Back to the aqeedah library
98 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah) فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية (المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية)
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam...
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Mahmud Shukri Alusi (أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي
98
Total sections
98 chapters
#41
Chapter 41 — اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله
· ref. #41
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
فقولُه (أُوْلئكَ) كلام مُسْتَأنَفٌ منهُ مَسوق لتكْميلِ تعريفِ الأخْسَرينَ، وتَبيينِ خُسرانِهِم وضَلالِ سعْيِهِم وتَعْيينهم، بِحيثُ يَنْطَبِقُ التَّعريفُ على المُخاطَبينَ. أيْ أولئكَ المَنْعوتونَ بِما ذُكِرَ من ضَلالِ السَّعْيِ والحُسْبانِ المذكورِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] بِدلائِلِهِ سُبحانَه الدَّاعِيَة إلى التَّوحيدِ الشَّامِلة للسَّمعيَّةِ والعقلِيّةِ ﴿وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] هو كِنايةٌ عن البعثِ والحَشْرِ وما يَتْبَعُ ذلك من أُمورِ الآخِرَةِ، أي لم يؤمِنوا بِذَلِكَ على ما هو عَلَيه ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَري بهم، وَنَحْتَقِرُهُم. ومِنَ النُّصوصِ ما يَدُلُّ على أنَّ مِنهم مَن كان يُنْكِرُ بَعضَ الآياتِ، ومِنهم مَن كانَ مُعْرِضًا عَنْها وهاجرًا لها، ولاَ يَخْفى عليك أنَّ مِنَ النَّاسِ اليومَ مَن هُوَ أدْهى وأمَرُّ مِمَّا كانَ عَلَيْهِ أهلُ الجاهِلِيَّة فِي هَذَا البابِ.
[اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله]
اختيار كتب الباطل، ونبذ آيات الله (التاسعة والثلاثون): اشْتِراء كُتُبِ الباطِلِ واخْتِيارُها عليها، أيْ عَلى الآيات. قالَ تَعالى [البقرة: ٩٩-١٠٣]: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ - أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]
وَمَعنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ اسْتبدَلَ ما تَتْلوا الشَّياطينُ بِكتابِ الله. ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نَصيبٍ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: واللهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوا بهِ حُظوظَ أنْفُسِهِم، أيْ: باعوها أو شَرَوْها في زعْمِهِم ذَلِكَ الشِّراءَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ بِالرَّسولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ أو بِالتَّوْراةِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ المَعاصي
[اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله]
اختيار كتب الباطل، ونبذ آيات الله (التاسعة والثلاثون): اشْتِراء كُتُبِ الباطِلِ واخْتِيارُها عليها، أيْ عَلى الآيات. قالَ تَعالى [البقرة: ٩٩-١٠٣]: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ - أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]
وَمَعنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ اسْتبدَلَ ما تَتْلوا الشَّياطينُ بِكتابِ الله. ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نَصيبٍ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: واللهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوا بهِ حُظوظَ أنْفُسِهِم، أيْ: باعوها أو شَرَوْها في زعْمِهِم ذَلِكَ الشِّراءَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ بِالرَّسولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ أو بِالتَّوْراةِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ المَعاصي
Translation
اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله
#42
Chapter 42 — القدح في حكمة الله تعالى
· ref. #42
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التي حُكِيَتْ عَنْهُمْ. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ أنَّ ثَوابَ الله تَعالى خَيْرٌ لَهُمْ، وبِمَعْنى هذه الآيةِ قولُه تَعالى [البقرة: ٧٨-٧٩] ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩]
وَهَذه الآية نَزَلَتْ في أحبارِ اليهودِ الذينَ خافُوا أنْ تَذهبَ رِياسَتُهم بإِبْقاءِ صفَةِ النَّبِيِّ ﷺ على حالِها، فَغَيَّروها.
[القدح في حكمة الله تعالى]
القدح في حكمة الله تعالى (الأربعون): القَدْح في حِكْمَتِهِ تَعالى. أقولُ: مِنْ خِصالِ الجاهلية: القَدْحُ في حِكْمَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بحَكيمٍ في خَلْقِهِ. بِمعنى أنه سُبحانَه يَخْلُقُ ما لا حِكْمَةَ لَهُ فيهِ، وَيَأمُرُ وَيَنْهى بِما لا حِكْمَةَ فيهِ. وقد حَكى الله تَعالى ذَلِكَ بقولهِ في سورةِ [ص: ٢٧]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وَقَالَ سُبحانَه في سورةِ [المؤمنين: ١١٥-١١٦]: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] وفي سورةِ [الدُّخانِ: ٣٨-٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] وفي سورةِ [الأنبياءِ: ١٦-١٧]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧]
وفي سورةِ [الحِجْرِ: ٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ النَّاصَّةِ على أنَّ الله تَعالى لَم يَخلُقْ شَيْئًا مِن غيرِ حِكمةٍ وَلا عِلَّة، عَلى خِلافِ ما يَعْتَقدُهُ أهلُ الباطِلِ مِنَ الجاهِلِينَ، وَمَن نَحا نَحْوهُمْ مِن هذِهِ الأمَّةِ مِمَّنْ نَفى الحِكمةَ عَن أفعالِهِ ﷾. وهَذِهِ مَسألةٌ طويلةُ الذَّيلِ، قَدْ كَثُرَ فيها
الخِصامُ بَيْنَ فِرَق المُسلِمينَ، والحقُّ ما كانَ عَلَيه السَّلَفُ مِن إثبات الحِكمةِ والتَّعليلِ. وقدْ أطْنَبَ الكلامَ عليها الحافِظُ ابنُ القَيِّم في كِتابِه (شِفاءِ العليلِ في مسائلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَة والتَّعْليلِ) وَعَقَدَ بابًا مُفَصَّلا في طُرُقِ إثباتِ حِكمة الرَّبِّ تَعالى في خَلْقِهِ وَأمْرِهِ، وإثباتِ الغاياتِ المَطلوبةِ والعواقِب الحَمِيدَةِ الَّتي فَعَلَ وَأَمَرَ لأجلِها.
ومِن جُملةِ ما قالَ في هذا البابِ: إنه ﷾ أنكَرَ على مَن زَعَمَ أنَّه لم يخلُقِ الخَلْقَ لِغايةٍ ولا لحِكمةٍ، كَقَولهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَقَولِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] والحَقُّ: هو الحِكَمُ والغاياتُ المحمودةُ، التي لأجلِها خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو أنواعٌ كثيرةٌ منها أنْ يُعْرَفَ اللهُ بأسمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفعالِهِ، وآياتِهِ. ومِنها: أنْ يُحَبَّ، وَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ، ويُطاعَ ومِنها: أنْ يأمُرَ، وَيَنْهى، وَيُشَرِّعَ الشَّرائِعَ.
ومِنها: أنْ يُدَبِّرَ الأمرَ، ويُبْرِمَ القَضاء، وَيَتَصَرَّفَ في المَمْلَكَة بأنواعِ التَّصَرُّفاتِ. ومِنها: أنْ يثيبَ ويُعاقِبَ، فَيُجازِيَ المُحْسِنَ بإحْسانِهِ، والمُسيءَ بإساءَتِهِ، فَيَكونَ أثَرُ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ موجودًا مُشاهَدًا، فَيُحْمَدَ على ذَلِكَ ويُشْكَرَ.
ومِنها: أنْ يُعْلِمَ خَلْقَهُ أنه لا إِلهَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِواهُ. ومِنها: أنْ يَصْدُقَ الصَّادِقُ فَيُكْرِمَهُ، وَيَكْذِبَ الكاذِبُ فَيُهينَهُ. ومِنْها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ وَصِفاتِهِ عَلى تنوُّعِها وكَثرتِها في الوُجودِ الذِّهْنِيَ والخارجي، فيعلم عباده ذلك علمًا مطابقًا لما في الواقع. ومِنْها: شَهادةُ مَخلوقاتِهِ كُلِّها بأنه وَحْدَهُ ربها وَفاطِرُها ومَليكُها، وأنه وَحْدَهُ إِلهُها ومَعْبودُها. ومِنْها: ظُهورُ آثارِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، فإِنَّ الخَلْقَ والصُّنْعَ لازِمُ كَمالِهِ، فإِنَّه حَيٌّ قديرٌ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لم يَكُنْ إلا فاعِلا مُختارا. ومِنها أنْ يُظْهِرَ أثَرَ حكمتِهِ في المخلوقاتِ بوضعِ كُلٍّ مِنها في مَوضِعِهِ الذي يَليقُ بِهِ، ومَجيئِهِ على الوجهِ الذي تَشْهَدُ العُقولُ والفطَرُ بِحُسْنِهِ، فتشهَدَ حِكْمَتُهُ الباهِرة ومِنها: أنَّه سُبحانه يُحِبُّ أنْ يَجودَ ويُنْعِمَ ويَعْفُوَ وَيَغْفِرَ وَيُسامحَ، ولا بُدَّ مَن لوازمِ ذَلِكَ خَلْقًا وشَرْعًا. ومِنها: أنَّه يُحِبُّ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ، ويُمْدَحَ ويُمَجَّدَ، وَيُسَبَّحَ وَيُعَظَّمَ ومِنها: كثرةُ
شواهدِ رُبوبيتِهِ وَوَحْدانِيتِهِ وَإلهيتِه. إلى غير ذلكَ من الحِكمِ التي تَضَمَّنَها الخَلْقُ، فَخَلَقَ مَخْلوقاتِهِ بِسببِ الحَقِّ. ولأجْلِ الحَقِّ، وَخَلْقُها مُلْتَبِس بالحَقِّ، وهو في نفسِهِ حَقّ: فَمَصْدَرُهُ حَقٌّ، وغايتُه حَقٌّ، وهو يَتَضَمَّنُ الحَقَّ. وقَدْ أثنى على عِبادِهِ المؤمِنينَ حَيْثُ نَزَّهوهُ عنْ إيجادِ الخَلْقِ، لا لِشَيْءٍ ولا لِغاية، فَقَالَ تَعالى [آل عمران: ١٩٠- ١٩١]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] وَأخْبَرَ أنَّ هَذَا ظَنُّ أعدائِهِ، لا ظَنُّ أوليائِهِ فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]
وكيفَ يَتَوَهَّمُ أنَّه عَرَفَهُ مَن يقولُ: إنَّه لم يَخلقِ لِحكمةٍ مطلوبة لَه، ولا أمَر لِحكمةٍ، ولا نَهَى لِحكمةٍ، وإنَّما يَصدُرُ الخَلْقُ والأمرُ عن مشيئَةٍ وقُدْرَةٍ مَحْضَةٍ، لا لِحكمةٍ ولا لِغاية مقصودةِ.
وهلْ هذا إلا إنكارٌ لحقيقة حَمْده بَل الخَلْقُ والأمرُ إنَّما قامَ بالحكمِ والغاياتِ، فَهُما مَظْهَرانِ لِحمده وحِكمتِهِ. فإِنكارُ الحكمةِ إنكارٌ لِحَقيقةِ خَلْقِهِ وأمرِهِ، فإِنَّ الذي أثبَتَهُ المُنْكِرونَ مِن ذَلِكَ لنَزَّهُ عنه الرَّبُّ، ويَتَعالى عَن نسبتِهِ إليهِ، فإنَّهم أثْبَتوا خَلْقًا وَأْمرًا لا رَحْمَةَ فيهِ ولا مَصْلَحَةَ ولا حِكمةَ، بَلْ يَجوزُ عِنْدَهُم أو يَقَعُ أنْ يَأمرَ بِما لا مَصلحةَ لِلْمُكَلَّفِ فيه ألبتة، ويَنْهى عَمَّا فيه مَصلحة، والجميعُ بالنِّسبة إليه سواءٌ ويَجوزُ عِندَهم أنْ يَأْمُرَ بِكُلِّ ما نَهى عَنه، وَيَنْهَى عن جَميعِ ما أمَرَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ هذَا وهذَا إلا بِمُجَرَّدِ الأمْرِ والنَّهْي.
وَيَجوزُ عِندَهم أنْ يُعَذِّبَ مَنْ لَم يَعْصِهِ طَرْفَةَ عَينٍ، ويثيبَ مَن عصَاهُ بلْ أفْنى عُمُرَهُ في الكُفْرِ بِهِ والشِّرْكِ والظلْمِ والفُجورِ، فَلاَ سَبيلَ إلى أنْ يُعْرَفَ خِلافُ ذلِكَ منه إلا بِخَبَرِ الرَّسول، وإلا فهو جائِزٌ عليهِ. وَهَذَا مِن أقْبَحِ الظَّنِّ وأسوئهِ بالرَّبِّ سُبحانَه، وَتنزيهُهُ عَنْهُ كَتنزيهِهِ عن الظلْمِ والجَوْرِ، بَلْ هذا هو عَيْنُ الظلْمِ الَّذِي يَتَعالى الله عَنْهُ. والعَجَبُ العُجابُ أنَّ كَثيرًا مِن أربابِ هَذَا المَذْهَبِ ينزِّهونَه عَمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَه مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعوتِ الجَلالِ، ويزعمون أن إثباتها تجسيمٌ وتشبيهٌ، ولا ينزِّهونه عن هذا الظلم والجَوْرِ، ويَزْعُمونَ أنه عَدْل وَحَقّ، وأنَّ
وَهَذه الآية نَزَلَتْ في أحبارِ اليهودِ الذينَ خافُوا أنْ تَذهبَ رِياسَتُهم بإِبْقاءِ صفَةِ النَّبِيِّ ﷺ على حالِها، فَغَيَّروها.
[القدح في حكمة الله تعالى]
القدح في حكمة الله تعالى (الأربعون): القَدْح في حِكْمَتِهِ تَعالى. أقولُ: مِنْ خِصالِ الجاهلية: القَدْحُ في حِكْمَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بحَكيمٍ في خَلْقِهِ. بِمعنى أنه سُبحانَه يَخْلُقُ ما لا حِكْمَةَ لَهُ فيهِ، وَيَأمُرُ وَيَنْهى بِما لا حِكْمَةَ فيهِ. وقد حَكى الله تَعالى ذَلِكَ بقولهِ في سورةِ [ص: ٢٧]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وَقَالَ سُبحانَه في سورةِ [المؤمنين: ١١٥-١١٦]: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] وفي سورةِ [الدُّخانِ: ٣٨-٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] وفي سورةِ [الأنبياءِ: ١٦-١٧]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧]
وفي سورةِ [الحِجْرِ: ٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ النَّاصَّةِ على أنَّ الله تَعالى لَم يَخلُقْ شَيْئًا مِن غيرِ حِكمةٍ وَلا عِلَّة، عَلى خِلافِ ما يَعْتَقدُهُ أهلُ الباطِلِ مِنَ الجاهِلِينَ، وَمَن نَحا نَحْوهُمْ مِن هذِهِ الأمَّةِ مِمَّنْ نَفى الحِكمةَ عَن أفعالِهِ ﷾. وهَذِهِ مَسألةٌ طويلةُ الذَّيلِ، قَدْ كَثُرَ فيها
الخِصامُ بَيْنَ فِرَق المُسلِمينَ، والحقُّ ما كانَ عَلَيه السَّلَفُ مِن إثبات الحِكمةِ والتَّعليلِ. وقدْ أطْنَبَ الكلامَ عليها الحافِظُ ابنُ القَيِّم في كِتابِه (شِفاءِ العليلِ في مسائلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَة والتَّعْليلِ) وَعَقَدَ بابًا مُفَصَّلا في طُرُقِ إثباتِ حِكمة الرَّبِّ تَعالى في خَلْقِهِ وَأمْرِهِ، وإثباتِ الغاياتِ المَطلوبةِ والعواقِب الحَمِيدَةِ الَّتي فَعَلَ وَأَمَرَ لأجلِها.
ومِن جُملةِ ما قالَ في هذا البابِ: إنه ﷾ أنكَرَ على مَن زَعَمَ أنَّه لم يخلُقِ الخَلْقَ لِغايةٍ ولا لحِكمةٍ، كَقَولهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَقَولِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] والحَقُّ: هو الحِكَمُ والغاياتُ المحمودةُ، التي لأجلِها خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو أنواعٌ كثيرةٌ منها أنْ يُعْرَفَ اللهُ بأسمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفعالِهِ، وآياتِهِ. ومِنها: أنْ يُحَبَّ، وَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ، ويُطاعَ ومِنها: أنْ يأمُرَ، وَيَنْهى، وَيُشَرِّعَ الشَّرائِعَ.
ومِنها: أنْ يُدَبِّرَ الأمرَ، ويُبْرِمَ القَضاء، وَيَتَصَرَّفَ في المَمْلَكَة بأنواعِ التَّصَرُّفاتِ. ومِنها: أنْ يثيبَ ويُعاقِبَ، فَيُجازِيَ المُحْسِنَ بإحْسانِهِ، والمُسيءَ بإساءَتِهِ، فَيَكونَ أثَرُ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ موجودًا مُشاهَدًا، فَيُحْمَدَ على ذَلِكَ ويُشْكَرَ.
ومِنها: أنْ يُعْلِمَ خَلْقَهُ أنه لا إِلهَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِواهُ. ومِنها: أنْ يَصْدُقَ الصَّادِقُ فَيُكْرِمَهُ، وَيَكْذِبَ الكاذِبُ فَيُهينَهُ. ومِنْها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ وَصِفاتِهِ عَلى تنوُّعِها وكَثرتِها في الوُجودِ الذِّهْنِيَ والخارجي، فيعلم عباده ذلك علمًا مطابقًا لما في الواقع. ومِنْها: شَهادةُ مَخلوقاتِهِ كُلِّها بأنه وَحْدَهُ ربها وَفاطِرُها ومَليكُها، وأنه وَحْدَهُ إِلهُها ومَعْبودُها. ومِنْها: ظُهورُ آثارِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، فإِنَّ الخَلْقَ والصُّنْعَ لازِمُ كَمالِهِ، فإِنَّه حَيٌّ قديرٌ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لم يَكُنْ إلا فاعِلا مُختارا. ومِنها أنْ يُظْهِرَ أثَرَ حكمتِهِ في المخلوقاتِ بوضعِ كُلٍّ مِنها في مَوضِعِهِ الذي يَليقُ بِهِ، ومَجيئِهِ على الوجهِ الذي تَشْهَدُ العُقولُ والفطَرُ بِحُسْنِهِ، فتشهَدَ حِكْمَتُهُ الباهِرة ومِنها: أنَّه سُبحانه يُحِبُّ أنْ يَجودَ ويُنْعِمَ ويَعْفُوَ وَيَغْفِرَ وَيُسامحَ، ولا بُدَّ مَن لوازمِ ذَلِكَ خَلْقًا وشَرْعًا. ومِنها: أنَّه يُحِبُّ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ، ويُمْدَحَ ويُمَجَّدَ، وَيُسَبَّحَ وَيُعَظَّمَ ومِنها: كثرةُ
شواهدِ رُبوبيتِهِ وَوَحْدانِيتِهِ وَإلهيتِه. إلى غير ذلكَ من الحِكمِ التي تَضَمَّنَها الخَلْقُ، فَخَلَقَ مَخْلوقاتِهِ بِسببِ الحَقِّ. ولأجْلِ الحَقِّ، وَخَلْقُها مُلْتَبِس بالحَقِّ، وهو في نفسِهِ حَقّ: فَمَصْدَرُهُ حَقٌّ، وغايتُه حَقٌّ، وهو يَتَضَمَّنُ الحَقَّ. وقَدْ أثنى على عِبادِهِ المؤمِنينَ حَيْثُ نَزَّهوهُ عنْ إيجادِ الخَلْقِ، لا لِشَيْءٍ ولا لِغاية، فَقَالَ تَعالى [آل عمران: ١٩٠- ١٩١]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] وَأخْبَرَ أنَّ هَذَا ظَنُّ أعدائِهِ، لا ظَنُّ أوليائِهِ فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]
وكيفَ يَتَوَهَّمُ أنَّه عَرَفَهُ مَن يقولُ: إنَّه لم يَخلقِ لِحكمةٍ مطلوبة لَه، ولا أمَر لِحكمةٍ، ولا نَهَى لِحكمةٍ، وإنَّما يَصدُرُ الخَلْقُ والأمرُ عن مشيئَةٍ وقُدْرَةٍ مَحْضَةٍ، لا لِحكمةٍ ولا لِغاية مقصودةِ.
وهلْ هذا إلا إنكارٌ لحقيقة حَمْده بَل الخَلْقُ والأمرُ إنَّما قامَ بالحكمِ والغاياتِ، فَهُما مَظْهَرانِ لِحمده وحِكمتِهِ. فإِنكارُ الحكمةِ إنكارٌ لِحَقيقةِ خَلْقِهِ وأمرِهِ، فإِنَّ الذي أثبَتَهُ المُنْكِرونَ مِن ذَلِكَ لنَزَّهُ عنه الرَّبُّ، ويَتَعالى عَن نسبتِهِ إليهِ، فإنَّهم أثْبَتوا خَلْقًا وَأْمرًا لا رَحْمَةَ فيهِ ولا مَصْلَحَةَ ولا حِكمةَ، بَلْ يَجوزُ عِنْدَهُم أو يَقَعُ أنْ يَأمرَ بِما لا مَصلحةَ لِلْمُكَلَّفِ فيه ألبتة، ويَنْهى عَمَّا فيه مَصلحة، والجميعُ بالنِّسبة إليه سواءٌ ويَجوزُ عِندَهم أنْ يَأْمُرَ بِكُلِّ ما نَهى عَنه، وَيَنْهَى عن جَميعِ ما أمَرَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ هذَا وهذَا إلا بِمُجَرَّدِ الأمْرِ والنَّهْي.
وَيَجوزُ عِندَهم أنْ يُعَذِّبَ مَنْ لَم يَعْصِهِ طَرْفَةَ عَينٍ، ويثيبَ مَن عصَاهُ بلْ أفْنى عُمُرَهُ في الكُفْرِ بِهِ والشِّرْكِ والظلْمِ والفُجورِ، فَلاَ سَبيلَ إلى أنْ يُعْرَفَ خِلافُ ذلِكَ منه إلا بِخَبَرِ الرَّسول، وإلا فهو جائِزٌ عليهِ. وَهَذَا مِن أقْبَحِ الظَّنِّ وأسوئهِ بالرَّبِّ سُبحانَه، وَتنزيهُهُ عَنْهُ كَتنزيهِهِ عن الظلْمِ والجَوْرِ، بَلْ هذا هو عَيْنُ الظلْمِ الَّذِي يَتَعالى الله عَنْهُ. والعَجَبُ العُجابُ أنَّ كَثيرًا مِن أربابِ هَذَا المَذْهَبِ ينزِّهونَه عَمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَه مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعوتِ الجَلالِ، ويزعمون أن إثباتها تجسيمٌ وتشبيهٌ، ولا ينزِّهونه عن هذا الظلم والجَوْرِ، ويَزْعُمونَ أنه عَدْل وَحَقّ، وأنَّ
Translation
القدح في حكمة الله تعالى
#43
Chapter 43 — الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم
· ref. #43
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التَّوْحيدَ عِندَهُم لا يَتِمُّ إلا بهِ، كما لا يتِمُّ إلا بإنكارِ اسْتِوائِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وعُلُوِّهِ فَوْقَ سَماواتِه، وتكَلُّمِهِ وتكليمِهِ، وصِفاتِ كمالِه فلا يَتِمُّ التَّوحيدُ عند هذهِ الطَّائِفةِ إلا بِهَذَا النَّفْيِ وذَلِكَ الإِثْباتِ، واللهُ وليُّ التَّوفيقِ. انتهى المقصودُ من نَقْلِهِ، وتَمامُ الكلامِ في هذا البابِ من ذَلِكَ الكِتابِ (١) وإليه سُبحانَه المآبُ.
[الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم]
الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم (الحادية والأربعون): الكفر بِالملائِكَةِ والرُّسلِ والتَّفْريق بَيْنَهُم. قال تَعالى [البقرة: ٨٧- ٩٩] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١] إلى أن قال: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ - وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٩] فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هذهِ الآيات أنَّ بَعْضَ الكِتابِيِّينَ كانُوا يَكفُرونَ بِالمَلائِكَةِ والرُّسُلِ، يُفَرِّقونَ بَيْنَهُمْ، أيْ يؤمِنونَ بِبَعْضٍ ويَكفُرونَ بِبَعضٍ، وهم طائفةٌ مِن جاهِلِيَّةِ اليَهودِ. وَلِهَذَا أمَرَنا الله تَعالى بالإِيمانِ بهم وَعَدَمِ
_________
(١) وهو "شفاء العليل" لابن القيم ﵀.
[الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم]
الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم (الحادية والأربعون): الكفر بِالملائِكَةِ والرُّسلِ والتَّفْريق بَيْنَهُم. قال تَعالى [البقرة: ٨٧- ٩٩] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١] إلى أن قال: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ - وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٩] فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هذهِ الآيات أنَّ بَعْضَ الكِتابِيِّينَ كانُوا يَكفُرونَ بِالمَلائِكَةِ والرُّسُلِ، يُفَرِّقونَ بَيْنَهُمْ، أيْ يؤمِنونَ بِبَعْضٍ ويَكفُرونَ بِبَعضٍ، وهم طائفةٌ مِن جاهِلِيَّةِ اليَهودِ. وَلِهَذَا أمَرَنا الله تَعالى بالإِيمانِ بهم وَعَدَمِ
_________
(١) وهو "شفاء العليل" لابن القيم ﵀.
Translation
الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم
#44
Chapter 44 — الغلو في الأنبياء والرسل
· ref. #44
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الغلو في الأنبياء والرسل
Translation
الغلو في الأنبياء والرسل
#45
Chapter 45 — الجدال بغير علم
· ref. #45
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التَّفْرِقَة بَيْنَهُم، فَقَالَ [البقرة: ٢٨٥] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
[الغلو في الأنبياء والرسل]
الغلو في الأنبياء والرسل (الثانية والأربعون): الغُلُوُّ في الأنبياءِ والرُّسُلِ ﵈، قالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ١٧١] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَالغُلُوُّ في المخلوقِ أعْظمُ سَبَبٍ لعبادةِ والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنامِ والصَّالِحينَ، كَما كانَ في قوم نوح مِن عبادةِ نَسْرٍ وَسُواعٍ وَيَغوثَ ونَحْوِهِم، وكما كان مِنْ عبادةِ النَّصارى لِلمسيحِ ﵇، ومِثلُ ذلِكَ القولُ على الله بِغيرِ الحَقِّ.
[الجدال بغير علم]
الجدال بغير علم (الثالثة والأربعون): الجِدالُ بِغيرِ العِلم كما تَرى كثيرًا مِن أهلِ الجَهلِ يُجادِلونَ أهلَ العِلْمِ عِندَ نَهْيهِم عَمَّا ألِفوه مِنَ البِدَعِ والضلالاتِ. وهي صِفَةٌ جاهِلِيّةٌ نَهانا الله تَعالى عَنِ التَّخَلُّقِ بِها.
قال تَعالى في سورةِ [آل عمران: ٦٥-٦٦] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦]
أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ وابنُ جَريرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قالَ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحبارُ يهودَ عِندَ رَسُولِ الله ﷺ، فَتَنازَعوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحبارُ: ما كانَ إبراهيمُ إلا يَهودِيًّا، وقالتِ النَّصارى: ما كان إبْراهيمُ إلا نَصرانِيًّا، فَأنْزَل الله فيهم هذهِ الآية» المُنادِيَةَ على جَهْلِهم وعِنادِهم، كَما لا يخْفى على مَنْ راجَعَ التفسيرَ.
[الغلو في الأنبياء والرسل]
الغلو في الأنبياء والرسل (الثانية والأربعون): الغُلُوُّ في الأنبياءِ والرُّسُلِ ﵈، قالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ١٧١] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَالغُلُوُّ في المخلوقِ أعْظمُ سَبَبٍ لعبادةِ والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنامِ والصَّالِحينَ، كَما كانَ في قوم نوح مِن عبادةِ نَسْرٍ وَسُواعٍ وَيَغوثَ ونَحْوِهِم، وكما كان مِنْ عبادةِ النَّصارى لِلمسيحِ ﵇، ومِثلُ ذلِكَ القولُ على الله بِغيرِ الحَقِّ.
[الجدال بغير علم]
الجدال بغير علم (الثالثة والأربعون): الجِدالُ بِغيرِ العِلم كما تَرى كثيرًا مِن أهلِ الجَهلِ يُجادِلونَ أهلَ العِلْمِ عِندَ نَهْيهِم عَمَّا ألِفوه مِنَ البِدَعِ والضلالاتِ. وهي صِفَةٌ جاهِلِيّةٌ نَهانا الله تَعالى عَنِ التَّخَلُّقِ بِها.
قال تَعالى في سورةِ [آل عمران: ٦٥-٦٦] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦]
أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ وابنُ جَريرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قالَ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحبارُ يهودَ عِندَ رَسُولِ الله ﷺ، فَتَنازَعوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحبارُ: ما كانَ إبراهيمُ إلا يَهودِيًّا، وقالتِ النَّصارى: ما كان إبْراهيمُ إلا نَصرانِيًّا، فَأنْزَل الله فيهم هذهِ الآية» المُنادِيَةَ على جَهْلِهم وعِنادِهم، كَما لا يخْفى على مَنْ راجَعَ التفسيرَ.
Translation
الجدال بغير علم
#46
Chapter 46 — الكلام في الدين بلا علم
· ref. #46
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[الكلام في الدين بلا علم]
الكلام في الدين بلا علم قال الشيخ: (الرابعة والأربعون) الكَلامُ في الدِّين بِلا عِلْمٍ، أقولُ: أجْمَلَ الشَّيخُ رحمه الله تعالى الكَلام في هذهِ المسألة كُلَّ الإِجمالِ كَما فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كَثيرٍ مِنَ المَسائِلِ، وما أحَقَّها بِالتفصيلِ. وَذَلِكَ أنَّ أهلَ الجاهِلِيةِ مِنَ العَرَبِ وغيرِهِم مِنَ الكِتابِيِّينَ شَرَعوا في الدِّينِ ما لَم يَأذَنْ بِهِ الله، أمَّا العَرَبُ فقد كانَ الكثيرُ مِنهُم على دين إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵈ إلى أنْ ظَهَرَ فِيهِمُ الخُزاعِيُّ (١) فَغَيَّرَ وَبَدَّلَ، وابْتَدَعَ بِدَعًا كَثيرةً، وَأغْرى العَرَبَ عَلى عِبادةِ الأصنامِ، وَبَحَرَ البَحيرَةَ، وَحَمى الحام، واسْتَقْسَمَ بِالأزلامِ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِمَّا فَصلْناه في غيرِ هَذَا الموضِع. وإنْ شِئْتَ أنْ تَعْرِفَ جَهْلَ العَرَبِ، وما ابْتَدَعوهُ فاقْرأْ سورةَ الأنعامِ فَإِنَّ فيها كَثيرًا مِن ضَلالاتِهم ومُبْتَدَعاتِهم.
وأمَّا الجاهِلِيُّونَ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، فَقَدِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَذَلِكَ أنَّ أحبارَهم ورُهبانَهمُ ابْتَدَعوا لَهُم في الدِّينِ بدَعًا، وَحَلَّلوا وَحَرَّموا ما اشْتَهَتْهُ أنْفسُهُم، فَقَبِلوا ذَلِكَ مِنهم وأطاعوهُم عليه، مع أنَّ الدِّينَ إنِّما يَكونُ بِتشريعِ الله ووحْيِهِ إلى أنْبيائِهِ ورُسُلِهِ ﵈، ولا يَكونُ بِآراءِ الرِّجالِ وبِحَسَبِ أهْوائِهِمْ، فَكُلُّ ما لا دَليلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ مَرْدودٌ على صاحِبهِ. وَقَدْ ذَمَّ الله تَعالى اليَهود عَلى مِثل ذَلِكَ فَقَال عَزَّ اسْمُهُ في سورةِ [آلِ عِمرانَ: ٧٨]، ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] فَمَنْ أوَّلَ نُصوصَ الكِتابِ والسُّنَّة على حَسَبِ شَهَواتِهِ وبِمُقْتَضى هَواهُ فَهو أيْضًا مِنْ قَبيلِ الذينَ يَلْوونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالكِتابِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اليومَ كَثيرٌ مِن كُتُب الشَّريعَةِ مِنَ الآراءِ التي لَيْسَ لَها مُسْتند مِنْ دَلائِلِ الشَّريعَةِ. فإلى الله المُشْتكىَ مِنْ صَوْلَةِ الباطِلِ وخُمولِ الحَقِّ.
_________
(١) وهو عمرو بن لحي وكان الحجازيون ربا في امتثال أمره وطاعته والانتهاء عما ينهى عنه.
الكلام في الدين بلا علم قال الشيخ: (الرابعة والأربعون) الكَلامُ في الدِّين بِلا عِلْمٍ، أقولُ: أجْمَلَ الشَّيخُ رحمه الله تعالى الكَلام في هذهِ المسألة كُلَّ الإِجمالِ كَما فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كَثيرٍ مِنَ المَسائِلِ، وما أحَقَّها بِالتفصيلِ. وَذَلِكَ أنَّ أهلَ الجاهِلِيةِ مِنَ العَرَبِ وغيرِهِم مِنَ الكِتابِيِّينَ شَرَعوا في الدِّينِ ما لَم يَأذَنْ بِهِ الله، أمَّا العَرَبُ فقد كانَ الكثيرُ مِنهُم على دين إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵈ إلى أنْ ظَهَرَ فِيهِمُ الخُزاعِيُّ (١) فَغَيَّرَ وَبَدَّلَ، وابْتَدَعَ بِدَعًا كَثيرةً، وَأغْرى العَرَبَ عَلى عِبادةِ الأصنامِ، وَبَحَرَ البَحيرَةَ، وَحَمى الحام، واسْتَقْسَمَ بِالأزلامِ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِمَّا فَصلْناه في غيرِ هَذَا الموضِع. وإنْ شِئْتَ أنْ تَعْرِفَ جَهْلَ العَرَبِ، وما ابْتَدَعوهُ فاقْرأْ سورةَ الأنعامِ فَإِنَّ فيها كَثيرًا مِن ضَلالاتِهم ومُبْتَدَعاتِهم.
وأمَّا الجاهِلِيُّونَ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، فَقَدِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَذَلِكَ أنَّ أحبارَهم ورُهبانَهمُ ابْتَدَعوا لَهُم في الدِّينِ بدَعًا، وَحَلَّلوا وَحَرَّموا ما اشْتَهَتْهُ أنْفسُهُم، فَقَبِلوا ذَلِكَ مِنهم وأطاعوهُم عليه، مع أنَّ الدِّينَ إنِّما يَكونُ بِتشريعِ الله ووحْيِهِ إلى أنْبيائِهِ ورُسُلِهِ ﵈، ولا يَكونُ بِآراءِ الرِّجالِ وبِحَسَبِ أهْوائِهِمْ، فَكُلُّ ما لا دَليلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ مَرْدودٌ على صاحِبهِ. وَقَدْ ذَمَّ الله تَعالى اليَهود عَلى مِثل ذَلِكَ فَقَال عَزَّ اسْمُهُ في سورةِ [آلِ عِمرانَ: ٧٨]، ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] فَمَنْ أوَّلَ نُصوصَ الكِتابِ والسُّنَّة على حَسَبِ شَهَواتِهِ وبِمُقْتَضى هَواهُ فَهو أيْضًا مِنْ قَبيلِ الذينَ يَلْوونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالكِتابِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اليومَ كَثيرٌ مِن كُتُب الشَّريعَةِ مِنَ الآراءِ التي لَيْسَ لَها مُسْتند مِنْ دَلائِلِ الشَّريعَةِ. فإلى الله المُشْتكىَ مِنْ صَوْلَةِ الباطِلِ وخُمولِ الحَقِّ.
_________
(١) وهو عمرو بن لحي وكان الحجازيون ربا في امتثال أمره وطاعته والانتهاء عما ينهى عنه.
Translation
الكلام في الدين بلا علم
#47
Chapter 47 — الكفر باليوم الآخر
· ref. #47
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الكفر باليوم الآخر
Translation
الكفر باليوم الآخر
#48
Chapter 48 — التكذيب بآية مالك يوم الدين
· ref. #48
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التكذيب بآية مالك يوم الدين
Translation
التكذيب بآية مالك يوم الدين
#49
Chapter 49 — التكذيب بآية لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة
· ref. #49
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
[الكفر باليوم الآخر]
الكفر باليوم الآخر (الخامسة والأربعون): الكُفر باليومِ الآخِرِ، والتَّكذيبُ بلِقاءِ الله، وبَعْثِ الأرْواحِ، وَبِبَعْضِ ما ذَكَرَتْهُ الرّسلُ مِنْ صِفاتِ الجَنَّةِ والنَّارِ. قال تَعالى في سورةِ [الكَهْفِ: ١٠٣-١٠٥]، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] الآية. وقد مَرَّ الكَلامُ عَلَيها قَريبًا. وَقَالَ تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٣٨-٣٩]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩] إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصوصِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ولِقومِ عَصْرِنا مِنْ هذا الاعْتِقادِ الجاهِلِيِّ حَظٌّ وافِرٌ، وَنَصيبٌ كامِل، ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، نَسْألُهُ تَعالى التَّوْفِيقَ للهِدايةِ.
[التكذيب بآية مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]
التكذيب بآية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
(السادسة والأربعون): التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وَهو اليومُ الذي يَدينُ الله تَعالى العِبادَ فِيْهِ بِأعمالِهم، فَيُثيبُهُمْ عَلَى الخَيْراتِ ويُعاقِبُهُم على المَعاصِي والسَّيئاتِ. والتكذيبُ بِهذا اليومِ مُتَفَرِّعٌ عَلى إنكارِ البعثِ والحِسابِ والجَنَّةِ والنَّارِ.
[التكذيب بآية لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ]
التكذيب بآية ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (السابعة والأربعون): التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى [البقرة: ٢٥٤] ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] منْ قَوْلهِ سُبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والخُلَّةُ: المَوَدَّة والصداقَةُ، ومَعْنى وَلَا شَفَاعَةٌ أيْ لا أحَدَ يَشْفَعُ لأحَدٍ إلا مِن بَعْدِ
الكفر باليوم الآخر (الخامسة والأربعون): الكُفر باليومِ الآخِرِ، والتَّكذيبُ بلِقاءِ الله، وبَعْثِ الأرْواحِ، وَبِبَعْضِ ما ذَكَرَتْهُ الرّسلُ مِنْ صِفاتِ الجَنَّةِ والنَّارِ. قال تَعالى في سورةِ [الكَهْفِ: ١٠٣-١٠٥]، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] الآية. وقد مَرَّ الكَلامُ عَلَيها قَريبًا. وَقَالَ تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٣٨-٣٩]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩] إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصوصِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ولِقومِ عَصْرِنا مِنْ هذا الاعْتِقادِ الجاهِلِيِّ حَظٌّ وافِرٌ، وَنَصيبٌ كامِل، ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، نَسْألُهُ تَعالى التَّوْفِيقَ للهِدايةِ.
[التكذيب بآية مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]
التكذيب بآية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
(السادسة والأربعون): التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وَهو اليومُ الذي يَدينُ الله تَعالى العِبادَ فِيْهِ بِأعمالِهم، فَيُثيبُهُمْ عَلَى الخَيْراتِ ويُعاقِبُهُم على المَعاصِي والسَّيئاتِ. والتكذيبُ بِهذا اليومِ مُتَفَرِّعٌ عَلى إنكارِ البعثِ والحِسابِ والجَنَّةِ والنَّارِ.
[التكذيب بآية لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ]
التكذيب بآية ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (السابعة والأربعون): التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى [البقرة: ٢٥٤] ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] منْ قَوْلهِ سُبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والخُلَّةُ: المَوَدَّة والصداقَةُ، ومَعْنى وَلَا شَفَاعَةٌ أيْ لا أحَدَ يَشْفَعُ لأحَدٍ إلا مِن بَعْدِ
Translation
التكذيب بآية لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة
#50
Chapter 50 — الخطأ في معنى الشفاعة
· ref. #50
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الخطأ في معنى الشفاعة
Translation
الخطأ في معنى الشفاعة
#51
Chapter 51 — قتل أولياء الله
· ref. #51
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمنُ لِمَنْ يَشاءُ ويَرْضى. وأرادَ بِذَلِكَ يومَ القيامَة. والمُرادُ مِن وصْفِهِ بِما ذُكِرَ: الإِشارةُ إلى أنه لا قدرةَ لأحَدٍ فيهِ على تَحصيلِ ما ينْتفَعُ بِهِ بِوجْهٍ مِنَ الوُجوهِ، لأنَّ مَن في ذِمَّتهِ حَقّ مَثَلا إمَّا أنْ يأخُذَ بالبيع ما يُؤَدِّيهِ بِهِ، وإمَّا أنْ يعينَهُ أصدقاؤُه، وإمَّا أنْ يلتجئ إلى مَنْ يَشفعُ لَهُ فِي حَطِّه، والكُلُّ مُنْتَف، ولا مُسْتعان إلا باللهِ ﷿.
[الخطأ في معنى الشفاعة]
الخطأ في معنى الشفاعة (الثامنة والأربعون): التَّكذيبُ بِقولِهِ تَعالى في سورةِ [الزخْرُفِ: ٨٦] ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قَولُهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي ولا يملكُ آلِهَتُهُمُ الذين يَدْعونَهم مِن دونهِ الشَّفاعَةَ، كَما زَعَموا أنَّهُم شُفعاؤُهُم عِندَ الله ﷿ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] الَّذي هو التَّوحيدُ.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: يَعْلَمونَهُ. والمُرادُ بِهم: الملائِكَةُ وَعِيسى وعُزَيْرٌ وَأضْرابُهُمْ. وَأنْتَ تَرَى النَّاسَ اليومَ عاكِفينَ على أصنامٍ لهُمْ يَدْعونَهُمْ مِن دونِ الله، وعُذْرُهُم عِندَ تَوبيخِهِم أنَّ هؤلاءِ شُفَعاؤُهم. تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكون.
[قتل أولياء الله]
قتل أولياء الله (التاسعة والأربعون): قَتْل أولياءِ الله، وقَتْلُ الذينَ يَأمُرونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، قالَ تعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ٦١] ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] وقالَ في سورةِ [آل عِمرانَ: ١٨٣] ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] إلى آَياتٍ أخَرَ في هذا المَعْنى صَرَّحَتْ بِما لاقاهُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ ﵈ وأتْباعُهُم المُخْلِصونَ ودُعاةُ الحَقِّ (١) وبِما كابَدوهُ مِن أعداءِ الله والجَهَلَةِ الطُغاةِ مِمَّا تنهَدُّ لَهُ الصَّياصِي
_________
(١) من ذلك أن الشيخ المصنف لاقى من أبناء زمانه كبيرهم وصغيرهم لما دعاهم إلى الله تعالى والتوحيد الذي جاءت به الرسل ما تنهد له الصياصي وتشيب له النواصي كما لا يخفى على من طالع سيرته الطاهرة، تغمده الله برحمته ورضوانه.
وتَبْيَضُّ مِنْهُ النَّواصِي. هؤلاءِ أكابِرُ الأمَّةِ المُحَمَّدِيةِ وَعُلَماؤُها الأعلامُ، قد صادَفوا عِندَ دَعوتِهم إلى الحَقِّ والمحافظَةِ عَلَيه ما يَسْوَدُّ منه وجه القِرْطاسِ، وتَشيبُ مِنه لِمَمُ المِدادِ. والأنبياءُ- صلواتُ الله عليهِم- وأتباعُهُم المُؤمنونَ- وإنْ كانوا يُبْتَلونَ في أوَّلِ الأمْر- فالعاقبَةُ لَهم، كما قالَ تَعالى لَمَّا قَصَّ قصةَ نَوح [هود: ٤٩]: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وفي الحَديثِ المتَّفَقِ على صِحَّتِهِ «لما أرسلَ النَّبِيُّ ﷺ رسولا إلى مَلِكِ الرُّومِ، فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بسيرتِه، وكانَ المُشرِكونَ أعداءَهُ، لم يَكونوا آمَنوا بِهِ فقالَ: "كيفَ الحربُ بَيْنَكُم وَبَيْنَهم قالوا: الحَرْبُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِجالٌ، يُدالُ علينا المَرَّةَ، ونُدال عَليه الأخْرَى. فقال: كذلك الرُّسُلُ تُبْتَلى، وتكونُ لها العاقِبَةُ» . فإنَّه كان يومُ بدرٍ نَصر الله المُؤمِنينَ، ثُمَّ يَوْم أُحُدٍ ابتُلِي المُؤمِنونَ، ثم لم يُنْصَرِ الكُفَّارُ بَعْدَها، حَتّى أظْهَرَ الله تَعالى الإِسْلامَ. فإنْ قِيلَ: ففي الأنبياءِ مَن قد قُتِلَ، كما أخْبَرَ الله تعالى في الآيات السَّابقَةِ أنَّ بَني إسرائيلَ يَقْتُلونَ النَّبِيِّينَ بِغيرِ الحَقِّ، وفي أهل الفُجورِ مَن يُؤتيهِ الله مُلكًا وسُلْطانا وَيُسَلِّطُهُ على المُتَدَيِّنينَ كما سَلَّط بُخْتَ نَصَّرَ عَلى بَني إسرائيلَ، وكما سَلَّطَ كفَّار المُشرِكينَ وأهلِ الكتابِ- أحيانَا- على المُسْلِمينَ قيلَ: أمَّا مَنْ قُتِلَ مِن الأنبياءِ فهم كمَنْ يُقْتَلُ مِنَ المُؤمِنينَ في الجِهادِ شَهيدا. قالَ تَعالى [آل عمران: ١٤٦-١٤٨]: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] ومعلومٌ أنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ المُؤمِنينَ شَهيدا في القتالِ، كان حالُه أكملَ من حالِ مَن يَموتُ حَتْفَ أنفهِ قالَ تَعالى [آل عمران: ١٦٩]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولهذا قال تعالى [التوبة: ٥٢]: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أيْ: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
ثُمَّ إنَّ الدِّينَ الذي قاتَلَ عليه الشُّهَداء
يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكون لِطائفتِه السَّعادةُ في الدُّنْيا والآخرةِ، مَن قُتِلَ مِنهم كان شهيدا، ومَن عاشَ مِنهم كانَ منصورًا سَعيدا، وهذا غايةُ ما يكونُ مِن النصرِ، إذْ كان الموتُ لا بُدَّ منهُ، فالموتُ على الوجهِ الذي تَحصُلُ به سعادةُ الدُّنيا والآخرةِ أكملُ، بِخلافِ من يهلكُ هو وطائفتُه، فلا يفوزُ لا هو ولا هم بمطلوبِهِم، لا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ. والشُّهَداءُ مِنَ المؤمِنين قاتَلوا باختيارِهِم، وَفَعَلوا الأسبابَ التي بِها قُتِلوا، كالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتاروا هَذا المَوْتَ، إمَّا أنَّهم قَصَدوا الشَّهادَةَ، وإمَّا أنَّهم قَصَدوا به ما يَصيرونَ شُهَداءَ، عالِمينَ بأنَّ لهُم السَّعادةَ في الآخِرَةِ وفي الدُّنيا بِانتصارِ طائِفَتِهِم وبِبَقاءِ لِسانِ الصِّدقِ لهم ثَناءً ودُعاءً، بِخِلافِ مَن هَلَكَ مِن الكُفَّارِ، فإنِّهم هَلَكوا بِغيرِ اختِيارِهِم، هَلاكا لا يرجونَ مَعه سعادةَ الآخِرِة، ولم يَحصلْ لَهُمْ ولا لِطائِفَتِهم شَيْءٌ مِن سعادةِ الدُّنيا، بَلْ أُتبعوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقيلَ فيهمْ [الدخان: ٢٥-٢٩]: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] وقد أخْبَرَ سُبحانَه أنَّ كثيرا مِن الأنبياء قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ، أيْ: أُلوفٌ كثيرةٌ، وأنَّهم ما ضَعُفوا ولا اسْتكانوا لِذَلِكَ، بلِ اسْتَغْفَروا مِنْ ذُنوبِهم التي كانتْ سببا لظُهورِ العدوِّ، وأنَّ الله تَعالى آتاهُمْ ثَوابَ الدُّنيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فإذا كان هذا قَتْلَ المُؤمِنينَ، فَما الظَّنُّ بِقتلِ الأنْبِياءِ؟ ففيه لهم ولأتباعِهم مِن سَعادةِ الدُّنيا والآخِرَةِ ما هو مِن أعظمِ الفَلاحِ. وظُهورُ الكُفَّارِ على المُؤمِنينَ- أحْيانا- هو بِسببِ ذُنوبِ المسلِمينَ، كيَومَ أُحُدٍ، فإنْ تابوا انْتَصَروا على الكُفَّارِ، وكانتِ العاقِبةُ لهم، كما قد جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلمُسْلِمينَ في عامَّةِ ملاحِمهم معَ الكفَّارِ. وَهَذَا من آيات النُّبُوَّةِ وأعْلامِها ودَلائِلِها، فإنَّ النَّبِيِّ، ﷺ إذا قاموا بعُهودِهِ ووَصاياهُ، نَصَرَهُمُ الله، وأظْهَرَهُمْ على المُخالِفينَ لَه، فإذا ضَيَّعوا عُهودهُ ظَهَرَ أُولئِكَ عَليهم.
فمَدارُ النَّصرِ والظهورِ مَعَ مُتابَعَةِ النَّبِي ﷺ وُجودا وعَدَما مِن غير سَبَبٍ
يُزاحم ذلك، ودوران الحُكْمِ مع الوصفِ وجودا وعدما مِن غير مزاحَمَة وصفٍ آخَرَ يوجِب العِلْمَ بأنَّ المَدارَ عِلَّة للدائِرِ، وقولُنا: "مِن غير وصفٍ آخَرَ": يُزيلُ النُّقوضَ الواردَةَ. فهذا الاستقراءُ والتَّتبّعُ يُبينُ أنَّ نَصْرَ الله وإظهارَه هو بسببِ اتِّباعِ النَّبِيِّ، وأنَّه سُبحانَه يُريدُ إعْلاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَه وَنصْرَ أتْباعِهِ عَلى مَن خالَفَه، وأنْ يَجعلَ لهم السَّعادةَ ولِمَن خالَفَهم الشَّقاءَ، وهذا يوجبُ العِلْمَ بنُبوّتهِ، وأنَّ مَن اتَّبَعَهُ كانَ سَعيدا، ومَن خالَفه كانَ شَقيّا. ومن هذا ظُهورُ بُخْتَ نَصَّرَ على بَني إسرائيلَ، فإنَّه مِن دلائلِ نبوَّةِ موسى؛ إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بِذَلِكَ، وكانوا- إذْ كانوا مُتَّبِعينَ لِعُهودِ موسى - مَنْصورينَ مُؤَيَّدينَ، كما كانوا في زَمَنِ داودَ وسُلَيْمانَ وغيرِهما. قَالَ تَعالى [الإِسراء: ٤-٨]: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨] فَكانَ ظُهورُ بَني إسرائيلَ على عَدُوِّهِم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عَلَيهم تارةً من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى ﷺ وآياتِه، وكذلِكَ ظُهورُ أُمَّة محمَّد ﷺ على عَدُوِّهم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عليهم تارةً، هو من دلائِلِ رِسالة محمَّد ﷺ وأَعلامِ نبوته. وكانَ نَصْرُ الله لِموسى وقومِه على عَدُوِّهِم في حَياتِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ، كما جَرَى لَهُمْ مِنْ يوشعَ وغيرِه من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى، وكذلك انتِصار المؤمِنين مَعَ مُحَمَّد ﷺ في حياتِه وبَعْدَ مماتِهِ مع خُلفائِهِ مِن أعلامِ نبوته ودَلائِلها. وهذا بخِلافِ الكُفَّارِ الذين يَنْتَصِرونَ عَلى أهل الكِتابِ أحيانا، فإنَّ أولئكَ لا يكونُ مُطاعُهم إلى نبي، ولا يُقاتلونَ أتْباعَ الأنبياءِ على ديِنِ، ولا يَطلُبونَ مِن أولئكَ أنْ يَتَّبِعوهُم على دينهم، بَلْ قَدْ يُصَرِّحونَ بأنَّا نُصِرْنا عَلَيكم بِذُنوبِكم، وأنْ لَو اتَّبَعْتُم دِيْنَكم لم ننصَرْ عَليكم.
وأيْضا فلا عاقِبَةَ لهم، بَلِ الله يُهلِكُ الظَّالِمَ بالظَّالِمِ، ثُمَّ يهلِكُ الظَّالِمينَ جميعًا، ولا قَتيلُهم يَطلبُ بِقَتْلِهِ سَعادةً بعدَ الموتِ، ولا يَخْتارونَ القَتْلَ لِيَسْعَدوا بعد المَوتِ. فهذا وأمثالُه مِمَّا يُظْهرُ الفَرْقَ بَينَ انتِصارِ الأنبياءِ وأتْباعِهم، وبَيْنَ ظُهورِ بعض الكفَّارِ على المُؤمِنينَ، أو ظُهورِ بعضِهِم على بعض، ويُبَيِّنُ أنَّ ظُهورَ محمد ﷺ وأُمَّتِهِ على أهلِ الكِتابِ: اليهودِ والنَّصارى، هو من جنسِ ظُهورِهم على المُشرِكينَ: عَبَدَةِ الأوثانِ، وذلك مِن أعلامِ نبوِّتهِ ودلائلِ رِسالَتِه، لَيس هو كَظُهورِ بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيلَ وظُهورِ الكُفَّارِ على المُسْلِمينَ. وهذه الآية مِمَّا أخْبَرَ بِهِ موسى، وبَيَّنَ أنَّ الكذَّابَ المُدَّعي لِلنُّبُوَّةِ لا يَتِمُّ أمرُهُ، وإنما يَتِمُّ أمرُ الصَّادِقِ. فإنَّ مِن أهلِ الكِتابِ مَن يَقولُ: مُحَمَّد وأُمَّتُه سُلِّطوا عَلَيْنَا بذُنوبِنا مَعَ صِحَّةِ دِيننا الذي نَحْنُ عَلَيْهِ، كَما سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وغيرُه مِن المُلوكِ. وهذا قِياس فاسِدٌ، فإنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَم يَدَّع نبوَّة، ولا قاتَلَ على دينٍ، ولا طَلَب مِن بني إسرائيلَ أنْ يَنْتَقِلوا عَن شَريعة موسى إلى شَريعتِهِ، فلم يَكن في ظُهورِهِ إتمام لِما ادَّعاهُ مِن النُّبُوَّةِ وَدَعَا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَل كانَ بِمَنْزِلَة المُحارِبينَ قُطَّاعِ الطَّريقِ إذا ظَهَروا على القَوافِلِ، بِخِلافِ مَنِ ادَّعى نبوَّةً ودِينا، ودَعا إليه، وَوَعَدَ أهلَه بِسعادَةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وتَوَعَّدَ مُخالِفيهِ بِشَقاوةِ الدُّنيا والآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَه اللهُ، وأظْهَرَهُ، وَأتَمَّ دِينَه، وأعْلى كَلِمَتَه، وَجَعَلَ لَهُ العاقِبةَ، وَأذَلَّ مُخالِفيهِ. فإنَ هذا مِن جِنسِ خَرقِ العاداتِ المقْتَرِنِ بِدَعوى النُّبُوَةِ، فإنَّه دليلٌ عَلَيها. وقَدْ تَغْرقُ في البَحْرِ أُمَمٌ كثيرة، فلا يَكونُ ذَلِكَ دَليلا على نُبُوَّةِ نَبِيٍّ، بِخِلافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ، فإنِّه كانَ آيةً بَيِّنةً لموسى. وهذا مُوافِقٌ لِما أخْبَرَ بهِ موسى ﵊ مِن أنَّ الكذَّابَ لا يَتِمُّ أمْرُهُ، وذَلِكَ بأنَّ الله حَكيم لَا يَليقُ بِهِ تَأْييدُ الكَذَّابِ على كَذِبِهِ مِن غيْرِ أنْ يُبَيِّنَ كَذِبَهُ.
ولِهذا أعْظَمُ الفتَنِ: فِتنةُ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ، لَمَّا اقْتَرَنَ بِدَعْواهُ الألوهِيَّةَ بعضُ الخَوارِقِ، كان مَعَه ما يَدُلُّ على كَذِبِهِ مِن وجوهٍ: مِنها: دَعْواهُ الألوهِيّةَ، وهو أعْوَرُ، واللهُ ليس
بأعْوَرَ، مَكتوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافرٌ، يَقْرَؤه كلُّ مُؤمِنٍ قارئ وغير قارئ، واللهُ تَعالى لا يَراهُ أَحَدٌ حَتّىَ يموتَ، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة. فَأمَّا تَأيِيْدُ الكَذَّاب، ونَصْرُهُ، وإظهارُ دعوتِه دائمًا، فهذا لم يَقَعْ قَطُّ، فَمَن يَستدلُّ على ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبحانَه بالعادةِ والسُّنَّةِ، فهذا هو الواقع على ذلك- أيْضا- بِالحِكمةِ، فحِكمتُه تُناقِضُ أنْ يفعلَ ذلكَ، إذ الحَكيمُ لا يَفعلُ هذا. وقد قَال تَعالى [الفتح: ٢٢-٢٣]: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣] فَأخْبَرَ أنَّ سُنَّةَ الله التي لا تَبديلَ لَها: نصرُ المُؤمِنينَ على الكافِرينَ. والإِيمانُ المُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طاعةَ الله ورسولِهِ، فإذا نَقَصَ الإِيمانُ بِالمَعاصي كانَ الأمْرُ بِحَسبِهِ، كَما جَرَى يومَ أُحُدٍ. وقَالَ تَعَالى [فاطر: ٤٢-٤٣]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] فَأخْبَرَ أن الكفارَ لا يَنْظُرونَ إلا سُنَّةَ الأوَّلين، ولا يوجَد لِسُنَّةِ الله تبديلٌ، لا تُبَدَّلُ بغيرها، ولا تَتَحَوَّلُ، فكيفَ النَّصْرُ لِلكُفَّارِ على المُؤمِنينَ الَّذين يَسْتَحِقُونَ هذا على الأمم؟ وكذلك قال في المنافِقِينَ وهم الكفَّارُ في الباطِن دونَ الظَّاهِرِ وَمَنْ فيه شُعبةُ نِفاقٍ [الأحزاب: ٦٠-٦٢]: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] والسُّنَّةُ هي العادةُ، فهذه عادةُ الله المعلومةُ، فإذا نَصَرَ مَن ادَّعى النُّبوَّةَ وأتْباعَه على مَن خالَفَه، إمَّا ظاهِرا وإمَّا باطِنا نصرا مستقرّا، فإنَّ ذَلِكَ دليلٌ على أنَّه نبي ﷺ، إذ كانت سُنَّةُ الله وعادتُه نصرَ المؤمنين بالأنبياء الصَّادقين على الكافرين والمنافقين، كما أنَّ سُنَّتَه تأييدُهم بالآيات البينات، وهذه منها.
ومن ادَّعى النُّبُوَّةَ وَهو كاذب، فَهو
مِنْ أكْفَرِ الكُفَّارِ وأظْلَمِ الظَّالِمينَ، قال تَعَالى [الأنعام: ٩٣]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وَقَالَ تَعالى [الزمر: ٣٢]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] وَقَالَ تَعالى [العنكبوت: ٦٨]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨] وَقَالَ تَعالى [الأنعام: ١٤٤]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ومَنْ كانَ كَذَلِكَ، كانَ الله يمقته، ويُبغضُه، ويُعاقِبُه، ولا يَدومُ أمرهُ، بَلْ هو كما قالَ النَّبي ﷺ في الحديثِ الصَّحيح عن أبي هريرةَ قالَ: «إنَّ الله يُمْلي لِلظَّالِم، فَإِذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأ [هود: ١٠٢]: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]»، وقال- أيْضا- في الحديث الصحيحِ عن أبي موسى أنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «مَثلُ المُؤْمِنِ كَمَثلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تفيؤُها الرِّياحُ، تُقيمُها تارة وتُميلُها أخْرى، وَمَثلُ المُنافِقِ كَمَثلَ شَجَرَةِ الأرْزِ، لا تَزالُ ثابِتةً عَلى أصلِها، حَتّى يكونَ انْجِعافُها مرَّةً واحدةً» . فالكاذبُ الفاجِرُ وإنْ عَظُمَتْ دَولتُهُ، فلا بُدَّ من زوالِها بالكُلِّيَّة، وبقاءِ ذَمِّهِ ولِسانِ السَّوْءِ لَه في العالَمِ، وهو يَظْهَرُ سَريعا، ويَزولُ سَريعا، كَدَوْلة الأسودِ العنسيِّ، ومُسَيْلَمَةَ الكذَّابِ، والحارِثِ الدِّمَشقيِّ، وبابِكِ الخُرَّمِيِّ ونحوِهِم. وأمَّا الأنبياءُ، فإنِّهم يُبْتَلونَ كثيرًا لِيُمَحَّصوا بالبَلاءِ، فإنَّ الله تَعالى يُمَكِّنُ لِلْعَبْدِ إذا ابْتلاهُ، ويُظْهِرُ أمرَه شَيْئا فشيئا، كالزَّرع، قال تَعالى [الفتح: ٢٩]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي فراخَهُ) ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي قَوَّاه) ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] ولِهذا كان أولى مَن يَتَّبِعُهُمْ ضُعفاءُ النَّاسِ بِاعْتِبارِ هذه الأمورِ. وسُنَّةُ الله في أنبياءِ الله وأوليائِه الصَّادقين وفي أعداء الله والمُتنبِّئين الكذَّابين مِمَّا يوجِبُ الفرقَ بين النَّوعَين، وبَيْنَ دَلائِلِ النَّبِيِّ الصَّادقِ ودَلائِل المُتنبي
[الخطأ في معنى الشفاعة]
الخطأ في معنى الشفاعة (الثامنة والأربعون): التَّكذيبُ بِقولِهِ تَعالى في سورةِ [الزخْرُفِ: ٨٦] ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قَولُهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي ولا يملكُ آلِهَتُهُمُ الذين يَدْعونَهم مِن دونهِ الشَّفاعَةَ، كَما زَعَموا أنَّهُم شُفعاؤُهُم عِندَ الله ﷿ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] الَّذي هو التَّوحيدُ.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: يَعْلَمونَهُ. والمُرادُ بِهم: الملائِكَةُ وَعِيسى وعُزَيْرٌ وَأضْرابُهُمْ. وَأنْتَ تَرَى النَّاسَ اليومَ عاكِفينَ على أصنامٍ لهُمْ يَدْعونَهُمْ مِن دونِ الله، وعُذْرُهُم عِندَ تَوبيخِهِم أنَّ هؤلاءِ شُفَعاؤُهم. تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكون.
[قتل أولياء الله]
قتل أولياء الله (التاسعة والأربعون): قَتْل أولياءِ الله، وقَتْلُ الذينَ يَأمُرونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، قالَ تعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ٦١] ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] وقالَ في سورةِ [آل عِمرانَ: ١٨٣] ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] إلى آَياتٍ أخَرَ في هذا المَعْنى صَرَّحَتْ بِما لاقاهُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ ﵈ وأتْباعُهُم المُخْلِصونَ ودُعاةُ الحَقِّ (١) وبِما كابَدوهُ مِن أعداءِ الله والجَهَلَةِ الطُغاةِ مِمَّا تنهَدُّ لَهُ الصَّياصِي
_________
(١) من ذلك أن الشيخ المصنف لاقى من أبناء زمانه كبيرهم وصغيرهم لما دعاهم إلى الله تعالى والتوحيد الذي جاءت به الرسل ما تنهد له الصياصي وتشيب له النواصي كما لا يخفى على من طالع سيرته الطاهرة، تغمده الله برحمته ورضوانه.
وتَبْيَضُّ مِنْهُ النَّواصِي. هؤلاءِ أكابِرُ الأمَّةِ المُحَمَّدِيةِ وَعُلَماؤُها الأعلامُ، قد صادَفوا عِندَ دَعوتِهم إلى الحَقِّ والمحافظَةِ عَلَيه ما يَسْوَدُّ منه وجه القِرْطاسِ، وتَشيبُ مِنه لِمَمُ المِدادِ. والأنبياءُ- صلواتُ الله عليهِم- وأتباعُهُم المُؤمنونَ- وإنْ كانوا يُبْتَلونَ في أوَّلِ الأمْر- فالعاقبَةُ لَهم، كما قالَ تَعالى لَمَّا قَصَّ قصةَ نَوح [هود: ٤٩]: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وفي الحَديثِ المتَّفَقِ على صِحَّتِهِ «لما أرسلَ النَّبِيُّ ﷺ رسولا إلى مَلِكِ الرُّومِ، فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بسيرتِه، وكانَ المُشرِكونَ أعداءَهُ، لم يَكونوا آمَنوا بِهِ فقالَ: "كيفَ الحربُ بَيْنَكُم وَبَيْنَهم قالوا: الحَرْبُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِجالٌ، يُدالُ علينا المَرَّةَ، ونُدال عَليه الأخْرَى. فقال: كذلك الرُّسُلُ تُبْتَلى، وتكونُ لها العاقِبَةُ» . فإنَّه كان يومُ بدرٍ نَصر الله المُؤمِنينَ، ثُمَّ يَوْم أُحُدٍ ابتُلِي المُؤمِنونَ، ثم لم يُنْصَرِ الكُفَّارُ بَعْدَها، حَتّى أظْهَرَ الله تَعالى الإِسْلامَ. فإنْ قِيلَ: ففي الأنبياءِ مَن قد قُتِلَ، كما أخْبَرَ الله تعالى في الآيات السَّابقَةِ أنَّ بَني إسرائيلَ يَقْتُلونَ النَّبِيِّينَ بِغيرِ الحَقِّ، وفي أهل الفُجورِ مَن يُؤتيهِ الله مُلكًا وسُلْطانا وَيُسَلِّطُهُ على المُتَدَيِّنينَ كما سَلَّط بُخْتَ نَصَّرَ عَلى بَني إسرائيلَ، وكما سَلَّطَ كفَّار المُشرِكينَ وأهلِ الكتابِ- أحيانَا- على المُسْلِمينَ قيلَ: أمَّا مَنْ قُتِلَ مِن الأنبياءِ فهم كمَنْ يُقْتَلُ مِنَ المُؤمِنينَ في الجِهادِ شَهيدا. قالَ تَعالى [آل عمران: ١٤٦-١٤٨]: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] ومعلومٌ أنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ المُؤمِنينَ شَهيدا في القتالِ، كان حالُه أكملَ من حالِ مَن يَموتُ حَتْفَ أنفهِ قالَ تَعالى [آل عمران: ١٦٩]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولهذا قال تعالى [التوبة: ٥٢]: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أيْ: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
ثُمَّ إنَّ الدِّينَ الذي قاتَلَ عليه الشُّهَداء
يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكون لِطائفتِه السَّعادةُ في الدُّنْيا والآخرةِ، مَن قُتِلَ مِنهم كان شهيدا، ومَن عاشَ مِنهم كانَ منصورًا سَعيدا، وهذا غايةُ ما يكونُ مِن النصرِ، إذْ كان الموتُ لا بُدَّ منهُ، فالموتُ على الوجهِ الذي تَحصُلُ به سعادةُ الدُّنيا والآخرةِ أكملُ، بِخلافِ من يهلكُ هو وطائفتُه، فلا يفوزُ لا هو ولا هم بمطلوبِهِم، لا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ. والشُّهَداءُ مِنَ المؤمِنين قاتَلوا باختيارِهِم، وَفَعَلوا الأسبابَ التي بِها قُتِلوا، كالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتاروا هَذا المَوْتَ، إمَّا أنَّهم قَصَدوا الشَّهادَةَ، وإمَّا أنَّهم قَصَدوا به ما يَصيرونَ شُهَداءَ، عالِمينَ بأنَّ لهُم السَّعادةَ في الآخِرَةِ وفي الدُّنيا بِانتصارِ طائِفَتِهِم وبِبَقاءِ لِسانِ الصِّدقِ لهم ثَناءً ودُعاءً، بِخِلافِ مَن هَلَكَ مِن الكُفَّارِ، فإنِّهم هَلَكوا بِغيرِ اختِيارِهِم، هَلاكا لا يرجونَ مَعه سعادةَ الآخِرِة، ولم يَحصلْ لَهُمْ ولا لِطائِفَتِهم شَيْءٌ مِن سعادةِ الدُّنيا، بَلْ أُتبعوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقيلَ فيهمْ [الدخان: ٢٥-٢٩]: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] وقد أخْبَرَ سُبحانَه أنَّ كثيرا مِن الأنبياء قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ، أيْ: أُلوفٌ كثيرةٌ، وأنَّهم ما ضَعُفوا ولا اسْتكانوا لِذَلِكَ، بلِ اسْتَغْفَروا مِنْ ذُنوبِهم التي كانتْ سببا لظُهورِ العدوِّ، وأنَّ الله تَعالى آتاهُمْ ثَوابَ الدُّنيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فإذا كان هذا قَتْلَ المُؤمِنينَ، فَما الظَّنُّ بِقتلِ الأنْبِياءِ؟ ففيه لهم ولأتباعِهم مِن سَعادةِ الدُّنيا والآخِرَةِ ما هو مِن أعظمِ الفَلاحِ. وظُهورُ الكُفَّارِ على المُؤمِنينَ- أحْيانا- هو بِسببِ ذُنوبِ المسلِمينَ، كيَومَ أُحُدٍ، فإنْ تابوا انْتَصَروا على الكُفَّارِ، وكانتِ العاقِبةُ لهم، كما قد جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلمُسْلِمينَ في عامَّةِ ملاحِمهم معَ الكفَّارِ. وَهَذَا من آيات النُّبُوَّةِ وأعْلامِها ودَلائِلِها، فإنَّ النَّبِيِّ، ﷺ إذا قاموا بعُهودِهِ ووَصاياهُ، نَصَرَهُمُ الله، وأظْهَرَهُمْ على المُخالِفينَ لَه، فإذا ضَيَّعوا عُهودهُ ظَهَرَ أُولئِكَ عَليهم.
فمَدارُ النَّصرِ والظهورِ مَعَ مُتابَعَةِ النَّبِي ﷺ وُجودا وعَدَما مِن غير سَبَبٍ
يُزاحم ذلك، ودوران الحُكْمِ مع الوصفِ وجودا وعدما مِن غير مزاحَمَة وصفٍ آخَرَ يوجِب العِلْمَ بأنَّ المَدارَ عِلَّة للدائِرِ، وقولُنا: "مِن غير وصفٍ آخَرَ": يُزيلُ النُّقوضَ الواردَةَ. فهذا الاستقراءُ والتَّتبّعُ يُبينُ أنَّ نَصْرَ الله وإظهارَه هو بسببِ اتِّباعِ النَّبِيِّ، وأنَّه سُبحانَه يُريدُ إعْلاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَه وَنصْرَ أتْباعِهِ عَلى مَن خالَفَه، وأنْ يَجعلَ لهم السَّعادةَ ولِمَن خالَفَهم الشَّقاءَ، وهذا يوجبُ العِلْمَ بنُبوّتهِ، وأنَّ مَن اتَّبَعَهُ كانَ سَعيدا، ومَن خالَفه كانَ شَقيّا. ومن هذا ظُهورُ بُخْتَ نَصَّرَ على بَني إسرائيلَ، فإنَّه مِن دلائلِ نبوَّةِ موسى؛ إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بِذَلِكَ، وكانوا- إذْ كانوا مُتَّبِعينَ لِعُهودِ موسى - مَنْصورينَ مُؤَيَّدينَ، كما كانوا في زَمَنِ داودَ وسُلَيْمانَ وغيرِهما. قَالَ تَعالى [الإِسراء: ٤-٨]: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨] فَكانَ ظُهورُ بَني إسرائيلَ على عَدُوِّهِم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عَلَيهم تارةً من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى ﷺ وآياتِه، وكذلِكَ ظُهورُ أُمَّة محمَّد ﷺ على عَدُوِّهم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عليهم تارةً، هو من دلائِلِ رِسالة محمَّد ﷺ وأَعلامِ نبوته. وكانَ نَصْرُ الله لِموسى وقومِه على عَدُوِّهِم في حَياتِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ، كما جَرَى لَهُمْ مِنْ يوشعَ وغيرِه من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى، وكذلك انتِصار المؤمِنين مَعَ مُحَمَّد ﷺ في حياتِه وبَعْدَ مماتِهِ مع خُلفائِهِ مِن أعلامِ نبوته ودَلائِلها. وهذا بخِلافِ الكُفَّارِ الذين يَنْتَصِرونَ عَلى أهل الكِتابِ أحيانا، فإنَّ أولئكَ لا يكونُ مُطاعُهم إلى نبي، ولا يُقاتلونَ أتْباعَ الأنبياءِ على ديِنِ، ولا يَطلُبونَ مِن أولئكَ أنْ يَتَّبِعوهُم على دينهم، بَلْ قَدْ يُصَرِّحونَ بأنَّا نُصِرْنا عَلَيكم بِذُنوبِكم، وأنْ لَو اتَّبَعْتُم دِيْنَكم لم ننصَرْ عَليكم.
وأيْضا فلا عاقِبَةَ لهم، بَلِ الله يُهلِكُ الظَّالِمَ بالظَّالِمِ، ثُمَّ يهلِكُ الظَّالِمينَ جميعًا، ولا قَتيلُهم يَطلبُ بِقَتْلِهِ سَعادةً بعدَ الموتِ، ولا يَخْتارونَ القَتْلَ لِيَسْعَدوا بعد المَوتِ. فهذا وأمثالُه مِمَّا يُظْهرُ الفَرْقَ بَينَ انتِصارِ الأنبياءِ وأتْباعِهم، وبَيْنَ ظُهورِ بعض الكفَّارِ على المُؤمِنينَ، أو ظُهورِ بعضِهِم على بعض، ويُبَيِّنُ أنَّ ظُهورَ محمد ﷺ وأُمَّتِهِ على أهلِ الكِتابِ: اليهودِ والنَّصارى، هو من جنسِ ظُهورِهم على المُشرِكينَ: عَبَدَةِ الأوثانِ، وذلك مِن أعلامِ نبوِّتهِ ودلائلِ رِسالَتِه، لَيس هو كَظُهورِ بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيلَ وظُهورِ الكُفَّارِ على المُسْلِمينَ. وهذه الآية مِمَّا أخْبَرَ بِهِ موسى، وبَيَّنَ أنَّ الكذَّابَ المُدَّعي لِلنُّبُوَّةِ لا يَتِمُّ أمرُهُ، وإنما يَتِمُّ أمرُ الصَّادِقِ. فإنَّ مِن أهلِ الكِتابِ مَن يَقولُ: مُحَمَّد وأُمَّتُه سُلِّطوا عَلَيْنَا بذُنوبِنا مَعَ صِحَّةِ دِيننا الذي نَحْنُ عَلَيْهِ، كَما سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وغيرُه مِن المُلوكِ. وهذا قِياس فاسِدٌ، فإنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَم يَدَّع نبوَّة، ولا قاتَلَ على دينٍ، ولا طَلَب مِن بني إسرائيلَ أنْ يَنْتَقِلوا عَن شَريعة موسى إلى شَريعتِهِ، فلم يَكن في ظُهورِهِ إتمام لِما ادَّعاهُ مِن النُّبُوَّةِ وَدَعَا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَل كانَ بِمَنْزِلَة المُحارِبينَ قُطَّاعِ الطَّريقِ إذا ظَهَروا على القَوافِلِ، بِخِلافِ مَنِ ادَّعى نبوَّةً ودِينا، ودَعا إليه، وَوَعَدَ أهلَه بِسعادَةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وتَوَعَّدَ مُخالِفيهِ بِشَقاوةِ الدُّنيا والآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَه اللهُ، وأظْهَرَهُ، وَأتَمَّ دِينَه، وأعْلى كَلِمَتَه، وَجَعَلَ لَهُ العاقِبةَ، وَأذَلَّ مُخالِفيهِ. فإنَ هذا مِن جِنسِ خَرقِ العاداتِ المقْتَرِنِ بِدَعوى النُّبُوَةِ، فإنَّه دليلٌ عَلَيها. وقَدْ تَغْرقُ في البَحْرِ أُمَمٌ كثيرة، فلا يَكونُ ذَلِكَ دَليلا على نُبُوَّةِ نَبِيٍّ، بِخِلافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ، فإنِّه كانَ آيةً بَيِّنةً لموسى. وهذا مُوافِقٌ لِما أخْبَرَ بهِ موسى ﵊ مِن أنَّ الكذَّابَ لا يَتِمُّ أمْرُهُ، وذَلِكَ بأنَّ الله حَكيم لَا يَليقُ بِهِ تَأْييدُ الكَذَّابِ على كَذِبِهِ مِن غيْرِ أنْ يُبَيِّنَ كَذِبَهُ.
ولِهذا أعْظَمُ الفتَنِ: فِتنةُ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ، لَمَّا اقْتَرَنَ بِدَعْواهُ الألوهِيَّةَ بعضُ الخَوارِقِ، كان مَعَه ما يَدُلُّ على كَذِبِهِ مِن وجوهٍ: مِنها: دَعْواهُ الألوهِيّةَ، وهو أعْوَرُ، واللهُ ليس
بأعْوَرَ، مَكتوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافرٌ، يَقْرَؤه كلُّ مُؤمِنٍ قارئ وغير قارئ، واللهُ تَعالى لا يَراهُ أَحَدٌ حَتّىَ يموتَ، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة. فَأمَّا تَأيِيْدُ الكَذَّاب، ونَصْرُهُ، وإظهارُ دعوتِه دائمًا، فهذا لم يَقَعْ قَطُّ، فَمَن يَستدلُّ على ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبحانَه بالعادةِ والسُّنَّةِ، فهذا هو الواقع على ذلك- أيْضا- بِالحِكمةِ، فحِكمتُه تُناقِضُ أنْ يفعلَ ذلكَ، إذ الحَكيمُ لا يَفعلُ هذا. وقد قَال تَعالى [الفتح: ٢٢-٢٣]: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣] فَأخْبَرَ أنَّ سُنَّةَ الله التي لا تَبديلَ لَها: نصرُ المُؤمِنينَ على الكافِرينَ. والإِيمانُ المُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طاعةَ الله ورسولِهِ، فإذا نَقَصَ الإِيمانُ بِالمَعاصي كانَ الأمْرُ بِحَسبِهِ، كَما جَرَى يومَ أُحُدٍ. وقَالَ تَعَالى [فاطر: ٤٢-٤٣]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] فَأخْبَرَ أن الكفارَ لا يَنْظُرونَ إلا سُنَّةَ الأوَّلين، ولا يوجَد لِسُنَّةِ الله تبديلٌ، لا تُبَدَّلُ بغيرها، ولا تَتَحَوَّلُ، فكيفَ النَّصْرُ لِلكُفَّارِ على المُؤمِنينَ الَّذين يَسْتَحِقُونَ هذا على الأمم؟ وكذلك قال في المنافِقِينَ وهم الكفَّارُ في الباطِن دونَ الظَّاهِرِ وَمَنْ فيه شُعبةُ نِفاقٍ [الأحزاب: ٦٠-٦٢]: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] والسُّنَّةُ هي العادةُ، فهذه عادةُ الله المعلومةُ، فإذا نَصَرَ مَن ادَّعى النُّبوَّةَ وأتْباعَه على مَن خالَفَه، إمَّا ظاهِرا وإمَّا باطِنا نصرا مستقرّا، فإنَّ ذَلِكَ دليلٌ على أنَّه نبي ﷺ، إذ كانت سُنَّةُ الله وعادتُه نصرَ المؤمنين بالأنبياء الصَّادقين على الكافرين والمنافقين، كما أنَّ سُنَّتَه تأييدُهم بالآيات البينات، وهذه منها.
ومن ادَّعى النُّبُوَّةَ وَهو كاذب، فَهو
مِنْ أكْفَرِ الكُفَّارِ وأظْلَمِ الظَّالِمينَ، قال تَعَالى [الأنعام: ٩٣]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وَقَالَ تَعالى [الزمر: ٣٢]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] وَقَالَ تَعالى [العنكبوت: ٦٨]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨] وَقَالَ تَعالى [الأنعام: ١٤٤]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ومَنْ كانَ كَذَلِكَ، كانَ الله يمقته، ويُبغضُه، ويُعاقِبُه، ولا يَدومُ أمرهُ، بَلْ هو كما قالَ النَّبي ﷺ في الحديثِ الصَّحيح عن أبي هريرةَ قالَ: «إنَّ الله يُمْلي لِلظَّالِم، فَإِذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأ [هود: ١٠٢]: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]»، وقال- أيْضا- في الحديث الصحيحِ عن أبي موسى أنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «مَثلُ المُؤْمِنِ كَمَثلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تفيؤُها الرِّياحُ، تُقيمُها تارة وتُميلُها أخْرى، وَمَثلُ المُنافِقِ كَمَثلَ شَجَرَةِ الأرْزِ، لا تَزالُ ثابِتةً عَلى أصلِها، حَتّى يكونَ انْجِعافُها مرَّةً واحدةً» . فالكاذبُ الفاجِرُ وإنْ عَظُمَتْ دَولتُهُ، فلا بُدَّ من زوالِها بالكُلِّيَّة، وبقاءِ ذَمِّهِ ولِسانِ السَّوْءِ لَه في العالَمِ، وهو يَظْهَرُ سَريعا، ويَزولُ سَريعا، كَدَوْلة الأسودِ العنسيِّ، ومُسَيْلَمَةَ الكذَّابِ، والحارِثِ الدِّمَشقيِّ، وبابِكِ الخُرَّمِيِّ ونحوِهِم. وأمَّا الأنبياءُ، فإنِّهم يُبْتَلونَ كثيرًا لِيُمَحَّصوا بالبَلاءِ، فإنَّ الله تَعالى يُمَكِّنُ لِلْعَبْدِ إذا ابْتلاهُ، ويُظْهِرُ أمرَه شَيْئا فشيئا، كالزَّرع، قال تَعالى [الفتح: ٢٩]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي فراخَهُ) ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي قَوَّاه) ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] ولِهذا كان أولى مَن يَتَّبِعُهُمْ ضُعفاءُ النَّاسِ بِاعْتِبارِ هذه الأمورِ. وسُنَّةُ الله في أنبياءِ الله وأوليائِه الصَّادقين وفي أعداء الله والمُتنبِّئين الكذَّابين مِمَّا يوجِبُ الفرقَ بين النَّوعَين، وبَيْنَ دَلائِلِ النَّبِيِّ الصَّادقِ ودَلائِل المُتنبي
Translation
قتل أولياء الله
#52
Chapter 52 — الإيمان بالجبت والطاغوت
· ref. #52
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
الكذَّابِ. وقد ذُكِرَ ابتلاءُ النَّبِيِّ والمؤمِنينَ ثُمَّ كَونُ العاقِبَةِ لهم في غيرِ موضعٍ كقوله تَعالى [الأنعام: ٣٤]: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقال تعالى [البقرة: ٢١٤]: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال تعالى [يوسف: ١٠٩- ١١١]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩ - ١١١]
والمقصودُ أن إيذاءَ القائِمينَ بالحَقِّ، والنَّاصِرينَ له مِن سننِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وكَثيرٌ مِن أهلِ عصرِنا على ذلك، واللهُ المُستَعانُ.
[الإيمان بالجبت والطاغوت]
الإيمان بالجبت والطاغوت (الخمسون): الإِيمانُ بِالجِبْتِ والطَّاغوتِ، وتَفْضيلُ المُشرِكينَ على المسلمين. قال تعالى في سورةِ [النساء: ٥١]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] هَذِهِ الآية نَزَلْت في حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ وَكَعْبِ بنِ الأشرَفِ في جَمعٍ مِن يهودَ، وذلك أنَّهم خَرَجوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ؛ لِيُحالِفوا قُريشا على رسول الله ﷺ، وَيَنْقُضوا العَهْدَ الذي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ، فَنَزَل كعبٌ على أبي سُفيانَ، فَأحْسَنَ مَثواه، وَنَزَلَتِ اليهودُ في دورِ قرَيْشٍ، فقالَ أهلُ مَكَّةَ: أنْتُمْ أهلُ كِتاب،
والمقصودُ أن إيذاءَ القائِمينَ بالحَقِّ، والنَّاصِرينَ له مِن سننِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وكَثيرٌ مِن أهلِ عصرِنا على ذلك، واللهُ المُستَعانُ.
[الإيمان بالجبت والطاغوت]
الإيمان بالجبت والطاغوت (الخمسون): الإِيمانُ بِالجِبْتِ والطَّاغوتِ، وتَفْضيلُ المُشرِكينَ على المسلمين. قال تعالى في سورةِ [النساء: ٥١]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] هَذِهِ الآية نَزَلْت في حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ وَكَعْبِ بنِ الأشرَفِ في جَمعٍ مِن يهودَ، وذلك أنَّهم خَرَجوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ؛ لِيُحالِفوا قُريشا على رسول الله ﷺ، وَيَنْقُضوا العَهْدَ الذي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ، فَنَزَل كعبٌ على أبي سُفيانَ، فَأحْسَنَ مَثواه، وَنَزَلَتِ اليهودُ في دورِ قرَيْشٍ، فقالَ أهلُ مَكَّةَ: أنْتُمْ أهلُ كِتاب،
Translation
الإيمان بالجبت والطاغوت
#53
Chapter 53 — لبس الحق بالباطل
· ref. #53
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
لبس الحق بالباطل
Translation
لبس الحق بالباطل
#54
Chapter 54 — الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه
· ref. #54
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
ومحمَّد ﷺ صاحبُ كِتابٍ، فلا يُؤمَنُ هذا أنْ يكونَ مَكْرًا مِنْكُمْ، فإنْ أرَدْتَ أن نَخْرج معَكَ، فَاسْجُدْ لِهذينِ الصَّنَمَينِ وآمِنْ بِهِما، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَال كعبٌ: يا أهلَ مَكَّةَ! لِيَجِيء مِنكم ثلاثونَ ومِنَّا ثلاثونَ، فنلْزِقْ أكْبادَنا بالكعبةِ، فنعاهِدْ ربَّ البيتِ لَنَجْهَدَنَّ على قِتالِ مُحَمَّدٍ، ففَعَلوا ذلك، فَلَمَّا فَرَغُوا قال أبو سُفيانَ لِكَعبٍ: إنَّك امرؤ تَقْرأُ الكتابَ وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمِّيُّون لا نَعلمُ، فَأيُّنا أهْدى طَريقا وأقرَبُ إلى الحَقِّ: أنَحْنُ أمْ مُحمَّد؟ قال كعبٌ: اعرِضوا عليَّ دِينَكم، فَقالَ أبو سُفيانَ: نَخنُ ننحَرُ لِلْحَجيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونقري الضَّيفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بيتَ رَبِّنا، وَنَطوفُ بِهِ، وَنَحْن أهلُ الحَرَمِ، ومحمدٌ فارَقَ دِينَ آبائهِ، وَقَطَعَ الرَّحِمَ، ودينُنا القديمُ، ودينُ محمَّدٍ الحديثُ، فقال كَعب: أنْتُم واللهِ أهدى سَبيلا مِمَّا عَليْهِ مُحَمَّد، فَأنْزَلَ الله في ذلكَ الآيات. والجِبْتُ في الأصلِ: اسمُ صَنَمٍ، فاستُعْمِلَ في كُلِّ مَعبود غَير الله. والطَّاغوتُ: يُطْلَقُ على كُلِّ باطِلٍ مِنْ معبودٍ أو غَيْرِهِ. ومَعْنى الإِيمانِ بِهما: إمَّا التَّصْديقُ بأنهما آلهةٌ، وإشراكُهُما بِالعِبادةِ مَعَ الله تعالى، وإمَّا طاعَتُهُما وموافقَتُهُما على ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمَّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بينَ المَعْنَيَيْنِ كالتَّعْظِيْمِ- مَثَلا. والمُتَبادرُ المَعْنَى الأوَّلُ، أيْ أنهم يُصَدِّقونَ بأُلوهِيَّةِ هذيْنِ الباطِلَيْنِ، وَيُشْركونَهما في العِبادةِ مَعَ الإِلهِ الحَقِّ، وَيَسْجُدونَ لَهُما.
[لبس الحق بالباطل]
لبس الحق بالباطل (الحادية والخمسون): لبس الحَقِّ بِالباطِلِ، وَكِتمانُه، قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمرانَ: ٧١]: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] وفي المُرادِ أقوال: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تحريفُهُم التّوَراةَ والإِنجيلَ. ثانِيها: أنَّ المُرادَ إظهارُهُم الإِسلامَ، وإبطانُهُم النِّفاقَ. ثالِثُها: أن المُرادَ الإِيمانُ بِموسى وَعِيسى، والكُفرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَرابعُها: أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمونَه في قُلوبِهِم مِن حَقيقةِ رِسالتِه ﷺ، وما يُظْهرونَه مِن تكْذَيبِهِ.
[الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه]
الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه (الثانية والخمسون): التَّعَصُّبُ لِلْمَذهَبِ، والإِقرارُ بالحَقِّ لِلتَّوَصُّلِ إلى دَفْعِهِ.
[لبس الحق بالباطل]
لبس الحق بالباطل (الحادية والخمسون): لبس الحَقِّ بِالباطِلِ، وَكِتمانُه، قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمرانَ: ٧١]: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] وفي المُرادِ أقوال: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تحريفُهُم التّوَراةَ والإِنجيلَ. ثانِيها: أنَّ المُرادَ إظهارُهُم الإِسلامَ، وإبطانُهُم النِّفاقَ. ثالِثُها: أن المُرادَ الإِيمانُ بِموسى وَعِيسى، والكُفرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَرابعُها: أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمونَه في قُلوبِهِم مِن حَقيقةِ رِسالتِه ﷺ، وما يُظْهرونَه مِن تكْذَيبِهِ.
[الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه]
الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه (الثانية والخمسون): التَّعَصُّبُ لِلْمَذهَبِ، والإِقرارُ بالحَقِّ لِلتَّوَصُّلِ إلى دَفْعِهِ.
Translation
الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه
#55
Chapter 55 — اتخاذ النبيين أربابا
· ref. #55
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
اتخاذ النبيين أربابا
Translation
اتخاذ النبيين أربابا
#56
Chapter 56 — تحريف الكلم عن مواضعه
· ref. #56
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
قَال تَعَالى في سورةِ [آلِ عِمرانَ: ٧٢-٧٤]: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ - وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٤] قالَ الحسنُ والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثنا عَشَرَ رَجُلا مِن أحبارِ يَهودِ خَيْبَرَ وقُرى عَرِينٍ، وقال بعضُهُم لِبَعْضٍ: ادْخلوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّل النَّهارِ بالِّلسانِ دونَ الاعتقادِ، واكفُروا آخِرَ النَّهارِ، وقولوا: إنا نَظَرْنا في كُتُبِنا، وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدا ليس بذاكَ، وظَهَرَ لنا كَذِبُهُ، وبُطلانُ دِينه، فإذا فَعَلْتُم ذلك شَكَّ أصحابُه في دِينهم، وقالوَا: إنَّهم أهلُ كِتابٍ، وهُم أعْلَمُ بِهِ، فَيْرجِعونَ عن دِينهم إلى دينكم.
[اتخاذ النبيين أربابا]
اتخاذ النبيين أربابا (الثالثة والخمسون): تسْمِيتهم اتِّباعِ الإِسلامِ شِركًا. قَالَ تَعَالى [آل عمران: ٧٩- ٨٠]: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ بِسَنَدِهِ: حِينَ «اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليهودِ والنَّصارى من أهلِ نَجْرانَ عِنْدَ رسول الله ﷺ، وَدَعاهُم إلى الإِسلامِ، [قالوا]: أتُريد يا محمدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى ابنَ مَرْيَمَ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن أهلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئيسُ: أوَ ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "مَعاذَ الله أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ الله، أوْ نَأمُرَ بِعِبادَةِ غيرِهِ، وما بِذَلِكَ بَعَثنَي، وَلا بِذَلِكَ أَمَرَني»، فَأنْزَلَ الله تَعالى هذه الآية.
[تحريف الكلم عن مواضعه]
تحريف الكلم عن مواضعه (الرابعة والخمسون): تحْريفُ الكَلِم عَنْ مواضِعِهِ، وَلَيُّ الألْسِنَةِ بالكِتابِ.
قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمران: ٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] رُويَ أنَّ الآية نَزَلَتْ في اليهودِ والنصارى جَميعا، وَذلِكَ أنَّهم حَرَّفوا التَّوراةَ والإِنْجيلَ، وَألْحَقوا بِكِتابِ الله تَعالى ما لَيْسَ مِنْهُ. واخْتَلَفَ النَّاسُ في أنَّ المحرَّفَ هَلْ كان يُكْتَبُ في التَّوراةِ أمْ لا؟ فَذَهبَ جَمْع إلى أنه لَيْس في التَّوراةِ سِوى كلامِ الله تَعالى، وأنَّ تَحْريفَ اليهودِ لم يَكُنْ إلا تَغْييرا وَقْتَ القِراءَةِ، وتأويلا باطِلا للنُّصوصِ، وأمَّا أنَّهم يَكْتُبون ما يَرومونَ في التَّوراةِ على تَعدُّدِ نُسَخِها فَلا. واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بمَا رُويَ أنَّ التَّوراةَ والإِنجيلَ كما أنْزَلَهما الله تَعالى لم يُغَيَّرْ منهما حَرْفٌ، وَلَكِنَّهُم يُضِلُّونَ بِالتَّحْريفِ والتّأويلِ وَكُتُبٍ كانوا يَكْتُبونَها مِن عِندِ أنْفُسِهِم، وَيقولونَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ عِندِ الله، وما هو مِنْ عِندِ الله، فأمَّا كُتُبُ الله تَعالى فإنَّها مَحْفوظَةٌ لا تحوَّل. وبأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقولُ لِليهودِ إلزامًا لهم: «ائتوا بِالتَّوراةِ فَاتْلوها إنْ كنْتُمْ صادِقينَ»، وهم يَمْتَنِعونَ عن ذَلِكَ، فَلَو كانَت مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهُمْ ما امْتنعوا، بَلْ وَمَا كانَ يقولُ لَهُم ذَلِكَ رَسُول الله ﷺ لأنَّهُ يَعودُ على مَطلَبِهِ الشَّريفِ بالإِبطالِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُم بَدَّلوا، وَكَتموا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهم، واحْتَجُّوا على ذلك بكثيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ (١) . ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ؛ لاحْتِمالِ التّوَاطُؤِ، أو فُعِلَ ذَلِكَ فِي البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِنْه قَولُ الرَّسولِ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لاحْتِمالِ عِلْمهِ بِبقاءِ بَعضِ ما يَفي بغرَضِهِ سالِما عَنِ التَّغْييرِ، إمَّا لِجَهلِهِم بوجْهِ دِلالَتِهِ، أو لِصَرْفِ الله تَعالى إياهُم عن تغْييرِهِ. وتَمامُ الكَلامِ في تفسيرِ الجَدِّ عندَ الكلام على هَذه الآية، وكذا في (الجَواب الصَّحيح) لشَيخِ الإِسلامِ. وكثيرٌ مِنَ الأمَّة المحمَّدِيّة سَلَكوا مَسْلَكَ الكِتابِيِّيينَ في التَّحريفِ، والتّأويلِ، واتِّباعِ شَهَواتِهِم. وقَالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ٤٦]:
_________
(١) ومنها أن السفر المنسوب إلى موسى نفسه مذكور فيه خبر وفاة موسى مكتوبا من بعده، فكيف يوحى إليه أو يصدر عنه ما كتب بعده؟ محب الدين الخطيب.
[اتخاذ النبيين أربابا]
اتخاذ النبيين أربابا (الثالثة والخمسون): تسْمِيتهم اتِّباعِ الإِسلامِ شِركًا. قَالَ تَعَالى [آل عمران: ٧٩- ٨٠]: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ بِسَنَدِهِ: حِينَ «اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليهودِ والنَّصارى من أهلِ نَجْرانَ عِنْدَ رسول الله ﷺ، وَدَعاهُم إلى الإِسلامِ، [قالوا]: أتُريد يا محمدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى ابنَ مَرْيَمَ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن أهلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئيسُ: أوَ ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "مَعاذَ الله أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ الله، أوْ نَأمُرَ بِعِبادَةِ غيرِهِ، وما بِذَلِكَ بَعَثنَي، وَلا بِذَلِكَ أَمَرَني»، فَأنْزَلَ الله تَعالى هذه الآية.
[تحريف الكلم عن مواضعه]
تحريف الكلم عن مواضعه (الرابعة والخمسون): تحْريفُ الكَلِم عَنْ مواضِعِهِ، وَلَيُّ الألْسِنَةِ بالكِتابِ.
قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمران: ٧٨]: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] رُويَ أنَّ الآية نَزَلَتْ في اليهودِ والنصارى جَميعا، وَذلِكَ أنَّهم حَرَّفوا التَّوراةَ والإِنْجيلَ، وَألْحَقوا بِكِتابِ الله تَعالى ما لَيْسَ مِنْهُ. واخْتَلَفَ النَّاسُ في أنَّ المحرَّفَ هَلْ كان يُكْتَبُ في التَّوراةِ أمْ لا؟ فَذَهبَ جَمْع إلى أنه لَيْس في التَّوراةِ سِوى كلامِ الله تَعالى، وأنَّ تَحْريفَ اليهودِ لم يَكُنْ إلا تَغْييرا وَقْتَ القِراءَةِ، وتأويلا باطِلا للنُّصوصِ، وأمَّا أنَّهم يَكْتُبون ما يَرومونَ في التَّوراةِ على تَعدُّدِ نُسَخِها فَلا. واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بمَا رُويَ أنَّ التَّوراةَ والإِنجيلَ كما أنْزَلَهما الله تَعالى لم يُغَيَّرْ منهما حَرْفٌ، وَلَكِنَّهُم يُضِلُّونَ بِالتَّحْريفِ والتّأويلِ وَكُتُبٍ كانوا يَكْتُبونَها مِن عِندِ أنْفُسِهِم، وَيقولونَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ عِندِ الله، وما هو مِنْ عِندِ الله، فأمَّا كُتُبُ الله تَعالى فإنَّها مَحْفوظَةٌ لا تحوَّل. وبأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقولُ لِليهودِ إلزامًا لهم: «ائتوا بِالتَّوراةِ فَاتْلوها إنْ كنْتُمْ صادِقينَ»، وهم يَمْتَنِعونَ عن ذَلِكَ، فَلَو كانَت مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهُمْ ما امْتنعوا، بَلْ وَمَا كانَ يقولُ لَهُم ذَلِكَ رَسُول الله ﷺ لأنَّهُ يَعودُ على مَطلَبِهِ الشَّريفِ بالإِبطالِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُم بَدَّلوا، وَكَتموا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهم، واحْتَجُّوا على ذلك بكثيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ (١) . ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ؛ لاحْتِمالِ التّوَاطُؤِ، أو فُعِلَ ذَلِكَ فِي البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِنْه قَولُ الرَّسولِ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لاحْتِمالِ عِلْمهِ بِبقاءِ بَعضِ ما يَفي بغرَضِهِ سالِما عَنِ التَّغْييرِ، إمَّا لِجَهلِهِم بوجْهِ دِلالَتِهِ، أو لِصَرْفِ الله تَعالى إياهُم عن تغْييرِهِ. وتَمامُ الكَلامِ في تفسيرِ الجَدِّ عندَ الكلام على هَذه الآية، وكذا في (الجَواب الصَّحيح) لشَيخِ الإِسلامِ. وكثيرٌ مِنَ الأمَّة المحمَّدِيّة سَلَكوا مَسْلَكَ الكِتابِيِّيينَ في التَّحريفِ، والتّأويلِ، واتِّباعِ شَهَواتِهِم. وقَالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ٤٦]:
_________
(١) ومنها أن السفر المنسوب إلى موسى نفسه مذكور فيه خبر وفاة موسى مكتوبا من بعده، فكيف يوحى إليه أو يصدر عنه ما كتب بعده؟ محب الدين الخطيب.
Translation
تحريف الكلم عن مواضعه
#57
Chapter 57 — تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة
· ref. #57
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] والكلامُ عَلَى هَذه الآية- أيضا- مستوفى في التفسيرِ.
[تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة]
تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة (الخامسة والخمسون): تَلْقيبُ أهلِ الهدى بالصَّابئةِ والحَشويَّةِ. فَقَدْ كانَ أهلُ الجاهلية يُلَقِّبونَ مَن خَرَجَ عن دينهِم بالصَّابىء، كما كانوا يُسَمُّون رَسُولَ الله ﷺ بِذَلِكَ، كما وَرَدَ فِي عِدَّةِ أحاديثَ مِن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما تنفيرا للناسِ عنِ اتِّباعِ غيرِ سبيلِهِم وهَكذا تَجِدُ كَثيرا مِن هذِهِ الأمَّةِ يُطْلِقونَ على مَن خالَفَهُمْ فِي بِدَعِهِم وَأهْوائِهِم أسْماءً مكروهةً للناسِ. والصابئةُ أمة قديمةٌ على مذاهِبَ مختلفَةٍ، قَدْ تكَلَّمَ عَلَيْهَا أهلُ المَقالاتِ بِما لا مَزيدَ عَلَيْهِ. وَأمَّا الحَشويَّةُ، فَهُمْ قَومٌ كانوا يَقولونَ بِجَوازِ وُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ كالحُروفِ فِي أوائِلِ السُّوَرِ، وَكذا قَالَ بَعْضُهُمْ، وهُمُ الذينَ قالَ فيهمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لَمَّا وَجَدَ قَوْلَهُمْ ساقِطا، وَكانوا يَجْلِسونَ في حَلْقَتِهِ أمامَهُ: "رُدُّوا هَؤلاءِ إلى حَشا الحَلْقَةِ"، أيْ: جانِبَها. وخُصومُ السَلَفيِّينَ يَرْمونَهُمْ بِهَذَا الاسْمِ؛ تنفيرا للنَّاس عَن اتِّباعِهِمْ والأخْذِ بِأقوالِهمْ، حَيْثُ يَقولونَ في المُتَشابِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَقَدْ أخْطَأت أسْتُهُمُ الحُفْرَةَ، فَالسَّلَفُ لا يَقولونَ بِوُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ لا في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، بَلْ يَقولونَ في الاسْتِواءِ مَثَلا: "الاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقولٍ، والإِقْرارُ بِهِ إيْمانٌ، والجُحودُ بِهِ كُفْرٌ. وَقَدْ أطالَ الكَلامَ في هذه المَسْألَة شَيْخُ الإِسلامِ ابنُ تَيْميَّةَ فِي كَثيرٍ مِنْ كُتُبهِ، وَلَخَّصَ ذَلِكَ فِي كِتابِهِ (جَوابُ أهْلِ الإِيمانِ) في التفاضُلِ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ (١) .
_________
(١) وقد أعاد طبعه ناشر هذا الكتاب في المطبعة السلفية بعناية وتدقيق.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَذْهَبِ السَّلفِ وَمَذْهَبِ الحَشوِيَّة، بأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ وُرودُ ما يَتَعَذَّرُ التّوصُّلُ إلى مَعْناهُ المُرادُ مُطْلَقًا، فالاسْتِواءُ- مَثلا- عِنْدَهُمْ لَهُ مَعْنًى يَتَوصَّلُ إِلَيْهِ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ كُلُّ مَنْ يَعْرفُ المَوْضوعاتِ اللُّغَويَّةَ، إلا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ؛ لأنه خِلافُ ما يَقْتَضيهِ دَليلُ العَقْلِ والنَّقْلِ، ومَعْنًى آخَرُ يَليقُ بهِ- تَعالى- لا يَعْلَمه إلا هو ﷿. وكَيْفَ يَكونُ مَذْهَبُ السَّلَفِ هو مَذْهَب الحَشْوِيَّة، وَقَدْ رَأى الحَسَنُ البَصريّ الَّذي هو مِنْ أكابِرِ السَّلَفِ سُقوطَ قَوْلِ الحَشْوِيَّة، وَلَمْ يَرْضَ أنْ يَقْعُدَ قائلُهُ تُجاهَهُ؟! والمَقْصودُ أنَّ أهْلَ الباطِلِ مِنْ المُبْتَدِعَة رَموا أهْلَ السنُّةِ والحَديثِ بمِثل هَذا اللَّقَبِ الخَبيثِ. قال أبو مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ قُتَيْبَةَ في "تأويلِ مُخْتَلِفِ الأحاديثِ ": "إنَّ أصْحابَ البدَعِ سَمَّوا أهْلَ الحَديثِ بِالحَشوِيّة، والنَّابِتة، والمُتَجبَرٍّةِ، والجبرية، وسَمَّوهُم الغثاءَ، وهذه كُلُّها أنباز لم يأتِ بِها خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كما أتى في القَدَرِيَّة أنّهُمْ «مَجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ، فإِنْ مَرِضوا فَلا تَعودوهُمْ، وإنْ ماتوا فَلا تَشْهَدوا جَنائزَهُمْ» . وفي الرَّافِضَةِ: «يَكونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمانِ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضة، يَرْفُضونَ الإِسلامَ وَيَلْفُظونَهُ، فاقتلوهم، فإنهم مشركون» وفي المرجئة: «صِنْفانِ مِنْ أُمَّتي لا تَنالُهُم شَفاعتي، لُعِنوا على لِسانِ سَبْعينَ نَبِيًّا: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيّة» . وفي الخوارج: «يَمْرُقونَ مِنَ الإِسلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيّةِ»، و«كِلابُ أهْلِ النّارِ» . هذه أسماء مِنْ رسول الله ﷺ، وتِلْكَ أسْماءٌ مَصنوعَةٌ انتهى. وفي "الغُنْيَةِ" (١) أنَّ الباطِنِيَّةَ تُسَمِّي أهلَ الحديثِ "حَشْوِية" لِقولهم بالأخبارِ وتَعَلُّقهم بِالآثار. وفِي كِتابِ "حُجَّة الله البالِغة" (٢) "واسْتطالَ هؤلاءِ الخائِضونَ عَلى مَعْشَرِ أهْلِ الحديثِ، وسَمَّوْهُمْ مُجَسِّمَةً، ومُشَبِّهَةً، وقالوا: هُمُ المُتَسَتِّرونَ بِالبَلْكَفَة (٣) وَقَدْ وَضَحَ لَدَيَّ وُضوحًا بَيِّنًا أنَّ اسْتِطالَتَهُمْ هَذِهِ ليستْ بِشَيْءٍ، وأنَّهم مُخْطِئونَ في مَقالتِهِم رِواية وَدِرايةً، وخاطِئونَ في طَعْنِهِمْ أئمَّةَ الهُدى انتهى.
وَقَدْ قَالَ العَلاَّمَةُ ابنُ القَيِّمِ في "كافِيَتِهِ الشَّافِيَةِ": "فَصْل في تَلْقيبِهِمِ أهلَ السُّنَّةِ بِالحَشْوِيّة، وبيان مَنْ أوْلى بِالوصفِ المَذمومِ
_________
(١) للشيخ عبد القادر الجيلاني.
(٢) لشاه ولي الله الدهلوي.
(٣) من كلمة "بلا كيف".
في هذا اللَّقَبِ مِنَ الطَّائفتَيْنِ، وَذِكْرِ أوَّلِ مَنْ لقب بِهِ أهْلَ السُّنَّةِ مِنْ أهْلِ البِدَعِ:
وَمِنَ العَجائِبِ قَوْلهُمْ لِمَنِ اقْتَدى ... بالوَحْي منْ أثَرٍ وَمِنْ قُرْآنِ
حَشْوِيَّة يَعْنونَ حَشْوا في الوُجو ... د وفَضْلَةً في أمَّةِ الإِنْسانِ
وَيَظُنُّ جاهِلُهمْ بِأنَّهُمُ حَشوا ... رَبّ العِبادِ بداخلِ الأكْوان
إذْ قَوْلُهُمْ فَوْقَ العِبادِ وَفي السَّما ... ء الرَّبُّ ذُو المَلَكوتِ والسُّلْطانِ
ظَنَّ الحَمِيْرُ بأنَّ "فِي" لِلظَّرفِ وال ... رحمنُ مَحْوِيّ بِظَرْفِ مَكانِ
وَاللهِ لمْ يُسْمَعْ بذَا من فرْقَةٍ ... قَالَتْهُ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ
لا تَبْهَتوا أهْلَ الحديثِ بِهِ فَما ... ذَا قَوْلهم تَبًّا لِذي البُهْتانِ
بَلْ قَوْلُهُم: إِنَّ السَّماواتِ العُلا ... في كَفِّ خالقِ هَذِهِ الأكْوانِ
حَقّا كَخَرْدَلَةٍ تُرى في كَفِّ ... ممسِكِها تَعالى الله ذُو السُّلْطانِ
أَتُرَوْنَهُ المَحْصورَ بَعْدُ أم السّما؟ ... يا قَوْمَنا ارْتَدِعوا عَنِ العُدْوانِ
كَمْ ذَا مُشَبِّهَة وَذا حَشْوِيَّة ... صرف بلا جحد ولا كتمان
تدْرونَ مَنْ سَمَّتْ شُيوخكمُ ... بِهذا الاسم في الماضي مِنَ الأزْمانِ
سمى بِهِ عمرو لعَبد اللهِ (١) ذا ... ك ابن الخَليفةِ طارِدِ الشيطانِ
فوَرِثتم عَمروا كما وَرِثوا لِعَبد الله ... أنَّى يسْتوي الإرثانِ
تَدْرونَ مَنْ أَولى بِهَذَا الاسمِ ... وَهو مُناسِبٌ أحواله بِوِزانِ
مَنْ قَدْ حَشا الأوراقَ والأذْهانَ مِنْ ... بِدَعٍ تُخالِفُ مقتضى القرآن
هَذَا هو الحشوِيُّ لا أهلُ الحَديثِ ... أئمَّةُ الإِسْلامِ والإِيْمانِ
ورَدوا عذَاب مَناهل السّنَنِ التي ... لَيْسَتْ زبالَةُ هَذِهِ الأذهانِ
ووَرَدتُمُ القَلُّوطَ (٢) مَجْرى كُلِّ ذِي ال ... أوساخ والأقذارِ والأنْتانِ
وَكسلْتم أنْ تَصْعدوا لِلورْدِ من ... أثر الشرائع خَيْبةَ الكَسلانِ
_________
(١) عمرو هو ابن عبيد رأس المعتزلة، وعبد الله هو ابن أمير المؤمنين عمر. انظر (المنتقى من منهاج الاعتدال) طبع السلفية ص ٦٣.
(٢) القلوط وتسمية العامة قليط: مجرى ماء في دمشق؛ تنحدر إليه مياه المطابخ والحمامات والمراحيض.
[تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة]
تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة (الخامسة والخمسون): تَلْقيبُ أهلِ الهدى بالصَّابئةِ والحَشويَّةِ. فَقَدْ كانَ أهلُ الجاهلية يُلَقِّبونَ مَن خَرَجَ عن دينهِم بالصَّابىء، كما كانوا يُسَمُّون رَسُولَ الله ﷺ بِذَلِكَ، كما وَرَدَ فِي عِدَّةِ أحاديثَ مِن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما تنفيرا للناسِ عنِ اتِّباعِ غيرِ سبيلِهِم وهَكذا تَجِدُ كَثيرا مِن هذِهِ الأمَّةِ يُطْلِقونَ على مَن خالَفَهُمْ فِي بِدَعِهِم وَأهْوائِهِم أسْماءً مكروهةً للناسِ. والصابئةُ أمة قديمةٌ على مذاهِبَ مختلفَةٍ، قَدْ تكَلَّمَ عَلَيْهَا أهلُ المَقالاتِ بِما لا مَزيدَ عَلَيْهِ. وَأمَّا الحَشويَّةُ، فَهُمْ قَومٌ كانوا يَقولونَ بِجَوازِ وُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ كالحُروفِ فِي أوائِلِ السُّوَرِ، وَكذا قَالَ بَعْضُهُمْ، وهُمُ الذينَ قالَ فيهمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لَمَّا وَجَدَ قَوْلَهُمْ ساقِطا، وَكانوا يَجْلِسونَ في حَلْقَتِهِ أمامَهُ: "رُدُّوا هَؤلاءِ إلى حَشا الحَلْقَةِ"، أيْ: جانِبَها. وخُصومُ السَلَفيِّينَ يَرْمونَهُمْ بِهَذَا الاسْمِ؛ تنفيرا للنَّاس عَن اتِّباعِهِمْ والأخْذِ بِأقوالِهمْ، حَيْثُ يَقولونَ في المُتَشابِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَقَدْ أخْطَأت أسْتُهُمُ الحُفْرَةَ، فَالسَّلَفُ لا يَقولونَ بِوُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ لا في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، بَلْ يَقولونَ في الاسْتِواءِ مَثَلا: "الاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقولٍ، والإِقْرارُ بِهِ إيْمانٌ، والجُحودُ بِهِ كُفْرٌ. وَقَدْ أطالَ الكَلامَ في هذه المَسْألَة شَيْخُ الإِسلامِ ابنُ تَيْميَّةَ فِي كَثيرٍ مِنْ كُتُبهِ، وَلَخَّصَ ذَلِكَ فِي كِتابِهِ (جَوابُ أهْلِ الإِيمانِ) في التفاضُلِ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ (١) .
_________
(١) وقد أعاد طبعه ناشر هذا الكتاب في المطبعة السلفية بعناية وتدقيق.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَذْهَبِ السَّلفِ وَمَذْهَبِ الحَشوِيَّة، بأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ وُرودُ ما يَتَعَذَّرُ التّوصُّلُ إلى مَعْناهُ المُرادُ مُطْلَقًا، فالاسْتِواءُ- مَثلا- عِنْدَهُمْ لَهُ مَعْنًى يَتَوصَّلُ إِلَيْهِ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ كُلُّ مَنْ يَعْرفُ المَوْضوعاتِ اللُّغَويَّةَ، إلا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ؛ لأنه خِلافُ ما يَقْتَضيهِ دَليلُ العَقْلِ والنَّقْلِ، ومَعْنًى آخَرُ يَليقُ بهِ- تَعالى- لا يَعْلَمه إلا هو ﷿. وكَيْفَ يَكونُ مَذْهَبُ السَّلَفِ هو مَذْهَب الحَشْوِيَّة، وَقَدْ رَأى الحَسَنُ البَصريّ الَّذي هو مِنْ أكابِرِ السَّلَفِ سُقوطَ قَوْلِ الحَشْوِيَّة، وَلَمْ يَرْضَ أنْ يَقْعُدَ قائلُهُ تُجاهَهُ؟! والمَقْصودُ أنَّ أهْلَ الباطِلِ مِنْ المُبْتَدِعَة رَموا أهْلَ السنُّةِ والحَديثِ بمِثل هَذا اللَّقَبِ الخَبيثِ. قال أبو مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ قُتَيْبَةَ في "تأويلِ مُخْتَلِفِ الأحاديثِ ": "إنَّ أصْحابَ البدَعِ سَمَّوا أهْلَ الحَديثِ بِالحَشوِيّة، والنَّابِتة، والمُتَجبَرٍّةِ، والجبرية، وسَمَّوهُم الغثاءَ، وهذه كُلُّها أنباز لم يأتِ بِها خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كما أتى في القَدَرِيَّة أنّهُمْ «مَجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ، فإِنْ مَرِضوا فَلا تَعودوهُمْ، وإنْ ماتوا فَلا تَشْهَدوا جَنائزَهُمْ» . وفي الرَّافِضَةِ: «يَكونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمانِ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضة، يَرْفُضونَ الإِسلامَ وَيَلْفُظونَهُ، فاقتلوهم، فإنهم مشركون» وفي المرجئة: «صِنْفانِ مِنْ أُمَّتي لا تَنالُهُم شَفاعتي، لُعِنوا على لِسانِ سَبْعينَ نَبِيًّا: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيّة» . وفي الخوارج: «يَمْرُقونَ مِنَ الإِسلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيّةِ»، و«كِلابُ أهْلِ النّارِ» . هذه أسماء مِنْ رسول الله ﷺ، وتِلْكَ أسْماءٌ مَصنوعَةٌ انتهى. وفي "الغُنْيَةِ" (١) أنَّ الباطِنِيَّةَ تُسَمِّي أهلَ الحديثِ "حَشْوِية" لِقولهم بالأخبارِ وتَعَلُّقهم بِالآثار. وفِي كِتابِ "حُجَّة الله البالِغة" (٢) "واسْتطالَ هؤلاءِ الخائِضونَ عَلى مَعْشَرِ أهْلِ الحديثِ، وسَمَّوْهُمْ مُجَسِّمَةً، ومُشَبِّهَةً، وقالوا: هُمُ المُتَسَتِّرونَ بِالبَلْكَفَة (٣) وَقَدْ وَضَحَ لَدَيَّ وُضوحًا بَيِّنًا أنَّ اسْتِطالَتَهُمْ هَذِهِ ليستْ بِشَيْءٍ، وأنَّهم مُخْطِئونَ في مَقالتِهِم رِواية وَدِرايةً، وخاطِئونَ في طَعْنِهِمْ أئمَّةَ الهُدى انتهى.
وَقَدْ قَالَ العَلاَّمَةُ ابنُ القَيِّمِ في "كافِيَتِهِ الشَّافِيَةِ": "فَصْل في تَلْقيبِهِمِ أهلَ السُّنَّةِ بِالحَشْوِيّة، وبيان مَنْ أوْلى بِالوصفِ المَذمومِ
_________
(١) للشيخ عبد القادر الجيلاني.
(٢) لشاه ولي الله الدهلوي.
(٣) من كلمة "بلا كيف".
في هذا اللَّقَبِ مِنَ الطَّائفتَيْنِ، وَذِكْرِ أوَّلِ مَنْ لقب بِهِ أهْلَ السُّنَّةِ مِنْ أهْلِ البِدَعِ:
وَمِنَ العَجائِبِ قَوْلهُمْ لِمَنِ اقْتَدى ... بالوَحْي منْ أثَرٍ وَمِنْ قُرْآنِ
حَشْوِيَّة يَعْنونَ حَشْوا في الوُجو ... د وفَضْلَةً في أمَّةِ الإِنْسانِ
وَيَظُنُّ جاهِلُهمْ بِأنَّهُمُ حَشوا ... رَبّ العِبادِ بداخلِ الأكْوان
إذْ قَوْلُهُمْ فَوْقَ العِبادِ وَفي السَّما ... ء الرَّبُّ ذُو المَلَكوتِ والسُّلْطانِ
ظَنَّ الحَمِيْرُ بأنَّ "فِي" لِلظَّرفِ وال ... رحمنُ مَحْوِيّ بِظَرْفِ مَكانِ
وَاللهِ لمْ يُسْمَعْ بذَا من فرْقَةٍ ... قَالَتْهُ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ
لا تَبْهَتوا أهْلَ الحديثِ بِهِ فَما ... ذَا قَوْلهم تَبًّا لِذي البُهْتانِ
بَلْ قَوْلُهُم: إِنَّ السَّماواتِ العُلا ... في كَفِّ خالقِ هَذِهِ الأكْوانِ
حَقّا كَخَرْدَلَةٍ تُرى في كَفِّ ... ممسِكِها تَعالى الله ذُو السُّلْطانِ
أَتُرَوْنَهُ المَحْصورَ بَعْدُ أم السّما؟ ... يا قَوْمَنا ارْتَدِعوا عَنِ العُدْوانِ
كَمْ ذَا مُشَبِّهَة وَذا حَشْوِيَّة ... صرف بلا جحد ولا كتمان
تدْرونَ مَنْ سَمَّتْ شُيوخكمُ ... بِهذا الاسم في الماضي مِنَ الأزْمانِ
سمى بِهِ عمرو لعَبد اللهِ (١) ذا ... ك ابن الخَليفةِ طارِدِ الشيطانِ
فوَرِثتم عَمروا كما وَرِثوا لِعَبد الله ... أنَّى يسْتوي الإرثانِ
تَدْرونَ مَنْ أَولى بِهَذَا الاسمِ ... وَهو مُناسِبٌ أحواله بِوِزانِ
مَنْ قَدْ حَشا الأوراقَ والأذْهانَ مِنْ ... بِدَعٍ تُخالِفُ مقتضى القرآن
هَذَا هو الحشوِيُّ لا أهلُ الحَديثِ ... أئمَّةُ الإِسْلامِ والإِيْمانِ
ورَدوا عذَاب مَناهل السّنَنِ التي ... لَيْسَتْ زبالَةُ هَذِهِ الأذهانِ
ووَرَدتُمُ القَلُّوطَ (٢) مَجْرى كُلِّ ذِي ال ... أوساخ والأقذارِ والأنْتانِ
وَكسلْتم أنْ تَصْعدوا لِلورْدِ من ... أثر الشرائع خَيْبةَ الكَسلانِ
_________
(١) عمرو هو ابن عبيد رأس المعتزلة، وعبد الله هو ابن أمير المؤمنين عمر. انظر (المنتقى من منهاج الاعتدال) طبع السلفية ص ٦٣.
(٢) القلوط وتسمية العامة قليط: مجرى ماء في دمشق؛ تنحدر إليه مياه المطابخ والحمامات والمراحيض.
Translation
تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة
#58
Chapter 58 — التكذيب بالحق
· ref. #58
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
التكذيب بالحق
Translation
التكذيب بالحق
#59
Chapter 59 — الافتراء على المؤمنين
· ref. #59
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
وحاصِلُ هَذِهِ الأبياتِ أنَّ أعْداءَ الحَقِّ وخُصومَ السُّنَّةِ وأضْدادَ الكِتابِ والسنَّةِ يُلقِّبونَ سَلَفَ الأمَّةِ المُتَمَسِّكينَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ بلَقَبِ "الحَشْوِيَّةِ" فالخَواصُّ مِنْهُم يَقْصِدونَ بهَذَا الاسْمِ أن المَسَمَّى بِهِ حَشْوٌ في الوُجودِ وفَضلَةٌ في النَّاسِ، لا يُعْبأ بِهمْ، ولا يُقامُ لَهُمْ وَزْنٌ؛ إذ لَمْ يَتَّبِعوا آراءَهُمُ الكاسِدَةَ، وأفكارَهُمُ الفاسِدَةَ. وأمَّا العَوامُّ مِنْهمْ فَيَظُنّونَ أنَّ تَسْمِيَةَ السَّلفِ بِالحَشْوِيّة لِقَوْلهمْ بِالفَوْقِيةِ، وَكَوْن الإِلهِ في السَّماءِ، بِمَعْنى أنَهُمُ اعْتَقَدوا- وحاشاهُم- أن الله تَعالى حَشْوُ هَذَا الوُجودِ، وأنه داخِلَ الكوْنِ تَعالى الله عَمَّا يَقولُ الظَّالِمونَ عُلُوّا كَبِيرا. وهذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ عَلى أهْلِ الحَدِيْثِ. عَلى أنَّ هذا القولَ لَم يَقُلْ بِهِ أَحَد. وأعداءُ الحَقِّ في عَصْرِنا هَذَا عَلَى هذا المَسْلَكِ الجاهِلِيِّ، فَتَراهُمْ يَرْمونَ كُلَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالكِتابِ والسنةِ بِكُلِّ لَقَبٍ مَذْمومٍ بَيْنَ المُسْلِمينِ، واللهُ المُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفونَ.
[التكذيب بالحق]
التكذيب بالحق (السادسة والخمسون): افْتِراء الكَذِبِ عَلى الله، والتَّكذيبُ بِالحَقِّ. وَشواهِدُ هَذه المَسألة مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرٌ، وهذا دَأَبُ المُخالِفينَ لِلدِّين المُبينِ، كاليهودِ والنَّصارى، يَدَّعونَ أنَّ ما هُمْ عَلَيْهِ هو الحَقُّ، وأنَّ الله أَمَرَهُم بِالتَّمَسُّكِ بهِ، وأَنَّ الدِّينَ المُبينَ ليس بِحَقٍّ، وأنَّ الله تَعالى أمَرَهُم بِتكْذيبِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لاتِّبَاعِ أَسْلافِهِم، لا يَنْظُرونَ إلى الدَّليلِ، وهكذا أهلُ البدَع والضَّلالاتِ يَعْتَقدونَ بدَعَهُم الحَقَّ، وأنَّ الله أمَرَهُم بِها، وأنَّ ما عَلَيْه أهلُ الحَقّ مُفْتَرىً، لا يُصَدِّقونَ بِهِ.
وكُلٌّ يَدَّعي وَصلا للَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا
[الافتراء على المؤمنين]
الافتراء على المؤمنين (السابعة والخمسون): رمْيُ المُؤمِنينَ بِطَلَبِ العلوِّ في الأرض. قَالَ تَعالى في سورةِ [يُوْنُسَ: ٧٨]: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] هذا الكلامُ مَسوقٌ لبَيانِ أنَّ موسى ﵇ أَلْقَمَهُمُ الحَجَرَ، فانْقَطَعوا عن الإِتيانِ بِكلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بكلامِهِ ﵇ فَضلا عَن الجَوابِ الصَّحيح، واضْطُرُّوا إلى التَّشَبُّثِ بِذَيْلِ التقليدِ الذي هو دَأَبُ كُلِّ عاجِزٍ محْجوج، وَدَيْدَنُ كلِّ معالج لَجوجٍ. على أنَّه اسْتِئْناف وَقَعَ جَوابا عَمَّا قَبْلَه مِن كلامه ﵇ على طَريقَةِ: قال موسى، كأنه قِيلَ: فَماذا قالوا لِموسى عليه
[التكذيب بالحق]
التكذيب بالحق (السادسة والخمسون): افْتِراء الكَذِبِ عَلى الله، والتَّكذيبُ بِالحَقِّ. وَشواهِدُ هَذه المَسألة مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرٌ، وهذا دَأَبُ المُخالِفينَ لِلدِّين المُبينِ، كاليهودِ والنَّصارى، يَدَّعونَ أنَّ ما هُمْ عَلَيْهِ هو الحَقُّ، وأنَّ الله أَمَرَهُم بِالتَّمَسُّكِ بهِ، وأَنَّ الدِّينَ المُبينَ ليس بِحَقٍّ، وأنَّ الله تَعالى أمَرَهُم بِتكْذيبِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لاتِّبَاعِ أَسْلافِهِم، لا يَنْظُرونَ إلى الدَّليلِ، وهكذا أهلُ البدَع والضَّلالاتِ يَعْتَقدونَ بدَعَهُم الحَقَّ، وأنَّ الله أمَرَهُم بِها، وأنَّ ما عَلَيْه أهلُ الحَقّ مُفْتَرىً، لا يُصَدِّقونَ بِهِ.
وكُلٌّ يَدَّعي وَصلا للَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا
[الافتراء على المؤمنين]
الافتراء على المؤمنين (السابعة والخمسون): رمْيُ المُؤمِنينَ بِطَلَبِ العلوِّ في الأرض. قَالَ تَعالى في سورةِ [يُوْنُسَ: ٧٨]: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] هذا الكلامُ مَسوقٌ لبَيانِ أنَّ موسى ﵇ أَلْقَمَهُمُ الحَجَرَ، فانْقَطَعوا عن الإِتيانِ بِكلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بكلامِهِ ﵇ فَضلا عَن الجَوابِ الصَّحيح، واضْطُرُّوا إلى التَّشَبُّثِ بِذَيْلِ التقليدِ الذي هو دَأَبُ كُلِّ عاجِزٍ محْجوج، وَدَيْدَنُ كلِّ معالج لَجوجٍ. على أنَّه اسْتِئْناف وَقَعَ جَوابا عَمَّا قَبْلَه مِن كلامه ﵇ على طَريقَةِ: قال موسى، كأنه قِيلَ: فَماذا قالوا لِموسى عليه
Translation
الافتراء على المؤمنين
#60
Chapter 60 — رمي المؤمنين بالفساد في الأرض
· ref. #60
Fasl al-Khitab fi Sharh Masa'il al-Jahiliyyah (al-Masa'il allati Khalafa fiha Rasul Allah Salla Allahu 'alayhi wa-Sallam Ahl al-Jahiliyyah)
Arabic text
Aqeedah
رمي المؤمنين بالفساد في الأرض
Translation
رمي المؤمنين بالفساد في الأرض