Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 85 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

al-Takhwif min al-Nar التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

al-Takhwif min al-Nar

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Ibn Rajab al-Hanbali (ابن رجب الحنبلي
85
Total sections
85 chapters
#1 Chapter 1 — الباب الأول - في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها · ref. #1
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الأول - في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها
قال الله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾
وقال تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ .
وقال تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ .
وقال تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى﴾ .
وقال تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون﴾
وقال تعالى: ﴿وما هي إلا ذكرى للبشر * كلا والقمر * والليل إذ
أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ .
قال الحسن في قوله تعالى ﴿نذيرًا للبشر﴾، قال: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها خرجه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ يعني النار.
«وروى سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب، يقول: سمعت رسول الله ﷺ وآله وسلم يقول: أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة كانت على عاتقة عند رجليه» .
خرجه الإمام أحمد.
وفي رواية له أيضًا «عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﵌: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار حتى لو كان رجل في أقصى السوق لسمعه، وسمع أهل السوق صوته وهو على المنبر»، وفي رواية له «عن سماك قال: سمعت النعمان يخطب وعليه خميصة، فقال: لقد سمعت رسول الله ﵌ يقول: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار فلو أن رجلًا بموضع كذا وكذا سمع صوته» .
«و
عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﵌: اتقوا النار قال: وأشاح، ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا، حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة»، خرجاه في الصحيحين.
وخرج البيهقي بإسناده فيه جهالة «عن أنس عن النبي ﵌: يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه، ومن جهنم، فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم، ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم» .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: إنما مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت
الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها» وفي رواية لمسلم «مثلي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» .
وفي رواية للإمام أحمد «مثلي ومثلكم - أيتها الأمة - كمثل رجل أوقد نارًا بليل، فأقبلت إليها هذه الفراش والذباب التي تغشى النار، فجعل يذبها ويغلبنه إلا تقحمًا في النار، وأنا آخذ بحجزكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحمًا في النار» .
وخرج الإمام أحمد أيضًا «من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عبيه وآله وسلم قال: إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهاتفوا في النار، كتهافت الفراش والذباب» .
وخرج البزار والطبراني «من حديث ابن عباس عن النبي ﵌ قال: أنا آخذ بحجزكم فاتقوا النار، اتقوا النار، اتقوا الحدود، فإذا مت تركتم، وأنا فرطكم على الحوض، فمن ورد فقد أفلح؟ فيؤتي بأقوام ويؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: رب أمتي! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يريدون على أعقابهم» .
وفي رواية للبزار قال: «وأنا آخذ بحجزكم أقول: إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود»، وذكر بقية الحديث.
وفي صحيح مسلم «عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ .
دعا رسول الله ﵌ قريشًا فاجتمعوا، فعم وخص، فقال:
يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا» .
وخرج الطبراني وغيره «من طريق يعلى بن الأشدق عن كليب بن حزن، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات، فلا تلهينكم عن الآخرة» .
ويروي هذا الحديث أيضًا عن يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي ﵌، وأحاديث يعلى بن الأشدق باطلة منكرة.
وخرج الترمذي «من حديث يحيى بن عبد الله عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها» ويحيى هذا ضعفوه، وخرجه ابن مردويه من وجه آخر أجوه من هذا إلى أبي هريرة، وخرج الطبراني نحوه بإسناده فيه نظر عن أنس عن النبي ﵌، وخرجه ابن عدي بإسناده عن عمر ﵁ عن النبي ﵌.
وقال يوسف بن عطية عن المعلمي بن زياد: كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليالي وينادي بأعلى صوته: عجبت من الجنة كيف نام طالبها، وعجبت من النار كيف نام هاربها، ثم يقول:
﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾
وقال أبو الجوزاء: لو وليت من أمر الناس شيئًا اتخذت منارًا على
الطريق وأقمت عليها رجالًا ينادون في الناس: النار النار.
خرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وخرج ابنه عبد الله في هذا الكتاب أيضًا بإسناده عن مالك بن دينار، قال: لو وجدت أعوانًا لناديت في منار البصرة بالليل: النار النار، ثم قال: لو وجدت أعوانًا لفرقتهم في منار الدنيا: يا أيها الناس النار النار.
Translation
الباب الأول - في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها
#2 Chapter 2 — الباب الثاني - في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين · ref. #2
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الثاني - في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين
قال الله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار﴾ .
قال تعالى: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد * الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾
وقال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ .
﴿إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾
وقال تعالى: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾
وقال تعالى: ﴿والذين هم من عذاب ربهم مشفقون﴾ .
وقال: ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ .
وقال تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ .
قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا:
﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ .
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا:
﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ .
وقد كان النبي ﵌ كثيرًا ما يستعيذ من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقال أنس: «كان أكثر دعاء النبي ﵌:
﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾»
خرجه البخاري.
وفي كتاب النسائي «عن أبي هريرة، أنه سمع النبي صلى الله عليه
وآله وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من حر جهنم» .
وفي سنن أبي داود وابن ماجه «عن جابر أن النبي ﵌ قال لرجل: وكيف تقول في الصلاة؟ قال أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﵌ حولها ند ندن» وخرجه البراز ولفظه «وهل أدندن أنا ومعاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار» .
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد منقطع «عن سليم الأنصاري: أن النبي ﵌ قال له: يا سليم ماذا معك من القرآن؟ قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﵌: وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار؟ !» .
وروينا «من حديث سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: إنما يدخل الجنة من يرجوها، ويجنب النار من يخافها، وإنما يرحم الله من
Translation
الباب الثاني - في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين
#3 Chapter 3 — فصل - الخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد · ref. #3
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
يرحم» وخرجه أبو نعيم، وعنده: «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
وقال: غريب من حديث زيد مرفوعًا متصلًا، تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلًا، انتهى، والمرسل أشبه.
وقال عمر: لو نادى منادي من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا لخفت أن أكون أنا هو.
خرجه أبو نعيم.
وخرج الأمام أحمد من طريق عبد الله بن الرومي قال: بلغني أن عثمان، ﵁ قال: لو أني بين الجنة والنار - ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي - لا خترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتها أصير.

فصل - الخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد
والخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد من الخلق، وقد توعد الله سبحانه خاصة خلقه على المعصية، قال الله تعالى:
﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورًا﴾ .
وقال في خلق الملائكة المكرمين: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وثبت من حديث عمارة بن القعقاع «عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ في حديث الشفاعة، قال: فيأتون آدم»
وذكر الحديث، «وقال: فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا، لم يغضب قبله مثله، ولن بغضب بعده مثله، وإنه أمرني بأمر فعصيته، فأخاف أن يطرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي» .
وذكر في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى مثل ذلك، كلهم يقول: إني أخاف أن يطرحني في النار خرجه ابن أبي الدنيا عن أبي خيثمة، عن جرير، عن عمارة به، وخرجه مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة إلا أنه لم يذكر لفظه بتمامة، وخرجه البخاري من وجه آخر بغير هذا اللفظ، «ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها» .
فأما ما يذكر عن بعض العارفين من عدم خشية النار فالصحيح منه له وجه، سنذكره إن شاءالله تعالى.
قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن عبد الرحمن بن مهدي، سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء إني لأستحي من الله ﷿ أن أعبده رجاء ثواب الجنة - أي فقط - فأكون كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار، أي فقط، فأكون كعبد السوء، إن رهب عمل وإن لم يرهب لم يعمل، وإنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره.
خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ، وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته، وهو أنه ذم العبادة على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن.
وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان، وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء.
وقد قال الفضيل ابن عياض: المحبة أفضل من الخوف، ثم استشهد بكلام هذا الحكيم الذي حكاه عنه وهب.
وكذا قال يحيى بن معاذ قال: حسبك من الخوف ما يمنع من الذنوب، ولا حسب من الحب أبدًا.
فأما الخوف والرجاء، فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر، قاله مطرف والحسن وأحمد وغيرهم، ومنهم من رجح الخوف على الرجاء، وهو محكي عن الفضيل وأبي سليمان الداراني.
ومن هذا أيضًا قول حذيفة المرعشي: إن عبدًا يعمل على خوف لعبد سوء، وإن عبدًا يعمل على رجاء لعبد سوء، كلاهما عندي سواء.
ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر.
وقال وهيب بن الورد: لا تكونوا كالعامل، يقال له: تعمل كذا وكذا، فيقول: نعم إن أحسنتم لي من الأجر، ومراده: ذم من لا يلحظ في العمل إلا الأجر.
وهؤلاء العارفون لهم ملحظان:
أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع ويحب، ويبتغى قربه والوسيلة إليه مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده ويعاقبهم، كما قال القائل.
هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المست ... حق حياء العباد من المنعم
وقد أشار هذا إلى أن نعمه على عباده تستوجب منهم شكره عليها وحياءهم منه.
«وهذا هو الذي أشار النبي ﵌ لما قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا» .
والملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق سبحانه، دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف العبد والسخط والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه على صليهم النار في قوله:
﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾
وقال ذو النون: خزف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي، كما أن أعلى الرجاء ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه ورؤيته ومشاهدته وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن أن هذا كله ليس بداخل في نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى عذاب النار أو في مسمى النار إذا أطلقت، وليس كذلك.
وبقي ههنا أمر آخر، وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع
العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه.
وهذا أيضًا غلط، والنصوص الدالة على خلافه كثيرة جدًا ظاهرة.
وهو أيضًا مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم وكراهة ما ينافرهم، وإنما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة له أصلًا، فإذا رجع عقله وفهمه علم أن الأمر على خلاف ذلك.
ونحن نضرب لذلك مثلًا يتضح به هذا الأمر إن شاء الله تعالى.
وهو أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ، كما جاء في أحاديث يوم المزيد.
فلو أنهم ذكروا حينئذ بشيء من نعيم الجنة لأعرضوا عنه، ولأخبروا أنهم لا يرونه في تلك الحال، وكذلك لو خوفوا عذابًا ونحوه لم يلتفوا إليه، وربما لم يستشعروا ألمه في تلك الحال، وإنما يحذرون حينئذ من الحجاب عما هم فيه والبعد عنه، فإذا رجعوا إلى منازلهم، رجعوا إلى ما كانوا عليه من التنعم بأإنواع المخلوق لهم، بل يزداد نعيمهم بذلك مع شدة شوقهم إلى يوم المزيد ثانيًا.
فهكذا حال العارفين الصادقين في الدنيا إذا تجلى على قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها المثل الأعلى، فإن هذا من شواهد ما يحصل لهم
Translation
فصل - الخوف من عذاب جهنم لا ينجو منه أحد
#4 Chapter 4 — فصل - في القدر الواجب من الخوف · ref. #4
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
في الجنة يوم المزيد، فهم لا يلتفتون في تلك الحال إلى غير ما هم فيه من الأنس بالله والتنعم بقربه وذكره ومحبته، حتى ينسوا ذكر نعيم الجنة، ويصغر عندهم بالنسبة إلى ما هم فيه، ولا يخافون حينئذ أيضًا غير حجبهم عن الله وبعدهم عنه وانقطاع مواد الأنس به، فإذا رجعوا إلى عقولهم، وسكنت عنهم سلطنة هذا الحال وقهره، وجدوا أنفسهم وإرادتهم باقية، فيشتاقون حينئذ إلى الجنة ويخافون من النار، مع ملاحظتهم لأعلى ما يشتاق إليه من الجنة ويخشى منه من النار.
وأيضًا، فالعارفون قد يلاحظون من النار أنها ناشئة عن صفة انتقام الله وبطشه وغضبه، والأثر يدل على المؤثر، فجهنم دليل على عظمة الله وشدة بأسه وبطشه وقوة سطوته وانتقامه في أعدائه، فالخوف منها في الحقيقية خوف من الله وإجلال وإعظام وخشية لصفاته المخوفة، مع أن الله سبحانه يخوف بها عبده، ويحب منهم أن يخافوه بخوفها، وأن يخشوه بخشية الوقوع فيها، وأن يحذروه بالحذر منها، فالخائف من النار خائف من الله، متبع لما فيه محبته ورضاه والله أعلم.

فصل - في القدر الواجب من الخوف
والقدر الواجب من الخوف، ما خمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أوراث مرضًا أو موتًا أو همًا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوية المحبوبة لله ﷿، لم يكن محمودًا، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من
شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.
وقال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا.
أخرجه أبو نعيم.
والمقصود الأصلي هو طاعة الله ﷿ وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته.
ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه.
ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة، كان صاحبه معذورًا، وقد كان في السلف من حصل له من خوف النار أحوال شتى، لغلبة حال شهادة قلوبهم للنار، فمنهم من كان يلازمه القلق والبكاء، وربما اضطرب أو غشي عليه إذا سمع ذكر النار.
وقد روي عن النبي ﵌ شيء من ذلك، إلا أن إسناده ضعيف، فروى حمزة الزيات «عن حمران بن أعين، قال: سمع رسول الله ﵌ قارئًا:
﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
فصعق رسول الله ﵌.
وفي رواية فبكى حتى غشي عليه ﵌» .
هذا مرسل وحمران ضعيف.
ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن الأسود مرسلًا أيضًا.
وقيل: إنه روي عن حمران عن ابن عمر ولا يصح.
«و
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﵌:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ .
تلاها رسول الله ﵌ ذات يوم على أصحابه، فخر فتى مغشيًا عليه، فوضع النبي ﵌ يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال: رسول الله ﵌: يا فتى قل: لا إله إلا الله فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال: أو ما سمعتم قوله تعالى:
﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾» .
وقد روي هذا عن ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وخرجه من هذا الوجه الحاكم وصححه.
ولعل المرسل أشبه.
وقال الجوزجاني في كتاب النواحين حدثنا صاحب لنا «عن جعفر بن سليمان عن لقمان الحنفي، قال: أتى رسول الله ﵌ على شاب ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، فلما أصبح قال: يا شاب لقد أبكيت البارحة أعين ملأ من الملائكة كثير» .
وقال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى:
﴿وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين﴾ .
أو نحو ذلك.
خرجه أبو عبيدة.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا
عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًا أن لا تجف لي عين، قلت له: فهكذا أنت في صلاتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، وتبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا، وربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها، وما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين.
وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما.
وروى ضمرة عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي.
وعن الفرات بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم والله أصحاب القلوب، ألا تراه يقول:
﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ .
والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديدًا، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، الله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النار.
وروى ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن نحوه.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال سمعت عبد الله بن حنظلة يومًا، وهو على فراشه، وعدته من علته، فتلا رجل عنده هذه الآية:
﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ .
فبكى، حتى ظننت أنه نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين
أطباق النار، ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد، قال: منعني القعود ذكر جهنم، ولا أدري لعلي أجدهم.
ومن حديت عبد الرحمن بن مصعب، أن رجلًا كان يومًا على شط الفرات فسمع تاليًا يتلو:
﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون﴾ .
فتمايل، فلما قال التالي: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ .
سقط في الماء فمات.
ومن حديث أبي بكر بن عياش، قال صليت خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب وإلى جانبي علي ابنه، فقرأ الفضيل ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فلنا بلغ ﴿لترون الجحيم﴾ .
سقط مغشيًا عليه، وبقي الفضيل لا يقدر يجاوز الآية، ثم صلى بنا صلاة خائف، قال: ثم رابطت عليًا فما أفاق إلا في نصف الليل.
وروى أبو النعيم بإسناد عن الفضيل، قال: أشرفت ليلة على علي، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ .
وكان علي يومًا عند ابن عيينه، فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار، وفي يد علي قرطاس في شيء مربوط، فشهق شهقة، ووقع ورمى بالقرطاس، أو وقع من يده، فالتفت إليه سفيان، فقال: لو علمت أنك ههنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعد ما شاء الله.
وقال علي بن خشرم: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت يومًا في المسجد الحرام، فذكرت شيئًا من صفة النار، فرأيت الفضيل بن غياض صاح حتى غشي عليه وطرح نفسه.
وفي الحلية لأبي نعيم، أن علي بن فضيل صلى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن، فلما سلم، قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام:
﴿حور مقصورات في الخيام﴾ .
فقال: شغلني عيها ما قبلها:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز - وهو أمير المدينة - وقرأ عنده رجل:
﴿وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورًا﴾ .
بكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نيجشه، فقام من مجلسه، ودخل بيته، وتفرق الناس.
وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، فكيف تهنأ الدنيا من كانت هذه صفته؟ قال أحمد: وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عم لعل الله أن ينفعني به، قال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم.
وقال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه، فقال لي: يا سرار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو لي؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله ﷿ وعقابه، تمثلت لي نفسي بهم، فكيف
لنفس تغل يداها إلى عنقها، وتسحب إلى النار، أن لا تبكي وتصيح؟ وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي؟
قال العلاء بن زياد كان إخوان مطرف عنده، فخاضوا في ذكر الجنة والنار، فقال مطرف: لا أدري ما تقولون! حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا، فقال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس؟ أما تقرأ:
﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ .
أما تقرأ:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
فقرأ حتى بلغ:
﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه.
وقرئ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار، فصرخت، ثم سقطت، فمكثت ما شاء الله لم تفق.
ودخل ابن وهب الحمام فسمع قارئًا يقول: ﴿وإذ يتحاجون في النار﴾،.
فسقط مغشيًا عليه، فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل.
ولما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها، صلة بن أشيم، أدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله بيتًا مطيبًا، فقام يصلي حتى أصبح، وفعلت معاذة كذلك، فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله، فقال له: إنك أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتًا أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
Translation
فصل - في القدر الواجب من الخوف
#5 Chapter 5 — فصل ـ[من السلف من إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله] · ref. #5
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
قال العباس بن الوليد عن أبيه: كان الأوزاعي إذا ذكر النار، لم يقطع ذكرها، ولم يقدر أحد أن يسأله عن شيء، حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات؟ ! .
كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا وشربوا من النار، وعاشوا، ثم تبكي.
وكانت كأنها حبة على مقلي.
وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت.
قال عبد الواحد بن زيد: لم أر مثل قوم رأيتهم، هجمنا مرة على نفر من العباد في سواحل البحر، فتفرقوا حين رأونا، فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما أصبحنا تعقبنا آثارهم فلم نر منهم أحدًا.

فصل ـ[من السلف من إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله]
﴿نحن جعلناها تذكرة﴾ قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة.
وقال أبو حيان التيمي: سمعت منذ ثلاثين سنة أن عبد الله بن مسعود مر على الذين ينفخون على الكير فسقط، خرجه الإمام أحمد.
وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار، فقام ينظر إليه ويبكي.
وعن عطاء الخراساني، كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط.
وعن ابن أبي الذباب، أن طلحة وزيدًا مرا بكير حداد، فوقفا ينظران إليه يبكيان.
قال الأعمش: أخبرني من رأى الربيع بن خيثم مر بالحدادين، فنظر إلى الكير وما فيه، فخر.
وقال مطر الوراق، كان جمعة وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة الحدادين، فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ، فيقفان ويبكيان، ويستجيران من النار.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب وقراء البصرة يأتون الحدادين، فينظرون إلى شهيق النار، فيتعوذون بالله من النار.
وعن العلاء بن محمد قال دخلت على عطاء السلمي فرأيته مغشيًا عليه، فقلت لامرأته ما شأنه؟ قالت: سجرت جارة لنا التنور، فلما نظر إليه غشي عليه.
وعن معاوية الكندي قال: مر عطاء السلمي على صبي معه شعلة نار، فأصابت النار الريح، فسمع ذلك منها، فغشي عليه.
قال الحسن: كان عمر، ﵁، ربما توقد له النار، ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟ ! .
وكان الأحنف بن قيس، يجيء إلى المصباح بالليل، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس حس، ثم يقول: يا حنيف، ما حملك على صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ .
وقال البختري بن حارثة: دخلت على عابد، فإذا بين يديه نار قد أججها، وهو يعاتب نفسه، ولم يزل يعاتبها حتى مات.
Translation
فصل ـ[من السلف من إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله]
#6 Chapter 6 — فصل - من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم · ref. #6
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
وكان كثير من الصالحين يذكر النار وأنواع عذابها برؤية ما يشبهه بها في الدنيا، أو يذكره بها، كرؤية البحر وأمواجه، والرؤوس المشوية، وبكاء الأطفال، وفي الحر والبرد، وعند الطعام والشراب، وغير ذلك، وسنذكر ما تيسر من ذلك مفرقًا في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وقد سبق أن منهم من كان يذكر النار بدخول الحمام، وروى ليث «عن طلحة، قال: انطلق رجل من ذات يوم، فنزع ثيابه، وتمزغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نار جهنم ذوقي
﴿نار جهنم أشد حرًا﴾ .
جيفة بالليل، بطالة بالنهار؟ !
فبينا هو كذلك إذا أبصر النبي ﷺ في ظل شجرة، فأتاه، فقال: غلبتني نفسي، فقال له النبي ﷺ: ألم يكن لك بد من الذي صنعت؟ لقد فتحت لك أبواب السماء، ولقد باهى الله بك الملائكة» خرجها «ابن أبي الدنيا»، وهو مرسل، وخرج الطبراني نحوه من حديث بريدة موصولًا، وفي إسناده من لا يعرف حاله، والله أعلم.

فصل - من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم
ومن الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم.
قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس، إذا أوى إلى فراشه، كأنه حبة على مقلى، فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام، فيقوم إلى مصلاه.
وقال أبو سليمان الداراني: كان طاووس يفترش فراشه، ثم يضطجع عليه، فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى، ثم يثب، فيدرجه، ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين.
وقال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خيثم: يا أبت، مالك لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن النار لا تدع أباك ينام.
وكان صفوان بن محرز، إذا جنه الليل يخور كما يخور الثور، ويقول: منع خوف النار مني الرقاد.
وكان عامر بن عبد الله يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، فكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يمسي.
وروي عنه أنه كان يتلوى الحب في المقلى، ثم يقوم فينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي وروي عنه أنه قيل له: مالك لا تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أنام.
وقال الحر بن حصين الفزاري: رأيت شيخًا من بني فزارة أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف، فأبى أن يقبلها، وقال: أذهب ذكر جهنم حلاوة الدنيا من قلبي، قال: وكان يقوم إذا نام الناس، فيصيح: النار النار النار.
وكان رجل من الموالي، يقال له صهيب، وكان يسهر الليل ويبكي، فعوتب على ذلك، وقالت له مولاته: أفسدت على نفسك، فقال إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طال نومه.
وعن أبي مهدي قال: ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ، ويقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
وقال ابن المبارك أيضًا:
Translation
فصل - من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم
#7 Chapter 7 — فصل - من منعه خوف النار من الضحك · ref. #7
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
وما فرشهم إلا أيامن أزرهم ... وما وسدهم إلا ملاء وأذرع
وما ليلهم فيهن إلا تخوف ... وما نومهم إلا عشاش مروع
وألوانهم صفر كأن وجوههم ... عليا جساد هي بالورس مشبع
نواحل قد أزرى بها الجهد والسرى ...
... إلى الله في الظلماء والناس هجع
ويبكون أحيانًا كأن عجيجهم ... إذا نوم الناس الحنين المرجع
ومجلس ذكر فيهم قد شهدته ... وأعينهم من رهبة الله تدمع
كان عباد بن زياد التيمي له إخوة متعبدون، فجاء الطاعون فاخترمهم، فقال يرثاهم:
فتية يعرف التخشع فيهم ... كلهم أحكم القرآن غلامًا
قد برى جلده التهجد حتى ... عاد جلدًا مصفرًا وعظامًا
تتحافى عن الفراش من الخو ... ف إذا الجاهلون باتوا نيامًا
بأنين وعبرة ونحيب ... ويظلون بالنهار صيامًا
يقرؤؤن القرآن لا ريب فيه ... ويبيتون سجدًا وقيامًا

فصل - من منعه خوف النار من الضحك
ومنهم من منعه خوف النار من الضحك.
وقال إسماعيل السدي: قال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط، قال: كيف أضحك وجهنم قد سعرت، والأغلال قد نصبت، والزبانية قد أعدت؟ ! .
وقال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان، حريق، فذهب يطفئه، فوقع شرارة على أصبع من أصابعه، فقال: ألا أراني قد أوجعتني نار الدنيا، والله لا يراني ضاحكًا حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا؟ .
وقد كان جماعة من السلف عاهدوا الله أن لا يضحكوا أبدًا حتى يعلموا أين مصيرهم، إلى الجنة أم إلى النار، منهم جمعة الدوسي، والربيع بن خراش، وأخوه ربعي، وأسلم العجلي، ووهيب بن الورد، وغيرهم.
وروى يزيد الرقاشي «عن أنس، قال: لما أسري بالنبي ﷺ وجبريل معه، سمع رسول الله ﷺ هدة، فقال: يا جبريل ما هذه الهدة؟ قال: حجر أرسله الله من شفير جهنم، فهو يهوي فيها منذ سبعين عامًا فبلغ قعرها الآن، قال: فما ضحك رسول الله ﷺ بعد ذلك إلا أن يبتسم تبسمًا»، خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، ويزيد الرقاشي شيخ صالح لا يحفظ الحديث.
وخرج الطبراني، بإسناد ضعيف إلى أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ معناه، وفي حديثه قال: فما رؤي رسول الله ﷺ ضاحكًا حتى قبض.
وسيأتي امتناع الملائكة من الضحك، منذ خلقت جهنم، فيما بعد إن اء الله تعالى.
وفي حديث أبي ذر الطويل «عن النبي ﷺ قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار وهو يضحك» وذكر الحديث بطوله، خرجه ابن حبان في صحيحه وغيره.
Translation
فصل - من منعه خوف النار من الضحك
#8 Chapter 8 — فصل - من حدث له من خوف النار مرض · ref. #8
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
فصل - من حدث له من خوف النار مرض
ومنهم من حدث له من خوف النار مرض، ومنهم من مات من ذلك.
وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم! ! .
وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إلى قوله تعالى:
﴿إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع﴾ .
قال عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إلى منزله، فمرض شهرًا يعوده الناس، لا يدرون ما مرضه.
وكان جماعة من عباد البصرى مرضوا من الخوف، ولزموا منازلهم، كالعلاء بن زياد، وعطاء السلمي، وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين.
وكانوا يرون أن بدأ مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فبه كان من الخوف.
وروى الأمام أحمد «عن حسين بن محمد عن فضيل عن محمد بن مطرف، قال: حدثني الثقة، أن شابًا من الأنصار، دخل خوف النار قلبه، فجلس في البيت، فأتاه النبي ﷺ، فقام إليه فاعتنقه، فشهق شهقة خرجت نفسه، فقال النبي ﷺ: جهزوا صاحبكم فلذ خوف النار كبده» .
ورواه ابن المبارك عن محمد بن مطرف به بنحوه، وروي من وجه آخر متصلًا، خرجه ابن أبي الدنيا، «
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا حازم بن جبل بن أبي نضرة العبدي، عن أبي سنان، عن الحسن، عن حذيفة، قال: كان شاب على عهد رسول الله ﷺ يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأتاه النبي ﷺ، فلما نظر إليه الشاب قام إليه واعتنقه وخر ميتًا، قال النبي ﷺ: جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده، والذي نفسي بيده لقد أعاذ الله منها، فمن رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه» .
والمرسل أصح وخازم بن جبلة، قال ابن مخلد الدوري الحافظ، لا يكتب حديثه.
وقال حفصى بن عمرو الجعفي: اشتكى داود الطائي أيامًا، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مرارًا في ليلته، فأصبح مريضًا، فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة.
خرجه أبو نعيم.
وخرج أيضًا هو وابن أبي الدنيا، وغيرهما من غير وجه، قصة منصور بن عمار مع الذي مر به بالكوفة ليلًا، وهو يناجي ربه، فتلا منصور هذه الآية
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾
قال منصور، فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسًا ومضيت، فلما كان من الغد رجعت، فاذا جنازة قد أخرجت، وإذا عجوز، فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني، فقالت هذا رجل، لا جازاه الله خيرًا، مر بابني البارحة وهو قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله، فتفطرت مرارته، فوقع ميتًا.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين، حدثني بعض أصحابنا حدثني عبد الوهاب، قال: بينما أنا جالس في الحدادين ببلخ، إذ مر رجل، فنظر إلى النار في الكور، فسقط، فقمنا ونظرنا، فإذا هو قد مات.
وبإسناده عن البختري بن يزيد عن حارثة الأنصاري، أن رجلًا من العباد
Translation
فصل - من حدث له من خوف النار مرض
#9 Chapter 9 — فصل - أحوال بعض الخائفين · ref. #9
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
وقف على كور حداد، وقد كشف عنه، فجعل ينظر إليه ويبكي، قال: ثم شهق شهقة فمات.
قال: وحدثت عن عبد الرحيم بن مطرف بن قدامة الرواس، أنبأنا أبي عن مولى لنا، قال: لما مات المنصور بن المعتمر صاحت أمه: واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلا خوف جهنم.
وروي من غير وجه، أن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية:
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ .
وقال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب الأهوال فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه، فحمل إلى منزله، وعاش أيامًا، ثم مات ﵀.

فصل - أحوال بعض الخائفين
خرج مسلم في صحيحه «من حديث أنس عن رسول الله ﵌ أنه قال: والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار» .
وفي الصحيحين «عن ابن عباس أن النبي ﵌: قال: ما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع منها» .
وروى ألاعمش «عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: لو أبرزت النار للناس ما رآها أحد إلا مات» .
وروي موقوفًا.
وخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من «من حديث ابن عمر عن النبي ﵌ أنه خطب فقال: لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار ثم بكى حتى جرى وبلت دموعه جانبي لحيته ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم عن الآخرة، لمشيتم إلى الصعدات، ولحثيتم على رؤوسكم التراب» .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن معسر عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلسًا، فلم يذكروا الجنة والنار، إلا قالت الملائكة: أغفلوا العظيمتين؟ ! .
وعن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قطع قلوب الخائفين، طول الخلودين في الجنة أو النار.
وعن ابن السماك، قال: قطع قلوب العارفين بالله، ذكر الخلودين الجنة والنار.
وعن بكر المزني، أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصيرة، فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر، قال: وبكى الناس يومئذ بكاء شديدًا.
وعن إبراهيم بن محمد البصري قال: نظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال له: ما الذي أرى بك؟ قال: أسقام وأمراض يا أمير
المؤمنين إن شاء الله، فأعاد عليه عمر، فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلاث مرات، فقال إذا أبيت إلا أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدنيا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فأسهرت لذلك ليلى، واظمأت له نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله وثواب الله ﷿ وجنب عقابه.
وهذا الكلام يشبه حديث حارثة المشهور، وهو حديث روي من وجوه مرسلًا، وروي مسندًا متصلًا من «رواية يوسف بن عطية الصفار، وفيه ضعف، عن ثابت عن أنس أن النبي ﵌ قال لشاب من الأنصار: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاؤون فيها، قال: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه» والمرسل أصح.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا علي بن أبي الحر، قال: أوحى الله إلى يحيى بن زكريا ﵇: يا يحيى، وعزتي، لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة، لذاب جسمك، ولزهقت نفسك اشتياقًا، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لبكيت بالصديد بعد الدموع، وللبست الحديد بعد المسوح.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن سفيان، قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتًا وأصحابه يتحدثون، فقالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين، قال: كنت مفكرًا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى.
وعن مغيث الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم، وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهممكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها.
وعن صالح المري أنه قال: للبكاء دواعي الفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت إلى ذلك وإلا فاعرض عليها التقلب بين أطباق النيران، قال: ثم صاح، فغشي عليه، وتصايح الناس من جوانب المسجد.
وعن أبي سليمان الداراني، قال: خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت، فأقام إلى الفجر قائمًا في وسط الدار، فقال لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار، فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.
وكان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين: إذا مروا بآية من ذكر النار، صرخوا منها فرقًا، كأن زفير النار في آذانهم، وكآن الآخرة، نصب أعينهم.
وقال الحسن: إن لله عبادًا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين.
وقال أيضًا: والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره، لم يصدق بها حتى يهجم عليها.
وقال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود وتغير لونه، فمر به إنسان، فقال: كأن هذا حرق بالنار، قال: إن هذا من ذكرها، فكيف بمعاينتها؟ ! .
وقال ابن عيينة قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحًا، قال: فأنت في الأمنية فاعملي.
Translation
فصل - أحوال بعض الخائفين
#10 Chapter 10 — الباب الثالث ـ[في ذكر تخويف أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها] · ref. #10
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الثالث ـ[في ذكر تخويف أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها]
النار خلقها الله تعالى لعصاة الجن والإنس، وبهما تمتليء، قال الله تعالى:
﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ .
وقال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها﴾ .
وقال تعالى حاكيًا عن الجن الذين استمعوا القرآن:
﴿وأنا منا
المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ .
وقال تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ .
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ إلى قوله
﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
ولهذا روي «أن النبي ﵌، قرأ هذه السورة على الجن، وأبلغهم إياها، لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم» .
وأما سائر الخلق، فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون على المعصية بالنار، وهم خائفون منها، قال الله تعالى:
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن هاروت
وماروت كانا ملكين، وأنهما خيرا بعد الوقوع في المعصية، بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقضائه، وقد روي في ذلك حديث مرفوع، من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌، وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، ولكن قد قيل: إن الصحيح أنه موقف على كعب.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أنس عن النبي ﵌، أنه سأل جبريل ﵇، فقال له: مالي لا أرى ميكائيل ﵇ يضحك؟ ! فقال جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
روي أيضًا في كتاب الزهد «من حديث أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن جبريل جاء إلى رسول الله ﵌، وجبريل ﵇ يبكي، فقال رسول الله ﵌: ما يبكيك يا جبريل؟ قال: أو ما يبكي أنت يا محمد؟ ما جفت عيناي منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها» .
وقد روي نحوه من وجوه أخر مرسلة أيضًا.
وخرج الطبراني «من حديث محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن علي، حدثنا أبي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمران، أن جبريل جاء إلى النبي ﵌ حزينًا لا يرفع رأسه، فقال له: مالي أراك يا جبريل حزينًا؟ ! قال: إني رأيت نفحة من جهنم، فلم ترجع إلي روحي بعد» .
وقال: لم يرفعه عن زيد إلا علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف، وهذا يدل على أن غيره وقفه.
وخرج الطبراني أيضًا، «من طريق سلام الطويل، عن الأجلح الكندي، عن عدي بن عدي الكندي، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء جبريل إلى النبي ﵌ في غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقال النبي ﵌: يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ قال: ما جئتك حتى أمر الله بمنافيخ النار، قال: يا جبريل، صف لي النار، وانعت لي جهنم» فذكر الحديث، وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقًا في الكتاب في مواضع، «ثم قال: فقال رسول الله ﵌: حسبي يا جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﵌ إلى جبريل وهو يبكي، فقال رسول الله ﵌: تبكي يا جبريل، وأنت من الله بالمكان الذي أنت فيه؟ فقال: وما لي لا أبكي، أنا أحق منك بالبكاء، لعلي أن أكون في علم الله، على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان مع الملائكة، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلى به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﵌، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: يا محمد ويا جبريل، إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل، وخرج رسول الله ﵌، فمر بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: تضحكون ووراءكم جهنم؟ ! فلو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ فنودي: يا محمد، لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرًا ولم ابعثك معسرًا، فقال رسول الله ﵌: سددوا وقاربوا» .
سلام الطويل: ضعيف جدًا.
وروى ابن أبي الدنيا، من حديث أبي فضالة عن أشياخه، قال: إن لله ﷿ ملائكة، لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم، مخافة أن يغضب الله
عليهم فيعذبهم.
وبإسناده عن بكر العابد، قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى - يكني أبا الحسن ـ: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم.
وعن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق بنو آدم عادت.
وروى أبو نعيم بإسناده عن طاووس، قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلقت بنو آدم سكنت.
فأما البهائم والوحوش والطير، فقد روي ما يدل على خوفها أيضًا.. قال عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود ﵇ يأتي الوحش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود ﵇ حتى يرقى على المنبر، فيأخذ في الثناء على ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار، فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدان، ثم يأخذ في ذكر الموت وأهوال القيامة ويأخذ في النياحة على نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، وطائفة من هؤلاء، ومن كل صنف طائفة.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها، فقد أخبر الله سبحاته، أنها تخشاه، قال تعالى:
﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ .
قال
Translation
الباب الثالث ـ[في ذكر تخويف أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها]
#11 Chapter 11 — فصل ـ[النار في الدنيا تخاف من نار جهنم] · ref. #11
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء ويتشقق عن ماء، أو يتردى عن رأس جبل، فهو من خشية الله ﷿، نزل بذلك القرآن.
وخرج الجوزجاتي وغيره في طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إن الحجر ليقع إلى الأرض، ولو اجتمع عليه الفئام من الناس، ما استطاعوا، وإنه ليهبط من خشية الله.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني، حدثنا الفضيل بن العباس - وكان من الأبدال، وكانت الدموع قد أثرت في وجهه، وكان يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف - قال: مر عيسى ﵇ بجبل بين نهرين، نهر عن يمينه، ونهر عن يساره، ولا يدري من أين يجيء هذا الماء، ولا إلى أين يذهب، قال: أما الذي يجري عن يساري فمن دموع عيني اليسرى، قال: مم ذاك؟ قال: خوف من ربي أنه يجعلني من وقود النار، قال عيسى: فأنا أدعو الله ﷿ أن يهبك لي، فدعا الله فوهبه له، فقال عيسى: قد وهبت لي، قال: فجاء منه الماء حتى احتمل عيسى فذهب به، قال له عيسى، اسكن بعزة الله، فقد استوهبتك من ربي فوهبك لي فما هذا؟ قال، أما البكاء الأول فبكاء الخوف، وأما البكاء الثاني فبكاء الشكر.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن القمر ليبكي من خشية الله.
قال طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له، ولا يسأل عن عمل ولا يجازي به.

فصل ـ[النار في الدنيا تخاف من نار جهنم]
وهذه النار التي في الدنيا تخاف من نار جهنم، روى نفيع أبو داود عن «
أنس، عن النبي ﵌ قال: إن ناركم هذه لجزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» .
خرجه ابن ماجه، ونفيع فيه ضعيف، وقد روي موقوفًا على أنس.
وخرج الحاكم، «من حديث جسر بن فرقد، عن الحسن عن أنس، عن النبي ﵌ قال: ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، ولولا أنها غمست في البحر مرتين ما انتفعتم بها أبدًا، وايم الله إن كانت لكافية، وإنها لتدعو الله وتستجير الله أن لا يعيدها في النار أبدًا» وقال: صحيح الاسناد، وفي ذلك نظر، فإن جسر بن فرقد ضعيف.
وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي رجاء، قال: لما ألقى إبراهيم ﵇ في النار أوحى الله إليها: لئن ضريتيه أو آذيتيه لآردنك إلى النار الكبرى، فخرت مغشيًا عليها ثلاثة أيام لا ينتفع الناس منها بشيء.
وعن أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن عبد الله بن عمرو سمع صوت النار فقال: وأنا، فقيل له: ما هذا؟ فقال: والذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها.
وعن الأعمش عن مجاهد، قال: ناركم هذه تستعيذ من نار جهنم.
Translation
فصل ـ[النار في الدنيا تخاف من نار جهنم]
#12 Chapter 12 — الباب الرابع ـ[في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها] · ref. #12
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الرابع ـ[في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها]
قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوف نار جهنم هو البكاء من خشية الله، لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرمته.
وروى أبو هريرة عن «النبي ﵌ قال: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع» خرجه النسائي والترمزي وقال: صحيح.
«وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: عينان لا تمسها النار: عين بكت في جوف الليل من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ﷿» خرجه الترمزي وقال: حسن.
«و
عن أبي ريحانة، عن النبي ﵌، قال: حرمت النار على عين دمعت أو بكت في جوف الليل من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وذكر عينًا ثالثة» .
خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وخرجه الجوزجاني ولفظه «حرمت النار على عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو فقئت في سبيل الله» .
«وعن ابن مسعود، عن النبي ﵌ قال: ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، ولو كانت مثل رأس الذباب، من خشية الله، ثم تصيب شيئًا من حر وجهه، إلا حرمه الله على النار» خرجه ابن ماجه، وقد روي موفوقًا على من دون ابن مسعود.
وفي الباب أحاديث أخر في المعنى مسندة ومرسلة، وفيه أيضًا عن معاذ بن جبل وابن عباس من قولهما غير مرفوع.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق نفيع أبي داود، «عن زيد بن أرقم، أن رجلًا قال: يا رسول الله، بما أتقي به النار؟ قال: بدموع عينيك، فإن عينًا بكت من خشية الله لا تمسها النار أبدًا» .
ونفيع سبق أنه ضعيف.
ومن طريق النضر بن سعيد، رفعه قال: «ما اغرورقت عينا عبد بمائها
من خشية الله إلا حرم جسدها على النار، فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، ولو أن عبدًا بكى في أمة من الأمم، لأنجى الله ﷿ ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا وله وزن أو ثواب إلا الدمعة، فإنها تطفيء بحورًا من النار» .
وقد روي هذا المعنى أو بعضه موقوفًا من كلام الحسن وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان وغيرهم.
وعن زادان أبي عمر قال: بلغنا أنه من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقًا إلى الجنة أسكنه الله إياها.
وكان عبد الواحد بن زيد يقول، يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إلى الله ﷿؟ ألا إنه من بكى شوقًا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها.
وعن فرقد السبخي، قال: قرأت في بعض الكتب أن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها، فتقول: يا رب، أدخله، فتقول: يا رب، أدخله كما بكى علي، وإن النار لتستجير له من ربها، فتقول: يا رب، أجره من النار كما استجار مني، وبكى خوفًا من دخولي.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، «عن النبي ﵌، أنه قال: رأيت الليلة رؤيا» فذكر الحديث بطوله، «وفيه قال: رأيت رجلًا من أمتي على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله، فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي يهوي في النار، فجاءته دموعه التي تبكي من خشية الله ﷿، فاستخرجه من النار» .
Translation
الباب الرابع ـ[في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها]
#13 Chapter 13 — فصل ـ[التعوذ من النار] · ref. #13
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
وروى أيمن، «حدثنا سهل بن حماد، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا ثابت عن أنس، قال: تلا رسول الله ﵌ هذه الآية
﴿نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ .
وبين يديه رجل أسود، فهتف بالبكاء، فنزل جبريل ﵇، فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة وأثنى عليه معروفًا قال: فإن الله ﷿ يقول: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، لا تبكي عين عبد في الدنيا من خشيتين إلا كثرت ضحكة في الجنة» .

فصل ـ[التعوذ من النار]
قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﵌، في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، وفيه: إن الله ﷿ يسألهم، وهو أعلم بهم، فيقول: مم يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد منها مخافة، قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم» .
وخرج الترمزي والنسائي وابن ماجه، «من حديث أنس، عن النبي ﵌، قال: ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثًا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاثًا، قالت النار: اللهم أجره من النار» .
وخرج البزار وأبو يعلى الموصلي، «من حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﵌، قال: ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار: يا رب، إن عبدك فلانًا استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب، إن عبدك فلانًا سألني فأدخله الجنة» .
وروى صالح المري، «عن أبان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: يقول الله ﷿: انظروا في ديوان عبدي، فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن استعاذ بي من النار أعذته» وإسناده ضعيف.
وروى أبو صالح عبد الله بن صالح، «حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد - أو عن ابن أبي حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة أو أحدهما حدثه عن النبي ﵌ قال: إذا كان يوم حار، فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يو شديد البرد، فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجارني من زمهريرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته» قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده وقال أبو يحيحى القتات، عن مجاهد: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة، فتنزوي فيقول: ما شأنك؟ فتقول: إنه قد كان يستجير مني، فيقول: خلوا سبيله.
وقال سفيان، عن مسعر بن عبد الأعلى: الجنة والنار ألقيتا السمع من ابن آدم، فإذا قال الرجل: أعوذ بالله من النار، قالت النار: اللهم أعذه، وإذا
قال،: أسأل الله الجنة قالت الجنة: اللهم بلغه.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة إلا ذكرت جهنم، فصرفتها إلى الاستعاذة منها.
وقال أبو سنان عيسى بن سنان، عن عطاء الخراساني، قال: من استجار بالله من جهنم سبع مرات، قالت جهنم: لا حاجة لي فيك.
Translation
فصل ـ[التعوذ من النار]
#14 Chapter 14 — الباب الخامس ـ[في ذكر مكان جهنم] · ref. #14
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الخامس ـ[في ذكر مكان جهنم]
روى عطية عن ابن عباس، قال: الجنة في السماء السابعة، ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة، وجهنم في الأرض السابعة، أخرجه أبو نعيم.
وخرج ابن مندة، من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات، قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبع أبحر مطبقة.
وروى البيهقي، بإسناده فيه ضعف، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ
﴿إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ .
﴿إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ .
وخرجه ابن مندة، وعنده فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء.
وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن
عبد الله ابن سلام، قال: إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض.
خرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة، قال: كانوا يقولون: إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.
وروى ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد.
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ .
قال: الجنة في السماء، وقال استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوًا وعشيًا - يعني في مدة البرزخ - وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض.
وقال تعالى:
﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ .
وفي حديث البراء بن عازب، «عن النبي ﵌، في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: حتى ينتهوا بها السماء فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﵌:
﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾» .
قال: يقول قال تعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قال: فتطرح روحه طرحًا خرجه الإمام أحمد وغيره.
«وعن أبي هريرة، عن النبي ﵌، في صفة قبض الروح، وقال في روح الكافر: فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! كلما أتوا على أرض قالوا
Translation
الباب الخامس ـ[في ذكر مكان جهنم]
#15 Chapter 15 — فصل - البحار تسجر يوم القيامة · ref. #15
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
ذلك، حتى يأتوا به إلى أرواح الكفار» خرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أرواح الكفار في الأرض السابعة.

فصل - البحار تسجر يوم القيامة
روى الأمام أحمد، بإسناد فيه نظر، «عن يعلى بن أمية، عن النبي ﵌، قال: البحر هو جهنم فقالوا ليعلى، قال: ألا ترون أن الله ﷿ يقول:
﴿نارًا أحاط بهم سرادقها﴾ .
لا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدًا حتى أعرض على الله ﷿، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله ﷿» .
وهذا إن ثبت، فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة، فتصير بحرًا واحدًا، ثم تسجر ويوقد عليها، فتصير نارًا، وتزاد في نار جهنم.
وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى:
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
بنحو هذا.
وروى المبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن ابن عباس قال: تسجر حتى تصير نارًا.
وروى مجاهد، عن شيخ من بجيلية، عن ابن عباس ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحًا دبورًا، فتنفخه حتى يرجع نارًا.
خرجه ابن أبي الدنيا وابن أبي الحاتم.
وخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي الحاتم أيضًا، من طريقي مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [التوابة: ٤٩] .
قال: هو هذا البحر تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر، فيمون هو جهنم.
وروى ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن المسيب، عن علي أنه قال رجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر، قال علي: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ وقال ﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن حمادة بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي ليهودي: أين جهنم؟ قال: تحت البحر، قال علي: صدق، ثم قرأ ﴿وإذا البحار سجرت﴾ وخرجه في موضوع أخر منه، وفيه ثم قال ﴿والبحر المسجور﴾ .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
قال: قالت الجن للإنس: تأتيكم بالخير، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج.
وعن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال: إن البحر الأخضر هو جهنم.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن كعب في قوله تعالى:
﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ .
قال: تبدل السموات فتصير جنانًا، وتبدل الأرض فيصير مكان البحر النار.
وقد سبق عن ابن عباس أنه قال: النار سبعة أبحر مطبقة.
وروي عن عبد الله بن عمرو، ﵄، أنه قال: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن أخو البصري: البحر طبق جهنم.
وفي سنن أبي داود «عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﵌، قال لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا» .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن معاوية بن سعيد، قال: إن هذا البحر - يعني بحر الروم - وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار كله مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر.
وذكر ابن أبي الدنيا عن العباس بن يزيد البحراني، قال: سمعت الوليد بن هشام وقلت له: عمن أخذت هذا؟ قال: عن رجل من أهل الكتاب، أسلم فحسن إسلامه، قال: لما التقم الحوت يونس ﵇ جال به الأبحر السبعة، فلما كان آخر ذلك، انتهى به الحوت إلى قعر البحر، موضع يلي قعر جهنم، فسبح يونس في بطن الحوت، فسمع قارون تسبيحه وهو في النار، وذكر بقية الخبر.
وروى قيس بن الربيع، «عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵌: إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائه، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقًا إلى الجنة» غريب منكر.
وقد روي عن بعضهم ما يدل على أن النار في السماء، وروى مجاهد قال في قوله تعالى:
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾
قال: الجنة والنار، وكذا قال جوبير عن الضحاك.
وروى عاصم، «عن زر، عن حذيفة، أن النبي ﵌، قال: أوتيت بالبراق، فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتينا بيت المقدس، وفتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار» خرجه الإمام أحمد وغيره، قال في رواية المروذي وفي حديث حذيفة، «أن النبي ﵌ قال: رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء، فقرأت هذه الآية: وفي السماء رزقكم وما توعدون» .
فكأني لم أقرأها قط وهو تصديق لما قاله حذيفة، نقله عنه الخلال في كتاب السنة وهذا اللفظ الذي احتج به الإمام أحمد لم نقف عليه بعد في حديثه، وإنما روي عنه ما تقدم.
وروي عن حذيفة، أنه قال: والله ما زايل البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، ورأيا الجنة والنار وو عد الله الآخرة أجمع، ولم يرفعه، وهذا كله ليس بصريح في أنه رأى النار في السماء كما لا يخفي.
وأيضًا، فعلى تقدير صحة ذلك اللفظ، لا يدل على أن النار في السماء، وإنما يدل على أنه رآها وهو في السماء، والميت يرى في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض.
وقد رأى النبي، ﵌، في صلاة الكسوف، الجنة والنار وهو في الأرض، وكذلك في بعض طرق الإسراء حديث أبي هريرة، أنه مر على أرض الجنة والنار، في مسيره إلى بيت المقدس، ولم يدل شيء
من ذلك على أن الجنة والأرض، فحديث حذيفة إن ثبت أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي، والله أعلم.
وفي حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جدًا، عن أبي سعيد الخدري، في صفة الإسراء، أنه ﵌، رأى الجنة والنار فوق السموات، ولو صح، ولو صح لحمل على ما ذكرناه أيضًا.
وقد روى القاضي أبو يعلى، بإسناد جيد، عن أبي بكر المروذي، أن الإمام أحمد فسر له من القرآن آيات متعددة، فكان مما فسره له قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: أطباق النيران، ﴿والبحر المسجور﴾ قال: جهنم، وهذا يدل على أن النار في الأرض، بخلاف عن المروذي، والله أعلم.
وأما المروي عن مجاهد، فقد تأوله بعضهم على أن المراد أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر، وقد صرح بذلك مجاهد في رواية أخرى عنه.
وقد ورد في بعض طرق حديث الإسراء، انه ﵌ رأى جهنم في طريقه إلى بيت المقدس، وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، وقال: ههنا أخبرنا رسول الله ﵌ أنه رأى جهنم.
Translation
فصل - البحار تسجر يوم القيامة
#16 Chapter 16 — الباب السادس ـ[في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها] · ref. #16
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب السادس ـ[في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها]
قال الله ﷿: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
وقد قرىء الدرك بسكون الراء وتحريكها، وهي لغتنان.
قال الضحاك: الدرك إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض، وقال غيره: الجنة درجات، والنار دركات.
وقد تسمى النار درجات أيضًا، كما قال تعالى، بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار:
﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ .
وقال: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * هم درجات عند الله﴾ .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علوًا ودرجات النار تذهب سفولًا.
وروى ابن أبي الدنيا، بإسناده عن عكرمة، في قوله تعالى:
﴿لها سبعة أبواب﴾ .
قال: لها سبعة أطباق.
وعن قتادة:
﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
قال: هي والله منازل بأعمالهم.
وعن يزيد بن أبي مالك الهمذاني قال: لجهنم سبعة نيران: تأتلق: ليس
منها نار إلا وهي تنتظر إلى التي تحتها، مخافة أن تأكلها.
وعن ابن جريج في قوله: ﴿لها سبعة أبواب﴾ قال: أو لها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية وفيها أبو جهل.
وروى سلام المدائني - وهو ضعيف - عن الحسن، عن أبي سنان، عن الضحاك، قال: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدرك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد، يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم يخرجون منها، وفي الثانية اليهود، وفي الثالث النصارى، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، وفي السابعة المنافقون، وهو قوله:
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
وروى العلاء بن المسيب، عن أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن، قالا: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذابًا، قالوا: اليهود والنصارى والمجوس، قال: لا، ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، في توابيت من نار، مطبقة عليهم، ليس لها أبواب.
وروى عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله تعالى:
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ .
قال الدرك الأسفل، بيوت لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من فوقهم ومن تحتهم، قال تعالى:
﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ .
وقال ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي يسار قال: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى.
وروى ابن أبي الحاتم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب الله، يعني قوله:
﴿فلا اقتحم العقبة﴾ .
سبعين درجة في النار.
وعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغنيى أن العقبة التي ذكر الله في كتابه، مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة.
وعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: جبل في جهنم، أفلا أجاوزه بعتق رقبة؟ !
وعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟ قال: رقبة.
وفي الصحيحين ولفظه للبخاري، عن ابن عمر قال: رأيت في المنام أنه جاءني ملكان، في يد كل واحد منهما مقعمة من حديد، ثم لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن ترع، نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، وعرفت رجلًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﵌، فقال: «إن عبد الله رجل صالح» .
Translation
الباب السادس ـ[في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها]
#17 Chapter 17 — الباب السابع - في ذكر قعر جهنم وعمقها · ref. #17
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب السابع - في ذكر قعر جهنم وعمقها
عن لد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة، فيهوي فيها سبعين عامًا، ما يدرك لها قعرًا، والله لنملأنه، أفعجبتم؟ خرجه هكذا مسلم موقوفًا، فأخرجه الإمام أحمد موقوقًا ومرفوعًا، والموقوف أصح.
وخرج الترمذي من حديث الحسن، قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا - يعني منبر البصرة - عن النبي ﵌، قال: إن الصخرة العظيمة لتلتقي من شفير جهنم، فتهوي سبعين عامًا، وما تفضي إلى قعرها، قال: وكان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد، ثم قال: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان.
وخرج مسلم أيضًا، «من حديث أبي هريرة، قال: كنا عند النبي ﵌ يومًا، فسمعنا وجبة فقال النبي ﵌: أتدرون ما هذا؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا، فالآن انتهى إلى قعرها» .
وخرج أيضًا عن أبي هريرة قال: والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعين خريفًا.
خرج الحاكم، «من حديث أبي هريرة أيضًا، عن النبي ﵌، قال: لو أخذ سبع خلفات بشحومهن، فألقين من شفير جهنم، ما انتهين إلى آخرها سبعين عامًا» .
وخرج البراز والطبراني، «من حديث بريدة عن النبي ﵌، قال: إن الحجر ليزن سبع خلفات، يرمى به في جهنم، فيهوى سبعين خريفًا وما يبلغ قعرها» .
وخرج ابن حبان في صحيحه «من حديث أبي موسى الاشعري،
عن النبي ﵌، قال: لو أن حجر قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعرها» .
وقد سبق من حديث أنس وأبي سعيد، معنى حديث أبي هريرة، في سماع الهدة.
وقال ابن المبارك: أنبأنا يونس «عن الزهري، قال: بلغنا أن معاذ بن جبل، كان يحدث عن النبي ﵌، قال: والذي نفسي بيده إن ما بين شفة النار وقعرها، كصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار، قبل أن تبلغ قعرها، سبعين خريفًا» .
قال ابن المبارك، وإن هشيمًا قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي، قال: سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم، مسيرة سبعين خريفًا، من حجر يهوي، أو صخرة تهوي، أو صخرة تهوي، عظمها كعظم عشر عشروات عظام سمان فقال له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غي وآثام.
وقد روي ذلك بإسناد ضعيف، من طريق لقمان بن عامر، «عن أبي أمامة، عن النبي ﵌، وزراد فيه: قلت: وما غي؟ وما آثام؟ قال: بئر يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللتان ذكرهما الله تعالى في كتابه ﴿فسوف يلقون غيا﴾» وفي الفرقان ﴿يلق أثامًا﴾، والموقوف أصح.
وقد روي من وجه آخر: قال حريز بن عثمان: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، عن أبي أمامة، أنه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إلى قعرها سبعون، أو قال: خمسون خريفًا للحجر المتردي، والحجر مثل سبع خلفات مملوءة شحمًا ولحمًا.
خرجه الجوزجاني.
وروى مجالد عن الشعبي، «عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﵌، قال: ما من حاكم يحكم بين الناس، إلا يحبس يوم القيامة، وملك آخذ بقفاه، حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله ﷿، فإن قال له: ألقه، ألقاه في مهوى أربعين خريفًا» خرجه الأمام أحمد.
وروى عبد الله بن الوليد الوصافي، «حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵌: يجاء بالوالي يوم القيامة، فينبذ على جسر جهنم، فيرتج على ذلك الجسر به ارتجاجة، لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه، فإن كان مطيعًا لله في عمله مضوا به، وإن كان عاصيًا لله في عمله انخرق فيه الجسر، فيهوي في جهنم مقدار خمسين عامًا» فقال له عمر: من يطلب العمل بعد هذا؟ قال أبو ذر: من سلت الله أنفه، وألصق خذه بالتراب، فجاء أبو الدرداء، فقال له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت من النبي ﵌ حديثًا حدثني به أبو ذر؟ قال: فأخبره أبو ذر، فقال: نعم ومع الخمسين خمسون عامًا، يهوي به إلى النار.
الوصافي لا يحفظ الحديث، كان شيخًا صالحًا ﵀.
وروى سويد بن عبد العزيز - وفيه ضعف شديد - «عن سيار، عن أبي وائل، أن
أبا ذر قال لعمر: سمعت رسول الله ﵌ يقول، فذكر معناه، وفي حديثه وإن كان مسيئًا انخرق به الجسر، فهوى في قعرها سبعين خريفًا» .
وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قال: «أخبرني يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن ابن أبي عمرة الأنصاري، أن أبا ذر وسليمان قالا لعمر: سمعنا رسول الله ﵌ يقول، فذكراه بمعناه، وقال هوى به في النار سبعين خريفًا» .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار، أبعد مما بين المشرق والمغرب» .
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها باسًا، يهوي بها في النار سبعين خريفًا» .
وخرج البزار نحوه من حديث ابن مسعود، عن النبي ﵌.
وفي تفسير ابن جرير، من رواية العوفي، عن ابن عباس، في قوله
تعالى:
﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ .
قال: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبًا، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، ثابتة في أصل الجحيم.
وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله، أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أيامًا معدودة، وإنما يعني بذلك السير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انقضى الأجل، فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ يعنون بذلك الأجل، فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة وهي أربعون سنة، فلما أكلوا من شجرة الزقوم وملؤوا البطون آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزنة سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أيامًا معدودة، وقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون، ففي هذه الرواية عن ابن عباس، أن قعر جهنم ومسافة عمقها أربعون عامًا وأن ذلك هو معنى ما في التوراة، ولكن اليهود حرفوه، فجعلوا مسافة مابين طرفيها، وزعموا أنه إذا انقضت هذه المدة، أن جهنم تخرب وتهلك، فإن ذلك من كذبهم على الله، وتحريفهم التوراة.
Translation
الباب السابع - في ذكر قعر جهنم وعمقها
#18 Chapter 18 — فصل - سعة جهنم طولا وعرضا · ref. #18
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
فصل - سعة جهنم طولًا وعرضًا
وأما سعة جهنم طولًا وعرضًا، فروى مجاهد، «عن ابن عباس، قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: أجل، والله ما تدرون، أن ما بين شحمة أذن أحدهم وأنفه مسيرة سبعين خريفًا، تجري فيه أودية القيح والدم، قلنا: أنهار؟ قال: لا، بل أودية، ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: حدثتني عائشة، أنها سألت رسول الله ﵌، عن قوله تعالى:
﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾
فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم» خرجه الإمام أحمد، وخرجه النسائي والترمذي منه المرفوع، وصححه الترمذي، وخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
Translation
فصل - سعة جهنم طولا وعرضا
#19 Chapter 19 — الباب الثامن - في ذكر أبوابها وسرادقها · ref. #19
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
الباب الثامن - في ذكر أبوابها وسرادقها
قال الله ﷿: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حدث ابن عمر عن النبي ﵌، قال: إن لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي» .
وخرج الإمام أحمد، «من حديث عتبة بن عبد السلمي، عن النبي ﵌، قال: إن للجنة ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض» .
في حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي ﵌، قال: لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب، ما منهن با بان إلا ويسير الراكب بينهما سبعين عامًا» .
خرجه عبد الله بن الإمام أحمد، وابن أبي عاصم، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وخرج البيهقي، «من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﵌ في حديث المرور على الصراط، قال فيه: فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومطروح فيها ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
وروى أبو إسحاق، عن هبيرة ابن مريم، عن علي، قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، وقال بإصبعه، وعقد خمسين، وأضجع يده، ثم يمتلئ الأول والثاني والثالث حتى عقدها كلها.
خرجه ابن أبي حاتم وغيره، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بمعناه.
وخرج ابن أبي الحاتم، من طريق حطان الرقاشي، قال: سمعت عليًا يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا: هي أبوابنا هذه، قال: لا، هي هكذا، بعضها فوق بعض.
وفي رواية له أيضًا: بعضها أسفل من بعض، وخرجه البيهقي، ولفظه: أبواب جهنم هكذا، ووضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى.
وعن ابن جريح، في قوله ﴿لها سبعة أبواب﴾ قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيها أبو جهل، ثم الهاوية.
خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
وقال جوبير، عن الضحاك: سمى الله أبواب جهنم، لكل باب منها جزء مقسوم: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمجوس، وباب للصابئين، وباب للمنافقين، وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب، وباب لأهل التوحيد، وأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين.
خرجه الخلال.
وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي ميسرة، في قوله:
﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾ .
قال لجهنم سبعة أبواب، بعضها أسفل من بعض.
وقال عطاء الخراساني: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها غمًا وكربًا وحرًا، وأنتنها ريحًا، للزناة الذين ركبوه بعد العلم.
خرجه أبو نعيم.
وعن كعب قال: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحروية.
وهذا كله من حديث ابن عمر المتقدم، يدل على أن كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة، كما أن أبواب الجنة الثمانية، كل باب منها لعمل من أعمال الصالحة.
وعن وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حرًا من الذي فوقه.
وخرج الثعلبي في تفسيره بإسناد مجهول إلى منصور بن عبد الحميد بن أبي رباح، «عن أنس، عن بلال، أن أعرابية صلت خلف النبي ﵌، فقرأ النبي ﵌ هذه الآية:
﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ .
فخرت مغشيًا عليها، فلما
أفاقت قالت: يا رسول الله، كل عضوا من أعضائي يعذب على كل باب منهم، فقال رسول الله ﵌: ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ يعذب على كل باب على قدر أعمالهم، فقالت: مالي إلا سبعة أعبد أشهدك أن كل عبد منهم لكل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله ﷿، فجاء جبريل فقال: بشرها أن الله قد حرمها على أبواب جهنم» .
وهذا حديث لا يصح مرفوعًا، ومنصور بن عبد الحميد قال فيه ابن حبان: لا تحل الرواية عنها.
والصحيح ما روى مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان، قال: خرجنا حجاجًا فنزلنا منزلًا في بعض الطريق، فقرأ رجل كان معنا هذه الآية: ﴿لها سبعة أبواب﴾ فسمعته امرأة، فقالت: أعد رحمك الله، فأعادها: فقالت: خلفت في البيت سبعة أعبد أشهدكم أنهم أحرار لكل باب واحد منهم» .
خرجه ابن أبي الدنيا.
وخرج البيهقي «من حديث الخليل بن مرة، أن النبي ﵌، كان لا ينام حتى يقرأ ﴿تبارك﴾ و﴿حم﴾ السجدة وقال: الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، والسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم، وقال: تجئ كل حم منها يوم القيامة، أحسبه قال: تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب كل من يؤمن بي ويقرؤني» وقال: هذا منقطع، والخليل بن مرة فيه نظر.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، قال: كان بالبادية رجل قد اتخذا مسجدًا، فجعل في قبلته سبعة أحجار، فكان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أن لا إله إلا الله، قال: فمرض الرجل فعرج بروحه، قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار، فرأيت حجرًا من تلك الأحجار - أعرفه بعينه - قد عظم، فسد عني بابًا من أبواب جهنم، قال: حتى سد عني بقية الأحجار أبواب جهنم السبعة.
Translation
الباب الثامن - في ذكر أبوابها وسرادقها
#20 Chapter 20 — فصل - أبواب جهنم تغلق على أهلها يوم القيامة · ref. #20
al-Takhwif min al-Nar
Arabic text Aqeedah
فصل - أبواب جهنم تغلق على أهلها يوم القيامة
وقد وصف الله أبوابها بأنها مغلقة على أهلها، فقال:
﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ .
وقال تعالى: ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ .
قال مجاهد: هي بلغة قريش: أصد الباب أغلقه يعني قوله ﴿مؤصدة﴾، وقال مقاتل: يعني أبوابها مطبقة عليهم، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح، آخر الأبد.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، خرجه ابن مردويه، من طريق شجاع بن أشرس: «حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ قال: مطبقة»، ولكن رفعه لا يصح، وقد خرجه آدم بن أبي إياس، في تفسيره، عن شريك بهذا الإسناد، موقوفًا على أبي هريرة، وروه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، من قوله، ولم يذكر فيه أبا هريرة.
وكذلك قال عطاء الخراساني، وغيره في المؤصدة: إنها المطبقة.
وعن الضحاك قال: حائط لا باب له، ومراده - والله أعلم - أن الأبواب أطبقت فصار الجدار، كأنه لا باب له.
وقوله تعالى:
﴿إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة﴾ .
معناه: أطبقت عليهم بعمد، قال قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله بعمد بالباء، قال عطية: هي عمد من حديد في النار، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها.
وعلى هذا قوله: ﴿ممددة﴾ صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممدة مطولة، والمدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.
وفي تفسير العوفي عن ابن عباس، في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾
قال: هي عليهم مغلقة، أدخلهم في عمد، فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسدت به الأبواب.
وقيل: إن الممددة صفة للأبواب.
رواه شبيب بن بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقيل المراد بالعمد المددة: القيود الطوال، رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، رواه أبو خباب الكلبي، عن زبيد، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ﴿في عمد ممددة﴾ قال: هي الأدهم، وقد تقدم أن عبد الله كان يقرؤها بعمد، والأدهم: القيد.
وكذا قال ابن زيد في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾ قال: في عمد من حديد مغلولين فيه، وتلك العمد من نار قد احترقت من النار، فهي ممددة لهم.
وقيل إن المراد بالعمد الممددة: الزمان الذي لا انقطاع له قاله أبو فاطمة.
وقال السدي: من قرأها في عمد يعنى بالفتح، فهي عمد من نار، ومن قرأها في عمد يعني بالضم، فهو أجل ممدود.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: ﴿مؤصدة﴾ أي مطبقة، أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وهذا الإطباق نوعان:
أحدهما: خاص لمن يدخل في النار، أو من يريد الله التضييق عليه، أجارنا الله من ذلك.
قال أبو توبة اليزني: إن في النار أقوامًا مؤصدة عليهم، كما يطبق الحق على طبقه.
خرجه ابن أبي الحاتم.
والثاني: الإطباق العام، وهو إطباق النار على أهلها المخلدين فيها.
وقد قال سفيان، وغيره، في قوله تعالى:
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ .
قالوا: هو طبق النار على أهلها.
وفي حديث مسكين أبي فاطمة، «عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن النبي ﵌، في خروج الموحدين من النار، قال: ثم يبعث الله ملائكة، معهم مسامير من النار، وأطباق من نار، فيطبقونها على من بقي فيها، ويسمرونها بتلك المسامير، يتناساهم الجبار على عرشه من رحمته، ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم» خرجه الإسماعيلي وغيره، وهو حديث منكر، قاله الدارقطني.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن سعيد بن جبير، قال: ينادي رجل في شعب من شعاب النار مقدار ألف عام: يا حنان يا منان.
فيقول الله تعالى: يا جبريل، أخرج عبدي، فيجدها مطبقة، فيقول: يا رب إنها عليهم مطبقة مؤصدة.
وقال قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو: إذا أجاب الله أهل النار بقوله:
﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
أطبقت عليهم، فبئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير والشهيق.
وقال أبو الزعراء، عن ابن مسعود: وإذا قيل لهم ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ أطبقت عليهم فلم يخرج منها أحد.
وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة، أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وبكل من يخاف في الدنيا شره العبيد، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم التي لا تبيد، ثم أوصدها عليهم ملائكة رب العبيد، قال: فلا والله، لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا والله، لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدًا، ولا الله، لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا
Translation
فصل - أبواب جهنم تغلق على أهلها يوم القيامة

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound