Back to the aqeedah library
98 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah) فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية (المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية)
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam...
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Mahmud Shukri Alusi (أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي
98
Total sections
98 chapters
#21
Chapter 21 — التمسك بخرافات السحر
· ref. #21
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم]
إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم (الثامنة عشرة): من خصال الجاهِليةِ: أنَّهم لا يَقْبَلونَ مِنَ الحَقِّ إِلا ما تَقولُ بِهِ طائِفَتهمْ. قَالَ تعالى [البقرة: ٩١]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]
وَمَعْنى ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: نَسْتَمرُّ عَلى الإِيمانِ بالتَّوراةِ ومما في حُكْمها، ومرادهم مما أُنزِلَ في تقريرِ حُكْمِها، ومرادُهم بضميرِ المُتكَلِّمِ إمَّا أنبياءُ بَني إسرائيلَ- وهو الظَّاهرُ، وفيه إيماء إلى أنَّ عدمَ إيمانِهم بالقرآنِ كانَ بغيًا وحَسَدًا على نُزولِهِ على مَن لَيْسَ مِنهم، وإمَّا أنفُسُهُم، ومعنى الإِنزالِ عليهم: تكليفُهُم بِما في المُنَزَّلِ مِن الأحكامِ.
وَذُمُّوا على هذِهِ المقالةِ لِما فيها مِن التَعريضِ بشأنِ القرآنِ، ودَسائسُ اليهود مشهورة، أو لأنهم تَأوَّلوا الأمرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونزلوه على خاصٍّ هو الإِيمانُ بِما أُنْزِل عَليهم، كَما هو دَيْدَنُهُم في تأويلِ الكِتابِ بغيرِ المرادِ مِنهُ. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: هُمْ مقارنونَ لِحَقِيقتِهِ، أيْ: عالِمونَ بها ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لأنَّ كُتُبَ الله يُصدِّقُ بعضُها بَعضًا، فالتَّصديقُ لازِم لا يَنْتَقِلُ، وقد قَرَّرَتْ مَضمونَ الخَبَرِ، لأنَّها كالاسْتدلالِ عليه، ولِهذا تَضَمَّنت رَدَّ قولهِم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] حَيثُ أنَّ مَن لمْ يُصَدِّقْ بها بِما وافَقَ التّوَراةَ، لم يصَدقْ بِهِا.
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أمْرٌ للنَّبِيِّ ﷺ أنْ يقولَ ذلكَ تَبْكيتًا لهم، حيث قَتَلوا الأنبياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإِيمانِ بالتَّوراةِ، وهِي لا تُسَوّغُه.
[التمسك بخرافات السحر]
التمسك بخرافات السحر (التاسعة عشرة) من خِصالهم: الاعتياض عن كِتابِ اللهِ تَعالى بكتُبِ السِّحرِ، كَما قال تَعالى في سورةِ "البقرةِ" [١٠١ - ١٠٢]: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢]
إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم (الثامنة عشرة): من خصال الجاهِليةِ: أنَّهم لا يَقْبَلونَ مِنَ الحَقِّ إِلا ما تَقولُ بِهِ طائِفَتهمْ. قَالَ تعالى [البقرة: ٩١]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]
وَمَعْنى ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: نَسْتَمرُّ عَلى الإِيمانِ بالتَّوراةِ ومما في حُكْمها، ومرادهم مما أُنزِلَ في تقريرِ حُكْمِها، ومرادُهم بضميرِ المُتكَلِّمِ إمَّا أنبياءُ بَني إسرائيلَ- وهو الظَّاهرُ، وفيه إيماء إلى أنَّ عدمَ إيمانِهم بالقرآنِ كانَ بغيًا وحَسَدًا على نُزولِهِ على مَن لَيْسَ مِنهم، وإمَّا أنفُسُهُم، ومعنى الإِنزالِ عليهم: تكليفُهُم بِما في المُنَزَّلِ مِن الأحكامِ.
وَذُمُّوا على هذِهِ المقالةِ لِما فيها مِن التَعريضِ بشأنِ القرآنِ، ودَسائسُ اليهود مشهورة، أو لأنهم تَأوَّلوا الأمرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونزلوه على خاصٍّ هو الإِيمانُ بِما أُنْزِل عَليهم، كَما هو دَيْدَنُهُم في تأويلِ الكِتابِ بغيرِ المرادِ مِنهُ. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: هُمْ مقارنونَ لِحَقِيقتِهِ، أيْ: عالِمونَ بها ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لأنَّ كُتُبَ الله يُصدِّقُ بعضُها بَعضًا، فالتَّصديقُ لازِم لا يَنْتَقِلُ، وقد قَرَّرَتْ مَضمونَ الخَبَرِ، لأنَّها كالاسْتدلالِ عليه، ولِهذا تَضَمَّنت رَدَّ قولهِم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] حَيثُ أنَّ مَن لمْ يُصَدِّقْ بها بِما وافَقَ التّوَراةَ، لم يصَدقْ بِهِا.
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أمْرٌ للنَّبِيِّ ﷺ أنْ يقولَ ذلكَ تَبْكيتًا لهم، حيث قَتَلوا الأنبياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإِيمانِ بالتَّوراةِ، وهِي لا تُسَوّغُه.
[التمسك بخرافات السحر]
التمسك بخرافات السحر (التاسعة عشرة) من خِصالهم: الاعتياض عن كِتابِ اللهِ تَعالى بكتُبِ السِّحرِ، كَما قال تَعالى في سورةِ "البقرةِ" [١٠١ - ١٠٢]: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢]
Translation
التمسك بخرافات السحر
#22
Chapter 22 — التناقض في الانتساب
· ref. #22
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التناقض في الانتساب
Translation
التناقض في الانتساب
#23
Chapter 23 — صرف النصوص عن مدلولاتها
· ref. #23
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
والكلامُ على هذهِ الآية في التفاسيرِ مشهور، وهذه الخَصلةُ الجاهِلِيّةُ مَوجودة اليومَ في كَثيرٍ من النَّاسِ، لا سِيَّما مَن انتسبَ إلى الصَّالِحينَ وهو عنهم بِمراحِلَ، فَيَتَعاطَى الأعمالَ السِّحريَّةَ مِن إمساكِ الحَيَّاتِ، وضرْبِ السِّلاحِ، والدُّخولِ في النِّيرانِ، وغيرِ ذلك مِمَّا وَرَدَتِ الشَّريعةُ بإبطالِهِ، فَأعْرَضوا، ونبذوا كتابَ الله وَراءَ ظُهورِهِم، واتَّبَعوا ما ألْقاهُ إليهِم شَياطينُهُم، وادَّعَوا أنَّ ذلِكَ مِنَ الكَراماتِ، مَعَ أنَّ الكَرامةَ لا تصدرُ عن فاسِقٍ، ومَن يَتَعاطى تلكَ الأعمال فِسْقُهُم ظاهِرٌ لِلْعَيانِ، ولِذا اتَّخَذوا دِيْنَهم لَعِبًا ولَهْوًا، وفي مِثلهم قالَ تَعالى [الكهف: ١٠٤]: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]
[التناقض في الانتساب]
التناقض في الانتساب (العشرون): تَناقضهُم في الانْتِسابِ. فَيَنْتَسِبونَ إلى إبراهيمَ ﵇ وإلى الإسلامِ، مَعَ إظْهارِهِمْ تَرْكَ ذلكَ، والانتسابَ إلى غيرِه.
[صرف النصوص عن مدلولاتها]
صرف النصوص عن مدلولاتها (الحادية والعشرون): تَحْرِيفُ كلامِ الله مِن بعدِ ما عَقَلوهُ وهُمْ يَعْلَمونَ. ولَكَمْ في هذا العَصْرِ مَنْ هو على شاكِلَتِهمْ، تَراه يَصْرِفُ النُّصوصَ، وَيُؤوِّلُها إلى ما يَشْتَهيهِ مِن الأهْواءِ.
[التناقض في الانتساب]
التناقض في الانتساب (العشرون): تَناقضهُم في الانْتِسابِ. فَيَنْتَسِبونَ إلى إبراهيمَ ﵇ وإلى الإسلامِ، مَعَ إظْهارِهِمْ تَرْكَ ذلكَ، والانتسابَ إلى غيرِه.
[صرف النصوص عن مدلولاتها]
صرف النصوص عن مدلولاتها (الحادية والعشرون): تَحْرِيفُ كلامِ الله مِن بعدِ ما عَقَلوهُ وهُمْ يَعْلَمونَ. ولَكَمْ في هذا العَصْرِ مَنْ هو على شاكِلَتِهمْ، تَراه يَصْرِفُ النُّصوصَ، وَيُؤوِّلُها إلى ما يَشْتَهيهِ مِن الأهْواءِ.
Translation
صرف النصوص عن مدلولاتها
#24
Chapter 24 — تحريف كتب الدين
· ref. #24
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
تحريف كتب الدين
Translation
تحريف كتب الدين
#25
Chapter 25 — الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها
· ref. #25
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها
Translation
الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها
#26
Chapter 26 — كفرهم بما مع غيرهم من الحق
· ref. #26
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[تحريف كتب الدين]
تحريف كتب الدين (الثانية والعشرون): تَحْريفُ العلماءِ لكتُبِ الدِّين. قال الله تَعالى [البقرة: ٧٨-٧٩]: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩] وَمَن نَظَرَ إلى قُضاةِ هذا الزَّمانِ (١) وما تَلاعَبوا بِهِ مِن الأحكامِ، وصَرْفِ التصرف إلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وتبديلِ الحَقِّ وإبطالِهِ، بِما يَنالونَه من الرشى وغيرِ ذلكَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ اليومَ، تبيَّنَ لَه من ذلك بحرٌ لا ساحلَ لَهُ وَهكَذا بعضُ المُبتَدِعَةِ وغلاةُ القُبورِ، وقد بُيِّنَ حالُهُم في غيرِ هذا الموضعِ.
[الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها]
الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها (الثالثة والعشرون): وهي من أعجَبِ المسائلِ والخصالِ مُعاداةُ الدِّين الذي انْتَسَبوا إليهِ أشَدَّ العداوةِ، ومُوالاتهم لِمَذْهَبِ الكُفَّارِ الذينَ فارَقوهم أكْمَلَ الموالاة، كما فَعَلوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لمَّا أتاهُمْ بِدينِ موسى، واتَّبَعوا كُتُبَ السِّحْرِ، وَهو مِن دِينِ آلِ فرعونَ ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السنة، وعادوها، ونصروا أقوال الفَلاسِفَةِ وأحْكامَهُمْ.
[كفرهم بما مع غيرهم من الحق]
كفرهم بما مع غيرهم من الحق (الرابعة والعشرون): أنَّهُم لَمَّا افْتَرقوا، وَكلّ طائِفَةٍ لا تَقْبَلُ مِنَ الحَقِّ إلاَ ما قالَتْهُ طائفتهُم، وكَفَروا بِما مَعَ غَيرِهِم مِنَ الحَقِّ، قالَ تَعالى في [سورة البَقَرَةِ: ١١٣]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ولا شَكَّ أنَّ هذِهِ مِنَ خِصالِ
_________
(١) المؤلف ﵀ عاصر الدولة العثمانية؛ ويذكر المشاهد في زمنه.
تحريف كتب الدين (الثانية والعشرون): تَحْريفُ العلماءِ لكتُبِ الدِّين. قال الله تَعالى [البقرة: ٧٨-٧٩]: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩] وَمَن نَظَرَ إلى قُضاةِ هذا الزَّمانِ (١) وما تَلاعَبوا بِهِ مِن الأحكامِ، وصَرْفِ التصرف إلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وتبديلِ الحَقِّ وإبطالِهِ، بِما يَنالونَه من الرشى وغيرِ ذلكَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ اليومَ، تبيَّنَ لَه من ذلك بحرٌ لا ساحلَ لَهُ وَهكَذا بعضُ المُبتَدِعَةِ وغلاةُ القُبورِ، وقد بُيِّنَ حالُهُم في غيرِ هذا الموضعِ.
[الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها]
الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها (الثالثة والعشرون): وهي من أعجَبِ المسائلِ والخصالِ مُعاداةُ الدِّين الذي انْتَسَبوا إليهِ أشَدَّ العداوةِ، ومُوالاتهم لِمَذْهَبِ الكُفَّارِ الذينَ فارَقوهم أكْمَلَ الموالاة، كما فَعَلوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لمَّا أتاهُمْ بِدينِ موسى، واتَّبَعوا كُتُبَ السِّحْرِ، وَهو مِن دِينِ آلِ فرعونَ ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السنة، وعادوها، ونصروا أقوال الفَلاسِفَةِ وأحْكامَهُمْ.
[كفرهم بما مع غيرهم من الحق]
كفرهم بما مع غيرهم من الحق (الرابعة والعشرون): أنَّهُم لَمَّا افْتَرقوا، وَكلّ طائِفَةٍ لا تَقْبَلُ مِنَ الحَقِّ إلاَ ما قالَتْهُ طائفتهُم، وكَفَروا بِما مَعَ غَيرِهِم مِنَ الحَقِّ، قالَ تَعالى في [سورة البَقَرَةِ: ١١٣]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ولا شَكَّ أنَّ هذِهِ مِنَ خِصالِ
_________
(١) المؤلف ﵀ عاصر الدولة العثمانية؛ ويذكر المشاهد في زمنه.
Translation
كفرهم بما مع غيرهم من الحق
#27
Chapter 27 — ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها
· ref. #27
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الجاهِلِيَّةِ، وَعِلْيَةِ القوم وكَثير مِنَ النَّاسِ، لا يَعْتَقِدُ الحَقَّ إلاَ مَعَهُ، لا سِيَّما أرباب المذاهِبِ، يَرى كلُّ أهلِ مَذْهَبٍ أنَّ الدِّينَ مَعَه لا يَعْدوهُ إلى غيرِه، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وكل يَدَّعي وَصْلا بِلَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا
والحَزْمُ أنْ يَنْظُرَ إلى الدَّليلِ، فما قام عليه الدَّليلُ، فهو الحَقُّ الحَريُّ أن يُتَلقَّى بالقَبولِ، وما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهان ولا حُجَّةٌ يُنْبَذُ وَراءَ الظهورِ، وكلُّ أحَدٍ يُؤخذ من قَولهِ ويُرَدُّ إِلا مَنِ اصْطفاه الله لِرِسالَتِهِ.
[ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها]
ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها (الخامسة والعشرون): أنهم لَمَّا سَمِعوا قولَه ﷺ في حَديثِ الافْتِراقِ: «وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إلى ثَلاثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النَّار إلاَ واحِدَة» ادَّعى كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها هِي النَّاجِيَةُ كما حَكى الله عَن اليهودِ والنَّصارى في قوله تعالى [البقرة: ١١٣]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في آخِرِ الحَديثِ المُرادَ مِنَ الفرْقَة النَّاجيَةِ، فقالَ: «وَهُمْ ما كُنت أنا عَلَيه وَأصْحابِي» أو كما قال. وَرَدَّ الله تَعالى عليهم بقولِهِ [البقرة: ١١١-١١٢]: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] والمَقصودُ أنَّهم لَيْسَ لَهم بُرهانٌ على هذهِ الدَّعْوى، بَلِ الدَّليلُ على خِلافِ ذلِكَ. وَأبو العَبَّاس تَقيُّ الدِّينِ تكَلَّمَ على حَديثِ الفِرَقِ في كِتابِهِ (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِما لا مَزيدَ عَلَيه، حَيثُ اسْتَدَلَّ بهِ الرَّافِضيُّ على حقية مَذهبهِ وبُطلانِ مَذهب أهل السُّنَّةِ، فراجِعْهُ إنْ أرَدْتَه (١) .
_________
(١) وقد ازدان (منهاج السنة) بالتعليقات النفيسة على مختصره للحافظ الذهبي الذي سماه (المنتقى من منهاج الاعتدال) . نشرته المطبعة السلفية سنة ١٣٧٤ وأعيد طبعه منقحًا سنة ١٣٩٤.
وكل يَدَّعي وَصْلا بِلَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا
والحَزْمُ أنْ يَنْظُرَ إلى الدَّليلِ، فما قام عليه الدَّليلُ، فهو الحَقُّ الحَريُّ أن يُتَلقَّى بالقَبولِ، وما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهان ولا حُجَّةٌ يُنْبَذُ وَراءَ الظهورِ، وكلُّ أحَدٍ يُؤخذ من قَولهِ ويُرَدُّ إِلا مَنِ اصْطفاه الله لِرِسالَتِهِ.
[ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها]
ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها (الخامسة والعشرون): أنهم لَمَّا سَمِعوا قولَه ﷺ في حَديثِ الافْتِراقِ: «وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إلى ثَلاثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النَّار إلاَ واحِدَة» ادَّعى كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها هِي النَّاجِيَةُ كما حَكى الله عَن اليهودِ والنَّصارى في قوله تعالى [البقرة: ١١٣]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في آخِرِ الحَديثِ المُرادَ مِنَ الفرْقَة النَّاجيَةِ، فقالَ: «وَهُمْ ما كُنت أنا عَلَيه وَأصْحابِي» أو كما قال. وَرَدَّ الله تَعالى عليهم بقولِهِ [البقرة: ١١١-١١٢]: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] والمَقصودُ أنَّهم لَيْسَ لَهم بُرهانٌ على هذهِ الدَّعْوى، بَلِ الدَّليلُ على خِلافِ ذلِكَ. وَأبو العَبَّاس تَقيُّ الدِّينِ تكَلَّمَ على حَديثِ الفِرَقِ في كِتابِهِ (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِما لا مَزيدَ عَلَيه، حَيثُ اسْتَدَلَّ بهِ الرَّافِضيُّ على حقية مَذهبهِ وبُطلانِ مَذهب أهل السُّنَّةِ، فراجِعْهُ إنْ أرَدْتَه (١) .
_________
(١) وقد ازدان (منهاج السنة) بالتعليقات النفيسة على مختصره للحافظ الذهبي الذي سماه (المنتقى من منهاج الاعتدال) . نشرته المطبعة السلفية سنة ١٣٧٤ وأعيد طبعه منقحًا سنة ١٣٩٤.
Translation
ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها
#28
Chapter 28 — إنكار ما أقروا أنه من دينهم
· ref. #28
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
إنكار ما أقروا أنه من دينهم
Translation
إنكار ما أقروا أنه من دينهم
#29
Chapter 29 — المجاهرة بكشف العورات
· ref. #29
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[إنكار ما أقروا أنه من دينهم]
إنكار ما أقروا أنه من دينهم (السادسة والعشرون): أنَّهم أنْكَروا ما أقَرُّوا أنَّه مِن دِينِهِم، كَما فَعَلوا في حَجِّ البَيتِ، فَتَعَبَّدوا بِإِنكارِهِ والبراءَةِ مِنه مَعَ ذلكَ الإِقرار كَما قالَ تَعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ١٢٥] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إلى أنْ قالَ [١٣٠- ١٣٢]: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢]
يُقالُ: إنَّ سَبَبَ نُزولِ قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ ما رُويَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلاَم دَعا ابْنَي أخيهِ: سَلَمَةَ ومهاجِرًا إلى الإِسلام، فقال: قَد عَلِمْتُما أنَّ الله تَعالى قالَ في التَّوراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولدِ إسماعيلَ نَبيًّا اسْمُهُ أحمدُ، فَمَنْ آَمَنَ بِهِ، فَقَد اهْتَدى وَرَشَدَ، وَمَنْ لَم يؤمِنْ بِهِ، فهو مَلْعون. فأسْلَمَ سلَمَةُ، وأَبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ. انتهى.
[المجاهرة بكشف العورات]
المجاهرة بكشف العورات (السابعة والعشرون): المجاهرة بِكَشْفِ العَوْراتِ، قال تعالى في سورة [الأعراف: ٢٨-٢٩] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة. وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك. وعَنِ الفَرَّاءِ تْخصِيصُها بِكشفِ العَورةِ. وفي الآية حَذْفٌ، أيْ: وَإِذَا فَعَلوُا فاحِشَة فنهوا عنها قَالوُا: وَجَدنَا عليها آباءنا وَاللَّهُ أمرنَا بِهَا، مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: بِتَقْليدِ الآباءِ، والافتراءِ على الله. وكان مِن سُنَّةِ الحُمْسِ أنَّهم لا يَخْرُجونَ أيَّامَ المَوسِم إلى عَرَفاتٍ. إنَّما يَقِفونَ بِالمُزْدَلِفَةِ،
إنكار ما أقروا أنه من دينهم (السادسة والعشرون): أنَّهم أنْكَروا ما أقَرُّوا أنَّه مِن دِينِهِم، كَما فَعَلوا في حَجِّ البَيتِ، فَتَعَبَّدوا بِإِنكارِهِ والبراءَةِ مِنه مَعَ ذلكَ الإِقرار كَما قالَ تَعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ١٢٥] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إلى أنْ قالَ [١٣٠- ١٣٢]: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢]
يُقالُ: إنَّ سَبَبَ نُزولِ قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ ما رُويَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلاَم دَعا ابْنَي أخيهِ: سَلَمَةَ ومهاجِرًا إلى الإِسلام، فقال: قَد عَلِمْتُما أنَّ الله تَعالى قالَ في التَّوراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولدِ إسماعيلَ نَبيًّا اسْمُهُ أحمدُ، فَمَنْ آَمَنَ بِهِ، فَقَد اهْتَدى وَرَشَدَ، وَمَنْ لَم يؤمِنْ بِهِ، فهو مَلْعون. فأسْلَمَ سلَمَةُ، وأَبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ. انتهى.
[المجاهرة بكشف العورات]
المجاهرة بكشف العورات (السابعة والعشرون): المجاهرة بِكَشْفِ العَوْراتِ، قال تعالى في سورة [الأعراف: ٢٨-٢٩] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة. وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك. وعَنِ الفَرَّاءِ تْخصِيصُها بِكشفِ العَورةِ. وفي الآية حَذْفٌ، أيْ: وَإِذَا فَعَلوُا فاحِشَة فنهوا عنها قَالوُا: وَجَدنَا عليها آباءنا وَاللَّهُ أمرنَا بِهَا، مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: بِتَقْليدِ الآباءِ، والافتراءِ على الله. وكان مِن سُنَّةِ الحُمْسِ أنَّهم لا يَخْرُجونَ أيَّامَ المَوسِم إلى عَرَفاتٍ. إنَّما يَقِفونَ بِالمُزْدَلِفَةِ،
Translation
المجاهرة بكشف العورات
#30
Chapter 30 — التعبد بتحريم الحلال
· ref. #30
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
وكانوا لا يَسلأون، وَلا يَأقطونَ، ولا يَرْتَبطونَ عَنْزًا ولا بَقَرَةً، ولا يَغْزُلونَ صوفًا ولا وَبَرًا، ولا يَدْخُلونَ بَيْتًا مِنَ الشَّعْرِ والمَدرِ، وإنَّما يَكْتنُّونَ بالقبابِ الحُمْرِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ فَرَضوا على العَرَبِ قاطِبةً أنْ يَطَّرِحوا أزْوادَ الحِلِّ إذا دَخَلوا الحَرَمَ، وأنْ يَتركوا ثِيابَ الحِلِّ، ويَسْتبدِلوها بثيابِ الحَرَم، إمَّا شراء وإمَّا عارِيّة وإمَّا هِبَة، فإِنْ وَجَدوا ذلك فيها، وإلا طافوا بالبيَتِ عَرايا. وَفَرَضوا على نِساءِ العربِ مثلَ ذلكَ. غيرَ أنَّ المرأةَ كانت تَطوفُ في درج مُفَرَّجِ القَوادمِ والمَآخيرِ. قالتِ امرأةٌ (١) وهي تطوفُ بالبيتِ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ... ومَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ
أخْتَمَ مِثْلَ القِعْبِ بَادٍ ظِلُّهُ ... كأنَّ حُمَّى خَيْبَرٍ تَمُلُّهُ
وكَلَّفوا العربَ أن يُفِيضوا مِن مُزْدَلِفَةَ، وقد كانوا يُفيضون مِن عَرَفَةَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأمورِ الَّتي ابْتَدَعوها وتَشَرَّعوها، مِمَّا لم يأذنْ بِهِ الله. ومَعَ ذلِكَ كانوا يَدَّعونَ أنَّهم على شَريعةِ أبيهم إبراهيم ﵇ وما ذلكَ إلا لِجاهِلِيتهِم.
وغالبُ مَن يَنْتَمي إلى الإِسلامِ اليومَ ابْتَدَعوا في الدِّينِ ما لم يأذَنْ بِهِ الله: فَمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجده، ومِنهم مَن اتَّخَذَ الطَّوافَ على القُبورِ والقصد إليها والنُّذورَ أخْلَصَ عِبادَتِهِ وَأَفْضَلَ قُرُباتِهِ، ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ الرَّهْبانِيّةَ والحِيَلَ الشَّيْطانِيّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سَلَكَ سبيلَ الزُّهَّادِ وطريقَ العُبَّادِ، ومَقْصِدُه الأعلى شَهَواتِهِ الحَيْوانِيَّةِ، والفَوزُ بهذهِ الدُّنيا الدَّنِية، إِلَى غيرِ ذلك مِمَّا يَطولُ، ولا يعلمُ ماذا يقولُ:
إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضي ... وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمعُ الخُصُوْمُ.
[التعبد بتحريم الحلال]
التعبد بتحريم الحلال (الثامنة والعشرون): التَّعَبُّدُ بِتَحْريمِ الحَلالِ، فَرَدَّ الله تعالى ذلِكَ عَليهم بِقولهِ في سورة [الأعراف: ٣١-٣٣]، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣] ومعنى الآيات.
_________
(١) هي ضباعة بنت عامر بن صعصة.
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ... ومَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ
أخْتَمَ مِثْلَ القِعْبِ بَادٍ ظِلُّهُ ... كأنَّ حُمَّى خَيْبَرٍ تَمُلُّهُ
وكَلَّفوا العربَ أن يُفِيضوا مِن مُزْدَلِفَةَ، وقد كانوا يُفيضون مِن عَرَفَةَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأمورِ الَّتي ابْتَدَعوها وتَشَرَّعوها، مِمَّا لم يأذنْ بِهِ الله. ومَعَ ذلِكَ كانوا يَدَّعونَ أنَّهم على شَريعةِ أبيهم إبراهيم ﵇ وما ذلكَ إلا لِجاهِلِيتهِم.
وغالبُ مَن يَنْتَمي إلى الإِسلامِ اليومَ ابْتَدَعوا في الدِّينِ ما لم يأذَنْ بِهِ الله: فَمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجده، ومِنهم مَن اتَّخَذَ الطَّوافَ على القُبورِ والقصد إليها والنُّذورَ أخْلَصَ عِبادَتِهِ وَأَفْضَلَ قُرُباتِهِ، ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ الرَّهْبانِيّةَ والحِيَلَ الشَّيْطانِيّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سَلَكَ سبيلَ الزُّهَّادِ وطريقَ العُبَّادِ، ومَقْصِدُه الأعلى شَهَواتِهِ الحَيْوانِيَّةِ، والفَوزُ بهذهِ الدُّنيا الدَّنِية، إِلَى غيرِ ذلك مِمَّا يَطولُ، ولا يعلمُ ماذا يقولُ:
إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضي ... وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمعُ الخُصُوْمُ.
[التعبد بتحريم الحلال]
التعبد بتحريم الحلال (الثامنة والعشرون): التَّعَبُّدُ بِتَحْريمِ الحَلالِ، فَرَدَّ الله تعالى ذلِكَ عَليهم بِقولهِ في سورة [الأعراف: ٣١-٣٣]، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣] ومعنى الآيات.
_________
(١) هي ضباعة بنت عامر بن صعصة.
Translation
التعبد بتحريم الحلال
#31
Chapter 31 — الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته
· ref. #31
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي ثِيابَكُم لِمواراةِ عَوْراتِكُم عِندَ طوافٍ أوْ صَلاةٍ. وسَبَبُ النُّزول: أنَّه كانَ أُناس مِن الأعرابِ يَطوفونَ بِالبيتِ عُراةً، حَتّىَ أنْ كانتِ المَرْأةُ لَتَطوفُ بِالبيتِ وهِيَ عُريانة، فَتُعَلِّق على سُفْلِها سُيورًا مِثلَ هذهِ السُّيورِ التي تكونُ على وجْهِ الحُمْرِ من الذُّبابِ، وهي تَقولُ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهْ
فَأنْزَلَ الله تَعالى هذهِ الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] قال الكَلْبِيُّ: كان أهلُ الجاهِلِيَّة لا يَأكُلونَ مِنَ الطَّعامِ إلا قُوتًا، ولا يأكلونَ دَسمًا في أيَّام حَجِّهم، يُعَظِّمونَ بذلِكَ حَجَّهم، فقالَ المُسلِمونَ: يَا رَسُولَ الله، نَحْن أحَقُّ بِذلِكَ، فَأنْزَلَ الله تَعالىَ الآية.
وَفِيْهِ يَظْهَرُ وجهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بِتَحْريمِ الحلالِ، كما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزولِ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] بَلْ يُبْغِضُهُمْ، وَلاَ يَرْضى أفْعالَهُمْ.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنَ الثِّيابِ وكل ما يتجمل به وخلقه لنفعهم من الثياب كالقُطْنِ والكِتَّانِ والحَيوانِ كالحَريرِ والصُّوفِ ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: المُسْتَلَذَّاتِ - وقيلَ المُحَلَّلات- ومِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَشَحْمِهَا وَلبَنِها ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ هي لَهُم بالأصالَة لِمَزيدِ كَرَامَتِهِمْ على الله تعالى والكَفَرَةُ وإنْ شارَكوهُم فيها فبِالتبعِ، فَلاَ إشْكالَ في الاخْتِصاصِ ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: لا يُشارِكُهم فيها غَيْرُهُم ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: مِثْل تَفْصيلِنا هذا الحُكْمَ، نُفَصِّلُ سائِرَ الأحكامِ لِمَنْ يَعْلَمُ ما في تَضامينها مِنَ المَعاني الرَّائِقَةِ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصي، ومِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالفُروج، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بَدَل مِنَ الفَواحِشِ، أيْ جَهْرَها وَسرَّها. وعَنِ البَعْضِ: "مَا ظَهَرَ" الزِّنا عَلانِيةً، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا سِرًّا وَكانوا يَكْرَهونَ الأوَّلَ، ويَفْعَلونَ الثَّانيَ، فنهوا عَن ذلِكَ مُطْلَقًا.
وعن مُجاهِدٍ: "مَا ظَهَرَ" التَّعَرِّي في الطَّوافِ، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا. والبَعْضُ يَقولُ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بالنَّهارِ، والثَّاَني طوافُ النِّساءِ بالليلِ عارِياتٍ. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي: ما يُوجِب الإِثمَ، وأصله الذَّمّ، ثُمَّ أُطْلِق على ما يوجِبَه مِن مطلَقِ الذَّنْبِ، وَذُكِرَ لِلتَعميمِ بَعْدَ التَّخْصيصِ بِناءً على ما تَقَدَّم مِن معْنى الفَواحِشِ.
ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ الإِثمَ هو الخَمْرُ، وَعَلَيْهِ أهلُ اللغَة، وَأنْشَدوا لَه قَولَ الشَّاعِرِ:
نَهانا رَسول الله أنْ نَقْرَبَ الزِّنى ... وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الذي يوجِبُ الوِزْرا
وَقَولَ الآخَرِ:
شَرِبتُ الإِثْمَ حَتى ضلَّ عَقْلِي ... كذلكَ الإِثمُ يَذْهَبُ بِالعُقولِ
﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهو الظلم والاستطالة على الناس، وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله، أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم [الأعراف: ٢٨] ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ولا يخفى أن متصوفة زماننا على هذه الخصلة الجاهلية: فقد حرموا على أنفسهم زينة الله والطيبات من الرزق ليعتقد الناس صلاحهم، وابتدعوا الخلوات والرياضات وغير ذلك من شعائرهم في المأكل والملبس وسائر شئونهم، وما دروا أنهم بذلك من القوم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
[الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته]
الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته (التاسعة والعشرون): الإِلْحادُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، قالَ سُبحانَه في سورة [الأعراف: ١٨٠]: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] تَفسيرُ هذِهِ الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تنبيه للمُؤمِنينَ على كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعَالى، وَكَيْفِيّة المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بذلِكَ الغافِلينَ عَنه سُبحانَه، وَعَمَّا يَليقُ بِشأنِه، إثْرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمُ التَّامَّة، وَضَلالَتِهمُ الطَّامَّة.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] إمَّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمعْنى التّسمِيَةِ، كَقَولهِم: دَعَوْتُهُ زَيدًا، أوْ يزيد أيْ: سَمَّيْتُهُ، أو الدُّعاءِ بِمعْنى النِّداءِ، كَقَولهِم: دَعْوتُ زيدًا، أيْ: نادَيْتُهُ.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] أيْ يَميلونَ وَيَنْحَرِفون فيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقال: ألْحَدَ، إذا مال عَنِ القَصْدِ والاستِقامَةِ، ومِنه لَحْدُ القَبْرِ لِكَونهِ في جانِبِهِ بِخلافِ الضَّريحِ، فإنَّهُ في وَسَطِهِ.
والإِلحادُ في أسمائِهِ سبحانَه أنْ يُسَمَّى بِلا تَوْقيفٍ فيه، أوْ بِما يُوهِمُ مَعنًى فاسِدًا، كما في قولِ أهلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِم، يا أبيضَ الوجْهِ، يا سَخِيُّ، ونحو ذلك، فالمُرادُ بِترْكِ المأمورِ بِهِ الاجتنابُ عن ذلك، وأسمائِهِ ما أطْلَقوهُ عَلَيه تَعالى
وَسَمَّوهُ به على زَعَمِهِم، لا أسماؤه تعالى حَقَيقَةً، وعلى ذلك يحْمَل تَرْكُ الإِضمارِ، بأنْ يُقالَ: يُلحِدون بِها. وَقَالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] وهذِهِ الآيةُ في سورةِ [الرعد: ٣٠] عن قَتادَةَ وابنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ أنَّ الآية نَزَلَتْ في مُشْرِكي مَكَّةَ لَمَّا رَأوا كِتابَ الصُّلْحِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ وقد كَتَبَ فيه عَليٌّ ﵁: " بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ "، فَقالَ سُهيلُ بنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمنَ إلا مُسَيْلِمَةَ.
ومِنهم مَن قال: سَمِعَ أبو جَهْلٍ قَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «يَا الله يا رحمن»، فقال: إنَّ محمَّدًا يَنهانا عَن عبادةِ الآلهةِ وهو يَدعو إلهينِ، فَنَزَلَتْ وَعَن بعضِهِمِ أنَّه لَمَّا قِيلَ لِكُفَّارِ قُريشٍ: اسجدوا للرحمن قالوا: وَمَا الرَّحمَنُ، فَنَزَلَتْ، وقيلَ غَيْرُ ذلِكَ مِمَّا يَطولُ. وَقَالَ تَعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣] من سورة حم [السجدة: ٢١-٢٣]، وفي هذِهِ الآية إخبارٌ أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّةِ كانوا يُلْحِدونَ في صِفاتِهِ، كما كانوا يُلحِدونَ في أسمائِه تَعالى. أخرَجَ أحمدُ والبُخاريُّ ومُسلِم والترِّمذيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعةٌ عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: كُنتُ مُسْتَندًا بأستارِ الكعبةِ، فجاءَ ثلاثةُ نَفَرٍ- قُرَشيٌّ وثَقَفيَّانِ، أو ثَقَفِي وقُرَشيانِ- كثيرٌ لحمُ بُطونهم؛ قَليلٌ عفة قُلوبِهم، فَتكَلَّموا بكلامٍ لمْ أسْمَعْهُ، فقال أحَدُهُمِ: أتَرَونَ الله يَسمعُ كلامَنا هذا؟ فَقَال الآخَرُ: إذا رَفَعْنا أصْواتَنا يَسْمَعُهُ، وإذا لم نَرْفعْ لم يَسْمَعْ، فقال الآخَرُ: إنْ سَمِعَ منه شَيئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ. قال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ، فَأنْزَلَ الله تَعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣] فهذا هو الإِلحادُ في الصِّفاتِ. وأنتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَلَيْهِ أكثرُ المُتكَلِّمينَ المُسلِمينَ مِنَ الإِلحادِ في الأسماءِ والصِّفاتِ فَوْقَ ما كانَ عَلَيه أهل الجاهِلِيَّةِ، فَسَمَّوا
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهْ
فَأنْزَلَ الله تَعالى هذهِ الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] قال الكَلْبِيُّ: كان أهلُ الجاهِلِيَّة لا يَأكُلونَ مِنَ الطَّعامِ إلا قُوتًا، ولا يأكلونَ دَسمًا في أيَّام حَجِّهم، يُعَظِّمونَ بذلِكَ حَجَّهم، فقالَ المُسلِمونَ: يَا رَسُولَ الله، نَحْن أحَقُّ بِذلِكَ، فَأنْزَلَ الله تَعالىَ الآية.
وَفِيْهِ يَظْهَرُ وجهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بِتَحْريمِ الحلالِ، كما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزولِ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] بَلْ يُبْغِضُهُمْ، وَلاَ يَرْضى أفْعالَهُمْ.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنَ الثِّيابِ وكل ما يتجمل به وخلقه لنفعهم من الثياب كالقُطْنِ والكِتَّانِ والحَيوانِ كالحَريرِ والصُّوفِ ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: المُسْتَلَذَّاتِ - وقيلَ المُحَلَّلات- ومِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَشَحْمِهَا وَلبَنِها ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ هي لَهُم بالأصالَة لِمَزيدِ كَرَامَتِهِمْ على الله تعالى والكَفَرَةُ وإنْ شارَكوهُم فيها فبِالتبعِ، فَلاَ إشْكالَ في الاخْتِصاصِ ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: لا يُشارِكُهم فيها غَيْرُهُم ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: مِثْل تَفْصيلِنا هذا الحُكْمَ، نُفَصِّلُ سائِرَ الأحكامِ لِمَنْ يَعْلَمُ ما في تَضامينها مِنَ المَعاني الرَّائِقَةِ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصي، ومِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالفُروج، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بَدَل مِنَ الفَواحِشِ، أيْ جَهْرَها وَسرَّها. وعَنِ البَعْضِ: "مَا ظَهَرَ" الزِّنا عَلانِيةً، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا سِرًّا وَكانوا يَكْرَهونَ الأوَّلَ، ويَفْعَلونَ الثَّانيَ، فنهوا عَن ذلِكَ مُطْلَقًا.
وعن مُجاهِدٍ: "مَا ظَهَرَ" التَّعَرِّي في الطَّوافِ، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا. والبَعْضُ يَقولُ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بالنَّهارِ، والثَّاَني طوافُ النِّساءِ بالليلِ عارِياتٍ. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي: ما يُوجِب الإِثمَ، وأصله الذَّمّ، ثُمَّ أُطْلِق على ما يوجِبَه مِن مطلَقِ الذَّنْبِ، وَذُكِرَ لِلتَعميمِ بَعْدَ التَّخْصيصِ بِناءً على ما تَقَدَّم مِن معْنى الفَواحِشِ.
ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ الإِثمَ هو الخَمْرُ، وَعَلَيْهِ أهلُ اللغَة، وَأنْشَدوا لَه قَولَ الشَّاعِرِ:
نَهانا رَسول الله أنْ نَقْرَبَ الزِّنى ... وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الذي يوجِبُ الوِزْرا
وَقَولَ الآخَرِ:
شَرِبتُ الإِثْمَ حَتى ضلَّ عَقْلِي ... كذلكَ الإِثمُ يَذْهَبُ بِالعُقولِ
﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهو الظلم والاستطالة على الناس، وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله، أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم [الأعراف: ٢٨] ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ولا يخفى أن متصوفة زماننا على هذه الخصلة الجاهلية: فقد حرموا على أنفسهم زينة الله والطيبات من الرزق ليعتقد الناس صلاحهم، وابتدعوا الخلوات والرياضات وغير ذلك من شعائرهم في المأكل والملبس وسائر شئونهم، وما دروا أنهم بذلك من القوم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
[الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته]
الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته (التاسعة والعشرون): الإِلْحادُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، قالَ سُبحانَه في سورة [الأعراف: ١٨٠]: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] تَفسيرُ هذِهِ الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تنبيه للمُؤمِنينَ على كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعَالى، وَكَيْفِيّة المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بذلِكَ الغافِلينَ عَنه سُبحانَه، وَعَمَّا يَليقُ بِشأنِه، إثْرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمُ التَّامَّة، وَضَلالَتِهمُ الطَّامَّة.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] إمَّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمعْنى التّسمِيَةِ، كَقَولهِم: دَعَوْتُهُ زَيدًا، أوْ يزيد أيْ: سَمَّيْتُهُ، أو الدُّعاءِ بِمعْنى النِّداءِ، كَقَولهِم: دَعْوتُ زيدًا، أيْ: نادَيْتُهُ.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] أيْ يَميلونَ وَيَنْحَرِفون فيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقال: ألْحَدَ، إذا مال عَنِ القَصْدِ والاستِقامَةِ، ومِنه لَحْدُ القَبْرِ لِكَونهِ في جانِبِهِ بِخلافِ الضَّريحِ، فإنَّهُ في وَسَطِهِ.
والإِلحادُ في أسمائِهِ سبحانَه أنْ يُسَمَّى بِلا تَوْقيفٍ فيه، أوْ بِما يُوهِمُ مَعنًى فاسِدًا، كما في قولِ أهلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِم، يا أبيضَ الوجْهِ، يا سَخِيُّ، ونحو ذلك، فالمُرادُ بِترْكِ المأمورِ بِهِ الاجتنابُ عن ذلك، وأسمائِهِ ما أطْلَقوهُ عَلَيه تَعالى
وَسَمَّوهُ به على زَعَمِهِم، لا أسماؤه تعالى حَقَيقَةً، وعلى ذلك يحْمَل تَرْكُ الإِضمارِ، بأنْ يُقالَ: يُلحِدون بِها. وَقَالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] وهذِهِ الآيةُ في سورةِ [الرعد: ٣٠] عن قَتادَةَ وابنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ أنَّ الآية نَزَلَتْ في مُشْرِكي مَكَّةَ لَمَّا رَأوا كِتابَ الصُّلْحِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ وقد كَتَبَ فيه عَليٌّ ﵁: " بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ "، فَقالَ سُهيلُ بنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمنَ إلا مُسَيْلِمَةَ.
ومِنهم مَن قال: سَمِعَ أبو جَهْلٍ قَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «يَا الله يا رحمن»، فقال: إنَّ محمَّدًا يَنهانا عَن عبادةِ الآلهةِ وهو يَدعو إلهينِ، فَنَزَلَتْ وَعَن بعضِهِمِ أنَّه لَمَّا قِيلَ لِكُفَّارِ قُريشٍ: اسجدوا للرحمن قالوا: وَمَا الرَّحمَنُ، فَنَزَلَتْ، وقيلَ غَيْرُ ذلِكَ مِمَّا يَطولُ. وَقَالَ تَعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣] من سورة حم [السجدة: ٢١-٢٣]، وفي هذِهِ الآية إخبارٌ أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّةِ كانوا يُلْحِدونَ في صِفاتِهِ، كما كانوا يُلحِدونَ في أسمائِه تَعالى. أخرَجَ أحمدُ والبُخاريُّ ومُسلِم والترِّمذيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعةٌ عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: كُنتُ مُسْتَندًا بأستارِ الكعبةِ، فجاءَ ثلاثةُ نَفَرٍ- قُرَشيٌّ وثَقَفيَّانِ، أو ثَقَفِي وقُرَشيانِ- كثيرٌ لحمُ بُطونهم؛ قَليلٌ عفة قُلوبِهم، فَتكَلَّموا بكلامٍ لمْ أسْمَعْهُ، فقال أحَدُهُمِ: أتَرَونَ الله يَسمعُ كلامَنا هذا؟ فَقَال الآخَرُ: إذا رَفَعْنا أصْواتَنا يَسْمَعُهُ، وإذا لم نَرْفعْ لم يَسْمَعْ، فقال الآخَرُ: إنْ سَمِعَ منه شَيئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ. قال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ، فَأنْزَلَ الله تَعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣] فهذا هو الإِلحادُ في الصِّفاتِ. وأنتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَلَيْهِ أكثرُ المُتكَلِّمينَ المُسلِمينَ مِنَ الإِلحادِ في الأسماءِ والصِّفاتِ فَوْقَ ما كانَ عَلَيه أهل الجاهِلِيَّةِ، فَسَمَّوا
Translation
الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته
#32
Chapter 32 — نسبة النقائص إلى الله سبحانه
· ref. #32
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الله بأسماءٍ ما أنزلَ الله بها مِن سُلطانٍ، ومِنهمِ مَن قالَ: لَيْسَ لِلَّهِ صفات قامتْ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: صِفاتُه لَيسَتْ عَيْنَ ذاتِهِ ولا غيرَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ صفاتِه غيرهُ، ومِنهم مَن قال: إنَّ الله لم يَتكَلَّمْ بالكُتُبِ التي أنْزَلَها، وَأثْبَتوا لَه الكَلامَ النَّفسيَّ، وأنَه لم يُكَلِّمْ أحدًا مِن رُسُلِهِ، إلى غير ذلك من الإِلحادِ الذي حَشَوا به كُتبهُمْ ملؤوها مِن الهَذَيانِ، وظَنُّوا أنَّ الآية مُخْتَصَّةٌ بِأهلِ الجاهِلِيَّةِ، وَمَا دَرَوا أنَّهُمُ الفَرْدُ الكامِلُ لعُمومِها. ومَن بَصَّرَه وَنَوَّرَ قَلْبَه، أعْرَضَ عَن أخْذِ عَقائِدِهِ مِن كُتُبِ هؤلاءِ الطوائفِ، وتَلَقَّى مَعْرِفَةَ إِلهِهِ مِن كُتُبِ السَّلَفِ المُشْتَمِلَةِ على نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
[نسبة النقائص إلى الله سبحانه]
نسبة النقائص إلى الله سبحانه (الثلاثون): نسْبة النَّقائصِ إليه سبحانَه كالولَدِ والحاجَةِ. فإِنَّ النَّصارى قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وطائفة مِن العَرَب قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وقوم مِن الفَلاسِفَةِ قالوا بِتَوليدِ العُقولِ، وقوم مِن اليَهودَ قالوا: العُزَيْرُ ابنُ الله، إلى غيرِ ذلِكَ.
وقد نَزهَ الله نَفْسَه عن كُل ذلِكَ ونَفاه عنه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] وبقوله [الصافات: ١٥١- ١٥٢]: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] وقوله [الأنعام: ١٠٠- ١٠١]: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] وهذا يَعُمُّ جميعَ الأنواعِ التي تُذْكَرُ في هذا البابِ عن بعضِ الأمَمِ، كما أنَّ ما نفاه من اتِّخاذِ الوَلَدِ يَعُمُّ أيْضًا جميعَ أنواعِ الاتِّخاذاتِ، لا اصطفاؤُه. كما قال تَعالى [المائدة: ١٨]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَ السُّدِّيُّ: قالوا: إنَّ الله تَعالى أوْحى إلى إسرائيلَ إنّ وَلَدَكَ
بِكْرِي مِن الوَلَدِ فَأُدْخِلُهُمُ النَّارَ، فَيَكونونَ فيها أربعينَ يومًا حَتَّى تُطَهِّرَهم وتأكلَ خطاياهم، ثم ينادي منادي: أخْرِجوا كلَّ مَخْتونٍ مِن بني إسرائيل. وقدْ قال الله تَعالى [المؤمنون: ٩١]: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقال [الإِسراء: ١١١]: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] وقال تَعالى [الفرقان: ١- ٢]: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] وقال ﷾ [النحل: ٥١-٥٧] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥١ - ٥٢] إلى قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]
وقالَ الله تَعالى [الإسراء: ٣٩-٤٢]: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا - أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا - وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا - قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٢]
وقال [الصافات: ١٤٩-١٦٣] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ - أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ - أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ - فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ - مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ - إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٣] وقال [النجم: ١٩ -٢٧]
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى - إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧]
وقالَ تَعالى [الزخرف: ١٥] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] قال بعضُ المفسِّرينَ: (جُزءًا)، أيْ: نَصيبًا وبعضًا. وقال بعضُهم: جعلوا لِلَّهِ نصيبًا من الولدِ. وعن قَتادةَ ومقاتل: عدلا. وكلا القولين صحيح، فإنَّهم يَجْعَلون له وَلَدًا، والولَدُ يُشْبِهُ أباهُ.
ولهذا قال [الزخرف: ١٧] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف: ١٧] وَهُوَ كَظِيمٌ أيْ البَنات، كما قالَ في الآيَة الأخرى [النحل: ٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] فَقَد جَعَلوها لِلرَّحْمنِ مَثَلا، وَجَعَلوا لَهُ مِن عِبادِه جُزْءًا، فَإِنَّ الولدَ جُزء مِنَ الوالِدِ، قالَ ﷺ: «إِنَّما فاطِمَةُ بضعَةٌ مِنّيَ» .
وقولُهُ [الأنعام: ١٠٠]: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ الكَلْبِيُّ: "نَزَلَتْ في الزَّنادِقَة، قالوا: إِنَّ الله وإبليسَ شَريكانِ، فاللهُ خالقُ النُّورِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ، وإبليسُ خالقُ الظلْمَةِ والسِّباعِ والحَيَّاتِ والعَقارِبِ. وَأمَّا قولُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فَقيلَ: هو قولُهُم: الملائكةُ بناتُ الله، وسمى الملائكة جِنًّا؛ لاختِفائِهم عَن الأبصارِ، وهو قولُ مُجاهِدٍ وقتادة.
وقيل: قالوا لِحَيٍّ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجِنُّ، ومنهم إبليسُ: هم بناتُ الله. وَقَالَ الكَلْبِيُّ: قالوا لَعَنَهمُ الله: بَلْ بُذور يَخْرُجُ مِنها الملائكةُ. وقولهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ بعضُ المفسِّرينَ: هُم كُفَّارُ العَرَبِ، قالوا: الملائكةُ والأصنامُ بَناتُ الله، واليَهودُ قالوا: عُزير ابنُ الله، والذين كانوا يَقولونَ مِن العَرَبِ: إِنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وَمَا نُقِلَ عَنهم مِن أنَّه صاهَرَ الجِنَّ، فوَلَدَتْ له الملائكةَ، فَقَد نَفاه عنه بامْتِناعِ الصَّاحِبَةِ، وبامتناعِ أنْ يكونَ منه جُزْءٌ، فإنِّه صَمَدٌ. وقولُه: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَهذَا لأنَّ الولادةَ لا تكونُ إلا مِن
[نسبة النقائص إلى الله سبحانه]
نسبة النقائص إلى الله سبحانه (الثلاثون): نسْبة النَّقائصِ إليه سبحانَه كالولَدِ والحاجَةِ. فإِنَّ النَّصارى قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وطائفة مِن العَرَب قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وقوم مِن الفَلاسِفَةِ قالوا بِتَوليدِ العُقولِ، وقوم مِن اليَهودَ قالوا: العُزَيْرُ ابنُ الله، إلى غيرِ ذلِكَ.
وقد نَزهَ الله نَفْسَه عن كُل ذلِكَ ونَفاه عنه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] وبقوله [الصافات: ١٥١- ١٥٢]: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] وقوله [الأنعام: ١٠٠- ١٠١]: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] وهذا يَعُمُّ جميعَ الأنواعِ التي تُذْكَرُ في هذا البابِ عن بعضِ الأمَمِ، كما أنَّ ما نفاه من اتِّخاذِ الوَلَدِ يَعُمُّ أيْضًا جميعَ أنواعِ الاتِّخاذاتِ، لا اصطفاؤُه. كما قال تَعالى [المائدة: ١٨]: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَ السُّدِّيُّ: قالوا: إنَّ الله تَعالى أوْحى إلى إسرائيلَ إنّ وَلَدَكَ
بِكْرِي مِن الوَلَدِ فَأُدْخِلُهُمُ النَّارَ، فَيَكونونَ فيها أربعينَ يومًا حَتَّى تُطَهِّرَهم وتأكلَ خطاياهم، ثم ينادي منادي: أخْرِجوا كلَّ مَخْتونٍ مِن بني إسرائيل. وقدْ قال الله تَعالى [المؤمنون: ٩١]: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقال [الإِسراء: ١١١]: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] وقال تَعالى [الفرقان: ١- ٢]: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] وقال ﷾ [النحل: ٥١-٥٧] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥١ - ٥٢] إلى قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]
وقالَ الله تَعالى [الإسراء: ٣٩-٤٢]: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا - أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا - وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا - قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٢]
وقال [الصافات: ١٤٩-١٦٣] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ - أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ - أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ - فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ - مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ - إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٣] وقال [النجم: ١٩ -٢٧]
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى - إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧]
وقالَ تَعالى [الزخرف: ١٥] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] قال بعضُ المفسِّرينَ: (جُزءًا)، أيْ: نَصيبًا وبعضًا. وقال بعضُهم: جعلوا لِلَّهِ نصيبًا من الولدِ. وعن قَتادةَ ومقاتل: عدلا. وكلا القولين صحيح، فإنَّهم يَجْعَلون له وَلَدًا، والولَدُ يُشْبِهُ أباهُ.
ولهذا قال [الزخرف: ١٧] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف: ١٧] وَهُوَ كَظِيمٌ أيْ البَنات، كما قالَ في الآيَة الأخرى [النحل: ٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] فَقَد جَعَلوها لِلرَّحْمنِ مَثَلا، وَجَعَلوا لَهُ مِن عِبادِه جُزْءًا، فَإِنَّ الولدَ جُزء مِنَ الوالِدِ، قالَ ﷺ: «إِنَّما فاطِمَةُ بضعَةٌ مِنّيَ» .
وقولُهُ [الأنعام: ١٠٠]: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ الكَلْبِيُّ: "نَزَلَتْ في الزَّنادِقَة، قالوا: إِنَّ الله وإبليسَ شَريكانِ، فاللهُ خالقُ النُّورِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ، وإبليسُ خالقُ الظلْمَةِ والسِّباعِ والحَيَّاتِ والعَقارِبِ. وَأمَّا قولُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فَقيلَ: هو قولُهُم: الملائكةُ بناتُ الله، وسمى الملائكة جِنًّا؛ لاختِفائِهم عَن الأبصارِ، وهو قولُ مُجاهِدٍ وقتادة.
وقيل: قالوا لِحَيٍّ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجِنُّ، ومنهم إبليسُ: هم بناتُ الله. وَقَالَ الكَلْبِيُّ: قالوا لَعَنَهمُ الله: بَلْ بُذور يَخْرُجُ مِنها الملائكةُ. وقولهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ بعضُ المفسِّرينَ: هُم كُفَّارُ العَرَبِ، قالوا: الملائكةُ والأصنامُ بَناتُ الله، واليَهودُ قالوا: عُزير ابنُ الله، والذين كانوا يَقولونَ مِن العَرَبِ: إِنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وَمَا نُقِلَ عَنهم مِن أنَّه صاهَرَ الجِنَّ، فوَلَدَتْ له الملائكةَ، فَقَد نَفاه عنه بامْتِناعِ الصَّاحِبَةِ، وبامتناعِ أنْ يكونَ منه جُزْءٌ، فإنِّه صَمَدٌ. وقولُه: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَهذَا لأنَّ الولادةَ لا تكونُ إلا مِن
Translation
نسبة النقائص إلى الله سبحانه
#33
Chapter 33 — تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق
· ref. #33
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
أصْلَينِ، سَواءٌ في ذلِكَ تولُدُ الأعيانِ - التي تُسَمَّى الجواهِرَ- وتولد الأعراض والصِّفاتِ، بَلْ وَلاَ يَكونُ تولُد الأعْيانِ إلا بانفصال جُزْءٍ مِن الولدِ، فإِذا امتنعَ أنْ تكونَ لَه صاحِبةٌ، امْتنعَ أنْ يَكونَ لَه وَلَدٌ، وقد عَلِموا كُلُّهُم أنْ لا صاحِبَةَ له لا مِن الملائكةِ، ولا مِن الجِنِّ، ولا مِنَ الإِنْسِ، فلم يَقُلْ أحَدٌ مِنْهُم إنَّ له صاحِبَةً؛ فَلِهذا احْتجًّ بِذلِكَ عَلَيهم.
وما حُكِيَ عَن بعضِ كُفَّارِ العَرَبِ أنَهُ صاهَرَ الجِنَّ، فهذا فيه نَظَرٌ. وذلكَ إنْ كانَ قَدْ قيلَ فهوَ مِمَّا يُعْلَمُ انْتِفاؤهُ مِن وُجوهٍ كَثيرةٍ، وكذلك ما قالَتْهُ النَّصارى مِن أنَّ المَسيحَ ابنُ الله وما قالَه طائفةٌ مِنَ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله، فإنَّه قد نَفاه سُبحانه بِهذا وَهذا. وتَمامُ الكَلامِ في هذا المَقامِ في كتابِ (الجَوابِ الصَّحيحِ لِمَنْ بَدَّل دِيْنَ المَسيح) و(تَفْسير سورةِ الإِخلاص) وَغَيرِهِما مِن كُتُبِ شيخِ الإِسلامِ تقيِّ الدِّينِ قدس الله روحه.
[تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق]
تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق (المسألة الحادية والثلاثون): تنْزِيهُ المَخْلوقِ عمَّا نَسَبوه لِلخالِقِ مِثل: تَنزيهِ أحبارِهِم عَنِ الوَلَدِ والزوجة لأنهم يَقولونَ: إِنَّ الرَّاغِبينَ في استحصالِ الكَمالاتِ كالرُّهبانِ وأضْرابِهم يَترفَّعونَ عَن أنْ يَتَدَنَّسوا بِدَناءَة التَّمتُّعِ بِالنِّساءِ، اقتِداءً بِالمَسيحِ ﵇، فانْظُرْ إلى سَخافةِ العُقولِ وما قادَهُم إليه ضَلالُهم حَتىَّ اعترضوا على سَيِّدنا ومولانا مُحمَّد ﷺ في زَواجِهِ. وما أحْسَنَ ما قالَ الفاروقِيُّ (١) ردا على بعضِ أحبارِ النَّصارَى بقوله:
قل لِلفرِسْنَلِ قُدْوَةِ الرُّهبانِ ... الجائليق البتْرِكِ الرَّبَّاني
أنتَ الذي زَعَمَ الزَّواجَ نَقيصَةً ... مِمّنْ حَماهُ الله عَنْ نُقْصانِ
ونَسيتَ تَزْويجَ الإِلهِ بِمَرْيَم ... في زَعْمِ كُلِّ مُثَلِّثٍ نَصْراني
ومَن جَعَلَ منَ العَرَبِ الملائكةَ بناتِ الله، كانَ يأْنَفُ مِنْهُنَّ، وسَنَّ وَأْدَهُنَّ وَقَتْلَهُنَّ، وَنَسَبوا لِلَّهِ ما يَكرهونَ. والمقصودُ أنَّ هذهِ المَقالاتِ وأشباهَها مَنْشَؤها الجهلُ بِما جاءَت بِهِ الرُّسُلُ، وَعَدَمُ تَحْكيمِ العَقْلِ، وإِلا فأهلُ البصائِر لا يَتَطَرَّقُ إليهم هذا الخَلَلُ، واللهُ الموَفِّقُ.
_________
(١) عبد الباقي العمري من شعراء العراق في القرن الثالث عشر الهجري.
وما حُكِيَ عَن بعضِ كُفَّارِ العَرَبِ أنَهُ صاهَرَ الجِنَّ، فهذا فيه نَظَرٌ. وذلكَ إنْ كانَ قَدْ قيلَ فهوَ مِمَّا يُعْلَمُ انْتِفاؤهُ مِن وُجوهٍ كَثيرةٍ، وكذلك ما قالَتْهُ النَّصارى مِن أنَّ المَسيحَ ابنُ الله وما قالَه طائفةٌ مِنَ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله، فإنَّه قد نَفاه سُبحانه بِهذا وَهذا. وتَمامُ الكَلامِ في هذا المَقامِ في كتابِ (الجَوابِ الصَّحيحِ لِمَنْ بَدَّل دِيْنَ المَسيح) و(تَفْسير سورةِ الإِخلاص) وَغَيرِهِما مِن كُتُبِ شيخِ الإِسلامِ تقيِّ الدِّينِ قدس الله روحه.
[تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق]
تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق (المسألة الحادية والثلاثون): تنْزِيهُ المَخْلوقِ عمَّا نَسَبوه لِلخالِقِ مِثل: تَنزيهِ أحبارِهِم عَنِ الوَلَدِ والزوجة لأنهم يَقولونَ: إِنَّ الرَّاغِبينَ في استحصالِ الكَمالاتِ كالرُّهبانِ وأضْرابِهم يَترفَّعونَ عَن أنْ يَتَدَنَّسوا بِدَناءَة التَّمتُّعِ بِالنِّساءِ، اقتِداءً بِالمَسيحِ ﵇، فانْظُرْ إلى سَخافةِ العُقولِ وما قادَهُم إليه ضَلالُهم حَتىَّ اعترضوا على سَيِّدنا ومولانا مُحمَّد ﷺ في زَواجِهِ. وما أحْسَنَ ما قالَ الفاروقِيُّ (١) ردا على بعضِ أحبارِ النَّصارَى بقوله:
قل لِلفرِسْنَلِ قُدْوَةِ الرُّهبانِ ... الجائليق البتْرِكِ الرَّبَّاني
أنتَ الذي زَعَمَ الزَّواجَ نَقيصَةً ... مِمّنْ حَماهُ الله عَنْ نُقْصانِ
ونَسيتَ تَزْويجَ الإِلهِ بِمَرْيَم ... في زَعْمِ كُلِّ مُثَلِّثٍ نَصْراني
ومَن جَعَلَ منَ العَرَبِ الملائكةَ بناتِ الله، كانَ يأْنَفُ مِنْهُنَّ، وسَنَّ وَأْدَهُنَّ وَقَتْلَهُنَّ، وَنَسَبوا لِلَّهِ ما يَكرهونَ. والمقصودُ أنَّ هذهِ المَقالاتِ وأشباهَها مَنْشَؤها الجهلُ بِما جاءَت بِهِ الرُّسُلُ، وَعَدَمُ تَحْكيمِ العَقْلِ، وإِلا فأهلُ البصائِر لا يَتَطَرَّقُ إليهم هذا الخَلَلُ، واللهُ الموَفِّقُ.
_________
(١) عبد الباقي العمري من شعراء العراق في القرن الثالث عشر الهجري.
Translation
تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق
#34
Chapter 34 — قولهم بالتعطيل
· ref. #34
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
قولهم بالتعطيل
Translation
قولهم بالتعطيل
#35
Chapter 35 — الشركة في الملك
· ref. #35
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[قولهم بالتعطيل]
قولهم بالتعطيل (الثانية والثلاثون): القولُ بِالتَّعطيلِ، كما كانَ يقوله آل فِرْعَونَ. والتَّعطيلُ: إنكارُ أنْ يكونَ لِلعالَمِ صانِع، كما قال فرعونُ لِقومِهِ [القصص: ٣٨] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ونحو ذلكَ، ولم يَخْلُ العالَمُ عن مثلِ هذهِ الجَهالاتِ في كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصورِ، وأبناءُ هذا الزَّمانِ إلا النَّادِرَ على هذه العَقيدةِ الباطِلة، ولو نَظَروا بِعينِ الإِنصافِ والتَّدَبُّرِ، لَعَلِموا أنَّ كُلَّ مَوجودٍ في العالَمِ يَدُلُّ على خالِقهِ وبارِئه:
وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ
ومِن أينَ لِلطَّبيعَةِ إيجادُ مِثل هذِهِ الدَّقائِقِ التي نَجِدُها في الآفاقِ والأنْفُسِ، وهي عَديمَةُ الشُّعُورِ لا عِلْمَ لَها وَلا فهْمَ تَعَالى الله عَمَّا يَقولونَ عُلوًّا كَبيرًا.
[الشركة في الملك]
الشركة في الملك (الثالثة والثلاثون): الشركَةُ في المُلْكِ، كما تَقولهُ المَجوسُ، والمجوسُ أُمَّة تُعَظِّمُ الأنوارَ والنِّيرانَ والماءَ والأرضَ، ويُقرُّونَ بنُبُوَّةِ زرادِشْتَ، وَلَهُم شَرائِعُ يَصيرونَ إليها. وهم فِرق شَتى: مِنهم المَزْدَكِيَّةُ أصحابُ مَزْدَكَ المُوْبَذ، والمُوْبَذُ عندهم العالِمُ القُدوةُ، وهؤلاءِ يَرونَ الاشتِراكَ في النِّساءِ والمَكاسِبِ كما يشترَكُ في الهَواءِ والطُرُقِ وغيرها.
ومِنهم الخُرَّميّة أصحابُ بابِكَ الخرمى. وهم شَرُّ طوائِفِهم، لا يُقِرُّون بِصانِعٍ ولا مَعادٍ ولا نبوَّةٍ ولا حَلالٍ ولا حَرامٍ، وعلى مذهبِهِم طوائِفُ القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والكيسانية والزرارية والحكمية وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، فكل هؤلاء يجمعهم هذا المَذهَبُ، ويتَفاوَتونَ في التَّفصيلِ، فالمجوسُ شُيوخُ هؤلاءِ كلِّهِم، وأئمتُهم وقُدوتُهم، وإن كانَ المَجوسُ قد يَتَقَيَّدونَ بأصلِ دِينهم وشَرائِعِهم، وهؤلاءِ لا يَتقَيَّدونَ بِدينٍ مِنْ دياناتَ العالم ولا بِشَريعَةٍ مِن الشرائع.
قولهم بالتعطيل (الثانية والثلاثون): القولُ بِالتَّعطيلِ، كما كانَ يقوله آل فِرْعَونَ. والتَّعطيلُ: إنكارُ أنْ يكونَ لِلعالَمِ صانِع، كما قال فرعونُ لِقومِهِ [القصص: ٣٨] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ونحو ذلكَ، ولم يَخْلُ العالَمُ عن مثلِ هذهِ الجَهالاتِ في كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصورِ، وأبناءُ هذا الزَّمانِ إلا النَّادِرَ على هذه العَقيدةِ الباطِلة، ولو نَظَروا بِعينِ الإِنصافِ والتَّدَبُّرِ، لَعَلِموا أنَّ كُلَّ مَوجودٍ في العالَمِ يَدُلُّ على خالِقهِ وبارِئه:
وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ
ومِن أينَ لِلطَّبيعَةِ إيجادُ مِثل هذِهِ الدَّقائِقِ التي نَجِدُها في الآفاقِ والأنْفُسِ، وهي عَديمَةُ الشُّعُورِ لا عِلْمَ لَها وَلا فهْمَ تَعَالى الله عَمَّا يَقولونَ عُلوًّا كَبيرًا.
[الشركة في الملك]
الشركة في الملك (الثالثة والثلاثون): الشركَةُ في المُلْكِ، كما تَقولهُ المَجوسُ، والمجوسُ أُمَّة تُعَظِّمُ الأنوارَ والنِّيرانَ والماءَ والأرضَ، ويُقرُّونَ بنُبُوَّةِ زرادِشْتَ، وَلَهُم شَرائِعُ يَصيرونَ إليها. وهم فِرق شَتى: مِنهم المَزْدَكِيَّةُ أصحابُ مَزْدَكَ المُوْبَذ، والمُوْبَذُ عندهم العالِمُ القُدوةُ، وهؤلاءِ يَرونَ الاشتِراكَ في النِّساءِ والمَكاسِبِ كما يشترَكُ في الهَواءِ والطُرُقِ وغيرها.
ومِنهم الخُرَّميّة أصحابُ بابِكَ الخرمى. وهم شَرُّ طوائِفِهم، لا يُقِرُّون بِصانِعٍ ولا مَعادٍ ولا نبوَّةٍ ولا حَلالٍ ولا حَرامٍ، وعلى مذهبِهِم طوائِفُ القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والكيسانية والزرارية والحكمية وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، فكل هؤلاء يجمعهم هذا المَذهَبُ، ويتَفاوَتونَ في التَّفصيلِ، فالمجوسُ شُيوخُ هؤلاءِ كلِّهِم، وأئمتُهم وقُدوتُهم، وإن كانَ المَجوسُ قد يَتَقَيَّدونَ بأصلِ دِينهم وشَرائِعِهم، وهؤلاءِ لا يَتقَيَّدونَ بِدينٍ مِنْ دياناتَ العالم ولا بِشَريعَةٍ مِن الشرائع.
Translation
الشركة في الملك
#36
Chapter 36 — إنكار النبوات
· ref. #36
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
إنكار النبوات
Translation
إنكار النبوات
#37
Chapter 37 — جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله
· ref. #37
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[إنكار النبوات]
إنكار النبوات (الرابعة والثلاثون): إنكارُ النُّبُوَّاتِ. وَكانوا يَقولون: ما حَكى الله عنهم بقوله في [الأنعام: ٩٠- ٩١]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ - وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩٠ - ٩١]
تفْسيرُ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: ٩١] شُروع في تَقْريرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، بَعْدَ ما حَكى الله سبحانَه عن إبراهيمَ ﵇ أنَّه ذَكَرَ دَليلَ التوَحيدِ وإبطالِ الشِّركِ، وَقَرَّرَ سبحانَه ذلكَ بأفصح الدَّليلِ بأوْضَحِ وَجهٍ.
﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: حَقَّ مَعْرفتِهِ وعن بعضِهِم: ما عَظَّموا الله حَقَّ تَعْظِيمِه إِذْ قَالُوا منْكرينَ لبعثةِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ، كافِريْنَ بِنعمةِ الله الجَليلةِ فِيهما: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: شَيئًا مِن الأشياءِ.
واختُلِفَ في قائِل ذلكَ القَولِ الشَّنيعِ: فَعَن مُجاهِدٍ أنِّهم مُشرِكو قُريشٍ، والجمهورُ على أنهمُ اليَهودُ، ومُرادُهُم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالتِهِ ﷺ على سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
فَقيلَ لَهم على سبيلِ الإِلزامِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أنْزَلَ التَّوراةَ على موسى ﵇ وَلاَ سَبيلَ لَكم إلى إنكارِ ذلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزونَ إنزالَ القُرآنِ على مُحمَّدٍ ﷺ.؟ والكلامُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلٌ في غيرِ هذا الموضِع، والمقصودُ أنَّ إنكارَها مِن سَنَن الجاهِلِيَّةِ، وفي النَّاسِ كَثيرٌ مِمَّن هو على شاكِلَتِهم ومُعْوَجِّ طَريقهِم.
[جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله]
جحودهم القدر، واحتجاجهم به على الله (الخامسة والثلاثون): جحودُ القَدَرِ، والاحْتِجاجُ بِهِ على الله تَعالى ومعارَضَةُ شرعِ الله بِقَدَرِ الله. وهذهِ المَسألَةُ مِن غَوامِض مَسائلِ الدِّينِ، والوُقوفُ عَلى سِرِّها عَسِر إلا على من وَفَّقَه الله تَعالى. ولابنِ القيِّمِ كِتاب جَلِيْلٌ في هذا البابِ سمَّاه (شِفاءَ العَليل في القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَةِ والتَّعْليلِ) . وقد أبْطَلِ الله
سُبحانَه هذه العَقيدةَ الجاهلية بقولهِ تَعالى في آخر سورة [الأنعام: ١٤٨-١٤٩]: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] تَفسيرُ هذه الآية: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا): حِكاية لفَنٍّ آخَرَ مِن أباطيلِهم. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لَمْ يُريدوا بِهذا الكَلامِ الاعتذار عَنِ ارْتكابِ القَبيحِ، إذْ لم يَعْتقِدوا قُبحَ أفعالِهم، بل هُم كما نَطَقَتْ بِهِ الآيات يحسَبُونَ أَنهَّمُ يحسِنوُنَ صُنعًا، وأنهم إنَّما يَعْبُدونَ الأصنامَ لِيُقَرِّبوهُم إلى الله زلْفى، وأنَّ التَّحريمَ إنما كانَ مِن الله ﷿، فَما مرادهُم بذلِكَ إلا الاحتجاجُ على أنَّ ما ارْتكَبوهُ حَقٌّ ومَشروع وَمرضيٌّ عند الله تَعالى على أنَّ المشيئةَ والإِرادةَ تُساوي الأمرَ، وتَسْتَلْزِمُ الرِّضى، كما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، فَيَكونُ حاصِلُ كلامِهِم أنَّ ما نَرتكِبُهُ مِنَ الشِّركِ والتَّحريمِ وغيرِهما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَة الله تعالى وإرادَتُه، وكل ما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَته سبحانه وإرادَتُه فَهو مَشروعٌ ومَرْضِيٌّ عندَ الله تَعالى.
وبَعْدَ أنْ حَكى ﷾ ذلِكَ عَنهم، رَدَّ عَلَيْهِم بِقولِهِ عَزَّ مِنْ قائِلٍ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهم أسلافُهُم المُشرِكونَ. وحاصِلُهُ أنَّ كلامَهم يَتَضَمَّنُ تكذيبَ الرُّسُلِ ﵈، وَقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ على صِدْقِهِم.
أو نَقولُ حاصِلُهُ أنَّ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لم يَشَأْ يَمْتَنعُ، وكلُّ ما هذا شأنُه فلا تكليفَ بِهِ لِكونهِ مَشروطًا بالاسْتِطاعة، فَيَنْتُجُ أنَّ ما ارْتكَبَهُ مِن الشِّركِ وغيرِهِ، لَم يتكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيّ. فَرَدَّ الله تَعالى عَلَيهم بأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُريدَ بِها باطِلٌ، لأنَّهم أرادوا بِها أن الرُّسُلَ ﵈ في دَعْواهُمُ البِعْثةً والتكليفَ كاذِبونَ. وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيّةِ، ولِكَوْنهِ صِدْقًا أُريدَ بِهِ باطِلٌ، ذَمَّهُمُ الله تَعالى بِالتكْذيبِ. وَوجوبُ وُقوعِ مُتَعَلَّقِ المَشيئَةِ لا يُنافِي صِدقَ دَعْوى البِعثةِ والتكليفِ؛ لأنَّهما لإِظهارِ المَحَجَّةِ وإبلاغ الحُجَّةِ ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي نالوا عَذابَنا الذي أنْزَلْناهُ عَلَيْهم بتكْذيبهم،
وفيه إيماءٌ إلى أنَّ لهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِندَ الله تَعالى؛ لأنَّ الذَّوقَ أوَّلُ إدْراكَ الشَّيْءِ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي هلْ لَكُمْ مِنْ عِلمٍ بأنّ الإِشراكَ وسائِرَ ما أنتُم عَلَيه مَرْضيٌّ عند الِلَّهِ تَعالى فَتُظْهروهُ لَنَا بِالبُرْهانِ؟ وهذا دَليلٌ على أنَّ المُشرِكينَ أُمَم اسْتَوجَبوا التَّوبيخَ على قولهم ذلك؛ لأنَّهَم كانوا يَهْزَءونَ بالدِّين، ويَبْغونَ رَدَّ دَعْوةِ الأنبياء ﵈، حَيثُ قرع مسامعهم من شَرائِعِ الرسُلِ ﵈ تَفْويضُ الأمورِ إلَيْهِ ﷾، فَحينَ طالبوهُم بالإِسلامِ، والتِزام الأحكامِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِم بِما أخَذوه مِن كَلامِهم مُسْتَهْزِئينَ بِهم عليهم الصلاة والسَّلامُ، ولم يَكُنْ غَرَضُهُمْ ذِكْرَ ما يَنْطَوي عَلَيْهِ عِقْدُهُم، كَيفَ لا والإِيمانُ بصفاتِ الله تَعالى فَرْعُ الإِيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وَهُوَ عَنهم مناطُ العَيُّوق.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ تكْذِبونَ على الله تَعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أي البينَةُ الواضِحَةُ التي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ على الإِثباتِ، والمُرادُ بِها في المَشهورِ: الكتابُ والرَّسولُ والبَيانُ. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بِالتَّوفيقِ لَها، والحَمْلِ عَليها، وَلَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصَّارِفينَ اختِيارَهُم إلى سُلوكِ طَريقِ الحَقِّ، وضَلالَ آخَرينَ صَرَفوه إلى خِلافِ ذَلِكَ. ومِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ في توجيهِ ما في الآية، وهو أنَّ الرَّدَّ عَليهم إنَّما كانَ لاعْتِقادِهِم أنَّهم مُسَلِّمونَ اختِيارَهم وقُدْرتهم، وأنَّ إشراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم على وجْهِ الاضْطرارِ وَزَعَموا أنَّهم يُقيمونَ الحُجَّةَ على الله تَعالى ورسوله ﵊ بِذَلِكَ، فَرَدَّ الله تَعالى قَولَهم في دَعْواهُم عَدَم الاخْتيارِ لأنفسِهِم، وَشَبَّهَهُمْ بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهُم بِهذا الخَيال، فَكَذَّبَ الرُّسُلَ، وَأشْرَكَ بِاللهِ ﷿، واعْتَمَدَ على أنَّه إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيْئَةِ اللهِ تَعالى وَرامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ، وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَه تَعالى لا لَهم، ثُمَّ أوْضَحَ سُبحانَه أنَّ كُلَّ واقعٍ واقع بِمشيْئَتِهِ، وأنَّه لم يَشَأْ مِنهمْ إلاَ ما صدَرَ عَنهم، وأنِّه تَعالى لَو شاءَ مِنهمُ الهدايةَ لاهْتَدَوا أجْمَعينَ. والمقصودُ أنْ يَتَمَحَّضَ وجهُ الرَّدِّ عَليهم، وَتَتَخَلَّصَ عَقيدةُ نُفوذِ السنة وعموم تغلغلها بكُلِّ
كائن عنِ الرَّدِّ، ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعواهُم سَلْبَ الاخْتيار لأنفُسهم، وأنّ إقامتهم الحجة بِذلِكَ خاصَّة. وإِذا تَدَبَّرْتَ الآية وَجَدْتَ صَدرَها دَافِعًا لِصُدورِ الجَبْرِية، وعَجُزَها مُعْجزًا للمُعْتزلة، إِذِ الأوَّلُ مُثبتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اختيارًا وقُدْرةً على وجْهٍ يَقْطعُ حُجَّتَه وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ، والثَّاني مُثِبتٌ نُفوذَ مَشيئَةِ الله تَعالى في العبدِ، وأنَّ جَميعَ أفعالِه على وَفْقِ المَشيئة الإِلهيةِ، وبذلكَ تَقومُ الحُجَّةُ البالغة لأهلِ السُّنَّةِ على المُعتزلةِ، والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ. ومِنهم مَن وجَّهَ الآية بأنَّ مرادَهم رَدُّ دعوةِ الأنبياء ﵈ على مَعنى أنَّ الله تَعالى شاءَ شِرْكَنا، وَأرادَهُ مِنَّا، وَأنْتُم تُخالِفونَ إرادَتَه، حَيثُ تَدعونا إلى الإِيمانِ، فَوَبَّخَهُم ﷾ بوُجوه عِدَّة: منها قولُه سُبحانَه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنه بتقدير الشَّرطِ، أي إذا كانَ الأمرُ كما زَعَمْتُم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]
وقولُه سُبحانَه: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بَدَل منه على سَبيلِ البَيانِ، أي لَو شاءَ لَدَلَّ كُلًاّ منكم ومِنْ مُخالِفيكم على دينه، لَو كانَ الأمرُ كَما تَزْعُمونَ، لَكان الإِسلامُ أيْضًا بِالمشيئةِ، فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعوا المُسلِمينَ من الإِسلامِ، كما وَجَبَ بِزعمكم ألا يمنَعَكُم الأنبياءُ عن الشِّركِ. فَيَلْزَمُكُم أنْ لا يكونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمينَ مُخالَفَة ومُعاداةٌ، بَلْ موافَقَة وموالاة. وحاصِلُه أنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم منَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكونَ عِندكم حَقًّا؛ لأنه بِمشيئة الله تَعالى، فَيَلْزَمُ تَصحيحُ الأديانِ المُتناقِضَة.
وَفِي سورةِ [النَّحْل: ٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] الكلامُ عَلى هذه الآية كالكَلام على الآية السَّابقةِ، وَلا تَراهُمْ يَتَشَبَّثونَ بِالمشيئةِ إلا عِنْدَ انخِذالِ الحُجَّةِ. ألا تَرَى كيفَ خَتَمَ بِنَحوِ آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة [الزخرف: ١٩-٢٢]: وهو قولُه تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ - وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢] ويكفي في الانقلاب ما
يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] والمُرادُ بِما حَرَّموهُ السَّوائِبُ والبَحائرُ وغَيْرُها. وَفِي تَخْصيصِ الاشْتِراكِ والتَّحْريمِ بالنَّفي؛ لأنَّهُما أعْظَمُ وأشْهَرُ ما هُمْ عَلَيْهِ. وَغَرَضُهُم مِنْ ذَلِكَ تكْذيبُ الرَّسولِ ﵊ والطَّعْنُ في الرِّسالةِ رَأْسًا، فَإِنَّ حاصِلَهُ أيْ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لمْ يَشَأْ يَمْتَنعُ، فَلَوْ أنَّهُ ﷾ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا، وَنُحَلِّلَ ما أحَلَّهُ، ولا نُحَرِّمَ شَيْئا مِمَّا حَرَّمْنا كَما تَقولُ الرُّسُلُ وَيَنْقُلونَه مِنْ جِهَتِهِ تَعالى لَكانَ الأمرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوحيدِ ونَفْي الإِشراكِ، وَتَحْليلِ ما أحَلَّهُ، وَعَدَمِ تَحْريمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَم يَكُنْ كَذلِكَ، ثَبَتَ أنه لَم يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ شاءَ ما نحنُ عَلَيْهِ.
وتَحَقَّقَ أنَّ ما يَقولُهُ الرُّسُلُ ﵈ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. فَرَدَّ الله تَعَالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٣] مِن الأمَمِ، أيْ: أشْرَكوا بِاللهِ تَعالى، وَحَرَّموا مِنْ دونِهِ ما حَرَّموا، وجادَلُوا رُسُلَهُمْ بِالباطِلِ لِيُدْحضوا بِهِ الحَقَّ ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] أيْ: ليستْ وَظيفَتُهُمْ إلا البَلاغِ للرِّسالَةِ، المُوَضِّحَ طَريق الحَق والمُظْهر أحْكامَ الوحْيِ التي مِنها تَعَلُّقُ مَشيْئَتِهِ تَعالى باهْتِداءِ مَنْ صرَفَ قُدْرتَهُ واخْتِيارَهُ إلى تَحْصَيلِ الحَقِّ؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وأمَّا إلْجاؤهمْ إلى ذَلِكَ، وتنفيذُ قَوْلهم عليهِ شاءوا أوْ أبَوْا كما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهم فليسَ ذَلِكَ مِن وَظيفَتِهم، ولا مِن الحِكْمَةِ التي يَتوَقَّفُ عَلَيْها التكليفُ، حَتّىَ يُسْتَدَلَّ بعدمِ ظُهورِ آثارِهِ على عدمِ حَقيقةِ الرسلِ ﵈ أو على عدمِ تَعَلُّقِ مَشَيْئَتِهِ تَعالى بذَلِكَ، فإِنَّ ما يَتَرَتَّبُ عليه الثوَّابُ والعِقابُ مِن الأفْعالِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشيئتِهِ تَعالى بِوقوعِهِ مِن مُباشَرَتِهم الاخْتِيارِيّة، وَصَرْفِ اخْتِيارِهِم الجُزْئِيِّ إلى تَحْصيلِهِ، وإلا لَكانَ الثوَّابُ والعِقابُ اضطِرارِيينِ، والكلامُ على هذهِ الآية ونحوِها مُسْتوفىً في تفسير (رُوحِ المعاني) وغيرهِ. فجُحودُ القَدَرِ والاحتجاجُ بِه على الله ومُعارَضَةُ شرع الله بِقَدَرِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن ضلالاتِ الجاهِلِيَّةِ.
والمَقْصودُ أنَّهُ لا جَبْرَ وَلا تَفْويضَ، ولكنْ أمْر بَيْنَ أمْرَيْنِ، فمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ عَنْ هَذِهِ الجادَّةِ كانَ على ما كانَ عليهِ أهلُ الجاهِلِيَّةِ، وهِيَ الطَّريقَةُ التي رَدَّ عَلَيْهَا الله سبحانَه ورَسُولهُ ﷺ.
إنكار النبوات (الرابعة والثلاثون): إنكارُ النُّبُوَّاتِ. وَكانوا يَقولون: ما حَكى الله عنهم بقوله في [الأنعام: ٩٠- ٩١]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ - وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩٠ - ٩١]
تفْسيرُ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: ٩١] شُروع في تَقْريرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، بَعْدَ ما حَكى الله سبحانَه عن إبراهيمَ ﵇ أنَّه ذَكَرَ دَليلَ التوَحيدِ وإبطالِ الشِّركِ، وَقَرَّرَ سبحانَه ذلكَ بأفصح الدَّليلِ بأوْضَحِ وَجهٍ.
﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: حَقَّ مَعْرفتِهِ وعن بعضِهِم: ما عَظَّموا الله حَقَّ تَعْظِيمِه إِذْ قَالُوا منْكرينَ لبعثةِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ، كافِريْنَ بِنعمةِ الله الجَليلةِ فِيهما: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: شَيئًا مِن الأشياءِ.
واختُلِفَ في قائِل ذلكَ القَولِ الشَّنيعِ: فَعَن مُجاهِدٍ أنِّهم مُشرِكو قُريشٍ، والجمهورُ على أنهمُ اليَهودُ، ومُرادُهُم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالتِهِ ﷺ على سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
فَقيلَ لَهم على سبيلِ الإِلزامِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أنْزَلَ التَّوراةَ على موسى ﵇ وَلاَ سَبيلَ لَكم إلى إنكارِ ذلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزونَ إنزالَ القُرآنِ على مُحمَّدٍ ﷺ.؟ والكلامُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلٌ في غيرِ هذا الموضِع، والمقصودُ أنَّ إنكارَها مِن سَنَن الجاهِلِيَّةِ، وفي النَّاسِ كَثيرٌ مِمَّن هو على شاكِلَتِهم ومُعْوَجِّ طَريقهِم.
[جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله]
جحودهم القدر، واحتجاجهم به على الله (الخامسة والثلاثون): جحودُ القَدَرِ، والاحْتِجاجُ بِهِ على الله تَعالى ومعارَضَةُ شرعِ الله بِقَدَرِ الله. وهذهِ المَسألَةُ مِن غَوامِض مَسائلِ الدِّينِ، والوُقوفُ عَلى سِرِّها عَسِر إلا على من وَفَّقَه الله تَعالى. ولابنِ القيِّمِ كِتاب جَلِيْلٌ في هذا البابِ سمَّاه (شِفاءَ العَليل في القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَةِ والتَّعْليلِ) . وقد أبْطَلِ الله
سُبحانَه هذه العَقيدةَ الجاهلية بقولهِ تَعالى في آخر سورة [الأنعام: ١٤٨-١٤٩]: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] تَفسيرُ هذه الآية: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا): حِكاية لفَنٍّ آخَرَ مِن أباطيلِهم. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لَمْ يُريدوا بِهذا الكَلامِ الاعتذار عَنِ ارْتكابِ القَبيحِ، إذْ لم يَعْتقِدوا قُبحَ أفعالِهم، بل هُم كما نَطَقَتْ بِهِ الآيات يحسَبُونَ أَنهَّمُ يحسِنوُنَ صُنعًا، وأنهم إنَّما يَعْبُدونَ الأصنامَ لِيُقَرِّبوهُم إلى الله زلْفى، وأنَّ التَّحريمَ إنما كانَ مِن الله ﷿، فَما مرادهُم بذلِكَ إلا الاحتجاجُ على أنَّ ما ارْتكَبوهُ حَقٌّ ومَشروع وَمرضيٌّ عند الله تَعالى على أنَّ المشيئةَ والإِرادةَ تُساوي الأمرَ، وتَسْتَلْزِمُ الرِّضى، كما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، فَيَكونُ حاصِلُ كلامِهِم أنَّ ما نَرتكِبُهُ مِنَ الشِّركِ والتَّحريمِ وغيرِهما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَة الله تعالى وإرادَتُه، وكل ما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَته سبحانه وإرادَتُه فَهو مَشروعٌ ومَرْضِيٌّ عندَ الله تَعالى.
وبَعْدَ أنْ حَكى ﷾ ذلِكَ عَنهم، رَدَّ عَلَيْهِم بِقولِهِ عَزَّ مِنْ قائِلٍ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهم أسلافُهُم المُشرِكونَ. وحاصِلُهُ أنَّ كلامَهم يَتَضَمَّنُ تكذيبَ الرُّسُلِ ﵈، وَقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ على صِدْقِهِم.
أو نَقولُ حاصِلُهُ أنَّ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لم يَشَأْ يَمْتَنعُ، وكلُّ ما هذا شأنُه فلا تكليفَ بِهِ لِكونهِ مَشروطًا بالاسْتِطاعة، فَيَنْتُجُ أنَّ ما ارْتكَبَهُ مِن الشِّركِ وغيرِهِ، لَم يتكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيّ. فَرَدَّ الله تَعالى عَلَيهم بأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُريدَ بِها باطِلٌ، لأنَّهم أرادوا بِها أن الرُّسُلَ ﵈ في دَعْواهُمُ البِعْثةً والتكليفَ كاذِبونَ. وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيّةِ، ولِكَوْنهِ صِدْقًا أُريدَ بِهِ باطِلٌ، ذَمَّهُمُ الله تَعالى بِالتكْذيبِ. وَوجوبُ وُقوعِ مُتَعَلَّقِ المَشيئَةِ لا يُنافِي صِدقَ دَعْوى البِعثةِ والتكليفِ؛ لأنَّهما لإِظهارِ المَحَجَّةِ وإبلاغ الحُجَّةِ ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي نالوا عَذابَنا الذي أنْزَلْناهُ عَلَيْهم بتكْذيبهم،
وفيه إيماءٌ إلى أنَّ لهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِندَ الله تَعالى؛ لأنَّ الذَّوقَ أوَّلُ إدْراكَ الشَّيْءِ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي هلْ لَكُمْ مِنْ عِلمٍ بأنّ الإِشراكَ وسائِرَ ما أنتُم عَلَيه مَرْضيٌّ عند الِلَّهِ تَعالى فَتُظْهروهُ لَنَا بِالبُرْهانِ؟ وهذا دَليلٌ على أنَّ المُشرِكينَ أُمَم اسْتَوجَبوا التَّوبيخَ على قولهم ذلك؛ لأنَّهَم كانوا يَهْزَءونَ بالدِّين، ويَبْغونَ رَدَّ دَعْوةِ الأنبياء ﵈، حَيثُ قرع مسامعهم من شَرائِعِ الرسُلِ ﵈ تَفْويضُ الأمورِ إلَيْهِ ﷾، فَحينَ طالبوهُم بالإِسلامِ، والتِزام الأحكامِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِم بِما أخَذوه مِن كَلامِهم مُسْتَهْزِئينَ بِهم عليهم الصلاة والسَّلامُ، ولم يَكُنْ غَرَضُهُمْ ذِكْرَ ما يَنْطَوي عَلَيْهِ عِقْدُهُم، كَيفَ لا والإِيمانُ بصفاتِ الله تَعالى فَرْعُ الإِيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وَهُوَ عَنهم مناطُ العَيُّوق.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ تكْذِبونَ على الله تَعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أي البينَةُ الواضِحَةُ التي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ على الإِثباتِ، والمُرادُ بِها في المَشهورِ: الكتابُ والرَّسولُ والبَيانُ. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بِالتَّوفيقِ لَها، والحَمْلِ عَليها، وَلَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصَّارِفينَ اختِيارَهُم إلى سُلوكِ طَريقِ الحَقِّ، وضَلالَ آخَرينَ صَرَفوه إلى خِلافِ ذَلِكَ. ومِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ في توجيهِ ما في الآية، وهو أنَّ الرَّدَّ عَليهم إنَّما كانَ لاعْتِقادِهِم أنَّهم مُسَلِّمونَ اختِيارَهم وقُدْرتهم، وأنَّ إشراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم على وجْهِ الاضْطرارِ وَزَعَموا أنَّهم يُقيمونَ الحُجَّةَ على الله تَعالى ورسوله ﵊ بِذَلِكَ، فَرَدَّ الله تَعالى قَولَهم في دَعْواهُم عَدَم الاخْتيارِ لأنفسِهِم، وَشَبَّهَهُمْ بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهُم بِهذا الخَيال، فَكَذَّبَ الرُّسُلَ، وَأشْرَكَ بِاللهِ ﷿، واعْتَمَدَ على أنَّه إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيْئَةِ اللهِ تَعالى وَرامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ، وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَه تَعالى لا لَهم، ثُمَّ أوْضَحَ سُبحانَه أنَّ كُلَّ واقعٍ واقع بِمشيْئَتِهِ، وأنَّه لم يَشَأْ مِنهمْ إلاَ ما صدَرَ عَنهم، وأنِّه تَعالى لَو شاءَ مِنهمُ الهدايةَ لاهْتَدَوا أجْمَعينَ. والمقصودُ أنْ يَتَمَحَّضَ وجهُ الرَّدِّ عَليهم، وَتَتَخَلَّصَ عَقيدةُ نُفوذِ السنة وعموم تغلغلها بكُلِّ
كائن عنِ الرَّدِّ، ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعواهُم سَلْبَ الاخْتيار لأنفُسهم، وأنّ إقامتهم الحجة بِذلِكَ خاصَّة. وإِذا تَدَبَّرْتَ الآية وَجَدْتَ صَدرَها دَافِعًا لِصُدورِ الجَبْرِية، وعَجُزَها مُعْجزًا للمُعْتزلة، إِذِ الأوَّلُ مُثبتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اختيارًا وقُدْرةً على وجْهٍ يَقْطعُ حُجَّتَه وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ، والثَّاني مُثِبتٌ نُفوذَ مَشيئَةِ الله تَعالى في العبدِ، وأنَّ جَميعَ أفعالِه على وَفْقِ المَشيئة الإِلهيةِ، وبذلكَ تَقومُ الحُجَّةُ البالغة لأهلِ السُّنَّةِ على المُعتزلةِ، والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ. ومِنهم مَن وجَّهَ الآية بأنَّ مرادَهم رَدُّ دعوةِ الأنبياء ﵈ على مَعنى أنَّ الله تَعالى شاءَ شِرْكَنا، وَأرادَهُ مِنَّا، وَأنْتُم تُخالِفونَ إرادَتَه، حَيثُ تَدعونا إلى الإِيمانِ، فَوَبَّخَهُم ﷾ بوُجوه عِدَّة: منها قولُه سُبحانَه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنه بتقدير الشَّرطِ، أي إذا كانَ الأمرُ كما زَعَمْتُم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]
وقولُه سُبحانَه: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بَدَل منه على سَبيلِ البَيانِ، أي لَو شاءَ لَدَلَّ كُلًاّ منكم ومِنْ مُخالِفيكم على دينه، لَو كانَ الأمرُ كَما تَزْعُمونَ، لَكان الإِسلامُ أيْضًا بِالمشيئةِ، فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعوا المُسلِمينَ من الإِسلامِ، كما وَجَبَ بِزعمكم ألا يمنَعَكُم الأنبياءُ عن الشِّركِ. فَيَلْزَمُكُم أنْ لا يكونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمينَ مُخالَفَة ومُعاداةٌ، بَلْ موافَقَة وموالاة. وحاصِلُه أنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم منَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكونَ عِندكم حَقًّا؛ لأنه بِمشيئة الله تَعالى، فَيَلْزَمُ تَصحيحُ الأديانِ المُتناقِضَة.
وَفِي سورةِ [النَّحْل: ٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] الكلامُ عَلى هذه الآية كالكَلام على الآية السَّابقةِ، وَلا تَراهُمْ يَتَشَبَّثونَ بِالمشيئةِ إلا عِنْدَ انخِذالِ الحُجَّةِ. ألا تَرَى كيفَ خَتَمَ بِنَحوِ آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة [الزخرف: ١٩-٢٢]: وهو قولُه تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ - وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢] ويكفي في الانقلاب ما
يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] والمُرادُ بِما حَرَّموهُ السَّوائِبُ والبَحائرُ وغَيْرُها. وَفِي تَخْصيصِ الاشْتِراكِ والتَّحْريمِ بالنَّفي؛ لأنَّهُما أعْظَمُ وأشْهَرُ ما هُمْ عَلَيْهِ. وَغَرَضُهُم مِنْ ذَلِكَ تكْذيبُ الرَّسولِ ﵊ والطَّعْنُ في الرِّسالةِ رَأْسًا، فَإِنَّ حاصِلَهُ أيْ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لمْ يَشَأْ يَمْتَنعُ، فَلَوْ أنَّهُ ﷾ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا، وَنُحَلِّلَ ما أحَلَّهُ، ولا نُحَرِّمَ شَيْئا مِمَّا حَرَّمْنا كَما تَقولُ الرُّسُلُ وَيَنْقُلونَه مِنْ جِهَتِهِ تَعالى لَكانَ الأمرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوحيدِ ونَفْي الإِشراكِ، وَتَحْليلِ ما أحَلَّهُ، وَعَدَمِ تَحْريمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَم يَكُنْ كَذلِكَ، ثَبَتَ أنه لَم يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ شاءَ ما نحنُ عَلَيْهِ.
وتَحَقَّقَ أنَّ ما يَقولُهُ الرُّسُلُ ﵈ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. فَرَدَّ الله تَعَالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٣] مِن الأمَمِ، أيْ: أشْرَكوا بِاللهِ تَعالى، وَحَرَّموا مِنْ دونِهِ ما حَرَّموا، وجادَلُوا رُسُلَهُمْ بِالباطِلِ لِيُدْحضوا بِهِ الحَقَّ ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] أيْ: ليستْ وَظيفَتُهُمْ إلا البَلاغِ للرِّسالَةِ، المُوَضِّحَ طَريق الحَق والمُظْهر أحْكامَ الوحْيِ التي مِنها تَعَلُّقُ مَشيْئَتِهِ تَعالى باهْتِداءِ مَنْ صرَفَ قُدْرتَهُ واخْتِيارَهُ إلى تَحْصَيلِ الحَقِّ؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وأمَّا إلْجاؤهمْ إلى ذَلِكَ، وتنفيذُ قَوْلهم عليهِ شاءوا أوْ أبَوْا كما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهم فليسَ ذَلِكَ مِن وَظيفَتِهم، ولا مِن الحِكْمَةِ التي يَتوَقَّفُ عَلَيْها التكليفُ، حَتّىَ يُسْتَدَلَّ بعدمِ ظُهورِ آثارِهِ على عدمِ حَقيقةِ الرسلِ ﵈ أو على عدمِ تَعَلُّقِ مَشَيْئَتِهِ تَعالى بذَلِكَ، فإِنَّ ما يَتَرَتَّبُ عليه الثوَّابُ والعِقابُ مِن الأفْعالِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشيئتِهِ تَعالى بِوقوعِهِ مِن مُباشَرَتِهم الاخْتِيارِيّة، وَصَرْفِ اخْتِيارِهِم الجُزْئِيِّ إلى تَحْصيلِهِ، وإلا لَكانَ الثوَّابُ والعِقابُ اضطِرارِيينِ، والكلامُ على هذهِ الآية ونحوِها مُسْتوفىً في تفسير (رُوحِ المعاني) وغيرهِ. فجُحودُ القَدَرِ والاحتجاجُ بِه على الله ومُعارَضَةُ شرع الله بِقَدَرِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن ضلالاتِ الجاهِلِيَّةِ.
والمَقْصودُ أنَّهُ لا جَبْرَ وَلا تَفْويضَ، ولكنْ أمْر بَيْنَ أمْرَيْنِ، فمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ عَنْ هَذِهِ الجادَّةِ كانَ على ما كانَ عليهِ أهلُ الجاهِلِيَّةِ، وهِيَ الطَّريقَةُ التي رَدَّ عَلَيْهَا الله سبحانَه ورَسُولهُ ﷺ.
Translation
جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله
#38
Chapter 38 — مسبة الدهر
· ref. #38
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[مسبة الدهر]
مسبة الدهر (السادسة والثلاثون): مسَبَّة الدَّهْرِ: كقولهِم في سورةِ [الجاثيةِ: ٢٤] ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وذلكَ أنَّ الله تَعالى أرادَ بَيانَ أحْكامِ ضلالِهم والخَتْمِ على سَمْعِهم وقُلوبِهم وجَعل غِشاوة على أبصارِهِم، فَحَكى عنهم ما صدَرَ عَنهم بقوله ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] التي نَحْنُ فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ تَموتُ طائِفَة، وَتَحْيا طائِفةٌ، ولا حَشْرَ أصلا. ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ كَثيرًا مِن عُبَّادِ الأصنامِ كانَ يقول بِالتَّناسُخِ، وَعَلَيْهِ فالمُراد بِالحياةِ: إعادةُ الرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ طول الزَّمانِ.
وإسنادُهُمُ الإِهلاكَ إلى الدهرِ إنكار مِنهم لِمَلَكِ الموتِ وقَبْضهِ الأرواحَ بِأمرِ الله تَعالى، وكانوا يُسْنِدونَ الحوادِثَ مُطْلقًا إلَيْهِ؛ لِجَهْلِهم أنَّها مُقَدَّرة مِن عندِ الله تَعالى، وَأشْعارُهُم لِذَلِكَ مَملوءة مِن شَكْوى الدَّهْر (١) وهؤلاءِ مُعْترفون بوجودِ الله تَعالى، فَهُمْ غَيْرُ الدَّهْرِيَّة. فإِنَّهم مَعَ إسنادِهِمُ الحوادِثَ إلى الدَّهْرِ لا يَقولونَ بِوُجوده سُبْحانَه وَتَعالى عَمَّا يَقولونَ عُلوّا كَبيرا والكُلُّ يَقولُ بِاسْتِقْلالِ الدَّهْرِ بِالتأثيرِ.
وقَد جاءَ النَّهيُ عَنْ سبِّ الدَّهْرِ، أخْرجَ مُسْلِمٌ: «لا يَسُبّ أحَدُكُم الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هو الدَّهْرُ» وفي رِوَايَةٍ لأبي داودَ والحاكِم "قالَ الله ﷿: «يُؤذيني ابنُ آدمَ يقولُ: يا خيبةَ الدَّهرِ، فلا يَقُلْ أحَدُكُم يا خيبةَ الدَّهرِ، فإِنيِّ أنا الدَّهرُ، أقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ» وَرَوى الحاكِمُ أيْضًا: «يقولُ الله ﷿: اسْتَقْرَضتُ عَبدْي فلم يُقْرِضْني، وَشَتَمَنِي عبدي وهو لا يَدْرِي، يقولُ:
_________
(١) مثل قول قائهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
ومثل قول الآخر:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وقول الآخر:
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
وكنت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشعر في ذلك قديمًا وحديثًا كثير.
مسبة الدهر (السادسة والثلاثون): مسَبَّة الدَّهْرِ: كقولهِم في سورةِ [الجاثيةِ: ٢٤] ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وذلكَ أنَّ الله تَعالى أرادَ بَيانَ أحْكامِ ضلالِهم والخَتْمِ على سَمْعِهم وقُلوبِهم وجَعل غِشاوة على أبصارِهِم، فَحَكى عنهم ما صدَرَ عَنهم بقوله ﷾: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] التي نَحْنُ فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ تَموتُ طائِفَة، وَتَحْيا طائِفةٌ، ولا حَشْرَ أصلا. ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ كَثيرًا مِن عُبَّادِ الأصنامِ كانَ يقول بِالتَّناسُخِ، وَعَلَيْهِ فالمُراد بِالحياةِ: إعادةُ الرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ طول الزَّمانِ.
وإسنادُهُمُ الإِهلاكَ إلى الدهرِ إنكار مِنهم لِمَلَكِ الموتِ وقَبْضهِ الأرواحَ بِأمرِ الله تَعالى، وكانوا يُسْنِدونَ الحوادِثَ مُطْلقًا إلَيْهِ؛ لِجَهْلِهم أنَّها مُقَدَّرة مِن عندِ الله تَعالى، وَأشْعارُهُم لِذَلِكَ مَملوءة مِن شَكْوى الدَّهْر (١) وهؤلاءِ مُعْترفون بوجودِ الله تَعالى، فَهُمْ غَيْرُ الدَّهْرِيَّة. فإِنَّهم مَعَ إسنادِهِمُ الحوادِثَ إلى الدَّهْرِ لا يَقولونَ بِوُجوده سُبْحانَه وَتَعالى عَمَّا يَقولونَ عُلوّا كَبيرا والكُلُّ يَقولُ بِاسْتِقْلالِ الدَّهْرِ بِالتأثيرِ.
وقَد جاءَ النَّهيُ عَنْ سبِّ الدَّهْرِ، أخْرجَ مُسْلِمٌ: «لا يَسُبّ أحَدُكُم الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هو الدَّهْرُ» وفي رِوَايَةٍ لأبي داودَ والحاكِم "قالَ الله ﷿: «يُؤذيني ابنُ آدمَ يقولُ: يا خيبةَ الدَّهرِ، فلا يَقُلْ أحَدُكُم يا خيبةَ الدَّهرِ، فإِنيِّ أنا الدَّهرُ، أقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ» وَرَوى الحاكِمُ أيْضًا: «يقولُ الله ﷿: اسْتَقْرَضتُ عَبدْي فلم يُقْرِضْني، وَشَتَمَنِي عبدي وهو لا يَدْرِي، يقولُ:
_________
(١) مثل قول قائهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
ومثل قول الآخر:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وقول الآخر:
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
وكنت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشعر في ذلك قديمًا وحديثًا كثير.
Translation
مسبة الدهر
#39
Chapter 39 — إضافة نعم الله إلى غيره
· ref. #39
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
وادَهْراهُ! وَأنا الدَّهرُ» . وَرَوَى البَيْهقِيُّ: «لا تَسُبوا الدَّهرَ، قال الله ﷿: أنا الأيّامُ والليالِي، أجَدِّدُها وأبلْيها، وآتي بِمُلوكٍ بعدَ مُلوكٍ» . ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الله تَعالى هو الآتي بالحوادِثِ، فَإِذا سَبَبْتُمُ الدَّهرَ على أنَّهُ فاعِل، وَقَعَ السَّبُّ عَلى الله ﷿.
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: لَيسَ لَهم بِما ذُكِرَ مِنْ قَصْرِ الحياةِ على ما فِي الدُّنيا وَنسْبَة الإِهلاكِ إلى الدَّهرِ عِلم مُسْتَنِد إلى عَقْلٍ أو نَقْلٍ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ ما هُم إلا قَوم قُصارَى أمرِهِم الظَّنُّ والتقليدُ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكونَ لَهُم ما يَصِحُّ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَة. وقَدْ ذَكَرْنَا في غَيْرِ هذا المَوْضِع ما يَتَعَلَّقُ بالدَّهْرِيينَ، والمقصودُ أنَّ يقول بِإِسنادِ الحوادِثِ إلى غيرِ الله تَعالى كالدَّهرِ، فَذلك ليسَ لَهُ مستندٌ عقلَيّ وَلاَ نَقْلِيٌّ، بَل هو مَحْضُ جَهْلٍ، وقائِلُهُ جاهلٌ في أيِّ عَصْرٍ كانَ. ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل. والله المستعان.
[إضافة نعم الله إلى غيره]
إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون): إضافةُ نِعَمِ الله إلى غيرِهِ، قال الله تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٨٣]: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وقدْ عَدَّدَ الله تَعالى نِعَمَهُ على عِباده في هذهِ السُّورةِ [٧٨: ٨٠] إلي أنْ قالَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣] فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلِخ اسْتِئناف لِبيانِ أنَّ تَولي المُشرِكينَ وإعراضَهم عن الإِسلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفتِهِم نِعمةَ الله ﷾ أصلا، فإِنِّهم يَعرِفون أنِّها مِن الله تَعالى، ثُمَّ يُنْكِرونَها بأفعالِهِم، حيثُ لم يُفْردوا مُنْعِمَها بالعِبادةِ، فَكَأنَهم لمْ يَعْبُدوه ﷾ أصْلا، وذَلِكَ كُفْران مُنَزَّل مَنْزِلَةَ الإِنكارَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنه قَالَ: إنكارُهُم إيَّاها قولُهم: وَرِثْناها مِن آبائِنا وأخرجَ هو وغيرُهُ أيْضًا عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ أنه قالَ: إنكارُهم إيَّاها أنْ يقولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فلانٌ أصابَني
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: لَيسَ لَهم بِما ذُكِرَ مِنْ قَصْرِ الحياةِ على ما فِي الدُّنيا وَنسْبَة الإِهلاكِ إلى الدَّهرِ عِلم مُسْتَنِد إلى عَقْلٍ أو نَقْلٍ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ ما هُم إلا قَوم قُصارَى أمرِهِم الظَّنُّ والتقليدُ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكونَ لَهُم ما يَصِحُّ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَة. وقَدْ ذَكَرْنَا في غَيْرِ هذا المَوْضِع ما يَتَعَلَّقُ بالدَّهْرِيينَ، والمقصودُ أنَّ يقول بِإِسنادِ الحوادِثِ إلى غيرِ الله تَعالى كالدَّهرِ، فَذلك ليسَ لَهُ مستندٌ عقلَيّ وَلاَ نَقْلِيٌّ، بَل هو مَحْضُ جَهْلٍ، وقائِلُهُ جاهلٌ في أيِّ عَصْرٍ كانَ. ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل. والله المستعان.
[إضافة نعم الله إلى غيره]
إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون): إضافةُ نِعَمِ الله إلى غيرِهِ، قال الله تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٨٣]: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وقدْ عَدَّدَ الله تَعالى نِعَمَهُ على عِباده في هذهِ السُّورةِ [٧٨: ٨٠] إلي أنْ قالَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣] فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلِخ اسْتِئناف لِبيانِ أنَّ تَولي المُشرِكينَ وإعراضَهم عن الإِسلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفتِهِم نِعمةَ الله ﷾ أصلا، فإِنِّهم يَعرِفون أنِّها مِن الله تَعالى، ثُمَّ يُنْكِرونَها بأفعالِهِم، حيثُ لم يُفْردوا مُنْعِمَها بالعِبادةِ، فَكَأنَهم لمْ يَعْبُدوه ﷾ أصْلا، وذَلِكَ كُفْران مُنَزَّل مَنْزِلَةَ الإِنكارَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنه قَالَ: إنكارُهُم إيَّاها قولُهم: وَرِثْناها مِن آبائِنا وأخرجَ هو وغيرُهُ أيْضًا عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ أنه قالَ: إنكارُهم إيَّاها أنْ يقولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فلانٌ أصابَني
Translation
إضافة نعم الله إلى غيره
#40
Chapter 40 — الكفر بآيات الله
· ref. #40
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلا فلانٌ لم أُصِبْ كَذَا وَكَذَا. وَفِي لَفظٍ: إنكارُها: إضافتُها إلى الأسبابِ، وبعضُهُم يقولُ: إنكارُهُم: قولُهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تَعالى. وَمِنهم مَن قال: النِّعمةُ هنا مُحَمَّد ﷺ أيْ: يَعْرفونَ أنَّه- ﵊ نَبِيّ بِالمُعْجِزاتِ، ثُمَّ يُنكِرون ذَلِكَ، وَيَجْحَدونَه عِنادًا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] أيْ المُنكِرون بِقُلوبهِم، غيرُ المُعْترَفين بما ذُكِرَ. والتَّعبيرُ بالأكثرِ إمَّا لأنَّ بعضهم لم يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقصانِ عقلِه وعدمِ اهتدائِهٍ إليهِ، أو لِعدمِ نَظَرِهِ في الأدلَّة نَظَرًا يُؤدِّي إلى المَطْلوبِ، أو لأنَّه لمْ تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ؛ لِكونهِ لم يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفينَ لِصغرٍ ونحوِه، وإمَّا لأنَّه يُقامُ مقامَ الكُلِّ، فإسنادُ المعرفةِ والإِنكارِ المتفرِّع عَلَيْها إلى ضَميرِ المشرِكينَ على الإِطلاقِ مِن باب إسناد حالِ البعضِ إلى الكلِّ.
وَمِمَّا يَجْرِي هذا المَجْرى قولُهُ تَعالى في سورةِ [الواقِعةِ: ٨١-٨٢] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أيْ: تَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا.
رَوَى مُسْلِم وغيرهُ عن ابنِ عبَّاس قالَ: «مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَال ﵊" أصْبَحَ مِنَ الناسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ، قالوا: هذهِ رحمة وضَعَها الله" وقالَ بعضُهم: لَقَد صَدَقَ نَوْءُ كَذا، فَنَزَلَتْ هَذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]» إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. والمقصود أن إسناد النعم إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وَقَدْ ذَكَرْنا مَذهبَ العربِ في الأنواءِ في غيرِ هذا الموضِعِ، وَفَصَّلْناه تفْصيلا، وَذَكَرْنا شِعْرَهُمُ الدَّال على مَذهَبِهم هذا. واللهُ المُوَفقُ.
[الكفر بآيات الله]
الكفر بآيات الله (الثامنة والثلاثون): الكفرُ بآيات الله. والنصوصُ الدالَّةُ على ذلك في القرآنِ كثيرة: مِنها قولُهُ تَعالى في [الكَهْفِ: ١٠٥- ١٠٦]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦] بَعْدَ قولهِ سُبحانَه [الكهف: ١٠٣- ١٠٤]: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
وَمِمَّا يَجْرِي هذا المَجْرى قولُهُ تَعالى في سورةِ [الواقِعةِ: ٨١-٨٢] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أيْ: تَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا.
رَوَى مُسْلِم وغيرهُ عن ابنِ عبَّاس قالَ: «مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَال ﵊" أصْبَحَ مِنَ الناسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ، قالوا: هذهِ رحمة وضَعَها الله" وقالَ بعضُهم: لَقَد صَدَقَ نَوْءُ كَذا، فَنَزَلَتْ هَذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]» إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. والمقصود أن إسناد النعم إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وَقَدْ ذَكَرْنا مَذهبَ العربِ في الأنواءِ في غيرِ هذا الموضِعِ، وَفَصَّلْناه تفْصيلا، وَذَكَرْنا شِعْرَهُمُ الدَّال على مَذهَبِهم هذا. واللهُ المُوَفقُ.
[الكفر بآيات الله]
الكفر بآيات الله (الثامنة والثلاثون): الكفرُ بآيات الله. والنصوصُ الدالَّةُ على ذلك في القرآنِ كثيرة: مِنها قولُهُ تَعالى في [الكَهْفِ: ١٠٥- ١٠٦]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦] بَعْدَ قولهِ سُبحانَه [الكهف: ١٠٣- ١٠٤]: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
Translation
الكفر بآيات الله