث الأستاذ مدير الجامعة، والأستاذُ أول كاتب مصري جرت
في قلمه عبارة "سلطة الأمة" ولكنه في هذا الحديث سكت عن الأمة وشكواها
واحتجاجها كأنه لم يوجد من هذا شيء، أو كان الأستاذ يرى دين الأمة في
الجامعة كقطن الأمة في البورصة، يبعد السعر ويقرب ويرتفع وينزل ولا عليه
من ذلك، فإن كان اليسر فاليسر وإن كان إفلاس فإفلاس، إنما عمله هو نشر السعر كما تجيء به المصادفات خرابًا وعمارًا!
قلنا: فلتكن الجامعة كافرة كفرًا صريحًا، ولتكن على هذا أديرت إن لم
تكن لهذا أنشئت، فيبقى أمر هذه الغلطات التاريخية والأدبية التي وقع فيها
أستاذها وأبان فيها عن حماقة تركت الجامعة سخرية في الألسنة؛ فما سكوت
الأستاذ المدير عن هذا وللعلم حق يقضي عليه بإحدى قضيتين: فإما أن يسلم
بالخطأ ويلتمس إصلاحه ويعمل في ذلك ويعلنه للأمة، وإما لا؛ فليدفع حجة
بحجة وليرد كلامًا بكلام وليربأ بالجامعة أن تكون في موقف المعاند المكابر.
فإن المعاند يحسب السكوت مما يغطي ويموه على الناس، ولا يعلم أنه متى
قام الدليل من أحد خصمين لم يكن لسكوت الخصم الآخر إلا معنى واحد لا
يختلف لا في القانون ولا في العرف ولا في الشرع، وهو الإقرار والإذعان وإن كان لم يقر ولم يذعن.
يقول الأسنتاذ المدير: الجامعة تبتدئ، ولا شبهة في أن السنة الأولى
لإقامة معهد علمي كبير يراد به ترقية التعليم العالي من ناحية ونشر المعلومات
التي تحبب العلم إلى الجماهير - كذا كذا - من ناحية أخرى ينبغي اعتبارها "سَنة تجربة". . .
قلنا: ولكن يا سيدي المدير، ما نحن من أخلاط الأمم المبعثرة، ولا
نحن في جهل من مجاهل الدنيا، ولا نحن مبتدعين في إنثاء الجامعة فتضيع
أموالنا وأعمار أبنائنا فى سنة تجربة؛ أو لو قام تاجر مقصّر ينشئ مصرفًا ويعامل فيه الناس ثم خسر وانكْسرت عليه أموالهم يكون عذره عندك وعند المحاكم أنها سنة تجربة؟
ويقول الأستاذ: "لا أحد يشك في أن البرلمان المصري بعد أن استقبل في
العام الماضي نبأ تأليف الجامعة بالتصفيق لا يتردد هذا العام - بهذا الجزم - في
أن يقر قانون الجامعة ويحرص على إثبات شخصيتها المعنوية من غير أن ينقص
"من غير أن ينقص! " من مشخصاتها شيئًا "ولو بعض الشيء. . . " بل ربما زاد - الله الله - على قوة هذه الشخصية المعنوية ووسع في دائرة مظاهرها" انتهى.
ونحن نظن أن الحديث كله لم يوضع إلا ليستجرَّ هذه العبارة وحدها.
فهي والله ثقيلة على كل نفس، بل هي كالإملاء على البرلمان يفرضها عليه
المدير فرضًا، فلا أحد يشك حتى ولا يُهمهِمُ في نفسه؛ لا أحد عليه لا أحد، و"لا" لنفي الجنس، ولكن أين مذهب ديكارت يا سعادة المدير؛ أتشكون في الدين والعلم وتعلمون الشك وتحامون عنه وتحملون فيه سخط الأمة كلها، حتى إذا انتهى أمركم إلى نواب الأمة قلتم " لا أحد يشك) .. أفلا تعلم يا سيدي المدير أنك حقرت هذه الأمة، وإنك بعملك أنزلت الجامعة من الأمة منزلة عدو من عدوه.
فكيف تريد البرلمان على أَن يكون الخاضع وهو الحاكم، وكيف تريد أن
ينسى الأمة ليذكر الجامعة، وكيف تتقدم له "بسنة تجربة" ثم تقول إقرار القانون وإثباتُ الشخصنية وتقويتها وتوسيعُ دائرة مظاهرها؟
ونريد نحن أن نفهم كيف يكون التوسيع في دائرة مظاهر دروس الأدب.
أيامر البرلمان بحرق المصاحف توسيعًا لمظهر الدائرة التي تدور على أن القرآن
كتاب موضوع دخلته الخرافات العربية كما تعلمون في الجامعة؟
حدثني عنك يا سيدي المدير، ألا تعلم وأنت مدير الجامعة أن طه حسين
أعلَم الطلبة بعد أن احتج العلماء وثار الرأي العام وكادت تقع الفتنة، أن دروس الأدب في السنة الآتية ستكون في "مناقشة القرآن من الوجهة الأدبية"؛ أمِثلُ طه يناقش القرآن إلا في مثل هذه الجامعة الممقوتة التي تتقدم إلى البرلمان في سلاسلها وأغلالها من غضب الله والأمة وصالح المؤمنين ثم تفرض عليه إثبات الشخصية وتوسيع دائرة المظاهر؟
وحدثني عئك يا سيدي المدير، ألم تكن تعرف المسيو كازانوفا الذي
جئتم به للجامعة وما علمتم أن الله سيبطله (١) لأنه تعالى أرحم من أن يجمع
على أبناء هذه الأمة المسكينة كازانوفا وتلميذه طه حسين في مدرسة واحدة - ألم تكن تعلم أنه صاحب كتاب "محمد وانتهاء العالم" الذي يقرر فيه أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا بعده إذ كان لا يعتقد أنه سيموت. . . بل يرى أن الساعة قائمة في عهده، فلما مات كان موته تكذيبًا صريحًا لأصل عقيدته، فاضطر أبو بكر الصديق أن يكذب ويزيد في القرآن آيتين إحداهما (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) والأخرى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) .
ويقول بعد ذلك، هذه كذبة حلال نحن مدينون لها بقرآن أبي بكر. . .
غط يا سيدي على الناحية الحية من الجامعة فقد غطى القبر على الناحية
الميتة منها، ولقد أكثرتم الرماد فإذا أثارته الريح فلا تلوموها ولوموا أنفسكم!
* * *
ولنأخذ الآن في كتاب طه فقد وقعت فيه جَهلة لم نر مثلها لأجد إلا بعض
المستشرقين وهي تأويل سيرة امرئ القيس وإثبات الشيخ بالبحث الفني. . . أن هذه القصة مكذوبة؛ ولقد رأينا في تاريخ الأدب قصة أخرى أراد العلامة ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن يقول إنها موضوعة وبحث في ذلك بوسائل فنية.
فنريد أن نعرض عليك البحثين لتقابل بين هذا وذاك ولتعلم الجامعة في
أي منزلة من السخف تنزل دروسها.
قالوا: انه لما نشأت فتنة الخلافة أبى على أن يبايع لأبي بكر، فبعث
الصديق لأبي عبيدة وأنفذه إلى علي برسالة يؤديها وحمَّلَه عمرُ كلامًا آخر، فأدى ذلك إلى علي، فرد ﵇ بكلام يعتذر فيه، ثم غدا فبايع؛ وتركه أبو بكر مع عمر فتناقلا كلامًا بليغًا، والقصة طويلة يتراد فيها هؤلاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعلي، كلامًا من النمط العالي، فرواه ابن أبي الحديد ثم قال: "قلت: الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات وهذا الكلام كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان التوحيدي، لأنه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه، وقد حفظنا كلامَ عمر ورسائله وكلامَ أبي بكر وخطبَه.
فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما، وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى؛ وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة المحدَثين؟
"ومن تأمل كلام أبي حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج
_________
(١) هلك هذا المستشرق في مصر وكانت نادبته الأستاذ طه حسين.
ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروزي، وهذه عادته في كتاب البصائر: يسند إلى أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارهًا لأن ينسَب اليه.
ومما يوضح لك أنه مصنوع، أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من
المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث وكل من صنف في علم الكلام
والإمامية، لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية، ولقد كان الرضى ﵀ يلتقط من كلام أمير المؤمنين ﵁ اللفظة الشاذة والكلمة المفردة الصادرة عنه في معرض التألم والتظلم فيحتج بها ويعقد عليها، نحو قوله. . . وقوله. . . وقوله. . . وكان الرضي إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان الرضي عن هذا الحديث، وهلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامية كلام أمير المؤمنين ﵁ هذا؟
وكذلك من جاء من الإمامية، كابن النعمان وبني نوبخت وبني بُوَيه وغيرهم.
وكذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة وأصحاب الأخبار والحديث منهم إلى وقتنا هذا - وسط القرن السابع -؛ وهلا ذكره قاضي القضاة في المغني مع احتوائه على ما جرى بينهم حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير في أخبار السقيفة؛ وهلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا؛ وكذلك القول في متكلمي الأشعرية وأصحاب الحديث، كابن الباقلاني وغيره، وكان ابن الباقلاني شديدًا على الشيعة عظيم العصبية على أمير المؤمنين ﵁، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراهُ ودأبه.
"والأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من
علم البيان ومعرفة كلام الرجال، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل أنس بالتواريخ" انتهى.
فتأمل كيف يكون بحث المطلع المستوعب للمادة التي يتكلم فيها حتى لا
يفوته كتاب من الكتب ولا كلام عالم من العلماء، حتى لا يحكم إلا بعلم ولا
يحكي إلا عن مقنع، ثم قابل هذا ببحث أستاذ الجامعة وركاكته، قال في صفحة ١٣٤:
وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشِعْ
بين الناس إلا في عصر متأخر، - وفي عصر الرواة - المدونين والقَصاصين فأكبر الظن أنها نشأت في هذا العصر ولم تورَث من العصر الجاهلي؛ وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونفاها إنما هو ذلك المكان الذي احتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية إلى أواخر القرن الأول للهجرة.
"فنحن نعلم أن وفدًا من كندة وَفَد على النبي ﷺ وعلى رأسه الأشعث بن قيس. . . وأن الأشعث - بعد الردة - تاب وأناب وأصهر إلى أبي بكر فتزوج أخته أم فروة. . . وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس، وتولىٍ عملًا لعثمان، وظاهرَ عليًا على معاوية، وأكره عليًا على قبول التحكيم في صِفين.
" ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيدًا من سادات الكوفة، عليه
وحده اعتمد زياد حين أعياه أخذ حُجر بن عدي الكندي ونحن نعلم أن قصة
حجر بن عدي هذا وقتلَ معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس
المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثرًا قويًا عميقًا مَثَّلَ هذا الرجل في صورة
الشهيد؛ ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبد الرحمن بن محمد
قد ثار بالحجاج وخلع عبد الملك. . . ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ثم أعاد
الكرة فتنقل في مدن فارس. ثم استيأس فعاد إلى ملك الترك، ثم غدر به هذا
الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج، ثم قتل نفسه في طريقه إلى العراق. . . أتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية لا تصطنع القصص ولا تؤجر القُصاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من شأنه أن يرفع ذكرها ويُبعد صوتها؟
بلى، ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن بن الأشعث اتخذ القُصاص وأجرهَم. . . وكان له قاص يقال له عمرو بن زر.
وقصة امرئ القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبد الرحمن بن
الأشعث، فهي تمثل لنا امرأ القيس مطالبًا بثأر أبيه، وهل ثار عبد الرحمن عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقمًا لحجر بن عدي، وهي تمثل لنا امرأ القيس طامعًا في الملك، وقد كان عبد الرحمن بن الأشعث يرى أنه ليس أقل من بني أمية استئهالًا للملك الذي كان يطالب به، وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلًا في قبائل العرب، وكان عبد الرحمن متنقلًا في مدن فارس والعراق، وهي تمثل امرأ القيس لاجئًا إلى قيصر مستعينًا به، وقد كان عبد الرحمن لاجئًا إلى ملك الترك مستعينًا به، وهي تمثل لنا خبر امرئ القيس وقد غدرَ به قيصر بعد أن كاد له أسدي في القصر، وقد غدر ملك الترك بعبد الرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج، وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائدًا من
بلاد الروم. وقد مات عبد الرحمن في طريقه عائدًا من بلاد الترك.
قال الشيخ العلامة الطاهوي الحسيني. . .
"أليس من اليسير أن نفرض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس التي تد
تحدث بها الرواة ليست إلا لونًا من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه
القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق، واستعاروا له اسم الملك
الضليل (١) اتقاء لعمال بن أمية من ناحية، واستغلالًا لطائفة يسيرة من الأخبار كنت تعرف عن هذا الملك الضليل من جهة أخرى؟ " انتهى كلامه بنصه.
وكل ما مر بك من تاريخ فهو من تاريخ الطبري، ليس فيه لـ طه إلا
التحريف أو التخريف؛ فأين تقف من مثل ذلك على بحث أو اطلاع، وقد جهل الشيخ أن التاريخ كله حوادث متشابهة؟ إذ تنشأ في الأصل من طباع متقاربة محدودة في آثارها فتتشابه هذه الحوادث كما يتشابه الناس.
وسنقفك على ما فى كلام الشيخ من الكذب والخلط، فالأشعث بن قيس
لم يُكرِه عليًا على قبول التحكيم وإن كان قد تكلم في ذلك، إنما أكرهه القراء الذين كانوا معه حين انخدعوا برفع المصاحف من جيش معاوية.
وزياد بن أبي سفيان لم يعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن
عدي، بل قال لمحمد: والله لتأتيَني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا
دارًا إلا هدمتها.، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربًا إربًا ثم أمهله ثلاثًا وأرسله إلى السجن، فخرج محمد منتقع اللون يُتَلُّ تلا عنيفًا أفمثل هذا يقال فيه "عليه وحده اعتمد زياد" أم هي سنة العرب في أخذ سيد بسيد والاستفادة من رجل برجل، واستفزاز الحمية والإباء في نفس من يفوتهم هربًا لكيلا يظلَم فيه غيره فإذا عَرف من أخذ به أسلم نفسه؟
والمضحك أن الشيخ يقول إن زيادًا اعتمد على محمد بن الأشعث في
أخذ حجر بن عدي، ثم يقول بعد ذلك: "هل ثار عبد الرحمن بن محمد عند
من يفقهون التاريخ إلا منتقمًا لحجر؟ " أفليس الأقرب أن ينتقم لإهانة أبيه؟
ثم يقول إن قتل حُجر مثله في صورة الشهيد؛ فمن هو الشهيد إذن إن لم
_________
(١) لقب لامرئ القيس، أول من لقبه به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعناه الكثير الضلال، لما يعلن به في شعره من الفسق.
يكن مثلَ حجر؛ ولكن الشيخ فهم ذلك من قول الطبري: إن حجرًا قال لمن
حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا فإني ألاقي معاوية
غدًا على الجادة! ثم قُدم فضرب عنقه، قال هشام: كان محمد بن سيرين إذا
سئل في الشهيد يُغَسل؛ حدثهم حديث حجر؛ فأنت ترى أنهم يسألون ابن
سيرين هل يغسل الشهيد كما يغسل الميت فيحدثهم حديث حجر، يعني أنه لا يُغسل بل يُدفن بثيابه؛ ولكن الشيخ فهم أن السؤال وجوابه تصوير لحجر عند المسلمين في صورة الشهيد. . .
ثم يقول إن أسرة هذا شأنها تتخذ القصاص لينشروا لها الدعوة،. فإن كان
هذا فكيف أمِن الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فأرسله قائدًا على أربعين ألفا
لمحاربة الترك؟ وكيف يمكن أن يقع هذا من مثل الحجاج إذا كان قُصاص هذه
الأسرة ينشرون لها الدعوة؟ ألا يدل صنيعُ ذلك الطاغية الحجاج على أن أولئك القصاص لم يكونوا قد خُلقوا بعد، إذ لم يخلقوا إلا في سنتنا هذه في رأس شيخنا هذا؟
قال العلامة الطاهوي: "ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن اتخذ
القصاص، وكان له قاص اسمه عمرو بن زر".
فسلوه من أين جاء بهذا ومن الذي حدثه به من الرواة؛ إنه رأى في
الطبري هذه العبارة.
قال أبو مخنف: حدثني غمرو بن زر القاص: أن أباه كان
معه هنالك (في بلاد الترك) وأن ابن محمد - عبد الرحمن - كان ضَرَبه وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف - أي الانتقاض على الحجاج وخلع عبد الملك - دعاه وكساه وأعطاة. فأقبل فيمن أقبل؛ وكان قاصًا خطيبًا! اهـ.
فالعبارة صريحة في أن عمرًا هذا كان قاصًا، وأن أباه كان قاصًا خطيبًا
وأنهما كانا في بلاد الترك يقاتلان كما يقاتل قراء المصرين البصرة والكوفة لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله، حتى إن أقوى كتائب عبد الرحمن كانت كتيبة كل جندها من القراء وأن عبد الرحمن كان ضرب زرًا وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما احتاج إلى المقاتلة دعاه فحمله، يعني فأركبه، وجعله من فرسانه لا من قصاصه، فمن أين يؤخذ أن عمرو بن زر أو زرًا أبا عمرو كان قاصًا لابن الأشعث اتخذه وأجره ليصنع له ولأسرته الأخبار كقصة امرئ القيس، وبخاصة إذا علمنا أن الأب منهما ضُرب وحبس. . . .
وليس ينتهي عجبنا من الخلط في التمثيل والمقابلة. بين سيرة ابن الأشعث
وسيرة امرئ القيس، فابن الأشعث ليس بشاعر، ولا ابن ملك، ولا قُتل أبوه فخرج يطلب الثأر كامرئ القيس؛ وابن الأشعث لم يكن في سيرته صُعلوكًا، ولا متعهرًا، ولا متفحشًا كصاحبه، فإذا قابله القصاص برجل فلن يكون هذا الرجل امرأ القيس في تبطله وانقطاعه لصعاليك العرب وذؤبانها وفي الخمر والنساء والفحش ونحوها.
وابن الأشعث إن كان قد طلب الملك، فما طلب امرؤ القيس إلا ثأر
أبيه، ولهذا قال حَمَّلني دمه ولم يقل حَمَّلني مُلكه.
وابن الأشعث لم يلجأ إلى ملك الترك مستعينًا، بل منهزمًا، لأنه كان
صالحه على أن يكف عّنه ثم يفرغ للحجاج، فإن ظهر أعفى ملكَ الترك من
الخراج ما بقي، وإن انهزم فأراده وجب على الملك أن يلجئه عنده، وقد وفى
الملك بذمته وعهده.
وابن الأشعث لم يكد له رسل الحجاج عند ملك الترك، وإنما هددوه ليُسلمه
فأسلمه صاغرًا، واشترط على الحجاج شروطًا قبلها منه، وفي بعض الروايات أن ابن الأشعث مات بالسل وجاء الملك فاحتز رأسه وأرسله إلى الحجاج.
وابن الأشعث لم يتنقل في مدن فارس والعراق مستنصرًا مستجيشًا كما
فعل امرؤ القيس في قبائل العرب، بل كان محاربًا يرحل بالجيش وينزل
بالجيش، وامرؤ القيس كان سبب هلاكه أنه فتن بنت قيصر بجماله وغزله أو
على الأصح بمنظره العصبي، أما عبد الرحمن فكان سبب هلاكه أحد اثنين: إما السل، وإما رغبة ملك الترك أن يتخذ له يدًا عند الحجاج.
وإذا صحت رواية الموت بالسل - وبرهانها قوي - فلم يمت الرجل في طريقه إلى بلاده ولم يقتل نفسه، وإذا صح أنه مات في طريقه فقد قالوا إنه وثب من فوق قصر، وأين هذا من ميتة امرئ القيس في حلة مسمومة نثرت لحمه نثرًا؟ وإذا أراد قصاص بني الأشعث أن يكذبوا فيزيدوا قصة امرئ القيس في
مفاخرة كندة، فليس من الفخر أنهم جعلوه شاعرًا طرده أبوه، ثم يوصف
بالتصعلك والعهر والفحش، ثم يجعلونه عاجزًا ضائعًا في القبائل لا يأخذ بثأر
أبيه، ثم يلجئونه إلى قيصر فيكون هناك فاحشًا ويُقتل بفحشه وليس في السب عندهم أشنع من هذا ونحوه، وهو كما ترى أعجز العجز، لا يوافق أهواء شعب عربي ولا عاداته
وكيف يخاف القصاص عمال بني أمية فيضطرهم هذا الخوف أن يكنُّوا
عن ابن الأشعث بامرئ القيس، وأن يلفقوا هذا التلفيق البعيد ويضعوا له هذه القصة المخزية، وهم يرون المؤرخين وأصحاب الأخبار يذكرون خبر ابن
الأشعث ويدونون حروبه ويقصونها ويسندونها بالأسانيد، وهل كانت دولة بني أمية من الضعف بالمنزلة التي تخاف فيها ابن الأشعث ميتًا وهي التي كسرته حيًا ثائرًا في مائة ألف مقاتل؟ ولو قد خاف القصاص عمال بني أمية لخافوهم في الحسين بن علي، أو في عبد الله بن الزبير، وكانا يطلبان الخلافة بحقها، ولو قد خافوهم لخافهم الشعبي وهو قاص محدث، وكان يقاتل مع ابن الأشعث، ثم لقي الحجاج من بعد، ثم دخل على عبد الملك.
قال: فذهبت لأصنع معاذير لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجاج، فقال الملك: مه!
لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. . .
أينما يذهب طه حسين في تأويله فهو لا يرى إلا ما يهدم عليه رأيه، ولكن
أنى لمثله أن ينكر الهدم وفي رأسه مثل هذا الفهم الخراب!.
Translation
أعمالهم كرماد اشتدت به الريح
#38 Chapter 38 — قال دمنة. . . · ref. #38
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
قال دمنة. . .
يكتب إقي بعض الأفاضل من العلماء، والكتاب يسألون عن نسختي من
"كليلة ودمنة" ويطلبون إليَّ أن لا أكتمها عنهم ولا أستبد بها من دونهم، وأن
أفضي إليهم في كل مقالة بمثل منها؛ ويقولون هذا هو الجديد في الأدب العربي لا ما يعللوننا به من فصول مترجمة ومقالات مسروقة وآراء منتحلة، ولا ما يكتب أشباه السوقة والعامة في اللغة والتعبير والحكاية.
وقال أديب فاضل إنه سيدل وزارة المعارف على هذه النسخة لتنتزعها مني
ولو بمثاقلتها ذهبًا، فإنه - زَعم - لا يجوز أن يبقى هذا الكنز "لتوت عنخ
الرافعي". وقد ملكت الأمة كنز توت عنخ آمون.
وكتبت إليَّ سيدة معلمة تقول إن مثل الفيلسوفة الأمريكية الصلعاء قرئ
في جماعة من السيدات فكان رأيهن أن عشر قصص على هذه الطريقة تفيد في
نشر العربية الفصحى وتحبيبها إلى النفوس وإعادتها بعد شتات أمرها ما لا تُفيد عشر مدارس منها الجامعة.
وبعد فإني أستغفر الله وأقول إن كان هكذا فإنه لخير كان أصله من شر.
ولكن يا سبحان الله! ما لهذه الجامعة كأنها في سلاسلَ وأغلال ربضت بها إلى
الأرض وأعجزتها وحزت فيها وأكلت من جلدها؛ ألا تعلم أن باب الخطأ الذي دخلت منه يقابله باب التوبة، وأن الطريق التي انحدرت فيها لم يُخسَف بها فما جاءت فيه رجعت منه وما قطعته إلى الكفر تقطعه إلى الإيمان؟ بلى، ولكنهم يقولون إن الأستاذ الفاضل مدير هذه الجامعة يذهب بنفسه بعيدًا، ويجوز بها فوق مبلغها، فكأنه ليس مديرًا للجامعة بل هو مالكها المنفق عليها من ذات يده، فلا يسأل عما يفعل ساءت ملكته أم حَسُنت، ويقولون فما إبراهيم وإسماعيل والكعبة والقرآن والتوراة والأدب والتاريخ، وهذه الجامعة لو شاءت أن تزعم أن الهرم الأكبر مبني باللبِن لوسعَها ذلك ولجعلته تاريخًا مع وجود الهرم نفسه قائما من الصخر؛ ثم إنه ليس لأحد أن يُكرهها على أن تتكلم إذا
أرادت السكوت، لأنها مستقلة ولأنها تبحث بعقول أهلها وعلى قدر هذه العقول في أهلها، فإن كان ثَم تبعة من التبعات فعلى قوم غشوا الأمة في اختيار هذه العقول وظنوا أن نقش كلمة الجامعة في صفيحة من النحاس ثم وضع الصفيحة على باب دار يجعل الدار جامعة؛ ثم جَرَوْا هذا المجرى في الأساتذة، فرجعت الأشياء بعدُ إلى طبائعها لأنها لا تكذب ولا تغش، فوقعت الفوضى والاختلال وظهر الجهل
والخطأ وجاء درس الأدب وهو درس الكفر والتخليط والتزوير والتكير والمنكر، وسموا طه حسين أستاذًا في الجامعة وأظهرته الجامعة محررًا في السياسة على بذاءته ومساخته وفساد باطنه، كما كان في عهده إذ يسب دولة سعد باشا زغلول كل يوم بمقالة؛ وقس على طه من طرفيه إلى أعلى وإلى أسفل. . . (١)
قال دمنة: وكانت هذه الجامعة في إنشائها كالحلم: نُقِل من نوم إلى يقظة
في طرفة العين، فرأى الحالم الماهر. . . أن بحرًا من البحار قد نفض قاعة
نفضه قذفت إلى الهواء أثمن لؤلؤة فيه، ثم اجتمع الهواء فرمى فى يده اللؤلؤة
فانتبه فإذا يده مقبوضة، فقال لمن حوله: ألا ترون أطبقوا أيديكم؛ فلما فعلوا قال: الآن في يد كل منكم لؤلؤة ثمنها مائة ألف؛ والآن أصبحتم من سرَوات الدنيا ولهاميم العالم، وإن بلادًا أنتم من أهلها لجمجمة الأرض، الآن
والآن. . . ومضى يَعِدُهم ويمنيهم ويقول وإن في هذا لكم الغنى والمجدَ
والسؤدد.
ثم حلم الحالم الماهر. . . أن في جمع مدرسة إلى مدرسة ما يبدع
جامعة، فقال وإن في هذا لكم العلمَ الأعلى، والآن هذا مدير الجامعة، وذاك أستاذ كذا، وذلك أستاذ كيت، وهذا وذاك وذلك يجتمع منهم هؤلاء، فاجتمعوا فكان ماذا؟
قال كليلة: فكان ماذا.
قال دمنة: كان منهم كالدار التي ظن بانيها أنها تلد. . .
قال كليلة: وكيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة كذا رجل عقيم، وكانت به لوثة (٢)، فقال
_________
(١) إشارة إلى الأستاذ الجليل علي ماهر باشا وزير المعارف كان، وهو الذي أخرج الجامعة، وكان مخدوعًا في طه حسين، ونعتقد أنه لو بقي وزيرًا لأنصف، لأنه عالم ذكي، على أن عمله في إنشاء
هذه الجامعة كان كالذي يصنع طائرًا من الطين، فبعد أن يفرغ منها ويضعه على الأرض يرمي بعينيه إلى الجو لينظر أين بلغ الطائر في طيرانه.
(٢) اللوثة بالفتح: الحماقة؛ وبالضم: الاسترخاء والحبسة في اللسان. . .
إني لم أرزق ولدًا وما أرى من دار إلا وفيها أولاد، فلو قد بنيتُ دارًا لرجوت من العَقِب ما يرجو الناس، وقام ذلك بنفسه ورسخ في يقينه، وخُيل إليه من ظاهره باطن، فجاء بالعمال والبنائين وقال أبنوا ههنا ووسعوا وأكثروا الغُرفات، فإنهم عشرة غلمان وخمس بنات،. فذلك خمس عشرة غرفة؛ ثم لي وللعجوز غرفتان، فقال رئيس البنائين: ومن أين الغلمان والبنات وأنت شيخ عقيم، وإنما حاجة مثلك إلى الكن الدافئ والبيت الضيق يلفك وامرأتك ويُمسك عظامكما أن تتبعثر في الدار الواسعة!
قال صاحب الدار: يا سبحان الله! ما تصنع الغرارة وقلة المعرفة بأهلها.. أيها الفِسل، أما علمتَ أن كل غرفة تُبنى لولد
تُهيأ له وتسمى باسمه وتُحبس عليه - فإن القدرة توحي إليها أن تصير "سنةَ
تجربة": فإن لم تلده أمه بعد السنة أوحت إليها القدرَة أن تلده هي فيصبح الشيخ مثلي وإذا ولده خمسةَ عشر مما تلد الدار. . .
قال كليلة: فقد زعمت يا دمنة أن هذه الجامعة الخرقاء كانت مستقلة.
ففسر لي استقلالها ما هو؟
أكان أساتذتها يأكلون كتبًا ويشربون حبرًا ويلبسون
جدرانًا وأبو ابًا؟
- قال دمنة: مَثَلها في ذلك مثل الخطيب الزنديق الأحمق الذي زعموا أنه
كان يُبطن الكفر ويظهر الإسلام، فتعالم الناسُ ذلك منه فوسِعُوه إشفاقًا عليه
ونظرًا له، ثم أفشى طرفًا منه في بعض حديثه فقالوا إن الملة سمحة وللتأويل
أبواب ولكل قول وجوه ومعانٍ، فإن لم يكن في القول إلا جزء واحد من
الإيمان وكان فيه تسعة وتسعون من الكفر وجب حمله على الواحد دون التسعة والتسعين، ثم غرَّه ذلك منهم وحسبه ضعفًا ومَعجَزَة فتقخم في كفره وسوَّلت له نفسه أنه فوق الناس، فهو مستقل وهم التابعون، وهو الحر وهم العبيد، وقال إنه لن يكون الكفر في مثل هؤلاء الجامدين كفرًا إلا في المسجد "الجامع".
وعلى المنبر وفي يوم الجمعة، فليهمس هامسهُم ولينطق ناطقهُم، وسأرى ما
يكون من تِلقائهم، فإني لخطيبُ صَلاتهم ولكني مستقل أفكر برأسي لا
برؤُوسهم، وإني لأرتزق منهم ولكني مستقل آكل ببطني لا ببطونهم. . . وإذا قالوا كفر فإنما هذا إيماني، وإذا قلت آمنوا فإنما ذلك كفرُهم، ولهم علي كلام يسمعونه والكلام فنون وأجناس، ففي أن أقول ما هَجَسَ في قلبي، أخطاتُ أو أصبت، وغيرتُ أو بدلت، ورضُوه أو كرهوه؛ وعليهم لي أجر يدفعونه لم يكن
يومًا ولا يكون ولن يكون إلا من جنس واحد: ذهبًا خالصًا صحيحًا يرنُّ رنينًا صافيًا لا أقبل فيه زائفًا ولا ناقصًا ولا مغيرًا ولا مبدلًا، ثم لا أرضى فيه برأيي دون رأي الصيرفى الحاذق البصير، فكثيرُ غشِّي إياهم ليس بغش، وأنا بعدُ في عافية، وأنا مستقل، وأنا مختار، وأنا أفكر، فأنا موجود.،. وإن أهون الغش منهم ولو في درهم وما دون الدرهم لهُو الغش المفضوح والخيانة الأثيمة والخيانة الموبِقة، ولن يُقلتهم القانون ولا الشرع ولا العُرف، وهم مأخوذون به فمعاقبون عليه.
قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة جاء
الخطيب. . .
قلت: وبقية هذه الصحيفة مقطوعة من النسخة التي عندي فلعل في قراء
الكوكب من عنده نسخة أخرى فليعارض عليها وليأتنا بباقي المثل.
قرأت في الأهرام مقالًا لشيخنا وصديقنا نكتة الزمان وعلامة وادي النيل
أحمد زكي باشا قال فيه: " من بواعث الأسى في نفسي ودواعي الأسف في قلبي أن بعض أنصاف العلماء في مصر وسوريا، وأن بعض أشباه المتعلمين وأشباه الأشياخ في هذين القطرين الشقيقين قد أصابهم التفرنج بداء الحذلقة والتشكك، فصاروا لا يرون لأجدادهم فضلًا ولا يعرفون لهم مبرة ولا يذكرون عنهم مفخرة، بل صار أولاد الحلال هؤلاء يطأطئون رؤوسهم أمام كل إفرنجي، ويخرون ساجدين لكل وارد عليهم من بلاد الإفرنج أو باسم الإفرنج، حتى لقد أصبحوا وهم يرون العلم كل العلم ما جاءهم ولو بطريق التحريف أو على سبيل التخريف عن المستشرق فلان أو المسيو علان. . .؟ وإلا فالحجة الناطقة هي ما صدر عن شفاه السنيور هَّان بن بيَّان " أو عن
"الهر جامان بن ألمان" انتهى.
فاولاد الح. . . . . . لال هؤلاء على مواطاة من بعضهم لبعض لا يرضيهم
من الرضا إلا أن ينسى الشرقيون آباءهم وأجدادهم ويصبحوا بَدَدًا متناثرين؛ وهم لا يعلمون أنه ما من رجل حر يسره أن له باسم أبيه أو جده الشرقي اسم أحد من الإفرنج ولو كان اسم دولة من الدول العظمى، ولئن كانت الجامعة قائمة
منهم على دعائم إنسانية تعمل في إضعاف الجنسية وإشراب الناس في قلوبهم ما تمجه العقيدة والفضيلة - فإنها لمحقوقة بتركها واطراحها وتحذير الناس منها؛ فلينظر نواب الأمة أين يضعون أيديهم من هذا الفساد لإصلاحه، وليبدأوا بهذا العنصر السام المسمى في كيمياء التعليم "بالطاهوية". . .
وبعد: فلنتمم كلامنا على ما سماه أستاذ الجامعة "البحث الفني"
قال في صفحة ١٤٤: ولننظر في المعلقة نفسها "معلقة امرئ القيس". . . ولكنا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين البيتين:
"ترى بَعَرَ الأرام في عَرصاتها "
وهم يشكون في هذه الأبيات:
" وقربةِ أقوام حملتْ عصامها "
الأبيات الأربعة. . . ثم يقول: ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن
هذين البيتين قلقان في القصيدة، وهما:
وليل كموج البحر أرخى سدوله. . . عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بِصلبه. . . وأردفَ أعجازًا وناء بكلْكَل
فقد وُضِغ هذان البيتان للدخول على الذي يليهما وهو:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. . . بصبح وما الأصباح منك بأمثل
قلنا: وعلى هذا فالقدماء شكوا في اثنتين واستخرج الشيخ الثالثة بفكره
الثاقب ومعرفته بالشعر كنه المعرفة. . . ونحن كنا نرفعه عن مثل هذا التدليس والتمويه، فقد جاءت الرواية بأنه يقال إن هذين البيتين المضروبين مثلًا في الاستعارة مما وضع "خلفُ الأحمر" على امرئء القيس كما وضع من مثل ذلك على غيره، ولم يجزموا أن خلفًا صنعهما بل جاءت الرواية بصيغة التمريض "يقال" ولوْ جاز لنا نحن أن نقول في ذلك لقلنا إن البيتين من شعر امرئ القيس، وإنما نسبوهما إلى "خلف" على الظن، إذ كانوا يذهبون إلى أنه وضع على كل شاعر فحل ما يجوز في شعره ولا يتميز فنه، مبالغة منهم في علمه بالشعر ونفاذه فيه وأنه من ثقافته وصناعته، فإذا أرادوا أن ينسبوا إليه شنيئًا من قول شاعر بعينه عمدوا إلى الاختيار من أحسن ما يقول هذا الشاعر، لأن صنعة (خلف) إنما كذلك تأتي.
ويقول الشيخ في صفحة ١٤٩: "ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع
العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون
جاهليًا، فالرواة يحدثوننا أن الفرزدق "تنبه! فإن النص مترجم. . . "
خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثارًا حتى انتهى إلى غدير، وإذا فيه نساء يستحممن - يريد يستنقعن - فقال، ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جلجل.
ليس كذا قال وإنما هو: الم أر كاليوم قط ولا يومَ دارةِ جلجل "
وولى منصرفًا؛ فصاح النساء به: يا صاحب البغلة! فعاد إليهن، فسألنه وعزمن عليه ليحدثهن بحديث "دارة جلجل" فقص عليهن قصة امرئ القيس وأنشدهن قوله:
ألا رُبَّ يوم لك منهن صالح. . . ولاسيما يوم بدارةِ جلجل
قال الشيخ والذين يقرأون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد
لِيم على هذا الفحش وهذه الغلظة، لا يجدون مشقة في أن يُضيفوا إليه هذه
الأبيات، فهي بشعره أشبه" انتهى.
قلنا: ولكن الأستاذ قد كذب وزاد في النص، فإن الرواية في الأغاني في
أخبار الفرزدق وليس فيها أن الفرزدق أنشدهن الأبيات، فكيف تكون من شعره؟
وعلى قياس طه فكل شاعر من شعراء الهجاء يمكن أن يلحق بشعره كل قول فيه هجاء وسب وإقذاع ويقال إنه بشعره أشبه، فيكون هذا هو البرلمان. . . وكل متغزل يضاف إليه شعر كل متغزل لأن طباعهما متشابهة وما يقوله هذا يقول هذا مثله؛ على أنه وصف أغلبُ على امرئ القيس من أنه غَوِي عاهر متفحش، وهو يجري في شعره من ذلك على خلق وطبيعة، وله جرأة عليه تشعرك أنه ابن ملك يرى لنفسه كلمة فوق كلام الناس، فكلامه إنما يشاكل نفسه، وفحشهُ إنما يأتيه من قبل الغزل والنسيب، لا كفحش الفرزدق فذاك من قبل الهجو واللؤم.
والفرزدق لا يعد من شعراء الغزل، وقد كان أهل الحجاز يقدمون
"جميلًا" عليه وعلى جرير معًا لموضع جميل من النسيب وقلة غنائهما فيه.
وكانا يعلمان ذلك من نفسيهما ولا يريان الشعر إلا في بابهما في الفخر
والهجاء، فروى أبو الزناد عن أبيه قال، قال لي جرير: يا أبا عبد الرحمن، أنا أشعر أم هذا الخبيث؟ يعني الفرزدق، وناشدني لأخبرنه، فقلت: لا والله ما يشارككْ ولا يتعلق بك في النسيب: قال: أوَّه قضيتَ وال له له علي. أنا والله أخبرك. ما دهاني إلا أني هاجيت كذا وكذا شاعرًا وأنه تفرد لي وحده.
أما حديث الفرزدق الذي استدل به طه فهو عندنا موضوع، لأن الفرزدق
فضح فيه نفسه وترك النساء يسخرون منه ويضربن وجهه بالطين والحمأة ويملأن منهما عينيه وثيابه ويتماجن به ويتركنه سَطيحًا على الأرض وبأسوأ حال وأخزاها، وما نحسب مثل الفرزدق يروي ذلك عن نفسه أو يرضاه له وهو مَن هو في الفخر، وإنما تلك أقاصيص توضع للنادرة والتظرف والسخرية، وهب الخبر صحيحًا أو هبه مكذوبًا - فعلى أيهما - فإن الفرزدق لم يذكر شعر امرئ القيس، فلا معنى لأن يكون قد وضع الشعر بعد، وكيف يضع الفرزدق على امرئ القيس وهو يذكره في شعره ويقدمه ويعده أحد النوابغ الذين وهبوه الشعر؟
ثم يقول طه: "أما وصفُ امرئ القيس لخليلته وزيارته إياها وتجشمه ما
تجشم للوصول إليها وتخوفها الفضيحة حين رأته وخروجها معه وتعفيتها آثارهما بذيل مرطها وما كان بينهما من لهو، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر؛ فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فن ابن أبي ربيعة قد احتكره احتكارًا لم ينازعه فيه أحد.
" ولقد يكون غريبًا حقًّا أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن ويتخذ فيه هذا
الأسلوب ويُعرف عنه هذا النحو ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بامرئ القيس، مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف يمكن أن يكون امرئ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي
ربيعة والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يُعرف له ذلك؟ . . . ونحن نرجح أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس، أضافه رواة متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين - الفرزدق وابن أبي ربيعة - " انتهى.
ونريد أن نسأل شيخ الجامعة عن قوله: "إن النقاد قد أشاروا إلى تأثير
امرئ القيس في طائفة في الشعراء فِي أنحاء من الوصف؛ فإن لم يكن هذا
كذبًا فمن هم هؤلاء النقاد؟ ومن هم أولئك الشعراء؟ وما هي تلك الأنحاء من الوصف؟ وأين وجد ذلك، أفي كتاب كازانوفا أم كتاب كذَبَنوفا. . .؟ هذه كلها من ترهات الشيخ ولا أصل لها وإنما يأتفكها ليصل بعضَ الكلام ببعض في نظم
الدليل الذي يريده، وهي طريقة المستشرقين ولا قيمة لها في التاريخ وقد نبهنا
إليها مرارًا.
كل ما قاله النقاد: إن من يقدم امرأ القيس على الشعراء احتج له فقال
ليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها فاستحسنها
العرب واتبعته فيها الشعراء، منها استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي، وأنه أول من قيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى.
وبهذا تقدم الشعراء لأنهم اتبعوه فيه ولم يتبع هو أحدًا، وفن ابن أبي
ربيعة إنما هو داخل في رقة - النسيب، إذالنسيب جنس يشمل صفة النساء
وحكاية أقوالهن، والتسبب إلى مودتهن الخ؛ فإذا كان ابن أبي ربيعة قد استحسن أسلوبًا من أساليب امرئ القيس في النسيب فأكثر منه واستنفذ فيه جانبًا عن شعره فليس معنى ذلك أنه اخترع الطريقة ولا احتكر الفن؛ ومن الثابت أنه لم يوضع شيء على الجاهلية بعد القرن الرابع، فلو عملوا على طريقة ابن أبي ربيعة ونحوله امرأ القيس لما فات هذا مثل صاحب الأغاني ولجعله كل الفخر لابن أبي ربيعة؛ والمعلقة كانت مدونة مروية في أوائل القرن الثاني.
أما أنهم لم يدلوا على أن ابن أبي ربيعة أخذ فنه من امرئ القيس فلأنهم
لم يكونوا يرون ذلك فنًا ولا طريقة، إنما هو شعر كالشعر يُعرف عندهم بمعانيه لا بأسلوبه القصصي، ولم يسمِّه فنًا إلا أستاذ الجامعة. "
وأنا أحسبني شاعرًا أجد الشعر في طبعي وأفهمه وأنفذ في أغراضه وأقوله
وأحسن نقده وتمييزه، ولا أظن أحدًا يكابر في هذا أو ينازعني عليه؛ وإني مع
ذلك لا أرى أثقل ولا أبرد ولا أسمج من شعر ابن أبي ربيعة هذا حين يفضح
النساء ويقول في شعره: قلت لها وقالت لي، وكان مني كذا وكان منها كذا.
وما هو عندي بفن؛ بل خلق سافل وطبع غوى ونفس عاهرة، بل هو فن هجو النساء إذ كان ابن أبي ربيعة لا يحسن مدح رجل ولا هجوه فسسقط من هذه الناحية ليرتفع من الناحية التي تقابلها في النساء، فكأنه ارتفع بقوتين؛ - ثم أراد الرجل أن يسير شعر في الأفواه ولا أسيَرَ من أخبار النساء وأحاديثهن، فهذا هذا.
وطريقته في شعره إنما تحسن حين تتفق في الأبيات القليلة والقصيدة
المفردة، وحين تجيء تظرفًا وتماجنا وحين تخرج مخرج النادرة أو تبعث عليها
الفتوة وميعة الشباب في بعض الحب الشديد، كما فعل امرؤ القيس، فأما أن
يكون فيها أكثر شعره وعليها كل عمله ويتقلب الرجل وكأنه ليس في فمه إلا لسان امرأة فهذا ما لا أراه فنًا، إلا أن يقال فن الرجل اللص وفن المرأة العاهرة كما يقال فن الشاعر وفن المصور مثلًا!
وقد نصوا على أن امرأ القيس هو الذي افتتح تلك المعاني التي أومأنا
إليها وأن الشعراء اتبعوه، فأين النص أن ابن أبي ربيعة افتتح هذه الطريقة - مِن: قلت لها وقالت لي، وكنت وكانت، وفعلت وفعلت؟
ومن الذي اتبعه في هذا الباب وأنفذ فيه أكثر شعره ولو أنهم كانوا يرونه مبتدعًا لنصوا على ذلك كما نصوا على غيره. بل كان جرير يرى تلك الطريقة هذيانًا، حتى استحكمت
معاني ابن أبي ربيعة فرآه حينئذ قال الشعر.
وإن هناك أصلًا مقررًا في الأدب العربي، وذلك أن فحول الشعراء
يسبقون إلى ابتداع المعاني والأساليب فيتبعهم فيها من بعدهم، إذ لا يقول أحد شعرًا ولا يكون شاعرًا إلا عن رواية وحفظ.
فقد يتفق المعنى لشاعر متقدم أو تستوي له الطريقة في بعض الأساليب فيأتي بعده من يجد ذلك في طبعه ويكون قد اعتاد منه في أسباب عيشه ودهره ما لا يجري به اعتبارُ شاعر آخر، فيحتذي
على حذو الأول ويتخذ كلامه أصلًا يبني عليه فيكثر من ذلك ويقلبه على
وجوهه حتى يميته ولا يدع فيه شيئًا لغيره، وليس ابن أبي ربيعة بدعا في ذلك، فإن أبا نواس احتذى على الأعشى في الخمر ولكنه أكثر فيها حتى عُرفت به هذه الطريقة وحتى لم يكن يُرى لغيره فيها معنى وهو حي، وهذا البحتري رأى بعض شعراء المتقدمين يذكر طيف الحبيب وزيارته، وقد قالوا إن أول من سبق إلى هذا المعنى " جران العود" في قوله:
سقيًا لزوركِ من زَور أتاكِ بِه. . . حديث نفسِك عنه وهو مشغول
ثم أخذه العباس بن الأحنف وأخذه أبو تمام، فجاء البحتري فتعلق عليه
وأكثر منه وجعل وصف الخيال طريقة من طرائقه فعرف بها.
وكيف وضع فن البديع لو لم يكن مسلم بن الوليد قد جرى على هذا الأصل
فتتبع ما رآه في شعر الشعراء من استعارة وتشبيه ومجاز ثم قصدها في شعره وعمل على أن يتكلفها حتى نهج الطريقة لأبي تمام من بعده فجاء هذا واستنفذ فيها شعره
- حتى غرف بها وغرفت به والأصل - كما رأيت - من أبيات متفرقة وكلمات مأثورة.
أفإن رأيناه استعارة أو مجازًا في كلام جاهلي كامرئ القيس قلنا وضعهما
شاعر إسلامي متأثر بشعر مسلم بن الوليد وأبي تمام لأن هذا الفن احتكره أبو
تمام احتكارًا؟
إن سيدنا ومولانا طه حسين في يده ميزان دقيق اسمه ميزان القمحة، وهو
مع ذلك يزن به الجبال والمدن والأقطار، وقد وزن قصر الزعفران "أي الجامعة المصرية" فقال إنه عشرون ألف طن.. ولما قيل له إن وزارة الأشغال لا تقول بهذا ولا يقرك عليه المهندسون وأنت لست مهندسًا ولا وزارة أشغال، قال: كل أولئك من أنصار القديم لأنهم يتبعون علومًا قديمة يحتذي فيها بعضهم حذو بعض. . . وقد وزن امرأ القيس في ميزان القمحة هذا فكان أقة واحدة إلا عشرة دراهم. . . فلو اجتمع الإنس والجن على أن يُثقلوا ميزان الشيخ ليزيدوا هذه الدراهم العشرة ويجعلوا امرأ القيس المسكين أقة كاملة لما استطاعوا إلا إذا كان في قدرتهم أن يزيدوا عقل الشيخ لأن التصحيح في عقله تصحيح في ميزانه.
وقال في صفحة ١٤٥ يكذب رحلة امرئ القيس إلى قيصر وأن شعره في
ذلك مصنوع: "وإذا لم يكن بد من التماس الأدلة الفنية على انتحال هذا الشعر نحب أن نعرف كيف زار امرؤ القيس بلاد الروم وخالط قيصر ودخل معه الحمام وفتَن ابنته ورأى مظاهر الحضارة اليونانية في القسطنطينية ولم يظهر لذلك أثر في شعره.
لم يصف القصر ولم يذكره ولم يصف كنيسة من كنائس
القسطنطينية. لم يصف الفتاة الامبراطورية التي فتنها، لم يصف الروميات، لم
يصف شيئًا مما يمكن أن يكون روميًا حقًا.
ومهما يكن من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور أن شاعرًا عربيًا قديمًا قال هذا الشعر الذي
يضاف إلى امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم" انتهى.
فيا شيخ، أما تعلم أن المتنبي في الإسلام "كامرئ القيس في الجاهلية.
"وقد اجتمع له،، من أسباب الشعر ووسائله ما لم يجتمع لذاك، وأن المتنبي
جاء إلى مصر وعاش فيها وخالط أهلها؛ فقل لنا يا أستاذ الأدب: أين وصفُ الهرم في شعر المتنبي؟ أم تحسب أن الهرم كان يومئذ صغيرًا ثم كبر. . .
ومهما يكون من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور
أن شاعرًا كالمتنبي يقيم في مصر ولا يصف الهرم؛ ومع ذلك فقد أقام المتنبي
في مصر ولم يصف الهرم.
إن أنصار الجديد سيلقون مشقة وعسرًا في حل هذه
المشكلة ولا بد من حل هذه المشكلة. . .
لقد سئمنا من جهل طه وسخافة رأيه وخلطه بين طبائع الناس وخصائص
الأزمنة، فما زاد المتنبي على أن ذكر في شعره لفظ - الهرمين - كما ذكر امرؤ القيس لفظ - قيصر - فهذا من ذاك.
والعجب أن الشيخ كثيرًا ما يضع رأسه في موضع ثم لا تكون إلا وثبة فإذا
رجلاه في موضع رأسه.
قال في صفحة ١٤٨: "ونحن نقبل أن امرأ القيس هو
أول من قيد الأوابد وشبَّه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك، ولكنا نشك
أعظم الشك أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة".
وهنا كما ترى عقل الشيخ، ثم وثب إلى صفحة ١٥٥ فإذا هو يقول عن
عمرو بن قميئة الشاعر: " لميئعرف من أمره شيء إلا اسمه كما لم يعرف من
امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما".
وهنا كما ترى حذاء الشيخ في مكان رأسه؛ وإلا فهل كان اسم امرئ
القيس هو الذي قيد الأوابد واخترع كل تلك المعاني؟
الحق أن طه حسين للأدب العربي كالكسوف والخسوف. . . يحجب حتى
نور الشمس وحتى نور القمر.
Translation
قال دمنة. . .
#39 Chapter 39 — حرية التفكير أم حرية التكفير. . . مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري · ref. #39
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
حرية التفكير أم حرية التكفير. . .
مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري
طلعت جريدة "السياسة، بحديث جديد للأستاذ الفاضل مدير الجامعة ينزع
فيه إلى مذهبه في حديثه الأول من الإملاء على البرلمان وإلقاء العصا
الفلسفية. . . لا رغبةً في أن تتحول ثعبانًا كما تحولت عصا موسى من قبل، بل محاميًا يسحر على أبصار النواب وأسماعهم، بل منوِّمًا ينقل إليهم الإرادة
وينصها لهم نصًا بقوة المغناطيس؛ بل سحابة تتنزل عليهم بالمَلك الموكل
بالهداية "كما تقول السياسة"، وإن عهد القراء بحديثه الأول لمنذ قريب.
ولنبدأ بكلمات الأستاذ لأن المذهب الجديد يجعلها من الحروف التي لها
الصدارة.
قال وهو يعني قانون الجامعة المطروح الآن بين أيدي النواب: الست
أعني بذلك أن هذا القانون هو المثل الأعلى، ولكنه عمل إنساني كبقية
الأعمال، يُلحظ فيه التطور في المستقبل متى وُجد لذلك ضرورة.
وعلى كل حال فإن في هذا القانون للقاعدةَ الأساسية الكبرى لنظام التعليم العالي، وهي قاعدة أن الجامعة يجب أن تكون لها شخصية معنوية لتستطيع أن تدير أحوالها بنفسها، واستقلال يكفل لها حرية التفكير التي هي الأساس الأولي للتعليم العالي!.
إلى أن يقول: "ربما يرد على الخاطر أن الجامعة في نشأتها محتاجة إلى
وصاية الحكومة عن قرب وتدخلها في كل شؤونها إلى أن يشتد ساعدها
وتستطيع الوقوف قدمُها اجتنابًا لما عساه يقع من التخبط في الجامعة عند
بدايتها، ذلك التخبط الذي جرت العادة بأن يقترن دائمًا أو غالبًا بكل بداية، وعلى ذلك يمكننا أن نختار ضرر التدخل باعتباره أخف من ضرر التخبط في
البداية.
هذا اعتراض له حظه من الصواب لأول نظرة إذا كنت تسمي تدخل
السياسة " كذا، وهو يريد بالسياسة أينما وردت في حديثه الحكومة"
في كل شؤون الجامعة ضررًا فحسب، ولكنه ليس ضررًا بل هو هدم للجامعة من أساسها، وبهذا التدخل لا جامعة ولا حرية للتفكير. . . أترى لو أنك تفكر
تحت وصاية الغير هل. أنت تفكر؟
فإذا تعلقتْ منازع التدريس وكيفياته وطرائق
البحث بغير جماعة المدرسين، كان ما ترجوه البلاد من احتمال نصيبها من
التقدم العلمي في العالم خيالًا في خيال، انتهى.
وظاهر من نص العبارة أن أخف الضررين عند الأستاذ، هو (التخبط) أي
فساد النظام، وإضاعة الأموال، وإزاغة العقائد، وإفساد العلم، والتدليس على الناس. . . الخ الخ وليت شعري عنه ما الذي يضطر الأمة إلى كل هذا في سبيل كلمة اسمها الجامعة؛ إما مدرسة تتسامى. إلى مقام الجامعات واما لا. . . بيد أن جريدة "السياسة" نقلت تلك العبارة وجعلتها رأسًا لجسم مقالة افتتاحية أو رئيسية كما يقولون جاء فيها عن الجامعة: "وهذه ميزانيتها وهذا قانونها - زد أنت:
وهذه سُمعتها وهذا عملها.. سيعرض عما قريب على البرلمان، وسينظر
البرلمان في الأمر بغية الوصول إلى تحقيق مجد العلم ومجد مصر - زد أنت:
ومجد طه حسين - وإنا لسعداء حقًّا أن هذه الفرصة الحسنة لنشر حديث الأستاذ مدير الجامعة قبيل نظر الميزانية وقانون الجامعة - تأملوا - ونشر هذه الحكمة التي صدرنا بها حديث اليوم لتكون نبراسًا وهاديًا عند النظر في هذا الموضوع الخطير". انتهى نصًا.
أما الهادي فقد مر بك تفسيره آنفًا، وهو الملَك الذي سينزل في السحابة
الفلسفية. . . وأما النبراس فلا ريب أنه سينزل بملك البرق على النواب " (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) .
وهذه الجامعة لا تملي على النواب فقط بل هي تحذرهم أن يهدموها وتُنذرهم بطشةَ التاريخ إذا حدث العالم أن
نواب الأمة المصرية صَدوا عن ذكر الله في المسجد الجامع حين لم يُطلقوا حرية
الأذان فيه ولم يَدعُوا المؤذن أن يقول: حي على بُوذا؛ حي على بَرهما، حي
على العجل أبيس. . . ونحن "فإنا سعداء حقا" أن وجدنا في نسختنا العتيقة من كليلة ودمنة هذا الحديث:
قال كليلة: وَيحٌ لهذه النفس إذا لج بها مَنَزعُها وركبها سوءُ طبعها وكان
من ورائها قلبٌ دَوِي أفسده داؤه وصرف همَّه وخواطره فيما تميل إليه؛ فقد
قالت العلماء: إن الرأي لا يكون رأيًا حتى يمكن له في الطبع أشد التمكين.
لان المصلح لن يقبل عنه وفي طبعه ما عسى أن يتحول به عهدُه أو ينتكث، وما مثَلَه إلا مثلُ الزلزال الذي أراد أن يتعاطى الهندسة.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أن زلزالًا كان صديقًا لأحد البراكين، فقال له يومًا: قد كثر
أذاك وإفسادك أيها البركان، فأنت دأبًا غَيظ للناس وهلاك ولعنة، وما تنفك بين
حريق وتدمير، وإني لأرى لك حالًا ما أحسبك فيها إلا قد بُعثت من جهنم إلى هذه المدينة، وما أظنك تفلح أبدًا في تغبير طبعك ومذهبك، حئى لو كنت بحرا لانقلبت على الناس طوفانا تهدم بالماء كما أنك تهدم بالنار، فقد سئمتُ صحبتك وأنا ذاهب عنك ألتمس عملًا أنفع به هؤلاء المساكين؛ لعلي أرد عليهم بعض ما تأخذ منهم؛ فقد قالت العلماء إن خير ما يكون الخير إذا هو جاء بعد شر ما كان من الشر.
قال البركان: أيها الزلزال، لا تغترَّ بالفلسفة والخيال، فإن الكلام أيسر
ما أنت آخذه وأهون ما أنت مُعطيه وإنه لن يكون قولك قولًا ما لم يكن عليه
من طبعك دليل وشاهد، وإلا فإنما هو كلام بعضُه كبعضه وحقه كباطله
وشريفه كخسيسه؛ ولو شئت أن أسمي هذا الحميم الذي أصهره في جوفي
من الصخور والمعادن خمرًا سائغة للشاربين لفعلتُ وقلت، ثم لوصفتها
وزينتها بالشعر والحكمة وكابرتُ فيها وجادلت عليها، ولكن ذلك كله قول
هراء إذا أنا لم أجد من يقول اسقني، وما فلسفتك هذه إلا كفلسفة مدير
الجامعة التي في مصر. . .
قال الزلزال: وما ذاك؟
قال: إنها كانت مدرسة تولاها هذا الرجل الفاضل المتكلم، وكان من
المعلمين فيها صخر إنساني عظيم اسمه طه حسين، أخذت طينته من بعض
أجدادنا.. وإذا تدحرج هذا الصخر فليس منه إلا الهدم والتخريب والدمامة
على الناس، فأرادت تلك الأمة إقرار هذه الصخرة في حفرتها وشدها إلى
موضعها؛ وأبى مدير الجامعة إلا إطلاقها وتركَها حرة مستقلة ثم تحريرها مع
ذلك على الطرق العامرة والدور القائمة دون القفز واليباب، وذهب يدفع
عنها فكان فيما قاله "إن التخبط قد جرت العادة بأن يقترن دائمًا أو غالبًا بكل بداية، فدعوا الصخر (يتخبط) على طبيعته وعلى طريقته فلا عليكم منه، وما أنصفتم والله إذ تقولون إنه يهدم عليكم الدور ثم تنسون أنه يوسع لكم
الشارع. . . .
قال الزلزال: دعني منك فوالله لأكونن غير ما في نفسك، وأنت تعلم حدة
طبعي وما قد خُصصت به من تمام القوة والذكاء، فأنا غاد فمتعلم الهندسة.
لأنها لمن أوكد الأسباب فيما أريده من الإصلاح!
قال كليلة: وضرب الدهر ضربة فإذا هو مهندس قد برع وفاق وأحكم
وأتقن، ثم جعل يرتصد اليوم الذي يجيش فيه البركان ليعمر ما يخربه ويسد
مَعاقِرَ أهل المدينة بعلمه وفضله؛ فلما كان اليوم الموعود لطف الله من لُطفه
ليُخرج للناس الموعظة من هذا الحُمق، فهاج البركان غير طويل وشعَّث من
ههنا وههنا، ثم كظم على ما في قلبه فلم يدمر إلا ربع المدينة وبقي سائرها
قائمًا على نعمة وعلى سلامة وفي أمن ورضا؛ فقال "المهندس" لنفسه: إحدى لياليكِ فهِيسي هيسي (١) !
وذهب ليعمر ما خرب صاحبه، فلما جاء تحت قواعد
المدينة هز أنقاض البيوت الخربة ليعيدها بزعمه قائمة فما زاد على أن هدم كل البيوت القائمة فأرجعها خربة، وأتلفَ البركان المفسد رُبعَ المدينة وهدم
المهندس المصلحُ. . . ثلاثة أرباعها.
فانظر يا دمنة، إنه الجوهر والأصل لا الظاهر والحلية، وإنه العمل لا
القول، وإانه الطبع لا الرأي، وإن الفاسد إذا كان معلمًا فوجد طلابًا يهديهم كان كالزلزال إذا صار مهندسًا فوجد بيوتًا يصلحها!. -
* * *
وننظر الآن إلى كلام مدير الجامعة، فإنا لا تعجبنا هذه السفسطة من هذا
الأستاذ الفاضل، وما هو وحده الرجل الذكي ولا البليغ المتكلم، وكان ينبغي لمثله أن يتنزه عن مثل هذا، فإنا لنعلم أن من الكلام كلامًا يأمر الناس وهو في أسلوب النصيحة، ويُكرههم على انتحال أخد الرأيين وهو على طريق التخيير بينهما جميعًا، كبعض ما يسمى في عرف السياسة مذكرة وهو إنذار، أو إنذَارًا وهو حرب.
فكلام مدير الجامعة "مذكرة" للبرلمان أو في أسلوبها أو في
غايتها، ولكن يا سيدي المدير، قد كان لزلة الجامعة عذر يسعُها؛ حتى أصررت أنت وكابرت وازدريت الأمة وعلماءها وقبلتَ على الجامعة من الأراجيف والأقوال والتهم ما لا يَقبل ذو عمل على عمله، فلم تَسع الجامعة عذرًا بعد.
ولقد أصفقَت الأمةُ كلها على أن إفساد الأدب والتاريخ والتهكم بالدين
وما جرى هذا المجرى - ليس شيئًا منها يسمى علمًا، فإذا كان علمًا عندك وعند شيعتك فما هو من حاجتها وليس لك أن تُكرهها عليه ولا أن تعدوَ رغبتها فيه.
ثم انعقد الإجماع أو ما يسممى الرأي العام على أن هذه الجامعة مفسدة تناولت
_________
(١) مثل عربي من قول القائل يخاطب إبله:
إحدى لياليك فهيسي هيسي. . . لا تنعمي الليلة بالتعريس
يضرب للرجل يأتي من الأمر ما يحتاج فيه إلى الجد والهمة.
ما كان موجودًا كالحقوق والطب فزاغت بهما، كما زاغت الزلزلة بآلة الرصد في حلوان (١) .
وكانت آلة الرصد هذه معيارًا في دقة نظامها وضبطها ولكن ذلك لم
يمنع الزلزلة أن تدفعها عن موضعها وتوقع الخلل في أرقامها ودلالتها وتبتليها
بفشل ما ابتُليت به الجامعة، أي "سَنة تجربة" على نص حديثكم الأول، أو "سنة تخبط" على نص حديثكم الثاني
ثم تناولت الجامعة ما أرادت أن توجده، كتاريخ الأدب العربي، فأُقسمُ
بالله قسمًا برًا: ما عرفنا في كتب الأدباء أحمق ولا أجهل ولا أشد بلادة من
كتاب الجامعة، في الشعر الجاهلي، ففيم تريدون استقلال الجامعة بعد هذا وإن أدنى ما في ذلك الاستقلال أن ينتفع قوم منكم "بسلطة وظائفهم" في إفساد عقائد الطلبة، لأن ذلك من مذهبهم في الإصلاح الاجتماعي، ثم - العدول بالأدب العربي إلى ناحية الجهل والفساد والسخرية، لأنه أساس في لغة القرآن؟
ولأن القرآن أساس في الدين، لأن الدين ينافي مذهبهم في الحضارة الغربية التي يعملون لها جهد طاقتهم.
وعندكم يا سيدي قوم وصفتهم أعمالُهم وشهد عليهم
الأصحاب والأعداء؛ والأبرياء والأظناء؛ أفيجيز القانون استقلال هؤلاء
الموظفين ليسخروا سلطة وظيفتهم في مثل ذلك؟
أتريدون الاستقلال في المحاسن أم في المساوئ؛ فإذا كانت الأولى فاين
هي محاسن الجامعة وما عند الناس أسوًا من - سمعتها ولا أدعى إلى السخط من اسمها، وإن كانت الأخرى فما هو يا مولانا مجرى الماء يأتي هذا بالإناء فيملأُه ويأتي الآخر بالقربة ويأتي الثالث بالفنطاس وتأتي الجامعة بعربة الرش. . . إنه البرلمان يا سيدي الأستاذ وفيه عقول ذكية وقلوب حديدة ونفوس مؤسسة وطباع مؤمنة، وهو الحفيظ على مصلحة الأمة، ولن يمكن بحال من الأحوال أن يجعل أولادنا في هذه الجامعة غيظَ قلوبنا في كفرهم وتمردهم، ولعنةَ تاريخنا في تحقيرهم وزرايتهم وأعداء ديننا في شكهم وإباحتهم.
إنه إذا خرج ابن الجاهل عالمًا فقد توثق ما بينه وبين أبيه بزيادة عطفه عليه
ورحمته له، وإذا خرج ابن المسلم كافرًا مستهينًا بنبيه وكتابه وعلماء دينه وتاريخ - قومه، مُرصدًا لكل ذلك بكيده وعمله؛ فقد انقطع ما بينه وبين أبيه وصار كلاهما لعنة على الآخر وأوجبَ الدينُ على الأب أن يبرأ من ابنه وينبذه، فما
_________
(١) قلت: كانت مصر في ذلك العام قريبة عهد بزلزال أحدث فيها أثرًا ما، ولم يكنْ لمصر عهد بزلزال قبله منذ زمن بعيد، وأحسب ذلك كان في سنة "١٩٢٤.
نعطيكم أنسابنا لتقطعوها، ولا أرواحنا لتهلكوها، ولعنة اللهْ على حرية تفكير أولُ ما فيها أن أكون عدو أبي وأن يكون أبي عدوي!
إن هذه الجامعة بعد الذي قد بدا منها ومن مديرها لأحقُّ بالمراقبة من
الأظناء والمتهمين "والمشبوهي"! حتى تستقيم على منهاجها وتخلُص لها نيةُ
الأمة ويثق بها العلماء والأدباء؛ فكما أعطيت الاستقلالَ "سنةَ تجربة" يجب أن
تحرمَهُ "سنة تجربة" إلى سنتين إلى ثلاث إلى مائة إلى آخر ما في عمر طه حسين
وأمثاله ممن جاؤوا إلى هذه الجامعة من تاريخ دنِس ملوَّث بالإلحاد ليس فيه
موضع ثقة ولا أمانة.
ألا وإن الأمة الإسلامية لتعلم حق العلم أنها مبتلاة في عداد مصائبها بفئة
من أذكيائها يناقضونها الرأيَ في الدين والأخلاق واللغة والأدب، وهم في ذلك قوم مرضى العقول أصيبوا بنحو مما يسمى بجنون الفكرة الثابتة، فلا تردهم قوة من القوى عن آرائهم وأوهامهم في الإصلاح ما داموا آمنين مرزوقين؛ فبعض هؤلاء يريد جعلَ اللغة عامية لتنتهي الأمة يومًا إلى نسيان قرآنها وإهماله والتفصي منه، وبعضهم يتعجل هذه العاقبة فيريد الانسلاخ من هذا الدين ضربة واحدة بقرار من الحكومة أو بجنون حكومي كالذي وقع في تركيا، والعاقل من أولئك من يتماسك ويتصابر ويتسبب إلى غايته في رفق وهينة ومكر وسياسة، فيذهب إلى صوغ الأمة في عقولها في مدرسة كبرى كالجامعة. . .!
وشريطته في هذه المدرسة أن تكون للحكومة، لما يعلم من حاجة الناس إلى مدارسها وشهاداتها، ثم أن تكون هي مستقلة عن الحكومة قائمة على حرية التفكير بنص قانونها، وبمعنى أوضح من هذا، يريد هذا الفريق الذكي أن تكون الحكومة في العاملة في تكفير الأمة من حيث تدري أو لا تدري، وبالمعنى المكشوف الصريح: يريدون من نواب الأمة أن يهدموا الأمة التي أنابتهم عنها، فيا شرها من قملة خبيثة تتوهم أنها ستلد أربعة عشر مليون قملة لتقع في رأس كل مصري واحدة. . . ثم لا يكون الفوجُ الأول المقتحم إلا لرؤوس النواب خاصة. . .!
هَبُوا الجامعةْ المصرية قائمة بنفسها وبما حبس عليها الواقفون ولا شأن
للحكومة بها ولم تستلحِق مدرستي الحقوق والطب، واجعلوها على ذلك
مستقلة إلى أبعد ما في الاستقلال؛ قائمة على أوسع المعاني في حرية التفكير
والتكفير، فماذا يجدي عليها كل ذلك وأضعاف ذلك؛ إنها يومئذ لا تكاد تنكر إبراهيم وإسماعيل حتى لا ترى مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا، وحتى تصبح خاوية على جذوعها من طه وأمثال طه، وهذه حقيقة لا شبهة. فيها، فليس الأمر
إذن إن هؤلاء الأذكياء يريدون تسخير النواب ليُكرِهوا الأمة إكراهًا على صدع أساسها الاجتماعي وتخريب بنائها التاريخي، وهذا عملهم، وليس في الأمر إذن حرية تفكير، بل حريةُ عمل، بل حرية هوس مكري، بل حرية استخدامِ سلطة الوظيفة!
لقد صاحت الأمة من حُمق طه حسين وتهوره، فماذا فعل مدير الجامعة
بل ماذا فعل طه غير أنه زاد على ذلك إنذارَ الأمة في أبنائها أن دروس السنة
الآتية سيكون في مناقشة القرآن من الوجهه الأدبية، ويقول هذا وهو هو الذي كذب القرآن من الوجهة التاريخية، فإن صرح بعدُ أو خادَعَ فما هو بمأمون ألبتة.
"استقلال الجامعة لأجل نظام التعليم العالي".
هذه عبارة يقولها الأستاذ المدير باللغة العربية القويمة، فإذا أنت أضفت
لها معنى الزمن الحادث كانت هكذا زرع الجامعةِ لقلع ما يمكن قلعه. . . ".
إن الباطل لا يجد أبدًا قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى
فتمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت وقع وإذا زالت عنه اضمحل؛ أما الحق
فثابت بطبيعته قوي بنفسه، فالجامعة إنما تخشى على باطلها فتريد له قوة القانون وحمايته، ولو كانت ذات حق لقالت للناس: هذا عملي فانقضوه إن استطعتم، وهذا علمي فانقدوه إذا دخلكم منه شك! لكنها لجأت إلى هذا التمحل العجيب في طلب الاستقلال وحرية التفكير؛ وإنما هي بهذا الطلب تسبُّ الأمة وتهينها في علمها كما أهانتها في دينها من قبل، كأنَّ الأمة جاهلة غبية تعادي الفكر الحر إذ لا تستطيع مجادلته ولا نقضه، فالجامعة من أجل ذلك تسأل النواب أن يحموا تفكيرها ويفصلوا ما بين علمها العالي وبين جهل الأمة.
لقد جادلنا هذه الجامعة وأفحمناها حتى ما تبدئ ولا تعيد، فكأنها الآن
بما تطلب من حرية التفكير تريد أن تفز من كل مجادلة ومناظرة وتجعل ذلك
أصلًا في قانونها حتى لا ينتقدها أحد ولا يطمع أحد منها في جواب.
وما عرفنا في تواريخ الأمم أن أمة يقرر نوابها حرية الجهل في أكبر مدرسة فيها!
ما هي قيمة حرية التفكير وأنت لا تجدها على أعظم شأنها وأكبر أسبابها
وأوسع أشواطها إلا في المعتوهين والموسوسين وألفافهم؛
إنما الشأن في سمو التفكير قبل حريته؛ فينبغي أن يكون الفكر قويًا على
مصادمة النقد، إذ يكون صحيحًا لا زائفًا، وحقًا لا باطلًا؛ ومتى كان الفكر
كذلك فما هو في حاجة إلى قانون يحميه، لأن قانونه مناظرته، أما إن كان على غير هذا فجاء ضعيفًا متخاذل الحجة واهي الدليل لا يقدر على دفع الاعتراض.
ثم كان قائمًا على أن يقول المفكر الباحث ما شاء ويقول المنتقدون ما شاؤوا
بلا نتيجة هنا ولا هنا، فلعمري إن هذه ليست حرية تفكير بل هي حرية الخطأ، والخطأ دائمًا مقيد في أي الأساليب جاء ومن أي الناس وقع.
لقد حدت للفكر كل الشرائع قيودًا وحدودًا من بعضها الحجر ومن بعضها
العقوبة وهكذا؛ وفيم الشرطة والنيابة والمحاكم والقوامون والمحتسبون
والشرائع والقوانين، إلا أن تكون هذه كلها حدودًا للأفكار والأعمال، كما قلنا الخطأ من أن يجب أبدًا أن لا يمشي إلا في قيد.
يظهر لنا أن الأستاذ مدير الجامعة لا يفهمنا حق الفهم، وإلا فنحن لا
نفهمه: إنه يقول حرية التفكير، ونقول قيمة التفكير؛ وهو يريد حرية الرأي، ونريد صحة الرأي؛ وهو يريد إطلاق الألسنة، ونحن لا نرى إلا إطلاق الحقائق المتكلمة؛ فإن صح رأيه وجب أن تطلق الحكومة كل من في مسششفى المجاذيب ممن خَرِف وأهتر ولا ضرر إلا من لسانه؛ إذ يجب أن يكون لهم قسطهم من حرية التفكير كما يكون للجامعة قسطها؛ وإن صح رأينا وجب أن يظلوا في قيود الطب، لأن لهذا الطب الولاية الشرعية على عقولهم وأفكارهم كما أن للبرلمان الولاية الشرعية على عقل الجامعة وتفكيرها.
هناك ضرب من التفكير هو شر على الناس من محق التفكير؛ فإن إهمال
الفكر وانقياد الإنسان إلى طباعه وغرائزه يبعث على غلطات مختلفة لا بد أن
تقع، لكنها تدل على نفسها بأنها غلطات، إذ ليس معها إلا حقائقها وهي ظاهرة مكشوفة قد تعارفها الناس وعلموا علم عقولها أنها خطأ.
أما ذاك النوع من سوء التفكير فيورط أهله في غلطات لا بد أن تكون.
فإذا كانت فلا بد أن تكابر في أنها غلطات وتذهب تخدع الناس وتُمَوه عليهم وتغر ضعافهم، لأن معهم الجدل والعناد وسوء النية ومكر السيئ، وكل هذا مما يكتم حقائقها ويُظهرها في غير مظاهرها ويُلبس باطلها من حلية الحق. وكتاب الجامعة - الشعر الجاهلي - آخرُ مثلِ أخرجته الدنيا من هذا النوع كما علمتَه مما أوردناه في الكسر عليه.
فإن كانت الجامعة إنما هذا تريد فهو تلبيس وغش وخداع وإن كان اسمه
الرأي والفكر والاجتهاد والجديد وما شاؤوا، وإذا أباحه البرلمان للجامعة وجب أن يُفرض عليها معه إنشاء درس تسميه درس الغلط. . . ليكسب هذا الدرس
تلاميذها المساكين دربة ومرانًا على إدراك خطأ الأستاذ بأنفسهم، فيستطيعوا أن يصححوا لمثل طه حسين غلطاته كلها أو أكثرها أو أفحشها على الأقل.
نحن لا ننكر على الجامعة ولا نعترضها إذا هي قدمت السم في زجاجة
السم، فلو أنها فعلت ذلك لهلك من هلك عن بينة - وما يُشعِرُ كما أن طلبها من البرلمان ليس إلا طلب الترخيص لها في السموم الأدبية والعلمية - ولكن الذي ننكره عليها أن تُقدم السم في زجاجة الدواء فتغش، وتسقيه الناس فتقتل، وتأخذ - على ذلك أجرًا فتسرق، وهذا كله مما نجلها عنه إجلالًا شديدًا، ولكن هذا كله قد وقع في درس طه حسين!
يقول الأستاذ المدير في حكَمه الذهبية "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية
الغير هل أنت تفكر؟ فإذا تعلقت مَنازع التدريس بغير جماعة المدرسين كان
التقدم العلمي خيالًا من خيال".
ونحن - نقره على - هذا لأنه من حجتنا عليه، فلسنا نقول بترك منازع
التدريس في الجامعة لمصلحة التنظيم مثلًا، بل نحن ممن يرون ترك كل صناعة
إلى أهلها ومن يَثقَفونها، ولنضرب الآن مثلًا، بيننا وبين الجامعة، فهل كل
"جماعة المدرسين"، في الأدب هم طه حسين الذي ليس في الجامعة للأدب
سواه، أم تجد منهم في وزارة المعارف وفي - الأزهر وفي وظائف الحبهومة.
وفي الصحف وغيرها؛ إن كان الأول بَطل كلامُنا ولنكسِر هذا القلم ولنرح
أنفسنا من مجادلة العالم الأصغر المسمى طه حسين.. وإن كان الثاني فدرس
الأدب في الجامعة يجب أن يكون مقيدًا بآراء (جماعة المدرسين)، فإن أبت
الجامعة فعليها مناظرة من يجادلها فيه. لا مناص من إحداهما ولكنها لا تقبل
إحداهما!
ولو كانت هذه الجامعة ذات قيمة علمية. وكانت: لا تَطوِي تحت العلم نية
أخرى، لدعت هي الأدباء والعلماء إلى مناظرتها وأثابتهم على ذلك ولم تسكت من مثلنا ولم تُغلق بابها في وجه صديقنا الأستاذ الخضري بك (١) تعمل في إسكاته وإسكات غيره، إما بكلامها ورجائها وإما بسكوتها وإهمالها.
_________
(١) أعد الأستاذ محاضرة مسهبة في الرد على طه حسين وكتب إلى الجامعة يستأذنها في إلقائها على الطلبة فوسعت له وقالت إنها تقدس حرية الفكر وإنها تخصه بأوسع غرفة المحاضرة الطلبة، بيد أنها سألته أن يبعث إليها بما كتب، فلما اطلعت عليه رأت أن تستر على نفسها وأغلقت الباب وقالت
لأقفالها: دافعي أيتها الأقفال المتينة. . .
بل الذي هو أخزى من هذا أن أستاذها نفسه يقول في أول كتابه صفحة
١٥: "وأنت ترى أنني غير مسرف حين أطلب منذ الآن. . . إلى الذين لا
يستطيعون أن يبرأُوا من القديم. . . أن لا يقرأوا هذه الفصول " هكذا بنصه.
وتالله لو أن الجامعة مدرسة كالمدارس تُدرِك معنى العلم وتعرف أنه أمانة
وعهد وميثاق، لأوجعت أستاذَها بالعقوبة على هذه الكلمة وحدها، لأنه
يفضحها شر فضيحة وينفي الثقة بها وبعلمها؛ إذ لا ثقة برأي إلا بعد تمحيصه
ونقده، ولن يكون النقد نقدًا إذا كان من أنصارك ومؤازريك، بل هو النقد إذا جاء من المعارضين لك والمنكرين عليك، ثم لا يتم له معناه إلا إذا كان من أقواهم فكرًا وأصحههم رأيًا وأبلغهم قلمًا؛ فإن لم ينتقدك هذا ومثله فادفعهم إليك دفعًا وتحدهم تحديا وارمِهم بالعجز إذا لم يفعلوا؛ فإن الحجة ليست لك ولا هي لهم وإنما تنحاز إلى الغالب منكما؛ وحتى الحجة الصحيحة فإنها أبدًا في حاجة ماسة إلى حجة أخرى تؤيدها أو تفسرها أو تحدها أو تمنع اللبس بينها وبين غيرها، فكل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده، إذ المعارضة نصف الحق وإن هي لم تكن حقًّا لأنها تُبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه الظنة، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذي انفرد بتحدي الخلق وإثبات هذا التحدي فيه، وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين جميعًا، وذلك هو المبدأ الذي لا استقلال ولا حرية بغيره، وما الصوابُ إذا حققتَ إلا انتصار في معركة الآراء؛ ولا الخطأ إلا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية.
يقول الأستاذ المدير: "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت
تفكر"؟
فإذا لم أكن تحت وصاية الغير يا سيدي المدير ولكني أفكر تحت وصاية
رغبة مجنونة ونية خبيثة شهدت عليها الأمة كلها فهل أنا عندك أفكر؟
ألا تراني حينئذ إذا كنتَ رجلًا عادلًا أني في أشد الحاجة إلى حمايتي من وصاية ضارة بوصاية لا أقل من أن تمنع الضرر؛ وما الفرق بين رغبة تمسني من غيري فتفسد
على تفكيري، وبين رغبة تمسُّ غيري مني فتفسد عليه بتفكيري؟
وهل كان طه يكفر في الجامعة لتكتب عنه الملائكة أم ليكتب عنه الطلبة؟
إني أخشى يا سيدي الأستاذ الجليل من استقلال الجامعة وحرية تفكيرها؟
فإن هذا الكلام إذا فسر بأعمال الجامعة كان معناه ومحصَّله أن البرلمان سيضيف
إلى الامتيازات الأجنبية المضروبة على هذه الأمة، امتيازًا لدولة قصر
الزعفران. . .
Translation
حرية التفكير أم حرية التكفير. . . مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري
#40 Chapter 40 — ذو الأقفال. . . · ref. #40
Tahta Rayat al-Qur'an
Arabic text Aqeedah
ذو الأقفال. . .
نحن نعرف أن الأستاذ الفاضل مدير الجامعة رجل صُلب مستغلق
كالأبواب الحصينة بعضها من وراء بعض، إن أنت عالجت بابًا منها فانفتح لك بعد الكد والعناء وطول المزاولة تام من دونه باب آخر فاضطرك إلى مثل ما كنتَ فيه واستأنفتَ ما فرغت منه، فما تظفر من الرجل بطائل، لأنه فيلسوف منطيق أريب مطلع يرجع من طبعه الذكي إلى مثلٍ كتب الفلاسفة، ومن كتب الفلاسفة إلى مثل طبعه الذكي، فهو أبدًا متحذر مستعد، ولا تبرح أقفاله الفلسفية على مد يده، فإذا هو وضع الباب من أبواب الكلام بينك وبينه تناول القفلَ والقفلين والثلاثة واستغلق وتَعسَّر، فهو في الرجال كالشاذ في القاعدة.
أما القاعدة فتستفيض فى كثير، وأما الشاذ فهو قاعدة نفسِه.
ولنا بالأستاذ صحبة قديمة، فما نعرف إلا أنه رجل منصف، ولا نظن فيه
إلا خيرًا.
ولما أصدرنا الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب " كتب عنه افتتاحية
"الجريدة" وقال لنا بلسانه إنه قضى أسبوعًا يخطب مجالس العاصمة في هذا
الكتاب؛ وكان عمله وقوله: (وسبب آخر) مما أغار تلميذه الفاضل الدكتور
هيكل فاستقبلنا يومئذ بمحبرته ونَضحَ الكتاب بمقالتين من العطر الأسود. . . لم نرد عليهما إلى اليوم، وهما في كتابه الأخير الذي سماه "أوقات الفراغ " فيحسن بالقراء أن ينظروا فيهما؛ لأنا نُعجب من الأذكياء بذكائهم ولا نبالي ما يصيبنا منهم؛ فإن الصدور تجيش والطباع تغلبنا وفي الناس ما فيهم، ونحن إذا أمِنا الخطأ من نفسنا لم يضرنا أن يخطئ الناس فينا؛ ولقد كلمنا يومئذ صديقُنا الأستاذ حفني بك ناصف في الرد على هاتين المقالتين، فقلنا له: متى تم بناء - الهيكل - ظهر الحائط المنحرف! وكان الهيكل لا يزال يُبنى!
نكتب هذا لأن أستاذًا كبيرًا من مدرسي الأدب العربي زعم لنا أن فكرة طه
حسين التي يعمل لها في الجامعة هي فكرة الأستاذ مدير الجامعة، وأن طه ليس
في كبير ولا صغير وإنما هو كالبُوق يُنسب إليه الصوتُ والصوتُ من غيره.
قال: وإن طه يُدِل بمنزلته من الأستاذ فهو تلميذه وصاحبُ رأيه وحامل فكرته،
وإن الأستاذ لذلك أخذ طه في الجامعة ورد سواه، ولبعض ذلك يدفع عنه كما يدافع ذو العقيدة عما اعتقد؛ فالأمر بين الأمة والجامعة فى هذا الخلاف الذي شجر بينهما أشبهُ بالمصادمة بين دينين لا بد من غلبة أحدهما، ثم إذا غلب عم؛ فالأمة على مرحلة إلى جاهلية أو إسلام؛ وما ثم شيء اسمه حرية التفكير أو استقلال الجامعة، إنما هذه ألفاظ سياسية جدلية توضع على مقاديرَ ظاهرة وعلى مقادير أخرى باطنة، ليكون الظاهر مما يلي القولَ، والباطنُ مما يلي العمل.
ولولا أن ذلك كذلك لكان في بعض غلطات طه حسين ما يَقذف به من
فوق الحائط عجلة منهم في إخراجه والتبرؤ منه، إذ ينقطع صبرهم قبل أن يُفتح له الباب؛ ولكن أنى لهم وطه في ذلك فكرة لا رجل، وقد عرف من قبلُ سرَّاء هذه العاقبة وضرَّاءها، وما ألقيت القنبلة من هذا المدفع وهي محشوة كفرًا إلا لتهدم الإيمان القائم، ومثل طه حسين ليس من مدافع العيد. . . بل هو مدافع ميدان.
قال: وعندنا قوانين كثيرة، ولكن قانون الجامعة المصرية المعروض
على البرلمان وضع لكسر القوانين والتفلت منها!
عندنا قانون يسمونه قانون "المجلات المقلقة للراحة" ونحن الآن في
حاجة إلى قانون يسمونه قانون "المحال المقلقة للضمير" انتهى كلام الأستاذ.
وأنا لا أعتقد هذا ولا أقول به، وإن كعنت ألممح فيه لمحات، ولكن ترى ما سر هذا الصمت العجيب في مدير الجامعة فلا يجيب الأمة ولا يعتذر إليها ولا يعبأ بها ولا يعرف لها حقًّا، وبينا هي تتلظى عليه وعلى جامعته وعلى أستاذ جامعته نرى في يده مروحة وفي يدي طه مروحتين. . .
والعجب من هذا الأستاذ الفاضل كيف أصبحت الحوادث تنقله منزلة
إلى منزلة وهو يخف في يدها ولا يثقل به رأي ولا يرجح له عقل، وما يزال
يتنقل في هذه الحادثة من سيئ إلى أسوأ، وما زال يضيق على نفسه ولا يفسح
له ذكاؤه، فكان في غلطة صوابُها قريب والعذر منها سهل والقول فيها يسير، ولكنه أصر عليها؛ ومن نكد الدنيا أن الغلطات كالذباب: تكون الواحدة منها فإذا هي بعد قليل صارت ألفًا.
فما كان من إصرار مدير الجامعة إلا أن جعل للتهمة جذورًا وفروعًا وكانت نبتة لا تتماسك وأنا لا يبلغ من ذكائي أن أنفذ إلى
ذلك السر أو أكتنه حقيقته، فإني رجل بليد إذا تطرق بي الفكر إلى صلابة
كصلابة الأستاذ لطفي السيد من أجل حُمق كحمق طه حسين.
غير أن نسختي "من كليلة ودمنة" ليست بليدة، فقد رجعت إليها الساعة
فإذا الماكر دمنةُ يقول: ولا يغرنك أنك على ثقة من غفلة من حولك، فإنك إن
لم تكن على مسافة بعيدة عن عاقبة غفلتهم فأنت على مسافة دانية من عاقبة
مكرك، وإن القدر إن خلاك فلا يفلتك من يمينه إلا ليأخذك بيساره، فلا تستنِم إلى مسافة ما بين القبضتين إذا كان ما من الوقوع في إحداهما بُد.
وقد كان يقال إنه لا أحمق من الغفلة في اثنين: الضارب في الصحراء
تلفحه شمسها ويتنفس النار من هجيرها، فيغتسل بما يحمل من الماء فيبترد
ويستزوح ويدفع عنه القيظ، وقد أنسته اللذة العاجلة ما أمامه وعمي عن
الصحراء ومعاطشها وظن أن قد غلبها في راحة نفسه والترفيه من أمره، فلن
يكون منها بعد أن شربت ماءه في موضع إلا أن تشرب روحه في موضع آخر، وغفلة الماكر الغاش يطمئن إلى دَحْسِه وغشه وهو يعامل فيهما أمة كاملة.
فيوشك أن يلقى ما لقي الرجل ذو الأقفال حين زم بأقفاله على فضيحتين فكانت أقفاله الفضيحة الثالثة.
قال كليلة: وكيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أن رجلًا حازمًا فيلسوفًا كان في بلد كذا، وكان مخلصًا
للناس ما يبرح لهم حق يقضيه، فكتب وألف زمنًا، ثم خطب وتكلم حينًا، ثم حل وعقد في حبال السياسة، ثم إنهم أنشاوا مدرسة لهذه الأمة فلم يجدوا غيره يتولاها (إذ كانت الآمال فيها على قدر الثقة به، وأنه كان رجلًا سليم دواعي الصدر طيب النفس حسن الظن بمن يستخلصه، وكان من جماعته ومريديه رجل مغرور ينتسب في آرائه وعلمه إلى هذا الأستاذ الجليل، كما تكون النواة في الثمرة الناضجة، فهي مرارة تحت حلاوة، وهي من أثر طين الأرض في أثر ماء الجنة.
وهي شيء لولا موضعه من الثمرة لم يكن له موضع إلا بحيث ينبذ
ويُهمل، ولكن الأقدار، هي وضعته بذلك المكان فكأنه غلطة يغطيها الصواب.
ثم إن هذا المغرور سعى سعيه وتحمل على الرجل الطيب بشفاعة غفلته
الفلسفية، فإنه يقال إن لكل فيلسوف خصالًا يفوق بها الناس ولكنها لن تجتمع له إلا أحدثت فيه خصلة يفوقه الناس بها، ما من ذلك بد، لأن المعنى الإنساني المحض لم يخلص في أحد غير الأنبياء، فالإنسانية فيهم مُصفاة وفيمن عداهم كالماء: تُصفيه وتتركه في سقائه فإن لم ينشئ الترك فيه كدرًا أنشأ فيه معاني الكدر، فأنت واجد بعدُ في قرارته من الهوائم والجراثيم، وهي معاني ما يحمله الماء العكر من الأخلاط والغبار والطين أو هي شر منها، ولولا حكمة الله هذه وأنه لا بد لكل فيلسوف من الغفلة والسقطة، وأن العلم لا يدفع من ذلك نوعًا إلا ليجلب نوعًا آخر - لما رأيت عالمًا أسقطَ نفسًا من جاهل، ولا فيلسوفًا
يلعب به العامة في بعض أمور دنياه مما يتعامل عليه الناس كالبيع والشراء
وتعاطي أسباب العيش.
قال دمنة: ثم فاز المغرور وسهل له الفيلسوفُ تسهيلًا عجيبًا، فإذا هو
أستاذ في تلك المدرسة، فلما استوى له المنصب قال: ما أحرى الناسَ جميعًا
أن يكونوا مغفلين إذا كان الفيلسوف صاحبي كما أرى، فلأصنع له من العلم
على نحو ما أدخلتُ عليه من الغش، فإنه لا يُحسن مما أقول شيئًا، وهو رقيق
الدين كما هو رقيق النفس، وما أراني معلنًا عن نفسي بشيء كما يُعلن عني
الكفر، فيقتحمني الدين وتردُّ عني الفلسفة، فأجمع خلالًا ما اجتمعن لأحد
قبلي، وأكون كالراية يسقط الناس من حولها وهي قائمة.
ثم إنه انحط على العلم والأدب وسفَّه كل من لا يجهل جهله ولا ينعب
نعيبه، وكان كالغراب الذي زعم أنه شاعر كاتب فيلسوف، فلما سألوه في الشعر قال "غاق" فسألوه في الكتابة قال "غيق" فسألوه في الفلسفة قال
"غوق"! فقيل له: فلسنا معك إلا في غاق وغيق وغوق، فأين الشعر والكتابة والفلسفة؟
قال: قطع الله ألسنتكم أيها الناس، فلو أن الله بدَّلكم بها لسانَ غراب فصيح مثلي لوعيتم ما أقول، ولكنكم قوم تجهلون!
قال دمنة: فلما غوَّقَ أستاذ المدرسة ذلك التغويق المنكر وأضحك الناس
منه ومن مدرسته وعلوم مدرسته، وطارلت السخرية ووقعت، ثم طارت
ووقعت، قال ذلك الفيلسَوف: لقد احتجت الآن إلى عقلي وذكائي، فإن هذا الأحمق أنا انخدعت به ثم خدعت به الناس، فأنا من فضيحته الواحدة بين
فضيحتين، وهو مني بمنزلة الذيل من الجواد. إن سبقتُ سبق وما جرى ولا
تعب ولم يُعانِ شيئًا مما أعانيه وليس إلا أنه لَصِيق بي! ولقد أوقعني حُمقه في
هذه المَنزلة، فلن تحملني قدماي إلا إذا جعلت ساقيهما عمودين من حجر
واستمسكت في الأرض بجذور تجعل أصابع قدميَّ عشر شجرات.
ثم أقوم بعد ذلك قومة جبل راسخ لا قَعدة له إلا بشق الأرض من تحته
وأنا بعدُ ذو الأقفال. ما من كلمة تُفتح علي إلا ولها عندي قفل، فجهل هذا
الأحمق قُفله "حرية التفكير" إن فتحوا بذاك أقفلنا بهذا، وكفره نقفل عليه
"بحرية البحث " وغروره الشنيع ما له قُفل ولكن لعل قولنا إنهم يحسدونه يصلح قفلًا، وسقوط المدرسة نجعل له قفلًا من "سنة تجربة" وسوء النتيجة لا يغلقه عنا إلا قفل "التخبط في البداية"، وتدخل الحكومة لتلافي الأمر قفله "التفكير تحت وصاية الغير"
قال وجعل ذو الأقفال يضع لكل مُخزية قفلًا. . . فضج
الناس وفزعوا، وكان لهم دارُ ندوة، وكان فيها زعيم يغمُرُ الناسَ جميعًا بذكائه، وكأنما أنشأ فيه القدر من أسباب القوة على قدر حاجة الأمة كلها، فما تراه في لسانه وبيانه وذكائه وقلبه وهمته وعمله إلا قلتَ مِن ههنا ينبعث التيار الإنساني ليعبَّ به البحر كله في هذه الأمة!
قال: وجمع الفيلسوف أقفاله ووضع عليها كلها قفلًا من معدن لا تذيبه
النار، اسمه "استقلال المدرسة" وبعث بها إلى دار الندوة ليُقفل بها على أفواه
الناس وعقولهم، فما هو إلا أن رماها ذلك الزعيم بنظراته وأدارها في يده حتى جعلت تتهاوى وتتفلَّق، وإذا هي تنماث كما ينماث الملح ألقي في الماء، وكان كل قفل لا يسقط إلا فتحَ عن سوءة أو غلطة أو مخزية من المخزيات، فقال الفيلسوف: إنا لله ما يصنع العناد إلا صنعة واحدة أولها الحيلة وآخرها الخيبة، ولقد كنت عن هذا في غِنى لولا أن هيجني ذلك الأحمق وغلبني على الرأي بمثل ما يغلب به الطفلُ أباه المخدوع، فقد والله فضحني بنفسه، ثم عا
ففضحني بنفسي، وأسقطني بجهله مرة وبعلمي مرة! ولقد سخرت مني
الحوادث فهيات لي أن أكون ذا الأقفال حتى إذا صرت ذا الأقفال رمتني بذي
المفاتيح!
* * *
لا جَرَم أن الأستاذ الجليل لطفي السيد قد تحول كل منطقه خيالًا كالذي
يظن أن أصابع قدميه عشر شجرات، فلسنا نعرف له في حادثة الجامعة رأيًا
صحيحًا ولا حجة قوية، وقد أصبح إذا تكلم أخطًا منطقه، وإذا سكت أخطأ سكوته، وما ذلك من ضعف لسان ولا فَيالة رأي ولا تهافُتِ منطق، ولكنه يدافع ما لا يُدفع، ويتولى رجلًا وَقدت عليه الجحيم ولعنه الله والملائكة والناس.
وماذا يُثلجُ لوحُ الثلج إذا لم يقع إلا بين ألوح الفحم المضطرمة.
كان للأستاذ لطفي السيد من عمله ورأيه وبُعدِ نظره ما يعصمه أن ينزل
نفسَه هذه المنزلة، وما هو بشاعر ولا أديب ولا صاحب لغة ولا مؤرخ أدب
فيعيبه أن يكون قد انخدع في طه حسين ويُزري به سقوط هذا الشيخ أو الخواجة ويَلزَمه من كل غلطة يقع فيها غلطتان إحداهما من أنه أديب والثانية من أنه مدير للجامعة.
إن الأستاذ رجل قانوني وكاتب فاضل ومصلح اجتماعي، فما له ولـ طه
وعلم طه؛ لكنه أبى أن يكون مديرًا للجامعة في عمل ليس فيه إلا أن يكون
مديرًا؛ ومن هنا رأينا العالم الكبير يحتج بأوهى الحجج، ويتوكأ على كلمات
من القش، كحرية التفكير، والتفكير تحت الوصاية وهدم الجامعة الخ الخ. . .
ويقول هذا وهو يعلم أن أحدًا لا ينازعه في هذه المعاني، وإنما النزاع في جهل
الجامعة وسقوط الجامعة وكفر الجامعة وفوضى الجامعة، فيدع ما نحن فيه
ليجرنا إلى ما لسنا فيه، كأنه لا يعلم أن مثل هذا يعد في أساليب الكلام من شر ما يقع فيه من توجهت عليه الحجة ولزمه الدليل، فيظن أنه يتخلص به وهو لا يزيده إلا تورطًا ولا يزيد الناس فيه إلا بيانًا.
أنا أخطات في رأي من العلم فتنكر أنت علي وتردني، فتأخذني الحمية.
وأكبِر ذلك منك ويشق على نفسي أنا أيها الأديب الكبير أن يقال عني أخطأ
وجَهِل، وأن يشيع ذلك في الناس فيكون سبة الأدبي غمِيزة في؛ فأدع رأيي
ورأيك وصوابك وخطئي وأقول: إنما أنت حسود وإنما تتحامل علي، وإنما هذا من لؤمك وضغنك، وأذهب أتكلم في الحسد وما يتصل به، وأتناول المعاني من أصولها البعيدة، ولا أزال أبتعد عما كنا فيه فما أصنع شيئًا إلا أن أضيف إلى عجزي عن الحجة عيب المكابرة فيها، وإلى جهلي بالرأي جهلًا آخر بأساليب البرهان، وأمد في النزاع مدًا كلما طال بيني وبينك أخرج من سخرية الناس بي
ما كنتُ منه في أسبغ ستر وأوسع عافية. . . ولا أزال ألج وأتهافت، ولا يزال الناس يضحكون ويسخرون، فإذا أنا من الغلطة الواحدة فيما لا أحصي، وإذا هي ألوان كثيرة بعد أن كانت ولا لون لها، وأتكلم ألف كلمة فلا أجيء إلا بألف خطأ، وتتكلم أنت واحدة فتجيء بألف صواب، لأن كل غلطة في حمقي وعنادي وجهلي تنحاز إليك فتعد في صوابك، وإذا الناس بيننا على الأصل الذي كنا فيه من الرأي العلمي لا على الأصل الذي نزعتُ أنا إليه من الكلام في الحسد والضغن وما يخرج منهما.
نقول للجامعة: الأدب والدين والتاريخ، وهي تعرف أننا من ذلك في
موطن محاماة، وأنه لا منفعة لنا ولا غاية إلا الإصلاح، وأن الأمة بيننا وبينها، وأن هذه الأمة معنا وعليها، فتلوذ بالصمت عن كل هذا ولا تتكلم إلا في حرية التفكير وتوقي الهدم وكذا وكذا، ولو علمت لعلمت أنها ما تهدم نفسها إلا بمثل هذا، الجامعة ليست مديرَها ولا أستاذها وما إن لها في مصلحة الصحة شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة، وهي باقية وهما زائلان، وما لم يوفق إليه مدير الجامعة اليوم فعسى أن يوفق إليه مدير آخر والأمور بحوادثها مرهونة، والأشياء بأوقاتها، والطبيعة بعدُ على مَساقها الذي تندفع فيه، فإن أكرهناها على غيره لم نفسدها وأفسدنا أعمالنا وأخطأتنا الفائدة منها.
وكل هذا يعرفه الأستاذ مدير
الجامعة، بيد أن عمله يُشعر بأنه يعتقد أن الجامعة هي هو، وأنه إن فاتها صنيعُه لم ينفعها صنيع أحد من بعده، فكأنها فكرة بعينها ليس لها غيره وغير طه، فإذا لم يكونا لم تكن؛ لأن غيرهما لا يعمل فيها ثم، كأنَّ الفكرة مع ذلك لا تُؤمَن عليها الأمةُ ولا الحكومة. . . ولا تستقيم مع إشرافهما، إذ يرى الأستاذ المدير أن تدخل الحكومة هَدمٌ هدم هدم. . . ولن يكون هذا الرأي صحيحًا، بل لا مخرج له في التأويل إلا إذا كان تدخل الحكومة هدمًا للفكرة الشخصية، وإلا فجامعةُ مَن هي؟ وكيف تنشئها الحكومة لتهدمها؟ وماذا كانت قيمتها قبل أن تستلحقها وزارة المعارف؟
إن الذي يعلن أن تدخل الحكومة "هدم" لأمره لن يمكنه إدانة الحكومة
بأفصح ولا أبلغ من هذا الكلام هذا إذا كانت هذه الحكومة قائمة في رأيه على عداوة الأمة والكيد لها وإفساد أعمالها النافعة، وما هكذا يَحسُن أن يعلن مدير الجامعة المصرية عن الحكومة المصرية، ولكن العجيب أن الأمة هي التي تطلب تدخل الحكومة، ومديرُ الجامعة وحده هو الذي يأبى ذلك وينتحل فيه المعاذير الواهية ويضع له الأقفال الفلسفية. . .
فلقد صارت الأمة والحكومة جميعًا عدوتين للجامعة في رأيه، وهذا على
أن الجامعة ليست له ولا هو خالد فيها، فلم يبق إذن إلا شيء واحد من شيئين:
إما أن الأستاذ المدير هو وحده المخلص، وهو وحده ذو الرأي الصحيح، وهو وحده رجلُ الأمة كلها.
وإما أن له وحده فكرة لا تقوم إلا به وحده ويريد
تسخير الجامعة لها! أروني كيف يكون المنطق الذي يُخرج من هذين الرأيين
رأيًا ثالثًا وأنا ألقي هذا القلم تحت "وابور الزلط. . . "
ولا أعود أكتب حرفًا عن الجامعة!
إن النواميس لا تعرف استثناء ولا تخضع له، وإنما يتغير وصف الشيء
فيتغير قانونه، هذا عاقل يُتهم بعظيمة ويجنيها فيعاقب: وهذا معتوه يقترف إثمًا فيترك، ولكل منهما حالة، ولكل حالة قانونها، ففي أي شيء يريد الأستاذ مدير الجامعة أن يكون للحكومة إشراف عليها وتدخل فيها؛ أهو أنشاها وهو يملكها وهو يرعاها؛ أم حين لا يكون هو في الأمة لا تكون للأمة جامعة؛ ألا يجوز في "التجربة " إلا وجه واحد من الجهل والفوضى والكفر، فإن قيل جَربوا الإيمان والتدقيق والنظام لم بكن ذلك شيئًا إلا عبثًا من العبث! ما هو وجه الاستثناء بعد الفضيحة والخزي وتبين المكتوم، وبعد سنة كاملة في "التخبط "، ولا بد من وجه للاستثناء إذا كان لا بد من قانون غير قانون الحالة التي أنت فيها، وإلا كان
هذا فسادًا في أصل النظام وعكسًا للنواميس، وكنا فيه كالذي ينقض من ركن في بيته ليرمَّ صَدعًا في ركن آخر منه، كأنَّ كل ركن مستقل بنفسه مع أنها أربعة في خراب أحدها خراب جميعها، لأنها لا تراد لنفسها بل لما يَحمِلُ عليها؛ ومرض الخراب لا يُعدي بيتًا من بيت ولكنه يُعدي ركنًا من ركن. ومتى اختلفت الجامعةَ المصرية والأمة المصرية واستحرَّ النزاع بينهما فما بقي في حكم العقل أنها جامعة كالجامعات، بل هي وحدة قانونية، كالأقلية في الأكثرية فإن لم تكن فوحدة سياسية في الأمة كالجيش المحتل، فإن لم تكن فوحدة علمية كالطبيب في المرضى، فإن لم تكن فوحدة عقلية كالعاقل في المجانين؛ وكل هذا سب للأمة في ظاهره وهو في الحقيقة سب للجامعة ومَهانة.
ولكن الأمة بخير. وفيها أهل الحزم وأهل الرأي وأهل العقل؛ فما قيمة
رجل أو رجلين أو بضعة رجال توظفهم الحكومة في الجامعة حتى يستبدوا
بالأمة هذا الاستبداد ويتخذوا الجامعة مرتعًا، ويبلغ من غرورهم أن يَسْخَروا من ألف عالم من علماء الدين ويزدروا كل أدباء البلاد ويُصروا على ما فعلوا
ويستكبروا استكبار إبليس ويهزأُوا بالأمة ويُلبِّسوا عليها ويزعموا لها المزاعم
العريضة كذبًا وزورًا!
لقد نشرت جريدة "السياسة" أن هذه الجامعة التقية الصالحة اشترت كتاب
طه حسين وانتزعته من السوق فلا يباع ولا يُقرأ، وبهذا أسقطته إسقاطا
ذهبيًا. . .
قالت "السياسة": وقد رضي صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر بهذا
الحل وسكت، فلم يبق من معنى لشكوى العلماء وذهابهم هنا وهنا (١)
و"السياسة" ترمي شيخ الأزهر بالضعف في رأيه وعلمه، لأن ذلك إن صح
فالشيخ يعلم أن طه لم يُستتَب ويُجدد إسلامه، وأن كتاب إيمانه. . . الذي
نشرته الجامعة إنما كان هزءًا بالأزهر ومن فيه، ورميًا لأهل هذا المعهد الجليل
بأنهم مستعبَدُون للحروف والكلمات لا ينفذون إلى أغراضها ودواعيها؛ وقد كتب في ذلك علامة الأزهر الشيخ يوسف الدجوي وسمَّى كتابَ طه حيلة بلهاء لا تجوز إلا على أبله!
وهل يجوز في رأي شيخ الأزهر أن تنفق الجامعة على تعليم الكفر من
أوقاف المسلمين، ثم تعود فتنفق من هذه الأموال على شراء الكفر من صاحبه.
_________
(١) كذبها العلماء في ذلك وأعلنوا أن شيخ الأزهر لم يرض ولم يسكت.
وما هذا الشراء وما جدواه؟ ألم تعلم الأمة كلها بما في الكتاب بعد أن نشرناه
ونشره العلماء أنفسهم في قرارهم الذي حكموا فيه؛ إنما خسرت الأمة مرتين
ليربح طه مرتين، وأخذ الكتاب من السوق وبقي المؤلف في الجامعة؛ وما
أهون السرقة مرتين على من يسرق مرة ما دام لصًا بطباعه وأخلاقه!
ولكن أليس في شراء الجامعةِ الكتابَ ودفعِ ثمنه ما يومئ إلى اتجاه الإبرة
المغناطيسية في هذه الجامعة، وأنها إلى الجهة الشخصية المحضة، ألا فنبئوني
ما فائدة العدل فيما يسمى القانون إذا نحن لم نأمن الميل الشخصي فيمن يسمى القاضي.
وإذا جعلنا شراء الكتاب قياسًا فقل لي أنت إن الدجاجة قد باضت ورقةَ
بنك أقُل لك أنا لا ريب أن في جوفها مطبعة. . . قل لي استقلال الجامعة أقل
لك إنه حماية بعض الأساتذة فيها. . . قل لي حرية التفكير أقل لك إنها حماية
فكرة أثيمة. هي كما ترى أرجوحة منطقية لها صندوقان، فلن تقول إن أحدهما قد علا إلا لقنتني الجواب بأن الآخر قد سفل. . .
لسنا من أمر هذه الجامعة في صندوقين، ولا شخصين؛ إنما نحن في
عمل له ما بعده؛ وقد قلنا للجامعة غير مرة إن علم الأدب الذي تخرجه سيكون علم الأدب في الشرق العربي كله؛ فلم تفهم، فلما أفسدته أفسدناه علمها، ولو لم نفعل لكنا مجرمين آثمين؛ وتالله لهدمُ الجامعة أخف ضررا من هدم التاريخ، لأنها إن تُغلق اليوم تفتح غدا، ولكن التاريخ لو هُدم فمن الذي يبني "هرم كيوبس" غير كيوبس؟
Translation
ذو الأقفال. . .

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound