Back to the aqeedah library
70 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Risalat al-Tawhid رسالة التوحيد
Risalat al-Tawhid
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Ibn Cabd Ghani Dihlawi (الدهلوي
70
Total sections
70 chapters
#61
Chapter 61 — مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية، ومقلديهم من المسلمين:
· ref. #61
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
بها على الغيب، وتودد إلى الجن، كما يفعل السحرة بالإيمان بهم وندائهم، وتقديم النذور والقرابين إليهم، فهذا كله من الكفر.
أخرج مسلم عن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: قال النبي ﷺ: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين يوما» .
وقد عرفنا من هذا الحديث أن من أتى العراف الذي يدعي الإخبار بالغيب، لم تقبل عبادته أربعين يوما، لأنه قد أشرك، والشرك يطمس نور العبادات كلها، ويدخل في هذا الحكم المنجمون والرمالون، ومن يدعي الاطلاع على الغيب، والإخبار به عن طريق الاستخارة بالقطع والبت.
مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية، ومقلديهم من المسلمين:
ويؤيد هذا الحديث أحاديث أخرى صحيحة، منها ما أخرج أبو داود، عن قبيصة أن النبي ﷺ قال: «العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت» .
وما أخرج أبو داود عن عبد اللَّه بن مسعود عن رسول اللَّه ﷺ قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» .
وقد اعتاد العرب التطير، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن ذلك مرة بعد أخرى ليقلع الناس عن هذه العادة.
وقد اشتهر في جهال العرب أن من قتل ولم يؤخذ بثأره، خرج من هامته طائر، يقال له الهامة، وهي كالبومة، فما تزال تستغيث، وتهيم على وجهها، حتى يؤخذ بثأره، وقد ذكر النبي ﷺ أنه باطل، فمن زعم أن الإنسان يتمثل بعد موته بحيوان، فقد كذب على اللَّه، وكان من الاعتقادات الشائعة في العرب أن بعض الأمراض، كالجرب والجذام، تتعدى، وتنتقل من إنسان إلى آخر، وهي كلها اعتقادات باطلة، وشائعات لا أصل لها.
وقد اشتهر عندهم أن الأمر الفلاني لم يوافق فلانا، وأنه لم يوفق فيه، ولم يكن النجاح حليفه، وإن كان لليمن والشؤم أصل، فهما في الدار، والفرس، والمرأة، فقد تكون ميمونة مباركة، وقد تكون تعسة مشئومة، ولكن لسان النبوة لم يحدد السبيل إلى معرفة ذلك، حتى يحكم الإنسان بيمنها وشؤمها، وما عينه الناس من أمارات لذلك مثل الدار التي يصور الناس على بابها، وعلى ميزابها فم الأسد، ومثل أن يكون على جبين الفرس مثل نجم، وأن تكون المرأة سوداء اللسان، فهي مشئومة، فلا أصل له، بل يجب على المسلمين أن لا يحتفلوا
بأمثال هذه الترهات، ويجب عليهم إذا اشتروا بيتا جديدا، أو استأجروه أو ظفروا بجواد، أو تزوجوا عقيلة أو جارية، أن يدعوا اللَّه أن يقدر فيها الخير، ويبارك فيها، ويتعوذوا بالله من شرها، وشر ما جبلت عليه، ولا يشغلوا نفوسهم بالحكم على أمور قد مضت، فيقولوا وافقنا الأمر الفلاني، ولم يوافقنا الأمر الفلاني.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا عدوى (١) ولا هامة ولا صفر» .
وقد اشتهر في الجهال أن الذي أصيب بالنهامة فيأكل ولا يشبع، ويسميه الأطباء بجوع الكلب، والعامة بجوع البقر، فقد دخل في بطنه عفريت أو شيطان يأكل كل ما يتناوله الإنسان فلا يشبع، وكانوا يسمونه
_________
(١) وردت أحاديث بنفي العدوى كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري، ووردت أحاديث أخرى في إثباتها، ومنها «فر من المجذوم فرارك من الأسد» وكثرت أقوال العلماء في ذلك والمرجح حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين فحيث جاء «لا عدوى» كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى فعلى هذا يحمل حديث جابر في الأكل مع المجذوم كما سيأتي في متن الكتاب وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء «فر من المجذوم» كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى فأريد بذلك من أرباب اعتقاد العدوى، وقد فعل ﷺ كلا الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين، وقال بعضهم: إن المراد بالنفي أن شيئا لا يعدي بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده بل بإجراء اللَّه تعالى العادة في التعدي، انتهى مقتبسا من «لامع الدراري على جامع البخاري» للمحدث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي.
بصفر (١)، وهو الذي جاء نفيه في هذا الحديث.
ومعنى ذلك أن ما يعتقده الناس في بعض الأمراض أنها من تأثير الشياطين، والعفاريت، وأنها من تصرفاتهم، باطل لا أصل له، مثل ما ذكرنا عن مرض الجدري وغيره من الأمراض التي يربطها المشركون في الهند ببعض الآلهة، والقوى المتصرفة في العالم - زعموا -.
وقد اشتهر في الجهال أن شهر صفر نحس، يجب أن يكف الناس فيه عن أعمال ذات قيمة وخطر، مثل الزواج، والأسفار، والتجارات، والمعاملات (٢)، ويدخل في ذلك ما يعتقده جهال الهند أن الأيام الثلاثة عشر الأولى من شهر صفر مشئومة نحسة بصفة خاصة، ينزل فيها البلاء، ويسمونها " تيره تيزي " (٣) فتفسد الأعمال وتحبط المساعي، وكذلك يخصصون بعض الأيام من الشهر بالنحس، فيتوقفون عن مباشرة بعض الأعمال المهمة فيها، بل يجب أن يكون جل الاعتماد على اللَّه تعالى، والإيمان بأنه هو الضار النافع، والمعطي المانع، والمؤثر الحقيقي في الأشياء.
وقد أخرج ابن ماجه عن جابر «أن رسوله اللَّه ﷺ أخذ بيد
_________
(١) قال القسطلاني في شرح البخاري: وهو فيما قيل: دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانوا يعتقدون أنها أعدى من الجرب، وهذا ذكره مسلم عن جابر بن عبد اللَّه في حديثه المروي عنده فتعين المصير إليه، (ج ٨، ص ٣١٨) .
(٢) قال البيضاوي في شرح «لا صفر»: هو نفي لما يتوهم أن شهر صفر يكثر فيه الدواهي (شرح البخاري للقسطلاني (ج ٨، ص ٣١٨)، وفي «مجمع بحار الأنوار للفتني: وقيل هو الشهر المعروف، زعموا أن فيه يكثر الدواهي والفتن، فنفاه الشارع (مجمع بحار الأنوار ج ٢، ص ٢٥١) .
(٣) الأيام الثلاثة عشر الحادة، و«تيز» معناه «الحاد الشديد» .
أخرج مسلم عن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: قال النبي ﷺ: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين يوما» .
وقد عرفنا من هذا الحديث أن من أتى العراف الذي يدعي الإخبار بالغيب، لم تقبل عبادته أربعين يوما، لأنه قد أشرك، والشرك يطمس نور العبادات كلها، ويدخل في هذا الحكم المنجمون والرمالون، ومن يدعي الاطلاع على الغيب، والإخبار به عن طريق الاستخارة بالقطع والبت.
مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية، ومقلديهم من المسلمين:
ويؤيد هذا الحديث أحاديث أخرى صحيحة، منها ما أخرج أبو داود، عن قبيصة أن النبي ﷺ قال: «العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت» .
وما أخرج أبو داود عن عبد اللَّه بن مسعود عن رسول اللَّه ﷺ قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» .
وقد اعتاد العرب التطير، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن ذلك مرة بعد أخرى ليقلع الناس عن هذه العادة.
وقد اشتهر في جهال العرب أن من قتل ولم يؤخذ بثأره، خرج من هامته طائر، يقال له الهامة، وهي كالبومة، فما تزال تستغيث، وتهيم على وجهها، حتى يؤخذ بثأره، وقد ذكر النبي ﷺ أنه باطل، فمن زعم أن الإنسان يتمثل بعد موته بحيوان، فقد كذب على اللَّه، وكان من الاعتقادات الشائعة في العرب أن بعض الأمراض، كالجرب والجذام، تتعدى، وتنتقل من إنسان إلى آخر، وهي كلها اعتقادات باطلة، وشائعات لا أصل لها.
وقد اشتهر عندهم أن الأمر الفلاني لم يوافق فلانا، وأنه لم يوفق فيه، ولم يكن النجاح حليفه، وإن كان لليمن والشؤم أصل، فهما في الدار، والفرس، والمرأة، فقد تكون ميمونة مباركة، وقد تكون تعسة مشئومة، ولكن لسان النبوة لم يحدد السبيل إلى معرفة ذلك، حتى يحكم الإنسان بيمنها وشؤمها، وما عينه الناس من أمارات لذلك مثل الدار التي يصور الناس على بابها، وعلى ميزابها فم الأسد، ومثل أن يكون على جبين الفرس مثل نجم، وأن تكون المرأة سوداء اللسان، فهي مشئومة، فلا أصل له، بل يجب على المسلمين أن لا يحتفلوا
بأمثال هذه الترهات، ويجب عليهم إذا اشتروا بيتا جديدا، أو استأجروه أو ظفروا بجواد، أو تزوجوا عقيلة أو جارية، أن يدعوا اللَّه أن يقدر فيها الخير، ويبارك فيها، ويتعوذوا بالله من شرها، وشر ما جبلت عليه، ولا يشغلوا نفوسهم بالحكم على أمور قد مضت، فيقولوا وافقنا الأمر الفلاني، ولم يوافقنا الأمر الفلاني.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا عدوى (١) ولا هامة ولا صفر» .
وقد اشتهر في الجهال أن الذي أصيب بالنهامة فيأكل ولا يشبع، ويسميه الأطباء بجوع الكلب، والعامة بجوع البقر، فقد دخل في بطنه عفريت أو شيطان يأكل كل ما يتناوله الإنسان فلا يشبع، وكانوا يسمونه
_________
(١) وردت أحاديث بنفي العدوى كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري، ووردت أحاديث أخرى في إثباتها، ومنها «فر من المجذوم فرارك من الأسد» وكثرت أقوال العلماء في ذلك والمرجح حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين فحيث جاء «لا عدوى» كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى فعلى هذا يحمل حديث جابر في الأكل مع المجذوم كما سيأتي في متن الكتاب وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء «فر من المجذوم» كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى فأريد بذلك من أرباب اعتقاد العدوى، وقد فعل ﷺ كلا الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين، وقال بعضهم: إن المراد بالنفي أن شيئا لا يعدي بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده بل بإجراء اللَّه تعالى العادة في التعدي، انتهى مقتبسا من «لامع الدراري على جامع البخاري» للمحدث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي.
بصفر (١)، وهو الذي جاء نفيه في هذا الحديث.
ومعنى ذلك أن ما يعتقده الناس في بعض الأمراض أنها من تأثير الشياطين، والعفاريت، وأنها من تصرفاتهم، باطل لا أصل له، مثل ما ذكرنا عن مرض الجدري وغيره من الأمراض التي يربطها المشركون في الهند ببعض الآلهة، والقوى المتصرفة في العالم - زعموا -.
وقد اشتهر في الجهال أن شهر صفر نحس، يجب أن يكف الناس فيه عن أعمال ذات قيمة وخطر، مثل الزواج، والأسفار، والتجارات، والمعاملات (٢)، ويدخل في ذلك ما يعتقده جهال الهند أن الأيام الثلاثة عشر الأولى من شهر صفر مشئومة نحسة بصفة خاصة، ينزل فيها البلاء، ويسمونها " تيره تيزي " (٣) فتفسد الأعمال وتحبط المساعي، وكذلك يخصصون بعض الأيام من الشهر بالنحس، فيتوقفون عن مباشرة بعض الأعمال المهمة فيها، بل يجب أن يكون جل الاعتماد على اللَّه تعالى، والإيمان بأنه هو الضار النافع، والمعطي المانع، والمؤثر الحقيقي في الأشياء.
وقد أخرج ابن ماجه عن جابر «أن رسوله اللَّه ﷺ أخذ بيد
_________
(١) قال القسطلاني في شرح البخاري: وهو فيما قيل: دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانوا يعتقدون أنها أعدى من الجرب، وهذا ذكره مسلم عن جابر بن عبد اللَّه في حديثه المروي عنده فتعين المصير إليه، (ج ٨، ص ٣١٨) .
(٢) قال البيضاوي في شرح «لا صفر»: هو نفي لما يتوهم أن شهر صفر يكثر فيه الدواهي (شرح البخاري للقسطلاني (ج ٨، ص ٣١٨)، وفي «مجمع بحار الأنوار للفتني: وقيل هو الشهر المعروف، زعموا أن فيه يكثر الدواهي والفتن، فنفاه الشارع (مجمع بحار الأنوار ج ٢، ص ٢٥١) .
(٣) الأيام الثلاثة عشر الحادة، و«تيز» معناه «الحاد الشديد» .
Translation
مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية، ومقلديهم من المسلمين:
#62
Chapter 62 — كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها
· ref. #62
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
مجذوم فوضعها معه في القصعة، فقال: " كل ثقة بالله وتوكلا عليه» .
كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها:
أخرج أبو داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول اللَّه ﷺ أعرابي فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق اللَّه لنا، فإنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ: " سبحان اللَّه سبحان اللَّه " فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن اللَّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللَّه، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» .
وقد علمنا من هذا الحديث شدة استنكار النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: إنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع بالله عليك، وكيف فزع لذلك، واستشعر الخشية وهيبة اللَّه، وجعل يسبح اللَّه، ويكثر من التسبيح والتنزيه، وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة، وأوضح أن من يستشفع به على أحد يكون عادة أحط شأنا من الذي يشفع عنده، وتعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا، فلا يستشفع به عند أحد، وقد جرت
العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر، ببعض خاصته، وأهل المنزلة عنده، فيحقق الرغبة ويعطى السؤال إرضاء لهذا الشفيع، وتشريفا لقدره، والله هو الذي يملك زمام الأمور، وغيره ضعيف عاجز، مفتقر إلى اللَّه، فكيف يستشفع به على أحد من خلقه، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة اللَّه وجبروته، كانوا أقل من ذرة، وإن العرش الذي أحاط بالسماوات والأرضين كالقبة، ليئط به أطيط الرحل بالراكب، فليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها، فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته، وينفذ فيها أمره، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يحتاج في ذلك إلى وزير أو مشير، يصرف أمورا لا يأتي عليها الإحصاء، ولا
يبلغها الاستقصاء، في أقل من طرفة عين، فكيف يشفع عند غيره، ومن الذي يستبد بالأمور دونه؟ .
يا للعجب إن محمدا ﷺ الذي شرفه اللَّه على جميع خلقه لا يكاد يسمع من أعرابي جلف كلمة تدل على جهله بالله، وقصور عقله، أن يملأه الخوف أو المهابة، فيفيض في بيان عظمة اللَّه التي ملأت العالم من العرش إلى الفرش، وما بال أقوام طالت ألسنتهم، وحملهم الطيش والجرأة، فتشدقوا بكلام تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، وبدأوا يتكلمون عن اللَّه جلت عظمته، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة، فقال بعضهم: إني اشتريت ربي بدانق، ومنهم من يقول: أنا أكبر من ربي بسنتين، ويقول الثالث: إذا تجلى ربي في صورة غير صورة شيخي، لم أرفع إليه بصري، ويقول شاعر: إني أحمل قلبا قد جرح بحب محمد ﷺ وعطفه، فأنا منافس لله تعالى أغار
منه على حبيبي، وقال بعضهم: قل عن اللَّه ما شئت متفننا، واذهب في الجنون مذاهب، ولكن إياك إياك أن تدخل في حمى محمد، وأن تغلب فيه على أمرك (١)، ويقول بعضهم: إن الحقيقة المحمدية أفضل من الحقيقة الإلهية، أعاذنا اللَّه عن أمثال هذه الشطحات، والافتراءات، وقد أحسن شاعر فارسي إذ قال: نسأل اللَّه التوفيق للأدب، فإن قليل الأدب بعيد
عن فضل اللَّه.
وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرأوا ورد " يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله " (٢)
_________
(١) الأقاويل التي نقلها المؤلف، مقتبسة عن كلام الغلاة في مدح الرسول ﷺ، والتعبير عن عواطفهم، وقد اشتهر بعضها كالأمثال السائرة في الأدب الهندي والفارسي.
(٢) ذهب أكثر فقهاء المذهب ومحققو الصوفية إلى عدم إباحة هذا الورد، ولهم في ذلك مقالات وفتاوى، نقتصر هنا على ما كتبه فخر المتأخرين العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (متوفى ١٣٠٤ هـ) صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة، جوابا على استفتاء ورده عن هذا الورد، يقول ﵀: «إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم، أولا لأن هذا الورد متضمن كلمة» شيئا لله وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله، وثانيا: لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير اللَّه ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن، فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين، واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت، ويسمع نداءهم، من عقائد الشرك، والله أعلم، انتهى مختصرا. (مجموع فتاوى العلامة عبد الحي اللكنوي ج ١، ص ٢٦٤) وليت شعري ما ألجأ الناس إلى ذلك، والله أقرب من كل قريب، وأرحم من كل رحيم، وهو القائل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. والقائل: أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ. وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني نفسه، لابنه الشيخ عبد الوهاب «وكل الحوائج كلها إلى اللَّه ﷿ واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى اللَّه ﷿، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد. (مجالس الفتح الرباني، ص ٦٦٥) . وخطبه في فتوح الغيب وفي الفتح الرباني، مليئة بهذه الوصايا والزجر والتوبيخ على الاستعانة بغير اللَّه كما مر بعض النقول.
في عدد مخصوص، ومدة مخصوصة، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني، وتوسل بالله تعالى إليه، والعكس أصح، فيجوز التوسل بدعاء الشيخ إلى اللَّه، لا التوسل بالله إليه.
والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك، أو إساءة أدب مع اللَّه فإن اللَّه هو المتعالى، الغني، القادر، الملك الجبار، لا يبالي بأحد، إذا شاء بطش على شيء دق وصغر، وإذا شاء عفا عن كبير ولو كان مثل جبل، ولا يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب، وباطنه الإجلال والتعظيم، ويقول المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها، فإن الألغاز والمعميات لها مجالات كثيرة، وهي لا تليق بالله تعالى، ولا نعرف عاقلا يهزأ بملكه أو بأبيه، أو يستعمل معهما الصنائع البديعية، والكنايات الأدبية، التي اخترعها الأدباء، بل يكون كلامه واضحا يصدر عن وعي ويدل على أدب، إن مجال هذه الأساليب الأدبية هي مجالس الإخوان والنوادي الأدبية.
كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها:
أخرج أبو داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول اللَّه ﷺ أعرابي فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق اللَّه لنا، فإنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ: " سبحان اللَّه سبحان اللَّه " فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن اللَّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللَّه، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» .
وقد علمنا من هذا الحديث شدة استنكار النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: إنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع بالله عليك، وكيف فزع لذلك، واستشعر الخشية وهيبة اللَّه، وجعل يسبح اللَّه، ويكثر من التسبيح والتنزيه، وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة، وأوضح أن من يستشفع به على أحد يكون عادة أحط شأنا من الذي يشفع عنده، وتعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا، فلا يستشفع به عند أحد، وقد جرت
العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر، ببعض خاصته، وأهل المنزلة عنده، فيحقق الرغبة ويعطى السؤال إرضاء لهذا الشفيع، وتشريفا لقدره، والله هو الذي يملك زمام الأمور، وغيره ضعيف عاجز، مفتقر إلى اللَّه، فكيف يستشفع به على أحد من خلقه، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة اللَّه وجبروته، كانوا أقل من ذرة، وإن العرش الذي أحاط بالسماوات والأرضين كالقبة، ليئط به أطيط الرحل بالراكب، فليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها، فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته، وينفذ فيها أمره، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يحتاج في ذلك إلى وزير أو مشير، يصرف أمورا لا يأتي عليها الإحصاء، ولا
يبلغها الاستقصاء، في أقل من طرفة عين، فكيف يشفع عند غيره، ومن الذي يستبد بالأمور دونه؟ .
يا للعجب إن محمدا ﷺ الذي شرفه اللَّه على جميع خلقه لا يكاد يسمع من أعرابي جلف كلمة تدل على جهله بالله، وقصور عقله، أن يملأه الخوف أو المهابة، فيفيض في بيان عظمة اللَّه التي ملأت العالم من العرش إلى الفرش، وما بال أقوام طالت ألسنتهم، وحملهم الطيش والجرأة، فتشدقوا بكلام تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، وبدأوا يتكلمون عن اللَّه جلت عظمته، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة، فقال بعضهم: إني اشتريت ربي بدانق، ومنهم من يقول: أنا أكبر من ربي بسنتين، ويقول الثالث: إذا تجلى ربي في صورة غير صورة شيخي، لم أرفع إليه بصري، ويقول شاعر: إني أحمل قلبا قد جرح بحب محمد ﷺ وعطفه، فأنا منافس لله تعالى أغار
منه على حبيبي، وقال بعضهم: قل عن اللَّه ما شئت متفننا، واذهب في الجنون مذاهب، ولكن إياك إياك أن تدخل في حمى محمد، وأن تغلب فيه على أمرك (١)، ويقول بعضهم: إن الحقيقة المحمدية أفضل من الحقيقة الإلهية، أعاذنا اللَّه عن أمثال هذه الشطحات، والافتراءات، وقد أحسن شاعر فارسي إذ قال: نسأل اللَّه التوفيق للأدب، فإن قليل الأدب بعيد
عن فضل اللَّه.
وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرأوا ورد " يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله " (٢)
_________
(١) الأقاويل التي نقلها المؤلف، مقتبسة عن كلام الغلاة في مدح الرسول ﷺ، والتعبير عن عواطفهم، وقد اشتهر بعضها كالأمثال السائرة في الأدب الهندي والفارسي.
(٢) ذهب أكثر فقهاء المذهب ومحققو الصوفية إلى عدم إباحة هذا الورد، ولهم في ذلك مقالات وفتاوى، نقتصر هنا على ما كتبه فخر المتأخرين العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (متوفى ١٣٠٤ هـ) صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة، جوابا على استفتاء ورده عن هذا الورد، يقول ﵀: «إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم، أولا لأن هذا الورد متضمن كلمة» شيئا لله وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله، وثانيا: لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير اللَّه ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن، فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين، واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت، ويسمع نداءهم، من عقائد الشرك، والله أعلم، انتهى مختصرا. (مجموع فتاوى العلامة عبد الحي اللكنوي ج ١، ص ٢٦٤) وليت شعري ما ألجأ الناس إلى ذلك، والله أقرب من كل قريب، وأرحم من كل رحيم، وهو القائل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. والقائل: أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ. وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني نفسه، لابنه الشيخ عبد الوهاب «وكل الحوائج كلها إلى اللَّه ﷿ واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى اللَّه ﷿، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد. (مجالس الفتح الرباني، ص ٦٦٥) . وخطبه في فتوح الغيب وفي الفتح الرباني، مليئة بهذه الوصايا والزجر والتوبيخ على الاستعانة بغير اللَّه كما مر بعض النقول.
في عدد مخصوص، ومدة مخصوصة، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني، وتوسل بالله تعالى إليه، والعكس أصح، فيجوز التوسل بدعاء الشيخ إلى اللَّه، لا التوسل بالله إليه.
والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك، أو إساءة أدب مع اللَّه فإن اللَّه هو المتعالى، الغني، القادر، الملك الجبار، لا يبالي بأحد، إذا شاء بطش على شيء دق وصغر، وإذا شاء عفا عن كبير ولو كان مثل جبل، ولا يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب، وباطنه الإجلال والتعظيم، ويقول المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها، فإن الألغاز والمعميات لها مجالات كثيرة، وهي لا تليق بالله تعالى، ولا نعرف عاقلا يهزأ بملكه أو بأبيه، أو يستعمل معهما الصنائع البديعية، والكنايات الأدبية، التي اخترعها الأدباء، بل يكون كلامه واضحا يصدر عن وعي ويدل على أدب، إن مجال هذه الأساليب الأدبية هي مجالس الإخوان والنوادي الأدبية.
Translation
كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها
#63
Chapter 63 — الحث على إظهار شعار التوحيد في الأسماء والتحذير من الكلام الموهم
· ref. #63
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
الحث على إظهار شعار التوحيد في الأسماء والتحذير من الكلام الموهم:
أخرج مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إن أحب أسمائكم عبد اللَّه وعبد الرحمن» .
ويدل هذا الحديث على أن أحب الأسماء إلى اللَّه ما دلت دلالة واضحة على عبودية العبد وذله، وعجزه أمام اللَّه، وما كانت شعارا وعلما للتوحيد، ومنها الأسماء التي ذكرت في هذا الحديث كنموذج، ويدخل فيها أسماء أخرى كعبد القدوس، وعبد الجليل، وعبد الخالق، وهبة اللَّه، وعطاء اللَّه، وجاد المولى وغيره (١) .
أخرج أبو داود والنسائي عن شريح بن هانئ عن أبيه، «أنه لما وفد إلى رسول اللَّه ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول اللَّه ﷺ، فقال: " إن اللَّه هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم» .
وقد دل هذا الحديث على أن الكلمة التي لا تليق إلا بالله تعالى، والصفة التي هي خاصة به، لا يجوز أن يوصف بها غيره كـ " ملك الملوك " و" ملك العالم " و" يفعل ما يشاء " و" أحكم الحاكمين "
_________
(١) ذكر المؤلف هنا أسماء هندية ترجمتها بالعربية كما ذكرنا، والمقصود منها الأسماء التي أضيفت إلى اللَّه خصوصا الأسماء الحسنى التي لا تطلق على غير اللَّه.
و" الحكيم المطلق " و" أغنى الأغنياء " (١)
ويؤيده ما أخرج في شرح السنة عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء اللَّه، وشاء محمد، وقولوا ما شاء اللَّه ثم شاء محمد» .
فقد جاء فيه تحريم إشراك مخلوق في فعل يختص بالله تعالى، ووصفه بصفة لا تليق إلا بالله تعالى، مهما بلغ هذا المخلوق من جلالة الشأن وقرب المكان، لأن اللَّه وحده هو يملك هذا العالم ويتصرف فيه بما شاء، لا يشاركه في ذلك الرسول، لأن اللَّه وحده يعلم الغيب، أما إذا سئل أحد عن شيء في الدين، فلا بأس أن يقول: اللَّه ورسوله أعلم، أو
_________
(١) وقد روى التاريخ من مبالغة الشعراء والندماء، وأهل الملق والنفاق في تلقيب ملوك عصرهم وأمرائه بألقاب وإطرائهم لهم، ما يحرمه الشرع، ويمجه الذوق السليم، وقد لقب هؤلاء الملوك أنفسهم في بعض الأحيان بألقاب تدل على قلة علمهم وجراءتهم على اللَّه، وغرورهم بالملك الزائل، والسلطان الراحل. وما أضفى الغلاة من المحبين والمعتقدين على مشايخهم، وعلى الأولياء والصالحين من ألقاب ونعوت، أدهى وأمر. ولم يزل العلماء الغيارى على الدين، وأعلام هذه الأمة ينكرون على هؤلاء المبالغين المتملقين، ومما يستطرف في هذا الباب، ما نقله المؤرخون عن سلطان العلماء شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، أنه لما توفي الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح، عمل الملك له عزاء، جمع فيه الأكابر والأعيان، والقراء والشعراء، فأنشد بعض الشعراء في مرثيته: مات من كان بعض أجناده المو ت ومن كان يختشيه القضاء فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى، وأمر بتأديبه وحبسه، وأقام بعد التعزير في الحبس زمانا طويلا، ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه، وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على اللَّه تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء. (الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ص ١٢٥) .
أخرج مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إن أحب أسمائكم عبد اللَّه وعبد الرحمن» .
ويدل هذا الحديث على أن أحب الأسماء إلى اللَّه ما دلت دلالة واضحة على عبودية العبد وذله، وعجزه أمام اللَّه، وما كانت شعارا وعلما للتوحيد، ومنها الأسماء التي ذكرت في هذا الحديث كنموذج، ويدخل فيها أسماء أخرى كعبد القدوس، وعبد الجليل، وعبد الخالق، وهبة اللَّه، وعطاء اللَّه، وجاد المولى وغيره (١) .
أخرج أبو داود والنسائي عن شريح بن هانئ عن أبيه، «أنه لما وفد إلى رسول اللَّه ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول اللَّه ﷺ، فقال: " إن اللَّه هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم» .
وقد دل هذا الحديث على أن الكلمة التي لا تليق إلا بالله تعالى، والصفة التي هي خاصة به، لا يجوز أن يوصف بها غيره كـ " ملك الملوك " و" ملك العالم " و" يفعل ما يشاء " و" أحكم الحاكمين "
_________
(١) ذكر المؤلف هنا أسماء هندية ترجمتها بالعربية كما ذكرنا، والمقصود منها الأسماء التي أضيفت إلى اللَّه خصوصا الأسماء الحسنى التي لا تطلق على غير اللَّه.
و" الحكيم المطلق " و" أغنى الأغنياء " (١)
ويؤيده ما أخرج في شرح السنة عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء اللَّه، وشاء محمد، وقولوا ما شاء اللَّه ثم شاء محمد» .
فقد جاء فيه تحريم إشراك مخلوق في فعل يختص بالله تعالى، ووصفه بصفة لا تليق إلا بالله تعالى، مهما بلغ هذا المخلوق من جلالة الشأن وقرب المكان، لأن اللَّه وحده هو يملك هذا العالم ويتصرف فيه بما شاء، لا يشاركه في ذلك الرسول، لأن اللَّه وحده يعلم الغيب، أما إذا سئل أحد عن شيء في الدين، فلا بأس أن يقول: اللَّه ورسوله أعلم، أو
_________
(١) وقد روى التاريخ من مبالغة الشعراء والندماء، وأهل الملق والنفاق في تلقيب ملوك عصرهم وأمرائه بألقاب وإطرائهم لهم، ما يحرمه الشرع، ويمجه الذوق السليم، وقد لقب هؤلاء الملوك أنفسهم في بعض الأحيان بألقاب تدل على قلة علمهم وجراءتهم على اللَّه، وغرورهم بالملك الزائل، والسلطان الراحل. وما أضفى الغلاة من المحبين والمعتقدين على مشايخهم، وعلى الأولياء والصالحين من ألقاب ونعوت، أدهى وأمر. ولم يزل العلماء الغيارى على الدين، وأعلام هذه الأمة ينكرون على هؤلاء المبالغين المتملقين، ومما يستطرف في هذا الباب، ما نقله المؤرخون عن سلطان العلماء شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، أنه لما توفي الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح، عمل الملك له عزاء، جمع فيه الأكابر والأعيان، والقراء والشعراء، فأنشد بعض الشعراء في مرثيته: مات من كان بعض أجناده المو ت ومن كان يختشيه القضاء فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى، وأمر بتأديبه وحبسه، وأقام بعد التعزير في الحبس زمانا طويلا، ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه، وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على اللَّه تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء. (الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ص ١٢٥) .
Translation
الحث على إظهار شعار التوحيد في الأسماء والتحذير من الكلام الموهم
#64
Chapter 64 — الحلف بغير الله إشراك بالله:
· ref. #64
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
يقول: إن اللَّه ورسوله أمر بكذا، لأن اللَّه قد أطلع رسوله على أمور الدين، والله أمر عباده بطاعته.
الحلف بغير اللَّه إشراك بالله:
أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من حلف بغير اللَّه فقد أشرك» .
وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ قال: «إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا اللَّه» .
الحلف بغير اللَّه إشراك بالله:
أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من حلف بغير اللَّه فقد أشرك» .
وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ قال: «إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا اللَّه» .
Translation
الحلف بغير الله إشراك بالله:
#65
Chapter 65 — لا يجوز النذر لغير الله ولا الذبح في مكان كان فيه وثن،
· ref. #65
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
لا يجوز النذر لغير الله ولا الذبح في مكان كان فيه وثن،
Translation
لا يجوز النذر لغير الله ولا الذبح في مكان كان فيه وثن،
#66
Chapter 66 — النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي ﷺ:
· ref. #66
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
وقد دلت هذه الأحاديث على أن الحلف يضر بالإيمان والعقيدة، فإذا صدر هذا من مسلم، فليقل لا إله إلا اللَّه.
لا يجوز النذر لغير اللَّه ولا الذبح في مكان كان فيه وثن، أو عيد من أعياد الجاهلية:
أخرج أبو داود عن ثابت بن ضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول اللَّه ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فقال رسول اللَّه ﷺ: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد، قالوا: لا، قال: كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول اللَّه ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية اللَّه» .
وقد دل هذا الحديث على تحريم النذر لغير اللَّه، فلا يحل هذا النذر ابتداء، فإن أخطأ أحد لجهله للدين، فلا وفاء عليه، ولا يجوز التمادي في خطأ، أو الإلحاح والتشبث بذنب، بل هو ذنب أكبر، وقد دل الحديث كذلك على أنه لا يجوز سوق دابة تذبح لله إلى مكان، تقرب فيه القرابين لغير اللَّه، أو يعبد فيه غيره، ويجتمع الناس هناك على شرك وإن صحت النية وصلحت العقيدة.
النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي ﷺ:
أخرج أبو داود عن قيس بن سعد، قال: «أتيت
لا يجوز النذر لغير اللَّه ولا الذبح في مكان كان فيه وثن، أو عيد من أعياد الجاهلية:
أخرج أبو داود عن ثابت بن ضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول اللَّه ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فقال رسول اللَّه ﷺ: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد، قالوا: لا، قال: كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول اللَّه ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية اللَّه» .
وقد دل هذا الحديث على تحريم النذر لغير اللَّه، فلا يحل هذا النذر ابتداء، فإن أخطأ أحد لجهله للدين، فلا وفاء عليه، ولا يجوز التمادي في خطأ، أو الإلحاح والتشبث بذنب، بل هو ذنب أكبر، وقد دل الحديث كذلك على أنه لا يجوز سوق دابة تذبح لله إلى مكان، تقرب فيه القرابين لغير اللَّه، أو يعبد فيه غيره، ويجتمع الناس هناك على شرك وإن صحت النية وصلحت العقيدة.
النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي ﷺ:
أخرج أبو داود عن قيس بن سعد، قال: «أتيت
Translation
النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي ﷺ:
#67
Chapter 67 — التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك
· ref. #67
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: لرسول اللَّه ﷺ أحق أن يسجد له فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إني رأيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحق أن نسجد لك، فقال لي: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له فقلت: لا، فقال: فلا تفعلوا» .
وقد نبه رسول اللَّه ﷺ قيس بن سعد ﵁، على أن من كان مآله الموت، ومصيره إلى القبر، يموت فيدفن، لا يستحق السجدة، إن السجود للحي الدائم الذي لا يموت.، وعرف من هذا أنه لا يجوز السجود لحي ولا لميت، ولا لقبر، ولا لنصب، فإن كل نفس ذائقة الموت، والحي لا يتجرد عن البشرية وخصائصها، فكيف يصير إلها يسجد له إذا فارق الحياة، فالعبد عبد حيا وميتا.
التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك:
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد اللَّه، وكل نسائكم إماء اللَّه، ولا يقل العبد لسيده مولاي، فإن مولاكم اللَّه» .
دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يخاطب السيد عبده فيقول: يا عبدي، وأن يضيف ذلك إلى نفسه، وإن كان في الحقيقة رقيقا له، أو
وقد نبه رسول اللَّه ﷺ قيس بن سعد ﵁، على أن من كان مآله الموت، ومصيره إلى القبر، يموت فيدفن، لا يستحق السجدة، إن السجود للحي الدائم الذي لا يموت.، وعرف من هذا أنه لا يجوز السجود لحي ولا لميت، ولا لقبر، ولا لنصب، فإن كل نفس ذائقة الموت، والحي لا يتجرد عن البشرية وخصائصها، فكيف يصير إلها يسجد له إذا فارق الحياة، فالعبد عبد حيا وميتا.
التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك:
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد اللَّه، وكل نسائكم إماء اللَّه، ولا يقل العبد لسيده مولاي، فإن مولاكم اللَّه» .
دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يخاطب السيد عبده فيقول: يا عبدي، وأن يضيف ذلك إلى نفسه، وإن كان في الحقيقة رقيقا له، أو
Translation
التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك
#68
Chapter 68 — النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيه، وغلوهم فيه:
· ref. #68
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
أن يقول أحد: فلان عبد لفلان، أو أن يقول العبد لسيده: مولاي، وهذا فيمن كانوا عبيدا وسادة، فكيف بمن يدعى العبودية زورا، ويلقب نفسه بعبد النبي " وعبد علي، وعبد صاحب الجلالة، والعبد الخاص، أما السخاء بألقاب " رب الأرباب "، والجواد المطلق، فلا محل له البتة، ولا مبرر، وهو غاية في إساءة الأدب مع اللَّه، وما تعوده بعض الناس من أن يقولوا لبعض الناس: أنت تملك حياتي ومالي، ونحن في تصرفك، تفعل ما تشاء فهو كذب ومين، وشرك.
النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيه، وغلوهم فيه:
أخرج الشيخان عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد اللَّه ورسوله» .
ومقصود الحديث أن منصب الرسالة يتضمن جميع المحاسن، والفضائل التي أكرمني اللَّه بها، فإذا أطلقت على هذه الصفة، وقيل: " رسول اللَّه " فلا مزيد على ذلك " فإن الرسالة هي الغاية القصوى التي يصل إليها بشر وكل ما عدا ذلك من المنازل فهو دونها، لذلك قال رسول اللَّه ﷺ: «فقولوا عبد اللَّه ورسوله» .
ولكن البشر إذا أكرم بالرسالة، لا يتجرد عن البشرية، وحسبه فخرا
أن يكون عبدا لله تعالى، لا يتلبس بذلك بالألوهية، فلا يحل القول بذلك لعبد من عباد اللَّه، وكفر النصارى بهذا الاعتقاد في المسيح ﵊، وبعدوا عن اللَّه تعالى، ولذلك نهى رسول اللَّه ﷺ أمته عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيهم وغلوهم فيه، فاستحقوا غضب اللَّه ولعنه.
ولكن الغلاة من هذه الأمة، مع الأسف، لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ، وقلدوا النصارى في أقاويلهم، وما زاد النصارى على أن قالوا: إن اللَّه ﷾ قد ظهر في صورة عيسى ابن مريم وكسوته، فهو بشر من جهة وإله من جهة أخرى.
وقد تطرف بعض من لا يخشون اللَّه فنسبوا ذلك إلى النبي ﷺ فزعموا أنه قال: " أنا أحمد بلا ميم " وقد زوروا عبارة عربية طويلة جمعوا فيها خرافات كثيرة، وسموها بخطبة الافتخار وعزوها إلى سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، سبحانك هذا بهتان عظيم، خذل اللَّه الكذابين وفضحهم، وكما أن النصارى يزعمون أن المسيح ﵇ يملك الدنيا والآخرة، فيدبر الأمر كما يشاء، فمن آمن به، وتضرع إليه لم يحتج إلى شيء من العبودية والعبادة، وما ضره ذنب، ولا فرق له بين حلال وحرام، فيكون لله كسائبة حبلها على غاربها، ويخلصه عيسى ابن مريم في الآخرة بشفاعته عن النار وعن العذاب.
ومثل هذا يعتقد بعض الجهلة المسلمين في النبي ﷺ وتنزلوا، فاعتقدوا في أئمة أهل البيت، وأولياء الأمة، بل وفي المشايخ مثل هذا الاعتقاد، نسأل اللَّه لنا ولهم الهداية.
أخرج أبو داود عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: «انطلقت في
وفد بني عامر إلى رسول اللَّه ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد اللَّه، فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم فلا يجترئنكم الشيطان» .
وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط، وتحري الدقة، في مدح من يعتقد فيهم الفضل، وأن لا يتخطى في ذلك حدود البشرية فيلحقه بالله، وأن لا يكون كفرس جموح لا يملكه فارس، ولا يضبطه زمام، فيسيء بذلك الأدب مع اللَّه ويتورط فيما لا يحمد عقباه.
وليعلم أن " السيد " له معنيان، فقد يراد به السيد الذي يملك الأمر بالإطلاق، ولا يخضع لأحد، وهذا يختص بالله تعالى، فلا سيد بهذا المعنى إلا اللَّه، وقد يراد به رئيس قبيلة، أو عمدة قرية، أو مرزبان، وبهذا المعنى كل نبي سيد في أمته، وكل إمام مقدم على أتباعه، وكل مجتهد قائد لمن يقتدي به، بأنهم يقومون بامتثال أوامر اللَّه تعالى في نفوسهم، ثم يعلمونها من دونهم، وهكذا، فإن نبينا ﷺ هو سيد العالمين، ومنزلته عند اللَّه فوق كل منزلة، وهو أشد الناس امتثالا لأوامر اللَّه تعالى، والخلق كلهم عيال عليه، في الاهتداء إلى اللَّه، ومعرفة أحكامه ومرضياته، وبهذا المعنى يصح أن نسميه بسيد، بل يجب هذا الاعتقاد، أما بالمعنى الأول وهو السيطرة على العالم، والتصرف بمطلق الإرادة، فلا يصح ولا يجوز، فإنه لا يتصرف في أضعف مخلوق.
النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيه، وغلوهم فيه:
أخرج الشيخان عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد اللَّه ورسوله» .
ومقصود الحديث أن منصب الرسالة يتضمن جميع المحاسن، والفضائل التي أكرمني اللَّه بها، فإذا أطلقت على هذه الصفة، وقيل: " رسول اللَّه " فلا مزيد على ذلك " فإن الرسالة هي الغاية القصوى التي يصل إليها بشر وكل ما عدا ذلك من المنازل فهو دونها، لذلك قال رسول اللَّه ﷺ: «فقولوا عبد اللَّه ورسوله» .
ولكن البشر إذا أكرم بالرسالة، لا يتجرد عن البشرية، وحسبه فخرا
أن يكون عبدا لله تعالى، لا يتلبس بذلك بالألوهية، فلا يحل القول بذلك لعبد من عباد اللَّه، وكفر النصارى بهذا الاعتقاد في المسيح ﵊، وبعدوا عن اللَّه تعالى، ولذلك نهى رسول اللَّه ﷺ أمته عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيهم وغلوهم فيه، فاستحقوا غضب اللَّه ولعنه.
ولكن الغلاة من هذه الأمة، مع الأسف، لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ، وقلدوا النصارى في أقاويلهم، وما زاد النصارى على أن قالوا: إن اللَّه ﷾ قد ظهر في صورة عيسى ابن مريم وكسوته، فهو بشر من جهة وإله من جهة أخرى.
وقد تطرف بعض من لا يخشون اللَّه فنسبوا ذلك إلى النبي ﷺ فزعموا أنه قال: " أنا أحمد بلا ميم " وقد زوروا عبارة عربية طويلة جمعوا فيها خرافات كثيرة، وسموها بخطبة الافتخار وعزوها إلى سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، سبحانك هذا بهتان عظيم، خذل اللَّه الكذابين وفضحهم، وكما أن النصارى يزعمون أن المسيح ﵇ يملك الدنيا والآخرة، فيدبر الأمر كما يشاء، فمن آمن به، وتضرع إليه لم يحتج إلى شيء من العبودية والعبادة، وما ضره ذنب، ولا فرق له بين حلال وحرام، فيكون لله كسائبة حبلها على غاربها، ويخلصه عيسى ابن مريم في الآخرة بشفاعته عن النار وعن العذاب.
ومثل هذا يعتقد بعض الجهلة المسلمين في النبي ﷺ وتنزلوا، فاعتقدوا في أئمة أهل البيت، وأولياء الأمة، بل وفي المشايخ مثل هذا الاعتقاد، نسأل اللَّه لنا ولهم الهداية.
أخرج أبو داود عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: «انطلقت في
وفد بني عامر إلى رسول اللَّه ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد اللَّه، فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم فلا يجترئنكم الشيطان» .
وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط، وتحري الدقة، في مدح من يعتقد فيهم الفضل، وأن لا يتخطى في ذلك حدود البشرية فيلحقه بالله، وأن لا يكون كفرس جموح لا يملكه فارس، ولا يضبطه زمام، فيسيء بذلك الأدب مع اللَّه ويتورط فيما لا يحمد عقباه.
وليعلم أن " السيد " له معنيان، فقد يراد به السيد الذي يملك الأمر بالإطلاق، ولا يخضع لأحد، وهذا يختص بالله تعالى، فلا سيد بهذا المعنى إلا اللَّه، وقد يراد به رئيس قبيلة، أو عمدة قرية، أو مرزبان، وبهذا المعنى كل نبي سيد في أمته، وكل إمام مقدم على أتباعه، وكل مجتهد قائد لمن يقتدي به، بأنهم يقومون بامتثال أوامر اللَّه تعالى في نفوسهم، ثم يعلمونها من دونهم، وهكذا، فإن نبينا ﷺ هو سيد العالمين، ومنزلته عند اللَّه فوق كل منزلة، وهو أشد الناس امتثالا لأوامر اللَّه تعالى، والخلق كلهم عيال عليه، في الاهتداء إلى اللَّه، ومعرفة أحكامه ومرضياته، وبهذا المعنى يصح أن نسميه بسيد، بل يجب هذا الاعتقاد، أما بالمعنى الأول وهو السيطرة على العالم، والتصرف بمطلق الإرادة، فلا يصح ولا يجوز، فإنه لا يتصرف في أضعف مخلوق.
Translation
النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيه، وغلوهم فيه:
#69
Chapter 69 — النهي عن تعظيم صور الصالحين
· ref. #69
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
النهي عن تعظيم صور الصالحين:
أخرج البخاري «عن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول اللَّه ﷺ قام على الباب ولم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أتوب إلى اللَّه، وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: ما بال هذه النمرقة، قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول اللَّه ﷺ: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» .
وقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله بعض الجهال من تعظيم صور للأنبياء أو الأئمة، أو الأولياء، أو المشايخ عندهم ليتبركوا بها ضلال محض، وإغراق في الشرك، والنبي والملائكة منه براء.
بل يجب على المسلم أن يبعدها عن البيت، ويعتقد نجاستها، فينال بذلك رضا اللَّه والرسول ﷺ وتدخل الملائكة هذا البيت، وتحل البركة بدخولها.
عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتله النبي، أو رجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل» .
أخرج البخاري «عن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول اللَّه ﷺ قام على الباب ولم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أتوب إلى اللَّه، وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: ما بال هذه النمرقة، قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول اللَّه ﷺ: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» .
وقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله بعض الجهال من تعظيم صور للأنبياء أو الأئمة، أو الأولياء، أو المشايخ عندهم ليتبركوا بها ضلال محض، وإغراق في الشرك، والنبي والملائكة منه براء.
بل يجب على المسلم أن يبعدها عن البيت، ويعتقد نجاستها، فينال بذلك رضا اللَّه والرسول ﷺ وتدخل الملائكة هذا البيت، وتحل البركة بدخولها.
عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتله النبي، أو رجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل» .
Translation
النهي عن تعظيم صور الصالحين
#70
Chapter 70 — تأذي النبي ﷺ بالغلو في شخصه، والزيادة على ما وصفه الله به:
· ref. #70
Risalat al-Tawhid
Arabic text
Aqeedah
وبذلك تعرف شناعة عمل التصوير، فإن فاعله قد قرن في هذا الحديث بقاتل نبي.
أخرج الشيخان عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «قال اللَّه تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة أو شعيرة» .
تأذي النبي ﷺ بالغلو في شخصه، والزيادة على ما وصفه اللَّه به:
وأخرج رزين عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «أنا محمد عبد اللَّه ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ﷿» رواه النسائي.
ومعنى ذلك أن النبي ﷺ لا يسره أن يبالغ فيه الناس ويطروه شأن الأمراء والملوك الذين يحبون المبالغة والملق، فإنهم لا شأن لهم بدين هؤلاء الندماء والشعراء، واعتقادهم، فلا عليهم إذا فسدت عقيدتهم، أو باءوا بالإثم، أما النبي ﷺ فقد كان مربيا عطوفا على أمته: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وكانت عنايته
مصروفة إلى إصلاح عقيدتهم وتقويم دينهم.
وقد جرت العادة أن المحبين يبالغون في مدح من يحبونهم، ويسرفون في ذلك لينالوا رضاهم، ويدخلوا السرور عليهم، وقد عرف النبي ﷺ أن أمته من أشد الأمم حبا لنبيها، وامتنانا له، ومعرفة لفضله، وقد خاف أن تبالغ أمته في مدحه بدافع هذا الحب فتتخطى الحدود وتسيء الأدب مع اللَّه أحيانا، فيتلف بذلك دينها وتهلك، وتعادي النبي وتؤذيه، لذلك صرح بأنه لا يرضى بالمبالغة والغلو، وأن اسمه ما سماه به أهله، وناداه به ربه، ليس له من أسماء اللَّه شيء، وأنه ولد كما يولد سائر الناس من أب وأم، وحسبه فخرا أن يكون عبدا لله، ولكنه يمتاز عن سائر عباد اللَّه بالرسالة، والناس عنها في جهل وغفلة، لا سبيل لهم إليها إلا عن طريقه، فليرجعوا إليه ويلوذوا به في تعلم دين اللَّه، وفي معرفة أحكامه وشرائعه.
اللهم فَصَلِّ وسلم ألف صلاة وألف تسليم على هذا النبي الرحيم الكريم، واجزه عنا على جهاده في تعليم الدين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، أفضل ما تجزي نبيا عن أمته، وكافئه على ذلك أحسن مكافأة، فأنت تقدر على ذلك، ولا نقدر، وتعلم ما لا يبلغه علمنا، ولا يستوفيه شكرنا.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
أخرج الشيخان عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «قال اللَّه تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة أو شعيرة» .
تأذي النبي ﷺ بالغلو في شخصه، والزيادة على ما وصفه اللَّه به:
وأخرج رزين عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «أنا محمد عبد اللَّه ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ﷿» رواه النسائي.
ومعنى ذلك أن النبي ﷺ لا يسره أن يبالغ فيه الناس ويطروه شأن الأمراء والملوك الذين يحبون المبالغة والملق، فإنهم لا شأن لهم بدين هؤلاء الندماء والشعراء، واعتقادهم، فلا عليهم إذا فسدت عقيدتهم، أو باءوا بالإثم، أما النبي ﷺ فقد كان مربيا عطوفا على أمته: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وكانت عنايته
مصروفة إلى إصلاح عقيدتهم وتقويم دينهم.
وقد جرت العادة أن المحبين يبالغون في مدح من يحبونهم، ويسرفون في ذلك لينالوا رضاهم، ويدخلوا السرور عليهم، وقد عرف النبي ﷺ أن أمته من أشد الأمم حبا لنبيها، وامتنانا له، ومعرفة لفضله، وقد خاف أن تبالغ أمته في مدحه بدافع هذا الحب فتتخطى الحدود وتسيء الأدب مع اللَّه أحيانا، فيتلف بذلك دينها وتهلك، وتعادي النبي وتؤذيه، لذلك صرح بأنه لا يرضى بالمبالغة والغلو، وأن اسمه ما سماه به أهله، وناداه به ربه، ليس له من أسماء اللَّه شيء، وأنه ولد كما يولد سائر الناس من أب وأم، وحسبه فخرا أن يكون عبدا لله، ولكنه يمتاز عن سائر عباد اللَّه بالرسالة، والناس عنها في جهل وغفلة، لا سبيل لهم إليها إلا عن طريقه، فليرجعوا إليه ويلوذوا به في تعلم دين اللَّه، وفي معرفة أحكامه وشرائعه.
اللهم فَصَلِّ وسلم ألف صلاة وألف تسليم على هذا النبي الرحيم الكريم، واجزه عنا على جهاده في تعليم الدين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، أفضل ما تجزي نبيا عن أمته، وكافئه على ذلك أحسن مكافأة، فأنت تقدر على ذلك، ولا نقدر، وتعلم ما لا يبلغه علمنا، ولا يستوفيه شكرنا.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
Translation
تأذي النبي ﷺ بالغلو في شخصه، والزيادة على ما وصفه الله به: