Back to the aqeedah library
111 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Abu Bakr Ibn al-Arabi (أبو بكر ابن العربي
111
Total sections
111 chapters
#61
Chapter 61 — تزويرهم الكتب على لسان عائشة
· ref. #61
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فإنها ما حكت إلى الآن.
[تزويرهم الكتب على لسان عائشة]
وروي أن عائشة ﵂ قالت: «غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف!؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقند المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه (١) .
قال مسروق (٢) فقلت لها: «عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه» . فقالت عائشة: «والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض» . قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها (٣) .
وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو بكر ﵀: فهذا أشبه ما روي في الباب وبه يتبين - وأصل المسألة سلوك سبيل الحق - أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين
_________
(١) قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس وخطبت فيهم خطبة بليغة وردت هذه الجملة في آخرها (الطبري ٥: ١٦٥ -١٦٦) . والموص: الغسل بالأصابع. والقند: عسل قصب السكر إذا جمد.
(٢) هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة ٦٣. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرًا للصابرين (الطبري ٥: ١٨٧) .
(٣) كما كتب على لسان علي ولسان عثمان.
[تزويرهم الكتب على لسان عائشة]
وروي أن عائشة ﵂ قالت: «غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف!؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقند المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه (١) .
قال مسروق (٢) فقلت لها: «عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه» . فقالت عائشة: «والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض» . قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها (٣) .
وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو بكر ﵀: فهذا أشبه ما روي في الباب وبه يتبين - وأصل المسألة سلوك سبيل الحق - أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين
_________
(١) قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس وخطبت فيهم خطبة بليغة وردت هذه الجملة في آخرها (الطبري ٥: ١٦٥ -١٦٦) . والموص: الغسل بالأصابع. والقند: عسل قصب السكر إذا جمد.
(٢) هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة ٦٣. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرًا للصابرين (الطبري ٥: ١٨٧) .
(٣) كما كتب على لسان علي ولسان عثمان.
Translation
تزويرهم الكتب على لسان عائشة
#62
Chapter 62 — الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام
· ref. #62
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
ألفًا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة (١) .
[الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام]
وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقي بيده، أو يستنصر (٢)؟ وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان وبتوصية النبي ﷺ بذلك في الفتنة (٣) .
قال القاضي أبو بكر ﵀: ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب،
_________
(١) لأنه اختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا وأمريكا تعبدان بشرًا بزعم الفداء ولم يكن فيه مختارًا.
(٢) من سياسة الإسلام أن يختار المرء في كل حالة أقلها شرًا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد. وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته - كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه - فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود.
(٣) وهو قوله ﷺ على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب (ك ٦١ ب ٢٥ - ج ٤ ص ١٧٧) وفي كتاب الفتن (ك ٩٢ ب ٩ - ج ٨ ص ٩٢) من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به» . وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمع من رسول الله ﷺ (الطبري ٥: ١٨٨) .
[الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام]
وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقي بيده، أو يستنصر (٢)؟ وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان وبتوصية النبي ﷺ بذلك في الفتنة (٣) .
قال القاضي أبو بكر ﵀: ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب،
_________
(١) لأنه اختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا وأمريكا تعبدان بشرًا بزعم الفداء ولم يكن فيه مختارًا.
(٢) من سياسة الإسلام أن يختار المرء في كل حالة أقلها شرًا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد. وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته - كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه - فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود.
(٣) وهو قوله ﷺ على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب (ك ٦١ ب ٢٥ - ج ٤ ص ١٧٧) وفي كتاب الفتن (ك ٩٢ ب ٩ - ج ٨ ص ٩٢) من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به» . وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمع من رسول الله ﷺ (الطبري ٥: ١٨٨) .
Translation
الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام
#63
Chapter 63 — اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه
· ref. #63
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار (١) .
[اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه]
وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي ﷺ المتقدمة (٢) والثاني الاقتداء بعثمان، الثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي (٣) . فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا إليه مستغيثين به فأراق دماءهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية. فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد (٤) .
وروي أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة (٥) .
_________
(١) أشرنا إلى ظروف هذا الحادث في ترجمة المؤلف أول هذا الكتاب (ص ٢٦) .
(٢) وقد نقلناها آنفًا من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل.
(٣) وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق «إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، فأراد عمر أن يقتله فمنعه النبي ﷺ وقال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» .
(٤) تقدم بيان ذلك في ص ٥٥ و٥٦.
(٥) هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية (٧: ١٨٢ - ١٨٣)، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري (٥: ٨٢) وفي مسند أحمد (١: ٧٢ الطبعة الأولى، رقم ٥٢٦ الثانية) من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، إنهم قالوا لي: «اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة» . ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه. وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان (١: ٧٣ رقم ٥٣٦) بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية (٧: ١٨٢) من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة. وانظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) .
[اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه]
وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي ﷺ المتقدمة (٢) والثاني الاقتداء بعثمان، الثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي (٣) . فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا إليه مستغيثين به فأراق دماءهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية. فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد (٤) .
وروي أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة (٥) .
_________
(١) أشرنا إلى ظروف هذا الحادث في ترجمة المؤلف أول هذا الكتاب (ص ٢٦) .
(٢) وقد نقلناها آنفًا من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل.
(٣) وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق «إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، فأراد عمر أن يقتله فمنعه النبي ﷺ وقال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» .
(٤) تقدم بيان ذلك في ص ٥٥ و٥٦.
(٥) هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية (٧: ١٨٢ - ١٨٣)، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري (٥: ٨٢) وفي مسند أحمد (١: ٧٢ الطبعة الأولى، رقم ٥٢٦ الثانية) من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، إنهم قالوا لي: «اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة» . ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه. وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان (١: ٧٣ رقم ٥٣٦) بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية (٧: ١٨٢) من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة. وانظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) .
Translation
اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه
#64
Chapter 64 — تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار
· ref. #64
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا. واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي. وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين (١) .
قال القاضي أبو بكر: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم،
_________
(١) هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في ألا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم، ويضربون وجه الكذاب بكذبه. والطريق الثاني طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجيا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو ممن ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا. وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معا يقوم بهما علماء راسخون فيهما.
وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا. واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي. وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين (١) .
قال القاضي أبو بكر: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم،
_________
(١) هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في ألا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم، ويضربون وجه الكذاب بكذبه. والطريق الثاني طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجيا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو ممن ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا. وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معا يقوم بهما علماء راسخون فيهما.
Translation
تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار
#65
Chapter 65 — تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار
· ref. #65
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
محجوج بغير حجة (١) . وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم، لأنهم أتوا إرادته وسلموا له رايه في إسلام نفسه.
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
ولقد ثبت - زائدًا إلى ما تقدم عنهم - أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم. فأذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه (أو قال دمًا) (٢) .
وقال سليط بن أبى سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها (٣) .
_________
(١) كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة وانظر كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني (ص ٢٢٠ - ٢٢٧) .
(٢) ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان، فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت. وكان أول من برز للبغاة المهاجمين وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب وهو يقول في تسفيه عمل البغاة:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
أي: إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه. وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله - وكان يعرف بالسجاد لكثرة عبادته - وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٨ - ١٢٩) .
(٣) رواه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (٢: ١١٨ - ١١٩ هامش الإصابة) من حديث ابن سيرين عن سليط. وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة (٢: ٧٢) .
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناءً من كف يده وسلاحه (١) .
وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم (٢) .
_________
(١) وفي تاريخ الطبري (٥: ١٢٧) أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: اذهب فأنت على الموسم (أي على إمارة الحج) فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج". فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة.
(٢) وفي البداية والنهاية (٧: ١٨١): كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة. فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه -: «أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله» قال لرقيقه «من أغمد سيفه فهو حر»، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه فانتدب للخليفة رجل من البغاة فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك، فقال: «ويحك» والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله ﷺ، ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله ﷿. وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء (الطبري ٥: ١٣٠) . ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ١٠٣) عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال: ما لكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان. فبكى وقال: ابكين. . . . .
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
ولقد ثبت - زائدًا إلى ما تقدم عنهم - أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم. فأذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه (أو قال دمًا) (٢) .
وقال سليط بن أبى سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها (٣) .
_________
(١) كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة وانظر كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني (ص ٢٢٠ - ٢٢٧) .
(٢) ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان، فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت. وكان أول من برز للبغاة المهاجمين وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب وهو يقول في تسفيه عمل البغاة:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
أي: إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه. وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله - وكان يعرف بالسجاد لكثرة عبادته - وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٨ - ١٢٩) .
(٣) رواه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (٢: ١١٨ - ١١٩ هامش الإصابة) من حديث ابن سيرين عن سليط. وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة (٢: ٧٢) .
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناءً من كف يده وسلاحه (١) .
وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم (٢) .
_________
(١) وفي تاريخ الطبري (٥: ١٢٧) أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: اذهب فأنت على الموسم (أي على إمارة الحج) فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج". فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة.
(٢) وفي البداية والنهاية (٧: ١٨١): كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة. فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه -: «أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله» قال لرقيقه «من أغمد سيفه فهو حر»، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه فانتدب للخليفة رجل من البغاة فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك، فقال: «ويحك» والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله ﷺ، ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله ﷿. وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء (الطبري ٥: ١٣٠) . ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ١٠٣) عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال: ما لكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان. فبكى وقال: ابكين. . . . .
Translation
تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار
#66
Chapter 66 — المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع علي
· ref. #66
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع عليّ]
فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا، فانعقدت له البيعة. ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه. ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه (١) .
_________
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٥٥) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (أي يختبئ في بساتينها) فإذا لقوه باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه. فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم. . . فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع. فأقدم نبايعك. فبعث إليهم: وإني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر. فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. وأخرج الطبري (٥: ١٥٦) عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك. قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتد الناس عن علي. ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي. فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا. فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر. وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس -على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له. . . فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. . . فقال علي: دعوني والتمسوا غيري. . . فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد (أي يوم الجمعة): فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، جاء علي حتى صعد المنبر فقال: «يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر. فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد» فقالوا «نحن على ما فارقناك عليه بالأمس» . وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.
فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا، فانعقدت له البيعة. ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه. ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه (١) .
_________
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٥٥) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (أي يختبئ في بساتينها) فإذا لقوه باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه. فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم. . . فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع. فأقدم نبايعك. فبعث إليهم: وإني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر. فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. وأخرج الطبري (٥: ١٥٦) عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك. قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتد الناس عن علي. ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي. فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا. فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر. وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس -على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له. . . فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. . . فقال علي: دعوني والتمسوا غيري. . . فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد (أي يوم الجمعة): فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، جاء علي حتى صعد المنبر فقال: «يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر. فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد» فقالوا «نحن على ما فارقناك عليه بالأمس» . وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.
Translation
المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع علي
#67
Chapter 67 — قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين
· ref. #67
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين]
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر (١) .
فإن قيل: بايعا مكرهين (٢) . قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن
_________
(١) قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري (٥: ١٥٣) عن أبي المليح الهذلي.
(٢) يعني طلحة والزبير.
بايعهما. ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا. ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام (١) .
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك (٢) .
فإن قيل: فقد قال طلحة: «بايعت واللج على قفي» (٣) . قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في «القفا» لغة «قفي» كما يجعل في «الهوى»: «هوي» وتلك لغة هذيل لا قريش (٤) فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم «يد شلاء» لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل
_________
(١) القاضي ابن العربي يقرر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأي له. وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في (التمهيد) ص ٢٣١. وانظر ص ١٦٧ - ١٦٩ من كتاب (الإمامة والمفاضلة) لابن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتابه (الفصل) .
(٢) وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع. ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة، لأنها يد دافعت عن رسول الله ﷺ، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم إمامه الشهيد المبشر بالجنة.
(٣) أي: والسيف على قفاي، لحالة الإرهاب التي كانت سائدة على المدينة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان.
(٤) بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية (مادة لجج) أنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم.
مكروه (١) . وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في
_________
(١) كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﷺ وكان لا يخطئ رميه - فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﷺ، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره. وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا على فرس كميت أغر مدججًا من الحديد يصيح: أنا أبو ذات الودع دلوني على محمد. فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت. ثم تناول رمحه فلم يخطئ به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات. قالت بنتاه - عائشة وأم إسحاق -: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشي، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﷺ حين كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﷺ يقول إذا رأى طلحة: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» رواه أبو نعيم الأصبهاني. وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كان يوم طلحة. وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﷺ وإن السيوف لتغشاه وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﷺ. أخرج الحافظ ابن عساكر (٧: ٧٨) من طريق ابن مندة عن طلحة قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد (طلحة الخير)، وفي غزوة العسرة (طلحة الفياض) ويوم حنين (طلحة الجود) .
شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم. فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام (١) .
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي
_________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣١ و٢٣٥ و٢٣٦: وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان عند البيعة له كانوا هم المسئولين على زمام الأمر في المدينة وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان. مع الفارق العظيم بين دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال إنه أسلم بعد وقوعه في الأسر. ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان ولا سيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل البصريين من قتلة عثمان إلا واحدا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك وخرجوا عليه معتقدين كفره. ويقول علماء السنة والمؤرخون: إن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم جزاء بما قدمت أيديهم والله أعدل الحاكمين.
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر (١) .
فإن قيل: بايعا مكرهين (٢) . قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن
_________
(١) قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري (٥: ١٥٣) عن أبي المليح الهذلي.
(٢) يعني طلحة والزبير.
بايعهما. ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا. ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام (١) .
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك (٢) .
فإن قيل: فقد قال طلحة: «بايعت واللج على قفي» (٣) . قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في «القفا» لغة «قفي» كما يجعل في «الهوى»: «هوي» وتلك لغة هذيل لا قريش (٤) فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم «يد شلاء» لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل
_________
(١) القاضي ابن العربي يقرر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأي له. وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في (التمهيد) ص ٢٣١. وانظر ص ١٦٧ - ١٦٩ من كتاب (الإمامة والمفاضلة) لابن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتابه (الفصل) .
(٢) وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع. ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة، لأنها يد دافعت عن رسول الله ﷺ، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم إمامه الشهيد المبشر بالجنة.
(٣) أي: والسيف على قفاي، لحالة الإرهاب التي كانت سائدة على المدينة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان.
(٤) بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية (مادة لجج) أنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم.
مكروه (١) . وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في
_________
(١) كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﷺ وكان لا يخطئ رميه - فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﷺ، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره. وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا على فرس كميت أغر مدججًا من الحديد يصيح: أنا أبو ذات الودع دلوني على محمد. فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت. ثم تناول رمحه فلم يخطئ به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات. قالت بنتاه - عائشة وأم إسحاق -: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشي، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﷺ حين كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﷺ يقول إذا رأى طلحة: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» رواه أبو نعيم الأصبهاني. وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كان يوم طلحة. وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﷺ وإن السيوف لتغشاه وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﷺ. أخرج الحافظ ابن عساكر (٧: ٧٨) من طريق ابن مندة عن طلحة قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد (طلحة الخير)، وفي غزوة العسرة (طلحة الفياض) ويوم حنين (طلحة الجود) .
شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم. فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام (١) .
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي
_________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣١ و٢٣٥ و٢٣٦: وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان عند البيعة له كانوا هم المسئولين على زمام الأمر في المدينة وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان. مع الفارق العظيم بين دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال إنه أسلم بعد وقوعه في الأسر. ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان ولا سيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل البصريين من قتلة عثمان إلا واحدا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك وخرجوا عليه معتقدين كفره. ويقول علماء السنة والمؤرخون: إن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم جزاء بما قدمت أيديهم والله أعدل الحاكمين.
Translation
قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين
#68
Chapter 68 — قاصمة
· ref. #68
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
قاصمة
Translation
قاصمة
#69
Chapter 69 — اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة
· ref. #69
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وقاص، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم.
قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها. وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره (١) .
[قاصمة]
[اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة]
قاصمة روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استأذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة (٢) . فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام. فأقسما ألا يفعلا (٣) .
وكانت عائشة بمكة (٤) .
_________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام. وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة (ابن كثير ٧: ٢٣٠) وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد.
(٣) قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي (القاصمة) ورواتها.
(٤) ذهبت إليها وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف (الطبري ٥: ١٢٧)، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة (ابن كثير ٧: ٢٢٩) .
قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها. وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره (١) .
[قاصمة]
[اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة]
قاصمة روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استأذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة (٢) . فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام. فأقسما ألا يفعلا (٣) .
وكانت عائشة بمكة (٤) .
_________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام. وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة (ابن كثير ٧: ٢٣٠) وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد.
(٣) قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي (القاصمة) ورواتها.
(٤) ذهبت إليها وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف (الطبري ٥: ١٢٧)، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة (ابن كثير ٧: ٢٢٩) .
Translation
اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة
#70
Chapter 70 — خرافة الحوأب وشهادة الزور
· ref. #70
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وهرب عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى بن أمية عامل عثمان على اليمن.
فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم. واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة «عسكرًا» جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار. فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
[خرافة الحوأب وشهادة الزور]
فجاءوا إلى ماء الحوأب (١) ونبحت كلابه، فسألت عائشة فقيل لها: هذا ماء الحوأب. فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (٢) التي تنبحها كلاب الحوأب؟» فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلًا إليهما (٣) وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام (٤) .
_________
(١) الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان. وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها. سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.
(٢) الأدبب: الأدب (أظهر الإدغام لأجل السجعة)، والأدب: كثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية.
(٣) لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل النبي ﷺ. وسنبين ذلك في موضعه من (العاصمة) ص ١٦١ - ١٦٢.
(٤) شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم في ص ٩٦ - ٩٧، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم في ص ٩١، وأما طلحة والزبير - المشهور لهما بالجنة من نبي الرحمة ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى - فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا الزور. وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله ﷺ ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله.
فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم. واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة «عسكرًا» جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار. فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
[خرافة الحوأب وشهادة الزور]
فجاءوا إلى ماء الحوأب (١) ونبحت كلابه، فسألت عائشة فقيل لها: هذا ماء الحوأب. فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (٢) التي تنبحها كلاب الحوأب؟» فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلًا إليهما (٣) وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام (٤) .
_________
(١) الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان. وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها. سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.
(٢) الأدبب: الأدب (أظهر الإدغام لأجل السجعة)، والأدب: كثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية.
(٣) لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل النبي ﷺ. وسنبين ذلك في موضعه من (العاصمة) ص ١٦١ - ١٦٢.
(٤) شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم في ص ٩٦ - ٩٧، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم في ص ٩١، وأما طلحة والزبير - المشهور لهما بالجنة من نبي الرحمة ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى - فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا الزور. وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله ﷺ ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله.
Translation
خرافة الحوأب وشهادة الزور
#71
Chapter 71 — خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله
· ref. #71
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله]
وخرج علي إلى الكوفة (١) وتعسكر الفريقان والتقوا (٢) وقال عمار - وقد دنا من هودج عائشة -: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان.
_________
(١) خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦، ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقي والده بالمدينة فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها (الطبري ٥: ١٧١ وانظر ٥: ١٦٣) وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار. ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجى من الكوفيين يرون القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه. وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة وقتلة عثمان. ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره. وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم سار بمن معه إلى البصرة وفيها أصحاب الجمل.
(٢) بعد وصول علي إلى ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.
وخرج علي إلى الكوفة (١) وتعسكر الفريقان والتقوا (٢) وقال عمار - وقد دنا من هودج عائشة -: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان.
_________
(١) خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦، ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقي والده بالمدينة فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها (الطبري ٥: ١٧١ وانظر ٥: ١٦٣) وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار. ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجى من الكوفيين يرون القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه. وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة وقتلة عثمان. ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره. وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم سار بمن معه إلى البصرة وفيها أصحاب الجمل.
(٢) بعد وصول علي إلى ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.
Translation
خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله
#72
Chapter 72 — عاصمة
· ref. #72
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
عاصمة
Translation
عاصمة
#73
Chapter 73 — مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة
· ref. #73
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق (١) .
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﷺ: «إنك تقاتلني»؟ فتركه ورجع. وراجعه ولده، فلم يقبل. وأتبعه الأحنف من قتله (٢) .
ونادى علي طلحة من بعد: ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قاتل الله أولانا بدم عثمان. ألم تسمع النبي ﷺ يقول: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وأنت أول من بايعني ونكث (٣) .
[عاصمة]
[مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة]
عاصمة أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب لا يسمع. وقد دخل على المتعصب من
_________
(١) كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، أما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعا إلا واحدا منهم، وسيأتي بيانه.
(٢) الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي. والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه (الطبري ٥: ١٩٨) .
(٣) كان طلحة أصدق إيمانا وأسمى أخلاقا من أن يبايع وينكث. وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، استجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي ص ١٥٦، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين.
يريد الطعن في الإسلام واستنقاض الصحابة.
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم (١) وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان (٢) .
ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين، وضم نشرهم، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا. وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأولى فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرهًا فباطل قد بيناه (٣) .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان (٤) .
_________
(١) وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت علي نزاهتهم عنه. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣ - ٤١: ٤٢) فنقل عن كتاب (أخبار البصرة) لعمر بن شبة قول المهلب: "إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة ".
(٢) وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلي ذلك. وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، ورضي به الطرفان كما سيأتي.
(٣) في ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) انظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢١١ - ٢١٢ وص ٢٣٢ في موضوع الخلع.
وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة، ويمكن أن يجتمع الأمران (١) .
ويروى أن في تغيبهم (٢) قطع الشغب بين الناس. فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلي أمهم فيرعوا حرمة نبيهم. واحتجوا عليها (٣) بقول الله تعالي: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (النساء: ١١٤) . وقد خرج النبي ﷺ في الصلح وأرسل فيه. فرجت المثوبة، واغتنمت القصة، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها.
وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه. فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة (٤) فلقي طلحة والزبير
_________
(١) واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه. فأصحاب الجمل جاءوا في قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك. إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلي ما جاءوا له.
(٢) أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة.
(٣) لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة.
(٤) عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلي عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبا النبي ﷺ، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي ﷺ الفاسق (الطبري ٣: ١٦) . والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد لأنها أول مشاهده (الإصابة ٢: ٤٥٩) وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق في أول خلافته (تنقيح المقال للمامقاني ١: ١٩٨) وأعتقد أن هذا من كذبهم عليه، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب. ولما بويع لعلي آخر سنة ٣٥ واختار ولاته في بداية سنة ٣٦ ولى عثمان بن حنيف على البصرة (الطبري ٥: ١٦١) . ولما وصل أصحاب الجمل إلى الخفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي ﷺ على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أشر علي يا عمران. فقال له: إني قاعد فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي، وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري - أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين - بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد (الطبري ٥: ١٧٤ - ١٧٥)، وكانت العاقبة فشله وخروج الأمر من يده إلي أيدي أصحاب الجمل. ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبية ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل. أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به في (ص ١١٥ - ١١٦) .
بالزابوقة، فقتل حكيم (١) ولو خرج مسلما مستسلما لا مدافعا لما (٢)
_________
(١) الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد. أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل.
(٢) أي مقاتلا.
أصابه شيء. وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد.
فلما واصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين (١) حتى لو رمي حجر ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة (وتكلم الزبير) وتكلمت عائشة ﵃ (٢) .
وكثر اللغط (٣) وطلحة يقول «أنصتوا!» فجعلوا يركبونه ولا يتصنتون،
_________
(١) مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد، ثم صارت تكون فيه مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء. ثم اتسع عمران البصرة فدخل المربد في العمران فكان من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، وصار محلة عظيمة سكنها الناس. ولما انحطت منزلة البصرة وهرم عمرانها تضاءلت فأمسى المربد بائنًا عنها حتى كان بينه وبين البصرة في زمن ياقوت ثلاثة أميال، والمربد خراب. كالبلدة المفردة في وسط البرية. وكان موضع البصرة يومئذ قريبًا من موضع ضاحيتها الزبير في أيامنا هذه.
(٢) كان أصحاب الجمل في ميمنة المربد، وعثمان بن حنيف ومن معه في ميسرته، وقد لخص الطبري (٥: ١٧٥) خطب طلحة والزبير وعائشة راويًا ذلك عن سيف بن عمر التميمي عن شيوخه، وهم أعرف الإخباريين بحوادث العراق.
(٣) لأن الذين في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فجرا وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به. قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان. والذين كانوا في الميمنة يقولون: صدقا، وبرا، وقالا الحق، وأمرا بالحق، وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم ما نعرف ما تقولون. فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا.
فقال «أُف، أُف. فراش نار، وذباب طمع» . وانقلبوا على غير بيان (١) .
وانحدروا إلى بني نهد، فرماهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل (٢) والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف - عامل علي على البصرة - وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض
_________
(١) لما رأت عائشة ما يفعل أنصار عثمان بن حنيف انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقتين لابن حنيف حتى وقفوا في موضع آخر. ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان بن حنيف (الطبري ٥: ١٧٥) .
(٢) حفظ لنا الطبري (٥: ١٧٦ - ١٧٧) وصفًا دقيقًا نقله سيف بن عمر التميمي عن شيخيه محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي عن الموقف السلمي لأصحاب الجمل في هذه الوقعة، وإسراف حكيم بن جبلة في إنشاب القتال. قالا: وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ثم حجز الليل بين الفريقين. وفي اليوم التالي انتقل أصحاب الجمل إلى جهة دار الرزق، وأصبح عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة فجددا القتال، وكان حكيم يطيل لسانه بسب أم المؤمنين، ويقتل من يلومه على ذلك من نساء ورجال، ومنادي عائشة يدعو الناس إلى الكف عن القتال فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح.
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﷺ: «إنك تقاتلني»؟ فتركه ورجع. وراجعه ولده، فلم يقبل. وأتبعه الأحنف من قتله (٢) .
ونادى علي طلحة من بعد: ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قاتل الله أولانا بدم عثمان. ألم تسمع النبي ﷺ يقول: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وأنت أول من بايعني ونكث (٣) .
[عاصمة]
[مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة]
عاصمة أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب لا يسمع. وقد دخل على المتعصب من
_________
(١) كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، أما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعا إلا واحدا منهم، وسيأتي بيانه.
(٢) الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي. والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه (الطبري ٥: ١٩٨) .
(٣) كان طلحة أصدق إيمانا وأسمى أخلاقا من أن يبايع وينكث. وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، استجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي ص ١٥٦، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين.
يريد الطعن في الإسلام واستنقاض الصحابة.
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم (١) وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان (٢) .
ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين، وضم نشرهم، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا. وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأولى فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرهًا فباطل قد بيناه (٣) .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان (٤) .
_________
(١) وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت علي نزاهتهم عنه. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣ - ٤١: ٤٢) فنقل عن كتاب (أخبار البصرة) لعمر بن شبة قول المهلب: "إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة ".
(٢) وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلي ذلك. وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، ورضي به الطرفان كما سيأتي.
(٣) في ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) انظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢١١ - ٢١٢ وص ٢٣٢ في موضوع الخلع.
وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة، ويمكن أن يجتمع الأمران (١) .
ويروى أن في تغيبهم (٢) قطع الشغب بين الناس. فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلي أمهم فيرعوا حرمة نبيهم. واحتجوا عليها (٣) بقول الله تعالي: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (النساء: ١١٤) . وقد خرج النبي ﷺ في الصلح وأرسل فيه. فرجت المثوبة، واغتنمت القصة، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها.
وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه. فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة (٤) فلقي طلحة والزبير
_________
(١) واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه. فأصحاب الجمل جاءوا في قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك. إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلي ما جاءوا له.
(٢) أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة.
(٣) لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة.
(٤) عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلي عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبا النبي ﷺ، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي ﷺ الفاسق (الطبري ٣: ١٦) . والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد لأنها أول مشاهده (الإصابة ٢: ٤٥٩) وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق في أول خلافته (تنقيح المقال للمامقاني ١: ١٩٨) وأعتقد أن هذا من كذبهم عليه، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب. ولما بويع لعلي آخر سنة ٣٥ واختار ولاته في بداية سنة ٣٦ ولى عثمان بن حنيف على البصرة (الطبري ٥: ١٦١) . ولما وصل أصحاب الجمل إلى الخفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي ﷺ على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أشر علي يا عمران. فقال له: إني قاعد فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي، وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري - أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين - بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد (الطبري ٥: ١٧٤ - ١٧٥)، وكانت العاقبة فشله وخروج الأمر من يده إلي أيدي أصحاب الجمل. ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبية ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل. أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به في (ص ١١٥ - ١١٦) .
بالزابوقة، فقتل حكيم (١) ولو خرج مسلما مستسلما لا مدافعا لما (٢)
_________
(١) الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد. أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل.
(٢) أي مقاتلا.
أصابه شيء. وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد.
فلما واصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين (١) حتى لو رمي حجر ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة (وتكلم الزبير) وتكلمت عائشة ﵃ (٢) .
وكثر اللغط (٣) وطلحة يقول «أنصتوا!» فجعلوا يركبونه ولا يتصنتون،
_________
(١) مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد، ثم صارت تكون فيه مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء. ثم اتسع عمران البصرة فدخل المربد في العمران فكان من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، وصار محلة عظيمة سكنها الناس. ولما انحطت منزلة البصرة وهرم عمرانها تضاءلت فأمسى المربد بائنًا عنها حتى كان بينه وبين البصرة في زمن ياقوت ثلاثة أميال، والمربد خراب. كالبلدة المفردة في وسط البرية. وكان موضع البصرة يومئذ قريبًا من موضع ضاحيتها الزبير في أيامنا هذه.
(٢) كان أصحاب الجمل في ميمنة المربد، وعثمان بن حنيف ومن معه في ميسرته، وقد لخص الطبري (٥: ١٧٥) خطب طلحة والزبير وعائشة راويًا ذلك عن سيف بن عمر التميمي عن شيوخه، وهم أعرف الإخباريين بحوادث العراق.
(٣) لأن الذين في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فجرا وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به. قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان. والذين كانوا في الميمنة يقولون: صدقا، وبرا، وقالا الحق، وأمرا بالحق، وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم ما نعرف ما تقولون. فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا.
فقال «أُف، أُف. فراش نار، وذباب طمع» . وانقلبوا على غير بيان (١) .
وانحدروا إلى بني نهد، فرماهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل (٢) والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف - عامل علي على البصرة - وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض
_________
(١) لما رأت عائشة ما يفعل أنصار عثمان بن حنيف انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقتين لابن حنيف حتى وقفوا في موضع آخر. ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان بن حنيف (الطبري ٥: ١٧٥) .
(٢) حفظ لنا الطبري (٥: ١٧٦ - ١٧٧) وصفًا دقيقًا نقله سيف بن عمر التميمي عن شيخيه محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي عن الموقف السلمي لأصحاب الجمل في هذه الوقعة، وإسراف حكيم بن جبلة في إنشاب القتال. قالا: وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ثم حجز الليل بين الفريقين. وفي اليوم التالي انتقل أصحاب الجمل إلى جهة دار الرزق، وأصبح عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة فجددا القتال، وكان حكيم يطيل لسانه بسب أم المؤمنين، ويقتل من يلومه على ذلك من نساء ورجال، ومنادي عائشة يدعو الناس إلى الكف عن القتال فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح.
Translation
مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة
#74
Chapter 74 — نقض حكيم بن جبلة لكتاب الصلح ومصرعه
· ref. #74
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
حتى يقدم علي (١) .
[نقض حكيم بن جبلة لكتاب الصلح ومصرعه]
وروي أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ. فقتل بعد الصلح (٢) وقدم علي البصرة (٣) وتدانوا ليتراءوا (٤) فلم يتركهم أصحاب الأهواء،
_________
(١) ونص كتاب الصلح في تاريخ الطبري (٥: ١٧٧) ولما بلغ عليًّا ما وقع كتب إلى عثمان بن حنيف يصفه بالعجز. وجمع طلحة والزبير الناس وقصدوا المسجد وانتظروا عثمان بن حنيف فأبطأ ولم يحضر، ووقعت فتنة في المسجد من رعاع البصرة أتباع حكيم بن جبلة، وكان لها رد فعل من أناس ذهبوا إلى عثمان بن حنيف ليحضروه فتوطأه الناس وانتفوا شعر وجهه، أمرهم بذلك مجاشع بن مسعود السلمي زعيم هوازن وبني سليم والأعجاز من قبائل البصرة (الطبري ٥: ١٧٨) .
(٢) وبيان ذلك في تاريخ الطبري (٥: ١٧٩ - ١٨٢) وانظر كتابنا هذا ص ١١٦.
(٣) فنزل مكانًا منها يسمى الزاوية. وكان أصحاب الجمل نازلين مكانًا منها يسمى الفرضة.
(٤) عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس في النصف من جمادى الآخرة سنة ٣٦ (الطبري ٥: ١٩٩) . وكان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب له أصحاب الجمل وأذعن علي لذلك، وبعث علي إلى طلحة والزبير يقول: «إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر»، فأرسلا إليه: «إنا على ما فارق عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس» . قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧: ٢٣٩): فاطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي وعولوا جميعًا على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة. وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر. فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، وانسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا (وانظر مع ذلك الموضع من تاريخ ابن كثير تاريخ الطبري ٥: ٢٠٢ - ٢٠٣ ومنهاج السنة ٢: ١٨٥ و٣: ٢٢٥ و٣٤١ والمنتقى منه للذهبي ٢٢٣ و٤٠٤) . وهكذا أنشبوا الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظن أصحاب الجمل أن عليًّا غدر بهم وظن علي أن إخوانه غدروا به، وكل منهم أتقى لله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن.
[نقض حكيم بن جبلة لكتاب الصلح ومصرعه]
وروي أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ. فقتل بعد الصلح (٢) وقدم علي البصرة (٣) وتدانوا ليتراءوا (٤) فلم يتركهم أصحاب الأهواء،
_________
(١) ونص كتاب الصلح في تاريخ الطبري (٥: ١٧٧) ولما بلغ عليًّا ما وقع كتب إلى عثمان بن حنيف يصفه بالعجز. وجمع طلحة والزبير الناس وقصدوا المسجد وانتظروا عثمان بن حنيف فأبطأ ولم يحضر، ووقعت فتنة في المسجد من رعاع البصرة أتباع حكيم بن جبلة، وكان لها رد فعل من أناس ذهبوا إلى عثمان بن حنيف ليحضروه فتوطأه الناس وانتفوا شعر وجهه، أمرهم بذلك مجاشع بن مسعود السلمي زعيم هوازن وبني سليم والأعجاز من قبائل البصرة (الطبري ٥: ١٧٨) .
(٢) وبيان ذلك في تاريخ الطبري (٥: ١٧٩ - ١٨٢) وانظر كتابنا هذا ص ١١٦.
(٣) فنزل مكانًا منها يسمى الزاوية. وكان أصحاب الجمل نازلين مكانًا منها يسمى الفرضة.
(٤) عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس في النصف من جمادى الآخرة سنة ٣٦ (الطبري ٥: ١٩٩) . وكان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب له أصحاب الجمل وأذعن علي لذلك، وبعث علي إلى طلحة والزبير يقول: «إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر»، فأرسلا إليه: «إنا على ما فارق عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس» . قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧: ٢٣٩): فاطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي وعولوا جميعًا على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة. وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر. فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، وانسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا (وانظر مع ذلك الموضع من تاريخ ابن كثير تاريخ الطبري ٥: ٢٠٢ - ٢٠٣ ومنهاج السنة ٢: ١٨٥ و٣: ٢٢٥ و٣٤١ والمنتقى منه للذهبي ٢٢٣ و٤٠٤) . وهكذا أنشبوا الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظن أصحاب الجمل أن عليًّا غدر بهم وظن علي أن إخوانه غدروا به، وكل منهم أتقى لله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن.
Translation
نقض حكيم بن جبلة لكتاب الصلح ومصرعه
#75
Chapter 75 — مصرع طلحة بن عبيد الله وكعب بن سور قاضي البصرة
· ref. #75
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وبادروا بإراقة الدماء. واشتجر الحرب، وكثرت الغوغاء على البوغاء. كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا يقف الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان. وإن واحدًا في الجيش يفسد تدبيره، فكيف بألف؟! .
[مصرع طلحة بن عبيد الله وكعب بن سور قاضي البصرة]
وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا نطلب أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله (١) . ومن يعلم هذا إلا علام
_________
(١) آفة الأخبار رواتها. وفي العلوم الإسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الإسلام بأن يعين مصدره على قاعدة "من أين لك هذا؟ ". ولا تعرف أمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسلمون، ولا سيما أهل السنة منهم. وقد أشاد بهذه المزية لعلماء السنة الدكتور أسد رستم في كتابه (مصطلح التاريخ) . وهذا الخبر عن طلحة ومروان "لقيط" لا يعرف أبيه ولا صاحبه. وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه. ومن يعلم هذا إلا علام الغيوب؟! .
الغيوب، ولم ينقله ثبت.
وقد روي [أنه] أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه (١) .
وقد خرج كعب بن سور بمصحف منشور بيده يناشد الناس أن يريقوا دماءهم (٢) فأصابه سهم غربٍ فقتله (٣) ولعل طلحة مثله، ومعلوم أنه عند الفتنة وفي ملحمة القتال يتمكن أولو الإحن والحقود، من حل العرى
_________
(١) وهذا الزعم كالزعم السابق في ص١٥٠ عن الزبير أن الأحنف هو الآمر بقتله.
(٢) كعب بن سور الأزدي أول قضاة المسلمين على البصرة، ولاه أمير المؤمنين عمر. قال الحافظ ابن عبد البر: كان مسلما في زمن النبي ﷺ لكنه لم يره.
(٣) قال الحافظ ابن عساكر (٧: ٨٥) في ترجمة طلحة: وقالت عائشة لكعب بن سور الأزدري: "خل يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفا وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبله كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقداما. فلما دعاهم كعب رشقوه رشقا واحدا فقتلوه ثم راموا أم المؤمنين. . . فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: "يا أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم" وأقبلت تدعو، وضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي الدعاء فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعوا ويدعوا الناس معها على قتلة عثمان وأشياعهم. فأقبل علي يدعوا وهو يقول: "اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم" قلت: وهكذا اشترك صالحو الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم في الساعة التي كان فيها قتلة عثمان ينشبون القتال بين صالحي المسلمين.
[مصرع طلحة بن عبيد الله وكعب بن سور قاضي البصرة]
وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا نطلب أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله (١) . ومن يعلم هذا إلا علام
_________
(١) آفة الأخبار رواتها. وفي العلوم الإسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الإسلام بأن يعين مصدره على قاعدة "من أين لك هذا؟ ". ولا تعرف أمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسلمون، ولا سيما أهل السنة منهم. وقد أشاد بهذه المزية لعلماء السنة الدكتور أسد رستم في كتابه (مصطلح التاريخ) . وهذا الخبر عن طلحة ومروان "لقيط" لا يعرف أبيه ولا صاحبه. وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه. ومن يعلم هذا إلا علام الغيوب؟! .
الغيوب، ولم ينقله ثبت.
وقد روي [أنه] أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه (١) .
وقد خرج كعب بن سور بمصحف منشور بيده يناشد الناس أن يريقوا دماءهم (٢) فأصابه سهم غربٍ فقتله (٣) ولعل طلحة مثله، ومعلوم أنه عند الفتنة وفي ملحمة القتال يتمكن أولو الإحن والحقود، من حل العرى
_________
(١) وهذا الزعم كالزعم السابق في ص١٥٠ عن الزبير أن الأحنف هو الآمر بقتله.
(٢) كعب بن سور الأزدي أول قضاة المسلمين على البصرة، ولاه أمير المؤمنين عمر. قال الحافظ ابن عبد البر: كان مسلما في زمن النبي ﷺ لكنه لم يره.
(٣) قال الحافظ ابن عساكر (٧: ٨٥) في ترجمة طلحة: وقالت عائشة لكعب بن سور الأزدري: "خل يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفا وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبله كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقداما. فلما دعاهم كعب رشقوه رشقا واحدا فقتلوه ثم راموا أم المؤمنين. . . فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: "يا أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم" وأقبلت تدعو، وضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي الدعاء فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعوا ويدعوا الناس معها على قتلة عثمان وأشياعهم. فأقبل علي يدعوا وهو يقول: "اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم" قلت: وهكذا اشترك صالحو الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم في الساعة التي كان فيها قتلة عثمان ينشبون القتال بين صالحي المسلمين.
Translation
مصرع طلحة بن عبيد الله وكعب بن سور قاضي البصرة
#76
Chapter 76 — حديث هذه ثم لزوم الحصر والكلام في صحة خروج عائشة
· ref. #76
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
ونقض العهود. وكانت آجالا حضرت، ومواعيد انتجزت (١) .
[حديث هذه ثم لزوم الحصر والكلام في صحة خروج عائشة]
فإن قيل: لم خرجت عائشة ﵂ وقد قال صلى الله عليه
_________
(١) نقل الحافظ ابن عساكر (٧: ٨٦-٨٧) قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه ثم قال: "عزيزي علي أبا محمد أن أراك مجدلا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكى عجري وبجري" (قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي) . وقالت: "ليتني مت قبل هذا الموت بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، وكان الحارث الأعور (*) جالسا في ناحية فقال: "الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة"، فقال له علي: "قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ " وذكر محمد بن عبد الله أن عليا تناول دواة فحذف بها يريده بها فأخطأه. وقال له ابن الكواء (**) "الله أعدل من ذلك" فقام إليه علي بدرة فضربه وقال له "أنت- لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟! ". (*) هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت وإنما كان يدفعه إلى الكذاب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتصعيب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق وأن تقول بالحق ولو على نفسك. (**) ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى الشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي. فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان.
وسلم لهن في حجة الوداع «هذه ثم ظهور الحصر» (١) . قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة. يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان (٢) فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟
_________
(١) في مسند أحمد (٢: ٤٤٦ الطبعة الأولى) من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال «إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر» . وفيه (٥: ٢١٨ الطبعة الأولى) من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه ﷺ قال لنسائه في حجته «هذه ثم ظهور الحصر»، وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود (ك ١١ ب ١) . والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢١٥) على أنه إشارة نبوية إلى أنه ﷺ ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له ﷺ، وليس فيه أمر منه بأن لا يزيلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس. فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان، لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي ﷺ.
(٢) روى الإمام ابن حزم في بحث «وجوه الفضل والمفاضلة» من كتاب (الإمامة والمفاضلة) المدرج في الجزء الرابع من (الفصل) ص ١٣٤ عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: «إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﷺ كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطعيوها أو لتطيعوه» فقال له مسروق (ابن الأجدع الهمداني) أو أبو الأسود (الدؤلي): «يا أبا اليقظان فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له» فسكت عمار! .
[حديث هذه ثم لزوم الحصر والكلام في صحة خروج عائشة]
فإن قيل: لم خرجت عائشة ﵂ وقد قال صلى الله عليه
_________
(١) نقل الحافظ ابن عساكر (٧: ٨٦-٨٧) قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه ثم قال: "عزيزي علي أبا محمد أن أراك مجدلا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكى عجري وبجري" (قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي) . وقالت: "ليتني مت قبل هذا الموت بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، وكان الحارث الأعور (*) جالسا في ناحية فقال: "الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة"، فقال له علي: "قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ " وذكر محمد بن عبد الله أن عليا تناول دواة فحذف بها يريده بها فأخطأه. وقال له ابن الكواء (**) "الله أعدل من ذلك" فقام إليه علي بدرة فضربه وقال له "أنت- لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟! ". (*) هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت وإنما كان يدفعه إلى الكذاب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتصعيب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق وأن تقول بالحق ولو على نفسك. (**) ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى الشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي. فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان.
وسلم لهن في حجة الوداع «هذه ثم ظهور الحصر» (١) . قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة. يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان (٢) فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟
_________
(١) في مسند أحمد (٢: ٤٤٦ الطبعة الأولى) من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال «إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر» . وفيه (٥: ٢١٨ الطبعة الأولى) من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه ﷺ قال لنسائه في حجته «هذه ثم ظهور الحصر»، وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود (ك ١١ ب ١) . والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢١٥) على أنه إشارة نبوية إلى أنه ﷺ ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له ﷺ، وليس فيه أمر منه بأن لا يزيلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس. فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان، لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي ﷺ.
(٢) روى الإمام ابن حزم في بحث «وجوه الفضل والمفاضلة» من كتاب (الإمامة والمفاضلة) المدرج في الجزء الرابع من (الفصل) ص ١٣٤ عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: «إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﷺ كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطعيوها أو لتطيعوه» فقال له مسروق (ابن الأجدع الهمداني) أو أبو الأسود (الدؤلي): «يا أبا اليقظان فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له» فسكت عمار! .
Translation
حديث هذه ثم لزوم الحصر والكلام في صحة خروج عائشة
#77
Chapter 77 — عود إلى ذكر الحوأب ونقض الأسطورة عنه
· ref. #77
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]
[عود إلى ذكر الحوأب ونقض الأسطورة عنه]
وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب (١) . ما كان قط شيء كما ذكرتم، ولا قال النبي ﷺ ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون (٢) .
_________
(١) الحوب: الإثم.
(٢) تقدم في ص ١٤٨ بيان موضع الحوأب. وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﷺ وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة. وقد رأينا خبره عند الطبري (٥: ١٧٠) فرأيناه يرويه عن إسماعيل بن موسى الفزاري (وهو رجل قال فيه ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع)، ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق (قال عنه النسائي: ضعيف) وهو يرويه عن أبي الخطاب الهجري (قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مجهول) وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي (قال عنه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: مجهول) . هذا هو خبر الحوأب. وقد بني على أعرابي زعموا أنهم لقوه في طريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة فاشتروه منه وسار الرجل معهم حتى وصلوا إلى الحوأب فسمع هذا الكلام ورواه، مع أنه هو نفسه - أي الأعرابي صاحب الجمل - مجهول الاسم ولا نعرف عنه إن كان من الكذابين أو الصادقين. ويظهر لي أنه ليس من الكذابين ولا من الصادقين، لأنه من أصله - كالثاني عشر - موهوم لم يخلق، ولأن جمل عائشة واسمه «عسكر» جاء به يعلى بن أمية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق، ولم تكن ماشية على رجليها حتى اشتروا لها جملًا من هذا الأعرابي الذي زعموا أنهم قابلوه في الصحراء، وركبوا على لسانه هذه الحكاية السخيفة ليقولوا إن طلحة والزبير - المشهود لهما بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى - قد شهدا الزور. ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرًا آخر نقله ياقوت في معجم البلدان (مادة حوأب) عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التي قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب فسباها المسلمون ووهبت لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه الكلمة. وهذا الخبر ضعيف والخبر الذي أورده عن عائشة أضعف منه. وما برح الكذب بضاعة يتجر بها الذين لا يخافون الله.
[عود إلى ذكر الحوأب ونقض الأسطورة عنه]
وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب (١) . ما كان قط شيء كما ذكرتم، ولا قال النبي ﷺ ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون (٢) .
_________
(١) الحوب: الإثم.
(٢) تقدم في ص ١٤٨ بيان موضع الحوأب. وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﷺ وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة. وقد رأينا خبره عند الطبري (٥: ١٧٠) فرأيناه يرويه عن إسماعيل بن موسى الفزاري (وهو رجل قال فيه ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع)، ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق (قال عنه النسائي: ضعيف) وهو يرويه عن أبي الخطاب الهجري (قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مجهول) وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي (قال عنه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: مجهول) . هذا هو خبر الحوأب. وقد بني على أعرابي زعموا أنهم لقوه في طريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة فاشتروه منه وسار الرجل معهم حتى وصلوا إلى الحوأب فسمع هذا الكلام ورواه، مع أنه هو نفسه - أي الأعرابي صاحب الجمل - مجهول الاسم ولا نعرف عنه إن كان من الكذابين أو الصادقين. ويظهر لي أنه ليس من الكذابين ولا من الصادقين، لأنه من أصله - كالثاني عشر - موهوم لم يخلق، ولأن جمل عائشة واسمه «عسكر» جاء به يعلى بن أمية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق، ولم تكن ماشية على رجليها حتى اشتروا لها جملًا من هذا الأعرابي الذي زعموا أنهم قابلوه في الصحراء، وركبوا على لسانه هذه الحكاية السخيفة ليقولوا إن طلحة والزبير - المشهود لهما بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى - قد شهدا الزور. ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرًا آخر نقله ياقوت في معجم البلدان (مادة حوأب) عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التي قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب فسباها المسلمون ووهبت لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه الكلمة. وهذا الخبر ضعيف والخبر الذي أورده عن عائشة أضعف منه. وما برح الكذب بضاعة يتجر بها الذين لا يخافون الله.
Translation
عود إلى ذكر الحوأب ونقض الأسطورة عنه
#78
Chapter 78 — قاصمة
· ref. #78
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
قاصمة
Translation
قاصمة
#79
Chapter 79 — حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب
· ref. #79
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[قاصمة]
[حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب]
قاصمة ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق (١) هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان ويقولون: لا نبايع من يؤوي القتلة (٢) .
_________
(١) في موضع يسمى (صفين) بقرب الرقة على شاطئ الفرات آخر تخوم العراق وأول أرض الشام. سار إليها علي بجيوشه في أواخر ذي القعدة سنة ٣٦.
(٢) لمّا انتهى علي من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة فدخلها يوم الاثنين ١٢ من رجب، أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته. فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام واستشارهم فيما يطلب علي، فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا. فرجع جرير إلى علي بذلك، فاستخلف علي على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام من العراق، وقد أشار عليه ناس بأن يبقى في الكوفة ويبعث غيره إلى الشام فأبى. وبلغ معاوية أن عليا تجهز وخرج بنفسه لقتاله فأشار عليه رجاله أن يخرج هو أيضا بنفسه، فخرج الشاميون نحو الفرات من ناحية صفين، وتقدم علي بجيوشه إلى تلك الجهة. وكان جيش علي في مائة وعشرين ألفا وجيش معاوية في تسعين ألفا، وبدأ القتال في ذي الحجة سنة ٣٦ بمناوشات ومبارزات، ثم تهادنوا في المحرم سنة ٣٧ واستؤنف القتال بعده، وقتل في هذه الحرب سبعون ألفا، وكانت الوقائع ٩٠ وقعة في ١١٠ أيام، وامتازت هذه الحرب بنبل الشجاعة في القتال، ونبل التعامل والاتصال عند التهادن والراحة. ثم كتب التحكيم يوم ١٣ صفر سنة ٣٧ على أن يعلن الحكمان حكمهما في رمضان بدومة الجندل بمكان منها يسمى أذرح.
وعلي يقول لا أمكن طالبًا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم. ومعاوية يقول: لا نبايع متهمًا أو قاتلًا له، وهو أحد من يطلب فكيف نحكمه أو نبايعه، وهو خليفة عدا وتسور.
وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلت إلى استفعال رسائل (١) واستخراج أقوال، وإنشاء أشعار، وضرب أمثال تخرج عن سيرة السلف، يقرها الخَلْف وينبذها الخَلَف (٢) .
_________
(١) أي انتحالها زورا ولا أصل لها. وأكثر ما تجد ذلك فيما يرويه أخباريو الشيعة عن رواة مجهولين أو كذابين. وأخفهم وطأة أبو مخنف لوط بن يحيى، قال عنه الحافظ الذهبي: " أبو مخنف أخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره". وقال فيه ابن عدي: "شيعي محترق صاحب أخبارهم" ثم جاء بعده آخرون منهم كانوا شرا على تاريخ الإسلام من لوط هذا. فأفسدوا على الأمة معرفتها بماضيها.
(٢) الخَلْف (بفتح الخاء وسكون اللام): الطالح. وفي التنزيل (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) . والخَلَف (بفتح الخاء واللام): الصالح. ومنه الحديث "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".
[حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب]
قاصمة ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق (١) هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان ويقولون: لا نبايع من يؤوي القتلة (٢) .
_________
(١) في موضع يسمى (صفين) بقرب الرقة على شاطئ الفرات آخر تخوم العراق وأول أرض الشام. سار إليها علي بجيوشه في أواخر ذي القعدة سنة ٣٦.
(٢) لمّا انتهى علي من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة فدخلها يوم الاثنين ١٢ من رجب، أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته. فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام واستشارهم فيما يطلب علي، فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا. فرجع جرير إلى علي بذلك، فاستخلف علي على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام من العراق، وقد أشار عليه ناس بأن يبقى في الكوفة ويبعث غيره إلى الشام فأبى. وبلغ معاوية أن عليا تجهز وخرج بنفسه لقتاله فأشار عليه رجاله أن يخرج هو أيضا بنفسه، فخرج الشاميون نحو الفرات من ناحية صفين، وتقدم علي بجيوشه إلى تلك الجهة. وكان جيش علي في مائة وعشرين ألفا وجيش معاوية في تسعين ألفا، وبدأ القتال في ذي الحجة سنة ٣٦ بمناوشات ومبارزات، ثم تهادنوا في المحرم سنة ٣٧ واستؤنف القتال بعده، وقتل في هذه الحرب سبعون ألفا، وكانت الوقائع ٩٠ وقعة في ١١٠ أيام، وامتازت هذه الحرب بنبل الشجاعة في القتال، ونبل التعامل والاتصال عند التهادن والراحة. ثم كتب التحكيم يوم ١٣ صفر سنة ٣٧ على أن يعلن الحكمان حكمهما في رمضان بدومة الجندل بمكان منها يسمى أذرح.
وعلي يقول لا أمكن طالبًا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم. ومعاوية يقول: لا نبايع متهمًا أو قاتلًا له، وهو أحد من يطلب فكيف نحكمه أو نبايعه، وهو خليفة عدا وتسور.
وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلت إلى استفعال رسائل (١) واستخراج أقوال، وإنشاء أشعار، وضرب أمثال تخرج عن سيرة السلف، يقرها الخَلْف وينبذها الخَلَف (٢) .
_________
(١) أي انتحالها زورا ولا أصل لها. وأكثر ما تجد ذلك فيما يرويه أخباريو الشيعة عن رواة مجهولين أو كذابين. وأخفهم وطأة أبو مخنف لوط بن يحيى، قال عنه الحافظ الذهبي: " أبو مخنف أخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره". وقال فيه ابن عدي: "شيعي محترق صاحب أخبارهم" ثم جاء بعده آخرون منهم كانوا شرا على تاريخ الإسلام من لوط هذا. فأفسدوا على الأمة معرفتها بماضيها.
(٢) الخَلْف (بفتح الخاء وسكون اللام): الطالح. وفي التنزيل (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) . والخَلَف (بفتح الخاء واللام): الصالح. ومنه الحديث "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".
Translation
حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب
#80
Chapter 80 — عاصمة عود إلى موقف علي من قتلة عثمان
· ref. #80
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[عاصمة عود إلى موقف علي من قتلة عثمان]
عاصمة أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعًا، وأما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعًا، وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب [الحق] عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا (١) .
_________
(١) وجود قتلة عثمان في معسكر علي حقيقة لا يماري أحد فيها، بل إن الأشتر وهو من رءوس البغاة على عثمان كان أكبر مسعر للحرب بين أصحاب رسول الله ﷺ الذين في معسكر علي والذين في معسكر معاوية. ولما طالب علي معاوية ومن معه من الصحابة والتابعين أن يبايعوه احتكموا إليه في قتلة عثمان وطلبوا منه أن يقيم حد الله عليهم أو أن يسلمهم إليهم فيقيموا عليهم حد الله. وقد اعتذرنا عن أمير المؤمنين علي في هامش ص١٤٦ بأن قتلة عثمان لما صاروا مع علي في العراق صاروا في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، فكان علي يرى- بينه وبين نفسه- أن قتلهم يفتح عليه بابا لا يستطيع سده بعد ذلك. وقد انتبه لهذه الحقيقة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي وتحدث بها مع أم المؤمنين عائشة وصاحبي رسول الله ﷺ طلحة والزبير فأذعنوا له وعذروا عليا ووافقوا على التفاهم معه على ما يوصلهم إلى الخروج من هذه الفتنة، فما لبث قتلة عثمان أن أنشبوا الحرب بين الفريقين. فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون لأنهم يطالبون بحق، سواء كانوا من أصحاب الجمل، أو من أهل الشام. وتقصير علي في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة. ولكن إذا كانت حرب البصرة ناشئة عن إنشاب قتلة عثمان الحرب بين الفريقين الأولين، فقد كان من مصلحة الإسلام أن لا تنشب حرب صفين بين الفريقين الآخرين. وكان سبط رسول الله ﷺ الحسن بن علي كارها خروج أبيه من المدينة إلى العراق لما يخشاه من نشوب الحرب مع أهل الشام، وهم جبهة الإسلام العسكرية في الجهاد والفتوح. ولو أن عليا لم يتحرك من الكوفة استعدادا لهذا القتال لما حرك معاوية ساكنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢١٩): "لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء" وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ٢٤٩ و٢٥١ و٢٦٢. ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم ولو في القرن الحادي والعشرين. وإن كثيرا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة.
ولئن اتهم علي بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعًا أنه قتله لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا (١) .
_________
(١) ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه. وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب. وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا. فنحن جميعا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة. غير أن الحمقى من إخباري الشيعة دسوا على علي أخبارا تشعر بغير ما كان في قلبه من المحبة والرضا والموالاة والتأييد لعثمان أثناء محنته، فأساءوا بذلك إلى علي من حيث يريدون الإساءة إلى عثمان. أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم. فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضا. فالله حسيبهم. ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه- قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت الزمام من أيدي العقلاء- لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.
وهبك أن عليًّا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟
ولا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقًا وفعلوا حقًا، فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأي في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست معصية. لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر، وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أو يتعدوا حد عثمان وإشارته فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان - وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين وابن عمر وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح - والطالبون ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحدًا أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي.
ولكن عثمان سلم نفسه، فترك ورأيه. وهي مسألة اجتهاد كما قدمنا (١) .
_________
(١) في ص ١٣٧، وانظر هامش ص ١٣٢.
وأي كلام كان يكون لعلي - لما تمت له البيعة - لو حضر عنده ولي عثمان وقال له: إن الخليفة قد تمالأ عليه ألف نسمة حتى قتلوه، وهم معلومون. ماذا كان يقول إلا: اثبت، وخذ، وفي يوم كان يثبت إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقًا للقتل (١) .
وبالله لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت على عثمان ظلم أبدًا، وكان يكون الوقت أمكن للطالب، وأرفق في الحال، أيسر وصولًا إلى المطلوب (٢) .
_________
(١) المؤلف معترف بأن الإثبات كان في متناول اليد، لأن الجريمة مشهودة والمجرمون أعلنوا فيها فجورهم فلم يتكتموا. ولكن كيف يكون التنفيذ، ومن الذي يقوم به ومدينة الرسول مستكينة تحت وطأة الإرهاب؟ ومن ذا الذي يضمن لعلي حياته إذا أصدر هذا الحكم؟ أليس هؤلاء هم الذين تداولوا في قتله لما عقدوا مؤتمرهم في ذي قار بعد خطبة علي التي ألقاها على الغرائر قبيل مصيره إلى البصرة (الطبري ٥: ١٦٥) ألم يسخط الأشتر على أمير المؤمنين علي بعد وقعة الجمل لأنه ولى ابن عمه عبد الله بن عباس على البصرة ولم يولها الأشتر، ففارقه غاضبًا، ولحق به علي فتلافى ما يكون منه من الشر (الطبري ٥: ١٩٤)، وانظر هامش ١١٩ من هذا الكتاب) . والخوارج على علي ألم ينبتوا من هذه النواة؟ ولما قتل علي ألم يقتل بمثل السلاح الذي قتل به عثمان؟ .
(٢) كان يكون الوقت أمكن للطالب لو وجدت في المدينة القوة التي كان يتمناها عثمان. ويقال إن قوة من جند الشام كانت خرجت من دمشق قاصدة المدينة، فلما جاءها خبر شهادة أمير المؤمنين عثمان رجعت من الطريق، فبقيت المدينة خاضعة لقتلة عثمان حتى بعد البيعة لعلي، وهم إن نزلوا على أحكام هذه البيعة فيما لا ضرر منه عليهم لا ريب أنهم ينقلبون وحوشًا ضارية لو صدرت عليهم أحكام الله بإقامة الحدود فيما ارتكبوا من جرم شنيع.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحدًا إلا بحكم، إلا من قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما يقال (١) . حتى انتهى الأمر إلى زمن الحجاج، وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة (٢) . فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم يفعلون ما أصبحوا له يطلبون.
والذي تثلج به صدوركم أن النبي ﷺ ذكر في الفتن وأشار وبين، وأنذر بالخوارج وقال: «تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» (٣) فبين أن كل طائفة [منهما] تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه (٤) . وقال تعالى:
_________
(١) إن سطوة الله وعدله الأعلى نزلا بأكثر قتلة عثمان فلم يبق منهم في ولاية معاوية إلا المشرد الخائف الباحث عن حجر يختبئ فيه، وبزوال سطوتهم وتقليص شرهم فلم يبق بمعاوية حاجة إلى تتبعهم.
(٢) يشير المؤلف إلى حادثة عمير بن ضابئ وكميل النخعي، وقد تقدم خبرهما في (ص ١٢٩ - ١٣٠) .
(٣) في صحيح مسلم (ك ١٢ ج ١٥٠ - ج ٣ ص ١١٣) من حديث أبي سعيد الخدري: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» .
(٤) أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن عليًّا ومعاوية، ومن معها من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا جميعًا من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك. والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم - لإخلاصهم في اجتهادهم - مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله ﷺ بشر معصوم عن أن يخطئ وقد يخطئ بعضهم في أمور ويصيب في أخرى، وكذلك الآخرون. أما من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان فلا يعد من إحدى الطائفتين اللتين على الحق وإن قاتل معها والتحق بها، لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان - كائنًا من كانوا - استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع. وفي حالة عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير القتال بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي - كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها - يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قلنا إن الطائفتين كانتا من أهل الحق فإنما نريد أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين، ونرى أن عليًّا المبشر بالجنة أعلى مقامًا عند الله من معاوية خال المؤمنين وصاحب رسول رب العالمين، وكلاهما من أهل الخير. وإذا اندس فيهم طوائف من أهل الشر فإن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره. نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧: ٢٧٧) عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني قاضي إفريقية المتوفى سنة ٥٦ كان رجلًا صالحًا من الآمرين بالمعروف - وذكر أهل صفين - فقال: «كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا، واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم»، قال الشعبي: «هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضًا، فلم يفر أحد من أحد» .
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فلم يخرجهم عن «الإيمان» بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم «الأخوة»
بقوله بعده ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]
وقال ﷺ في عمار: «تقتله الفئة الباغية» (١) .
وقال في الحسن: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه (٢) .
_________
(١) قال النبي ﷺ ذلك لما كانوا يبنون المسجد، فكان الناس ينقلون لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فقال النبي ﷺ فيه هذه الكلمة على ما رواه أبو سعيد الخدري لعكرمة مولى ابن عباس ولعلي بن عبد الله بن عباس. والخبر في كتاب الجهاد والسير من صحيح البخاري (ك ٥٦ ب ١٧ - ج ٣ ص ٢٠٧) . وقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين، لأنه لم يردها، ولم يبتدئها، ولم يأت لها إلا بعد أن خرج علي من الكوفة وضرب معسكره في النخيلة ليسير إلى الشام كما تقدم في ص ١٦٢ - ١٦٣، ولذلك لما قتل عمار قال معاوية «إنما قتله من أخرجه» وفي اعتقادي الشخصي أن كل من قتل من المسلمين بأيدي المسلمين منذ قتل عثمان فإنما إثمه على قتلة عثمان لأنهم فتحوا باب الفتنة. ولأنهم واصلوا تسعير نارها، لأنهم الذين أوغروا صدور المسلمين بعضهم على بعض، فكما كانوا قتلة عثمان فإنهم كانوا القاتلين لكل من قتل بعده، ومنهم عمار ومن هم أفضل من عمار كطلحة والزبير، إلى أن انتهت فتتهم، بقتلهم عليًّا نفسه وقد كانوا من جنده وفي الطائفة التي كان قائمًا عليها. فالحديث من أعلام النبوة، والطائفتان المتقاتلتان في صفين كانتا من المؤمنين. وعلي أفضل من معاوية. وعلي ومعاوية من صحابة رسول الله ﷺ، ومن دعائم دولة الإسلام، وكل ما وقع من الفتن فإثمه على مؤرثي نارها لأنهم السبب الأول فيها، فهم الفئة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين وما تفرع عنهما.
(٢) سيأتي الكلام على هذا عند الكلام على الصلح بين الحسن ومعاوية.
وكذلك يروى أنه أذن - في الرؤيا - لعثمان في أن يستسلم ويفطر عنده الليلة (١) .
فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طريق من طرق الفقه، ولا عدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة والمخطئ أجرًا واحدًا (٢) .
_________
(١) مضى الكلام على ذلك في ص ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢١٩ - ٢٢٠): «ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصًا على ألا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه. وقتال صفين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدين. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتقول الكرامية: كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة. ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منهم. ومنهم من يقول: علي هو المصيب وحده ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة. وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله حامد من أصحاب الإمام أحمد وغيره. ومنهم من يقول: كان الصواب ألا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة، ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليًّا كان أولى بالحق، وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حصين ﵁ وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة. وهو قول أسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃. ولهذا كان من مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة فإنه قد ثبت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم» .
عاصمة أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعًا، وأما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعًا، وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب [الحق] عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا (١) .
_________
(١) وجود قتلة عثمان في معسكر علي حقيقة لا يماري أحد فيها، بل إن الأشتر وهو من رءوس البغاة على عثمان كان أكبر مسعر للحرب بين أصحاب رسول الله ﷺ الذين في معسكر علي والذين في معسكر معاوية. ولما طالب علي معاوية ومن معه من الصحابة والتابعين أن يبايعوه احتكموا إليه في قتلة عثمان وطلبوا منه أن يقيم حد الله عليهم أو أن يسلمهم إليهم فيقيموا عليهم حد الله. وقد اعتذرنا عن أمير المؤمنين علي في هامش ص١٤٦ بأن قتلة عثمان لما صاروا مع علي في العراق صاروا في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، فكان علي يرى- بينه وبين نفسه- أن قتلهم يفتح عليه بابا لا يستطيع سده بعد ذلك. وقد انتبه لهذه الحقيقة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي وتحدث بها مع أم المؤمنين عائشة وصاحبي رسول الله ﷺ طلحة والزبير فأذعنوا له وعذروا عليا ووافقوا على التفاهم معه على ما يوصلهم إلى الخروج من هذه الفتنة، فما لبث قتلة عثمان أن أنشبوا الحرب بين الفريقين. فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون لأنهم يطالبون بحق، سواء كانوا من أصحاب الجمل، أو من أهل الشام. وتقصير علي في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة. ولكن إذا كانت حرب البصرة ناشئة عن إنشاب قتلة عثمان الحرب بين الفريقين الأولين، فقد كان من مصلحة الإسلام أن لا تنشب حرب صفين بين الفريقين الآخرين. وكان سبط رسول الله ﷺ الحسن بن علي كارها خروج أبيه من المدينة إلى العراق لما يخشاه من نشوب الحرب مع أهل الشام، وهم جبهة الإسلام العسكرية في الجهاد والفتوح. ولو أن عليا لم يتحرك من الكوفة استعدادا لهذا القتال لما حرك معاوية ساكنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢١٩): "لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء" وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ٢٤٩ و٢٥١ و٢٦٢. ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم ولو في القرن الحادي والعشرين. وإن كثيرا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة.
ولئن اتهم علي بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعًا أنه قتله لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا (١) .
_________
(١) ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه. وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب. وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا. فنحن جميعا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة. غير أن الحمقى من إخباري الشيعة دسوا على علي أخبارا تشعر بغير ما كان في قلبه من المحبة والرضا والموالاة والتأييد لعثمان أثناء محنته، فأساءوا بذلك إلى علي من حيث يريدون الإساءة إلى عثمان. أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم. فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضا. فالله حسيبهم. ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه- قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت الزمام من أيدي العقلاء- لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.
وهبك أن عليًّا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟
ولا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقًا وفعلوا حقًا، فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأي في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست معصية. لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر، وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أو يتعدوا حد عثمان وإشارته فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان - وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين وابن عمر وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح - والطالبون ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحدًا أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي.
ولكن عثمان سلم نفسه، فترك ورأيه. وهي مسألة اجتهاد كما قدمنا (١) .
_________
(١) في ص ١٣٧، وانظر هامش ص ١٣٢.
وأي كلام كان يكون لعلي - لما تمت له البيعة - لو حضر عنده ولي عثمان وقال له: إن الخليفة قد تمالأ عليه ألف نسمة حتى قتلوه، وهم معلومون. ماذا كان يقول إلا: اثبت، وخذ، وفي يوم كان يثبت إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقًا للقتل (١) .
وبالله لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت على عثمان ظلم أبدًا، وكان يكون الوقت أمكن للطالب، وأرفق في الحال، أيسر وصولًا إلى المطلوب (٢) .
_________
(١) المؤلف معترف بأن الإثبات كان في متناول اليد، لأن الجريمة مشهودة والمجرمون أعلنوا فيها فجورهم فلم يتكتموا. ولكن كيف يكون التنفيذ، ومن الذي يقوم به ومدينة الرسول مستكينة تحت وطأة الإرهاب؟ ومن ذا الذي يضمن لعلي حياته إذا أصدر هذا الحكم؟ أليس هؤلاء هم الذين تداولوا في قتله لما عقدوا مؤتمرهم في ذي قار بعد خطبة علي التي ألقاها على الغرائر قبيل مصيره إلى البصرة (الطبري ٥: ١٦٥) ألم يسخط الأشتر على أمير المؤمنين علي بعد وقعة الجمل لأنه ولى ابن عمه عبد الله بن عباس على البصرة ولم يولها الأشتر، ففارقه غاضبًا، ولحق به علي فتلافى ما يكون منه من الشر (الطبري ٥: ١٩٤)، وانظر هامش ١١٩ من هذا الكتاب) . والخوارج على علي ألم ينبتوا من هذه النواة؟ ولما قتل علي ألم يقتل بمثل السلاح الذي قتل به عثمان؟ .
(٢) كان يكون الوقت أمكن للطالب لو وجدت في المدينة القوة التي كان يتمناها عثمان. ويقال إن قوة من جند الشام كانت خرجت من دمشق قاصدة المدينة، فلما جاءها خبر شهادة أمير المؤمنين عثمان رجعت من الطريق، فبقيت المدينة خاضعة لقتلة عثمان حتى بعد البيعة لعلي، وهم إن نزلوا على أحكام هذه البيعة فيما لا ضرر منه عليهم لا ريب أنهم ينقلبون وحوشًا ضارية لو صدرت عليهم أحكام الله بإقامة الحدود فيما ارتكبوا من جرم شنيع.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحدًا إلا بحكم، إلا من قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما يقال (١) . حتى انتهى الأمر إلى زمن الحجاج، وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة (٢) . فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم يفعلون ما أصبحوا له يطلبون.
والذي تثلج به صدوركم أن النبي ﷺ ذكر في الفتن وأشار وبين، وأنذر بالخوارج وقال: «تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» (٣) فبين أن كل طائفة [منهما] تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه (٤) . وقال تعالى:
_________
(١) إن سطوة الله وعدله الأعلى نزلا بأكثر قتلة عثمان فلم يبق منهم في ولاية معاوية إلا المشرد الخائف الباحث عن حجر يختبئ فيه، وبزوال سطوتهم وتقليص شرهم فلم يبق بمعاوية حاجة إلى تتبعهم.
(٢) يشير المؤلف إلى حادثة عمير بن ضابئ وكميل النخعي، وقد تقدم خبرهما في (ص ١٢٩ - ١٣٠) .
(٣) في صحيح مسلم (ك ١٢ ج ١٥٠ - ج ٣ ص ١١٣) من حديث أبي سعيد الخدري: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» .
(٤) أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن عليًّا ومعاوية، ومن معها من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا جميعًا من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك. والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم - لإخلاصهم في اجتهادهم - مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله ﷺ بشر معصوم عن أن يخطئ وقد يخطئ بعضهم في أمور ويصيب في أخرى، وكذلك الآخرون. أما من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان فلا يعد من إحدى الطائفتين اللتين على الحق وإن قاتل معها والتحق بها، لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان - كائنًا من كانوا - استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع. وفي حالة عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير القتال بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي - كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها - يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قلنا إن الطائفتين كانتا من أهل الحق فإنما نريد أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين، ونرى أن عليًّا المبشر بالجنة أعلى مقامًا عند الله من معاوية خال المؤمنين وصاحب رسول رب العالمين، وكلاهما من أهل الخير. وإذا اندس فيهم طوائف من أهل الشر فإن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره. نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧: ٢٧٧) عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني قاضي إفريقية المتوفى سنة ٥٦ كان رجلًا صالحًا من الآمرين بالمعروف - وذكر أهل صفين - فقال: «كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا، واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم»، قال الشعبي: «هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضًا، فلم يفر أحد من أحد» .
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فلم يخرجهم عن «الإيمان» بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم «الأخوة»
بقوله بعده ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]
وقال ﷺ في عمار: «تقتله الفئة الباغية» (١) .
وقال في الحسن: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه (٢) .
_________
(١) قال النبي ﷺ ذلك لما كانوا يبنون المسجد، فكان الناس ينقلون لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فقال النبي ﷺ فيه هذه الكلمة على ما رواه أبو سعيد الخدري لعكرمة مولى ابن عباس ولعلي بن عبد الله بن عباس. والخبر في كتاب الجهاد والسير من صحيح البخاري (ك ٥٦ ب ١٧ - ج ٣ ص ٢٠٧) . وقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين، لأنه لم يردها، ولم يبتدئها، ولم يأت لها إلا بعد أن خرج علي من الكوفة وضرب معسكره في النخيلة ليسير إلى الشام كما تقدم في ص ١٦٢ - ١٦٣، ولذلك لما قتل عمار قال معاوية «إنما قتله من أخرجه» وفي اعتقادي الشخصي أن كل من قتل من المسلمين بأيدي المسلمين منذ قتل عثمان فإنما إثمه على قتلة عثمان لأنهم فتحوا باب الفتنة. ولأنهم واصلوا تسعير نارها، لأنهم الذين أوغروا صدور المسلمين بعضهم على بعض، فكما كانوا قتلة عثمان فإنهم كانوا القاتلين لكل من قتل بعده، ومنهم عمار ومن هم أفضل من عمار كطلحة والزبير، إلى أن انتهت فتتهم، بقتلهم عليًّا نفسه وقد كانوا من جنده وفي الطائفة التي كان قائمًا عليها. فالحديث من أعلام النبوة، والطائفتان المتقاتلتان في صفين كانتا من المؤمنين. وعلي أفضل من معاوية. وعلي ومعاوية من صحابة رسول الله ﷺ، ومن دعائم دولة الإسلام، وكل ما وقع من الفتن فإثمه على مؤرثي نارها لأنهم السبب الأول فيها، فهم الفئة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين وما تفرع عنهما.
(٢) سيأتي الكلام على هذا عند الكلام على الصلح بين الحسن ومعاوية.
وكذلك يروى أنه أذن - في الرؤيا - لعثمان في أن يستسلم ويفطر عنده الليلة (١) .
فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طريق من طرق الفقه، ولا عدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة والمخطئ أجرًا واحدًا (٢) .
_________
(١) مضى الكلام على ذلك في ص ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢١٩ - ٢٢٠): «ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصًا على ألا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه. وقتال صفين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدين. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتقول الكرامية: كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة. ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منهم. ومنهم من يقول: علي هو المصيب وحده ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة. وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله حامد من أصحاب الإمام أحمد وغيره. ومنهم من يقول: كان الصواب ألا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة، ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليًّا كان أولى بالحق، وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حصين ﵁ وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة. وهو قول أسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃. ولهذا كان من مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة فإنه قد ثبت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم» .
Translation
عاصمة عود إلى موقف علي من قتلة عثمان