Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 90 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Mukhtasar Izhar al-Haqq مختصر إظهار الحق

Mukhtasar Izhar al-Haqq

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Ibn Khalil Hindi Cuthmani (محمد رحمت الله بن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الهندي الحنفي (المتوفى: 1308هـ
90
Total sections
90 chapters
#61 Chapter 61 — الفصل الرابع إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين · ref. #61
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الفصل الرابع إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين
Translation
الفصل الرابع إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين
#62 Chapter 62 — بيان معنى النسخ · ref. #62
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الفصل الرابع إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين]
[بيان معنى النسخ]
الفصل الرابع
إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين النسخ: مصدر نسخ ينسخ نسخا، ويأتي في اللغة بمعنيين:
الإبطال والإزلالة، يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، ونسخ الحاكم الحكم.
ومنه قوله تعالى في سورة البقرة آية ١٠٦: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقوله تعالى في سورة الحج آية ٥٢: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي يزيله ويبطله فلا يبقى له أثرا.
النقل والتحويل، يقال: نسخ الكتاب: أي نقله وكتبه حرفا بحرف، ونسخت النحل العسل: أي حولته من مكان إلى آخر، ومنه قوله تعالى في سورة الجاثية آية ٢٩: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]
والنسخ في الاصطلاح الإسلامي: بيان مدة انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط، ويعرف أيضا بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
والنسخ عندنا نحن المسلمين لا يطرأ على القصص والأخبار، ولا على الأمور العقلية القطعية مثل: أن الله موجود وأنه واحد، ولا على العقائد مثل: وجوب الإيمان وحرمة الكفر والشرك، ولا على الأحكام المؤبدة، كقوله تعالى في سورة النور آية ٤: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] ولا على الأحكام المؤقتة قبل وقتها المعين، ولا على الأدعية. وإنما يطرأ النسخ على الأحكام العملية المحتملة
للوجود والعدم، وأن تكون غير مؤبدة ولا مؤقتة، وتسمى الأحكام المطلقة.
ولا يقصد المسلمون بالنسخ المصطلح عندهم ما يقصده اليهود الذين يجوزون البداء على الله تعالى؛ لأن معنى البداء: ظهور الشيء بعد خفائه، أي أن الله أمر بشيء أو نهى عن شيء دون أن يعلم عاقبة الأمر والنهي، ثم بدا له رأي فنسخ الحكم الأول، وهذا فيه لزوم الجهل على الله - والعياذ بالله من هذه العقيدة الفاسدة وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- لكن معنى النسخ المصطلح عند المسلمين أن الله تعالى كان يعلم أن هذا الحكم من الأمر أو النهي يكون باقيا على المكلفين به إلى وقت معين في علم الله ثم ينسخه الله، أي إذا جاء الوقت المعين في علم الله يعطي الله المكلفين حكما آخر يظهر منه للمكلفين الزيادة على الحكم الأول أو النقصان منه أو رفعه نهائيا، فهذا الحكم الآخر هو في الحقيقة بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، ولكننا نحن المكلفين لأننا لم نكن نعلم بالحكم الآخر ولا بوقت وروده، ولأن الحكم الأول لم يكن مؤقتا وكنا نظن دوامه، فعند ورود الحكم الآخر نظن لقصور علمنا أن هذا تبديل وتغيير للحكم الأول، ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا، وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، ولكن هو بالنسبة إلى الله ليس تبديلا ولا تغييرا، وإنما هو بيان انتهاء العمل بالحكم الأول، وفي هذا حكم ومصالح للعباد يعلمها الله وسواء ظهرت لنا أو لم تظهر؛ لأن جميع الأحكام التي يشرعها الله لعباده فيها مصلحتهم، إما في جلب منفعة أو تكميلها، وإما في درء مفسدة أو تقليلها، والحكم والمصالح تكون نظرا إلى حال المكلفين والزمان والمكان، وهذا لا يعلمه أحد إلا الله سبحانه، لذلك كان نسخ الأحكام حقا لله وحده، وليس البداء من هذا القبيل، وهو ممتنع في حق الله سبحانه؛ لأن علم الله أزلي أبدي يعلم
Translation
بيان معنى النسخ
#63 Chapter 63 — كذب بعض القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد · ref. #63
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الأشياء قبل وقوعها، أما البداء فجائز في حقنا نحن البشر.

[كذب بعض القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد]
وبعد بيان معنى النسخ المصطلح عندنا نحن المسلمين نقول: ليس هناك قصة من القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد منسوخة عندنا، لكن بعضها كاذب قطعا، مثل:
أن لوطا ﵇ زنى بابنتيه، وحملنا منه بهذا الزنا: (سفر التكوين١٩ / ٣٠ -٣٨) .
أن يهوذا بن يعقوب ﵇ زنى بثامار زوجة ابنه، وحملت منه بهذا الزنا توأمين - فارص وزارح: سفر التكوين ٣٨ / ١٢ -٣٠)، وأن الأنبياء داود وسليمان وعيسى ﵈ كلهم من أولاد ولد الزنا فارص: (إنجيل متى ١ / ٣ -١٦) .
أن داود ﵇ زنى بامرأة أوريا، وحملت منه بهذا الزنا، ثم أهلك زوجها بالمكر، وأخذها زوجة له: (سفر صموئيل الثاني ١١ / ٢ -٢٧) .
أن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبنى المعابد لها: (سفر الملوك الأول ١١ / ١ -١٣) .
أن هارون ﵇ صنع العجل لبني إسرائيل وعبده، وأمرهم بعبادته: (سفر الخروج ٣٢ / ١ -٦) .
فنقول في هذه القصص وأمثالها: إنها كاذبة مفتراه على أنبياء الله تعالى، وباطلة يقينا، ولا نقول إنها منسوخة.
وبهذا المعنى المصطلح عندنا للنسخ لا يكون الزبور ناسخا للتوراة ولا يكون منسوخا بالإنجيل، لأن الزبور أدعية، والأدعية لاتنسخ، وإنما منعنا
Translation
كذب بعض القصص الموجودة في كتب العهدين القديم والجديد
#64 Chapter 64 — بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق · ref. #64
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
عن استعمال الزبور والكتب الأخرى التي في العهدين القديم والجديد، لأنها كلها مشكوكة يقينا، وفاقدة لأسانيدها المتصلة، وثبت وقوع التحريف اللفظي فيها بجميع أقسامه.
أما الأحكام المطلقة الصالحة للنسخ فنعترف أن بعض الأحكام في التوراة هي الصالحة للنسخ، ونسخت الشريعة الإسلامية بعضها، ولا نقول: إن كل حكم وارد في التوراة منسوخ، فبعض أحكام التوراة لم تنسخ مثل: حرمة اليمين الكاذبة والقتل والزنا واللواط والسرقة وشهادة الزور والخيانة في مال الجار وعرضه ونكاح المحارم وعقوق الوالدين، فهذه الأحكام ما زالت حرمتها باقية في شريعة الإسلام ولم تنسخ.
وقد يكون الحكم الناسخ في شريعة نبي لاحق، والحكم المنسوخ في شريعة نبي سابق، وقد يكون الحكمان الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه، والأمثلة من كتب العهدين العتيق والجديد غير محصورة.

[بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق]
وفيما يلي بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق، وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام فقط:
الزواج بالأخت كان جائزا في شريعة آدم ﵇، وقد تزوج أولاده بأخواتهم، ثم نسخ وصار محرما في شريعة موسى ﵇:
ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٨ / ٩: (عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها) .
وفي سفر الأحبار (اللاويين) ٢٠ / ١٧: (وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت عورته فذلك عار. يقطعان أمام أعين بني
شعبهما، قد كشف عورة أخته. يحمل ذنبه) .
وفي سفر التثنية ٢٧ / ٢٢: (ملعون من يضطجع مع أخته بنت أبيه أو بنت أمه) .
فلو لم يكن الزواج بالأخت في شريعة آدم جائزا، للزم من هذه النصوص أن يكون أولاد آدم كلهم زناة وواجبي القتل وملعونين، والصواب أنه كان جائزا، ثم نسخ وحرم في شريعة موسى ﵇.
جميع الحيوانات كانت حلالا في شريعة نوح:
ففي سفر التكوين٩ / ٣: (كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع) .
فجميع الحيوانات في شريعة نوح ﵇ كانت حلالا كالبقولات، ونسخت شريعة موسى حلية بعضها فصارت حراما، كما في سفر الأحبار (اللاويين) ١١ / ٤ -٨، وسفر التثنية ١٤ / ٧ -٨، وفيما يلي نص فقرتي سفر التثنية: (٧) إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف المنقسم. الجمل والأرنب والوبر لأنها تجتر لكنها لا تشق ظلفا فهي نجسة لكم (٨) والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحومها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا) .
الجمع بين الأختين كان جائزا في شريعة يعقوب ﵇، وقد جمع يعقوب بين الأختين (ليئة وراحيل) كما في سفر التكوين ٢٩ / ١٥ -٣٥، ثم نسخت شريعة موسى ﵇ حليته، وصار الجمع بين الأٍختين حراما، ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٨ / ١٨: (ولا تأخذ امرأة على أختها
للضرر لتكشف عورتها معها في حياتها) .
فلو لم يكن هذا الجمع بين الأختين جائزا في شريعة يعقوب يلزم منه أن يكون أولاده أولاد الزنا والعياذ بالله، وأكثر أنبياء بني إسرائيل من ذرية أولاده.
٤ - الزواج بالمطلقة: في شريعة موسى ﵇ يجوز أن يطلق الرجل امرأته لأي سبب، وبعد خروجها من بيته يجوز لأي رجل آخر أن يتزوجها، كما ورد في سفر التثنية ٢٤ / ١ -٤، وفي شريعة عيسى ﵇ لا يجوز الطلاق إلا بسبب الزنا، ولا يجوز لرجل آخر أن يتزوج هذه المطلقة، والزواج بالمطلقة بمنزلة الزنا، ففي إنجيل متى ٥ / ٣١ -٣٢: (٣١) وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق (٣٢) وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني) .
وفي إنجيل متى ١٩ / ٨ -٩ جواب عيسى للفريسيين: (٨) قال لهم إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا (٩) وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني) .
فثبت من هذا النص أن النسخ وقع مرتين، ويفهم ذلك من الفقرة الثامنة، أي كان الطلاق قبل موسى حراما، ثم نسخت حرمته وأبيح في شريعة موسى، ثم نسخت الإباحة وصار حراما في شريعة عيسى، بل هو بمنزلة الزنا.
- نسخ جميع أحكام التوراة:
توراة موسى ﵇ فيها جميع أحكام شريعة بني إسرائيل، وكل
أنبيائهم مأمورون بالعمل بأحكامها، ومنها أحكام الحلال والحرام من الحيوانات، فيما يحل أكله أو يحرم منها، وعيسى ﵇ من بني إسرائيل، وتابع لشريعة موسى ﵇، وليس بناسخ لها، فقد ورد على لسانه كما في إنجيل متى ٥ / ١٧ -١٨: (١٧) لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل (١٨) فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل) .
وقد تمسك الدكتور القسيس فندر بهاتين الفقرتين في الصفحة (٢٤) من كتابه (ميزان الحق) على أن أحكام التوراة لا تنسخ، ونفى أن يكون المسيح قد نسخ شيئا من أحكام التوراة؛ لأنه ما جاء لينقضها بل ليكملها.
ولكن جميع المحرمات في التوراة أصبحت حلالا بفتوى بولس، ولا يوجد في شريعته شيء حرام إلا للنجسين، فالأشياء الطاهرة هي للنجسين نجسة، والأشياء النجسة هي للطاهرين طاهرة، وهذه من أعجب الفتاوى، ففي رسالة بولس إلى أهل رومية ١٤ / ١٤: (إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس) .
وفي رسالة بولس إلى تيطس ١ / ١٥: (كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم) .
ويفهم من النصين السابقين أن موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى ﵇ وأتباعهم لم يكونوا طاهرين، فلم تحصل لهم هذه الإباحة
العامة لجميع المحرمات، ولم يستطع عيسى ﵇ أن ينسخ شريعة موسى، ولما كان أتباع بولس طاهرين حصلت لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات والمطعومات النجسة، وصار كل شيء طاهرا وحلالا لهم، واستطاع رئيسهم بولس أن ينسخ شريعة موسى كلها، واجتهد كثيرا في إشاعة حكم الإباحة العامة، وفي إقناع أتباعه بأن أحكام التوراة كلها صارت منسوخة، ولذلك كتب إلى تيموثاوس في رسالته الأولى ١ / ١ -٧: (١) إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحا مضلة وتعاليم شياطين (٣) وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعار في الحق (٤) لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر (٥) لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة (٦) إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادما صالحا ليسوع المسيح متربيا بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته (٧) وأما الخرافات الدنسة العجائزية فارفضها) .
- نسخ الأعياد الإسرائيلية والسبت:
وردت أحكام الأعياد والسبت مفصلة في سفر الأحبار (اللاويين) ٢٣ / ١ -٤٤، وورد في الفقرات ١٤ و٢١ و٣١ و٤١ أنها فريضة دهرية في جميع أجيال بني إسرائيل وفي جميع مساكنهم.
وكان تعظيم السبت حكما أبديا في شريعة موسى، وكل من عمل فيه عملا يقتل، وتكرر تعظيم السبت في مواضع من كتب العهد العتيق منها: سفر التكوين ٢ / ٢ -٣، وسفر الخروج ٢٠ / ٨ -١١، و٢٣ / ١٢، و٣٤، وسفر الأحبار (اللاويين) ١٩ / ٣، و٢٣ / ٣، وسفر التثنية ٥ / ١٢ -١٥،
سفر إرميا ١٧ / ١٩ -٢٧، وسفر إشعياء ٥٦ / ١ -٨، و٥٨ / ١٣ -١٤، وسفر نحميا ٩ / ١٤، وسفر حزقيال ٢٠ / ١٢ -٢٤.
وأما قتل كل من عمل عملا يوم السبت فقد ورد في سفر الخروج ٣١ / ١٢ -١٧، و٣٥ / ١ -٣، وفي زمان موسى ﵇ وجدوا رجلا يحتطب يوم السبت فأخرجوه خارج المحلة ورجموه بالحجارة فمات، كما ورد في سفر العدد ١٥ / ٣٢ -٣٦.
وقد نسخ بولس جميع أحكام الأعياد بما فيها حكم تعظيم السبت، فقال في رسالته إلى أهل كولوسي ٢ / ١٦: (فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت) .
ونقل في تفسير دوالي ورجردمينت عن اثنين من العلماء المفسرين قولهما:
كانت الأعياد في اليهود على ثلاثة أقسام: في كل سنة سنة، وفي كل شهر شهر، وفي كل أسبوع أسبوع، فنسخت هذه الأعياد كلها، بل ونسخ يوم السبت أيضا، وأقيم سبت النصارى مقامه، أي يوم الأحد بدل يوم السبت.
- نسخ حكم الختان:
حكم الختان كان في شريعة إبراهيم ﵇ حكما أبديا كما هو مصرح به في سفر التكوين ١٧ / ٩ -١٤، وأكتفي بنقل بعض الفقرات:
(١٢) ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم (١٣) فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا) .
وبقي هذا الحكم مستمرا في أولاد إسماعيل وإسحاق ﵉، وبقي كذلك في شريعة موسى ﵇، ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٢ / ٣ بخصوص المولود الذكر: (وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته) .
وقد ختن عيسى ﵇، ففي إنجيل لوقا ٢: (ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع) .
وفي عبادة النصارى إلى هذا الحين صلاة معينة يؤدونها في يوم ختان عيسى تذكرة لهذا اليوم، وبقي حكم الختان في عهده ﵇ ولم ينسخه، ولكن بولس شدد تشديدا بليغا في نسخ هذا الحكم كما يظهر من رسالته إلى أهل رومية ٢ / ٢٥ -٢٩، ورسالته إلى أهل غلاطية ٢ / ٣ -٥، و٥ / ١ -٦، و٦ / ١١ -١٦، ورسالته إلى أهل فيلبي ٣ / ٣، ورسالته إلى أهل كولوسي ٢ / ١١، وأكتفي بنقل فقرتين من رسالته إلى أهل غلاطية ٥ / ٢ و٦: (٢) ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا (٦) لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة) .
والنصارى تركوا هذا الحكم الذي هو حكم أبدي ولم ينقضه عيسى ﵇، وصدقوا أن بولس نسخه لهم.
٨ - قيمة التوراة في نظر بولس:
ورد قول بولس في الرسالة إلى العبرانيين ٧ / ١٨: (فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها) .
ونص هذه الفقرة في طبعتي سنة ١٨٢٥م و١٨٢٦ م كما يلي: (لأن نسخ ما تقدم من الحكم قد عرض لما فيه من الضعف وعدم الفائدة) .
ونص هذه الفقرة أيضا في طبعات سنة ١٦٧١م و١٨٢٣م و١٨٤٤م كما يلي: (وإنما كان رذالة الوصية الأولى لضعفها وأنه لم يكن فيها منفعة) .
ونصها في طبعة سنة ١٨٨٢م كما يلي: (إذن نرفض الوصية السابقة لضعفها
وعدم نفعها) .
وفي الرسالة العبرانية ٨ / ٧ و١٣: (٧) فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان فإذ قال جديدا عتق الأول. وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال) .
ونص هاتين الفقرتين في طبعتي سنة ١٨٢٣م و١٨٤٤م كما يلي: (٧) ولو أن الأول كان بلا لوم لم يطلب للثاني موضع (١٣) وإذا قال جديدا فعتق الأول والذي عتق وشاخ فهو قريب من الفساد) .
ونصهما في طبعتي سنة ١٨٢٥م و١٨٢٦م كما يلي: (٧) فلو كان العهد الأول غير معترض عليه لم يوجد للثاني موضع (١٣) فبقوله عهدا جديدا صير الأول عتيقا والشيء العتيق والبالي قريب من الفناء) .
وفي الرسالة إلى العبرانيين ١٠ / ٩: (ينزع الأول لكي يثبت الثاني) .
ففي الفقرات السابقة أطلق بولس على التوراة أنها ضعيفة وعديمة النفع وعديمة الفائدة ورذيلة ومعابة وعتيقة وشاخت وقريبة من الاضمحلال ومرفوضة وملومة وقريبة من الفساد ومعترض عليها وبالية وقريبة من الفناء ومنزوعة ومنسوخة.
نقل في تفسير دوالي ورجردمينت قول بايل: هذا ظاهر جدا أن الله تعالى يريد أن ينسخ العتيق الأنقص بالرسالة الجديدة الحسنة، فلذلك يرفع المذهب الرسومي اليهودي ويقوم المذهب النصراني مقامه، وفيه إشعار بكون ذبائح
اليهود غير كافية، ولذا تحمل المسيح على نفسه الموت ليجبر نقصانها، ونسخ بفعل أحدهما استعمال الآخر.
فظهر من الأمثلة السابقة ما يلي:
أن وجود بعض الأحكام المنسوخة في شرائع سابقة والأحكام الناسخة في شرائع لاحقة ليس مختصا بشريعة الإسلام، بل وجد في الشرائع السابقة أيضا.
أن جميع أحكام التوراة العملية أبدية كانت أو غير أبدية وجميع الفرائض والمحرمات نسخها بولس حسب ما ورد في رسائله، وجعل أتباعه غير مطالبين بها.
أن لفظ النسخ أيضا وجد في كلام بولس بالنسبة إلى التوراة وأحكامها، وورد في كلام المفسرين والمحققين منهم.
أن بولس ادعى أن الشيء العتيق البالي قريب من الفناء والفساد وضعيف وعديم النفع وعديم الفائدة ورذيل ومعاب ومضمحل ومرفوض وملوم ومعترض عليه ومنزوع ومنسوخ، إذن لا استبعاد في نسخ شريعة أهل الكتاب بشريعة الإسلام، بل هذا ضروري على وفق كلام بولس؛ لأن شريعة أهل الكتاب تعد قديمة بالنسبة إلى شريعة الإسلام الجديدة، كيف لا يكون ذلك ضروريا ورسولهم بولس والمفسرون أطلقوا على التوراة ألفاظا غير ملائمة، مع أنهم يقولون إنها كلام الله؟!
إذن نسخ أحكام التوراة والإنجيل بأحكام القرآن أمر لا شك فيه، وثبت نظائره فيمن سبقنا، وإذا نسخت أحكامهما نسخ العمل بهما بالعمل بالقرآن
Translation
بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق
#65 Chapter 65 — بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه · ref. #65
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الكريم.

[بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه]
وفيما يلي إيراد أمثلة أخرى على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه، أي في الشريعة الواحدة، وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام أيضا:
نسخ الأمر بالذبح:
ورد في سفر التكوين ٢٢ / ١ -١٤ أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده إسحاق ﵇ (والصواب أنه إسماعيل ﵇، فلما استجابا للأمر نسخ الله تعالى هذا الحكم قبل العمل به، وفدى الذبيح بكبش من السماء.
أمر حزقيال ثم نسخ الأمر قبل العمل به:
ففي سفر حزقيال ٤ / ١٠ و١٢ و١٤ و١٥: (١٠) وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن. كل يوم عشرين شاقلا. من وقت إلى وقت تأكله (١٢) وتأكل كعكا من الشعير. على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم (١٤) فقلت آه يا سيد الرب ها نفسي لم تتنجس ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولا دخل فمي لحم نجس (١٥) فقال لي انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان فتصنع خبزك عليه) .
يظهر من هذا النص أن الله تعالى أمر حزقيال أن يكون الخبز مخبوزا على رجيع الناس، فلما استغاث حزقيال ﵇ نسخ الله تعالى هذا الحكم قبل العمل به، وأمر أن يكون الخبز مخبوزا على زبل البقر.
نسخ الأمر بالذبح في المذبح المخصص:
ورد في سفر الأحبار (اللاويين) ١٧ / ١ -٦ أن الله تعالى أمر موسى وبني إسرائيل أن تذبح الذبائح التي تكون من البقر أو الغنم أو المعز في المذبح المخصص لذلك القريب من خيمة الاجتماع - وتسمى (قبة الزمان) (قبة العهد) (قبة الشهادة) - لتكون الذبائح قربانا للرب، والإنسان الذي يذبح خارج المذبح المخصص يهلك من شعبه، أي يقتل.
ثم نسخ هذا الحكم بما في سفر التثنية ١٢ / ١٥ -٢٢، وصار يجوز لهم الذبح في كل مكان وعدم الاقتصار على المذبح المخصص، قال هورن في تفسيره بعد أن نقل الفقرات المشار إليها من سفر الأحبار وسفر التثنية: في هذين الموضعين تناقض في الظاهر، لكن إذا لوحظ أن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، وكانت قابلة للتبديل، فالتوجيه في غاية السهولة، فقد نسيخ موسى في السنة الأربعين من التيه قبل دخولهم فلسطين حكم سفر الأحبار بحكم سفر التثنية نسخا صريحا، فيجوز لهم بعد دخول فلسطين أن يذبحوا البقر والغنم والمعز في أي موضع شاؤوا ويأكلوا.
فاعترف بوقوع النسخ في شريعة موسى، وأنها كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، فالعجب أن أهل الكتاب يعترضون على وقوع النسخ والزيادة والنقصان في شريعة أخرى، ويقولون: إن النسخ مستلزم لجهل الله، ولكن هذا المحذور لا يلزم من النسخ الذي يقول به المسلمون، والذي هو حق لله وحده، وإنما يلزم من عقيدة البداء التي يصرحون بها في كتبهم، وصرح بها بولس في رسائله أيضا.
الحكم في عمر اللاوي (الحبر) المخصص للخدمة:
ورد في سفر العدد ٤ / ٣ و٢٣و٣٠و٣٥و٣٩و٤٣و٤٦ أن الحبر اللاوي المخصص للخدمة في خيمة الاجتماع لا يكون عمره أنقص من ثلاثين سنة ولا يزيد عن خمسين: (من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة) .
ورد في سفر العدد ٨ / ٢٤ و٢٥ أن عمر الحبر اللاوي المخصص للخدمة لا يكون أنقص من خمس وعشرين سنة ولا يزيد عن خمسين: (هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا) .
فإما أن يكون هذا الفرق من التناقض والاختلاف الواقع بالتحريف، وإما أن يكون هذا الحكم الثاني ناسخا للأول. فيجب الإقرار بأحد الأمرين.
الزيادة في عمر حزقيا:
ورد في سفر الملوك الثاني ٢٠ / ١ -٦ أن الله تعالى أمر النبي إشعياء بن آموص أن يذهب إلى حزقيا ملك مملكة يهوذا فيخبره بانتهاء أجله لكي يوصي على بيته، فأقبل الملك حزقيا بوجهه إلى الحائط وصلى وبكى بكاء عظيما، فلما خرج النبي إشعياء نسخ الله تعالى هذا الحكم بعد تبليغه، وأوحى إليه قبل أن يصل إلى وسط الدار أن يرجع إلى حزقيا ويقول له: إن الله قد سمع صلاتك، ورأى دموعك، وشفاك، وزاد في عمرك خمس عشرة سنة.
فالحكم المنسوخ والناسخ بلغا بواسطة النبي إشعياء بوحي الله إليه.
الرسالة العيسوية بين الخصوص والعموم:
ورد في إنجيل متى ١٠ / ٥ -٦: (٥) هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا (٦) بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) .
وفي إنجيل متى ١٥: (فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) .
ففي هذين النصين خصص عيسى ﵇ رسالته ببني إسرائيل.
وورد في إنجيل مرقس ١٦ / ١٥ أن عيسى ﵇ قال للحواريين: (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها) .
ويزعم النصارى أن هذا النص دال على عموم الرسالة، فيكون هذا النص ناسخا للخصوصية، وصار الحكم الأول منسوخا. أي إن المسيح أولا خصص رسالته ببني إسرائيل فقط، ثم نسخ التخصيص وأمر بدعوة العالم أجمع، فإن أقروا بالنسخ حصل ما أردنا من إمكانية وقوع النسخ في كتبهم وأن كتبهم غير ممنوعة من النسخ، بل هو واقع فيها أيضا، وإن لم يقروا بالنسخ حصل ما أردنا من وجود التناقض والتحريف في أناجيلهم، والصواب أن عبارة إنجيل مرقس لم يقلها المسيح ﵇.
وفي هذه الأمثلة كفاية، ولم يبق شك في وقوع النسخ بكلا قسميه في كتب أهل الكتاب، وظهر أن ما يدعونه من امتناع وقوع النسخ في كتبهم باطل لا ريب فيه، ثم كيف يدعون هذه الدعوى والحال أن مصالح العباد تختلف باختلاف الزمان والمكان والمكلفين، فبعض الأحكام يكون مقدورا للمكلفين في بعض الأوقات ولا يكون مقدورا لهم في وقت آخر، وبعض الأحكام يكون مناسبا للعباد في زمان ولا يكون مناسبا لهم في زمان آخر، والعباد لا يعلمون مصلحتهم الحقيقية أين تقع، ولكن الله الذي خلقهم هو أعلم بها منهم، وبناء عليه فلا يجوز لأهل الكتاب بتأويلاتهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة أن ينكروا وقوع النسخ من جانب الله العليم الخبير.
Translation
بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ والمنسوخ في شريعة النبي نفسه
#66 Chapter 66 — الباب الثاني إبطال التثليث · ref. #66
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الباب الثاني إبطال التثليث
Translation
الباب الثاني إبطال التثليث
#67 Chapter 67 — مقدمة في بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول · ref. #67
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الباب الثاني إبطال التثليث]
[مقدمة في بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول]
الباب الثاني
إبطال التثليث وهو مشتمل على مقدمة وثلاثة فصول:
المقدمة: بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول.
الفصل الأول: إبطال التثليث بالبراهين العقلية.
الفصل الثاني: إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇.
الفصل الثالث: إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح ﵇.
المقدمة
بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول الأمر الأول: أن كتب العهد القديم ناطقة بأن الله واحد أحد، منزه عن الصاحبة والولد، حي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد.
الأمر الثاني: أن عبادة غير الله حرام، وحرمتها التوراة في فقرات كثيرة، منها سفر الخروج ٢٠ / ٣ و٤ و٥ و٢٣، و٣٤ / ١٤ و١٧، وسفر التثنية ١٣ / ١ -١١، و١٧ / ٢ -٧، وصرحت التوراة بوجوب قتل من دعا إلى عبادة غير الله ولو كان هذا الداعي نبيا ذا معجزات عظيمة، وكذلك صرحت التوراة بوجوب رجم كل من عبد غير الله أو رغب في عبادة غير الله، سواء كان هذا العابد رجلا أو امرأة، وسواء كان المرغب من الأقرباء أو الأصدقاء.
الأمر الثالث: وردت في التوراة فقرات تفيد التنزيه لله تعالى وأنه ليس له شبيه، ففي سفر التثنية ٤ / ١٢ و١٥: (١٢) فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتا (١٥) فاحتفظوا جدا لأنفسكم. فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار) .
ووردت في العهد الجديد فقرات تفيد أن رؤية الله ممتنعة في الدنيا، ففي إنجيل يوحنا ١ / ١٨: (الله لم يره أحد قط) .
وفي رسالة بولس الأول إلى تيموثاوس ٦ / ١٦: (لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه) .
وفي رسالة يوحنا الأولى ٤ / ١٢: (الله لم ينظره أحد قط) .
فثبت من الفقرات السابقة أن الله تعالى ليس له شبيه، وأن رؤية الله في الدنيا غير واقعة، وأن من كان مرئيا لا يكون إلها قط ولو أطلق عليه في كلام الله أو الأنبياء أو الحواريين لفظ (الله) أو (رب)؛ لأنه لا يجوز الأخذ بالفقرات المخالفة للبرهان العقلي وترك الفقرات السابقة التي مضمونها مطابق للبرهان العقلي، فقد ورد في مواضع غير محصورة من كتب العهدين إطلاق لفظ (إله) على الملك وعلى موسى وعلى قضاة بني إسرائيل وعلى الإنسان الكامل، بل وعلى آحاد الناس وعلى الشيطان الرجيم، وذلك لأنه يكون لإطلاق مثل هذا اللفظ على غير الله تعالى وجه مناسب لكل محل، ويدل سوق الكلام على ذلك الوجه بحيث لا يشتبه على الناظر في بادي الرأي، فلا يجوز لعاقل أن يستدل بإطلاق هذا اللفظ على بعض بني آدم أنه إله أو ابن الله، وينبذ وراءه جميع البراهين العقلية القطعية وكذلك البراهين النقلية الصحيحة.
الأمر الرابع: عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، وعدم ورودها في التوراة غير محتاج إلى بيان؛ لأن من طالع التوراة الحالية لا يجد فيها ذكرا صريحا ولا إشارة أو تلميحا لهذا الأمر، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل - وآخرهم عيسى ﵇ أن يبينوها حق التبيين، فقد كانوا مأمورين بالعمل بجميع أحكام التوراة في الشريعة والعقيدة، وأهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبيا كان أو غير نبي، فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا وصريحا؟! وهم في نفس الوقت بينوا أمورا وأحكاما أقل أهمية من هذه العقيدة، وكرروا البيان لبعض الأحكام مرة بعد أخرى، وأكدوا على المحافظة عليها والعمل بها تأكيدا بليغا، وأوجبوا
القتل على تارك بعضها، فالعجب كل العجب أن عيسى ﵇ الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل والذي هو أحد أركان الثالوث عند النصارى عرج إلى السماء دون أن يبين لأتباعه هذه العقيدة بكلام واضح غير محتاج إلى التأويل، كأن يقول مثلا: إن الله ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، وإن أقنوم الابن - الإله الثاني - متعلق بي بالعلاقة الفلانية، أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم، أو أن يقول أي كلام آخر صريح في بيان هذه العقيدة.
والصواب أن أهل التثليث ليس في أيديهم أي دليل على عقيدتهم، وأنهم يأتون بتأويلات بعيدة لأقوال ظاهرة لا تحتمل التأويل.
وإن صاحب كتاب (ميزان الحق) الدكتور القسيس فندر سأل سؤالا في كتابه المسمى (مفتاح الأسرار) وهو: لم لم يبين المسيح ألوهيته ببيان واضح؟! ولم لم يقل باختصار: إني أنا الله؟ ثم أجاب نفسه على هذا السؤال بقوله: إنه ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه من الأموات وعروجه إلى السماء، فلو قال صراحة: إني أنا الله، لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني، وهذا باطل، وهناك أمور كثيرة قال في حقها لتلاميذه كما في إنجيل يوحنا ١٦ / ١٢: (إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن) . ولذلك فإن علماء اليهود أرادوا مرارا أن يأخذوه ويرجموه، وهو ما كان يبين لهم ألوهيته بين أيديهم إلا على طريق الألغاز.
ففي الرد على جواب الدكتور فندر نقول أولا: إن هذا جواب ضعيف غاية الضعف؛ لأن زعمه عدم قدرة أحد أن يفهم عقيدة التثليث وعقيدة ألوهية المسيح قبل قيامه وعروجه فلأن بإمكان المسيح أن يقول لأتباعه ولليهود: إن علاقة الاتحاد التي بين جسمي وبين الأقنوم الثاني (أقنوم الابن) فهمها خارج عن وسعكم، فاتركوا البحث فيها واعتقدوا بأني إله، وأني لست إلها باعتبار الجسم بل بعلاقة الاتحاد التي فهمها خارج عن إدراك عقولكم.
ولكن العجب أيضا أن عدم القدرة على فهم علاقة الاتحاد المذكور باقية بعد عروج المسيح أيضا، وإلى الآن لا يستطيع عالم من علماء النصارى أن يبين كيفية هذه العلاقة، وكتبهم مليئة بالاعترافات في عدة مواضع أن هذا الأمر من الأسرار الخارجة عن إدراك العقل، ومن أراد التأكد فليرجع إلى قاموس الكتاب المقدس الذي اشترك في تأليفه أكثر من عشرين عالما لاهوتيا من علمائهم، ولينظر بنفسه كيف تخبطوا تخبطا واضحا في شرح كلمة: تثليث.
ونقول ثانيا: لماذا خاف المسيح من اليهود فلم يبين لهم ألوهيته إلا بطريق الألغاز؟! وأنتم تزعمون أن المسيح ما جاء إلا ليكون كفارة لذنوب الخلق بأن يصلبه اليهود، وأنه كان يعلم يقينا أنهم يصلبونه، فأي محل للخوف من اليهود في بيان هذه العقيدة الضرورية للنجاة؟! وكيف يخاف الإله العظيم خالق السماوات والأرضين من أذل أقوام الدنيا والحال أن بعض الأنبياء بينوا الحق لبني إسرائيل دون خوف منهم، فأوذي بعضهم إيذاء شديدا، وقتل بعضهم؟!
ثم إن المسيح ﵇ شدد في الإنكار على الكتبة والفريسيين ووصفهم بأنهم مراءون وقادة عميان وجهال وحيات وأفاع، وأظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد حتى شكا بعضهم بأنك تشتمنا (إنجيل متى ٢٣ ١٣ - ٣٧، وإنجيل لوقا ١١ ٣٧ - ٥٤) فالمسيح الذي بين لعلماء اليهود بعض مخالفاتهم وعنفهم عليها تعنيفا شديدا، ووصفهم بأوصاف قاسية دون خوف منهم، فكيف يظن به أن يحمله الخوف منهم على أن يترك بيان العقيدة الضرورية للنجاة؟! حاشا وكلا أن يكون جنابه الشريف عند هذا الظن الفاسد.
Translation
مقدمة في بيان أمور تفيد الناظر بصيرة في الفصول
#68 Chapter 68 — الفصل الأول إبطال التثليث بالبرهان العقلي · ref. #68
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الفصل الأول إبطال التثليث بالبرهان العقلي]
الفصل الأول
إبطال التثليث بالبرهان العقلي النصارى يعتقدون أن التثليث حقيقي والتوحيد حقيقي، ولكن إذا وجد التثليث الحقيقي وجدت الكثرة الحقيقية أيضا، وإذا ثبت التثليث والكثرة الحقيقيان انتفى التوحيد الحقيقي ولا يمكن ثبوته، وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين، وهو محال، ويلزم تعدد واجبي الوجود، وهو محال أيضا، فالقائل بالتثليث لا يمكن أن يكون موحدا لله توحيدا حقيقيا؛ لأن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح وليس هو مجموع آحاد، أما الثلاثة فلها ثلث صحيح هو واحد، وهي مجموع آحاد ثلاثة، فالواحد الحقيقي جزء الثلاثة، فلو اجتمعا في محل واحد يلزم منه كون الجزء كلا والكل جزءا، ويلزم منه أيضا كون الواحد ثلث نفسه وهو ثلاثة أميال الثلاثة، والثلاثة ثلث الواحد وهي ثلاثة أمثال نفسها. وكلها لوازم يرفضها العقل بالبداهة.
وبناء على ذلك فإن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات الله تعالى، فلو وجد قول في كتب النصارى يدل على التثليث بحسب الظاهر فيجب تأويله ليطابق العقل والنقل، فإن العقل والنقل يدلان على امتناع التثليث في ذات الله تعالى.
وقد قام جرجيس صال (سيل) بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية وطبعت هذه الترجمة سنة ١٨٣٦م، وكان قد وصى قومه بوصايا منها قوله: لا تعلموا المسلمين المسائل التي هي مخالفة للعقل؛ لأنهم ليسوا حمقى حتى نغلب عليهم في هذه المسائل، كعبادة الصنم والعشاء الرباني،
لأنهم يعثرون كثيرا من هذه المسائل، وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إليها.
فانظر كيف اعترف هذا القسيس بأن في دينه مسائل مخالفة للعقل، والصواب أن أهل الدين الذي فيه مثل هذه المسائل مشركون يقينا، وقد قال علماء الإسلام: لا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النصارى، ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالتهم.
Translation
الفصل الأول إبطال التثليث بالبرهان العقلي
#69 Chapter 69 — الفصل الثاني إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇ · ref. #69
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الفصل الثاني إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇]
الفصل الثاني
إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇ القول الأول: ورد في إنجيل يوحنا ١٧ / ٣ قول عيسى ﵇ مخاطبا الله تعالى: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) .
فقد بين عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتوحيد الله تعالى وبرسالة رسوله عيسى، ولم يقل: إن الحياة الأبدية تنال بالإيمان بتثليث الأقانيم الإلهية، ولا بالإيمان بأن عيسى إله وابن الله، ولما كان قول عيسى هنا في خطاب الله تعالى فلا احتمال هنا لخوفه من اليهود، فلو كان اعتقاد التثليث وألوهية عيسى مدار النجاة لبينه، ولكن مدار النجاة والحياة الأبدية باعتقاد التوحيد الحقيقي لله وبأن المسيح رسوله، والاعتقاد بعكس ذلك هو الهلاك الأبدي والضلال المبين؛ لأن كون الله واحدا ضد لكونه ثلاثة، وكون المسيح رسولا ضد لكونه إلها، والمرسل غير الرسول المرسل.
القول الثاني: ورد في إنجيل مرقس ١٢ / ٢٨ -٣٤: (٢٨) فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل (٢٩) فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد (٣٠) وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى (٣١) وثانية مثلها هي
تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين (٣٢) فقال له الكاتب جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه (٣٣) ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح (٣٤) فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيدا عن ملكوت الله) .
وهذه الفقرات وردت في إنجيل متى ٢٢ / ٣٤ -٤٠، وأكتفي بنقل الفقرة (٤٠) وهي قول عيسى ﵇: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء) .
فقد أكدت الفقرات السابقة على أن أول الوصايا الموصي بها في التوراة وفي سائر كتب الأنبياء والتي هي مدار النجاة الاعتقاد بأن الله واحد لا إله غيره، ولو كان اعتقاد التثليث وألوهية المسيح حقا لكان مبينا في التوراة وفي جميع كتب الأنبياء. ولقال عيسى في جواب السائل: إن أول الوصايا هي الاعتقاد بأن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة، وأني الإله الثاني وابن الله، وبما أن عيسى لم يقل ذلك ولم ترد إشارة له لا في التوراة ولا في كتب الأنبياء ثبت أن النجاة تكون باعتقاد التوحيد الحقيقي لله المناقض لاعتقاد التثليث ولاعتقاد الشريك والولد.
وكتب العهد القديم مليئة بالنصوص المصرحة بتوحيد الله تعالى، وعلى سبيل المثال انظر (سفر التثنية ٤ / ٣٥ و٣٩، و٦ / ٤ -٥، وسفر إشعياء ٤٥ / ٥ -٦، و٤٦ / ٩) .
القول الثالث: ورد في إنجيل مرقس ١٣: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) .
فهذا القول ينادي على بطلان التثليث وألوهية المسيح؛ لأنه ﵇ خصص علم ساعة القيامة بالله وحده، ونفى عن نفسه علمها كما نفاه عن
عباد الله الآخرين، وسوى بين نفسه وبينهم في عدم العلم، ولو كان إلها لكان يعلم وقت القيامة ولما نفى عن نفسه العلم بها.
القول الرابع: ورد في إنجيل متى ٢٧ / ٤٦ و٥٠: (٤٦) ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (٥٠) فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح) .
وهذا القول الذي صدر عن المسيح في آخر نفس من حياته بزعمهم ينفي ألوهيته؛ لأنه لو كان إلها لما استغاث بإله آخر، فالإله الحقيقي يمتنع عليه صفات النقص كالضعف والتعب والإعياء والصراخ والاستغاثة والعجز والموت، وهو حي قدوس، ففي سفر إشعياء ٤٠ / ٢٨: (أما عرفت أم لم تسمع. إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا) .
ومثل فقرة سفر إشعياء فقرات كثيرة في كتب العهدين (انظر: سفر إشعياء ٤٤ / ٦، وسفر إرميا ١٠ / ١٠، وسفر حبقوق ١ / ١٢، ورسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ١ / ١٧) وكلها فقرات تدل على أن الإله الحقيقي هو إله سرمدي حي قدوس لا يموت ولا إله غيره، بريء من الضعف والتعب والعجز، فهل يكون العاجز الفاني الميت إلها؟! لا شك أن الإله الحقيقي هو الذي استغاث به عيسى في هذا الوقت على زعمهم.
وهنا ألفت نظر القاريء إلى أن فقرة سفر حبقوق ١ / ١٢ في الطبعات القديمة كما يلي: (يارب إلهي قدوسي لا تموت) فوردت فيها كلمة (تموت) بتاءين، أي تنفي الموت عن الله تعالى، وفي الطبعات الحديثة حرفت التاء الأولى وكتبت نون (ن)، فوردت فيها هذه الكلمة بالنون أي (لا نموت) .
وذلك لتأكيد قتل المسيح الذي هو الله بزعمهم، وكلمة (لا نموت) بالنون لا معنى لها هنا، ولا فائدة منها في سياق هذا الموضع، فانظر كيف حملهم الدفاع عن عقيدة باطلة إلى تحريف كتابهم.
القول الخامس: ورد في إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧ أن عيسى ﵇ قال لمريم المجدلية: (ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) .
ففي هذا القول سوى المسيح ﵇ بينه وبين سائر الناس في أن الله أبوه وأبوهم وإلهه وإلههم؛ لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا إنه إله وابن الله، فكما أن تلاميذه هم عبادُ الله وليسوا أبناء الله على الحقيقة بل بالمعنى المجازي، فكذلك عيسى هو عبد الله وليس ابن الله على الحقيقة، وكما لم يلزم من بنوتهم لله كونهم آلهة فكذلك لا يلزم من بنوته لله كونه إلها، ولما كان هذا القول صدر عن المسيح بعد قيامه من الأموات على زعمهم أي قبل العروج بقليل ثبت أنه كان يصرح بأنه عبد الله وأن الله إلهه وإلههم إلى آخر لحظة من وجوده على الأرض، وهذا مطابق لأقوال المسيح الواردة في قوله تعالى عنه في سورة آل عمران آية ٥١: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥١] وقوله تعالى عنه في سورة المائدة آية ٧٢ وآية ١١٧: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] وقوله تعالى عنه في سورة مريم آية ٣٦: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦] وقوله تعالى عنه في سورة الزخرف آية ٦٤: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف: ٦٤]
فالقول بالتثليث وألوهية المسيح يناقض آخر كلمات تكلم بها المسيح وودع بها تلاميذه قبل رفعه؛ لأنه بقي إلى تلك اللحظة يدعو إلى اعتقاد توحيد الله ووجوب عبادته، واعتقاد عبودية المسيح لله ربِّه.
القول السادس: وردت في الأناجيل فقرات كثيرة يصعب حصرها صرح
فيها المسيح ﵇ بأنه إنسانٌ معلِّمٌ ورسولٌ نبي يوحي إليه، ومن هذه الفقرات لمن أراد الرجوع إليها ما ورد في إنجيل متّى ١٠ / ٤٠، و١١ / ١٩، و١٣ / ٥٧، و١٥، و١٧ / ١٢ و٢٢، و١٩ / ١٦، و٢١ / ١١ و٤٦، و٢٣ و١٠، و٢٦ / ١٨ وما ورد في إنجيل مرقس ٩ / ٣٧ و٣٨، و١٠ / ٣٥.
وما ورد في إنجيل لوقا ٤ / ٤٣، و٥ / ٥، و٧ / ١٦ و٣٩ و٤٠، و٨ / ٢٤ و٤٥، و٩ / ٣٣ و٣٨ و٥٦، و١٠ / ١٦، و١٢ / ١٣، و١٣ / ٣٣ و٣٤، و١٧ / ١٣، و٢٣ / ٤٧، و٢٤ / ١٩.
وما ورد في إنجيل يوحنا ١ / ٣٨، و٤ / ١٩ و٣١ و٣٤، و٥،٢٤ و٣٦ و٣٧، و٦ / ١٤ و٢٥، و٧ / ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ و٥٢، و٨ / ١٦ و١٨ و٢٦ و٢٨ و٢٩ و٤٠ و٤٢، و٩ / ١١ و١٥ و١٧، و١١ / ٤٢، و١٢ / ٤٤ و٤٩ و٥٠، و١٣ / ١٣ و١٤، و١٤، و١٧ / ٣ و٨ و١٨ و٢٥، و٢٠ / ١٦ و٢١. وأكتفي بذكر بعضها:
ففي إنجيل متى ١٠ / ٤٠: (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني) .
وفيه ١٥: (فأجاب وقال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) .
وفيه ٢١ / ١١: (فقالت الجموع هذا يسوعُ النبي الذي من ناصرة الجليل) .
وفيه ٢٣ و١٠ قول المسيح لتلاميذه: (لأن معلمكم واحد المسيح) .
وفي إنجيل لوقا ٤ / ٤٣: (فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضا بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت) .
وفيه ٧ / ١٦ بعد أن أحيا المسيح ميتا: (فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله
قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه) .
وفيه ١٠ / ١٦: (الذي يسمع منكم يسمع مني. والذي يرذلكم يرذلني. والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني) .
وفي إنجيل يوحنا ٥ / ٣٦ و٣٧: (٣٦) هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني (٣٧) والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته) .
وفيه ٦ / ١٤ بعد معجزة تكثير الطعام: (فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم) .
وفيه ٧ / ١٥ -١٧: (١٥) فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم (١٦) أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني (١٧) إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي) .
وفيه ٨ / ١٨ و٢٦ و٢٩ و٤٠ و٤٢: (١٨) ويشهد لي الآب الذي أرسلني (٢٦) لكن الذي أرسلني هو حق. وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم (٢٩) والذي أرسلني هو معي ولم يتركني (٤٠) ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله (٤٢) لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني) .
وفيه ٩ / ١٠ و١١ و١٧ في معجزة إبراء الأكمه: (١٠) فقالوا له كيف انفتحت عيناك (١١) أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع صنع طينا وطلى عيني (١٧) قالوا أيضا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي) .
وفيه ١٣ / ١٣: (أنتم تدعونني معلما وسيدا وحسنا تقولون لأني أنا كذلك) .
وفيه ١٤: (والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني) .
ففي هذه الأقوال صرح المسيح ﵇ بأنه إنسان معلم لتلاميذه، ونبي مرسل من الله، وأن الله يوحي إليه، فهو لا يتكلم إلا بالحق الذي سمعه من الله تعالى، وهو أمين على الوحي لا يخفي منه شيئا، ويعلمه لأتباعه كما تلقاه من ربه، وكان الله تعالى يجري المعجزات على يديه بصفته إنسانا نبيا مرسلا، لا بصفته إلها وابن الله.
القول السابع: ورد في إنجيل متى ٢٦ / ٣٦ -٤٦: (٣٦) حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جَثْسَيْمَانِي فقال للتلاميذ اجلسوا هاهنا حتى أمضي وأصلي هناك (٣٧) ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب (٣٨) فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت. امكثوا هاهنا واسهروا معي (٣٩) ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت (٤٠) ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما. فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة (٤١) اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف (٤٢) فمضى أيضا ثانية وصلى قائلا يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك (٤٣) ثم جاء فوجدهم أيضا نياما إذ كانت أعينهم ثقيلة (٤٤) فتركهم ومضى أيضا وصلى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه (٤٥) ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا، هو ذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة (٤٦) .
قوموا ننطلق هو ذا الذي يسلمني قد اقترب.
ومثل هذه الفقرات ما ورد في إنجيل لوقا ٢٢ / ٣٩ -٤٦، فأقوال المسيح وأحواله المندرجة في هذه الفقرات تدل دلالة قطعية على عبوديته لله، وأنه ليس إلها ولا ابن الله؛ لأن الذي يحزن ويكتئب ويصلي ويدعو بغاية التضرع ويموت يكون بشرا مخلوقا وليس إلها خالقا.
Translation
الفصل الثاني إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇
#70 Chapter 70 — الفصل الثالث إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح · ref. #70
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الفصل الثالث إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح]
الفصل الثالث
إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح يستدل النصارى على ألوهية المسيح ببعض النقول الواردة في الأناجيل (ومعظمها في إنجيل يوحنا)، وفيما يلي إيراد أدلتهم وإبطال استدلالهم بها:
دليلهم الأول: إطلاق لفظ (ابن الله) على المسيح ﵇.
وهذا الدليل باطل لوجهين:
أولهما: أن إطلاق لفظ ابن الله على المسيح معارض بإطلاق لفظ ابن الإنسان عليه ولفظ ابن داود أيضا، انظر مثلا إطلاق لفظ ابن الإنسان في إنجيل متى ٨، و٩ / ٦، و١٦ / ١٣ و٢٧، و١٧ / ٩ و١٢و٢٢، و١٨ / ١١، و١٩ / ٢٨، و٢٠ / ١٨ و٢٨، و٢٤ / ٢٧، و٢٦ و٤٥ و٦٤.
وانظر مثلا إطلاق لفظ ابن داود في إنجيل متى ٩ / ٢٧، و١٢، و١٥ / ٢٢، و٢٠ و٣١، و٢١ / ٩ و١٥، و٢٢ / ٤٢، وفي إنجيل مرقس ١٠ / ٤٧ و٤٨، وفي إنجيل لوقا ١٨ / ٣٨ و٣٩.
وكذلك سلسلة نسب المسيح التي تنسبه إلى داود ﵇، ثم إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ مذكورة في إنجيل متى ١ / ١ -١٧، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٢٣ - ٣٤، فإذا كان المسيح يرجع نسبه إلى الأنبياء المذكورين الذين هم من نسل الإنسان آدم ﵇ فلا شك إذن في أنه ابن الإنسان، وظاهر أن ابن الإنسان لا يكون إلا إنسانا وليس ابن الله.
وثانيهما: أن لفظ الابن في قولهم (ابن الله) لا يصح أن يكون بمعناه
الحقيقي؛ لأن المعنى الحقيقي للفظ الابن باتفاق جميع لغات أهل العالم هو المتولد من نطفة الأبوين، وهو محال هاهنا، فلابد من الحمل على المعنى المجازي المناسب لشأن المسيح ﵇، أي بمعنى الإنسان الصالح البار.
والدليل على ذلك المعنى المجازي قول قائد المائة الوارد في إنجيلي مرقس ولوقا، ففي إنجيل مرقس ١٥ / ٣٩: (قال حقا كان هذا الإنسان ابن الله)، وفي إنجيل لوقا ٢٣ / ٤٧: (فلما رأى قائد المائة ما كان مجد الله قائلا بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا) .
فوقع لفظ البار عند لوقا مكان لفظ ابن الله عند مرقس، وبغض النظر عن أن هذا التناقض بين اللفظين هو بسبب التحريف المستمر الواقع في الأناجيل لإثبات ألوهية المسيح، فعلى فرض صحة اللفظين ففيهما دليل على جواز إطلاق لفظ ابن الله على الإنسان الصالح البار، وبخاصة أنه ورد في الموضعين وصف قائد المائة للمسيح بأنه إنسان.
وقد ورد في الأناجيل إطلاق لفظ ابن الله على غير المسيح من الصالحين، كما ورد إطلاق لفظ ابن إبليس على فاعلي الشر، ففي إنجيل متى ٥ / ٩ و٤٤ و٤٥: (٩) طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون (٤٤) وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (٤٥) لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) .
فأطلق عيسى على صانعي السلام والصالحين العاملين بما ذكر لفظ أبناء الله، وعلى الله لفظ الأب بالنسبة إليهم.
ووقعت مكالمة بين المسيح ﵇ وبين اليهود أقتطف بعض فقراتها من إنجيل يوحنا ٨ / ٤١ و٤٢ و٤٤: (٤١) أنتم تعلمون أعمال أبيكم. فقالوا
له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد وهو الله (٤٢) فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني. . (٤٤) أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. . لأنه كذاب وأبو الكذاب) .
فاليهود ادعوا أنهم أبناء الله، أي صالحون مطيعون لله، فرد عليهم المسيح ﵇ بأنهم كذابون مطيعون للشيطان، فهم أبناؤه؛ لأنه كذاب وأبو الكذابين، ولا شك أن الله أو الشيطان ليس أبا لهم بالمعنى الحقيقي، فيجب الحمل على المعنى المجازي، ويؤيد هذا الوجوب فقرات كثيرة، منها فقرات رسالة يوحنا الأولى ٣ و٩ و١٠: (٨) من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ. . (٩) كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله (١٠) بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. . . إلخ) .
ومنها فقرة رسالة يوحنا الأولى ٤ / ٧: (وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله) .
ومنها فقرتا رسالة يوحنا الأولى ٥ / ١ -٢: (١) كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله. وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا (٢) بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه) .
ومنها فقرة رسالة بولس إلى أهل رومية ٨ / ١٤: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله) .
ومنها فقرة رسالة بولس إلى أهل فيلبي ٢ / ١٤ -١٥: (١٤) افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة (١٥) لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولادا لله بلا عيب) .
ولا شك أن جميع المذكورين في الفقرات السابقة ليسوا أولادا لله على الحقيقة، فوجب الحمل على المعنى المجازي، وقد ورد إطلاق لفظ الابن لله وإطلاق لفظ الأب على الله في كتب العهدين في مواضع غير محصورة:
ففي إنجيل لوقا ٣ / ٣٨ أطلق على آدم لفظ: ابن الله.
وفي سفر الخروج ٤ أطلق على إسرائيل لفظ: الابن البكر لله.
وفي مزمور ٨٩ / ٢٦ و٢٧ أطلق على داود لفظ: البكر، وأطلق على الله لفظ: الأب له.
وفي سفر إرميا ٣١ / ٩ أطلق على أفرام لفظ: البكر، وأطلق على الله لفظ: الأب لإسرائيل.
وفي سفر صموئيل الثاني ٧ / ١٤ أطلق على سليمان لفظ: الابن لله، وأطلق على الله لفظ: الأب له.
فلو كان إطلاق لفظ: الابن على المسيح موجبا للألوهية لكان آدم وإسرائيل وأفرام وداود وسليمان أحق بالألوهية من المسيح؛ لأنهم من آباء المسيح، ولأنه أطلق على ثلاثة منهم لفظ: الابن البكر.
وورد إطلاق لفظ: أبناء الله على جميع بني إسرائيل في مواضع منها ما في سفر التثنية ١٤ / ١، و٣٢ / ١٩، وفي سفر إشعياء ١ / ٢، و٣٠ / ١، و٦٣، وفي سفر هوشع ١ / ١٠.
وورد في سفر التكوين ٦ / ٢ و٤ إطلاق لفظ: أبناء الله على أولاد آدم.
وفي سفر إشعياء ٦٣ / ١٦ و٦٤ أطلق على الله لفظ: الأب لجميع بني إسرائيل.
وفي سفر أيوب ٣٨ / ٧: (وهتف جميع بني الله) .
وفي المزمور ٦٨ / ٥: (أبو اليتامى وقاضي الأرامل الله) .
فوجب المصير إلى المعنى المجازي في كل الفقرات السابقة، ولا أحد من أهل الكتاب يقول بأن الإطلاقات المذكورة تفهم على حقيقتها، فكما لا يجوز اعتقاد ألوهية آدم وأولاده ويعقوب وأفرام وداود وسليمان وجميع بني إسرائيل وجميع اليتامى، فكذلك لا يجوز اعتقاد ألوهية المسيح بسبب إطلاق بعض الألفاظ التي لا يراد منها حقيقتها.
دليلهم الثاني: ما ورد أن المسيح من فوق وليس من هذا العالم، فقد ورد في إنجيل يوحنا ٨ قول المسيح: (فقال لهم أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم. أما أنا فلست من هذا العالم) .
فيظنون أن هذا القول يدل على أن المسيح إله نزل من عند الإله الآب الذي هو ليس من هذا العالم.
وهذا التأويل غير صحيح ومخالف للظاهر؛ لأن عيسى ﵇ كان من هذا العالم حقيقة، ويرد على تأويلهم بوجهين:
الأول: أن هذا التأويل مخالف للبراهين العقلية وللنصوص الصريحة.
الثاني: أن عيسى ﵇ قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضا، ففي إنجيل يوحنا ١٥ / ١٩: (لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم) .
وفي إنجيل يوحنا ١٧ / ١٤ و١٦: (١٤) والعالم أبغضكم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم (١٦) ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم) .
ففي هذه الفقرات سوى المسيح ﵇ بين نفسه وبين تلاميذه في
عدم كونهم من هذا العالم، فلو كان هذا القول مستلزما لألوهية المسيح كما زعموا للزم أن يكون جميع التلاميذ آلهة، وبما أن النصارى ينكرون ألوهية التلاميذ فثبت بطلان هذا التأويل، والصواب أن المسيح ﵇ وتلاميذه ليسوا من طلاب الدنيا الدنية، بل هم من طلاب الآخرة ورضوان الله، وهذا المجاز شائع في اللغات، فيقال للزهاد والصالحين إنهم ليسوا من هذه الدنيا.
دليلهم الثالث: ما ورد أن المسيح والآب واحد، فقد ورد في إنجيل يوحنا ١٠ قول المسيح: (أنا والآب واحد) .
فهذا القول بزعمهم يدل على اتحاد المسيح بالله، فهو إله مثله.
وهذا التأويل أيضا باطل بوجهين:
الأول: لأن المسيح ﵇ عندهم أيضا هو إنسان ذو نفس ناطقة، وليس بمتحد بهذا الاعتبار، فهم يقولون باتحاد المسيح بالله باعتبار لاهوت المسيح لا باعتبار ناسوته، ولما كان اسم المسيح عندهم يطلق على اللاهوت والناسوت معا بطل تأويلهم السابق.
والثاني: لأن مثل هذا القول وقع في حق الحواريين، ففي إنجيل يوحنا ١٧ / ٢١ -٢٣: (٢١) ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني (٢٢) وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد (٢٣) أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني) .
فالأقوال الواردة في هذه الفقرات دالة على اتحادهم ببعضهم وبالمسيح، وسوى المسيح بين اتحاده بالله وبين اتحادهم فيما بينهم، وظاهر أن اتحادهم فيما
بينهم ليس حقيقيا، فكذا اتحاد المسيح بالله ليس حقيقيا، والمعنى الصحيح للاتحاد هو طاعة أوامر الله تعالى والعمل بالأعمال الصالحات، وهذا المعنى يشترك فيه المسيح والحواريون وجميع أهل الإيمان، وإنما الفرق باعتبار القوة والضعف، ولا شك أن طاعة المسيح وكمال عبوديته لله أقوى وأشد من طاعة تلاميذه، والمقصود بالوحدة هنا اتفاق مرادهم وأمرهم، فهم واحد في العمل بأوامر الله ومحبته وطاعته، وكما لا يفهم منه اتحاد ذوات الحواريين ببعضهم أو بالمسيح، فكذلك لا يفهم منه اتحاد ذات المسيح بذات الله حقيقة.
دليلهم الرابع: ما ورد أن رؤية المسيح رؤية لله لأنه في الآب والآب فيه، فقد ورد في إنجيل يوحنا ١٤ / ٩ -١٠: (٩) الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب (١٠) ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال) .
فهذا الكلام بزعمهم يدل على ألوهية المسيح؛ لأن رؤيته رؤية لله والله حال فيه.
وهذا الاستدلال أيضا باطل بوجهين:
الأول: لأن رؤية الله في الدنيا ممتنعة بنص أسفارهم، فلا تكون رؤية المسيح رؤية لله حقيقة، ويؤولون الرؤية بالمعرفة، ومعرفة المسيح باعتبار الجسمية أيضا لا تفيد الاتحاد، والصواب أن من رأى الأفعال التي يفعلها المسيح فكأنه رأى أفعال الله؛ لأنها حصلت بأمره وإرادته.
الثاني: أنه ورد مثل هذا القول في حق التلاميذ، ففي إنجيل يوحنا ١٤: (في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم) .
وفي إنجيل يوحنا ١٧: (أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا) .
وورد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦ / ١٩: (أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم) .
وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٦ / ١٦: (فإنكم أنتم هيكل الله الحي) .
وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس ٤ / ٦: (إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم) .
فلو كان مثل هذا الكلام مشعرا بالحلول والاتحاد ومثبتا للألوهية للزم أن يكون الحواريون وجميع أهل كورنثوس وجميع أهل أفسس آلهة، والحق أن التأويل الصحيح لهذه الفقرات أن يقال: إن حلول الله في أحد أو حلول أحد فيه، وكذا حلول أحد في المسيح أو حلول المسيح فيه الوارد في هذه الفقرات يقصد به إطاعة أمرهما، فمعرفة المسيح وطاعته بمنزلة معرفة الله وطاعته.
واعلم أيها القارئ الكريم أن نقل الأقوال السابقة هو على فرض صحتها لأجل زيادة الإلزام، ولإثبات بطلان تأويلاتهم في تأليه المسيح ﵇، ونحن المسلمين لا نعتقد جزما أن ما ورد في الأناجيل هو كلام المسيح أو كلام الحواريين؛ لأنه ثبت فقدان إسناد جميع كتبهم بما فيها الأناجيل الأربعة، وعقيدتنا الإسلامية هي أن المسيح ﵇ والحواريين برآء من هذه العقائد الكفرية، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الحواريين رسل عيسى ﵇.
Translation
الفصل الثالث إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح
#71 Chapter 71 — الباب الثالث إثبات كون القرآن الكريم كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين على القرآن والأحاديث · ref. #71
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الباب الثالث إثبات كون القرآن الكريم كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين على القرآن والأحاديث
Translation
الباب الثالث إثبات كون القرآن الكريم كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين على القرآن والأحاديث
#72 Chapter 72 — الفصل الأول الأمور التي تدل على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى ورفع شبهات القسيسين على القرآن الكريم · ref. #72
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الباب الثالث إثبات كون القرآن الكريم كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين على القرآن والأحاديث]
[الفصل الأول الأمور التي تدل على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى ورفع شبهات القسيسين على القرآن الكريم]
الباب الثالث
إثبات كون القرآن الكريم كلام الله ومعجزا ورفع شبهات القسيسين الواردة على القرآن وعلى الأحاديث النبوية الشريفة ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: الأمور التي تدل على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ورفع شبهات القسيسين على القرآن الكريم.
الفصل الثاني: دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية.
الفصل الأول
الأمور التي تدل على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى ورفع شبهات القسيسين على القرآن الكريم الأمر الأول: أن القرآن الكريم في الدرجة العالية من البلاغة التي لم يعهد مثلها في كلام العرب، وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم، والبلاغة هي التعبير باللفظ المعجب عن المعنى المناسب للمقام الذي أورد فيه الكلام بلا زيادة أو نقصان في البيان، وتدل على كونه في الدرجة العالية من البلاغة بضعة أوجه:
الوجه الأول: أن فصاحة العرب والعجم سواء كانوا شعراء أو كتاب أكثرها في وصف ما يشاهدون، كوصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو طعنة أو غارة أو حرب، ودائرة البلاغة في مثل هذه الأشياء متسعة جدا، لأن طبائع أكثر الناس تميل إليها، وقد يظهر من الشاعر أو الكاتب مضمون جديد ونكتة لطيفة، ويكون المتأخر المتتبع واقفا على تدقيقات المتقدم غالبا، والقرآن الكريم ليس في بيان خصوص هذه الأشياء، ومع ذلك فيه من الفصاحة والبلاغة ما لم تعهده العرب في كلامهم.
الوجه الثاني: أن فصاحة العرب في شتى الأغراض والموضوعات لم تخل من الكذب حتى قيل: أحسن الشعر أكذبه، أما القرآن الكريم فجاء في غاية الفصاحة مع الصدق في جميعه، والتنزه عن الكذب.
الوجه الثالث: أن الشاعر قد ينسب للفصاحة لبيت أو بيتين في قصيدة له، وباقيها لا يكون كذلك، أما القرآن الكريم فجاء كله في غاية الفصاحة
التي يعجز الخلق عنها، ومن تأمل في سورة يوسف وقصته ﵇ عرف أنها مع طولها جاءت في الدرجة العالية من البلاغة.
الوجه الرابع: أن الشاعر أو الكاتب إذا كرر مضمونا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول، بينما تكررت المضامين القرآنية في قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية، واختلفت فيها العبارات إيجازا وإطنابا وغيبة وخطابا، ومع ذلك جاءت هذه المضامين كلها في نهاية الفصاحة، ولم يظهر التفاوت أصلا.
الوجه الخامس: أن القرآن الكريم فيه الأوامر والنواهي وإيجاب العبادات وتحريم القبائح، وفيه الحث على مكارم الأخلاق والعمل للآخرة وتقديمها على الدنيا، وكل ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة، علما أن أمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة، ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب بعض مسائل الفقه والعقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والاستعارات الدقيقة فإنه يعجز عن ذلك.
الوجه السادس: أن كل شاعر يحسن كلامه في فن ويضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن الكريم فقد جاء فصيحا على غاية الفصاحة في كل فن، ترغيبا كان أو ترهيبا، زجرا كان أو وعظا أو غيرها.
وفيما يلي بعض الأمثلة:
ففي الترغيب مثل قوله تعالى في سورة السجدة آية ١٧: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]
وفي الترهيب مثل قوله تعالى في سورة إبراهيم آية ١٥-١٧: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ - مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ - يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧]
وفي الزجر والتوبيخ مثل قوله تعالى في سورة العنكبوت آية ٤٠: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]
وفي الوعظ مثل قوله تعالى في سورة الشعراء آية ٢٠٤-٢٠٧: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ - أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤ - ٢٠٧]
وفي وصف الله تعالى مثل قوله تعالى في سورة الرعد آية ٨-٩: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ - عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٨ - ٩]
الوجه السابع: أن الانتقال من مضمون إلى آخر ومن قصة إلى أخرى، واشتمال الكلام على بيان أشياء مختلفة يضيع حسن الربط بين أجزاء الكلام، ويسقطه عن الدرجة العالية للبلاغة، والقرآن الكريم فيه الانتقال من قصة إلى أخرى، ومن مضمون إلى غيره، مع اشتماله على الأمر والنهي والوعد والوعيد وتوحيد الله وبيان صفاته تعالى وإثبات النبوات والترغيب والترهيب وضرب الأمثال وغيرها، ومع ذلك يوجد فيه كمال الربط مع الدرجة العالية للبلاغة الخارجة عن مألوف العرب حتى حارت فيه عقول بلغائهم.
الوجه الثامن: أن القرآن الكريم يأتي باللفظ اليسير المتضمن للمعنى الكثير، فسورة (ص) مثلا جمع في أولها أخبار الكفار وتقريعهم بإهلاك القرون
من قبلهم، وخلافهم لمحمد ﷺ وتكذيبهم له، وتعجبهم مما أتى به، وإجماع ملئهم على الكفر، وظهور الحسد في كلامهم، ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم، ووعيد قريش وأمثالهم مثل مصابهم، وحمل النبي ﷺ على الصبر على أذاهم، وتسليته بقصص الأنبياء قبله، وكل هذا الذي الذكر جاء بألفاظ يسيرة متضمنة لمعان كثيرة.
وقوله تعالى في سورة البقرة آية ١٧٩: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فإن هذا القول لفظه يسير ومعناه كثير، ومع بلاغته فهو مشتمل على المطابقة بين المعنيين المتقابلين وهما القصاص والحياة، وعلى الغرابة في جعل القتل المفوت للحياة ظرفا لها، فهو أولى من جميع الأقوال المشهورة عند العرب في باب منع القتل؛ لأنهم عبروا عن هذا المعنى بقولهم: (قتل البعض إحياء للجميع)، وقولهم: (أكثروا القتل ليقل القتل)، وقولهم: (القتل أنفى للقتل)، وهذا القول الأخير أخصر أقوالهم وأجودها، ولكن لفظ القرآن أفصح منه وأبلغ لما يلي:
قوله تعالى: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أخصر من كل أقوالهم.
قولهم: (القتل أنفى للقتل) يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه، بخلاف لفظ القرآن الكريم، فإنه يقتضي أن نوعا من أنواع القتل - وهو القصاص - سبب لنوع من أنواع الحياة.
أن في قولهم الأخصر والأجود (القتل أنفى للقتل) تكرار للفظ القتل، بخلاف لفظ القرآن الكريم.
أن قولهم الأخصر والأجود لا يفيد إلا الردع عن القتل فقط، بخلاف لفظ القرآن فإنه يفيد الردع عن القتل والجرح، فالقصاص يشملهما.
أن قولهم الأخصر والأجود يدل على ما هو المطلوب - أي الحياة - بالتبع، أي جعل نفي القتل مطلوبا أصالة، والحياة تبع له، بخلاف لفظ القرآن الكريم فإنه دال على ما هو مقصود أصلي، أي جعل نفي القتل مطلوبا تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة الذي هو مطلوب أصالة.
أن القتل ظلما قتل مع أنه ليس بناف للقتل، ولا يفيد وجوب الاقتصاد على قتل القاتل فقط، بخلاف لفظ القرآن الكريم، فإنه لايجيز القتل ظلما، وهو ناف للقتل بإيجابه القصاص الذي هو قتل القاتل لا غيره، فظاهر قولهم باطل، وأما لفظ القرآن الكريم فصحيح من كل وجه.
الوجه التاسع: أن الجزالة والعذوبة بمنزلة الصفتين المتضادتين، واجتماعهما على ما هو ينبغي في كل جزء من أجزاء الكلام الطويل خلاف العادة المعتادة للبلغاء، فاجتماعهما في كل موضع من مواضع القرآن الكريم دليل على كمال بلاغته وفصاحته الخارجتين عن العادة.
الوجه العاشر: أن القرآن الكريم مشتمل على جميع فنون البلاغة من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل وأصناف الاستعارة، وحسن المطالع والمقاطع، وحسن الفواصل والتقديم والتأخير، والفصل والوصل اللائق بالمقام، وخلوه عن اللفظ الركيك والشاذ الخارج عن القياس النافر عن الاستعمال، وغير ذلك من أنواع البلاغة، ولا يقدر أحد من البلغاء الكملاء من العرب الأصلاء إلا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة، ولو رام نوعا غيره في كلامه لم يتأت له وكان مقصرا، والقرآن الكريم محتو عليها كلها.
فهذه الوجوه العشرة تدل على أن القرآن الكريم في الدرجة العالية من
البلاغة الخارجة عن العادة، ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن.
الأمر الثاني: تأليف القرآن العجيب، وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل، مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان، وحسن العبارة ولطف الإشارة، وسلاسة التركيب وسلامة الترتيب، فتحيرت فيه عقول العرب العرباء (أي الخلص الصرحاء)، والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتعسف عنيد مظنة السرقة، وأن يمتاز هذا الكلام عن كلامهم ويظهر تفوقه؛ لأن البليغ - ناظما كان أو ناثرا - يجتهد في هذه المواضع اجتهادا كاملا، ويمدح ويعاب عليه غالبا في هذه المواضع، وقد عيب على جميع فحول الشعراء مواضع لم يحسنوا فيها العبارة أو كانت مسروقة عن غيرهم.
وأشراف العرب مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام وشدة عداوتهم للإسلام، لم يجدوا في بلاغة القرآن وحسن نظمه مجالا، ولم يوردوا في القدح مقالا، بل اعترفوا أنه ليس من جنس خطب الخطباء ولا شعر الشعراء، فنسبوه تارة إلى السحر تعجبا من فصاحته وحسن نظمه، وقالوا تارة إنه إفك افتراه وأساطير الأولين، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة فصلت آية ٢٦: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]
وهذه كلها دأب المحجوج المبهوت، فثبت أن القرآن الكريم معجز ببلاغته وفصاحته وحسن نظمه.
ولقد كان فصحاء العرب وبلغاؤهم كثيرين ومشهورين بغاية العصبية والحمية الجاهلية، وبتهالكهم على المباراة والمباهاة والدفاع عن الأحساب،
فكيف يتصور أن يتركوا الأمر الأسهل الذي هو الإتيان بمقدار أقصر سورة من القرآن، ويختاروا الأشد الأصعب الذي هو القتال وبذل الأرواح والأموال، والرسول ﷺ يقرعهم ويتحداهم بمثل قوله تعالى في سورة البقرة آية ٢٣-٢٤: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]
وبمثل قوله تعالى في سورة يونس آية ٣٨: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]
وبمثل قوله تعالى في سورة الإسراء آية ٨٨: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]
ولو كان العرب يظنون أن محمدا ﷺ استعان بغيره في تأليف القرآن الكريم لأمكنهم أيضا من أجل المعارضة والتحدي أن يستعينوا بغيرهم؛ لأنهم مثله في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك وآثروا المقاتلة والمقارعة بالسنان على المعارضة والمقاولة باللسان - ثبت أن بلاغة القرآن الكريم كانت مسلمة عندهم، وأنهم عاجزون عن المعارضة، وغاية الأمر أنهم صاروا مفترقين بين مصدق بمحمد ﷺ وبالقرآن المنزل عليه من ربه، وبين معاند متحير في بديع بلاغة القرآن، والأخبار المنقولة في ذلك عن الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وغيرهما تؤيد ذلك.
الأمر الثالث: كون القرآن الكريم منطويا على الأخبار عن الحوادث الآتية
في المستقبل، فوجدت في الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر:
منها قوله تعالى في سورة الفتح آية ٢٧: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧] ووقع كما أخبر.
ومنها قوله تعالى في سورة النور آية ٥٥: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]
وقد وفى الله تعالى بما وعد، فمكن للمسلمين في حياة الرسول ﷺ، وزاد هذا التمكين في خلافة الصديق أبي بكر ﵁، ثم زاد التمكين في خلافة الفاروق عمر ﵁ بالفتوحات الواسعة، ثم زاد هذا التمكين في خلافة ذي النورين عثمان ﵁ بأن توسعت الفتوحات كثيرا جدا شرقا وغربا، بحيث لم يمض ربع قرن بعد وفاة الرسول ﷺ، حتى غلب دين الله على سائر الأديان، وكان المسلمون يعبدون الله آمنين غير خائفين.
ومنها قوله تعالى في سورة الفتح آية ١٦: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] ووقع كما أخبر.
ومنها قوله تعالى في سورة النصر آية ١-٢: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] ووقع كما أخبر، ففتحت مكة المكرمة في العام الثامن للهجرة، ودخل الناس في الإسلام فوجا بعد فوج.
ومنها قوله تعالى للرسول ﷺ في سورة المائدة آية ٦٧: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ووقع كما أخبر، رغم كثرة من قصدوا ضرره، فعصمه
الله تعالى حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.
- ومنها قوله تعالى في سورة الروم آية ٢-٦: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ - وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٢ - ٦] ووقع كما أخبر، وانتصرت الروم على فارس بعد سبع سنين من هزيمتهم.
- ومنها قوله تعالى في سورة الحجر آية ٩: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أي يحفظه الله تعالى من التحريف والزيادة والنقصان، وهذا الأمر مشاهد الآن، ولله الحمد على هذه النعمة.
ومثله قوله تعالى في سورة فصلت آية ٤٢: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]
- ومنها قوله تعالى عن اليهود في سورة البقرة آية ٩٤-٩٥: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]
ومثله قوله تعالى في سورة الجمعة آية ٦-٧: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧]
ولا شك أن اليهود كانوا من أشد أعدائه ﷺ، ومن أحرص الناس على تكذيبه، ومع ذلك لم يبادر أحد منهم إلى تكذيبه بأن يقول: إنه يتمنى الموت.
- ومنها قوله تعالى في سورة البقرة آية ٢٣-٢٤: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] ووقع كما أخبر.
فمن عهد رسول الله ﷺ عندما كان مشركو العرب في غاية العداوة له وفي غاية الحرص على إبطال دعوته وإلى وقتنا الحاضر لم يستطع أحد معارضة القرآن ولو بمقدار أقصر سورة من مثله رغم توافر الدواعي.
فهذه الأخبار السابقة وأمثالها في القرآن الكريم تدل على أنه كلام الله تعالى؛ لأن سنة الله جارية على أن مدعي النبوة لو كذب على الله لا يخرج خبره صحيحا، بل ويفضحه الله ويظهر كذبه للناس.
الأمر الرابع: أنه ورد في القرآن الكريم أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة، ومعلوم أن محمدا ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يشتغل بمدارسة مع العلماء، وأنه نشأ بين قوم يعبدون الأصنام، ولا يعرفون الكتاب، وليس لديهم شيء من العلوم العقلية، وأنه لم يغب عن قومه غيبة يمكن له فيها التعلم من غيرهم، والمواضع التي خالف فيها القرآن الكريم كتب أهل الكتاب في بيان بعض القصص والحالات هي مخالفة قصدية لبيان الحق الذي انحرف عنه أهل الكتاب؛ لأنهم فقدوا النسخ الأصلية لكتبهم، والذي بين أيديهم فاقد للسند المتصل، وفاقد لصفة الوحي والإلهام، قال تعالى في سورة النمل آية ٧٦: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
الأمر الخامس: أنه ورد في القرآن الكريم كشف أسرار المنافقين، حيث كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، وكان الله تعالى يطلع
رسوله على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، فما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، ولم يستطيعوا أن ينكروا خبر القرآن عنهم، وكذلك ما فيه من كشف أحوال اليهود وضمائرهم.
الأمر السادس: أنه ورد في القرآن الكريم من المعارف الجزئية والعلوم الكلية ما لم تعهده العرب عامة ولا محمد ﷺ خاصة، ففيه علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقلية، والرد على أهل الضلال، وفيه السير والمواعظ، والحكم، والأمثال، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم، وقد انبثقت من القرآن الكريم علوم كثيرة أهمها علم العقائد والأديان، وعلم الفقه والأحكام، وعلم السلوك والأخلاق.
الأمر السابع: كونه بريئا عن الاختلاف والتفاوت، مع أنه كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان هذا القرآن من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة؛ لأن الكتاب الكبير لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه أدنى اختلاف علمنا علما يقينيا أنه من عند الله كما قال تعالى في سورة النساء آية ٨٢: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
وإلى هذه الأمور السبعة يشير قوله تعالى في سورة الفرقان آية ٦: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]؛ لأن بلاغته وأسلوبه العجيب وإخباره عن الغيوب واشتماله على أنواع العلوم وبراءته عن الاختلاف والتفاوت مع كونه كتابا كبيرا لا يتأتى إلا من العليم الخبير الذي لا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
الأمر الثامن: أن القرآن الكريم معجزة باقية متلوة في كل مكان؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه، بخلاف معجزات الأنبياء السابقين؛ فإنها مؤقتة في حياتهم وانقضت بوفاتهم، لكن معجزة القرآن الكريم باقية على ما كانت عليه من وقت نزوله وإلى زماننا هذا، ومازالت حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة، فإن بلاد العالم مملوءة بالملاحدة والمخالفين العنيدين من كل ملة ونحلة، وكلهم عاجزون عن الإتيان بمقدار أقصر سورة من هذا القرآن الكريم، وستبقى هذه المعجزة إن شاء الله ما بقيت الدنيا وأهلها.
الأمر التاسع: أن قارئ القرآن لا يسأمه، وسامعه لا يمله، بل تكراره يوجب زيادة محبته، وغيره من الكلام مهما كان بليغا فإن تكراره يمل في السمع، ويكره في الطبع، بخلاف القرآن الكريم فإن الهيبة تعتري تاليه، والخشية تلحق قلوب سامعيه، وهذه الهيبة والخشية قد تكون لمن لا يفهم معانيه ولا يفهم تفسيره، بل ولمن لا يعرف اللغة العربية أيضا.
الأمر العاشر: أن القرآن الكريم يحفظ نصه بسهولة بالغة، كما قال تعالى في سورة القمر الآيات ١٧ و٢٢ و٣٢ و٤٠: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] فحفظه ميسر على الأولاد الصغار في أقرب مدة، وحفاظ القرآن الكريم منتشرون في الأقطار بحيث يمكن أن يكتب القرآن الكريم كاملا من حفظ كل منهم دون وقوع الغلط في الإعراب فضلا عن الألفاظ، بينما لا يوجد في كل ديار النصارى واحد يحفظ الإنجيل فضلا عن حفظ كتب العهدين، وهذا هو الفضل البديهي لأمة محمد ﷺ ولكتابها القرآن الكريم.
ثلاثة أسئلة وجوابها: -
السؤال الأول: ما سبب كون معجزة النبي محمد ﷺ من جنس البلاغة؟ الجواب: أن بعض المعجزات تظهر في كل زمان من جنس ما يغلب على أهل ذلك الزمان؛ لأنهم يكونون قد بلغوا فيه الدرجة العليا، ويقفون على الحد الذي يمكن للبشر الوصول إليه، فإذا شاهدوا ما هو خارج عن الحد المذكور علموا أنه من عند الله، فمثلا عندما رأى سحرة فرعون في زمان موسى ﵇ أن عصاه انقلبت ثعبانا يتلقف سحرهم، علموا أن هذا الأمر خارج عن حد صناعة السحر، وأنه معجزة لموسى من عند الله فآمنوا به وبمن أرسله.
وفي زمان عيسى ﵇ كان علم الطب متقدما، فلما رأى أهل ذلك الزمان إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علموا أنها ليست من حد صناعة الطب، وإنها معجزة لعيسى من عند الله؛ ليؤمنوا برسالته ويتبعوه.
وفي زمان محمد ﷺ كانت البلاغة قد وصلت إلى الدرجة العليا، وكان بها فخارهم نثرا وشعرا، فلما أتى النبي محمد ﷺ بهذا القرآن الذي أعجز جميع البلغاء علم أنه من عند الله قطعا، وأن من لم يؤمن به فهو عنيد مستكبر.
السؤال الثاني: ما حكمة نزول القرآن منجما مفرقا ولم ينزل دفعة واحدة؟
الجواب: إن لنزول القرآن منجما حكما كثيرة منها:
أن النبي ﷺ أرسل في أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة لصعب عليهم حفظه وضبطه، وربما تساهلوا فيه، فكان نزوله مفرقا أنسب لهم، حيث تمكن الصحابة بالتدريج من حفظه
وضبطه وتعلمه وكتابته، وبقيت سنة الحفظ جارية في أمته.
- أن كثيرا من آيات القرآن الكريم نزلت في وقائع وأحداث معنية، حلا لمشكلة أو جوابا على سؤال أو بيانا لحكم، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة لم يتضح المراد بها، فكان نزولها مفرقة مقترنة بالوقائع والأحداث أبلغ أثرا في النفوس، وأوضح في المراد بها.
- لو أنزل الله تعالى عليه الكتاب جملة واحدة لكانت التكاليف (أي الأحكام الشرعية العملية) قد نزلت على المسلمين دفعة واحدة، ولثقل عليهم العمل بها، وبخاصة أن فيها الناسخ والمنسوخ، ولكن لما كان نزول القرآن مفرقا فإن التكاليف نزلت بالتدريج قليلا قليلا، فكان تحملها أسهل.
- أن نزول القرآن منجما يقتضي أن يشاهد الرسول ﷺ جبريل ﵇ حالا بعد حال، فيقوى قلبه على أداء الرسالة، ويصبر على أذية القوم.
- أن نزول القرآن الكريم منجما أشد تعجيزا لهم، أي إنهم في غاية العجز بحيث إنهم لم يقدروا على الإتيان بمثله منجما مفرقا؛ لأن النبي ﷺ تحداهم من أول الأمر، فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن، فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى، فثبت بهذا الطريق أن القوم عاجزون عن المعارضة عجزا تاما من جميع الوجوه.
السؤال الثالث: ما سبب تكرار بيان التوحيد وحال القيامة وقصص الأنبياء في عدة مواضع؟
الجواب: إن للتكرار في القرآن عدة أسباب منها:
١ - أن التكرار يفيد التقرير والتأكيد.
٢ - أن إعجاز القرآن الكريم لما كان باعتبار البلاغة وتحداهم بهذا الاعتبار، فجاء تكرار القصص وغيرها بعبارات مختلفة إيجازا وإطنابا، مع حفظ الدرجة العالية للبلاغة في كل مرتبة، ليعلم أن القرآن ليس بكلام البشر؛ لأن البلغاء يعرفون أن هذا الأمر خارج عن القدرة البشرية.
٣ - إن المخالفين للرسول ﷺ كان لهم أن يقولوا له: إن الألفاظ الفصيحة التي كانت مناسبة لهذه القصة قد استعملتها، ولا تناسبها الألفاظ الأخرى، أو أن يقولوا له: إن طريق كل بليغ يخالف طريق الآخر، فبعضهم يقدر على الطريق المطنب وبعضهم يقدر على الطريق الموجز، فلا يلزم من عدم القدرة على نوع عدم القدرة مطلقا، أو أن يقولوا له: إن دائرة البلاغة ضيقة في بيان القصص، والذي صدر عنك بيانه منها محمول على البخت والاتفاق، لكن تكرار القصص إيجازا وإطنابا يقطع جميع أعذارهم.
٤ - أنه ﷺ كان يضيق صدره بإيذاء قومه له كما قال تعالى في سورة الحجر آية ٩٧: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] فيثبت الله قلبه بأن يقص عليه من قصص الأنبياء السابقين مناسبة لحاله في ذلك الوقت، كما قال تعالى في سورة هود آية ١٢٠ / ٣ -: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]
٥ - أن أقواما كانوا يدخلون في الإسلام، وأن المسلمين كان يحصل لهم الأذى بأيدي الكفار، فكان الله تعالى ينزل في كل موضع من هذه القصص ما يناسبه؛ لأن حال السلف تكون عبرة للخلف، وقد يكون المقصود أحيانا تنبيه الكفار، فالقصة الواحدة قد تذكر تارة ويقصد بها بعض الأمور قصدا
وبعضها تبعا، وتُذكر تارة أخرى وتُعكس المقاصد.
وفيما يلي ذكر أبرز شبهتين يوردهما المنصّرون على القرآن الكريم:
الشبهة الأولى قولهم: (لا نسلم بأن عبارة القرآن في الدرجة القصوى من البلاغة الخارجة عن العادة، ولو سلمنا ذلك لكان دليلا ناقصا على الإعجاز؛ لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة بلغة العرب، ويلزم أن تكون من كلام الله جميع الكتب البليغة التي في اللغات الأخرى كاليونانية واللاتينية وغيرهما، ويمكن أن تؤدّى المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى) .
والجواب عن هذه الشبهة أن عدم تسليمهم كون عبارة القرآن الكريم في الدرجة العليا من البلاغة هو مكابرة محضة لما مر في الأمر الأول والثاني من الفصل السابق.
وقولهم: (لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة بلغة العرب) حق، لكن هذه المعجزة لما كانت لتعجيز البلغاء والفصحاء، وقد ثبت عجزهم ولم يعارضوها واعترفوا بها، وعرفها جميع أهل اللغة العربية بسليقتهم، وعرفها العلماء بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام، فالعوام يكفيهم اعتراف العلماء بالعجز عن معارضة القرآن، وبه تقوم الحجة عليهم؛ لأن عجز العلماء والفصحاء يوجب عجز غيرهم من باب أولى، ثم إن الأمم غير العربية يكفيهم اعتراف العرب بعجزهم عن معارضة القرآن الذي هو بلغتهم، فتقوم عليهم الحجة أيضا، بالإضافة إلى أنه يوجد في هذه الأمم من يتكلمون اللغة العربية ويجيدون علومها، فشهادتهم ببلاغة القرآن الكريم وأنه كلام الله حجة
على سائر أقوامهم؛ لأن من كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن وفنون بلاغته، وبهذا ثبت يقينا أن بلاغة القرآن الكريم معجزة قاهرة ودليل كامل لا ناقص كما زعموا.
ثم إن أهل الإسلام لا يدعون أن معجزة القرآن منحصرة في بلاغته فقط، بل يقولون: إن بلاغة القرآن الكريم سبب واحد من أسباب كثيرة توجب علما قطعيا بأنه كلام الله تعالى، وهذه المعجزة ظاهرة، وعجز المخالفين ثابت منذ زمان محمد ﷺ وإلى هذا الزمان.
وقولهم: (ويلزم أن تكون من كلام الله جميع الكتب البليغة التي في اللغات الأخرى. .) غير مسلَّم؛ لأن هذه الكتب لم تثبت بلاغتها في الدرجة القصوى باعتبار الوجوه التي مر ذكرها في الأمر الأول والثاني من الفصل السابق، ولأن مصنفي هذه الكتب لم يدعوا إعجازها ولا أن الفصحاء أمثالهم عاجزون عن معارضتها.
فكيف يدّعي القساوسة هذا الادعاء وهم لا يميزون غالبا في لغة غيرهم بين المذكر والمؤنث، ولا بين المفرد والمثنى والجمع، ولا بين المرفوع والمنصوب والمجرور، فضلا عن أن يميزوا الأبلغ عن البليغ، ويشهد لهذا الأمر أن البابا أربانوس الثامن أذِن للأب سركيس الهاروني مطران الشام أن يجمع كثيرا من القساوسة والرهبان والعلماء المختصين باللغات العبرانية والعربية واليونانية لإصلاح الترجمة العربية التي كانت مملوءة بالأغلاط الكثيرة، فاجتهدوا في هذه المهمة اجتهادا تاما سنة ١٦٢٥م، ولكن هذه الترجمة التي اجتهدوا في إصلاحها وقع في نصوصها أغلاط كثيرة بحيث إنهم اضطروا في المقدمة التي
كتبوها لهذه الترجمة إلى الاعتذار عن بعض الأغلاط الواقعة فيها كوجود كلام لا يوافق قوانين اللغة بل يضادها، وكوقوع لفظ المذكر بدل المؤنث، والعدد المفرد بدل الجمع، وكوضع حركة الرفع مكان الجر والنصب في الاسم، ومكان الجزم في الفعل، وقالوا في اعتذارهم: إن روح القدس لم يُردْ أن يقيد اتساع الكلمة الإلهية بالحدود المضيقة التي حدتها الفرائض النحوية، فقدم لنا الأسرار السماوية بغير فصاحة وبلاغة.
وقولهم: (ويمكن أن تؤدَّى المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى) لا ورود له في حق القرآن الكريم؛ لأنه مملوء من أوله إلى آخره بذكر المطالب العالية الفاضلة والمضامين الحميدة مثل:
١ - ذكر صفات الكمال لله، وتنزيهه عن صفات النقص كالعجز والجهل والظلم وغيرها.
٢ - الدعوة إلى إخلاص التوحيد لله، والتحذير من الشرك والكفر بجميع أنواعه، والتثليث نوع منه.
٣ - ذكر الأنبياء وصفاتهم، وتنزيههم عن عبادة الأوثان والكفر وغيرها من المعاصي، ومدح المؤمنين بهم وذم أعدائهم، والتأكيد على وجوب الإيمان بهم عموما، وبالمسيح وبمحمد ﵉ خصوصا.
٤ - الوعد بغلبة المؤمنين على الكافرين عاقبة الأمر.
٥ - ذكر القيامة والجنة والنار وجزاء الأعمال، وذم الدنيا ومدح العقبى.
٦ - بيان الحلال والحرام والأوامر والنواهي وسائر الأحكام في المطعومات
والمشروبات وفي الطهارة والعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها.
٧ - التحريض على محبة الله وأوليائه، والزجر عن مصاحبة الفجار والفساق.
٨ - التأكيد على إخلاص النية لله في كل شيء، والتهديد على الرياء والسمعة.
٩ - التأكيد على الأخلاق الجميلة ومدحها، والتهديد على الأخلاق الذميمة وذمها والتنفير منها.
١٠ - الوعظ المؤدي للتقوى، والترغيب في ذكر الله وعبادته.
ولا شك أن مثل هذه المطالب الفاضلة محمودة عقلا ونقلا، وجاء ذكر هذه المطالب العالية مكررا في القرآن للتأكيد عليها وتقريرها، ولو كانت هذه المطالب والمضامين العالية قبيحة فأي مضمون بعدها يكون حسنا؟!
نعم إنه لا يوجد في القرآن الكريم مضامين قبيحة كالتي في كتب العهدين مثل:
١ - ما ورد في سفر التكوين ١٩ / ٣٠ -٣٨ أن لوطا ﵇ زنى بابنتيه وحملتا بهذا الزنا.
٢ - وما ورد في سفر صموئيل الثاني ١١ / ١ -٢٧ أن داود ﵇ زنى بزوجة أوريّا، ثم قتله بالحيلة وتزوجها.
٣ - وما ورد في سفر الخروج ٣٢ / ١ -٦ أن هارون ﵇ صنع العجل لبني إسرائيل وعبده معهم.
٤ - وما ورد في سفر الملوك الأول ١١ / ١ -١٣ أن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى المعابد لها.
٥ - وما ورد في سفر الملوك الأول ١٣ / ١١ -٣٠ أن النبي الذي في بيت إيل
كذب على الله في التبليغ، وخدع بكذبه نبيا آخر وألقاه في غضب الرب.
٦ - وما ورد في سفر التكوين ٣٨ / ١٢ -٣٠ أن يهوذا بن يعقوب ﵇ زنى بكنّته= ثامار - أي زوجة ابنه عير - فولدت منه بهذا الزنا فارص الذي من نسله داود وسليمان وعيسى ﵈، فكلهم أولاد ولد الزنا.
٧ - وما ورد في سفر التكوين ٣٥ أن رأوبين بن يعقوب ﵇ زنى ببلهة سُرّيّة أبيه، ولما علم بهما (أي يهوذا ورأوبين) أبوهما يعقوب لم يُقم عليهما الحد، ودعا ليهوذا بالبركة التامة.
٨ - وما ورد في سفر صموئيل الثاني ١٣ / ١ -٣٩ أن أمنون بن داود ﵇ زنى بأخته ثامار وعلم بهما أبوهما داود ولم يُقم عليهما الحد.
٩ - وما ورد في الأناجيل (متى ٢٦ / ١٤ -١٦، ومرقس ١٤ / ١٠ -١١، ولوقا ٢٢ / ٣ -٦، ويوحنا ١٨ / ١ -٥) أن يهوذا الإسخريوطي الذي هو أحد الحواريين الاثني عشر رضي بتسليم عيسى ﵇ لليهود مقابل ثلاثين درهما، والنصارى يعتقدون أن الحواريين أنبياء ورسل للإله المصلوب.
١٠ - وما ورد في الأناجيل (متى ٢٦ / ٥٧ -٦٨، ومرقس ١٤ / ٥٣ -٦٥، ولوقا ٢٢ / ٥٤ -٧١، ويوحنا ١٨ / ١٢ -٢٤) أن قَيَافَا رئيس الكهنة - والذي كان نبيا بشهادة يوحنا الإنجيلي - كذّب عيسى وكفّره وأهانه، وأفتى بقتله، وعيسى في زعمهم هو إله قَيَافَا، أي أفتى النبي بقتل إلهه بعدما كفّره وأهانه.
فهذه المضامين القبيحة جدا وأمثالها توجد في كتبهم المحرَّفة، وهي مألوفة لدى القسيسين والمنصرين ويرونها مطالب عالية وحسنة، فلو وجدوا القرآن الكريم محتويا على أمثالها لاعترفوا أنه كلام الله وقبلوه، لكنهم لما وجدوه خاليا عنها أنكروه وطعنوا في صحته.
الشبهة الثانية قولهم: (إن القرآن يخالف كتب العهدين القديم والجديد في مواضع عديدة، فلا يكون كلام الله) .
والجواب على هذه الشبهة أن كتب العهدين لم تثبت أسانيدها المتصلة إلى مصنفيها، وثبت أنها مملوءة من الاختلافات المعنوية والأغلاط الكثيرة، وثبت وقوع التحريف القصدي فيها بالزيادة على المتن وبالنقصان منه، وبالتبديل في الجمل والكلمات، فمخالفة القرآن لكتبهم في مواضع عديدة هي مخالفة قصدية لا سهوية؛ لأجل التنبيه على أن ما خالف القرآن في هذه الكتب هو غلط ومحرَّف، فهذه المخالفة لا تعيب القرآن، بل يُقطع بصحته وخطئها.
ونستطيع أن نحصر المخالفة التي بين القرآن الكريم وبين كتب العهدين في ثلاثة أنواع، الأول منها باعتبار الأحكام المنسوخة، والثاني منها باعتبار بعض الحالات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم ولم تذكر في كتب العهدين، والثالث منها باعتبار أن ما جاء في القرآن الكريم في بيان بعض الحالات يخالف بيان نفس الحالات في كتب العهدين. ولا حجة لهم في الطعن على القرآن الكريم باعتبار هذه الأنواع الثلاثة لما يلي:
أما باعتبار الأحكام المنسوخة فلأنه قد مر في الباب الأول أن النسخ لا يختص بالقرآن الكريم، بل وُجد في الشرائع السابقة، وقد اعترف الدكتور القسيس فندر في المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين الشيخ رحمت الله بوقوع النسخ في التوراة والإنجيل، وكان قبل المناظرة ينكر بشدة وقوعه فيهما.
وأما باعتبار بعض الحالات التي انفرد القرآن الكريم بذكرها ولم تذكر في كتب العهدين، فهذه المخالفة لا تنفي أن القرآن الكريم كلام الله تعالى؛ لأنه
وُجد في كتب العهد الجديد حالات لم تذكر في كتب العهد القديم، فانفراد العهد الجديد بذكرها لم يستلزم كونه معيبا في نظرهم، وفيما يلي بعض الأمثلة لذلك:
١ - ورد في الفقرة ٩ من رسالة يهوذا: (وأما ميخائيل رئيس الملائكة فلما خاصم إبليس مُحاجًّا عن جسد موسى. .) .
فهذه المخاصمة بينهما لم تذكر في كتاب من كتب العهد العتيق.
٢ - ورد في الرسالة إلى العبرانيين ١٢: (وكان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد) . وقد ورد صعود موسى إلى جبل سيناء ووقوف الشعب عند أسفل الجبل في سفر الخروج ١٩ / ٧ -٢٥، وليس فيه ولا في غيره من أسفار العهد العتيق هذه الفقرة.
٣ - ورد في رسالة بولس الثانية إلي تيموثاوس ٣: (وكما قاوم يَنِّيسُ ويَمْبِرِيسُ موسى)، وقد وردت قصة سحرة فرعون في الأصحاح السابع من سفر الخروج، وليس فيه ولا في غيره من الأسفار هذه العبارة، ولا أثر لهذين الاسمين في أي كتاب من كتب العهد القديم.
٤ - ورد في رسالة بولس الأولى= إلى أهل كورنثوس ١٥ / ٦ ظهور المسيح بعد رفعه: (وبعد ذلك ظهر دَفْعَةً واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا) . ولا يوجد أثر لهذا الخبر في الأناجيل الأربعة ولا في سفر أعمال الرسل، مع أن لوقا أحرص الناس على كتابة مثل هذه الأمور العجيبة.
٥ - يوجد في الأناجيل ذكر القيامة وجزاء الأعمال والجنة والجحيم، وذلك
بالإجمال، ولا أثر لذلك في كتب موسى الخمسة، بل كل ما فيها مواعيد دنيوية للمطيعين وتهديدات دنيوية للعاصين.
٦ - ورد في إنجيل متى ١ / ١٣ -١٥ بعد اسم زَرُبّابل تسعة أسماء في بيان نسب المسيح ﵇، ولا ذكر لهذه الأسماء في كتاب من كتب العهد القديم.
وهكذا أحوال أخرى يصعب حصرها يثبت منها أن انفراد الكتاب المتأخر بذكر بعض الحالات التي لم تذكر في الكتاب المتقدم لا يلزم منه تكذيب الكتاب المتأخر، وإلا يلزم منه أن يكون الإنجيل كاذبا لاشتماله على حالات لم تذكر في التوراة ولا في كتاب آخر من كتب العهد القديم، والحق أن الكتاب المتقدم لا يلزم أن يكون مشتملا على جميع الحالات المذكورة في الكتاب المتأخر.
وأما طعنهم باعتبار أن بيان بعض الحالات في القرآن الكريم مختلف عن بيانها في كتب العهدين فلا حجة لهم في ذلك أيضا؛ لأن اختلافات فاحشة جدا وقعت بين كتب العهد العتيق بعضها مع بعض، وبين كتب العهد الجديد بعضها مع بعض، وبين كتب العهد الجديد والعهد القديم كما مر في الباب الأول، والنسخ الثلاث للتوراة (العبرانية والسامرية واليونانية) مختلفة فيما بينها اختلافات كبيرة، والأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) مختلفة فيما بينها اختلافات كبيرة أيضا، لكن القسيسين يغمضون أعينهم عما في كتبهم من الاختلافات، ويتوجهون للطعن في القرآن الكريم لتغليط عوام المسلمين بهذه الشبهة، ومخالفة القرآن لكتبهم لا تضره؛ لأنه كتاب مستقل موحى به من الله، بل هذه المخالفة أكبر دليل قطعي على صدقه، وعلى وجود التحريف في كتبهم.
Translation
الفصل الأول الأمور التي تدل على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى ورفع شبهات القسيسين على القرآن الكريم
#73 Chapter 73 — الفصل الثاني دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية الشريفة · ref. #73
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الفصل الثاني دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية الشريفة
Translation
الفصل الثاني دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية الشريفة
#74 Chapter 74 — الشبهة الأولى زعمهم أن رواة الأحاديث هم أزواج محمد وأقرباؤه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه · ref. #74
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الفصل الثاني دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية الشريفة]
[الشبهة الأولى زعمهم أن رواة الأحاديث هم أزواج محمد وأقرباؤه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه]
الفصل الثاني دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث النبوية الشريفة الشبهة الأولى قولهم: (إن رواة الأحاديث هم أزواج محمد ﷺ وأقرباؤه وأصحابه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه) . والجواب أن هذه الشبهة يمكن أن ترد على القسيسين بأن يقال: إن رواة حالات المسيح وأقواله المندرجة في هذه الأناجيل المعروفة الآن هم أصحابه وتلاميذه، ولا اعتبار لشهادتهم في حقه، وإن أصحاب محمد ﷺ لم يبالغ أحد منهم كما بالغ الإنجيلي الرابع في آخر إنجيله (يوحنا ٢١ / ٢٥) فقال: (وأشياء أُخَرُ كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة) .
ولا شك أن هذا الكلام كذب محض ومبالغة شاعرية قبيحة، ولا يكون دافعا للعقلاء إلى الإيمان، لكنه قد يخدع السفهاء.
وليس للقسيسين حجة فيما تتفوّه به فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية في حق الصحابة ﵃ أجمعين؛ لأنه وجدت بعض فرق النصارى تقول أقوالا وتعتقد اعتقادات جعلت القسيسين يحكمون على هذه الفرق بالكفر والابتداع، كقولهم بأن الإله إلهان، أحدهما خالق الخير وثانيهما خالق الشر، وأن إله الشر هو الذي أعطى التوراة لموسى، وأن عيسى نزل إلى الجحيم وأخرج منها كل الأرواح الشريرة، وأبقى فيها أرواح الصالحين، وأن الذي كلم
موسى وخدع أنبياء اليهود هو الشيطان، وأن جميع أنبياء بني إسرائيل هم سُرّاق ولصوص، وهكذا أقوال أخرى لهذه الفرق المبتدعة، ولا شك أن النصارى ينكرون مثل هذه الأقوال والاعتقادات الكفرية ويقولون: إن أقوال هذه الفرق لا تقوم بها الحجة على سائر النصارى، فنقول لهم أيضا: إذا لم تتم أقوال هذه الفرق عليكم، فلا تتم أقوال بعض الفرق الإسلامية على جمهور أهل الإسلام، ولا تقوم بها الحجة، ولا سيما إذا كانت هذه الأقوال مخالفة لنصوص القرآن الكريم ولأقوال بعض الأئمة من آل البيت. ففي القرآن الكريم آيات كثيرة مصرحة بأن الصحابة لم يصدر عنهم شيء يوجب الكفر ويخرجهم عن الإيمان، منها:
١ - قال الله تعالى في سورة التوبة آية ١٠٠: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
بشر الله تعالى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار برضوانه عليهم وبخلودهم في الجنات، ولا شك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ كانوا من السابقين الأولين، فثبت أنهم من المبشرين برضوان الله وجناته، وثبتت صحة خلافتهم، وكما أن قول الطاعن في حق عليّ= مردود، فكذلك قول الطاعن في حق الثلاثة مردود، ولا مجال للطعن فيهم ولا في غيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين.
٢ - وقال الله تعالى في سورة التوبة آية ٢٠-٢٢: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ - يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ - خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠ - ٢٢]
فقال الله تعالى في حق المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله بأنهم أعظم درجة عند الله وأنهم فائزون، وبشرهم بالرحمة والرضوان وبالخلود الأبدي في الجنات، وأكد ذلك بأنه نعيم مقيم، ولا شك أن الخلفاء الأربعة من المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فثبت فوزهم وثبتت لهم البشرى، وثبتت صحة خلافتهم، ولا مجال للطعن فيهم ولا في غيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين.
٣ - وقال الله تعالى في سورة التوبة آية ٨٨-٨٩: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩]
فبشر الله تعالى الصحابة المؤمنين المجاهدين الذين كانوا مع الرسول ﷺ بأن لهم الخيرات وبالفلاح وبالخلود في الجنات، ولا شك أن الخلفاء الأربعة كانوا من المؤمنين المجاهدين مع الرسول ﷺ، فثبت لهم الفلاح والخيرات والخلود في الجنات، وثبتت صحة خلافتهم، ولا مجال للطعن فيهم ولا في غيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين.
٤ - وقال الله تعالى في سورة الحج آية ٤١: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]
فهذه أوصاف المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق المذكورين
في الآية (٤٠) التي قبلها، فوصف الله تعالى المهاجرين بأنه إن مكنهم في الأرض وأعطاهم السلطة أتوا بالأمور الأربعة وهي: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يشك أحد في أن الله تعالى قد مكن للخلفاء الأربعة في الأرض، وتوسعت رقعة الإسلام في عهدهم، فثبت كونهم آتين بالأمور الأربعة، وثبت كونهم على الحق وعلى الطريقة المرضية لله تعالى، هم وأتباعهم من أصحاب الرسول ﷺ.
٥ - وقال الله تعالى في سورة النور آية ٥٥: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]
ولا شك أن المخاطبين في هذه الآية هم المؤمنون الموجودون في زمان نزولها، ولفظ الاستخلاف يدل على أن حصول ذلك الوعد يكون بعد الرسول ﷺ، ومعلوم أنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، فالمراد بهذا الاستخلاف إذن الأئمة والخلفاء بعد الرسول ﷺ، وجميع الضمائر الراجعة إليهم في الآية وقعت كلها على صيغة الجمع، والجمع الحقيقي لا يكون محمولا على أقل من ثلاثة، فثبت أن هؤلاء الأئمة والخلفاء الموعودين بهذا الوعد لا يكونون أقل من ثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] وعد لهم بحصول الشوكة والقوة والنفاذ في العالم، ولا يشك أحد في حصول هذا الوعد للخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
وقوله تعالى: ﴿دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] يدل على أن الدين الذي يظهر
وينتصر في عهدهم هو الدين المرضي لله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] وعد بأنهم في عهد خلافتهم يكونون آمنين غير خائفين، ولا يشك أحد في حصول هذا الوعد للخلفاء الثلاثة في عهدهم ﵃.
وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] يدل على أنهم في عهد خلافتهم يكونون مؤمنين لا مشركين.
فدلت هذه الآية على صحة إمامة الخلفاء الأربعة ﵃، ولا سيما في عهد الثلاثة منهم: أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين ﵃؛ لأن الفتوحات العظيمة والتمكين التام وظهور الدين والأمن الذي حصل في عهدهم لم يحصل مثله في عهد عليّ ﵁، فثبت أن ما يتفوه به الشيعة في حق الثلاثة وأتباعهم من سائر الصحابة ﵃، وما يتفوه به الخوارج في حق عثمان وعلي ﵄، باطل بنص القرآن الكريم، فلا يلتفت لأقوالهم ولا يحتج بها على جمهور أهل الإسلام.
٦ - وقال الله تعالى في سورة الفتح آية ٢٦:
: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦] وقال الله تعالى في سورة الفتح أيضا آية ٢٩: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]
فقال الله تعالى في حق أصحاب محمد ﷺ أنهم مؤمنون وشركاء للرسول في
نزول السكينة، وأنهم أحق بكلمة التقوى وأهلها وأنها لازمة لهم غير منفكّة عنهم، ومدحهم بأنهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وبأنهم راكعون وساجدون ويبتغون فضل الله ورضوانه، ولا شك أن الخلفاء الأربعة كانوا من أصحاب محمد ﷺ، فهم داخلون في هذا الوصف والمدح، ومن اعتقد في حقهم وحق أتباعه من الصحابة غير هذا فهو مخطئ، وعقيدته باطلة مخالفة لنص القرآن الكريم.
٧ - وقال الله تعالى في سورة الحجرات آية ٧:
: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]
ويُعلم من هذه الآية أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا محبي الإيمان وكارهي الكفر والفسوق والعصيان، وكانوا راشدين، فاعتقاد ضد هذه الأشياء في حقهم خطأ ومخالف لنص القرآن الكريم.
وقال الله تعالى في سورة الحشر آية ٨-٩: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩]
فمدح الله تعالى المهاجرين بأن هجرتهم ما كانت لأجل الدنيا، بل كانت لأجل ابتغاء مرضاة الله، ولنصرة دين الله ورسوله، وأنهم كانوا صادقين قولا وفعلا، ومدح الله تعالى الأنصار بأنهم كانوا يحبون من هاجر إليهم، وأنهم كانوا
يسرون إذا حصل خير للمهاجرين، وكانوا يؤثرونهم ويقدمونهم على أنفسهم مع احتياجهم.
ولا شك أن مثل هذه الأوصاف تدل على كمال الإيمان، وقد شهد الله تعالى بصدقهم، وبما أنهم كانوا يقولون لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: (يا خليفة رسول الله)، فوجب أن يكونوا صادقين في هذا القول، ووجب الجزم بصحة إمامته وخلافته، ومن اعتقد في حقه أو حق المهاجرين والأنصار غير هذا فهو مخطئ، وعقيدته باطلة مخالفة لنص القرآن الكريم.
٩ - وقال الله تعالى في سورة آل عمران آية ١١٠: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
فمدح الله تعالى أصحاب محمد ﷺ بأنهم خير أمة، وأنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأنهم كانوا مؤمنين بالله، ولا شك أن الخلفاء الأربعة كانوا من هذه الأمة المحمودة، ومن يعتقد فيهم غير هذا فهو مخطئ ومخالف لصريح القرآن الكريم.
وفيما يلي بعض أقوال أئمة آل البيت: ١ - ورد في كتاب (نهج البلاغة) الذي هو كتاب مقبول عند الشيعة قول علي ﵁: " لله در فلان (وفي رواية: لله بلاء فلان) فلقد: ١- قوّم الأوَدَ (الاعوجاج)، ٢- وداوى العَمَدَ (العلة)، ٣- وأقام السنّة، ٤- وخلّف البدعة (تركها)، ٥- ذهب نقيَّ الثوب، ٦- قليل العيب، ٧- أصاب خيرها، ٨- وسبق شرها، ٩- أدى إلى الله طاعته، ١٠- واتقاه بحقه ".
والمراد بفلان على مختار أكثر الشارحين (منهم الفقيه كمال الدين البحراني الشيعي المتوفى سنة ٦٨١هـ / ١٢٨٢ م) أبو بكر الصديق ﵁، واختار بعض الشارحين أنه عمر الفاروق ﵁، فذكر علي ﵁ عشرة أوصاف من أوصاف أبي بكر أو عمر ﵄، ولما ثبتت هذه الأوصاف بعد مماتهما بإقرار علي ﵁، فما بقي شك في صحة الخلافة بعد رسول الله ﷺ.
ووقع في بعض مكاتيب علي ﵁ قوله في حق أبي بكر وعمر ﵄ على ما نقله شارحو نهج البلاغة كما يلي: (لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم؛ وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما الله بأحسن ما عملا) .
٢ - وورد في كتاب (كشف الغمة) الذي صنفه أحد معتمدي الشيعة الإمامية الاثني عشرية (علي بن عيسى الأردبيلي المتوفى سنة ٦٩٢هـ / ١٢٩٣ م) قوله: " سئل الإمام أبو جعفر (محمد الباقر) ﵇ عن حلية السيف: هل يجوز؟ فقال: نعم؛ قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. فقال الراوي: أتقول
هكذا؟! فوثب الإمام من مكانه فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق، فلا صدّق الله قوله في الدنيا والآخرة ".
ونقل صاحب كتاب (الفصول المهمة) الذي هو من كبار علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية (محمد بن الحسن الحرّ العاملي) أن جماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فقال لهم أبو جعفر محمد الباقر: ألا تخبروني، أنتم من (المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله)؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من (الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم)؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]
فثبت بإقرار أبي جعفر محمد الباقر رحمه الله تعالى أن أبا بكر الصديق ﵁ صديق حق، وأن منكره كاذب في الدنيا والآخرة، وأن الخائض في الصديق والفاروق وذي النورين ﵃، خارج عن جماعة المسلمين الذين مدحهم الله تعالى: نجانا الله تعالى من سوء الاعتقاد في حق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وأماتنا على حبهم. آمين.
Translation
الشبهة الأولى زعمهم أن رواة الأحاديث هم أزواج محمد وأقرباؤه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه
#75 Chapter 75 — الشبهة الثانية زعمهم أن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الرسول · ref. #75
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الشبهة الثانية زعمهم أن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الرسول]
الشبهة الثانية قولهم: (إن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الرسول ولا شاهدوا معجزاته بأعينهم، ولا سمعوا أقواله منه مباشرة بلا واسطة، بل سمعوها بالتواتر بعد مائة أو مائتي سنة من وفاته، ثم جمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار) .
والجواب عن هذه الشبهة أن جمهور أهل الكتاب سلفا وخلفا كانوا يعتبرون الروايات اللسانية الشفوية كالمكتوب، بل جمهور اليهود يعتبرونها اعتبارا أزيد وأحسن من المكتوب، أما فرقة الكاثوليك فتعتبر الروايات الشفوية مساوية للمكتوب، وتعتقد أن كليهما واجب التسليم وأصل للإيمان.
موقف اليهود من الروايات الشفوية: إن اليهود يقسمون قانونهم على نوعين: مكتوب ويقولون له: التوراة، وغير مكتوب ويقولون له: الروايات اللسانية الشفوية التي وصلت إليهم بواسطة المشايخ، ويدعون أن الله تعالى قد أعطى موسى كلا النوعين على جبل الطور، فوصل إليهم أحدهما بواسطة الكتابة، ووصل ثانيهما بواسطة المشايخ بأن تناقلوه شفويا جيلا بعد جيل، ويعتقدون أن كليهما متساويان في المرتبة ومن عند الله ويجب قبولهما، بل يرجحون الروايات الشفوية على المكتوبة ويقولون: إن القانون المكتوب ناقص ومغلق في كثير من المواضع، ولا يمكن أن يكون أصل الإيمان على الوجه الكامل بدون اعتبار الروايات الشفوية اللسانية؛ لأنها أوضح وأكمل، وتشرح القانون المكتوب وتكمله، ولهذا يردون معاني القانون المكتوب (التوراة) إذا كانت مخالفة للروايات اللسانية الشفوية.
واشتهر فيما بينهم أن العهد المأخوذ من بني إسرائيل ما كان لأجل القانون
المكتوب، بل كان لأجل هذه الروايات اللسانية، فكأنهم بهذه الحيلة نبذوا القانون المكتوب وجعلوا الروايات اللسانية مبنى دينهم وإيمانهم، ويفسرون كلام الله على حسب هذه الروايات وإن كان هذا المعنى الروائي مخالفا لمواضع كثيرة من كلام الله المكتوب، ووصلت حالة اليهود في زمان عيسى إلى حد الإفراط حتى عظموا هذه الروايات أكثر من المكتوب، ووبخهم عيسى في هذا الأمر بأنهم يبطلون كلام الله لأجل سنتهم، ويوجد في كتبهم أن ألفاظ المشايخ الشفوية اللسانية أحب من ألفاظ التوراة، وألفاظ التوراة بعضها جيد وبعضها غير جيد، لكن ألفاظ المشايخ كلها جيدة، وأجود جدا من ألفاظ الأنبياء.
وهكذا أقوال أُخَرُ يُعلم منها أنهم يعظمون الروايات اللسانية أكثر من القانون المكتوب، ويفهمون القانون المكتوب على حسب ما تشرحه الروايات اللسانية الشفوية، فكأن القانون المكتوب عندهم بمنزلة الجسد الميت، والروايات اللسانية الشفوية بمنزلة الروح التي بها الحياة.
ويقولون: إن الله أعطى موسى التوراة وأمره بكتابتها (فهي القانون المكتوب)، وأعطاه أيضا معاني التوراة وأمره بتبليغها دون الكتابة (فهي القانون اللساني الشفوي)، فجاء بهما موسى من الجبل وبلغ القانونين المكتوب والشفوي إلى هارون وابنيه والمشايخ السبعين، ثم أخبر هؤلاء سائر بني إسرائيل، وبقيت الروايات الشفوية تتناقل بالألسنة إلى أن بدأ بجمعها الربي يهوذا حق دوش (يوضاس) حوالي سنة ١٥٠م، ومكث في جمعها أربعين سنة بمشقة كبيرة، ثم دونها في كتاب سماه: المشنا، فهذا المشنا يضم الروايات الشفوية التي تناقلها المشايخ بألسنتهم حوالي سبعة عشر قرنا بعد موسى عليه
السلام، ويعتقدون أن كل ما فيه هو من عند الله مثل القانون المكتوب، وواجب التسليم والقبول مثله.
وقد كتب علماء اليهود شرحين على كتاب المشنا، أحدهما في القرن الثالث (وقيل الخامس) الميلادي في أورشليم القدس، والثاني في بداية القرن السادس الميلادي في بابل، ويسمى الشرح (كمرا) أي الكمال؛ لأنهم يعتقدون أن التوضيح التام لمتن المشنا حصل في هذين الشرحين، فإذا جُمع المتن والشرح (مشنا + كمرا) يقال لهذا المجموع (التلمود)، ويقال للتمييز: تلمود وأورشليم، وتلمود بابل، وهذا الشرح (كمرا) مملوء بالحكايات الواهية، لكنه معظم عند اليهود، ويدرسونه ويرجعون إليه في كل مُشْكِل، مذعنين بأنه مرشد لهم.
فمذهب اليهود الآن وعقيدتهم تؤخذ من هذين التلمودين البعيدين عن التوراة وعن سائر كتب الأنبياء، ويقدمون تلمود بابل على تلمود أورشليم.
فإذا كان اليهود قد تناقلوا الروايات اللسانية الشفوية سبعة عشر قرنا ويقدمونها على التوراة، علما أنهم تعرضوا خلال هذه المدة لآفات عظيمة ودواهٍ جسيمة أضاعت كتبهم المكتوبة ففقدت إسنادها وتواترها، ومع ذلك يعدون الروايات اللسانية هي مبنى إيمانهم وأصل عقائدهم، فكيف يجوز الطعن في الأحاديث الشريفة المكتوبة بعد رسول الله ﷺ بقرن أو قرنين.
موقف جمهور قدماء النصارى من الروايات الشفوية: ذكر يوسي بيس في تاريخه أن كليمنس عندما بيّن حال يعقوب الحواريّ نقل حكايات عن الروايات اللسانية التي وصلت إليه من الآباء والأجداد، ونقل في حق يوحنا الحواريّ حكايات أخذها من المحفوظ في الصدور، وهو
(أي كليمنس) اعترف أنه كان ينقل الروايات اللسانية من عدة شيوخ، أحدهم سُرياني في اليونان، وثانيهم آشوري في المشرق، وثالثهم عبراني في فلسطين، ولكن الشيخ الذي نقل عنه الروايات اللسانية وكان أفضل من المشايخ كلهم ولم يطلب شيخا آخر بعده هو الشيخ الذي كان مختفيا في مصر.
وذكر يوسي بيس أيضا أن أرينيوس كتب ما وصل إليه بالرواية اللسانية من بوليكارب، وكانت الكنيسة تبلغ عن بوليكارب بالرواية اللسانية، وكان أرينيوس يفتخر أنه لا يكتب في القرطاس، وإنما تعوّد من قديم الأيام أن يحتفظ بالأحاديث في صدره. وذكر أن أكناثيوس عندما مر في آسيا الصغرى قوّى الكنائس المختلفة وأوصاهم باللصوق بالروايات اللسانية لصوقا قويا. وأن بيبيس كتب جميع الأشياء التي وصلت إليه من المشايخ وأتباعهم؛ لأن الفائدة التي حصلت له من ألسنة الأحياء لم تحصل له من الكتب. وأن المؤرخ المشهور هجيسي بوس كتب مسائل الحواريين التي وصلت إليه بالرواية اللسانية بعبارة سهلة في خمسة كتب. وأن أساقفة كثيرين قبلوا روايات لسانية كثيرة في باب عيد الفصح قدمها لهم بعض الأشخاص، فكتبها الأساقفة في كتاب وأرسلوا نقوله إلى الكنائس لإلزام الناس بها. وأن كليمنس اسكندر يانوس الذي كان من أتباع تابعي الحواريين ألف كتابا في بيان عيد الفصح استجابة لرغبة الأحباء الذين طلبوا منه تدوين الروايات اللسانية التي سمعها من الأساقفة.
وذكر جان ملنر الكاثوليكي في رسالته العاشرة التي كتبها إلى جيمس برون أن مبنى إيمان الكاثوليك ليس كلام الله المكتوب فقط، بل أعم من ذلك مكتوبا أو غير مكتوب، أي الكتب المقدسة والروايات اللسانية على ما
تشرح به كنيسة الكاثوليك، فإن أرينيوس بيّن أن أسهل أمر لطالبي الحق هو أن يتفحصوا الروايات اللسانية؛ لأنه وإن كانت ألسنة الأقوام مختلفة، لكن حقيقة الرواية اللسانية متحدة، والروايات اللسانية المنقولة عن الحواريين جيلا بعد جيل كلها محفوظة في كنيسة الروم الكاثوليك؛ لأن الحواريين سلموها للناس، والناس سلموها للكنيسة الكاثوليكية.
وذكر ملنر في نفس الرسالة أن ترتولين قال بأن عادة أهل البدعة أنهم يتمسكون بالكتب المقدسة ويرفضون الروايات اللسانية ليلقوا الضعفاء في شباكهم، وليوقعوا المتوسطين في الشك، ولذلك لا نسمح لهؤلاء أن يستدلوا في مناظراتهم بالكتب المقدسة؛ لأن المباحثة المستندة إلى الكتب المقدسة لا يحصل منها فائدة سوى وجع الدماغ والبطن، ولو حصل شيء يكون ناقصا؛ لأن جميع أحكام الدين المسيحي وعقائده التي صرنا بسببها مسيحيين منقولة بالروايات اللسانية.
وذكر ملنر عن أوريجن قوله: لا يليق بنا تصديق الناس الذين ينقلون عن الكتب المقدسة ونترك الروايات اللسانية التي تبلغها لنا كنيسة الله.
وذكر عن باسيليوس أن المسائل الكثيرة المحفوظة في الكنيسة للوعظ بها أخذت بعضها من الكتب المقدسة وبعضها من الروايات اللسانية، وقوتهما في الدين متساوية.
وذكر عن ابيفانس في رده على المبتدعين أنه حض على استعمال الروايات اللسانية؛ لأن جميع الأشياء لا توجد في الكتب المقدسة.
وذكر عن كريزاستم أن الحواريين لم يبلغوا كل شيء بواسطة الكتابة، بل
بلغوا أشياء كثيرة بالروايات اللسانية، وكلتاهما متساويتان في الاعتبار؛ فإن الروايات اللسانية هي منشأ الإيمان، وإذا ثبت شيء بالرواية اللسانية لا نطلب دليلا آخر.
وذكر عن أكستاين أن بعض المسائل ليس لها سند تحريري، وإنما تؤخذ من الرواية اللسانية؛ لأن الأشياء الكثيرة تسلمها الكنيسة العامة وهي ليست بمكتوبة.
وقد أورد الربي موسى قدسي شواهد كثيرة على أن الكتاب المقدس لا يُفهم بدون الرواية اللسانية.
وكذلك عقائد النصارى كلها لم يثبت شيء منها بالإنجيل، بل يقبلونها بالرواية اللسانية مثل: أن الابن مساوٍ للآب في الجوهر، وأن الروح القدس منبثق من الآب والابن، وأن المسيح ذو طبيعتين وأقنوم واحد، وأنه ذو إرادتين إلهية وإنسانية، وأنه بعدما مات نزل الجحيم، وهكذا غيرها الكثير.
وذكر الدكتور بريت أن الأشياء التي لها دخل في النجاة ليست كلها مكتوبة؛ لأن الحواريين بلّغوا أحاديث كتابة، وبلّغوا أحاديث أخرى بالرواية اللسانية، والويل للذين لا يأخذون بهما؛ لأن الأحاديث اللسانية في أمر الإيمان سند كالمكتوب.
وذكر أسقف مونيك أن التقرير اللساني درجته أزيد من المكتوب.
وذكر جلنك ورتهه أن النزاع فيما هو قانوني يزول بالرواية اللسانية التي هي قاعدة الإنصاف لكل نزاع.
وشهد أسقف ماني سيك بأن ستمائة أمر مقررة في الدين، وتأمر الكنيسة
بها، ولم يبيّنها الكتاب المقدس في موضع من المواضع، وإنما تقبل من الرواية اللسانية.
وقال وليم ميور بأن قدماء المسيحية ما كان عندهم عقيدة مكتوبة من عقائد الإيمان التي اعتقادها ضروري للنجاة، وكانت تعلَّم للأطفال وللذين يدخلون في الملة المسيحية تعليما لسانيا.
وبعد أن عرفنا حال اليهود والنصارى معا في اعتبارهم الرواية اللسانية أكثر من المكتوب، فلماذا الطعن في الأحاديث النبوية وقد قال ﷺ: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب على معتمدا فليتبوأ مقعده من النار» . وهذا الحديث متواتر رواه اثنان وستون صحابيا.
ولذلك كان اهتمام المسلمين في حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية منذ القرن الأول أشد من اهتمام النصارى في حفظ كتبهم المقدسة، لكن الصحابة لم يدونوا الأحاديث في عهدهم لبعض الأعذار، منها الاحتياط التام لأجل أن لا يختلط كلام الرسول ﷺ بكلام الله تعالى، ولكن أتباع الصحابة شرعوا في تدوينها بدون ترتيب على أبواب الفقه، ولما كان هذا الترتيب حسنا ضبطها تابعو التابعين على هذا الترتيب، وكان اجتهادهم في أمر الأحاديث والتحري اجتهادا عظيما، حتى إنه صنف فن عظيم الشأن في أسماء الرجال لمعرفة حال كل راو من رواة الأحاديث من حيث الديانة والحفظ، وروى كل من أصحاب الصحاح الأحاديث بالإسناد منهم إلى رسول الله ﷺ، وبعض الأحاديث ثلاثية، أي تصل إلى الرسول ﷺ بثلاث وسائط، وقسمت الأحاديث إلى ثلاثة أقسام: متواتر ومشهور وآحاد.
وقول الطاعن: (جمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار) غلط؛ لأن رواة الأحاديث ما أسقطوا إلا الأحاديث الضعيفة التي لم تكن أسانيدها كاملة، وتركها لا يضر، وأهل الإسلام جميعا يقبلون الأحاديث الصحيحة المروية في كتب الحديث المعتبرة، أما الأحاديث المروية في كتب غير معتبرة، فلا يقبلها أهل الإسلام، ولا تعارض الصحيحة.
وبهذا ثبت أنه لا مجال لأحد أن يطعن على أهل الإسلام في قبولهم أحاديث نبيهم ﷺ.
ويناسب لبيان حال النصارى في هذا المقام ذكر الحكاية التي نقلها جان ملنر في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٨م وهي: أن القديسة الفرنسية جان دارك (وتُدعى عذراء أورليان) والمولودة سنة ١٤١٢م، بدأت الشعوذة في سن السادسة عشرة وصار لها أتباع، ثم ادعت أنها هي المرأة التي ورد في حقها في سفر رؤيا يوحنا ١٢ / ١ -٢ ما يلي: (١) وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (٢) وهي حُبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد) .
فادعت أنها حبلى من عيسى ﵇، فتبعها كثير من النصارى، وفرحوا فرحا شديدا بهذا الحمل، وصنعوا أطباق الذهب والفضة لاستقبال المولود الإلهي.
قال الشيخ رحمت الله معلقا على هذه القصة: هل حصلت رتبة الألوهية لهذا الولد السعيد مثل أبيه أم لا؟! وفي صورة الحصول: هل بدل اعتقاد التثليث بالتربيع أم لا؟! وكذا هل بدل لقب الله الآب بالجد أم لا؟!
فانظروا إلى أبناء صنف القسيسين كيف يُتلاعب بعقولهم؟! ومن كان هذه حاله وعقله فليس له أن يطعن على دين الإسلام وكتابه ونبيه ﷺ.
اللهم وفقنا للإيمان والهدى، وجنبنا الضلالة والردى.
Translation
الشبهة الثانية زعمهم أن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الرسول
#76 Chapter 76 — الباب الرابع إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ · ref. #76
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
الباب الرابع إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
Translation
الباب الرابع إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
#77 Chapter 77 — المسلك الأول ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﵇ · ref. #77
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
المسلك الأول ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﵇
Translation
المسلك الأول ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﵇
#78 Chapter 78 — النوع الأول بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة · ref. #78
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[الباب الرابع إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ]
[المسلك الأول ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﵇]
[النوع الأول بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة]
الباب الرابع
إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ وفيه: - ستة مسالك، وأربع بشارات.
المسلك الأول - ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﷺ، وهي نوعان: أما النوع الأول: ففي بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة.
أما المغيبات الماضية فكثيرة جدا، كقصص الأنبياء، وقصص الأمم البالية، من غير أن يسمعها من أحد ولا تلقنها من كتاب، وإلى هذا المعنى وردت الإشارة في قوله تعالى في سورة هود آية ٤٩:
: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] والمخالفة الحاصلة بين القرآن الكريم وبين كتب أهل الكتاب في بيان بعض القصص هي مخالفة قصدية؛ لبيان أن هذه الكتب محرفة، وأن القرآن الكريم أتى بالحق كما قال تعالى في سورة النمل آية ٧٦: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
وأما المغيبات المستقبلة فكثيرة جدا أيضا وردت في الأحاديث، مثل:
أن الرسول ﷺ أخبر الصحابة بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وأن الأمن يظهر حتى ترحل المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن خيبر تفتح على يد علي ﵁ في غد يومه، وأنهم يقسمون كنوز فارس والروم، وأن بنات فارس تخدمهم، وأن فارس ستزول ولا فارس بعدها، وأما الروم فذات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن آخر، والمراد بالروم الفرنج وسائر النصارى، وهذه الأمور كلها وقعت في زمن الصحابة ﵃ كما أخبر ﷺ.
وأخبر أن الفتن لا تظهر مادام عمر حيا، وكان كما أخبر، وكان عمر ﵁ سد باب الفتنة.
وأخبر ﷺ أن عثمان يقتل وهو يقرأ في المصحف، وأن أشقى الآخرين الذي يقتل عليا، وأن عمارا تقتله الفئة الباغية، فاستشهد الثلاثة ﵃ كما أخبر ﷺ.
وأخبر ﷺ أنه يظهر في قبيلة ثقيف كذاب (متنبىء) ومبير (مهلك)، فظهرا كما أخبر ﷺ، فقد ادعى النبوة المختار الثقفي، فقاتله أمير البصرة (مصعب بن الزبير) فقتله في الكوفة سنة ٦٧هـ / ٦٨٧ م، والمهلك هو الحجاج الثقفي المتوفى سنة ٩٥هـ / ٧١٤ م.
وأخبر ﷺ أن الوباء يكون بعد فتح بيت القدس، فكان كما أخبر ﷺ، فقد ظهر هذا الوباء بعد فتح القدس بثلاث سنوات في خلافة عمر ﵁ في قرية عمواس البعيدة عن القدس حوالي ٢٠كم، وبها كان اجتماع العسكر، وكان هو أول طاعون وقع في الإسلام، مات به سبعون ألفا.
وأخبر ﷺ أم حرام بنت ملحان النجارية الأنصارية، أنها وناسا من أمته يركبون البحر غزاة في سبيل الله، فركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت ﵄ لفتح جزيرة قبرص بقيادة أمير الشام معاوية ﵁ في خلافة عثمان ﵁، فلما خرجت من البحر وقربت إليها دابتها لتركبها فصرعتها فماتت ودفنت في موضعها سنة ٢٧هـ / ٦٤٧ م، وكانت أول امرأة ماتت في غزو المسلمين للبحر.
وأخبر ﷺ أن ابنته فاطمة أول أهله لحوقا به، فتوفيت ﵂ في رمضان سنة ١١هـ / ٦٣٢ م بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ.
وأخبر ﷺ أن الحسن بن علي ﵄ سيد، وسيصلح الله به
بين فئتين عظيمتين، ووقع كما أخبر ﷺ؛ لأنه بويع بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة ٤٠هـ، ودامت خلافته سبعة أشهر، ثم كره اقتتال المسلمين، فتنازل عن الخلافة في جمادى الأولى سنة ٤١هـ لمعاوية ﵁، فأصلح الله به بين أهل العراق وأهل الشام، وسمي هذا العام عام الجماعة.
٩ - وأخبر ﷺ أن الحسين بن علي ﵄ يقتل بالطف (مكان في ناحية الكوفة على شط نهر الفرات ويعرف الآن بكربلاء)، فكان كما أخبر ﷺ.
- وأخبر ﷺ سراقة بن جعشم أنه يلبس سواري كسرى، فلما أتى بهما عمر ﵁ في خلافته ألبسهما إياه تنفيذا لوعد النبي ﷺ، وقال عمر ﵁: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة.
- وأخبر ﷺ خالد بن الوليد ﵁ حين وجهه لأكيدر بن عبد الملك الكندي - صاحب دومة الجندل - أنه يجده يصيد البقر، فكان كما أخبر ﷺ.
- وأخبر ﷺ أن نارا ستخرج من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل في بصرى، فخرجت هذه النار العظيمة قرب المدينة المنورة في جمادى الآخرة سنة ٦٥٤ هـ، واشتدت حتى اضطربت الأرض بمن عليها، وارتفعت الأصوات لخالقها، وأيقن أهل المدينة بالهلاك، وبقي الناس في زلزال شديد حتى انطفأت في ٢٧ رجب، وأخبار هذه النار مدونة في كتب التواريخ، وفيها كتب مستقلة، وذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما قبل ظهورها بمقدار أربعمائة سنة.
Translation
النوع الأول بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة
#79 Chapter 79 — النوع الثاني الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة · ref. #79
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
[النوع الثاني الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة]
وأما النوع الثاني: ففي الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة وقد أحصاها العلماء فزادت على ألف، مثل:
١ - الإسراء والمعراج: قال الله تعالى في سورة الإسراء آية ١: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]
ولا شك أن الإسراء والمعراج كان في اليقظة بالروح والجسد؛ لأن لفظ العبد يطلق عليهما معا، ولذلك استبعد الكفار هذا الأمر وأنكروه، ولو لم يكن بالجسد وفي اليقظة ما كان سببا للاستبعاد والإنكار؛ لأن مثل هذا في المنامات لا يستبعد ولا ينكر، ألا ترى لو أن شخصا ادعى أنه طار في نومه في الشرق وفي الغرب وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى لم ينكر أحد عليه.
فالإسراء والمعراج الحاصل لمحمد ﷺ بالجسد والروح معا وفي اليقظة لا استحالة فيه عقلا ولا نقلا.
أما عقلا: فلأن الله تعالى خالق العالم، وهو على كل شيء قدير، وحصول الحركة البالغة السرعة في جسد محمد ﷺ أمر يسير على الله تعالى، وغاية ما فيه أنه خلاف العادة، وهكذا المعجزات كلها تكون خلاف العادة.
وأما نقلا: فلأن صعود الجسم إلى السماوات ليس بممتنع عند أهل الكتاب لما يلي:
ا - ورد في سفر التكوين ٥: (وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه)، فهذا نص على أن النبي أخنوخ (إدريس ﵇ رفع إلى السماء حيا، ودخل بجسده ملكوت السماء.
ب - ورد في سفر الملوك الثاني ٢ / ١ و١١: (١) وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة على السماء أن إيليا وأليشع ذهبا من الجلجال (١١) وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء) . وهذا نص على أن النبي إيليا رفع إلى السماء بجسده حيا.
وهذان النصان مسلمان عند القسيسين، وهم يعتقدون أن المسيح ﵇ بعدما مات ودفن في القبر قام حيا وصعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، فلا مجال لهم أن يعترضوا على معراج محمد ﷺ لا عقلا ولا نقلا.
٢ - انشقاق القمر: قال الله تعالى في سورة القمر آية ١-٢: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على وقوع حادثة انشقاق القمر لمحمد ﷺ، فهي حادثة متواترة منصوص عليها في القرآن الكريم ومروية في الصحيحين وغيرهما، وأقوى شبه القسيسين عندهم أن هذه الحادثة لو وقعت لم تخف على أهل الأرض كلهم، ولنقلها مؤرخو العالم، وهي عندنا شبهة ضعيفة جدا لما يلي:
ا - أن حادثة طوفان نوح ﵇ حادثة عظيمة جدا وكانت على الأرض كلها، ومذكورة في الإصحاحين السابع والثامن من سفر التكوين، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس والكلدانيين وأهل الصين ينكرون هذه الحادثة إنكارا بليغا، وأما ملاحدة نصارى الغرب فيستهزئون بها
وينكرونها، ويتجاوزون الحد في إساءة الأدب على الله تعالى وعلى نبيه نوح ﵇، فهل يرضى القسيسيون بإنكار الأمم المشرقية لحادثة الطوفان وباستهزاء الملاحدة من قومهم؟!
ب - أن حادثة وقوف الشمس يوما كاملا ليوشع (يشوع بن نون) مذكورة في سفر يشوع ١٠ / ١٢ -١٣، وذكر مؤرخو أهل الكتاب ومفسروهم بأنها دامت إلى أربع وعشرين ساعة، فهذه الحادثة العظيمة التي وقعت سنة ١٤٥٠ق. م يجب أن يراها سكان الأرض كلهم؛ لأن السحاب الغليظ لا يمنع العلم بها في المناطق التي كان عليها النهار، وأما سكان المناطق التي كان عليها الليل فلابد أن يعلموا بهذه الحادثة لامتداد ليلهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس وأهل الصين ينكرونها ولم تذكر في تواريخهم، وملاحدة أوروبا يستهزئون بها ويوردون عليها اعتراضات، فهل يقبل القسيسون بإنكار الأمم المشرقية لهذه الحادثة وباعتراضات أبنائهم الملاحدة؟!
ج - أن متى روي في إنجيله ٢٧ / ٥١ -٥٣ عدة حوادث عظيمة وقعت بعد حادثة الصلب مباشرة، وهي: انشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وتزلزل الأرض، وتشقق الصخور، وتفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين الموتى، وخروجهم من القبور، ودخولهم القدس، وظهورهم لكثيرين، وهذه الحوادث كاذبة يقينا لكن نقول: إن هذه الحوادث العظيمة غير مذكورة في كتب الرومان ولا في كتب اليهود، بل لم يذكرها إنجيل يوحنا، وإما إنجيل مرقس وإنجيل لوقا فذكرا انشقاق حجاب
الهيكل فقط ولم يذكرا باقي الأمور العظيمة، علما أن ذكرها أولى من ذكر صراخ المصلوب وأمور أخرى لا قيمة لها اتفقا على ذكرها، وعلما أن بعض الأمور يبقى أثرها بعد الوقوع كتشقق الصخور وتفتح القبور، والعجب من متى أنه لم يذكر أن هؤلاء القديسين بعد خروجهم من قبورهم أحياء أين ذهبوا؟! هل بقوا على قيد الحياة أم رجعوا إلى قبورهم؟! ولذلك استهزأ بعضهم بهذه المبالغات الشنيعة فقال: لعل متى رآها في المنام. ويفهم من عبارة إنجيل لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة المصلوب، بينما يفهم من عبارتي متى ومرقس أنه بعد وفاة المصلوب. فكيف يعالج القسيسون هذه المعضلات؟! د- أنه ورد في إنجيل متى ٣ / ١٦ -١٧ وإنجيل مرقس ١ / ١٠ -١١ وإنجيل لوقا ٣ / ٢١ -٢٢ أن يحيى عمد عيسى ﵉ في نهر الأردن، وفي وقت صعود عيسى من الماء، انشقت السماوات وانفتحت ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسيمة في شكل حمامة، وقال صوت من السماوات: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
فانشقاق السماوات لم كان في النهار فلابد أن يراه أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة المجسمة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون غيره من الحاضرين، ومع ذلك لم يكتب أحد من مؤرخي ذلك الزمان هذه الحادثة غير الإنجيليين الثلاثة، ولذلك صارت سببا لاستهزاء ملاحدة أوروبا فقالوا: لماذا أبقانا متى محرومين من معرفة الأبواب التي انفتحت في السماوات هل هي أبوابها الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟! وفي أي جانب منها كانت هذه الأبواب؟!
وقسوسنا يضربون رؤوسهم متحيرين في تعيين ذلك. ولماذا لم يخبرنا متى عن الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص أم رأوها راجعة إلى السماوات؟!
وإذا رجعت إلى السماوات فهل بقيت أبوابها مفتوحة كل هذه المدة؟! وهل رأوا باطن السماوات بوجه حسن؟! فماذا يقول القسيسون في هذه التساؤلات؟! إذن فالاعتراض على معجزة انشقاق القمر لمحمد ﷺ اعتراض باطل ولا قيمة له.
٣ - معجزة تكثير الماء القليل: وهذه المعجزات صدرت منه ﷺ في مواطن متعددة، فقد «روى أنس بن مالك ﵁ أنه كان بالزوراء عند سوق المدينة وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الماء ليتوضؤوا فلم يجدوه، فوضع رسول الله ﷺ يده في إناء به ماء قليل، فجعل الماء يفور من بين أصابعه حتى توضأ الناس عن آخرهم.»
«وروي جابر بن عبد الله ﵁ أن الناس عطشوا يوم الحديبية، ولم يكن عندهم ماء، وكان بين يدي الرسول ﷺ إناء صغير به ماء قليل، فوضع ﷺ يده في الإناء فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون، وكان الناس ألفا وأربعمائة.»
«وروي جابر أن الناس لم يجدوا الماء في غزوة بواط، فجاء جابر بجفنة فوضع النبي ﷺ يده فيها وصب عليه جابر قليلا من الماء، فدارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بأن يتوضؤوا ويسقوا حتى لم يبق لأحد منهم حاجة بالماء، ورفع الرسول ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.»
وروي معاذ بن جبل ﵁ «أن الناس في غزوة تبوك لما وردوا العين وجدوها مثل الشراك، أي ضعيفة مثل سير النعل، فغسل الرسول ﷺ وجهه
ويديه في العين، فجرت بماء كثير له حس كحس الصواعق، فاستقى الناس، ثم قال ﷺ: " يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا ".»
«وروي عمر ﵁ أن الناس أصابهم العطش في جيش العسرة حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ في الدعاء، فرفع ﷺ يديه فلم يرجعهما حتى انسكبت السماء، وملئوا آنيتهم، ولم تجاوز العسكر.
» وروي عمران بن حصين ﵁ أنه «أصاب النبي ﷺ وأصحابه عطش في بعض أسفارهم، فوجه رجلين إلى مكان كذا، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة معها بعير عليه مزادتان (المزادة تشبه القرية) فذهبا فأتيا بها، فدعا الرسول ﷺ ربه، ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملؤوه، والمزادتان لم تنقصا، ثم جمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها وقال لها: اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا.»
٤ - معجزة تكثير الطعام القليل: وهذه أيضا وقعت عدة مرات، فقد روي جابر ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأعطاه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم.»
«وعن جابر ﵁ أنه عجن صاعا من شعير وطبخ عناقا (أنثى المعز دون السنة) يوم الخندق، فبصق النبي ﷺ في العجين والقدر وبارك،
فأطعم من الصاع والعناق ألف رجل في ذلك اليوم.»
«وعن جابر ﵁ أن والده مات وعليه دين، فجاء غرماء أبيه ولم يكن الثمر يكفي لسداد ديونهم، فبذل لهم جابر أصل ماله فلم يقبلوه، فأخبر النبي ﷺ فأمره بقطف الثمار وجعلها بيادر (أي أكوام)، فمشي فيها النبي ﷺ ودعا، فأوفى جابر دين غرماء أبيه، وزاد منها مثل ما كانوا يقطفون كل سنة.»
«وعن أنس بن مالك ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ بأقراص شعير تحت إبطه، فأطعم النبي ﷺ منها ثمانين رجلا.
» «وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ حين تزوج بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم، حتى امتلأ البيت والحجرة، فقدم لهم إناء صغيرا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا، فوضعه وغمس فيه ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدون ويخرجون، وبقي الإناء نحوا مما كان.
» «وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه صنع للرسول ﷺ ولأبي بكر ﵁ طعاما يكفيهما فقط، فأمره النبي ﷺ أن يدعو ثلاثين من أشراف الأنصار، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، ثم أمره أن يدعو ستين، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، ثم أمره أن يدعو سبعين، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، قال أبو أيوب ﵁: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا.
» وعن سمرة بن جندب ﵁ «أن النبي ﷺ أتي بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون.»
«وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أنهم كانوا عند النبي ﷺ مائة
وثلاثين رجلا، فعجن صاع من طعام، وصنعت شاة، فشوي سواد بطنها (الكبد وقيل: حشو البطن كله)، فلم يبق أحد من المائة والثلاثين إلا أخذ قطعة لحم، وجعل الباقي في قصعتين حتى أكل الجميع، وحمل عبد الرحمن ما فضل على البعير.
» وعن سلمة بن الأكوع وأبي هريرة وعمر بن الخطاب ﵃ «أن مخمصة أصابت الناس مع رسول الله ﷺ في بعض الغزوات (وفي بعض الروايات أنها غزوة تبوك)، فدعا ببقية الأزواد، فجاؤوا بما معهم من الطعام، وأعلاهم الذي يأتي بالصاع من التمر، فجمع على بساط كربضة العنز (أي كقدر العنزة وهي رابضة)، فدعا الرسول ﷺ الناس أن يملؤوا أوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه، وبقي منه.»
٥ - كلام الشجر والحجر وشهادتهما له بالنبوة: عن ابن عمر ﵄ «أن الرسول ﷺ دعا أعرابيا إلى الإيمان برسالته، فقال الأعرابي: من يشهد لك على ما تقول؟ فقال ﷺ: هذه الشجرة السمرة، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تشق الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها.»
وعن جابر ﵁ «أن رسول ﷺ ذهب ليقضي حاجته، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده (أي البعير الذي جعل في أنفه حلقة فيها الخطام ليكون أسرع لانقياده)، وفعل بالشجرة الأخرى مثل ذلك،
حتى إذا كان بينهما قال: التئما على بإذن الله، فالتأمتا، فلما قضى حاجته افترقتا وعادت كل واحدة منهما إلى منبتها، وقامت على ساق.
» وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ قال لأعرابي: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فجعل العذق ينقز (أي يثب صعدا) حتى أتاه، فقال رسول الله ﷺ: ارجع، فرجع على مكانه.»
وعن بريدة بن الحصيب «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ آية على نبوته، فقال للأعرابي: قل لتلك الشجرة: رسول الله يدعوك، فقال، فمالت الشجرة عن يمينها وعن شمالها، فتقطعت عروقها، وجاءت تشق الأرض حتى وقفت بين يديه ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت، فقال الأعرابي: ائذن لي أسجد لك، فقال ﷺ: لا ينبغي السجود إلا لله تعالى، فقال: ائذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن له.»
وروي بضعة عشر من الصحابة ﵃ «أن المسجد النبوي كان سقوفا على جذوع من نخل، وكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، سمعوا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار من الإبل، حتى انشق الجذع، وارتج المسجد لشدة خواره، وكثر بكاء الناس، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت، وقال: إن هذا بكى لما فقد من ذكر الله تعالى، والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة، ثم أمر به النبي ﷺ فدفن تحت المنبر.» وهذا الخبر بأنين الجذع وحنينه باعتبار مبناه مشهور عند السلف
والخلف، وباعتبار معناه متواتر يفيد العلم القطعي.
وروي ابن مسعود ﵁ قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام مع رسول الله ﷺ وهو يأكل.» ٦ - سقوط الأصنام: عن ابن عباس ﵄ أنه «كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما مثبتة في الحجارة بالرصاص، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد عام الفتح، جعل يشير إليها بقضيب كان في يده ويقول ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فما أشار لوجه صنم إلا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها.»
٧ - شفاء العلل بريقه وكفه المباركة ﷺ: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ «أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ، فكانت أحسن عينيه.»
وعن عثمان بن حنيف ﵁ «أن أعمى جاء إلى النبي ﷺ فقال له: ادع الله أن يكشف لي عن بصري، فعلمه الرسول ﷺ دعوات يدعو بها، فرجع وقد كشف الله عن بصره.»
«ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء فبعث رجلا إلى النبي ﷺ، فأخذ بيده حثوة من الأرض، فتفل عليها وأعطاها للرجل، فأتاه بها وهو مشرف على الموت، فشربها فشفاه الله تعالى» .
«وعن حبيب بن فديك ﵁ أن أباه ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فكان يدخل الخيط في
الإبرة وهو ابن ثمانين سنة.
» «وتفل ﷺ يوم خيبر في عيني على ابن أبي طالب ﵁ وكان رمدا، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع.»
«ونفث ﷺ يوم خيبر على ضربة بساق سلمة بن الأكوع ﵁ فبرأت» .
«وجاءت إلى النبي ﷺ امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم، فأتي بماء فمضمض فاه وغسل يديه، ثم أعطاها الماء فسقته للصبي ومسته به، فبرأ وعقل عقلا يفضل عقول الناس» .
وعن ابن عباس ﵄ «أن امرأة جاءت بابن لها به جنون، فمسح النبي ﷺ صدره، فقاء فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وشفي.
» «وانكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل، فمسح عليها النبي ﷺ وتفل فيها، فبرأت لحينها.»
«وكانت غدة في كف شرحبيل الجعفي، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها للنبي ﷺ، فمازال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر.
» ٨ - إجابة دعائه ﷺ: «عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا له فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة.»
«ولما مزق كسرى كتاب النبي ﷺ دعا عليه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية، ولا بقيت لفارس رئاسة في سائر أقطار الدنيا.»
وأنشد النابغة الجعدي أبياتا عند رسول الله ﷺ، فقال له: «لا يفضض الله فاك»، فما سقطت له سن، وكان من أحسن الناس ثغرا، وعاش مائة وعشرين سنة، وقيل: كان إذا سقطت له سن نبت في مكانها سن أخرى.
وعن أنس ﵁ «أن أعرابيا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فشكا القحط، فدعا الله فسقوا، ولم يروا الشمس إلى الجمعة الأخرى، حتى دخل الأعرابي عليه ﷺ وهو يخطب، فشكا كثرة المطر، فدعا الله فانكشف السحاب.»
«وكان عتبة بن أبي لهب يسب النبي ﷺ ويؤذيه كثيرا، فدعا الله أن يسلط عليه كلبا من كلابه، فخرج عتبة في قافلة إلى الشام، فنزل منزلا فقال: إني أخاف دعوة محمد، فجعلوا متاعهم حوله وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد وأخذه من وسط أصحابه فذهب به.» ودعا ﷺ على محلم بن جثامة فأصبح ميتا، فدفنوه فلفظته الأرض، فدفنوه مرارا فلفظته الأرض، فتركوه.
وقال ﷺ لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك، فقال الرجل: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر، فقال له النبي ﷺ: لا استطعت. فما رفعها إلى فيه» .
وأكتفي بما ذكر؛ لأن مثل هذه المعجزات التي جرت على يديه ﷺ كثيرة تزيد على ألف، وهذه المعجزات وإن لم تتواتر كل واحدة منها، لكن القدر المشترك بينها متواتر بلا شبهة، كشجاعة علي وسخاوة حاتم، وهذا القدر المشترك المتواتر يكفي لإثبات ظهور المعجزات المتنوعة على يديه ﷺ وللرد على من ينكر ذلك.
Translation
النوع الثاني الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة
#80 Chapter 80 — المسلك الثاني وجود المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته مما يجزم العقل بأنها لا تجتمع في غير نبي · ref. #80
Mukhtasar Izhar al-Haqq
Arabic text Aqeedah
المسلك الثاني وجود المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته مما يجزم العقل بأنها لا تجتمع في غير نبي
Translation
المسلك الثاني وجود المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته مما يجزم العقل بأنها لا تجتمع في غير نبي

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound