Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 111 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Abu Bakr Ibn al-Arabi (أبو بكر ابن العربي
111
Total sections
111 chapters
#41 Chapter 41 — تولية عثمان عبد الله بن عامر بن كريز · ref. #41
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[تولية عثمان عبد الله بن عامر بن كريز]
١٠ - وأما عبد الله بن [عامر بن] كُريز فولاه - كما قال -
لأنه كريم العمّات والخالات (١) .
_________
(١) هو عبشمي الآباء، هاشمي الخئولة. فإن. . . أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ. ولما ولد أتي به إلى رسول الله ﷺ فقال لبني عبد شمس: " هذا أشبه بنا منه بكم " ثم تفل في فيه فازدرده، فقال ﷺ: " أرجو أن يكون مسقيا " فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر منها الماء ونشأ سخيا كريما شجاعا ميمون النقيبة كثير المناقب. افتتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وكرمان حتى بلغ أعمال غزنة، وقضى على يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. ويعتقد الإيرانيون أن سلسلة ملوكهم بدأت بآدمهم الذي يسمونه (جيومرث) فلم يزل ملك أولاده منتظما على سياق إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين عثمان بجهاد هذا العبشمي الآباء الهاشمي الخئولة عبد الله بن عامر بن كريز. وهي حرقة في قلوب أهل النزعة المجوسية على الإسلام، وعلى عثمان، وابن كريز، فهم يحقدون على هؤلاء ويحاربونهم إلى اليوم بسلاح الكذب، والبغض والدسائس، وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة. أما صادقو الإسلام ممن أنجبت إيران أيام كانت شافعية المذهب، ولما كان ينبغ منها علماء السنة المحمدية قبل ذلك، وفيهم كبار الأئمة والمحدثون والفقهاء، فقد نزهوا قلوبهم عن أن يكون فيها غل للذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم حتى فتح الله الأقطار على أيديهم، وهدى الأمم بسببهم، فهم يحبونهم ويجلونهم على أقدارهم. ونحن لا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ونتوقع الخطأ من كل إنسان، صحابيا كان أو من التابعين أو الذين يتبعونهم بإحسان. ولكن الذين ملأوا الدنيا بالحسنات كأنها كالجبال، فإن الذي يعمى عنها، ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فإن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم. ودع عنك فتوح عبد الله بن عامر بن كريز التي وصلت إلى أقصى المشارق، وتقويضه آخر أمل للإمبراطورية المجوسية، فإن حسناته الإنسانية أيضا جديرة بالتسجيل، قال ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ٨٨): إنه " أول من اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام وأجرى إليها الماء المعين ". وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٨٩ - ١٩٠): " إن له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر ". ومثل هؤلاء الرجال لو كانوا من سلف الإنكليز أو الفرنيسين لخلدوا عظمتهم في كتب الدراسة والثقافة والتهذيب، فتهافتت وزارات معارفنا على نقل ذلك من كتبهم إلى كتبنا المدرسية، ليؤمن جيلنا بعظمة أسلاف المستعمرين. أما عظمة أسلافنا نحن فقد سلط الشيطان عليها قلوبا فاسدة تفيض بالسوء، وصدَّق أكاذيبها الأكثرون منا، فأمسينا كالأمة التي لا مجد لها، بينما هي نائمة على تراث من المجد لا تحلم الإنسانية بمثله.
Translation
تولية عثمان عبد الله بن عامر بن كريز
#42 Chapter 42 — تولية عثمان الوليد بن عقبة · ref. #42
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[تولية عثمان الوليد بن عقبة]
١١ - وأما تولية الوليد بن عقبة فإن الناس - على فساد النيات - أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات. فذكر الافترائيون أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي (١) وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول الله ﷺ وتوأمة أبيه. وسيأتي بيانه إن شاء الله (٢) .
_________
(١) هو أخوه لأمه أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم.
(٢) قد يظن من لا يعرف صدر هذه الأمة أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة من عرض الطريق فولاه الكوفة. أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى في خلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة الرضيّ الخلق الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة ١٢ (الطبري ٤: ٧)، ثم وجهه مددا إلى قائده عياض بن غنم الفهري (الطبري ٤: ٢٢) . وفي سنة ١٣ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدا إلى شرق الأردن (الطبري ٤: ٢٩ - ٣٠)، ثم رأينا الوليد في سنة ١٥ أميرا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة (الطبري ٤: ١٥٥) يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم. وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية فكان - مع جهاده الحربي وعمله الإداري - داعيا إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب. وهربت منه إياد إلى الأنضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليدُ خليفته عمرَ على كتابة كتاب تهديد إلى قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية، حاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبانها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:
إذا ما عصبتُ الرأسَ مني بمشوذ ... فغيّكِ مني تغلب ابنة وائل
وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت من يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم. وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقا وإحسانا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة على ما سنذكره فيما بعد.
والولايةُ اجتهاد (١) وقد عزل عمر سعد بن أبي وقاص وقدم أقل
_________
(١) للمؤلف في أواخر هذا الكتاب ص ٢٤٣ فصل عنوانه (نكتة) أشار فيه إلى المعاني والحقائق التي يلاحظها ولي الأمر عند " اجتهاده " في تولية الولاة وعزلهم، وذلك لفقه عظيم ومعارف بديعة بينها أئمة الإسلام وعلماؤه في الفصول التي عقدوها للإمامة وسياسة الدولة وفي كتبهم المصنفة في أصول الدين. وقد زعم طاغية الشيعة ومدلسهم الحسن بن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة أن عثمان ولى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، فأجابه شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة ٣: ١٧٣ - ١٧٦ والمنتقى منه للذهبي ٣٨٢ - ٣٨٣) أن عليا ﵁ ولى زياد بن أبي سفيان وولى الأشتر النخعي وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء، ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان كان خيرا من هؤلاء كلهم. قال: ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان أنه ولى أقاربه من بني أمية، ومعلوم أن عليا ولى أقاربه من قبل أبيه وأمه، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس، وأما المدينة فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف وقيل ثمامة بن العباس، وأما البصرة فولى عليها عبد الله بن عباس، وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره (لأنه تزوج أمه بعد وفاة أبي بكر وكان محمد صغيرا) . ثم إن الإمامية تدعي أن عليا نص على أولاده في الخلافة - أو على ولده، وولده على ولده الآخر وهلم جرا - ومن المعلوم إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى أولى من إمارة بعض الأعمال. . . وإذا قال القائل: لعليّ حجة فيما فعله، قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادعى لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدعى لعثمان من " الاجتهاد " الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. . . ثم قال: إن بني أمية كان رسول الله ﷺ يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يتهم بقرابة فيهم: أبو بكر وعمر، ولا تعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله ﷺ أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي ﷺ في عزة الإسلام على أفضل الأرض مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء واليمن حتى مات رسول الله ﷺ، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء الحضرمي (حليف بني أمية) حتى توفي النبي ﷺ، فيقول عثمان: أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﷺ ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده. . . فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﷺ أظهر عند كل عاقل من دعوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذلك صدق باتفاق أهل العلم بالنقل (وانظر أيضا منهاج السنة ٣: ٢٣٦ - ٢٣٧) . والذي يستعرض حياة عمال عثمان وجهادهم وفضائلهم يراهم في الذروة العليا من رجال الدولة، ولا يتردد في أنهم من بناة الأساس الأقوم من مجد الإسلام الإداري والعسكري، ولهم ثواب نتائجه في الفتوح وانتشار دعوة الإسلام بما يعده التاريخ من معجزاته الخارقة للعادات.
Translation
تولية عثمان الوليد بن عقبة
#43 Chapter 43 — عدالة مروان · ref. #43
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
منه درجة (١) .

[عدالة مروان]
١٢ - وأما قول القائلين في مروان والوليد فشديد عليهم، وحكمهم
_________
(١) كان ذلك سنة ٢١، والذين تولوا بعد سعد: عبد الله بن عبد الله بن عتبان (وفي زمانه كانت وقعة نهاوند) ثم زياد بن حنظلة (وألح في الاستعفاء فأعفي) وولي بعدهما عمار بن ياسر (الطبري ٤: ٢٤٦ وما قبلها) .
عليهما بالفسق فسقٌ منهم.
مروان رجل عدل، من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن سعد الساعدي روى عنه (١) . وأما التابعون فأصحابه في السن، وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين (٢) . وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه واعتبار خلافته،
_________
(١) وروايته عنه في صحيح البخاري وغيره.
(٢) وفي طليعة من روى عنه من كبار التابعين زين العابدين بن علي بن الحسين السبط، نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٢٣)، والحافظ ابن حجر في الإصابة، وترى تفصيله في طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي في ترجمة اللغوي الشهير أبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر صاحب تهذيب اللغة (٢٨٢ - ٣٧٠) . وممن نص الحافظ ابن حجر على روايتهم عن مروان: سعيد بن المسيب رأس علماء التابعين، وإخوانه من الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأضرابهم كعراك بن مالك الغفاري المدني فقيه أهل دهلك وكان يصوم الدهر، وكعبد الله بن شداد بن الهاد أحد الرواة عن عمر وعلي ومعاذ. وإن رواية عروة بن الزبير عن مروان في كتاب الوكالة من صحيح البخاري (ك ٤٠ ب٧ - ج٣ ص ٦٢) وفي مسند الإمام أحمد (الطبعة الأولى ٤: ٣٢١ و٣٢٣ و٣٢٦ و٣٢٨ و٥: ١٨٩) . ورواية عراك عن مروان نقلها إمام أهل مصر الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب في مسند أحمد (٤: ٣٢٨) ورواية عبد الله بن شداد بن الهاد عن مروان في مسند أحمد (٧: ٣١٧ و٣٢٣) . والذي يتأمل الأحاديث المروية عن مروان يجد جملتها من الأئمة الثقات تتسلسل روايتهم عنه مدة جيلين وأكثر وكلهم أعلى مرتبة في الإسلام من الذين يبردون الغل الذي في قلوبهم بالطعن في مروان ومن هو خير من مروان، بل في رواة أحاديث مروان عبد الرزاق إمام أهل اليمن وكانت فيه نزعة تشيع. وفي مسند أحمد (٦: ٢١٢) حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه كان رسول مروان إلى أم المؤمنين أم سلمة في تحقيق بعض الأحكام الشرعية وفي ٦: ٢٩٩ من مسند أحمد نموذج لعظيم عناية مروان بسنة رسول الله ﷺ بأقصى ما يمكن أن يصدر عن أئمة المسلمين وأمرائهم.
والتلفت إلى فتواه، والانقياد إلى روايته وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم.

وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سماه فاسقا في قوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فإنها - في قولهم - نزلت فيه، أرسله النبي ﷺ إلى بني المُصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله ﷺ إليهم خالد بن الوليد فتثبت في أمرهم فبين بطلان قوله. وقد اختُلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك (١) وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفتح في جملة الصبيان
_________
(١) كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ويسميه الله فاسقا، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ وأوردنا الأمثلة عليها في هامش ص٨٦ عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عاما قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض - بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقا - حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعادا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقا، ولكن استبعادا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله ﷿ بعد رسوله ﷺ من هو أقرب إلى الله منهما. وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية " إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ. . . "، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وإن الذين لهم هوى في تسويء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقاما من الوليد قد ملأوا الدنيا أخبارا مريبة ليس لها قيمة علمية. وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسمائهم، فمن غير الجائز شرعا وتاريخا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها وترتيب الأحكام عليها. وهنالك خبران موصولان أحدهما عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة. وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة. وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في تهذيب التهذيب ولا في تقريب التهذيب ولا في خلاصة تذهيب الكمال، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني (ميزان الاعتدال) و(لسان الميزان) . وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحدا واحدا فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابتا، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر - إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها -: إن الآية نزلت في الوليد، بل قالت - أي قيل على لسانها -: " بعث رسول الله ﷺ (رجلا) في صدقات بني المصطلق ". والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس: والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه، لأن ابن سعد لما توفي ببغداد سنة ٢٣٠ كان الطبري طفلا في نحو السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلد آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها. وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلا عن أن يعرفوا شيئا من أحوالهم (وبعد كتابة ما تقدم للطبعة الأولى من كتابنا تبين لي أن ابن سعد الذي روى عنه الطبري هو محمد بن سعد العوفي. وقد وصف الشيخ أحمد شاكر سنده بأنه " سند مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ". انظر تفسير الطبري طبعة دار المعارف ١: ٢٦٣ - ٢٦٤) . فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مُجاهِدٌ كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله. أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي في الفقرة التالية.
إلى رسول الله ﷺ فمسح رؤوسهم وبرك عليهم، إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خَلُوق، فامتنع ﷺ من مسه.
فمن يكون في مثل هذه السن يُرسل مصدقا؟ ! (١) .

وبهذا الاختلاف يسقط
_________
(١) هذا الخبر عن سن الوليد بن عقبة يوم فتح مكة رواه الإمام أحمد في مسنده (٤: ٣٢ الطبعة الأولى) عن شيخ له هو فياض بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان الرقي عن ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبد الله الهمداني وهو (عبد الله بن مالك بن الحارث) عن الوليد بن عقبة، والظاهر أن الوليد بن عقبة تحدث بهذا الحديث عندما اعتزل الناس في السنين الأخيرة من حياته واختار الإقامة في قرية له من أعمال الرقة، فتسلسلت رواية الخبر في الرواة الرقيين وأخذه الإمام أحمد عن شيخ له منهم. وعبد الله الهمداني ثقة، لكن التبس اسمه في غير هذه الرواية بهمداني آخر يكنى أبا موسى واسمه مالك بن الحارث (أي على اسم والد عبد الله الهمداني) وهو مجهول عند أهل الجرح والتعديل، أما عبد الله الهمداني الذي ينتهي إليه الخبر في رواية الإمام أحمد فمعروف وموثوق به، وعلى روايته وأمثالها اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة بأنه كان صبيا عند فتح مكة وأن الذي نزلت فيه آية " إَِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ " هو شخص آخر. ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوى في تشويه هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس أنهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة ليطلبا من النبي ﷺ رد أختهما أم كلثوم إلى مكة. وأصل هذا الخبر - إن صح - مقدّم فيه اسم عمارة على اسم الوليد، وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة وأن الوليد جاء في صحبته، وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبيا بصحبة أخيه الكبير كما يقع مثل ذلك في كل زمان ومكان؟ فقول الوليد إنه كان في سنة الفتح صبيا ليس في خبر قدومه مع أخيه الكبير إلى المدينة في السنة السابعة ما يمنعه أو يناقضه. فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول آية " إَِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ " لا يجوز علميا أن يبنى عليها حكم شرعي أو تاريخي، وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح، يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر للوليد وثقتهما به واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدر شبابه.
العلماء الأحاديث القوية. وكيف يفسق رجل بمثل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد ﷺ؟ ! .
وأما حده في الخمر، فقد حد عمر قدامة بن مظعون على الخمر وهو أمير وعزله، وقيل إنه صالحه (١) .
_________
(١) قدامة بن مظعون الجمحي أحد السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، وكان صهر أمير المؤمنين عمر على أخته، وقيل بل هو خال أم المؤمنين حفصة بنت عمر وأخيها عبيد الله. وفي إمارة قدامة على البحرين في خلافة عمر قدم الجارود سيد بني عبد القيس على عمر من البحرين وادعى أن قدامة شرب فسكر. فقال له عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فاستشهد أبا هريرة فقال: لم أره شرب، ولكني رأيته سكران يقيء فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة. واستقدم قدامة من البحرين، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد. فقال عمر: قد أديت شهادتك. فصمت الجارود. ثم غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله. فقال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك. فقال: يا عمر، ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني. ثم جيء بزوجة لقدامة فأقامت الشهادة على زوجها. وأراد عمر أن يقيم عليه الحد. فقال له الصحابة: لا نرى أن تحده ما دام مريضا، ثم عاوده فقالوا له كما قالوا من قبل فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو في عنقي، وجلده. فغاضبه قدامة. وعند قفولهما من الحج جيء به إلى عمر فكلمه عمر واستغفر له. ومن حسن حظ قدامة بن مظعون أنه قرشي من بني جمح. ولو أنه كان قرشيا من بني عبد شمس لانطلقت ألسنة السوء بالبذاءة عليه واختراع الأكاذيب فيه ما دام في الدنيا كذب.
وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة (١) .
_________
(١) هذا حق، ولكن في مثل ما تقدم عن قدامة بن مظعون، وفي مثل ما هو مشهور عند الناس عن أبي محجن الثقفي الشاعر الفارس الذي كان له يوم أغر في حرب القادسية. أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم (الذي كان منه لأمته كل ما استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منقطعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلا عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر) فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها عوارها. ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرنا، فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه. أراد الوليد بن عقبة - منذ ولي الكوفة لأمير المؤمنين عثمان - أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس، كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامه للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته، الناشرين لرسالته. وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات وداره - إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة - ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أو لا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء، متى شاء، من ليل أو نهار، ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستتر عن الناس:
فالستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وكان ينبغي أن يكون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة، وأدخل على الناس خيرا حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد، ورد على كل مملوك من فضول الأموال في كل شهر ما يتسعون به من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول مدة حكمه. إلا أن فريقا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له. ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي، وآخر يسمى أبا مورع، وثالث اسمه جندب أبو زهير، قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلا بجواره رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أهل السابقة في الإسلام وهو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله ﷺ على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة على الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو الشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين، فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم. وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحا دائما. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيا لا بد أن يكون ممن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب، فلما فوجئ بهم نحى شيئا أدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم. وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر. ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه زوجتيه - وكانتا في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر - فقالتا: إن آخر من بقى في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيّتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكانا قد سافرا توا إلى المدينة، وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر (وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر) فقالا كنا من غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: " نقيم الحدود. ويبوء شاهد الزور بالنار ".
هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة ٣٠ من تاريخ الطبري، وليس فيها - على تعدد مصادرها القديمة - شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلا عن أن تكون اثنتين أو أربعا. وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب، فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر (أحد أتباع علي) أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل الناس عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه (كتاب الحدود ب٨ ح٣٨ - ج٥ ص١٢٦) بلفظ " شهدتُ عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح (ركعتين) ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ". فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ. أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف. ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم وارد في ثلاثة مواضع من مسند أحمد مرويا عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني (ج١ ص٨٢ و١٤٠ الطبعة الأولى - ج٢ رقم ٦٤٢ و١١٨٤ الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلا عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد. وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد (ج١ ص١٤٤ - ١٤٥ الطبعة الأولى - ج٢ رقم ١٢٢٩) فقد جاء على لسان حضين " أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعا " وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف، الله أعلم بسببه. وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه، وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علما بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة. فجاء الكوفة يعيث فيها فسادا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام. وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله، وكان موضع الثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام أبي بكر وعمر وعثمان. وإن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت سبب التسامح من عثمان في عزلهم والقسوة عليهم لئلا يقول السفهاء إن له هوى في ذوي قرابته. وقد رأينا الذين يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في ص٨٥ من ديوانه، ولا تحملهم سليقة النقد على الشعور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض، فأين مدحه فيها للوليد بقوله:
ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر
فنزعتَ مكذوبا عليك ولم ... تردد إلى عوز ولا فقر
من بقية الأبيات التي فيها:
نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم ثملا وما يدري
فالذي يقول البيت الأخير لا يعقل أن يقول معه البيتين الأولين فيكون مادحا وذاما في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات. وقد كانت لي مقالة مطولة عن (التخليط في الشعر) ضربت فيها الأمثلة على دس أبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها. وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدّعوا حكاية الصلاة، مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الآخر. والآن أقولها لوجه الله صريحة مدوية: إن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوربي كالقديس لويس الذي أسرناه في دار ابن لقمان بالمنصورة لعدّوه قديسا، لأن لويس التاسع لم يحسن إلى فرنسا كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته، ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام، والعجب لأمة تسيء إلى أبطالها، وتشوه جمال تاريخها، وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منا، ثم ينتشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق.
وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد لأنه أخوك لأمك أروى بنت كُريز
بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فقال: بل لأنه ابن عمة رسول الله ﷺ أم حكيم البيضاء، وجدة عثمان وجدة الوليد لأمهما أروى المذكورة أم حكيم توأمة عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه
وسلم. وأي حرج على المرء أن يولّي أخاه أو قريبه؟ (١) .
_________
(١) وقد تقدم في هامش ص٨٧ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب جعل الأمراء في مدة خلافته على أكثر أمصار حكمه من ذوي قرابته. وأن رسول الله ﷺ ولى رجال بني أمية وشبابهم. وكذلك فعل أبو بكر وعمر، فلم يفعل عثمان إلا الذي سبقه إليه النبي ﷺ وصاحباه بل إن عثمان لما أقام الحد على أخيه لأمه فعل ما لا نظن أحدا يفعله بشهادة الشهود المغرضين الذين لم يريدوا الله بشهاداتهم. وإذا كان الشهود على الوليد من هذه الطبقة المغرضة، فقد شهد له بظهر الغيب قاض من أعظم قضاة الإسلام في التاريخ علما وفضلا وإنصافا وهو الإمام عامر بن شراحيل الشعبي، روى الطبري (٥: ٦٠) أن الشعبي سمع في أوائل بطولة مسلمة بن عبد الملك حفيدا للوليد بن عقبة يتحدث عن جهاد مسلمة، فقال الشعبي: " كيف لو أدركتم الوليد غزوه وإمارته؟ إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا. . . ما قصر، ولا انتقض عليه أحد. حتى عزل عن عمله وعلى الباب (أي الدربند، وراء بحر الخزر في روسيا، وكان من أمنع معاقل الدنيا) عبد الرحمن الباهلي (وهو من أعظم قواد الوليد) وإن كان مما زاد عثمان الناس على يده (أي على يد الوليد) أن رد على كل مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم ". فهذه الشهادة من الإمام الشعبي للوليد في جهاده الحربي الظافر، وفي إحسانه لرعيته في معايشهم، تفقأ عيون المبطلين، وتقر أعين الصالحين، وصدق أمير المؤمنين عثمان يوم طيب قلب أخيه المظلوم بقوله: " نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار ". " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ".
Translation
عدالة مروان
#44 Chapter 44 — إعطاؤه خمس إفريقية لواحد · ref. #44
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[إعطاؤه خمس إفريقية لواحد]
١٣ - وأما إعطاؤه خُمس إفريقية لواحد فلم يصح (١) على أنه
_________
(١) والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه. جاء في حوادث سنة ٢٧ من تاريخ الطبري (٥: ٤٩ مصر، ١: ٢٨١٤ - ٢٨١٥ طبع أوربا) أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: " إن فتحَ الله عليك غدا إفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا ". فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها سهلها وجبلها، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه. فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية. وقد ثبت في السنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، كما فعل النبي ﷺ في مكافأة سلمة بن الأكوع في إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح النبي ﷺ (انظر المنتقى للمجد ابن تيمية ٤٣١٤ وفي غزوات أخرى ٤٣١٩، ٤٣٢٠، ٤٣٢١) .
قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن إعطاءه لواحد جائز، وقد بينا ذلك في مواضعه (١) .
_________
(١) أي في مؤلفاته الأخرى عند بسطه هذه المسألة من أحكام الفقه الإسلامي قال الإمام عامر بن شراحيل الشعبي: " إنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله " قال: " وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والربيِّل بن عمرو. وأقطع (أي عمر) أبا مفزِّر دار الفيل ". وممن أقطعهم عمر بن الخطاب نافع أخو زياد وأبي بكرة لأمهما، أقطعه أرضا في البصرة لخيله وإبله مساحتها عشرة أجربة (انظر ترجمة نافع في الإصابة) قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج (ص٦١) وقد أقطع رسول الله ﷺ وتألف على الإسلام أقواما، وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا أن في إقطاعه صلاحا (وضرب أبو يوسف الأمثلة على ذلك) . وانظر باب القطائع في ص٧٧ - ٧٨ من كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي طبع السلفية. وذكر الإمام الشعبي بعض الذين أقطعهم عثمان فقال: " وأقطع الزبير، وخباب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن هبّار أزمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا " (الطبري ٤: ١٤٨) . وأقطع علي بن أبي طالب كردوس بن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بن غفلة أرضا لداذويه. فكيف ينكرون على عثمان ويسكتون عن عمر وعلي. وللقاضي أبي يوسف كلام سديد في هذا الموضوع في كتاب الخراج (ص٦٠ - ٦٢ السلفية سنة ١٣٥٢)، وما زعمه الزاعمون من أن عثمان كان يود ذوي قرابته ويعطيهم، فمودته ذوي قرابته من فضائله، وعلي أثنى على عثمان بأنه أوصل الصحابة للرحم، وعثمان أجاب عن موقفه هذا بقوله: " وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي لهم فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتت علي أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا!؟ " قال الطبري (٥: ١٠٣): وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وبني العيص وفي بني حرب. بل تمادى شيخ الإسلام ابن تيمية مع أوسع الاحتمالات فذكر في منهاج السنة (٣: ١٨٧ - ١٨٨) أن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لقرابة الإمام كما قاله الحسن أبو ثور، وأن النبي ﷺ كان يعطي أقاربه بحكم الولاية. . . وقيل هو لمن ولي الأمر بعده. . . قال: وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه إما بولاية أو بمال. ثم قال (في ٣: ٢٣٧): " إن ما فعله عثمان في المال له ثلاثة مآخذ: أحدها أنه عامل عليه، والعامل يستحق مع الغنى. الثاني أن ذوي القربى هم ذوو قربى الإمام. الثالث أنهم (أي ذوو قربى عثمان) كانوا قبيلة كثيرة ليسوا مثل قبيلة أبي بكر وعمر، فكان يحتاج إلى إعطائهم وولايتهم أكثر من حاجة أبي بكر وعمر إلى تولية أقاربهما وإعطائهم. وهذا مما نقل عن عثمان الاحتجاج به ".
Translation
إعطاؤه خمس إفريقية لواحد
#45 Chapter 45 — عثمان لم يضرب أحدا بالعصا · ref. #45
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[عثمان لم يضرب أحدا بالعصا]
١٤ - وأما قولهم إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع أو عصى، وإنما
Translation
عثمان لم يضرب أحدا بالعصا
#46 Chapter 46 — علوه على منبر رسول الله ﷺ · ref. #46
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
علوه على منبر رسول الله ﷺ
Translation
علوه على منبر رسول الله ﷺ
#47 Chapter 47 — انهزامه يوم حنين وفراره يوم أحد · ref. #47
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
هو باطل يُحكى، وزُور يُنثى (١) فيا لله وللنهى.

[علوه على منبر رسول الله ﷺ]
١٥ - وأما علوه على درجة رسول الله ﷺ، فما سمعته ممن فيه تقية. وإنما هي إشاعة منكر، ليُروى ويُذكر، فيتغيّر قلب من يتغير، قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يُحل دمه. ولا يخلو أن يكون ذلك حقا فلم تنكره الصحابة عليه، إذ رأت جوازه ابتداء أو لسبب اقتضى ذلك. وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام (٢) .

[انهزامه يوم حنين وفراره يوم أحد]
١٦ - وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر وبيعة الرضوان، فقد بين عبد الله بن عمر وجه الحكم في شأن البيعة وبدر وأحد. وأما يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله ﷺ. ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقي ممن مضى في الصحيح، وإنما هي أقوال: منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله وقُثَم، فناهيك بهذا الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله
_________
(١) نثى الخبر والحديث: أذاعه وأظهره، والنثا مثل الثناء، إلا أنه في الخير والشر، والثناء في الخير خاصة.
(٢) كان مسجد رسول الله ﷺ ضيق المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ﷺ عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه.
عنه ورسوله، فلا يحل ذكرُ ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون، أخرج البخاري (١) جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله وقال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك! ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله وقال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ. ثم قال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك! انطلق فاجهد عليّ جهدَك. وقد تقدم في حديث: «بُني الإسلام على خمس» زيادة فيه للبخاري في علي وعثمان (٢) . وقد أخرج البخاري أيضا (٣) من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني عنه. هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد: قال؟ نعم. قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! قال ابن عمر، تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله
_________
(١) في كتاب فضائل الصحابة (ك٦٢ ب٩ - ج٤ ص٢٠٨) من حديث سعد بن عبيدة.
(٢) لعل المؤلف يشير إلى حديث ابن عمر في كتاب التفسير من صحيح البخاري (ك٦٥ ب٢ تفسير البقرة الحديث٣٠ ج٥ ص١٥٧) .
(٣) في كتاب فضائل الصحابة (ك ٦٢ ب٧ - ج٤ ص٢٠٣ - ٢٠٤) .
عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه (١) . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان (٢) وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة (٣) فقال رسول الله ﷺ بيده
_________
(١) وبعث النبي ﷺ ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة. قال أسامة بن زيد - فيما رواه الطبري٢: ٢٨٦ -: " فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان " ثم في ربيع الأول من السنة التالية لغزوة بدر تزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة.
(٢) وقبل أن يبعث عثمان دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. ويوم تدوّن الدول الإسلامية تاريخ السفارات في الإسلام، سيكون اسم عثمان أول سفراء الإسلام في التاريخ.
(٣) لأن عثمان لما أدى رسالته في السفارة التي بعث بها احتبس أياما. فلم يعد إلى النبي ﷺ في الموعد الذي كان يقدر له أن يعود فيه، فوصل الخبر إلى النبي ﷺ بأن سفيره قتل، فدعا النبي ﷺ الصحابة إلى بيعة الرضوان، انتصارا لعثمان، على نية أن يذهب بالصحابة إلى مكة فيناجز المشركين لما بلغه عن قتلهم عثمان. فبيعة الرضوان كانت رمزا من رموز الشرف لعثمان، وأي شرف أعظم من اجتماع قوى الإسلام بقيادة الرسول الأعظم للأخذ بثأر هذا الرجل الحبيب إلى المسلمين، والرفيع المنزلة عند سيد الأولين والآخرين؟ ثم لما علم النبي ﷺ في اللحظة الأخيرة التي اجتمع فيها الصحابة لعقد البيعة - أن عثمان حي، مضى في إتمام البيعة على سنته ﷺ في أنه إذا بدأ بخير يمضي في إكماله ولو زال سببه. وحينئذ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله ﷺ نابت عن يده في عقد البيعة عنه. فبيعة الرضوان كانت انتصارا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته. ولو لم يكن لعثمان من الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه.
Translation
انهزامه يوم حنين وفراره يوم أحد
#48 Chapter 48 — مؤاخذتهم عثمان بأنه لم يقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان · ref. #48
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
اليمنى: " هذه يد عثمان " فضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان ". ثم قال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١) .

[مؤاخذتهم عثمان بأنه لم يقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان]
١٧ - وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن ذلك باطل (٢) . فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في
_________
(١) لو أن أمير المؤمنين عثمان كان من حواري المسيح ﵇، وكانت له من سيدنا عيسى ابن مريم مثل هذه المنقبة التي كرمه الله بها من نبي الرحمة محمد ﷺ، لعبدته النصارى لأجلها. فالعجب لأمة يكون فيها جهلة يعيبون على عثمان - في زمانه - غيبته عن بيعة الرضوان، ويكون فيهم من يستشعر الشجاعة في نفسه عند الإقدام على سفك دم هذا الخليفة الرحيم لأمور هذا منها، ثم يحمل مثل هذا الجهل في دماغه رجل جاء يعبد الله بأداء فريضة الحج فيواجه به جماعة الصحابة من قريش ورئيسهم عبد الله بن عمر. ثم تمس الحاجة إلى التعرض لبيان هذه الحقائق في عصر القاضي أبي بكر بن العربي، ثم يشعر أمثالنا في عصرنا بأن عثمان لا يزال من بعض أمته في موقف يحتاج فيه إلى إنصافه ودفع قالة السوء عنه. حقا إننا أمة مسكينة. . . ولأمر ما بلغ بنا الحال بين الأمم إلى ما كنا فيه، وإلى ما لا نزال غارقين فيه " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ".
(٢) بشهادة ابنه القماذبان. روى الطبري (٥: ٤٣ - ٤٤ مصر و١: ٢٨٠١ طبعة أوروبا) عن سيف بن عمر بسنده إلى أبي منصور قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه. . . قال: " فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه " (أي من عبيد الله بن عمر بن الخطاب) ثم قال: " يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب، فاقتله ". فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم ". هذا كلام ابن الهرمزان وإن كل منصف يعتقد (ولعل ابن الهرمزان أيضا كان يعتقد) أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا السياسي الفارسي. وإن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول ﷺ من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية.
أوله (١) وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه (٢) وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يل بعد، ولعل عثمان
_________
(١) وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه. قال الطبري (٥: ٤١) جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده. . . فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق. فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي.
(٢) وفي تاريخ الطبري: (٥: ٤٢) حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: " مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة (وكان نصرانيا من أهل الحيرة ظئرا لسعد بن أبي وقاص) والهرمزان، وهم نجي، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه. فانظروا بأي شيء قتل " وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر، فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله.
كان لا يرى على عبيد الله حقا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله (١) وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه. وكيف يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟ .
_________
(١) وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ٢٠٠): وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر - وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة - فقال (أي ابن عباس): " إن شئت أن نقتلهم " فقال عمر: " كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟ ". قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس - وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير - يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا. . . وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك. ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان القاتل متأولا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ عن القاتل (يعني عن عبيد الله بن عمر) قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية واحتملها من ماله الخاص. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - بجميع ظروفه - وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان من الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم.
Translation
مؤاخذتهم عثمان بأنه لم يقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان
#49 Chapter 49 — تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان · ref. #49
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان]
١٨ - وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع راكب، أو مع غلامه - ولم يقل أحد قط إنه كان غلامه (١) - إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل
_________
(١) وإنما قالوا إنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة. وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات من الرعاة. وإن صح أنه من رعاة إبل الصدقة فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائما بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤساؤهم فضلا عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه. ومع افتراض أنه من رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرض من أغراضهم، وقد ثبت أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة عند رحيل الثوار عنها مقتنعين بأجوبة عثمان وحججه. وفي مدة تخلف الأشتر وحكيم بن جبلة تم تدبير الكتاب وحامله للتذرع بهما في تجديد الفتنة ورد الثوار، ولم يكن لأحد غير الأشتر وأصحابه مصلحة في تجديد الفتنة. وكم لهم من حيل أكثر التواء من استئجار راع يرعى إبل الصدقة. بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق من نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزور الكتب على لسان أزواج النبي ﷺ ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالا على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلا يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم. . . فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبا من أزواج النبي ﷺ في الشكوى من حكم عثمان، وتتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز (انظر كتاب الأستاذ المحقق الشيخ صادق عرجون عن " عثمان بن عفان " ص١٢٢ - ١٣٣) فتزوير الكتب في مأساة البغي على أمير المؤمنين عثمان كان من أسلحة البغاة استعملوه من كل وجه وفي كل الأحوال وقد تقدم المثال على ذلك في صفحة ٥٩، وسيأتي طرف منه فيما بعد.
حامليه (١) فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت (٢) . وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه (٣) . فقالوا لتسلم لنا مروان. فقال: لا أفعل. ولو سلمه لكان ظالما (٤)
_________
(١) وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة ويعلم أنه خرج من مصر (الطبري٥: ١٢٢) وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه. وسيأتي الكلام على ذلك كله فيما بعد.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٨٨): كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله (أي في قتل أمير المؤمنين عثمان) ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم.
(٣) وقد حدث مثل ذلك في زمن عمر، كما رواه البلاذري في فتوح البلدان (ص٤٤٨ طبع سنة ١٣٥٠) والحافظ ابن حجر في الإصابة (٣: ٥٢٨ طبع سنة ١٣٢٨) .
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٨٩) بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر هو أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان. لأن عثمان إمام هدى وخليفة راشد يجب عليه سياسة رعيته وقتل من لا يدفع شره إلا بقتله. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض ليس لهم قتل أحد ولا إقامة حد. وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو (أي ابن أبي بكر) أشهر بالعلم والدين منه (أي من مروان) . بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته. ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس. . . ومروان من أقران ابن الزبير. . . الخ.
Translation
تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان
#50 Chapter 50 — قول علي إن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا · ref. #50
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه وآخذه والممكن لمن يأخذه بالحق. ومع سابقته وفضيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله.

[قول علي إن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا]
وأمثل ما روي في قصته أنه - بالقضاء السابق - تألب عليه قوم لأحقاد اعتقدوها: ممن طلب أمرا فلم يصل إليه، وحسد حسادة أظهر داءها، وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة (١) . وإذا نظرت إليهم دلك صريح ذكرهم على دناءة قلوبهم وبطلان أمرهم (٢) .
_________
(١) بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: " ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها " ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: " ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان ﵁ بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم ".
(٢) أجملنا في هامش ص ٥٨ أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (٤: ٨٦) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة ١٤ مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان.
Translation
قول علي إن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا
#51 Chapter 51 — التعريف بالغافقي المصري وكنانة بن بشر وسودان بن حمران · ref. #51
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[التعريف بالغافقي المصري وكنانة بن بشر وسودان بن حمران]
كان الغافقي المصري أمير القوم (١) وكنانة بن بشر التجيبي (٢)
_________
(١) هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي ربيب الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبئيين في مصر، والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة ٣٥ أعدوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا. وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم إلى أن استفحل الأمر ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس (الطبري٥: ١٠٧) . ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار (الطبري٥: ١٣٠) وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب. (الطبري ٥: ١٥٥) .
(٢) وهذا أيضا من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبئيون، وكان كنانة بن بشر هذا واحدا منهم (الطبري ٥: ٩٩) . وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة ٣٥ انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرا على إحدى هذه الفرق (الطبري ٥: ١٠٣) ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان وبيده شعلة من نار تنضح بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم ودخلت الشعل على أثره (الطبري ٥: ١٢٣) . ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصا (أي نصلا طويلا عريضا) فانتضح الدم على آية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، (الطبري ٥: ١٢٦) وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله (الطبري ٥: ١٣١)، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم المخزومي المدني المتوفى سنة ٤٣ قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي (الطبري ٥: ١٢٣) . وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
ألا إن خير الخلق بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وكانت عاقبة كنانة هذا وقوعه قتيلا في الحرب التي نشبت سنة ٣٨ في مصر بين محمد بن أبي بكر الصديق نائب علي وبين عمرو بن العاص ومن معه من جيش معاوية بن حديج السكوني (الطبري ٦: ٥٨ - ٥٩ و٦٠) .
وسودان بن حمران (١)
_________
(١) السكوني، من قبائل مراد اليمنية النازلة في مصر، وقد تقدم في هامش ص١١٢ أنه كان - في سنة ١٤ - أحد الذين قدموا في خلافة عمر للجهاد مع جيوش اليمن بقيادة حصين بن نمير ومعاوية بن حديج، فلما استعرضهم أمير المؤمنين عمر وقع نظره على سودان بن حمران هذا وعلى زميله خالد بن ملجم فتشاءم منهما وكرههما. ولما أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له مصدر الإشاعات الكاذبة وحقيقة الحال التف السبئيون بعمار وكان سودان بن حمران منهم (الطبري ٥: ٩٩) . ولما سير السبئيون متطوعة الفتنة من أوشاب القبائل اليمنية التي في مصر في شوال سنة ٣٥ نحو المدينة وجعلوهم أربع فرق كان سودان قائد إحدى هذه الفرق (الطبري ٥: ١٠٣)، ولما وصل متطوعة الفتنة إلى المدينة وخرج لهم محمد بن مسلمة ليعظم لهم حق عثمان وما في رقابهم من البيعة له رآهم ينقادون لأربعة هذا واحد منهم (الطبري ٥: ١١٨) . وفي ٥: ١٣١ من تاريخ الطبري في وصف تسوّر سودان ومعه آخرون من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان. وفي ٥: ١٣٠ بعض تفاصيل ما وقع من سودان عند ارتكابهم الجناية العظمى. ولما انتهوا من قتل أمير المؤمنين خرج سودان من الدار وهو ينادي: قد قتلنا عثمان بن عفان (الطبري ٥: ١٢٣) .
Translation
التعريف بالغافقي المصري وكنانة بن بشر وسودان بن حمران
#52 Chapter 52 — التعريف بعبد الله بن بديل وحكيم بن جبلة والأشتر · ref. #52
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[التعريف بعبد الله بن بديل وحكيم بن جبلة والأشتر]
وعبد الله بن بُديل بن وَرقاء الخُزاعي (١)
_________
(١) كان أبوه رجلا مسنا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمى على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري (٥: ١٢٤ - ١٢٥) أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة (٢: ٢٨٠) عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها. والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر (في الإصابة ٢: ٢٨١) عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة - أي مع جيش أهل الشام - لقي عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلما. واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلما. وكيف يكون أخوه قتل ظلما وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليهم كان مبغيا عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنا، ومع ذلك لم يقاتل أحدا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس أن يدافعوا عنه أوباشا قدموا إلى مدينة الرسول ﷺ من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملا.
وحُكيْم بن جبلة من أهل البصرة (١)
_________
(١) حُكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عُمان وسواحل الخليج الفارسي، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها. وكان حكيم هذا شابا جريئا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش، ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب (الكوماندوس) في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استكشاف الهند كما نوهتُ بذلك في مقالة (طلائع الإسلام في الهند) . ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي (وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق) على ما نقله عنه الطبري (٥: ٩٠) أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه (أي منعه من مبارحة البصرة) . فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه. فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم. وذكر الطبري (٥: ١٠٤) أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول ﷺ كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم (الطبري ٥: ١٠٦) ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة (الطبري ٥: ١٢٠) وفي ذلك شبهة قوية بأن لهم دخلا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين. ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين عليّ على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال لئلا يتم التفاهم والاتفاق (الطبري ٥: ١٧٦ وما بعدها) . وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك. فطعنها فقتلها (الطبري ٥: ١٧٦)، وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قتل وقتل معه كل من كان في الوقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: " ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم " فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا. فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (الطبري ٥: ١٨٠) . روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم رجل من الحدَّان يقال له ضخيم فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه، الطبري (٥: ١٨٢) .
ومالك بن الحارث الأشتر (١) في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم
. . . . . . . . . .
_________
(١) من النخَع، وهي قبيلة يمنية من قبائل مَذْحج، بطل شجاع من أبطال العرب، كان أول مشاهده الحربية في اليرموك، وفيها فقد إحدى عينيه، ثم شاء الله أن يكون سيفه مسلولا على إخوانه المسلمين في مواقف الفتنة. ولو أنه لم يكن ممن ألب على أمير المؤمنين عثمان، وكتب الله أن تكون وقائعه الحربية في نشر دعوة الإسلام وتوسيع الفتوح، لكان له في التاريخ شأن آخر. والذي دفعه في هذا الطريق غلوه في الدين وحبه للرئاسة والجاه، ولست أدري كيف اجتمعتا فيه. والأشتر أحد الذين اتخذوا الكوفة دار إقامة لهم، فلما كانت إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة كان الأشتر يشعر في نفسه بأنه أهل للولاية والرئاسة، فانزلق مع العائبين على الدولة ورجالها، من الخليفة الأعلى في المدينة إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة. ولما سرق أبو زينب وأبو مورع خاتم الوليد من منزله وذهبا به إلى المدينة فشهدا على الوليد بشرب الخمر كما تقدم في ص٩٦ أسرع الأشتر وآخرون معه بالذهاب إلى المدينة لتوسيع دائرة الفتنة، حتى إذا عزل عثمان الوليد بسعيد بن العاص عاد الأشتر مع سعيد إلى الكوفة، (الطبري ٥: ٦٣) . وكان عثمان قد سن نظام مبادلة الأراضي، فمن كانت له أرض من الفيء في مكان بعيد عنه يبادل عليها بأرض قريبة منه بالتراضي بين المتبادلين. وبهذه الطريقة تخلى طلحة بن عبيد الله عن أسهمه في خيبر واشترى بها من فيء أهل المدينة بالعراق أرضا يقال لها النشاستج (الطبري ٥: ٦٤) . وبينما كان سعيد بن العاص في دار الإمارة بالكوفة والناس عنده أثنى رجل على طلحة بن عبيد الله بالجود، فقال سعيد بن العاص: لو كان لي مثل أرض النشاستج لأعاشكم الله عيشا رغدا. فقال له عبد الرحمن بن خنيس الأسدي: وودت لو كان هذا الملطاط لك. والملطاط أرض على جانب الفرات كانت لآل كسرى. فغضب الأشتر وأصحابه وقالوا للأسدي: تتمنى له من سوادنا؟ فقال والده: ويتمنى لكم أضعافه. فثار الأشتر وصحبه على الأسدي وأبيه وضربوهما في مجلس الإمارة حتى غشي عليهما. وسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وأحاطوا بالقصر ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بن العاص هذه الفتنة بحكمته، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته. وكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان في إخراج هؤلاء المشاغبين من بلدهم، فأرسلهم إلى معاوية في الشام (الطبري ٥: ٨٥ - ٨٦) ثم أخرجهم معاوية فنزلوا جزيرة ابن عمر تحت حكم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، إلى أن تظاهروا بالتوبة، فذهب الأشتر إلى المدينة ليرفع إلى عثمان توبتهم، فرضي عنه عثمان وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار العودة إلى زملائه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الجزيرة (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) . وفي الوقت الذي كان فيه الأشتر يعرض على عثمان توبته وتوبة زملائه وذلك في سنة ٣٤ كان السبئيون في مصر يكاتبون أشياعهم في الكوفة والبصرة بأن يثوروا على أمرائهم واتعدوا يوما، فلم يستقم ذلك إلا لجماعة الكوفة، فثار بهم يزيد بن قيس الأرحبي (الطبري ٥: ١٠١) . ولما وصل الأشتر من المدينة إلى إخوانه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجد بين أيديهم كتابا من يزيد بن قيس الأرحبي يقول لهم فيه: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا. فتشاءموا من هذه الدعوة وآثروا البقاء، وخالفهم الأشتر فرجع عاصيا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة وقد نزلوا في الجرعة - مكان مشرف على القادسية - وهناك تلقوا سعيد بن العاص أميرا على الكوفة وهو عائد من المدينة فردوه، ولقي الأشتر مولى لسعيد بن العاص فضرب الأشتر عنقه. وبلغ عثمان أنهم يريدون إقالة سعيد بأبي موسى الأشعري فأجابهم إلى ما طلبوا (الطبري ٥: ٩٣ - ٩٤) . ولما فشل موعد سنة ٣٤ واقتصرت الفتنة على ما كان في الجرعة، اتعد السبئيون للسنة التي بعدها (سنة ٣٥) ورتبوا أمرهم على التوجه إلى المدينة مع الحجاج كالحجاج، وكان الأشتر مع خوارج الكوفة رئيسا على فرقة من فرقهم الأربع (الطبري ٥: ١٠٤) . وبعد وصولهم إلى المدينة ناقشهم أمير المؤمنين عثمان وبين لهم حجته في كل ما كانوا يظنونه فيه، فاقتنع جمهورهم بذلك وحملوا رؤساء الفتنة على الرضا بأجوبة عثمان وارتحلوا من المدينة للمرة الأولى. إلا أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة ولم يرتحلا معهم (الطبري ٥: ١٢٠) . ولما وصل المصريون إلى مكان يسمى البويب اعترضهم راكب مثل لهم دور حامل الكتاب المزعوم، وسيأتي الحديث عن ذلك في ص ١٢٦. ونقل الطبري (٥: ١٩٤) أن الأشتر كان في مؤتمر السبئيين الذي عقدوه قبيل ارتحال علي من الكوفة إلى البصرة للتفاهم مع طلحة والزبير وعائشة. فقرر السبئيون في مؤتمرهم هذا أن ينشبوا الحرب بين الفريقين قبل أن يصطلحا عليهم. وفي وقعة الجمل اصطرع عبد الله بن الزبير والأشتر واختلفا ضربتين وقال عبد الله بن الزبير كلمته المشهورة: " اقتلوني ومالكا " فأفلت منه مالك الأشتر، روى الطبري (٥: ٢١٧) عن الشعبي أن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير " اقتلوني والأشتر " وكان للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، وما زال يضطرب في يدي ابن الزبير حتى أفلت. وروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا لما فرغ من البيعة بعد وقعة الجمل واستعمل عبد الله بن عباس على البصرة بلغ الأشتر الخبر باستعمال علي ابن عباس فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ إذن؟ ! اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي! " ثم دعا بدابته فركب راجعا. وبلغ ذلك عليا فنادى: الرحيل! ثم أجد السير فلحق به فلم يره أنه بلغه عنه وقال: " ما هذا السير؟ سبقتنا! ". وخشي إن تُرك والخروج أن يوقع في نفس الناس شرا. ثم اشترك الأشتر في حرب صفين. وولاه علي إمارة مصر بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة عنها. فلما وصل القلزم (السويس) شرب شربة عسل فمات، فقيل إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ٣٨ (الإصابة ٣: ٤٨٢) .
Translation
التعريف بعبد الله بن بديل وحكيم بن جبلة والأشتر
#53 Chapter 53 — تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام · ref. #53
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام]
وقد كانوا أثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في
جماعتهم عند معاوية (١) فذكرهم بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة
_________
(١) أثاروا الفتنة يوم ضربوا عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وأباه وهم في دار الإمارة بالكوفة، فكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان بإخراجهم إلى بلد آخر، فسيرهم إلى معاوية في الشام. والذين سيروا إلى معاوية: هم الأشتر النخعي، وابن الكواء اليشكري، وصعصعة بن صوحان العبدي، وأخوه زيد، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الغامدي. وجندب بن كعب الأزدي، وثابت بت قيس بن منقع، وعروة بن الجعد البارقي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.
الأمة (١) حتى قال له زيد صوحان - فيما يُروى (٢) " كما تكثر علينا بالإمرة وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجار " (٣) . فقال له معاوية: " لا أم لك. أذكرك بالإسلام وتذكرني بالجاهلية! قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع أو يضر. اخرجوا عني (٤) .
_________
(١) نص كلام معاوية كما رواه الطبري (٥: ٨٦): " إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم الأمم، حويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، وإن قريشا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم. إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة، فلا تسدوا عن جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم ".
(٢) بل القائل أخوه صعصعة.
(٣) وقال أيضا لمعاوية: " وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا " أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا. ولو أن هذه الكلمة قالها ثائر وهو في قبضة حاكمه - منذ بدأت الحكومات إلى أن تقوم الساعة - ما وجد من حاكمه حلما وسعة صدر كالذي وجده صعصعة من معاوية مع قدرته عليه.
(٤) وجواب معاوية على كلام صعصعة في وصف قريش ومكانتها طويل ونفيس، وقد أورده الطبري (٥: ٨٦) .
Translation
تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام
#54 Chapter 54 — انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم · ref. #54
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم]
وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد ومؤامرتهم (١) فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاصهم إليه. فأخرجهم معاوية (٢) فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٣) فحبسهم، ووبخهم، وقال لهم: " اذكروا ما كنتم تذكرون لمعاوية " (٤) . وحصرهم، وأمشاهم بين يديه
_________
(١) قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق (٧: ٢٩٩) وأبو جعفر الطبري في تاريخه (٥: ٩٢) يصف لمعاوية أهل الأحداث من أهل الأمصار: " أما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر، وأعجزهم عنه. وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعا ويصدرون شتى. وأما أهل الأحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة. وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم ".
(٢) وكتب فيهم إلى عثمان: " إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل. لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة. والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم. وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم. فانه سعيدا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير " (الطبري ٥: ٨٧) .
(٣) وكان يلي حمص لمعاوية. ويتبعه منطقة الجزيرة - حران والرقة -.
(٤) وذلك بعد قوله لهم: " يا ألة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهل. وقد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية. أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى " (الطبري ٥: ٨٧) .
أذلاء حتى تابوا بعد حول (١) .
وكتب إلى عثمان بخبرهم، فكتب إليه أن سرحهم إلي. فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم (٢) وخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم. فما استقروا في حيث ما ساروا حتى ثاروا وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع (٣)
_________
(١) كان كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به (صعصعة) قال: يا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما لك لا تقول كما كان بلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية؟ فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) .
(٢) الذي قدم إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة هو الأشتر النخعي وحده، وهو الذي ناب عن ابني صوحان وابن الكواء والآخرين في تجديد التوبة التي أعلنوها من قبل لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: غير أن الفتنة لم تكن مقتصرة على هؤلاء، بل كانت جرثومتها في يد ابن سبأ الذي اختار الإقامة في الفسطاط، وكان لها جناح في البصرة، وللأشتر وإخوانه بقية في الكوفة. وبينما كان الأشتر يجدد توبته وتوبة إخوانه في المدينة كان أعوان ابن سبأ يكاتبون البصرة والكوفة في موعد يثبون فيه على ولاتهم، فما رجع الأشتر بتوبته إلى إخوانه الذين كانوا عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حتى وجد عندهم كتابا من إخوانهم في الكوفة يدعونهم للاشتراك فيما اتعدوا له، فلم يبتهج بهذه الدعوة إلى الفتنة والشر إلا الأشتر الذي لم يكن قد نسي توبته بعد، فأسرع إلى الكوفة وانضم إلى الفتنة التي تسمى في التاريخ (يوم الجرعة) وكان ذلك سنة ٣٤.
(٣) لما أخفق السبئيون في الوثوب على ولاتهم سنة ٣٤ في الموعد الذي وقعت فيه.
Translation
انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم
#55 Chapter 55 — مسير فرق الثوار إلى المدينة · ref. #55
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[مسير فرق الثوار إلى المدينة]
وساروا إليه (١) على أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي (٢)
_________
(١) أي إلى أمير المؤمنين عثمان في مدينة الرسول ﷺ.
(٢) فارس شاعر، نزل مصر مع جيش الفتح، ولم يعرف له في سيرته شيء انفراد بالامتياز به غير اشتراكه في هذه الفتنة، مع دعواه أنه كان من الذين بايعوا تحت الشجرة. وأظنه لم يكن من الرءوس المدبرين للفتنة، ولكن مدبريها استغلوا ميله إلى الرئاسة، فاستفادوا من سنه ووجاهته بين فرسان القبائل العربية بمصر، وولوه القيادة على إحدى الفرق الأربع التي خرجت من مصر إلى المدينة (وقادة الفرق الثلاث الأخرى: كنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني. ورئيسهم الأعلى الغافقي بن حرب العكي) . وكان عبد الرحمن بن عديس في مدة الحصار شديد الوطأة على أمير المؤمنين عثمان وأهل بيته. ثم كانت عاقبته القتل في جبل الجليل بالقرب من حمص، لقيه أحد الأعراب، فلما اعترف له أنه من قتلة عثمان بادر بقتله (معجم البلدان لياقوت: الجليل) . وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة. أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي بن أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة! .
وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة (١) وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي (٢) . فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين (٣) . فاستقبلهم عثمان. فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا به، فقالوا: افتح التاسعة (٤) - يعني يونس - فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] قالوا له: قف. قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم على الله افتريت؟ قال: امضِهْ، إنما نزلت في كذا. وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت (٥) .
_________
(١) تقدم التعريف به في ص١١٥ـ ١١٦. وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية (والثلاثة الآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي. ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي) .
(٢) تقدم التعريف به في ص١١٦ـ ١١٩. وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية (والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم. ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم) .
(٣) نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة.
(٤) كذا في المطبوعة الجزائرية (٢: ١١٧) ولعله خطأ صوابه "السابعة" كما في تاريخ الطبري (٥: ١٠٧)، ويقال: إن ذلك ترتيب سورة يونس في مصحف ابن مسعود على ما في الفهرست لابن النديم ص٣٩ طبع مصر.
(٥) تقدم الكلام على الحمى في ص٧٢ - ٧٣ بقدر ما يحتمل هذا المختصر.
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم. حتى قال لهم: ماذا تريدون؟
فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا (١) أن المنفي يعاد والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذوو الأمانة والقوة. فكتبوا ذلك في كتاب. وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة. ثم رجعوا راضين (٢) .
وقيل أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم كذلك (٣) إذا راكب
_________
(١) أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية.
(٢) كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﷺ فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم. . . الخ. وقد رأيت في ص٥٤ـ ٥٥ شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات. حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت في ص١٠٠ شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم فالمصريين اتجهوا شمالا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق.
(٣) أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدا بينهما.
يتعرض لهم (١) .
ثم يفارقهم، مرارًا (٢) قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر (٣) . ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم (٤) .
_________
(١) أي للمصرين وحدهم.
(٢) ولا يتعرض لهم ثم يفارقهم ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه. ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أرداه مستأجرو هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها. ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما، لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة (الطبري ٥: ١٢٠) ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها.
(٣) وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح (الطبري ٥: ١٢٠) ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب حركة الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه (الطبري ٥: ١٢٢)، وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة (العقبة) وتغلب محمد بن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو الله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟ .
(٤) الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها. أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم. ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة واحلق رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن التباع الليثي مثل ذلك". وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق - وفلان وفلان - فاقتلهم وأبطل كتابهم وقر على عملك حتى يأتيك رأيي". وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار. وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد الريبة في أمره.
فأقبلوا حتى قدموا المدينة (١) فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله.
_________
(١) وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق عن قوافل الثوار المصريين في الغرب عادتا معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل متعددة عن قوافل المصريين ولا علم لها بالرواية المسرحية التي مثلت في البويب رجعت إلى المدينة من الشرق وقت رجوع المصريين من الغرب ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد! ومعنى هذا أن اللذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر. قال الطبري (٥: ١٠٥): فقال لهم علي: «كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة!» (يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية. قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم: «فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا» وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله ﷺ.
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض (١) وخرج علي من المدينة.
_________
(١) الطبري (٥: ١٠٨) . وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، هي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا في ص ١٢٥ أن الثوار فريقان - خادع ومخدوع - فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم من الفريق المخدوع يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه. ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إذا لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي في ص ١٣٦ أن مسروق بن الأجدع الهمداني - وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم - عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش - أحد الأئمة الأعلام الحفاظ -: «فكانوا يرون أنه كتب على لسانها» . أيها المسلمون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة وعلي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان قد أشيع عنه كذب كله، وأنه كان يتصرف في كل أمر بما كان يراه حقًا وخيرًا.
ولم يكن صهر رسول الله ﷺ المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخ ماضيها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.
Translation
مسير فرق الثوار إلى المدينة
#56 Chapter 56 — وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه · ref. #56
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
فانطلقوا إلى عثمان فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم إما أن تقيموا اثنين من المسلمين، أو يميني - كما تقدم ذكره - فلم يقبلوا ذلك منه (١) . ونقضوا عهده (٢) وحصروه.

[وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه]
وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر، فقال له: يريد القوم منك إما أن تخلع نفسك، أو تقص منها، أو يقتلوك! فقال: أما خلعي فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض. وأما القصاص، فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني (٣) .
وروي أن رجلًا قال له: نذرت دمك. قال: خذ جبتي. فشرط فيها شرطة بالسيف أراق منه دمه، ثم خرج الرجل وركب راحلته وانصرف في الحين (٤) .
_________
(١) لأنهم ما جاءوا ليقبلوا حقًا أو يرجعوا إلى شرع، وإنما جاءوا ليخلعوه أو يسفكوه دمه.
(٢) الذي تقدم في ص ١٢٥ أنهم قطعوه على أنفسهم بأن لا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة.
(٣) هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١١٧ - ١١٨)، وفي البداية والنهاية (٧: ١٨٤)، وفي أنساب الأشراف للبلاذري (٥: ٩٢) .
(٤) هذا الخبر في كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني ص ٢١٦. وأعجب من ذلك ما رواه الطبري (٥: ١٣٧ - ١٣٨) أن عمير بن ضابئ البرجمي وكميل بن زياد النخعي حضرا إلى المدينة ليغتالا عثمان تنفيذا لقرار اتخذوه في الكوفة مع بقية عصابتهم، فلما وصلا إلى المدينة نكل عمير، وترصد كميل للخليفة حتى مر به، فلما التقيا ارتاب منه عثمان، ووجأ وجهه فوقع على استه، فقال لعثمان: أوجعتنى يا أمير المؤمنين، قال عثمان: أولست بفاتك؟! قال: لا والله الذي لا إله إلا هو. فاجتمع الناس وقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين فقال: لا. قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. ثم قال لكميل: «إن كان كما قلت فاقتد مني (وجثَا) فوالله ما حسبتك إلا تريدني» وقال: «إن كنت صادقًا فأجزل الله، وإن كنت كاذبًا فأذل الله» وقعد له على قدميه وقال «دونك!» فقال كميل: «تركت» . أيها القارئ الكريم، إن هذا الموقف ليس موقف خليفة فضلًا عمن دونه، بل هو موقف المتخلقين بأخلاق الأنبياء. على أن الله يمهل ولا يهمل. فقد جاء الحجاج بعد أربعين سنة فقتل ضابئًا وقتل كميلا بما أراداه في هذا الحادث من الفتك برجل خلق قلبه من رحمة الله، و(إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) .
Translation
وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه
#57 Chapter 57 — فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة · ref. #57
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة]
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال [له عثمان]: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك، قال له [ابن عمر]: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه (١) .
_________
(١) أورد البلاذري هذا الخبر في أنساب الأشراف (٥: ٧٦) من حديث نافع عن ابن عمر. وقبل أن يفتي ابن عمر لخليفته بذلك ويدعوه إلى هذه التضحية النبيلة كان عثمان على بينة من ذلك ونور من الله، فقد أخرج ابن ماجه في مقدمة سننه (رقم ١١٢ الباب ١١ ج ص ٤١) من حديث النعمان بن بشير عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله ﷺ قال لعثمان: «يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يومًا فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه» يقول ذلك ثلاث مرات. وفي مسند الإمام أحمد (ج ٦ الطبعة الأولى: ص ٧٥ و٨٦ و١١٤ و١٤٩) حديث عائشة هذا بألفاظ مختلفة يرويه عنها ابن أختها عروة بن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهما.
Translation
فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة
#58 Chapter 58 — إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه · ref. #58
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
[إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه]
وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد وحفر بئر رومة، وقول النبي ﷺ حين رجف بهم أحد. وأقروا له به في أشياء ذكرها (١) .
وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم وقال: أفيكم ابنا محدوج؟ أنشدكما الله ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو غادر وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر، وإنما مهر أحدهم عند طبيبه. وإني زدتهم في غزاة واحد خمسمائة، حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى.
قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني فقلتما، إن كندة أكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم فنزعه واستعملتكما؟ قالا: بلى.
قال، اللهم إنهم كفروا معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم عن
_________
(١) انظر في مسند الإمام أحمد (١: ٥٩ الطبعة الأولى رقم ٤٢٠ الطبعة الثانية) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن. وسنن النسائي (٢: ١٢٤ - ١٢٥) وجامع الترمذي (٤: ٣١٩ - ٣٢٠) * وفي مسند أحمد (١: ٧٠ الطبعة الأولى رقم ٥١١ الطبعة الثانية من حديث الأحنف بن قيس التميمي. وسنن النسائي مطولًا ومختصرًا (٢: ٦٥ - ٦٦ و١٢٣ - ١٢٤) * وفي تاريخ الطبري (٥: ٢٢٥) من حديث أبي سعيد مولى أبي سيد الأنصاري.
Translation
إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه
#59 Chapter 59 — موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار · ref. #59
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
إمامهم ولا ترض إمامًا عنهم.

[موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار]
وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه (١) . ثم قال: قم يا ابن عمر - وعلى ابن عمر سيفه متقلدًا - فأخبر به الناس (٢) .
_________
(١) الذي يدل عليه مجموع الأخبار عن موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار، هو أنه كان يكره الفتنة، ويتقي الله في دماء المسلمين. إلا أنه صار في آخر الأمر يود لو كانت لديه قوة راجحة يهابها البغاة، فيرتدعون عن بغيهم، بلا حاجة إلى استعمال السلاح للوصول إلى هذه النتيجة. وقبل أن تبلغ الأمور مبلغها عرض عليه معاوية أن يرسل إليه قوة من جند الشام تكون رهن إشارته، فأبى أن يضيق على أهل دار الهجرة بجند يساكنهم (الطبري ٥: ١٠١) . وكان لا يظن أن الجرأة تبلغ بفريق من إخوانه المسلمين إلى أن يتكالبوا على دم أول مهاجر إلى الله في سبيل دينه. فلما تذاءب عليه البغاة واعتقد أن الدفاع عنه تسفك فيه الدماء جزافًا، عزم على كل من له عليهم سمع وطاعة أن يكفوا أيديهم وأسلحتهم عن مزالق العنف. والأخبار بذلك مستفيضة في مصدر أوليائه وشانئيه. على أنه لو ظهرت في الميدان قوة منظمة ذات هيبة تقف في وجوه البغاة، وتضع حدًا لغطرستهم، لارتاح عثمان لذلك وسر به، مع ما هو مطمئن إليه من أنه لن يموت إلا شهيدًا.
(٢) في البداية والنهاية (٧: ١٨٢) عن (مغازي ابن عقبة) أن ابن عمر لم يلبس سلاحه إلا يوم الدار في خلافة عثمان، ويوم أراد نجدة الحروري أن يدخل المدينة مع الخوارج أيام عبد الله بن الزبير.
Translation
موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار
#60 Chapter 60 — اعتزام الأنصار الدفاع عن عثمان · ref. #60
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text Aqeedah
فخرج ابن عمر و[الحسن بن] علي. ودخلوا فقتلوه (١) .

[اعتزام الأنصار الدفاع عن عثمان]
وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله [مرتين] . قال [عثمان] لا حاجة بي في ذلك، كفوا (٢) .
_________
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩): كان آخر من خرج عبد الله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه بوصيته التي كتبها استعدادًا للموت، أمره أن يأتي أهل الدار (أي المدافعين عنه في ساحة القصر) فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم. فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه، وإنما أوصى عثمان إلى الزبير لأن الزبير كان محل الثقة من كبار الصحابة. روى الحافظ ابن عساكر (٥: ٣٦٢) أن سبعة من الصحابة أوصوا به: عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، ومطيع بن الأسود، وأبو العاص بن الربيع، فكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ لهم أموالهم.
(٢) أورده البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ٧٣) من حديث ابن سيرين، وأخرج الحافظ ابن عساكر عن مؤرخ الصدر الأول موسى بن عقبة الأسدي (الذي قال فيه الإمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فإنه ثقة، وهي أصح المغازي) أن أبا حبيبة الطائي (وهو ممن يروي عنهم أبو داود والنسائي والترمذي) قال: لما حصر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير فقالوا يا أبا عبد الله نحن نأتيك ثم نصير إلى ما تأمرنا به (أي من الدفاع عن أمير المؤمنين) قال أبو حبيبة: فأرسلنى الزبير إلى عثمان فقال: أقرئه السلام وقل «يقول لك أخوك: إن بني عمرو بن عوف جاءوني ووعدوني أن يأتوني ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به. فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم، فعلت. وإن شئت انتظرت ميعاد بني عمرو فأدفع بهم عنك فعلت» قال أبو حبيبة: فدخلت عليه - أي على عثمان - فوجدته على كرسي ذي ظهر ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مغلوة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير، فقال: «الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي. قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا من المهاجرين، حرمتك حرمة رجل، وغناؤك غناء رجل. ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف فعسى الله أن يدفع بك» . قال: فقام أبو هريرة فقال: أيها الناس، لقد سمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول «تكون بعدي فتن وأحداث» فقلت: وأين النجاء منها يا رسول الله؟ قال: «الأمير وحزبه» وأشار إلى عثمان. فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر. فقال [عثمان]: «عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل» . قال: فبادر - أي سبق - الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه (وانظر الخبر مختصرًا في كتاب «نسب قريش» للزبيري ص ١٠٣) .
وبنو عمرو بن عوف قبيلة كبيرة من الخزرج، أحد فرعي الأنصار، وكان النبي ﷺ عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا من مكة نزل ضيفًا عليهم ثلاثة أيام ثم انتقل إلى بني النجار.
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن (١) .
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح
_________
(١) هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩) .
عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال (١) .
فقتله المرء الأسود (٢) .
وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه كنانة (٣) وقيل: رجل من أهل مصر يقال له حمار (٤) فسقطت قطرة من دمه على المصحف
_________
(١) أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٨) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه.
(٢) كذا في مطبوعة الجزائر. والذي في تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) «الموت الأسود»، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان من ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة (الطبري ٥: ١٠٣ - ١٠٤) وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل «الموت الأسود» اسم مستعار له أراد أن يرمز به ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام.
(٣) هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي قائد إحدى الفرق المصرية الأربع وكان قبل ذلك أحد الذين التفوا بعمار بن ياسر في الفسطاط ليجعلوه سبئيًا، وهو أول داخل إلى دار عثمان بالشعلة من النفط ليحرق باب الدار، وهو الذي اخترط السيف ليضعه في بطن أمير المؤمنين، فوقته زوجته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره، وكانت عاقبة التجيبي القتل مخذولًا في المعركة التي نشبت في مصر بين محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص سنة ٣٨.
وقد تحرف «كنانة» في مطبوعة الجزائر برسم «رومان» ومطبوعة الجزائر كثيرة التحريف.
(٤) لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرفوا اسم سودان بن «حمران»، أو اسم عمرو بن «الحمق» .
Translation
اعتزام الأنصار الدفاع عن عثمان

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound