Back to the aqeedah library
111 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Abu Bakr Ibn al-Arabi (أبو بكر ابن العربي
111
Total sections
111 chapters
#81
Chapter 81 — قاصمة التحكيم
· ref. #81
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وما وقع من روايات في كتب التاريخ - عدا ما ذكرنا - فلا تلتفتوا إلى حرف منها، فإنها كلها باطلة.
[قاصمة التحكيم]
قاصمة التحكيم وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين.
والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط (١) والدارقطني (٢) أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين
_________
(١) هو الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري البصري، أحد أوعية العلم، ومن شيوخ الإمام البخاري. قال عنه ابن عدي: هو صدق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة. توفي سنة ٢٤٠.
(٢) هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥) كان مع جلالته في الحديث من أئمة فقهاء الشافعية، وله تقدم في الأدب ورواية الشعر. وجاء من بغداد إلى مصر ليساعد ابن خنزابة وزير كافور على تأليف مسنده فبالغ الوزير في إجلاله. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد «أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون القيسي في وقته. والدارقطني في وقته» .
أو تسعين ألفا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء - على الماء فغلب أهل العراق عليه (١) .
ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة [سبع وثلاثين] ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت (٢) ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي أبو موسى (٣) ومن جهة معاوية عمرو بن العاص.
_________
(١) لم يكن القتال على الماء جديا، وقد قال عمرو بن العاص يومئذ: "ليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش". والذين تظاهروا في الجيش الشامي بمنع العراقيين عن الماء أرادوا أن يذكروهم بمنع الماء عن أمير المؤمنين عثمان في عاصمة خلافته وهو الذي اشترى بئر رومة من ماله ليستقي منه إخوانه المسلمون وبعد اشتراكهم في الماء تناوشوا شهر ذي الحجة من سنة ٣٦ ثم تهادنوا شهر المحرم من سنه ٣٧، ووقعت وقائع شهر صفر التي سيشير إليها المؤلف.
(٢) وكانت تسمى «ليلة الهرير» اقتتل الناس فيها حتى الصباح.
(٣) وكان آخر العهد بأبي موسى عندما كان واليًا على الكوفة، وجاء دعاة علي يحرضون الكوفيين على لبس السلاح والالتحاق بجيش علي استعدادًا لما يريدونه من قتال مع أصحاب الجمل في البصرة، ثم مع أنصار معاوية في الشام. فكان أبو موسى يشفق على دماء المسلمين أن تسفك بتحريض الغلاة، ويذكر أمة محمد ﷺ بقول نبيهم في الفتنة «القاعد فيها خير من القائم» فتركه الأشتر يحدث الناس في المسجد بالحديث النبوي، وأسرع إلى دار الإمارة فاحتلها. فلما عاد إليها أبو موسى منعه الأشتر من الدخول وقال له: اعتزل إمارتنا. فاعتزلهم أبو موسى واختار الإقامة في قرية يقال لها عُرْض بعيدًا عن الفتن وسفك الدماء. فلما شبع الناس من سفك الدماء واقتنعوا بأن أبا موسى كان ناصحًا في نهيهم عن القتال طلبوا من علي أن يكون أبو موسى هو ممثل العراق في أمر التحكيم، لأن الحالة التي كان يدعو إليها هي التي فيها الصلاح فأرسلوا إلى أبي موسى وجاءوا به من عزلته.
وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب (سراج المريدين)، وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمرو وأثنى عليه بالفهم (١) . وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره من الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر.
وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح من دومة الجندل (٢) وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين (٣) . فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول. فتقدم
_________
(١) واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده.
(٢) أذرح: قرية من أعمال الشراة تقع في منطقة بين أراضي شرقي الأردن والمملكة السعودية في الأطراف الجنوبية من بادية الشام.
(٣) من الحقائق ما إذا أسيء التعبير عنه وشابته شوائب المغالطة يوهم غير الحقيقة فينشأ عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه. ومن ذلك حادثة التحكيم وقول المغالطين إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع الرجلين، فخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية. وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن خليفة، ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه. بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم. واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان. فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحكيم شيئًا واحدًا هو الإمامة. أما التصرف العملي في إرادة البلاد التي كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين فبقي كما كان: علي متصرف في البلاد التي تحت حكمه، ومعاوية متصرف في البلاد التي تحت حكمه، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة. وكان يكون محلا للمكر أو الغفلة لو أن عمرًا أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولى معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو، ولا ادعاه معاوية، ولم يقل به أحد في الثلاثة عشر قرنًا الماضية. وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية، ومن ذلك اليوم فقط سمي معاوية أمير المؤمنين. فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، لأنه لم يعط معاوية شيئًا جديدًا، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى. ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها، وأي ذنب لعمرو في أي شيء مما وقع؟ إن البلاهة لم تكن من أبي موسى، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه. فليفهمها كل من شاء كما يشاء. أما هي فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي.
فقال: إني نظرت فخلعت عليًّا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا من عنقي - أو من عاتقي - وأخرجه من عنقه فوضعه
في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر (١) كما أثبت سيفي هذا في عاتقي. وتقلده. فأنكر أبو موسى. فقال عمرو: كذلك اتفقنا. وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف.
_________
(١) أي أمر؟ إن كان الاستمرار في إدارة البلاد التي تحت يده، فإن هذا الأمر ماض على معاوية وعلي معًا، فكل منهما باق في الحكم على ما تحت يده. وإن كان المراد بالأمر أمر الإمامة العامة وإمارة المؤمنين فإن معاوية لم يكن إمامًا - أي خليفة - حتى يثبته عمرو كما كان. وقد أوضحنا هذه الحقيقة في الفقرة السابقة. وهذه هي نقطة المغالطة التي هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بأن هناك خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذًا للاتفاق، وأن عمرًا خلع أحدهما وأبقى الآخر خليفة خلافًا للاتفاق، وهذا كله كذب وإفك وبهتان. والذي فعله عمرو وهو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قطمير وبقي أمر الإمامة والخلافة أو غمارة المؤمنين معلقًا على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا. وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فما في ذلك تقصير من أبي موسى ولا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها، ولا أبديا رأيًا فيها. ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ. وإن الأجيال التي بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما ... تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر
فشد إصار الدين أيام أذرح ... ورد حروبا قد لقحن إلى عقر.
[قاصمة التحكيم]
قاصمة التحكيم وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين.
والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط (١) والدارقطني (٢) أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين
_________
(١) هو الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري البصري، أحد أوعية العلم، ومن شيوخ الإمام البخاري. قال عنه ابن عدي: هو صدق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة. توفي سنة ٢٤٠.
(٢) هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥) كان مع جلالته في الحديث من أئمة فقهاء الشافعية، وله تقدم في الأدب ورواية الشعر. وجاء من بغداد إلى مصر ليساعد ابن خنزابة وزير كافور على تأليف مسنده فبالغ الوزير في إجلاله. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد «أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون القيسي في وقته. والدارقطني في وقته» .
أو تسعين ألفا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء - على الماء فغلب أهل العراق عليه (١) .
ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة [سبع وثلاثين] ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت (٢) ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي أبو موسى (٣) ومن جهة معاوية عمرو بن العاص.
_________
(١) لم يكن القتال على الماء جديا، وقد قال عمرو بن العاص يومئذ: "ليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش". والذين تظاهروا في الجيش الشامي بمنع العراقيين عن الماء أرادوا أن يذكروهم بمنع الماء عن أمير المؤمنين عثمان في عاصمة خلافته وهو الذي اشترى بئر رومة من ماله ليستقي منه إخوانه المسلمون وبعد اشتراكهم في الماء تناوشوا شهر ذي الحجة من سنة ٣٦ ثم تهادنوا شهر المحرم من سنه ٣٧، ووقعت وقائع شهر صفر التي سيشير إليها المؤلف.
(٢) وكانت تسمى «ليلة الهرير» اقتتل الناس فيها حتى الصباح.
(٣) وكان آخر العهد بأبي موسى عندما كان واليًا على الكوفة، وجاء دعاة علي يحرضون الكوفيين على لبس السلاح والالتحاق بجيش علي استعدادًا لما يريدونه من قتال مع أصحاب الجمل في البصرة، ثم مع أنصار معاوية في الشام. فكان أبو موسى يشفق على دماء المسلمين أن تسفك بتحريض الغلاة، ويذكر أمة محمد ﷺ بقول نبيهم في الفتنة «القاعد فيها خير من القائم» فتركه الأشتر يحدث الناس في المسجد بالحديث النبوي، وأسرع إلى دار الإمارة فاحتلها. فلما عاد إليها أبو موسى منعه الأشتر من الدخول وقال له: اعتزل إمارتنا. فاعتزلهم أبو موسى واختار الإقامة في قرية يقال لها عُرْض بعيدًا عن الفتن وسفك الدماء. فلما شبع الناس من سفك الدماء واقتنعوا بأن أبا موسى كان ناصحًا في نهيهم عن القتال طلبوا من علي أن يكون أبو موسى هو ممثل العراق في أمر التحكيم، لأن الحالة التي كان يدعو إليها هي التي فيها الصلاح فأرسلوا إلى أبي موسى وجاءوا به من عزلته.
وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب (سراج المريدين)، وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمرو وأثنى عليه بالفهم (١) . وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره من الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر.
وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح من دومة الجندل (٢) وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين (٣) . فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول. فتقدم
_________
(١) واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده.
(٢) أذرح: قرية من أعمال الشراة تقع في منطقة بين أراضي شرقي الأردن والمملكة السعودية في الأطراف الجنوبية من بادية الشام.
(٣) من الحقائق ما إذا أسيء التعبير عنه وشابته شوائب المغالطة يوهم غير الحقيقة فينشأ عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه. ومن ذلك حادثة التحكيم وقول المغالطين إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع الرجلين، فخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية. وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن خليفة، ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه. بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم. واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان. فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحكيم شيئًا واحدًا هو الإمامة. أما التصرف العملي في إرادة البلاد التي كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين فبقي كما كان: علي متصرف في البلاد التي تحت حكمه، ومعاوية متصرف في البلاد التي تحت حكمه، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة. وكان يكون محلا للمكر أو الغفلة لو أن عمرًا أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولى معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو، ولا ادعاه معاوية، ولم يقل به أحد في الثلاثة عشر قرنًا الماضية. وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية، ومن ذلك اليوم فقط سمي معاوية أمير المؤمنين. فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، لأنه لم يعط معاوية شيئًا جديدًا، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى. ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها، وأي ذنب لعمرو في أي شيء مما وقع؟ إن البلاهة لم تكن من أبي موسى، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه. فليفهمها كل من شاء كما يشاء. أما هي فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي.
فقال: إني نظرت فخلعت عليًّا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا من عنقي - أو من عاتقي - وأخرجه من عنقه فوضعه
في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر (١) كما أثبت سيفي هذا في عاتقي. وتقلده. فأنكر أبو موسى. فقال عمرو: كذلك اتفقنا. وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف.
_________
(١) أي أمر؟ إن كان الاستمرار في إدارة البلاد التي تحت يده، فإن هذا الأمر ماض على معاوية وعلي معًا، فكل منهما باق في الحكم على ما تحت يده. وإن كان المراد بالأمر أمر الإمامة العامة وإمارة المؤمنين فإن معاوية لم يكن إمامًا - أي خليفة - حتى يثبته عمرو كما كان. وقد أوضحنا هذه الحقيقة في الفقرة السابقة. وهذه هي نقطة المغالطة التي هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بأن هناك خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذًا للاتفاق، وأن عمرًا خلع أحدهما وأبقى الآخر خليفة خلافًا للاتفاق، وهذا كله كذب وإفك وبهتان. والذي فعله عمرو وهو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قطمير وبقي أمر الإمامة والخلافة أو غمارة المؤمنين معلقًا على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا. وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فما في ذلك تقصير من أبي موسى ولا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها، ولا أبديا رأيًا فيها. ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ. وإن الأجيال التي بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما ... تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر
فشد إصار الدين أيام أذرح ... ورد حروبا قد لقحن إلى عقر.
Translation
قاصمة التحكيم
#82
Chapter 82 — عاصمة
· ref. #82
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
[عاصمة]
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط. وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع (١) .
_________
(١) إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه. وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، إلا بتشويه سمعة أبي كبر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعا. وطائفة ثالثة من الإنصاف والدين- كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب- كلوط بن يحيى الشيعي المحترق، وسيف بن عمر العراقي المعتدل- ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها. وقد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه. وقد وصلنا إلى هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفيا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها. وإن الرجوع إلى كتب السنة، وملاحظات أئمة الأمة. مما يسهل هذه المهمة. وقد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء، وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بني أمية العلامة الهندي الكبير الشيخ شبلي النعماني في انتقاده لكتاب جرجي زيدان، ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق، فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة، ولا يبعد- إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق- أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ويدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات.
وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر - في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه - عزل عمرو معاوية (١) .
ذكر الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر (٢) لما عزل عمرو معاوية جاء [أي حضين بن المنذر] فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية، فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا [أي عن عمرو] كذا وكذا (٣) فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا (٤) ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما
_________
(١) أي بتقريره مع أبي موسى أن إمامة المسلمين يترك النظر فيها إلى أعيان الصحابة.
(٢) قال الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن همام، حدثنا أبو يوسف الفلوسي وهو يعقوب بن عبد الرحمن بن جرير، حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن مضارب عن حضين بن المنذر (وحضين من خواص علي الذين حاربوا معه) .
(٣) أي عزله عليا ومعاوية، وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة.
(٤) أي أنهما لم يعزلا، لم يوليا، ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة.
فطالما استغنى أمر الله عنكما قال: فكانت هي التي فتل معاوية منها نفسه: فأتيته فأخبرته [أي فأتى حضين معاوية فأخبره] أن الذي بلغه عنه كما بلغه. فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني (١) فبعثه في خيله، فخرج يركض فرسه ويقول: أين عدو الله أين هذا الفاسق؟ .
قال أبو يوسف (٢) أظنه قال «إنما يريد حوباء نفسه» فخرج [عمرو] إلى فرس فسطاط فجال في ظهره عريانًا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول «إن الضجور قد تحتلب العلبة، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة (٣») فقال معاوية «أجل، وتربذ الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه (٤») .
_________
(١) هو أبو الأعور السلمي (وذكوان قبيلة من سليم) واسمه عمرو بن سفيان، كان من كبار قواد معاوية. وفي حرب صفين طلب الأشتر أن يبارزه فترفع أبو الأعور السلمي عن ذلك لأنه لم ير الأشتر من أنداده. انظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص٢٦٤.
(٢) أي الفلوسي راوي هذا الخبر عن الأسود بن شيبان عن عبد الله بن مضارب عن حضين.
(٣) الضجور: الناقة التي ترغو وتعربد عند الحلب. و"قد تحلب الضجور العلبة" مثل، ومعناه: إن الناقة التي ترغو قد تحلب ما يملأ العلبة، وهي قدح ضخم يحلب فيه اللبن. يضربونه للسيئ الخلق قد يصاب منه الرفق واللين، وللبخيل قد يستخرج منه المال.
(٤) ربذت يده بالقداح أي خفت: والربذ خفة القوائم في المشي، وخفة الأصابع في العمل. وفلان ذو ربذات: أي ذو فلتات وكثير السقط في كلامه.
قال الدارقطني - وذكر سند عدلًا (١) ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال: «والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما. وايم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كانا امرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا. وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا (٢») .
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه. فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين. وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.
وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﷺ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه. ودعوا ما مضى فقد قضى الله ما قضى. وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا. ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملًا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ورحم الله الربيع بن خثيم (٣) فإنه لما قيل له: قتل الحسين! قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم. فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] (الزمر: ٤٦) .
_________
(١) قال حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن أحمد قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الله بن عمر، عن ربعي. . . إلخ وربعي هو ابن حراش العبسي أبو مريم الكوفي.
(٢) أورد المؤلف هذا الخبر للدلالة على ورع عمرو ومحاسبته لنفسه وتذكيرها بسيرة السلف.
(٣) هو من تلاميذ عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون، وأخذ عنه الإمام الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو بردة. قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك. توفي سنة ٦٤.
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط. وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع (١) .
_________
(١) إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه. وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، إلا بتشويه سمعة أبي كبر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعا. وطائفة ثالثة من الإنصاف والدين- كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب- كلوط بن يحيى الشيعي المحترق، وسيف بن عمر العراقي المعتدل- ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها. وقد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه. وقد وصلنا إلى هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفيا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها. وإن الرجوع إلى كتب السنة، وملاحظات أئمة الأمة. مما يسهل هذه المهمة. وقد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء، وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بني أمية العلامة الهندي الكبير الشيخ شبلي النعماني في انتقاده لكتاب جرجي زيدان، ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق، فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة، ولا يبعد- إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق- أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ويدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات.
وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر - في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه - عزل عمرو معاوية (١) .
ذكر الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر (٢) لما عزل عمرو معاوية جاء [أي حضين بن المنذر] فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية، فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا [أي عن عمرو] كذا وكذا (٣) فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا (٤) ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما
_________
(١) أي بتقريره مع أبي موسى أن إمامة المسلمين يترك النظر فيها إلى أعيان الصحابة.
(٢) قال الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن همام، حدثنا أبو يوسف الفلوسي وهو يعقوب بن عبد الرحمن بن جرير، حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن مضارب عن حضين بن المنذر (وحضين من خواص علي الذين حاربوا معه) .
(٣) أي عزله عليا ومعاوية، وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة.
(٤) أي أنهما لم يعزلا، لم يوليا، ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة.
فطالما استغنى أمر الله عنكما قال: فكانت هي التي فتل معاوية منها نفسه: فأتيته فأخبرته [أي فأتى حضين معاوية فأخبره] أن الذي بلغه عنه كما بلغه. فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني (١) فبعثه في خيله، فخرج يركض فرسه ويقول: أين عدو الله أين هذا الفاسق؟ .
قال أبو يوسف (٢) أظنه قال «إنما يريد حوباء نفسه» فخرج [عمرو] إلى فرس فسطاط فجال في ظهره عريانًا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول «إن الضجور قد تحتلب العلبة، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة (٣») فقال معاوية «أجل، وتربذ الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه (٤») .
_________
(١) هو أبو الأعور السلمي (وذكوان قبيلة من سليم) واسمه عمرو بن سفيان، كان من كبار قواد معاوية. وفي حرب صفين طلب الأشتر أن يبارزه فترفع أبو الأعور السلمي عن ذلك لأنه لم ير الأشتر من أنداده. انظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص٢٦٤.
(٢) أي الفلوسي راوي هذا الخبر عن الأسود بن شيبان عن عبد الله بن مضارب عن حضين.
(٣) الضجور: الناقة التي ترغو وتعربد عند الحلب. و"قد تحلب الضجور العلبة" مثل، ومعناه: إن الناقة التي ترغو قد تحلب ما يملأ العلبة، وهي قدح ضخم يحلب فيه اللبن. يضربونه للسيئ الخلق قد يصاب منه الرفق واللين، وللبخيل قد يستخرج منه المال.
(٤) ربذت يده بالقداح أي خفت: والربذ خفة القوائم في المشي، وخفة الأصابع في العمل. وفلان ذو ربذات: أي ذو فلتات وكثير السقط في كلامه.
قال الدارقطني - وذكر سند عدلًا (١) ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال: «والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما. وايم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كانا امرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا. وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا (٢») .
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه. فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين. وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.
وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﷺ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه. ودعوا ما مضى فقد قضى الله ما قضى. وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا. ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملًا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ورحم الله الربيع بن خثيم (٣) فإنه لما قيل له: قتل الحسين! قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم. فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] (الزمر: ٤٦) .
_________
(١) قال حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن أحمد قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الله بن عمر، عن ربعي. . . إلخ وربعي هو ابن حراش العبسي أبو مريم الكوفي.
(٢) أورد المؤلف هذا الخبر للدلالة على ورع عمرو ومحاسبته لنفسه وتذكيرها بسيرة السلف.
(٣) هو من تلاميذ عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون، وأخذ عنه الإمام الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو بردة. قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك. توفي سنة ٦٤.
Translation
عاصمة
#83
Chapter 83 — قاصمة
· ref. #83
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
ولم يزد على هذا أبدًا. فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين.
[قاصمة]
قاصمة فإن قيل: إنما يكون ذلك في المعاني التي تشكل، وأما هذه الأمور كلها فلا إشكال فيها؛ لأن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بعده فقال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (١) [وقال]: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» (٢) فلم يبق بعد هذا خلاف لمعاند.
_________
(١) في كتاب المغازي من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٧٨ - ج ٥ ص ١٢٩) وفي فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٤٤ ح ٣١ - ج ٧ ص ١٢٠ من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» . وانظر المناقشة في هذا الحديث بين السيد عبد الله بن الحسين السويدي سنة ١١٥٦ وبين الملاباشي علي أكبر شيخ علماء الشيعة ومجتهديهم في زمن نادر شاه في كتاب (مؤتمر النجف) ص ٢٥ - ٢٧ طبع السلفية.
(٢) في مسند أحمد (١: ٨٤، ٨٨، ١١٨، ١١٩، ١٥٢ الطبعة الأولى رقم ٦٤١، ٦٧٠، ٩٥٠، ٩٦١، ١٣١٠. وفي ٤: ٢٨١، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢ الطبعة الأولى و٥: ٣٤٧، ٣٦٦، ٣٧٠، ٤١٩ الطبعة الأولى) . وانظر تفسير الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب لهذا الحديث في ص ١٨٥ - ١٨٦، وسيأتي كلام المؤلف على الحدثين في ص ١٩٢.
فتعدى عليه أبو بكر واقتعد في غير موضعه.
ثم خلفه في التعدي عمر.
ثم رجي أن يوفق عمر للرجوع إلى الحق، فأبهم الحال، وجعلها شورى قصرًا للخلاف، للذي سمع النبي ﷺ.
ثم تحيل ابن عوف حتى ردها عنه إلى عثمان.
ثم قتل عثمان لتسوره على الخلافة وعلى أحكام الشريعة، وصار الأمر إلى علي بالحق الإلهي النبوي، فنازعه من عاقده، وخالف عليه من بايعه، ونقض عهده من شده.
وانتدب أهل الشام إلى الفسوق في الدين، بل الكفر (١) .
_________
(١) كل هذه الفقرات من هذيان مرتكبي «القاصمة» وشيعتهم. وقد أجاب المؤلف في «العاصمة» التالية مدحضًا سخافاتهم، ولكن اتسع عليه ميدان القول ففاقه الكلام عن موقف أهل الشام من هذه الفتن التي وقعت في الإسلام. وقد رأيت في ص ١٢١ قول ابن الكواء أحد زعماء الفتنة وهو يصف أشباهه في الأمصار الكبرى: «وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاهم لمغويهم» . وإذا كان أهل الأحداث في الشام هكذا على ما شهد به زعيم من زعماء الفتنة، فإن أهل العافية والإيمان منهم قد شهد لهم أمير المؤمنين علي فيما نقله ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ٢٠) عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، عن شيخه معمر بن راشد البصري وهو أيضًا من الأعلام، عن الزهري مدون السنة وشيخ الأئمة، أن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: قال رجل من صفين «اللهم العن أهل الشام» فقال له علي: «لا تسب أهل الشام» فإن بها الأبدال، فإنها بها الأبدال، فإن بها الأبدال» وروي هذا الحديث من وجه آخر مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وروى أبو إدريس الخولاني وهو من أعلام حملة السنة والشريعة ومن شيوخ الحسن البصري وابن سيرين ومكحول وأضرابهم أن أبا الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعه بصري فعمد به إلى الشام. وإن الإيمان - حين تقع الفتنة - بالشام» . وروى هذا الحديث من الصحابة - غير أبي الدرداء - أبو أمامة وعبد الله بن عمرو بن العاص. وللمقارنة بين أهل الشام والذين كانوا يحاربون ننقل عن ابن كثير (٧: ٣٢٥) خبر الأعمش بن عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي يوم جمعة فقال، نبئت أن بسرًا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وبخيانتكم وأمانتهم وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم. وقد بعثت فلانًا فخان وغدر وبعثت فلانًا فخان وغدر وبعث المال إلى معاوية. لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته. اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني. اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم. بهذا وصف علي جيشه وشيعته وبعكسه في الفضائل وصف أهل الشام الذين اضطروا إلى أن يقفوا من طائفته موقف المحارب. وليس بعد وصف علي لأهل الشام بالطاعة والأمانة والإصلاح، إلا الضرب بهذه القنبلة في وجوه واصفيهم بالكفر والفسوق في الدين.
وهذه حقيقة مذهبهم (١) أن الكل عندهم كفرة (٢) لأن من مذهبهم
_________
(١) أي حقيقة مذهب الشيعة وأعداء الصحابة.
(٢) يستثنون منهم - بعد علي وبعض آله - سلمان الفارسي وأبا ذر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبا الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وعبادة بن الصامت وأبا أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت وأبا سعيد الخدري. وبعض الشيعة يرى أن الطيبين من أصحاب رسول الله ﷺ أقل عددًا من هؤلاء.
[قاصمة]
قاصمة فإن قيل: إنما يكون ذلك في المعاني التي تشكل، وأما هذه الأمور كلها فلا إشكال فيها؛ لأن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بعده فقال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (١) [وقال]: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» (٢) فلم يبق بعد هذا خلاف لمعاند.
_________
(١) في كتاب المغازي من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٧٨ - ج ٥ ص ١٢٩) وفي فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٤٤ ح ٣١ - ج ٧ ص ١٢٠ من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» . وانظر المناقشة في هذا الحديث بين السيد عبد الله بن الحسين السويدي سنة ١١٥٦ وبين الملاباشي علي أكبر شيخ علماء الشيعة ومجتهديهم في زمن نادر شاه في كتاب (مؤتمر النجف) ص ٢٥ - ٢٧ طبع السلفية.
(٢) في مسند أحمد (١: ٨٤، ٨٨، ١١٨، ١١٩، ١٥٢ الطبعة الأولى رقم ٦٤١، ٦٧٠، ٩٥٠، ٩٦١، ١٣١٠. وفي ٤: ٢٨١، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢ الطبعة الأولى و٥: ٣٤٧، ٣٦٦، ٣٧٠، ٤١٩ الطبعة الأولى) . وانظر تفسير الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب لهذا الحديث في ص ١٨٥ - ١٨٦، وسيأتي كلام المؤلف على الحدثين في ص ١٩٢.
فتعدى عليه أبو بكر واقتعد في غير موضعه.
ثم خلفه في التعدي عمر.
ثم رجي أن يوفق عمر للرجوع إلى الحق، فأبهم الحال، وجعلها شورى قصرًا للخلاف، للذي سمع النبي ﷺ.
ثم تحيل ابن عوف حتى ردها عنه إلى عثمان.
ثم قتل عثمان لتسوره على الخلافة وعلى أحكام الشريعة، وصار الأمر إلى علي بالحق الإلهي النبوي، فنازعه من عاقده، وخالف عليه من بايعه، ونقض عهده من شده.
وانتدب أهل الشام إلى الفسوق في الدين، بل الكفر (١) .
_________
(١) كل هذه الفقرات من هذيان مرتكبي «القاصمة» وشيعتهم. وقد أجاب المؤلف في «العاصمة» التالية مدحضًا سخافاتهم، ولكن اتسع عليه ميدان القول ففاقه الكلام عن موقف أهل الشام من هذه الفتن التي وقعت في الإسلام. وقد رأيت في ص ١٢١ قول ابن الكواء أحد زعماء الفتنة وهو يصف أشباهه في الأمصار الكبرى: «وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاهم لمغويهم» . وإذا كان أهل الأحداث في الشام هكذا على ما شهد به زعيم من زعماء الفتنة، فإن أهل العافية والإيمان منهم قد شهد لهم أمير المؤمنين علي فيما نقله ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ٢٠) عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، عن شيخه معمر بن راشد البصري وهو أيضًا من الأعلام، عن الزهري مدون السنة وشيخ الأئمة، أن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: قال رجل من صفين «اللهم العن أهل الشام» فقال له علي: «لا تسب أهل الشام» فإن بها الأبدال، فإنها بها الأبدال، فإن بها الأبدال» وروي هذا الحديث من وجه آخر مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وروى أبو إدريس الخولاني وهو من أعلام حملة السنة والشريعة ومن شيوخ الحسن البصري وابن سيرين ومكحول وأضرابهم أن أبا الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعه بصري فعمد به إلى الشام. وإن الإيمان - حين تقع الفتنة - بالشام» . وروى هذا الحديث من الصحابة - غير أبي الدرداء - أبو أمامة وعبد الله بن عمرو بن العاص. وللمقارنة بين أهل الشام والذين كانوا يحاربون ننقل عن ابن كثير (٧: ٣٢٥) خبر الأعمش بن عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي يوم جمعة فقال، نبئت أن بسرًا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وبخيانتكم وأمانتهم وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم. وقد بعثت فلانًا فخان وغدر وبعثت فلانًا فخان وغدر وبعث المال إلى معاوية. لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته. اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني. اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم. بهذا وصف علي جيشه وشيعته وبعكسه في الفضائل وصف أهل الشام الذين اضطروا إلى أن يقفوا من طائفته موقف المحارب. وليس بعد وصف علي لأهل الشام بالطاعة والأمانة والإصلاح، إلا الضرب بهذه القنبلة في وجوه واصفيهم بالكفر والفسوق في الدين.
وهذه حقيقة مذهبهم (١) أن الكل عندهم كفرة (٢) لأن من مذهبهم
_________
(١) أي حقيقة مذهب الشيعة وأعداء الصحابة.
(٢) يستثنون منهم - بعد علي وبعض آله - سلمان الفارسي وأبا ذر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبا الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وعبادة بن الصامت وأبا أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت وأبا سعيد الخدري. وبعض الشيعة يرى أن الطيبين من أصحاب رسول الله ﷺ أقل عددًا من هؤلاء.
Translation
قاصمة
#84
Chapter 84 — عاصمة
· ref. #84
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
عاصمة
Translation
عاصمة
#85
Chapter 85 — مقارنة موقفهم من الصحابة بموقف اليهود والنصارى من أصحاب موسى وعيسى
· ref. #85
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
التكفير بالذنوب (١) . وكذلك تقول هذه الطائفة التي تسمى بالإمامية: إن كل عاص بكبيرة كافر (٢) على رسم القدرية (٣) ولا أعصى من الخلفاء المذكورين (٤) ومن ساعدهم على أمرهم، وأصحاب محمد ﷺ أحرص الناس على دنيا، وأقلهم حمية على دين، وأهدمهم لقاعدة وشريعة (٥) .
[عاصمة]
[مقارنة موقفهم من الصحابة بموقف اليهود والنصارى من أصحاب موسى وعيسى]
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقالي هذا - لا ننقص منها يومًا ولا نزيد يومًا - وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟ .
_________
(١) ومن مذهبهم أن عليًّا وأحد عشر من آله معصومون عن الخطأ، وأنهم مصدر تشريع. ويقبلون التشريع الذي ينسبه إليهم رواة يشترط فيهم التشيع والموالاة، وإن عرفهم الناس بما ينافي الصدق أو يناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
(٢) ومدلول الكبيرة عندهم غير مدلولها عند المسلمين.
(٣) أي الذين ينكرون القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٤): «كان قدماء الشيعة متفقين في دولة بني بويه» . ثم فجروا وجعلوا (الغلو) من ضروريات مذهبهم من زمن الدولة الصفوية إلى الآن.
(٤) وهم أبو بكر وعمر وعثمان.
(٥) ومع ذلك يوجد فيمن ينتمي إلى الأزهر، وإلى السنة، من يوالي دار التقريب بين المذاهب التي تأسست في القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، ويتسلى بصرف بقية عمره في الاختلاف إليها وتبادل التقية مع القائمين عليها.
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﷺ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل (١) . فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (النور: ٥٥) (٢) وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ما نص على أحد يكون من بعده (٣) . وقد قال العباس لعلي - فيما روى عنه عبد الله
_________
(١) أخرج الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٥) أن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب قال لرجل من الرافضة. «والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم، ثم لا نقبل منكم توبة» . فقال له رجل: لم لا تقبل منهم توبة؟ قال: نحن أعلم بهؤلاء منكم. إن هؤلاء إن شاءوا صدقوكم، وإن شاءوا كذبوكم وزعموا أن ذلك يستقيم لهم في (التقية) . ويلك! إن التقية هي باب رخصة للمسلم، إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، إنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق. وايم الله ما بلغ من التقية أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل عباد الله» . . .
(٢) انظر ص ٥١ - ٥٣.
(٣) نقل الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٦) عن الحافظ البيهقي حديث فضيل بن مرزوق أن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سئل فقيل له: ألم يقل رسول الله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ فقال: «بلى: ولكن والله لم يعن رسول الله ﷺ بذلك الإمارة والسلطان. ولو أراد ذلك لفصح لهم به، فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين. ولو كان الأمر كما قيل لقال: يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًّا لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله، لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله» . ورواه البيهقي من طرق متعددة في بعضها زيادة وفي بعضها نقصان والمعنى واحد.
ابنه - قال عبد الله بن عباس: خرج علي بن أبي طالب ﵁ من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا. وإني لأرى رسول الله ﷺ يتوفى من وجعه هذا. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله: فيمن يكون هذا الأمر بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ (١) .
قال القاضي أبو بكر ﵁: رأي العباس عندي أصح،
_________
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ٨٣ - ج ٥ ص ١٤٠ - ١٤١) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٢٧ و٢٥١) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٦٣ و٣٢٥ و٢٣٧٤ و٢٩٩٩) .
[عاصمة]
[مقارنة موقفهم من الصحابة بموقف اليهود والنصارى من أصحاب موسى وعيسى]
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقالي هذا - لا ننقص منها يومًا ولا نزيد يومًا - وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟ .
_________
(١) ومن مذهبهم أن عليًّا وأحد عشر من آله معصومون عن الخطأ، وأنهم مصدر تشريع. ويقبلون التشريع الذي ينسبه إليهم رواة يشترط فيهم التشيع والموالاة، وإن عرفهم الناس بما ينافي الصدق أو يناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
(٢) ومدلول الكبيرة عندهم غير مدلولها عند المسلمين.
(٣) أي الذين ينكرون القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٤): «كان قدماء الشيعة متفقين في دولة بني بويه» . ثم فجروا وجعلوا (الغلو) من ضروريات مذهبهم من زمن الدولة الصفوية إلى الآن.
(٤) وهم أبو بكر وعمر وعثمان.
(٥) ومع ذلك يوجد فيمن ينتمي إلى الأزهر، وإلى السنة، من يوالي دار التقريب بين المذاهب التي تأسست في القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، ويتسلى بصرف بقية عمره في الاختلاف إليها وتبادل التقية مع القائمين عليها.
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﷺ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل (١) . فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (النور: ٥٥) (٢) وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ما نص على أحد يكون من بعده (٣) . وقد قال العباس لعلي - فيما روى عنه عبد الله
_________
(١) أخرج الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٥) أن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب قال لرجل من الرافضة. «والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم، ثم لا نقبل منكم توبة» . فقال له رجل: لم لا تقبل منهم توبة؟ قال: نحن أعلم بهؤلاء منكم. إن هؤلاء إن شاءوا صدقوكم، وإن شاءوا كذبوكم وزعموا أن ذلك يستقيم لهم في (التقية) . ويلك! إن التقية هي باب رخصة للمسلم، إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، إنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق. وايم الله ما بلغ من التقية أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل عباد الله» . . .
(٢) انظر ص ٥١ - ٥٣.
(٣) نقل الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٦) عن الحافظ البيهقي حديث فضيل بن مرزوق أن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سئل فقيل له: ألم يقل رسول الله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ فقال: «بلى: ولكن والله لم يعن رسول الله ﷺ بذلك الإمارة والسلطان. ولو أراد ذلك لفصح لهم به، فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين. ولو كان الأمر كما قيل لقال: يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًّا لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله، لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله» . ورواه البيهقي من طرق متعددة في بعضها زيادة وفي بعضها نقصان والمعنى واحد.
ابنه - قال عبد الله بن عباس: خرج علي بن أبي طالب ﵁ من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا. وإني لأرى رسول الله ﷺ يتوفى من وجعه هذا. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله: فيمن يكون هذا الأمر بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ (١) .
قال القاضي أبو بكر ﵁: رأي العباس عندي أصح،
_________
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ٨٣ - ج ٥ ص ١٤٠ - ١٤١) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٢٧ و٢٥١) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٦٣ و٣٢٥ و٢٣٧٤ و٢٩٩٩) .
Translation
مقارنة موقفهم من الصحابة بموقف اليهود والنصارى من أصحاب موسى وعيسى
#86
Chapter 86 — الأحاديث الصحيحة في أبي بكر وعمر ومكانتهما العليا
· ref. #86
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وأقرب إلى الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدعي الإشارة باستخلاف علي، فكيف أن يُدَّعَى فيه نص؟ ! .
[الأحاديث الصحيحة في أبي بكر وعمر ومكانتهما العليا]
فأما أبو بكر، فقد «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال: تجدين أبا بكر» (١) .
«وقال النبي ﷺ لعمر وقد وقع بينه [أي بين عمر] وبين أبي بكر كلام، فتعمر وجه النبي ﷺ (٢) حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي ﷺ: " هل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين) . إني بعثت إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» (٣) ".
وقال النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا في الإسلام خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخي، وصاحبي» (٤) ".
وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا. لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة
_________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩١) من حديث جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".
(٢) تمعر وجهه: تغير، وذهب ما كان فيه من النضارة، وإشراق اللون.
(٣) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٢) عن أبي الدرداء مطولا.
(٤) في الباب المذكور من كتاب مناقب الصحابة في صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩١) من حديث عكرمة عن ابن عباس.
أبي بكر (١) .
وقد قال النبي ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٢) عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين (٣) وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربًا (٤) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (٥) .
وقد ثبت أن «النبي ﷺ صعد أُحُدا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم: فقال: " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٦) .
وقال ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي
_________
(١) في هذه الجملة اضطراب ونقص. وانظر لهذا المعنى حديث أبي سعيد الخدري في ذلك الموضع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٠ - ١٩١)، وحديث ابن عباس في مسند أحمد (١: ٢٧٠ رقم ٢٤٣٢)، والبداية والنهاية (٥: ٢٢٩ و٢٣٠) .
(٢) القليب: البئر غير المطوية.
(٣) الذنوب: الدلو العظيمة إذا ملئت ماء. وابن أبي قحافة هو أبو بكر.
(٤) أي ثم عظمت فصارت كالدلو الواسعة التي تتخذ من جلد الثور لكبرها.
(٥) أي حتى اتخذ الناس حولها مبركا لإبلهم لغزارة مائها، والحديث في ذلك الموضوع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٣) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(٦) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٧) من حديث قتادة عن أنس بن مالك.
منهم أحد فعمر» (١) .
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢) .
وقال ابن عباس: «إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، وإني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت، [ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به]، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلا» (وذكر الحديث) . ثم عبرها أبو بكر فقال: وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذته فيعليك الله. ثم يأخذ به رجل آخر بعدك فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل فيعلو به (٣) .
_________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٦ - ج ٤ ص ٢٠٠) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٢) في مسند أحمد (٦: ١٤٤ الطبعة الأولى) من حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة، وانظر المسند أيضا (٦: ٤٧ و١٠٦) وطبقات ابن سعد ٣ (١: ١٢٧) ومسند أبي داود الطيالسي: الحديث ١٥٠٨.
(٣) في كتاب التعبير من صحيح البخاري (ك ٩١ ب ٤٧ - ج ٨ ص ٨٣ - ٨٤) من حديث عبد الله بن عباس، وفي كتاب الرؤيا من صحيح مسلم (ك ٤٧ ح ١٧ - ج ٧ ص ٥٥ - ٥٦) من حديث ابن عباس، وفي مسند أحمد (١: ٢٣٦ الطبعة الأولى رقم ٢١١٣) من حديث ابن عباس.
وصح أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا فقال رجل: أنا رأيت، كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فَرَجَحْت. ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر. ووزن عمر وعثمان فرجح عمر. ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (١) .
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال في السبب إلى الحق لمن وفقه الله. ولو لم يكن معكم - أيها السنية - إلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (التوبة من الآية ٤٠) فجعلها (٢) في نصيف، وجعل أبا بكر في نصيف آخر وقام معه جميع الصحابة.
وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفى منها حال الخلفاء في خلالهم وولايتهم وترتيبهم خصوصًا وعمومًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (سورة النور: من الآية ٥٥) . وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم
_________
(١) في كتاب السنة من سنن أبي داود (ك ٣٩ ب ٨ ح ٤٦٣٤) من حديث أبي بكرة. وفي كتاب الرؤيا من جامع الترمذي (الباب ١٠) من حديث أبي بكرة أيضا. وانظر في مسند أحمد (٥: ٢٥٩) الطبعة الأولى حديث أبي أمامة عن رجحان كفة أبي بكر بكفة فيها جميع الأمة. . . إلخ.
(٢) أي الأمة.
[الأحاديث الصحيحة في أبي بكر وعمر ومكانتهما العليا]
فأما أبو بكر، فقد «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال: تجدين أبا بكر» (١) .
«وقال النبي ﷺ لعمر وقد وقع بينه [أي بين عمر] وبين أبي بكر كلام، فتعمر وجه النبي ﷺ (٢) حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي ﷺ: " هل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين) . إني بعثت إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» (٣) ".
وقال النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا في الإسلام خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخي، وصاحبي» (٤) ".
وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا. لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة
_________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩١) من حديث جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".
(٢) تمعر وجهه: تغير، وذهب ما كان فيه من النضارة، وإشراق اللون.
(٣) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٢) عن أبي الدرداء مطولا.
(٤) في الباب المذكور من كتاب مناقب الصحابة في صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩١) من حديث عكرمة عن ابن عباس.
أبي بكر (١) .
وقد قال النبي ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٢) عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين (٣) وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربًا (٤) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (٥) .
وقد ثبت أن «النبي ﷺ صعد أُحُدا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم: فقال: " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٦) .
وقال ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي
_________
(١) في هذه الجملة اضطراب ونقص. وانظر لهذا المعنى حديث أبي سعيد الخدري في ذلك الموضع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٠ - ١٩١)، وحديث ابن عباس في مسند أحمد (١: ٢٧٠ رقم ٢٤٣٢)، والبداية والنهاية (٥: ٢٢٩ و٢٣٠) .
(٢) القليب: البئر غير المطوية.
(٣) الذنوب: الدلو العظيمة إذا ملئت ماء. وابن أبي قحافة هو أبو بكر.
(٤) أي ثم عظمت فصارت كالدلو الواسعة التي تتخذ من جلد الثور لكبرها.
(٥) أي حتى اتخذ الناس حولها مبركا لإبلهم لغزارة مائها، والحديث في ذلك الموضوع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٣) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(٦) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٧) من حديث قتادة عن أنس بن مالك.
منهم أحد فعمر» (١) .
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢) .
وقال ابن عباس: «إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، وإني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت، [ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به]، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلا» (وذكر الحديث) . ثم عبرها أبو بكر فقال: وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذته فيعليك الله. ثم يأخذ به رجل آخر بعدك فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل فيعلو به (٣) .
_________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٦ - ج ٤ ص ٢٠٠) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٢) في مسند أحمد (٦: ١٤٤ الطبعة الأولى) من حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة، وانظر المسند أيضا (٦: ٤٧ و١٠٦) وطبقات ابن سعد ٣ (١: ١٢٧) ومسند أبي داود الطيالسي: الحديث ١٥٠٨.
(٣) في كتاب التعبير من صحيح البخاري (ك ٩١ ب ٤٧ - ج ٨ ص ٨٣ - ٨٤) من حديث عبد الله بن عباس، وفي كتاب الرؤيا من صحيح مسلم (ك ٤٧ ح ١٧ - ج ٧ ص ٥٥ - ٥٦) من حديث ابن عباس، وفي مسند أحمد (١: ٢٣٦ الطبعة الأولى رقم ٢١١٣) من حديث ابن عباس.
وصح أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا فقال رجل: أنا رأيت، كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فَرَجَحْت. ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر. ووزن عمر وعثمان فرجح عمر. ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (١) .
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال في السبب إلى الحق لمن وفقه الله. ولو لم يكن معكم - أيها السنية - إلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (التوبة من الآية ٤٠) فجعلها (٢) في نصيف، وجعل أبا بكر في نصيف آخر وقام معه جميع الصحابة.
وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفى منها حال الخلفاء في خلالهم وولايتهم وترتيبهم خصوصًا وعمومًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (سورة النور: من الآية ٥٥) . وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم
_________
(١) في كتاب السنة من سنن أبي داود (ك ٣٩ ب ٨ ح ٤٦٣٤) من حديث أبي بكرة. وفي كتاب الرؤيا من جامع الترمذي (الباب ١٠) من حديث أبي بكرة أيضا. وانظر في مسند أحمد (٥: ٢٥٩) الطبعة الأولى حديث أبي أمامة عن رجحان كفة أبي بكر بكفة فيها جميع الأمة. . . إلخ.
(٢) أي الأمة.
Translation
الأحاديث الصحيحة في أبي بكر وعمر ومكانتهما العليا
#87
Chapter 87 — مراتب الصحابة ومن بعدهم وأصناف أئمة الدين ومنازلهم
· ref. #87
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
فبمن يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا، ومن بعد مختلف فيه، وأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين، وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن بعدهم تبع لهم من الأئمة الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله. فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره مقصور على الدنيا وأحكامها.
[مراتب الصحابة ومن بعدهم وأصناف أئمة الدين ومنازلهم]
وأما حفاظ الدين فهم الأئمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف:
الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله ﷺ، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش.
الصنف الثاني: علماء الأصول: ذبوا عن دين الله أهل العناد وأصحاب البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون عنه في مآزق الضلال (١) .
الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون المعاملات وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الخراج والديات، وبينوا معاني الأيمان والنذور، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم - في الدين - بمنزلة الوكلاء المتصرفين في الأموال.
الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق. وهم - في الآخرة - كخواص الملك في الدنيا.
وقد أوضحنا في كتاب (سراج المريدين) في القسم الرابع من علوم القرآن أي المنازل أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم.
_________
(١) المداعسة: المطاعنة، والمدافعة.
قال القاضي أبو بكر ﵁: وهذه كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات. ومجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان من العقلاء.
ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر أو على علي، لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به غيره من المهاجرين والأنصار. فأما حديث غدير خم (١) فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينة كما استخلف موسى هارون في حياته - عند سفره للمناجاة - على بني إسرائيل. وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود على أن موسى مات بعد هارون فأين الخلافة؟ .
وأما قوله «اللهم وال من والاه» فكلام صحيح، ودعوة مجابة وما يعلم أحد عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته. والزيادة في الحد نقصان من المحدود. ولو تعدى عليها أبو بكر ما كان المتعدِّي وحده، بل جميع الصحابة - كما قلنا - لأنهم ساعدوه على الباطل.
ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي ﷺ كان مداريًا لهم، معنيا بهم على نفاق وتقية. وأين أنت من قول النبي ﷺ «حين سمع قول عائشة ﵂: مروا عمر فليصل بالناس " إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» (٢) ".
_________
(١) الذي مضى في القاصمة ص ١٨١، وانظر في ص ١٨٥ - ١٨٦ تفسير الحسن المثنى لهذا الحديث.
(٢) صحيح البخاري (ك ١٠ ب ٣٩ و٤٦ و٦٧ و٧٠ - ج ١ ص ١٦١ - ١٦٢ و١٦٥، و١٧٤ - ١٧٦) من حديث عائشة وأبي موسى الأشعري.
[مراتب الصحابة ومن بعدهم وأصناف أئمة الدين ومنازلهم]
وأما حفاظ الدين فهم الأئمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف:
الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله ﷺ، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش.
الصنف الثاني: علماء الأصول: ذبوا عن دين الله أهل العناد وأصحاب البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون عنه في مآزق الضلال (١) .
الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون المعاملات وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الخراج والديات، وبينوا معاني الأيمان والنذور، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم - في الدين - بمنزلة الوكلاء المتصرفين في الأموال.
الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق. وهم - في الآخرة - كخواص الملك في الدنيا.
وقد أوضحنا في كتاب (سراج المريدين) في القسم الرابع من علوم القرآن أي المنازل أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم.
_________
(١) المداعسة: المطاعنة، والمدافعة.
قال القاضي أبو بكر ﵁: وهذه كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات. ومجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان من العقلاء.
ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر أو على علي، لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به غيره من المهاجرين والأنصار. فأما حديث غدير خم (١) فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينة كما استخلف موسى هارون في حياته - عند سفره للمناجاة - على بني إسرائيل. وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود على أن موسى مات بعد هارون فأين الخلافة؟ .
وأما قوله «اللهم وال من والاه» فكلام صحيح، ودعوة مجابة وما يعلم أحد عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته. والزيادة في الحد نقصان من المحدود. ولو تعدى عليها أبو بكر ما كان المتعدِّي وحده، بل جميع الصحابة - كما قلنا - لأنهم ساعدوه على الباطل.
ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي ﷺ كان مداريًا لهم، معنيا بهم على نفاق وتقية. وأين أنت من قول النبي ﷺ «حين سمع قول عائشة ﵂: مروا عمر فليصل بالناس " إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» (٢) ".
_________
(١) الذي مضى في القاصمة ص ١٨١، وانظر في ص ١٨٥ - ١٨٦ تفسير الحسن المثنى لهذا الحديث.
(٢) صحيح البخاري (ك ١٠ ب ٣٩ و٤٦ و٦٧ و٧٠ - ج ١ ص ١٦١ - ١٦٢ و١٦٥، و١٧٤ - ١٧٦) من حديث عائشة وأبي موسى الأشعري.
Translation
مراتب الصحابة ومن بعدهم وأصناف أئمة الدين ومنازلهم
#88
Chapter 88 — إصابة عمر في جعل الإمامة شورى ودقة ابن عوف في تخير عثمان
· ref. #88
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وما قدمنا من تلك الأحاديث (١) .
[إصابة عمر في جعل الإمامة شورى ودقة ابن عوف في تخير عثمان]
لقد اقتحموا عظيمًا، ولقد افتروا كبيرًا. وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بالنبي ﷺ وبأبي بكر، إذ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف (٢) " فما رد هذه الكلمات أحد. وقال: " أجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (٣) . وقد رضي الله عن أكثر منهم، ولكنهم كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة.
وأما قولهم تحيل ابن عوف حتى ردها لعثمان، فلئن كانت حيلة ولم يكن سواها فلأن الحول ليس إليه (٤) . وإذا كان عمل العباد حيلة أو كان القضاء بالحول، فالحول والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه
_________
(١) في ص ١٨٧ - ١٩٠.
(٢) في كتاب الإمارة من صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ١١ و١٢ - ج ٦ ص ٤ - ٥) من حديث عروة بن الزبير عن ابن عمر، ومن حديث سالم عن ابن عمر. وفي مسند أحمد (١: ٤٣ رقم ٢٩٩) عن عروة عن ابن عمر، و(١: ٤٦ رقم ٣٢٢) عن حميد بن عبد الرحمن عن ابن عباس، و(١: ٤٧ رقم ٣٣٢) عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.
(٣) من حديث عمرو بن ميمون المطول في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٨ ج ٤ ص ٢٠٤ - ٢٠٧)، وانظر كتابنا هذا ص ٥٢ - ٥٣.
(٤) بل إلى الله. وإن الله هو الموفق لابن عوف وسائر إخوانه الصحابة حتى كانوا في ذلك الموقف على ما أراده الله لهم من صفاء النية وإخلاص القصد والعمل لله وحده. فكان من اختيار خليفة عمر في حادث الشورى مثلا أعلى للنفس الإنسانية عندما تكون في أعلى مراتب النبل، والتجرد عن جميع خواطر الهوى.
[إصابة عمر في جعل الإمامة شورى ودقة ابن عوف في تخير عثمان]
لقد اقتحموا عظيمًا، ولقد افتروا كبيرًا. وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بالنبي ﷺ وبأبي بكر، إذ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف (٢) " فما رد هذه الكلمات أحد. وقال: " أجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (٣) . وقد رضي الله عن أكثر منهم، ولكنهم كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة.
وأما قولهم تحيل ابن عوف حتى ردها لعثمان، فلئن كانت حيلة ولم يكن سواها فلأن الحول ليس إليه (٤) . وإذا كان عمل العباد حيلة أو كان القضاء بالحول، فالحول والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه
_________
(١) في ص ١٨٧ - ١٩٠.
(٢) في كتاب الإمارة من صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ١١ و١٢ - ج ٦ ص ٤ - ٥) من حديث عروة بن الزبير عن ابن عمر، ومن حديث سالم عن ابن عمر. وفي مسند أحمد (١: ٤٣ رقم ٢٩٩) عن عروة عن ابن عمر، و(١: ٤٦ رقم ٣٢٢) عن حميد بن عبد الرحمن عن ابن عباس، و(١: ٤٧ رقم ٣٣٢) عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.
(٣) من حديث عمرو بن ميمون المطول في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٨ ج ٤ ص ٢٠٤ - ٢٠٧)، وانظر كتابنا هذا ص ٥٢ - ٥٣.
(٤) بل إلى الله. وإن الله هو الموفق لابن عوف وسائر إخوانه الصحابة حتى كانوا في ذلك الموقف على ما أراده الله لهم من صفاء النية وإخلاص القصد والعمل لله وحده. فكان من اختيار خليفة عمر في حادث الشورى مثلا أعلى للنفس الإنسانية عندما تكون في أعلى مراتب النبل، والتجرد عن جميع خواطر الهوى.
Translation
إصابة عمر في جعل الإمامة شورى ودقة ابن عوف في تخير عثمان
#89
Chapter 89 — لم يكن بعد عثمان أولى بها من علي فجاءته على قدر
· ref. #89
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
لا يليها إلا واحد، فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر - بعد أن أخرج نفسه - على أن يجتهد للمسلمين في الأسد والأشد، فكان كما فعل، وولاها من استحقها، ولم يكن غيره أولى منه بها، حسبما بينا في مراتب الخلافة من (أنوار الفجر) (١) وفي غيره من [كتب] الحديث.
[لم يكن بعد عثمان أولى بها من علي فجاءته على قدر]
وقتل عثمان، فلم يبق على الأرض أحق بها من علي، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها. وبين الله على يديه من الأحكام والعلوم ما شاء الله أن يبين. وقد قال عمر: " لولا علي لهلك عمر " (٢) وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة - من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادرتهم، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه: لا نبدأ بالحرب. ولا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولا نغنم لهم مالا - وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى ما عرفنا قتال أهل البغي.
وأما خروج طلحة والزبير فقد تقدم بيانه (٣) .
وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار، وقد بينا أحوال أهل الذنوب التي ليس منها سب في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب.
_________
(١) هو التفسير الكبير لابن العربي في ثمانين مجلدا. تكلمنا عليه في ص ٢٧.
(٢) هذا مع قول النبي ﷺ فيه " أول من يصافحه الحق عمر "، وقوله ﷺ " إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به " وقوله ﷺ " لو كان من بعدي نبي لكان عمر ".
(٣) وأنه كان خروجا للتفاهم والتعاون على إقامة الحدود الشرعية في مقتل أمير المؤمنين عثمان، انظر ص ١٥٠ - ١٥٢.
فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه الأئمة أن العباس وعليًّا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله ﷺ، فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين، أقض بيني وبين هذا الظالم الكاذب الآثم الجائر (١) . فقال الرهط لعمر: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسول الله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فعمل فيها رسول الله ﷺ حياته، ثم توفي، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فقبضها سنتين في إمارته فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ.
_________
(١) تقدم في ص ٤٩ - ٥٠ ذكر هذه التقاضي بين العباس وعلي عند أمير المؤمنين عمر من حديث مالك بن أوس بن الحدثان النصري في صحيح البخاري. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ك ٥٧ ب ١ - ج ٦ ص ١٢٥): زاد شعيب ويونس: " فاستب علي وعباس " وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض: " اقض بيني وبين هذا الظالم. استبا " وفي رواية جويرية " وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن " وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء، بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل " استبا ". واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال: لعل الرواة وهم فيها وإن كانت محفوظة، فأجود ما تحمل عليه أن العباس قالها دلالا على علي، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه.
وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب غادر خائن (١) والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق. . . وذكر الحديث.
قلنا: أما قول العباس لعلي فقول الأب للابن، وذلك على الرأي محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول، وأما قول عمر أنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام، رأى فيها هذا رأيا ورأى فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك. ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه. وأما المحكوم عليه فرأى أنه قد وهم، ولكن سكت وسلم.
فإن قيل: إنما يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر - إذ كان الحكم باجتهاد، وأما [بعد أن] أدى هذا الحكم إلى منع فاطمة والعباس الميراث بقول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركناه صدقة» وعلمه أزواج النبي ﷺ وأصحابه العشرة وشهدوا به، فبطل ما قلتموه (٢) .
قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر بعد - فرأيا أن خبر الواحد في معارضة القرآن والأصول والحكم المشهور في الزمن لا يعمل به حتى يتقرر الأمر، فلما تقرر سلما وانقادا، بدليل ما قدمنا من
_________
(١) قال الحافظ ابن حجر (٦: ١٢٥): وكان الزهري يحدث به تارة فيصرح، وتارة فيكني، وكذلك مالك، وقد حذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه عند الإسماعيلي وغيره، وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي. . . إلخ.
(٢) انظر ص ٤٨ - ٥١.
[لم يكن بعد عثمان أولى بها من علي فجاءته على قدر]
وقتل عثمان، فلم يبق على الأرض أحق بها من علي، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها. وبين الله على يديه من الأحكام والعلوم ما شاء الله أن يبين. وقد قال عمر: " لولا علي لهلك عمر " (٢) وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة - من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادرتهم، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه: لا نبدأ بالحرب. ولا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولا نغنم لهم مالا - وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى ما عرفنا قتال أهل البغي.
وأما خروج طلحة والزبير فقد تقدم بيانه (٣) .
وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار، وقد بينا أحوال أهل الذنوب التي ليس منها سب في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب.
_________
(١) هو التفسير الكبير لابن العربي في ثمانين مجلدا. تكلمنا عليه في ص ٢٧.
(٢) هذا مع قول النبي ﷺ فيه " أول من يصافحه الحق عمر "، وقوله ﷺ " إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به " وقوله ﷺ " لو كان من بعدي نبي لكان عمر ".
(٣) وأنه كان خروجا للتفاهم والتعاون على إقامة الحدود الشرعية في مقتل أمير المؤمنين عثمان، انظر ص ١٥٠ - ١٥٢.
فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه الأئمة أن العباس وعليًّا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله ﷺ، فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين، أقض بيني وبين هذا الظالم الكاذب الآثم الجائر (١) . فقال الرهط لعمر: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسول الله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فعمل فيها رسول الله ﷺ حياته، ثم توفي، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فقبضها سنتين في إمارته فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ.
_________
(١) تقدم في ص ٤٩ - ٥٠ ذكر هذه التقاضي بين العباس وعلي عند أمير المؤمنين عمر من حديث مالك بن أوس بن الحدثان النصري في صحيح البخاري. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ك ٥٧ ب ١ - ج ٦ ص ١٢٥): زاد شعيب ويونس: " فاستب علي وعباس " وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض: " اقض بيني وبين هذا الظالم. استبا " وفي رواية جويرية " وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن " وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء، بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل " استبا ". واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال: لعل الرواة وهم فيها وإن كانت محفوظة، فأجود ما تحمل عليه أن العباس قالها دلالا على علي، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه.
وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب غادر خائن (١) والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق. . . وذكر الحديث.
قلنا: أما قول العباس لعلي فقول الأب للابن، وذلك على الرأي محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول، وأما قول عمر أنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام، رأى فيها هذا رأيا ورأى فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك. ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه. وأما المحكوم عليه فرأى أنه قد وهم، ولكن سكت وسلم.
فإن قيل: إنما يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر - إذ كان الحكم باجتهاد، وأما [بعد أن] أدى هذا الحكم إلى منع فاطمة والعباس الميراث بقول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركناه صدقة» وعلمه أزواج النبي ﷺ وأصحابه العشرة وشهدوا به، فبطل ما قلتموه (٢) .
قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر بعد - فرأيا أن خبر الواحد في معارضة القرآن والأصول والحكم المشهور في الزمن لا يعمل به حتى يتقرر الأمر، فلما تقرر سلما وانقادا، بدليل ما قدمنا من
_________
(١) قال الحافظ ابن حجر (٦: ١٢٥): وكان الزهري يحدث به تارة فيصرح، وتارة فيكني، وكذلك مالك، وقد حذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه عند الإسماعيلي وغيره، وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي. . . إلخ.
(٢) انظر ص ٤٨ - ٥١.
Translation
لم يكن بعد عثمان أولى بها من علي فجاءته على قدر
#90
Chapter 90 — قاصمة بيعة الحسن وصلحه مع معاوية
· ref. #90
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
الحديث الصحيح إلى آخره، فلينظر فيه. وهذا أيضًا ليس بنص في المسالة، لأن قوله: «لا نورث، ما تركناه صدقة» يحتمل أن يكون: لا يصح ميراثنا، ولا أنا أهل له، لأنه ليس لي ملك، ولا تلبست بشيء من الدنيا فينتقل إلى غيري عني. ويحتمل " لا نورث " حكم، وقوله " ما تركناه صدقة " حكم آخر معين أخبر به أنه قد أنفذ ذلك مخصوصًا بما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان له سهمه مع المسلمين فيما غنموا بما أخذوه عنوة. ويحتمل أن يكون " صدقة " منصوبًا على أن يكون حالًا من المتروك. إلى هذا أشار أصحاب أبي حنيفة، وهو ضعيف، وقد بيناه في موضعه. بيد أنه يأتيك في هذا أن المسألة مجرى الخلاف، ومحل الاجتهاد، أنها ليست بنص من النبي ﷺ فتحتمل التصويب والتخطئة من المجتهدين والله أعلم.
[قاصمة بيعة الحسن وصلحه مع معاوية]
قاصمة ثم قتل علي. قالت الرافضة: فعهد إلى الحسن، فسلمها الحسن إلى معاوية، فقيل له " مُسَوِّدُ وجوه المؤمنين (١) " وفسقته جماعة من الرافضة،
_________
(١) من عناصر إيمان الرافضة - بل العنصر الأول في إيمانهم - اعتقادهم بعصمة الحسن وأبيه وأخيه، وتسعة من ذرية أخيه. ومن مقتضى عصمتهم - وفي طليعتهم الحسن بعد أبيه - أنهم لا يخطئون، وأن كل ما صدر عنهم فهو حق، والحق لا يتناقض. وأهم ما صدر عن الحسن بن علي بيعته لأمير المؤمنين معاوية، وكان ينبغي لهم أن يدخلوا في هذه البيعة، وأن يؤمنوا بأنها الحق لأنها من عمل المعصوم عندهم. لكن المشاهد من حالهم أنهم كافرون بها. ومخالفون فيها لإمامهم المعصوم. ولا يخلو هذا من أحد وجهين: فإما أنهم كاذبون في دعوى العصمة لأئمتهم الاثني عشر فينهار دينهم من أساسه، لأن عقيدة العصمة لهم هي أساسه، ولا أساس له غيرها. وإما أن يكونوا معتقدين عصمة الحسن، وأن بيعته لمعاوية هي من عمل المعصوم، لكنهم خارجون على الدين، ومخالفون للمعصوم فيما جنح إليه وأراد أن يلقى الله به. ويتواصون بهذا الخروج على الدين جيلا بعد جيل، وطبقة بعد طبقة، ليكون ثباتهم على مخالفة الإمام المعصوم عن إصرار وعناد ومكابرة وكفر. ولا ندري أي الوجهين يطوح بهم في مهاوي الهلكة أكثر مما يطوح بهم الوجه الآخر، ولا ثالث لهما. فالذين قالوا منهم إن الحسن " مسود وجوه المؤمنين " لا يحمل كلامهم إلا على أنه " مسود وجوه المؤمنين بالطاغوت " أما المؤمنون بنبوة جد الحسن ﷺ فيرون صلحه مع معاوية وبيعته له من أعلام النبوة، لأنها حققت ما تنبأ به ﷺ في سبطه سيد شباب أهل الجنة من أنه سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين كما سيأتي بيانه. وكل الذين استبشروا بهذه النبوة وبهذا الصلح يعدون الحسن " مبيض وجوه المؤمنين ".
[قاصمة بيعة الحسن وصلحه مع معاوية]
قاصمة ثم قتل علي. قالت الرافضة: فعهد إلى الحسن، فسلمها الحسن إلى معاوية، فقيل له " مُسَوِّدُ وجوه المؤمنين (١) " وفسقته جماعة من الرافضة،
_________
(١) من عناصر إيمان الرافضة - بل العنصر الأول في إيمانهم - اعتقادهم بعصمة الحسن وأبيه وأخيه، وتسعة من ذرية أخيه. ومن مقتضى عصمتهم - وفي طليعتهم الحسن بعد أبيه - أنهم لا يخطئون، وأن كل ما صدر عنهم فهو حق، والحق لا يتناقض. وأهم ما صدر عن الحسن بن علي بيعته لأمير المؤمنين معاوية، وكان ينبغي لهم أن يدخلوا في هذه البيعة، وأن يؤمنوا بأنها الحق لأنها من عمل المعصوم عندهم. لكن المشاهد من حالهم أنهم كافرون بها. ومخالفون فيها لإمامهم المعصوم. ولا يخلو هذا من أحد وجهين: فإما أنهم كاذبون في دعوى العصمة لأئمتهم الاثني عشر فينهار دينهم من أساسه، لأن عقيدة العصمة لهم هي أساسه، ولا أساس له غيرها. وإما أن يكونوا معتقدين عصمة الحسن، وأن بيعته لمعاوية هي من عمل المعصوم، لكنهم خارجون على الدين، ومخالفون للمعصوم فيما جنح إليه وأراد أن يلقى الله به. ويتواصون بهذا الخروج على الدين جيلا بعد جيل، وطبقة بعد طبقة، ليكون ثباتهم على مخالفة الإمام المعصوم عن إصرار وعناد ومكابرة وكفر. ولا ندري أي الوجهين يطوح بهم في مهاوي الهلكة أكثر مما يطوح بهم الوجه الآخر، ولا ثالث لهما. فالذين قالوا منهم إن الحسن " مسود وجوه المؤمنين " لا يحمل كلامهم إلا على أنه " مسود وجوه المؤمنين بالطاغوت " أما المؤمنون بنبوة جد الحسن ﷺ فيرون صلحه مع معاوية وبيعته له من أعلام النبوة، لأنها حققت ما تنبأ به ﷺ في سبطه سيد شباب أهل الجنة من أنه سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين كما سيأتي بيانه. وكل الذين استبشروا بهذه النبوة وبهذا الصلح يعدون الحسن " مبيض وجوه المؤمنين ".
Translation
قاصمة بيعة الحسن وصلحه مع معاوية
#91
Chapter 91 — عاصمة
· ref. #91
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
عاصمة
Translation
عاصمة
#92
Chapter 92 — علي لم يعهد إلى الحسن لكن البيعة للحسن منعقدة
· ref. #92
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
وكفرته طائفة لأجل ذلك.
[عاصمة]
[علي لم يعهد إلى الحسن لكن البيعة للحسن منعقدة]
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: أما قول الرافضة أنه عهد إلى الحسن فباطل. ما عهد إلى أحد (١) . ولكن البيعة للحسن منعقدة،
_________
(١) روى الأمام أحمد في مسنده (١: ١٠٧٨) عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليا يقول (وذكر أنه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا. قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ". قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ " قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم ". روى أحمد مثله (١: ١٥٦ برقم ١٣٣٩) عن أسود بن عامر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع. والخبران إسناد كل منهما صحيح. ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٥٠ - ٢٥١) عن الإمام البيهقي من حديث حصين بن عبد الرحمن عن الإمام الشعبي عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي أحد سادة التابعين أنه قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: " ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم " وهذا الحديث جيد الإسناد. ونقل ابن كثير أيضا (٧: ٣٢٣) عن الإمام البيهقي حديث حبيب بن أبي الكاهلي الكوفي عن ثعلبة بن يزيد الحماني (وهو من شيعة الكوفة وثقه النسائي) أنه قيل لعلي: ألا تستخلف؟ فقال " لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ ". وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٤٩.
وهو أحق من معاوية ومن كثير من غيره، وكان خروجه لمثل ما خرج إليه أبوه من دعاء الفئة الباغية إلى الانقياد للحق والدخول في الطاعة، فآلت الوساطة إلى أن تخلى عن الأمر صيانة لحقن دماء الأمة (١) وتصديقًا لقول
_________
(١) حكاية الوساطة بين الحسن ومعاوية وصلحهما رواها الإمام البخاري في كتاب الصلح من صحيحه (ك ٥٣ ب ٩ ج ٣ ص ١٦٩) عن الإمام الحسن البصري قال: استقبل - والله - الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل (أي الحسن بن علي) فاعرضا عليه (أي ما يشاء)، وقولا له (أي ما يرضيه)، واطلبا إليه (أي ما تريان فيه المصلحة، فأنتما مفوضان) . فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها (أي فيحتاج إرضاؤها في دمائها إلى مال كثير) قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قال: نحن لك به. فصالحه.
[عاصمة]
[علي لم يعهد إلى الحسن لكن البيعة للحسن منعقدة]
عاصمة قال القاضي أبو بكر ﵁: أما قول الرافضة أنه عهد إلى الحسن فباطل. ما عهد إلى أحد (١) . ولكن البيعة للحسن منعقدة،
_________
(١) روى الأمام أحمد في مسنده (١: ١٠٧٨) عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليا يقول (وذكر أنه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا. قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ". قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ " قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم ". روى أحمد مثله (١: ١٥٦ برقم ١٣٣٩) عن أسود بن عامر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع. والخبران إسناد كل منهما صحيح. ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٥٠ - ٢٥١) عن الإمام البيهقي من حديث حصين بن عبد الرحمن عن الإمام الشعبي عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي أحد سادة التابعين أنه قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: " ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم " وهذا الحديث جيد الإسناد. ونقل ابن كثير أيضا (٧: ٣٢٣) عن الإمام البيهقي حديث حبيب بن أبي الكاهلي الكوفي عن ثعلبة بن يزيد الحماني (وهو من شيعة الكوفة وثقه النسائي) أنه قيل لعلي: ألا تستخلف؟ فقال " لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ ". وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٤٩.
وهو أحق من معاوية ومن كثير من غيره، وكان خروجه لمثل ما خرج إليه أبوه من دعاء الفئة الباغية إلى الانقياد للحق والدخول في الطاعة، فآلت الوساطة إلى أن تخلى عن الأمر صيانة لحقن دماء الأمة (١) وتصديقًا لقول
_________
(١) حكاية الوساطة بين الحسن ومعاوية وصلحهما رواها الإمام البخاري في كتاب الصلح من صحيحه (ك ٥٣ ب ٩ ج ٣ ص ١٦٩) عن الإمام الحسن البصري قال: استقبل - والله - الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل (أي الحسن بن علي) فاعرضا عليه (أي ما يشاء)، وقولا له (أي ما يرضيه)، واطلبا إليه (أي ما تريان فيه المصلحة، فأنتما مفوضان) . فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها (أي فيحتاج إرضاؤها في دمائها إلى مال كثير) قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قال: نحن لك به. فصالحه.
Translation
علي لم يعهد إلى الحسن لكن البيعة للحسن منعقدة
#93
Chapter 93 — حديث الخلافة ثلاثون سنة ينقضه حديث اثنا عشر خليفة
· ref. #93
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
نبي الملحمة حيث قال على المنبر: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) فنفذ الميعاد، وصحت البيعة لمعاوية، وذلك لتحقيق رجاء النبي ﷺ، فمعاوية خليفة، وليس بملك (٢) .
[حديث الخلافة ثلاثون سنة ينقضه حديث اثنا عشر خليفة]
فإن قيل: فقد روي عن سفينة أن النبي ﷺ قال: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تعود ملكًا» فإذا عددنا من ولاية أبي بكر إلى تسليم الحسن كانت ثلاثين سنة لا تزيد ولا تنقص يومًا، قلنا:
خُذْ مَا تَرَاهُ وَدَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ... فِي طَلْعَةِ الْبَدْرِ مَا يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ
_________
(١) رواه البخاري مع الحديث السابق عن الحسن البصري أنه سمعه من أبي بكرة وأن أبا بكرة رأى النبي ﷺ وهو على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه فقال ذلك، ورواه البخاري أيضا في مناقب الحسن والحسين من كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٦٢ ب ٢٢ - ج ٤ ص ٢١٦)، وانظر البداية والنهاية (٨: ١٧ - ١٩) وابن عساكر (٤: ٢١١ ٢١٢) .
(٢) سيأتي الكلام على هذا الموضوع في ص ٢٠٧ - ٢١٠.
هذا الحديث (١) في ذكر الحسن بالبشارة له والثناء عليه، لجريان الصلح بين يديه، وتسليم الأمر لمعاوية، عقد منه له (٢) .
وهذا (٣) حديث لا يصح (٤) . ولو صح فهو معارض لهذا الصلح
_________
(١) أي حديث " إن ابني هذا سيد " الذي رواه البخاري عن الحسن البصري عن أبي بكرة.
(٢) أي عقد بيعة من الحسن لمعاوية. وكان ذلك في موضع يقال له " مسكن " على نهر دجيل في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، فسمي ذلك العام " عام الجماعة " لاجتماع المسلمين بعد الفرقة، وتفرغهم للحروب الخارجية والفتوح ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا لا يستطيع غيرهم مثلها في خمسة قرون. ولله في كل شيء حكمة.
(٣) أي حديث سفينة.
(٤) لأن راويه عن سفينة سعيد بن جهمان، وقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: لا بأس به، ووثقه بعضهم، وقال فيه الإمام أبو حاتم " شيخ لا يحتج به ". وفي مسنده حشرج بن نباتة الواسطي وثقه بعضهم، وقال فيه النسائي: " ليس بالقوي ". وعبد الله بن أحمد بن حنبل يروي هذا الخبر عن سويد الطحان قال فيه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: " لين الحديث ". وهذا الحديث المهلهل يعارضه ذلك الحديث الصحيح الصريح الفصيح في كتاب الإمارة من صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠ - ج ٦ ص ٣ - ٤) عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " قال: ثم تكلم بكلام خفي علي، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: " كلهم من قريش ". وانظره في كتاب الأحكام من صحيح البخاري (ك ٩٣ ب ٥١ - ج ٨ ص ١٢٥ - ١٢٧) وفي فتح الباري (١٣: ١٦٢ وما بعدها) وفي سنن أبي داود (ك ٣٥ ح ١) وفي جامع الترمذي (ك ٣١ ب ٤٦) وفي مسند الإمام أحمد (١: ٣٩٨ و٤٠٦ برقم ٣٧٨١ و٣٨٥٩) من حديث الشعبي عن مسروق بن الأجدع الهمداني الإمام القدوة قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل ". والحديث في مجمع الزوائد (٥: ٩٠) . وفي مسند أحمد (٥: ٨٦، ٨٧ بثلاث روايات و٨٨، ٨٩، ٩٠ بثلاث روايات و٩٢ بثلاث روايات و٩٣ بروايتين و٩٤ و٩٥ و٩٦ بروايتين و٩٧ بروايتين و٩٨ بثلاث روايات و٩٩ بثلاث روايات و١٠٠، ١٠١ بروايتين و١٠٦ بروايتين و١٠٧ بروايتين و١٠٨) وفي مسند أبي داود الطيالسي (ح ٩٦٧ و١٢٧٨) .
[حديث الخلافة ثلاثون سنة ينقضه حديث اثنا عشر خليفة]
فإن قيل: فقد روي عن سفينة أن النبي ﷺ قال: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تعود ملكًا» فإذا عددنا من ولاية أبي بكر إلى تسليم الحسن كانت ثلاثين سنة لا تزيد ولا تنقص يومًا، قلنا:
خُذْ مَا تَرَاهُ وَدَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ... فِي طَلْعَةِ الْبَدْرِ مَا يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ
_________
(١) رواه البخاري مع الحديث السابق عن الحسن البصري أنه سمعه من أبي بكرة وأن أبا بكرة رأى النبي ﷺ وهو على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه فقال ذلك، ورواه البخاري أيضا في مناقب الحسن والحسين من كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٦٢ ب ٢٢ - ج ٤ ص ٢١٦)، وانظر البداية والنهاية (٨: ١٧ - ١٩) وابن عساكر (٤: ٢١١ ٢١٢) .
(٢) سيأتي الكلام على هذا الموضوع في ص ٢٠٧ - ٢١٠.
هذا الحديث (١) في ذكر الحسن بالبشارة له والثناء عليه، لجريان الصلح بين يديه، وتسليم الأمر لمعاوية، عقد منه له (٢) .
وهذا (٣) حديث لا يصح (٤) . ولو صح فهو معارض لهذا الصلح
_________
(١) أي حديث " إن ابني هذا سيد " الذي رواه البخاري عن الحسن البصري عن أبي بكرة.
(٢) أي عقد بيعة من الحسن لمعاوية. وكان ذلك في موضع يقال له " مسكن " على نهر دجيل في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، فسمي ذلك العام " عام الجماعة " لاجتماع المسلمين بعد الفرقة، وتفرغهم للحروب الخارجية والفتوح ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا لا يستطيع غيرهم مثلها في خمسة قرون. ولله في كل شيء حكمة.
(٣) أي حديث سفينة.
(٤) لأن راويه عن سفينة سعيد بن جهمان، وقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: لا بأس به، ووثقه بعضهم، وقال فيه الإمام أبو حاتم " شيخ لا يحتج به ". وفي مسنده حشرج بن نباتة الواسطي وثقه بعضهم، وقال فيه النسائي: " ليس بالقوي ". وعبد الله بن أحمد بن حنبل يروي هذا الخبر عن سويد الطحان قال فيه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: " لين الحديث ". وهذا الحديث المهلهل يعارضه ذلك الحديث الصحيح الصريح الفصيح في كتاب الإمارة من صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠ - ج ٦ ص ٣ - ٤) عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " قال: ثم تكلم بكلام خفي علي، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: " كلهم من قريش ". وانظره في كتاب الأحكام من صحيح البخاري (ك ٩٣ ب ٥١ - ج ٨ ص ١٢٥ - ١٢٧) وفي فتح الباري (١٣: ١٦٢ وما بعدها) وفي سنن أبي داود (ك ٣٥ ح ١) وفي جامع الترمذي (ك ٣١ ب ٤٦) وفي مسند الإمام أحمد (١: ٣٩٨ و٤٠٦ برقم ٣٧٨١ و٣٨٥٩) من حديث الشعبي عن مسروق بن الأجدع الهمداني الإمام القدوة قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل ". والحديث في مجمع الزوائد (٥: ٩٠) . وفي مسند أحمد (٥: ٨٦، ٨٧ بثلاث روايات و٨٨، ٨٩، ٩٠ بثلاث روايات و٩٢ بثلاث روايات و٩٣ بروايتين و٩٤ و٩٥ و٩٦ بروايتين و٩٧ بروايتين و٩٨ بثلاث روايات و٩٩ بثلاث روايات و١٠٠، ١٠١ بروايتين و١٠٦ بروايتين و١٠٧ بروايتين و١٠٨) وفي مسند أبي داود الطيالسي (ح ٩٦٧ و١٢٧٨) .
Translation
حديث الخلافة ثلاثون سنة ينقضه حديث اثنا عشر خليفة
#94
Chapter 94 — مزايا معاوية وسيرته الممتازة التي أهلته لحمل أعباء الإسلام
· ref. #94
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
المتفق عليه، فوجب الرجوع إليه (١) .
فإن قيل: ألم يكن في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية؟
قلنا: كثير (٢) .
[مزايا معاوية وسيرته الممتازة التي أهلته لحمل أعباء الإسلام]
ولكن معاوية اجتمعت فيه خصال: وهي أن عمر جمع
_________
(١) أي إلى العقد من الحسن لمعاوية، فهو متفق عليه، وتناولته البشرى النبوية بالثناء والرضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٤٢): وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ. ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي ﷺ بترك واجب أو مستحب. . . إلخ.
(٢) كسعد بن أبي وقاص المجاهد الفاتح أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب عالم الصحابة الثابت على قدم المصطفى ﷺ في جليل الأمور ودقيقها، وغيرهما من هذه الطبقة وقريب منها، وهؤلاء هم الذين ترك لهم الحكمان - أبو موسى وعمرو - أمر الإمامة بعد حرب صفين ليروا فيها رأيهم، فلما رأوا اجتماع الأمة كلها على معاوية دخلوا كلهم في إمامته وبايعوه. بعد أن كانوا معتزلين الفتنة من بعد عثمان (انظر فتح الباري ١٣: ٥٠) . ومعاوية نفسه يعرف للناس أقدارهم. فقد جاء في البداية والنهاية (٨: ١٣٤) عن ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي أن معاوية خطب فقال: " يا أيها الناس، ما أنا بخيركم، وإن منكم لمن هو خير مني: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو وغيرهما من الأفاضل. ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدرَّكم حلبا ". ورواه ابن سعد عن محمد بن مصعب عن أبي بكر بن أبي مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول ذلك.
له الشامات كلها وأفرده بها (١) لما رأى من حسن سيرته (٢) وقيامه
_________
(١) فأصبحت تحت قيادته وبحسن سياسته أقوى قوة في الإسلام، وهي في طليعة جيوش الجهاد والفتوح الظافرة الداعية إلى الله بأخلاقها وسيرتها وحكمة قادتها وصدق إسلامهم.
(٢) تقدم في ص ٨٢ حديث الليث بن سعد إمام أهل مصر بسنده الوثيق إلى سعد بن أبي وقاص فاتح العراق وإيران ومبيد دولة كسرى أنه ما رأى بعد عثمان أقضى بالحق من معاوية. وحديث عبد الرزاق الصنعاني بسنده إلى حبر الأمة ابن عباس أنه ما رأى رجلا أخلق بالملك من معاوية. وفي ص ٨٣ قول شيخ الإسلام ابن تيمية، كانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته يحبونه، وقد ثبت في صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ٦٥ و٦٦) قول النبي ﷺ " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ". وفي الطبري (٦: ١٨٨) رواية مجالد عن الشعبي أن قبيصة بن جابر الأسدي قال: ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أفقه فقها ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه.
بحماية البيضة وسد الثغور (١) وإصلاح الجند والظهور على العدو (٢)
_________
(١) وقد بلغ من همته وعظيم عنايته بذلك أن أرسل يهدد ملك الروم - وهو في معمعة القتال مع علي في صفين - وقد بلغه أن ملك الروم اقترب من الحدود في جنود عظيمة فكتب إليه يقول " والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك، لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت " فخاف ملك الروم وانكف (البداية والنهاية ٨: ١١٩) .
(٢) في البر والبحر، فكانت رايات الإسلام تخترق الآفاق بأيدي جنده ممثلة العزة التي أرادها الله لدينه ورسالة رسوله وللمؤمنين بها. وكما أن فتح مصر ودخولها في الإسلام والعروبة من عمل عمرو بن العاص وحده. فإن تأسيس الأسطول الإسلامي والفتوح البحرية الأولى من عمل معاوية وحده. مما ينبغي للمشتغل بتاريخ العروبة والإسلام أن يعلمه أن معاوية مفطور على سجية السيادة والقيادة وصناعة الحكم، أخرج ابن كثير في التاريخ (٨: ١٣٥) عن هشيم عن العوام بن حوشب عن جبلة بن سحيم أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " ما رأيت أحدا أسود من معاوية ". قال جبلة بن سحيم. قلت ولا عمر؟ قال " كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه " ورووا مثل هذه الكلمة في معاوية عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وتقدم قول عبد الله بن العباس " ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية ".
وسياسة الخلق (١) .
وقد شهد له في صحيح الحديث بالفقه (٢) وشهد بخلافته
_________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة ٣: ١٨٥): لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيرا من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى من بعده. وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. وقد روى أبو بكر الأثرم -ورواه ابن بطة من طريقه- حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وروى ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وروى الأثرم: حدثنا أحمد بن جوّاس، حدثنا أبو هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة الثقفي، عن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي. وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية صدى استجابة الله ﷿ دعاء نبيه ﷺ لهذا الخليفة الصالح يوم قال ﷺ " اللهم اجعله هاديا، مهديا واهد به " وهو من أعلام النبوة.
(٢) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٢٨ ج ٤ ص ٢١٩) حديث أبي مليكة أن ابن عباس قيل له: " هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة. فقال: إنه فقيه ". وفي كتاب المناقب من جامع الترمذي (ك ٤٦ ب ٤٧) حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " ورواه الطبراني من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي - وكان لأهل الشام كالإمام مالك لأهل المدينة - عن ربيعة بن يزيد الإيادي أحد الأئمة الأعلام عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أن النبي ﷺ قال لمعاوية: " اللهم علمه الكتاب والحساب وَقِهِ العذاب ". وأخرجه الإمام البخاري في التاريخ قال: قال لي أبو مسهر (وذكره بالعنعنة) . وتقدم في ص ٨٣ حديث عزل عمير بن سعد الأنصاري عن ولاية حمص في خلافة عمر وتوليته معاوية والشهادة له بأن النبي ﷺ دعا له بأن يهدي الله به. ورواه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السلمي. ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي، ورواه أسد بن موسى وبشر بن السري وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح بإسناده. وزاد في رواية بشر بن السري " وأدخله الجنة ". ورواه ابن عدي وغيره عن ابن عباس. ورواه محمد بن سعد بسنده إلى مسلمة بن مخلد أحد فاتحي مصر وولاتها. ورواة هذا الدعاء النبوي لمعاوية من الصحابة أكثر من أن يحصوا. (وانظر البداية والنهاية ٨: ١٢٠ - ١٢١. وانظر ترجمة معاوية في حرف الميم من تاريخ دمشق لابن عساكر) . ومن لم يصدق هذا الحديث فهو منكر لكل ما ثبت في السنة من شريعة الإسلام. وفي الشيعة المبغضين لمعاوية اللاعنين له من يزعمون أنهم منتسبون إلى النبي ﷺ فهل تراهم يحقدون على جدهم ﷺ لرضاه على معاوية واستعانته به ودعائه له؟ " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". وروى الحافظ ابن عساكر عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية. فقال له: ولم: قال: لأنه قاتل عليا. فقال له أبو زرعة: " ويحك، إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما، ﵄؟ ".
في حديث أم حرام أن ناسًا من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، وكان ذلك في
ولايته (١) .
ويحتمل أن تكون مراتب في الولاية: خلافة، ثم ملك. فتكون ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية (٢) . وقد قال الله في
_________
(١) أم حرام بنت ملحان صحابية من الأنصار من أهل قباء، كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى قباء استراح عندها، وهي خالة خادمه أنس بن مالك. روى البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه (ك ٥٦ ب ٣ - ج ٣ ص ٢٠١) ومسلم في كتاب الإمارة (ك ٣٣ ح ١٦٠) عن أنس أن النبي ﷺ نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك لأنه رأى ناسا من أمته غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر - أي وسطه ومعظمه - ملوكا على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى. فقالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال لها " أنت من الأولين ". قال الحافظ ابن كثير (٨: ٢٢٩): يعني جيش معاوية حين غزا قبرس ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان بن عفان (بقيادة معاوية عقب إنشائه الأسطول الإسلامي الأول في التاريخ) . وكانت معهم أم حرام في صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهما. وماتت أم حرام في سبيل الله وقبرها بقبرس إلى اليوم. قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثاني يزيد بن معاوية في غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة.
(٢) الخلافة والملك والإمارة عناوين اصطلاحية تتكيف في التاريخ باعتبار مدلولها العملي، والعبرة دائما بسيرة المرء وعمله. ومعاوية قد ولي الشام للخلافة الراشدة مدة عشرين سنة، ثم اضطلع بمهمة الإسلام كلها عشرين سنة أخرى في الوطن الإسلامي الأكبر بعد بيعة الحسن بن علي له، فكان في الحالتين قَوَّاما بالعدل، محسنا إلى الناس من كل الطبقات، يكرم أهل المواهب ويساعدهم على تنمية مواهبهم، ويسع بحلمه جهل الجاهلين فيعالج بذلك نقائصهم، ويلتزم في الجميع أحكام الشريعة المحمدية بحزم ورفق ومثابرة وإيمان. يؤمهم في صلواتهم ويوجههم في مجتمعهم ومرافقهم ويقودهم في حروبهم. وفي منهاج السنة ٣: ١٨٥ والمنتقى منه ص ٣٨٩ قول الصحابي الجليل أبي الدرداء لأهل الشام " ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا " يعني معاوية. وقد رأيت في ص ٢٠٥ قول الأعمش للذين ذكروا عنده عمر بن عبد العزيز وعدله. " كيف لو أدركتم معاوية؟ " قالوا في حلمه؟ قال: " لا والله، بل في عدله ". وقد بلغ من استقامته على جادة الإسلام أن قال فيه أمثال قتادة ومجاهد وأبي إسحاق السبيعي - وكلهم من الأئمة الأعلام -: كان معاوية هو المهدي (انظر ص ٢٠٥) . والذي يتتبع سيرة معاوية في حكمه يرى أن حكومته في الشام كانت حكومة مثالية في العدل والتراحم والتآسي، لم يخير بين الطيب والأطيب إلا اختار الأطيب على الطيب. فإذا كان هذا المسلك في أربعين سنة يؤهل الأمير المسلم للخلافة على المسلمين وقد ارتضوه لذلك واغتبطوا به فهو خليفة، ومن سماه ملكا لا يستطيع أن يكابر في أنه من أرحم ملوك الإسلام وأصلحهم، كنا أيام طلب العلم في القسطنطينية في مجلس للطلبة يتناقشون فيه موضوع سيرة معاوية وخلافته. وكان ذلك في أيام السلطان عبد الحميد. فوقف صديقي الشهيد السعيد عبد الكريم قاسم الخليل - وكان شيعيا - فقال: " أنتم تسمون سلطاننا خليفة، وأنا أخوكم الشيعي أعلن أن يزيد بن معاوية كان بسيرته الطيبة أحق بالخلافة وأصدق عملا بالشرع المحمدي من خليفتنا، فكيف بأبيه معاوية ". على أن معاوية كان يقول عن نفسه - فيما رواه خيثمة عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب -: " أنا أول الملوك وآخر خليفة ". وتقدم في ص ٧٧ حديث معمر عن الزهري " أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ". وقد أشرنا هناك إلى اختلاف البيئة وتأثيره في أنظمة الحكم، بل إن معاوية نفسه ذكر ذلك لعمر لما قدم عمر الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم، فاستنكر عمر ذلك، واعتذر له معاوية بقوله: إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ونرهبهم به ". فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: " ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين "، فقال عمر: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه " (البداية والنهاية ٨: ١٢٤ - ١٢٥)، وسيرة عمر التي حاول معاوية أن يسير عليها سنتين كانت المثل الأعلى في بيته، وكان يزيد يحدث نفسه بالتزامها. روى ابن أبي الدنيا عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني الحافظ عن رشدين المصري عن عمرو بن الحارث الأنصاري المصري عن بكير بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر (ابن كثير ٨: ٢٢٩) . والذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم: إنه كان من الزاهدين والصفوة الصالحين. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص ١٧٢ طبع مكة) عن أبي شبل محمد بن هارون عن حسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة القرشي عن علي بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع. وأخرج ابن كثير (٨: ١٣٤) عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد (وهو من شيوخ الإمام الأوزاعي) قال: رأيت معاوية في سوق دمشق، وهو مردف وراءه وصيفا وعليه قميص مرقوع الجيب، يسير في أسواق دمشق، وكان قواد معاوية وكبار أصحابه يستهدونه ملابسه للتبرك بها، فكان إذا حضر أحدهم إلى المدينة وعليه هذه الملابس يعرفونها ويتغالون في اقتنائها. روى الدارقطني عن محمد بن يحيي بن غسان أن القائد الشهير الضحاك بن قيس الفهري قدم المدينة، فأتى المسجد فصلى بين القبر والمنبر، وعليه برد مرقع قد ارتدى به من كسوة معاوية، فرآه أبو الحسن البراد فعرف أنه برد معاوية فساومه عليه وهو يظنه أعرابيا من عامة الناس، حتى رضي أبو الحسن البراد أن يدفع له ثلاثمائة دينار. فانطلق به الضحاك بن قيس إلي بيت حويطب بن عبد العزى فلبس رداء آخر وأعطى أبا الحسن البراد ذلك البرد بلا ثمن وقال له " قبيح بالرجل أن يبيع عطافه، فخذه فالبسه " فأخذه أبو الحسن فباعه فكان أول ما أصابه (ابن عساكر ٧: ص ٦) وقد أوردنا هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة الكاذبة التي كان أعداؤه وأعداء الإسلام يصورونه بها، فمن شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة وأميرا للمؤمنين، فإن سليمان بن مهران الأعمش - وهو من الأئمة الأعلام الحفاظ، وكان يسمى " المصحف " لصدقه - كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله. ومن لم يملأ معاوية عينه وأراد أن يضن عليه بهذا اللقب، فإن معاوية مضى إلى الله ﷿ بعدله وحلمه وجهاده وصالح عمله، وكان وهو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو الملك، وإنه في آخرته لأكثر زهدا بما كان يزهد به في دنياه.
داود - وهو خير من كل معاوية (١) -: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] (البقرة: من الآية ٢٥١) فجعل النبوة ملكًا. فلا تلتفتوا إلى أحاديث ضعف سندها ومتنها (٢) .
ولو اقتضت الحال النظر في الأمور لكان - والله أعلم - رأي آخر للجمهور، ولكن انعقدت البيعة لمعاوية بالصفة التي شاءها الله، على
_________
(١) إن داود في نبوته - كما يعرفها المسلمون في دينهم - تجعله خيرا من كل معاوية. وأما داود اليهود - كما يعرفه الناس من توراتهم الموجودة الآن في الأيدي - فإن معاوية خير منه. ومن شقاء اليهود ألا يعرفوا للقرآن والإسلام فضلهما عليهم في تنزيه أنبياء بني إسرائيل عما وصموا به في كتبهم.
(٢) يشير إلى حديث سفينة، وقد مضى الكلام عليه في ص ٢٠١.
فإن قيل: ألم يكن في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية؟
قلنا: كثير (٢) .
[مزايا معاوية وسيرته الممتازة التي أهلته لحمل أعباء الإسلام]
ولكن معاوية اجتمعت فيه خصال: وهي أن عمر جمع
_________
(١) أي إلى العقد من الحسن لمعاوية، فهو متفق عليه، وتناولته البشرى النبوية بالثناء والرضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٤٢): وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ. ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي ﷺ بترك واجب أو مستحب. . . إلخ.
(٢) كسعد بن أبي وقاص المجاهد الفاتح أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب عالم الصحابة الثابت على قدم المصطفى ﷺ في جليل الأمور ودقيقها، وغيرهما من هذه الطبقة وقريب منها، وهؤلاء هم الذين ترك لهم الحكمان - أبو موسى وعمرو - أمر الإمامة بعد حرب صفين ليروا فيها رأيهم، فلما رأوا اجتماع الأمة كلها على معاوية دخلوا كلهم في إمامته وبايعوه. بعد أن كانوا معتزلين الفتنة من بعد عثمان (انظر فتح الباري ١٣: ٥٠) . ومعاوية نفسه يعرف للناس أقدارهم. فقد جاء في البداية والنهاية (٨: ١٣٤) عن ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي أن معاوية خطب فقال: " يا أيها الناس، ما أنا بخيركم، وإن منكم لمن هو خير مني: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو وغيرهما من الأفاضل. ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدرَّكم حلبا ". ورواه ابن سعد عن محمد بن مصعب عن أبي بكر بن أبي مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول ذلك.
له الشامات كلها وأفرده بها (١) لما رأى من حسن سيرته (٢) وقيامه
_________
(١) فأصبحت تحت قيادته وبحسن سياسته أقوى قوة في الإسلام، وهي في طليعة جيوش الجهاد والفتوح الظافرة الداعية إلى الله بأخلاقها وسيرتها وحكمة قادتها وصدق إسلامهم.
(٢) تقدم في ص ٨٢ حديث الليث بن سعد إمام أهل مصر بسنده الوثيق إلى سعد بن أبي وقاص فاتح العراق وإيران ومبيد دولة كسرى أنه ما رأى بعد عثمان أقضى بالحق من معاوية. وحديث عبد الرزاق الصنعاني بسنده إلى حبر الأمة ابن عباس أنه ما رأى رجلا أخلق بالملك من معاوية. وفي ص ٨٣ قول شيخ الإسلام ابن تيمية، كانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكان رعيته يحبونه، وقد ثبت في صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ٦٥ و٦٦) قول النبي ﷺ " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ". وفي الطبري (٦: ١٨٨) رواية مجالد عن الشعبي أن قبيصة بن جابر الأسدي قال: ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أفقه فقها ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه.
بحماية البيضة وسد الثغور (١) وإصلاح الجند والظهور على العدو (٢)
_________
(١) وقد بلغ من همته وعظيم عنايته بذلك أن أرسل يهدد ملك الروم - وهو في معمعة القتال مع علي في صفين - وقد بلغه أن ملك الروم اقترب من الحدود في جنود عظيمة فكتب إليه يقول " والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك، لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت " فخاف ملك الروم وانكف (البداية والنهاية ٨: ١١٩) .
(٢) في البر والبحر، فكانت رايات الإسلام تخترق الآفاق بأيدي جنده ممثلة العزة التي أرادها الله لدينه ورسالة رسوله وللمؤمنين بها. وكما أن فتح مصر ودخولها في الإسلام والعروبة من عمل عمرو بن العاص وحده. فإن تأسيس الأسطول الإسلامي والفتوح البحرية الأولى من عمل معاوية وحده. مما ينبغي للمشتغل بتاريخ العروبة والإسلام أن يعلمه أن معاوية مفطور على سجية السيادة والقيادة وصناعة الحكم، أخرج ابن كثير في التاريخ (٨: ١٣٥) عن هشيم عن العوام بن حوشب عن جبلة بن سحيم أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " ما رأيت أحدا أسود من معاوية ". قال جبلة بن سحيم. قلت ولا عمر؟ قال " كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه " ورووا مثل هذه الكلمة في معاوية عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وتقدم قول عبد الله بن العباس " ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية ".
وسياسة الخلق (١) .
وقد شهد له في صحيح الحديث بالفقه (٢) وشهد بخلافته
_________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة ٣: ١٨٥): لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيرا من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى من بعده. وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. وقد روى أبو بكر الأثرم -ورواه ابن بطة من طريقه- حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا محمد بن مروان، عن يونس، عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وروى ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وروى الأثرم: حدثنا أحمد بن جوّاس، حدثنا أبو هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة الثقفي، عن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدي. وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية صدى استجابة الله ﷿ دعاء نبيه ﷺ لهذا الخليفة الصالح يوم قال ﷺ " اللهم اجعله هاديا، مهديا واهد به " وهو من أعلام النبوة.
(٢) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٢٨ ج ٤ ص ٢١٩) حديث أبي مليكة أن ابن عباس قيل له: " هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة. فقال: إنه فقيه ". وفي كتاب المناقب من جامع الترمذي (ك ٤٦ ب ٤٧) حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " ورواه الطبراني من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي - وكان لأهل الشام كالإمام مالك لأهل المدينة - عن ربيعة بن يزيد الإيادي أحد الأئمة الأعلام عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أن النبي ﷺ قال لمعاوية: " اللهم علمه الكتاب والحساب وَقِهِ العذاب ". وأخرجه الإمام البخاري في التاريخ قال: قال لي أبو مسهر (وذكره بالعنعنة) . وتقدم في ص ٨٣ حديث عزل عمير بن سعد الأنصاري عن ولاية حمص في خلافة عمر وتوليته معاوية والشهادة له بأن النبي ﷺ دعا له بأن يهدي الله به. ورواه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السلمي. ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي، ورواه أسد بن موسى وبشر بن السري وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح بإسناده. وزاد في رواية بشر بن السري " وأدخله الجنة ". ورواه ابن عدي وغيره عن ابن عباس. ورواه محمد بن سعد بسنده إلى مسلمة بن مخلد أحد فاتحي مصر وولاتها. ورواة هذا الدعاء النبوي لمعاوية من الصحابة أكثر من أن يحصوا. (وانظر البداية والنهاية ٨: ١٢٠ - ١٢١. وانظر ترجمة معاوية في حرف الميم من تاريخ دمشق لابن عساكر) . ومن لم يصدق هذا الحديث فهو منكر لكل ما ثبت في السنة من شريعة الإسلام. وفي الشيعة المبغضين لمعاوية اللاعنين له من يزعمون أنهم منتسبون إلى النبي ﷺ فهل تراهم يحقدون على جدهم ﷺ لرضاه على معاوية واستعانته به ودعائه له؟ " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". وروى الحافظ ابن عساكر عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية. فقال له: ولم: قال: لأنه قاتل عليا. فقال له أبو زرعة: " ويحك، إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما، ﵄؟ ".
في حديث أم حرام أن ناسًا من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، وكان ذلك في
ولايته (١) .
ويحتمل أن تكون مراتب في الولاية: خلافة، ثم ملك. فتكون ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية (٢) . وقد قال الله في
_________
(١) أم حرام بنت ملحان صحابية من الأنصار من أهل قباء، كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى قباء استراح عندها، وهي خالة خادمه أنس بن مالك. روى البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه (ك ٥٦ ب ٣ - ج ٣ ص ٢٠١) ومسلم في كتاب الإمارة (ك ٣٣ ح ١٦٠) عن أنس أن النبي ﷺ نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك لأنه رأى ناسا من أمته غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر - أي وسطه ومعظمه - ملوكا على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى. فقالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال لها " أنت من الأولين ". قال الحافظ ابن كثير (٨: ٢٢٩): يعني جيش معاوية حين غزا قبرس ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان بن عفان (بقيادة معاوية عقب إنشائه الأسطول الإسلامي الأول في التاريخ) . وكانت معهم أم حرام في صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهما. وماتت أم حرام في سبيل الله وقبرها بقبرس إلى اليوم. قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثاني يزيد بن معاوية في غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة.
(٢) الخلافة والملك والإمارة عناوين اصطلاحية تتكيف في التاريخ باعتبار مدلولها العملي، والعبرة دائما بسيرة المرء وعمله. ومعاوية قد ولي الشام للخلافة الراشدة مدة عشرين سنة، ثم اضطلع بمهمة الإسلام كلها عشرين سنة أخرى في الوطن الإسلامي الأكبر بعد بيعة الحسن بن علي له، فكان في الحالتين قَوَّاما بالعدل، محسنا إلى الناس من كل الطبقات، يكرم أهل المواهب ويساعدهم على تنمية مواهبهم، ويسع بحلمه جهل الجاهلين فيعالج بذلك نقائصهم، ويلتزم في الجميع أحكام الشريعة المحمدية بحزم ورفق ومثابرة وإيمان. يؤمهم في صلواتهم ويوجههم في مجتمعهم ومرافقهم ويقودهم في حروبهم. وفي منهاج السنة ٣: ١٨٥ والمنتقى منه ص ٣٨٩ قول الصحابي الجليل أبي الدرداء لأهل الشام " ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا " يعني معاوية. وقد رأيت في ص ٢٠٥ قول الأعمش للذين ذكروا عنده عمر بن عبد العزيز وعدله. " كيف لو أدركتم معاوية؟ " قالوا في حلمه؟ قال: " لا والله، بل في عدله ". وقد بلغ من استقامته على جادة الإسلام أن قال فيه أمثال قتادة ومجاهد وأبي إسحاق السبيعي - وكلهم من الأئمة الأعلام -: كان معاوية هو المهدي (انظر ص ٢٠٥) . والذي يتتبع سيرة معاوية في حكمه يرى أن حكومته في الشام كانت حكومة مثالية في العدل والتراحم والتآسي، لم يخير بين الطيب والأطيب إلا اختار الأطيب على الطيب. فإذا كان هذا المسلك في أربعين سنة يؤهل الأمير المسلم للخلافة على المسلمين وقد ارتضوه لذلك واغتبطوا به فهو خليفة، ومن سماه ملكا لا يستطيع أن يكابر في أنه من أرحم ملوك الإسلام وأصلحهم، كنا أيام طلب العلم في القسطنطينية في مجلس للطلبة يتناقشون فيه موضوع سيرة معاوية وخلافته. وكان ذلك في أيام السلطان عبد الحميد. فوقف صديقي الشهيد السعيد عبد الكريم قاسم الخليل - وكان شيعيا - فقال: " أنتم تسمون سلطاننا خليفة، وأنا أخوكم الشيعي أعلن أن يزيد بن معاوية كان بسيرته الطيبة أحق بالخلافة وأصدق عملا بالشرع المحمدي من خليفتنا، فكيف بأبيه معاوية ". على أن معاوية كان يقول عن نفسه - فيما رواه خيثمة عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب -: " أنا أول الملوك وآخر خليفة ". وتقدم في ص ٧٧ حديث معمر عن الزهري " أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ". وقد أشرنا هناك إلى اختلاف البيئة وتأثيره في أنظمة الحكم، بل إن معاوية نفسه ذكر ذلك لعمر لما قدم عمر الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم، فاستنكر عمر ذلك، واعتذر له معاوية بقوله: إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ونرهبهم به ". فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: " ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين "، فقال عمر: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه " (البداية والنهاية ٨: ١٢٤ - ١٢٥)، وسيرة عمر التي حاول معاوية أن يسير عليها سنتين كانت المثل الأعلى في بيته، وكان يزيد يحدث نفسه بالتزامها. روى ابن أبي الدنيا عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني الحافظ عن رشدين المصري عن عمرو بن الحارث الأنصاري المصري عن بكير بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر (ابن كثير ٨: ٢٢٩) . والذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم: إنه كان من الزاهدين والصفوة الصالحين. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص ١٧٢ طبع مكة) عن أبي شبل محمد بن هارون عن حسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة القرشي عن علي بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع. وأخرج ابن كثير (٨: ١٣٤) عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد (وهو من شيوخ الإمام الأوزاعي) قال: رأيت معاوية في سوق دمشق، وهو مردف وراءه وصيفا وعليه قميص مرقوع الجيب، يسير في أسواق دمشق، وكان قواد معاوية وكبار أصحابه يستهدونه ملابسه للتبرك بها، فكان إذا حضر أحدهم إلى المدينة وعليه هذه الملابس يعرفونها ويتغالون في اقتنائها. روى الدارقطني عن محمد بن يحيي بن غسان أن القائد الشهير الضحاك بن قيس الفهري قدم المدينة، فأتى المسجد فصلى بين القبر والمنبر، وعليه برد مرقع قد ارتدى به من كسوة معاوية، فرآه أبو الحسن البراد فعرف أنه برد معاوية فساومه عليه وهو يظنه أعرابيا من عامة الناس، حتى رضي أبو الحسن البراد أن يدفع له ثلاثمائة دينار. فانطلق به الضحاك بن قيس إلي بيت حويطب بن عبد العزى فلبس رداء آخر وأعطى أبا الحسن البراد ذلك البرد بلا ثمن وقال له " قبيح بالرجل أن يبيع عطافه، فخذه فالبسه " فأخذه أبو الحسن فباعه فكان أول ما أصابه (ابن عساكر ٧: ص ٦) وقد أوردنا هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة الكاذبة التي كان أعداؤه وأعداء الإسلام يصورونه بها، فمن شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة وأميرا للمؤمنين، فإن سليمان بن مهران الأعمش - وهو من الأئمة الأعلام الحفاظ، وكان يسمى " المصحف " لصدقه - كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله. ومن لم يملأ معاوية عينه وأراد أن يضن عليه بهذا اللقب، فإن معاوية مضى إلى الله ﷿ بعدله وحلمه وجهاده وصالح عمله، وكان وهو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو الملك، وإنه في آخرته لأكثر زهدا بما كان يزهد به في دنياه.
داود - وهو خير من كل معاوية (١) -: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] (البقرة: من الآية ٢٥١) فجعل النبوة ملكًا. فلا تلتفتوا إلى أحاديث ضعف سندها ومتنها (٢) .
ولو اقتضت الحال النظر في الأمور لكان - والله أعلم - رأي آخر للجمهور، ولكن انعقدت البيعة لمعاوية بالصفة التي شاءها الله، على
_________
(١) إن داود في نبوته - كما يعرفها المسلمون في دينهم - تجعله خيرا من كل معاوية. وأما داود اليهود - كما يعرفه الناس من توراتهم الموجودة الآن في الأيدي - فإن معاوية خير منه. ومن شقاء اليهود ألا يعرفوا للقرآن والإسلام فضلهما عليهم في تنزيه أنبياء بني إسرائيل عما وصموا به في كتبهم.
(٢) يشير إلى حديث سفينة، وقد مضى الكلام عليه في ص ٢٠١.
Translation
مزايا معاوية وسيرته الممتازة التي أهلته لحمل أعباء الإسلام
#95
Chapter 95 — إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه
· ref. #95
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
الوجه الذي وعد به رسول الله ﷺ مادحًا له، راضيًا عنه راجيًا هدنة الحال فيه، لقول النبي ﷺ: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) .
[إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه]
وقد تكلم العلماء في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه، فليست المسألة في الحد الذي يجعلها فيه العامة، وقد بيناها في موضعها (٢) .
فإن قيل: قتل حجر بن عدي - وهو من الصحابة مشهور بالخير - صبرًا أسيرًا، يقول زياد: وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله، قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل
_________
(١) تقدم الكلام على هذا الحديث في ص ٢٠٠.
(٢) أي من مؤلفاته الأخرى. وهذه المسألة من مسائل الفقه الإسلامي الممحصة، المبنية أحكامها على النصوص والسنن والأسس الشرعية التي قام الدين على مثلها في باب جلب المصالح ودرء المفاسد وتقدير الضرورات بأقدارها. والقاضي أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية (ص ٥) لم يذكر مخالفا في جواز إمامة المفضول إلا الجاحظ، وماذا يضر أئمة الدين إذا خالفهم، وهل العباسيون الذين عرف الجاحظ بالتقرب إليهم في حياتهم كانوا أفضل معاصريهم؟ أما جمهور الفقهاء والمتكلمين فقالوا تجوز إمامة المفضول وصحت بيعته، ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، كما يجوز - في ولاية القضاء - تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق، ونحيل القارئ على كتاب " الإمامة والمفاضلة " لأبي محمد بن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتاب " الفِصَل " ولا سيما الفصل المعقود لإمامة المفضول (ص ١٦٣ - ١٦٧ من طبعة مصر سنة ١٣٢٠) .
يقول قتله حقًا (١) .
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا:
_________
(١) حجر بن عدي الكندي عده البخاري وآخرون من التابعين. وعده البعض الآخر من الصحابة. وكان من شيعة علي في الجمل وصفين. وروى ابن سيرين أن زيادا - وهو أمير الكوفة - خطب خطبة أطال فيها، فنادى حجر بن عدي " الصلاة! " فمضى زياد في خطبته، فحصبه حجر وحصبه آخرون معه. فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعد ذلك من الفساد في الأرض. فكتب معاوية إلى زياد أن سرح به إلي. . . فلما جيء به إلى معاوية أمر بقتله. فالذين يريدون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه. ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب. وكما كانت عائشة تود لو أن معاوية شمل حجرا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك. والواقع أن معاوية كان فيه من حلم عثمان وسجاياه، إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان وما جر إليه تمادي الذين اجترأوا عليه.
[إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه]
وقد تكلم العلماء في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه، فليست المسألة في الحد الذي يجعلها فيه العامة، وقد بيناها في موضعها (٢) .
فإن قيل: قتل حجر بن عدي - وهو من الصحابة مشهور بالخير - صبرًا أسيرًا، يقول زياد: وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله، قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل
_________
(١) تقدم الكلام على هذا الحديث في ص ٢٠٠.
(٢) أي من مؤلفاته الأخرى. وهذه المسألة من مسائل الفقه الإسلامي الممحصة، المبنية أحكامها على النصوص والسنن والأسس الشرعية التي قام الدين على مثلها في باب جلب المصالح ودرء المفاسد وتقدير الضرورات بأقدارها. والقاضي أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية (ص ٥) لم يذكر مخالفا في جواز إمامة المفضول إلا الجاحظ، وماذا يضر أئمة الدين إذا خالفهم، وهل العباسيون الذين عرف الجاحظ بالتقرب إليهم في حياتهم كانوا أفضل معاصريهم؟ أما جمهور الفقهاء والمتكلمين فقالوا تجوز إمامة المفضول وصحت بيعته، ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، كما يجوز - في ولاية القضاء - تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق، ونحيل القارئ على كتاب " الإمامة والمفاضلة " لأبي محمد بن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتاب " الفِصَل " ولا سيما الفصل المعقود لإمامة المفضول (ص ١٦٣ - ١٦٧ من طبعة مصر سنة ١٣٢٠) .
يقول قتله حقًا (١) .
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا:
_________
(١) حجر بن عدي الكندي عده البخاري وآخرون من التابعين. وعده البعض الآخر من الصحابة. وكان من شيعة علي في الجمل وصفين. وروى ابن سيرين أن زيادا - وهو أمير الكوفة - خطب خطبة أطال فيها، فنادى حجر بن عدي " الصلاة! " فمضى زياد في خطبته، فحصبه حجر وحصبه آخرون معه. فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعد ذلك من الفساد في الأرض. فكتب معاوية إلى زياد أن سرح به إلي. . . فلما جيء به إلى معاوية أمر بقتله. فالذين يريدون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه. ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب. وكما كانت عائشة تود لو أن معاوية شمل حجرا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك. والواقع أن معاوية كان فيه من حلم عثمان وسجاياه، إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان وما جر إليه تمادي الذين اجترأوا عليه.
Translation
إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه
#96
Chapter 96 — فساد ما تقوله الشيعة في وفاة الحسن أهلية يزيد للولاية
· ref. #96
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل. ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية. وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس - وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس - مكتوب على أبواب مساجدها: " خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين ﵃ (١) .
ولكن حجرًا - فيما يقال - رأى من زياد أمورا منكرة (٢) فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا.
وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين، وما أنتم ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون؟
[فساد ما تقوله الشيعة في وفاة الحسن أهلية يزيد للولاية]
فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه.
_________
(١) المؤلف أقام في بغداد زمن الدولة العباسية كما ذكرنا في ترجمته، فهو يعرف مساجدها معرفة مشاهدة وعيان. ومعاوية خال المؤمنين لأنه أخو أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان المشتهرة بكنيتها (أم حبيبة) .
(٢) كان زياد في خلافة علي واليا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره يومئذ. ولم يكن ينكر عليه شيئا. فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعا بعاطفة التحزب والتشيع. وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد، فلمعاوية عذر إذا رأى أن حجرا ممن سعى في الأرض فسادا.
ولكن حجرًا - فيما يقال - رأى من زياد أمورا منكرة (٢) فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا.
وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين، وما أنتم ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون؟
[فساد ما تقوله الشيعة في وفاة الحسن أهلية يزيد للولاية]
فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه.
_________
(١) المؤلف أقام في بغداد زمن الدولة العباسية كما ذكرنا في ترجمته، فهو يعرف مساجدها معرفة مشاهدة وعيان. ومعاوية خال المؤمنين لأنه أخو أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان المشتهرة بكنيتها (أم حبيبة) .
(٢) كان زياد في خلافة علي واليا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره يومئذ. ولم يكن ينكر عليه شيئا. فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعا بعاطفة التحزب والتشيع. وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد، فلمعاوية عذر إذا رأى أن حجرا ممن سعى في الأرض فسادا.
Translation
فساد ما تقوله الشيعة في وفاة الحسن أهلية يزيد للولاية
#97
Chapter 97 — نقد ثلاثة أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد
· ref. #97
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم (١) .
[نقد ثلاثة أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد]
فإن قيل: فقد عهد إلى يزيد وليس بأهل (٢) . وجرى بينه وبين عبد الله
_________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٢٥) فيما تزعمه الشيعة من أن معاوية سم الحسن: (لم يثبت ذلك ببينة شرعية، ولا إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم) . قال: " وقد رأينا في زماننا من يقال عنه سم ومات مسموما من الأتراك وغيرهم. ويختلف الناس في ذلك حتى في نفس الموضع الذي مات فيه والقلعة التي مات فيها، فتجد كلا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر ". وبعد أن ذكر ابن تيمية أن الحسن مات بالمدينة وأن معاوية كان بالشام، ذكر للخبر احتمالات - على فرض صحته - منها أن الحسن كان مطلاقا لا يدوم مع امرأة. . . إلخ (وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٢٦٦) .
(٢) إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز. وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر. وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم.
بن عمر وابن الزبير والحسن ما قصه [المؤرخون] عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه وعن غيره: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج، فقدم مكة في نحو ألف رجل. فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه (١) . ثم
_________
(١) شباب قريش المعاصرون ليزيد - ممن يحدثون أنفسهم بولاية الأمر لبعض الاعتبارات التي يعرفونها لأنفسهم - كثيرون جدا حتى سعيد بن عثمان بن عفان ومن هم دون سعيد كانوا يطمعون بولاية الأمر بعد معاوية. ومبدأ الشورى في انتخاب الخليفة أفضل بكثير من مبدأ ولاية العهد. لكن معاوية كان يتعلم بينه وبين نفسه أن فتح باب الشورى في انتخاب من يخلفه سيحدث في الأمة الإسلامية مجزرة لا ترقأ فيها الدماء إلا بفناء كل ذي أهلية في قريش لولاية شيء من أمور هذه الأمة. ومعاوية أحصف من أن يخفى عليه أن المزايا موزعة بين هؤلاء الشباب القرشيين، فإذا امتاز أحدهم بشيء منها على أضرابه ولداته، فإن فيهم من يمتاز عليه بشيء آخر منها. غير أن يزيد - مع مشاركته لبعضهم في بعض ما يمتازون به - يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أعني القوة العسكرية التي تؤيده إذا تولى الخلافة، فتكون قوة للإسلام. كما تؤيده إذا أوقع الشيطان الفتنة على هذا الكرسي بين المتزاحمين عليه، فيكون ما لا يحب كل مسلم أن يكون. ولو لم يكن ليزيد إلا أخواله من قضاعة وأحلافهم من قبائل اليمن، لكان منهم ما لا يجوز لبعيد النظر أن يسقطه من قائمة الحساب عندما يفكر في هذه الأمور. أضف هذا إلى ما قرره ابن خلدون عند كلامه على مسير الحسن إلى العراق للخروج على يزيد حيث إن في فصل " ولاية العهد " من مقدمة تاريخه: " وأما الشوكة، فغلط يرحمه الله فيها، لأن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف. وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه، وإنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي. . . حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد. فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضر أطوع لبني أمية من سواهم ".
ارتحل، فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: " أما بعد يا ابن عمر، فقد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير. وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم ". فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير منهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار. وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا واحد منهم ". فخرج ابن عمر (١) .
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: " إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى
_________
(١) هذا الخبر معارض بما في كتاب المغازي من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٢٩ - ج ٥ ص ٤٨) عن ابن عمر أن أخته أم المؤمنين حفصة نصحت له بأن يسرع بالذهاب للبيعة وقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة "، وانظر ص ٢٢٣.
الله، وإنا والله لا نفعل. والله لَتَرُدَّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لتفرنها عليك جذعة (١) " ثم وثب فقام. فقال معاوية: " اللهم اكففه بما شئت ". ثم قال: " على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن لأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك، حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك ".
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: " يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما. فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه. أرأيت إذا بايعت ابنك معك لأيكما نسمع، لأيكما نطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا " (٢) . ثم قام.
فخرج معاوية فصعد المنبر فقال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار. وزعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر لم يبايعوا ليزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له.
فقال أهل الشام: لا والله: لا نرضى حتى يبايعوا على رءوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم.
_________
(١) أي لتنكشفن عليك الفتنة في أشد حالاتها. ويلاحظ أن الذين انتحلوا هذه الأقوال في الاستطالة على معاوية لم يطعنوا في كفاءة يزيد وأهليته لأنها آخر ما يرتابون فيه.
(٢) ابن الزبير أذكى من أن يفوته أن البيعة ليزيد بعد معاوية، وليست لهما معا في حياة معاوية. والذين اخترعوا هذه الأخبار وأضافوها إلى وهب بن جرير بن حازم يكذبون كذبا مفضوحا.
فقال: " مه، سبحان الله، وما أسرع الناس إلى قريش بالشر. لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم ". ثم نزل.
فقال الناس: بايعوا. ويقولون هم: لم نبايع. ويقول الناس: قد بايعتم.
وروى وهب من طريق آخر قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: " والله ليبايعن أو لأقتلنه ". فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه وسار إلى مكة ثلاثًا وأخبره (١) فبكى ابن عمر. فبلغ الخبر إلى عبد الله بن صفوان، فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. قال فما تريد، أتريد قتاله؟ قال: يا ابن صفوان، الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لو أراد ذلك لأُقَاتِلَنَّهُ (٢) . فقدم معاوية مكة فنزل ذا طوى، وخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت تزعم أنك تقتل
_________
(١) هذا الخبر عن وهب بن جرير بن حازم يشعر بأن معاوية خطب هذه الخطبة وهو في المدينة قادما إليها من دمشق قبل أن يصل إلى مكة، وأن ابن عمر كان يومئذ في مكة فركب إليه ابنه حتى لقيه بمكة وأخبره بهذه الخطبة. وفي الخبر الذي قبل هذا - وهو مروي عن وهب بن جرير بن حازم أيضا - التصريح بأن ابن عمر كان بالمدينة عند وصول معاوية إليها من دمشق، وأنه كان مع الأعيان الذين خرجوا لاستقباله. فالخبران متناقضان يكذب أحدهما الآخر مع أنهما عن راوٍ واحد. ولا أدري من أين جاء بهما المؤلف؟ ولم ينقلهما الطبري مع أنه يعتني بأخبار وهب بن جرير لأنه ثقة، ووهب مات سنة ٢٠٦ وأبوه سنة ١٧٠ بعد أن اختلط، فبينهما وبين هذه الحوادث رواة آخرون، وبينهما وبين الطبري وغيره من المؤرخين رواة كثيرون. وأعتقد أن هذه الأخبار غير صحيحة لتناقضها، ولو عرفنا رواتها إلى وهب وبعد وهب لعرفنا من أين جاء الكذب.
(٢) عبد الله بن صفوان حفيد أمية بن خلف الجمحي. قتل مع ابن الزبير سنة ٧٣.
ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ قال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لا أقتله.
وروى وهب من طريق ثالث (١) قال: إن معاوية لما راح عن بطن مُرّ قاصدا إلى مكة قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدًا يسير معي إلا من حملته. فخرج يسير وحده، حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبًا وأهلًا بابن بنت رسول الله ﷺ سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها. فأتي ببرْذوْن، فتحول عليه. ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) فقال: مرحبا بابن شيخ قريش وسيدهم وابن صديق هذه الأمة. دابة لأبي محمد يركبها. فأتي ببرذون فركبه. ثم طلع ابن عمر فقال: مرحبًا وأهلًا بصاحب رسول الله وابن الفاروق وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها. ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهلًا بابن حواري رسول الله وابن الصديق وابن عمة رسول الله ﷺ، ودعا له بدابة فركبها، ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة، لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله وقرب مسيره إلى الشام
_________
(١) وهذا الخبر أيضا ليس عند الطبري. وأظنه مصنوعا في المصنع الذي خرج منه الخبران السابقان.
(٢) نحن نعلم من الخبر الأول عن وهب أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان في المدينة، وكان مع الذين استقبلوا معاوية عند وصوله إليها من دمشق، فما الذي طار به إلى مكة حتى صار في مستقبلي معاوية عند وصوله إليها؟ حقا إن الذين يكذبون على معاوية أغبياء لا يجيدون صناعة الكذب.
وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع هذا لحبكم ولا لكرامتكم ولا صنعه إلا لما يريد، فأعدوا له جوابًا، أقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله. قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها؟ هذا أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد - لعبد الرحمن بن أبي بكر - فقال. لست هناك، وفيكم صاحب رسول الله ﷺ وابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر - فقالوا لابن عمر: أنت! فقال: لست بصاحبكم، ولكن أولوا الكلام ابن الزبير يكفكم. قالوا: أنت يا ابن الزبير. قال: نعم، إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن، فأذن لهم. فدخلوا.
فتكلم معاوية فحمد الله واثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم، وحلمي لما يكون منكم، ويزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس لكم رأيًا. وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذين تنزعون وتؤمّرون وتجبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك.
فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا: فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا ابن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم، فقال: نعم يا أمير المؤمنين أخيرك بين ثلاث خصال أيها أخذت فهي لك رغبة: قال: لله أبوك، اعرضهن: قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله ﷺ، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ، وإن شئت صنعت ما صنع عمر
فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر: قال: لله أبوك، ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله ﷺ فلم يستخلف أحدًا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع أمر هذه الأمة حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم. فقال: إيه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم الاختلاف. قال: فاصنع كما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه. قال: لله أبوك. الثالثة؟ قال: تصنع ما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر من قريش ليس أحد منهم من ولد أبيه. قال: عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضًا. قال. أما لا، فإني أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، وإن كان يقوم القائم منكم إلي فيكذبني على رءوس الأشهاد فأحتمل له ذلك. وإني قائم بمقالة، فإن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم بالله لكم لئن رد علي إنسان منكم لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه. ثم دعا بصاحب حرسه فقال: أقم على كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك فإن ذهب رجل يرد علي كلمة بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما (١) ثم خرج وخرجوا معه، حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم. وإنهم ارتضوا وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا باسم الله. فضربوا على يده، ثم جلس على راحلته وانصرف.
_________
(١) أورد المؤلف هذه الأخبار المفضوح كذبها ليعارضها في ص ٢٢٤ بحديث البخاري عن الموقف السليم لابن عمر في هذا الحادث، حتى يعلم الناس أن الحق في واد وهؤلاء الرواة الكاذبون في واد غيره.
فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلما أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس، ثم خرج إلى الشام.
قال القاضي أبو بكر ﵁: لسنا ننكر، ولا بلغت بنا الجهالة، ولا لنا في الحق حمية جاهلية، ولا ننطوي على غل لأحد من أصحاب محمد ﷺ، بل نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] إلا أن نقول، إن معاوية ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وألا يخص بها أحدًا من قرابته فكيف ولدًا، وأن يقتدي بما أشار به عبد الله بن الزبير في الترك أو الفعل (١) فعدل إلى ولاية ابنه وعقد له البيعة وبايعه الناس، وتخلف عنها من تخلف (٢) فانعقدت البيعة شرعًا، لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين (٣) .
فإن قيل: لمن فيه شروط الإمامة، قلنا: ليس السن من شروطها ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها.
[فإن] قيل: كان منها العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا
_________
(١) كان معاوية أعرف بابن الزبير من ابن الزبير نفسه، روى البلاذري في أنساب الأشراف (٤ " ٢ ": ٥٣ - ٥٤) عن المدائني عن مسلمة بن علقمة عن خالد عن أبي قلابة أن معاوية قال لابن الزبير: " إن الشح والحرص لن يدعاك حتى يدخلاك مدخلا ضيقا، فوددت أني حينئذ عندك فأستنقذك ". فلما حصر ابن الزبير قال: " هذا ما قال لي معاوية، وددت أنه كان حيا ".
(٢) عدل عن الوجه الأفضل لما كان يتوجس من الفتن والمجازر إذا جعلها شورى، وقد رأى القوة والطاعة والنظام والاستقرار في الجانب الذي فيه ابنه.
(٣) انظر ص ١٤٤، والفصل لابن حزم ٤: ١٦٧ - ١٦٩.
عالمًا. قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته (١)؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى.
فإن قيل: كان هنالك من هو أحق منه عدالة وعلمًا، منهم مائة وربما ألف. قلنا: إمامة المفضول - كما قدمنا (٢) - مسألة خلاف بين العلماء، كما ذكر العلماء في موضعه.
وقد حسم البخاري الباب، ونهج جادة الصواب، فروى في صحيحه ما يبطل جميع هذا المتقدم، وهو أن معاوية خطب وابن عمر حاضر في خطبته، فيما روى البخاري (٣) عن عكرمة بن خالد أن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف (٤) . قلت: قد كان في الأمر ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة ". فلم تدعه حتى ذهب.
_________
(١) أما عن العدالة فقد شهد له محمد بن علي بن أبي طالب في مناقشته لابن مطيع عند قيام الثورة على يزيد في المدينة فقال عن يزيد: " ما رأيت منه ما تذكرون. وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عنه الفقه، ملازما للسنة " (ابن كثير ٨: ٢٣٣) . وأما عن العلم فالذي يلزم منه لمثله في مثل مركزه كان فيه موضع الرضا وفوق الرضا: روى المدائني أن ابن عباس وفد إلى معاوية بعد وفاة الحسن بن علي، فدخل يزيد على ابن عباس وجلس منه مجلس المعزي، فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس (ابن كثير ٨: ٢٢٨) .
(٢) في ص ٢١١.
(٣) ك ٦٤ ب ٢٩ - ج ٥ ص ٤٨.
(٤) أي وذوائبها تقطر ماء، سمى الذوائب " نوسات " لأنها تنوس، أي تتحرك.
[نقد ثلاثة أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد]
فإن قيل: فقد عهد إلى يزيد وليس بأهل (٢) . وجرى بينه وبين عبد الله
_________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٢٥) فيما تزعمه الشيعة من أن معاوية سم الحسن: (لم يثبت ذلك ببينة شرعية، ولا إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم) . قال: " وقد رأينا في زماننا من يقال عنه سم ومات مسموما من الأتراك وغيرهم. ويختلف الناس في ذلك حتى في نفس الموضع الذي مات فيه والقلعة التي مات فيها، فتجد كلا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر ". وبعد أن ذكر ابن تيمية أن الحسن مات بالمدينة وأن معاوية كان بالشام، ذكر للخبر احتمالات - على فرض صحته - منها أن الحسن كان مطلاقا لا يدوم مع امرأة. . . إلخ (وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٢٦٦) .
(٢) إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز. وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر. وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم.
بن عمر وابن الزبير والحسن ما قصه [المؤرخون] عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه وعن غيره: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج، فقدم مكة في نحو ألف رجل. فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه (١) . ثم
_________
(١) شباب قريش المعاصرون ليزيد - ممن يحدثون أنفسهم بولاية الأمر لبعض الاعتبارات التي يعرفونها لأنفسهم - كثيرون جدا حتى سعيد بن عثمان بن عفان ومن هم دون سعيد كانوا يطمعون بولاية الأمر بعد معاوية. ومبدأ الشورى في انتخاب الخليفة أفضل بكثير من مبدأ ولاية العهد. لكن معاوية كان يتعلم بينه وبين نفسه أن فتح باب الشورى في انتخاب من يخلفه سيحدث في الأمة الإسلامية مجزرة لا ترقأ فيها الدماء إلا بفناء كل ذي أهلية في قريش لولاية شيء من أمور هذه الأمة. ومعاوية أحصف من أن يخفى عليه أن المزايا موزعة بين هؤلاء الشباب القرشيين، فإذا امتاز أحدهم بشيء منها على أضرابه ولداته، فإن فيهم من يمتاز عليه بشيء آخر منها. غير أن يزيد - مع مشاركته لبعضهم في بعض ما يمتازون به - يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أعني القوة العسكرية التي تؤيده إذا تولى الخلافة، فتكون قوة للإسلام. كما تؤيده إذا أوقع الشيطان الفتنة على هذا الكرسي بين المتزاحمين عليه، فيكون ما لا يحب كل مسلم أن يكون. ولو لم يكن ليزيد إلا أخواله من قضاعة وأحلافهم من قبائل اليمن، لكان منهم ما لا يجوز لبعيد النظر أن يسقطه من قائمة الحساب عندما يفكر في هذه الأمور. أضف هذا إلى ما قرره ابن خلدون عند كلامه على مسير الحسن إلى العراق للخروج على يزيد حيث إن في فصل " ولاية العهد " من مقدمة تاريخه: " وأما الشوكة، فغلط يرحمه الله فيها، لأن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف. وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه، وإنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي. . . حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد. فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضر أطوع لبني أمية من سواهم ".
ارتحل، فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: " أما بعد يا ابن عمر، فقد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير. وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم ". فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير منهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار. وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا واحد منهم ". فخرج ابن عمر (١) .
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: " إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى
_________
(١) هذا الخبر معارض بما في كتاب المغازي من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٢٩ - ج ٥ ص ٤٨) عن ابن عمر أن أخته أم المؤمنين حفصة نصحت له بأن يسرع بالذهاب للبيعة وقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة "، وانظر ص ٢٢٣.
الله، وإنا والله لا نفعل. والله لَتَرُدَّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لتفرنها عليك جذعة (١) " ثم وثب فقام. فقال معاوية: " اللهم اكففه بما شئت ". ثم قال: " على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن لأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك، حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك ".
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: " يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما. فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه. أرأيت إذا بايعت ابنك معك لأيكما نسمع، لأيكما نطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا " (٢) . ثم قام.
فخرج معاوية فصعد المنبر فقال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار. وزعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر لم يبايعوا ليزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له.
فقال أهل الشام: لا والله: لا نرضى حتى يبايعوا على رءوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم.
_________
(١) أي لتنكشفن عليك الفتنة في أشد حالاتها. ويلاحظ أن الذين انتحلوا هذه الأقوال في الاستطالة على معاوية لم يطعنوا في كفاءة يزيد وأهليته لأنها آخر ما يرتابون فيه.
(٢) ابن الزبير أذكى من أن يفوته أن البيعة ليزيد بعد معاوية، وليست لهما معا في حياة معاوية. والذين اخترعوا هذه الأخبار وأضافوها إلى وهب بن جرير بن حازم يكذبون كذبا مفضوحا.
فقال: " مه، سبحان الله، وما أسرع الناس إلى قريش بالشر. لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم ". ثم نزل.
فقال الناس: بايعوا. ويقولون هم: لم نبايع. ويقول الناس: قد بايعتم.
وروى وهب من طريق آخر قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: " والله ليبايعن أو لأقتلنه ". فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه وسار إلى مكة ثلاثًا وأخبره (١) فبكى ابن عمر. فبلغ الخبر إلى عبد الله بن صفوان، فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. قال فما تريد، أتريد قتاله؟ قال: يا ابن صفوان، الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لو أراد ذلك لأُقَاتِلَنَّهُ (٢) . فقدم معاوية مكة فنزل ذا طوى، وخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت تزعم أنك تقتل
_________
(١) هذا الخبر عن وهب بن جرير بن حازم يشعر بأن معاوية خطب هذه الخطبة وهو في المدينة قادما إليها من دمشق قبل أن يصل إلى مكة، وأن ابن عمر كان يومئذ في مكة فركب إليه ابنه حتى لقيه بمكة وأخبره بهذه الخطبة. وفي الخبر الذي قبل هذا - وهو مروي عن وهب بن جرير بن حازم أيضا - التصريح بأن ابن عمر كان بالمدينة عند وصول معاوية إليها من دمشق، وأنه كان مع الأعيان الذين خرجوا لاستقباله. فالخبران متناقضان يكذب أحدهما الآخر مع أنهما عن راوٍ واحد. ولا أدري من أين جاء بهما المؤلف؟ ولم ينقلهما الطبري مع أنه يعتني بأخبار وهب بن جرير لأنه ثقة، ووهب مات سنة ٢٠٦ وأبوه سنة ١٧٠ بعد أن اختلط، فبينهما وبين هذه الحوادث رواة آخرون، وبينهما وبين الطبري وغيره من المؤرخين رواة كثيرون. وأعتقد أن هذه الأخبار غير صحيحة لتناقضها، ولو عرفنا رواتها إلى وهب وبعد وهب لعرفنا من أين جاء الكذب.
(٢) عبد الله بن صفوان حفيد أمية بن خلف الجمحي. قتل مع ابن الزبير سنة ٧٣.
ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ قال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لا أقتله.
وروى وهب من طريق ثالث (١) قال: إن معاوية لما راح عن بطن مُرّ قاصدا إلى مكة قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدًا يسير معي إلا من حملته. فخرج يسير وحده، حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبًا وأهلًا بابن بنت رسول الله ﷺ سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها. فأتي ببرْذوْن، فتحول عليه. ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) فقال: مرحبا بابن شيخ قريش وسيدهم وابن صديق هذه الأمة. دابة لأبي محمد يركبها. فأتي ببرذون فركبه. ثم طلع ابن عمر فقال: مرحبًا وأهلًا بصاحب رسول الله وابن الفاروق وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها. ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهلًا بابن حواري رسول الله وابن الصديق وابن عمة رسول الله ﷺ، ودعا له بدابة فركبها، ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة، لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله وقرب مسيره إلى الشام
_________
(١) وهذا الخبر أيضا ليس عند الطبري. وأظنه مصنوعا في المصنع الذي خرج منه الخبران السابقان.
(٢) نحن نعلم من الخبر الأول عن وهب أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان في المدينة، وكان مع الذين استقبلوا معاوية عند وصوله إليها من دمشق، فما الذي طار به إلى مكة حتى صار في مستقبلي معاوية عند وصوله إليها؟ حقا إن الذين يكذبون على معاوية أغبياء لا يجيدون صناعة الكذب.
وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع هذا لحبكم ولا لكرامتكم ولا صنعه إلا لما يريد، فأعدوا له جوابًا، أقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله. قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها؟ هذا أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد - لعبد الرحمن بن أبي بكر - فقال. لست هناك، وفيكم صاحب رسول الله ﷺ وابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر - فقالوا لابن عمر: أنت! فقال: لست بصاحبكم، ولكن أولوا الكلام ابن الزبير يكفكم. قالوا: أنت يا ابن الزبير. قال: نعم، إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن، فأذن لهم. فدخلوا.
فتكلم معاوية فحمد الله واثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم، وحلمي لما يكون منكم، ويزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس لكم رأيًا. وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذين تنزعون وتؤمّرون وتجبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك.
فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا: فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا ابن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم، فقال: نعم يا أمير المؤمنين أخيرك بين ثلاث خصال أيها أخذت فهي لك رغبة: قال: لله أبوك، اعرضهن: قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله ﷺ، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ، وإن شئت صنعت ما صنع عمر
فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر: قال: لله أبوك، ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله ﷺ فلم يستخلف أحدًا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع أمر هذه الأمة حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم. فقال: إيه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم الاختلاف. قال: فاصنع كما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه. قال: لله أبوك. الثالثة؟ قال: تصنع ما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر من قريش ليس أحد منهم من ولد أبيه. قال: عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضًا. قال. أما لا، فإني أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، وإن كان يقوم القائم منكم إلي فيكذبني على رءوس الأشهاد فأحتمل له ذلك. وإني قائم بمقالة، فإن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم بالله لكم لئن رد علي إنسان منكم لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه. ثم دعا بصاحب حرسه فقال: أقم على كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك فإن ذهب رجل يرد علي كلمة بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما (١) ثم خرج وخرجوا معه، حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم. وإنهم ارتضوا وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا باسم الله. فضربوا على يده، ثم جلس على راحلته وانصرف.
_________
(١) أورد المؤلف هذه الأخبار المفضوح كذبها ليعارضها في ص ٢٢٤ بحديث البخاري عن الموقف السليم لابن عمر في هذا الحادث، حتى يعلم الناس أن الحق في واد وهؤلاء الرواة الكاذبون في واد غيره.
فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلما أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس، ثم خرج إلى الشام.
قال القاضي أبو بكر ﵁: لسنا ننكر، ولا بلغت بنا الجهالة، ولا لنا في الحق حمية جاهلية، ولا ننطوي على غل لأحد من أصحاب محمد ﷺ، بل نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] إلا أن نقول، إن معاوية ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وألا يخص بها أحدًا من قرابته فكيف ولدًا، وأن يقتدي بما أشار به عبد الله بن الزبير في الترك أو الفعل (١) فعدل إلى ولاية ابنه وعقد له البيعة وبايعه الناس، وتخلف عنها من تخلف (٢) فانعقدت البيعة شرعًا، لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين (٣) .
فإن قيل: لمن فيه شروط الإمامة، قلنا: ليس السن من شروطها ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها.
[فإن] قيل: كان منها العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا
_________
(١) كان معاوية أعرف بابن الزبير من ابن الزبير نفسه، روى البلاذري في أنساب الأشراف (٤ " ٢ ": ٥٣ - ٥٤) عن المدائني عن مسلمة بن علقمة عن خالد عن أبي قلابة أن معاوية قال لابن الزبير: " إن الشح والحرص لن يدعاك حتى يدخلاك مدخلا ضيقا، فوددت أني حينئذ عندك فأستنقذك ". فلما حصر ابن الزبير قال: " هذا ما قال لي معاوية، وددت أنه كان حيا ".
(٢) عدل عن الوجه الأفضل لما كان يتوجس من الفتن والمجازر إذا جعلها شورى، وقد رأى القوة والطاعة والنظام والاستقرار في الجانب الذي فيه ابنه.
(٣) انظر ص ١٤٤، والفصل لابن حزم ٤: ١٦٧ - ١٦٩.
عالمًا. قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته (١)؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى.
فإن قيل: كان هنالك من هو أحق منه عدالة وعلمًا، منهم مائة وربما ألف. قلنا: إمامة المفضول - كما قدمنا (٢) - مسألة خلاف بين العلماء، كما ذكر العلماء في موضعه.
وقد حسم البخاري الباب، ونهج جادة الصواب، فروى في صحيحه ما يبطل جميع هذا المتقدم، وهو أن معاوية خطب وابن عمر حاضر في خطبته، فيما روى البخاري (٣) عن عكرمة بن خالد أن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف (٤) . قلت: قد كان في الأمر ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة ". فلم تدعه حتى ذهب.
_________
(١) أما عن العدالة فقد شهد له محمد بن علي بن أبي طالب في مناقشته لابن مطيع عند قيام الثورة على يزيد في المدينة فقال عن يزيد: " ما رأيت منه ما تذكرون. وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عنه الفقه، ملازما للسنة " (ابن كثير ٨: ٢٣٣) . وأما عن العلم فالذي يلزم منه لمثله في مثل مركزه كان فيه موضع الرضا وفوق الرضا: روى المدائني أن ابن عباس وفد إلى معاوية بعد وفاة الحسن بن علي، فدخل يزيد على ابن عباس وجلس منه مجلس المعزي، فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس (ابن كثير ٨: ٢٢٨) .
(٢) في ص ٢١١.
(٣) ك ٦٤ ب ٢٩ - ج ٥ ص ٤٨.
(٤) أي وذوائبها تقطر ماء، سمى الذوائب " نوسات " لأنها تنوس، أي تتحرك.
Translation
نقد ثلاثة أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد
#98
Chapter 98 — ابن عمر يعلن في الثورة على يزيد أن في عنقه البيعة الشرعية له
· ref. #98
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة (١) فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. فقال حبيب: حُفظت وعُصمت.
[ابن عمر يعلن في الثورة على يزيد أن في عنقه البيعة الشرعية له]
وروى البخاري (٢) أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله (٣) وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن نبايع رجلًا على
_________
(١) حبيب بن مسلمة الفهري مكي كان عند وفاة النبي صلي الله عليه وسلم صبيا، ثم التحق بالشام للجهاد فاشتهرت بطولته، ويعد فاتح أرمينية، ويقال إنه كان قائد النجدة التي خرجت من الشام لإنقاذ عثمان من أيدي البغاة عليه، فجاءه الخبر بشهادته وهي في الطريق فعادت.
(٢) في كتاب الفتن من صحيحه (ك ٩٢ ب ٢١ - ج ٨ ص ٩٩) .
(٣) وهذا الخبر المنير الذي يرويه البخاري في صحيحه يفضح الذين زوروا على وهب بن جرير تلك الأخبار المتناقضة بأن ابن عمر وغيره لم يبايعوا ليزيد، وأن معاوية أقام على رءوسهم من يقطعها إذا كذبوه فيما افتراه عليهم من أنهم بايعوا لابنه. فتبين الآن أنه لم يفتر عليهم، وهذا ابن عمر يعلن في أحرج المواقف - أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع - أن في عنقه ما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال. ولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه (ك ٣٢ ح ٥٨ - ج ٦ ص ٢٢) أن ابن عمر جاء إلى ابن مطيع داعية ابن الزبير ومثير هذه الثورة فقال ابن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال ابن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ". وكان لمحمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) مثل هذا الموقف من داعية الثورة ابن مطيع سيراه القارئ في ص ٢٢٧ - ٢٢٨ عند الكلام على سيرة يزيد.
بيع الله ورسوله ثم ننصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (١) .
فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح، وإلى ما سبق ذكرنا له في رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب وقال قد بايع. وتقدم إلى حرسه بأمره بضرب عنقه إن كذبه. وهو قد قال في رواية البخاري: " وقد بايعناه على بيع الله ورسوله " وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح في طلب السلامة، والخلاص بين الصحابة والتابعين. فلا تكونوا - ولم تشاهدوهم، وقد عصمكم الله من فتنتهم - ممن دخل بلسانه في دمائهم، فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها، لم يلحق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض.
وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد " إن كان
_________
(١) انظر لوقعة الحرة ص ٢٩٢ - ٢٩٤ من (المنتقى من منهاج الاعتدال) .
خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا ".
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أريق دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يأتيك من الحياء إلا خير» .
فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلمًا في أمر يزيد، وأنه بايع وعقد له والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن إليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه.
وظهر لك أن من قال: إن معاوية كذب في قوله بايع ابن عمر ولم يبايع، وأن ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا " لم نبايع " فقد كذب. وقد صدق البخاري في روايته قول معاوية في المنبر " إن ابن عمر قد بايع " بإقرار ابن عمر بذلك (١) وتسليمه له وتماديه عليه.
فأي الفريقين أحق بالصدق إن كنتم تعلمون؟ الفريق الذي فيه البخاري، أم الذي فيه غيره؟
_________
(١) في ثورة المدينة على يزيد، وفي المناسبات الأخرى. انظر ص ٢٢٤.
[ابن عمر يعلن في الثورة على يزيد أن في عنقه البيعة الشرعية له]
وروى البخاري (٢) أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله (٣) وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن نبايع رجلًا على
_________
(١) حبيب بن مسلمة الفهري مكي كان عند وفاة النبي صلي الله عليه وسلم صبيا، ثم التحق بالشام للجهاد فاشتهرت بطولته، ويعد فاتح أرمينية، ويقال إنه كان قائد النجدة التي خرجت من الشام لإنقاذ عثمان من أيدي البغاة عليه، فجاءه الخبر بشهادته وهي في الطريق فعادت.
(٢) في كتاب الفتن من صحيحه (ك ٩٢ ب ٢١ - ج ٨ ص ٩٩) .
(٣) وهذا الخبر المنير الذي يرويه البخاري في صحيحه يفضح الذين زوروا على وهب بن جرير تلك الأخبار المتناقضة بأن ابن عمر وغيره لم يبايعوا ليزيد، وأن معاوية أقام على رءوسهم من يقطعها إذا كذبوه فيما افتراه عليهم من أنهم بايعوا لابنه. فتبين الآن أنه لم يفتر عليهم، وهذا ابن عمر يعلن في أحرج المواقف - أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع - أن في عنقه ما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال. ولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه (ك ٣٢ ح ٥٨ - ج ٦ ص ٢٢) أن ابن عمر جاء إلى ابن مطيع داعية ابن الزبير ومثير هذه الثورة فقال ابن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال ابن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ". وكان لمحمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) مثل هذا الموقف من داعية الثورة ابن مطيع سيراه القارئ في ص ٢٢٧ - ٢٢٨ عند الكلام على سيرة يزيد.
بيع الله ورسوله ثم ننصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (١) .
فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح، وإلى ما سبق ذكرنا له في رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب وقال قد بايع. وتقدم إلى حرسه بأمره بضرب عنقه إن كذبه. وهو قد قال في رواية البخاري: " وقد بايعناه على بيع الله ورسوله " وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح في طلب السلامة، والخلاص بين الصحابة والتابعين. فلا تكونوا - ولم تشاهدوهم، وقد عصمكم الله من فتنتهم - ممن دخل بلسانه في دمائهم، فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها، لم يلحق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض.
وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد " إن كان
_________
(١) انظر لوقعة الحرة ص ٢٩٢ - ٢٩٤ من (المنتقى من منهاج الاعتدال) .
خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا ".
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أريق دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يأتيك من الحياء إلا خير» .
فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلمًا في أمر يزيد، وأنه بايع وعقد له والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن إليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه.
وظهر لك أن من قال: إن معاوية كذب في قوله بايع ابن عمر ولم يبايع، وأن ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا " لم نبايع " فقد كذب. وقد صدق البخاري في روايته قول معاوية في المنبر " إن ابن عمر قد بايع " بإقرار ابن عمر بذلك (١) وتسليمه له وتماديه عليه.
فأي الفريقين أحق بالصدق إن كنتم تعلمون؟ الفريق الذي فيه البخاري، أم الذي فيه غيره؟
_________
(١) في ثورة المدينة على يزيد، وفي المناسبات الأخرى. انظر ص ٢٢٤.
Translation
ابن عمر يعلن في الثورة على يزيد أن في عنقه البيعة الشرعية له
#99
Chapter 99 — الشهادة ليزيد له بالاستقامة والصلاح
· ref. #99
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
فخذوا لأنفسكم بالأحزم، والأصح، أو اسكتوا عن الكل، والله يتولى توفيقكم وحفظكم.
و" الصاحب " الذي كنى عنه حميد بن عبد الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم. وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد ما أصَّلناه لكم من أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. ولما في حلها - أو طلب الفضل - من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة.
[الشهادة ليزيد له بالاستقامة والصلاح]
فإن قيل. كان يزيد خمارًا. قلنا: لا يحل إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه (١) بل شهد العدل بعدالته. فروى يحيى بن بكير، عن
_________
(١) أن معاوية - مع شديد حبه ليزيد، لألمعيته واكتمال مواهبه - آثر أن ينشأ ابنه بعيدا عنه في أحضان الفطرة، وخشونة البداوة وشهامتها، ليستكمل الصفات اللائقة بالمهمة التي تنتظر أمثاله، فبعث به إلى أخبية البادية عند أخواله من قضاعة، ليكون على مذهب أمه ميسون بنت بحدل يوم قالت:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلى من قصر منيف
وفي ذلك الوسط أمضى يزيد زمن صباه وصدر شبابه، وما لبث أن انتقل أبوه إلى رحمة الله حتى تولى المركز الذي أراده الله له. فلما خلا الجو لابن الزبير - بموت معاوية - صار دعاته يذيعون في الحجاز الأكاذيب على يزيد، وينسبون إليه ما لا يحل لهم، نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ٢٣٣) أن عبد الله بن مطيع (داعية ابن الزبير) مشى في المدينة هو وأصحابه إلى محمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته، وأقمت عنده، فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه، ملازما للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلى الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (الزخرف: ٨٦)، ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا؟ فقد قاتلت مع أبيك؟ قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك؟ أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما يحض الناس فيه على القتال. قال: سبحان الله. آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟ إذن ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذن نكرهك. قال: إذن آمر الناس بتقوى الله، وألا يرضوا المخلوق بسخط الخالق (وخرج إلى مكة) .
و" الصاحب " الذي كنى عنه حميد بن عبد الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم. وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد ما أصَّلناه لكم من أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. ولما في حلها - أو طلب الفضل - من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة.
[الشهادة ليزيد له بالاستقامة والصلاح]
فإن قيل. كان يزيد خمارًا. قلنا: لا يحل إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه (١) بل شهد العدل بعدالته. فروى يحيى بن بكير، عن
_________
(١) أن معاوية - مع شديد حبه ليزيد، لألمعيته واكتمال مواهبه - آثر أن ينشأ ابنه بعيدا عنه في أحضان الفطرة، وخشونة البداوة وشهامتها، ليستكمل الصفات اللائقة بالمهمة التي تنتظر أمثاله، فبعث به إلى أخبية البادية عند أخواله من قضاعة، ليكون على مذهب أمه ميسون بنت بحدل يوم قالت:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلى من قصر منيف
وفي ذلك الوسط أمضى يزيد زمن صباه وصدر شبابه، وما لبث أن انتقل أبوه إلى رحمة الله حتى تولى المركز الذي أراده الله له. فلما خلا الجو لابن الزبير - بموت معاوية - صار دعاته يذيعون في الحجاز الأكاذيب على يزيد، وينسبون إليه ما لا يحل لهم، نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٨: ٢٣٣) أن عبد الله بن مطيع (داعية ابن الزبير) مشى في المدينة هو وأصحابه إلى محمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته، وأقمت عنده، فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه، ملازما للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلى الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (الزخرف: ٨٦)، ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا؟ فقد قاتلت مع أبيك؟ قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك؟ أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما يحض الناس فيه على القتال. قال: سبحان الله. آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟ إذن ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذن نكرهك. قال: إذن آمر الناس بتقوى الله، وألا يرضوا المخلوق بسخط الخالق (وخرج إلى مكة) .
Translation
الشهادة ليزيد له بالاستقامة والصلاح
#100
Chapter 100 — الحسين بين الذين نهوه عن الخروج والذين حرضوه عليه
· ref. #100
al-'Awasim min al-Qawasim fi Tahqiq Mawaqif al-Sahaba ba'd Wafat al-Nabi salla Allah 'alayhi wa sallam
Arabic text
Aqeedah
الليث بن سعد، قال الليث: " توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا " فسماه الليث " أمير المؤمنين " بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا " توفي يزيد ".
[الحسين بين الذين نهوه عن الخروج والذين حرضوه عليه]
فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي. قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة. وإن بوله يجري على صدر النبي ﷺ، ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن (١) يا لله ويا للمسلمين.
وإن أمثل ما روي فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة ينعي له
_________
(١) البوغاء: التراب الناعم.
معاوية ويأمره أن يأخذ له البيعة على أهل المدينة - وقد كانت تقدمت - فدعا مروان فأخبره فقال له: أرسل إلى الحسين بن علي وابن الزبير، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله، نقتل الحسين بن علي وابن الزبير؟ قال: هو ما أقوله لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير، فنعى إليه معاوية وسأله البيعة، فقال: ومثلي يبايع هنا؟ ارق المنبر، وأنا [أبايع] مع الناس علانية. فوثب مروان وقال: اضرب عنقه، فإنه صاحب فتنة وشر. فقال [ابن الزبير]: فإنك لهنالك يا ابن الزرقاء؟ (واستبّا) . فقال الوليد: اخرجا عني، وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة في شيء، وخرجا من عنده. وجعل الوليد عليهما الرصد. فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة فالتقيا بها فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم. فهذا ما صح.
وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين (١)
_________
(١) أول من كتب إليه من شيوخ شيعته - على ما رواه مؤرخهم لوط بن يحيى - سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وأرسلوا كتابهم مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، فبلغا حسينا بمكة في عاشر رمضان سنة ٦٠، وبعد يومين سرحوا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة السلولي بثلاث وخمسين صحيفة، وبعد يومين آخرين سرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي (وفي الطبري ٦: ١٩٧ نصوص بعض رسائلهم وأسماء بعض أصحابها) وهي تدور على أنهم لا يجتمعون مع أميرهم النعمان بن بشير في جمعة، ويدعون الحسين إليهم حتى إذا أقبل طردوا أميرهم وألحقوه بالشام، ويقولون في بعضها: " أينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند " فأرسل الحسين إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليرى إن كانوا مستوثقين مجتمعين ليقدم هو عليهم بعد ذلك. وضل مسلم بن عقيل في الطريق ومات من معه من العطش، فكتب إلى الحسين يستعفيه من هذه المهمة، فأجابه: خشيت ألا يكون حملك على الاستعفاء إلا الجبن. فمضى مسلم حتى بلغ الكوفة، وأعطاه البيعة للحسين اثنا عشر ألفا منهم، وشعر أمير الكوفة النعمان بن بشير بحركاتهم فخطب فيهم ينهاهم عن الفتنة والفرقة، وقال لهم: إني لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا آخذ بالظنة والتهمة، فإن أبديتم لي صفحتكم ونكثتم بيعتكم لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي. وعلم يزيد أن النعمان بن بشير حليم ناسك لا يصلح في مقاومة مثل هذه الحركة، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على البصرة أنه قد ضم إليه الكوفة أيضا، وأمره أن يأتي الكوفة وأن يطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى يثقفه فيوثقه فيقتله أو ينفيه. فاستخلف عبيد الله أخاه على البصرة، وأقبل إلى الكوفة فاتصل برؤسائها وقبض على أزمة الحال، فما لبث مسلم بن عقيل أن رأى مبايعيه الاثني عشر ألفا كالهباء، ورأى نفسه وحيدا طريدا، ثم قبض عليه وقتل. وكان الحسين قد جاءته قبل ذلك رسائل مسلم بن عقيل بأن اثني عشر ألفا بايعوه على الموت، فخرج عقب موسم الحج يريد الكوفة، ولم يشجعه على الخروج إلا ابن الزبير لأنه عرف أن أهل الحجاز لا يتابعونه ما دام الحسين معهم، فصار الحسين أثقل خلق الله على ابن الزبير (الطبري ٦: ١٩٦ - ١٩٧ وانظر ٦: ٢١٦ و٢١٧) . أما المشفقون على الحسين من هذا الخروج المشئوم فهم جميع أحبائه وذوي قرابته والناصحين له والمتحرين سنة الإسلام في مثل هذا الموقف، كل هؤلاء نهوه عن مسيره، وحذروه من عواقبه، وفي طليعتهم أخوه محمد بن الحنفية (الطبري ٦: ١٩٠ - ١٩١)، (وابن عم أبيه حبر الأمة عبد الله بن العباس الطبري ٦: ٢١٦ - ٢١٧) وابن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٢: ٢١٩)، وقد بلغ الأمر بعبد الله بن جعفر أن حمل والي يزيد على مكة - وهو عمر بن سعيد بن العاص - على أن يكتب للحسين كتاب الأمان ويمنيه فيه البر والصلة ويسأله الرجوع، فأجابه والي مكة إلى كل ما طلب وقال له: اكتب ما تشاء وأنا أختم على الكتاب، فكتبه وختمه الوالي، وبعث به إلى الحسين مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص، وذهب عبد الله بن جعفر مع يحيى، وجهدا بالحسين أن يثنياه عن السفر فأبى (وصورة كتاب الوالي في تاريخ الطبري ٦: ٢١٩ - ٢٢٠)، وليس فوق هؤلاء الناصحين أحد في عقلهم وعلمهم ومكانتهم وإخلاصهم، بل إن عبد الله بن مطيع داعية ابن الزبير كان من ناصحيه بعقل وإخلاص (الطبري ٦: ١٩٦) وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان على هذا الرأي (الطبري ٦: ٢١٥ - ٢١٦) والحارث بن خالد بن العاص بن هشام لم يأله نصحا (٦: ٢١٦) وحتى الفرزدق الشاعر قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية. (الطبري ٦: ٢١٨) فلم يفد شيء من هذه الجهود في تحويل الحسين عن هذا السفر الذي كان مشئوما عليه، وعلى الإسلام وعلى الأمة الإسلامية إلى هذا اليوم وإلى قيام الساعة، وكل هذا بجناية شيعته الذين حرضوه بجهل وغرور، رغبةً في الفتنة والفرقة والشر، ثم خذلوه بجبن ونذالة وخيانة وغدر. ولم يكتف ورثتهم بما فعل أسلافهم فعكفوا على تشويه التاريخ وتحريف الحقائق ورد الأمور على أدبارها.
وأنه أرسل مسلم بن عقيل - ابن عمه - إليهم ليأخذ عليهم البيعة وينظر
هو في اتِّباعه، فنهاه ابن عباس وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن عقيل قد قتل وأسلمه من كان استدعاه! ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ. فتمادى واستمر غضبًا للدين وقيامًا بالحق. ولكنه ﵁ لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر (١) وطلب
_________
(١) في إيثاره العافية، وحرصه على وحدة المسلمين وتفرغهم لنشر الدعوة والفتوح.
الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة. ليس حوله مثله ولا له من الأنصار من يرعى حقه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد (١) فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يجبرها سرور الدهر.
وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله ﷺ (٢) «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» . فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله - ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر - لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي ﷺ وما قال في أخيه (٣) ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ ما أدرى في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله ﷺ بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما أسلموه أبدا.
وهذا أحمد بن حنبل - على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه -
_________
(١) أي يزعم مثيرو الفتنة الذين يشهدون بغير ما علموا.
(٢) من حديث عرفجة في كتاب الإمارة من صحيح مسلم: باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (ك ٣٣ ح ٥٩ - ج ٦ ص ٢٢) .
(٣) " ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
قد أدخل عن يزيد بن معاوية في (كتاب الزهد) أنه كان يقول في خطبته: " إذا مرض أحدكم مرضًا فأُشفي ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه " وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يُقْتَدَى بقولهم ويُرْعَوَى من وعظهم، ونعم. وما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين. فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور، ألا تستحيون؟ ! وإذ سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون، وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] والحمد لله رب العالمين.
وانظر إلى ابن الزبير بعد ذلك وما دخل فيه من البيعة له بمكة، والأرض كلها عليه. وانظروا إلى ابن عباس وعقله وإقباله على نفسه. وانظروا إلى ابن عمر وسنه وتسليمه للدنيا ونبذه لها. ولو كان للقيام وجه لكان أولى بذلك ابن عباس، فإن ولدي أخيه عبيد الله قد ذكر أنهما قتلا ظلمًا (١) . ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله! وإن الأمر راهق (٢) قد خرجا عنه حفظًا للأصل، وهو اجتماع أمر الأمة وحقن دمائها وائتلاف كلمتها. ودع الأمر يتولاه أسود مجدع
_________
(١) كان ذلك سنة ٤٠ في اليمن آخر ولاية عبيد الله بن عباس عليهما لعلي، فأرسل معاوية إلى الحجاز واليمن بسر بن أبي أرطاة فأخذ له البيعة على أهل الحجاز، ثم توجه بسر إلى اليمن، فلما علم عبيد الله بمجيئه هرب إلى الكوفة وترك ابنيه في اليمن فقتلهما بسر فيما يقال.
(٢) أي تداخل حقه في باطله.
[الحسين بين الذين نهوه عن الخروج والذين حرضوه عليه]
فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي. قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة. وإن بوله يجري على صدر النبي ﷺ، ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن (١) يا لله ويا للمسلمين.
وإن أمثل ما روي فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة ينعي له
_________
(١) البوغاء: التراب الناعم.
معاوية ويأمره أن يأخذ له البيعة على أهل المدينة - وقد كانت تقدمت - فدعا مروان فأخبره فقال له: أرسل إلى الحسين بن علي وابن الزبير، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله، نقتل الحسين بن علي وابن الزبير؟ قال: هو ما أقوله لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير، فنعى إليه معاوية وسأله البيعة، فقال: ومثلي يبايع هنا؟ ارق المنبر، وأنا [أبايع] مع الناس علانية. فوثب مروان وقال: اضرب عنقه، فإنه صاحب فتنة وشر. فقال [ابن الزبير]: فإنك لهنالك يا ابن الزرقاء؟ (واستبّا) . فقال الوليد: اخرجا عني، وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة في شيء، وخرجا من عنده. وجعل الوليد عليهما الرصد. فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة فالتقيا بها فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم. فهذا ما صح.
وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين (١)
_________
(١) أول من كتب إليه من شيوخ شيعته - على ما رواه مؤرخهم لوط بن يحيى - سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وأرسلوا كتابهم مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، فبلغا حسينا بمكة في عاشر رمضان سنة ٦٠، وبعد يومين سرحوا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة السلولي بثلاث وخمسين صحيفة، وبعد يومين آخرين سرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي (وفي الطبري ٦: ١٩٧ نصوص بعض رسائلهم وأسماء بعض أصحابها) وهي تدور على أنهم لا يجتمعون مع أميرهم النعمان بن بشير في جمعة، ويدعون الحسين إليهم حتى إذا أقبل طردوا أميرهم وألحقوه بالشام، ويقولون في بعضها: " أينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند " فأرسل الحسين إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليرى إن كانوا مستوثقين مجتمعين ليقدم هو عليهم بعد ذلك. وضل مسلم بن عقيل في الطريق ومات من معه من العطش، فكتب إلى الحسين يستعفيه من هذه المهمة، فأجابه: خشيت ألا يكون حملك على الاستعفاء إلا الجبن. فمضى مسلم حتى بلغ الكوفة، وأعطاه البيعة للحسين اثنا عشر ألفا منهم، وشعر أمير الكوفة النعمان بن بشير بحركاتهم فخطب فيهم ينهاهم عن الفتنة والفرقة، وقال لهم: إني لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا آخذ بالظنة والتهمة، فإن أبديتم لي صفحتكم ونكثتم بيعتكم لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي. وعلم يزيد أن النعمان بن بشير حليم ناسك لا يصلح في مقاومة مثل هذه الحركة، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على البصرة أنه قد ضم إليه الكوفة أيضا، وأمره أن يأتي الكوفة وأن يطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى يثقفه فيوثقه فيقتله أو ينفيه. فاستخلف عبيد الله أخاه على البصرة، وأقبل إلى الكوفة فاتصل برؤسائها وقبض على أزمة الحال، فما لبث مسلم بن عقيل أن رأى مبايعيه الاثني عشر ألفا كالهباء، ورأى نفسه وحيدا طريدا، ثم قبض عليه وقتل. وكان الحسين قد جاءته قبل ذلك رسائل مسلم بن عقيل بأن اثني عشر ألفا بايعوه على الموت، فخرج عقب موسم الحج يريد الكوفة، ولم يشجعه على الخروج إلا ابن الزبير لأنه عرف أن أهل الحجاز لا يتابعونه ما دام الحسين معهم، فصار الحسين أثقل خلق الله على ابن الزبير (الطبري ٦: ١٩٦ - ١٩٧ وانظر ٦: ٢١٦ و٢١٧) . أما المشفقون على الحسين من هذا الخروج المشئوم فهم جميع أحبائه وذوي قرابته والناصحين له والمتحرين سنة الإسلام في مثل هذا الموقف، كل هؤلاء نهوه عن مسيره، وحذروه من عواقبه، وفي طليعتهم أخوه محمد بن الحنفية (الطبري ٦: ١٩٠ - ١٩١)، (وابن عم أبيه حبر الأمة عبد الله بن العباس الطبري ٦: ٢١٦ - ٢١٧) وابن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٢: ٢١٩)، وقد بلغ الأمر بعبد الله بن جعفر أن حمل والي يزيد على مكة - وهو عمر بن سعيد بن العاص - على أن يكتب للحسين كتاب الأمان ويمنيه فيه البر والصلة ويسأله الرجوع، فأجابه والي مكة إلى كل ما طلب وقال له: اكتب ما تشاء وأنا أختم على الكتاب، فكتبه وختمه الوالي، وبعث به إلى الحسين مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص، وذهب عبد الله بن جعفر مع يحيى، وجهدا بالحسين أن يثنياه عن السفر فأبى (وصورة كتاب الوالي في تاريخ الطبري ٦: ٢١٩ - ٢٢٠)، وليس فوق هؤلاء الناصحين أحد في عقلهم وعلمهم ومكانتهم وإخلاصهم، بل إن عبد الله بن مطيع داعية ابن الزبير كان من ناصحيه بعقل وإخلاص (الطبري ٦: ١٩٦) وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان على هذا الرأي (الطبري ٦: ٢١٥ - ٢١٦) والحارث بن خالد بن العاص بن هشام لم يأله نصحا (٦: ٢١٦) وحتى الفرزدق الشاعر قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية. (الطبري ٦: ٢١٨) فلم يفد شيء من هذه الجهود في تحويل الحسين عن هذا السفر الذي كان مشئوما عليه، وعلى الإسلام وعلى الأمة الإسلامية إلى هذا اليوم وإلى قيام الساعة، وكل هذا بجناية شيعته الذين حرضوه بجهل وغرور، رغبةً في الفتنة والفرقة والشر، ثم خذلوه بجبن ونذالة وخيانة وغدر. ولم يكتف ورثتهم بما فعل أسلافهم فعكفوا على تشويه التاريخ وتحريف الحقائق ورد الأمور على أدبارها.
وأنه أرسل مسلم بن عقيل - ابن عمه - إليهم ليأخذ عليهم البيعة وينظر
هو في اتِّباعه، فنهاه ابن عباس وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن عقيل قد قتل وأسلمه من كان استدعاه! ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ. فتمادى واستمر غضبًا للدين وقيامًا بالحق. ولكنه ﵁ لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر (١) وطلب
_________
(١) في إيثاره العافية، وحرصه على وحدة المسلمين وتفرغهم لنشر الدعوة والفتوح.
الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة. ليس حوله مثله ولا له من الأنصار من يرعى حقه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد (١) فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يجبرها سرور الدهر.
وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله ﷺ (٢) «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» . فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله - ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر - لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي ﷺ وما قال في أخيه (٣) ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ ما أدرى في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله ﷺ بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما أسلموه أبدا.
وهذا أحمد بن حنبل - على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه -
_________
(١) أي يزعم مثيرو الفتنة الذين يشهدون بغير ما علموا.
(٢) من حديث عرفجة في كتاب الإمارة من صحيح مسلم: باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (ك ٣٣ ح ٥٩ - ج ٦ ص ٢٢) .
(٣) " ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
قد أدخل عن يزيد بن معاوية في (كتاب الزهد) أنه كان يقول في خطبته: " إذا مرض أحدكم مرضًا فأُشفي ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه " وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يُقْتَدَى بقولهم ويُرْعَوَى من وعظهم، ونعم. وما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين. فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور، ألا تستحيون؟ ! وإذ سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون، وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] والحمد لله رب العالمين.
وانظر إلى ابن الزبير بعد ذلك وما دخل فيه من البيعة له بمكة، والأرض كلها عليه. وانظروا إلى ابن عباس وعقله وإقباله على نفسه. وانظروا إلى ابن عمر وسنه وتسليمه للدنيا ونبذه لها. ولو كان للقيام وجه لكان أولى بذلك ابن عباس، فإن ولدي أخيه عبيد الله قد ذكر أنهما قتلا ظلمًا (١) . ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله! وإن الأمر راهق (٢) قد خرجا عنه حفظًا للأصل، وهو اجتماع أمر الأمة وحقن دمائها وائتلاف كلمتها. ودع الأمر يتولاه أسود مجدع
_________
(١) كان ذلك سنة ٤٠ في اليمن آخر ولاية عبيد الله بن عباس عليهما لعلي، فأرسل معاوية إلى الحجاز واليمن بسر بن أبي أرطاة فأخذ له البيعة على أهل الحجاز، ثم توجه بسر إلى اليمن، فلما علم عبيد الله بمجيئه هرب إلى الكوفة وترك ابنيه في اليمن فقتلهما بسر فيما يقال.
(٢) أي تداخل حقه في باطله.
Translation
الحسين بين الذين نهوه عن الخروج والذين حرضوه عليه