Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 85 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa تثبيت دلائل النبو

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Abd al-Jabbar (القاضي عبد الجبار
85
Total sections
85 chapters
#1 Chapter 1 — المقدمة · ref. #1
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
المقدّمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إن الإيمان بالنبوة أو قيام صلة بين الله والانسان بواسطة احد عباده الذي نسميه نبيا او رسولا من أهم ما يميز الأديان السماوية عن غيرها من الديانات، إذ أن هناك أديانا كالبرهمية تؤمن بوجود الله لكنها تنكر النبوات ولا ترى حاجة لوجود هذه الصلة بين الله والانسان، وحجتهم في ذلك، أن ما أتى به الانبياء إما موافق للعقل ففي العقل غنى عنه أو مخالف له فلا حاجة لنا به، لأن العقل هو المصدر الوحيد الذي نستدل به على حقائق الأمور.
والحق أن من المستحيل ان نؤمن بفكرة وجود الخالق المدبر ولا نتبعها بالايمان برعايته لخلقه وتدبيره المستمر للكون. إذ ما الفائدة من الخلق اذا لم يعن الخالق بشؤون خلقه، أما أن العقل قد يعارض ما تأتي به النبوة فليس هذا ضروريا، لأن جميع الأمور التي نزلت بها الرسالات السماوية يقرها العقل الذي يعتمد على تفكير علمي منظم، هذا بالاضافة الى ان لكل من العقل والوحي ميدانه الخاص في كثير من المسائل، واذا امكن لنا ان نتوصل بالمنطق التجريبي والرياضي الى حقائق علوم الكون والحياة فإننا لا نستطيع بغير الوحي ان نتوصل الى حقائق ما وراء المادة.
والصلة بين الله والرسل تتم بوسائل متعددة لن نبحث في تفصيلها وانما سنلقي نظرة سريعة على أهم هذه الوسائل لنأخذ فكرة عنها.
إن الوحي غالبا ما ييدأ بالرؤى الصادقة، وفي قصص الأنبياء كثير من حوادث هذه الرؤى. وقد قص علينا القرآن كيف انها طريقة من طرق الوحي عند ما حدثنا عن ابراهيم واسماعيل ﵉، وكيف أمر ابراهيم بذبح ابنه «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ» «١» .
وقد تكون وسيلة الاتصال الالهام في حالة اليقظة كما حدث للرسول محمد ﵊ اذ أتاه هذا الالهام وهو جالس بين المسلمين وعبر عنه بقوله «هذا رسول رب العالمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها..» .
وقد يكون الاتصال بأن يكلم الله الرسول مباشرة كما حصل لموسى ﵇ مما قص علينا القرآن قصته «فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ ...» «٢» .
والطريقة المعتادة في حصول الاتصال بين الله والرسل هي الوحي بواسطة جبريل ﵇ «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» «٣»، وكان جبريل أحيانا ينزل مجسدا ويراه المسلمون كما حصل
_________
(١) الصافات ١٠٢
(٢) القصص من ٣٠- ٣١
(٣) الشعراء من ١٩٣- ١٩٥
في حديث أركان الايمان والإحسان وأشراط الساعة الذي روي عن عمر ابن الخطاب ﵁.
ومن الطبيعي حين يدعي انسان ما انه يتصل بالله ويحمل منه الى الناس رسالة ترتب عليهم تكاليف وواجبات ان يطالبه الناس بالدليل على صدقه، ولم ير القرآن في هذا ما يخرج على المعقول والمنطق حتى انه قصّ علينا ان ذلك حصل من بعض الانبياء «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» «١» .
ومن هنا ظهرت الحاجة الى وجود ما يثبت النبوة، وتعد المعجزات من أهم الوسائل التي أنزلها الله على رسله ليقتنع الناس انهم لا يمثلون أنفسهم وإنما يمثلون الله تعالى، ولا شك ان الايمان بالرسل مرتبط ارتباطا وثيقا بالايمان بالله وبالغيب الذي يعتبر من اهم صفات المسلم التقي «الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» «٢» .
والقرآن يتحدث عن مجموعة من المعجزات المادية منها والمعنوية. والمعجزة في حقيقتها هي الحادث الخارق للعادة والقوانين التي يلاحظها الناس وتسير عليها حوادث الكون يجريه الله تأييدا للأنبياء. وقد حاول البعض ان يعطي المعجزة صورة الأمر العادي الذي يحصل في الطبيعة بطريق الصدقة أو العلم، ولكن المعجزة في الواقع تفقد معناها وكونها دلالة على صدق النبي اذا فقدت الصفة الخارقة.
فاذا قال مدعي النبوة إن دلالة صدقي أن تطلع الشمس من المغرب وهي تطلع عادة من المشرق كان ذلك دلالة وتأييدا له، أما اذا أخبر قومه ان الشمس تطلع من المشرق فليس في طلوعها ما يثبت أي إعجاز.
_________
(١) سورة البقرة ٢٦٠
(٢) سورة البقرة ١ و٢
ومن المعجزات المادية: ناقة صالح، وقد قص القرآن خبرها بقوله:
«قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ» «١» . ومنها معجزة عصا موسى التي حدثنا القرآن خبرها بقوله: «قال لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين، قال او لو جئتك بشيء مبين، قال: فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين» . ومنها معجزات عيسى ﵇، التي عناها القرآن بقوله: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .
والملاحظ ان معظم الأمم التي أتتها المعجزات اصرت على كفرها وإلحادها ولم تؤمن، وقد بين القرآن ان الهداية بيد الله، وأنه مهما تكن قيمة المعجزة فان نفوسا كثيرة لن ترتدع أو مؤمن «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ «٢»» .
هل هناك أبلغ من هذه المعجزة؟ إن البعض سيقول انه السحر او خداع البصر، لذلك فإنه تعالى يخبر الرسول بهذا المعنى بقوله: «وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا «٣»» .
_________
(١) الشعراء ١٥٣- ١٥٦
(٢) الحجر ١٤
(٣) الاسراء ٥٩
أما المعجزات المعنوية والعقلية فأهمها: القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﵊. ونستطيع ان نلاحظ بهذه المناسبة ان هذه المعجزة ترتبط ارتباطا وثيقا بالرسالة. والمعجزات إما ذاتية تتعلق بنقل ماهية الرسالة او انها خارجة عن جوهرها، ومعجزة القرآن من النوع الاول لأنها عقلية تخاطب الفكر البشري وتعتمد على الاقناع العقلي اكثر مما تعتمد على القناعة الحسية التي هي اساس المعجزات المادية. ولا شك ان البشرية- حتى بعثة الرسول- كانت قطعت شوطا كبيرا من الرقي العقلي، فأمكن ان تخاطب عقولهم مباشرة، وخطاب العقل أكثر شمولا ودواما واستقرارا، لذلك كان القرآن الكريم معجزة الرسول حتى أبد الدهر.
اختلف العلماء والباحثون في حقيقة الاعجاز في القرآن، ويمكن ان نحدد آراء هؤلاء العلماء في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
١- اتجاه يرى ان المعجز في القرآن هو صياغته اللفظية الخارقة للعادة وبلاغته الواضحة التي اعجزت العرب ان يأتوا بمثله.
٢- واتجاه يرى الاعجاز فيما ورد في القرآن من الإعلام عن الغيوب وعن حوادث الامم السابقة وتاريخها وعقائدها، فقد أشار القرآن الى حوادث ستقع في المستقبل ثم وقعت كما حدّث، مثال ذلك قوله تعالى: «ألم، غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين» .
فقد حصل ان الفرس غلبت الروم، فأخبر القرآن عن هذه الواقعة، وأنبأ ان الروم سينتصفون من خصومهم في بضع سنين، وتم ذلك فعلا؛ وبما ان الانسان لا يقدر على علم الغيب فان القرآن منزل من قبل الله وفيه من الاعجاز ما فيه. ثم إن القرآن تحدث عن تاريخ الأمم السابقة وأديانها
حديث العليم بكل صغيرة وكبيرة من احداثها وشؤونها، ولما كان الرسول ﵇ أميا لم يطلع على كتب الأقدمين- التي لا تشير هي ايضا بدقة الى تلك الامور- فلا بد انه تعالى هو الذي اخبر نبيه بهذه الاشياء.
٣- وأخيرا فقد اتجه كثير من العلماء الى ان الاعجاز في القرآن هو فيما ورد فيه من انظمة انسانية بالغة الرقي لم يشهد الخلق لها مثيلا في ضمان مصلحة بني الانسان وتأمين حياته الخيرة، فقد ورد في القرآن انظمة لحياة الانسان في شتى الوان النشاط البشري السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاخلاقي والروحي، ولما كانت هذه الانظمة يستحيل ان يقدر عليها اي انسان فلا بد ان يكون القرآن منزلا من الله مثبتا لرسالة الرسول.
والواقع إن الاعجاز القرآني يشمل هذه النواحي جميعا: فهو فى اللفظ العجيب والتركيب البلاغي البديع، وهو في اخباره عن الغيوب وانباء الامم السابقة، وهو في انظمته الرائعة السامية؛ ولا نستطيع ان نقول بحصر الاعجاز في جانب واحد، لأن القرآن معجزة الرسول الى الناس جميعا في مختلف ازمانهم وامكنتهم، لذا كان لا بد ان يحوي هذه الوجوه المتعددة، فاذا آمن العربي به لإعجازه البلاغي فقد يؤمن به الرومي لإخباره عن الامم السابقة كما قد يؤمن به الفارسي للأنظمة التي فيه، فالقرآن معجز كله، لفظا ومعنى ونظاما.
وبعد فإن الكتاب الذي بين ايدينا يبحث في النبوة وإثباتها، وقد عرض له القاضي «١» في أكثر من موضع من كتبه، إلا انه تكلم عنه بالتفصيل في كتابين:
_________
(١) ضربنا صفحا عن التعريف بحياة القاضي وثقافته ومؤلفاته لأننا عرضنا لذلك في مقدمتنا لكتابه «شرح الاصول الخمسة» وسيصدر لنا قريبا كتاب خاص عن القاضي عبد الجبار، بالاضافة الى رسالة الدكتوراه التي كانت بعنوان «القاضي عبد الجبار وآراؤه الكلامية» .
١- الجزء الخامس عشر من موسوعته الكبيرة «المفني في اصول الدين» وقد أسماه «النبوات» .
٢- الكتاب الذي بين ايدينا «تثبيت دلائل نبوة لسيدنا محمد» .
أما في الكتاب الاول فإنه يعنى بالحديث عن اساس نظرية النبوة وفكرة المعجزة بصورة عامة، ثم يفصل الحديث عن عدد من المعجزات الحسية ويبين اختلافها عن السحر والشعوذة والصدفة وخفة اليد.
لكنه في كتابنا هذا يتحدث عن اثبات نبوة محمد ﷺ بصورة خاصة، ويلح على جانب الإخبار عن الغيوب سواء جاء في القرآن الكريم او في احاديث الرسول، فيتتبع هذه الاخبار مبينا الى اي حد يصدقها الواقع والتاريخ.
إن القاضي يؤمن بالمعجزات الحسية التي وردت في القرآن والسنة الصحيحة يستنكر موقف البعض كالنظّام من إنكارها، ويرى الإعلام عن الغيوب من اهم دلائل النبوة، كما ان القرآن في رأيه حجة من نواح ثلاثة: فهو حجة «من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول» «١» .
وحين تفصيل كلامه عن دلائل النبوة لا يلتزم القاضي البقاء في نطاق الحوادت او الدلائل بل يعرج- كعادة القدماء- على كل ما يجد الحديث عنه ضروريا بالمناسبة.
_________
(١) التثبيت ٤٠
لذا فاننا نستطيع من خلال هذا الكتاب ان نتعرف على موقف القاضي من الاديان المختلفة: السماوية منها وغير السماوي، وموقفه من الفلسفة اليونانية، ومن اخذ بها ممن يسمون بفلاسفة الاسلام، واخيرا موقفه من الاتجاهات العقائدية الاسلامية المختلفة وخاصة الاتجاه الباطني. وللقاضي مع هذه الاتجاهات جولات ومناقشات طويلة متشعبة.
حمل القاضي عبد الجبار على الفلسفة اليونانية عموما وبين ان كتبهم التي وصلت الينا فيها الشيء الكثير من النقص والتحوير والتعديل اجراه أصحاب الاغراض والاتجاهات العقائدية المختلفة لتأييد عقائدهم وآرائهم، وأفرد ارسطو بحملة عنيفة وخاصة في كتابه «الآثار العلوية» وانتقد نظريته في الكون والكواكب وما يراه من انها غير قابلة للقسمة او الزيادة او النقصان وانها حية عالمة سميعة بصيرة تخلق وترزق وتحيي وتميت «١» .
ومن الغريب انه ينتقد نظرية الرازي في اللذة والألم، وقوله ان الله لا يستطيع ان يخلق الانسان إلا بالطريق الطبيعي، ويتهمه بالإلحاد، ولكنه يتجاوز عن رأيه في النبوة مع انه يخالف الاتجاه الاسلامي العام فيه «٢» .
أما الكندي فانه- برأي القاضي- احد الملاحدة الذين تظاهروا بالاسلام لكنهم ما فتئوا يكيدون له ويمكرون به، وقد عرض لرأيه في المد والجزر وأن القمر سبب لحصولهما فشدد النكير عليه.
ويظهر انه ينتقد فكرة القانون بصورة عامة لما كان يظنه من انها تحد من
_________
(١) التثبيت ١٩٦
(٢) التثبيت ٢٩٣ ظ، ٢٩٤
قدرة الخلق المطلق من قبل الله وكونه خالق للاشياء جميعا على الاستمرار وأنه يخلقها من لا شيء «١» . ويبدو هذا واضحا من بيانه لفعل الاحراق بالنار «٢»، وحقيقة الشفاء بالدواء، وقد نبه الاطباء بهذه المناسبة الى ان مهمتهم يجب ان تنحصر في معرفة العادات والتجارب فلا تتعدى ذلك الى الاهتمام بمعرفة اصول الأشياء «٣» .
أما موقف القاضي من اصحاب النجوم وسائر من يدعي معرفة الغيب والمستقبل فقد كان شديد العنف عليهم، ولفت النظر الى حقيقة بديهية ولكنها لبداهتها قد تغيب على المرء، وهي ان المنجم «يكذب في ألف شيء ويخطىء في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ذلك غير منكر منه، فاذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من مثله ولأنه اتى من غير معدنه «٤» .
ولا ينسى القاضي ان ينكر على رجال الباطنية موقفهم في التفرقة بين الصحابة وقولهم انهم ظلموا عليا ﵁، وبيّن بهذه المناسبة الصلة الوثيقة التي كانت تقوم بين الصحابة «٥» . كما اتهم الباطنية بأنها كانت مستغلة من الملحدين والذين لم تطمئن قلوبهم بالايمان، اذ تستر هؤلاء بالباطنية وتظاهروا بالتشيع لعليّ لخدمة اغراضهم في تحطيم الاسلام عن طريق تفريق المسلمين وإظهار الصحابة بمظهر المعتدين الخارجين على حدود الاسلام، وعدد القاضي منهم
_________
(١) التثبيت ٢٩٧ ظ، ٢٩٨
و(٢) التثبيت ٣٠٢
و(٣) التثبيت ٢٩٩ ظ
(٤) التثبيت ١٨٨
(٥) التثبيت ١١٦
عددا من الفلاسفة والكتّاب، كالحداد والوراق والحصري وابن الراوندي وجابر وابن العميد.
ولم ينس القاضي ان يعرج على الديانات سواء منها غير السماوي كالديانات الفارسية والهندية القديمة «١»، او السماوي في اصوله كالنصرانية، وخص هذه الاخيرة بتفصيل طويل طريف ونظر اليها على انها امتداد للحضارة الرومانية والفلسفة اليونانية، فالروم- في رأي القاضي- لم ينتصروا ولكن النصرانية تروّمت فأخذت أخلاق الرومان وتقاليدهم وآراء الفلسفة اليونانية وعقائدها بما فيها عقيدة التثليث، «وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه في أن العقل والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون هرمس المثلث «٢»» .
ولأهمية كتاب القاضي وطرافة الموضوعات التي تطرق لها، والأسلوب الذي تناولها فيه، كان موضع ثناء العلماء والكتاب متقدميهم ومحدثيهم، وقد اثنى عليه ابن العماد وابن شهبه وابن تيمة، وكتب عنه الشيخ الكوثري في مقدمة «تبيين كذب المفتري»: «ولم نر ما يقارب كتاب تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المتشككين «٣»» .
والحق اننا نستطيع ان نعد هذا الكتاب الاول من نوعه في موضوعه، ولا نعلم بين ما وقع في ايدينا ما يفوقه او يصل الى مرتبته.
_________
(١) التثبيت ٨٧، ٨٠، ٨٨
(٢) التثبيت ٨٠
و(٣) مقدمة كذب المفتري ص ٢٨
ورد هذا الكتاب لدى المؤلفين بأسماء متعددة، فابن الملقن في طبقات الشافعية وابن العماد في شذرات الذهب وابن حجر في اللسان يذكرونه باسم «دلائل النبوة» . أما ابن شهبة في طبقاته فقد ذكر انه «تثبيت دلائل النبوة»، أما العنوان الذي كتب على الورقة الأولى من المخطوط الذين بين أيدينا فقد كان «تثبيت دلائل نبوة سيدنا محمد» .
ومن الثابت لدينا ان «التثبيت» كتب بعد «المغني»، يدل على ذلك ما ذكره القاضي نفسه في اكثر من موضع من الكتاب من انه كتبه سنة ٣٨٥ هـ «١» ومن المعلوم لدينا انه انتهى من كتابة المغني سنة ٣٨٠ هـ.
أما المخطوطة التي اعتمدنا عليها في النشر فهي مخطوطة شهيد علي باستانبول وهي النسخة الوحيدة في العالم المعروفة حتى الآن.
وقد جهدنا- قدر استطاعتنا- ان نقدم النص الصحيح لهذا الكتاب القيم، عازفين عن التعليق إلا في الحالات التي لا بد فيها منه كالتعريف بعلم من الأعلام او فكرة من الأفكار، تاركين للقارىء الكريم ان يتتبع فكر القاضي كما أراد ان يعرضه وبحرية كاملة. وحرصنا أن نثبت في هامش الكتاب ارقام اوراق المخطوط ليسهل للباحث الرجوع اليه.
واذا كان لنا ما نرجوه فهو ان نكون قد اسهمنا- بنشرنا لهذا الكتاب- بإضافة لبنة جديدة الى صرح الثقافة الاسلامية، غير طامعين إلا بثواب الله ورضاه.
عبد الكريم عثمان بيروت- ٣٠ جمادى الاولى ١٣٨٦ هـ ١٥ ايلول ١٩٦٦ م
_________
(١) انظر التثبيت ١٩ ظ، ٨٠ و
الجزء الاوّل
Translation
المقدمة
#2 Chapter 2 — الجزء الاول · ref. #2
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
الجزء الاول
Translation
الجزء الاول
#3 Chapter 3 — باب البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف · ref. #3
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله، الحمد لله الذي منّ على عباده بإرسال رسله، وختمهم بسيدهم محمد صلى الله وعليهم اجمعين، فأرسله بالهدى ودين الحق، «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١»» .
هذا كتاب «تثبيت دلائل نبوة نبينا محمد» رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، والادلة على معجزاته وظهور آياته، والرد على من انكر ذلك.

باب [البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف]
فنبدأ من ذلك بما في القرآن، وبما يجرى مجراه مما يعلمه من سمع اخباره، كالعلم بالقرآن، فقد علم كلّ من اخباره ﷺ انه ظهر بمكة، فأكفر اليهود وبرىء منهم، والنصارى والروم وبرىء منهم، والفرس والمجوس وبرىء منهم، والهند وبرىء منهم، وقومه من قريش والعرب وبرىء منهم، وعاب آلهتهم، وأكفر اسلافهم، وضلل اديانهم، وفرق
_________
(١) التوبة ٣٣
آلافهم، وقال لهم: الله ارسلني واصطفاني من العالمين، وجعلني حجة على كل من بلغته دعوتي من الاولين والآخرين، وجعلني خاتم النبيين وآخر المرسلين، وإن ديني يظهر على الاديان كلها، وان كلمتي وكلمة اتباعي تعلو، وإنهم هم الغالبون القاهرون المالكون.
وهو اذ ذاك فقير وحيد، اجير معيل، قد اغضبهم وغاظهم بهذه/ الدعوة، وألبسهم الذل مع وحدته، وبالغ في إسخاطهم، فنهوه وزجروه، بعد ان عاتبوه وعذلوه؛ ثم توعدوه بالاستئصال والبوار، بعد ان رغبوه. فغلبهم على امره، وقال: إني قد قلت لربي حين ارسلني: إني ان قلت هذا لقريش رضخوا رأسي، فقال لي: قل، وبلغهم، فسيغضبهم ذلك، وسيبعثون مكروههم عليك، وسيتحزبون ويجلبون «١» في عداوتك، ويجمعون العساكر لحربك، فأعصمك منهم، وأبعث جنودا لك منهم ومن غيرهم، فتكون العقبى لك، فقال هذا وما هو اشد منه.
يعلم ذلك كل من سمع اخباره ممن صدقه او كذّبه، وهو لا يعتصم بمخلوق، ولا يصوب ملكا من ملوك عصره، ولا يلوذ بأحد من البشر.
بل قد رماهم كلهم عن قوس واحدة بالعداوة، وأسخطهم اجمعين، وبعثهم بهذا الصنيع على عداوته. ثم ما رضي ان يجعل ذلك قولا ثم صفحا، بل خلده ودوّنه، وجعله كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، يسمعه عدوه وقال: ربي قال لي، وربي وربكم اوحى به اليّ، فقال: «وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ «٢»» وقال: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ
_________
(١) جلب، توعد بالشر
(٢) الاسراء ٦٠
Translation
باب البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف
#4 Chapter 4 — باب آخر سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه · ref. #4
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١»» .
فانهم «٢» زادوا غيظا عليه، وصاروا هم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يدا واحدة في عداوته، وطلب نفسه، والحرص على قتله، وهم اشد الناس حقدا وأنفة وجبرية «٣» وطلبا بطائله، لا يقارّون من عاب/ خيولهم وجمالهم فكيف بمن عاب آلهتهم وآباءهم وعقولهم وضلل اديانهم، فعصمه الله منهم وهو رجل فريد بينهم، وهو في مثوبة الموت، وخندق الخوف، وذل اليتم، ووحشة الوحدة، لا يعتصم منهم بمخلوق، فصرفهم الله عنه وهذه حاله، فلو لم يكن من آياته ودلائل نبوته الا هذا لكفى وأغنى وزاد على الكفاية، لأنه إخبار بغيوب كثيرة، لأنه قال لجميع قريش ولجميع العرب ولجميع اليهود ولجميع النصارى ولكل واحد منهم: لا تقتلونني، مع ما قد جاءهم به مما قد غاظهم وأغضبهم، وهو في هذا القول كالباعث لهم على نفسه، وكالحامل لهم على مكروهه وهو يذكرهم بذلك، فسلم منهم مع هذه الأحوال، فهذا باب كاف شاف.

باب آخر [سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه]
وهذا مقام لا يقومه عاقل إلا ان يكون على غاية الثقة بالله ﷿ والسكون الى وعد الله لأنه لو لم يكن كذلك لم تلبث ان تغضب أمم
_________
(١) المائدة ٦٧
(٢) في الاصل، فإن
(٣) الجبرية والجبرية: التكبر، انظر القاموس، مادة: جبر
Translation
باب آخر سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه
#5 Chapter 5 — وباب آخر وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة · ref. #5
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
العرب والعجم لأديانهم، ويأنفوا لأنفسهم وآلهتهم، فيستأصلونه ويصطلمونه «١» ويقتلونه ويمحون أثره. فلما سلم مع الحرص على قتله، وآلت الامور الى ما قال، علمت وتيقنت أنه من قبل الله، لأن مثله في هذا مثل من قال اني أخوض هذه النار المضرمة فلا تحرقني، او كمن قال: أتردّى من شاهق على/ الأسنّة وانا عريان فلا تنفذ فيّ، او كمن قال: أدخل من هذه السباع الضارية الجائعة التي قد أغضبتها وقتلت اولادها وهي حريصة على افتراسي ومحتاجة الى قتلي والراحة مني فأسلم منها ولا تقتلني، فهذا باب شاف.

وباب آخر [وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة]
وهو ما كان وعد وقال وهو في وحدته، إني سأصير في جماعات وعساكر فكان كما قال وأخبر، لأنه حين دعاهم أنكروا قوله وأكفروه وتلقوه بالردّ والتكذيب، ثم ما زال والنفر بعد النفر يجيبونه، حتى صار في عساكر، فاعتقدوا بصدقه ونبوته، وصاررا له جندا مطيعين، وحزبا متفقين، ينفقون أموالهم ويسفكون دماءهم في طاعته، ويفرّون من آبائهم ويقتلون أبناءهم ويفارقون أوطانهم لأجله وامتثالا لأوامره، وأزكى الأعمال عندهم ما أرضاه بلا دنيا بسطها فيهم، ولا اموال دفعها اليهم، ولا لرئاسة كانت له عليهم، بل كان يتيما فقيرا وحيدا معيلا محتاجا.
ثم جاءهم مجيئا ما جاء نبي قبله في مثل حاله، فان موسى ﷺ أتى قومه من بني إسرائيل، وهم أولاد الأنبياء، قد اعتقدوا الربوبية وعرفوا
_________
(١) اصطلم الشيء: استأصله. انظر القاموس، مادة: صلم
الطريق اليها واعتقدوا النبوة وعرفوا الأنبياء قبل موسى، كادم ونوح، ثم الى ابراهيم واسحق ويعقوب والأسباط، وألفوا عبادة/ الله، واعتقدوا المعاد وعرفوه. ثم جاءهم في ذل وأسر وقهر في أيدي الجبابرة من القبط والفراعنة، يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، ويمنعونهم الصنائع الشريفة والاحتراف، ويقصرونهم على ضرب اللبن وقطع الأحطاب والاعمال الشاقة المؤلمة، فجاءهم موسى بما يعتقدون من الربوبية والنبوة، ثم أخرجهم من الذلّ الى العزّ، ومن الشقاء الى الرفاهية والدعة، ومن الفقر الى الغنى.
ثم جاءهم من بعد موسى من الأنبياء بما جاءهم به موسى، الى أن انتهت النبوة الى المسيح عيسى بن مريم ﷺ، فأتى بني اسرائيل بسنن موسى، وشرائع التوراة.
فقدم هو والأنبياء قبله على أمر ممهد مألوف معروف، وعلى قوم قد ألفوا وعرفوا، وجاء محمد ﷺ قوما لا يعرفون الربوبية، ويعبدون الأصنام، وينكرون البعث والمعاد أشد الإنكار، لا يعرفون نبوة ولا طهارة ولا صلاة ولا صياما ولا زكاة، أشد الناس نخوة وجبرية وأنفة، قاة جفاة، معاشهم من شن الغارات، يسفكون دماءهم ويئدون ذريتهم فرارا من العار.
ودعاهم ﷺ الى الربوبية، والى الاقرار بالنبوة والبعث والقيامة، وأخذهم بالصدق والوفاء وأداء الأمانة والخضوع للحق، وبالطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والزكاة، وصلات الأرحام، وقطع السارق، وجلد/ القاذف والزاني وشارب الخمر، ومساواة الموالي والفقراء والأعاجم والضعفاء في الدماء، وأخذهم بالبراءة من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ومن
آبائهم ومن أديانهم، وبالإقرار بضلالهم، والتدين بالبراءة منهم، وببذل دمائهم وأموالهم في طاعته، وبمجاهدة الأمم ومعاداة الجبابرة والملوك في طاعته «١»، فأخذهم بكل شدة، وأخرجهم من الراحة الى الكدّ ومن المسالمة الى العداوة، وألزمهم ما لم يكونوا ألفوا ولا عاهدوا، وألزمهم الكلف والمؤن، فأجابوه بهذه الشرائط، فكان مجيئه على الوجوه التي قدمنا ذكرها من آياته ودلائل نبوته صلى الله عليه، ولم نجعل طاعة اصحابه له وتصديق القوم له ومصيره في عساكر وجماعات من دلائل نبوتة إلا لأنه اخبر قبل ذلك ان هذا سيكون فكان كما اخبر وكما قال على تلك الوجوه التي شرحناها وبيّناها. لأنه دعاهم الى امور وشرائط ظاهر التدبير وموجب الرأي واقتضاء الحزم ألا يجيبوه ولا يتبعوه إلا ان يكون من قبل الله، وواثقا بوعد الله، فان سبيله في ذلك سبيل من قال: هذه النملة الضعيفة تهزم هذه العساكر المعدة، او هذه الزجاجة الرقيقة ترض هذه الجبال الصلبة الشديدة، لأنه قد كان في الضعف
_________
(١) كانت الصبغة الغالبة على أديان العرب في الجاهلية هي الصبغة الوثنية، أي عبادة الاوثان، الا ان هذا لم يمنع وجود عدد من الاديان الاخرى. فقد كان بين العرب صابئة يعظمون الكواكب والنجوم ويعبدونها، ودان بعضهم وخاصة في البحرين بالمجوسية الثنوية، كما وجدت مراكز صغيرة لليهودية والنصرانية. ووجد بعض الافراد ممن اعتقد بتوحيد الله، ومعظم هؤلاء كان متأثرا بالاديان السماوية السابقة، ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث بن اسد. وليس غرضنا هنا تفصيل أديان العرب في الجاهلية، فان ذلك يعرف في مواضع من كتب العقائد والديانات وخاصة كتاب الآراء والديانات للنوبختي، والملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لابن حزم. الا اننا نحب ان نشير الى ان القاضي عبد الجبار تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الرابع من موسوعته الكبيرة المغنى.
والوحدة على ما قد علمه الناس، ثم دعاهم الى ما يكرهون، وأخذهم بكل شدة، وفرض عليهم الامور الغليظة الصعبة على ما تقدم من شرح ذلك، فعلمت وتيقنت/ أنه نور الله ومن قبل الله.
فإن قيل: أو ليس قد اباحهم الغنائم، فما تنكرون ان تكون اجابتهم له لهذه العلة؟ قيل له: هذا لا يسأل عنه من يعقل ولا من يفكر لأن القوم قد اعتقدوا صدقه ونبوته فكانت إجابتهم له لهذا وعلى هذا القربى الى الله عن رضى بذلك، فمن ادعى غير هذا فقد أنكر المعلوم، او يكون لم يسمع الاخبار. فهم إنما أجابوه على ان ينفقوا أموالهم ويسفكوا دماءهم ويقتلوا آباءهم وأبناءهم في طاعته ولأجله، فكيف يسوغ لعاقل فكّر وتدبّر ان يقول إنما اجابوه طلبا للدنيا ورغبة في الراحة والدعة والأمر بالضد من ذلك. وبعد فان لم يكن تبعوه «١» إلا للغارة وللغنائم لكانوا يقولون له: حاجتنا اليك في الغارة والغنائم ونحن أعلم بها منك، وهي صناعتنا نحن وعادتنا، وما الذي يدعونا الى اتباعك وما معك وما تبعك إلا ان تبعثنا على الغارة والغنائم؟ أمن أجل سعة أموالك وكثرة كنوزك ومروج خيولك واصطبلات دولك؟ أم لخزائن سلاحك. ومن أخذنا بأن نكفر آباءنا ونشهد بضلالهم ونسخف أجلاءهم، ونسوء اختيارهم، ونعادي الأمم وجبابرة الملوك، ونسفك دماءنا في طاعتك، ونقتل كل من عاداك وخالفك وإن كانوا آباءنا وأبناءنا أو إخواننا، ونفارق اوطاننا وأزواجنا، ونهجر اللذات من شرب الخمور ولبس الحرير وشفاء الغيظ بقتل/ من سبّنا أو عاب آباءنا كعاداتنا في ذلك، ثم لا نحصل إلا على شيء اذا غنمناه بقوتنا وغلبنا عليه بأسيافنا بعد المخاطرة بدمائنا
_________
(١) في الأصل، تبعه
أن نسلمه إليك فتعطينا بعضه، هذا لا يختاره بله النساء فكيف بالمهاجرين والانصار الذين أجابوه فصار بهم في عز ومنعة، وصبروا على تلك الشرائط التي شرطها.
وبعد فإن لم يكن نبيّا فهم لا يدرون هل يصل الى غنيمة؟ ولعله لا يتم له شيء مما يعدّ، فما كانوا ليتبعوه لما يظنه الخصم، ولولا أن هذا قد كان في أهل الذمة وطبقات الزنادقة، وتعدوا الى قوم زعموا أنهم من المسلمين لما ذكرناه، ولكنه شيء يستزلون به المسلمين الذين لا ينظرون فيما هذا سبيله، ويغترون بالظاهر.
هؤلاء الذين ادعوا أنهم من المسلمين، وأنهم من خاصة الخاصة «١»، وممن قد عرف ما لا يعرفه غيره، وأن للأمور غوامض وبواطن قد عرفها، فيعتقد من يسمعه في المهاجرين والأنصار الغافلة والبله وقلة العقل، ومن تدبّر، يعلم أنهم أوفر عالم الله عقولا، وأحسنهم تحصيلا، وأسرعهم استدراكا لخفيات الامور وغوامضها، لا فرق بين من رمى المهاجرين والأنصار بذلك، وبين من رمى رسول الله ﷺ بذلك. فإن آثار عقول المهاجرين والانصار معروفة في أفعالهم، وتدبيرهم الدنيا، وسياسة أهلها، وترتيب خواصهم وعوامهم، وأخذها من أيدي دهاة الملوك وعقلاء الناس، وتفصيل ذلك يطول.
فإن قيل: ومن سلم لكم عقل صاحبكم حتى تقولوا إن من دفعنا عن عقول المهاجرين والانصار كمن دفعنا عن عقل رسول الله ﷺ؟
_________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية، فقد وقعوا بأكثر الصحابة وهاجموهم، فادعوا أن اسلامهم انما كان لمال او جاه، ولم يستخلصوا من الصحابة الا عددا محدودا.
قيل له: إن أعداءه لا يدفعونه عن ذلك، فإنهم قالوا: ما جمع المهاجرين والانصار وهو فقير وحيد أجير معيل وقد دعاهم الى ما قدمنا وعلى الشرائط التي ذكرنا إلا بعقل وافر، وحلم واسع، وبلطف في التدبير، وحسن تأتّ وعلم بالعواقب، وسعة في الفطن، وهذا قول عدوّه فيه.
فأما وليّه فيقول: هذا لا يبلغه عاقل بعقله، ولو كان أتم الناس عقلا، وأوسعهم علما وحلما، وأكثرهم مالا، ولا يكون هذا على تلك الشرائط إلا بتدبير الله ﷿، الذي يملك العقول، ويقلّب القلوب، وبوحي منه ﷿.
فإن زعم الأعداء أن الذي تم له كان مع قلة العقل وبالعجز فيه والخبط فقد خرجوا من كل معقول، وتبرؤوا من كل تمييز ومحصول، وجعلوا أنفسهم ضحكة وأحلوا بها المكاره، وأعطوا خصمهم اكثر مما طلب، وشهدوا بأن الله قد نقض له العادات اكثر مما نقضها لأحد من الناس كلهم ممن ادعى النبوة والحكمة وغيرهم لأنهم زعموا أنه تم له ما تم بتلك الشرائط وعلى تلك بعقل ضعيف وخلق سخيف وبالذهاب عن الحزم والحلم ومع طول الغافلة، فاذا تبيّن عقله لمن تفكر من/ عدوّه، علم أن عقول المهاجرين والانصار مثل عقله أو قريب منه، وكذا عقول قريش ثم العرب؛ فإن العقلاء والحكماء يقولون: الأمم العاقلة هم:
العرب والفرس والهند والروم، ثم قالوا: أعقل الاربع العرب والفرس، ثم اختلفوا أيهما أعقل وأحكم وأفطن، الفرس أم العرب؟ وخاضوا في ذلك، وذكروا ما لكل أمة من وصية وحكمة، وتدبير وسياسة، وهذا ما لا يدفعه العاقل المتفكر المتدبر.
فإذا كان عقل رسول الله ﷺ قد عرفه عدوه ووليّه، فمن هذا عقله
لا يأتي تلك الامم ويستقبلها بتلك المكاره التي فصلنا وحاله في الوحدة ما ذكرنا ثم يقول: لا تقتلونني مع حرصهم على قتله، ويقول:
ستصيرون أنصاري مع شدة ما دعوتكم إليه وهو غير واثق بما قال، ولا ساكن الى ما أخبر، ثم لا يرضى او يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، ويجعله في يد عدوه فيقول: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «١» .
يريد بالآفاق: ظهور الاسلام عليها، وبلوغ دعوته إليها، لأنه قد كان وعد بذلك وهو بمكة، وحين ادّعى النبوة، فكانوا يقولون: أيطمع محمد أن يظهر على الآفاق؟ لا، ولا على مكة، ولا على دار من دور مكة؛ «وفي أنفسهم» يريد: في اسلام من يسلم منهم بعد الردّ والتكذيب/ ومن يقيم على تكذيبه ويموت على شركه على ما لعلّه ان يرد تفصيله عليك.
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ» «٢» لأنه ﷺ كان اذا ذكر ظهور دينه، وغلبة اصحابه، وقتلهم لأعدائه، استبعدوا هذا بل أحالوه، وقطعوا الشهادة بأن هذا لا يكون أبدا، فيقول في جواب ذلك: «خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون» .
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» «٣» يعني هؤلاء: مثل أبي جهل، وأبي لهب،
_________
(١) فصلت ٥٣
(٢) الأنبياء ٣٧
(٣) الانعام ٨٩
وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشباههم وأمثالهم من اعداء رسول الله ﷺ. فعزّى الله نبيه، وبشّره بقوم يطيعونه ويتبعونه، فيسّر له المهاجرين والأنصار كما وعده.
وقد أذكره بإنجاز هذا الوعد ووقوع الوفاء به، فقال ﷿:
«وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» لأن اجتماع المهاجرين والأنصار له، واعتقادهم نبوته، وإخلاصهم في طاعته على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، وعلى الوجوه التي/ قرر دعوته عليها لا يكون ولا يتم باتفاق جميع ما في الارض، ولا يكون ذلك إلا بتدبير الله وصنعه، وهو من آياته التي نقض العادات بها.
ومثله قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢»» وهم قد كانوا عقلاء قد عرفوا هذا «٣»، ولا يجوز في العقل ان يقول رئيس قوم لأتباعه: قد كنتم اعداء يعادي بعضكم بعضا ثم صرتم اخوانا يخلص بعضكم لبعض المودة وبي هداكم الله وجمعكم
_________
(١) الانفال ٦٢ و٦٣.
(٢) آل عمران ١٠٣ و١٠٤.
(٣) يشير القاضي الى الدعوة العباسية التي حمل العبء الأكبر في تأسيسها ابراهيم بن محمد ابن علي بن عبيد الله بن العباس، وقد بويع بعده لأخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وذلك في سنة ١٣٢ هـ.
وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذبهم؛ هذا في رئيس لا يدعي النبوة فكيف بمن يدعي الصدق والنبوة؟ وهذا قول قد سمعه عدو النبي ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب، وأخرسهم صدقه، وبهر عقولهم تمامه والوفاء به، لأنهم اجتمعوا له بتلك الشرائط التي قد تقدمت، وهو بخلاف اجتماع الاتباع لخطّاب الملك وطلاب الدنيا.
فان قيل: أفليس عليّ بن عبد الله ابن العباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، وابنه محمد وبنو محمد، كإبراهيم الامام وإخوته، كأبي العباس، وأبي جعفر، وغيرهما، قد كانوا مقهورين ومغلوبين ببني امية، فدعوا الى انفسهم بخراسان فأجيبوا، وصاروا في عساكر وجماعات، فغلبوا بني امية على الملك، وقتلوهم وأخذوا كل ما في ايديهم الا بلاد الاندلس من ارض المغرب، فلم لا يكون سبيل نبيكم وغلبته هذه السبيل؟ وإلا فقد لزمكم ان تقولوا بنبوة بني العباس كما قلتم بنبوة صاحبكم.
قيل له: قد فرغنا من هذا مرة وتبيّنا الجواب فيه، وهو أنا لم نقل بنبوة محمد ﷺ لأنه صارت له رئاسة وصار متبوعا وصارت له عساكر، ولكن لأنه أخبر بالأمور قبل كونها على غير مجرى العادة، بل على ما هو نقض للعادات، لأنه أتى الناس وهو وحيد فقير أجير، فأغضبهم وغاظهم وجادلهم وعادوه، وأخبر أنهم سيغلبون، وأنه يغلبهم ويقهرهم، وقالوا: بل نحن نغلبك وندبرك، وكان موجب التدبير ومقتضى الحزم أن تكون الغلبة لهم لا له، إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله، لأنهم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يد واحدة في عداوته والقصد
لقتله وإطفاء نوره ولمنع اتباعه، والرجال والكراع «١» والسلاح مع عدوه لا معه، فالت الأمور الى ما قاله، وكما أخبر، وعلى ما فسر.
ولم تكن هذه سبيل بني العباس؛ فإنهم ما ادعوا نبوة ولا رسالة، ولا أتوا مثل ما أتى من الإخبار بالغيوب.
وأخرى ان بني العباس قصدوا، المسلمين من اهل خراسان، الذين قد اعتقدوا نبوة محمد ﷺ، فتدينوا باقامة شريعته وحد حدوده، بانكار ما أنكره وباكرام من اكرمه، وإجلال من اجله، وباهانة من ارتكب الكبائر فشكوا اليهم ما نزل ببني هاشم خاصة ثم بالمسلمين عامة من بني أمية. وبنو هاشم اذ ذاك كلمة واحدة، ما اختلفوا ولا تباينوا. فكان ولد العباس وولد علي وولد جعفر وولد عقيل «٢» وسائر بني هاشم متفقين، وانما اختلفوا بعد مصير الدولة والملك الى بني العباس أيام أبي جعفر المنصور، فجرى بينه وبين بني عمه من ولد الحسن ما هو معروف، فحينئذ اختلفوا، فذكر بنو هاشم لأهل خراسان ما صنعه بسر بن أرطاة بعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وانه قصده وهو عامل امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁، فهرب من يده، ووجد له ابنين طفلين فقتلهما وقتل جماعة من اصحابه «٣» . وأذكروهم بقتل حجر بن عدي
_________
(١) الكراع من الدابة: ما دون الساق، يريد القاضي ان يشير الى الخيل وغير ذلك من الحيوانات التي يتقوى بها على القتال. انظر لسان العرب، مارد كرع
(٢) يقصد: العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وعلي بن ابي طالب، وجعفر بن ابي طالب، وعقيل بن أبي طالب ﵃ جميعا.
(٣) انظر لتفصيل هذه الحادثة الطبري ١: ٣٤٥١ و٣٤٥٢
وأصحابه «١»، وبكربلاء ومن قتل من بني هاشم بها، وبقتل مسلم بن عقيل «٢»، وبالحرة «٣»، وبعسكر التوابين «٤» من اهل عين الوردة، وبما أنزلوه بالكعبة في قتال آل الزبير «٥»، ثم بمن قتلوه من القراء او الفقهاء الذين ثاروا مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث «٦» في الانكار على الحجاج وعبد الملك بن مروان، وبقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد «٧»، وبصنيع
_________
(١) لتفصيل حادثة مقتل حجر بن عدي من قبل بسر بن أبي أرطأة عامل معاوية انظر الطبري ٢: ١١١.
(٢) قتل مع الحسين ﵁ سنة ٦١ هـ هو واخوه وابنه الطبري ٢: ٣٨٨
(٣) الحرة في الأصل هي الارض ذات الحجارة السوداء النخرة كأنها أحرقت بالنار، وهناك أماكن كثيرة أطلق عليها هذا الاسم. والمقصود هنا حرة المدينة حين وردها مسلم بن عقبة من قبل يزيد بن معاوية وكانت فيها وقعة الحرة سنة ٦٣ هـ حيث استبيحت المدينة بعدها ثلاثة ايام. انظر معجم البلدان ٢: ٢٤٧ والطبري ٢: ٤١٢ وما بعدها.
(٤) المقصود بهم من خرج من اهل العراق يطلبون دم الحسين ﵁ سنة ٦٥ هـ وقالوا: أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابنة نبينا ﷺ. انظر تفصيل ذلك في الطبري ٢: ٥٣٨- ٥٧٦.
(٥) كان رمي الكعبة بالمنجنيق بأمر من الحجاج سنة ٧٣ هـ وقيل ٧٤، وكان اميرا لجيوش بني امية المحاصرة لعبد الله بن الزبير في مكة، وقد قتل عبد الله بن الزبير في تلك السنة. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٦) خرج عبد الرحمن بن الاشعث على الحجاج سنة ٧٥ واستولى على خراسان وغلب على الكوفة، لكن الحجاج قضى على حركته في نفس السنة، وكان قد خرج مع الأشعث مجموعة من القراء والفقهاء. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٧) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ٧٩- ١٢٢ هـ كان فقيها، وقرأ على واصل بن عطاء واقتبس منه بعض آراء المعتزلة. خرج على الامويين سنة ١٢٠ في العراق وكان عامل الامويين فيه يوسف بن عمر الثقفي، وقد قاتله والي الكوفة الحكم بن الصلت، واستشهد سنة ١٢٢ هـ. الطبري ٨: ٢٦٠، ٢٧١، فوات الوفيات ١: ١٦٤.
الوليد بن يزيد/ بن عبد الملك «١» وما اتى من شرب الخمور والمجاهرة بذلك.
فأثار بنو العباس ودعاتهم اهل خراسان بذلك، فقدم بنو العباس على امر ممهد وجند مجند، وعلى قوم مسلمين قد صدّقوا رسول الله ﷺ، ورضوا بما رضي رسول الله، وغضبوا مما يغضب منه رسول الله ﷺ. فبنو العباس الى رسول الله نحوا، وبأمته والمصدقين به استجاروا، فالذي تم لهم فبرسول الله ﷺ تم، وبظله تفيئوا، وبه تستروا، وهذه سبيل كل من ادعى بعده ﷺ الامامة من بني هاشم ومن جميع قريش او ادعى انه من قريش.
وكلهم برسول الله ﷺ تشبثوا، وبه تستروا واستعاذوا ولاذوا، ولأجله تم لهم ما تم. وأنت تجد ذلك في واحد واحد منهم في مشارق الارض ومغاربها، وتعرف الحق منهم من المبطل، والدّعيّ من الصريح، فأين هذا من دعوة رسول الله ﷺ وسبيلها ما قدمنا وشرحنا.
فإن قيل: أو ليس مع ادعائه النبوة قد حمل السيف على من خالفه، وحارب بمن أطاعه من عصاه، فما تنكرون ان يكون الذي تم له من اوله الى آخره انما تم بالسيف وبالمكابرة، لا بالآيات والمعجزات؟
قيل له: ما انكرنا انه حمل السيف، وانما كلامنا في الذين صاروا سيوفا له وعساكر/ وبهم استطال على عدوه، فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف كما قد قدّمنا وبينا، وبمصيرهم الى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما خلق قوما حملوا السلاح معه، وانما أجابه المهاجرون
_________
(١) الوليد بن يزيد هو الخليفة الحادي عشر من خلفاء بني امية، تولى امرة المسلمين سنة ١٢٥ هـ وعكف على شرب الخمر وسماع الغناء ومعاشرة النساء، وقد ثقل امره على الرعية والجند فثاروا عليه سنة ١٢٦ هـ بعد ان دعا يزيد بن الوليد بن عبد الملك الى نفسه، وقد قتل الوليد في نفس السنة. تاريخ ابي الفداء ٢٠٥- ٢٠٦.
والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار آبائهم على ما شرحنا وبينا، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا، فمكث بمكة بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو الى دينه، فيجيبه النفر بعد النفر على خوف شديد، وقد تجردت قريش وغيرهم من اعدائه له ﷺ ولمن اتبعه وأطاعه، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد، ويمنعونهم الأقوات، ويتعاهدون على ان لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم، وقد كتبوا في ذلك الصحف «١»، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء وكانوا يرصدون لرسول الله ﷺ ولدعاته إذا خرج الى الموسم لدعاء الناس وإظهار ما معه وتلاوة القرآن، فيقولون للعرب: هذا منا وقد صبأ وهو ساحر كذاب، فلا تطيعوه ولا تسمعوا لما معه، فنحن اعلم به، وقد سفه احلامنا، وضلل ادياننا، واكفر آباءنا، وفرق آلافنا، وأفسد أحداثنا وعبيدنا ونساءنا.
ثم كان هو ﷺ يرجم ويضرب الضرب المبرح، ويداس ويطرح على رأسه الفرث والتراب/ ويلقى من المكاره هو ومن اتبعه ما يطول شرحه «٢» . فلم يكن لأصحابه مع شرفهم وشرف أهلهم قرار، ولا أمكنهم المقام للشدائد التي تنالهم، حتى فروا بأديانهم في الأمصار والبلدان حتى عبروا البحار وصاروا الى ارض الحبشة «٣»، فتعرف قريش أخبارهم
_________
(١) لما رأت قريش ان امر النبي ﷺ في ازدياد وان عمه ابا طالب يحميه منهم ائتمرت بينها ان يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ان لا ينكحوا الى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، وقد انحازت بنو هاشم وبنو المطلب الى ابي طالب فدخلوا معه في شعبه إلا عمه ابو لهب فانه ظاهر قريشا. وقد اقام المسلمون على ذلك سنتين او ثلاثا حتى جهدوا. الطبري ١: ١١٩٠
(٢) انظر الطبري ١: ١١٩٨- ١١٩٩
(٣) كانت الهجرة الاولى الى الحبشة في السنة الخامسة من بعثة النبي ﷺ، وقال بعض المؤرخين ان عدد المسلمين المهاجرون منها كانوا احد عشر رجلا وأربع نسوة. الطبري ١: ١١٨١، وقال بعضهم بل كانوا اثنين وثمانين رجلا. الطبري ١١٨٣.
والى أين توجهوا، فترسل في طلبهم وتغري بهم وتنفر عنهم وتنفق في ذلك الاموال. فأرسلوا الى النجاشي ملك الحبشة وهو اذ ذاك نصرانيّ بمن ينفّره عن المسلمين الذين فرّوا بأديانهم الى ارض الحبشة، وحملت اليه قريش هدايا ولاطفوه، وقالوا له: إن هؤلاء قوم منا، وقد اتبعوا رجلا منا فأفسدهم، وهو عدونا وعدو النصارى، وهو يقول في المسيح: أنه عبد مخلوق، فسلموهم الينا.
وكان هناك عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ومعه أسماء ابنة عميس، وخالد بن سعيد بن أبي أحيمة، والزبير بن العوام «١»، وعمار بن ياسر «٢»، وأبو حذيفة بن عتبة «٣»، ونحو مائة من وجوه المهاجرين، وكانت لهم مع رسول قريش الى النجاشي مجالس وخصومات طويلة، فصارت العقبى للمسلمين، وقامت حجتهم، وعرفها النجاشي ملك الحبشة فأسلم واستبصر «٤» .
وما زال رسول الله ﷺ يعرض نفسه على اهل المواسم اذا اجتمعت/ قبائل العرب، وخرج الى الطائف «٥» يدعو الى الله ويقول: أنا رسول الله
_________
(١) الزبير بن العوام الصحابي المشهور المتوفي سنة ٣٦ هـ، ولمعرفة خالد بن سعيد بن ابي أحيمة (العاص) انظر الاصابة ١: ٩١، ولبنت عميس وجعفر الاصابة ١: ١١، وأسماء هي زوجة خالد بن سعيد.
(٢) عمار بن ياسر الصحابي الجليل المتوفي سنة ٣٧ هـ، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق وليلة الرضوان، انظر الاستيعاب بهامش الاصابة ٢: ٤٦٩.
(٣) هو ابو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، هاجر الى الحبشة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو.
(٤) كان النبي ﷺ يذكر النجاشي بالخير دائما، وقد نعاه بنفسه للمسلمين سنة تسع من الهجرة.
(٥) كان ذلك بعد وفاة ابي طالب عم الرسول ﷺ، فقد خرج الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف فرده سادتها: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو ردا قبيحا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى التجأ الى حائط لعتبة ابن ربيعة وشبيبة بن ربيعة. الطبري ١: ١٢٠٠.
فمن يجيرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وقريش تتبعه وتمنع من اتباعه. وقد عرض نفسه على القبائل «١»، ومعه ابو بكر الصديق وعليّ بن ابي طالب، وعمه ابو لهب يقول لتلك القبائل: نحن أهله وأعلم به فلا تسمعوا منه ولا تقبلوا قوله، فتلقى تلك القبائل رسول الله بالجفاء، ويقولون له: قومك أعلم بك، ولو كان عندك خير لا تبعوك، فأمسك عنا، الى ان انتهى الى ربيعة والى ذهل بن شيبان، فكلمهم وتلا عليهم القرآن، فقالوا: إنا على هذا الماء من ذي قار، وقد اخذ علينا كسرى ألا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وهذا الذي أتيت به ودعوت اليه تكرهه الملوك، فإن شئت ان نجيرك إلا من الملوك فعلنا، فقال ﷺ: ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن هذا الدين لا يكون من اهله إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن أظهركم الله عليهم، وأورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وأفرشكم نساءهم أتطيعونه وتعبدونه حق عبادته؟ فتعجبوا من قوله ومن إقدامه على ان ملك كسرى يزول بدعوته ويصير ملكه لأصحابه، استبعادا لذلك، واستعظاما لملك كسرى ان يزول بجبابرة الملوك الأقوياء الاغنياء، فكيف يزول بهذا الوحيد الفقير؟ ثم/ يقولون هذا عاقل، ولم يكن ليقول هذا ويعرّض نفسه للملوك إلا وهو على ثقة، ثم انصرف عنهم وما اجابوه.
وما زال يدعو ويعرض نفسه في المواسم اذا اجتمعت العرب، الى ان لقيته الانصار «٢»، فسمعت منه وأجابوه واسلموا، وخرجوا الى المدينة
_________
(١) انظر تفاصيل عرض النبي نفسه على القبائل في الطبري ١: ١٢٠٠- ١٢٠٩.
(٢) كان اول من تلقى الرسول من اهل المدينة ستة نفر من الخزرج قدموا مكة في موسم الحج، وعادوا الى المدينة بعد ان أسلموا، فدعوا قومهم الى الاسلام، وتوالت الوفود من المدينة الى مكة في مواسم الحج اللاحقة، وكانت بيعة العقبة الاولى التي حضرها اثنا عشر رجلا من الانصار، ثم كانت العقبة الثانية التي شهدها سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم. انظر تفاصيل ذلك في الطبري ١: ١٢٠٨- ١٢٢٢.
ودعوا الى الاسلام، ثم عاد قوم آخرون في سنة اخرى وبايعوه وهو مقيم بمكة، ثم عادوا في سنة ثالثة مع آخرين فبايعوه ورجعوا الى المدينة، وظهر الاسلام بها.
والانصار ﵃ انما هم قبيلتان عظيمتان من قبائل اليمن، ذو بأس وشدة وأموال، وذو شوكة «١» شديدة وعدد وعدة، قد ترددوا اليه، وسمعوا دعوته واحتجاجه، فأجابوه على البراءة من اديانهم التي كانوا عليها، ومن آبائهم، وعلى ان يبذلوا اموالهم ودماءهم، وعلى معاداة ملوك العرب والعجم في طاعته وله ولأجله.
وكم قد اسلم وأجاب على هذه السبيل من قبائل العرب، كقبيلة اسلم، وكقبيلة غفار، وهما من قبائل خزاعة وكنانة «٢»، وكالذين اسلموا من عبد القيس «٣» وهم من فرسان ربيعة ورجالهم، ومن قبائل فزارة «٤»، ومن قبائل جهينة، على هذه السبيل. وكم اسلم من اهل اليمن من ملوكها من حمير وغيرهم، الى من اسلم من ملوك عمان من ولد الجلندي بن كركر «٥»
_________
(١) كذا في الاصل
(٢) انظر اسلام قبيلة أسلم وقبيلة غفار وفزارة وجهينة وفضائل هذه القبائل في البخاري ومسلم باب المناقب.
(٣) وكان قدوم وفد عبد القيس في السنة العاشرة للهجرة.
(٤) كان اسلام فزارة وكثير من قبائل العرب في العام التاسع للهجرة، وكان على رأس وفدهم الى النبي خارجة بن حصن، الطبري ١: ١٧٢٠. وقد سمي العام التاسع بعام الوفود لكثرة ما ورد المدينة من قبائل العرب معلنة اسلامها.
(٥) انظر لفضل عمان والجلندي صحيح مسلم في المناقب. وكان عمرو بن العاص رسولا من الرسول ﷺ الى ملكي عمان جيفر وعبد بن الجلندي. السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
وكم قد اسلم من العجم والانباط بصنعاء الذين كانوا جنود كسرى، واخرجهم مع سيف بن ذي يزن لينتصروا له من ملوك الحبشة الذين قتلوا اباه. ولعل قصتهم ان ترد عليك بأكثر من هذا الشرح.
فالذين اجابوه ﷺ وبهذه الشرائط وبلا حرب خلق كثير، وامم عظيمة هي مذكورة، يعرفها اهل العلم، ومن اراد ان يعرف/ ذلك حتى يصير في مثل حالهم قدر على ذلك ووجد السبيل اليه. فهؤلاء الذين اسلموا لله ومن خوف وتقربا الى الله، وهم عساكره.
ولما نشأت بدعة الخارجية «١» وهي اول بدعة نشأت في الاسلام، ثم بعدها وبعد دهر طويل نشأت بدعة الارجاء «٢»، ثم بعدها بدهر طويل نشأت بدعة القدر «٣»، وبعد بدعة القدر بدهر طويل نشأت بدعة الرفض «٤» . فكان العلماء يقولون: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ فانهم اسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف اسيافهم.
_________
(١) طائفة من المسلمين كانوا من اصحاب علي بن ابي طالب ﵁ ثم خرجوا عليه بعد قبوله للتحكيم واتهموه بالكفر لذلك وطلبوا منه ان يتوب ويجدد اسلامه، وقالوا ان مرتكب الكبيرة كافر. وقد حاول علي ان يقنعهم فلم يستطع فحاربهم، ثم حاربهم خلفاء بني امية. لم يبق منهم الآن إلا عدد قليل في عمان وليبيا والجزائر.
(٢) المرجئة على النقيض من الخوارج، فقد قالوا ان مرتكب الكبيرة مؤمن وانه لا يضر مع الايمان كفر، وهم على درجات في عقيدتهم هذه.
(٣) يقصد من يقول ان العبد لا يقدر على فعله وان افعال العباد مخلوقة من الله فيهم.
(٤) الرافضة طائفة من الشيعة، ويسميهم القاضي احيانا بالباطنية، واصح الاقوال في سبب تلقيبهم بذلك انهم طلبوا من زيد بن علي بن الحسين (وتنسب اليه الزيدية) ان يسب ابا بكر وعمر فرفض ذلك فرفضوه، ولم نجد ضرورة لتفصيل القول في هذه الطوائف لأنه ليس من مجال حديثنا.
وفاض الاسلام بالمدينة وفي هذه القبائل، وأقيمت فيها الصلاة، وأديت الزكاة، وأقيمت الجماعات والجمعة، وأقرىء القرآن، وصارت المدينة دار الهجرة؛ ورسول الله ﷺ مقيم بمكة محصور في الشعب يؤذى ويقصد بأنواع المكاره هو ومن اتبعه، الى ان هاجر الى المدينة ومعه ابو بكر الصديق الهجرة المعروفة.
فهؤلاء الذين اجابوا بلا حرب، وقبل الحرب احتججنا، وهو موضع دلالتنا في هذه الآية التي اخبر وهو في تلك الحال انكم ستجيبونني، وإن كانت لنا في الحروب والمحاربين دلائل اخرى لعلنا نذكرها لك في كتابك هذا ان شاء الله.
فإن قيل: أو ليس قد كان يدافع عنه عمه ابو طالب وإن كان على غير دينه، ويشفع الى قريش فيه، ويعاتبهم في بابه، ويذكرهم بصدقه وأمانته وقد كان ﷺ معروفا فيهم قبل الرسالة بمحمد الامين، ويسألهم الكف عنه وعن اذيته. وقد نصره ابو بكر الصديق وصدّقه وكاشف «١» في بابه، وأنفق ماله في/ نوائب الاسلام وفي عتق المعذبين في الله واتبعه من اهل مكة جماعة. وأسلم عمر قبل الهجرة وكاشف، وقال: لا نعبد الله سرا، فكيف ادعيتم له الوحدة وعليه الغلبة وهو بمكة؟
قيل له: قد علمنا انه حين دعا كان وحده والناس كلهم على خلافه، وليس في اجابة هؤلاء ومدافعة ابي طالب طعن «٢» فيما استدللنا، بل هو من الدلائل على ما قال صلى الله عليه قبل ان يجاب انه يستجاب وينصر، ثم مع
_________
(١) كاشفه بالعداوة: بادأه بها. انظر القاموس: مادة كشف
(٢) وقد كتب فوقها في الاصل: به، وهي زائدة من الناسخ او المعلق.
نصرة هؤلاء وإجابتهم له ﷺ ومدافعة ابي طالب، ما خرجوا ولا هو خرج من ان يكون ويكونوا بمكة مقهورين مغلوبين، حتى فروا من عدوهم بأديانهم.
فإن قيل: فاذا كان الله قد وعد هؤلاء الانبياء بزعمك بالنصر والظهور فلم يفرّون من اعدائهم؟ فقد فرّ موسى من فرعون ببني اسرائيل ليلا وخفية ومنع من إبقاد النيران لئلا يراها فرعون وجنوده فيستدلوا بها عليهم ومعه الآيات والمعجزات، وفرّ عيسى من مكان الى مكان بزعمكم وزعم النصارى، فانها تقول في اخبارها وأناجيلها ان يوسف النجار فرّ بعيسى وأمه الى مصر من بيت المقدس خوفا من هيريدس «١» ملك بني اسرائيل، فأقاموا بها اثني عشر سنة ومعه بزعمكم وزعم النصارى الآيات والمعجزات، وفرّ صاحبكم من قريش وأقام بالغار ومعه ابو بكر ثلاثة ايام ومعه كما زعمتم الآيات والمعجزات.
قلنا: ليس في فرارهم طعن في اعلامهم، وما قالوا لا يفرّ ولا يتوقى فيكون في فرارهم تكذيب، فإن كل شيء وعدوا به وقالوه قبل ان يكون قد كان وتم على ما قالوه وشرطوه/ قبل ان يكون، وليس في فرارهم ايضا مقاربة لعدوهم ولا مداهنة، بل انما احتاجوا الى الفرار لترك المداهنة والمقاربة، ولشدة المكاشفة لعدوهم، والمبالغة في اسخاطه وإرغامه، ولو قاربوا العدوّ واتقوه لما احتاجوا الى الفرار.
فاحفظ هذا فانك محتاج اليه، فإن قوما زعموا انهم اتباع الانبياء من المسلمين، اجازوا على انبياء الله وعلى من هو حجة الله على خلقه المداهنة
_________
(١) هيرودس او هيرودوس هو حاكم فلسطين الروماني آنذاك. وانظر لقصة هرب يوسف النجار وعيسى ﵇ وامه مريم: الاصحاح الثاني ١٣ متى
والمقاربة للمشركين ولأعداء الدين، وأن الانبياء يمدحون المشركين ويزكون اعداء الدين ويظهرون ذلك، ويذمون المؤمنين ويتبرؤون من الأنبياء والمرسلين خوفا من المشركين، ويزعمون ان حجتهم في ذلك فرار رسول الله ﷺ واستتاره في الغار ثلاثة ايام «١» . وقد بيّنا انه لا حجة لهم في ذلك، بل هو الحجة عليهم، وأن الذي اخرج الانبياء الى الفرار شدة المكاشفة، وترك المقاربة، وقائل هذا لا يثق بأفعال الأنبياء وأقوالهم، ولا بتزكية من زكوه، ولا بلعن من لعنوه، لأنهم قد قالوا انه قد يجوز ان يكون ظاهر الانبياء بخلاف اسرارهم وضمائرهم، وأيضا فان الأنبياء لا يجوز ان يكون ظاهرهم بخلاف باطنهم وإن خافوا وإن قتلوا، وهذا اصل كبير فاعرفه.
فإن قيل: ادعيتم ان اعداء نبيكم من قريش والعرب واليهود والنصارى حرضوا على قتله وهو بمكة، وهو في تلك الحال من الوحدة والذلة وضعف الاتباع، فمن اعطاكم هذا، ومن سلمه لكم؟
قيل له: ان من سمع اخباره واخبار القوم معه يعلم ذلك، علما لا يرتاب به، كما يعلم انهم قد كذبوه وعادوه واغضبهم ما اتاه وشرعه ودعا اليه، ولا فرق/ بين من قال: انهم ما حرضوا على قتله، وبين من قال: ولا كذبوه ولا عابوه ولا برئوا منه، ولا انكروا شيئا اتى، ولا خالفوه، وادعى انه هو ايضا ما خالفهم، ولا عاب اديانهم وآلهتهم، ولا ادعى النبوة، ولا خالفهم في البعث والنشر.
وقد حرضوا ايضا على ذلك وهو بالمدينة، واعداؤه فيها معه من العرب
_________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية.
واليهود والنصارى وهم كثير ونزول بالمدينة وحولها في آطامهم وحصونهم محدقون بها كالإكليل، وقد غدروا به، وارسلت قريش اليهم في ذلك، ودست غير واحد، وكان من عامر بن الطفيل وأزيد في الاحوال التي كان يكون فيها وحده فيصرفهم الله عنه بألوان الصرف، كما صرف ابا جهل وعقبة بن ابي معيط والذين كانوا بمكة، كما هو مذكور. وكم دسوا له السم في الطعام فصرفه الله عنه، وقد راموه منه في طول حياته، وقد كان معهم وهو بالمدينة في التبذل والتفرد والتطرح اكثر زمانه، على مثل حاله وهو بمكة. وانما كان يكون في جماعة في اسفاره وفي حروبه، فأما بيوته وحجرات نسائه فمن جريد النخل، وقد علم اهل العقل والتحصيل الفتك بجبابرة الملوك في حصونهم وقصورهم وهم وراء الابواب الحديد، وقد تحرزوا بصنائعهم المشاركين لهم في نعمهم بعبيدهم، كصنيع شيرويه بكسرى ابرويز «١»، وقبله من ملوك فارس من كانت هذه سبيله. وكما جرى على المتوكل من المنتصر، ثم على ولده، الى ما جرى من الفتك بمحمد بن المعتضد/ المسمى بالقاهر بالله، الى المتقي، والى المستكفي، والى ما جرى بالإحساء على ذكيره الاصفهاني من جنوده واعوانه سنيّ نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في جوف داره واحصن قصوره، وحوله وفي حجرته ومعه ممن له نوبة في حراسته وحفظه من الرجال المتسلحين اكثر من الفين، فقتل وحده من بينهم، ورفع رأسه.
_________
(١) يقصد الاشارة الى ما صنعه شيرويه في سبيل الحصول على الملك، اذ شارك في قتل ابيه كسرى أبرويز وكان من اعظم ملوك فارس، وقد عاصر الرسول كليهما وكانت هجرته ﵊ ايام كسرى ابرويز. انظر الطبري. ثم ما كان يفعله الخلفاء العباسيون في سبيل الوصول الى الحكم من قتل آبائهم او اخوانهم او اقاربهم. وكذلك ما فعله خادم ذكيره (ذكرويه) الاصفهاني القرمطي من قتله.
وليس في هؤلاء من أغضب الناس إغضاب رسول الله ﷺ، ولا من ادعى دعواه، ولا من أذكر عدوّه بعداوته وأيقظه وبعثه على قتله وخرج إليه بذات نفسه وما يريد ان يعمله، مثل رسول الله ﷺ. فانه أتاهم على الوجه الذي ذكرنا في الوحدة والفقر ورماهم بتلك العداوة، ثم قال:
ولا تقتلوني، بل أنا أقتلكم وأسبيكم وأستبيح حصونكم، فكان كما قال.
فإن قيل: ومن سلم لكم أن المهاجرين والانصار كانوا يعتقدون نبوته وصدقه، سيما وفي اهل ملتكم اليوم من طوائف الشيعة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات والمهاجرين والانصار ما آمنوا به قط، ولا اعتقدوا صدقه ولا تعظيمه ولا إجلاله ولا توقيره، وما كانوا إلا زائرين «١» عليه، معتقدين تكذيبه وافتعاله واحتياله، وانما كان اتباعهم له هزآ به، واغتيالا له، وسخرية منه، وإرصادا لزلالنه وإفساد امره، ولإبطال تدبيره، ولمغالبته على الرئاسة، وأنهم ما أقاموا له وزنا قط. وانما كان الذين يعتقدون ما ادعيتم فيه نفرا يسيرا، كانوا مغلوبين مقهورين بهذه الجماعات من المهاجرين والأنصار، وأنهم خرجوا من/ الدنيا على حال القهر والغلبة من هؤلاء المهاجرين والأنصار، ومعهم بذلك روايات وأقوال ونصوص يدعون انها من صاحبكم، وتصنيفات قد ملأت الدنيا.
قيل له: إنا ما قلنا في أبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجلة والوجوه من المهاجرين والانصار انهم قد اعتقدوا تبرئته وصدقه، لمجامعة من ادعيت من الشيعة لنا، وانما قلنا ذلك بالتأمل لأحوالهم وبالاستنباط الذي قد ذكرنا
_________
(١) هذه الكلمة في الاصل تختلط مع زارين، والزئير صوت الأسد من صدره، والزائر اسم الفاعل. يعني القاضي هنا بيان شدة موقف الصحابة بزعم الباطنية من رسول الله ﷺ.
لك، فلن يقدح ذلك في علومنا، ولن يوحشنا خلاف من خالفنا كائنا من كان من خلق الله، وقد شرحنا كيف كانت دعوته وعلى اي شرط كان إجابة القوم له؛ وقد علمنا قبل العلم بنبوته وصدقه انه ﷺ قد كان يحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار يحبونه، ويواليهم ويوالونه، وأنهم كانوا ثقاته وبطانته وأمناءه على نفسه ودينة وأهله، وأنه ﷺ كان أحب اليهم من اهلهم وآبائهم وأنفسهم؛ كما قد علمنا ان أبا جهل وأبا لهب، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، وابن العيطلة، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأولئك الملأ من قريش، كانوا اعداءه، وكذلك الملأ من اليهود، وكبني قريظة، والنضير، وكبني القعقاع، وكخيبر، وتلك القبائل من ثقيف، وغيرها من العرب، كانوا اعداءه وكان عدوا لهم يبغضهم ويبغضونه، ويعتقدون كذبه، وأنه مبطل، ولا فرق/ بين من ادعى في ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والانصار انهم ما اعتقدوا نبوته، وبين من ادّعى فيمن ذكرنا من قريش والعرب واليهود والنصارى انهم ما اعتقدوا بغضاءه ولا كذبه؛ ومن انتهى الى هذا فقد بلغ الغاية في الجهل، ولا فرق بين ادّعى هذا على هؤلاء من المهاجرين والانصار، ومن ادّعى ان الروم والفرس والهند الذين كانوا في زمانه وزمان نبوته ما اعتقدوا تكذيبه وإن كان قد ظهر منهم ما قد ظهر.
فإن قيل: فكيف صدت طوائف الشيع عن هذا؟
قيل له: هذا إنما يعرف بالتأمل والتدبر وإن كان يسيرا، فمن لم يتأمل ولم يتدبر ولم يستنبط يذهب ذلك عليه؛ ومما يزيدك علما بذلك، وأن باطن هذه الجماعة من المهاجرين والانصار كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم،
وأن رسول الله ﷺ كان أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، أنهم قد بقوا بعده وملكوا الأمر واستولوا عليه، وامتدت أيديهم الى ملوك الدنيا وممالكها، فجازوها وأنفقوها في إعزاز دينه وتأكيد شريعته، وزهد وافي المباح المطلق، وحموا نفوسهم وأبناءهم منه، وأدخلوا الأمم من الفرس والروم والهند وغيرهم في دينه، وفرضوا عليهم تصديقه وإجلاله، ومن أبى القبول جعلوا دمه له، وأوطئوا أعداءه وشانئيه الذلّ والسيف في مشارق الارض ومغاربها.
وقدم رحمك الله زهد رسول الله ﷺ، فقد كان أزهد الناس فيما تناحر الناس عليه وتطاعنوا فيه وتفانوا لأجله. فقد كان ﷺ ملك من أقصى اليمن الى بحر عمان الى أقصى/ الحجاز الى عرار العراق، واستولى على جزيرة العرب وكانت مقسومة بين خمسة ملوك، لكل واحد منهم شأن عظيم.
هاداه غير واحد من الملوك، وجبى ذلك كله فبذله، وحمى نفسه منه وأهله، وخيّر أزواجه على ارادة الله ورسوله والدار الآخرة، وعلى أن من أراد الحياة الدنيا وزينتها متعه وسرحه سراحا جميلا «١» .
وكان ﷺ مع هذا الملك العظيم أيبس الناس عيشا، وأخشنهم لباسا.
واعتبر من ذلك ببرده الذي يلبسه خلفاؤنا من بعده وقيمته مقدار دانقين، وبقدحه وخاتمه، وجميع ما صار عند خاصة أهله وعامة أنصاره. ثم توفى ولم يترك عينا ولا دينارا ولا شيّد قصرا ولا غرس شجرا ولا شقّ لنفسه نهرا ولا استنبط لنفسه عينا ورغب لأهله وأصحابه في مثل ذلك.
_________
(١) نزلت آيات التخيير في سورة الأحزاب «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» الأحزاب ٢٨ و٢٩.
وملك بعده أبو بكر الصديق ﵁ جميع ذلك، ونفذ فيه أمره، وامتدت يده الى بني حنيفة وقوم مسيلمة، وغزا فارس، وافتتح الحيرة والقادسية وعين التمر «١» وصاروا ذمة له، وجباهم الأموال العظيمة. وافتح الشام وأوائلها ونفذ أمره فيها، فكان حاله في الزهد تلك الحال التي كان عليها رسول الله ﷺ.
وقام بعده عمر ﵁ فحوى ذلك كله، وافتتح الى اقصى الشام وأخرج ملوك الروم منها واعتصموا منه بالخلجان والجبال، وافتتح مصر والصعيد الأعلى، وافتتح الجزيرة والعراق والسّواد وفارس وكرمان وسجستان وكورة الاهواز، وما سقته دجلة، وما سقته الفرات/ وما سقاه النيل، وحملت اليه خزائن الملوك وذخائرهم، ومكث على ذلك عشر سنين ثم قبض وحاله في الزهد تلك الحال.
ثم قام بعده عثمان ﵁، فحوى تلك الممالك كلها، وافتتح خراسان عن اقصاها، وأخذ ملوكها وأصفهان من الجبال، وفي زمانه قتل المسلمون يزدجرد بن شهريار ملك فارس، وافتتح اذربيجان، وافتتح ارمينية، وجرجان وطبرستان وغير ذلك، واستولى على ملوكها وممالكها، وفتح المغرب وهي مسيرة سنين برا وبحرا وطولا وعرضا، وافتتح من جزائر البحر عدة جزائر عظيمة تكون مسيرة شهر طولا وعرضا، وجبى ذلك كله، ومكث على ذلك اثني عشر سنة، وكانت مدته اطول، وامتدت يده،
_________
(١) بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة سميت كذلك لكترة التمر فيها، افتتحها المسلمون في ايام ابي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ١٢ للهجرة. معجم البلدان ٣: ٧٥٩، ارسل اليها معاوية النعمان بن بشير فأخذها من عامل علي سنة ٣٩. الطبري ١: ٣٤٤٥
وملك وحوى اكثر مما ملكه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، ثم نفض يده من جميع ذلك وزهد فيه مع قدرته عليه وتمكنه منه ونفوذ أمره فيه، وصار عند قوم عمر أزهد منه، لأنه رحمة الله عليه برّ أقاربه من مال وولّاهم، ولم يفعل ذلك عمر، فكان زهده يصغر في جنب زهد عمر.
ثم قام بعده عليّ ﵁، فحوى جميع ما حواه الخلفاء قبله وجباه ونفذ أمره فيه، إلا الشام، ومكث على ذلك نحو ست سنين، فنفض يده من جميعه وزهد فيه.
ثم اعتبر بزهد عمال ابي بكر وعمر والخاصة من أعوانهما، كعتبة بن غزوان «١» وأبي عبيدة «٢» ومعاذ بن جبل «٣» وشرحبيل بن حسنة «٤» وسعد بن ابي وقاص «٥» وعمار بن ياسر «٦» / وبلال «٧» والنعمان بن
_________
(١) هو عتبة بن غزوان بن جابر، يكنى أبا عبد الله وأبا غزوان، من حلفاء بني نوفل بن عبد مناف، قديم الاسلام، هاجر الى الحبشة الهجرة الثانية، وهو الذي مصر البصرة واختطها، توفي في خلافة عمر وروى عن الرسول. الاصابة ٤: ٢١٥، الطبري ٣: ٢٣٧٦.
(٢) ابو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، قديم الاسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وبشر بالجنة، مات في طاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ. الاصابة ٤: ١١.
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عدي، شهد المشاهد مع النبي وكان احد الذين أرسلهم رسول الله (ص) الى اليمن لدعوة اهلها الى الاسلام، روى عن النبي (ص) ومات بطاعون الشام سنة تسع عشرة او بعدها. الاصابة ٦: ١٠٧.
(٤) هو شرحبيل بن حسنة نسبة الى أمه على الأغلب، كان ممن سيره أبو بكر في فتوح الشام، توفي بطاعون عمواس في الشام سنة ١٧ هـ. الاصابة ٣: ١٩٩.
(٥) هو سعد بن مالك بن أهيب، احد العشرة وآخرهم موتا، كان اول من رمى بسهم في سبيل الله واحد الستة اهل الشورى وقائد فتوح العراق، توفي بعد الخمسين من هجرة الرسول. الاصابة ١: ٣٠.
(٦) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك حليف بني مخزوم وأمه سمية مولاة لهم، كان من السابقين الاولين وممن عذب في الله، شهد المشاهد كلها مع النبي، استعمله عمر على الكوفة، قتل مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين. الاصابة ٤: ٢٧٣- ٢٧٤.
(٧) هو بلال بن رباح مؤذن الرسول (ص) . الاصابة ١: ١٨٩.
مقرن «١» واخوته، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم وشرح أحوالهم، وهو مذكور في مواضعه، ولا يشك في زهد هؤلاء إلا من شك في زهد رسول الله ﷺ، ولا يبلغ ذلك إلا الجاهل القليل النظر البطيء التأمل.
فأما من نظر واعتبر وكان قصده التعرف والتبين، فان ذلك يفضي به الى العلم بأنه ما صحب نبيا قط قوم أزهد ولا أردع ولا أعلم من هؤلاء قبل ان يرجع الى قوله ﷿: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢»» . فلو كان غرض رسول الله ﷺ وأصحابه الدنيا والملك لكانوا وإن ابتدأوا بذكر الزهد في اول أمرهم إذا ملكوا وقدروا عليها قد ساروا فيها سيرة طلاب الدنيا وملوكها وخطّابها، وما لبثوا ان تظهر سرائرهم وضمائرهم عند القدرة. بهذا جرت العادة، وهكذا أخرجت العبرة، فان من تخلّق للناس وتصبّر خوفا منهم واتقاء لهم ومداراة لهم، اذا قدر وتمكن تغير وزال عما كان، وظهر مكنونه، فلما دام أمر رسول الله ﷺ وهؤلاء واتصل على طريقة واحدة، علم العامل المتأمل ان سريرتهم كعلانيتهم، وظاهرهم كباطنهم.
وقد رغب قوم منهم في المباح وفيما أحله الله لهم، ولا لوم عليهم ولا تعنيف، وانما كان كلامنا فيمن زهد في المباح المطلق منهم، وقد ملك هؤلاء ما لم يملك ابراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ومتى وعيسى، وإن كان الأنبياء خيرا منهم.
_________
(١) هو النعمان بن مقرن بن عائذ المزني، أخو سويد واخوته، له ذكر كثير في فتوح العراق وفارس. توفي سنة احدى وعشرين هجرية.
(٢) آل عمران: ١١٠
وانما ذكرنا هذا لأن اليهود والنصارى والمجوس وأعداء رسول الله/ ﷺ يقولون جهارا، بحضرة المسلمين وفي دواوين السلاطين، وفي المحافل بحضرة الأمراء الأشراف: أما الاسلام فقد كفيناه ودفع بعضه بعضا، وقد كنا نقول سرا بيننا في أصحاب محمد ونفسه أشياء تقولها اليوم الشيعة جهارا وتزيد علينا فيه، من ان اصحاب هذا الرجل وأتباعه وأنصاره ما كانت لهم بصيرة في أمره ولا يقين مع الصحبة وطول المشاهدة ولا أقاموا له وزنا، وانما طلبوا الدنيا والنهب والفارة، وقد بيّنا فساد ذلك، وفيه من البيان اكثر من هذا، وفيما ذكرناه كفاية.
فإن قيل: أفتستدلون على صحة دينكم بأن هؤلاء قد اعتقدوا بنبوّة صاحبكم وصدقه، وان ظاهرهم فيه كباطنهم، وهاهنا قوم من اليهود والنصارى والمجوس والمنانية «١» والهند هذه سبيلهم في أديانهم.
قيل له: ما ندفع هذا ولا نمنع منه، ولا نستدل على صحة الاسلام باعتقاد المهاجرين والأنصار بنبوّة محمد ﷺ وصدقه ونبوّته وزهده وزهدهم في الدنيا، وانما نعرف صحة الاسلام وانه دين الله بغير هذا. وانما كان كلامنا على من ادّعى ان هؤلاء ما اعتقدوا صدقه ولا نبوته، فبيّنا فساد قولهم وبطلان اعتقادهم وانه جهل، ثم صرنا الى ذكر الدلائل والأعلام.
_________
(١) المنانية والمانية نسبة الى ماني بن بابك بن ابي رزام، يقال انه كان اسقفا ثم اتاه الوحي بتغيير ديانته. ومن اهم مبادئه أن العالم كونين: احدهما نور والآخر ظلمة، وكل واحد منهما منفصل عن الآخر. وقد فصل كتاب العقائد والفرق وأصحاب المقالات من الاسلاميين الحديث عن هذه النحلة. انظر الملل والنحل للشهرستاني، والفهرست لابن النديم، والآراء والديانات للنوبختى، والمغني للقاضي عبد الجبار الجزء الرابع، وغيرهم. ومجمل مذهب المنانية مستخرج من المجوسية والنصرانية.
فمن ذلك أشياء نزل القرآن بها قبل كونها.
فمن ذلك قصة ابي لهب، وقد كان من المؤذين لرسول الله ﷺ، والمجردين/ في مكروهه وطلب نفسه، وفي الصدّ عن اتباعه، فبشره الله بأن ذلك لا يضره ﷺ، ولا يغني عن ابي لهب فيما قصد ما كسب من جاه ومال وأهل وولد وصداقة واخوان، وانه يخسر ذلك كله، وانه وامرأته يموتان على الكفر به ويصيران الى النار. نزل ذلك بمكة وهما حيّان سليمان، فكان ذلك كله على ما قال وعلى ما أخبر وكما فصّل وفسّر. وهذه غيوب كثيرة لا يكون مثلها بالاتفاق ولا بالحدس ولا بالزرق «١»، ولا يتفق لحذّاق المنجمين أقل القليل من هذا. ومن عجيب الأمور انها نزلت بمكة، وتلاها رسول الله ﷺ، وسمعها ابو لهب وجميع أعداء رسول الله ﷺ من قريش والعرب وغيرهم وهم أعوان ابي لهب، فهاجهم هذا القول في عداوته، وزاد في غيظهم وحنقهم، وأذكرهم بنفسه وهو معهم وفي أيديهم وفي قبضتهم، فما ضره، ولا تمّ لهم أمر في الظفر بقتله، ولا على زلة يتبين فيها كذبه وسقوط قوله، وهذا لا يقدم عليه العاقل إلا وهو على غاية الثقة بما يقول، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله. ومنذ نزلت هذه السورة والى هذه الغاية يحرص أعداء رسول الله ﷺ ان يجدوا في ذلك مطعنا فما وجدوا. وقد رجع بعضهم الى بعض في ذلك وتشاوروا فيه، وتعاضدوا وتعاونوا، فكان عليه ما انتهى اليه كيدهم أن قالوا: لما رأى عمه وامرأته قد صمما في تكذيبه وعداوته قال ذلك فيهما.
_________
(١) الزرق: الخداع، وفي اللسان: رجل زراق اي خداع.
قيل لهم: قبل كل/ شيء قد تم ما قال على ما فسر وشرح، وحصل ذلك على وجه انتقضت العادة به، وظنونكم هذه لن تقدح في هذا العلم، وهذا كاف في جوابكم.
ثم قيل لهم: قد صنع مثل صنيع ابي لهب خلق كثير فما قال هذا فيه، ومنهم من أسلم. وايضا فلو قال في ابي لهب انه يسلم قبل اسلامه وأسلم لأمكن الخصم ان يقول: ما في هذا دلالة، لأن الرجل عمّه، وقد رأى اخوته حمزة والعباس وقد أسلما، وقد أسلم ولد أخيه ابي طالب جعفر وعلي، فكيف لا يسلم هو ايضا؟ فهذا كان أقرب وأظهر في الرأي والتدبير، فلم يقل ذلك وقال غيره وخلافه، لتعلم ان هذا قول علّام الغيوب وكلامه ﷿.
وقالوا لو أسلم لكان له ان يقول: انما قلت انه سيصلى النار إن لم يسلم، وإن أقام على الكفر، كما قال: «إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» .
قيل له: قبل كل شيء قد تمّ ما قال وما وجد له خلف، وحصل على وجه انتقضت العادة به كما بيّنا وقدّمنا، وأخذت انت ايها الخصم تقول لو لم يكن هذا ويتم بأي «١» شيء كان يعتذر، وحصلت على تدبير ما لم يكن، وجهلت ايضا اللغة وموضع العربية لأن قوله ﷿:
«انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» انما هو جزاء، وليس بخبر عن احد انه سيفعل ذلك، وهذا كقول القائل: من سرق
_________
(١) في الأصل: بأن، والقراءة اجتهادية
Translation
وباب آخر وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة
#6 Chapter 6 — وباب آخر استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول · ref. #6
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
مالي قطعته، ليس بإخبار عن احد أنه سيسرق ما له، ويجوز ان لا يسرق ماله أحد البتة مع هذا القول.
وقوله ﵎ في أبي لهب وامرأته انه: «ما أغنى عنه ماله وما كسب» من تلك/ الأمور، وانه سيصلى وامرأته نارا ذات لهب، إخبار عن أمور ستكون فكانت كما قال، كقوله ﷿: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» «١»، وكقوله:
«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢»» . وكقوله ﷿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» «٣» . فهذا باب.

وباب آخر [استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول]
وهو أن قريشا والعرب لما أعيتهم الحيل في أمر رسول الله ﷺ، كانوا يستروحون الى أدنى غمّ يناله ﷺ، فمات ابنه ابراهيم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ومات ابنه عبد الله، فسرت قريش بذلك، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد انبتر محمد، فأنزل الله ﷿: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «٤» .
فانبترت ديانات قريش والعرب كلها وبطلت عن آخرها، ولم يبق على ذلك الدين عين تطرف، وتم أمره ﷺ وسطع نوره وعلا وقهر.
_________
(١) آل عمران ١٢
(٢) القمر ٤٥
(٣) الاسراء ٥١
(٤) الكوثر ١ و٢ و٣
وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون؛ ثم وردت على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الوثوب به وعلى قتله وعلى إطفاء نوره، وقد حرضوا على ذلك فما تمّ. وهذا قول لا يورده العاقل على الوجه الذي أورده رسول الله ﷺ إلا وهو على غاية الثقة بالله والسكون الى ما يوحيه اليه ﷿، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، وكانت قريش تقول فيه لمامات بنوه: محمد صنبور «١»، أي منقطع الأصل منبتر الذكر.
وقيل لأعرابي: كيف نخلك؟ / فقال: صنبر أسفله وعشش أعلاه، أي ضعف أصله وعشش أعلاه فبطل كله وزال الانتفاع به.
والكوثر هو على وزن فوعل، كنوفل وحوقل، وهو الكثير من الجميّز خاصة. فيريد ﷿: إنا أعطيناك الكثير من التأييد والنصرة والحجة والعزّ والثواب والأجر، وفيه دلالة على بطلان قول من قال:
إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والأنصار كانوا أعداء رسول الله ﷺ وشانئيه، وأنهم قصدوا تغيير القرآن، وتبديل دين رسول الله ﷺ، وإماتة نصوصه، ودفع وصيته وخليفته، ففعلوا ذلك وقهروا وغلبوا وكانت الغلبة لهم، وخليفة رسول الله هو المغلوب المقهور، وهم الغالبون القاهرون، وان خليفة رسول الله ﷺ ووصيّه ما تمكن الى ان خرج من الدنيا.
قلنا: فلو كان الأمر كما قلتم لكان هذا قد كذب وكان يكون: إن
_________
(١) جاء في لسان العرب: الصنبور: النخلة المنفردة من جماعة النخل، ورجل صنبور: فرد ضعيف ذليل لا اهل له ولا عقب ولا ناصر. لسان العرب مادة صنبر
Translation
وباب آخر استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول
#7 Chapter 7 — وباب آخر عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه · ref. #7
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر، وأنت الأبتر، فلو أنصفوا وتدبروا القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول.

وباب آخر [عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه]
وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول الله ﷺ وإبادته وإطفاء نوره، وعلى التنفير منه والصدّ عنه والله تعالى يصرفهم بألطافه عنه مشوا اليه، وهم: الوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأمية بن خلف، وعتبة بن خلف، والجماعة من قريش، قالوا: يا محمد، انك قد سفهت أحلامنا، وكفّرت أسلافنا، وعبت آلهتنا وأدياننا/، وشتّتّ كلمتنا، وقطّعت أرحامنا، فهلمّ الى أمر يكون بيننا وبينك، فتعبد أنت آلهتنا التي نعبدها ونعبد إلهك، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك، ثم تعبد ما عبدنا ونعبد ما عبدت؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه، وان كان معك خير كنا قد أصبنا منه، وتكون كلمتنا سواء، وتسالمنا ونسالمك، وتكون لنا ونكون لك؛ فأنزل الله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» فأخبر انه لا يصير ولا يجيب الى ما قالوا، ولا يقبلهم بهذا الشرط، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين لله على الوجه الذي عبده، فكان كما قال.
وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا
يدلّك على خضوع قريش واليهود والنصارى وجميع اعداء رسول الله ﷺ وانقطاعهم في يده، وانه لا مطعن في آياته. ولهذا المعنى قال الله:
«فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» «١»، أي لو قاربتهم وأجبتهم الى ما دعوك لأجابوك، ولو داهنتهم لداهنوك. فتأمل قوله:
«قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» كيف يجبههم بالإكفار والتجهيل والتضليل، وهم أشد عالم الله أنفة ونخوة وجبرية، ودفاعا عن انفسهم، ومواثبة لعدوهم، وهو بمكة معهم وفي ايديهم وفي قبضتهم، والعزّة والغلبة والكثرة لهم لا له، فهيجهم على نفسه بهذا القول، وبعثهم على مكروهه، فنجاه الله منهم.
وهذا قول/ لا يقوله عاقل وحاله ما وصفنا إلا وهو على غاية الثقة بالله، بدفعه عنه، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، فمن أي شيء تعجب رحمك الله؟ أمن إقدامه، أم من مصير الأمر الى قوله وحكمه.
فاعرف هذه القصة واحفظها فانها عظيمة جليلة، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» فكأنما قرأ ثلث القرآن» . وكان يقال في صدر الاسلام ل (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتان «٢»، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: تشقشش الجرح.
_________
(١) القلم ٩
(٢) قشقش: في اللسان يقال تقشقش الجرح: تعرض قرحه للبرء، والقشقشة: تهيؤ البرء، والمقشقشتان: قل هو الله احد وقل اعوذ برب الناس لأنهما كانا يبرأ بهما من النفاق، وقيل: هما قل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد. اللسان مادة قشش.
وقوم من الكتاب وعمال السلطان يعرفون ببني ابي البغل «١»، يدعون انهم من المسلمين ومن الشيعة وهم يميلون ميل القرامطة، ويلزمون صنعة النجوم، وبقاياهم بالبصرة في سكة قريش، ومنهم ابو محمد بن ابي البغل، وهذا خلقه وصنعته، وهو حيّ الى هذه الغاية وهي سنة خمس وثمانين وثلثمائة، يقولون في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ»: هي من البوارد ومن الأشياء التي لا معنى لها، ويتحدثون بذلك في دواوينهم ومحافلهم، ويضربون في ذلك الأمثال؛ وهذا لجهلهم بالأسباب، ولو كان لهم تحصيل وتدبير وقصدوا الانصاف وطلبوا العلم من موارده لعلموا ان هذا من معجزاته، ولكن العجب قد شغلهم، وهم يعدون انفسهم من الخاصة وهم أسقط من سقاط الغوغاء، ولولا ان هذا شيء قد شاع في الكتاب وأشباههم في جميع البلاد لما ذكرته لك، ولكنه شيء قد دار وصار اهل الذمة مع القرامطة يلقون/ به العامة والضعفاء من المسلمين، وليس للاسلام قيّم ولا ناصر بل كل السيوف عليه، فالله المستعان.
وأخرى تبين لك جهل هؤلاء ونقضهم ونقض كل طاعن في القرآن، ان الذي جاء بهذا القرآن ادّعى انه كلام الله وقوله، وان الجن والإنس لا يأتون بمثله ولا بمثل سورة منه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وانه حجة الله على خلقه الى يوم القيامة؛ وقد سمعه الناس كلهم منه، وقد
_________
(١) ورد في الفهرست تحت عنوان ابن ابي البغل: اسمه محمد بن يحيى بن ابي البغل ويكنى ابا الحسين، استدعى من اصفهان، وكان يلي الوزارة في ايام المقتدر، وكان بليغا مترسلا فصيحا من اهل المروآت، وكان شاعرا ايضا مجودا مطبوعا، فله ديوان رسائل كتاب رسائله في فتح البصرة. الفهرست ١٩٧.
طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة الى ذلك، وقد بذلوا ما هو أعزّ وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد. واذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة، وفيه الكذب والتناقض على ما يدّعي هؤلاء، أعداء الاسلام، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه له: تتحدّانا بشيء ركيك بارد غثّ متناقض؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك؟ وكيف يتبع ويطاع من هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه: يا ويحكم فارقتم دينكم، وأنفقتم أموالكم، وسفكتم دماءكم، وعاديتم الأمم، واتبعتم رجلا حجته هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع، بل يكون في سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الاسواق ويقول: انا الملك، وانا الأمير، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء، ويتعادى خلفه الصبيان؛ ومثل هذا لا يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله/، لأنه لا يضرّ احدا ولا يغضب عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده. فلم غضب أولئك العقلاء من قريش والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ومن أفعاله، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصدّ عنه والمنع من اتّباعه، ورحلوا الى الملوك يشكونه ويضجّون منه، ويبعثونهم على قتله، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم؟ فقد رحلت قريش الى النجاشي ملك الحبشة في هذا، ورحلت نصارى العرب الى قيصر ملك الروم في هذا، وقد صار النضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع «١» انه جواب لكل عدو لرسول الله ﷺ، فهو كاف.
_________
(١) في الاصل: مع ما
Translation
وباب آخر عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه
#8 Chapter 8 — وباب آخر وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم · ref. #8
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم]
وهو ما وعد أصحابه من المهاجرين والأنصار والمكيين في حال ضعفهم ان الله سينصرهم ويمكنهم ويقوّيهم ويظهرهم، فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وتكون العقبى لهم؛ وتلا بذلك القرآن وخلّده وأسمعه عدوّه ووليّه، فقال ﷿:
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... «١»» الى قوله: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»؛ فتمكن أصحابه وخلفاؤه، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وكانت العقبى لهم/» .
وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون فكانت كما فصّل وكما أخبر وفسر، لتعلم ان هذا قول الله وكلامه، وان محمدا رسوله.
وهذا في سورة الحج وهي مكية، ولو كانت مدنية لكان فيها من الدلائل مثل ذلك، ولكنها اذا كانت مكية كانت آكد في الحجة لأن ضعفهم إذ ذاك أشد، «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» «٢»، ولقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ»، ولكفرهم بديانات قريش والعرب هم المهاجرون
_________
(١) الحج ٣٩ وما بعدها
(٢) الحج ٤٠، والآيات هي: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ٢٥
خاصة. وفي هذه الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعثمان وعليّ ﵃، وشهادة بأنهم أئمة هدى، وأن طاعتهم طاعة الله، لأنهم من المهاجرين والمكيين والتابعين ومن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ لقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ»، وهم الذين تمكنوا وتولوا الأمر ودعوا الى الله وفعلوا ما قال الله، كما هو مذكور في الآية.
ولو كانوا منافقين أو مشركين أو مرتدين كما تدعى ذلك عليهم طوائف الرافضة لكان هذا الخبر قد أخلف وكذب، ولكان الذي أتى به وتلاه ليس بنبي بل كذاب، لأن هؤلاء الذين تملكوا وتمكنوا وكان الأمر والسلطان والقهر والغلبة لهم؛ فزعمت الرافضة انهم بدّلوا القرآن وأحرقوه، وغيروا النصوص، وعطلوا الدين، وغيروا الطهارة والأذان والمواقيت والصلاة والصيام والمناكح والطلاق، وأماتوا السنن، وأحيوا البدع؛ وكان خليفة رسول الله ﷺ ووصيه «١» مغلوبا مقهورا يظهر ما يظهرون من الشرك، ويجوّز أحكامهم عليهم، فأين صدق هذه الآيات.
وقد كان ينبغي أن يكون/ على ما يدعيه الرافضة أن تكون التلاوة:
«والذين إن مكناهم في الأرض عطّلوا الصلاة والزكاة وأماتوا النصوص وقهروا الوصي المنصوص عليه، وأمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف» فتعلم أن هؤلاء قد ذهبوا عن القرآن وفارقوا الدين، وتعلم ان هؤلاء السلف على الحق، وان الله تولى نصرهم كما وعدهم، والله لا ينصر إلا أولياءه وأحباءه وأهل طاعته. وقد كان المهاجرون يحتجون بهذا.
قال صعصعة بن صوحان «٢» - وقد كان رحل الى عثمان في شأن قوم كانوا
_________
(١) يقصدون عليا ﵁.
(٢) انظر الطبري حوادث سنة ٣٣، ففيه تفصيل حادثة النفر الذين اخرجهم سعيد بن العاص-
Translation
وباب آخر وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم
#9 Chapter 9 — باب آخر اسراء الرسول من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى · ref. #9
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
قد أساؤا فسيّرهم وحالهم معروفة-: ما رأيت أسرع جوابا من امير المؤمنين عثمان، قلنا له: أخرجنا من ديارنا أن قلنا ربنا الله، فقال:
كذبت ليست لك ولأصحابك ولكنها نزلت فينا معشر المهاجرين، أخرجنا من ديارنا ان قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة، ومنا من مات بالمدينة، فنصرنا الله ومكننا، وأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكانت العقبى لنا. وهذا لا يذهب على متأمل وإنما ذهب على اهل الغافلة.

باب آخر [اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى]
وهو انه ﷺ أسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ثم عاد من ليلته الى مكة، ومدة السفر في ذلك مقدار شهرين اي ذهابا وإيابا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء في زمن الأنبياء. ولما عاد رسول الله ﷺ تحدث بذلك في أهله، فقالت له ام هانىء بنت ابي طالب: لا تتحدث بهذا، فو الله لا صدّقك الناس، وليكفرنّ بك من/ آمن بك، وليكذبنّك من صدّقك. فقال ﷺ: ان ربي أمرني ان أخبر الناس بذلك وان ابا بكر يصدقني ويشهد لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرّهم هذا، وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر
_________
- من الكوفة بعد ان اتهموا بالشغب فيها، وكان فيهم: مالك بن الاشتر، وثابت بن قيس، وكميل ابن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان.
ثقيل الوطأة على قريش وأعداء رسول الله، فانه كان يدعو الى نبوته، ويخطب باياته، وكان وجيها في الناس، عالما بقريش، باين الفضل فيهم، فكانوا يقصدونه بالمكاره لهذه الخصال التي كانت تضرهم. وقد استدعى خيارهم ووجوههم الى الاسلام، وأنفق ماله في نوائب الاسلام ونصرته، وكانوا يطلبون شيئا يصدّه عن رسول الله ﷺ ويمنعه من اتباعه. فأتوه وقالوا له: يا ابا بكر، ما زال صاحبك حتى أتى بكذبة خرج بها من أقطارها. قال ابو بكر: حاشاه، وما هو؟ قالوا: زعم انه أسري به في ليلة الى بيت المقدس. فقال ابو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق.
قالوا: يا ابا بكر، أتصدقه في هذا والعير تطرد في ذهابها شهرا وفي رجوعها شهرا، أيبلغه في ليلة واحدة؟ قال ابو بكر: انه ليخبرني ان الخبر يأتيه من السماء الى الارض في ساعة واحدة فأصدقه، وبعد السماء عن الارض اكثر من بعد بيت المقدس من مكة؛ قوموا بنا اليه نسأله عن ذلك. فأتوه، فقال له ابو بكر: ما شيء بلغني عنك يا رسول الله انك أتيت بيت المقدس في ليلتك؟ فقال: نعم يا ابا بكر، صلّيت بكم في هذا الوادي، فأتاني آت، فأيقظني وأخرجني وجاء بدابته فقال: اركب فأرفصت «١»، فقال لها جبريل: اسكني، فما حملت خيرا منه. فسارت بي، واذا حوافرها تقع مدى/ بصرها، وكنت اذا أتيت صعودا قصرت قوائمها، واذا أتيت حدورا طالت قوائمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد
_________
(١) ارفصت الناقة اذا رعت وحدها والراعي ينظر اليها، وتعنى هنا النفور والترك. انظر القاموس. مادة: رفص.
وسقوفه وما فيه شيئا شيئا، وكان إذ ذاك في أيدي الروم، وكان ملك الشام لهم وبعضه في أيدي اليهود، فقال ابو بكر: أتسمعون؟ وكان فعل ابو بكر ذلك ليعرف الناس صدق رسول الله ﷺ فيما ادّعى. فقالت قريش: فان لنا عيرا بالشام عرفت خبرها؟ فقال: نعم، مررت بهم في ذهابي، وهم في موضع كذا، وقد ندّ لهم بعير من حسّ دابتي فدللتهم عليه، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح فيه ماء وقد خمروه، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته.
ثم قال: وآية اخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس، وتقدم عيرهم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما برقاء والآخرى سوداء. فأرصدت قريش لذلك اليوم، فقال قائلهم:
هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق وعليه الغرارتان كما وصف. وسألوهم عن البعير الذي ندّ وعن القدح الذي كان فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ماء.
فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته.
فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد/، فكم في هذا من الغيوب.
فإن قيل: ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، وما طريق العلم به؟
قيل له: قبل كل شيء قد علمنا انه ﷺ قد احتج بالإسراء وجعله قرآنا يتلى «١»، وقد سمع هذا جميع اعدائه من قريش واليهود والنصارى وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له او عيب يكون فيه، وهنالك اصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه، ثم لا يرضى أو يأتي في ذلك بقرآن يتلى ويضيفه الى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه، وليس معه في ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج؟ هذا لا يفعله عاقل، وعقل رسول الله ﷺ عند عدوه فضلا عن وليّه فوق العقول.
وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه احد ولا يصدقه احد بل يرجع عنه من قد اتبعه، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم، وكل احد يمكنه ان يدّعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة الى بيت المقدس او من العراق الى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله، فتعلم ان الحجة بذلك قد قامت واتضحت.
وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول الله ﷺ، وبين قريش وأبي بكر الصديق، وما كان في ذلك من طول المراجعة، ومن عني بذلك يعلم ان الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به، كما يعلم فرار المهاجرين الى ارض الحبشة، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة في طلبهم، وما كان لهم معهما مع النجاشي من
_________
(١) تناولت سورة الاسراء قصة الاسراء بقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» .
المخاطبات/ والمراجعات، الى ان صارت العقبى للمسلمين. وكما يعلم خروج رسول الله ﷺ الى المواسم وعرضه نفسه على القبائل، وما كان له معهم من المحاورات والمراجعات والمخاطبات. وكما يعلم خروجه الى الطائف وعرضه نفسه، وما كان له معهم من المراجعات والمخاطبات.
وكما كان له مع قريش بمكة في حفل بعد حفل ومرة بعد مرة، وفي مشيهم الى ابي طالب ليكفه عن مخالفتهم وتجهيلهم وذكر آلهتهم، وما تعاهدوا عليه من عداوته وعداوات اصحابه، ومن التجريد في قصدهم بالمكاره، وما كتبوه في ذلك. وفي ترك مبايعتهم ومناكحتهم ومعاملتهم، وما أشبه ذلك من الخطوب التي كانت منهم. فمن رسخ فيما هذا سبيله، عرف قصة الاسراء وما كان لرسول الله ﷺ في ذلك مما تقدم ذكره، ومن لم يكن هذه سبيله لم يعلم، ولكل احد سبيل الى ان يعلم ذلك.
فتأمل رحمك الله ما في ذلك، وقول أم هانىء، واحتجاج قريش في ان المسير في ذلك يكون في شهرين فكيف تم في ليلة واحدة، ومطالبتهم بالحجة في ذلك، ثم مسألتهم عن عيرهم التي بالشام، ثم مصيرهم الى المكان في الوقت الذي ذكر رسول الله ﷺ أن العير ترد فيه وتفقدهم صورتها وما تقدمها، ثم مسألتهم اهل العير عن القدح لتعرف عقول قريش وشدة فطنتها وعنايتها بأمر النبي والتفقد لأحواله.
وانظر كيف قد سألوا عن ذلك مما يمكن العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه.
وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل
يكذبه/ من صدّق به ويكفره من آمن به، لتعلم كذب الحداد، وأبي عيسى الوراق «١»، والحصريّ، وابن الراوندي «٢»، وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون.
ولكل هؤلاء كتب يطعنون فيها على الانبياء، ويدّعون على قريش والعرب الجهل والبلادة والغباء وان رسول الله ﷺ خدعهم وسخر منهم.
وهذه الكتب منقوضة قد نقضها غير واحد من المعتزلة، والمطاعن على الانبياء، كلهم انما هي من جهة هؤلاء الشيع، والإمامية تواليهم وترجع الى اقوالهم، فاعرف هذا فإنه من العجائب وبك الى معرفته أشد الحاجة.
فمن كتب الحداد في هذا الشأن كتابه «الجاروف» وكتابه «الاركان»، وكتاب الحصري «في تسوية اصحاب الكلام بالعوام»، وكتاب «الزمردة» وكتاب «غريب المشرقي» وكتاب ابي عيسى الوراق، وكتاب حنين «البهائم»، وكتاب «التاج» في القدم لابن الراوندي، و«الزمردة» و«الفريد» و«التصفح» وكتاب «نعت الحكمة» في الطعن في حكمة الله، وكتاب «الدامغ» يطعن فيه في القرآن وغير ذلك من كتبهم.
_________
(١) ابو عيسى محمد بن هارون الوراق المتوفي سنة ٢٤٧ هـ. منهج المقال ٣٢٨
(٢) هو احمد بن يحيى بن اسحاق الراوندي، ذكره القاضي في الطبعة الثامنة من رجال الاعتزال، وذكر انه ألحد وخرج عن الدين كما ذكر انه يقال بأنه تاب آخر عمره. من كتبه التاج في الرد على الموحدين، والدافع في الرد على القرآن، والفريد في الرد على الانبياء. المنية والأصل ٩٢.
Translation
باب آخر اسراء الرسول من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
#10 Chapter 10 — وباب آخر ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم إلى ان يموتوا · ref. #10
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وفضيحتهم في هذه الكتب واضحة، وليس لرسول الله ﷺ اعداء مثلهم، والشيع تتوالاهم لأنهم عملوا كتبا لهم في الطعن في المهاجرين والأنصار.
فمن هذا العجب، ان قوما يدّعون انهم من المسلمين يوالون هؤلاء ويرجعون الى كتبهم، فتبين رحمك الله الحال في ذلك، لتعلم انه لا يطعن على المهاجرين والأنصار إلا من يطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستّر هؤلاء الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك المسلمين في الدين فاعلم ذلك/.

وباب آخر [ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا]
وهو ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا، وان الله سيذيقهم من عاجل الخزي في الدنيا، وقد صنع مثل صنيعهم قوم علم الله انهم يدخلون في الاسلام فلم يأت من عند الله فيهم ما أتى في اولئك.
فمن ذلك ما نزل في أبي جهل: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى. أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» «١» . فقال أبو جهل:
لم يهددني رب محمد وأنا أعز اهل البطحاء وأكرمهم؟ فأنزل الله في استهزائه بالزقوم وقوله: انه التمر بالزبد فقال: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ
_________
(١) القيامة ٣١ وما بعدها
الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» «١» أي بزعمك.
نزل هذا كله فيه وهو يومئذ حيّ سليم، فأذاقه الله حرّ الحديد ببدر، ومات على الكفر كما قال وكما أخبر.
ونزل في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة من قريش:
«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «٢» . الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ» فمات على كفره.
ومنهم النضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وكان شديد الرد على الله وعلى رسوله، شديد العداوة والإرصاد. وقد كان رحل في عداوة رسول الله ﷺ الى فارس، وطلب ما يكيد به الاسلام والمسلمين، فوجد احاديث رستم وأسفنديار والفرس «٣»، فاشتراها وقدم بها مكة فجعل يتحدث بها. وكان رسول الله ﷺ اذا قام من مقعده خلفه فيه النضر/ وحدثهم بتلك الأحاديث وقال: حديث محمد عن عاد وثمود والأمم من هذا، بل هذا احسن. فأنزل الله فيه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها
_________
(١) الدخان ٤٣ وما بعدها
(٢) ذكر الطبري في تفسير سورة «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ» ان بعض المفسرين قالوا: عني بالآية رجلا من اهل الشرك بعينه، فقال بعضهم هو جميل بن عامر الجمعي وقال آخرون هو الاخنس ابن شريق. الطبري ٣٠: ١٦٢.
(٣) ذكر ابن النديم كتاب رستم واسفنديار بين اسماء الكتب التي ألفها الفرس. الفهرست لابن النديم ٤٢٤.
هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» «١»، ونزل فيه غيرها ايضا. وقيل: يوم بدر أصابته جراحة ذهبت بقحف رأسه، وحصل مع المسلمين في جملة المأسورين وقال: لا أذوق لهم طعاما ولا شرابا ما دمت في ايديهم، فمات من الضربة وصار الى النار بعد ان أذاقه الله العذاب المهين في الدنيا كما قال وكما اخبر.
ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من الأشداء على المسلمين، فقال لقريش حين حضر الموسم: ان الناس قادمون عليكم وسائلوكم عن صاحبكم، يعني رسول الله ﷺ، فماذا تقولون؟ قالوا: نقول مجنون، قال:
يكلمونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول شاعر، قال: فهم اصحاب الشعر يقولونه ويروون بسيطه وهزجه فلا يجدونه شاعرا. قالوا: فنقول كاهن، قال: فقد رأوا الكهنة وتكلّفهم وكذبهم. قالوا: فما نقول يا ابا عبد شمس؟ ففكر وقدّر ونظر وعبس وبسر «٢» كما وصفه الله تعالى في سورة المدّثر، ثم قال: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» . وكان له عدة بنين، وكان ذا مال واسع، فكان بنوه يحضرون ويشهدون عقلاء، فأنزل الله فيه:
«ذرني ومن/ خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا.
ومهّدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا انه كان لآياتنا عنيدا» .
الى قوله: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» «٣» فلم يزده الله مالا ولا ولدا بعد هذا كما أخبر، ثم مات كافرا كما قال الله. وقد كان عند نزول ذلك حيا سليما.
_________
(١) لقمان ٦
(٢) قد تشتبه الكلمة في الاصل ب: وبصر، والصحيح ما اثبتناه
(٣) الآيات من سورة المدثر، وأكثرها حول الوليد بن المغيرة
Translation
وباب آخر ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم إلى ان يموتوا
#11 Chapter 11 — باب آخر ما كان بمكة من انشقاق القمر · ref. #11
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
فانظر كم في ذلك من الآيات من الإخبار بالغيوب، ومن عجزهم عن القرآن ان يأتوا بمثله في الفصاحة والبلاغة والجزالة، فلم يتأتّ لهم ذلك مع حاجتهم اليه واجتهادهم فيه. وفصاحة القرآن وجزالته وبلاغته دلالة اخرى غير دلالة الإخبار بالغيوب.

باب آخر [ما كان بمكة من انشقاق القمر]
وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر؛ فان رسول الله ﷺ مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من اصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد، إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربك ان يشقّ هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الارض الى السماء. فنزلت القصة في ذلك «١» .
وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته ﷺ.
فإن قيل: ومن أين لكم ان القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورة ام بدلالة؟ أو ليس النظام «٢» قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك اهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط/ القيامة، فبأي شيء تردّون
_________
(١) انزل الله في انشقاق القمر سورة القمر وأولها: اقتربت الساعة وانشق القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر.
(٢) هو ابراهيم بن سيار ابو اسحق النظام، احد أئمة المعتزلة المشهورين، انفرد باراء خاصة تابعه فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية. توفي سنة ٢٣٢ هـ. الاعلام ١: ٣٦.
قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط؟ قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر غلط كما غلط ابراهيم النظّام.
فوجه الدلالة على ذلك ان رسول الله ﷺ قد احتج بذلك على المسلمين والمشركين وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» .
ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير الى أمر ظاهر يشار اليه ويشاهده الناس، فلو أراد ان يكذّب ويردّ قوله ما زاد على هذا؛ هذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصل كائنا من كان، فكيف يقع ممن يدّعي النبوة والصدق وهو أشد حرصا بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد ان يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمل.
فإن قيل: فما تنكرون على من قال انه ﷺ، ما احتج بهذا على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] «١» من ادّعى ذلك او ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته.
ومما يزيدك علما بذلك ويبين لك غلط النظّام وجهل كل من ذبّ عن ذلك قوله ﵎: «اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن امر قد كان ومضى، ثم قال على نسق الكلام:
_________
(١) ما بين القوسين اضافة من عندي ليتصل الكلام.
«وانشق القمر»، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، او كان/ يقول وسينشق القمر، فلما لم يقل ذلك وقال:
وانشقّ القمر، علمت انه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا.
ثم قال على نسق الكلام: «وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فأخبر انها آية مرئية وحجة ثابتة. ثم قال على نسق الكلام: «ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغني النّذر»، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن. فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان، ولا يسوغ ان يقال في امر لم يكن، ولم يقع هذا القول.
وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمل له، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع.
فأما قول النظّام: فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأن الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، واذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه. يزيدك بيانا ان القمر قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد الواحد والنفر اليسير لنومهم»
، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه اولئك القوم الذين طلبوه.
_________
(١) وقد تقرأ: لتوهم.
وأيضا فقد يجوز ان يحجبه الله ﷿ لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم، لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال: انما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه ايضا، وبطل ما توهمه.
ومدار/ الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه.
ومن الدلالة ايضا ان ذلك قد كان، ان الصحابة بعد رسول الله ﷺ قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم.
وقد ذكر انشقاق القمر علي بن ابي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر. وكانوا يقولون:
خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام «١»، يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم. وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين او من غيرهم،
_________
(١) يقصد بالروم غلبة الفرس على الروم وما تنبأ به القرآن من غلبة الروم بعد ذلك في سورة الروم، والقمر حادثة انشقاق القمر الذي ورد في القرآن في سورة القمر، اما الدخان فما ورد حوله في سورة الدخان، وأما البطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى: «يوم نبطش البطشة الكبرى»، وأما اللزام فقد قيل ان المقصود بها بدر ايضا، وقد ذكر ذلك ابن الاثير في النهاية ٤: ٥٦.
Translation
باب آخر ما كان بمكة من انشقاق القمر
#12 Chapter 12 — باب آخر ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم · ref. #12
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وفي ذلك أتم كفاية. ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة اخرى، إذ لا يجوز ان يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدثه:
قد كنا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا- وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعى عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه. ثم ذكرنا الاجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة.

باب آخر [ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم]
مما كان بمكة. وهو ان الفرس غلبت الروم على أرض الجزيرة وهي أدنى ارض الروم وممالكها من سلطان فارس، فسرّ ذلك مشركي قريش لشدة فارس على الاسلام والمسلمين، وكانت الروم ألين كتفا على المسلمين لأنهم اهل كتاب، وكانوا يصغون/ الى ما يرد عليهم من أخبار رسول الله ﷺ وما يدعو اليه وما يأمر به وما ينهى عنه وكيف سيرته، ويتعجبون من ذلك ويستحسنونه، ويكون من ملكهم ما لعله يرد عليك. وساء المسلمين ظهور فارس عليهم، فأخبر الله نبيه ﷺ ان الروم ستظهر على فارس بعد سبع سنين، وان غمّ المسلمين سيعود فرحا، وأنزل بذلك قرآنا يتلى، فقال ﷿: «ألم. غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر «١» من يشاء وهو
_________
(١) في الاصل: ينصر الله، وهو خطأ
العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون» .
فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على ابي بكر الصديق، وبشره وبشر المسلمين؛ فخرج ابو بكر الى المشركين وأخبرهم بذلك وتوعدهم وجادلهم وأغضبهم وأغاظهم. فقال أبيّ بن خلف: والله لا تغلب الروم اهل فارس ولا تخرجنهم من أرضهم. فقال ابو بكر: بل تغلبهم وتخرجهم، فإن شئت بايعتك، فبايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول الله ﷺ: انها سبع سنين فزده في الخطر «١» ومدّ في الأجل.
فرجع ابو بكر الى أبيّ بن خلف فاستقاله فأقاله، وقال: ان الذي يجيء به صاحبك باطل. فعاوده ابو بكر المبايعة وزاد في الأجل اربع سنين، وزاد في الخطر/ ثلاثا من الإبل، وأخذ أبي ابا بكر بكفيل، لأن ابا بكر على الهجرة مع رسول الله ﷺ، وقد كان يذكر هذا وقد بدأ في فرار المسلمين بأديانهم، فأقام له ابو بكر عبد الله ابنه كفيلا، وأخذ ابو بكر أبي بن خلف بذلك فأقام له ابنا كفيلا، فأخرجت الروم فارس من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن ابي بكر من أبي بن خلف وكان الخطر إذ ذاك مباحا طلقا.
فانظر كم في هذا من دلالة وآية بينة، وأنه اخبر ان الروم ستغلب فارس، وأن ذلك سيكون بعد سبع سنين، فكان كما اخبر وعلى ما فصل
_________
(١) تخاطر: تراهن، والخطر: السبق يتراهن عليه.
وبيّن، والبضع فوق الثلاث ودون العشر، وانظر الى هذا الإقدام وهذه الثقة من رسول الله، وانظر الى قوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، يريد بهذا النصر ظهور حجة رسول الله ﷺ وما أقدم عليه أبو بكر وجاهد المشركين وبايع، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك معصية، وفارس والروم كفار والله لا ينصر الكفار بعضهم على بعض. وانظر الى هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله:
«ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» وانظر كيف يستخف بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم، وانظر كيف يقول له في آخر السورة: «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون»، فتأمل هذا البيان/ وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار والعلوّ والاستطالة بالحجة والعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه.
وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في اول الاسلام وفي حال ضعفه وقلة اهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم، وفي الحال التي قد كان المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه، وانظر الى بصيرة هذا الرجل ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة هوانا، كل ذلك للإسلام. ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجلّ أعضاده وأنبه أعوانه، لم يقم مقامه احد من المسلمين ولا سدّ مسدّه ولا حلّ من رسول الله ﷺ محله. وانظر
الى مقامه في شأن الاسراء، وفي شأن الروم، وفي غير ذلك مما يطول شرحه. وانما احتجنا الى ذكر هذا والتنبيه عليه لأننا في زمان يقول الكثير من اهله انه ما أسلم قطّ وما زال عدوا لرسول الله ﷺ وللمسلمين، وأن عداوته كانت أشد وأضر من عداوة ابي جهل وعقبة ابن ابي معيط وأمثالهم، وأن القرآن كان ينزل على رسول الله ﷺ بإكفار أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن «١» والجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان رسول الله ﷺ يتلوه في المحاريب ويسمعه الناس/ كلهم ويحفظهم إياه، وأنه مكث نيفا وعشرين سنة يفعل ذلك. وعند العلماء والفقهاء وأهل التحصيل والانصاف، انه كان يتقدم المسلمين في الاسلام، وأنه كان أشدهم غنى، وأن امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ﵁ كان يقدمه ويقدم عمر على نفسه ويفضلهما على منابره وهما من الأموات، حتى يقول ابو القاسم البلخي «٢»:
ومن يفضل أمير المؤمنين لا يمكننا ان ندفع قوله، ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل
_________
(١) سعد بن ابي وقاص الصحابي الجليل المتوفي سنة ٥٥ هـ. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، احد العشرة المبشرين بالجنة توفي بعد الخمسين من الهجرة، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح، احد المبشرين بالجنة وفاتح الشام وامين توفي سنة ١٨ هـ. وعبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري احد العشرة المبشرين بالجنة، لعب دورا كبيرا مع رجال الشورى بعد وفاة عمر حتى بايع لعثمان ﵁ بالخلافة توفي سنة ٣٢ هـ.
(٢) هو عبد الله بن احمد بن محمود، ابو القاسم البلخي او الكعبي، احد أئمة المعتزلة، له فرقة تنتسب اليه، وكان يفضل عليا ﵁. انظر تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤، ووفيات الاعيان ١: ٢٥٢، والاعلام ٤: ١٨٩.
أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله «١»: أيهما أفضل؟ ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، أفكنا نردّ قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا.
ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول الله ﷺ في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر/ فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذلّ أعداء رسول الله ﷺ بكل مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثّه ونشره وبسطه وبناه وشيّده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك جميعها. فغاظهم ذلك أشدّ الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله ﷺ، فاشتفوا
_________
(١) شريك بن عبد الله: هو شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي، عالم بالحديث وفقية ولي القضاء للمنصور العباسي في الكوفة سنة ١٥٣ توفي سنة ١٧٧ هـ. تذكرة الحفاظ ١: ٢١٤، وفيات الاعيان ١: ٢٢٥.
Translation
باب آخر ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم
#13 Chapter 13 — باب آخر من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة · ref. #13
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
منه بشتم هؤلاء وغرّوا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو مغيّر لا تقوم به حجة، والاسلام مبدّل، والفقهاء جهّال كفار، الى غير ذلك مما هذا سبيله وشرحه يطول، فاغترّوا بهم وقبلوا منهم وصدّوهم عن الاسلام فأوردوهم ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١»، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.

باب آخر [من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة]
فمن أعلامه التي حدثت وهو ﷺ بمكة، انقضاض الكواكب وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. وهذه آية عظيمة، وبيّنة جليلة، وواضحة جسيمة.
وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ/ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا» «٢» .
فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقرّ بنبيّكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة
_________
(١) هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي (٢٣٥- ٣٠٣ هـ) شيخ المعتزلة في عصره وإليه تنسب الجبائية. نسبته الى جبي من قرى البصرة، وتفسيره المذكور من اهم مؤلفاته، استفاد منه من بعده القاضي عبد الجبار والحاكم ابو السعد والزمخشري. وفيات الاعيان ١: ٤٨٠. دائرة المعارف الاسلامية ٦: ٢٧٠.
(٢) الجن ٨ وما بعدها.
أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف.
والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله ﷺ قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها. وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول الله ﷺ في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء «١» فضلاء لأنه
_________
(١) ألباء: جمع لبيب. انظر القاموس المحيط.
نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر.
وهناك من اعدائه قريش والعرب واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب الظاهر البارز للعقول/ والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة.
وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١»» اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته وثقاته وبطانته.
فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا.
قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
_________
(١) الانعام ٣٣
الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة «١»] .
وجواب آخر:
وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا «٢» بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة الحق اولى من التمادي في الباطل.
وجواب آخر:
وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، / ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم وإن ضرّهم وإن ذهب برئاستهم وحطّ من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من وليّ وعدوّ، فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة.
وانظر كيف اوردها وأدلّ على العدوّ والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
_________
(١) ما بين القوسين كتب قريبا من حاشية الورقة، فيحتمل ان تكون من الاصل او ان تكون من المعلق على الكتاب.
(٢) حسست الشيء: احسسته، وحسست به ايقنت به. انظر القاموس المحيط.
تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوّا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا.
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشرّ اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم.
وقد جاء مع هذا ايضا ان «١» الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من/ اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد نائلة بن عمر والثقفي «٢» لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
_________
(١) في الاصل: من، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
(٢) انظر ما اورده ابن كثير في تفسير سورة الجن عن هذه الحادثة.
فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، وفي كتب العجم ذكر لذلك.
قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم «١» واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن الماء قد كان قبل نوح ﵇ يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما جاء نوح صلى الله عليه زاد/ الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا جواب سديد شاف كاف، لأن النبي ﷺ انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع.
فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ﵀، فانه يذكر في كتاب «الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة،
_________
(١) ابو هاشم الجبائي هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي «٢٤٧- ٣٢١ هـ» من كبار رجال المعتزلة له طائفة تنتسب اليه تسمى بالبهشمية، ويعتبر القاضي عبد الجبار من تلاميذه ورجال مدرسته. وفيات الاعيان ١: ٢٩٢ وتاريخ بغداد ١١: ٥٥.
وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم النظّام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بيّن قد اراد به صاحبه انقضاض الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في هذا متعلق/ او يحتاج فيه الى جواب.
واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال:
وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير «١» وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا في اشعارهم وهو أمر بارز لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا تأثير.
قال ابو عثمان: وأما ما يدّعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي ﷺ وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف وحاله ما وصفنا؟.
وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
_________
(١) يقصد زهير بن ابي سلمى.
ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورّقين فيدور/ في ايدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون.
فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله ﷺ ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول الله ﷺ، وغيّر اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب «اليتيمة»، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي «١» . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة «٢» الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة»، يعارضه به كتاب «كليلة ودمنة»، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع «٣» في كليلة ودمنة عن هذا/ الذي سماه برزوي الطبيب، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله ﷺ، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان «٤» صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
_________
(١) هو ابان بن عبد الحميد بن لاحق، شاعر مكة، اتصل بالبرامكة ومدحهم ونظم لهم كليلة ودمنة شعرا وكتبا اخرى فارسية، توفي سنة ٢٠٠ هـ. دائرة المعارف الاسلامية ١: ١٦ والاعلام ١: ٢٠.
(٢) كاتب بليغ فارسي الاصل، ومن واضعي القصص، ولاه المأمون رئاسة خزانة الحكمة، وكان شعوبيا يتعصب للعرب على العجم. معجم الأدباء ٤: ٢٥٨، فوات الوفيات ١: ١٨١.
(٣) كتب المعلق في حاشية الكتاب العبارة التالية: «في نسه ذلك الى المفيد وقد قال الناس ان الذي حكاه عن هذا الرجل الذي سماه» .
(٤) في الاصل: انهم، ولعل الصواب ما اثبتناه.
رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا «١» النوبختي، وكابن فرخان شاه النصراني «٢» وغلام زحل «٣»: من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، فقال له: عن هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام/ وفي ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله ﷺ وأيام خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقّنه، فوضع الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمّن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من
_________
(١) في الاصل ابن كريا، ولعله ابن زكريا النوبختي.
(٢) ابن فرخان شاه النصراني: هو ابن نضير بن فرخانشاه المنجم الاعجمي المتوفي سنة ٣٦٧. القفطي ٣٥٦.
(٣) هو عبيد الله بن الحسين ابو القاسم المعروف بغلام زحل، قال القفطي من افاضل الحساب والمنجمين، توفي سنة ٣٧٦. تاريخ الحكماء ٢٢٥، الفهرست ٣٩٥.
هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت يسقط حجّه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاجّ فاذا هو لا ينقطع حجّه. ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان يدّعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم الإصابات عن غير علم كما تتفق للعّابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين/ برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من هذا.
ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢»: كذا وكذا قبل
_________
(١) واسمه ميشا بن ابري المنجم اليهودي المشهور، عاش زمن المنصور وبقي حتى ايام المأمون. قال القفطي: وكان فاضلا اوحد زمانه في الاخبار بأمور الحدثان وكان له خطر قوي في سهم الغيب ومن مؤلفاته كتاب القرانات. تاريخ الحكماء للقفطي ٣٢٧
(٢) هما اخوان من اصل مجوسي، اسلما واشتهرا بالذكاء والادب والفصاحة، ووزرا للخليفة المأمون العباسي، وكان الفضل يلقب بذي الرياستين.
أن يكون فكان كذلك.
وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك/ فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم.
وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله ﷺ وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصدّ اهله عنه، وهم يتسترون بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا
ابن اقا «١»، وحنين بن اسحق وابنه اسحق «٢»، وقويرى «٣»، ومتى بن يونس «٤»، ويحيى بن عدي «٥»، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد.
وكان يوحنا القس «٦» مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا.
ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب.
وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي»
المنسوب الى ارسطالس
_________
(١) هو فيلسوف شامي نصراني، اشتهر بالترجمة من اليونانية الى العربية، وبرع في علوم كثيرة. عاصر يعقوب بن اسحق الكندي. انظر تفصيل كتبه في الفهرست ٤١١، والقفطي ٢٦٢.
(٢) انظر ترجمة حنين بن اسحق وابن اسحق في هامش ص ٥٣.
(٣) واسمه ابراهيم قويري ويكنى ابا اسحق، ممن اخذ عنه علم المنطق، وعليه قرأ ابو بشر متى بن يونس. الفهرست ٣٦٧، وطبقات الأطباء ٧٧.
(٤) ابو بشر متى بن يونس النصراني المنطقي. قال القفطي: وكان ببغداد في خلافة الراضى بعد سنة عشرين وثلاثمائة وقبل سنة ثلاثين وله مناظرة جرت بينه وبين ابن سعيد السيرافي النحوي. القفطي ٣٢٣.
(٥) هو ابو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي، قال ابن النديم: واليه انتهت رياسة اصحابه في زماننا. قرأ على ابي بشر متى وعلى ابي نصر الفارابي وعلى جماعة مذهبه من مذاهب النصارى اليعقوبية. الفهرست ٣٦٩.
(٦) يقصد يوحنا بن ماسويه، كان نصرانيا شماسا سريانيا في ايام الخليفة هرون الرشيد، وقد ولاه ترجمة الكتب الطبية القديمة، وله في تاريخ الحكماء للقفطي ترجمة طويلة. انظر القفطي ٣٨٠.
(٧) يقصد كتاب الآثار العلوية لأرسطو، نقله الى العربية ابو بشر متى. الفهرست لابن النديم ٣٥١
فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو/ أشبه.
وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بيّن لهم توحيد الله وانفراده بالقدم وصدق نبيّه ﷺ، وذكر فيه قطعة كافية حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمّر او غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي «١»، وهو موجود في رسائل تاج الاصفهاني «٢» لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر «٣» . وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
_________
(١) هذا ابو الربيع محمد بن الليث الخطيب، كتب ليحيى بن خالد، وله ولاء ببني امية، وكان بليغا مترسلا كاتبا فقيها متكلما، ذكر له صاحب الفهرست كتاب «جواب قسطنطين عن الرشيد» ولعله هو المقصود هنا. إلا ان صاحب الفهرست يضيف رواية تشير الى ان نسبه يتصل بدارا، احد ملوك الفرس، بعد ان ذكر انه كان شديد الميل على العجم وأن البرامكة كانوا يكرهونه لذلك. ابن النديم ١٧٥.
(٢) هو محمد بن بحر ابو مسلم الاصفهاني، معتزلي ومن كتاب الكتاب. كان عالما بالتفسير وغيره من صفوف العلم توفي سنة ٣٢٢. ذكر له ياقوت في معجم الادباء كتابا باسم «مجموعة الرسائل» لعله هو المقصود هنا. «٢٨٠ هـ.» معجم الادباء ٦: ٤٢٠
(٣) هو احمد بن طيفور الخراساني مؤرخ وأديب، له كتاب تاريخ بغداد، وأما كتاب المنثور والمنظوم فيقع في اربعة عشر جزآ. ياقوت ١: ١٥٦.
ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما.
وقد قال ابو علي ﵀ واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند مبعثه.
وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي ﷺ: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية «١»؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان «٢»: هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي ﷺ بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس/ في هذا خلاف في كونها ووقوعها.
وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم.
_________
(١) انظر لما ورد في انقضاض الكواكب من آثار تفسير ابن كثير ٤: ١٩٢ و٤٢٩.
(٢) يقصد اصحاب ابي علي الجبائي وأبي عثمان الجاحظ.
وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه.
ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت/، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في الارض والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت.
ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
Translation
باب آخر من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة
#14 Chapter 14 — وباب آخر دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم · ref. #14
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضارّ.
ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات والمعادن.
وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة.
وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند قلي السمسم والباذنجان واصوات/ غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام.
والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم الناس.

وباب آخر [دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم]
ومن آياته ﷺ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ،
فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية، وحتى اشتووا القد «١» وأكلوا العلهر «٢»، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن زرّارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله ﷿: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٣»» . والدخان الجدب «٤»، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه ﷿ يقول: «يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٥»» . ثم ورد على نسق/ «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.
_________
(١) القدّ في الاصل هو القطع المستأصل او المستطيل او الشق طولا، ويطلق على جلد النحلة. انظر القاموس المحيط.
(٢) في حاشية الكتاب ان العلهر هو الدم يخلط بالوبر.
(٣) الدخان ١٥ وما بعدها
(٤) في الحاشية: الدخان، الجدب
(٥) الدخان ١٥ وما بعدها
Translation
وباب آخر دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم
#15 Chapter 15 — باب · ref. #15
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
قال اصحاب عبد الله بن مسعود «١»: كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصّا عند ابواب كندة- يعني الكوفة- يقصّ، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) «٢» . إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال:
اللهم سبعا كسنيّ يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود:
فكانت الدخان سنين كسنيّ يوسف ﵇ فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب ﷺ ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة/ الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان والبطشة واللزام.

باب
ومن آياته بمكة، أنه ﷺ لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردّوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض وقالوا:
_________
(١) اسلم بن مسعود قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها، ولازم النبي ﷺ. وحدث عنه الكثير، ثم شهد فتوح الشام، عينه عثمان على الكوفة ثم عزله، توفي سنة ٣٢ هـ. الاصابة ٢: ٣٦٠
(٢) سورة ص ٨٦
Translation
باب
#16 Chapter 16 — باب ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة · ref. #16
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
(امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟) «١» وتوعدوه بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله ﷺ ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) فكان كما أخبر وكانت العقبى له.
فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله واستئصاله، وهيّجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه.
واذا وفّيت النظر حقه لم تجد لرسول الله ﷺ في اخوانه من النبّيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتدّ امتداد النهار.

باب [ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة]
مما كان بمكة، حين تلا عليهم سورة «اقتربت الساعة» وقص عليهم أمة أمة من الذين كذبوا الرسل، وما نزل بهم من النكال والبوار، الى ان انتهى الى قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ
_________
(١) سورة ص ٦
Translation
باب ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة
#17 Chapter 17 — باب آخر ما نزل بمكة من قوله تعالى"فاستمسك الذي اوحى اليك ... " · ref. #17
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١» فكان إدلالهم بكثرتهم وكثرة من يساعدهم على عداوته ومحاربته، وانه ان صارت له جماعة فجموعهم أكثر، والأموال والسلاح والكراع والعدة معهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله ﷿ مالك القلوب وناقض العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له.

باب آخر [ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ...»]
مما نزل بمكة قوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» «٢» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله ﷺ وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلّوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن عرف علوم القرآن، ولهذا قال ﷿ لقريش في ابتداء المبعث: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» «٣» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ممن/ تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر.
_________
(١) سورة ص ١١
(٢) الزخرف ٤٣
(٣) القمر ٤٣
Translation
باب آخر ما نزل بمكة من قوله تعالى"فاستمسك الذي اوحى اليك ... "
#18 Chapter 18 — باب آخر من اعلامه قوله ﷿"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن" · ref. #18
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وفي هذا المعنى قوله ﷿ «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» «١» فتأمل ما في هذا، فإنه ﷺ ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ، وثواب الآخرة خير من الأولى؛ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى»، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن.
وفي مثل هذا المعنى قوله ﷿: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.

باب آخر [من اعلامه قوله ﷿ «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ»]
من أعلامه، وهو قوله ﷿ «قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» «٢» وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن:
إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا
_________
(١) الضحى ٦
(٢) الاسراء ٨٨
يحصى قبائلها/ ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم ﷺ أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادّعاه امر عظيم وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب الرّخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر امره وفي آخر عمره.
واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مرّ بك طرف منه في المصباح «١»، ولعل اكثر منه ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله.
من دلائله وإعلامه ﷺ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،
_________
(١) لعل القاضي يقصد بالمصباح اسم كتاب له، الا اننا لم نعثر لهذا الكتاب على اثر في كتب القاضي التي اطلعنا عليها ولا في الكتب التي نقلت عن القاضي او ذكرته.
ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله ﷿.
فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١»» وقالوا: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٢»»؟
قلنا: ما ادّعينا ان خصومه ما ادّعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل لما انقطعوا وقامت حجته ادّعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه ﷺ، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد
_________
(١) الفرقان ٥.
(٢) الفرقان ٤.
تعاطاه ﷺ/ ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادّعى، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد ﷺ لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادّعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق.
وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، وأزواجه إنما هنّ بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له ﷺ يوما واحدا او ساعة واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك/ كله تم له وخفي على اهله ونسائه وعدوه ووليه.
فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح ﵇ ثم قال في آخرها: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ. ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا
قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ «١») وانظر كيف يقول له:
إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدوّ والوليّ يسمع ذلك.
وتأمل قوله ﷿ في قصة يوسف ﵇ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) «٢» ثم عزاه وقال له: آياتك بيّنة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصدّ عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» «٣» .
وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال:
«وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» «٤» .
وقال له في أول سورة يوسف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» «٥» . ثم يقول في آخر السورة: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
_________
(١) هود ٤٩ وما بعدها
(٢) يوسف ١٠٢
(٣) يوسف ١٠٤ وما بعدها
(٤) العنكبوت ٤٨
(٥) يوسف ٣
يُؤْمِنُونَ» «١» .
وتأمل قوله ﷿ في سورة القصص: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢»» الى قوله: «وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا بوحي من الله.
وانظر الى قوله في سورة طه: «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى «٣»» . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى.
وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،
_________
(١) يوسف ١١١
(٢) القصص، الآيات ٤٤ و٤٥ و٤٦
(٣) طه ١٣٣
Translation
باب آخر من اعلامه قوله ﷿"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن"
#19 Chapter 19 — باب آخر من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها · ref. #19
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وشيئا/ للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا ﷺ تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك.

باب آخر [من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها]
من آياته وأعلامه، وهو إخباره عن النصرانية ومذاهب النصارى من هذه الطوائف الثلاث منهم، وهي الباقية القائمة الراهنة في قولهم ان المسيح عيسى ابن مريم هو الله، وان الله ثالث ثلاثة؛ فان هذه الطوائف الثلاث من الملكية واليعقوبية والنسطورية «١»، لا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بعبد صالح ولا بنبي ولا برسول، وانه إله في الحقيقة، والله في الحقيقة، وانه هو خلق السموات والارض والملائكة والنبيين، وانه هو الذي أرسل الرسل وأظهر على ايديهم المعجزات، وان للعالم إلها هو آب والد لم يزل، غير مولود، وانه قديم خالق رازق، وإله هو ابن مولود، وانه ليس باب ولا والد، وانه قديم حيّ خالق رازق، وإله هو روح قدس ليس باب والد
_________
(١) سيأتي تفصيل هذه الطوائف فيما بعد.
ولا ابن مولود/ وانه قديم حيّ خالق رازق، وان الذي هو ابن نزل من السماء، وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول، وصار هو ابنها إلها واحدا ومسمى واحدا وخالقا واحدا ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب وألم «١»، ومات ودفن، وقام بعد ثلاثة ايام وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه. فحكى قولهم في ان المسيح هو الله وان الله ثالث ثلاثة.
وهكذا مذهبهم في الحقيقة ولا يكادون يفصحون به، بل يدافعون عن حقيقته ما امكنهم، حتى ان ارباب المقالات واهل العناية به من المصنفين لا يكادون يحصلون مذهبهم، وإنك لتجد النظّارين منهم والمجادلين عنهم اذا سألتهم عن قولهم في المسيح، قالوا: قولنا فيه انه روح الله وكلمته مثل قول المسلمين سواء، او يقول: إن الله واحد. وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى اهلها، ولا من المتكلفين، ولا كانت مكة والحجاز اذ ذاك بلاد فيها شيء من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ، وفتش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما اكثر ما تلقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح انه الله، ولا قلنا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن حكى هذا عنا فقد أخطأ وكذب، ليعلم ان وقوف محمد ﷺ هذا انما هو من قبل الله ﷿، وان ذلك من آياته.
فإن قيل: فإن قولهم في هذا وأن الله ثلاثة أقانيم جوهر واحد، كقول المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حيّ قادر عالم.
قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول
_________
(١) ألم الرجل يألم ألما، فهو ألم. اللسان ١٤: ٢٨٧
المسلمين بسبيل، وإنما يقول هذا من يروم المغالطة والفرار من فحش المقالة، / لأن الله عند المسلمين هو الرحمن وهو الرحيم وهكذا العالم القادر، وهي ذات واحدة لها صفات كثيرة، وأسماء كثيرة. وعند النصارى، أن الله الوالد ليس هو الابن المولود، ولا يجوز ان يكون الأب الوالد ابنا مولودا، ولا الابن المولود أبا والدا، وكذا روح القدس، ومن قال غير هذا فليس من النصارى؛ فان بليت منهم بمن هذه سبيله أعني الجحود لهذه المقالة الفاحشة فقل: إن كنت تريد أن هذا قولك وكذا تختار فما يدفعك عن هذا؟ فأما ان يكون هذا قولا للنصارى فهذا كذب وبهت، ولو أسلم نصارى عصرنا كلهم لما خرج هذا من ان يكون قولا لمن سبق وتقدم من هذه الطوائف الثلاث، فاعلم ان هذا هو مذهبهم في التثليث، قد حصل العلم به ولهم فيه ضرب أمثال، وذلك في تسابيحهم وأقاويلهم في عباداتهم، ألا ترى انهم يقولون في تسبيحة القربان في الساعة التي يكونون فيها خاضعين يتوقعون بزعمهم نزول روح القدس لقبول فاتور القربان: ليتم علينا وعليكم نعمة الرب يسوع المسيح بن مريم ومحبة الله الآب ومشاركة روح القدس أبدا الى دهر الداهرين.
ويقولون في تسبيحتهم التي يسمونها تسبيحة الإيمان التي وضعت بنيقية»
من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، حين جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس «٢» ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرّانية
_________
(١) عقد مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م بدعوة من الامبراطور قسطنطين، وكان يضم ٣١٨ اسقفا، ابرز اعضائه آريوس الكاهن الاسكندري الذي تبنى رفض تساوي عناصر الثالوث النصراني، وقال بأن جوهر الابن غير مساو لجوهر الآب وانه مخلوق.
(٢) هو قسطنطين الكبير، ابن قسطنطين خلور، ووالدته هيلانة وكانا ميالين للمسيحية. بقي وثنيا حتى سنة ٣٠٨ ثم بدأ يفكر في جعل المسيحية دينا للدولة وخاصة بعد رؤيا الصليب-
الفندقية، جمعهم ليعملوا تقريرا في ايمانهم يحملون الناس عليه ويأخذونهم به فمن أبى قتلوه، واجتمع عنده نحو ألفي رجل، فقرروا تقريرا ثم رفضوه، ثم اجتمع ثلثمائة رجل وثمانية عشر رجلا وهم يسمونهم الآباء، فقرروا هذا التقرير، وهم يسمونه سنهودس/، فكان تقريرهم لهذه التسية وهي أصل الأصول عند جميع هذه الطوائف لا يتم لأحد منهم عندهم إيمان إلا بها وهي:
«نؤمن بالله الأب الواحد، خالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح بن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول، وصار انسانا، وحبلت به مريم البتول وولدته، وأخذ وصلب وقتل امام فيلاطس الرومي، ومات ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه، وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بالرب الواحد روح القدس، روح الحق الذي يخرج من ابيه، روح محييه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسيّة سليحيّة «١» جاثلقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» .
فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف
_________
- العجيب- في زعمه- سنة ٣١٢ قبل المعركة مع مكسنتي. وقد اصدر منشورا بحرية التحول للديانة المسيحية سنة ٣١٣ م. انظر تاريخ الكنيسة المسيحية، الكسندروس مطران حمص ص ٢٢٠ وما بعدها. ولقبت هيلانة بالفندقية لأنها كانت تعمل في فندق بحران.
(١) سليحية: نسبة لكتاب السليح لبولص، وهو يتألف من ٢٤ رسالة. انظر الفهرست لابن النديم ٤١. وقد ورد في الكتاب احيانا باسم السليح واحيانا باسم السليحين.
يعتقدون في الله حقيقة المدبرين المصنوعين من النزول والصعود والولادة وغير ذلك.
فان قالوا: فانا لا نقول انها ثلاثة آلهة، فكيف يحكون عنا التثليث؟
قلنا لهم: انكم قد أعطيتمونا معنى التثليث وأشعتموه واستوفيتم حقائقه، ومنعتم/ بعض العبارة عنه، ألا ترون انكم تقولون إله هو أب والد حيّ قادر قديم عالم خالق رازق، وإله هو ابن مولود كلمة حي قديم خالق رازق ليس باب ولا والد ولا يجوز ان يكون والدا ولا أبا، وإله روح قدس حي عالم قديم خالق رازق. ثم قلتم هي ثلاثة أقانيم، فقلتم في كل واحد منها انه إله ورب وقديم، وامتنعتم من الاقرار بالجملة وقد أعطيتم التفصيل، وما مثال ذلك إلا كمن قال: عبد الله العربي «١» رجل وانسان وجسم وشخص، وخالد الفارسي «٢» رجل وانسان وجسم وشخص، وزيد الرومي رجل وانسان وجسم وشخص، قلنا: فهولاء ثلاثة رجال، وثلاثة أناس، وثلاثة اشخاص، وثلاثة اجسام. فقلتم: لا، بل هم رجل واحد. قلنا: لا يؤثر امتناعكم من اطلاق هذه العبارة في شيء قد أشيعت حقيقته. وفيهم من يمتنع من ان يقول في كل واحد من هذه الثلاثة انه غير صاحبه، ثم يقولون:
ما شبهنا ولا مثلنا، فكانوا كالمشبهة الذين يقولون: إله يصعد وينزل ويقعد على العرش، ثم يقولون: ليس كمثله شيء.
والذي يمنع النصارى من اطلاق القول بأنها ثلاثة آلهة متغايرة مختلفة وان كانوا قد اعطوا معنى ذلك، إلا لأنهم صدقوا بكتاب الله ﷿ التي صدق
_________
(١) - بحط مخالف، وفوق السطر.
(٢) - بحط مخالف، وفوق السطر.
بها المسيح ﵇، وهي مملوءة بتوحيد الله وتفرده بالقدم، وانه لا يشبه الأشياء، وانما هذه البدع ابتدعوها بعد المسيح، فأرادوا حمل بدعتهم في الشرك على ما في كتب الله فلم يتم ذلك وحصلوا على محض الشرك والتشبيه/.
فإن قيل: قد لعمري صدقتم فيما حكيتم من التثليث، فإن الملكية تقول فيه: إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وان القتل والصلب والولادة وقعت عليه بكماله؛ واليعقوبية تقول: حبلت مريم بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، ومات الإله، فما عندكم في النسطورية؟ فإنهم قد قالوا في المسيح انه مركب من نوعين وأقنومين «١» وطبعين، من إله ومن انسان، وان الولادة والقتل إنما وقعتا بالانسان وهو الذي يسمونه الناسوت.
قيل له: لو كانت النسطورية تقول في المسيح كما يقول المسلمون لما قدح ذلك في الخبر ولا اثر في العلم لأن التثليث قد وقع، كيف والنسطورية ترجع الى القول في المسيح الى قول اخوانهم من الملكية واليعقوبية، فيقال للنسطورية قد قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وقلتم إنه إله تام من إله تام، ثم قلتم إن لاهوته مولود من قبل الأب وناسوته مولود من قبل الأم، والولادة قد احاطت به من كل وجه ومن كل جهة؛ وايضا فإنكم تمدحون الإله بالولادة كما يمدحه المسلمون بتنزيهه عن الولادة، وتقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما، وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة.
فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم.
ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت
_________
(١) في الاصل: أقنيمين
المسيح في الحقيقة، وربت المسيح واطعمت المسيح في الحقيقة، وهي/ ام المسيح في الحقيقة؟ فإن قالوا: ولدت ناسوت المسيح او حبلت ناسوت المسيح قلنا: لم نسألكم عن هذا، فإن ناسوت المسيح عندكم ليس هو المسيح وإنما المسيح هو اللاهوت، ولاهوت المسيح عندكم ليس هو المسيح إنما هما مجموعهما المسيح، اجيبونا، فان كانت مريم قد ولدت المسيح في الحقيقة وحبلت بالمسيح في الحقيقة، فقد حبلت بالإله والانسان وولدت الإله والانسان، وهي ام الإله والانسان، وقد قتل الإله والانسان، وألم الإله والانسان، ومات الاله والانسان؛ فقد تبين ان قولكم وقول الملكية واليعقوبية في ذلك سواء. وإن قالوا ما ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة قلنا لهم: فليس هذا قول احد من النصارى ولا قول المسلمين ايضا بل هو قول اليهود، فانهم قالوا: إن مريم ما حبلت به.
وإن قالوا: نقول هي أم المسيح على المجاز، ومات المسيح في المجاز، قلنا لهم: لم نسألكم عن المجاز، إنما سألنا عن الحقيقة، فانه على هذا التقدير ربما ايضا يكون حمل مريم من غير ذكر مجاز، وإحياؤه المؤتى مجاز، وجميع ما يدعونه له مجاز، وهذا لا سبيل اليه، لأنهم إن قسموا أفعاله من من لاهوته وناسوته وجب ذلك كله، لأنه اذا احيا الموتى وأظهر الآيات فانما ذلك فعل اللاهوت واللاهوت وحده ليس بمسيح، واللاهوت ما رآه الناس فلا يجوز ان يقال رأى المسيح، وإذا أكل وشرب ونام واستيقظ فذلك فعل الناسوت والناسوت وحده ليس بالمسيح، فقد وجب/ جميع ما قدمناه
وهم لا يصيرون اليه ولا يلتزمونه، ومن صار اليه خرج عن النصرانية وعن جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها
معدل، وإنما وضعت حين صار الملك الى هذا القول، وحين خالفهم آريوس «١» الافصاح بالمذهب ولرفع التأويل والأوهام في المقالة.
وعند هذه الطوائف الثلاثة، ان المسيح صار مسيحيا وإلها خالقا رازقا معبودا حين بشّر الملك امه وساعة الحمل به، فاتحد به الإله فصار جميعا مذ ذاك مسيحا واحدا وإلها واحدا، وأن الاتحاد ما انتفض عندهم ولا بطل، ولا خرج عن المسيحية والإلاهية لا في حال الحبل ولا في حال الولادة ولا في حال النوم ولا في حال الأكل ولا في حال البول والتغوّط ولا في حال المرض ولا في حال القتل ولا في حال الموت، وأنه في جميع هذه الأحوال مسيح وإله ورب معبود وخالق ورازق ومدبّر.
ويقولون: هو احيا نفسه بعد الموت لأنه محال عندهم ان يحيي الموتى غير المسيح، وقد علمت تسبيحة الايمان وتفصيلها فارجع اليه، ففيه أتم كفاية لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص «٢» - وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-:
_________
(١) في الاصل ايريوس، وهو آريوس الكاهن الاسكندري، وقد كان احد الذين وجدوا ان في القول بأن أقانيم الثالوث المقدس لها جوهر إلهي واحد مساو اي: ثلاثة آلهة إله واحد، فيه تناقض كبير، فنادى بأن الله الآب وحده هو الإله الحقيقي بالمعنى الخاص الصارم، وابن الله- بزعم النصارى- والروح القدس كائنات إلهية بالدرجة الثانية، لها طبيعة تختلف عن طبيعة الآب ومخلوقة. وقد عقدت عدة مجامع كنسية فازت في بعضها آراء آريوس وخذلت في بعضها الآخر. المرجع السابق ٢٢٠ وما بعدها.
(٢) يقصد بولص الذي يلقبه النصارى بالرسول، فقد كان من عادة العرب ان يقلبوا الباء فاء حين الترجمة عن اللغة اليونانية، فقالوا: افلاطون وفيلاطس. ولبولص مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد تحت اسم اعمال الرسل.
لو علموا لما صلبوا رب المجد الذي له الحمد والبركات ابد الدهر. وقال/ ايضا:
الذي ليس بمعاين عوين، والذي ليس بمحسوس حس، والعالي على الزمان أبتدىء، وابن الله صار ابن الانسان، وألم الذي لم يكن يألم ووالده الله، فتأمل ما في هذا فانه يفصح بأن الله لم يكن يعاين فصار يعاين، ولم يكن يحسّ فصار يحسّ ويدرك، وأنه كان قبل الزمان فابتدىء وصار في الزمان، وألم الذي لم يكن يألم، وابن الله صار ابن الانسان، وصار ابن الانسان ابن الله ووالده الله، وهذه صفات المسيح الذي هو عندهم الله وابن الله. قالوا:
وقد قال الآباء- وقد ذكروا ما صنع فيلاطس الرومي واليهود-: انهم لما صلبوا رب المجد عرفوه.
قالت النصارى هذه كلها اقاويلنا وفيها حقيقة مذهبنا.
قالوا وقد قال الفاضل ياوانس: المساوى للأب جاء الى العالم في الرحم البتول، وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود، وهو ابن الله قبل ان يدعى ابن ابراهيم وداود. وقالوا: فهذه حقيقة ديننا، فان جاء فيه ان الله انسان او من جنس الناس، او أنه يتقلب في الصور والهيئات وينتقل ويتشكل لم ننفر من ذلك، ولم ندع ما اسسه الأباء والقدوة لما يوجب الجدل ويلزم في النظر. فتأمل هذا، وقولهم: المساوي للآب جاء الى العالم في الرحم البتول وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود وهو ابن الله قبل ان يدعي ابن ابراهيم وداود، لتعلم ان اعتقادهم وقولهم ان هذا الذي ولدته مريم هو ابن الله وهو الله، وأنه مثل الأب الذي في/ السماء على العرش عندهم، وأن هذا هو الذي لم يزل، وأن الذي حدث وتجدد ولادة مريم له، وأن ابراهيم وإسرائيل وداود انما صاروا آباءه من قبل امه لأنها
من بني اسرائيل، وأنه كان ابن الله قبل ان يكون ابن ابراهيم وإسرائيل وداود.
قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدرة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء لم يزل كلمة، والكلمة لم تزل لدى الله، والله هو الكلمة، ويسوع هو عيسى بالسريانية «١» . قالوا: فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وابن الله وهو كلمة الله.
قالوا: وقد قال يوحنا السليح «٢»: إنا نبشركم بالذي لم يزل من قبل، وأنا رأيناه بأعيننا، وحسسناه بأيدينا. قالوا: فما فيمن هو الحجة لجماعتنا الا من يكشف الامر كشفا لا يتعرض لتأويله الا من يكابر عقله.
فعندهم ان القديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم، ولمسوه بأيديهم. قالوا وقد قال أرميا النبي وقد ذكر المسيح والبشارة به: هذا الهنا ولا نعوذ معه غيره، وانه في آخر الزمان تراءى على الأرض وتردد مع الناس، فتأمل هذا الكشف.
قالوا: وقد قال بطرس «٣» وهو بكر ايماننا واصل بيعتنا لما سئل عن ابن الله لا عن ابن الناس، وعن كلمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير.
قالوا: وقد خاطب الناس/ من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت
_________
(١) يثبت القاضي كلمة يسوع بالالف قبلها واحيانا دونها، وقد اثبتناها بحذف الالف.
(٢) احد الذين يطلق عليهم النصارى اسم الرسل، وله مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد، مات سنة ٤٤ م. تاريخ الكنيسة ٣٤.
(٣) احد الذين يطلق عليهم النصارى اسم الرسل، وله مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد، مات سنة ٦٦ او ٦٧. تاريخ الكنيسة ٣٣.
مؤمن بابن الله، قال الاعمى: ومن هو حتى أؤمن به؟ قال: قد رأيته وهو المخاطب لك، قال: آمنت يا سيدي، وخر ساجدا. قالوا: فما الذي بقي من الافصاح بأن الذي حبلت به مريم وكان في بطنها هو الله وابن الله وكلمة الله.
قالوا: وقد قالت ام يحيى بن زكريا- وقد دخلت على مريم وهي حبلى بالمسيح، وام يحيى حبلى به- ان هذا الذي في بطني قد سجد للذي في بطنك. قالوا: فما الذي يبقى في البيان في ان الإله المعبود الذي هو الله وابن الله وكلمة الله هو الذي حبلت به مريم وولدته.
قالوا: ولما عمّده يوحنا في الأردن تفتحت ابواب السماء ونادى الأب:
هذا ابني وحبيبي الذي سررت به نفسي. ونزل روح القدس في صورة حمامة ورفرفت على رأس المسيح، قالوا: فالمتعمد هو الله الابن، والمنادي هو الأب، والنازل هو روح القدس، وانظر كيف يفردون كل واحد منهم بصنع غير صنع صاحبه.
قالوا: وفي البشارة به حين قال جبريل لمريم: ها انت تحبلين وتلدين، قالت له: كيف يكون هذا وما مسني رجل؟ فقال لها: ربنا معك، والهنا معك، وأيدي العلي تحلّ عليك، وروح القدس تأتيك، والذي يولد منك قدوس وابن الله يدعى، قالوا: فقد خبّرها بأنها تحبل بابن الله لا بابن الناس، وانها تلد ابن الله لا ابن الناس، وان الله معها. قالوا ولا نريد بقولنا معها ومع ابنها بمعنى التأييد والنصر والمعونه كما يكون الله/ مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم
ورب الملائكة؛ ولا هو معها ومع ابنها بمعنى الخلق والتدبير والتقدير كما يكون مع سائر إناث الحيوان من الناس والكلاب والحمير والخنازير بالخلق والصنع والتقدير، ولكنه معها لحبلها به ولاحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت جميع اناث الحيوان، وفارق ابنها جميع النبيين، فصار الله وابن الله الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته والمولود منها الها واحدا ومسيحا واحدا وربا واحدا وخالقا واحدا مذ وقت بشارة جبريل ﵇ لها، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، ولا في الحبل، ولا في الولادة، ولا في حال نوم، ولا مرض، ولا صلب، ولا موت، ولا دفن، بل هو متحد به في حال الحبل، فهو على تلك «١» الحال: مسيح واحد، وخالق واحد واله واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الموت والصلب كذلك.
قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى، فيقول: مريم حبلت بالإله، وولدت الإله، ومات الاله؛ ومنا من يمنع هذه العبارة ويعطي معناها وحقيقتها، فيقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي ام المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن لله في الحقيقة إلا هو، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو، ولا أم للمسيح إلا مريم. قالوا: فؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال/ فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط.
_________
(١) في الاصل: فهو تلك
قالوا: وانما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا لئلا يتوهم علينا إذا قلنا: حبلت بالاله، وولدت الاله، ومات الاله، وألم الاله، إن هذا كله حلّ ونزل بالاله الذي هو أب، ولكنا نقول: حلّ هذا كله ونزل هذا كله بالمسيح، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام، وإله حق من إله حق، من جوهر أبيه.
قالوا: لا نريد بأنه معنا على معنى النصر والتأييد ولا معنى الخلق والتدبير، لأنه مع جميع الانبياء والصالحين كذلك، ومع جميع المخلوقات بالخلق والتدبير، وكأن يكون قولنا وقول المسلمين واليهود واحدا في التوحيد.
قالوا: والآباء والقدوة منا يقولون: ابن الله يدعى ابن الانسان، وابن الانسان يدعى ابن الله، وآدم الجديد هو الاله الألم الذي قتل ومات.
قالوا: وعندنا ان المسيح قال: ابن البشر هو رب السبت «١» . وقال ايضا: أنا بأبي وأبي بي، ولا يعرف احد الات إلا الابن، والابن لا يعرفه إلا الاب، وانك إله بي وأنا بك «٢» . وقال: انا في ابي، وابي فيّ. وقال:
انا قبل ابراهيم، وقد رأيت ابراهيم وما رآني، فقال له اليهود: كذبت، كيف تكون قبل ابراهيم وأنت من ابناء ثلاثين سنة، فقال: انا عجنت طينة آدم وبحضرتي خلق، وانا اجيء واذهب واذهب واجيء «٣» . قالوا: وهذا القول عندنا للمسيح في الحقيقة، ولو كان قولا للإله الذي ليس هو المسيح
_________
(١) «ابن الانسان هو رب السبت» . انظر انجيل لوقا الاصحاح السادس.
(٢) الاصحاح العاشر من انجيل لوقا
(٣) انجيل يوحنا الاصحاح ٨
لما كان له معنى. وعندنا ان المسيح بن آدم وربه وخالقه ورازقه وابن/ ابراهيم وربه وخالقه ورازقه، وابن اسرائيل وربه وخالقه ورازقه، وابن مريم وربها وخالقها ورازقها.
قالوا: وقد اعتل لنا من يناظر عنا بأن الله والد في الحقيقة وان تولد ابنه منه كتولد ضياء الشمس من الشمس وكتولد الكلمة من العقل، ونحن فما قلنا: إنه والد وله ولد في الحقيقة بهذا الاعتلال، بل لما قدمنا من قول الآباء والقدوة. وعلى ان هؤلاء قروا بهذا القول من التشبيه لله بالمتناسلين المتناكحين من المخلوقين، فشبهوه بالموات والجماد، فوقعوا في شر ما هربوا منه ودفعوا الضرورة، لأن مريم قد ولدت المسيح إله الكل ولادة صحيحة في الحقيقة معقولة، ولادة الاحياء الناطقين بغير تناكح ولا تناسل، ومن قال إن مريم ما حبلت بالمسيح في الحقيقة، ولا ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة، فليس من طوائف النصارى. وكذا من قال ليس المسيح إلها في الحقيقة، ولا ربا للخلائق في الحقيقة، فليس من الملكية ولا من اليعقوبية ولا من النسطورية.
قالوا: وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمّرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلقته، وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى.
وقالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود بالمسيح: إنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه، وعجب لإله يضرب على رأسه. وتعالوا فانظروا الى الإله يلطم ويضرب على/ رأسه.
قالوا: وفي بشارة الأنبياء، ان الاله يجيء، وتحبل/ به امرأة عذراء وتلده، ويؤخذ ويصلب ويقتل.
قالوا ولنا سنهودس قد اجتمع عليه نحو سبعمائة من الآباء والقدوة، فيه ان مريم حبلت بالاله وولدته وارضعته وسقته واطعمته، وهذا دون ما في تسبيحة الايمان من الولادة والقتل والألم والصلب والموت والدفن.
قالوا: وأقاويلنا كلها من اولها الى آخرها التي ذكرناها لكم من اصل ديننا وحقيقة مفصحة بذلك، فهذه حقيقة ديننا وايماننا ولنا من هذا المعنى من السرياني والعربي اكثر مما ذكرناه.
فهذا يرحمك الله كما ترى وتسمع، فلولا ان رأينا قوما عقلاء يقولون هذا، وسمعناه منهم حين فتشنا عمّا قاله الله وحكاه عنهم فنطقوا به بعد الجهد واخرجوه من غوامض اسرارهم، لما صدق الناس ان في الدنيا من قال هذا او نطق به.
وإذا تأمل العاقل الأمور وفتش وطال بحثه وجهد، رأى الجهل في الأمم والاقاويل المشتملة على الحمق كانت في الامم قبل الاسلام.
فالفلاسفة تدعى في هذه الاجسام الجماد والموات من الشمس والقمر والكواكب والسماء أنها حية عاقلة مميزة تخلق وترزق وكانوا لها عابدين، والنصارى كما قد علمت، والمجوس «١» عندها ان الاله غالبه الشيطان ونزل الى الارض «٢»، وكانت الحرب بينهما ألف سنة، وان الشيطان غلبه وحاصره
_________
(١) المجوس احدى فرق الثنوية الفارسية وهي: المانوية والمزدكية والمرقيونية والماهانية والمجوس والقلاصية. وهي تتفق في امور وتختلف في امور، واهم ما تتفق فيه القول بأصلين للوجود هما: الخير والشر او النور والظلمة.
(٢) كتب في الحاشية: في اعتقاد المجوس.
في جنته مع ملائكته وان الملائكة عند ذلك سعوا بينهما في الصلح ووقعت المهادنة بينهما/ على شرائط معروفة مذكورة عند من حكى المقالات، وشرحها يطول «١»، ثم رجع عندهم بملائكته الى سمائه غير انهم ما قالوا قتل كما قالت النصارى، ولا بلغوا الى هذا وان كانوا قد فحشوا في القول.
وقد كانت القبط تقول بإلاهية فرعون صاحب مصر، والمنانية من الزنادقة فقولها في نحو من قول المجوس، وأقاويل الهند في البدّ معروفة.
فلما جاء الاسلام بتلك الانوار، وبأن من كان جسما ومحتاجا لا يكون إلها ولا يفعل جسما كما قدمت لك في «المصباح»، وهو ايضا مذكور في غيره. وكان من ﵀ بخلقه ان سلطان الاسلام ظهر على الاديان كلها، وكان حملة السلاح هم الأتقياء والأولياء العلماء الفقهاء، فاستحيا اهل البدع منهم فانقبضوا وكانت لهم هيبة التقوى. فمات اولئك ﵃ وطال العهد، وصار بعدهم ملوك جبابرة غير انهم كانوا حملة الاسلام.
ثم لم يزل الأمر يتناقص، فصارت السيوف كلها على الاسلام، ومات أهله، وصار في الزندقة والإلحاد السيف والملك فعادوا الى ما كانوا عليه من الجاهلية.
ألا ترى ان من بالإحساء من القرامطة والباطنية «٢» لما غلبوا شتموا الانبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف
_________
(١) كتب في الحاشية: في اعتقاد القبط.
(٢) كان ابتداء ظهور القرامطة في الربع الرابع من القرن الثالث الهجري، وكانت دعوة سرية تسترت بستار التشيع ونكب العالم الاسلامي ببلائها مدة طويلة، وكان من اهم زعمائها زكيرة الاصفهاني او زكرويه بن مهرويه الذي قتل سنة ٢٩٤. انظر تاريخ الطبري.
والتوراة والإنجيل، وجاؤوا بزكيره الاصفهاني المجوسي «١» وقالوا هذا هو الإله في الحقيقة وعبدوه، وكان لهم معه ما هو مذكور معروف.
ومثل هذا/ صنع ابو القاسم الحسن بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار «٢» حين ظهر بجبال لاعة من ارض اليمن، وكذا صنع من كان منهم بالجند «٣» وعدن من ارض اليمن، وسبوا العلويات، وكل هؤلاء كانوا في اول امرهم يخدعون الناس بأنهم شيعة، وأن المهدي ارسلهم.
وكذا صنع من كان منهم برقّاده والقيروان من ارض المغرب، الى ان قام ابو يزيد مخلد بن كدّاد «٤» بمن معه وحاربهم خمس سنين وضيق عليهم كما صنع الأصفر بأهل الإحساء «٥»، فلما انكشف أمر أبي يزيد عمن بالمغرب كفوا عن المكاشفة للعامة بشتم الأنبياء وتعطيل الشرائع، وصاروا يخدعون الناس سرا وينقلونهم عن الاسلام بالحيل والأيمان من حيث لا يشعرون شيئا شيئا، وانبثوا وانبسطوا، وبثوا ذلك في ممالكهم، ويقصدون بدعوتهم الديلم والأعراب وكل من يقل بحثه ونظره وله رغبة في الدنيا وشغل بها.
_________
(١) كتب في الحاشية: «جاء القرامطة بزكيرة الاصفهاني المجوسي وقالوا: هذا هو الإله» .
(٢) الحسن بن زاذان المتوفي سنة ٣٠٢ هـ من اتباع ميمون القداح ارسله الى اليمن فخرج فيها واستولى على قسم كبير منها.
(٣) موضع في اليمن، ورسمها في الاصل: الجبد.
(٤) ورد هذا الاسم في تاريخ ابن خالدون غير مرة «كراد»، وفي عقد الجمان «كندار» وفي العبر للذهبي «كيداد»، ولعل الأصح ما اثبتناه هنا «كدّاد» . وهو من الخوارج الصفوية. انظر ابن خالدون ٤: ١٤٠، وعقد الجمان حوادث سنة ٣٣٤، والعبر للذهبي ٢: ٢٤٠، ٢٤٢، ٢٥٧.
(٥) يقصد ابا الفضل بن زكريا المجوسي الاصبهاني، كان قدم من اصبهان وموه على القرامطة ابي سعيد الجنابي واخيه ابي طاهر واصحابهما فاتخذوه كاله. وسبب تلقيبه بذلك انه كان يلبس عمامة صفراء وثوبا اصفر، قتله القرامطة بعد ذلك في أوائل الربع الثاني من القرن الرابع الهجري. انظر تجارب الأمم لمسكويه ٥٢- ٥٥ وما بعدها.
Translation
باب آخر من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها
#20 Chapter 20 — وباب آخر ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇ · ref. #20
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
ثم يقطعونهم عن البحث والنظر بالعهود والايمان المغلظة، ومن دخل بلدانهم وشاهد عساكرهم وتأمل سيرتهم يعرف ذلك من قصدهم، بل من سأل واستبحث يعلم ذلك وإن لم يصر اليهم. وقد صاروا حرما للملحدة والزنادقة والفلاسفة والدهرية وجميع اعداء الاسلام، فمن هاجر اليهم أمن في إلحاده وقال ما شاء كيف شاء، فيا لها مصيبة بذهاب الاسلام وموت اهله وقلة العارفين به وبحقوقه، فان من بقي ممن يظن انه من اهله فمنهم من يشبّه الله بخلقه، ومنهم/ من يجوّره في حكمه وإلى غير ذلك.

وباب آخر [ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇]
وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم الله تعظيما للمسيح وتحققا به وحبا له، يدّعون انهم شيعته واتباعه، وانهم اطوع الناس له، وان ما هم عليه عنه اخذوه، وبه اقتدوا فيه، وعلى وصاياه عملوا. وقال ﷺ: ان المسيح عبد الله ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله، من آدم ونوح وابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، من الدعاء الى عبادة الله وتوحيده وحده، والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية؛ وان النصارى قد كذبوا عليه، وبدّلوا دينه، وعطلوا وصاياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة والصابئين من اهل حرّان «١»، فانهم
_________
(١) سمى صابئة حران بذلك لأنهم كانوا يسكنون مدينة حران من ارض الجزيرة، وقد عرفوا بعبادة الاجرام السماوية السبعة، وهذه العبادة بقية من الديانة الاشورية والبابلية.
اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره، كالقبط الذين قالوا في فرعون ما ذكرنا، وكغيرهم؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين خلق كثير، وشرح احوالهم يطول؛ وان المسيح ﷺ عدوّ لهؤلاء النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال، وعلى ما شرح وفصّل، فكم في هذا من عجب، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة، ولسانه غير لسانه، / وبلده غير بلده، وقومه غير قومه، يخبر عنه بأمور كان عليها.
وقد وجد ﷺ أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا الرجل وهم على منهاجه وطرائقه، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك، وكان لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا عليه، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه، سيما وقد ادعى الصدق والنبوة والرسالة على اهل الارض كلهم وعقله الذي لا يدفع. فانظر كيف يتعرض لعظيمات الأمور، وجسيمات الخطوب.
وحكى عن ربه ﷿ ان النصارى ليسوا على شيء مما «١» جاء به احد من الانبياء، فقال: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» «٢» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى.
_________
(١) في الاصل: ما
(٢) الزخرف ٤٥
فإن قيل لكم ومن اعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى، وأنهم قد خالفوه؟
قلنا: من تأمل الامر وجدهم اشد الناس خلافا عليه واطّراحا لوصاياه في الاصول والفروع جميعا. فأما في الاصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة أرباب كما قدمنا وتبيّنا، ولا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بنبيّ ولا عبد صالح، وأنه إله حق من اله حق من جوهر ابيه، وأنه اله تام من اله تام، وانه خالق السماوات والارض والاولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية من انه إله مركب من نوعين/ وطبيعتين، وبيّنا ما يرومونه من المغالطة. فإن قالوا: فإنا لا نفرد واحدا «١» من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها بعبادة واحدة، قيل له: ان هذا لا يخرجكم من ان تكونوا قد اشركتم في القدم واشركتم في العبادة، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم، لأنه يصح ان نعبد مائة الف معبود بعبادة واحدة. وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وتفردونها ايضا بالصنع والأفعال والخلق والتدبير، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين عمّده يحيى مما تقدم ذكره، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا، وانه هو الذي اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب.
_________
(١) في الاصل: واحد
فإن قالوا: كل فعل من هذه الافعال قد فعله الآلهة الثلاثة.
قيل لهم: هذا خلاف النصرانية وهو بيّن فيما قدمنا وذكرنا عنهم؛ وايضا فان فعلا واحدا لا يصح ان يفعله اكثر من حي واحد، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر عليه اكثر من قادر واحد، وهو مبين في كتب العلماء، والنصارى لا تفهم ذلك ولا تحوجك إليه.
واعلم ان النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم، وهو ايضا بين في تسبيحة/ ايمانهم. ألا تسمعهم يقولون: ونؤمن بالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله بكر ابيه، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر ابيه، الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الى قولهم:
وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء. ويقولون في عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم: انت ايها المسيح يسوع تحيينا، وترزقنا، وتخلق اولادنا، وتقيم اجسادنا، الى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره، فبيناهم يفردون كل واحد منها بفعل، وبيناهم يقولون: ان الامر كله قد رجع الى الابن وكله شرك.
فان قيل: فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن النصارى؟
قلنا: أما في الاصول فانه قال لهم: الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، فيشهد على نفسه انه عبد الله مربوب مدبر مصنوع، كما شهد عليهم انهم كذلك، وانه مثلهم في العبودية والضعف والحاجة، وذكر انه رسول الله الى خلقه، وان الله ارسله كما ارسل الانبياء قبله.
فذكر يوحنا في انجيله ان يسوع المسيح قال في دعائه: ان الحياة الدائمة انما تجب للناس بأن يشهدوا انك انت الله الواحد الحق، وانك ارسلت يسوع المسيح «١»، فانظر كيف يخلص التوحيد ويدعى النبوة. وذكر يوحنا انه قال لبني اسرائيل: تريدون قتلي وانا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله «٢» . وذكر ايضا انه قال: اني لم اجىء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني «٣» .
وقال ﵇: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن من الذي أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي «٤» . وكان ﵇ يواصل العبادة في الصلاة والصوم ويتنفل ويقول: ما جئت/ لأخدم وإنما جئت لأخدم، وقال: إني انا لست ادين العباد ولا احاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم «٥» . هذا في انجيل يوحنا.
وفيه ايضا ان المسيح قال: انهم يا رب قد علموا انك أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك «٦»، وقال المسيح: ان الله الواحد رب كل شيء أرسل ابن
_________
(١) انظر انجيل يوحنا الاصحاح ١٢ فقرة ٤٤ وما بعدها، والاصحاح ١٧ فقرة ٢: «وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته» . وفي الاصحاح ٣، ٣٦: «الذي يؤمن بالابن له حياة ابدية» .
(٢) انجيل يوحنا الاصحاح ١٨ فقرة ٣٧
(٣) المرجع السابق.
(٤) انجيل يوحنا الاصحاح ١٤ فقرة ٢٤
(٥) انجيل يوحنا الاصحاح ١٣ فقرة ٤٧ و٤٨
(٦) انجيل يوحنا الاصحاح ١٧ فقرة ٢٥ وما بعدها
البشر الى جميع العالم لينقلوا الى الحق «١» . وقال ايضا: ان الاعمال التي أعملهن هن الشاهدات لي بأن الله أرسلني الى هذا العالم. وقال ايضا: ما أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي.
وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص.
وسألوه عن الساعة متى هي فقال أنا لا اعلم متى ذلك ولا احد من البشر، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده. وقال: ان الله ﷿ ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد ولا يلد ولا يولد، ولا رآه احد، ولا يراه احد الا مات. وقال له رجل: يا ايها الخيّر علمني، فقال له المسيح: لا تقل لي هذا، فانه لا خيّر الا الله. وقال له رجل: مر أخي يقاسمني تركة ابي، فقال: ومن جعلني عليكم قاسما. وقال في دعائه لما سأل ربه ان يحيي الرجل الميت الذي يقال له إيلا عازر، يا إيل «٢»: انا اشكرك واحمدك، انك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك ان تحيي هذا الميت ليعلم بنو اسرائيل انك ارسلتني وانك تجيب دعائي «٣» . وقال في دعائه وقد خاف الموت ولم يزل/ يواصل الصلاة والتضرع والدعاء والبكاء، يا إيل: ان كان من مسرتك ان تصرف هذه الكأس المرأة عن احد فاصرفها
_________
(١) ورد حول هذا المعنى في انجيل يوحنا عدد من العبارات منها: «انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئا، كما اسمع أو من، ودينونتي عادلة لأنني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي ارسلني» . يوحنا، الاصحاح ٥/ ٣٠. ومنها: «لأن الاعمال التي اعطاني الآب لأكملها، هذه الاعمال بعينها التي اعملها هي تشهد لي ان الآب قد ارسلني، والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. يوحنا ٥، ٣٦ و٣٧.
(٢) إيل لفظة آرامية تعني البطل، ثم اصبح يعنى بها بطل الابطال، ثم اصبحت تطلق بمعنى الله.
(٣) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٨، وانجيل يوحنا، الاصحاح ٤
عني، وليس كما أريد انا بل كما تريد انت. وكان يرمي من فمه كعلق الدم جزعا من الموت، ويعرق ويقلق «١» . وكان اذا ذكر البعث والقيامة والحساب يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من احد، ويكون من صلاته وصيامه وعبادته وخشوعه ما لا يكون من احد من زمانه.
ومثل هذا من أقواله وافعاله اكثر من ان يحصى، وهو معهم وفي أناجيلهم، حتى لقد احصى اهل المعرفة والعلم، فوجدوا المسيح ﵇ له من الاقرار على نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة، ولله ﷿ بالغنى والربوبية، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الانبياء والصالحين، ثم تقول فيه النصارى ما قد سمعت.
فإن قالوا: فقد حكى متى عنه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض وعمّدوا العباد باسم الآب والابن [و] «٢» روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك.
قيل له: ليس المسيح اول من كذب عليه وانتم تعلمون ان مانيّ القس يدّعي التحقيق بالمسيح، وانه من اتباعه، وانه ليس احد على شريعته ووصاياه الا هو واتباعه، وان الانجيل الذي معه هو انجيله. وهو يذكر عنه انه كان يحرم على الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان، وان هذا ما حلّ قط ولا يحل، ويلعن كل من احلّه. وانه كان تبرأ/ من ابراهيم وموسى وهرون ويوشع وداود، ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك. ويستشهد على ذلك بمواضع من الاناجيل
_________
(١) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٢٧، وانجيل لوقا، الاصحاح ٢٣، وانجيل يوحنا، الاصحاح ١٩، وانجيل مرقس، الاصحاح ١٥.
(٢) الواو إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
التي معكم، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى واخطأ فيما تأول، وان تزكية المسيح لهؤلاء الانبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل.
قلنا: فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وانتم في هذا اشد فضيحة من المنانية، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد الله وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بيّن وأوضح من كل واضح.
والعقلاء يردّون المجهول بالمعلوم، وما التبس بما اتضح، وما يحتمل بما لا يحتمل. وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون الى ألفاظ في التوراة وفي كتب الانبياء متحملة، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه الفاحشة، فيقولون: انما اراد ابراهيم وموسى وهارون وسائر الانبياء وهو ما أردناه من ان الله ثالث ثلاثة، وأن الأرباب جماعة، وأن الله يصعد وينزل ويولد ويقتل. فيقصدون الى ما في التوراة من أن الله قال نريد ان نخلق بشرا على صورتنا ومثلنا «١» . فيقولون: هذا خطاب من جماعة، أما تسمعونه يقول: نريد، ولم يقل: أريد ان أخلق بشرا مثلي، لتعلموا أن الآلهة جماعة، وأنهم على صور وهيئات كهيئات الناس، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة.
حتى تعدّوا الى القرآن فقالوا: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، قالوا:
فهذا خطاب من جماعة لا من واحد. وقالوا في قوله ﷿ «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ» «٢» قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب.
_________
(١) جاء في التوراة في سفر التكوين، الاصحاح الاول: «وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا» .
(٢) المعارج ٤٠
وقالوا في قوله ﷿: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» / «١» قالوا: فإنما الإله يقسم بنفسه وولده. فيقولون: محمد قد جاء بالنصرانية وبمذهبنا، ولكن اصحابه لم يفهموا عنه. ويقولون في قوله ﷿: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» «٢» .
قالوا فهذا الذي نقوله نحن: أنه من جوهر أبيه، ولا نريد بقولنا منه أنه بعضه ولكنه من جنسه ومثله. فيقصدون الى أقوام كإبراهيم والأنبياء صلوات الله عليهم وأمثالهم قد عرفت مذاهبهم ومقاصدهم فينصرفون عنها بالتأويلات ومحتمل الألفاظ. ومذاهبهم قد تحصلت حصلا لا يحتمل التأويل، لأن العلم بأن المسيح كان في توحيده على منهاج ابراهيم وموسى وهارون وداود ومحمد صلى الله عليهم لا يرتاب به من عرف أخبارهم وسيرهم ودعوتهم قبل العلم بنبوّتهم. فاعرف هذا فانه اصل كبير يعرفه من تأمل وأراد التبيّن وقد اعتفل في مثله خلق كثير من العقلاء.
ثم هناك من الكذب على الانبياء فضلا من التأول لما في كتبهم، كقولهم ان الانبياء قالوا قبل مجيء المسيح: ان الله سيجيء وتحبل به امرأة عذراء، ويؤخذ ويصلب ويقتل ويموت ويدفن. هذا مما هو اكثر من ان يحصى.
ويقال للنصارى لا فرق بين من ادّعى على المسيح انه ادّعى الربوبية وأن الله ولده وأنه ابنه على ما تعتقدون وتدّعون، وبين من ادّعى انه هو وضع تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وأنه اتخذ البيعة، وجعل عيده يوم الاحد، وأخذ الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه
_________
(١) البلد ٣
(٢) النساء ١٧١
أحلّ الخنزير وأكله، وصلى الى المشرق، وعطّل الختان/ والوضوء والطهارة وغسل الجنابة، وأخذ اصحابه بصيام الخمسين، وشرع ذلك ودعا اليه، ومن بلغ هذا فقد تناهى في المكابرة والمجاحدة، اللهم إلا ان لا يكون يعرف اخبار المسيح والنصارى في زمانه، والنصارى بعد موته ومضيه، ولا عني بذلك. فسبيل من ادعى عليه ما يدعي عليه هذه النصارى وما تحكيه عنه وتتأوله عليه، كسبيل من ادّعى عليه الامور التي قدمنا ذكرها.
وفي النصارى قوم استبصروا وأسلموا وتتبعوا المواضع والألفاظ التي تدّعيها النصارى على المسيح، وقالوا لهم: ما نعلم المسيح قال ذلك، ولو قاله لما ضاق مجازة وتأويله، كقولهم انه قال: ابن البشر رب السبت، وأني قبل ابراهيم وأنّى بأبي وأبى بي، وما اشبه ذلك. فقالوا لهم: في التوراة ان موسى إله فرعون وإله هرون، وأن هرون رسول موسى الى فرعون، وأن يوسف قال للمصريين: ان العزيز ربهم. وذكروا لهم عن ابراهيم ولوط وداود وسليمان وعن غيرهم من الانبياء شيئا كثيرا، ولا حاجة بك الى ذكره ومعرفته، ولو عرفته لم يكن به بأس، ولكن ارجع ابدا الى اصل الدعوة والنحلة، والمعروف من قول النبي، ورد المجهول بالمعلوم، وقد استغنيت عن التأويل كما تقدم لك.
ومثل هذا ما يدعيه المنجمون على على رسول الله ﷺ انه كان يذهب الى ما يذهبون، لأنه قال في كتابه: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ «١»» وأنه قال: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٢»» و«فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٣»»
_________
(١) الصافات ٨٨
(٢) القمر ١٩
(٣) فصلت ١٦
وغير ذلك. فقال لهم اهل العلم: قبل كل شيء قد عرفنا من/ دعوة هذا الرجل وقصده قبل المعرفة بنبوته أن ما يكون في غد لا يعلمه ملك معرّب ولا نبيّ مرسل، ولا يعلمه إلا الواحد المنفرد بالقدم، فلا وجه للتعليق عليه بظواهر الألفاظ وبالتأويل، هذا لا يفعله عاقل ولا يذهب الغلط فيه على محصّل، وإنما يخادع بهذا اهل الغافلة.
وكذا قالوا الباطنية ومن سلك سبيلهم: في ان باطن الصلوات أشخاص وكذا العبادات، وان لكل ظاهر باطنا، غير ما عليه الفقهاء والعامة.
فقالوا لهم: ادّعيتم أنكم من المسلمين وقد علمنا من دعوة هذا النبي ﷺ قبل العلم بنبوته ان ما حرّمه من الزنى واللّواط والربا والخمر والخنزير والامهات والبنات والأخوات وغير ذلك محرم على كل عاقل بلغته دعوته كائنا من كان، وانه على ما عليه الفقهاء والعامة، وانه لا تأويل لذلك ولا باطن، وأن جميع ما اوجبه من الطهارات والصلوات والصيام والعبادات لا تسقط عن عاقل كائنا من كان على ما عليه الفقهاء والعامة لا تأويل لذلك ولا باطن، وان من قال: لهذه الأشياء باطن او تأويل، فقد كفر وأشرك وخرج من الاسلام خروجا ظاهرا.
ولا حاجة بنا الى ان نبيّن لكم تأويل الآيات التي سألتم عنها، فقد علمنا من قصده ﷺ ان مراده في ذلك غير مرادكم، وقصده غير قصدكم. مثل هذا قالوا لمن قال من هشام بن الحكم «١» واتباعه حين قالوا: إن الله لا يعلم ما يكون قبل ان يكون، لأنه قال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
_________
(١) هشام بن الحكم (١٩٠ هـ) كان شيخ الامامية في عصره، ولد بالكوفة وسكن بغداد وانقطع الى يحيى بن خالد البرمكي. له مؤلفات كثيرة. انظر: منهج المقال ٣٥٩، لسان الميزان ٦: ١٩٤.
وَالصَّابِرِينَ «١»» وأنه/ يفعل الجور والظلم. ولمن قالوا: يأمر بالفسق لقوله:
«أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
«٢» فاعرف هذا فانه اصل كبير.
ثم رجعنا الى قولنا في النصارى.
فان قيل: كل هذا [الذي] «٣» حكيتموه عن المسيح موجود في الكتب التي مع النصارى، فكيف جعلتم ما حكاه نبيكم عن المسيح وعنهم من معجزاته وآياته؟ قلنا: قد فرغنا من هذا غير مرة وبيّنا ان هذا النبي ﷺ ما قرأ الكتب ولا قرئت عليه، ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، ولا عرف ذلك إلا بوحي، وان كان موجود في كتبهم. كما انه لم يعرف قصة نوح وابراهيم ويوسف وموسى وهرون إلا بالوحي، وان كانت مذكورة في كتبهم.
فإن قيل: لعمرى إن من عرف دعوة المسيح يعلم ان دعوته الى توحيد الله كدعوة موسى وهرون ومحمد وأمثالهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، وأنه بريء من دعوة هذه الطوائف من النصارى كبراءته من دعوة المنانية، وكبراءة محمد وموسى وهرون من ذلك اجمع. ولكن قد جاء عنه انه كان يقول في الله [أنه] «٤» ابوه، فيقول: ارسلني ابي، وقال لي ابي، ومثل هذا كثير، فما عندكم فيه؟
قيل له: إن كان قد قال هذا فلا حجة للنصارى فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان
_________
(١) محمد ٣١
(٢) الاسراء ١٦
(٣) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
(٤) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
يكونوا هم كذلك، وقد قال بعض الناس: إن/ الابن في اللغة العبرانية التي هي لغة المسيح تقع على العبد الصالح المطيع الوليّ المخلص، وان الأب قد تقع على السيد المالك المدبر؟ قالوا: وقد قال في التوراة: إن اسرائيل ابني وبكري وأولاده ابنائي؛ وعلى دعوى النصارى تجب لهم الإلهية وقد قال ايشيعيا النبي ﵇ في كتابه: إن الله ابو جميع العالم، وانتم معشر النصارى تذكرون ان متى حكى في انجيله عن المسيح انه قال: طوبى لكم معشر المصلحين بين الناس فإنكم تسمون ابناء الله. وقال متى في انجيله: ان المسيح قال للناس: ان اباكم السماوي واحد فرد. وقالوا: ان المسيح كان يقول في صلاته التي كان يصليها ويعلمها الناس: قولوا يا ابانا الذي في السماء انت قدوس اسمك، عزيز سلطانك، نافد امرك في السماوات والأرض، لا يعجزك ما طلبت، ولا يمتنع منك ما أردت، فاغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ولا تعذبنا بالنار «١» . فينبغي على قول النصارى ان تكون هؤلاء كلها آلهة وأربابا، لتعلم ان اسم الأب يقع في تلك اللغة على السيد والمالك.
وقال المسيح لبني اسرائيل: لو كنتم ابناء ابراهيم لأجبتموني فاني ابن ابراهيم. وقد علمنا ان بني اسرائيل كلهم اولاد ابراهيم، وإنما اراد انكم لو كنتم اولياء ابراهيم.
وايضا فان النصارى تذكر عن بولص انه ذكر في الرسالة فقال بأن الروح نفسها تشهد لأرواحنا انا ابناء الله. وهم يقولون في الاشرار: انهم/ ابناء الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الوليّ المخلص، وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ابونا،
_________
(١) انظر نص الصلاة في انجيل متى، الاصحاح ٦، الفقرات من ٩- ١٤.
Translation
وباب آخر ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound