Back to the aqeedah library
94 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Al-Ghazali (أبو حامد الغزالي
94
Total sections
94 chapters
#1
Chapter 1 — الفصل الأول في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية
· ref. #1
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَصْل الأول فِي بَيَان معنى الِاسْم والمسمى وَالتَّسْمِيَة
قد كثر الخائضون فِي الِاسْم والمسمى وتشعبت بهم الطّرق وزاغ عَن الْحق أَكثر الْفرق فَمن قَائِل إِن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وَلكنه غير التَّسْمِيَة وَمن قَائِل إِن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَلكنه هُوَ التَّسْمِيَة وَمن ثَالِث مَعْرُوف بالحذق فِي صناعَة الجدل وَالْكَلَام يزْعم أَن الِاسْم قد يكون هُوَ الْمُسَمّى كَقَوْلِنَا لله تَعَالَى إِنَّه ذَات وموجود وَقد يكون غير الْمُسَمّى كَقَوْلِنَا إِنَّه خَالق ورازق فَإِنَّهُمَا يدلان على الْخلق والرزق وهما غَيره وَقد يكون بِحَيْثُ لَا يُقَال إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا هُوَ غَيره كَقَوْلِنَا إِنَّه عَالم وقادر فَإِنَّهُمَا يدلان على الْعلم وَالْقُدْرَة وصفات الله لَا يُقَال إِنَّهَا هِيَ الله تَعَالَى وَلَا إِنَّهَا غَيره
وَالْخلاف يرجع إِلَى أَمريْن
أَحدهمَا أَن الِاسْم هَل هُوَ التَّسْمِيَة أم لَا
وَالثَّانِي أَن الِاسْم هَل هُوَ الْمُسَمّى أم لَا
وَالْحق أَن الِاسْم غير التَّسْمِيَة وَغير الْمُسَمّى وَأَن هَذِه ثَلَاثَة أَسمَاء متباينة غير مترادفة وَلَا سَبِيل إِلَى كشف الْحق فِيهِ إِلَّا بِبَيَان معنى كل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مُفردا ثمَّ بَيَان معنى قَوْلنَا هُوَ هُوَ وَمعنى قَوْلنَا هُوَ غَيره فَهَذَا منهاج الْكَشْف للحقائق وَمن عدل عَن هَذَا الْمنْهَج لم ينجح أصلا
فَإِن كل علم تصديقي أَعنِي علم مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب فَإِنَّهُ لَا محَالة لَفظه قَضِيَّة تشْتَمل على مَوْصُوف وَصفَة وَنسبَة لتِلْك الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف فَلَا بُد أَن تتقدم عَلَيْهِ الْمعرفَة بالموصوف وَحده على سَبِيل التَّصَوُّر لحده وَحَقِيقَته ثمَّ الْمعرفَة بِالصّفةِ وَحدهَا على سَبِيل التَّصَوُّر لحدها وحقيقتها ثمَّ النّظر فِي نِسْبَة تِلْكَ الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف أَنَّهَا مَوْجُودَة لَهُ أَو منفية عَنهُ فَمن أَرَادَ مثلا أَن يعلم أَن الْملك قديم أَو حَادث فَلَا بُد أَن يعرف أَولا معنى لفظ الْملك ثمَّ معنى الْقَدِيم والحادث ثمَّ ينظر فِي إِثْبَات أحد الوصفين للْملك أَو نَفْيه عَنهُ فَلذَلِك لَا بُد من معرفَة معنى الِاسْم وَمعنى الْمُسَمّى وَمعنى التَّسْمِيَة وَمَعْرِفَة معنى الهوية والغيرية حَتَّى يتَصَوَّر أَن يعرف بعد ذَلِك أَنه هُوَ أَو غَيره
فَنَقُول فِي بَيَان حد الِاسْم وَحَقِيقَته إِن للأشياء وجودا فِي الْأَعْيَان ووجودا فِي الأذهان ووجودا فِي اللِّسَان
أما الْوُجُود فِي الْأَعْيَان فَهُوَ الْوُجُود الْأَصْلِيّ الْحَقِيقِيّ والوجود فِي الأذهان هُوَ الْوُجُود العلمي الصُّورِي والوجود فِي اللِّسَان هُوَ الْوُجُود اللَّفْظِيّ الدليلي فَإِن السَّمَاء مثلا لَهَا وجود فِي عينهَا ونفسها ثمَّ لَهَا وجود فِي أذهاننا ونفوسنا لِأَن صُورَة السَّمَاء تنطبع فِي أبصارنا ثمَّ فِي خيالنا حَتَّى لَو عدمت السَّمَاء مثلا وَبَقينَا لكَانَتْ صُورَة السَّمَاء حَاضِرَة فِي خيالنا وَهَذِه الصُّورَة هِيَ الَّتِي يعبر عَنْهَا بِالْعلمِ وَهُوَ مِثَال الْمَعْلُوم فَإِنَّهُ محاك للمعلوم ومواز لَهُ وَهِي كالصورة المنطبعة فِي الْمرْآة فَإِنَّهَا محاكية للصورة الْخَارِجَة الْمُقَابلَة لَهَا
وَأما الْوُجُود فِي اللِّسَان فَهُوَ اللَّفْظ الْمركب من أصوات قطعت أَربع تقطيعات يعبر عَن الْقطعَة الأولى بِالسِّين وَعَن الثَّانِيَة بِالْمِيم وَعَن الثَّالِثَة بِالْألف وَعَن الرَّابِعَة بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ قَوْلنَا سَمَاء فَالْقَوْل دَلِيل على مَا هُوَ فِي الذِّهْن وَمَا فِي الذِّهْن صُورَة لما فِي الْوُجُود مُطَابقَة لَهُ وَلَو لم يكن وجود فِي
الْأَعْيَان لم ينطبع صُورَة فِي الأذهان وَلَو لم ينطبع فِي صُورَة الأذهان لم يشْعر بهَا إِنْسَان وَلَو لم يشْعر بهَا الْإِنْسَان لم يعبر عَنْهَا بِاللِّسَانِ فَإِذا اللَّفْظ وَالْعلم والمعلوم ثَلَاثَة أُمُور متباينة لَكِنَّهَا مُتَطَابِقَة متوازية وَرُبمَا تَلْتَبِس على البليد فَلَا يُمَيّز الْبَعْض مِنْهَا عَن الْبَعْض
وَكَيف لَا تكون هَذِه الوجودات متمايزة وَيلْحق كل وَاحِد مِنْهَا خَواص لَا يلْحق الْأُخْرَى فَإِن ذالإنسان مثلا من حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الْأَعْيَان يلْحقهُ أَنه نَائِم ويقظان وَحي وميت وقائم وماش وقاعد وَغير ذَلِك وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الأذهان يلْحقهُ أَنه مُبْتَدأ وَخبر وعام وخاص وجزئي وكلي وَقَضِيَّة وَغير ذَلِك وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي اللِّسَان يلْحقهُ أَنه عَرَبِيّ وعجمي وتركي وزنجي وَكثير الْحُرُوف وقليلها وَأَنه اسْم وَفعل وحرف وَغير ذَلِك وَهَذَا الْوُجُود يجوز أَن يخْتَلف بالأعصار ويتفاوت فِي عَادَة أهل الْأَمْصَار
فَأَما الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان فَلَا يخْتَلف بالأعصار والأمم الْبَتَّةَ
فَإِذا عرفت هَذَا فدع عَنْك الْآن الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان وَانْظُر فِي الْوُجُود اللَّفْظِيّ فَإِن غرضنا يتَعَلَّق بِهِ فَنَقُول
الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْحُرُوف الْمُقطعَة الْمَوْضُوعَة بِالِاخْتِيَارِ الإنساني للدلالة على أَعْيَان الْأَشْيَاء وَهِي منقسمة إِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع أَولا وَإِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع ثَانِيًا
أما الْمَوْضُوع أَولا فكقولك سَمَاء وَشَجر وإنسان وَغير ذَلِك
وَأما الْمَوْضُوع ثَانِيًا فكقولك اسْم وَفعل وحرف وَأمر وَنهي ومضارع وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مَوْضُوع وضعا ثَانِيًا لِأَن الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للدلالة على الْأَشْيَاء منقسمة إِلَى مَا يدل على معنى فِي غَيره فيسمى حرفا وَإِلَى مَا يدل على معنى فِي نَفسه وَمَا يدل على معنى فِي نَفسه يَنْقَسِم إِلَى مَا يدل على زمَان وجود ذَلِك
الْمَعْنى وَيُسمى فعلا كَقَوْلِك ضرب يضْرب وَإِلَى مَا لَا يدل على الزَّمَان وَيُسمى اسْما كَقَوْلِك سَمَاء وَأَرْض
فأولا وضعت الْأَلْفَاظ دلالات على الْأَعْيَان ثمَّ بعد ذَلِك وضع الِاسْم وَالْفِعْل والحرف دلالات على أَقسَام الْأَلْفَاظ لِأَن الْأَلْفَاظ بعد وَضعهَا أَيْضا صَارَت موجودات فِي الْأَعْيَان وارتسمت صورها فِي الأذهان فاستحقت أَيْضا أَن يدل عَلَيْهَا بحركات اللِّسَان
وَيتَصَوَّر الْأَلْفَاظ أَن تكون مَوْضُوعَة وضعا ثَالِثا ورابعا حَتَّى إِذا قسم الِاسْم إِلَى أَقسَام وَعرف كل قسم باسم كَانَ ذَلِك الِاسْم فِي الدرجَة الثَّالِثَة كَمَا يُقَال مثلا الِاسْم يَنْقَسِم إِلَى نكرَة وَإِلَى معرفَة وَغير ذَلِك وَالْغَرَض من هَذَا كُله أَن تعرف أَن الِاسْم يرجع إِلَى لفظ مَوْضُوع وضعا ثَانِيًا
فَإِذا قيل لنا مَا حد الِاسْم
قُلْنَا إِنَّه اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة وَرُبمَا نضيف إِلَى ذَلِك مَا يميزه عَن الْحَرْف وَالْفِعْل
وَلَيْسَ تَحْرِير الْحَد من غرضنا الْآن إِنَّمَا الْغَرَض أَن المُرَاد بِالِاسْمِ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الرُّتْبَة الثَّالِثَة وَهُوَ الَّذِي فِي اللِّسَان دون الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان
فَإِذا عرفت أَن الِاسْم إِنَّمَا يعْنى بِهِ اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة فَاعْلَم أَن كل مَوْضُوع للدلالة فَلهُ وَاضع وَوضع وموضوع لَهُ يُقَال للموضوع لَهُ مُسَمّى وَهُوَ الْمَدْلُول عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه يدل عَلَيْهِ وَيُقَال للواضع المسمي وَيُقَال للوضع التَّسْمِيَة يُقَال سمى فلَان وَلَده إِذا وضع لفظا يدل عَلَيْهِ ويسمي وَضعه تَسْمِيَة وَقد يُطلق لفظ التَّسْمِيَة على ذكر الِاسْم الْمَوْضُوع كَالَّذي يُنَادي شخصا وَيَقُول يَا زيد فَيُقَال سَمَّاهُ فَإِن قَالَ يَا أَبَا بكر يُقَال كناه وَكَانَ
لفظ التَّسْمِيَة مُشْتَركا بَين وضع الِاسْم وَبَين ذكر الِاسْم وَإِن كَانَ الْأَشْبَه أَنه أَحَق بِالْوَضْعِ مِنْهُ بِالذكر
وَيجْرِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى مجْرى الْحَرَكَة والتحريك والمحرك والمحرك وَهَذِه أَرْبَعَة أسام متباينة تدل على معَان مُخْتَلفَة فالحركة تدل على النقلَة من مَكَان إِلَى مَكَان والتحريك يدل على إِيجَاد هَذِه الْحَرَكَة والمحرك يدل على فَاعل الْحَرَكَة والمحرك يدل على الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَة مَعَ كَونه صادرا من فَاعل لَا كالمتحرك الَّذِي لَا يدل إِلَّا على الْمحل الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَة وَلَا يدل على الْفَاعِل
فَإِذا ظهر الْآن مفهومات هَذِه الْأَلْفَاظ فَلْينْظر هَل يجوز أَن يُقَال فِيهَا إِن بَعْضهَا هُوَ الْبَعْض أَو يُقَال إِنَّه غَيره
وَلَا يفهم هَذَا إِلَّا بِمَعْرِفَة معنى الغيرية والهوية
وَقَوْلنَا هُوَ هُوَ يُطلق على ثَلَاثَة أوجه
الْوَجْه الأول يضاهي قَول الْقَائِل الْخمر هِيَ الْعقار وَاللَّيْث هُوَ الْأسد وَهَذَا يجْرِي فِي كل شَيْء هُوَ وَاحِد فِي نَفسه وَله اسمان مُتَرَادِفَانِ لَا يخْتَلف مفهومهما الْبَتَّةَ وَلَا يتَفَاوَت بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَإِنَّمَا تخْتَلف حروفهما فَقَط وأمثال هَذِه الْأَسْمَاء تسمى مترادفة
الْوَجْه الثَّانِي يضاهي قَول الْقَائِل الصارم هُوَ السَّيْف والمهند هُوَ السَّيْف وَهَذَا يُفَارق الأول فَإِن هَذِه الْأَسَامِي مُخْتَلفَة المفهومات وَلَيْسَت مترادفة لِأَن الصارم يدل على السَّيْف من حَيْثُ هُوَ قَاطع والمهند يدل على السَّيْف من حَيْثُ نسبته إِلَى الْهِنْد وَالسيف يدل دلَالَة مُطلقَة من غير إِشَارَة إِلَى غير ذَلِك وَإِنَّمَا المترادفة هِيَ الَّتِي تخْتَلف حروفها فَقَط وَلَا تَتَفَاوَت بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان فلنسم هَذَا الْجِنْس متداخلا إِذْ السَّيْف دَاخل فِي مَفْهُوم الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة وَإِن كَانَ بَعْضهَا يُشِير مَعَه إِلَى زِيَادَة
الْوَجْه الثَّالِث أَن يَقُول الْقَائِل الثَّلج أَبيض بَارِد فالأبيض والبارد وَاحِد والأبيض هُوَ الْبَارِد فَهَذَا أبعد الْوُجُوه وَيرجع ذَلِك إِلَى وحدة الْمَوْضُوع الْمَوْصُوف بالوصفين مَعْنَاهُ أَن عينا وَاحِدَة مَوْصُوفَة بالبياض والبرودة
وعَلى الْجُمْلَة فقولنا هُوَ هُوَ يدل على كَثْرَة لَهَا وحدة من وَجه فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وحدة لم يُمكن أَن يُقَال هُوَ هُوَ وَاحِد وَمَا لم يكن كَثْرَة لم يكن هُوَ هُوَ فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى شَيْئَيْنِ
فلنرجع إِلَى غرضنا فَنَقُول من ظن أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على قِيَاس الْأَسْمَاء المترادفة كَمَا يُقَال الْخمر هِيَ الْعقار فقد أَخطَأ جدا لِأَن مَفْهُوم الْمُسَمّى غير مَفْهُوم الِاسْم إِذْ بَينا أَن الِاسْم لفظ دَال والمسمى مَدْلُول وَقد يكون غير لفظ وَلِأَن الِاسْم عَرَبِيّ وعجمي وتركي أَي مَوْضُوع الْعَرَب والعجم وَالتّرْك والمسمى قد لَا يكون كَذَلِك وَالِاسْم إِذا سُئِلَ عَنهُ قيل مَا هُوَ والمسمى إِذا سُئِلَ عَنهُ رُبمَا قيل من هُوَ كَمَا إِذا حضر شخص فَيُقَال مَا اسْمه فَيُقَال زيد وَإِذا سُئِلَ عَنهُ قيل من هُوَ وَإِذا سمي التركي الْجَمِيل باسم الهنود قيل اسْم قَبِيح ومسمى حسن وَإِذا سمي باسم كثير الْحُرُوف ثقيل المخارج قيل اسْم ثقيل ومسمى خَفِيف وَالِاسْم قد يكون مجَازًا والمسمى لَا يكون مجَازًا وَالِاسْم قد يُبدل على سَبِيل التفاؤل والمسمى لَا يتبدل وَهَذَا كُله يعرفك أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَلَو تَأَمَّلت وجدت فروقا كَثِيرَة غير ذَلِك وَلَكِن الْبَصِير يَكْفِيهِ الْيَسِير والبليد لَا يزِيدهُ التكثير إِلَّا تحيرا
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَن يُقَال الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على معنى أَن الْمُسَمّى مُشْتَقّ من الِاسْم وَيدخل فِيهِ كَمَا يدْخل السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم فَهَذَا إِن قيل بِهِ فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون التَّسْمِيَة والمسمي وَالِاسْم والمسمى كُله وَاحِدًا لِأَن الْكل مُشْتَقّ من الِاسْم وَيدل عَلَيْهِ وَهَذَا مجازفة فِي الْكَلَام وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل الْحَرَكَة والتحريك والمحرك والمحرك وَاحِد إِذْ الْكل مُشْتَقّ من الْحَرَكَة وَهُوَ
خطأ فَإِن الْحَرَكَة تدل على النقلَة من غير دلَالَة على الْمحل وَالْفَاعِل وَالْفِعْل والمحرك يدل على فَاعل الْحَرَكَة والمحرك يدل على مَحل الْحَرَكَة مَعَ كَونه مَفْعُولا بِخِلَاف المتحرك فَإِنَّهُ يدل على مَحل الْحَرَكَة وَلَا يدل على كَونه مَفْعُولا والتحريك يدل على فعل الْحَرَكَة من غير دلَالَة على الْفَاعِل وَالْمحل فَهَذِهِ الْحَقَائِق متباينة وَإِن كَانَت الْحَرَكَة غير خَارِجَة عَن جَمِيعهَا
وَلَكِن للحركة حَقِيقَة فِي نَفسهَا تعقل وَحدهَا ثمَّ تعقل نسبتها إِلَى فَاعل وَهَذِه الْإِضَافَة غير الْمُضَاف إِذْ الْإِضَافَة تعقل بَين شَيْئَيْنِ والمضاف قد يعقل وَحده وتعقل نسبته إِلَى الْمحل وَهُوَ غير نسبته إِلَى الْفَاعِل كَيفَ وَنسبَة الْحَرَكَة إِلَى الْمحل واحتياجها إِلَيْهِ ضَرُورِيّ ونسبتها إِلَى الْفَاعِل نَظَرِي أَعنِي بِهِ الحكم بِوُجُود النسبتين دون التَّصَوُّر فَكَذَلِك الِاسْم لَهُ دلَالَة وَله مَدْلُول وَهُوَ الْمُسَمّى وَوَضعه فعل فَاعل مُخْتَار وَهُوَ التَّسْمِيَة ثمَّ لَيست هَذِه المداخلة من قبيل دُخُول السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم والمهند لِأَن الصارم سيف بِصفة وَكَذَا المهند فالسيف دَاخل فِيهِ وَلَيْسَ الْمُسَمّى اسْما بِصفة وَلَا التَّسْمِيَة اسْما بِصفة فَلَا يَصح فِيهِ هَذَا التَّأْوِيل
وَأما الْوَجْه الثَّالِث الَّذِي يرجع إِلَى اتِّحَاد الْمحل مَعَ تعدد الصّفة فَهُوَ أَيْضا مَعَ بعده غير جَار فِي الِاسْم والمسمى وَلَا فِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة حَتَّى يُقَال إِن شَيْئا وَاحِدًا مَوْضُوع لِأَن يُسمى اسْما وَيُسمى تَسْمِيَة كَمَا كَانَ فِي مِثَال الثَّلج إِذْ هُوَ معنى وَاحِد مَوْصُوف بالبارد والأبيض وَإِلَّا هُوَ كَقَوْل الْقَائِل الصّديق ﵁ هُوَ ابْن أبي قُحَافَة لِأَن تَأْوِيله أَن الشَّخْص الَّذِي وصف بِأَنَّهُ صديق هُوَ الَّذِي نسب بِالْولادَةِ إِلَى أبي قُحَافَة فَيكون معنى ال هُوَ هُوَ اتِّحَاد الْمَوْضُوع مَعَ الْقطع بتباين الصفتين فَإِن مَفْهُوم الصّديق ﵁ غير مَفْهُوم بنوة أبي قُحَافَة
فالتأويلات الَّتِي تطلق عَلَيْهَا هُوَ هُوَ غير جَارِيَة فِي الِاسْم والمسمى وَفِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة الْبَتَّةَ لَا حَقِيقَتهَا وَلَا مجازها والحقيقة من جُمْلَتهَا مَا يرجع إِلَى ترادف الْأَسْمَاء كَقَوْلِنَا اللَّيْث هُوَ الْأسد بِشَرْط أَن لَا يكون فِي اللُّغَة فرق بَين مَفْهُوم اللَّفْظَيْنِ فَإِن كَانَ بَينهمَا فرق فليطلب لَهُ مِثَال آخر وَهَذَا يرجع إِلَى اتِّحَاد الْحَقِيقَة وَكَثْرَة الِاسْم وَلَا بُد فِي قَوْلنَا هُوَ هُوَ من كَثْرَة من وَجه ووحدة من وَجه وأحق الْوُجُوه أَن تكون الْوحدَة فِي الْمَعْنى وَالْكَثْرَة فِي مُجَرّد اللَّفْظ
وَهَذَا الْقدر كَاف فِي الْكَشْف عَن هَذَا الْخلاف الطَّوِيل الذيل الْقَلِيل النّيل فقد ظهر لَك أَن الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى أَلْفَاظ متباينة الْمَفْهُوم مُخْتَلفَة الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يَصح على الْوَاحِد مِنْهَا أَن يُقَال هُوَ غير الثَّانِي لَا أَنه هُوَ لِأَن الْغَيْر فِي مُقَابلَة الهو هُوَ
وَأما الْمَذْهَب الثَّالِث الْمقسم للاسم إِلَى مَا هُوَ الْمُسَمّى وَإِلَى مَا هُوَ غَيره وَإِلَى مَا لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره فأبعد الْمذَاهب عَن السداد وأجمعها لقبُول الِاضْطِرَاب إِلَّا أَن يؤول وَيُقَال مَا أَرَادَ بِالِاسْمِ الَّذِي قسمه إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام الِاسْم نَفسه بل أَرَادَ بِهِ مَفْهُوم الِاسْم ومدلوله وَمَفْهُوم الِاسْم غير الِاسْم فَإِن مَفْهُوم الِاسْم هُوَ الْمَدْلُول والمدلول غير الدَّلِيل وَهَذَا الانقسام الَّذِي ذكره متطرق إِلَى مَفْهُوم الِاسْم فَالصَّوَاب أَن يُقَال مَفْهُوم الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى وَحَقِيقَته وماهيته وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع الَّتِي لَيست مُشْتَقَّة كَقَوْلِك إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض وَمَا هُوَ مُشْتَقّ فَلَا يدل على حَقِيقَة الْمُسَمّى بل يتْرك الْحَقِيقَة مُبْهمَة وَيدل على صفة لَهُ كَقَوْلِك عَالم وَكَاتب
ثمَّ الْمُشْتَقّ يَنْقَسِم وماهيته وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع إِلَى مَا لَيست مُشْتَقَّة كَقَوْلِك إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض وَمَا هُوَ مُشْتَقّ إِلَى مَا يدل على وصف حَال فِي الْمُسَمّى كالعالم والأبيض وَإِلَى مَا يدل على إِضَافَة لَهُ إِلَى غير مفارق كالخالق وَالْكَاتِب
وحد الْقسم الأول كل اسْم يُقَال فِي جَوَاب مَا هُوَ فَإِنَّهُ إِذا أُشير إِلَى شخص آدَمِيّ وَقيل مَا هُوَ لَيْسَ كَقَوْل من هُوَ فَجَوَابه أَن يُقَال إِنْسَان فَلَو قيل حَيَوَان لم يكن قد ذكر تَمام الْمَاهِيّة لِأَنَّهُ لَيْسَ تتقوم ماهيته بِمُجَرَّد الحيوانية لِأَنَّهُ هُوَ هُوَ بِأَنَّهُ حَيَوَان عَاقل لَا بِأَنَّهُ حَيَوَان فَقَط وَلَفظ الْإِنْسَان اسْم للحيوان الْعَاقِل فَلَو قيل بدل الْإِنْسَان أَبيض أَو طَوِيل أَو عَالم أَو كَاتب لم يكن جَوَابا لِأَن مَفْهُوم الْأَبْيَض شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْبيَاض مَا يدْرِي مَا ذَلِك الشَّيْء وَمَفْهُوم الْعَالم شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَمَفْهُوم الْكَاتِب شَيْء مُبْهَم لَهُ فعل الْكِتَابَة نعم يجوز أَن يفهم أَن الْكَاتِب إِنْسَان وَلَكِن من أُمُور خَارِجَة وأدلة زَائِدَة على مَفْهُوم اللَّفْظ وَكَذَلِكَ إِذا أُشير إِلَى لون وَقيل مَا هُوَ فَجَوَابه أَنه بَيَاض فَلَو ذكر اسْما مشتقا فَقَالَ مشرق أَو مفرق لضوء الْبَصَر لم يكن جَوَابا لِأَن الْمَطْلُوب بقولنَا مَا هُوَ حَقِيقَة الذَّات وماهيتها الَّتِي بهَا هِيَ مَا هِيَ والمشرق شَيْء مُبْهَم لَهُ الْإِشْرَاق والمفرق شَيْء مُبْهَم لَهُ التَّفْرِيق
فَهَذَا التَّقْسِيم فِي مَدْلُول الْأَسَامِي ومفهومها صَحِيح وَيجوز أَن يعبر عَن هَذَا بِأَن الِاسْم قد يدل على الذَّات وَقد يدل على غير الذَّات وَيكون ذَلِك على سَبِيل المساهلة فِي الْإِطْلَاق فَإِن قَوْلنَا يدل على غير الذَّات إِن لم يُفَسر بِأَنا أردنَا بِهِ غير الْمَاهِيّة المقولة فِي جَوَاب مَا هُوَ لم يَصح فَإِن الْعَالم يدل على ذَات لَهُ الْعلم فقد دلّ على الذَّات أَيْضا فَفرق بَين أَن يَقُول عَالم وَبَين أَن يَقُول علم لِأَن الْعَالم يدل على ذَات لَهُ الْعلم وَلَفظ الْعلم لَا يدل إِلَّا على الْعلم
فَقَوله الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى فِيهِ خللان وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى إصلاحين
أَحدهمَا أَن يُبدل الِاسْم بِمَفْهُوم الِاسْم
وَالْآخر أَن يُبدل الذَّات بماهية الذَّات فَيُقَال مَفْهُوم الِاسْم قد يكون حَقِيقَة الذَّات وماهيتها وَقد يكون غير الْحَقِيقَة
وَأما قَوْله إِن الْخَالِق هُوَ غير الْمُسَمّى إِن أَرَادَ بِهِ لفظ الْخَالِق فاللفظ أبدا هُوَ غير مَدْلُول اللَّفْظ وَإِن أَرَادَ بِهِ أَن مَفْهُوم اللَّفْظ غير الْمُسَمّى فَهُوَ محَال لِأَن الْخَالِق اسْم وكل اسْم مَفْهُومه مُسَمَّاهُ فَإِن لم يفهم الْمُسَمّى مِنْهُ فَلَيْسَ اسْما لَهُ والخالق لَيْسَ اسْما لِلْخلقِ وَإِن كَانَ الْخلق دَاخِلا فِيهِ وَالْكَاتِب لَيْسَ اسْما للكتابة وَلَا الْمُسَمّى اسْما للتسمية بل الْخَالِق اسْم ذَات من حَيْثُ يصدر عَنهُ الْخلق فالمفهوم من الْخَالِق هُوَ الذَّات أَيْضا لَكِن لَا حَقِيقَة الذَّات فَقَط بل الْمَفْهُوم هُوَ الذَّات من حَيْثُ لَهُ صفة إضافية كَمَا إِذا قُلْنَا أَب لم يكن الْمَفْهُوم مِنْهُ ذَات الْأَب بل الْمَفْهُوم ذَات الْأَب من حَيْثُ إِضَافَته إِلَى الابْن والأوصاف تَنْقَسِم إِلَى إضافية وَغير إضافية والموصوف بجميعها الذوات فَإِن قَالَ قَائِل الْخَالِق وصف وكل وصف فَهُوَ إِثْبَات وَلَيْسَ فِي مَضْمُون هَذَا اللَّفْظ إِثْبَات سوى الْخلق والخلق غير الْخَالِق وَلَيْسَ للخالق وصف حَقِيقِيّ من الْخلق فَلذَلِك قيل إِنَّه يرجع إِلَى غير الْمُسَمّى فَنَقُول قَول الْقَائِل الِاسْم يفهم غير الْمُسَمّى منتاقض كَقَوْل الْقَائِل الدَّلِيل يعرف غير الْمَدْلُول فَإِن الْمُسَمّى عبارَة عَن مَفْهُوم الِاسْم فَكيف يكون الْمَفْهُوم غير الْمُسَمّى والمسمى غير الْمَفْهُوم
وَأما قَوْله إِن الْخَالِق لَا وصف لَهُ من الْخلق وَالْكَاتِب لَا وصف لَهُ من الْكِتَابَة فَلَيْسَ كَذَلِك وَالدَّلِيل على أَن لَهُ وَصفا مِنْهُ أَنه يُوصف بِهِ مرّة وينفى عَنهُ أُخْرَى وَالْإِضَافَة وصف للمضاف يَنْفِي وَيثبت كالبياض الَّذِي لَيْسَ بمضاف فَمن عرف زيدا وبكرا ثمَّ عرف أَن زيدا أَب لبكر فقد عرف شَيْئا لَا محَالة وَهَذَا الشَّيْء إِمَّا وصف أَو مَوْصُوف وَلَيْسَ هُوَ ذَات الْمَوْصُوف بل هُوَ وصف وَلَيْسَ وَصفا قَائِما بِنَفسِهِ بل هُوَ وصف لزيد فالإضافات من قبيل
الْأَوْصَاف للمضافات إِلَّا أَن مضمونها لَا يعقل إِلَّا بِالْقِيَاسِ بَين شَيْئَيْنِ وَذَلِكَ لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا أوصافا
وَلَو قَالَ الْقَائِل لَيْسَ الله ﷿ مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ خَالِقًا كفر كَمَا لَو قَالَ لَيْسَ مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ عَالما كفر وَلَكِن إِنَّمَا وَقع هَذَا الْقَائِل فِي هَذَا الْخبط لِأَن الْإِضَافَة عِنْد الْمُتَكَلِّمين غير مَعْدُودَة فِي جملَة الْأَعْرَاض مَعَ أَنهم إِذا قيل لَهُم مَا معنى الْعرض قَالُوا إِنَّه الْمَوْجُود فِي مَحل لَا يقوم بِنَفسِهِ وَإِذا قيل لَهُم هَل الْإِضَافَة تقوم بِنَفسِهَا قَالُوا لَا وَإِذا قيل لَهُم هَل الْإِضَافَة مَوْجُودَة أم لَا قَالُوا نعم إِذْ لَا يُمكنهُم أَن يَقُولُوا الْأُبُوَّة مَعْدُومَة إِذْ لَو كَانَت الْأُبُوَّة مَعْدُومَة لم يكن فِي الْعَالم أَب وَإِذا قيل لَهُم الْأُبُوَّة تقوم بِنَفسِهَا قَالُوا لَا فيضطرون إِلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي مَحل وَأَنَّهَا لَا تقوم بِنَفسِهَا بل تقوم فِي مَحل ويعترفون بِأَن الْعرض عبارَة عَن مَوْجُود فِي مَحل ثمَّ يعودون وَيُنْكِرُونَ أَنه عرض
وَأما قَوْله إِن من الِاسْم مَا لَا يُقَال إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا يُقَال هُوَ غَيره فَهُوَ أَيْضا خطأ لِأَنَّهُ سيفسر ذَلِك بالعالم وَهَذَا إِذا اعتذر فِيهِ بِأَن الشَّرْع لم يَأْذَن فِي إِطْلَاق ذَلِك فِي حق الله ﷿ فَرُبمَا قيل لَيْسَ التَّصْرِيح بِالْحَقِّ والصدق مَوْقُوفا على إِذن خَاص وَرُبمَا سومح الْآن فِيهِ ورد النّظر مَعَه إِلَى الْإِنْسَان إِذا وصف بِالْعلمِ أفتقول إِن الْعلم لَيْسَ غير الْإِنْسَان وَقد كَانَ الْإِنْسَان مَوْجُودا وَلم يكن الْعلم وحد الْعلم غير حد الْإِنْسَان لَا محَالة فَإِن قَالَ الْعلم غير الْإِنْسَان وَلَكِن إِذا قُلْنَا عَن شخص وَاحِد إِنَّه عَالم وَإنَّهُ إِنْسَان لم يكن الْعَالم هُوَ الْإِنْسَان وَلَا هُوَ غير الْإِنْسَان لِأَن الْإِنْسَان هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ قُلْنَا وَيلْزم هَذَا من الْكَاتِب والنجار فَإِن الْمَوْصُوف بِهِ أَيْضا هُوَ الْإِنْسَان
على أَن الْحق فِيهِ التَّفْصِيل وَهُوَ أَن يُقَال مَفْهُوم لفظ الْإِنْسَان غير مَفْهُوم
لفظ الْعَالم إِذْ مَفْهُوم الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق عَاقل وَمَفْهُوم الْعَالم شَيْء مُبْهَم لَهُ علم فأحد اللَّفْظَيْنِ غير اللَّفْظ الآخر وَمَفْهُوم أَحدهمَا غير مَفْهُوم الآخر فَهُوَ بِهَذَا الْوَجْه هُوَ غير لَا يجوز أَن يُقَال هُوَ هُوَ وبوجه آخر هُوَ هُوَ وَلَا يجوز أَن يُقَال بذلك الْوَجْه إِلَّا هُوَ غَيره وَذَلِكَ إِذا نظرت إِلَى الذَّات الْوَاحِدَة الَّتِي تُوصَف بِأَنَّهَا إِنْسَان وَأَنَّهَا عَالِمَة فَإِن الْمُسَمّى بالإنسان هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالم كَمَا أَن الْمُسَمّى بالثلج هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ بَارِد وأبيض فَبِهَذَا النَّوْع من النّظر وَالِاعْتِبَار هُوَ هُوَ وبالاعتبار الأول هُوَ غَيره ومحال فِي الْعقل أَن يكون الِاعْتِبَار وَاحِدًا وَيكون لَا هُوَ هُوَ وَلَا غَيره كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون هُوَ هُوَ وَغَيره لِأَن الْغَيْر والهو هُوَ متقابلان تقَابل النَّفْي وَالْإِثْبَات فَلَيْسَ بَينهمَا وَاسِطَة
وَمن فهم هَذَا علم أَنه إِذا أثبت لله ﷿ وصف الْقُدْرَة وَالْعلم زَائِدا على الذَّات فقد أثبت مَا هُوَ غير الذَّات وَأثبت للغيرية معنى وَإِن لم يُطلقهُ لفظا توقفا إِلَى وُرُود التَّوْقِيف فَكيف لَا وَإِذا ذكر حد الْعلم دخل فِيهِ علم الله ﷿ وَلم يدْخل فِيهِ قدرته وَلَا ذَاته وَالْخَارِج عَن الْحَد كَيفَ لَا يكون غير الدَّاخِل فِي الْحَد وَكَيف لَا يجوز لحاد الْعلم إِذا لم يدْخل فِي حَده الْقُدْرَة أَن يعْتَذر وَيَقُول لَا يضرني خُرُوج الْقُدْرَة عَن الْحَد لِأَنِّي حددت الْعلم وَالْقُدْرَة غير الْعلم فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم فَكَذَلِك الذَّات العالمة غير الْعلم فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم فَمن استنكر قَول الْقَائِل الدَّاخِل فِي الْحَد غير الْخَارِج مِنْهُ وأحال إِطْلَاق لفظ الْغَيْر هَاهُنَا كَانَ من جملَة من لم يفهم معنى لفظ الْغَيْر وَمَا عِنْدِي أَنه لَا يفهم فَإِن معنى لفظ الْغَيْر ظَاهر لَكِن عساه يَقُول بِلِسَانِهِ مَا ينبو عَنهُ عقله ويكذبه فِيهِ سره وَلَيْسَ الْغَرَض من المحاجة البرهانية اقتناص الْأَلْسِنَة بل اقتناص الْعُقُول لتعترف بَاطِنا بِمَا هُوَ الْحق أفْصح عَنهُ بِاللِّسَانِ أَو لم يفصح
فَإِن قيل إِنَّمَا اضْطر الْقَائِلين بِأَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى إِلَى القَوْل بِهِ الحذر
من أَن يَقُولُوا الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الدَّال بالاصطلاح فيلزمهم القَوْل بِأَن الله ﷿ لم يكن لَهُ اسْم فِي الْأَزَل إِذْ لم يكن لفظ وَلَا لافظ فَإِن اللَّفْظ حَادث فَنَقُول هَذِه ضَرُورَة ضَعِيفَة يهون دَفعهَا إِذْ يُقَال مَعَاني الْأَسْمَاء كَانَت ثَابِتَة فِي الْأَزَل وَلم تكن الْأَسْمَاء لِأَن الْأَسْمَاء عَرَبِيَّة وعجمية وَكلهَا حَادِثَة وَهَذَا فِي كل اسْم يرجع إِلَى معنى الذَّات أَو صفة الذَّات مثل القدوس فَإِنَّهُ كَانَ بِصفة الْقُدس فِي الْأَزَل وَمثل الْعَالم فَإِنَّهُ كَانَ عَالما فِي الْأَزَل
فَإنَّا قد بَينا أَن الْأَشْيَاء لَهَا ثَلَاث مَرَاتِب فِي الْوُجُود
أَحدهَا فِي الْأَعْيَان وَهَذَا الْوُجُود مَوْصُوف بالقدم فِيمَا يتَعَلَّق بِذَات الله ﷿ وَصِفَاته
وَالثَّانِي فِي الأذهان وَهَذَا الْوُجُود حَادث إِذْ كَانَت الأذهان حَادِثَة
وَالثَّالِث فِي اللِّسَان وَهِي الْأَسْمَاء وَهَذَا الْوُجُود أَيْضا حَادث بحدوث اللِّسَان
نعم نُرِيد بالثابت فِي الأذهان الْمَعْلُوم وَهِي أَيْضا إِذا أضيفت إِلَى ذَات الله ﷿ كَانَت قديمَة لِأَن الله ﷿ مَوْجُود وعالم فِي الْأَزَل وَكَانَ يعلم أَنه مَوْجُود وعالم فَكَانَ وجوده ثَابتا فِي نَفسه وَفِي علمه أَيْضا وَكَانَت الْأَسْمَاء الَّتِي سيلهمها عباده ويخلقها فِي أذهانهم وألسنتهم أَيْضا مَعْلُومَة عِنْده فَبِهَذَا التَّأْوِيل يجوز أَن يُقَال كَانَت الْأَسْمَاء فِي الْأَزَل
أما الْأَسَامِي الَّتِي ترجع إِلَى الْفِعْل كالخالق والمصور والوهاب فقد قَالَ قوم يُوصف بِأَنَّهُ خَالق فِي الْأَزَل وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُوصف وَهَذَا خلاف لَا أصل لَهُ فَإِن الْخَالِق يُطلق لمعنيين أَحدهمَا ثَابت فِي الْأَزَل قطعا وَالْآخر منفي قطعا وَلَا وَجه للْخلاف فيهمَا إِذْ السَّيْف يُسمى قَاطعا وَهُوَ فِي الغمد وَيُسمى قَاطعا حَالَة حز الرَّقَبَة فَهُوَ فِي الغمد قَاطع بِالْقُوَّةِ وَعند الحز قَاطع بِالْفِعْلِ وَالْمَاء فِي الْكوز مرو وَلَكِن بِالْقُوَّةِ وَفِي الْمعدة مرو بِالْفِعْلِ وَمعنى
كَون المَاء فِي الْكوز مرويا أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الإرواء عِنْد مصادفة الْمعدة وَهِي صفة المائية وَالسيف فِي الغمد قَاطع أَي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الْقطع إِذا لَاقَى الْمحل وَهِي الحدة إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يستجد وَصفا آخر فِي نَفسه
فالبارىء ﷾ فِي الْأَزَل خَالق بِالْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يُقَال المَاء الَّذِي فِي الْكوز مرو وَهُوَ أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يَصح الْفِعْل والخلق وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي غير الْخَالِق أَي الْخلق غير صادر مِنْهُ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَزَل على الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُسمى عَالما وقدوسا وَغير ذَلِك وَيكون فِي الْأَبَد كَذَلِك سَمَّاهُ غَيره بذلك الِاسْم أَو لم يسم وَأكْثر أغاليط الجدليين منشؤه عدم التَّمْيِيز بَين مَعَاني الْأَسَامِي الْمُشْتَركَة وَإِذا ميزت ارْتَفع أَكثر اختلافاتهم
فَإِن قيل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ ١٢ يُوسُف الْآيَة ٤٠ وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يعْبدُونَ الْأَلْفَاظ الَّتِي هِيَ حُرُوف مقطعَة بل كَانُوا يعْبدُونَ المسميات فَنَقُول الْمُسْتَدلّ بِهَذَا لَا يفهم وَجه دلَالَته مَا لم يقل إِنَّهُم يعْبدُونَ المسميات دون الْأَسْمَاء فَيكون فِي كَلَامه التَّصْرِيح بِأَن الْأَسْمَاء غير المسميات إِذْ لَو قَالَ الْقَائِل الْعَرَب كَانَت تعبد المسميات دون المسميات كَانَ متناقضا وَلَو قَالَ تعبد المسميات دون الْأَسْمَاء كَانَ مفهوما غير متناقض فَلَو كَانَت الْأَسْمَاء هِيَ المسميات لَكَانَ القَوْل الْأَخير كَالْأولِ
ثمَّ يُقَال مَعْنَاهُ أَن اسْم الْآلهَة الَّتِي أطلقوها على الْأَصْنَام كَانَ اسْما بِلَا مُسَمّى لِأَن الْمُسَمّى هُوَ الْمَعْنى الثَّابِت فِي الْأَعْيَان من حَيْثُ دلّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ وَلم تكن الإلهية ثَابِتَة فِي الْأَعْيَان وَلَا مَعْلُومَة فِي الأذهان بل كَانَت أساميها مَوْجُودَة فِي اللِّسَان فَكَانَت أسامي بِلَا معَان وَمن سمي باسم الْحَكِيم وَلم يكن حكيما وَفَرح بِهِ قيل فَرح بِالِاسْمِ إِذْ لَيْسَ وَرَاء الِاسْم معنى وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى لِأَنَّهُ أضَاف الِاسْم إِلَى التَّسْمِيَة وأضاف التَّسْمِيَة إِلَيْهِم وَجعلهَا
فعلا لَهُم فَقَالَ ﴿أَسمَاء سميتموها﴾ ١٢ سُورَة يُوسُف الْآيَة ٤٠ يَعْنِي أَسمَاء حصلت بتسميتهم وفعلهم وأشخاص الْأَصْنَام لم تكن هِيَ الْحَادِثَة بتسميتهم
فَإِن قيل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ والذات هِيَ المسبحة دون الِاسْم قُلْنَا الِاسْم هَاهُنَا زِيَادَة على سَبِيل الصّفة وَعَادَة الْعَرَب بِمثلِهِ جَارِيَة وَهُوَ كَقَوْلِه ﷿ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ٤٢ سُورَة الشورى الْآيَة ١١ وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ فَيُقَال فِيهِ إِثْبَات الْمثل إِذْ قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ٤٢ سُورَة الشورى الْآيَة ١١ كَمَا يُقَال لَيْسَ كولده أحد إِذْ فِيهِ إِثْبَات الْوَلَد بل الْكَاف فِيهِ زِيَادَة
وَلَا يبعد أَن يكنى عَن الْمُسَمّى بِالِاسْمِ إجلالا للمسمى كَمَا يكنى عَن الشريف بالجناب والحضرة والمجلس فَيُقَال السَّلَام على حَضرته الْمُبَارَكَة ومجلسه الشريف وَالْمرَاد بِهِ السَّلَام عَلَيْهِ وَلَكِن يكنى عَنهُ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ نوعا من التَّعَلُّق إجلالا وَكَذَلِكَ الِاسْم وَإِن كَانَ غير الْمُسَمّى فَهُوَ مُتَعَلق بِالْمُسَمّى ومطابق لَهُ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يلتبس على الْبَصِير فِي أصل الْوَضع
كَيفَ وَقد اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى بقوله ﷿ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ٧ سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة ١٨٠ وَبِقَوْلِهِ ﷺ إِن لله تَعَالَى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة وَقَالُوا لَو كَانَ هُوَ الْمُسَمّى لَكَانَ الْمُسَمّى تسعا وَتِسْعين وَهُوَ محَال لِأَن الْمُسَمّى وَاحِد فاضطر أُولَئِكَ إِلَى الِاعْتِرَاف هَاهُنَا بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَقَالُوا يجوز أَن يرد بِمَعْنى التَّسْمِيَة لَا بِمَعْنى الْمُسَمّى كَمَا سلم الْآخرُونَ بِأَن الِاسْم قد يرد بِمَعْنى الْمُسَمّى وَإِن كَانَ هُوَ غير الْمُسَمّى فِي الأَصْل وَعَلِيهِ نزلُوا قَوْله
تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ وَلم يحسن كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَال وَالْجَوَاب جَمِيعًا
أما قَوْله ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ فقد ذكرنَا مَا فِيهِ وَعَلِيهِ وَأما هَذَا الِاسْتِدْلَال فجوابهم عَنهُ بِأَن الِاسْم والمسمى وَاحِد وَإِنَّمَا أُرِيد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة فَقَط خطأ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن من يَقُول الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى لَا يعجز عَن أَن يَقُول الْمُسَمّى هَاهُنَا تِسْعَة وَتسْعُونَ لِأَن المُرَاد بِالْمُسَمّى مَفْهُوم الِاسْم عِنْد هَذَا الْقَائِل وَمَفْهُوم الْعَلِيم غير مَفْهُوم الْقَدِير والقدوس والخالق وَغير ذَلِك بل لكل اسْم مَفْهُوم وَمعنى على حياله وَإِن كَانَ الْكل يرجع إِلَى وصف ذَات وَاحِدَة فَكَأَن هَذَا الْقَائِل يَقُول الِاسْم هُوَ الْمَعْنى وَيُمكن أَن يَقُول لله تَعَالَى الْمعَانِي الْحسنى فَإِن المسميات هِيَ الْمعَانِي وفيهَا كَثْرَة لَا محَالة
وَالثَّانِي أَن قَوْله المُرَاد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة خطأ فَإنَّا قد بَينا أَن التَّسْمِيَة هُوَ ذكر الِاسْم أَو وَصفه وَالتَّسْمِيَة تَتَعَدَّد وتكثر بِكَثْرَة المسمين وَإِن كَانَ الِاسْم وَاحِد كَمَا أَن الذّكر وَالْعلم يكثر بِكَثْرَة الذَّاكِرِينَ وَالْعَالمِينَ وَإِن كَانَ الْمَذْكُور والمعلوم وَاحِدًا فكثرة التَّسْمِيَة لَا تفْتَقر إِلَى كَثْرَة الْأَسْمَاء لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى أَفعَال المسمين فَمَا أُرِيد بالأسماء هَاهُنَا التسميات بل أُرِيد الْأَسْمَاء والأسماء هِيَ الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة الدَّالَّة على الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف فِي التَّأْوِيل قيل الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى أَو لم يقل
فَهَذَا الْقدر يَكْفِيك فِي كشف هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة لقلَّة جدواها لَا تسْتَحقّ هَذَا الإطناب وَلَكِن قصدنا بالشرح تَعْلِيم طَرِيق التعرف لأمثال هَذِه المباحث لتستعمل فِي مسَائِل أهم من هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن أَكثر تطواف النّظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حول الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي وَالله أعلم
قد كثر الخائضون فِي الِاسْم والمسمى وتشعبت بهم الطّرق وزاغ عَن الْحق أَكثر الْفرق فَمن قَائِل إِن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى وَلكنه غير التَّسْمِيَة وَمن قَائِل إِن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَلكنه هُوَ التَّسْمِيَة وَمن ثَالِث مَعْرُوف بالحذق فِي صناعَة الجدل وَالْكَلَام يزْعم أَن الِاسْم قد يكون هُوَ الْمُسَمّى كَقَوْلِنَا لله تَعَالَى إِنَّه ذَات وموجود وَقد يكون غير الْمُسَمّى كَقَوْلِنَا إِنَّه خَالق ورازق فَإِنَّهُمَا يدلان على الْخلق والرزق وهما غَيره وَقد يكون بِحَيْثُ لَا يُقَال إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا هُوَ غَيره كَقَوْلِنَا إِنَّه عَالم وقادر فَإِنَّهُمَا يدلان على الْعلم وَالْقُدْرَة وصفات الله لَا يُقَال إِنَّهَا هِيَ الله تَعَالَى وَلَا إِنَّهَا غَيره
وَالْخلاف يرجع إِلَى أَمريْن
أَحدهمَا أَن الِاسْم هَل هُوَ التَّسْمِيَة أم لَا
وَالثَّانِي أَن الِاسْم هَل هُوَ الْمُسَمّى أم لَا
وَالْحق أَن الِاسْم غير التَّسْمِيَة وَغير الْمُسَمّى وَأَن هَذِه ثَلَاثَة أَسمَاء متباينة غير مترادفة وَلَا سَبِيل إِلَى كشف الْحق فِيهِ إِلَّا بِبَيَان معنى كل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مُفردا ثمَّ بَيَان معنى قَوْلنَا هُوَ هُوَ وَمعنى قَوْلنَا هُوَ غَيره فَهَذَا منهاج الْكَشْف للحقائق وَمن عدل عَن هَذَا الْمنْهَج لم ينجح أصلا
فَإِن كل علم تصديقي أَعنِي علم مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب فَإِنَّهُ لَا محَالة لَفظه قَضِيَّة تشْتَمل على مَوْصُوف وَصفَة وَنسبَة لتِلْك الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف فَلَا بُد أَن تتقدم عَلَيْهِ الْمعرفَة بالموصوف وَحده على سَبِيل التَّصَوُّر لحده وَحَقِيقَته ثمَّ الْمعرفَة بِالصّفةِ وَحدهَا على سَبِيل التَّصَوُّر لحدها وحقيقتها ثمَّ النّظر فِي نِسْبَة تِلْكَ الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف أَنَّهَا مَوْجُودَة لَهُ أَو منفية عَنهُ فَمن أَرَادَ مثلا أَن يعلم أَن الْملك قديم أَو حَادث فَلَا بُد أَن يعرف أَولا معنى لفظ الْملك ثمَّ معنى الْقَدِيم والحادث ثمَّ ينظر فِي إِثْبَات أحد الوصفين للْملك أَو نَفْيه عَنهُ فَلذَلِك لَا بُد من معرفَة معنى الِاسْم وَمعنى الْمُسَمّى وَمعنى التَّسْمِيَة وَمَعْرِفَة معنى الهوية والغيرية حَتَّى يتَصَوَّر أَن يعرف بعد ذَلِك أَنه هُوَ أَو غَيره
فَنَقُول فِي بَيَان حد الِاسْم وَحَقِيقَته إِن للأشياء وجودا فِي الْأَعْيَان ووجودا فِي الأذهان ووجودا فِي اللِّسَان
أما الْوُجُود فِي الْأَعْيَان فَهُوَ الْوُجُود الْأَصْلِيّ الْحَقِيقِيّ والوجود فِي الأذهان هُوَ الْوُجُود العلمي الصُّورِي والوجود فِي اللِّسَان هُوَ الْوُجُود اللَّفْظِيّ الدليلي فَإِن السَّمَاء مثلا لَهَا وجود فِي عينهَا ونفسها ثمَّ لَهَا وجود فِي أذهاننا ونفوسنا لِأَن صُورَة السَّمَاء تنطبع فِي أبصارنا ثمَّ فِي خيالنا حَتَّى لَو عدمت السَّمَاء مثلا وَبَقينَا لكَانَتْ صُورَة السَّمَاء حَاضِرَة فِي خيالنا وَهَذِه الصُّورَة هِيَ الَّتِي يعبر عَنْهَا بِالْعلمِ وَهُوَ مِثَال الْمَعْلُوم فَإِنَّهُ محاك للمعلوم ومواز لَهُ وَهِي كالصورة المنطبعة فِي الْمرْآة فَإِنَّهَا محاكية للصورة الْخَارِجَة الْمُقَابلَة لَهَا
وَأما الْوُجُود فِي اللِّسَان فَهُوَ اللَّفْظ الْمركب من أصوات قطعت أَربع تقطيعات يعبر عَن الْقطعَة الأولى بِالسِّين وَعَن الثَّانِيَة بِالْمِيم وَعَن الثَّالِثَة بِالْألف وَعَن الرَّابِعَة بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ قَوْلنَا سَمَاء فَالْقَوْل دَلِيل على مَا هُوَ فِي الذِّهْن وَمَا فِي الذِّهْن صُورَة لما فِي الْوُجُود مُطَابقَة لَهُ وَلَو لم يكن وجود فِي
الْأَعْيَان لم ينطبع صُورَة فِي الأذهان وَلَو لم ينطبع فِي صُورَة الأذهان لم يشْعر بهَا إِنْسَان وَلَو لم يشْعر بهَا الْإِنْسَان لم يعبر عَنْهَا بِاللِّسَانِ فَإِذا اللَّفْظ وَالْعلم والمعلوم ثَلَاثَة أُمُور متباينة لَكِنَّهَا مُتَطَابِقَة متوازية وَرُبمَا تَلْتَبِس على البليد فَلَا يُمَيّز الْبَعْض مِنْهَا عَن الْبَعْض
وَكَيف لَا تكون هَذِه الوجودات متمايزة وَيلْحق كل وَاحِد مِنْهَا خَواص لَا يلْحق الْأُخْرَى فَإِن ذالإنسان مثلا من حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الْأَعْيَان يلْحقهُ أَنه نَائِم ويقظان وَحي وميت وقائم وماش وقاعد وَغير ذَلِك وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الأذهان يلْحقهُ أَنه مُبْتَدأ وَخبر وعام وخاص وجزئي وكلي وَقَضِيَّة وَغير ذَلِك وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي اللِّسَان يلْحقهُ أَنه عَرَبِيّ وعجمي وتركي وزنجي وَكثير الْحُرُوف وقليلها وَأَنه اسْم وَفعل وحرف وَغير ذَلِك وَهَذَا الْوُجُود يجوز أَن يخْتَلف بالأعصار ويتفاوت فِي عَادَة أهل الْأَمْصَار
فَأَما الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان فَلَا يخْتَلف بالأعصار والأمم الْبَتَّةَ
فَإِذا عرفت هَذَا فدع عَنْك الْآن الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان وَانْظُر فِي الْوُجُود اللَّفْظِيّ فَإِن غرضنا يتَعَلَّق بِهِ فَنَقُول
الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْحُرُوف الْمُقطعَة الْمَوْضُوعَة بِالِاخْتِيَارِ الإنساني للدلالة على أَعْيَان الْأَشْيَاء وَهِي منقسمة إِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع أَولا وَإِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع ثَانِيًا
أما الْمَوْضُوع أَولا فكقولك سَمَاء وَشَجر وإنسان وَغير ذَلِك
وَأما الْمَوْضُوع ثَانِيًا فكقولك اسْم وَفعل وحرف وَأمر وَنهي ومضارع وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مَوْضُوع وضعا ثَانِيًا لِأَن الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للدلالة على الْأَشْيَاء منقسمة إِلَى مَا يدل على معنى فِي غَيره فيسمى حرفا وَإِلَى مَا يدل على معنى فِي نَفسه وَمَا يدل على معنى فِي نَفسه يَنْقَسِم إِلَى مَا يدل على زمَان وجود ذَلِك
الْمَعْنى وَيُسمى فعلا كَقَوْلِك ضرب يضْرب وَإِلَى مَا لَا يدل على الزَّمَان وَيُسمى اسْما كَقَوْلِك سَمَاء وَأَرْض
فأولا وضعت الْأَلْفَاظ دلالات على الْأَعْيَان ثمَّ بعد ذَلِك وضع الِاسْم وَالْفِعْل والحرف دلالات على أَقسَام الْأَلْفَاظ لِأَن الْأَلْفَاظ بعد وَضعهَا أَيْضا صَارَت موجودات فِي الْأَعْيَان وارتسمت صورها فِي الأذهان فاستحقت أَيْضا أَن يدل عَلَيْهَا بحركات اللِّسَان
وَيتَصَوَّر الْأَلْفَاظ أَن تكون مَوْضُوعَة وضعا ثَالِثا ورابعا حَتَّى إِذا قسم الِاسْم إِلَى أَقسَام وَعرف كل قسم باسم كَانَ ذَلِك الِاسْم فِي الدرجَة الثَّالِثَة كَمَا يُقَال مثلا الِاسْم يَنْقَسِم إِلَى نكرَة وَإِلَى معرفَة وَغير ذَلِك وَالْغَرَض من هَذَا كُله أَن تعرف أَن الِاسْم يرجع إِلَى لفظ مَوْضُوع وضعا ثَانِيًا
فَإِذا قيل لنا مَا حد الِاسْم
قُلْنَا إِنَّه اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة وَرُبمَا نضيف إِلَى ذَلِك مَا يميزه عَن الْحَرْف وَالْفِعْل
وَلَيْسَ تَحْرِير الْحَد من غرضنا الْآن إِنَّمَا الْغَرَض أَن المُرَاد بِالِاسْمِ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الرُّتْبَة الثَّالِثَة وَهُوَ الَّذِي فِي اللِّسَان دون الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان
فَإِذا عرفت أَن الِاسْم إِنَّمَا يعْنى بِهِ اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة فَاعْلَم أَن كل مَوْضُوع للدلالة فَلهُ وَاضع وَوضع وموضوع لَهُ يُقَال للموضوع لَهُ مُسَمّى وَهُوَ الْمَدْلُول عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه يدل عَلَيْهِ وَيُقَال للواضع المسمي وَيُقَال للوضع التَّسْمِيَة يُقَال سمى فلَان وَلَده إِذا وضع لفظا يدل عَلَيْهِ ويسمي وَضعه تَسْمِيَة وَقد يُطلق لفظ التَّسْمِيَة على ذكر الِاسْم الْمَوْضُوع كَالَّذي يُنَادي شخصا وَيَقُول يَا زيد فَيُقَال سَمَّاهُ فَإِن قَالَ يَا أَبَا بكر يُقَال كناه وَكَانَ
لفظ التَّسْمِيَة مُشْتَركا بَين وضع الِاسْم وَبَين ذكر الِاسْم وَإِن كَانَ الْأَشْبَه أَنه أَحَق بِالْوَضْعِ مِنْهُ بِالذكر
وَيجْرِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى مجْرى الْحَرَكَة والتحريك والمحرك والمحرك وَهَذِه أَرْبَعَة أسام متباينة تدل على معَان مُخْتَلفَة فالحركة تدل على النقلَة من مَكَان إِلَى مَكَان والتحريك يدل على إِيجَاد هَذِه الْحَرَكَة والمحرك يدل على فَاعل الْحَرَكَة والمحرك يدل على الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَة مَعَ كَونه صادرا من فَاعل لَا كالمتحرك الَّذِي لَا يدل إِلَّا على الْمحل الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَة وَلَا يدل على الْفَاعِل
فَإِذا ظهر الْآن مفهومات هَذِه الْأَلْفَاظ فَلْينْظر هَل يجوز أَن يُقَال فِيهَا إِن بَعْضهَا هُوَ الْبَعْض أَو يُقَال إِنَّه غَيره
وَلَا يفهم هَذَا إِلَّا بِمَعْرِفَة معنى الغيرية والهوية
وَقَوْلنَا هُوَ هُوَ يُطلق على ثَلَاثَة أوجه
الْوَجْه الأول يضاهي قَول الْقَائِل الْخمر هِيَ الْعقار وَاللَّيْث هُوَ الْأسد وَهَذَا يجْرِي فِي كل شَيْء هُوَ وَاحِد فِي نَفسه وَله اسمان مُتَرَادِفَانِ لَا يخْتَلف مفهومهما الْبَتَّةَ وَلَا يتَفَاوَت بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَإِنَّمَا تخْتَلف حروفهما فَقَط وأمثال هَذِه الْأَسْمَاء تسمى مترادفة
الْوَجْه الثَّانِي يضاهي قَول الْقَائِل الصارم هُوَ السَّيْف والمهند هُوَ السَّيْف وَهَذَا يُفَارق الأول فَإِن هَذِه الْأَسَامِي مُخْتَلفَة المفهومات وَلَيْسَت مترادفة لِأَن الصارم يدل على السَّيْف من حَيْثُ هُوَ قَاطع والمهند يدل على السَّيْف من حَيْثُ نسبته إِلَى الْهِنْد وَالسيف يدل دلَالَة مُطلقَة من غير إِشَارَة إِلَى غير ذَلِك وَإِنَّمَا المترادفة هِيَ الَّتِي تخْتَلف حروفها فَقَط وَلَا تَتَفَاوَت بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان فلنسم هَذَا الْجِنْس متداخلا إِذْ السَّيْف دَاخل فِي مَفْهُوم الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة وَإِن كَانَ بَعْضهَا يُشِير مَعَه إِلَى زِيَادَة
الْوَجْه الثَّالِث أَن يَقُول الْقَائِل الثَّلج أَبيض بَارِد فالأبيض والبارد وَاحِد والأبيض هُوَ الْبَارِد فَهَذَا أبعد الْوُجُوه وَيرجع ذَلِك إِلَى وحدة الْمَوْضُوع الْمَوْصُوف بالوصفين مَعْنَاهُ أَن عينا وَاحِدَة مَوْصُوفَة بالبياض والبرودة
وعَلى الْجُمْلَة فقولنا هُوَ هُوَ يدل على كَثْرَة لَهَا وحدة من وَجه فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وحدة لم يُمكن أَن يُقَال هُوَ هُوَ وَاحِد وَمَا لم يكن كَثْرَة لم يكن هُوَ هُوَ فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى شَيْئَيْنِ
فلنرجع إِلَى غرضنا فَنَقُول من ظن أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على قِيَاس الْأَسْمَاء المترادفة كَمَا يُقَال الْخمر هِيَ الْعقار فقد أَخطَأ جدا لِأَن مَفْهُوم الْمُسَمّى غير مَفْهُوم الِاسْم إِذْ بَينا أَن الِاسْم لفظ دَال والمسمى مَدْلُول وَقد يكون غير لفظ وَلِأَن الِاسْم عَرَبِيّ وعجمي وتركي أَي مَوْضُوع الْعَرَب والعجم وَالتّرْك والمسمى قد لَا يكون كَذَلِك وَالِاسْم إِذا سُئِلَ عَنهُ قيل مَا هُوَ والمسمى إِذا سُئِلَ عَنهُ رُبمَا قيل من هُوَ كَمَا إِذا حضر شخص فَيُقَال مَا اسْمه فَيُقَال زيد وَإِذا سُئِلَ عَنهُ قيل من هُوَ وَإِذا سمي التركي الْجَمِيل باسم الهنود قيل اسْم قَبِيح ومسمى حسن وَإِذا سمي باسم كثير الْحُرُوف ثقيل المخارج قيل اسْم ثقيل ومسمى خَفِيف وَالِاسْم قد يكون مجَازًا والمسمى لَا يكون مجَازًا وَالِاسْم قد يُبدل على سَبِيل التفاؤل والمسمى لَا يتبدل وَهَذَا كُله يعرفك أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَلَو تَأَمَّلت وجدت فروقا كَثِيرَة غير ذَلِك وَلَكِن الْبَصِير يَكْفِيهِ الْيَسِير والبليد لَا يزِيدهُ التكثير إِلَّا تحيرا
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَن يُقَال الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى على معنى أَن الْمُسَمّى مُشْتَقّ من الِاسْم وَيدخل فِيهِ كَمَا يدْخل السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم فَهَذَا إِن قيل بِهِ فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون التَّسْمِيَة والمسمي وَالِاسْم والمسمى كُله وَاحِدًا لِأَن الْكل مُشْتَقّ من الِاسْم وَيدل عَلَيْهِ وَهَذَا مجازفة فِي الْكَلَام وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل الْحَرَكَة والتحريك والمحرك والمحرك وَاحِد إِذْ الْكل مُشْتَقّ من الْحَرَكَة وَهُوَ
خطأ فَإِن الْحَرَكَة تدل على النقلَة من غير دلَالَة على الْمحل وَالْفَاعِل وَالْفِعْل والمحرك يدل على فَاعل الْحَرَكَة والمحرك يدل على مَحل الْحَرَكَة مَعَ كَونه مَفْعُولا بِخِلَاف المتحرك فَإِنَّهُ يدل على مَحل الْحَرَكَة وَلَا يدل على كَونه مَفْعُولا والتحريك يدل على فعل الْحَرَكَة من غير دلَالَة على الْفَاعِل وَالْمحل فَهَذِهِ الْحَقَائِق متباينة وَإِن كَانَت الْحَرَكَة غير خَارِجَة عَن جَمِيعهَا
وَلَكِن للحركة حَقِيقَة فِي نَفسهَا تعقل وَحدهَا ثمَّ تعقل نسبتها إِلَى فَاعل وَهَذِه الْإِضَافَة غير الْمُضَاف إِذْ الْإِضَافَة تعقل بَين شَيْئَيْنِ والمضاف قد يعقل وَحده وتعقل نسبته إِلَى الْمحل وَهُوَ غير نسبته إِلَى الْفَاعِل كَيفَ وَنسبَة الْحَرَكَة إِلَى الْمحل واحتياجها إِلَيْهِ ضَرُورِيّ ونسبتها إِلَى الْفَاعِل نَظَرِي أَعنِي بِهِ الحكم بِوُجُود النسبتين دون التَّصَوُّر فَكَذَلِك الِاسْم لَهُ دلَالَة وَله مَدْلُول وَهُوَ الْمُسَمّى وَوَضعه فعل فَاعل مُخْتَار وَهُوَ التَّسْمِيَة ثمَّ لَيست هَذِه المداخلة من قبيل دُخُول السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم والمهند لِأَن الصارم سيف بِصفة وَكَذَا المهند فالسيف دَاخل فِيهِ وَلَيْسَ الْمُسَمّى اسْما بِصفة وَلَا التَّسْمِيَة اسْما بِصفة فَلَا يَصح فِيهِ هَذَا التَّأْوِيل
وَأما الْوَجْه الثَّالِث الَّذِي يرجع إِلَى اتِّحَاد الْمحل مَعَ تعدد الصّفة فَهُوَ أَيْضا مَعَ بعده غير جَار فِي الِاسْم والمسمى وَلَا فِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة حَتَّى يُقَال إِن شَيْئا وَاحِدًا مَوْضُوع لِأَن يُسمى اسْما وَيُسمى تَسْمِيَة كَمَا كَانَ فِي مِثَال الثَّلج إِذْ هُوَ معنى وَاحِد مَوْصُوف بالبارد والأبيض وَإِلَّا هُوَ كَقَوْل الْقَائِل الصّديق ﵁ هُوَ ابْن أبي قُحَافَة لِأَن تَأْوِيله أَن الشَّخْص الَّذِي وصف بِأَنَّهُ صديق هُوَ الَّذِي نسب بِالْولادَةِ إِلَى أبي قُحَافَة فَيكون معنى ال هُوَ هُوَ اتِّحَاد الْمَوْضُوع مَعَ الْقطع بتباين الصفتين فَإِن مَفْهُوم الصّديق ﵁ غير مَفْهُوم بنوة أبي قُحَافَة
فالتأويلات الَّتِي تطلق عَلَيْهَا هُوَ هُوَ غير جَارِيَة فِي الِاسْم والمسمى وَفِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة الْبَتَّةَ لَا حَقِيقَتهَا وَلَا مجازها والحقيقة من جُمْلَتهَا مَا يرجع إِلَى ترادف الْأَسْمَاء كَقَوْلِنَا اللَّيْث هُوَ الْأسد بِشَرْط أَن لَا يكون فِي اللُّغَة فرق بَين مَفْهُوم اللَّفْظَيْنِ فَإِن كَانَ بَينهمَا فرق فليطلب لَهُ مِثَال آخر وَهَذَا يرجع إِلَى اتِّحَاد الْحَقِيقَة وَكَثْرَة الِاسْم وَلَا بُد فِي قَوْلنَا هُوَ هُوَ من كَثْرَة من وَجه ووحدة من وَجه وأحق الْوُجُوه أَن تكون الْوحدَة فِي الْمَعْنى وَالْكَثْرَة فِي مُجَرّد اللَّفْظ
وَهَذَا الْقدر كَاف فِي الْكَشْف عَن هَذَا الْخلاف الطَّوِيل الذيل الْقَلِيل النّيل فقد ظهر لَك أَن الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى أَلْفَاظ متباينة الْمَفْهُوم مُخْتَلفَة الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يَصح على الْوَاحِد مِنْهَا أَن يُقَال هُوَ غير الثَّانِي لَا أَنه هُوَ لِأَن الْغَيْر فِي مُقَابلَة الهو هُوَ
وَأما الْمَذْهَب الثَّالِث الْمقسم للاسم إِلَى مَا هُوَ الْمُسَمّى وَإِلَى مَا هُوَ غَيره وَإِلَى مَا لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره فأبعد الْمذَاهب عَن السداد وأجمعها لقبُول الِاضْطِرَاب إِلَّا أَن يؤول وَيُقَال مَا أَرَادَ بِالِاسْمِ الَّذِي قسمه إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام الِاسْم نَفسه بل أَرَادَ بِهِ مَفْهُوم الِاسْم ومدلوله وَمَفْهُوم الِاسْم غير الِاسْم فَإِن مَفْهُوم الِاسْم هُوَ الْمَدْلُول والمدلول غير الدَّلِيل وَهَذَا الانقسام الَّذِي ذكره متطرق إِلَى مَفْهُوم الِاسْم فَالصَّوَاب أَن يُقَال مَفْهُوم الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى وَحَقِيقَته وماهيته وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع الَّتِي لَيست مُشْتَقَّة كَقَوْلِك إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض وَمَا هُوَ مُشْتَقّ فَلَا يدل على حَقِيقَة الْمُسَمّى بل يتْرك الْحَقِيقَة مُبْهمَة وَيدل على صفة لَهُ كَقَوْلِك عَالم وَكَاتب
ثمَّ الْمُشْتَقّ يَنْقَسِم وماهيته وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع إِلَى مَا لَيست مُشْتَقَّة كَقَوْلِك إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض وَمَا هُوَ مُشْتَقّ إِلَى مَا يدل على وصف حَال فِي الْمُسَمّى كالعالم والأبيض وَإِلَى مَا يدل على إِضَافَة لَهُ إِلَى غير مفارق كالخالق وَالْكَاتِب
وحد الْقسم الأول كل اسْم يُقَال فِي جَوَاب مَا هُوَ فَإِنَّهُ إِذا أُشير إِلَى شخص آدَمِيّ وَقيل مَا هُوَ لَيْسَ كَقَوْل من هُوَ فَجَوَابه أَن يُقَال إِنْسَان فَلَو قيل حَيَوَان لم يكن قد ذكر تَمام الْمَاهِيّة لِأَنَّهُ لَيْسَ تتقوم ماهيته بِمُجَرَّد الحيوانية لِأَنَّهُ هُوَ هُوَ بِأَنَّهُ حَيَوَان عَاقل لَا بِأَنَّهُ حَيَوَان فَقَط وَلَفظ الْإِنْسَان اسْم للحيوان الْعَاقِل فَلَو قيل بدل الْإِنْسَان أَبيض أَو طَوِيل أَو عَالم أَو كَاتب لم يكن جَوَابا لِأَن مَفْهُوم الْأَبْيَض شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْبيَاض مَا يدْرِي مَا ذَلِك الشَّيْء وَمَفْهُوم الْعَالم شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَمَفْهُوم الْكَاتِب شَيْء مُبْهَم لَهُ فعل الْكِتَابَة نعم يجوز أَن يفهم أَن الْكَاتِب إِنْسَان وَلَكِن من أُمُور خَارِجَة وأدلة زَائِدَة على مَفْهُوم اللَّفْظ وَكَذَلِكَ إِذا أُشير إِلَى لون وَقيل مَا هُوَ فَجَوَابه أَنه بَيَاض فَلَو ذكر اسْما مشتقا فَقَالَ مشرق أَو مفرق لضوء الْبَصَر لم يكن جَوَابا لِأَن الْمَطْلُوب بقولنَا مَا هُوَ حَقِيقَة الذَّات وماهيتها الَّتِي بهَا هِيَ مَا هِيَ والمشرق شَيْء مُبْهَم لَهُ الْإِشْرَاق والمفرق شَيْء مُبْهَم لَهُ التَّفْرِيق
فَهَذَا التَّقْسِيم فِي مَدْلُول الْأَسَامِي ومفهومها صَحِيح وَيجوز أَن يعبر عَن هَذَا بِأَن الِاسْم قد يدل على الذَّات وَقد يدل على غير الذَّات وَيكون ذَلِك على سَبِيل المساهلة فِي الْإِطْلَاق فَإِن قَوْلنَا يدل على غير الذَّات إِن لم يُفَسر بِأَنا أردنَا بِهِ غير الْمَاهِيّة المقولة فِي جَوَاب مَا هُوَ لم يَصح فَإِن الْعَالم يدل على ذَات لَهُ الْعلم فقد دلّ على الذَّات أَيْضا فَفرق بَين أَن يَقُول عَالم وَبَين أَن يَقُول علم لِأَن الْعَالم يدل على ذَات لَهُ الْعلم وَلَفظ الْعلم لَا يدل إِلَّا على الْعلم
فَقَوله الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى فِيهِ خللان وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى إصلاحين
أَحدهمَا أَن يُبدل الِاسْم بِمَفْهُوم الِاسْم
وَالْآخر أَن يُبدل الذَّات بماهية الذَّات فَيُقَال مَفْهُوم الِاسْم قد يكون حَقِيقَة الذَّات وماهيتها وَقد يكون غير الْحَقِيقَة
وَأما قَوْله إِن الْخَالِق هُوَ غير الْمُسَمّى إِن أَرَادَ بِهِ لفظ الْخَالِق فاللفظ أبدا هُوَ غير مَدْلُول اللَّفْظ وَإِن أَرَادَ بِهِ أَن مَفْهُوم اللَّفْظ غير الْمُسَمّى فَهُوَ محَال لِأَن الْخَالِق اسْم وكل اسْم مَفْهُومه مُسَمَّاهُ فَإِن لم يفهم الْمُسَمّى مِنْهُ فَلَيْسَ اسْما لَهُ والخالق لَيْسَ اسْما لِلْخلقِ وَإِن كَانَ الْخلق دَاخِلا فِيهِ وَالْكَاتِب لَيْسَ اسْما للكتابة وَلَا الْمُسَمّى اسْما للتسمية بل الْخَالِق اسْم ذَات من حَيْثُ يصدر عَنهُ الْخلق فالمفهوم من الْخَالِق هُوَ الذَّات أَيْضا لَكِن لَا حَقِيقَة الذَّات فَقَط بل الْمَفْهُوم هُوَ الذَّات من حَيْثُ لَهُ صفة إضافية كَمَا إِذا قُلْنَا أَب لم يكن الْمَفْهُوم مِنْهُ ذَات الْأَب بل الْمَفْهُوم ذَات الْأَب من حَيْثُ إِضَافَته إِلَى الابْن والأوصاف تَنْقَسِم إِلَى إضافية وَغير إضافية والموصوف بجميعها الذوات فَإِن قَالَ قَائِل الْخَالِق وصف وكل وصف فَهُوَ إِثْبَات وَلَيْسَ فِي مَضْمُون هَذَا اللَّفْظ إِثْبَات سوى الْخلق والخلق غير الْخَالِق وَلَيْسَ للخالق وصف حَقِيقِيّ من الْخلق فَلذَلِك قيل إِنَّه يرجع إِلَى غير الْمُسَمّى فَنَقُول قَول الْقَائِل الِاسْم يفهم غير الْمُسَمّى منتاقض كَقَوْل الْقَائِل الدَّلِيل يعرف غير الْمَدْلُول فَإِن الْمُسَمّى عبارَة عَن مَفْهُوم الِاسْم فَكيف يكون الْمَفْهُوم غير الْمُسَمّى والمسمى غير الْمَفْهُوم
وَأما قَوْله إِن الْخَالِق لَا وصف لَهُ من الْخلق وَالْكَاتِب لَا وصف لَهُ من الْكِتَابَة فَلَيْسَ كَذَلِك وَالدَّلِيل على أَن لَهُ وَصفا مِنْهُ أَنه يُوصف بِهِ مرّة وينفى عَنهُ أُخْرَى وَالْإِضَافَة وصف للمضاف يَنْفِي وَيثبت كالبياض الَّذِي لَيْسَ بمضاف فَمن عرف زيدا وبكرا ثمَّ عرف أَن زيدا أَب لبكر فقد عرف شَيْئا لَا محَالة وَهَذَا الشَّيْء إِمَّا وصف أَو مَوْصُوف وَلَيْسَ هُوَ ذَات الْمَوْصُوف بل هُوَ وصف وَلَيْسَ وَصفا قَائِما بِنَفسِهِ بل هُوَ وصف لزيد فالإضافات من قبيل
الْأَوْصَاف للمضافات إِلَّا أَن مضمونها لَا يعقل إِلَّا بِالْقِيَاسِ بَين شَيْئَيْنِ وَذَلِكَ لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا أوصافا
وَلَو قَالَ الْقَائِل لَيْسَ الله ﷿ مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ خَالِقًا كفر كَمَا لَو قَالَ لَيْسَ مَوْصُوفا بِكَوْنِهِ عَالما كفر وَلَكِن إِنَّمَا وَقع هَذَا الْقَائِل فِي هَذَا الْخبط لِأَن الْإِضَافَة عِنْد الْمُتَكَلِّمين غير مَعْدُودَة فِي جملَة الْأَعْرَاض مَعَ أَنهم إِذا قيل لَهُم مَا معنى الْعرض قَالُوا إِنَّه الْمَوْجُود فِي مَحل لَا يقوم بِنَفسِهِ وَإِذا قيل لَهُم هَل الْإِضَافَة تقوم بِنَفسِهَا قَالُوا لَا وَإِذا قيل لَهُم هَل الْإِضَافَة مَوْجُودَة أم لَا قَالُوا نعم إِذْ لَا يُمكنهُم أَن يَقُولُوا الْأُبُوَّة مَعْدُومَة إِذْ لَو كَانَت الْأُبُوَّة مَعْدُومَة لم يكن فِي الْعَالم أَب وَإِذا قيل لَهُم الْأُبُوَّة تقوم بِنَفسِهَا قَالُوا لَا فيضطرون إِلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي مَحل وَأَنَّهَا لَا تقوم بِنَفسِهَا بل تقوم فِي مَحل ويعترفون بِأَن الْعرض عبارَة عَن مَوْجُود فِي مَحل ثمَّ يعودون وَيُنْكِرُونَ أَنه عرض
وَأما قَوْله إِن من الِاسْم مَا لَا يُقَال إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا يُقَال هُوَ غَيره فَهُوَ أَيْضا خطأ لِأَنَّهُ سيفسر ذَلِك بالعالم وَهَذَا إِذا اعتذر فِيهِ بِأَن الشَّرْع لم يَأْذَن فِي إِطْلَاق ذَلِك فِي حق الله ﷿ فَرُبمَا قيل لَيْسَ التَّصْرِيح بِالْحَقِّ والصدق مَوْقُوفا على إِذن خَاص وَرُبمَا سومح الْآن فِيهِ ورد النّظر مَعَه إِلَى الْإِنْسَان إِذا وصف بِالْعلمِ أفتقول إِن الْعلم لَيْسَ غير الْإِنْسَان وَقد كَانَ الْإِنْسَان مَوْجُودا وَلم يكن الْعلم وحد الْعلم غير حد الْإِنْسَان لَا محَالة فَإِن قَالَ الْعلم غير الْإِنْسَان وَلَكِن إِذا قُلْنَا عَن شخص وَاحِد إِنَّه عَالم وَإنَّهُ إِنْسَان لم يكن الْعَالم هُوَ الْإِنْسَان وَلَا هُوَ غير الْإِنْسَان لِأَن الْإِنْسَان هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ قُلْنَا وَيلْزم هَذَا من الْكَاتِب والنجار فَإِن الْمَوْصُوف بِهِ أَيْضا هُوَ الْإِنْسَان
على أَن الْحق فِيهِ التَّفْصِيل وَهُوَ أَن يُقَال مَفْهُوم لفظ الْإِنْسَان غير مَفْهُوم
لفظ الْعَالم إِذْ مَفْهُوم الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق عَاقل وَمَفْهُوم الْعَالم شَيْء مُبْهَم لَهُ علم فأحد اللَّفْظَيْنِ غير اللَّفْظ الآخر وَمَفْهُوم أَحدهمَا غير مَفْهُوم الآخر فَهُوَ بِهَذَا الْوَجْه هُوَ غير لَا يجوز أَن يُقَال هُوَ هُوَ وبوجه آخر هُوَ هُوَ وَلَا يجوز أَن يُقَال بذلك الْوَجْه إِلَّا هُوَ غَيره وَذَلِكَ إِذا نظرت إِلَى الذَّات الْوَاحِدَة الَّتِي تُوصَف بِأَنَّهَا إِنْسَان وَأَنَّهَا عَالِمَة فَإِن الْمُسَمّى بالإنسان هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالم كَمَا أَن الْمُسَمّى بالثلج هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ بَارِد وأبيض فَبِهَذَا النَّوْع من النّظر وَالِاعْتِبَار هُوَ هُوَ وبالاعتبار الأول هُوَ غَيره ومحال فِي الْعقل أَن يكون الِاعْتِبَار وَاحِدًا وَيكون لَا هُوَ هُوَ وَلَا غَيره كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون هُوَ هُوَ وَغَيره لِأَن الْغَيْر والهو هُوَ متقابلان تقَابل النَّفْي وَالْإِثْبَات فَلَيْسَ بَينهمَا وَاسِطَة
وَمن فهم هَذَا علم أَنه إِذا أثبت لله ﷿ وصف الْقُدْرَة وَالْعلم زَائِدا على الذَّات فقد أثبت مَا هُوَ غير الذَّات وَأثبت للغيرية معنى وَإِن لم يُطلقهُ لفظا توقفا إِلَى وُرُود التَّوْقِيف فَكيف لَا وَإِذا ذكر حد الْعلم دخل فِيهِ علم الله ﷿ وَلم يدْخل فِيهِ قدرته وَلَا ذَاته وَالْخَارِج عَن الْحَد كَيفَ لَا يكون غير الدَّاخِل فِي الْحَد وَكَيف لَا يجوز لحاد الْعلم إِذا لم يدْخل فِي حَده الْقُدْرَة أَن يعْتَذر وَيَقُول لَا يضرني خُرُوج الْقُدْرَة عَن الْحَد لِأَنِّي حددت الْعلم وَالْقُدْرَة غير الْعلم فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم فَكَذَلِك الذَّات العالمة غير الْعلم فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم فَمن استنكر قَول الْقَائِل الدَّاخِل فِي الْحَد غير الْخَارِج مِنْهُ وأحال إِطْلَاق لفظ الْغَيْر هَاهُنَا كَانَ من جملَة من لم يفهم معنى لفظ الْغَيْر وَمَا عِنْدِي أَنه لَا يفهم فَإِن معنى لفظ الْغَيْر ظَاهر لَكِن عساه يَقُول بِلِسَانِهِ مَا ينبو عَنهُ عقله ويكذبه فِيهِ سره وَلَيْسَ الْغَرَض من المحاجة البرهانية اقتناص الْأَلْسِنَة بل اقتناص الْعُقُول لتعترف بَاطِنا بِمَا هُوَ الْحق أفْصح عَنهُ بِاللِّسَانِ أَو لم يفصح
فَإِن قيل إِنَّمَا اضْطر الْقَائِلين بِأَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى إِلَى القَوْل بِهِ الحذر
من أَن يَقُولُوا الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الدَّال بالاصطلاح فيلزمهم القَوْل بِأَن الله ﷿ لم يكن لَهُ اسْم فِي الْأَزَل إِذْ لم يكن لفظ وَلَا لافظ فَإِن اللَّفْظ حَادث فَنَقُول هَذِه ضَرُورَة ضَعِيفَة يهون دَفعهَا إِذْ يُقَال مَعَاني الْأَسْمَاء كَانَت ثَابِتَة فِي الْأَزَل وَلم تكن الْأَسْمَاء لِأَن الْأَسْمَاء عَرَبِيَّة وعجمية وَكلهَا حَادِثَة وَهَذَا فِي كل اسْم يرجع إِلَى معنى الذَّات أَو صفة الذَّات مثل القدوس فَإِنَّهُ كَانَ بِصفة الْقُدس فِي الْأَزَل وَمثل الْعَالم فَإِنَّهُ كَانَ عَالما فِي الْأَزَل
فَإنَّا قد بَينا أَن الْأَشْيَاء لَهَا ثَلَاث مَرَاتِب فِي الْوُجُود
أَحدهَا فِي الْأَعْيَان وَهَذَا الْوُجُود مَوْصُوف بالقدم فِيمَا يتَعَلَّق بِذَات الله ﷿ وَصِفَاته
وَالثَّانِي فِي الأذهان وَهَذَا الْوُجُود حَادث إِذْ كَانَت الأذهان حَادِثَة
وَالثَّالِث فِي اللِّسَان وَهِي الْأَسْمَاء وَهَذَا الْوُجُود أَيْضا حَادث بحدوث اللِّسَان
نعم نُرِيد بالثابت فِي الأذهان الْمَعْلُوم وَهِي أَيْضا إِذا أضيفت إِلَى ذَات الله ﷿ كَانَت قديمَة لِأَن الله ﷿ مَوْجُود وعالم فِي الْأَزَل وَكَانَ يعلم أَنه مَوْجُود وعالم فَكَانَ وجوده ثَابتا فِي نَفسه وَفِي علمه أَيْضا وَكَانَت الْأَسْمَاء الَّتِي سيلهمها عباده ويخلقها فِي أذهانهم وألسنتهم أَيْضا مَعْلُومَة عِنْده فَبِهَذَا التَّأْوِيل يجوز أَن يُقَال كَانَت الْأَسْمَاء فِي الْأَزَل
أما الْأَسَامِي الَّتِي ترجع إِلَى الْفِعْل كالخالق والمصور والوهاب فقد قَالَ قوم يُوصف بِأَنَّهُ خَالق فِي الْأَزَل وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُوصف وَهَذَا خلاف لَا أصل لَهُ فَإِن الْخَالِق يُطلق لمعنيين أَحدهمَا ثَابت فِي الْأَزَل قطعا وَالْآخر منفي قطعا وَلَا وَجه للْخلاف فيهمَا إِذْ السَّيْف يُسمى قَاطعا وَهُوَ فِي الغمد وَيُسمى قَاطعا حَالَة حز الرَّقَبَة فَهُوَ فِي الغمد قَاطع بِالْقُوَّةِ وَعند الحز قَاطع بِالْفِعْلِ وَالْمَاء فِي الْكوز مرو وَلَكِن بِالْقُوَّةِ وَفِي الْمعدة مرو بِالْفِعْلِ وَمعنى
كَون المَاء فِي الْكوز مرويا أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الإرواء عِنْد مصادفة الْمعدة وَهِي صفة المائية وَالسيف فِي الغمد قَاطع أَي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الْقطع إِذا لَاقَى الْمحل وَهِي الحدة إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يستجد وَصفا آخر فِي نَفسه
فالبارىء ﷾ فِي الْأَزَل خَالق بِالْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يُقَال المَاء الَّذِي فِي الْكوز مرو وَهُوَ أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يَصح الْفِعْل والخلق وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي غير الْخَالِق أَي الْخلق غير صادر مِنْهُ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَزَل على الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُسمى عَالما وقدوسا وَغير ذَلِك وَيكون فِي الْأَبَد كَذَلِك سَمَّاهُ غَيره بذلك الِاسْم أَو لم يسم وَأكْثر أغاليط الجدليين منشؤه عدم التَّمْيِيز بَين مَعَاني الْأَسَامِي الْمُشْتَركَة وَإِذا ميزت ارْتَفع أَكثر اختلافاتهم
فَإِن قيل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ ١٢ يُوسُف الْآيَة ٤٠ وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يعْبدُونَ الْأَلْفَاظ الَّتِي هِيَ حُرُوف مقطعَة بل كَانُوا يعْبدُونَ المسميات فَنَقُول الْمُسْتَدلّ بِهَذَا لَا يفهم وَجه دلَالَته مَا لم يقل إِنَّهُم يعْبدُونَ المسميات دون الْأَسْمَاء فَيكون فِي كَلَامه التَّصْرِيح بِأَن الْأَسْمَاء غير المسميات إِذْ لَو قَالَ الْقَائِل الْعَرَب كَانَت تعبد المسميات دون المسميات كَانَ متناقضا وَلَو قَالَ تعبد المسميات دون الْأَسْمَاء كَانَ مفهوما غير متناقض فَلَو كَانَت الْأَسْمَاء هِيَ المسميات لَكَانَ القَوْل الْأَخير كَالْأولِ
ثمَّ يُقَال مَعْنَاهُ أَن اسْم الْآلهَة الَّتِي أطلقوها على الْأَصْنَام كَانَ اسْما بِلَا مُسَمّى لِأَن الْمُسَمّى هُوَ الْمَعْنى الثَّابِت فِي الْأَعْيَان من حَيْثُ دلّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ وَلم تكن الإلهية ثَابِتَة فِي الْأَعْيَان وَلَا مَعْلُومَة فِي الأذهان بل كَانَت أساميها مَوْجُودَة فِي اللِّسَان فَكَانَت أسامي بِلَا معَان وَمن سمي باسم الْحَكِيم وَلم يكن حكيما وَفَرح بِهِ قيل فَرح بِالِاسْمِ إِذْ لَيْسَ وَرَاء الِاسْم معنى وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى لِأَنَّهُ أضَاف الِاسْم إِلَى التَّسْمِيَة وأضاف التَّسْمِيَة إِلَيْهِم وَجعلهَا
فعلا لَهُم فَقَالَ ﴿أَسمَاء سميتموها﴾ ١٢ سُورَة يُوسُف الْآيَة ٤٠ يَعْنِي أَسمَاء حصلت بتسميتهم وفعلهم وأشخاص الْأَصْنَام لم تكن هِيَ الْحَادِثَة بتسميتهم
فَإِن قيل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ والذات هِيَ المسبحة دون الِاسْم قُلْنَا الِاسْم هَاهُنَا زِيَادَة على سَبِيل الصّفة وَعَادَة الْعَرَب بِمثلِهِ جَارِيَة وَهُوَ كَقَوْلِه ﷿ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ٤٢ سُورَة الشورى الْآيَة ١١ وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ فَيُقَال فِيهِ إِثْبَات الْمثل إِذْ قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ٤٢ سُورَة الشورى الْآيَة ١١ كَمَا يُقَال لَيْسَ كولده أحد إِذْ فِيهِ إِثْبَات الْوَلَد بل الْكَاف فِيهِ زِيَادَة
وَلَا يبعد أَن يكنى عَن الْمُسَمّى بِالِاسْمِ إجلالا للمسمى كَمَا يكنى عَن الشريف بالجناب والحضرة والمجلس فَيُقَال السَّلَام على حَضرته الْمُبَارَكَة ومجلسه الشريف وَالْمرَاد بِهِ السَّلَام عَلَيْهِ وَلَكِن يكنى عَنهُ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ نوعا من التَّعَلُّق إجلالا وَكَذَلِكَ الِاسْم وَإِن كَانَ غير الْمُسَمّى فَهُوَ مُتَعَلق بِالْمُسَمّى ومطابق لَهُ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يلتبس على الْبَصِير فِي أصل الْوَضع
كَيفَ وَقد اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى بقوله ﷿ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ٧ سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة ١٨٠ وَبِقَوْلِهِ ﷺ إِن لله تَعَالَى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة وَقَالُوا لَو كَانَ هُوَ الْمُسَمّى لَكَانَ الْمُسَمّى تسعا وَتِسْعين وَهُوَ محَال لِأَن الْمُسَمّى وَاحِد فاضطر أُولَئِكَ إِلَى الِاعْتِرَاف هَاهُنَا بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَقَالُوا يجوز أَن يرد بِمَعْنى التَّسْمِيَة لَا بِمَعْنى الْمُسَمّى كَمَا سلم الْآخرُونَ بِأَن الِاسْم قد يرد بِمَعْنى الْمُسَمّى وَإِن كَانَ هُوَ غير الْمُسَمّى فِي الأَصْل وَعَلِيهِ نزلُوا قَوْله
تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ وَلم يحسن كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَال وَالْجَوَاب جَمِيعًا
أما قَوْله ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ فقد ذكرنَا مَا فِيهِ وَعَلِيهِ وَأما هَذَا الِاسْتِدْلَال فجوابهم عَنهُ بِأَن الِاسْم والمسمى وَاحِد وَإِنَّمَا أُرِيد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة فَقَط خطأ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن من يَقُول الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى لَا يعجز عَن أَن يَقُول الْمُسَمّى هَاهُنَا تِسْعَة وَتسْعُونَ لِأَن المُرَاد بِالْمُسَمّى مَفْهُوم الِاسْم عِنْد هَذَا الْقَائِل وَمَفْهُوم الْعَلِيم غير مَفْهُوم الْقَدِير والقدوس والخالق وَغير ذَلِك بل لكل اسْم مَفْهُوم وَمعنى على حياله وَإِن كَانَ الْكل يرجع إِلَى وصف ذَات وَاحِدَة فَكَأَن هَذَا الْقَائِل يَقُول الِاسْم هُوَ الْمَعْنى وَيُمكن أَن يَقُول لله تَعَالَى الْمعَانِي الْحسنى فَإِن المسميات هِيَ الْمعَانِي وفيهَا كَثْرَة لَا محَالة
وَالثَّانِي أَن قَوْله المُرَاد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة خطأ فَإنَّا قد بَينا أَن التَّسْمِيَة هُوَ ذكر الِاسْم أَو وَصفه وَالتَّسْمِيَة تَتَعَدَّد وتكثر بِكَثْرَة المسمين وَإِن كَانَ الِاسْم وَاحِد كَمَا أَن الذّكر وَالْعلم يكثر بِكَثْرَة الذَّاكِرِينَ وَالْعَالمِينَ وَإِن كَانَ الْمَذْكُور والمعلوم وَاحِدًا فكثرة التَّسْمِيَة لَا تفْتَقر إِلَى كَثْرَة الْأَسْمَاء لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى أَفعَال المسمين فَمَا أُرِيد بالأسماء هَاهُنَا التسميات بل أُرِيد الْأَسْمَاء والأسماء هِيَ الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة الدَّالَّة على الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف فِي التَّأْوِيل قيل الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى أَو لم يقل
فَهَذَا الْقدر يَكْفِيك فِي كشف هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة لقلَّة جدواها لَا تسْتَحقّ هَذَا الإطناب وَلَكِن قصدنا بالشرح تَعْلِيم طَرِيق التعرف لأمثال هَذِه المباحث لتستعمل فِي مسَائِل أهم من هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن أَكثر تطواف النّظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حول الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي وَالله أعلم
Translation
الفصل الأول في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية
#2
Chapter 2 — الفصل الثاني في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى وأنها هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد أو لا بد أن تختلف مفهوماتها
· ref. #2
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان الْأَسَامِي المتقاربة فِي الْمَعْنى وَأَنَّهَا هَل يجوز أَن تكون مترادفة لَا تدل إِلَّا على معنى وَاحِد أَو لَا بُد أَن تخْتَلف مفهوماتها
فَأَقُول الخائضون فِي شرح هَذِه الْأَسَامِي لم يتَعَرَّضُوا لهَذَا الْأَمر وَلم يبعدوا أَن يكون اسمان لَا يدلان إِلَّا على معنى وَاحِد كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والبارئ والمصور وَهَذَا مِمَّا أستبعده غَايَة الاستبعاد مهما كَانَ الاسمان من جملَة التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَن الِاسْم لَا يُرَاد لحروفه بل لمعانيه والأسامي المترادفة لَا يخْتَلف إِلَّا حروفها وَإِنَّمَا فَضِيلَة هَذِه الْأَسَامِي لما تحتهَا من الْمعَانِي فَإِذا خلت عَن الْمَعْنى لم يبْق إِلَّا الْأَلْفَاظ وَالْمعْنَى إِذا دلّ عَلَيْهِ بِأَلف اسْم لم يكن لَهُ فضل على الْمَعْنى الَّذِي يدل عَلَيْهِ باسم وَاحِد فيبعد أَن يكمل هَذَا الْعدَد المحصور بتكرير الْأَلْفَاظ على معنى وَاحِد بل الْأَشْبَه أَن يكون تَحت كل لفظ خُصُوص معنى
فَإِذا رَأينَا لفظين متقاربين فَلَا بُد فِيهِ من أحد أَمريْن
أَحدهمَا أَن تتبين أَن أَحدهمَا خَارج عَن التِّسْعَة وَالتسْعين مثل الْأَحَد وَالْوَاحد فَإِن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ ورد فِيهَا الْوَاحِد وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ورد الْأَحَد بدل الْوَاحِد فَيكون مكمل الْعدَد معنى التَّوْحِيد إِمَّا بِلَفْظ الْوَاحِد أَو بِلَفْظ الْأَحَد فَأَما أَن يقوما فِي تَكْمِيل الْعدَد مقَام اسْمَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد فَهُوَ بعيد عِنْدِي جدا
الثَّانِي أَن نتكلف إِظْهَار مزية لأحد اللَّفْظَيْنِ على الآخر بِبَيَان اشتماله على
دلَالَة لَا يدل عَلَيْهَا الآخر مِثَاله لَو ورد الغافر والغفور والغفار لم يكن بَعيدا أَن تعد هَذِه ثَلَاثَة أسام لِأَن الغافر يدل على أصل الْمَغْفِرَة فَقَط والغفور يدل على كَثْرَة الْمَغْفِرَة بِالْإِضَافَة إِلَى كَثْرَة الذُّنُوب حَتَّى إِن من لَا يغْفر إِلَّا نوعا وَاحِدًا من الذُّنُوب قد لَا يُقَال لَهُ غَفُور والغفار يُشِير إِلَى كَثْرَة على سَبِيل التّكْرَار أَي يغْفر الذُّنُوب مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى إِن من يغْفر جَمِيع الذُّنُوب وَلَكِن أول مرّة وَلَا يغْفر الْعَائِد إِلَى الذَّنب مرّة بعد أُخْرَى لم يسْتَحق اسْم الْغفار
وَكَذَلِكَ الْغَنِيّ وَالْملك فَإِن الْغَنِيّ هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء وَالْملك أَيْضا هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فَيكون الْملك مُفِيدا معنى الْغنى وَزِيَادَة وَكَذَلِكَ الْعَلِيم والخبير فَإِن الْعَلِيم يدل على الْعلم فَقَط والخبير يدل على علمه بالأمور الْبَاطِنَة وَهَذَا الْقدر من التَّفَاوُت يخرج الْأَسَامِي عَن أَن تكون مترادفة وَتَكون من جنس السَّيْف والمهند والصارم لَا من جنس الْأسد وَاللَّيْث فَإِن عجزنا فِي بعض هَذِه الْأَسَامِي المتقاربة عَن هذَيْن المسلكين فَيَنْبَغِي أَن نعتقد تَفَاوتا بَين معنى اللَّفْظَيْنِ وَإِن عجزنا عَن التَّنْصِيص على خُصُوص مَا بِهِ الِافْتِرَاق كالعظيم وَالْكَبِير مثلا فَإِنَّهُ يصعب علينا أَن نذْكر وَجه الْفرق بَين معنييهما فِي حق الله تَعَالَى وَلَكنَّا لَا نشك فِي أصل الِافْتِرَاق
وَلذَلِك قَالَ عز من قَائِل الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَفرق بَينهمَا فرقا يدل على التَّفَاوُت فَإِن كل وَاحِد من الرِّدَاء والإزار زِينَة للابس وَلَكِن الرِّدَاء أشرف من الْإِزَار
وَلذَلِك جعل مِفْتَاح الصَّلَاة الله أكبر وَلم يقم عِنْد ذَوي البصائر النافذة الله أعلم مقَامه وَكَذَلِكَ الْعَرَب فِي اسْتِعْمَالهَا تفرق بَين اللَّفْظَيْنِ إِذْ تسْتَعْمل الْكَبِير حَيْثُ لَا تسْتَعْمل الْعَظِيم وَلَو كَانَا مترادفين لتواردا فِي كل
مقَام تَقول الْعَرَب فلَان أكبر سنا من فلَان وَلَا تَقول أعظم سنا وَكَذَلِكَ الْجَلِيل غير الْكَبِير والعظيم فَإِن الْجلَال يُشِير إِلَى صِفَات الشّرف وَلذَلِك لَا يُقَال فلَان أجل سنا من فلَان وَيُقَال أكبر وَيُقَال الْعَرْش أعظم من الْإِنْسَان وَلَا يُقَال أجل من الْإِنْسَان
فَهَذِهِ الْأَسَامِي وَإِن كَانَت مُتَقَارِبَة الْمعَانِي فَلَيْسَتْ مترادفة وعَلى الْجُمْلَة يبعد الترادف الْمَحْض فِي الْأَسْمَاء الدَّاخِلَة فِي التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَن الْأَسَامِي لَا ترَاد لحروفها ومخارج أصواتها بل لمفهوماتها ومعانيها فَهَذَا أصل لَا بُد من اعْتِقَاده
فَأَقُول الخائضون فِي شرح هَذِه الْأَسَامِي لم يتَعَرَّضُوا لهَذَا الْأَمر وَلم يبعدوا أَن يكون اسمان لَا يدلان إِلَّا على معنى وَاحِد كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والبارئ والمصور وَهَذَا مِمَّا أستبعده غَايَة الاستبعاد مهما كَانَ الاسمان من جملَة التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَن الِاسْم لَا يُرَاد لحروفه بل لمعانيه والأسامي المترادفة لَا يخْتَلف إِلَّا حروفها وَإِنَّمَا فَضِيلَة هَذِه الْأَسَامِي لما تحتهَا من الْمعَانِي فَإِذا خلت عَن الْمَعْنى لم يبْق إِلَّا الْأَلْفَاظ وَالْمعْنَى إِذا دلّ عَلَيْهِ بِأَلف اسْم لم يكن لَهُ فضل على الْمَعْنى الَّذِي يدل عَلَيْهِ باسم وَاحِد فيبعد أَن يكمل هَذَا الْعدَد المحصور بتكرير الْأَلْفَاظ على معنى وَاحِد بل الْأَشْبَه أَن يكون تَحت كل لفظ خُصُوص معنى
فَإِذا رَأينَا لفظين متقاربين فَلَا بُد فِيهِ من أحد أَمريْن
أَحدهمَا أَن تتبين أَن أَحدهمَا خَارج عَن التِّسْعَة وَالتسْعين مثل الْأَحَد وَالْوَاحد فَإِن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ ورد فِيهَا الْوَاحِد وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ورد الْأَحَد بدل الْوَاحِد فَيكون مكمل الْعدَد معنى التَّوْحِيد إِمَّا بِلَفْظ الْوَاحِد أَو بِلَفْظ الْأَحَد فَأَما أَن يقوما فِي تَكْمِيل الْعدَد مقَام اسْمَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد فَهُوَ بعيد عِنْدِي جدا
الثَّانِي أَن نتكلف إِظْهَار مزية لأحد اللَّفْظَيْنِ على الآخر بِبَيَان اشتماله على
دلَالَة لَا يدل عَلَيْهَا الآخر مِثَاله لَو ورد الغافر والغفور والغفار لم يكن بَعيدا أَن تعد هَذِه ثَلَاثَة أسام لِأَن الغافر يدل على أصل الْمَغْفِرَة فَقَط والغفور يدل على كَثْرَة الْمَغْفِرَة بِالْإِضَافَة إِلَى كَثْرَة الذُّنُوب حَتَّى إِن من لَا يغْفر إِلَّا نوعا وَاحِدًا من الذُّنُوب قد لَا يُقَال لَهُ غَفُور والغفار يُشِير إِلَى كَثْرَة على سَبِيل التّكْرَار أَي يغْفر الذُّنُوب مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى إِن من يغْفر جَمِيع الذُّنُوب وَلَكِن أول مرّة وَلَا يغْفر الْعَائِد إِلَى الذَّنب مرّة بعد أُخْرَى لم يسْتَحق اسْم الْغفار
وَكَذَلِكَ الْغَنِيّ وَالْملك فَإِن الْغَنِيّ هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء وَالْملك أَيْضا هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فَيكون الْملك مُفِيدا معنى الْغنى وَزِيَادَة وَكَذَلِكَ الْعَلِيم والخبير فَإِن الْعَلِيم يدل على الْعلم فَقَط والخبير يدل على علمه بالأمور الْبَاطِنَة وَهَذَا الْقدر من التَّفَاوُت يخرج الْأَسَامِي عَن أَن تكون مترادفة وَتَكون من جنس السَّيْف والمهند والصارم لَا من جنس الْأسد وَاللَّيْث فَإِن عجزنا فِي بعض هَذِه الْأَسَامِي المتقاربة عَن هذَيْن المسلكين فَيَنْبَغِي أَن نعتقد تَفَاوتا بَين معنى اللَّفْظَيْنِ وَإِن عجزنا عَن التَّنْصِيص على خُصُوص مَا بِهِ الِافْتِرَاق كالعظيم وَالْكَبِير مثلا فَإِنَّهُ يصعب علينا أَن نذْكر وَجه الْفرق بَين معنييهما فِي حق الله تَعَالَى وَلَكنَّا لَا نشك فِي أصل الِافْتِرَاق
وَلذَلِك قَالَ عز من قَائِل الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَفرق بَينهمَا فرقا يدل على التَّفَاوُت فَإِن كل وَاحِد من الرِّدَاء والإزار زِينَة للابس وَلَكِن الرِّدَاء أشرف من الْإِزَار
وَلذَلِك جعل مِفْتَاح الصَّلَاة الله أكبر وَلم يقم عِنْد ذَوي البصائر النافذة الله أعلم مقَامه وَكَذَلِكَ الْعَرَب فِي اسْتِعْمَالهَا تفرق بَين اللَّفْظَيْنِ إِذْ تسْتَعْمل الْكَبِير حَيْثُ لَا تسْتَعْمل الْعَظِيم وَلَو كَانَا مترادفين لتواردا فِي كل
مقَام تَقول الْعَرَب فلَان أكبر سنا من فلَان وَلَا تَقول أعظم سنا وَكَذَلِكَ الْجَلِيل غير الْكَبِير والعظيم فَإِن الْجلَال يُشِير إِلَى صِفَات الشّرف وَلذَلِك لَا يُقَال فلَان أجل سنا من فلَان وَيُقَال أكبر وَيُقَال الْعَرْش أعظم من الْإِنْسَان وَلَا يُقَال أجل من الْإِنْسَان
فَهَذِهِ الْأَسَامِي وَإِن كَانَت مُتَقَارِبَة الْمعَانِي فَلَيْسَتْ مترادفة وعَلى الْجُمْلَة يبعد الترادف الْمَحْض فِي الْأَسْمَاء الدَّاخِلَة فِي التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَن الْأَسَامِي لَا ترَاد لحروفها ومخارج أصواتها بل لمفهوماتها ومعانيها فَهَذَا أصل لَا بُد من اعْتِقَاده
Translation
الفصل الثاني في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى وأنها هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد أو لا بد أن تختلف مفهوماتها
#3
Chapter 3 — الفصل الثالث في الاسم الواحد الذي له معان مختلفة وهو مشترك بالإضافة إليها
· ref. #3
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَصْل الثَّالِث فِي الِاسْم الْوَاحِد الَّذِي لَهُ معَان مُخْتَلفَة وَهُوَ مُشْتَرك بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا
كالمؤمن مثلا فَإِنَّهُ قد يُرَاد بِهِ الْمُصدق وَقد يشتق من الْأَمْن وَيكون المُرَاد إِفَادَة الْأَمْن والأمان فَهَل يجوز أَن يحمل على كلا الْمَعْنيين حمل الْعُمُوم على مسمياته كَمَا يحمل الْعَلِيم على الْعلم بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَغير ذَلِك من المعلومات الْكَثِيرَة وَهَذَا إِذا نظر إِلَيْهِ من حَيْثُ اللُّغَة فبعيد أَن يحمل الِاسْم الْمُشْتَرك على جَمِيع المسميات حمل الْعُمُوم إِذْ الْعَرَب تطلق اسْم الرجل وتريد بِهِ كل وَاحِد من الرِّجَال وَهَذَا هُوَ الْعُمُوم وَلَا تطلق اسْم الْعين وتريد بِهِ عين الشَّمْس وَالدِّينَار وَعين الْمِيزَان وَالْعين المنفجرة من المَاء وَالْعين الباصرة من الْحَيَوَان وَهَذَا هُوَ اللَّفْظ الْمُشْتَرك بل تطلق مثل ذَلِك لإِرَادَة أحد مَعَانِيه وتميز ذَلِك بِالْقَرِينَةِ وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي ﵁ فِي الْأُصُول أَنه قَالَ الِاسْم الْمُشْتَرك يحمل على جَمِيع مسمياته إِذا ورد مُطلقًا مَا لم تدل قرينَة على التَّخْصِيص وَهَذَا إِن صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ بعيد بل مُطلق لفظ الْعين مُبْهَم فِي اللُّغَة لَا يتَعَيَّن بِهِ وَاحِد من مسمياته إِلَّا أَن تدل قرينَة على التَّعْيِين
فَأَما التَّعْمِيم فَرُبمَا خَالف وضع الشَّرْع وضع اللِّسَان نعم فِيمَا تصرف الشَّرْع فِيهِ من الْأَلْفَاظ لَا يبعد أَن يكون من وَضعه وتصرفه إِطْلَاق اللَّفْظ لإِرَادَة جَمِيع الْمعَانِي فَيكون اسْم الْمُؤمن بِالشَّرْعِ مَحْمُولا على الْمُصدق ومفيدا الْأَمْن بِوَضْع شَرْعِي لَا بِوَضْع لغَوِيّ كَمَا أَن اسْم الصَّلَاة وَالصِّيَام قد اخْتصَّ بِتَصَرُّف الشَّرْع بِبَعْض أُمُور لَا يَقْتَضِي وضع اللُّغَة ذَلِك فَهَذَا غير بعيد لَو كَانَ عَلَيْهِ دَلِيل
وَلَكِن لم يدل دَلِيل على أَن الشَّرْع قد غير الْوَضع فِيهِ والأغلب على ظَنِّي أَنه لم يُغير وَأَن من قَالَ من المصنفين إِن الِاسْم الْوَاحِد من أَسمَاء الله ﷿ إِذا احْتمل مَعَاني وَلم يدل الْعقل على إِحَالَة شَيْء مِنْهَا حمل على الْجَمِيع بطرِيق الْعُمُوم فقد أبعد فِيهِ
نعم من الْمعَانِي مَا يتقارب تقاربا يكَاد يرجع الِاخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الإضافات فَيقرب شبهه من الْعُمُوم فالتعميم فِيهِ أقرب كالسلام فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلَامَته من الْعَيْب وَالنَّقْص وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلامَة الْخلق بِهِ وَمِنْه فَهَذَا وَأَمْثَاله أشبه بِالْعُمُومِ فَإِذا ثَبت أَن الْميل الْأَظْهر إِلَى منع التَّعْمِيم فَطلب التَّعْيِين لبَعض الْمعَانِي لَا يكون إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فَيكون الْحَامِل للمجتهد على تعْيين بعض الْمعَانِي إِمَّا أَنه أليق كمفيد الْأمان فَإِنَّهُ أليق بالمدح فِي حق الله ﷿ من التَّصْدِيق فَإِن التَّصْدِيق أليق بِغَيْرِهِ إِذْ يجب على الْكل الْإِيمَان بِهِ والتصديق بِكَلَامِهِ فَإِن رُتْبَة الْمُصدق فَوق رُتْبَة الْمُصدق وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين لَا يُؤَدِّي إِلَى الترادف بَين اسْمَيْنِ كحمل الْمُهَيْمِن على غير الرَّقِيب فَإِنَّهُ أولى من الرَّقِيب لِأَن الرَّقِيب قد ورد والترادف بعيد كَمَا ذَكرْنَاهُ وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين أظهر فِي التعارف وأسبق إِلَى الإفهام لشهرته أَو أدل على الْكَمَال والمدح فَهَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه يَنْبَغِي أَن يعول عَلَيْهِ فِي بَيَان الْأَسَامِي وَلَا نذْكر لكل اسْم إِلَّا معنى وَاحِدًا نرَاهُ أقرب ونضرب عَمَّا عداهُ صفحا إِلَّا إِذا رَأَيْنَاهُ مقاربا فِي الدرجَة لما ذَكرْنَاهُ فَأَما تَكْثِير الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة فِيهِ مَعَ أَنا لَا نرى تَعْمِيم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة فَلَا نرى فِيهِ فَائِدَة
كالمؤمن مثلا فَإِنَّهُ قد يُرَاد بِهِ الْمُصدق وَقد يشتق من الْأَمْن وَيكون المُرَاد إِفَادَة الْأَمْن والأمان فَهَل يجوز أَن يحمل على كلا الْمَعْنيين حمل الْعُمُوم على مسمياته كَمَا يحمل الْعَلِيم على الْعلم بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَغير ذَلِك من المعلومات الْكَثِيرَة وَهَذَا إِذا نظر إِلَيْهِ من حَيْثُ اللُّغَة فبعيد أَن يحمل الِاسْم الْمُشْتَرك على جَمِيع المسميات حمل الْعُمُوم إِذْ الْعَرَب تطلق اسْم الرجل وتريد بِهِ كل وَاحِد من الرِّجَال وَهَذَا هُوَ الْعُمُوم وَلَا تطلق اسْم الْعين وتريد بِهِ عين الشَّمْس وَالدِّينَار وَعين الْمِيزَان وَالْعين المنفجرة من المَاء وَالْعين الباصرة من الْحَيَوَان وَهَذَا هُوَ اللَّفْظ الْمُشْتَرك بل تطلق مثل ذَلِك لإِرَادَة أحد مَعَانِيه وتميز ذَلِك بِالْقَرِينَةِ وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي ﵁ فِي الْأُصُول أَنه قَالَ الِاسْم الْمُشْتَرك يحمل على جَمِيع مسمياته إِذا ورد مُطلقًا مَا لم تدل قرينَة على التَّخْصِيص وَهَذَا إِن صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ بعيد بل مُطلق لفظ الْعين مُبْهَم فِي اللُّغَة لَا يتَعَيَّن بِهِ وَاحِد من مسمياته إِلَّا أَن تدل قرينَة على التَّعْيِين
فَأَما التَّعْمِيم فَرُبمَا خَالف وضع الشَّرْع وضع اللِّسَان نعم فِيمَا تصرف الشَّرْع فِيهِ من الْأَلْفَاظ لَا يبعد أَن يكون من وَضعه وتصرفه إِطْلَاق اللَّفْظ لإِرَادَة جَمِيع الْمعَانِي فَيكون اسْم الْمُؤمن بِالشَّرْعِ مَحْمُولا على الْمُصدق ومفيدا الْأَمْن بِوَضْع شَرْعِي لَا بِوَضْع لغَوِيّ كَمَا أَن اسْم الصَّلَاة وَالصِّيَام قد اخْتصَّ بِتَصَرُّف الشَّرْع بِبَعْض أُمُور لَا يَقْتَضِي وضع اللُّغَة ذَلِك فَهَذَا غير بعيد لَو كَانَ عَلَيْهِ دَلِيل
وَلَكِن لم يدل دَلِيل على أَن الشَّرْع قد غير الْوَضع فِيهِ والأغلب على ظَنِّي أَنه لم يُغير وَأَن من قَالَ من المصنفين إِن الِاسْم الْوَاحِد من أَسمَاء الله ﷿ إِذا احْتمل مَعَاني وَلم يدل الْعقل على إِحَالَة شَيْء مِنْهَا حمل على الْجَمِيع بطرِيق الْعُمُوم فقد أبعد فِيهِ
نعم من الْمعَانِي مَا يتقارب تقاربا يكَاد يرجع الِاخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الإضافات فَيقرب شبهه من الْعُمُوم فالتعميم فِيهِ أقرب كالسلام فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلَامَته من الْعَيْب وَالنَّقْص وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلامَة الْخلق بِهِ وَمِنْه فَهَذَا وَأَمْثَاله أشبه بِالْعُمُومِ فَإِذا ثَبت أَن الْميل الْأَظْهر إِلَى منع التَّعْمِيم فَطلب التَّعْيِين لبَعض الْمعَانِي لَا يكون إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فَيكون الْحَامِل للمجتهد على تعْيين بعض الْمعَانِي إِمَّا أَنه أليق كمفيد الْأمان فَإِنَّهُ أليق بالمدح فِي حق الله ﷿ من التَّصْدِيق فَإِن التَّصْدِيق أليق بِغَيْرِهِ إِذْ يجب على الْكل الْإِيمَان بِهِ والتصديق بِكَلَامِهِ فَإِن رُتْبَة الْمُصدق فَوق رُتْبَة الْمُصدق وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين لَا يُؤَدِّي إِلَى الترادف بَين اسْمَيْنِ كحمل الْمُهَيْمِن على غير الرَّقِيب فَإِنَّهُ أولى من الرَّقِيب لِأَن الرَّقِيب قد ورد والترادف بعيد كَمَا ذَكرْنَاهُ وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين أظهر فِي التعارف وأسبق إِلَى الإفهام لشهرته أَو أدل على الْكَمَال والمدح فَهَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه يَنْبَغِي أَن يعول عَلَيْهِ فِي بَيَان الْأَسَامِي وَلَا نذْكر لكل اسْم إِلَّا معنى وَاحِدًا نرَاهُ أقرب ونضرب عَمَّا عداهُ صفحا إِلَّا إِذا رَأَيْنَاهُ مقاربا فِي الدرجَة لما ذَكرْنَاهُ فَأَما تَكْثِير الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة فِيهِ مَعَ أَنا لَا نرى تَعْمِيم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة فَلَا نرى فِيهِ فَائِدَة
Translation
الفصل الثالث في الاسم الواحد الذي له معان مختلفة وهو مشترك بالإضافة إليها
#4
Chapter 4 — الفصل الرابع في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه
· ref. #4
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَصْل الرَّابِع فِي بَيَان أَن كَمَال العَبْد وسعادته فِي التخلق بأخلاق الله تَعَالَى والتحلي بمعاني صِفَاته وأسمائه بِقدر مَا يتَصَوَّر فِي حَقه
اعْلَم أَن من لم يكن لَهُ حَظّ من مَعَاني أَسمَاء الله ﷿ إِلَّا بِأَن يسمع لَفظه وَيفهم فِي اللُّغَة معنى تَفْسِيره وَوَضعه ويعتقد بِالْقَلْبِ وجود مَعْنَاهُ فِي الله تَعَالَى فَهُوَ مبخوس الْحَظ نَازل الدرجَة لَيْسَ يحسن بِهِ أَن يتبجح بِمَا ناله فَإِن سَماع اللَّفْظ لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا سَلامَة حاسة السّمع الَّتِي بهَا تدْرك الْأَصْوَات وَهَذِه رُتْبَة تشارك الْبَهِيمَة فِيهَا وَأما فهم وَضعه فِي اللُّغَة فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا معرفَة الْعَرَبيَّة وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الأديب اللّغَوِيّ بل الغبي اللّغَوِيّ البدوي وَأما اعْتِقَاد ثُبُوت مَعْنَاهُ لله ﷾ من غير كشف فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا فهم مَعَاني الْأَلْفَاظ والتصديق بهَا وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الْعَاميّ بل الصَّبِي فَإِنَّهُ بعد فهم الْكَلَام إِذا ألقِي إِلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي تلقاها وتلقنها واعتقدها بِقَلْبِه وصمم عَلَيْهَا وَهَذِه دَرَجَات أَكثر الْعلمَاء فضلا عَن غَيرهم وَلَا يُنكر فضل هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشاركهم فِي هَذِه الدَّرَجَات الثَّلَاث وَلكنه نقص ظَاهر بِالْإِضَافَة إِلَى ذرْوَة الْكَمَال فَإِن حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى ثَلَاثَة
الْحَظ الأول معرفَة هَذِه الْمعَانِي على سَبِيل المكاشفة والمشاهدة حَتَّى يَتَّضِح لَهُم حقائقها بالبرهان الَّذِي لَا يجوز فِيهِ الْخَطَأ وينكشف لَهُم اتصاف الله ﷿ بهَا انكشافا يجْرِي فِي الوضوح وَالْبَيَان مجْرى الْيَقِين الْحَاصِل للْإنْسَان
بصفاته الْبَاطِنَة الَّتِي يُدْرِكهَا بمشاهدة بَاطِنه لَا بإحساس ظَاهر وَكم بَين هَذَا وَبَين الِاعْتِقَاد الْمَأْخُوذ من الْآبَاء والمعلمين تقليدا والتصميم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مَقْرُونا بأدلة جدلية كلامية
الْحَظ الثَّانِي من حظوظهم استعظامهم مَا ينْكَشف لَهُم من صِفَات الْجلَال على وَجه ينبعث من الاستعظام يشوقهم إِلَى الاتصاف بِمَا يُمكنهُم من تِلْكَ الصِّفَات ليقربوا بهَا من الْحق قربا بِالصّفةِ لَا بِالْمَكَانِ فيأخذوا من الاتصاف بهَا شبها بِالْمَلَائِكَةِ المقربين عِنْد الله ﷿ وَلنْ يتَصَوَّر أَن يمتلئ الْقلب باستعظام صفة واستشرافها إِلَّا ويتبعه شوق إِلَى تِلْكَ الصّفة وعشق لذَلِك الْكَمَال والجلال وحرص على التحلي بذلك الْوَصْف إِن كَانَ ذَلِك مُمكنا للمستعظم بِكَمَالِهِ فَإِن لم يكن بِكَمَالِهِ فينبعث الشوق إِلَى الْقدر الْمُمكن مِنْهُ لَا محَالة
وَلَا يَخْلُو عَن هَذَا الشوق أحد إِلَّا لأحد أَمريْن إِمَّا لضعف الْمعرفَة وَالْيَقِين بِكَوْن الْوَصْف الْمَعْلُوم من أَوْصَاف الْجلَال والكمال وَإِمَّا لكَون الْقلب ممتلئا بشوق آخر مُسْتَغْرقا بِهِ فالتلميذ إِذا شَاهد كَمَال أستاذه فِي الْعلم انْبَعَثَ شوقه إِلَى التَّشَبُّه والاقتداء بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ مملوءا بِالْجُوعِ مثلا فَإِن استغراق بَاطِنه بشوق الْقُوت رُبمَا يمْنَع انبعاث شوق الْعلم وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون النَّاظر فِي صِفَات الله تَعَالَى خَالِيا بِقَلْبِه عَن إِرَادَة مَا سوى الله ﷿ فَإِن الْمعرفَة بذر الشوق وَلَكِن مهما صَادف قلبا خَالِيا عَن حسيكة الشَّهَوَات فَإِن لم يكن خَالِيا لم يكن الْبذر منجحا
الْحَظ الثَّالِث السَّعْي فِي اكْتِسَاب الْمُمكن من تِلْكَ الصِّفَات والتخلق بهَا والتحلي بمحاسنها وَبِه يصير العَبْد ربانيا أَي قَرِيبا من الرب تَعَالَى وَبِه يصير رَفِيقًا للملأ الْأَعْلَى من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم على بِسَاط الْقرب فَمن ضرب إِلَى شبه من صفاتهم نَالَ شَيْئا من قربهم بِقدر مَا نَالَ من أوصافهم المقربة لَهُم إِلَى الْحق تَعَالَى
فَإِن قلت طلب الْقرب من الله ﷿ بِالصّفةِ أَمر غامض تكَاد تشمئز الْقُلُوب عَن قبُوله والتصديق بِهِ فزده شرحا تكسر بِهِ سُورَة إِنْكَار المنكرين فَإِن هَذَا كالمنكر عِنْد الْأَكْثَرين إِن لم تكشف حَقِيقَته فَأَقُول لَا يخفى عَلَيْك وَلَا على من ترعرع قَلِيلا من دَرَجَة عوام الْعلمَاء أَن الموجودات منقسمة إِلَى كَامِلَة وناقصة والكامل أشرف من النَّاقِص وَمهما تفاوتت دَرَجَات الْكَمَال وَاقْتصر مُنْتَهى الْكَمَال على وَاحِد حَتَّى لم يكن الْكَمَال الْمُطلق إِلَّا لَهُ وَلم يكن للموجودات الْأُخَر كَمَال مُطلق بل كَانَت لَهَا كمالات مُتَفَاوِتَة بِالْإِضَافَة فأكملها أقرب لَا محَالة إِلَى الَّذِي لَهُ الْكَمَال الْمُطلق أَعنِي قربا بالرتبة والدرجة لَا بالكمال
ثمَّ الموجودات منقسمة إِلَى حَيَّة وميتة وَتعلم أَن الْحَيّ أشرف وأكمل من الْمَيِّت وَأَن دَرَجَات الْأَحْيَاء ثَلَاثَة دَرَجَة الْمَلَائِكَة ودرجة الْإِنْس ودرجة الْبَهَائِم ودرجة الْبَهَائِم أَسْفَل فِي نفس الْحَيَاة الَّتِي بهَا شرفها لِأَن الْحَيّ هُوَ الدراك الفعال وَفِي إِدْرَاك الْبَهِيمَة نقص وَفِي فعلهَا نقص أما إِدْرَاكهَا فنقصانه أَنه مَقْصُور على الْحَواس وَإِدْرَاك الْحس قَاصِر لِأَنَّهُ لَا يدْرك الْأَشْيَاء إِلَّا بمماسة أَو بِقرب مِنْهَا فالحس مَعْزُول عَن الْإِدْرَاك إِن لم يكن مماسة وَلَا قرب فَإِن الذَّوْق واللمس يحتاجان إِلَى المماسة والسمع وَالْبَصَر والشم يحْتَاج إِلَى الْقرب وكل مَوْجُود لَا يتَصَوَّر فِيهِ المماسة والقرب فالحس مَعْزُول عَن إِدْرَاكه فِي الْحَال وَأما فعلهَا فَهُوَ أَنه مَقْصُور على مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب لَا باعث لَهَا سواهُمَا وَلَيْسَ لَهَا عقل يَدْعُو إِلَى أَفعَال مُخَالفَة لمقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب
وَأما الْملك فدرجته أَعلَى الدَّرَجَات لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَوْجُود لَا يُؤثر الْقرب والبعد فِي إِدْرَاكه بل لَا يقْتَصر إِدْرَاكه على مَا يتَصَوَّر فِيهِ الْقرب والبعد إِذْ الْقرب والبعد يتَصَوَّر على الْأَجْسَام والأجسام أخس أَقسَام الموجودات ثمَّ هُوَ مقدس عَن الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَلَيْسَتْ أَفعاله بِمُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب بل داعيه
إِلَى الْأَفْعَال أَمر أجل من الشَّهْوَة وَالْغَضَب وَهُوَ طلب التَّقَرُّب إِلَى الله ﷿
وَأما الْإِنْسَان فَإِن دَرَجَته متوسطة بَين الدرجتين وَكَأَنَّهُ مركب من بهيمية وملكية والأغلب عَلَيْهِ فِي بداية أمره البهيمية إِذْ لَيْسَ لَهُ أَولا من الْإِدْرَاك إِلَّا الْحَواس الَّتِي يحْتَاج فِي الْإِدْرَاك بهَا إِلَى طلب الْقرب من المحسوس بالسعي وَالْحَرَكَة إِلَى أَن يشرق عَلَيْهِ بِالآخِرَة نور الْعقل الْمُتَصَرف فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير حَاجَة إِلَى حَرَكَة بِالْبدنِ وَطلب قرب أَو مماسة مَعَ الْمدْرك بِهِ بل مدركه الْأُمُور المقدسة عَن قبُول الْقرب والبعد بِالْمَكَانِ وَكَذَلِكَ المستولي عَلَيْهِ أَولا شَهْوَته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إِلَى أَن يظْهر فِيهِ الرَّغْبَة فِي طلب الْكَمَال وَالنَّظَر للعاقبة وعصيان مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِن غلب الشَّهْوَة وَالْغَضَب حَتَّى ملكهمَا وضعفا عَن تحريكه وتسكينه أَخذ بذلك شبها من الْمَلَائِكَة وَكَذَلِكَ إِن فطم نَفسه عَن الجمود على الخيالات والمحسوسات وَأنس بِإِدْرَاك أُمُور تجل عَن أَن ينالها حس أَو خيال أَخذ شبها أخر من الْمَلَائِكَة فَإِن خاصية الْحَيَاة الْإِدْرَاك وَالْعقل وإليهما يتَطَرَّق النُّقْصَان والتوسط والكمال وَمهما اقْتدى بِالْمَلَائِكَةِ فِي هَاتين الخاصيتين كَانَ أبعد عَن البهيمية وَأقرب من الْملك وَالْملك قريب من الله ﷿ والقريب من الْقَرِيب قريب
فَإِن قلت فَظَاهر هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ إِذا تخلق بأخلاقه كَانَ شَبِيها لَهُ وَمَعْلُوم شرعا وعقلا أَن الله ﷾ لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء فَأَقُول مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله ﷿ عرفت أَنه لَا مثل لَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثلَة
افترى أَن الضدين يتماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد
فَوْقه وهما متشاركان فِي أَوْصَاف كَثِيرَة إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه لونا وَفِي كَونه مدْركا بالبصر وَأُمُور أخر سواهَا أفترى أَن من قَالَ إِن الله ﷿ مَوْجُود لَا فِي مَحل وَإنَّهُ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم حَيّ قَادر فَاعل وَالْإِنْسَان أَيْضا كَذَلِك فقد شبه وَأثبت الْمثل هَيْهَات لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود وَهُوَ موهم للمشابهة بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للْإنْسَان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ بالنوع وَإِنَّمَا يشابهه بالكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة المقومة لذات الإنسانية
والخاصية الإلهية أَنه الْمَوْجُود الْوَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ الَّذِي عَنهُ يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده على أحسن وُجُوه النظام والكمال وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سمعيا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا بل أَقُول الخاصية الإلهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ أَو من هُوَ مثله وَإِذا لم يكن لَهُ مثل فَلَا يعرفهَا غَيره فَإِذا الْحق مَا قَالَه الْجُنَيْد ﵀ حَيْثُ قَالَ لَا يعرف الله إِلَّا الله وَلذَلِك لم يُعْط أجل خلقه إِلَّا اسْما حجبه بِهِ فَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ فوَاللَّه مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقيل لذِي النُّون وَقد أشرف على الْمَوْت مَاذَا تشْتَهي فَقَالَ أَن أعرفهُ قبل أَن أَمُوت وَلَو بلحظة وَهَذَا الْآن يشوش قُلُوب أَكثر الضُّعَفَاء ويوهم عِنْدهم القَوْل بِالنَّفْيِ والتعطيل وَذَلِكَ لعجزهم عَن فهم هَذَا الْكَلَام
وَأَنا أَقُول لَو قَالَ الْقَائِل لَا أعرف الله كَانَ صَادِقا وَلَو قَالَ أعرف الله كَانَ صَادِقا وَمَعْلُوم أَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يصدقان مَعًا بل يتقاسمان
الصدْق وَالْكذب فَإِن صدق النَّفْي كذب الْإِثْبَات وَبِالْعَكْسِ وَلَكِن إِذا اخْتلف وَجه الْكَلَام تصور الصدْق فِي الْقسمَيْنِ وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لغيره هَل تعرف الصّديق أَبَا بكر ﵁ فَقَالَ وَالصديق مِمَّن يجهل وَلَا يعرف أَو يتَصَوَّر فِي الْعَالم من لَا يعرفهُ مَعَ ظُهُوره واشتهاره وانتشار اسْمه فَهَل على المنابر إِلَّا حَدِيثه وَهل فِي الْمَسَاجِد إِلَّا ذكره وَهل على الْأَلْسِنَة إِلَّا ثَنَاؤُهُ وَوَصفه لَكَانَ هَذَا الْقَائِل صَادِقا وَلَو قيل لآخر هَل تعرفه فَقَالَ وَمن أَنا حَتَّى أعرف الصّديق هَيْهَات لَا يعرف الصّديق سوى الصّديق أَو من هُوَ مثله أَو فَوْقه وَمن أَيْن لي أَن أَدعِي مَعْرفَته أَو أطمع فِيهَا وَإِنَّمَا مثلي يسمع اسْمه وَصفته فَأَما أَن يَدعِي مَعْرفَته فَذَلِك محَال فَهَذَا أَيْضا صَادِق وَله وَجه وَهُوَ أقرب إِلَى التَّعْظِيم والاحترام
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم قَول من قَالَ أعرف الله وَقَول من قَالَ لَا أعرف الله
بل لَو عرضت خطا منظوما على عَاقل وَقلت هَل تعرف كَاتبه فَقَالَ لَا صدق وَلَو قَالَ نعم كَاتبه هُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير السَّلِيم الْيَد الْعَالم بصناعة الْكِتَابَة فَإِذا عرفت كل هَذَا مِنْهُ فَكيف لَا أعرفهُ فَهَذَا أَيْضا صدق وَلَكِن الأحق والأصدق قَوْله لَا أعرفهُ فَإِنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ مَا عرفه وَإِنَّمَا عرف احْتِيَاج الْخط المنظوم إِلَى كَاتب حَيّ عَالم قَادر سميع بَصِير سليم الْيَد عَالم بصناعة الْكِتَابَة وَلم يعرف الْكَاتِب نَفسه فَكَذَلِك الْخلق كلهم لم يعرفوا إِلَّا احْتِيَاج هَذَا الْعَالم المنظوم الْمُحكم إِلَى صانع مُدبر حَيّ عَالم قَادر
وَهَذِه الْمعرفَة لَهَا طرفان أَحدهمَا يتَعَلَّق بالعالم ومعلومه احْتِيَاجه إِلَى مُدبر وَالْآخر يتَعَلَّق بِاللَّه ﷿ ومعلومه أسامي مُشْتَقَّة من صِفَات غير دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الذَّات وماهيتها فَإنَّا قد بَينا أَنه إِذا أَشَارَ المشير إِلَى شَيْء
وَقَالَ مَا هُوَ لم يكن ذكر الْأَسْمَاء المشتقة جَوَابا أصلا فَلَو أَشَارَ إِلَى شخص حَيَوَان فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل طَوِيل أَو أَبيض أَو قصير أَو أَشَارَ إِلَى مَاء فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل بِأَنَّهُ بَارِد أَو أَشَارَ إِلَى نَار وَقَالَ مَا هُوَ فَقيل حَار فَكل ذَلِك لَيْسَ بِجَوَاب عَن الْمَاهِيّة الْبَتَّةَ والمعرفة بالشَّيْء هِيَ معرفَة حَقِيقَته وماهيته لَا معرفَة الْأَسَامِي المشتقة فَإِن قَوْلنَا حَار مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْحَرَارَة وَكَذَلِكَ قَوْلنَا قَادر وعالم مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَالْقُدْرَة
فَإِن قلت فقولنا إِنَّه الْوَاجِب الْوُجُود الَّذِي عَنهُ وَحده يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده عبارَة عَن حَقِيقَته وَحده وَقد عرفنَا هَذَا فَأَقُول هَيْهَات فقولنا وَاجِب الْوُجُود عبارَة عَن استغنائه عَن الْعلَّة وَالْفَاعِل وَهَذَا يرجع إِلَى سلب السَّبَب عَنهُ وَقَوْلنَا يُوجد عَنهُ كل مَوْجُود يرجع إِلَى إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَيْهِ وَإِذا قيل لنا مَا هَذَا الشَّيْء وَقُلْنَا هُوَ الْفَاعِل لم يكن جَوَابا وَإِذا قُلْنَا هُوَ الَّذِي لَهُ عِلّة لم يكن جَوَابا فَكيف قَوْلنَا هُوَ الَّذِي لَا عِلّة لَهُ لِأَن كل ذَلِك نبأ عَن غير ذَاته وَعَن إِضَافَة لَهُ إِلَى ذَاته إِمَّا بِنَفْي أَو إِثْبَات وكل ذَلِك أَسمَاء وصفات وإضافات
فَإِن قلت فَمَا السَّبِيل إِلَى مَعْرفَته فَأَقُول لَو قَالَ لنا صبي أَو عنين مَا السَّبِيل إِلَى معرفَة لَذَّة الوقاع وَإِدْرَاك حَقِيقَته قُلْنَا هَاهُنَا سبيلان أَحدهمَا أَن نصفه لَك حَتَّى تعرفه وَالْآخر أَن تصبر حَتَّى تظهر فِيك غريزة الشَّهْوَة ثمَّ تباشر الوقاع حَتَّى تظهر فِيك لَذَّة الوقاع فتعرفه وَهَذَا السَّبِيل الثَّانِي هُوَ السَّبِيل الْمُحَقق المفضي إِلَى حَقِيقَة الْمعرفَة
فَأَما الأول فَلَا يُفْضِي إِلَّا إِلَى توهم وتشبيه للشَّيْء بِمَا لَا يُشبههُ إِذْ غايتنا أَن نمثل لَذَّة الوقاع عِنْده بِشَيْء من اللَّذَّات الَّتِي يُدْرِكهَا الْعنين كلذة الطَّعَام
وَالشرَاب الحلو مثلا فَنَقُول لَهُ أما تعرف أَن السكر لذيذ فَإنَّك تَجِد عِنْد تنَاوله حَالَة طيبَة وتحس فِي نَفسك رَاحَة قَالَ نعم قُلْنَا فالجماع أَيْضا كَذَلِك أفترى أَن هَذَا يفهمهُ حَقِيقَة لَذَّة الْجِمَاع كَمَا هِيَ حَتَّى ينزل فِي مَعْرفَته منزلَة من ذاق تِلْكَ اللَّذَّة وأدركها هَيْهَات إِنَّمَا غَايَة هَذَا الْوَصْف إِيهَام وتشبيه خطأ وتفهيم ومشاركة فِي الِاسْم
أما الْإِيهَام فَهُوَ أَنه يتَوَهَّم أَن ذَلِك أَمر طيب على الْجُمْلَة وَأما التَّشْبِيه فَهُوَ أَنه يُشبههُ بحلاوة السكر وَهُوَ خطأ إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين حلاوة السكر وَلَذَّة الوقاع وَأما الْمُشَاركَة فِي الِاسْم فَهُوَ أَنه يعلم أَنه مُسْتَحقّ أَن يُسمى لَذَّة وَمهما ظَهرت الشَّهْوَة وذاق علم قطعا أَنه لَا يُشبههُ حلاوة السكر وَأَن مَا كَانَ توهمه لم يكن على الْوَجْه الَّذِي توهمه نعم يعلم أَن الَّذِي كَانَ قد سمع من اسْمه وَصفته وَأَنه لذيذ وَطيب كَانَ صَادِقا بل كَانَ أصدق عَلَيْهِ مِنْهُ على حلاوة السكر
فَكَذَلِك لمعْرِفَة الله ﷾ سبيلان أَحدهمَا قَاصِر وَالْآخر مسدود
أما الْقَاصِر فَهُوَ ذكر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَطَرِيقَة التَّشْبِيه بِمَا عَرفْنَاهُ من أَنْفُسنَا فَإنَّا لما عرفنَا أَنْفُسنَا قَادِرين عَالمين أَحيَاء متكلمين ثمَّ سمعنَا ذَلِك فِي أَوْصَاف الله ﷿ أَو عَرفْنَاهُ بِالدَّلِيلِ فهمناه فهما قاصرا كفهم الْعنين لَذَّة الوقاع بِمَا يُوصف لَهُ من لَذَّة السكر بل حياتنا وقدرتنا وَعلمنَا أبعد من حَيَاة الله ﷿ وَقدرته وَعلمه من حلاوة السكر من لَذَّة الوقاع بل لَا مُنَاسبَة بَين البعيدين وَفَائِدَة تَعْرِيف الله ﷿ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف أَيْضا إِيهَام وتشبيه ومشاركة فِي الِاسْم لَكِن يقطع التَّشْبِيه بِأَن يُقَال لَيْسَ كمثله شَيْء فَهُوَ حَيّ لَا كالأحياء وقادر لَا كالقادرين كَمَا تَقول الوقاع لذيذ كالسكر وَلَكِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تشبه هَذِه الْبَتَّةَ وَلَكِن تشاركها فِي الِاسْم
وكأنا إِذا عرفنَا أَن الله تَعَالَى حَيّ قَادر عَالم فَلم نَعْرِف إِلَّا أَنْفُسنَا وَلم نعرفه إِلَّا بِأَنْفُسِنَا إِذْ الْأَصَم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم معنى قَوْلنَا إِن الله سميع وَلَا الأكمه يفهم معنى قَوْلنَا إِنَّه بَصِير وَلذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل كَيفَ يكون الله ﷿ عَالما بالأشياء فَنَقُول كَمَا تعلم أَنْت الْأَشْيَاء فَإِذا قَالَ فَكيف يكون قَادِرًا فَنَقُول كَمَا تقدر أَنْت فَلَا يُمكنهُ أَن يفهم شَيْئا إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ مَا يُنَاسِبه فَيعلم أَولا مَا هُوَ متصف بِهِ ثمَّ يعلم غَيره بالمقايسة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ لله ﷿ وصف وخاصية لَيْسَ فِينَا مَا يُنَاسِبه ويشاركه فِي الِاسْم وَلَو مُشَاركَة حلاوة السكر لَذَّة الوقاع لم يتَصَوَّر فهمه الْبَتَّةَ فَمَا عرف أحد إِلَّا نَفسه ثمَّ قايس بَين صِفَات الله تَعَالَى وصفات نَفسه وتتعالى صِفَاته عَن أَن تشبه صفاتنا فَتكون هَذِه معرفَة قَاصِرَة يغلب عَلَيْهَا الْإِيهَام والتشبيه فَيَنْبَغِي أَن تقترن بهَا الْمعرفَة بِنَفْي المشابهة وينفي أصل الْمُنَاسبَة مَعَ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم
وَأما السَّبِيل الثَّانِي المسدود فَهُوَ أَن ينْتَظر العَبْد أَن تحصل لَهُ الصِّفَات الربوبية كلهَا حَتَّى يصير رَبًّا كَمَا ينْتَظر الصَّبِي أَن يبلغ فيدرك تِلْكَ اللَّذَّة وَهَذَا السَّبِيل مسدود مُمْتَنع إِذْ يَسْتَحِيل أَن تحصل تِلْكَ الْحَقِيقَة لغير الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ سَبِيل الْمعرفَة المحققة لَا غير وَهُوَ مسدود قطعا إِلَّا على الله تَعَالَى
فَإِذا يَسْتَحِيل أَن يعرف الله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ غير الله بل أَقُول يَسْتَحِيل أَن يعرف النَّبِي غير النَّبِي وَأما من لَا نبوة لَهُ فَلَا يعرف من النُّبُوَّة إِلَّا اسْمهَا وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبيا وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه
بل أَزِيد وَأَقُول لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَحَقِيقَة الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْت وَدخُول الْجنَّة أَو النَّار لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يدْرك قطّ لَذَّة لم يمكننا أصلا أَن نفهمه الْجنَّة تفهيما يرغبه فِي طلبَهَا
وَالنَّار عبارَة عَن أَسبَاب مؤلمة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يُقَاس قطّ ألما لم يمكننا قطّ أَن نفهمه النَّار فَإِذا قاساه فهمناه إِيَّاه بالتشبيه بأشد مَا قاساه وَهُوَ ألم النَّار
وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئا من اللَّذَّات فغايتنا أَن نفهمه الْجنَّة بالتشبيه بأعظم مَا ناله من اللَّذَّات وَهِي الْمطعم والمنكح والمنظر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمه أصلا إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ اللَّذَّات كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الْجنَّة أبعد من كل لَذَّة أدركناها فِي الدُّنْيَا من لَذَّة الوقاع عَن لَذَّة السكر بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَنْهَا أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَإِن مثلناها بالأطعمة قُلْنَا مَعَ ذَلِك لَا كهذه الْأَطْعِمَة وَإِن مثلناها بالوقاع قُلْنَا لَا كالوقاع الْمَعْهُود فِي الدُّنْيَا فَكيف يتعجب المتعجبون من قَوْلنَا لم يحصل أهل الأَرْض وَالسَّمَاء معرفَة من الله تَعَالَى إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَنحن نقُول لم يحصلوا من الْجنَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَان اسْمه وَصفته وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ
فَإِن قلت فَمَاذَا نِهَايَة معرفَة العارفين بِاللَّه تَعَالَى فَنَقُول نِهَايَة معرفَة العارفين عجزهم عَن الْمعرفَة ومعرفتهم بِالْحَقِيقَةِ أَنهم لَا يعرفونه وَأَنه لَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ مَعْرفَته وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يعرف الله الْمعرفَة الْحَقِيقِيَّة المحيطة بكنه صِفَات الربوبية إِلَّا الله ﷿ فَإِذا انْكَشَفَ لَهُم ذَلِك انكشافا برهانيا كَمَا ذَكرْنَاهُ فقد عرفوه أَي بلغُوا الْمُنْتَهى الَّذِي يُمكن فِي حق الْخلق من مَعْرفَته
وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصّديق الْأَكْبَر أَبُو بكر ﵁ حَيْثُ قَالَ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك بل هُوَ الَّذِي عناه سيد الْبشر صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه حَيْثُ قَالَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على
نَفسك وَلم يرد بِهِ أَنه عرف مِنْهُ مَا لَا يطاوعه لِسَانه فِي الْعبارَة عَنهُ بل مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وَإِنَّمَا أَنْت الْمُحِيط بهَا وَحدك
فَإِذا لَا يحظى مَخْلُوق فِي مُلَاحظَة حَقِيقَة ذَاته إِلَّا بِالْحيرَةِ والدهشة وَأما اتساع الْمعرفَة فَإِنَّهَا تكون فِي معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته
فَإِن قلت فبماذا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْمَلَائِكَة والأنبياء والأولياء فِي مَعْرفَته إِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مَعْرفَته فَأَقُول قد عرفت أَن للمعرفة سبيلين أَحدهمَا السَّبِيل الْحَقِيقِيّ وَذَلِكَ مسدود إِلَّا فِي حق الله تَعَالَى فَلَا يَهْتَز أحد من الْخلق لنيله وإدراكه إِلَّا ردته سبحات الْجلَال إِلَى الْحيرَة وَلَا يشرئب أحد لملاحظته إِلَّا غضت الدهشة طرفه
وَأما السَّبِيل الثَّانِي وَهُوَ معرفَة الصِّفَات والأسماء فَذَلِك مَفْتُوح لِلْخلقِ وَفِيه تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ فَلَيْسَ من يعلم أَنه ﷿ عَالم قَادر على الْجُمْلَة كمن شَاهد عجائب آيَاته فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلق الْأَرْوَاح والأجساد واطلع على بَدَائِع المملكة وغرائب الصَّنْعَة ممعنا فِي التَّفْصِيل ومستقصيا دقائق الْحِكْمَة ومستوفيا لطائف التَّدْبِير ومتصفا بِجَمِيعِ الصِّفَات الملكية المقربة من الله ﷿ نائلا لتِلْك الصِّفَات نيل اتصاف بهَا بل بَينهمَا من البون الْعَظِيم مَا لَا يكَاد يُحْصى وَفِي تفاصيل ذَلِك ومقاديره يتَفَاوَت الْأَنْبِيَاء والأولياء
وَلنْ يصل إِلَى فهمك هَذَا إِلَّا بمثال ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ سُورَة النَّحْل / الْآيَة ٦٠ وَلَكِنَّك تعلم أَن الْعَالم التقي الْكَامِل مثلا مثل الشَّافِعِي ﵁ يعرفهُ بواب دَاره ويعرفه الْمُزنِيّ ﵀ تِلْمِيذه فالبواب يعرفهُ أَنه عَالم بِالشَّرْعِ ومصنف فِيهِ ومرشد خلق الله عز
وَجل إِلَيْهِ على الْجُمْلَة والمزني يعرفهُ لَا كمعرفة البواب بل معرفَة مُحِيطَة بتفاصيل صِفَاته ومعلوماته بل الْعَالم الَّذِي يحسن عشرَة أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا يعرفهُ بِالْحَقِيقَةِ تِلْمِيذه الَّذِي لم يحصل إِلَّا نوعا وَاحِدًا فضلا عَن خادمه الَّذِي لم يحصل شَيْئا من علومه بل الَّذِي حصل علما وَاحِدًا فَإِنَّمَا عرف على التَّحْقِيق عشره إِن ساواه فِي ذَلِك الْعلم حَتَّى لم يقصر عَنهُ فَإِن قصر عَنهُ فَلَيْسَ يعرف بِالْحَقِيقَةِ مَا قصر عَنهُ إِلَّا بِالِاسْمِ وإيهام الْجُمْلَة وَهُوَ أَنه يعرف أَنه يعلم شَيْئا سوى مَا علمه فَكَذَلِك فَافْهَم تفَاوت الْخلق فِي معرفَة الله تَعَالَى بِقدر مَا انْكَشَفَ لَهُم من مَعْلُومَات الله ﷿ وعجائب مقدوراته وبدائع آيَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْملك والملكوت تزداد معرفتهم بِاللَّه ﷿ وتقرب معرفتهم من معرفَة الْحَقِيقَة من معرفَة الله تَعَالَى
فَإِن قلت فَإِذا لم يعرفوا حَقِيقَة الذَّات واستحال مَعْرفَتهَا فَهَل عرفُوا الْأَسْمَاء وَالصِّفَات معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة قُلْنَا هَيْهَات ذَلِك أَيْضا لَا يعرفهُ بالكمال والحقيقة إِلَّا الله ﷿ لأَنا إِذا علمنَا أَن ذاتا عَالِمَة فقد علمنَا شَيْئا مُبْهما لَا نَدْرِي حَقِيقَته لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم فَإِن كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة كَانَ علمنَا بِأَنَّهُ عَالم علما تَاما بِحَقِيقَة هَذِه الصّفة وَإِلَّا فَلَا وَلَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله ﷿ إِلَّا من لَهُ مثل علمه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ فَلَا يعرفهُ أحد سواهُ وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه كَمَا أوردنا من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر وَعلم الله ﷿ لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة بل إيهامية تشبيهية
وَلَا تتعجبن من هَذَا فَإِنِّي أَقُول لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه فَأَما من لَا يعرف السحر وَحَقِيقَته وماهيته لَا يعرف من السَّاحر إِلَّا اسْمه وَيعرف أَن لَهُ علما وخاصية لَا يدْرِي مَا ذَلِك الْعلم إِذْ لَا يدْرِي معلومه وَلَا يدْرِي مَا تِلْكَ الخاصية نعم يدْرِي أَن تِلْكَ الخاصية وَإِن
كَانَت مُبْهمَة فَهِيَ من جنس الْعُلُوم وثمرتها تَغْيِير الْقُلُوب وتبديل أَوْصَاف الْأَعْيَان والتفريق بَين الْأزْوَاج وَهَذَا بمعزل عَن معرفَة حَقِيقَة السحر وَمن لم يعرف حَقِيقَة السحر لَا يعرف حَقِيقَة السَّاحر لِأَن السَّاحر من لَهُ خاصية السحر وَحَاصِل اسْم السَّاحر أَنه اسْم مُشْتَقّ من تِلْكَ الصّفة إِن كَانَت مَجْهُولَة فَهُوَ مَجْهُول وَإِن كَانَت مَعْلُومَة فَهُوَ مَعْلُوم والمعلوم من السحر لغير السَّاحر وصف عَام بعيد عَن الْمَاهِيّة وَهُوَ أَنه من جنس الْعُلُوم فَإِن اسْم الْعلم ينْطَلق عَلَيْهِ
فَكَذَلِك الْحَاصِل عندنَا من قدرَة الله ﷿ أَنه وصف ثَمَرَته وأثره وجود الْأَشْيَاء وينطلق عَلَيْهِ اسْم الْقُدْرَة لِأَنَّهُ يُنَاسب قدرتنا مُنَاسبَة لَذَّة الوقاع لَذَّة السكر وَهَذَا كُله بمعزل عَن حَقِيقَة تِلْكَ الْقُدْرَة نعم كلما ازْدَادَ العَبْد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع فِي ملكوت السَّمَوَات كَانَ حَظه من معرفَة صفة الْقُدْرَة أوفر لِأَن الثَّمَرَة تدل على المثمر كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل واستعظامه لَهُ أتم
فَإلَى هَذَا يرجع تفَاوت معرفَة العارفين ويتطرق إِلَيْهِ تفَاوت لَا يتناهى لِأَن مَا لَا يقدر الْآدَمِيّ على مَعْرفَته من مَعْلُومَات الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا يقدر عَلَيْهِ أَيْضا لَا نِهَايَة لَهُ وَإِن كَانَ مَا يدْخل مِنْهُ فِي الْوُجُود متناهيا وَلَكِن مَقْدُور الْآدَمِيّ من الْعُلُوم لَا نِهَايَة لَهُ نعم الْخَارِج إِلَى الْوُجُود متفاوت فِي الْكَثْرَة والقلة وَبِه يظهرالتفاوت وَهُوَ كالتفاوت بَين النَّاس فِي الْقُدْرَة الْحَاصِلَة لَهُم بالغنى بِالْمَالِ فَمن وَاحِد يملك الدانق وَالدِّرْهَم وَمن آخر يملك ألافا فَكَذَلِك الْعُلُوم بل التَّفَاوُت فِي الْعُلُوم أعظم لِأَن المعلومات لَا نِهَايَة لَهَا وأعيان الْأَمْوَال أجسام والأجسام متناهية لَا يتَصَوَّر أَن تَنْتفِي النِّهَايَة عَنْهَا
فَإِذا قد عرفت كَيفَ يتَفَاوَت الْخلق فِي بحار معرفَة الله ﷿ وَأَن
ذَلِك لَا نِهَايَة لَهُ وَعرفت أَن من قَالَ لَا يعرف الله غير الله فقد صدق وَأَن من قَالَ لَا أعرف إِلَّا الله فقد صدق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ وأفعاله فَإِذا نظر إِلَى أَفعاله من حَيْثُ هِيَ أَفعاله وَكَانَ مَقْصُور النّظر عَلَيْهِ وَلم يره من حَيْثُ هُوَ سَمَاء وَأَرْض وَشَجر بل من حَيْثُ أَنه صنعه فَلم يُجَاوز مَعْرفَته حَضْرَة الربوبية فيمكنه أَن يَقُول مَا أعرف إِلَّا الله وَمَا أرى إِلَّا الله ﷿
وَلَو تصور شخص لَا يرى إِلَّا الشَّمْس ونورها الْمُنْتَشِر فِي الْآفَاق يَصح مِنْهُ أَن يَقُول مَا أرى إِلَّا الشَّمْس فَإِن النُّور الفايض مِنْهَا هُوَ من جُمْلَتهَا لَيْسَ خَارِجا مِنْهَا وكل مَا فِي الْوُجُود نور من أنوار الْقُدْرَة الأزلية وَأثر من آثارها
وكما أَن الشَّمْس ينبوع النُّور الفايض على كل مستنير فَكَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي قصرت الْعبارَة عَنهُ فَعبر عَنهُ بِالْقُدْرَةِ الأزلية للضَّرُورَة وَهُوَ ينبوع الْوُجُود الفابض على كل مَوْجُود فَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ فَيجوز أَن يَقُول الْعَارِف لَا أعرف إِلَّا الله
وَمن الْعَجَائِب أَن يَقُول لَا أعرف إِلَّا الله وَيكون صَادِقا وَيَقُول لَا يعرف الله إِلَّا الله ﷿ وَيكون أَيْضا صَادِقا وَلَكِن ذَلِك بِوَجْه وَهَذَا بِوَجْه وَلَو كذبت المتناقضات إِذا اخْتلفت وُجُوه الاعتبارات لما صدق قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة ١٧ وَلكنه صَادِق لِأَن للرمي اعتبارين هُوَ مَنْسُوب إِلَى العَبْد بِأَحَدِهِمَا ومنسوب إِلَى الرب تَعَالَى بِالثَّانِي فَلَا تنَاقض فِيهِ
ولنقبض هَاهُنَا عنان الْبَيَان فقد خضنا لجة بَحر لَا سَاحل لَهُ وأمثال هَذِه الْأَسْرَار لَا يَنْبَغِي أَن تبتذل بإيداع الْكتب وَإِذ جَاءَ هَذَا عرضا غير مَقْصُود فلنكف عَنهُ ولنرجع إِلَى شرح مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى على التَّفْصِيل
اعْلَم أَن من لم يكن لَهُ حَظّ من مَعَاني أَسمَاء الله ﷿ إِلَّا بِأَن يسمع لَفظه وَيفهم فِي اللُّغَة معنى تَفْسِيره وَوَضعه ويعتقد بِالْقَلْبِ وجود مَعْنَاهُ فِي الله تَعَالَى فَهُوَ مبخوس الْحَظ نَازل الدرجَة لَيْسَ يحسن بِهِ أَن يتبجح بِمَا ناله فَإِن سَماع اللَّفْظ لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا سَلامَة حاسة السّمع الَّتِي بهَا تدْرك الْأَصْوَات وَهَذِه رُتْبَة تشارك الْبَهِيمَة فِيهَا وَأما فهم وَضعه فِي اللُّغَة فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا معرفَة الْعَرَبيَّة وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الأديب اللّغَوِيّ بل الغبي اللّغَوِيّ البدوي وَأما اعْتِقَاد ثُبُوت مَعْنَاهُ لله ﷾ من غير كشف فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا فهم مَعَاني الْأَلْفَاظ والتصديق بهَا وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الْعَاميّ بل الصَّبِي فَإِنَّهُ بعد فهم الْكَلَام إِذا ألقِي إِلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي تلقاها وتلقنها واعتقدها بِقَلْبِه وصمم عَلَيْهَا وَهَذِه دَرَجَات أَكثر الْعلمَاء فضلا عَن غَيرهم وَلَا يُنكر فضل هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشاركهم فِي هَذِه الدَّرَجَات الثَّلَاث وَلكنه نقص ظَاهر بِالْإِضَافَة إِلَى ذرْوَة الْكَمَال فَإِن حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى ثَلَاثَة
الْحَظ الأول معرفَة هَذِه الْمعَانِي على سَبِيل المكاشفة والمشاهدة حَتَّى يَتَّضِح لَهُم حقائقها بالبرهان الَّذِي لَا يجوز فِيهِ الْخَطَأ وينكشف لَهُم اتصاف الله ﷿ بهَا انكشافا يجْرِي فِي الوضوح وَالْبَيَان مجْرى الْيَقِين الْحَاصِل للْإنْسَان
بصفاته الْبَاطِنَة الَّتِي يُدْرِكهَا بمشاهدة بَاطِنه لَا بإحساس ظَاهر وَكم بَين هَذَا وَبَين الِاعْتِقَاد الْمَأْخُوذ من الْآبَاء والمعلمين تقليدا والتصميم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مَقْرُونا بأدلة جدلية كلامية
الْحَظ الثَّانِي من حظوظهم استعظامهم مَا ينْكَشف لَهُم من صِفَات الْجلَال على وَجه ينبعث من الاستعظام يشوقهم إِلَى الاتصاف بِمَا يُمكنهُم من تِلْكَ الصِّفَات ليقربوا بهَا من الْحق قربا بِالصّفةِ لَا بِالْمَكَانِ فيأخذوا من الاتصاف بهَا شبها بِالْمَلَائِكَةِ المقربين عِنْد الله ﷿ وَلنْ يتَصَوَّر أَن يمتلئ الْقلب باستعظام صفة واستشرافها إِلَّا ويتبعه شوق إِلَى تِلْكَ الصّفة وعشق لذَلِك الْكَمَال والجلال وحرص على التحلي بذلك الْوَصْف إِن كَانَ ذَلِك مُمكنا للمستعظم بِكَمَالِهِ فَإِن لم يكن بِكَمَالِهِ فينبعث الشوق إِلَى الْقدر الْمُمكن مِنْهُ لَا محَالة
وَلَا يَخْلُو عَن هَذَا الشوق أحد إِلَّا لأحد أَمريْن إِمَّا لضعف الْمعرفَة وَالْيَقِين بِكَوْن الْوَصْف الْمَعْلُوم من أَوْصَاف الْجلَال والكمال وَإِمَّا لكَون الْقلب ممتلئا بشوق آخر مُسْتَغْرقا بِهِ فالتلميذ إِذا شَاهد كَمَال أستاذه فِي الْعلم انْبَعَثَ شوقه إِلَى التَّشَبُّه والاقتداء بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ مملوءا بِالْجُوعِ مثلا فَإِن استغراق بَاطِنه بشوق الْقُوت رُبمَا يمْنَع انبعاث شوق الْعلم وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون النَّاظر فِي صِفَات الله تَعَالَى خَالِيا بِقَلْبِه عَن إِرَادَة مَا سوى الله ﷿ فَإِن الْمعرفَة بذر الشوق وَلَكِن مهما صَادف قلبا خَالِيا عَن حسيكة الشَّهَوَات فَإِن لم يكن خَالِيا لم يكن الْبذر منجحا
الْحَظ الثَّالِث السَّعْي فِي اكْتِسَاب الْمُمكن من تِلْكَ الصِّفَات والتخلق بهَا والتحلي بمحاسنها وَبِه يصير العَبْد ربانيا أَي قَرِيبا من الرب تَعَالَى وَبِه يصير رَفِيقًا للملأ الْأَعْلَى من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم على بِسَاط الْقرب فَمن ضرب إِلَى شبه من صفاتهم نَالَ شَيْئا من قربهم بِقدر مَا نَالَ من أوصافهم المقربة لَهُم إِلَى الْحق تَعَالَى
فَإِن قلت طلب الْقرب من الله ﷿ بِالصّفةِ أَمر غامض تكَاد تشمئز الْقُلُوب عَن قبُوله والتصديق بِهِ فزده شرحا تكسر بِهِ سُورَة إِنْكَار المنكرين فَإِن هَذَا كالمنكر عِنْد الْأَكْثَرين إِن لم تكشف حَقِيقَته فَأَقُول لَا يخفى عَلَيْك وَلَا على من ترعرع قَلِيلا من دَرَجَة عوام الْعلمَاء أَن الموجودات منقسمة إِلَى كَامِلَة وناقصة والكامل أشرف من النَّاقِص وَمهما تفاوتت دَرَجَات الْكَمَال وَاقْتصر مُنْتَهى الْكَمَال على وَاحِد حَتَّى لم يكن الْكَمَال الْمُطلق إِلَّا لَهُ وَلم يكن للموجودات الْأُخَر كَمَال مُطلق بل كَانَت لَهَا كمالات مُتَفَاوِتَة بِالْإِضَافَة فأكملها أقرب لَا محَالة إِلَى الَّذِي لَهُ الْكَمَال الْمُطلق أَعنِي قربا بالرتبة والدرجة لَا بالكمال
ثمَّ الموجودات منقسمة إِلَى حَيَّة وميتة وَتعلم أَن الْحَيّ أشرف وأكمل من الْمَيِّت وَأَن دَرَجَات الْأَحْيَاء ثَلَاثَة دَرَجَة الْمَلَائِكَة ودرجة الْإِنْس ودرجة الْبَهَائِم ودرجة الْبَهَائِم أَسْفَل فِي نفس الْحَيَاة الَّتِي بهَا شرفها لِأَن الْحَيّ هُوَ الدراك الفعال وَفِي إِدْرَاك الْبَهِيمَة نقص وَفِي فعلهَا نقص أما إِدْرَاكهَا فنقصانه أَنه مَقْصُور على الْحَواس وَإِدْرَاك الْحس قَاصِر لِأَنَّهُ لَا يدْرك الْأَشْيَاء إِلَّا بمماسة أَو بِقرب مِنْهَا فالحس مَعْزُول عَن الْإِدْرَاك إِن لم يكن مماسة وَلَا قرب فَإِن الذَّوْق واللمس يحتاجان إِلَى المماسة والسمع وَالْبَصَر والشم يحْتَاج إِلَى الْقرب وكل مَوْجُود لَا يتَصَوَّر فِيهِ المماسة والقرب فالحس مَعْزُول عَن إِدْرَاكه فِي الْحَال وَأما فعلهَا فَهُوَ أَنه مَقْصُور على مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب لَا باعث لَهَا سواهُمَا وَلَيْسَ لَهَا عقل يَدْعُو إِلَى أَفعَال مُخَالفَة لمقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب
وَأما الْملك فدرجته أَعلَى الدَّرَجَات لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَوْجُود لَا يُؤثر الْقرب والبعد فِي إِدْرَاكه بل لَا يقْتَصر إِدْرَاكه على مَا يتَصَوَّر فِيهِ الْقرب والبعد إِذْ الْقرب والبعد يتَصَوَّر على الْأَجْسَام والأجسام أخس أَقسَام الموجودات ثمَّ هُوَ مقدس عَن الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَلَيْسَتْ أَفعاله بِمُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب بل داعيه
إِلَى الْأَفْعَال أَمر أجل من الشَّهْوَة وَالْغَضَب وَهُوَ طلب التَّقَرُّب إِلَى الله ﷿
وَأما الْإِنْسَان فَإِن دَرَجَته متوسطة بَين الدرجتين وَكَأَنَّهُ مركب من بهيمية وملكية والأغلب عَلَيْهِ فِي بداية أمره البهيمية إِذْ لَيْسَ لَهُ أَولا من الْإِدْرَاك إِلَّا الْحَواس الَّتِي يحْتَاج فِي الْإِدْرَاك بهَا إِلَى طلب الْقرب من المحسوس بالسعي وَالْحَرَكَة إِلَى أَن يشرق عَلَيْهِ بِالآخِرَة نور الْعقل الْمُتَصَرف فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير حَاجَة إِلَى حَرَكَة بِالْبدنِ وَطلب قرب أَو مماسة مَعَ الْمدْرك بِهِ بل مدركه الْأُمُور المقدسة عَن قبُول الْقرب والبعد بِالْمَكَانِ وَكَذَلِكَ المستولي عَلَيْهِ أَولا شَهْوَته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إِلَى أَن يظْهر فِيهِ الرَّغْبَة فِي طلب الْكَمَال وَالنَّظَر للعاقبة وعصيان مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِن غلب الشَّهْوَة وَالْغَضَب حَتَّى ملكهمَا وضعفا عَن تحريكه وتسكينه أَخذ بذلك شبها من الْمَلَائِكَة وَكَذَلِكَ إِن فطم نَفسه عَن الجمود على الخيالات والمحسوسات وَأنس بِإِدْرَاك أُمُور تجل عَن أَن ينالها حس أَو خيال أَخذ شبها أخر من الْمَلَائِكَة فَإِن خاصية الْحَيَاة الْإِدْرَاك وَالْعقل وإليهما يتَطَرَّق النُّقْصَان والتوسط والكمال وَمهما اقْتدى بِالْمَلَائِكَةِ فِي هَاتين الخاصيتين كَانَ أبعد عَن البهيمية وَأقرب من الْملك وَالْملك قريب من الله ﷿ والقريب من الْقَرِيب قريب
فَإِن قلت فَظَاهر هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ إِذا تخلق بأخلاقه كَانَ شَبِيها لَهُ وَمَعْلُوم شرعا وعقلا أَن الله ﷾ لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء فَأَقُول مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله ﷿ عرفت أَنه لَا مثل لَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثلَة
افترى أَن الضدين يتماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد
فَوْقه وهما متشاركان فِي أَوْصَاف كَثِيرَة إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه لونا وَفِي كَونه مدْركا بالبصر وَأُمُور أخر سواهَا أفترى أَن من قَالَ إِن الله ﷿ مَوْجُود لَا فِي مَحل وَإنَّهُ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم حَيّ قَادر فَاعل وَالْإِنْسَان أَيْضا كَذَلِك فقد شبه وَأثبت الْمثل هَيْهَات لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود وَهُوَ موهم للمشابهة بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للْإنْسَان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ بالنوع وَإِنَّمَا يشابهه بالكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة المقومة لذات الإنسانية
والخاصية الإلهية أَنه الْمَوْجُود الْوَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ الَّذِي عَنهُ يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده على أحسن وُجُوه النظام والكمال وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سمعيا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا بل أَقُول الخاصية الإلهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ أَو من هُوَ مثله وَإِذا لم يكن لَهُ مثل فَلَا يعرفهَا غَيره فَإِذا الْحق مَا قَالَه الْجُنَيْد ﵀ حَيْثُ قَالَ لَا يعرف الله إِلَّا الله وَلذَلِك لم يُعْط أجل خلقه إِلَّا اسْما حجبه بِهِ فَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ١ فوَاللَّه مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقيل لذِي النُّون وَقد أشرف على الْمَوْت مَاذَا تشْتَهي فَقَالَ أَن أعرفهُ قبل أَن أَمُوت وَلَو بلحظة وَهَذَا الْآن يشوش قُلُوب أَكثر الضُّعَفَاء ويوهم عِنْدهم القَوْل بِالنَّفْيِ والتعطيل وَذَلِكَ لعجزهم عَن فهم هَذَا الْكَلَام
وَأَنا أَقُول لَو قَالَ الْقَائِل لَا أعرف الله كَانَ صَادِقا وَلَو قَالَ أعرف الله كَانَ صَادِقا وَمَعْلُوم أَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يصدقان مَعًا بل يتقاسمان
الصدْق وَالْكذب فَإِن صدق النَّفْي كذب الْإِثْبَات وَبِالْعَكْسِ وَلَكِن إِذا اخْتلف وَجه الْكَلَام تصور الصدْق فِي الْقسمَيْنِ وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لغيره هَل تعرف الصّديق أَبَا بكر ﵁ فَقَالَ وَالصديق مِمَّن يجهل وَلَا يعرف أَو يتَصَوَّر فِي الْعَالم من لَا يعرفهُ مَعَ ظُهُوره واشتهاره وانتشار اسْمه فَهَل على المنابر إِلَّا حَدِيثه وَهل فِي الْمَسَاجِد إِلَّا ذكره وَهل على الْأَلْسِنَة إِلَّا ثَنَاؤُهُ وَوَصفه لَكَانَ هَذَا الْقَائِل صَادِقا وَلَو قيل لآخر هَل تعرفه فَقَالَ وَمن أَنا حَتَّى أعرف الصّديق هَيْهَات لَا يعرف الصّديق سوى الصّديق أَو من هُوَ مثله أَو فَوْقه وَمن أَيْن لي أَن أَدعِي مَعْرفَته أَو أطمع فِيهَا وَإِنَّمَا مثلي يسمع اسْمه وَصفته فَأَما أَن يَدعِي مَعْرفَته فَذَلِك محَال فَهَذَا أَيْضا صَادِق وَله وَجه وَهُوَ أقرب إِلَى التَّعْظِيم والاحترام
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم قَول من قَالَ أعرف الله وَقَول من قَالَ لَا أعرف الله
بل لَو عرضت خطا منظوما على عَاقل وَقلت هَل تعرف كَاتبه فَقَالَ لَا صدق وَلَو قَالَ نعم كَاتبه هُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير السَّلِيم الْيَد الْعَالم بصناعة الْكِتَابَة فَإِذا عرفت كل هَذَا مِنْهُ فَكيف لَا أعرفهُ فَهَذَا أَيْضا صدق وَلَكِن الأحق والأصدق قَوْله لَا أعرفهُ فَإِنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ مَا عرفه وَإِنَّمَا عرف احْتِيَاج الْخط المنظوم إِلَى كَاتب حَيّ عَالم قَادر سميع بَصِير سليم الْيَد عَالم بصناعة الْكِتَابَة وَلم يعرف الْكَاتِب نَفسه فَكَذَلِك الْخلق كلهم لم يعرفوا إِلَّا احْتِيَاج هَذَا الْعَالم المنظوم الْمُحكم إِلَى صانع مُدبر حَيّ عَالم قَادر
وَهَذِه الْمعرفَة لَهَا طرفان أَحدهمَا يتَعَلَّق بالعالم ومعلومه احْتِيَاجه إِلَى مُدبر وَالْآخر يتَعَلَّق بِاللَّه ﷿ ومعلومه أسامي مُشْتَقَّة من صِفَات غير دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الذَّات وماهيتها فَإنَّا قد بَينا أَنه إِذا أَشَارَ المشير إِلَى شَيْء
وَقَالَ مَا هُوَ لم يكن ذكر الْأَسْمَاء المشتقة جَوَابا أصلا فَلَو أَشَارَ إِلَى شخص حَيَوَان فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل طَوِيل أَو أَبيض أَو قصير أَو أَشَارَ إِلَى مَاء فَقَالَ مَا هُوَ فَقيل بِأَنَّهُ بَارِد أَو أَشَارَ إِلَى نَار وَقَالَ مَا هُوَ فَقيل حَار فَكل ذَلِك لَيْسَ بِجَوَاب عَن الْمَاهِيّة الْبَتَّةَ والمعرفة بالشَّيْء هِيَ معرفَة حَقِيقَته وماهيته لَا معرفَة الْأَسَامِي المشتقة فَإِن قَوْلنَا حَار مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْحَرَارَة وَكَذَلِكَ قَوْلنَا قَادر وعالم مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَالْقُدْرَة
فَإِن قلت فقولنا إِنَّه الْوَاجِب الْوُجُود الَّذِي عَنهُ وَحده يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده عبارَة عَن حَقِيقَته وَحده وَقد عرفنَا هَذَا فَأَقُول هَيْهَات فقولنا وَاجِب الْوُجُود عبارَة عَن استغنائه عَن الْعلَّة وَالْفَاعِل وَهَذَا يرجع إِلَى سلب السَّبَب عَنهُ وَقَوْلنَا يُوجد عَنهُ كل مَوْجُود يرجع إِلَى إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَيْهِ وَإِذا قيل لنا مَا هَذَا الشَّيْء وَقُلْنَا هُوَ الْفَاعِل لم يكن جَوَابا وَإِذا قُلْنَا هُوَ الَّذِي لَهُ عِلّة لم يكن جَوَابا فَكيف قَوْلنَا هُوَ الَّذِي لَا عِلّة لَهُ لِأَن كل ذَلِك نبأ عَن غير ذَاته وَعَن إِضَافَة لَهُ إِلَى ذَاته إِمَّا بِنَفْي أَو إِثْبَات وكل ذَلِك أَسمَاء وصفات وإضافات
فَإِن قلت فَمَا السَّبِيل إِلَى مَعْرفَته فَأَقُول لَو قَالَ لنا صبي أَو عنين مَا السَّبِيل إِلَى معرفَة لَذَّة الوقاع وَإِدْرَاك حَقِيقَته قُلْنَا هَاهُنَا سبيلان أَحدهمَا أَن نصفه لَك حَتَّى تعرفه وَالْآخر أَن تصبر حَتَّى تظهر فِيك غريزة الشَّهْوَة ثمَّ تباشر الوقاع حَتَّى تظهر فِيك لَذَّة الوقاع فتعرفه وَهَذَا السَّبِيل الثَّانِي هُوَ السَّبِيل الْمُحَقق المفضي إِلَى حَقِيقَة الْمعرفَة
فَأَما الأول فَلَا يُفْضِي إِلَّا إِلَى توهم وتشبيه للشَّيْء بِمَا لَا يُشبههُ إِذْ غايتنا أَن نمثل لَذَّة الوقاع عِنْده بِشَيْء من اللَّذَّات الَّتِي يُدْرِكهَا الْعنين كلذة الطَّعَام
وَالشرَاب الحلو مثلا فَنَقُول لَهُ أما تعرف أَن السكر لذيذ فَإنَّك تَجِد عِنْد تنَاوله حَالَة طيبَة وتحس فِي نَفسك رَاحَة قَالَ نعم قُلْنَا فالجماع أَيْضا كَذَلِك أفترى أَن هَذَا يفهمهُ حَقِيقَة لَذَّة الْجِمَاع كَمَا هِيَ حَتَّى ينزل فِي مَعْرفَته منزلَة من ذاق تِلْكَ اللَّذَّة وأدركها هَيْهَات إِنَّمَا غَايَة هَذَا الْوَصْف إِيهَام وتشبيه خطأ وتفهيم ومشاركة فِي الِاسْم
أما الْإِيهَام فَهُوَ أَنه يتَوَهَّم أَن ذَلِك أَمر طيب على الْجُمْلَة وَأما التَّشْبِيه فَهُوَ أَنه يُشبههُ بحلاوة السكر وَهُوَ خطأ إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين حلاوة السكر وَلَذَّة الوقاع وَأما الْمُشَاركَة فِي الِاسْم فَهُوَ أَنه يعلم أَنه مُسْتَحقّ أَن يُسمى لَذَّة وَمهما ظَهرت الشَّهْوَة وذاق علم قطعا أَنه لَا يُشبههُ حلاوة السكر وَأَن مَا كَانَ توهمه لم يكن على الْوَجْه الَّذِي توهمه نعم يعلم أَن الَّذِي كَانَ قد سمع من اسْمه وَصفته وَأَنه لذيذ وَطيب كَانَ صَادِقا بل كَانَ أصدق عَلَيْهِ مِنْهُ على حلاوة السكر
فَكَذَلِك لمعْرِفَة الله ﷾ سبيلان أَحدهمَا قَاصِر وَالْآخر مسدود
أما الْقَاصِر فَهُوَ ذكر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَطَرِيقَة التَّشْبِيه بِمَا عَرفْنَاهُ من أَنْفُسنَا فَإنَّا لما عرفنَا أَنْفُسنَا قَادِرين عَالمين أَحيَاء متكلمين ثمَّ سمعنَا ذَلِك فِي أَوْصَاف الله ﷿ أَو عَرفْنَاهُ بِالدَّلِيلِ فهمناه فهما قاصرا كفهم الْعنين لَذَّة الوقاع بِمَا يُوصف لَهُ من لَذَّة السكر بل حياتنا وقدرتنا وَعلمنَا أبعد من حَيَاة الله ﷿ وَقدرته وَعلمه من حلاوة السكر من لَذَّة الوقاع بل لَا مُنَاسبَة بَين البعيدين وَفَائِدَة تَعْرِيف الله ﷿ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف أَيْضا إِيهَام وتشبيه ومشاركة فِي الِاسْم لَكِن يقطع التَّشْبِيه بِأَن يُقَال لَيْسَ كمثله شَيْء فَهُوَ حَيّ لَا كالأحياء وقادر لَا كالقادرين كَمَا تَقول الوقاع لذيذ كالسكر وَلَكِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تشبه هَذِه الْبَتَّةَ وَلَكِن تشاركها فِي الِاسْم
وكأنا إِذا عرفنَا أَن الله تَعَالَى حَيّ قَادر عَالم فَلم نَعْرِف إِلَّا أَنْفُسنَا وَلم نعرفه إِلَّا بِأَنْفُسِنَا إِذْ الْأَصَم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم معنى قَوْلنَا إِن الله سميع وَلَا الأكمه يفهم معنى قَوْلنَا إِنَّه بَصِير وَلذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل كَيفَ يكون الله ﷿ عَالما بالأشياء فَنَقُول كَمَا تعلم أَنْت الْأَشْيَاء فَإِذا قَالَ فَكيف يكون قَادِرًا فَنَقُول كَمَا تقدر أَنْت فَلَا يُمكنهُ أَن يفهم شَيْئا إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ مَا يُنَاسِبه فَيعلم أَولا مَا هُوَ متصف بِهِ ثمَّ يعلم غَيره بالمقايسة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ لله ﷿ وصف وخاصية لَيْسَ فِينَا مَا يُنَاسِبه ويشاركه فِي الِاسْم وَلَو مُشَاركَة حلاوة السكر لَذَّة الوقاع لم يتَصَوَّر فهمه الْبَتَّةَ فَمَا عرف أحد إِلَّا نَفسه ثمَّ قايس بَين صِفَات الله تَعَالَى وصفات نَفسه وتتعالى صِفَاته عَن أَن تشبه صفاتنا فَتكون هَذِه معرفَة قَاصِرَة يغلب عَلَيْهَا الْإِيهَام والتشبيه فَيَنْبَغِي أَن تقترن بهَا الْمعرفَة بِنَفْي المشابهة وينفي أصل الْمُنَاسبَة مَعَ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم
وَأما السَّبِيل الثَّانِي المسدود فَهُوَ أَن ينْتَظر العَبْد أَن تحصل لَهُ الصِّفَات الربوبية كلهَا حَتَّى يصير رَبًّا كَمَا ينْتَظر الصَّبِي أَن يبلغ فيدرك تِلْكَ اللَّذَّة وَهَذَا السَّبِيل مسدود مُمْتَنع إِذْ يَسْتَحِيل أَن تحصل تِلْكَ الْحَقِيقَة لغير الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ سَبِيل الْمعرفَة المحققة لَا غير وَهُوَ مسدود قطعا إِلَّا على الله تَعَالَى
فَإِذا يَسْتَحِيل أَن يعرف الله تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ غير الله بل أَقُول يَسْتَحِيل أَن يعرف النَّبِي غير النَّبِي وَأما من لَا نبوة لَهُ فَلَا يعرف من النُّبُوَّة إِلَّا اسْمهَا وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبيا وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه
بل أَزِيد وَأَقُول لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَحَقِيقَة الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْت وَدخُول الْجنَّة أَو النَّار لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يدْرك قطّ لَذَّة لم يمكننا أصلا أَن نفهمه الْجنَّة تفهيما يرغبه فِي طلبَهَا
وَالنَّار عبارَة عَن أَسبَاب مؤلمة وَلَو فَرضنَا شخصا لم يُقَاس قطّ ألما لم يمكننا قطّ أَن نفهمه النَّار فَإِذا قاساه فهمناه إِيَّاه بالتشبيه بأشد مَا قاساه وَهُوَ ألم النَّار
وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئا من اللَّذَّات فغايتنا أَن نفهمه الْجنَّة بالتشبيه بأعظم مَا ناله من اللَّذَّات وَهِي الْمطعم والمنكح والمنظر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمه أصلا إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ اللَّذَّات كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الْجنَّة أبعد من كل لَذَّة أدركناها فِي الدُّنْيَا من لَذَّة الوقاع عَن لَذَّة السكر بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَنْهَا أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَإِن مثلناها بالأطعمة قُلْنَا مَعَ ذَلِك لَا كهذه الْأَطْعِمَة وَإِن مثلناها بالوقاع قُلْنَا لَا كالوقاع الْمَعْهُود فِي الدُّنْيَا فَكيف يتعجب المتعجبون من قَوْلنَا لم يحصل أهل الأَرْض وَالسَّمَاء معرفَة من الله تَعَالَى إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَنحن نقُول لم يحصلوا من الْجنَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَان اسْمه وَصفته وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ
فَإِن قلت فَمَاذَا نِهَايَة معرفَة العارفين بِاللَّه تَعَالَى فَنَقُول نِهَايَة معرفَة العارفين عجزهم عَن الْمعرفَة ومعرفتهم بِالْحَقِيقَةِ أَنهم لَا يعرفونه وَأَنه لَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ مَعْرفَته وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يعرف الله الْمعرفَة الْحَقِيقِيَّة المحيطة بكنه صِفَات الربوبية إِلَّا الله ﷿ فَإِذا انْكَشَفَ لَهُم ذَلِك انكشافا برهانيا كَمَا ذَكرْنَاهُ فقد عرفوه أَي بلغُوا الْمُنْتَهى الَّذِي يُمكن فِي حق الْخلق من مَعْرفَته
وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصّديق الْأَكْبَر أَبُو بكر ﵁ حَيْثُ قَالَ الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك بل هُوَ الَّذِي عناه سيد الْبشر صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه حَيْثُ قَالَ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على
نَفسك وَلم يرد بِهِ أَنه عرف مِنْهُ مَا لَا يطاوعه لِسَانه فِي الْعبارَة عَنهُ بل مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وَإِنَّمَا أَنْت الْمُحِيط بهَا وَحدك
فَإِذا لَا يحظى مَخْلُوق فِي مُلَاحظَة حَقِيقَة ذَاته إِلَّا بِالْحيرَةِ والدهشة وَأما اتساع الْمعرفَة فَإِنَّهَا تكون فِي معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته
فَإِن قلت فبماذا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْمَلَائِكَة والأنبياء والأولياء فِي مَعْرفَته إِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مَعْرفَته فَأَقُول قد عرفت أَن للمعرفة سبيلين أَحدهمَا السَّبِيل الْحَقِيقِيّ وَذَلِكَ مسدود إِلَّا فِي حق الله تَعَالَى فَلَا يَهْتَز أحد من الْخلق لنيله وإدراكه إِلَّا ردته سبحات الْجلَال إِلَى الْحيرَة وَلَا يشرئب أحد لملاحظته إِلَّا غضت الدهشة طرفه
وَأما السَّبِيل الثَّانِي وَهُوَ معرفَة الصِّفَات والأسماء فَذَلِك مَفْتُوح لِلْخلقِ وَفِيه تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ فَلَيْسَ من يعلم أَنه ﷿ عَالم قَادر على الْجُمْلَة كمن شَاهد عجائب آيَاته فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلق الْأَرْوَاح والأجساد واطلع على بَدَائِع المملكة وغرائب الصَّنْعَة ممعنا فِي التَّفْصِيل ومستقصيا دقائق الْحِكْمَة ومستوفيا لطائف التَّدْبِير ومتصفا بِجَمِيعِ الصِّفَات الملكية المقربة من الله ﷿ نائلا لتِلْك الصِّفَات نيل اتصاف بهَا بل بَينهمَا من البون الْعَظِيم مَا لَا يكَاد يُحْصى وَفِي تفاصيل ذَلِك ومقاديره يتَفَاوَت الْأَنْبِيَاء والأولياء
وَلنْ يصل إِلَى فهمك هَذَا إِلَّا بمثال ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ سُورَة النَّحْل / الْآيَة ٦٠ وَلَكِنَّك تعلم أَن الْعَالم التقي الْكَامِل مثلا مثل الشَّافِعِي ﵁ يعرفهُ بواب دَاره ويعرفه الْمُزنِيّ ﵀ تِلْمِيذه فالبواب يعرفهُ أَنه عَالم بِالشَّرْعِ ومصنف فِيهِ ومرشد خلق الله عز
وَجل إِلَيْهِ على الْجُمْلَة والمزني يعرفهُ لَا كمعرفة البواب بل معرفَة مُحِيطَة بتفاصيل صِفَاته ومعلوماته بل الْعَالم الَّذِي يحسن عشرَة أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا يعرفهُ بِالْحَقِيقَةِ تِلْمِيذه الَّذِي لم يحصل إِلَّا نوعا وَاحِدًا فضلا عَن خادمه الَّذِي لم يحصل شَيْئا من علومه بل الَّذِي حصل علما وَاحِدًا فَإِنَّمَا عرف على التَّحْقِيق عشره إِن ساواه فِي ذَلِك الْعلم حَتَّى لم يقصر عَنهُ فَإِن قصر عَنهُ فَلَيْسَ يعرف بِالْحَقِيقَةِ مَا قصر عَنهُ إِلَّا بِالِاسْمِ وإيهام الْجُمْلَة وَهُوَ أَنه يعرف أَنه يعلم شَيْئا سوى مَا علمه فَكَذَلِك فَافْهَم تفَاوت الْخلق فِي معرفَة الله تَعَالَى بِقدر مَا انْكَشَفَ لَهُم من مَعْلُومَات الله ﷿ وعجائب مقدوراته وبدائع آيَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْملك والملكوت تزداد معرفتهم بِاللَّه ﷿ وتقرب معرفتهم من معرفَة الْحَقِيقَة من معرفَة الله تَعَالَى
فَإِن قلت فَإِذا لم يعرفوا حَقِيقَة الذَّات واستحال مَعْرفَتهَا فَهَل عرفُوا الْأَسْمَاء وَالصِّفَات معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة قُلْنَا هَيْهَات ذَلِك أَيْضا لَا يعرفهُ بالكمال والحقيقة إِلَّا الله ﷿ لأَنا إِذا علمنَا أَن ذاتا عَالِمَة فقد علمنَا شَيْئا مُبْهما لَا نَدْرِي حَقِيقَته لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم فَإِن كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة كَانَ علمنَا بِأَنَّهُ عَالم علما تَاما بِحَقِيقَة هَذِه الصّفة وَإِلَّا فَلَا وَلَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله ﷿ إِلَّا من لَهُ مثل علمه وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ فَلَا يعرفهُ أحد سواهُ وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه كَمَا أوردنا من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر وَعلم الله ﷿ لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة بل إيهامية تشبيهية
وَلَا تتعجبن من هَذَا فَإِنِّي أَقُول لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه فَأَما من لَا يعرف السحر وَحَقِيقَته وماهيته لَا يعرف من السَّاحر إِلَّا اسْمه وَيعرف أَن لَهُ علما وخاصية لَا يدْرِي مَا ذَلِك الْعلم إِذْ لَا يدْرِي معلومه وَلَا يدْرِي مَا تِلْكَ الخاصية نعم يدْرِي أَن تِلْكَ الخاصية وَإِن
كَانَت مُبْهمَة فَهِيَ من جنس الْعُلُوم وثمرتها تَغْيِير الْقُلُوب وتبديل أَوْصَاف الْأَعْيَان والتفريق بَين الْأزْوَاج وَهَذَا بمعزل عَن معرفَة حَقِيقَة السحر وَمن لم يعرف حَقِيقَة السحر لَا يعرف حَقِيقَة السَّاحر لِأَن السَّاحر من لَهُ خاصية السحر وَحَاصِل اسْم السَّاحر أَنه اسْم مُشْتَقّ من تِلْكَ الصّفة إِن كَانَت مَجْهُولَة فَهُوَ مَجْهُول وَإِن كَانَت مَعْلُومَة فَهُوَ مَعْلُوم والمعلوم من السحر لغير السَّاحر وصف عَام بعيد عَن الْمَاهِيّة وَهُوَ أَنه من جنس الْعُلُوم فَإِن اسْم الْعلم ينْطَلق عَلَيْهِ
فَكَذَلِك الْحَاصِل عندنَا من قدرَة الله ﷿ أَنه وصف ثَمَرَته وأثره وجود الْأَشْيَاء وينطلق عَلَيْهِ اسْم الْقُدْرَة لِأَنَّهُ يُنَاسب قدرتنا مُنَاسبَة لَذَّة الوقاع لَذَّة السكر وَهَذَا كُله بمعزل عَن حَقِيقَة تِلْكَ الْقُدْرَة نعم كلما ازْدَادَ العَبْد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع فِي ملكوت السَّمَوَات كَانَ حَظه من معرفَة صفة الْقُدْرَة أوفر لِأَن الثَّمَرَة تدل على المثمر كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل واستعظامه لَهُ أتم
فَإلَى هَذَا يرجع تفَاوت معرفَة العارفين ويتطرق إِلَيْهِ تفَاوت لَا يتناهى لِأَن مَا لَا يقدر الْآدَمِيّ على مَعْرفَته من مَعْلُومَات الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا يقدر عَلَيْهِ أَيْضا لَا نِهَايَة لَهُ وَإِن كَانَ مَا يدْخل مِنْهُ فِي الْوُجُود متناهيا وَلَكِن مَقْدُور الْآدَمِيّ من الْعُلُوم لَا نِهَايَة لَهُ نعم الْخَارِج إِلَى الْوُجُود متفاوت فِي الْكَثْرَة والقلة وَبِه يظهرالتفاوت وَهُوَ كالتفاوت بَين النَّاس فِي الْقُدْرَة الْحَاصِلَة لَهُم بالغنى بِالْمَالِ فَمن وَاحِد يملك الدانق وَالدِّرْهَم وَمن آخر يملك ألافا فَكَذَلِك الْعُلُوم بل التَّفَاوُت فِي الْعُلُوم أعظم لِأَن المعلومات لَا نِهَايَة لَهَا وأعيان الْأَمْوَال أجسام والأجسام متناهية لَا يتَصَوَّر أَن تَنْتفِي النِّهَايَة عَنْهَا
فَإِذا قد عرفت كَيفَ يتَفَاوَت الْخلق فِي بحار معرفَة الله ﷿ وَأَن
ذَلِك لَا نِهَايَة لَهُ وَعرفت أَن من قَالَ لَا يعرف الله غير الله فقد صدق وَأَن من قَالَ لَا أعرف إِلَّا الله فقد صدق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ وأفعاله فَإِذا نظر إِلَى أَفعاله من حَيْثُ هِيَ أَفعاله وَكَانَ مَقْصُور النّظر عَلَيْهِ وَلم يره من حَيْثُ هُوَ سَمَاء وَأَرْض وَشَجر بل من حَيْثُ أَنه صنعه فَلم يُجَاوز مَعْرفَته حَضْرَة الربوبية فيمكنه أَن يَقُول مَا أعرف إِلَّا الله وَمَا أرى إِلَّا الله ﷿
وَلَو تصور شخص لَا يرى إِلَّا الشَّمْس ونورها الْمُنْتَشِر فِي الْآفَاق يَصح مِنْهُ أَن يَقُول مَا أرى إِلَّا الشَّمْس فَإِن النُّور الفايض مِنْهَا هُوَ من جُمْلَتهَا لَيْسَ خَارِجا مِنْهَا وكل مَا فِي الْوُجُود نور من أنوار الْقُدْرَة الأزلية وَأثر من آثارها
وكما أَن الشَّمْس ينبوع النُّور الفايض على كل مستنير فَكَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي قصرت الْعبارَة عَنهُ فَعبر عَنهُ بِالْقُدْرَةِ الأزلية للضَّرُورَة وَهُوَ ينبوع الْوُجُود الفابض على كل مَوْجُود فَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله ﷿ فَيجوز أَن يَقُول الْعَارِف لَا أعرف إِلَّا الله
وَمن الْعَجَائِب أَن يَقُول لَا أعرف إِلَّا الله وَيكون صَادِقا وَيَقُول لَا يعرف الله إِلَّا الله ﷿ وَيكون أَيْضا صَادِقا وَلَكِن ذَلِك بِوَجْه وَهَذَا بِوَجْه وَلَو كذبت المتناقضات إِذا اخْتلفت وُجُوه الاعتبارات لما صدق قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة ١٧ وَلكنه صَادِق لِأَن للرمي اعتبارين هُوَ مَنْسُوب إِلَى العَبْد بِأَحَدِهِمَا ومنسوب إِلَى الرب تَعَالَى بِالثَّانِي فَلَا تنَاقض فِيهِ
ولنقبض هَاهُنَا عنان الْبَيَان فقد خضنا لجة بَحر لَا سَاحل لَهُ وأمثال هَذِه الْأَسْرَار لَا يَنْبَغِي أَن تبتذل بإيداع الْكتب وَإِذ جَاءَ هَذَا عرضا غير مَقْصُود فلنكف عَنهُ ولنرجع إِلَى شرح مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى على التَّفْصِيل
Translation
الفصل الرابع في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه
#5
Chapter 5 — الفن الثاني في المقاصد والغايات وفي فصول ثلاثة
· ref. #5
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَنّ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِد والغايات وَفِي فُصُول ثَلَاثَة
Translation
الفن الثاني في المقاصد والغايات وفي فصول ثلاثة
#6
Chapter 6 — الفصل الأول في شرح معاني أسماء الله التسعة والتسعين
· ref. #6
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الْفَصْل الأول فِي شرح مَعَاني أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتسْعين
وَهِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ إِذْ قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ إِن لله ﷿ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا إِنَّه وتر يحب الْوتر من أحصاها دخل الْجنَّة
هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر الْخَالِق البارئ المصور الْغفار القهار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الفتاح الْعَلِيم الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل السَّمِيع الْبَصِير الحكم الْعدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الغفور الشكُور الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل الْقوي المتين الْوَلِيّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الْحَيّ القيوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمد الْقَادِر المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي المتعالي الْبر التواب المنتقم الْعَفو الرؤوف مَالك الْملك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الْوَارِث الرشيد الصبور
فَأَما قَوْله الله فَهُوَ اسْم للموجود الْحق الْجَامِع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الْحَقِيقِيّ فَإِن كل مَوْجُود سواهُ غير مُسْتَحقّ الْوُجُود بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود مِنْهُ فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته هَالك وَمن الْجِهَة الَّتِي تليه مَوْجُود فَكل مَوْجُود هَالك إِلَّا وَجهه وَالْأَشْبَه أَنه جَار فِي الدّلَالَة على هَذَا الْمَعْنى مجْرى أَسمَاء الْأَعْلَام وكل مَا ذكر فِي اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فَائِدَة
اعْلَم أَن هَذَا الإسم أعظم أَسمَاء الله ﷿ التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَنَّهُ دَال على الذَّات الجامعة لصفات الإلهية كلهَا حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا شَيْء وَسَائِر الْأَسْمَاء لَا يدل آحادها إِلَّا على آحَاد الْمعَانِي من علم أَو قدرَة أَو فعل أَو غَيره وَلِأَنَّهُ أخص الْأَسْمَاء إِذْ لَا يُطلقهُ أحد على غَيره لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَسَائِر الْأَسْمَاء قد يُسمى بِهِ غَيره كالقادر والعليم والرحيم وَغَيره فلهذين الْوَجْهَيْنِ يشبه أَن يكون هَذَا الِاسْم أعظم هَذِه الْأَسْمَاء دقيقة
مَعَاني سَائِر الْأَسْمَاء يتَصَوَّر أَن يَتَّصِف العَبْد بِشَيْء مِنْهَا حَتَّى ينْطَلق عَلَيْهِ الإسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وَغَيره وَإِن كَانَ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ على وَجه آخر يباين إِطْلَاقه على الله ﷿ وَأما معنى هَذَا الِاسْم فخاص خُصُوصا لَا يتَصَوَّر فِيهِ مُشَاركَة لَا بالمجاز وَلَا بِالْحَقِيقَةِ وَلأَجل هَذَا الْخُصُوص يُوصف سَائِر الْأَسْمَاء بِأَنَّهَا اسْم الله ﷿ وَيعرف بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ فَيُقَال الصبور والشكور وَالْملك والجبار من أَسمَاء الله ﷿ وَلَا يُقَال الله من أَسمَاء الشكُور والصبور لِأَن ذَلِك من حَيْثُ هُوَ أدل على كنه الْمعَانِي الإلهية وأخص بهَا فَكَانَ أشهر وَأظْهر فاستغني عَن التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ وَعرف غَيره بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
وَهِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ إِذْ قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ إِن لله ﷿ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا إِنَّه وتر يحب الْوتر من أحصاها دخل الْجنَّة
هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر الْخَالِق البارئ المصور الْغفار القهار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الفتاح الْعَلِيم الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل السَّمِيع الْبَصِير الحكم الْعدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الغفور الشكُور الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل الْقوي المتين الْوَلِيّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الْحَيّ القيوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمد الْقَادِر المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي المتعالي الْبر التواب المنتقم الْعَفو الرؤوف مَالك الْملك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الْوَارِث الرشيد الصبور
فَأَما قَوْله الله فَهُوَ اسْم للموجود الْحق الْجَامِع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الْحَقِيقِيّ فَإِن كل مَوْجُود سواهُ غير مُسْتَحقّ الْوُجُود بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود مِنْهُ فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته هَالك وَمن الْجِهَة الَّتِي تليه مَوْجُود فَكل مَوْجُود هَالك إِلَّا وَجهه وَالْأَشْبَه أَنه جَار فِي الدّلَالَة على هَذَا الْمَعْنى مجْرى أَسمَاء الْأَعْلَام وكل مَا ذكر فِي اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فَائِدَة
اعْلَم أَن هَذَا الإسم أعظم أَسمَاء الله ﷿ التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَنَّهُ دَال على الذَّات الجامعة لصفات الإلهية كلهَا حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا شَيْء وَسَائِر الْأَسْمَاء لَا يدل آحادها إِلَّا على آحَاد الْمعَانِي من علم أَو قدرَة أَو فعل أَو غَيره وَلِأَنَّهُ أخص الْأَسْمَاء إِذْ لَا يُطلقهُ أحد على غَيره لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَسَائِر الْأَسْمَاء قد يُسمى بِهِ غَيره كالقادر والعليم والرحيم وَغَيره فلهذين الْوَجْهَيْنِ يشبه أَن يكون هَذَا الِاسْم أعظم هَذِه الْأَسْمَاء دقيقة
مَعَاني سَائِر الْأَسْمَاء يتَصَوَّر أَن يَتَّصِف العَبْد بِشَيْء مِنْهَا حَتَّى ينْطَلق عَلَيْهِ الإسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وَغَيره وَإِن كَانَ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ على وَجه آخر يباين إِطْلَاقه على الله ﷿ وَأما معنى هَذَا الِاسْم فخاص خُصُوصا لَا يتَصَوَّر فِيهِ مُشَاركَة لَا بالمجاز وَلَا بِالْحَقِيقَةِ وَلأَجل هَذَا الْخُصُوص يُوصف سَائِر الْأَسْمَاء بِأَنَّهَا اسْم الله ﷿ وَيعرف بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ فَيُقَال الصبور والشكور وَالْملك والجبار من أَسمَاء الله ﷿ وَلَا يُقَال الله من أَسمَاء الشكُور والصبور لِأَن ذَلِك من حَيْثُ هُوَ أدل على كنه الْمعَانِي الإلهية وأخص بهَا فَكَانَ أشهر وَأظْهر فاستغني عَن التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ وَعرف غَيره بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
Translation
الفصل الأول في شرح معاني أسماء الله التسعة والتسعين
#7
Chapter 7 — الرحمن الرحيم
· ref. #7
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
تَنْبِيه
يَنْبَغِي أَن يكون حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم التأله وأعني بِهِ أَن يكون مُسْتَغْرق الْقلب والهمة بِاللَّه ﷿ لَا يرى غَيره وَلَا يلْتَفت إِلَى سواهُ وَلَا يَرْجُو وَلَا يخَاف إِلَّا إِيَّاه وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد فهم من هَذَا الإسم أَنه الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ الْحق وكل مَا سواهُ فان وهالك وباطل إِلَّا بِهِ فَيرى أَولا نَفسه أول هَالك وباطل كَمَا رَآهُ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ أصدق بَيت قالته الْعَرَب قَول لبيد
أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل
الرَّحْمَن الرَّحِيم
اسمان مشتقان من الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة تستدعي مرحوما وَلَا مَرْحُوم إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج وَالَّذِي يَنْقَضِي بِسَبَبِهِ حَاجَة الْمُحْتَاج من غير قصد وَإِرَادَة وعناية بالمحتاج لَا يُسمى رحِيما وَالَّذِي يُرِيد قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَلَا يَقْضِيهَا فَإِن كَانَ قَادِرًا على قَضَائهَا لم يسم رحِيما إِذْ لَو تمت الْإِرَادَة لوفى بهَا وَإِن كَانَ عَاجِزا فقد يُسمى رحِيما بِاعْتِبَار مَا اعتوره من الرقة وَلكنه نَاقص وَإِنَّمَا الرَّحْمَة التَّامَّة إفَاضَة الْخَيْر على المحتاجين وإرادته لَهُم عناية بهم وَالرَّحْمَة الْعَامَّة هِيَ الَّتِي تتَنَاوَل الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَرَحْمَة الله ﷿ تَامَّة وَعَامة أما تَمامهَا فَمن حَيْثُ أَنه أَرَادَ قَضَاء حاجات المحتاجين وقضاها وَأما عمومها فَمن حَيْثُ شمولها الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَعم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَتَنَاول الضرورات والحاجات والمزايا الْخَارِجَة عَنْهُمَا فَهُوَ الرَّحِيم الْمُطلق حَقًا دقيقة
الرَّحْمَة لَا تَخْلُو عَن رقة مؤلمة تعتري الرَّحِيم فتحركه إِلَى قَضَاء حَاجَة المرحوم والرب ﷾ منزة عَنْهَا فلعلك تظن أَن ذَلِك نُقْصَان فِي
معنى الرَّحْمَة فَاعْلَم أَن ذَلِك كَمَال وَلَيْسَ بِنُقْصَان فِي معنى الرَّحْمَة
أما أَنه لَيْسَ بِنُقْصَان فَمن حَيْثُ أَن كَمَال الرَّحْمَة بِكَمَال ثَمَرَتهَا وَمهما قضيت حَاجَة الْمُحْتَاج بكمالها لم يكن للمرحوم حَظّ فِي تألم الراحم وتفجعه وَإِنَّمَا تألم الراحم لضعف نَفسه ونقصانها وَلَا يزِيد ضعفها فِي غَرَض الْمُحْتَاج شَيْئا بعد أَن قضيت كَمَال حَاجته
وَأما أَنه كَمَال فِي معنى الرَّحْمَة فَهُوَ أَن الرَّحِيم عَن رقة وتألم يكَاد يقْصد بِفِعْلِهِ دفع ألم الرقة عَن نَفسه فَيكون قد نظر لنَفسِهِ وسعى فِي غَرَض نَفسه وَذَلِكَ ينقص عَن كَمَال معنى الرَّحْمَة بل كَمَال الرَّحْمَة أَن يكون نظره إِلَى المرحوم لأجل المرحوم لَا لأجل الاسْتِرَاحَة من ألم الرقة فَائِدَة
الرَّحْمَن أخص من الرَّحِيم وَلذَلِك لَا يُسمى بِهِ غير الله ﷿
والرحيم قد يُطلق على غَيره فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من اسْم الله تعلى الْجَارِي مجْرى الْعلم وَإِن كَانَ هَذَا مشتقا من الرَّحْمَة قطعا وَلذَلِك جمع الله ﷿ بَينهمَا فَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء / الْآيَة ١١٠ فَيلْزم من هَذَا الْوَجْه وَمن حَيْثُ منعنَا الترادف فِي الْأَسْمَاء المحصاة أَن يفرق بَين معنى الاسمين فبالحري أَن يكون الْمَفْهُوم من الرَّحْمَن نوعا من الرَّحْمَة هِيَ أبعد من مقدروات الْعباد وَهِي مَا يتَعَلَّق بالسعادة الأخروية فالرحمن هُوَ العطوف على الْعباد بالإيجاد أَولا وبالهداية إِلَى الْإِيمَان وَأَسْبَاب السَّعَادَة ثَانِيًا وبالإسعاد فِي الْآخِرَة ثَالِثا والإنعام بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم رَابِعا
تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من اسْم الرَّحْمَن أَن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عَن طَرِيق الْغَفْلَة إِلَى الله ﷿ بالوعظ والنصح بطرِيق اللطف دون العنف وَأَن ينظر إِلَى العصاة بِعَين الرَّحْمَة لَا بِعَين الإزراء وَأَن يكون كل مَعْصِيّة تجْرِي فِي الْعَالم كمصيبة لَهُ فِي نَفسه فَلَا يألو جهدا فِي إِزَالَتهَا بِقدر وَسعه رَحْمَة لذَلِك العَاصِي أَن يتَعَرَّض لسخط الله وَيسْتَحق الْبعد من جواره
وحظه من اسْم الرَّحِيم أَن لَا يدع فاقة لمحتاج إِلَّا يسدها بِقدر طاقته وَلَا يتْرك فَقِيرا فِي جواره وبلده إِلَّا وَيقوم بتعهده وَدفع فقره إِمَّا بِمَالِه أَو جاهه أَو السَّعْي فِي حَقه بالشفاعة إِلَى غَيره فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك فيعينه بِالدُّعَاءِ وَإِظْهَار الْحزن بِسَبَب حَاجته رقة عَلَيْهِ وعطفا حَتَّى كَأَنَّهُ مساهم لَهُ فِي ضره وَحَاجته سُؤال وَجَوَابه
لَعَلَّك تَقول مَا معنى كَونه تَعَالَى رحِيما وَكَونه أرْحم الرَّاحِمِينَ والرحيم لَا يرى مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وَهُوَ يقدر على إمَاطَة مَا بهم إِلَّا ويبادر إِلَى إماطته والرب ﷾ قَادر على كِفَايَة كل بلية وَدفع كل فقر وغمة وإماطة كل مرض وَإِزَالَة كل ضَرَر وَالدُّنْيَا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وَهُوَ قَادر على إِزَالَة جَمِيعهَا وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن
فجوابك إِن الطِّفْل الصَّغِير قد ترق لَهُ أمه فتمنعه عَن الْحجامَة وَالْأَب الْعَاقِل يحملهُ عَلَيْهَا قهرا وَالْجَاهِل يظنّ أَن الرَّحِيم هِيَ الْأُم دون الْأَب والعاقل يعلم أَن إيلام الْأَب إِيَّاه بالحجامة من كَمَال رَحمته وَعطفه وَتَمام شفقته وَأَن الْأُم لَهُ عَدو فِي صُورَة صديق فَإِن الْأَلَم الْقَلِيل إِذا كَانَ سَببا للذة الْكَثِيرَة لم يكن شرا بل كَانَ خيرا
والرحيم يُرِيد الْخَيْر للمرحوم لَا محَالة وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ إِلَّا وَفِي ضمنه خير لَو رفع ذَلِك الشَّرّ لبطل الْخَيْر الَّذِي فِي ضمنه وَحصل بِبُطْلَانِهِ شرا أعظم من الشَّرّ الَّذِي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعهَا شَرّ فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه الْخَيْر الجزيل وَهُوَ سَلامَة الْبدن وَلَو ترك قطع الْيَد لحصل هَلَاك الْبدن ولكان الشَّرّ أعظم وَقطع الْيَد لأجل سَلامَة الْبدن شَرّ فِي ضمنه خير وَلَكِن المُرَاد الأول السَّابِق إِلَى نظر الْقَاطِع السَّلامَة الَّتِي هِيَ خير مَحْض ثمَّ لما كَانَ السَّبِيل إِلَيْهِ قطع الْيَد قصد قطع الْيَد لأَجله فَكَانَت السَّلامَة مَطْلُوبَة لذاتها أَولا وَالْقطع مَطْلُوبا لغيره ثَانِيًا لَا لذاته فهما داخلان تَحت الْإِرَادَة وَلَكِن أَحدهمَا مُرَاد لذاته وَالْآخر مُرَاد لغيره وَالْمرَاد لذاته قبل المُرَاد لغيره ولأجله قَالَ الله ﷿ سبقت رَحْمَتي غَضَبي فغضبه إِرَادَته للشر وَالشَّر بإرادته وَرَحمته إِرَادَته للخير وَالْخَيْر بإرادته وَلَكِن إِذا أَرَادَ الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته وَلَكِن لما فِي ضمنه من الْخَيْر فالخير مقضي بِالذَّاتِ وَالشَّر مقضي بِالْعرضِ وكل بِقدر وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُنَافِي الرَّحْمَة أصلا
فَالْآن إِن خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى تَحْتَهُ خيرا أَو خطر لَك أَنه كَانَ تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر مُمكنا لَا فِي ضمن الشَّرّ فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي أحد الخاطرين
أما فِي قَوْلك إِن هَذَا الشَّرّ لَا خير تَحْتَهُ فَإِن هَذَا مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن مَعْرفَته ولعلك فِيهِ مثل الصَّبِي الَّذِي يرى الْحجامَة شرا مَحْضا أَو مثل الغبي الَّذِي يرى الْقَتْل قصاصا شرا مَحْضا لِأَنَّهُ ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول لِأَنَّهُ فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي للْغَيْر أَن يهمله
أَو اتهمَ عقلك فِي الخاطر الثَّانِي وَهُوَ قَوْلك إِن تَحْصِيل ذَلِك لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ مُمكن فَإِن هَذَا أَيْضا دَقِيق غامض فَلَيْسَ كل محَال وممكن مِمَّا يدْرك إِمْكَانه واستحالته بالبديهة وَلَا بِالنّظرِ الْقَرِيب بل رُبمَا عرف ذَلِك بِنَظَر غامض دَقِيق يقصر عَنهُ الْأَكْثَرُونَ
فاتهم عقلك فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَلَا تشكن أصلا فِي أَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَفِي أَنه سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر لَا للخير غير مُسْتَحقّ لاسم الرَّحْمَة وَتَحْت هَذَا الغطاء سر منع الشَّرْع عَن إفشائه فاقنع بِالْإِيمَاءِ وَلَا تطمع فِي الإفشاء وَلَقَد نبهت بالرمز والإيماء إِن كنت من أَهله فَتَأمل
لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي
هَذَا حكم الْأَكْثَرين وَأما أَنْت أَيهَا الْأَخ الْمَقْصُود بالشرح فَلَا أَظُنك إِلَّا مستبصرا بسر الله ﷿ فِي الْقدر مستغنيا عَن هَذِه التحويمات والتنبيهات
الْملك هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي فِي ذَاته وَصِفَاته عَن كل مَوْجُود وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل مَوْجُود بل لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ شَيْء فِي شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي وجوده وَلَا فِي بَقَائِهِ بل كل شَيْء فوجوده مِنْهُ أَو مِمَّا هُوَ مِنْهُ فَكل شَيْء سواهُ هُوَ لَهُ مَمْلُوك فِي ذَاته وَصِفَاته وَهُوَ مستغن عَن كل شَيْء فَهَذَا هُوَ الْملك مُطلقًا تَنْبِيه
العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون ملكا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ أبدا فَقير
إِلَى الله تَعَالَى وَإِن اسْتغنى عَمَّن سواهُ وَلَا يتَصَوَّر أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء بل يَسْتَغْنِي عَنهُ أَكثر الموجودات وَلَكِن لما تصور أَن يَسْتَغْنِي عَن بعض الْأَشْيَاء وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ بعض الْأَشْيَاء كَانَ لَهُ شوب من الْملك
فالملك من الْعباد هُوَ الَّذِي لَا يملكهُ إِلَّا الله تَعَالَى بل يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله ﷿ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يملك مَمْلَكَته بِحَيْثُ يطيعه فِيهَا جُنُوده ورعاياه وَإِنَّمَا مَمْلَكَته الْخَاصَّة بِهِ قلبه وقالبه وجنده شَهْوَته وغضبه وهواه ورعيته لِسَانه وَعَيناهُ ويداه وَسَائِر أَعْضَائِهِ فَإِذا ملكهَا وَلم تملكه وأطاعته وَلم يطعها فقد نَالَ دَرَجَة الْملك فِي عالمه فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ استغناؤه عَن كل النَّاس وَاحْتَاجَ النَّاس كلهم إِلَيْهِ فِي حياتهم العاجلة والآجلة فَهُوَ الْملك فِي عَالم الأَرْض
وَتلك رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم استغنوا فِي الْهِدَايَة إِلَى الْحَيَاة الْآخِرَة عَن كل أحد إِلَّا عَن الله ﷿ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم كل أحد ويليهم فِي هَذَا الْملك الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا ملكهم بِقدر قدرتهم على إرشاد الْعباد واستغنائهم عَن الاسترشاد
وبهذه الصِّفَات يقرب العَبْد من الْمَلَائِكَة فِي الصِّفَات ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بهَا وَهَذَا الْملك عَطِيَّة للْعَبد من الْملك الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي ملكه
وَلَقَد صدق بعض العارفين لما قَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء سلني حَاجَتك حَيْثُ قَالَ أوتقول لي هَذَا ولي عَبْدَانِ هما سيداك فَقَالَ وَمن هما قَالَ الْحِرْص والهوى فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وَقَالَ بَعضهم لبَعض الشُّيُوخ أوصني فَقَالَ لَهُ كن ملكا فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة قَالَ وَكَيف أفعل ذَلِك فَقَالَ ازهد فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة مَعْنَاهُ اقْطَعْ حَاجَتك وشهوتك عَن الدُّنْيَا فَإِن الْملك فِي الْحُرِّيَّة والاستغناء
القدوس
هُوَ المنزه عَن كل وصف يُدْرِكهُ حس أَو يتصوره خيال أَو يسْبق إِلَيْهِ وهم أَو يختلج بِهِ ضمير أَو يقْضِي بِهِ تفكير وَلست أَقُول منزه عَن الْعُيُوب والنقائص فَإِن ذكر ذَلِك يكَاد يقرب من ترك الْأَدَب فَلَيْسَ من الْأَدَب أَن يَقُول الْقَائِل ملك الْبَلَد لَيْسَ بحائك ولاحجام فَإِن نفي الْوُجُود يكَاد يُوهم إِمْكَان الْوُجُود وَفِي ذَلِك الْإِيهَام نقص
بل أَقُول القدوس هُوَ المنزه عَن كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال الَّذِي يَظُنّهُ أَكثر الْخلق كمالا فِي حَقه لِأَن الْخلق أَولا نظرُوا إِلَى أنفسهم وَعرفُوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إِلَى مَا هُوَ كَمَال وَلكنه فِي حَقهم مثل علمهمْ وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وَكَلَامهم وإرادتهم واختيارهم وَوَضَعُوا هَذِه الْأَلْفَاظ بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي وَقَالُوا إِن هَذِه هِيَ أَسمَاء الْكَمَال وَإِلَى مَا هُوَ نقص فِي حَقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي هَذِه الْأَلْفَاظ
ثمَّ كَانَ غايتهم فِي الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَوَصفه أَن وصفوه بِمَا هُوَ أَوْصَاف كمالهم من علم وقدرة وَسمع وبصر وَكَلَام وَأَن نفوا عَنهُ مَا هُوَ أَوْصَاف نقصهم وَالله ﷾ منزه عَن أَوْصَاف كمالهم كَمَا أَنه منزه عَن أَوْصَاف نقصهم بل كل صفة تتَصَوَّر لِلْخلقِ فَهُوَ منزه ومقدس عَنْهَا وَعَما يشبهها ويماثلها وَلَوْلَا وُرُود الرُّخْصَة وَالْإِذْن بإطلاقها لم يجز إِطْلَاق أَكْثَرهَا وَقد فهمت معنى هَذَا فِي الْفَصْل الرَّابِع من فُصُول الْمُقدمَات فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة تَنْبِيه
قدس العَبْد فِي أَن ينزه إِرَادَته وَعلمه أما علمه فينزهه عَن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل مَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْبَهَائِم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وتطواف علمه حول الْأُمُور الأزلية الإلهية المنزهة عَن أَن تقرب فتدرك بالحس أَو تبعد فتغيب عَن الْحس بل يصير متجردا فِي نَفسه عَن المحسوسات
يَنْبَغِي أَن يكون حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم التأله وأعني بِهِ أَن يكون مُسْتَغْرق الْقلب والهمة بِاللَّه ﷿ لَا يرى غَيره وَلَا يلْتَفت إِلَى سواهُ وَلَا يَرْجُو وَلَا يخَاف إِلَّا إِيَّاه وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد فهم من هَذَا الإسم أَنه الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ الْحق وكل مَا سواهُ فان وهالك وباطل إِلَّا بِهِ فَيرى أَولا نَفسه أول هَالك وباطل كَمَا رَآهُ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ أصدق بَيت قالته الْعَرَب قَول لبيد
أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل
الرَّحْمَن الرَّحِيم
اسمان مشتقان من الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة تستدعي مرحوما وَلَا مَرْحُوم إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج وَالَّذِي يَنْقَضِي بِسَبَبِهِ حَاجَة الْمُحْتَاج من غير قصد وَإِرَادَة وعناية بالمحتاج لَا يُسمى رحِيما وَالَّذِي يُرِيد قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَلَا يَقْضِيهَا فَإِن كَانَ قَادِرًا على قَضَائهَا لم يسم رحِيما إِذْ لَو تمت الْإِرَادَة لوفى بهَا وَإِن كَانَ عَاجِزا فقد يُسمى رحِيما بِاعْتِبَار مَا اعتوره من الرقة وَلكنه نَاقص وَإِنَّمَا الرَّحْمَة التَّامَّة إفَاضَة الْخَيْر على المحتاجين وإرادته لَهُم عناية بهم وَالرَّحْمَة الْعَامَّة هِيَ الَّتِي تتَنَاوَل الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَرَحْمَة الله ﷿ تَامَّة وَعَامة أما تَمامهَا فَمن حَيْثُ أَنه أَرَادَ قَضَاء حاجات المحتاجين وقضاها وَأما عمومها فَمن حَيْثُ شمولها الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَعم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَتَنَاول الضرورات والحاجات والمزايا الْخَارِجَة عَنْهُمَا فَهُوَ الرَّحِيم الْمُطلق حَقًا دقيقة
الرَّحْمَة لَا تَخْلُو عَن رقة مؤلمة تعتري الرَّحِيم فتحركه إِلَى قَضَاء حَاجَة المرحوم والرب ﷾ منزة عَنْهَا فلعلك تظن أَن ذَلِك نُقْصَان فِي
معنى الرَّحْمَة فَاعْلَم أَن ذَلِك كَمَال وَلَيْسَ بِنُقْصَان فِي معنى الرَّحْمَة
أما أَنه لَيْسَ بِنُقْصَان فَمن حَيْثُ أَن كَمَال الرَّحْمَة بِكَمَال ثَمَرَتهَا وَمهما قضيت حَاجَة الْمُحْتَاج بكمالها لم يكن للمرحوم حَظّ فِي تألم الراحم وتفجعه وَإِنَّمَا تألم الراحم لضعف نَفسه ونقصانها وَلَا يزِيد ضعفها فِي غَرَض الْمُحْتَاج شَيْئا بعد أَن قضيت كَمَال حَاجته
وَأما أَنه كَمَال فِي معنى الرَّحْمَة فَهُوَ أَن الرَّحِيم عَن رقة وتألم يكَاد يقْصد بِفِعْلِهِ دفع ألم الرقة عَن نَفسه فَيكون قد نظر لنَفسِهِ وسعى فِي غَرَض نَفسه وَذَلِكَ ينقص عَن كَمَال معنى الرَّحْمَة بل كَمَال الرَّحْمَة أَن يكون نظره إِلَى المرحوم لأجل المرحوم لَا لأجل الاسْتِرَاحَة من ألم الرقة فَائِدَة
الرَّحْمَن أخص من الرَّحِيم وَلذَلِك لَا يُسمى بِهِ غير الله ﷿
والرحيم قد يُطلق على غَيره فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من اسْم الله تعلى الْجَارِي مجْرى الْعلم وَإِن كَانَ هَذَا مشتقا من الرَّحْمَة قطعا وَلذَلِك جمع الله ﷿ بَينهمَا فَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء / الْآيَة ١١٠ فَيلْزم من هَذَا الْوَجْه وَمن حَيْثُ منعنَا الترادف فِي الْأَسْمَاء المحصاة أَن يفرق بَين معنى الاسمين فبالحري أَن يكون الْمَفْهُوم من الرَّحْمَن نوعا من الرَّحْمَة هِيَ أبعد من مقدروات الْعباد وَهِي مَا يتَعَلَّق بالسعادة الأخروية فالرحمن هُوَ العطوف على الْعباد بالإيجاد أَولا وبالهداية إِلَى الْإِيمَان وَأَسْبَاب السَّعَادَة ثَانِيًا وبالإسعاد فِي الْآخِرَة ثَالِثا والإنعام بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم رَابِعا
تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من اسْم الرَّحْمَن أَن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عَن طَرِيق الْغَفْلَة إِلَى الله ﷿ بالوعظ والنصح بطرِيق اللطف دون العنف وَأَن ينظر إِلَى العصاة بِعَين الرَّحْمَة لَا بِعَين الإزراء وَأَن يكون كل مَعْصِيّة تجْرِي فِي الْعَالم كمصيبة لَهُ فِي نَفسه فَلَا يألو جهدا فِي إِزَالَتهَا بِقدر وَسعه رَحْمَة لذَلِك العَاصِي أَن يتَعَرَّض لسخط الله وَيسْتَحق الْبعد من جواره
وحظه من اسْم الرَّحِيم أَن لَا يدع فاقة لمحتاج إِلَّا يسدها بِقدر طاقته وَلَا يتْرك فَقِيرا فِي جواره وبلده إِلَّا وَيقوم بتعهده وَدفع فقره إِمَّا بِمَالِه أَو جاهه أَو السَّعْي فِي حَقه بالشفاعة إِلَى غَيره فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك فيعينه بِالدُّعَاءِ وَإِظْهَار الْحزن بِسَبَب حَاجته رقة عَلَيْهِ وعطفا حَتَّى كَأَنَّهُ مساهم لَهُ فِي ضره وَحَاجته سُؤال وَجَوَابه
لَعَلَّك تَقول مَا معنى كَونه تَعَالَى رحِيما وَكَونه أرْحم الرَّاحِمِينَ والرحيم لَا يرى مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وَهُوَ يقدر على إمَاطَة مَا بهم إِلَّا ويبادر إِلَى إماطته والرب ﷾ قَادر على كِفَايَة كل بلية وَدفع كل فقر وغمة وإماطة كل مرض وَإِزَالَة كل ضَرَر وَالدُّنْيَا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وَهُوَ قَادر على إِزَالَة جَمِيعهَا وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن
فجوابك إِن الطِّفْل الصَّغِير قد ترق لَهُ أمه فتمنعه عَن الْحجامَة وَالْأَب الْعَاقِل يحملهُ عَلَيْهَا قهرا وَالْجَاهِل يظنّ أَن الرَّحِيم هِيَ الْأُم دون الْأَب والعاقل يعلم أَن إيلام الْأَب إِيَّاه بالحجامة من كَمَال رَحمته وَعطفه وَتَمام شفقته وَأَن الْأُم لَهُ عَدو فِي صُورَة صديق فَإِن الْأَلَم الْقَلِيل إِذا كَانَ سَببا للذة الْكَثِيرَة لم يكن شرا بل كَانَ خيرا
والرحيم يُرِيد الْخَيْر للمرحوم لَا محَالة وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ إِلَّا وَفِي ضمنه خير لَو رفع ذَلِك الشَّرّ لبطل الْخَيْر الَّذِي فِي ضمنه وَحصل بِبُطْلَانِهِ شرا أعظم من الشَّرّ الَّذِي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعهَا شَرّ فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه الْخَيْر الجزيل وَهُوَ سَلامَة الْبدن وَلَو ترك قطع الْيَد لحصل هَلَاك الْبدن ولكان الشَّرّ أعظم وَقطع الْيَد لأجل سَلامَة الْبدن شَرّ فِي ضمنه خير وَلَكِن المُرَاد الأول السَّابِق إِلَى نظر الْقَاطِع السَّلامَة الَّتِي هِيَ خير مَحْض ثمَّ لما كَانَ السَّبِيل إِلَيْهِ قطع الْيَد قصد قطع الْيَد لأَجله فَكَانَت السَّلامَة مَطْلُوبَة لذاتها أَولا وَالْقطع مَطْلُوبا لغيره ثَانِيًا لَا لذاته فهما داخلان تَحت الْإِرَادَة وَلَكِن أَحدهمَا مُرَاد لذاته وَالْآخر مُرَاد لغيره وَالْمرَاد لذاته قبل المُرَاد لغيره ولأجله قَالَ الله ﷿ سبقت رَحْمَتي غَضَبي فغضبه إِرَادَته للشر وَالشَّر بإرادته وَرَحمته إِرَادَته للخير وَالْخَيْر بإرادته وَلَكِن إِذا أَرَادَ الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته وَلَكِن لما فِي ضمنه من الْخَيْر فالخير مقضي بِالذَّاتِ وَالشَّر مقضي بِالْعرضِ وكل بِقدر وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُنَافِي الرَّحْمَة أصلا
فَالْآن إِن خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى تَحْتَهُ خيرا أَو خطر لَك أَنه كَانَ تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر مُمكنا لَا فِي ضمن الشَّرّ فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي أحد الخاطرين
أما فِي قَوْلك إِن هَذَا الشَّرّ لَا خير تَحْتَهُ فَإِن هَذَا مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن مَعْرفَته ولعلك فِيهِ مثل الصَّبِي الَّذِي يرى الْحجامَة شرا مَحْضا أَو مثل الغبي الَّذِي يرى الْقَتْل قصاصا شرا مَحْضا لِأَنَّهُ ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول لِأَنَّهُ فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي للْغَيْر أَن يهمله
أَو اتهمَ عقلك فِي الخاطر الثَّانِي وَهُوَ قَوْلك إِن تَحْصِيل ذَلِك لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ مُمكن فَإِن هَذَا أَيْضا دَقِيق غامض فَلَيْسَ كل محَال وممكن مِمَّا يدْرك إِمْكَانه واستحالته بالبديهة وَلَا بِالنّظرِ الْقَرِيب بل رُبمَا عرف ذَلِك بِنَظَر غامض دَقِيق يقصر عَنهُ الْأَكْثَرُونَ
فاتهم عقلك فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَلَا تشكن أصلا فِي أَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَفِي أَنه سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر لَا للخير غير مُسْتَحقّ لاسم الرَّحْمَة وَتَحْت هَذَا الغطاء سر منع الشَّرْع عَن إفشائه فاقنع بِالْإِيمَاءِ وَلَا تطمع فِي الإفشاء وَلَقَد نبهت بالرمز والإيماء إِن كنت من أَهله فَتَأمل
لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي
هَذَا حكم الْأَكْثَرين وَأما أَنْت أَيهَا الْأَخ الْمَقْصُود بالشرح فَلَا أَظُنك إِلَّا مستبصرا بسر الله ﷿ فِي الْقدر مستغنيا عَن هَذِه التحويمات والتنبيهات
الْملك هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي فِي ذَاته وَصِفَاته عَن كل مَوْجُود وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل مَوْجُود بل لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ شَيْء فِي شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي وجوده وَلَا فِي بَقَائِهِ بل كل شَيْء فوجوده مِنْهُ أَو مِمَّا هُوَ مِنْهُ فَكل شَيْء سواهُ هُوَ لَهُ مَمْلُوك فِي ذَاته وَصِفَاته وَهُوَ مستغن عَن كل شَيْء فَهَذَا هُوَ الْملك مُطلقًا تَنْبِيه
العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون ملكا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ أبدا فَقير
إِلَى الله تَعَالَى وَإِن اسْتغنى عَمَّن سواهُ وَلَا يتَصَوَّر أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء بل يَسْتَغْنِي عَنهُ أَكثر الموجودات وَلَكِن لما تصور أَن يَسْتَغْنِي عَن بعض الْأَشْيَاء وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ بعض الْأَشْيَاء كَانَ لَهُ شوب من الْملك
فالملك من الْعباد هُوَ الَّذِي لَا يملكهُ إِلَّا الله تَعَالَى بل يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله ﷿ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يملك مَمْلَكَته بِحَيْثُ يطيعه فِيهَا جُنُوده ورعاياه وَإِنَّمَا مَمْلَكَته الْخَاصَّة بِهِ قلبه وقالبه وجنده شَهْوَته وغضبه وهواه ورعيته لِسَانه وَعَيناهُ ويداه وَسَائِر أَعْضَائِهِ فَإِذا ملكهَا وَلم تملكه وأطاعته وَلم يطعها فقد نَالَ دَرَجَة الْملك فِي عالمه فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ استغناؤه عَن كل النَّاس وَاحْتَاجَ النَّاس كلهم إِلَيْهِ فِي حياتهم العاجلة والآجلة فَهُوَ الْملك فِي عَالم الأَرْض
وَتلك رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم استغنوا فِي الْهِدَايَة إِلَى الْحَيَاة الْآخِرَة عَن كل أحد إِلَّا عَن الله ﷿ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم كل أحد ويليهم فِي هَذَا الْملك الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا ملكهم بِقدر قدرتهم على إرشاد الْعباد واستغنائهم عَن الاسترشاد
وبهذه الصِّفَات يقرب العَبْد من الْمَلَائِكَة فِي الصِّفَات ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بهَا وَهَذَا الْملك عَطِيَّة للْعَبد من الْملك الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي ملكه
وَلَقَد صدق بعض العارفين لما قَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء سلني حَاجَتك حَيْثُ قَالَ أوتقول لي هَذَا ولي عَبْدَانِ هما سيداك فَقَالَ وَمن هما قَالَ الْحِرْص والهوى فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وَقَالَ بَعضهم لبَعض الشُّيُوخ أوصني فَقَالَ لَهُ كن ملكا فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة قَالَ وَكَيف أفعل ذَلِك فَقَالَ ازهد فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة مَعْنَاهُ اقْطَعْ حَاجَتك وشهوتك عَن الدُّنْيَا فَإِن الْملك فِي الْحُرِّيَّة والاستغناء
القدوس
هُوَ المنزه عَن كل وصف يُدْرِكهُ حس أَو يتصوره خيال أَو يسْبق إِلَيْهِ وهم أَو يختلج بِهِ ضمير أَو يقْضِي بِهِ تفكير وَلست أَقُول منزه عَن الْعُيُوب والنقائص فَإِن ذكر ذَلِك يكَاد يقرب من ترك الْأَدَب فَلَيْسَ من الْأَدَب أَن يَقُول الْقَائِل ملك الْبَلَد لَيْسَ بحائك ولاحجام فَإِن نفي الْوُجُود يكَاد يُوهم إِمْكَان الْوُجُود وَفِي ذَلِك الْإِيهَام نقص
بل أَقُول القدوس هُوَ المنزه عَن كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال الَّذِي يَظُنّهُ أَكثر الْخلق كمالا فِي حَقه لِأَن الْخلق أَولا نظرُوا إِلَى أنفسهم وَعرفُوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إِلَى مَا هُوَ كَمَال وَلكنه فِي حَقهم مثل علمهمْ وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وَكَلَامهم وإرادتهم واختيارهم وَوَضَعُوا هَذِه الْأَلْفَاظ بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي وَقَالُوا إِن هَذِه هِيَ أَسمَاء الْكَمَال وَإِلَى مَا هُوَ نقص فِي حَقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي هَذِه الْأَلْفَاظ
ثمَّ كَانَ غايتهم فِي الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَوَصفه أَن وصفوه بِمَا هُوَ أَوْصَاف كمالهم من علم وقدرة وَسمع وبصر وَكَلَام وَأَن نفوا عَنهُ مَا هُوَ أَوْصَاف نقصهم وَالله ﷾ منزه عَن أَوْصَاف كمالهم كَمَا أَنه منزه عَن أَوْصَاف نقصهم بل كل صفة تتَصَوَّر لِلْخلقِ فَهُوَ منزه ومقدس عَنْهَا وَعَما يشبهها ويماثلها وَلَوْلَا وُرُود الرُّخْصَة وَالْإِذْن بإطلاقها لم يجز إِطْلَاق أَكْثَرهَا وَقد فهمت معنى هَذَا فِي الْفَصْل الرَّابِع من فُصُول الْمُقدمَات فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة تَنْبِيه
قدس العَبْد فِي أَن ينزه إِرَادَته وَعلمه أما علمه فينزهه عَن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل مَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْبَهَائِم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وتطواف علمه حول الْأُمُور الأزلية الإلهية المنزهة عَن أَن تقرب فتدرك بالحس أَو تبعد فتغيب عَن الْحس بل يصير متجردا فِي نَفسه عَن المحسوسات
Translation
الرحمن الرحيم
#8
Chapter 8 — السلام
· ref. #8
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
والمتخيلات كلهَا ويقتني من الْعُلُوم مَا لَو سلب آلَة حسه وتخيله بَقِي ريانا بالعلوم الشَّرِيفَة الْكُلية الإلهية الْمُتَعَلّقَة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة
وَأما إِرَادَته فينزهها عَن أَن تَدور حول الحظوظ البشرية الَّتِي ترجع إِلَى لَذَّة الشَّهْوَة وَالْغَضَب ومتعة الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وَمَا لَا يصل إِلَيْهِ من اللَّذَّات إِلَّا بِوَاسِطَة الْحس وَالْقلب بل لَا يُرِيد إِلَّا الله ﷿ وَلَا يبْقى لَهُ حَظّ إِلَّا فِيهِ وَلَا يكون لَهُ شوق إِلَّا إِلَى لِقَائِه وَلَا فَرح إِلَّا بِالْقربِ مِنْهُ وَلَو عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَمَا فِيهَا من النَّعيم لم تلْتَفت همته إِلَيْهَا وَلم يقنع من الدَّار إِلَّا بِرَبّ الدَّار
وعَلى الْجُمْلَة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك الْبَهَائِم فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يترقى عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ من خَواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم الْبَهَائِم أَيْضا فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يتنزه عَنْهَا فجلالة المريد على قدر جلالة مُرَاده
وَمن همته مَا يدْخل فِي بَطْنه فَقيمته مَا يخرج مِنْهُ وَمن لم يكن لَهُ همة سوى الله ﷿ فدرجته على قدر همته وَمن رقى علمه عَن دَرَجَة المتخيلات والمحسوسات وَقدس إِرَادَته عَن مُقْتَضى الشَّهَوَات فقد نزل بحبوحة حَظِيرَة الْقُدس
السَّلَام
هُوَ الَّذِي تسلم ذَاته عَن الْعَيْب وَصِفَاته عَن النَّقْص وأفعاله عَن الشَّرّ حَتَّى إِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن فِي الْوُجُود سَلامَة إِلَّا وَكَانَت معزية إِلَيْهِ صادرة مِنْهُ وَقد فهمت أَن أَفعاله تَعَالَى سَالِمَة عَن الشَّرّ أَعنِي الشَّرّ الْمُطلق المُرَاد لذاته لَا لخير حَاصِل فِي ضمنه أعظم مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ بِهَذِهِ الصّفة كَمَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ إِلَّا لله سُبْحَانَهُ
وَأما إِرَادَته فينزهها عَن أَن تَدور حول الحظوظ البشرية الَّتِي ترجع إِلَى لَذَّة الشَّهْوَة وَالْغَضَب ومتعة الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وَمَا لَا يصل إِلَيْهِ من اللَّذَّات إِلَّا بِوَاسِطَة الْحس وَالْقلب بل لَا يُرِيد إِلَّا الله ﷿ وَلَا يبْقى لَهُ حَظّ إِلَّا فِيهِ وَلَا يكون لَهُ شوق إِلَّا إِلَى لِقَائِه وَلَا فَرح إِلَّا بِالْقربِ مِنْهُ وَلَو عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَمَا فِيهَا من النَّعيم لم تلْتَفت همته إِلَيْهَا وَلم يقنع من الدَّار إِلَّا بِرَبّ الدَّار
وعَلى الْجُمْلَة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك الْبَهَائِم فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يترقى عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ من خَواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم الْبَهَائِم أَيْضا فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يتنزه عَنْهَا فجلالة المريد على قدر جلالة مُرَاده
وَمن همته مَا يدْخل فِي بَطْنه فَقيمته مَا يخرج مِنْهُ وَمن لم يكن لَهُ همة سوى الله ﷿ فدرجته على قدر همته وَمن رقى علمه عَن دَرَجَة المتخيلات والمحسوسات وَقدس إِرَادَته عَن مُقْتَضى الشَّهَوَات فقد نزل بحبوحة حَظِيرَة الْقُدس
السَّلَام
هُوَ الَّذِي تسلم ذَاته عَن الْعَيْب وَصِفَاته عَن النَّقْص وأفعاله عَن الشَّرّ حَتَّى إِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن فِي الْوُجُود سَلامَة إِلَّا وَكَانَت معزية إِلَيْهِ صادرة مِنْهُ وَقد فهمت أَن أَفعاله تَعَالَى سَالِمَة عَن الشَّرّ أَعنِي الشَّرّ الْمُطلق المُرَاد لذاته لَا لخير حَاصِل فِي ضمنه أعظم مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ بِهَذِهِ الصّفة كَمَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ إِلَّا لله سُبْحَانَهُ
Translation
السلام
#9
Chapter 9 — المؤمن
· ref. #9
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
تَنْبِيه
كل عبد سلم عَن الْغِشّ والحقد والحسد وَإِرَادَة الشَّرّ قلبه وسلمت عَن الآثام والمحظورات جوارحه وَسلم عَن الانتكاس والانعكاس صِفَاته فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي الله تَعَالَى بقلب سليم وَهُوَ السَّلَام من الْعباد الْقَرِيب فِي وَصفه من السَّلَام الْمُطلق الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي صفته
وأعني بالانتكاس فِي صِفَاته أَن يكون عقله أَسِير شَهْوَته وغضبه إِذْ الْحق عَكسه وَهُوَ أَن تكون الشَّهْوَة وَالْغَضَب أَسِير الْعقل وطوعه فَإِذا انعكس فقد انتكس وَلَا سَلامَة حَيْثُ يصير الْأَمِير مَأْمُورا وَالْملك عبدا وَلنْ يُوصف بِالسَّلَامِ وَالْإِسْلَام إِلَّا من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده فَكيف يُوصف بِهِ من لم يسلم هُوَ من نَفسه
الْمُؤمن
هُوَ الَّذِي يعزى إِلَيْهِ الْأَمْن والأمان بإفادته أَسبَابه وسده طرق المخاوف وَلَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا فِي مَحل الْخَوْف وَلَا خوف إِلَّا عِنْد إِمْكَان الْعَدَم وَالنَّقْص والهلاك وَالْمُؤمن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا وَيكون مستفادا من جِهَته وَهُوَ الله ﷾
وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَعْمَى يخَاف أَن يَنَالهُ هَلَاك من حَيْثُ لَا يرى فعينه البصيرة تفيده أمنا مِنْهُ والأقطع يخَاف آفَة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْيَدِ فاليد السليمة أَمَان مِنْهَا وَهَكَذَا جَمِيع الْحَواس والأطراف وَالْمُؤمن خَالِقهَا ومصورها ومقويها
وَلَو قَدرنَا إنْسَانا وَحده مَطْلُوبا من جِهَة أعدائه وَهُوَ ملقى فِي مضيعة لَا تتحرك عَلَيْهِ أعضاؤه لضَعْفه وَإِن تحركت فَلَا سلَاح مَعَه وَإِن كَانَ مَعَه سلَاح لم يُقَاوم أعداءه وَحده وَإِن كَانَ لَهُ جنود لم يَأْمَن أَن تنكسر جُنُوده وَلَا يجد حصنا يأوي إِلَيْهِ فجَاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجُنُوده وأسلحته
وَبنى حوله حصنا حصينا فقد أَفَادَهُ أمنا وأمانا فالبحري أَن يُسمى مُؤمنا فِي حَقه
وَالْعَبْد ضَعِيف فِي أصل فطرته وَهُوَ عرضة الْأَمْرَاض والجوع والعطش من بَاطِنه وعرضة الْآفَات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظَاهره وَلم يُؤمنهُ من هَذِه المخاوف إِلَّا الَّذِي أعد الْأَدْوِيَة نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عَن بدنه والحواس جواسيس منذرة بِمَا يقرب من مهلكاته ثمَّ خَوفه الْأَعْظَم من هَلَاك الْآخِرَة وَلَا يحصنه عَنهُ إِلَّا كلمة التَّوْحِيد وَالله ﷾ هاديه إِلَيْهَا ومرغبه فِيهَا حَيْثُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن دخل حصني أَمن عَذَابي فَلَا أَمن فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ مُسْتَفَاد بِأَسْبَاب هُوَ متفرد بخلقها وَالْهِدَايَة إِلَى اسْتِعْمَالهَا فَهُوَ الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى فَهُوَ الْمُؤمن الْمُطلق حَقًا تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَالْوَصْف أَن يَأْمَن الْخلق كلهم جَانِبه بل يَرْجُو كل خَائِف الاعتضاد بِهِ فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه فِي دينه ودنياه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليأمن جَاره بوائقه وأحق الْعباد باسم الْمُؤمن من كَانَ سَببا لأمن الْخلق من عَذَاب الله بالهداية إِلَى طَرِيق الله ﷿ والإرشاد إِلَى سَبِيل النجَاة وَهَذِه حِرْفَة الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء
كل عبد سلم عَن الْغِشّ والحقد والحسد وَإِرَادَة الشَّرّ قلبه وسلمت عَن الآثام والمحظورات جوارحه وَسلم عَن الانتكاس والانعكاس صِفَاته فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي الله تَعَالَى بقلب سليم وَهُوَ السَّلَام من الْعباد الْقَرِيب فِي وَصفه من السَّلَام الْمُطلق الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي صفته
وأعني بالانتكاس فِي صِفَاته أَن يكون عقله أَسِير شَهْوَته وغضبه إِذْ الْحق عَكسه وَهُوَ أَن تكون الشَّهْوَة وَالْغَضَب أَسِير الْعقل وطوعه فَإِذا انعكس فقد انتكس وَلَا سَلامَة حَيْثُ يصير الْأَمِير مَأْمُورا وَالْملك عبدا وَلنْ يُوصف بِالسَّلَامِ وَالْإِسْلَام إِلَّا من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده فَكيف يُوصف بِهِ من لم يسلم هُوَ من نَفسه
الْمُؤمن
هُوَ الَّذِي يعزى إِلَيْهِ الْأَمْن والأمان بإفادته أَسبَابه وسده طرق المخاوف وَلَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا فِي مَحل الْخَوْف وَلَا خوف إِلَّا عِنْد إِمْكَان الْعَدَم وَالنَّقْص والهلاك وَالْمُؤمن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا وَيكون مستفادا من جِهَته وَهُوَ الله ﷾
وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَعْمَى يخَاف أَن يَنَالهُ هَلَاك من حَيْثُ لَا يرى فعينه البصيرة تفيده أمنا مِنْهُ والأقطع يخَاف آفَة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْيَدِ فاليد السليمة أَمَان مِنْهَا وَهَكَذَا جَمِيع الْحَواس والأطراف وَالْمُؤمن خَالِقهَا ومصورها ومقويها
وَلَو قَدرنَا إنْسَانا وَحده مَطْلُوبا من جِهَة أعدائه وَهُوَ ملقى فِي مضيعة لَا تتحرك عَلَيْهِ أعضاؤه لضَعْفه وَإِن تحركت فَلَا سلَاح مَعَه وَإِن كَانَ مَعَه سلَاح لم يُقَاوم أعداءه وَحده وَإِن كَانَ لَهُ جنود لم يَأْمَن أَن تنكسر جُنُوده وَلَا يجد حصنا يأوي إِلَيْهِ فجَاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجُنُوده وأسلحته
وَبنى حوله حصنا حصينا فقد أَفَادَهُ أمنا وأمانا فالبحري أَن يُسمى مُؤمنا فِي حَقه
وَالْعَبْد ضَعِيف فِي أصل فطرته وَهُوَ عرضة الْأَمْرَاض والجوع والعطش من بَاطِنه وعرضة الْآفَات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظَاهره وَلم يُؤمنهُ من هَذِه المخاوف إِلَّا الَّذِي أعد الْأَدْوِيَة نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عَن بدنه والحواس جواسيس منذرة بِمَا يقرب من مهلكاته ثمَّ خَوفه الْأَعْظَم من هَلَاك الْآخِرَة وَلَا يحصنه عَنهُ إِلَّا كلمة التَّوْحِيد وَالله ﷾ هاديه إِلَيْهَا ومرغبه فِيهَا حَيْثُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن دخل حصني أَمن عَذَابي فَلَا أَمن فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ مُسْتَفَاد بِأَسْبَاب هُوَ متفرد بخلقها وَالْهِدَايَة إِلَى اسْتِعْمَالهَا فَهُوَ الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى فَهُوَ الْمُؤمن الْمُطلق حَقًا تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَالْوَصْف أَن يَأْمَن الْخلق كلهم جَانِبه بل يَرْجُو كل خَائِف الاعتضاد بِهِ فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه فِي دينه ودنياه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليأمن جَاره بوائقه وأحق الْعباد باسم الْمُؤمن من كَانَ سَببا لأمن الْخلق من عَذَاب الله بالهداية إِلَى طَرِيق الله ﷿ والإرشاد إِلَى سَبِيل النجَاة وَهَذِه حِرْفَة الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء
Translation
المؤمن
#10
Chapter 10 — المهيمن
· ref. #10
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم تتهافتون فِي النَّار تهافت الْفراش وَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ خيال وتنبيه
لَعَلَّك تَقول الْخَوْف على الْحَقِيقَة من الله تَعَالَى فَلَا مخوف إِلَّا إِيَّاه فَهُوَ الَّذِي خوف عباده وَهُوَ الَّذِي خلق أَسبَاب الْخَوْف فَكيف ينْسب إِلَيْهِ الْأَمْن
فجوابك إِن الْخَوْف مِنْهُ والأمن مِنْهُ وَهُوَ خَالق سَبَب الْأَمْن وَالْخَوْف جَمِيعًا وَكَونه مخوفا لَا يمْنَع كَونه مُؤمنا كَمَا أَن كَونه مذلا لم يمْنَع كَونه معزا بل هُوَ الْمعز والمذل وَكَونه خَافِضًا لم يمْنَع كَونه رَافعا بل هُوَ الْخَافِض الرافع فَكَذَلِك هُوَ الْمُؤمن الْمخوف لَكِن الْمُؤمن ورد التَّوْقِيف بِهِ خَاصَّة دون الْمخوف
الْمُهَيْمِن
مَعْنَاهُ فِي حق الله ﷿ أَنه الْقَائِم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وَإِنَّمَا قِيَامه عَلَيْهِم باطلاعه واستيلائه وَحفظه وكل مشرف على كنه الْأَمر مستول عَلَيْهِ حَافظ لَهُ فَهُوَ مهيمن عَلَيْهِ والإشراف يرجع إِلَى الْعلم والاستيلاء إِلَى كَمَال الْقُدْرَة وَالْحِفْظ إِلَى الْفِعْل فالجامع بَين هَذِه الْمعَانِي اسْمه المهين وَلنْ يجْتَمع ذَلِك على الْإِطْلَاق والكمال إِلَّا لله ﷿ وَلذَلِك قيل إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى فِي الْكتب الْقَدِيمَة تَنْبِيه
كل عبد راقب قلبه حَتَّى أشرف على أغواره وأسراره وَاسْتولى مَعَ ذَلِك على
لَعَلَّك تَقول الْخَوْف على الْحَقِيقَة من الله تَعَالَى فَلَا مخوف إِلَّا إِيَّاه فَهُوَ الَّذِي خوف عباده وَهُوَ الَّذِي خلق أَسبَاب الْخَوْف فَكيف ينْسب إِلَيْهِ الْأَمْن
فجوابك إِن الْخَوْف مِنْهُ والأمن مِنْهُ وَهُوَ خَالق سَبَب الْأَمْن وَالْخَوْف جَمِيعًا وَكَونه مخوفا لَا يمْنَع كَونه مُؤمنا كَمَا أَن كَونه مذلا لم يمْنَع كَونه معزا بل هُوَ الْمعز والمذل وَكَونه خَافِضًا لم يمْنَع كَونه رَافعا بل هُوَ الْخَافِض الرافع فَكَذَلِك هُوَ الْمُؤمن الْمخوف لَكِن الْمُؤمن ورد التَّوْقِيف بِهِ خَاصَّة دون الْمخوف
الْمُهَيْمِن
مَعْنَاهُ فِي حق الله ﷿ أَنه الْقَائِم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وَإِنَّمَا قِيَامه عَلَيْهِم باطلاعه واستيلائه وَحفظه وكل مشرف على كنه الْأَمر مستول عَلَيْهِ حَافظ لَهُ فَهُوَ مهيمن عَلَيْهِ والإشراف يرجع إِلَى الْعلم والاستيلاء إِلَى كَمَال الْقُدْرَة وَالْحِفْظ إِلَى الْفِعْل فالجامع بَين هَذِه الْمعَانِي اسْمه المهين وَلنْ يجْتَمع ذَلِك على الْإِطْلَاق والكمال إِلَّا لله ﷿ وَلذَلِك قيل إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى فِي الْكتب الْقَدِيمَة تَنْبِيه
كل عبد راقب قلبه حَتَّى أشرف على أغواره وأسراره وَاسْتولى مَعَ ذَلِك على
Translation
المهيمن
#11
Chapter 11 — العزيز
· ref. #11
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
تَقْوِيم أَحْوَاله وأوصافه وَقَامَ بحفظها على الدَّوَام على مُقْتَضى تقويمه فَهُوَ مهيمن بِالْإِضَافَة إِلَى قلبه فَإِن اتَّسع إشرافه واستيلاؤه حَتَّى قَامَ بِحِفْظ بعض عباد الله ﷿ على نهج السداد بعد اطِّلَاعه على بواطنهم وأسرارهم بطرِيق التفرس وَالِاسْتِدْلَال بظواهرهم كَانَ نصِيبه من هَذَا الْمَعْنى أوفر وحظه أَكثر
الْعَزِيز
هُوَ الخطير الَّذِي يقل وجود مثله وتشتد الْحَاجة إِلَيْهِ ويصعب الْوُصُول إِلَيْهِ فَمَا لم يجْتَمع عَلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة لم يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْعَزِيز فكم من شَيْء يقل وجوده وَلَكِن إِذا لم يعظم خطره وَلم يكثر نَفعه لم يسم عَزِيزًا وَكم من شئ يعظم خطره وَيكثر نَفعه وَلَا يُوجد نَظِيره وَلَكِن إِذا لم يصعب الْوُصُول إِلَيْهِ لم يسم عَزِيزًا كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهُ لَا نَظِير لَهَا وَالْأَرْض كَذَلِك والنفع عَظِيم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْحَاجة شَدِيدَة إِلَيْهِمَا وَلَكِن لَا يوصفان بِالْعِزَّةِ لِأَنَّهُ لَا يصعب الْوُصُول إِلَى مشاهدتهما فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْمعَانِي الثَّلَاثَة
ثمَّ فِي كل وَاحِد من الْمعَانِي الثَّلَاثَة كَمَال ونقصان والكمال فِي قلَّة الْوُجُود أَن يرجع إِلَى وَاحِد إِذْ لَا أقل من الْوَاحِد وَيكون بِحَيْثُ يَسْتَحِيل وجود مثله وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن الشَّمْس وَإِن كَانَت وَاحِدَة فِي الْوُجُود فَلَيْسَتْ وَاحِدَة فِي الْإِمْكَان فَيمكن وجود مثلهَا فِي الْكَمَال والنفاسة وَشدَّة الْحَاجة أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فِي كل شَيْء حَتَّى فِي وجوده وبقائه وَصِفَاته وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ والكمال فِي صعوبة المنال أَن يَسْتَحِيل الْوُصُول إِلَيْهِ على معنى الْإِحَاطَة بكنهه وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا يعرف الله إِلَّا الله فَهُوَ الْعَزِيز الْمُطلق الْحق لَا يوازيه فِيهِ غَيره
الْعَزِيز
هُوَ الخطير الَّذِي يقل وجود مثله وتشتد الْحَاجة إِلَيْهِ ويصعب الْوُصُول إِلَيْهِ فَمَا لم يجْتَمع عَلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة لم يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْعَزِيز فكم من شَيْء يقل وجوده وَلَكِن إِذا لم يعظم خطره وَلم يكثر نَفعه لم يسم عَزِيزًا وَكم من شئ يعظم خطره وَيكثر نَفعه وَلَا يُوجد نَظِيره وَلَكِن إِذا لم يصعب الْوُصُول إِلَيْهِ لم يسم عَزِيزًا كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهُ لَا نَظِير لَهَا وَالْأَرْض كَذَلِك والنفع عَظِيم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْحَاجة شَدِيدَة إِلَيْهِمَا وَلَكِن لَا يوصفان بِالْعِزَّةِ لِأَنَّهُ لَا يصعب الْوُصُول إِلَى مشاهدتهما فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْمعَانِي الثَّلَاثَة
ثمَّ فِي كل وَاحِد من الْمعَانِي الثَّلَاثَة كَمَال ونقصان والكمال فِي قلَّة الْوُجُود أَن يرجع إِلَى وَاحِد إِذْ لَا أقل من الْوَاحِد وَيكون بِحَيْثُ يَسْتَحِيل وجود مثله وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن الشَّمْس وَإِن كَانَت وَاحِدَة فِي الْوُجُود فَلَيْسَتْ وَاحِدَة فِي الْإِمْكَان فَيمكن وجود مثلهَا فِي الْكَمَال والنفاسة وَشدَّة الْحَاجة أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فِي كل شَيْء حَتَّى فِي وجوده وبقائه وَصِفَاته وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ والكمال فِي صعوبة المنال أَن يَسْتَحِيل الْوُصُول إِلَيْهِ على معنى الْإِحَاطَة بكنهه وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله ﷿ فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا يعرف الله إِلَّا الله فَهُوَ الْعَزِيز الْمُطلق الْحق لَا يوازيه فِيهِ غَيره
Translation
العزيز
#12
Chapter 12 — الجبار
· ref. #12
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
تَنْبِيه
الْعَزِيز من الْعباد من يحْتَاج إِلَيْهِ عباد الله فِي أهم أُمُورهم وَهِي الْحَيَاة الأخروية والسعادة الأبدية وَذَلِكَ مِمَّا يقل لَا محَالة وجوده ويصعب إِدْرَاكه وَهَذِه رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ويشاركهم فِي الْعِزّ من ينْفَرد بِالْقربِ من درجتهم فِي عصره كالخلفاء وورثتهم من الْعلمَاء وَعزة كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر علو رتبته عَن سهولة النّيل والمشاركة وبقدر عنائه فِي إرشاد الْخلق
الْجَبَّار
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته على سَبِيل الْإِجْبَار فِي كل وَاحِد وَلَا تنفذ فِيهِ مَشِيئَة أحد الَّذِي لَا يخرج أحد من قَبضته وتقصر الْأَيْدِي دون حمى حَضرته فالجبار الْمُطلق هُوَ الله ﷾ فَإِنَّهُ يجْبر كل أحد وَلَا يجْبرهُ أحد وَلَا مثنوية فِي حَقه فِي الطَّرفَيْنِ تَنْبِيه
الْجَبَّار من الْعباد من ارْتَفع عَن الأتباع ونال دَرَجَة الاستتباع وَتفرد بعلو رتبته بِحَيْثُ يجْبر الْخلق بهيئته وَصورته على الِاقْتِدَاء بِهِ ومتابعته فِي سمته وَسيرَته فَيُفِيد الْخلق وَلَا يَسْتَفِيد ويؤثر وَلَا يتأثر ويستتبع وَلَا يتبع وَلَا يُشَاهِدهُ أحد إِلَّا ويفنى عَن مُلَاحظَة نَفسه وَيصير متشوقا إِلَيْهِ غير ملتفت إِلَى ذَاته وَلَا يطْمع أحد فِي استدراجه واستتباعه وَإِنَّمَا حظي بِهَذَا الْوَصْف سيد الْبشر ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ مُوسَى بن عمرَان حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر
الْعَزِيز من الْعباد من يحْتَاج إِلَيْهِ عباد الله فِي أهم أُمُورهم وَهِي الْحَيَاة الأخروية والسعادة الأبدية وَذَلِكَ مِمَّا يقل لَا محَالة وجوده ويصعب إِدْرَاكه وَهَذِه رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ويشاركهم فِي الْعِزّ من ينْفَرد بِالْقربِ من درجتهم فِي عصره كالخلفاء وورثتهم من الْعلمَاء وَعزة كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر علو رتبته عَن سهولة النّيل والمشاركة وبقدر عنائه فِي إرشاد الْخلق
الْجَبَّار
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته على سَبِيل الْإِجْبَار فِي كل وَاحِد وَلَا تنفذ فِيهِ مَشِيئَة أحد الَّذِي لَا يخرج أحد من قَبضته وتقصر الْأَيْدِي دون حمى حَضرته فالجبار الْمُطلق هُوَ الله ﷾ فَإِنَّهُ يجْبر كل أحد وَلَا يجْبرهُ أحد وَلَا مثنوية فِي حَقه فِي الطَّرفَيْنِ تَنْبِيه
الْجَبَّار من الْعباد من ارْتَفع عَن الأتباع ونال دَرَجَة الاستتباع وَتفرد بعلو رتبته بِحَيْثُ يجْبر الْخلق بهيئته وَصورته على الِاقْتِدَاء بِهِ ومتابعته فِي سمته وَسيرَته فَيُفِيد الْخلق وَلَا يَسْتَفِيد ويؤثر وَلَا يتأثر ويستتبع وَلَا يتبع وَلَا يُشَاهِدهُ أحد إِلَّا ويفنى عَن مُلَاحظَة نَفسه وَيصير متشوقا إِلَيْهِ غير ملتفت إِلَى ذَاته وَلَا يطْمع أحد فِي استدراجه واستتباعه وَإِنَّمَا حظي بِهَذَا الْوَصْف سيد الْبشر ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ مُوسَى بن عمرَان حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر
Translation
الجبار
#13
Chapter 13 — المتكبر
· ref. #13
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
المتكبر
Translation
المتكبر
#14
Chapter 14 — الخالق البارئ المصور
· ref. #14
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
المتكبر
هُوَ الَّذِي يرى الْكل حَقِيرًا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَاته وَلَا يرى العظمة والكبرياء إِلَّا لنَفسِهِ فَينْظر إِلَى غَيره نظر الْمُلُوك إِلَى العبيد فَإِن كَانَت هَذِه الرُّؤْيَة صَادِقَة كَانَ التكبر حَقًا وَكَانَ صَاحبهَا متكبرا حَقًا وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك على الْإِطْلَاق إِلَّا لله ﷿ وَإِن كَانَ ذَلِك التكبر والاستعظام بَاطِلا وَلم يكن مَا يرَاهُ من التفرد بالعظمة كَمَا يرَاهُ كَانَ التكبر بَاطِلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء لنَفسِهِ على الْخُصُوص دون غَيره كَانَت رُؤْيَته كَاذِبَة وَنَظره بَاطِلا إِلَّا الله ﷾ تَنْبِيه
المتكبر من الْعباد هُوَ الزَّاهِد الْعَارِف وَمعنى زهد الْعَارِف أَن يتنزه عَمَّا شغل سره عَن الْحق ويتكبر على كل شَيْء سوى الْحق ﷾ فَيكون مستحقرا للدنيا وَالْآخِرَة جَمِيعًا مترفعا عَن أَن يشْغلهُ كِلَاهُمَا عَن الْحق تَعَالَى
وزهد غير الْعَارِف مُعَاملَة ومعاوضة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بمتاع الدُّنْيَا مَتَاع الْآخِرَة فَيتْرك الشَّيْء عَاجلا طَمَعا فِي أضعافه آجلا وَإِنَّمَا هُوَ سلم ومبايعة وَمن استعبدته شَهْوَة الْمطعم والمنكح فَهُوَ حقير وَإِن كَانَ ذَلِك دَائِما وَإِنَّمَا المتكبر من يستحقر كل شَهْوَة وحظ يتَصَوَّر أَن يساهمه الْبَهَائِم فِيهَا وَالله أعلم
الْخَالِق البارئ المصور
قد يظنّ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مترادفة وَأَن الْكل يرجع إِلَى الْخلق والاختراع وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك بل كل مَا يخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فيفتقر إِلَى تَقْدِير أَولا وَإِلَى الإيجاد على وفْق التَّقْدِير ثَانِيًا وَإِلَى التَّصْوِير بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله ﷾ خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
وَهَذَا كالبناء مثلا فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى مُقَدّر يقدر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ من الْخشب وَاللَّبن ومساحة الأَرْض وَعدد الْأَبْنِيَة وطولها وعرضها وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ المهندس فيرسمه ويصوره ثمَّ يحْتَاج إِلَى بِنَاء يتَوَلَّى الْأَعْمَال الَّتِي عِنْدهَا يحدث أصُول الْأَبْنِيَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى مزين ينقش ظَاهره ويزين صورته فيتولاه غير الْبناء هَذِه هِيَ الْعَادة فِي التَّقْدِير وَالْبناء والتصوير وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَفعَال الله ﷿ بل هُوَ الْمُقدر والموجد والمزين فَهُوَ الْخَالِق البارئ المصور
ومثاله الْإِنْسَان وَهُوَ أحد مخلوقاته وَهُوَ مُحْتَاج فِي وجوده أَولا إِلَى أَن يقدر مَا مِنْهُ وجوده فَإِنَّهُ جسم مَخْصُوص فَلَا بُد من الْجِسْم أَولا حَتَّى يخصص بِالصِّفَاتِ كَمَا يحْتَاج الْبناء إِلَى آلَات حَتَّى يَبْنِي ثمَّ لَا يصلح لبنية الْإِنْسَان إِلَّا المَاء وَالتُّرَاب جَمِيعًا إِذْ التُّرَاب وَحده يَابِس مَحْض لَا ينثني وَلَا يَنْعَطِف فِي الحركات وَالْمَاء وَحده رطب مَحْض لَا يتماسك وَلَا ينْتَصب بل ينبسط فَلَا بُد أَن يمتزج الرطب باليابس حَتَّى يعتدل ويعبر عَنهُ بالطين ثمَّ لَا بُد من حرارة طابخة حَتَّى يستحكم مزج المَاء بِالتُّرَابِ وَلَا ينْفَصل فَلَا يتخلق الْإِنْسَان من الطين الْمَحْض بل من صلصال كالفخار والفخار هُوَ الطين المعجون بِالْمَاءِ الَّذِي قد عملت فِيهِ النَّار حَتَّى أحكمت مزاجه ثمَّ يحْتَاج إِلَى تَقْدِير المَاء والطين بِمِقْدَار مَخْصُوص فَإِنَّهُ إِن صغر مثلا لم تحصل مِنْهُ الْأَفْعَال الإنسانية بل كَانَ على قدر الذَّر والنمل فتسفيه الرِّيَاح ويهلكه أدنى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله ﷿
وكل ذَلِك يرجع إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ بِاعْتِبَار تَقْدِير هَذِه الْأُمُور خَالق وَبِاعْتِبَار الإيجاد على وفْق التَّقْدِير مُصَور وَبِاعْتِبَار مُجَرّد الإيجاد والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بارئ والإيجاد الْمُجَرّد شئ والإيجاد على وفْق التَّقْدِير شَيْء آخر وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يبعد رد الْخلق إِلَى مُجَرّد التَّقْدِير مَعَ أَن لَهُ فِي اللُّغَة
وَجها إِذْ الْعَرَب تسمي الْحذاء خَالِقًا لتقديره بعض طاقات النَّعْل على بعض وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري
فَأَما اسْم المصور فَهُوَ لَهُ من حَيْثُ رتب صور الْأَشْيَاء أحسن تَرْتِيب وصورها أحسن تَصْوِير وَهَذَا من أَوْصَاف الْفِعْل فَلَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا من يعلم صُورَة الْعَالم على الْجُمْلَة ثمَّ على التَّفْصِيل فَإِن الْعَالم كُله فِي حكم شخص وَاحِد مركب من أَعْضَاء متعاونة على الْغَرَض الْمَطْلُوب مِنْهُ وَإِنَّمَا أعضاؤه وأجزاؤه السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والأرضون وَمَا بَينهمَا من المَاء والهواء وَغَيرهمَا وَقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لَو غير ذَلِك التَّرْتِيب لبطل النظام فخصص بِجِهَة الفوق مَا يَنْبَغِي أَن يَعْلُو وبجهة السّفل مَا يَنْبَغِي أَن يسفل وكما أَن الْبناء يضع الْحِجَارَة أَسْفَل الْحِيطَان والخشب فَوْقهَا لَا بالِاتِّفَاقِ بل بالحكمة وَالْقَصْد لإِرَادَة الإحكام وَلَو قلب ذَلِك فَوضع الْحِجَارَة فَوق الْحِيطَان والخشب أَسْفَلهَا لانهدم الْبناء وَلم تثبت صورته أصلا
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم السَّبَب فِي علو الْكَوَاكِب وتسفل الأَرْض وَالْمَاء وَسَائِر أَنْوَاع التَّرْتِيب فِي الْأَجْزَاء الْعِظَام من أَجزَاء الْعَالم وَلَو ذَهَبْنَا نصف أَجزَاء الْعَالم ونحصيها ثمَّ نذْكر الْحِكْمَة فِي تركيبها لطال الْكَلَام وكل من كَانَ أوفر علما بِهَذَا التَّفْصِيل كَانَ أَكثر إحاطة بِمَعْنى اسْم المصور وَهَذَا التَّرْتِيب والتصوير مَوْجُود فِي كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم وَإِن صغر حَتَّى فِي النملة والذرة بل فِي كل عُضْو من أَعْضَاء النملة بل الْكَلَام يطول فِي شرح صُورَة الْعين الَّتِي هِيَ أَصْغَر عُضْو فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
إِلَّا بِالِاسْمِ الْمُجْمل وَهَكَذَا القَوْل فِي كل صُورَة لكل حَيَوَان ونبات بل لكل جُزْء من كل حَيَوَان ونبات تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يحصل فِي نَفسه صُورَة الْوُجُود كُله على هَيئته وترتيبه حَتَّى يُحِيط بهيئة الْعَالم وترتيبه كُله كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا ثمَّ ينزل من الْكل إِلَى التفاصيل فيشرف على صُورَة الْإِنْسَان من حَيْثُ بدنه وأعضائه الجسمانية فَيعلم أَنْوَاعهَا وعددها وتركيبها وَالْحكمَة فِي خلقهَا وترتيبها ثمَّ يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشَّرِيفَة الَّتِي بهَا إدراكاته وإرادته وَكَذَلِكَ يعرف صُورَة الْحَيَوَانَات وَصُورَة النَّبَات ظَاهرا وَبَاطنا بِقدر مَا فِي وَسعه حَتَّى يحصل نقش الْجَمِيع وَصورته فِي قلبه وكل ذَلِك يرجع إِلَى معرفَة صُورَة الجسمانيات وَهِي معرفَة مختصرة بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة تَرْتِيب الروحانيات وَفِيه يدْخل معرفَة الْمَلَائِكَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِبهمْ وَمَا وكل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من التَّصَرُّف فِي السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات
فَهَذَا حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَهُوَ اكْتِسَاب الصُّورَة العلمية الْمُطَابقَة للصورة الوجودية فَإِن الْعلم صُورَة فِي النَّفس مُطَابقَة للمعلوم وَعلم الله ﷿ بالصور سَبَب لوُجُود الصُّور فِي الْأَعْيَان وَالصُّورَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان سَبَب لحُصُول الصُّور العلمية فِي قلب الْإِنْسَان وَبِذَلِك يَسْتَفِيد العَبْد الْعلم بِمَعْنى اسْم المصور من أَسمَاء الله ﷾ وَيصير أَيْضا باكتساب الصُّورَة فِي نَفسه كَأَنَّهُ مُصَور وَإِن كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز فَإِن تِلْكَ الصُّور العلمية إِنَّمَا تحدث فِيهِ على التَّحْقِيق بِخلق الله تَعَالَى واختراعه لَا بِفعل العَبْد وَلَكِن العَبْد
يسْعَى فِي التَّعَرُّض لفيضان رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ ف ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ١٣ سُورَة الرَّعْد الْآيَة ١١ وَلذَلِك قَالَ ﷺ إِن لربكم فِي أَيَّام دهركم نفخات من رَحمته أَلا فتعرضوا لَهَا
وَأما الْخَالِق البارئ فَلَا مدْخل للْعَبد أَيْضا فِي هذَيْن الاسمين إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وَوَجهه أَن الْخلق والإيجاد يرجع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه
والأمور الْمَوْجُودَة تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يرتبط حُصُولهَا بقدرة الْعباد أصلا كالسماء وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك وَإِلَى مَا لَا حُصُول لَهَا إِلَّا بقدرة الْعباد وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَعمال الْعباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فَإِذا بلغ العَبْد فِي مجاهدة نَفسه بطرِيق الرياضة فِي سياستها وسياسة الْخلق مبلغا ينْفَرد فِيهَا باستنباط أُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَيقدر مَعَ ذَلِك على فعلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا كَانَ كالمخترع لما لم يكن لَهُ وجود من قبل إِذْ يُقَال لواضع الشطرنج إِنَّه الَّذِي وَضعه واخترعه حَيْثُ وضع مَا لم يسْبق إِلَيْهِ إِلَّا أَن وضع مَا لَا خير فِيهِ لَا يكون من صِفَات الْمَدْح
وَكَذَلِكَ فِي الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات الَّتِي هِيَ منبع الْخيرَات صور وترتيبات يتعلمها النَّاس بَعضهم من بعض ويرتقي لَا محَالة إِلَى أول مستنبط وَوَاضِع فَيكون ذَلِك الْوَاضِع كالمخترع لتِلْك الصُّورَة والخالق الْمُقدر لَهَا حَتَّى يجوز إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مجَازًا
هُوَ الَّذِي يرى الْكل حَقِيرًا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَاته وَلَا يرى العظمة والكبرياء إِلَّا لنَفسِهِ فَينْظر إِلَى غَيره نظر الْمُلُوك إِلَى العبيد فَإِن كَانَت هَذِه الرُّؤْيَة صَادِقَة كَانَ التكبر حَقًا وَكَانَ صَاحبهَا متكبرا حَقًا وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك على الْإِطْلَاق إِلَّا لله ﷿ وَإِن كَانَ ذَلِك التكبر والاستعظام بَاطِلا وَلم يكن مَا يرَاهُ من التفرد بالعظمة كَمَا يرَاهُ كَانَ التكبر بَاطِلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء لنَفسِهِ على الْخُصُوص دون غَيره كَانَت رُؤْيَته كَاذِبَة وَنَظره بَاطِلا إِلَّا الله ﷾ تَنْبِيه
المتكبر من الْعباد هُوَ الزَّاهِد الْعَارِف وَمعنى زهد الْعَارِف أَن يتنزه عَمَّا شغل سره عَن الْحق ويتكبر على كل شَيْء سوى الْحق ﷾ فَيكون مستحقرا للدنيا وَالْآخِرَة جَمِيعًا مترفعا عَن أَن يشْغلهُ كِلَاهُمَا عَن الْحق تَعَالَى
وزهد غير الْعَارِف مُعَاملَة ومعاوضة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بمتاع الدُّنْيَا مَتَاع الْآخِرَة فَيتْرك الشَّيْء عَاجلا طَمَعا فِي أضعافه آجلا وَإِنَّمَا هُوَ سلم ومبايعة وَمن استعبدته شَهْوَة الْمطعم والمنكح فَهُوَ حقير وَإِن كَانَ ذَلِك دَائِما وَإِنَّمَا المتكبر من يستحقر كل شَهْوَة وحظ يتَصَوَّر أَن يساهمه الْبَهَائِم فِيهَا وَالله أعلم
الْخَالِق البارئ المصور
قد يظنّ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مترادفة وَأَن الْكل يرجع إِلَى الْخلق والاختراع وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك بل كل مَا يخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فيفتقر إِلَى تَقْدِير أَولا وَإِلَى الإيجاد على وفْق التَّقْدِير ثَانِيًا وَإِلَى التَّصْوِير بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله ﷾ خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
وَهَذَا كالبناء مثلا فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى مُقَدّر يقدر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ من الْخشب وَاللَّبن ومساحة الأَرْض وَعدد الْأَبْنِيَة وطولها وعرضها وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ المهندس فيرسمه ويصوره ثمَّ يحْتَاج إِلَى بِنَاء يتَوَلَّى الْأَعْمَال الَّتِي عِنْدهَا يحدث أصُول الْأَبْنِيَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى مزين ينقش ظَاهره ويزين صورته فيتولاه غير الْبناء هَذِه هِيَ الْعَادة فِي التَّقْدِير وَالْبناء والتصوير وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَفعَال الله ﷿ بل هُوَ الْمُقدر والموجد والمزين فَهُوَ الْخَالِق البارئ المصور
ومثاله الْإِنْسَان وَهُوَ أحد مخلوقاته وَهُوَ مُحْتَاج فِي وجوده أَولا إِلَى أَن يقدر مَا مِنْهُ وجوده فَإِنَّهُ جسم مَخْصُوص فَلَا بُد من الْجِسْم أَولا حَتَّى يخصص بِالصِّفَاتِ كَمَا يحْتَاج الْبناء إِلَى آلَات حَتَّى يَبْنِي ثمَّ لَا يصلح لبنية الْإِنْسَان إِلَّا المَاء وَالتُّرَاب جَمِيعًا إِذْ التُّرَاب وَحده يَابِس مَحْض لَا ينثني وَلَا يَنْعَطِف فِي الحركات وَالْمَاء وَحده رطب مَحْض لَا يتماسك وَلَا ينْتَصب بل ينبسط فَلَا بُد أَن يمتزج الرطب باليابس حَتَّى يعتدل ويعبر عَنهُ بالطين ثمَّ لَا بُد من حرارة طابخة حَتَّى يستحكم مزج المَاء بِالتُّرَابِ وَلَا ينْفَصل فَلَا يتخلق الْإِنْسَان من الطين الْمَحْض بل من صلصال كالفخار والفخار هُوَ الطين المعجون بِالْمَاءِ الَّذِي قد عملت فِيهِ النَّار حَتَّى أحكمت مزاجه ثمَّ يحْتَاج إِلَى تَقْدِير المَاء والطين بِمِقْدَار مَخْصُوص فَإِنَّهُ إِن صغر مثلا لم تحصل مِنْهُ الْأَفْعَال الإنسانية بل كَانَ على قدر الذَّر والنمل فتسفيه الرِّيَاح ويهلكه أدنى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله ﷿
وكل ذَلِك يرجع إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ بِاعْتِبَار تَقْدِير هَذِه الْأُمُور خَالق وَبِاعْتِبَار الإيجاد على وفْق التَّقْدِير مُصَور وَبِاعْتِبَار مُجَرّد الإيجاد والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بارئ والإيجاد الْمُجَرّد شئ والإيجاد على وفْق التَّقْدِير شَيْء آخر وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يبعد رد الْخلق إِلَى مُجَرّد التَّقْدِير مَعَ أَن لَهُ فِي اللُّغَة
وَجها إِذْ الْعَرَب تسمي الْحذاء خَالِقًا لتقديره بعض طاقات النَّعْل على بعض وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري
فَأَما اسْم المصور فَهُوَ لَهُ من حَيْثُ رتب صور الْأَشْيَاء أحسن تَرْتِيب وصورها أحسن تَصْوِير وَهَذَا من أَوْصَاف الْفِعْل فَلَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا من يعلم صُورَة الْعَالم على الْجُمْلَة ثمَّ على التَّفْصِيل فَإِن الْعَالم كُله فِي حكم شخص وَاحِد مركب من أَعْضَاء متعاونة على الْغَرَض الْمَطْلُوب مِنْهُ وَإِنَّمَا أعضاؤه وأجزاؤه السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والأرضون وَمَا بَينهمَا من المَاء والهواء وَغَيرهمَا وَقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لَو غير ذَلِك التَّرْتِيب لبطل النظام فخصص بِجِهَة الفوق مَا يَنْبَغِي أَن يَعْلُو وبجهة السّفل مَا يَنْبَغِي أَن يسفل وكما أَن الْبناء يضع الْحِجَارَة أَسْفَل الْحِيطَان والخشب فَوْقهَا لَا بالِاتِّفَاقِ بل بالحكمة وَالْقَصْد لإِرَادَة الإحكام وَلَو قلب ذَلِك فَوضع الْحِجَارَة فَوق الْحِيطَان والخشب أَسْفَلهَا لانهدم الْبناء وَلم تثبت صورته أصلا
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم السَّبَب فِي علو الْكَوَاكِب وتسفل الأَرْض وَالْمَاء وَسَائِر أَنْوَاع التَّرْتِيب فِي الْأَجْزَاء الْعِظَام من أَجزَاء الْعَالم وَلَو ذَهَبْنَا نصف أَجزَاء الْعَالم ونحصيها ثمَّ نذْكر الْحِكْمَة فِي تركيبها لطال الْكَلَام وكل من كَانَ أوفر علما بِهَذَا التَّفْصِيل كَانَ أَكثر إحاطة بِمَعْنى اسْم المصور وَهَذَا التَّرْتِيب والتصوير مَوْجُود فِي كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم وَإِن صغر حَتَّى فِي النملة والذرة بل فِي كل عُضْو من أَعْضَاء النملة بل الْكَلَام يطول فِي شرح صُورَة الْعين الَّتِي هِيَ أَصْغَر عُضْو فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
إِلَّا بِالِاسْمِ الْمُجْمل وَهَكَذَا القَوْل فِي كل صُورَة لكل حَيَوَان ونبات بل لكل جُزْء من كل حَيَوَان ونبات تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يحصل فِي نَفسه صُورَة الْوُجُود كُله على هَيئته وترتيبه حَتَّى يُحِيط بهيئة الْعَالم وترتيبه كُله كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا ثمَّ ينزل من الْكل إِلَى التفاصيل فيشرف على صُورَة الْإِنْسَان من حَيْثُ بدنه وأعضائه الجسمانية فَيعلم أَنْوَاعهَا وعددها وتركيبها وَالْحكمَة فِي خلقهَا وترتيبها ثمَّ يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشَّرِيفَة الَّتِي بهَا إدراكاته وإرادته وَكَذَلِكَ يعرف صُورَة الْحَيَوَانَات وَصُورَة النَّبَات ظَاهرا وَبَاطنا بِقدر مَا فِي وَسعه حَتَّى يحصل نقش الْجَمِيع وَصورته فِي قلبه وكل ذَلِك يرجع إِلَى معرفَة صُورَة الجسمانيات وَهِي معرفَة مختصرة بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة تَرْتِيب الروحانيات وَفِيه يدْخل معرفَة الْمَلَائِكَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِبهمْ وَمَا وكل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من التَّصَرُّف فِي السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات
فَهَذَا حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَهُوَ اكْتِسَاب الصُّورَة العلمية الْمُطَابقَة للصورة الوجودية فَإِن الْعلم صُورَة فِي النَّفس مُطَابقَة للمعلوم وَعلم الله ﷿ بالصور سَبَب لوُجُود الصُّور فِي الْأَعْيَان وَالصُّورَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان سَبَب لحُصُول الصُّور العلمية فِي قلب الْإِنْسَان وَبِذَلِك يَسْتَفِيد العَبْد الْعلم بِمَعْنى اسْم المصور من أَسمَاء الله ﷾ وَيصير أَيْضا باكتساب الصُّورَة فِي نَفسه كَأَنَّهُ مُصَور وَإِن كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز فَإِن تِلْكَ الصُّور العلمية إِنَّمَا تحدث فِيهِ على التَّحْقِيق بِخلق الله تَعَالَى واختراعه لَا بِفعل العَبْد وَلَكِن العَبْد
يسْعَى فِي التَّعَرُّض لفيضان رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ ف ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ١٣ سُورَة الرَّعْد الْآيَة ١١ وَلذَلِك قَالَ ﷺ إِن لربكم فِي أَيَّام دهركم نفخات من رَحمته أَلا فتعرضوا لَهَا
وَأما الْخَالِق البارئ فَلَا مدْخل للْعَبد أَيْضا فِي هذَيْن الاسمين إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وَوَجهه أَن الْخلق والإيجاد يرجع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه
والأمور الْمَوْجُودَة تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يرتبط حُصُولهَا بقدرة الْعباد أصلا كالسماء وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك وَإِلَى مَا لَا حُصُول لَهَا إِلَّا بقدرة الْعباد وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَعمال الْعباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فَإِذا بلغ العَبْد فِي مجاهدة نَفسه بطرِيق الرياضة فِي سياستها وسياسة الْخلق مبلغا ينْفَرد فِيهَا باستنباط أُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَيقدر مَعَ ذَلِك على فعلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا كَانَ كالمخترع لما لم يكن لَهُ وجود من قبل إِذْ يُقَال لواضع الشطرنج إِنَّه الَّذِي وَضعه واخترعه حَيْثُ وضع مَا لم يسْبق إِلَيْهِ إِلَّا أَن وضع مَا لَا خير فِيهِ لَا يكون من صِفَات الْمَدْح
وَكَذَلِكَ فِي الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات الَّتِي هِيَ منبع الْخيرَات صور وترتيبات يتعلمها النَّاس بَعضهم من بعض ويرتقي لَا محَالة إِلَى أول مستنبط وَوَاضِع فَيكون ذَلِك الْوَاضِع كالمخترع لتِلْك الصُّورَة والخالق الْمُقدر لَهَا حَتَّى يجوز إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مجَازًا
Translation
الخالق البارئ المصور
#15
Chapter 15 — الغفار
· ref. #15
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يكون نقلهَا إِلَى العَبْد مجَازًا وَهُوَ الْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا يكون فِي حق العَبْد حَقِيقَة وَفِي حق الله تَعَالَى مجَازًا كالصبور والشكور وَلَا يَنْبَغِي أَن تلاحظ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم وتذهل عَن هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي ذَكرْنَاهُ
الْغفار
هُوَ الَّذِي أظهر الْجَمِيل وَستر الْقَبِيح والذنُوب من جملَة القبائح الَّتِي سترهَا بإسبال السّتْر عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا والتجاوز عَن عقوبتها فِي الْآخِرَة والغفر هُوَ السّتْر
وَأول ستره على العَبْد أَن جعل مقابح بدنه الَّتِي تستقبحها الْأَعْين مستورة فِي بَاطِنه مغطاة بِجَمَال ظَاهره فكم بَين بَاطِن العَبْد وَظَاهره فِي النَّظَافَة والقذارة وَفِي الْقبْح وَالْجمال فَانْظُر مَا الَّذِي أظهره وَمَا الَّذِي ستره
وستره الثَّانِي أَن جعل مُسْتَقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حَتَّى لَا يطلع أحد على سره وَلَو انْكَشَفَ لِلْخلقِ مَا يخْطر بِبَالِهِ فِي مجاري وسواسه وَمَا ينطوي عَلَيْهِ ضَمِيره من الْغِشّ والخيانة وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ لمقتوه بل سعوا فِي تلف روحه وأهلكوه فَانْظُر كَيفَ ستر عَن غَيره أسراره وعوراته
وستره الثَّالِث مغفرته ذنُوبه الَّتِي كَانَ يسْتَحق الافتضاح بهَا على مَلأ الْخلق وَقد وعد أَن يُبدل سيئاته حَسَنَات ليستر مقابح ذنُوبه بِثَوَاب حَسَنَاته مهما مَاتَ على الْإِيمَان تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يستر من غَيره مَا يجب أَن يستر مِنْهُ فقد قَالَ
الْغفار
هُوَ الَّذِي أظهر الْجَمِيل وَستر الْقَبِيح والذنُوب من جملَة القبائح الَّتِي سترهَا بإسبال السّتْر عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا والتجاوز عَن عقوبتها فِي الْآخِرَة والغفر هُوَ السّتْر
وَأول ستره على العَبْد أَن جعل مقابح بدنه الَّتِي تستقبحها الْأَعْين مستورة فِي بَاطِنه مغطاة بِجَمَال ظَاهره فكم بَين بَاطِن العَبْد وَظَاهره فِي النَّظَافَة والقذارة وَفِي الْقبْح وَالْجمال فَانْظُر مَا الَّذِي أظهره وَمَا الَّذِي ستره
وستره الثَّانِي أَن جعل مُسْتَقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حَتَّى لَا يطلع أحد على سره وَلَو انْكَشَفَ لِلْخلقِ مَا يخْطر بِبَالِهِ فِي مجاري وسواسه وَمَا ينطوي عَلَيْهِ ضَمِيره من الْغِشّ والخيانة وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ لمقتوه بل سعوا فِي تلف روحه وأهلكوه فَانْظُر كَيفَ ستر عَن غَيره أسراره وعوراته
وستره الثَّالِث مغفرته ذنُوبه الَّتِي كَانَ يسْتَحق الافتضاح بهَا على مَلأ الْخلق وَقد وعد أَن يُبدل سيئاته حَسَنَات ليستر مقابح ذنُوبه بِثَوَاب حَسَنَاته مهما مَاتَ على الْإِيمَان تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يستر من غَيره مَا يجب أَن يستر مِنْهُ فقد قَالَ
Translation
الغفار
#16
Chapter 16 — القهار
· ref. #16
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
النَّبِي ﷺ من ستر على مُؤمن عَوْرَته ستر الله ﷿ عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الْإِسَاءَة بمعزل عَن هَذَا الْوَصْف
وَإِنَّمَا المتصف بِهِ من لَا يفشى من خلق الله تَعَالَى إِلَّا أحسن مَا فِيهِ وَلَا يَنْفَكّ مَخْلُوق عَن كَمَال وَنقص وَعَن قبح وَحسن فَمن تغافل عَن المقابح وَذكر المحاسن فَهُوَ ذُو نصيب من هَذَا الْوَصْف كَمَا رُوِيَ عَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه مر مَعَ الحواريين بكلب ميت قد غلب نَتنه فَقَالُوا مَا أنتن هَذِه الجيفة فَقَالَ عِيسَى ﵇ مَا أحسن بَيَاض أَسْنَانه تَنْبِيها على أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يذكر من كل شَيْء مَا هُوَ أحسن
القهار هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور الْجَبَابِرَة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال بل الَّذِي لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ مسخر تَحت قهره ومقدرته عَاجز فِي قَبضته تَنْبِيه
القهار
من الْعباد من قهر أعداءه وأعدى عَدو الْإِنْسَان نَفسه الَّتِي بَين جَنْبَيْهِ فَهِيَ أعدى لَهُ من الشَّيْطَان الَّذِي قد حذر عداوته وَمهما قهر شهوات نَفسه فقد قهر الشَّيْطَان إِذْ الشَّيْطَان يستهويه إِلَى الْهَلَاك بِوَاسِطَة شهواته
وَإِحْدَى حبائك الشَّيْطَان النِّسَاء وَمن فقد شَهْوَة النِّسَاء لم يتَصَوَّر أَن ينعقل بِهَذِهِ الأحبولة فَكَذَلِك من قهر هَذِه الشَّهْوَة تَحت سطوة الدّين وَإِشَارَة الْعقل وَمهما قهر شهوات النَّفس فقد قهر النَّاس كَافَّة فَلم يقدر عَلَيْهِ أحد إِذْ غَايَة
وَإِنَّمَا المتصف بِهِ من لَا يفشى من خلق الله تَعَالَى إِلَّا أحسن مَا فِيهِ وَلَا يَنْفَكّ مَخْلُوق عَن كَمَال وَنقص وَعَن قبح وَحسن فَمن تغافل عَن المقابح وَذكر المحاسن فَهُوَ ذُو نصيب من هَذَا الْوَصْف كَمَا رُوِيَ عَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه مر مَعَ الحواريين بكلب ميت قد غلب نَتنه فَقَالُوا مَا أنتن هَذِه الجيفة فَقَالَ عِيسَى ﵇ مَا أحسن بَيَاض أَسْنَانه تَنْبِيها على أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يذكر من كل شَيْء مَا هُوَ أحسن
القهار هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور الْجَبَابِرَة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال بل الَّذِي لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ مسخر تَحت قهره ومقدرته عَاجز فِي قَبضته تَنْبِيه
القهار
من الْعباد من قهر أعداءه وأعدى عَدو الْإِنْسَان نَفسه الَّتِي بَين جَنْبَيْهِ فَهِيَ أعدى لَهُ من الشَّيْطَان الَّذِي قد حذر عداوته وَمهما قهر شهوات نَفسه فقد قهر الشَّيْطَان إِذْ الشَّيْطَان يستهويه إِلَى الْهَلَاك بِوَاسِطَة شهواته
وَإِحْدَى حبائك الشَّيْطَان النِّسَاء وَمن فقد شَهْوَة النِّسَاء لم يتَصَوَّر أَن ينعقل بِهَذِهِ الأحبولة فَكَذَلِك من قهر هَذِه الشَّهْوَة تَحت سطوة الدّين وَإِشَارَة الْعقل وَمهما قهر شهوات النَّفس فقد قهر النَّاس كَافَّة فَلم يقدر عَلَيْهِ أحد إِذْ غَايَة
Translation
القهار
#17
Chapter 17 — الوهاب
· ref. #17
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
أعدائه السَّعْي فِي إهلاك بدنه وَذَلِكَ إحْيَاء لروحه فَإِن من مَاتَ عَن شهواته فِي حَيَاته عَاشَ فِي مماته ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين﴾ ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و١٧٠
الْوَهَّاب
الْهِبَة هِيَ الْعَطِيَّة الخالية عَن الأعواض والأغراض فَإِذا كثرت العطايا بِهَذِهِ الصّفة سمي صَاحبهَا وهابا وجوادا وَلنْ يتَصَوَّر الْجُود وَالْهِبَة حَقِيقَة إِلَّا من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ الَّذِي يُعْطي كل مُحْتَاج مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا لعوض وَلَا لغَرَض عَاجل وَلَا آجل وَمن وهب وَله فِي هِبته غَرَض يَنَالهُ عَاجلا وآجلا من ثَنَاء أَو مدح أَو مَوَدَّة أَو تخلص من مذمة أَو اكْتِسَاب شرف وَذكر فَهُوَ معامل معتاض وَلَيْسَ بوهاب وَلَا جواد فَلَيْسَ الْعِوَض كُله عينا يتَنَاوَل بل كل مَا لَيْسَ بحاصل ويقصد الْوَاهِب حُصُوله بِالْهبةِ فَهُوَ عوض وَمن وهب وجاد ليشرف أَو ليثنى عَلَيْهِ أَو لِئَلَّا يذم فَهُوَ معامل وَإِنَّمَا الْجواد الْحق هُوَ الَّذِي يفِيض مِنْهُ الْفَوَائِد على المستفيد لَا لغَرَض يعود إِلَيْهِ بل الَّذِي يفعل شَيْئا لَو لم يفعل لَكَانَ يقبح بِهِ فَهُوَ بِمَا يَفْعَله متخلص وَذَلِكَ غَرَض وَعوض تَنْبِيه
لَا يتَصَوَّر من العَبْد الْجُود وَالْهِبَة فَإِنَّهُ مَا لم يكن الْفِعْل أولى بِهِ من التّرْك لم يقدم عَلَيْهِ فَيكون إقدامه لغَرَض نَفسه وَلَكِن الَّذِي يبْذل جَمِيع مَا يملكهُ حَتَّى الرّوح لوجه الله ﷿ فَقَط لَا للوصول إِلَى نعيم الْجنَّة أَو الحذر من عَذَاب النَّار أَو لحظ عَاجل أَو آجل مِمَّا يعد من حظوظ البشرية فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى وهابا وجوادا ودونه الَّذِي يجود لينال نعيم الْجنَّة ودونه من
يجود لينال حسن الأحدوثة وكل من لم يطْلب عوضا يتَنَاوَل سمي جوادا عِنْد من يظنّ أَن لَا عوض إِلَّا الْأَعْيَان
فَإِن قلت فَالَّذِي يجود بِكُل مَا يملكهُ خَالِصا لوجه الله تَعَالَى من غير توقع حَظّ عَاجل أَو آجل كَيفَ لَا يكون جوادا وَلَا حَظّ لَهُ أصلا فِيهِ
فَنَقُول حَظه هُوَ الله تَعَالَى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إِلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ السَّعَادَة الَّتِي يكتسبها الْإِنْسَان بأفعاله الاختيارية وَهُوَ الْحَظ الَّذِي تستحقر سَائِر الحظوظ فِي مُقَابلَته
فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْلهم إِن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يعبد الله ﷿ خَالِصا لله لَا لحظ وَرَاءه فَإِن كَانَ لَا يَخْلُو فعل العَبْد عَن حَظّ فَمَا الْفرق بَين من يعبد الله تَعَالَى لله خَالِصا وَبَين من يعبده لحظ من الحظوظ فَاعْلَم أَن الْحَظ عبارَة عِنْد الجماهير عَن الْأَغْرَاض أَو الأعواض الْمَشْهُورَة عِنْدهم وَمن تنزه عَنْهَا وَلم يبْق لَهُ مقصد إِلَّا الله تَعَالَى فَيُقَال إِنَّه قد برِئ من الحظوظ أَي عَمَّا يعده النَّاس حظا وَهُوَ كَقَوْلِهِم إِن العَبْد يُرَاعِي سَيّده لَا لسَيِّده وَلَكِن لحظ يَنَالهُ من سَيّده من نعْمَة أَو إكرام وَالسَّيِّد يُرَاعِي عَبده لَا لعَبْدِهِ وَلَكِن لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بخدمته وَأما الْوَالِد فَإِنَّهُ يُرَاعِي وَلَده لذاته لَا لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بل لَو لم يكن مِنْهُ حَظّ أصلا لَكَانَ معنيا بمراعاته
وَمن طلب شَيْئا لغيره لَا لذاته فَكَأَنَّهُ لم يَطْلُبهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ غَايَة طلبه بل غَايَة طلب غَيره كمن يطْلب الذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبهُ لذاته بل ليتوصل بِهِ إِلَى الْمطعم والملبس والمطعم والملبس لَا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إِلَى جلب اللَّذَّة وَدفع الْأَلَم واللذة ترَاد لذاتها لَا لغاية أُخْرَى وَرَاءَهَا وَكَذَا دفع الْأَلَم فَيكون الذَّهَب وَاسِطَة إِلَى الطَّعَام وَالطَّعَام وَاسِطَة إِلَى اللَّذَّة واللذة هِيَ الْغَايَة وَلَيْسَت وَاسِطَة إِلَى غَيرهَا وَكَذَلِكَ الْوَلَد لَيْسَ وَاسِطَة فِي حق الْوَالِد بل مَطْلُوبه سَلامَة الْوَلَد لذات الْوَلَد لِأَن عين الْوَلَد حَظه
الْوَهَّاب
الْهِبَة هِيَ الْعَطِيَّة الخالية عَن الأعواض والأغراض فَإِذا كثرت العطايا بِهَذِهِ الصّفة سمي صَاحبهَا وهابا وجوادا وَلنْ يتَصَوَّر الْجُود وَالْهِبَة حَقِيقَة إِلَّا من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ الَّذِي يُعْطي كل مُحْتَاج مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا لعوض وَلَا لغَرَض عَاجل وَلَا آجل وَمن وهب وَله فِي هِبته غَرَض يَنَالهُ عَاجلا وآجلا من ثَنَاء أَو مدح أَو مَوَدَّة أَو تخلص من مذمة أَو اكْتِسَاب شرف وَذكر فَهُوَ معامل معتاض وَلَيْسَ بوهاب وَلَا جواد فَلَيْسَ الْعِوَض كُله عينا يتَنَاوَل بل كل مَا لَيْسَ بحاصل ويقصد الْوَاهِب حُصُوله بِالْهبةِ فَهُوَ عوض وَمن وهب وجاد ليشرف أَو ليثنى عَلَيْهِ أَو لِئَلَّا يذم فَهُوَ معامل وَإِنَّمَا الْجواد الْحق هُوَ الَّذِي يفِيض مِنْهُ الْفَوَائِد على المستفيد لَا لغَرَض يعود إِلَيْهِ بل الَّذِي يفعل شَيْئا لَو لم يفعل لَكَانَ يقبح بِهِ فَهُوَ بِمَا يَفْعَله متخلص وَذَلِكَ غَرَض وَعوض تَنْبِيه
لَا يتَصَوَّر من العَبْد الْجُود وَالْهِبَة فَإِنَّهُ مَا لم يكن الْفِعْل أولى بِهِ من التّرْك لم يقدم عَلَيْهِ فَيكون إقدامه لغَرَض نَفسه وَلَكِن الَّذِي يبْذل جَمِيع مَا يملكهُ حَتَّى الرّوح لوجه الله ﷿ فَقَط لَا للوصول إِلَى نعيم الْجنَّة أَو الحذر من عَذَاب النَّار أَو لحظ عَاجل أَو آجل مِمَّا يعد من حظوظ البشرية فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى وهابا وجوادا ودونه الَّذِي يجود لينال نعيم الْجنَّة ودونه من
يجود لينال حسن الأحدوثة وكل من لم يطْلب عوضا يتَنَاوَل سمي جوادا عِنْد من يظنّ أَن لَا عوض إِلَّا الْأَعْيَان
فَإِن قلت فَالَّذِي يجود بِكُل مَا يملكهُ خَالِصا لوجه الله تَعَالَى من غير توقع حَظّ عَاجل أَو آجل كَيفَ لَا يكون جوادا وَلَا حَظّ لَهُ أصلا فِيهِ
فَنَقُول حَظه هُوَ الله تَعَالَى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إِلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ السَّعَادَة الَّتِي يكتسبها الْإِنْسَان بأفعاله الاختيارية وَهُوَ الْحَظ الَّذِي تستحقر سَائِر الحظوظ فِي مُقَابلَته
فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْلهم إِن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يعبد الله ﷿ خَالِصا لله لَا لحظ وَرَاءه فَإِن كَانَ لَا يَخْلُو فعل العَبْد عَن حَظّ فَمَا الْفرق بَين من يعبد الله تَعَالَى لله خَالِصا وَبَين من يعبده لحظ من الحظوظ فَاعْلَم أَن الْحَظ عبارَة عِنْد الجماهير عَن الْأَغْرَاض أَو الأعواض الْمَشْهُورَة عِنْدهم وَمن تنزه عَنْهَا وَلم يبْق لَهُ مقصد إِلَّا الله تَعَالَى فَيُقَال إِنَّه قد برِئ من الحظوظ أَي عَمَّا يعده النَّاس حظا وَهُوَ كَقَوْلِهِم إِن العَبْد يُرَاعِي سَيّده لَا لسَيِّده وَلَكِن لحظ يَنَالهُ من سَيّده من نعْمَة أَو إكرام وَالسَّيِّد يُرَاعِي عَبده لَا لعَبْدِهِ وَلَكِن لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بخدمته وَأما الْوَالِد فَإِنَّهُ يُرَاعِي وَلَده لذاته لَا لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بل لَو لم يكن مِنْهُ حَظّ أصلا لَكَانَ معنيا بمراعاته
وَمن طلب شَيْئا لغيره لَا لذاته فَكَأَنَّهُ لم يَطْلُبهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ غَايَة طلبه بل غَايَة طلب غَيره كمن يطْلب الذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبهُ لذاته بل ليتوصل بِهِ إِلَى الْمطعم والملبس والمطعم والملبس لَا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إِلَى جلب اللَّذَّة وَدفع الْأَلَم واللذة ترَاد لذاتها لَا لغاية أُخْرَى وَرَاءَهَا وَكَذَا دفع الْأَلَم فَيكون الذَّهَب وَاسِطَة إِلَى الطَّعَام وَالطَّعَام وَاسِطَة إِلَى اللَّذَّة واللذة هِيَ الْغَايَة وَلَيْسَت وَاسِطَة إِلَى غَيرهَا وَكَذَلِكَ الْوَلَد لَيْسَ وَاسِطَة فِي حق الْوَالِد بل مَطْلُوبه سَلامَة الْوَلَد لذات الْوَلَد لِأَن عين الْوَلَد حَظه
Translation
الوهاب
#18
Chapter 18 — الرزاق
· ref. #18
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
فَكَذَلِك من يعبد الله ﷿ للجنة فقد جعل الله ﷾ وَاسِطَة طلبه وَلم يَجعله غَايَة مطلبه وعلامة الْوَاسِطَة أَنه لَو حصلت الْفَائِدَة دونهَا لم تطلب كَمَا لَو حصلت الْمَقَاصِد دون الذَّهَب لم يكن الذَّهَب محبوبا وَلَا مَطْلُوبا فالمحبوب بِالْحَقِيقَةِ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة دون الذَّهَب وَلَو حصلت الْجنَّة لمن يعبد الله لأَجلهَا دون عبَادَة الله ﷿ لما عبد الله فمحبوبه ومطلوبه الْجنَّة إِذا لَا غير وَأما من لم يكن لَهُ مَحْبُوب سوى الله ﷿ وَلَا مَطْلُوب سواهُ بل حَظه الابتهاج بلقاء الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ والمرافقة مَعَ الْمَلأ الْأَعْلَى المقربين من حَضرته فَيُقَال إِنَّه يعبد الله تَعَالَى لله لَا على معنى أَنه غير طَالب للحظ بل على معنى أَن الله ﷿ هُوَ حَظه وَلَيْسَ يَبْغِي وَرَاءه حظا
وَمن لم يُؤمن بلذة الْبَهْجَة بلقاء الله ﷿ ومعرفته والمشاهدة لَهُ والقرب مِنْهُ لم يشتق إِلَيْهِ وَمن لم يشتق إِلَيْهِ لم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك من حَظه فَلم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك مقْصده أصلا فَلذَلِك لَا يكون فِي عبَادَة الله تَعَالَى إِلَّا كالأجير السوء لَا يعْمل إِلَّا بِأُجْرَة طمع فِيهَا وَأكْثر الْخلق لم يَذُوقُوا هَذِه اللَّذَّة وَلم يعرفوها وَلَا يفهمون لَذَّة النّظر إِلَى وَجه الله ﷿ وَإِنَّمَا إِيمَانهم بذلك من حَيْثُ النُّطْق بِاللِّسَانِ فَأَما بواطنهم فَإِنَّهَا مائلة إِلَى التَّلَذُّذ بلقاء الْحور الْعين ومصدقة بِهِ فَقَط فَافْهَم من هَذَا أَن الْبَرَاءَة من الحظوظ محَال إِن كنت تجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَي لقاءه والقرب مِنْهُ مِمَّا يُسمى حظا وَإِن كَانَ الْحَظ عبارَة عَمَّا يعرفهُ الجماهير وتميل إِلَيْهِ قُلُوبهم فَلَيْسَ هَذَا حظا وَإِن كَانَ عبارَة عَمَّا حُصُوله أوفى من عَدمه فِي حق العَبْد فَهُوَ حَظّ
الرَّزَّاق
هُوَ الَّذِي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إِلَيْهِم وَخلق لَهُم أَسبَاب التَّمَتُّع بهَا
والرزق رزقان ظَاهر وَهِي الأقوات والأطعمة وَذَلِكَ للظواهر وَهِي الْأَبدَان وباطن وَهِي المعارف والمكاشفات وَذَلِكَ للقلوب والأسرار وَهَذَا أشرف الرزقين فَإِن ثَمَرَته حَيَاة الْأَبَد وَثَمَرَة الرزق الظَّاهِر قُوَّة الْجَسَد إِلَى مُدَّة قريبَة الأمد وَالله ﷿ هُوَ الْمُتَوَلِي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إِلَى كلا الْفَرِيقَيْنِ وَلكنه يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر تَنْبِيه
غَايَة حَظّ العَبْد من هَذَا الْوَصْف أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يعرف حَقِيقَة هَذَا الْوَصْف وَأَنه لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله ﷿ فَلَا ينْتَظر الرزق إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتوكل فِيهِ إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَن حَاتِم الْأَصَم ﵀ أَنه قَالَ لَهُ رجل من أَيْن تَأْكُل فَقَالَ من خزانته فَقَالَ الرجل أيلقي عَلَيْك الرزق من السَّمَاء فَقَالَ لَو لم تكن الأَرْض لَهُ لَكَانَ يلقيه من السَّمَاء فَقَالَ الرجل إِنَّكُم تَقولُونَ الْكَلَام فَقَالَ لِأَنَّهُ لم ينزل من السَّمَاء إِلَّا الْكَلَام فَقَالَ الرجل إِنِّي لَا أقوى على مجادلتك فَقَالَ لِأَن الْبَاطِل لَا يقوى مَعَ الْحق
الثَّانِي أَن يرزقه علما هاديا وَلِسَانًا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة وَيكون سَببا لوصول الأرزاق الشَّرِيفَة إِلَى الْقُلُوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إِلَى الْأَبدَان بأفعاله وأعماله وَإِذا أحب الله عبدا أَكثر حوائج الْخلق إِلَيْهِ وَمهما كَانَ وَاسِطَة بَين الله وَبَين الْعباد فِي وُصُول الأرزاق إِلَيْهِم فقد نَالَ حظا من هَذِه الصّفة قَالَ رَسُول لله ﷺ الخازن الْأمين الَّذِي يُعْطي مَا أَمر بِهِ طيبَة بِهِ نَفسه أحد المتصدقين وأيدي الْعباد خَزَائِن الله تَعَالَى
وَمن لم يُؤمن بلذة الْبَهْجَة بلقاء الله ﷿ ومعرفته والمشاهدة لَهُ والقرب مِنْهُ لم يشتق إِلَيْهِ وَمن لم يشتق إِلَيْهِ لم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك من حَظه فَلم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك مقْصده أصلا فَلذَلِك لَا يكون فِي عبَادَة الله تَعَالَى إِلَّا كالأجير السوء لَا يعْمل إِلَّا بِأُجْرَة طمع فِيهَا وَأكْثر الْخلق لم يَذُوقُوا هَذِه اللَّذَّة وَلم يعرفوها وَلَا يفهمون لَذَّة النّظر إِلَى وَجه الله ﷿ وَإِنَّمَا إِيمَانهم بذلك من حَيْثُ النُّطْق بِاللِّسَانِ فَأَما بواطنهم فَإِنَّهَا مائلة إِلَى التَّلَذُّذ بلقاء الْحور الْعين ومصدقة بِهِ فَقَط فَافْهَم من هَذَا أَن الْبَرَاءَة من الحظوظ محَال إِن كنت تجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَي لقاءه والقرب مِنْهُ مِمَّا يُسمى حظا وَإِن كَانَ الْحَظ عبارَة عَمَّا يعرفهُ الجماهير وتميل إِلَيْهِ قُلُوبهم فَلَيْسَ هَذَا حظا وَإِن كَانَ عبارَة عَمَّا حُصُوله أوفى من عَدمه فِي حق العَبْد فَهُوَ حَظّ
الرَّزَّاق
هُوَ الَّذِي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إِلَيْهِم وَخلق لَهُم أَسبَاب التَّمَتُّع بهَا
والرزق رزقان ظَاهر وَهِي الأقوات والأطعمة وَذَلِكَ للظواهر وَهِي الْأَبدَان وباطن وَهِي المعارف والمكاشفات وَذَلِكَ للقلوب والأسرار وَهَذَا أشرف الرزقين فَإِن ثَمَرَته حَيَاة الْأَبَد وَثَمَرَة الرزق الظَّاهِر قُوَّة الْجَسَد إِلَى مُدَّة قريبَة الأمد وَالله ﷿ هُوَ الْمُتَوَلِي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إِلَى كلا الْفَرِيقَيْنِ وَلكنه يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر تَنْبِيه
غَايَة حَظّ العَبْد من هَذَا الْوَصْف أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يعرف حَقِيقَة هَذَا الْوَصْف وَأَنه لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله ﷿ فَلَا ينْتَظر الرزق إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتوكل فِيهِ إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَن حَاتِم الْأَصَم ﵀ أَنه قَالَ لَهُ رجل من أَيْن تَأْكُل فَقَالَ من خزانته فَقَالَ الرجل أيلقي عَلَيْك الرزق من السَّمَاء فَقَالَ لَو لم تكن الأَرْض لَهُ لَكَانَ يلقيه من السَّمَاء فَقَالَ الرجل إِنَّكُم تَقولُونَ الْكَلَام فَقَالَ لِأَنَّهُ لم ينزل من السَّمَاء إِلَّا الْكَلَام فَقَالَ الرجل إِنِّي لَا أقوى على مجادلتك فَقَالَ لِأَن الْبَاطِل لَا يقوى مَعَ الْحق
الثَّانِي أَن يرزقه علما هاديا وَلِسَانًا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة وَيكون سَببا لوصول الأرزاق الشَّرِيفَة إِلَى الْقُلُوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إِلَى الْأَبدَان بأفعاله وأعماله وَإِذا أحب الله عبدا أَكثر حوائج الْخلق إِلَيْهِ وَمهما كَانَ وَاسِطَة بَين الله وَبَين الْعباد فِي وُصُول الأرزاق إِلَيْهِم فقد نَالَ حظا من هَذِه الصّفة قَالَ رَسُول لله ﷺ الخازن الْأمين الَّذِي يُعْطي مَا أَمر بِهِ طيبَة بِهِ نَفسه أحد المتصدقين وأيدي الْعباد خَزَائِن الله تَعَالَى
Translation
الرزاق
#19
Chapter 19 — الفتاح
· ref. #19
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
الفتاح
Translation
الفتاح
#20
Chapter 20 — العليم
· ref. #20
Al-Maqsid al-Asna fi Sharh Ma'ani Asma' Allah al-Husna
Arabic text
Aqeedah
فَمن جعلت يَده خزانَة أرزاق الْأَبدَان وَلسَانه خزانَة أرزاق الْقُلُوب فقد أكْرم بشوب من هَذِه الصّفة
الفتاح
هُوَ الَّذِي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينْكَشف كل مُشكل فَتَارَة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أَيدي أعدائه وَيَقُول ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ ٤٨ سُورَة الْفَتْح الْآيَة ١ وَتارَة يرفع الْحجاب عَن قُلُوب أوليائه وَيفتح لَهُم الْأَبْوَاب إِلَى ملكوت سمائه وجمال كبريائه وَيَقُول ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ ٣٥ سُورَة فاطر الْآيَة ٢ وَمن بِيَدِهِ مفاتح الْغَيْب ومفاتيح الرزق فبالحري أَن يكون فتاحا تَنْبِيه
يَنْبَغِي أَن يتعطش العَبْد إِلَى أَن يصير بِحَيْثُ ينفتح بِلِسَانِهِ مغاليق المشكلات الإلهية وَأَن يَتَيَسَّر بمعرفته مَا يتعسر على الْخلق من الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية ليَكُون لَهُ حَظّ من اسْم الفتاح
الْعَلِيم
مَعْنَاهُ ظَاهر وكماله أَن يُحِيط بِكُل شَيْء علما ظَاهره وباطنه دقيقه وجليله أَوله وَآخره عاقبته وفاتحته وَهَذَا من حَيْثُ كَثْرَة المعلومات وَهِي لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ يكون الْعلم فِي ذَاته من حَيْثُ الوضوح والكشف على أتم مَا يُمكن فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر مُشَاهدَة وكشف أظهر مِنْهُ ثمَّ لَا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة مِنْهُ
تَنْبِيه
للْعَبد حَظّ من وصف الْعَلِيم لَا يكَاد يخفى وَلَكِن يُفَارق علمه علم الله تَعَالَى فِي الْخَواص الثَّلَاث
إِحْدَاهَا المعلومات فِي كثرتها فَإِن مَعْلُومَات العَبْد وَإِن اتسعت فَهِيَ محصورة فِي قلبه فَأنى يُنَاسب مَا لَا نِهَايَة لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن كشفه وَإِن اتَّضَح فَلَا يبلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يُمكن وَرَاءَهَا بل تكون مشاهدته للأشياء كَأَنَّهُ يَرَاهَا من وَرَاء ستر رَقِيق وَلَا تنكرن دَرَجَات الْكَشْف فَإِن البصيرة الْبَاطِنَة كالبصر الظَّاهِر وَفرق بَين مَا يَتَّضِح فِي وَقت الْإِسْفَار وَبَين مَا يَتَّضِح ضحوة النَّهَار
وَالثَّالِثَة أَن علم الله ﷾ بالأشياء غير مُسْتَفَاد من الْأَشْيَاء بل الْأَشْيَاء مستفادة مِنْهُ وَعلم العَبْد بالأشياء تَابع للأشياء وَحَاصِل بهَا
وَإِن اعتاص عَلَيْك فهم هَذَا الْفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إِلَى علم وَاضعه فَإِن علم الْوَاضِع هُوَ سَبَب وجود الشطرنج وَوُجُود الشطرنج هُوَ سَبَب علم المتعلم وَعلم الْوَاضِع سَابق على الشطرنج وَعلم المتعلم مَسْبُوق ومتأخر فَكَذَلِك علم الله ﷿ بالأشياء سَابق عَلَيْهَا وَسبب لَهَا وَعلمنَا بِخِلَاف ذَلِك
وَشرف العَبْد بِسَبَب الْعلم من حَيْثُ أَنه من صِفَات الله ﷿ وَلَكِن الْعلم الْأَشْرَف مَا معلومه أشرف وأشرف المعلومات هُوَ الله تَعَالَى فَلذَلِك كَانَت معرفَة الله تَعَالَى أفضل المعارف بل معرفَة سَائِر الْأَشْيَاء أَيْضا إِنَّمَا تشرف لِأَنَّهَا معرفَة لأفعال الله ﷿ أَو معرفَة للطريق الَّذِي يقرب العَبْد من الله ﷿ أَو الْأَمر الَّذِي يسهل بِهِ الْوُصُول إِلَى معرفَة الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ وكل معرفَة خَارِجَة عَن ذَلِك فَلَيْسَ فِيهَا كثير شرف
الفتاح
هُوَ الَّذِي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينْكَشف كل مُشكل فَتَارَة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أَيدي أعدائه وَيَقُول ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ ٤٨ سُورَة الْفَتْح الْآيَة ١ وَتارَة يرفع الْحجاب عَن قُلُوب أوليائه وَيفتح لَهُم الْأَبْوَاب إِلَى ملكوت سمائه وجمال كبريائه وَيَقُول ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ ٣٥ سُورَة فاطر الْآيَة ٢ وَمن بِيَدِهِ مفاتح الْغَيْب ومفاتيح الرزق فبالحري أَن يكون فتاحا تَنْبِيه
يَنْبَغِي أَن يتعطش العَبْد إِلَى أَن يصير بِحَيْثُ ينفتح بِلِسَانِهِ مغاليق المشكلات الإلهية وَأَن يَتَيَسَّر بمعرفته مَا يتعسر على الْخلق من الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية ليَكُون لَهُ حَظّ من اسْم الفتاح
الْعَلِيم
مَعْنَاهُ ظَاهر وكماله أَن يُحِيط بِكُل شَيْء علما ظَاهره وباطنه دقيقه وجليله أَوله وَآخره عاقبته وفاتحته وَهَذَا من حَيْثُ كَثْرَة المعلومات وَهِي لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ يكون الْعلم فِي ذَاته من حَيْثُ الوضوح والكشف على أتم مَا يُمكن فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر مُشَاهدَة وكشف أظهر مِنْهُ ثمَّ لَا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة مِنْهُ
تَنْبِيه
للْعَبد حَظّ من وصف الْعَلِيم لَا يكَاد يخفى وَلَكِن يُفَارق علمه علم الله تَعَالَى فِي الْخَواص الثَّلَاث
إِحْدَاهَا المعلومات فِي كثرتها فَإِن مَعْلُومَات العَبْد وَإِن اتسعت فَهِيَ محصورة فِي قلبه فَأنى يُنَاسب مَا لَا نِهَايَة لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن كشفه وَإِن اتَّضَح فَلَا يبلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يُمكن وَرَاءَهَا بل تكون مشاهدته للأشياء كَأَنَّهُ يَرَاهَا من وَرَاء ستر رَقِيق وَلَا تنكرن دَرَجَات الْكَشْف فَإِن البصيرة الْبَاطِنَة كالبصر الظَّاهِر وَفرق بَين مَا يَتَّضِح فِي وَقت الْإِسْفَار وَبَين مَا يَتَّضِح ضحوة النَّهَار
وَالثَّالِثَة أَن علم الله ﷾ بالأشياء غير مُسْتَفَاد من الْأَشْيَاء بل الْأَشْيَاء مستفادة مِنْهُ وَعلم العَبْد بالأشياء تَابع للأشياء وَحَاصِل بهَا
وَإِن اعتاص عَلَيْك فهم هَذَا الْفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إِلَى علم وَاضعه فَإِن علم الْوَاضِع هُوَ سَبَب وجود الشطرنج وَوُجُود الشطرنج هُوَ سَبَب علم المتعلم وَعلم الْوَاضِع سَابق على الشطرنج وَعلم المتعلم مَسْبُوق ومتأخر فَكَذَلِك علم الله ﷿ بالأشياء سَابق عَلَيْهَا وَسبب لَهَا وَعلمنَا بِخِلَاف ذَلِك
وَشرف العَبْد بِسَبَب الْعلم من حَيْثُ أَنه من صِفَات الله ﷿ وَلَكِن الْعلم الْأَشْرَف مَا معلومه أشرف وأشرف المعلومات هُوَ الله تَعَالَى فَلذَلِك كَانَت معرفَة الله تَعَالَى أفضل المعارف بل معرفَة سَائِر الْأَشْيَاء أَيْضا إِنَّمَا تشرف لِأَنَّهَا معرفَة لأفعال الله ﷿ أَو معرفَة للطريق الَّذِي يقرب العَبْد من الله ﷿ أَو الْأَمر الَّذِي يسهل بِهِ الْوُصُول إِلَى معرفَة الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ وكل معرفَة خَارِجَة عَن ذَلِك فَلَيْسَ فِيهَا كثير شرف
Translation
العليم