Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 85 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa تثبيت دلائل النبو

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Abd al-Jabbar (القاضي عبد الجبار
85
Total sections
85 chapters
#41 Chapter 41 — وباب آخر حول الآية الكريمة"وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق" · ref. #41
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذّب عليه والبهت له.
وهم الذين قالوا في قوله: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «١»، قالوا: قد أظهر الشك في أمره ورجع عن قوله، وكل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله وقصده أن لا حقّ إلا ما كان معه/ ومنه ومن عنده ومع أتباعه إلى يوم القيامة، يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته، ولهذا نظائر مما يذكرونه، وإنما ذكرت هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم وظهور فضيحتهم، وهؤلاء هم الغايات في التجريد في طلب معايبه والتفرغ لذلك، يمدّ بعضهم بعضا ويعين بعضهم بعضا، ولهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء رسول الله ﷺ وممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن الراوندي وأمثالهم، فيزيحون عللهم، ويجمعون الكتب لهم، ويأتونهم بمن يعينهم ويكتب عنهم ولهم.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ»]
مما جاء من آياته، وما أخبر به عن سلامته وقيام حجته وظهور أمره ودينه على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل وهي مكية: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا، وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا»، «٢» فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم وإذلاله وتهيجه وإغضابه وإثارته والعلو عليه، وأنه مفتضح لا حجة معه ولا حراك به، وهم أشد الناس حرصا على
_________
(١) الاحقاف ٩
(٢) الإسراء ٨١
تكذيبه وفضيحته واستئصاله وإطفاء نوره.
ومثله قوله: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ» «١» أي: قد أخرسهم حقك وأسكتهم وأماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك، وهذا أشد على قريش والعرب من ضرب السيوف ووقع السهام، وهم المعروفون بغلظ الأكباد والفرار من العار.
ومثله قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» «٢» وقوله: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» «٣»، فتأمل في هذا فإنه قول مختصر وفيه معان عظيمة، ولقد قال/ ﷺ: (أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا) .
ولو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبّوا عن مجدهم وينضحوا عن أنفسهم، فكيف عمّن هو معهم وفي قبضتهم ومنهم، وقد ادّعى ما فيه كل الرئاسة والسؤدد، وما ترك شيئا يغيظهم ويغضبهم ويسقط من أقدارهم وأقدار آبائهم إلا وقد أتى به وارتكبه، وألجأهم إلى تكذيبه وإقامة حجة عليه، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ولقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب ويستخف عقولهم، فيقلقهم ذاك ويحزنهم، ويرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما بلغهم عنه، ولا يصبرون وإن كانوا مقهورين مغلوبين والملوك تتحيّفهم وتستركهم «٤»، وليس أحد يبكي من الهجاء ويحزن من الضيم
_________
(١) سبأ ٤٩
(٢) النمل ٨٠
(٣) فاطر ٢٢
(٤) هكذا في الأصل ولعلها تسترقهم
غير العرب وسيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا وعشرين سنة بكتاب يتلو فيه ليلا ونهارا مثل قوله: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ»،»
وقوله: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» ومثل قوله: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» «٣»، ومثل قوله: و«لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» «٤»، ومثل هذا كثير، فتأمل تجده، وتأمل ما في هذا من الادلال بالحق والدعاء إلى البحث والنظر، وعرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا/ فيما أتاهم به، والمبطل لا يفعل هذا.
فتأمل مذاهب النصارى والمجوس فإنهم يمتنعون عن البحث والنظر والتفتيش والقياس، وكذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم عن المتكلمين ويقولون: هؤلاء سوفسطائية، ويقتصرون على الرضا عن أنفسهم والعجب بما معهم.
وانظر إلى هذه الطائفة: القرامطة التي قد طبقت الأرض، وفيها الملك، واستهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيبهم على كتمان ما يلقونه إليه، وأن لا يخرج به إلى أحد، ولا يشكو ما به إلى أحد، ولا يعرض ما معه على أحد لينظر
_________
(١) الجاثية ٤٣
(٢) الفرقان ٤٣
(٣) البقرة ١٧١
(٤) الأعراف ١٧٩
ما عنده، هذا مع الملك القاهر والتستر بالاسلام، فتأمل ما في هذا.
ولقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه ﷺ ليلا ونهارا، ويتربصون به الموت فلا يموت، ويرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم على هجرته وهجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم وكافرهم، إلا من جرّد في قصده مثل تجريدهم، وترك مبايعتهم ومناكحتهم، ومنعهم من ابتياع ما يؤكل ويشرب، والتضييق عليهم والإساءة إليهم، وحصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا محمدا أو يسلموه اليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. وتحالفوا على ذلك، وكتبوه في صحيفة علقت في بيت الله الحرام بمكة. فمكث ﷺ ومن معه من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ما يتقوتونه إلا بالحيلة والمسارقة، ولا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا.
وقد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، وأهله/ يتضرعون إليه بأن يلين لقومه من قريش و، يمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، ويخوفونه فلا يلين، ولا يزداد إلا شدة وصرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ربي أوحى إليّ أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة وتركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب وكان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا ويزيد أذاهم لنا، فقال له رسول الله ﷺ: ما قلت لك إلا حقا، فامض لشأنك.
فنزل أبو طالب وقريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا أبا طالب جئت لصلاح وخير، وأن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه وما نكره من أمره، قال أبو طالب: للخير والصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه
قال: إن محمدا أخبرني، وو الله ما كذب قط قبل أن يقول إن ربه أرسله فكيف الآن، إن ربه أوحى اليه في هذه الليلة أنه سلط الأرضة على الصحيفة التي تمالأتم على كتبها علينا فأكلت منها كل موضع فيه ذكر عقوق وقطيعة ومأثم، فانظروا فيما ذكر، فإن كان الأمر على ما قال فعلام تستجيزون ما أنتم عليه.
فأحضرت الصحيفة وفتحت، فوجد الأمر على ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه، فخزي المشركون، وفرح المسلمون، وفرّج الله عن بني هاشم، فخرجوا من الحصار الذي كانوا فيه، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وكان هذا من الفتوح العظيمة.
والأمر في شأن هذه الصحيفة معروف، يعرفه أهل العلم كمعرفتهم بما كتبه النضر بن الحارث بن كلدة من أخبار رستم واسفنديار «١»، حين دخل/ إلى الفرس يشكو إليهم رسول الله ﷺ، ويأتي بما يعارض به القرآن. وكالعلم بما كتبه رسول الله ﷺ إلى كسرى ملك فارس مع عبد الله بن حذافة السهمي «٢»، وبما كتبه إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي «٣» وبما كتبه إلى المقوقس ملك مصر مع حاطب بن أبي بلتعة «٤»، وبما كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة. فأهل العلم لا يرتابون بشيء من أمر هذه الصحيفة، كما لا يرتابون بما قدمنا ذكره. فاعرف
_________
(١) النضر بن الحارث هو ابن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، كان إذا جلس النبي ﷺ مجلسا جلس النضر بعده فحدث بأخبار ملوك فارس ورستم واسفنديار. مات على الشرك سنة ٢ هـ.
(٢) هو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، صحابي أسلم قديما وبعثه النبي إلى كسرى، هاجر إلى الحبشة وحضر فتح مصر وتوفى بها أيام عثمان سنة ٢٣ هـ. الاعلام ٤: ٢٠٦.
(٣) هو دحية بن خليفة الكلبي، صحابي بعثه الرسول إلى قيصر يدعوه للاسلام، حضر كثيرا من الوقائع، نزل دمشق وسكن المزة وتوفي سنة ٤٥ هـ. الاصابة ١: ٤٧٢.
(٤) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله ﷺ بعثه الرسول إلى المقوقس صاحب الاسكندرية، توفى سنة ٣٠ هـ. الاصابة ١: ٣٠٠.
هذا فإنه باب من أعلامه، ولا تظنه من أخبار الآحاد والنفر، وإنه جاء مجيء ما قدمنا ذكره من تلك الأمور التي جاءت مجيء القرآن، ولها نظائر.
وإنما أردنا ذكر شدة قريش على رسول الله ﷺ والمسلمين تلك السنين، فقد كانوا منهم في مثل النار المتأججة.
واستأذن الصحابة رسول الله ﷺ في الهجرة والفرار لما يلقون من الأذى، فأذن لهم، غير أبي بكر، فإنه احتبسه لنفسه، وقال له: أقم عليّ، فلعل الله يأذن لي في الهجرة فتكون معي، فأقام. ومات أبو طالب، واشتدت قريش على رسول الله ﷺ، وقالوا: إلى كم نصبر على سبّ محمد لنا ولآبائنا وآلهتنا، وإلى كم لا نناجزه، فإما حبسناه، أو أخرجناه إلى حيث نرى، أو قتلناه، خذوا فيما يريحنا منه، وقدموه ولا تؤخروه. فاجتمعوا ودخلوا دار الندوة، وكتموا سرهم، ولم يدخل معهم إلا من انتخبوه من ثقاتهم. فقال قائلهم: انظروا في شأن هذا الرجل، فو الله ليوشكنّ أن يواتيكم في أمركم بمن قد بايعه من أصحابه، وقد تسمعون وعيده، وأنه يملككم ويملك الأرض. فقال قائل منهم: شدوه وثاقا واحبسوه، فيكون أسيرا في أيديكم إلى أن يموت، وقال بعضهم: أخرجوه من بين أظهركم لتستريحوا منه؛ وقال قائل ليس هذا/ برأي. حتى قال أبو جهل: فإني أشير برأيي: أرى أن يؤخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، فيضربونه ضربة رجل واحد حتى يقتلوه، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقومون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فوديناه لهم «١»، وقطعنا عنا شأفته واسترحنا منه.
_________
(١) أي قبلوا أن يأخذوا ديته
فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله ﷺ لا يعلم ذلك، ولا أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه، وأمره بالهجرة. فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه وهو يتلو: «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «١» وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال له: إنّ ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا.
وقد كان أبو بكر أعدّ راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله ﷺ بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله ﷺ مائة ناقة، ولمن أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ تغشّ: ببردي ونم في مضجعي فإنه لا بأس عليك، ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف «٢» .
وحين دخل/ رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار،
_________
(١) ياسين ٩
(٢) هو الذي يقتفي الأثر
فقال أميه بن خلف: وما أراكم للغار، إن عليه لعنكبوتا كانت قبل ميلاد محمد، فمذ ذاك نهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جنود الله. وتحرق أبو جهل على فوات النبيّ ﷺ، واستبد أسفه، وقال: أما والله إني لأحسبنه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا «١» .
صفة حديث الغار من الجمع بين الصحيحين:
قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فعولنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنقض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنقض ما حوله «٢»، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردناه، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال لرجل من أهل المدينة، فقلت أفي غنمك لبن، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي، قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعب والتراب والقذى، قال: فرأيت البراء يصرف بيده على الآخرى ينفض، فحلب لي في قعب معه كتبة «٣» من لبن، قال: ومعي أداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه «٤» من نومه، فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن
_________
(١) كتب الناسخ معلقا: من غير نسخة الأصل
(٢) كتب في هامش الصفحة: حاشية، نقض الأرض، أي: ينظر هل فيها ما يخاف منه
(٣) جاء في اللسان: الكتبة: السير الذي تخرز به الزادة والقربة
(٤) في الأصل: أيقظه
الرحيل، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس.
واتبعنا سراقة بن مالك ونحن/ في جلد من الأرض «١» فقلت يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» «٢» فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت إلى بطنها أذى، فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما عليّ فادعوا الله لي، فالله لكما عليّ أن أردّ عنكما الطلب. فدعا رسول الله ﷺ، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ثم قال: وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي وغلماني في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقد منا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك.
فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الخدم والغلمان الطرق ينادون:
ايا محمد، يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله «٣» .
فهذا من آياته العظيمة الباهرة، قد نطق بذلك القرآن، فقال ﷿:
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٤» .
ولقد يئست قريش من رسول الله، وقالوا إنه لا محالة مقتول، لما لجّ المشركون وألحوا وقصدوا لهذا الكيد. وقد كان فيهم من يكره أذاه والعنف به
_________
(١) أرض جلد: أرض صلبة مستوية المتن غليظة اللسان
(٢) التوبة ٤٠
(٣) صفة الغار من نسخة غير نسخة الأصل، فقد أشار الكاتب إلى أن نسخة الأصل تبدأ من كلمة: فهذا
(٤) الأنفال ٣٠
وإن لم يصدقه، منهم جبير بن مطعم «١»، فإنه كان عنده أنهم سيقتلوه، فخرج حتى لحق بدير من الديارات فكان فيه حتى لا يشهد قتله. فأقام عندهم، فسألوه عن خبره ولأي شيء أقام عندهم، فأخبرهم، وقص عليهم قصة رسول الله ﷺ، وساق دعوته. فعجبوا لذلك، وقال له رئيسهم: تعرف شبهه لو تراه مصورا، فقال: نعم، إنما عهدي به قريب. فأراه صورا مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة فيقول: أتعرف، فيقول: لا، حتى كشف عن مثل صورته، فقال جبير: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله/ وحسنه وبعد ما بين منكبيه. فقال له الرئيس: فتخاف أن يقتلوه، فقال:
أظنهم قد فرغوا منه، فقال له الرئيس: لا والله لا يقتلونه، وليقتلن منهم من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنّه الله، ولكن قد وجب حقك علينا فامكث ما بدا لك. فمكث عندهم حينا.
ثم قدم مكة، فوجد رسول الله ﷺ قد نجا من أيديهم وهرب إلى المدينة، فتعجب من قول رئيس الدير، وازداد بصيرة بشأن رسول الله ﷺ. فقالت له قريش حين قدم مكة وقد خرج رسول الله ﷺ ونجا من كيدهم: قد تبين لنا أمرك، وعرفنا شأنك، هلم أموال الصبية التي عندك التي استودعكها أبوك، قال: ما كنت لأفعل هذا حتى أموت، يعيّر بها ولدي في أمانة، ولكن أدفعها اليهم. فقالوا: إن عليك عهدا لله وميثاقه لا تأكل من طعامه، قال:
نعم.
فقدم المدينة وقد بلغ رسول الله ﷺ الخبر، فدخل عليه فقال له فيما
_________
(١) هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، صحابي جليل، كان من علماء قريش وسادتها ونسابتها، روى الحديث عن رسول الله. توفى سنة ٥٩ هـ. الأعلام ٢: ١٠٣
يقول: إني لأراك جائعا، هلموا طعاما، قال جبير: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت. فحدثه بما أخذوا عليه، فقال له رسول الله ﷺ:
فأوف بعهد الله ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. وتحدث جبير بحديث أهل الدير وما كان من الصورة، وأنه رأى مع صورة النبي صورة أبي بكر قد أخذ بعقب رسول الله ﷺ قال: فقال أهل الدير: فهل تعرف هذا الذي أخذ بعقبه، قلت: نعم، قالوا: نشهد أن صاحبكم نبيّ وأن هذا الخليفة من بعده.
ولعظم شأن هذه الآية ما قد أعاد الله ذكرها، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» فذكر المؤمنين بهذه الآية، وعظم هذه المعجزة، وما احتملت عليه، مع نجاته منهم، وما أغشى أبصارهم حين خرج وهم ينظرونه، وسلامة عليّ ﵁ كما قال له، وما كان من نسج العنكبوت. وفي الحديث الصحيح، أن أبا بكر نظر إلى أقدام المشركين فقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
وانظر إلى قوله ﷿: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ»، أي: فقد عرفتم نصري له حين هاجرتم وتركتموه مع صاحبه وحيدين، فأبطلت كيد المشركين مع
_________
(١) التوبة الآيات ٣٨، ٣٩ ... دلائل- ٢٤
كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم، وهو معنى قوله: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» فتأمل هذا ففيه آيات بينات باهرات، وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ألا تسمع قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» . وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: «إلا تنصروه» .
ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله:
«لا تحزن» ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهرون: «لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى» «١» وكقوله لأم موسى: «وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» «٢» وقوله: «إن الله معنا، بالنصر والتأييد، كما قال: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» «٣» . وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف على رسول الله ﷺ الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله بأن بشره أنه/ معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: «فأنزل الله سكينته عليه»، يعني على أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه قبل ذلك.
ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنت ثاني اثنين، وصاحبه، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة. وقالوا
_________
(١) طه ٤٦
(٢) القصص ٧، وفي الأصل: لا تخافي إنا رادوه ...
(٣) النحل ١٢٨
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق"
#42 Chapter 42 — وباب آخر ما في الآية الكريمة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" من وعد تحقق · ref. #42
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
في قوله: «وأيده بجنود لم تروها»: إنه أيد أبا بكر كما يؤيد المؤمنين من غير أن يروهم، وبشره رسول الله ﷺ بذلك فعلمه وتيقنه بتعريفه إياه. وإنما ذكرنا حال أبي بكر عند ذكر الآية التي هو مذكور فيها، ولأن الخصوم يسألون عن ذلك، ولحاجتك اليه، ولأن الطاعنين على أبي بكر بمثل هذا هم الطاعنون على رسول الله ﷺ بما قدمنا وبأمثاله من الآيات التي يسألون عنها، وجعلوا الطعن على أبي بكر وأمثاله من المهاجرين والأنصار وآكد الطرق إلى تكذيبه، والطعن عليه، والإيحاش منه، والتنفير عنه، وأيسرها التشكيك في صدقه ونبوته، وهم: أبو شاكر الديصاني، وأصحابه: الحداد، وأبو عيسى، وابن الراوندي، والحصري «١» ولكلهم كتب في الطعن على رسول الله ﷺ، وفي نصرة الإمامية وطبقات الرافضة، ولأن الطريق في العلم ببراءة أبي بكر والمهاجرين والأنصار مما رموهم به، كالطريق في العلم ببراءة رسول الله ﷺ مما رموه به.

وباب آخر [ما في الآية الكريمة إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» من وعد تحقق]
من آياته، قوله ﷿ لرسوله ﷺ: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» «٢»، ومعاد الرجل بلده، وسمي معادا لأنه ينصرف في البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إليه، وكذلك مثاب الرجل منزله، لأنه يثوب اليه «٣» . ومنه قول الله ﷿: «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا» يريد أنهم يثوبون اليه كل سنة وفي كل حين، أي يعودون للحج والعمرة. وهذه
_________
(١) سبق التعريف بهؤلاء الكتاب فيما مر من الكتاب
(٢) القصص ٨٥
(٣) كتب في هامش الصفحة: معاد الرجل بلده، مثاب الرجل منزله
Translation
وباب آخر ما في الآية الكريمة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" من وعد تحقق
#43 Chapter 43 — وباب آخر ما في الآية"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ... " من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه · ref. #43
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين خرج من مكة يريد المدينة، فكان خروجه منها محزونا لمفارقة وطنه، فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه يعود إلى مكة، فكان كما قال وكما أخبر.

وباب آخر [ما في الآية «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...» من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه]
من آياته، وهو قوله ﷿: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» «١»، فما أتوا بمثله مع حاجتهم إليه، فانظر كيف يقطع الشهادة أنهم لا يأتون بمثله، وهذا من التحدي المهيج الذي يغيظ ويغضب، وفي هذا غيوب كثيرة لا يأتي بمثلها حذاق المنجمين ولا يتفق مثلها بالتبخيت ولا بالتخرص «٢» .
فإن قيل: فما تنكرون أن يكونوا قد أتوا بمثله، قيل له: لو أتوا بمثله لجاء ذلك مجيء القرآن، ولكان العلم به كالعلم بالقرآن، ولجاء مجيء أمثاله من الأمور التي كانت بينهم وبينه، وما قاله لهم وقالوه له.
فإن قيل: فإن الغلبة والدولة منعت من إظهار ذلك ونشره ونقله والتحدث به لأنه ظهر وقهر في حياته، وقام أبو بكر بعده فقتل مسيلمة، وردّ الردة، وأسر طليحة، وغزا فارس والروم، وأذل أعداء محمد ﷺ في كل مكان، وأسكتهم وأخرصهم «٣»، وأعز أولياءه وأهل طاعته، وكذا من أتى بعده من
_________
(١) البقرة ١٢٧
(٢) التبخيت من البخت بمعنى الحظ والصدفة
(٣) أخرصهم: أكذبهم، والخراصون: الكذابون اللسان: مادة خرص
الخلفاء والملوك، وبعد، وكيف تنقلون ذلك وتذكرونه وأنتم تكرهونه وفيه بطلان قولكم ودينكم.
قيل له: إنك ما تزيدنا على الدعاوى الخالية من كل حجة، وإذا أثبتنا لك بطلان دعواك الأولى انتقلت إلى دعوى أخرى. فإنك قلت في الأول: أتوا بمثله، فقلنا لك: فأين هو وأين العلم به، فانتقلت فادعيت أن الغلبة والدولة/ منعت من إظهاره ونقله، فدعواك الثانية كالأولى.
على أن دليلنا هذا قد دلّ على أنهم ما أتوا بمثله، ولا بما يقاربه، ولا بما يدانيه، ما هناك شيء ينقل ولا يذكر ولا يكتم ولا يستر، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن مائة ألف قد أتوا بمثله، وإنما الدولة قهرتهم ومنعتهم من إظهار ما أتوا به.
على أن الدول والممالك لا تأتي ولا نغطّي على الأمور التي قد كانت ووقعت، ولا يطمع عاقل في كتمان ما هذا سبيله وإن ضره ظهوره، وساءه انتشاره، وأسقط من قدره. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما ادّعى النبوة، وأكفر الأمم وفرض مجاهدتهم، وأباح دماءهم وأموالهم وحريمهم، قد ساءهم ذلك وضرهم، وأسقط من أقدارهم، وذهب برئاستهم؛ وقد ودوا أن ذلك لم يكن، فما كتموه، ولا طمعوا في طيّه وتزميله، بل هم تحدثوا بذلك لكل أحد، ونقلوه وعرفوه، وأدوه إلى من لا يسمعه، لأنه ﷺ لم يكن حين ادعى ذلك ودعا اليه له أتباع يخالدون ذلك ويدونونه وينقلونه، وإنما كان يفعل ذلك عدوه.
وتأمل ذلك بالشعر الذي هجي به، ومن هجاه من الشعراء، وما كان له معه من ضربه وسبّه وأذيته، ومن قتلوا من أعمامه ومن أصحابه، ومن
ادّعى بعده ومعه النبوة، فإن المسلمين قد نقلوا ذلك وخلدوه ودوّنوه وإن غمهم وساءهم. وانظر إلى الكتب التي صنفت في تكذيبه وفي الطعن عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، التي صنفت في دولة الإسلام، وأشد ما كان الإسلام شوكة وغلبة، كالتي عملها الحدّاد والورّاق وابن الراوندي والحصري والكندي والرازي وأمثالهم «١»، وادّعوا أن فيها الحجة والبرهان في إبطال الربوبية وتكذيب الأنبياء. وأنت تراها مبثوثة ظاهرة. تباع في أسواق المسلمين، لا يسقط منها حرف. والمسلمون/ كلهم قد كرهوا ذلك وغمّهم، وودّوا أنه لم يكن، وإنما كان يضعها الواحد بعد الواحد مستخفيا خائفا لا يظهر ادعاءها، ولا يعلن وضعه لها، بل يكتم اسمه ويكنى عن ذكره، وإنما يلقيه إلى الواحد بعد الواحد من أمثاله، كما صنع أبو عيسى بكتبه، وترجمتها تصنيف الغريب المشرقيّ، وهي من الظهور اليوم على ما ترى، حتى إنها لتبلغ مشارق الأرض ومغاربها. فالعدو ينشرها للاحتجاج بها، والمسلمون ينشرونها لنقضها والإجابة عنها. فعلمت أن الدولة والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت، وبهذا تعلم أنه ما كان لرسول الله ﷺ زلة ولا هفوة ولا سقطة ولا غدرة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أخجله خصم. يزيدك بذلك علما، أن معاوية وأشباهه من بني أمية قد عادوا أمير المؤمنين وبني هاشم، وغلبوهم، واستولوا على ملك الدنيا، وعظموا نفوسهم بكل ما قدروا عليه، فما أمكنهم أن يجعلوا لمعاوية منزلة لم تكن له وهو سيدهم، ولا أن يجعلوه من البدريين السابقين، ولا من أهل الشجرة، ولا من أهل الشورى،
_________
(١) سبق التعريف بمعظم هؤلاء، وأما الرازي فهو أبو بكر محمد بن زكريا الفيلسوف والطبيب المعروف المتوفى سنة ٣١١ هـ. ابن النديم ١: ٢٩٩ طبقات الأطباء: ١: ٣٠٩
ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وقد ودّوا أن يكون له شيء من ذلك أو من هذه المنازل. ولا أمكنهم أن يخرجوه من جملة الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولا أمكنهم أن يخرجوا أمير المؤمنين عن منازله: من كونه من السابقين والبدريين والفقهاء والعلماء والزهاد، ومن العشرة ومن أهل الشجرة، ومن أهل الشورى، وممن اختاره المهاجرون والأنصار للإمامة بعد عثمان، ولا أن يغطّوا على ما سنّه عليّ وفرضه ودعا إليه، من محاربتهم ومجاهدتهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، وقد ضرهم ذلك كل الضرر، فتعلم أن الدول والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور/ التي قد كانت ووقعت.
وتأمل ما كان لمعاوية من احتيالاته في التوصل إلى الملك، في إطعام عمرو ابن العاص مصر، وبادعائه زيادا، وبمن استماله ببذل الدنيا له، كذي الكلاع «١» وخالد بن المعمر»
، ومصقلة بن هبيرة «٣»، وأشباه ذلك، وما كان لملك ملك مما هذه سبيله.
فانظر إلى بني العباس لما غلبوا على أعدائهم من بني أمية، ما أمكنهم أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، ولا أمكن أعداء بني العباس أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، من إقامة المواسم وعمارة الثغور، وغير ذلك من
_________
(١) هو سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر، من ملوك اليمن أسلم وقدم المدينة أيام عمر، وشهد اليرموك وفتح دمشق، ثم تولى قيادة أهل حمص في جيش معاوية. توفى سنة ٣٧ هـ القاموس: مادة كلع
(٢) هو خالد بن معمر بن سليمان السدوسي، أدرك عصر النبوة، وكان رئيس بني بكر في عهد عمر، وانحاز إلى علي يوم الجمل وصفين، ثم ولاه معاوية إمرة أرمينية ومات في طريقه إليها نحو سنة ٥٠ هـ. الإصابة: ١: ٤٦١
(٣) هو مصقلة بن هبيرة بن شبل الثعلبي الشيباني من بكر بن وائل، كان من عمال علي، ثم تحول إلى معاوية. قتل في غزوة إلى طبرستان حوالى سنة ٥٠ هـ. فتوح البلدان للبلاذري ٢٤٢- ٢٤٣
محاسنهم. وأنت تجد ما يكون من مساوىء الملوك، وما يكون من غدرهم وظلمهم، وما يلحق كل نقص وفضيحة بهم ظاهرا في دولتهم، مع بقاء مملكتهم واتصال عزهم. فتأمل ذلك شيئا فشيئا تجده ظاهرا مكشوفا، وإن كان ذلك مهيجا لهم، ومسقطا لأقدارهم، وقادحا في نبلهم ورئاستهم، وقد ودّوا أن ذلك لم يكن، روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال:
إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم دون الجماعة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة «١» .
وتأمل أحوال هؤلاء الباطنية الذين قد تستروا بالإسلام «٢»، وبقراءة القرآن، وبالصلاة والصيام والحج، وإظهار التحقق بأهل البيت، وقد أوثقوا أمورهم بالكتمان وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم، وتجنبوا استدعاء الأدباء والعلماء والفقهاء، وسلكوا الواسطة، وقصدوا الأطراف البعيدة التي قد استولى على أهلها الغافلة والجهل والقوة، وقصدوا أهل الترفه والعجب والشغل بالدنيا والملك، وتسمّوا بالاسم الحسن من أنهم الشيعة، وغرّوا المسلمين، فانظر إلى فضائحهم مع هذه الأمور كلها.
فإن أبا القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب/ بن زاذان الكوفي النجار «٣»، عرف أهل عدن لاعة وجبال لاعة من أرض اليمن، وأنهم شيعة، فصار إليهم مع أبي الحسين محمد بن علي بن الفضل من أهل جيشان والجند والمذيخرة من أرض اليمن «٤» . وكان هذا أحد المياسير والرؤسا من الشيعة من أهل تلك
_________
(١) جاء في الهامش: قول عمر بن عبد العزيز ﵁: إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم، إلخ ...
(٢) جاء في الهامش: في ابتداء ظهور الباطنية وهم القرامطة
(٣) انظر الجزء الأول من الكتاب ص ١٠٧
(٤) محمد بن الفضل صاحب دعوة الفاطميين في اليمن، وقد ظهرت الدعوة أول ما ظهرت في لاعة في جبل صبر معجم البلدان ٥: ٧
البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الافاضة، وأولاد الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن الفضل من المشاتمة، وبرىء كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه بأنه إله وربّ، وغزا، وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية.
وقد كان نصب هذين، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح «١» الذي زعم أنه الإمام، وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر «٢»، وقال لهذين وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت.
فلما تمكنوا باليمن، أخرج اليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه اليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع إليهم وعرّفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع
_________
(١) هو الحسين بن أحمد أبو عبد الله الشيعي، مهد لعبيد الله المهدي الفاطمي بيعة المغرب، ثم قتله عبيد الله سنة ٢٩٨ هـ.
(٢) هو محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، وهو إمام عند القرامطة، وترى الطائفة الاسماعيلية أنه قام بالإمامة بعد وفاة أبيه أو اختفائه سنة ١٣٨ هـ، مات حوالى سنة ١٩٨ هـ. الأعلام ٩: ٢٥٨
والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجّه به. فرجع الرسول إلى الحسين بن أحمد/ وعرّفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له، وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي ﵁ لجهاد هم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم.
ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب.
ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة، وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا اليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع اليهم وأخبرهم عن المهدي:
أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهديّ لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأصله «١»، وأن علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم: أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابيّ «٢»، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا، ولا من سنة نبيه، ولا شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش.
وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي
_________
(١) جاء في الهامش: ليعلم أن لا يشارك
(٢) جاء في الهامش: أبو الحسين سعيد بن بهرام الجنابي رأس القرامطة.
بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده فلما فرغنا، قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى ابن نبهان بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير: علي بن مسمار/ فأخبره بما وقف عليه، فأرصد عليّ بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد ابي سعيد وأصهاره في البحرين، فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال.
ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، «١» وهو المعروف بقرمط، واليه ينسب القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة، وكان شريك أبي سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض
_________
(١) هو رأس القرامطة، اختلف في اسمه وأصله، قيل: اسمه حمدان، أو الفرج بن عثمان، الفرج بن يحيى، وقرمط لقبه. قتله المكتفي بالله سنة ٢٩٣ هـ الأعلام ٦: ٣٥ وقد كتب في الهامش: داعية الباطنية حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط.
كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيّف وثمانين ومائتين للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها. ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادم كان لأبي الفضل العباس بن عمرو الغنوىّ في الحمام «١»، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا لذلك خجلة يالها، وتحيروا.
وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح «٢» وزير المقتدر بالله كاتب أبا سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهديّ، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل/ اليهم وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها بذلك، وغدر بهم أقبح غدر.
فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام.
فكتب اليهم عليّ بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين، فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وخجلوا من الفضيحة.
_________
(١) هو العباس بن عمر الغنوي، أمير من قادة الجيش العباسي، ولاه المعتضد اليمامة والبحرين وأمره بقتال القرامطة، توفي سنة ٣٠٥ هـ. الأعلام: ٤: ٣٧
(٢) هو ابن الجراح، علي بن عيسى بن داود بن الجراح أبو الحسن البغدادي وزير المقتدر العباسي والقاهر، توفي ببغداد سنة ٣٣٤، وله كتب ورسائل متعددة الأعلام ٥: ١٣٣
ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة لحقهم الخجل والفضيحة. وكان بنو بسطام، وبنو القاسم بن عبد الله، والعزاقريّ وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله «١»، وكانوا يتشيعون. فراسلوا أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ذلك.
فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار مخالفته. فلما قبض السلطان على عليّ بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسرّ بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد وليّ الله وحجة الله وخليفة المهديّ بالبحرين، يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون أخباره إلى أبي طاهر بن أبي سعيد.
وقد كان حصل لأبي/ طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان، وعرّفوه ضعفه، وأن النجوم تدل على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال:
أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان
_________
(١) هو جعفر بن المعتضد بن أبي أحمد المتوكل، وهو أخو المكتفي، وقد قتل سنة ٣٢٠ هـ، أما المكتفي فقد توفي سنة ٢٩٥، بينما توفي أبو هما سنة ٢٨٩ هـ.
في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه بن أبي الساج فهزمه «١»، ونادى مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصّى برصافة الكوفة ونهزمه «٢» ويستغنى أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طشّ «٣»، واستكتب عليّ بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ يسيرة.
وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قدر راسلوا أبا طاهر أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن أبي السّاج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح
_________
(١) هو يوسف بن أبي الساج أرسله المقتدر الخليفة العباسي سنة ٣١٥ هـ خماية الكوفة من القرامطة.
(٢) ويلقب مؤنس بالمظفر، لكنه لم يكن مظفرا في حربه مع أبي طاهر القرمطي، وكان قائدا عاما لجيش المقتدر، وقد قتل المقتدر بعد ذلك.
(٣) يوم طش، هو اليوم الممطر مطرا خفيفا انظر اللسان في مادة: طش
المؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، وتنظم جانبي دجلة/ بالمصلين من بني هاشم، والقراء، والفقهاء، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل.
وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج أبو الغيث بن عبيدة العجلي في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية أصحابه «١»، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات.
فسار أبو إسحاق ابراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات «٢»، ومنع القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها، وكانت لهم من الفضائح ما لا يكاد يحصى.
وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه وليّ الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ
_________
(١) انظر معجم البلدان ٤: ١٧١
(٢) مراكب تصنع من شجر الطلح
خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل والمخاريق.
/ ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل اليها في عشر ذى الحجة وبها الحجاج من أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم بهم، هو أبو الإمام بها والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد قتلت المسلمين، فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه اليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل، ووضعوا السلاح.
فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغرّ ما كانوا، وقال لأصحابه:
ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم:
«ومن دخله كان آمنا»، أفامنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم.
وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: / هو في السماء وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» حتى [وصل] «١» إلى قوله: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» قال: ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجّوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها.
ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطب، ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن، فكانوا عشرين ألف وثمان مائة. ولعلك تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان
_________
(١) زيادة مني اقتضاها السياق
وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم المغرب من الأندلس، والقيروان، والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلى ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه.
فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي «١» وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس إنا كنا ندخل عليكم بحسب أهوائكم، مرة بمحمد، / ومرة بعليّ، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن إسماعيل، وبالمهديّ «٢»، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم، وربنا وربكم، يعني ذكيرة الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمين، يعني بالأجمعين قسّين وجنبلا «٣»، وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، وقال:
معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهار بخنان المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء إلى المهديّ، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف، أظهروا تكذيب
_________
(١) جاء في الهامش: فلما صار أبو طاهر القرمطي الباطني الملعون إلى البحرين سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي. انظر الكتاب ١: ١٠٦
(٢) سبق التعريف بهذه الأسماء فيما مضى من الكتاب
(٣) كذا في الاصل
الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن رزام، وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء «١» .
فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والانجيل وجمع هذا كله، وأمر بطرحه في الحشوش، والاستنجاء به، ونادى بنكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها إلى أن تموت، ثم تموت، وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع بذلك في الأسواق وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين يوما سبعمائة رجل/، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه.
ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على قتل ابنك وإخوتك؛ وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له:
_________
(١) ابن رزام، عطية (الأعلام ٥: ٣ و٤: ٢٣٩)
ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنّا أصحاب المهدي؛ والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدّث أن ستكون للمؤمنين زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد أن دخلنا فيه. قالوا نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه/ أبو طاهر في الليل إلى الرؤساء وتلافاهم، وخضع لهم، ولم تكن عادته.
ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه اليه ولا يخونونه في شيء منه. لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه للمهديّ، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون، ويسمعون القيان، ويطلبون المواخير، وإذا جاءهم العرفاء، وقالوا لهم: هاتوا ما غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد أمه، وفي است أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن
عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء فأخذ المسلمين الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل اليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما كانوا، فما فعلوا، ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجىء اليه من المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا.
وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله، يعاتبون أبا طاهر وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة.
ألم يفتضح المنصور بن حوشب/ بعدن لاعة، ألم يفتضح الوليّ ابن الفضل بجيشان «١»، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ أبو موسى هرون وهو شيخ الشيعة، وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني، وتلوط، وتشرب الخمر، وتكذب، وتغدر، وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت، قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي الداعية أني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة: هذا هو المهدي الذي
_________
(١) لعله يقصد علي بن الفضل بن أحمد القرمطي أحد المتغلبين على اليمن. استولى على الجبال والتهائم ثم دخل زبيدا وصنعاء وادعى النبوة وأباح الحرمات. ومات مسموما سنة ٣٠٣ هـ.
كنت أدعو اليه، فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة، وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى المغرب.
وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهديّ وما هو بالمهديّ، ولكنه رجل سوء، كذاب، شرّير، عدو الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ أهل بيته، وعدو الشيعة، وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا عبد الله/ وشيخ المشائخ.
وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا «١» أخو أبي عبد الله وكان أجل منه وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض المغرب إلى أن دس عليه من قتله.
وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه
_________
(١) كتب فوق الاسم بخط مختلف: العباس
لا دين له إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ذاكي وأصحابه.
أو ليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من أبيه. أو ليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبيّ العرب وأصحابه فقالوا: العنوا الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها؛ ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن كرّاد وهو من الشراة «١» وشكوا اليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ اليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في حصاره/ فرقا منه.
وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه.
_________
(١) انظر الجزء الأول من الكتاب ص ١٠٧
وأعان أبو الحسين بن عمار اسماعيل القائم الثالث منهم عليّ أبي يزيد حتى ظهر عليا، فلما خرج أظهر اسماعيل الرجوع إلى الإسلام. وقتل الدعاة، ونفى بعضهم إلى أرض الأندلس وغيرها. فقال للعامة: من سمعتموه يلعن الأنبياء فاقتلوه وأنا من ورائكم، وأذن للفقهاء والمحدثين، وخضع للعامة، وزعم أن الذي كان من الدعوة ومن الناحية والمنشدين كان بغير علم أبي ولا علم جدي، وخفف الخراج، وأظهر الشغل بالفقه.
فسقطات غيرنا من أهل هذه الدعوة أكثر من سقطاتنا، أم تظنون أنا بالبحرين لا نعرف أخبار اخواننا وأهل دعوتنا بالمغرب واليمن والعراق، فكانوا يحتجون بمثل هذا على من عذلهم من إخوانهم في إظهار الباطن، وكان الدعاة مثل أبي القاسم عيسى بن موسى، وأبي مسلم بن حماد الموصلي، وأبي بكر أخيه، وأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي الكلابي وغيرهم يحدثون أسفا وحسرة بما أتاه أبو طاهر من كشف الدعوة، حتى سقطت هيبته واستخفت العرب به بعد ذلك التعظيم، وحتى كان أبو طالب بن عيسى بن موسى وأمثاله يقولون إذا ذكروا هتيكة أبي طاهر وفضيحته مالك يا أبا طاهر، لعنك الله ويلك، لم سلمت الأمر إلى ذكيرة الأصبهاني. ويلك، إلا مضيت على غرتك وقد ظن الناس أنك المهدي، وفيهم من ظن أنك فوق المهدي، ويلك، إلى بخارى قدما ما يردك أحد. لعنك الله، وصلى الله عليك يا محمد.
لا يلعنون أبا طاهر براءة منه، ولا/ يصلون على النبي ﷺ موالاة له وتصديقا بنبوته، ولكن يذهبون إلى أنه وإن كان كذابا محتالا مثل أبي طاهر والذين بالمغرب وحاشاه ﷺ من قولهم فما افتضح مثل فضائحهم.
ولقد رجع أبو الغيث العجلي عنهم وكان نابا من أنيابهم، ومطاعا في
عشيرته. وكانوا نحو ثلاثين ألفا، وكتب في ذلك كتابا بيّن فيه أنه تموّه أمرهم عليه وظنهم شيعة وأصحاب المهدي؛ ورجع غيره من رؤسائهم ممن قد ذكره ابن رزام من المراتب الخمس وفي الكتاب الكبير، وذكرهم غيره.
ولقد بلغ الأمر بأبي طاهر أنه كان بعد ذكيرة يغير على الحاج وعلى بلدان المسلمين، ثم يجهد بالعرب أن يعطوه شيئا مما يأخذونه كما كانوا يفعلون من قبل، ويقول هذا مال المهدي، فإن لم تعطونا كله كما كنتم فهاتوا بعضه، فيقولون له: استأمنا إن أعطيناك مفاتحنا وقد عرفناك. فلما رأى استخفافهم به بعد الكرامة قال: لا وجه لما أنا فيه، أقتل المسلمين وأنهبهم ويذهب هؤلاء بالمال. فجاء إلى الكوفة وآمن الناس، ووجه إلى الراضي بعد المقتدر وبعد القاهر، «١» وكان هذا الراضي من الضعف وحجر بجكم والأعاجم عليه على حال قبيحة «٢»، وقد تفرقت الجنود عنه، وأخذت الأموال منه؛ فوجه اليه يطلب منه مالا يعطيه ليخدمه ويبذرق الحاج «٣»، ففعل الراضي ذلك، وأعطاه مالا معلوما، وقال أبو طاهر هذا أربح لي، آخذ هذا المال وأعطي بعض أصحابي وأعواني وأفوز ببعض. وكان العقلاء يعجبون ويعتبرون، ويقولون عظم أمر أبي طاهر حتى ادّعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبيّ، وادعى قوم أنه المهدىّ، وأقل ما ادّعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما شك
_________
(١) بويع للراضي بالخلافة بعد خلع القاهر في ٥ جمادى الأول سنة ٣٢٢ هـ، ولم يزل خليفة إلى أن توفي في ربيع الأول سنة ٣٢٩ هـ. انظر تاريخ الإسلام ومحاضرات تاريخ الإسلام السياسي
(٢) يحكم الديلمي: قائد الجند أيام الراضي.
(٣) البذرقة: فارسي معرب، بمعنى الخفارة، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة اللسان، مادة: بذرق
الشيعة أنه يملكها، وأظهروا/ الروايات «١» له بذلك، وأنه مذكور في الملاحم، وفي كتب الحدثان؛ وأنه حجة الله وصاحب حجة الله، والمهديّ والمنتظر الذي يملك الأرض كلها. وطمع في ذلك أشد الطمع، وكان السلطان في زمانه مقصرا لا يعرف من التدبير قليلا ولا كثيرا، وقد قلد الخلافة وله اثنتا عشر سنة متحليا بالنساء، كتابه وعماله وخاصته تغلب عليهم التشيع، يظنون أبا طاهر من الشيعة، فكانوا أعوانه على السلطان، فخذله الله حتى صنع مع ذكيرة ما صنع ففضحه الله بلسانه، ثم عاد فقتل ذكيرة ورجع عما كان عليه، ثم لم يزل خذلان الله به حتى جاء إلى الراضي وتلك حاله يطلب بذرقة الحاج منه، وسأله أن يستخدمه في ذلك، وضمن كل ما يجري على الحاج. وخرج إليه إلى الكوفة ابن مقاتل صاحب ابن رائق «٢» ووافقه على بذرقة الحاج بعد أن وبخه على ما كان منه، فأنكر أن أن يكون ما جرى باختياره، وأن البوادي كانت تقتات عليه ولا تطيعه، وأن السلطان قصر في أمره وقد كان ينبغي له أن يعرف مكانه، ويعطيه ما يرضي البوادي، ويستخدمه ويجعله أحد صنائعه، فقال الحجاج لا نسير معه ولا نثق به ولا كرامة له، فأقام السلطان أبا عليّ عمر بن يحيى العلوي أميرا عليهم، يسير أبو طاهر مع أصحابه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد من الحاجّ أمر ولا نهي. وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء صارت، حتى يرغب إلى الراضي- وهو أول من
_________
(١) في الأصل: الرويات، ولعل الصواب ما أثبتناه
(٢) هو محمد بن رائق، أبو بكر، ولاه الراضي إمرة الأمراء والخراج سنة ٣٢٤ هـ، وتوجه إلى الشام فحارب الاخشيديين ثم عاد إلى بغداد حيث قتل بأمر من ناصر الدولة الحمداني ٣٣٠ هـ. دائرة المعارف الإسلامية ١: ١٦٤
زالت دولة بني العباس على يده وأخذت الأموال منه، وأجرى له مقدار الكفاية، وزال أمره عن تدبير الجند وعن الولايات؛ وهو أول من حجر عليه منهم- في أن يستخدمه في بذرقة الحاج بشيء يعطيه، علمت أن ذلك آية من آيات الله العظام، فقد/ كان أثخن في الإسلام، وأخرب منازل الحاج، وقد كاتب في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، ولعل قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب الزنج، وكانت هيبته قد ملأت القلوب، حتى كتب ملك الروم إلى السلطان كتابا يظهر له الشماتة بأن أبا طاهر القرمطي قد أبادكم وأفناكم وشغلكم عن غزونا وأراحنا منكم وقصد بيت عبادتكم فقتل زواره ومن يعظمه وأنزل بدينكم كل هوان. وكان العامة ومن ليس هو من الدعوة إذا سألوا أصحاب أبي طاهر عما أتاه في باب ذكيرة لا يجيبون بل يقولون إنما سلم الأمر اليه ليمكر به ولينظر ما عنده، وصبر عليه وعلى ما أتاه ليعرف آخر أمره، فكان لتسليمه باطن غير ما ظهر للناس.
وهذا أعجب ما يكون من فضائح المبطلين وبهتهم، وهذا ما لا يعجز عن ادعائه أحد، فإنهم قد افتضحوا وتقطعوا ندما، وانصرفت عنهم عقيل لهذه الفضائح وهانوا على جندهم بعد الكرامة، وسقطت أقدارهم البتة، ثم يبهتون هذا البهت.
وهذا كقولهم لو قال: إن خادم العباس بن عمرو الغنوي ما وثقنا به ولا سكنا اليه ولا وثق به أبو سعيد ولا ائتمنه ولا سكن اليه وإنما تركناه وقتل أبي سعيد وتلك الجماعة الذين قتلهم في الحمام لننظر ما عنده وليظهر آخر أمره، على علم منّا بما سيأتيه ويفعله. وأن ما أتاه الأصفر من قتل رجالنا ومنعنا من التصرف في البلاد والخروج لأخذ ضريبة الحاج وحصاره إيانا في الأحساء، ليس عن عجز منا ولا لجهل منا بما كان منه قبل أن
يكون، وإنما تركناه على علم وقدرة ليظهر كل ما عنده ولكل أمر باطن.
أو كمن قال: إن الأصفر لم يصنع بهم هذا الصنيع عداوة لهم، فكذا ما صنعه ابن أبي الساج، وإنما أراد الأصفر أن يمتحنهم بذلك، ولهذا باطن وهذا خلق لأهل هذه الدعوة حيث كانوا من مشرق الأرض وغربها، فإنهم متى افتضحوا ومتى بان كذبهم فقالوا لهذا باطن.
فقد كان سعيد أنفذ الجيوش في سنة اثنين وثلاثمائة إلى مصر وقال:
تفتحونها وأنا في إثركم، وكانت خالية ليس فيها إلا القاسم بن الاخشيد الفرغاني في سبعة آلاف، وعسكر ابن سعيد الذي ورد به إلى مصر في نحو مائتي ألف، فهزمهم القاسم وردّهم، فرجعوا في سنة سبع وثلاثمائة في ثلاثمائة ألف، وقال: تفتحونها، فرجعوا منهزمين. وكان ابن سعيد رئيس الجند، ويوسف بن غروي الكبير المدبّر، وهو يعجب من رجوعهم وقد قال تفتحون. فقال لهذا القول باطن فأخذ يوسف هذا وقتله» .
وقد كان الرابع منهم لما ملك مصر والشام قال: الآن أملك الدنيا كلها، وكان له برذون أشهب يقال له عين الفضة، فقال: على هذا أدخل قسطنطينة، وقال: أنا لا أعطي أهل الاحساء عن الحاج ضريبة كما كان كافور الخصيّ الأسود قبلي يعطيهم، فإن خالفوني وجّهت بكتامة فشدّوا براذينهم على أبوابهم بالأحساء وساوم صاحبه وصاحب جيشه في ثياب بياض، ثم قال: وهذه تجلب من نيسابور وإلى هناك نصير فنشتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من بغداد وعليها الامام المطيع لله أمير المؤمنين. وكانوا في جيش قليل، وأخذوا الشام منه، وقتلوا
_________
(١) في الأصل: أبو يوسف، ولعل الصواب ما أثبتناه
ابن فلاح صاحبه «١»، وقالوا له ما تحتاج أن تنفد/ بكتامة إلى الأحساء فقد جئناك. فراسلهم وداراهم، وقال لهم: لم رضيتم لأنفسكم أن تسيروا تحت الرايات السود وتقيموا الدعوة لبني العباس، قالوا له: قد كان ينبغي ألا تمخرق علينا ولا تتكلم فينا، ونحن نعرفك ونعرف أباك، فما زال يراسلهم ويتضرع اليهم ويقول: الدعوة واحدة وهذا البيت وبيت أبي سواء، فساروا اليه إلى مصر وضيقوا عليه، فخندق على نفسه، وبذل الأموال، وبذل المال للبوادي فأخذوا سوادهم وانهزموا من باب مصر، وأسر ابن المنجا وجماعة منهم، فأكرمهم وصانهم وخلع عليهم، وردهم إلى الأحساء وأعطاهم أكثر مما كان يعطيهم كافور، وقتل من كان في عسكرهم من السوقة والباعة وهم ألوف كثيرة، وقال لولد أبي سعيد أنا ما منعتكم وإنما منعكم هذا العبد جوهر، وتقرب اليهم، وأذكرهم أن الدعوة واحدة وما ينبغي أن نختلف فيشمت بنا المسلمون، وما زال هو ومن بعده يحمل اليهم المال الكثير والبرّ الكثير إلى أن حاصرهم الأصفر ومنعهم، ووافى ملك الروم لعنه الله ونزل الشام.
واتفق موت البرذون عين الفضة، ونما الخبر إلى ابن الزيات وهو بالشام فكتب اليه: قلت إنك تدخل القسطنطينة على عين الفضة وقد مات وبينك وبين القسطنطينة مسيرة ستة أشهر، وملك الروم فقد نزل بالشام وبينك وبينه مسيرة عشرين يوما، وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف أعتذر اليك، وأنا من
_________
(١) هو علي بن جعفر بن فلاح الكتامي، أبو الحسن، من أكابر وزراء الفاطميين بمصر، وكان الناظر في جميع شؤون الدولة أيام الحاكم، قتل في القاهرة سنة ٤٠٩ هـ.
أحوج الناس اليك، وما هذا/ سبيله من الملاطفة. وإذا طالبت خاصته والدعاة له بتلك الأقوال وبينت لهم كذبها وخلقها قالوا: تلك الأقوال لها باطن.
وعند الخامس منهم من أهل خوارزم والموليان وغيرهما زوار كثير قد جاؤا بالأموال والهدايا، وهم محجور عليهم وموكل بهم ومع هذا فقد تبلغهم ما هناك من الفواحش والإباحات. فربما استفهم الواحد بعد الواحد من هؤلاء الزوار فيقال له: لهذا باطن، وربما قيل لبعضهم: إنما يفعل هذا مولاكم عمدا ليريكم ويمتحن صبركم، فأمسكوا ولا تتكلموا، ثم لا يؤذن بالرجوع لأهل الفطنة منهم.
وقد كان سعيد وهو بالمغرب قد جعل الرصد على من يرد ويصدر بباب البلد فيعرف أخبارهم، فمن كان منهم من الرسل والدعاة الذين يريدهم فلا يدخلهم إلا ليلا ملثمين في هوادج، وإن كانوا جماعة، فرق بينهم، وأنزلهم ووكل بهم ثقاته، وأخرجهم كذلك، لئلا يقفوا على شيء من أمره؛ ويدس اليهم من يحدثهم من أخباره بما يريد، ويبرهم ويصلهم ويخلفهم ويخرجهم في الاستخفاء كما دخلوا، ويردهم إلى النسفى وأبي حاتم الرازي وابن حماد. فتأمل حال هؤلاء وهم في الأطراف، وقد تستروا بدين الإسلام وأقاموا المؤذنين، فكل من يستدعونه في أول أمره يقولون له لسنا كالإمامية أصحاب موسى بن جعفر الذين يقولون: الصلاة إحدى وخمسين ركعة. الذي يجب عليك عافاك الله ثلاث وسبعون ركعة في اليوم والليلة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. وتؤدي الأمانه، وتحصن فرجك، وما نحل لك المتعة كما تحله الرافضة، وتجتنب الكذب والزنا والربا واللواط، / ولا تشرب شيئا من المنكر، وما لك في شيء من هذا رخصة البتة. وإذا كان عند الداعية أحد من المحرومين وممن
لا يعرف حقيقة الدعوة يصلي الداعية بحداه الليل والنهار. ومع هذا فقد عرف أهل العلم حقيقة الدعوة فكيف بأمر النبوة وهو من الأمور المكشوفة.
ولو أخذت تحصي فضائح هؤلاء في كل زمان مع هذا التحفظ لطال، وينبغي أن تعنى بأمورهم فليس هاهنا من يطعن في النبوات سواهم كما قد تقدم لك ودعاتهم اليوم مثل جابر المتوفى، وابن جبلة، وابن الكميث، والحسن بن محمد الممدى، يقولون لمن قد بلغوا به، أما ترون أتباع هذا الفاعل الصانع- يعنون رسول الله ﷺ اليوم- أربع مائة سنة قد أقاموا على شريعته ما يفارقونها، ماذا يرون فيها الحمير، وقد كدّهم بالصلاة والصوم والحج والجهاد، أما يفطنون أما يفيقون.
والعجب ممن ذهب عنه ﷺ مع ظهور أعلامه وانكشاف براهينه، ولو كان لهؤلاء فطنة ومعهم تدبّر لكفتهم أنفسهم وأحوالهم في معرفة صدقه، فإنهم مع اعتصامهم به وتسترهم بإقامة شريعته والانتساب إلى أهل بيته، ومع الأيمان والمواثيق، يفتضحون في كل طرفة عين، وهو ﷺ قد جاء ذلك المجيء وأعداؤه منذ أربع مائة سنة يطلبون عثرة له وزلة فلا يجدونها، وهو كما يقال: قد كان ينبغي أن يكون أصحاب الطب من أخشى خلق الله وأعرفهم به لكثرة ما يرون من الشدائد النازلة بالناس وبأنفسهم ثم قل ما يغني طبهم عن أنفسهم وأعزّتهم، ولكن قد سبقوا إلى الاعتقادات الباطلة والتقليد للرجال، فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت/ فطنهم، فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرّة وقدوم على حسرة.
Translation
وباب آخر ما في الآية"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ... " من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه
#44 Chapter 44 — وباب آخر علم الرسول ﷺ حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أنهم لن يستطيعوا · ref. #44
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [علم الرسول ﷺ حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أنهم لن يستطيعوا]
وهو أنه ﷺ قد علم وتيقن حين تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة أنهم لا يأتون بذلك، ولو لم يتيقن ذلك لما تحداهم ولا قال، لأن العاقل لا يقدم على مثل هذا وهو لا يأمن أن يأتوا بمثله فيفتضح وتبطل حجته ويستظهر عليه خصمه ويظهر كذبه وينصرف عنه أصحابه وتبطل رئاسته، سيما والعرب أمم كثيرة، والفصاحة مثبوتة فيهم غالبة على رجالهم ونسائهم وعبيدهم وإمائهم، وهو لا يعرفهم بأعيانهم ولا يحيط علما بأشخاصهم وبشعرائهم وخطبائهم وبلغائهم وفصحائهم ودعاتهم، فكان لا يأمن أن يتبتّل له قوم منهم غضبا لأديانهم، وعصبية لآبائهم، وأنفة لأنفسهم، فيأتون بمثل ذلك في الفصاحة والبلاغة، أو بما يقارب ذلك، فيهدمون كل ما بنى، وهو العاقل الحليم الذي لا يدفع عدوه عقله فلم يكن ليخبر أنهم لا يأتون بشيء من ذلك إلا وهو على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، فما في الدنيا عاقل تأمل أمره ﷺ إلا وأثمر له الفكر والعلم بذلك.
فإن قيل: قد يقول العاقل في صنعة يدعيها، أو شجاعة، أو في شدة وقوة وأشباه ذلك: إن أحدا لا يساويني في ذلك ولا يدانيني فيه، وإن كان لا يعلم أن الأمر كما ادّعى ولا يخرجه ذلك من أن يكون عاقلا ... قيل له: لا يسأل عنه وعن أمثاله من تأمل ما قلنا، فإنا لم نقل إنه ليس في الدنيا عاقل ادعى أنه لا يساوى في منزله إلا وهو على يقين من أن الأمر/ كذلك، وإنما قلنا: إن هذا الرجل ﷺ قد ادعى أعظم الأمور وأجلها، وهو أن الله اصطفاه على العالمين، وجعله وحده منذ أرسله حجة على كل من أدركه
Translation
وباب آخر علم الرسول ﷺ حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أنهم لن يستطيعوا
#45 Chapter 45 — وباب آخر محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم · ref. #45
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، وأن من خالفه فقد حلّ ماله ودمه وأهله وذريته، وعليه الخزي والغضب من الله في الدنيا والآخرة، وانه قد وجب على كل عاقل طاعته والانقياد إلى أمره إلى غير ذلك مما ادعاه وفرضه مما يطول ذكره، وان حجته في ذلك أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا واجتهدوا لن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه لا يأتون بمثله، وأنهم إن أتوا بذلك فقد بان كذبه وحرمت طاعته ووجبت معصيته وحل دمه ودم كل من صدقه، فبهذه الشريطة قلنا ذلك وادّعيناه، وبهذا قد علمنا، لا بما ظنه السائل.

وباب آخر [محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم]
من أعلامه ﷺ، وهو أنه لما صاروا أصحابه في المدينة مشى اليهود إلى الأوس والخزرج وقالوا لهم: لقد جلبتم على أنفسكم باتباع هذا الرجل الضلال والبلاء العاجل بمعاداة الأمم، ولو كنتم يهودا لناظرناكم؛ وقد كان في الأوس والخزرج من قد تهود. وقالت النصارى لهم مثل ذلك، ورغبوهم في النصرانية، وهددوهم بنصارى العرب وبملوك الروم، وأكثروا في ذلك وهوّلوا، فقال الله ﷿: «وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»
فكفاهم الله إياهم كما وعد وكما أخبر، وقد كانوا أشد الناس حرصا على قتله واستئصاله وبواره،
يبذلون في ذلك أموالهم ودماءهم. وقد كانت حاله بالمدينة وإن كان قد صار في جماعة وأنصار قريبا من حاله بمكة فقد كان يجلس وحده ويمشي وحده، ويدعو به الرجل والمرأة لحاجة فيمشي مع من دعاه، وقد يكون في بيته وعند أهله وحده، وإنما بيوته ومسجده من جريد النخل وارتفاعها مقدار قامة.
وكانت سبيله في ذلك سبيل خلفائه وأصحابه في البذل والتظرح، وقد قصد العبد النصراني لقتل عمر فقتله «١»، وقصد ابن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله، وقد تحصن عثمان وأخذ حذره وجمع نفسه ومع هذا فقد تسلق عدوّه عليه ودخل من خوخته ونال منه حاجته مع هذه الأنساب وهم الأمراء، فتعلم أن سلامة رسول الله ﷺ من هذه الأشياء، من الآيات العظيمة، سيما وقد قال لعدوّه: إن الله سيكفينّكم، وفي هذا تهييج لعدوه على نفسه، وبعث على مكروهه.
وقد كان أهل مكة يبعثون اليهود والنصارى ومن بالمدينة على قتل رسول الله ﷺ، ويحرشون بين الأوس والخزرج، ويبعثونهم على من آمن برسول الله ﷺ وعلى من اتبعه، وقد كان اليهود وأعداء رسول الله ﷺ ممن بالمدينة يردون مكة ويلقون قريشا فيبعثونهم على مكاره رسول الله ﷺ وقتله.
وقد كان لليهود بالمدينة وبالحجاز وبجزيرة العرب عدد جمّ. وقرى وحصون، ولهم بأس، ولهم نجدة وخيول وفرسان، وأبطال وفصحاء وشعراء، ولهم ثروة، وفيهم أجواد ويستجار بهم ويجيرون ويمنعون جيرانهم، ويقاومون الملوك ويدفعونهم عن أنفسهم؛ ونصارى العرب أكثر في هذا كله وأقوى وأشد، فاعرف هذا فبك إلى معرفته أمس الحاجة.
_________
(١) يقصد أبا لؤلؤة الفارسي المجوسي.
Translation
وباب آخر محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم
#46 Chapter 46 — وباب آخر بدر وما فيها من آيات · ref. #46
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [بدر وما فيها من آيات]
من آياته ﷺ/ وهو ما كان ببدر فإنه يوم كانت فيه آيات كثيرة وأظهر الله ﷿ لنبيّه أعلاما عظيمة، وكان للمشركين من قريش عير قد أقبلت فيها أموال وبزّ وأمتعة فاخرة، وخرجت قريش وقد خافت عليها المسلمين في نحو ألف فارس معدين ومستعدين ليحموها، ووعد الله المسلمين إحدى الطائفتين أن يظفرهم بهم ويغنمهم إياهم، وودّ المسلمون أن تكون هذه الطائفة غير ذات الشوكة لقلة المسلمين وضعفهم وكثرة المشركين وقوتهم، وكان المسلمون في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا يعتقب العدة منهم البعير الواحد، ولا فرس معهم يومئذ إلا فرس المقداد وفرس الزبير، وقد سبقهم العدو إلى الماء، واحتوى على الشعاب، واستظهروا على المسلمين بالماء والمكان، فوافى المسلمون في ضعفهم وقلتهم، فحصلوا على المضايق والخروق من الأرض، ولا ماء لهم، فأنزل الله عليهم الماء فشربوا وسقوا ركابهم وتطهروا، وتوطت الأرض لهم ما كان منها رملا حتى ثبتت أقدامهم عليها، وعند الحرب ألقى عليهم النعاس في الوقت الذي لا يكون فيه نعاس ويطير النوم للخوف على النفوس، فطيب قلوبهم وطير خوفهم، وشجع جبنهم، وأرسل إليهم ملائكته فثبتتهم وبشرتهم، وأخذ رسول الله ﷺ كفا من تراب وفيه حصيات فرمى به في وجوههم وقال:
شاهت الوجوه، حم، لا ينصروا، فتفرق الحصى في عسكر المشركين وبلغ إلى خلق كثير بخلاف ما جرت به العادة. وقد ورد القرآن بذلك وتفصيله ورودا يشهد عقل كل عاقل ومتأمل ومعتبر ومتفكر أن ذلك قد كان ووقع في قوله في سورة الأنفال إلى قوله: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ
بَيْتِكَ/ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» إلى قوله: «وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «١» .
فانظر كيف يصف لهم أحوالهم وضعفهم وخوفهم وقلّتهم وما كان قد وعدهم به من الظفر بإحدى الطائفتين قبل اللقاء وما نصرهم به على ذلك التفضيل. ولا يجوز أن يقول لهم: قد كنت وعدتكم وقد كنتم كارهين وخائفين ومستضعفين، فأزلت خوفكم، وطيبت نفوسكم، وأنزلت عليكم الماء، وغشيتكم بالنعاس أمنة مني، ونصرتكم بالملائكة، وهو يعلم أنهم يعلمون أنه كاذب، وأن ذلك لم يكن؛ وهذا القول يسمعه العدو والوليّ، وهو يمتنّ به على الصحابة وأتباعه، ويحتج به على العدو والوليّ، ويصول بذلك ويدل ويستطيل؛ هذا لا يقع من عاقل، ولا يتوهمه عاقل تدبر وفكر، فكيف بمن يدعي النبوة والصدق، ويريد من كل أحد سمع
_________
(١) الأنفال، الآيات من ٥- ١٧
قوله/ أن يتبعه ويعتقد ذلك منه ويطيعه. وهؤلاء الذين اتبعوه وأطاعوه وبذلوا أموالهم ودماءهم، إنما فعلوا ذلك لما اعتقدوه من نبوته، وعرفوه من صدقه، وتحققوه من قوله. ففي كل واحد من هذه الآيات ما فيه أتم الحجة بانفراده، فكيف بترادفه واتصال بعضه ببعض، ولو افردت لكل آية بابا وشرحت ما فيها لكان أولى وإن طال، وأنت متى شئت قدرت على ذلك.
وانظر ما في قوله: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا» إلى قوله: «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» «١» فتأمل موافقته لهم واحتجاجه عليهم، وليس يدعى أن هذا قوله، بل يقول لهم: هذا قول ربي وربكم، وهو الذي كان وعدكم هذه المواعيد وضمن لكم النصر وقد وفى لكم بجميع ذلك.
وانظر إلى حسن تدبيره ﷾، فإنه ضمن لهم إحدى الطائفتين ولم يقل أيهما هي، وودوا هم أن تكون غير ذات الشوكة فإنها في عدة من الرجال قليلة، وأموالها كثيرة؛ وكرهوا ذات الشوكة لقوتهم، وكثرة عددهم؛ وأراد الله أن يحق الحق بكلماته التي وعد نبيّه أنه يهزم جموعهم وينصر ضعف المسلمين عليهم. ولو قال لهم: إنكم تلقون ذات الشوكة ها لهم ما عاينوا، إذ هم رجّالة وعدتهم قليلة وأولئك خيّالة وعدتهم كثيرة فخافوا أن يبرزوا فيجول عليهم العدوّ جولة يصطليهم فيها فأيدهم بذلك
_________
(١) الأنفال الآيات من ٤١ إلى ٤٤
النصر، وسلمهم تلك السلامة فظفروا بعدوهم فقتلوا سبعين وأسروا/ سبعين وهزموا الباقين.
وتفهم معنى قوله: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» «١» أي بذلك النصر وذلك التأييد وتلك الآيات والمعجزات استوى لكم قتلهم، «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» «٢» لأنه ﷺ لما رمى بلغ الله رميته إلى ما لم يكن في وسعه تبليغها وبثها وإيصالها، فما أحد أصابته إلا قتل أو أسر؛ وليس يجوز أن يقول لهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ومثل ذلك قد يكون وقد يتفق، وكذا في قوله: «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» ووليّه وعدوّه يسمع هذا، وهم قد مارسوا الحروب قبله وجربوها وعرفوها وسمعوا بها، ليعلم أن ذلك شيء انتقضت به العادة وكان فيه آيات ومعجزات. وقد سأل الخصوم فقالوا: إذا كان الملائكة ثلاثة آلاف أو خمسة والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر فكيف لم يصطلموا عدوّهم وإنما هم في نحو ألف، وكيف لم يعنه بالملائكة يوم أحد وقد قتل أصحابه، وهو قد كان يوم أحد إلى الملائكة أحوج.
قيل له: قد علمنا بما قدمنا أن الملائكة قد شهدتهم يوم بدر بدلالة امتنانه على المسلمين بذلك والعدوّ والولي يسمعه، فليس في سؤاله قدح في هذا العلم، فإن بيّنا وجه حضورهم فمن طريق التطوع، وهو أنه ليس في حضور الملائكة ﵈ سقوط الفرض عن المسلمين في مجاهدة عدوّهم، ولا أذن الله لهم في محاربة العدو، ولكنهم حضروا ليثبتوا الذين آمنوا وليرغبوا الذين كفروا وليقتلوا الواحد بعد الواحد تثبيتا للمؤمنين
_________
(١) الأنفال، ١٧
(٢) الأنفال، ١٧
وإرعابا للكافرين وإيضاحا للمعجزات، وكذا قال الله وقد ذكر نزول الملائكة: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» وقال في موضع آخر/ في هذه القصة: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» .
وأما قصة أحد، فليس إذا أنزل الله الملائكة يوم بدر وجب أن ينزلهم يوم أحد، وليس إذا عافى الله نبيه وقتا وجب أن يعافيه في كل وقت بل قد يمتحنه بالمرض في وقت ويكلفه الصبر، وكذا ينصر وقتا بالملائكة ويخليه من ذلك وقتا آخر فتشتد محنته ويلزمه الصبر؛ وإنما يسأل عن هذا من ادعى أن الله ينصر أنبياءه في جميع مواطنهم بالملائكة، وهذا سؤال يذكره ابن الراوندي بعد موافقته أبي عيسى الوراق وابن لاوى اليهودي، وأمثالهم من الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وهذا غاية كيدهم، وقد بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم فما فضحوا بذلك إلا أنفسهم، ولو سكتوا لكان أستر لهم، ولو آمنوا لكان خيرا لهم، لتعلم أن الإسلام نور لا يطفأ، وأن مطاعن الخصوم فيه لا تزيد إلا قوة كالذهب الذي لا يكلف وكلما سبكته وعرضته على النار زاد جودة وصفاء. وقد كان أعداء رسول الله ﷺ في زمانه من قريش، واليهود والنصارى أكبر عقولا وأشد كيدا وأكثر شغلا بالتتبّع على رسول الله ﷺ وطلب عثراته ولهم فضل المشاهدة، فلو وجدوا مطعنا لسبقوا اليه ولوافقوا عليه، فقد كان ينبغي لهؤلاء المتأخرين من أعدائه أن يعملوا هذا فيمسكوا، ولكن الجهل والغباء قد سد مسامعهم وغطّى على أبصارهم، ويأبى الله إلا فضيحتهم وهتيكتهم؛ وهم لم يسألوا عن الآيات التي كانت تنذر ولا عن المواعيد التي تقدمت بها قبل كونها مع كثرة ذلك واعتداد الله به، وما سألوا إلا عن الملائكة ليأسهم من تلك/ وطعنهم في هذه
وقد تبينت خيبة أملهم في هذه أيضا وفي شهود الملائكة مع ما قدمنا من الدلالة.
أخبار من ذلك: أن رجلين من مزينة من الكفار كانا على جبل ينظران على من تكون الهزيمة، فقال الباقي: وكنا نحب أن يكون على قريش لأنهم أكثر أموالا ومتاعا فنصيب منه فرابنا سحابة قد أقبلت، وقائل يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فإنه انكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فتماسكت، فأتى النبيّ فأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ حيزوم اسم فرس الملك «١» .
ومن ذلك أن حكيم بن حزام لما أسلم وقد كف بصره وكان يوم بدر مع الكفار قال: لو كان بصري صحيحا لأريتكم الوادي الذي خرجت علينا منه الملائكة.
ومن ذلك أن أبا تميم الأسلمي لما رأى الحارث بن هشام يصير إلى مكة داخلا وقد انقطع فرسه فسأله عن الخبر فقال «٢»: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق تطير بين السماء والأرض فانهزمنا.
ومن ذلك أن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب لما قدم مكة منهزما قال له أبو لهب: إلى أين يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر فقال: يا عم قتل الناس، قال له أكانوا أكثر منكم، قال: لا، ولكنا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق
_________
(١) كتب في هامش الأصل: الحيزوم اسم فرس الملك.
(٢) أما أبو تميم الأسلمي فهو حمزة بن عمرو بن الحارث الأسلمي، صحابي كان كثير العبادة شهد فتح افريقية توفي سنة ٦١ هـ. الأعلام: ٣١٣ وأما الحارث بن هشام فهو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، صحابي، كان شريفا في الجاهلية والإسلام، شهد بدرا مع المشركين وأسلم يوم فتح مكة توفي سنة ١٨ هـ.
تطير بين السماء والأرض، فلما رأيناهم انهزمنا، قال أبو رافع مولى العباس ابن عبد المطلب وكان مسلما: تلك الملائكة فوثب عليه أبو لهب فضربه.
ومن ذلك خبر أبي داود المازني قال: بينا أنا أبتغي خلف رجل من الكفار إذ سقط رأسه بين يدي من غير أن أضربه، وقد كان المسلمون لما رأوا كثرة المشركين وعدتهم وبأسهم وضعف المسلمين وقلتهم قالوا: يا رسول الله قد تخلف عنك خلق من المسلمين بالمدينة لم يخرجوا لأنهم لم يظنوا أنك تلقى عدوا تقاتلهم/ وإنما ظنوا أنك تلقى عير قريش، ولسنا نأمن جولة العدوّ، فإن رأيت يا رسول الله أن نبني لك عريشا تكون فيه، فأجابهم إلى ذلك وقال: اتخذوا لي عريشا تسعني وصاحبي، وأخذ بيد أبي بكر الصديق فأدخله معه العريش، وجعل رسول الله ﷺ يدعو ربه، وطالت مناجاته ربه: ربّ ما وعدتني، ربّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض، فاحتضنه أبو بكر من ورائه وقال:
بأبي أنت وأمي مناشدتك ربك، فو الذي بعثك بالحق لينجزنّ الله لك ما وعدك.
وجعل رسول الله يخبر أبا بكر بما يأتيه به جبريل والملائكة، ويقول له: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله وعونه، هذا جبريل معتمرا بعمامة آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناة النفع، وهذه الملائكة قد سومت.
فأمر الملائكة ﵈، وحضورهم يوم بدر، وقتال من قاتل منهم، من الأمور المشهورة، وقد قدمنا قبل هذه الأخبار دلالة العقل على ذلك، وقوله ﷿: «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا» «١» فقلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرؤوا عليهم ولئلا يهابوهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين ثم ملأ
_________
(١) الأنفال ١٤
قلوبهم رعبا منهم ليكون ذلك آية للفريقين. وقد كان المشركون من قريش خرجوا من مكة على خيولهم مستظهرين ووعيدهم أن يغلبون كل من يلقونه ولا غالب لهم من الناس، فلما نجت عيرهم ذات الأموال، قال عتبة بن أبي ربيعة: ننصرف فقد نجت عيرنا من محمد وأصحابه، فقال أبو جهل:
لا ننصرف ونقيم ونجزر الجزور ونأكل ونطعم الناس ونأخذ محمدا وأصحابه فإنهم في ضعف وقلة، فلما التقى الجمعان ورأوا قلة المسلمين وضعفهم/ رهبوهم وزال ما كانوا يظنون.
وقد ذكر الله للمسلمين أمرهم فقال: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» «١» إلى آخر القصة ولعظم الآيات ببدر ما أذكر الله بها في كل موضع، فقال ﷿ في سورة آل عمران: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» إلى قوله: «لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» «٢» معطوف على قوله: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» أي ليس لك ولا لغيرك شيء من هذا النصر، وإنما هو من الله وحده في إنزال الملائكة وفيما ألقى من الرعب وفيما غشى من النعاس وفيما بلّغ من الرمى وغير ذلك. وكان المشركون مغيظين وحنقين ومحفظين يتمنون أن يبرز اليهم رسول الله ﷺ، وأصحابه لا يشكون في أنهم إذا وقعت عيونهم عليهم اصطلموهم واستأصلوا الإسلام وشفوا غيظهم من رسول الله ﷺ فجاءهم ما لم يحتسبوا.
_________
(١) الأنفال ٤٨
(٢) آل عمران ١٢١
Translation
وباب آخر بدر وما فيها من آيات
#47 Chapter 47 — وباب آخر حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول · ref. #47
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول]
من آياته وهو أنه ﷺ لما نزل بالمدينة ودعا إلى ربه وبها وحولها من اليهود وخلق كثير، فدعاهم ووعظهم وبين لهم، فرجع الرؤساء والأتباع وتواصوا بالانحراف عنه وبالصدّ وبالقصد له، وكان عددهم كثيرا وشوكتهم شديدة، فمشوا في الأوس والخزرج في الصدّ عنه، ومالوا إلى عبد الله بن أبي سلول، وكان الأوس والخزرج على أن يملكوه عليهم إلى أن جاء الإسلام فانتقض ما عزموا عليه. وكانت اليهود تدّعي أنها على بصيرة/ من أمرها، وأن الجنة لها، وأن نعيم الجنة خالص لها، فأخبر الله نبيّه أنهم ليسوا من أمرهم على يقين كما يدعون، وأن رهبتهم لكم شديدة، وأنك إن دعوتهم إلى تمني الموت لا يتمنونه، فقال: «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ «١» أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ» «٢» إلى آخر القصة. ثم أعاد هذا التقريع والتوبيخ في سورة أخرى وفي زمان آخر فقال: «قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» «٣» . فما تمنوه أبدا مع هذا الاقتضاء والمطالبة التي تغيظ وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله ﷺ وحرصهم على تكذيبه وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه
_________
(١) في الأصل: فلن يتمنونه
(٢) البقرة ٩٤- ٩٥
(٣) الجمعة ٦- ٧
وأعانوا عدوه عليه، وتكلفوا كل شدة وكل مشقة في ذلك وما أقدموا على تمني الموت مع سهولته وقربه، وهو أن يقولوا: ليتنا متنا. وهذه الآيات العظام والأعلام الكبار الهائلة الواضحة المكشوفة الباهرة القاهرة التي ما فكر فيها عاقل إلا ملأت قلبه علما بنبوته ﷺ وصدقه، وبهرت عقله، فإنك ما تدري أمن إقدامه ﷺ على الإخبار عنهم بأنهم لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته ومع علمه بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته تعجب، أم من إحجامهم عن ذلك مع شدة حاجتهم اليه. ولم يقل هذا من عندي ولا من مولى/ بل هذا من قول الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم والعالم بسركم وجهركم، فجعله كتابا يقرأ وقرآنا يتلى، ليكون أشد وأغيظ وأبلغ في الحجة وأظهر في التنبيه، ولتعلم أنه ما قال هذا لهم إلا وهو عالم أنهم لا يتمنونه. وهو أعجب من قوله للعرب أنكم لا تأتون بمثل هذا القرآن، وهذا مقام لا يقومه مثله مع عقله وعظم دعاويه إلا مع اليقين، لتعلم ثقته بربه جل وعز وسكونه إلى ما يوحى اليه.
وقد تحيرت الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وتاهت عقولهم عند هذه الآيات، فهم يلعنون العرب لم لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وكون اليهود لم لم يتمنوا الموت فيكذبونه فيستريحون ونستريح. وهذا يقوله مثل الحدّاد وصاحبه أبي عيسى قبحهم الله.
فمرة يقولون: كانوا جهالا بلها فقيل لهم ما قد تقدم ذكره من أن من رمى أعداء رسول الله ﷺ من قريش واليهود والنصارى بالجهل والغباء فهو كمن رماه ﷺ بذلك. ومرة يقولون: قد كانوا عقلاء وفطناء ولم يكونوا أهل جدل ونظر فيعرفوا مثل هذا، قلنا: لو كانوا مثلكم في النظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم اليه ﷺ وهم بهذا أعلم الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء
والصبيان من كل أمة، فإن من استعالى على خصمه بأنه لا يأتي بمثل ما أتى من كتابة أو سباحة أو فصاحة أو خطابة أو شعر فإنه قد عرف الوجه في ذلك، فإن الصبي يقول لقريبه: أنت لا تحسن تكتب كما أكتب ولا تحسب كما أحسب ولا تطفر هذا الجدول كما أطفر، فإن خصمه يدري ما أراده منه وبأي شيء قد طالبه/ وما الوجه في مغالبته وإكذابه، وكذا تمني الموت قد عرفته اليهود وعرفوا كل أحد منهم ما أراده ﷺ.
فذكر ابن الراوندي أن الوراق كان يقول: إنما لم يتمنوا الموت لأن اليهود والنصارى كانوا يؤمنون بموسى وغيره ممن كان يدعي النبوة، وقد أخبر هؤلاء في كتبهم بنبوة محمد ﷺ فلم يقدموا على التمني لهذا. فقيل له: فهذا يدل على نبوة أولئك ونبوة محمد جميعا فقد لزمكم القول بكتبهم أجمعين، وأنتم تنكرون ذلك كله. قال: إنما إخبار هؤلاء عن مجيء محمد ﷺ كما يخبر المنجم عن ما يكون، فيقولون ذلك. قيل له: ومتى كان مثل هذا في أخبار المنجمين أن يخبروا عن مثل مجيء محمد ﷺ، وفي أي زمان يجيء، وبأي شيء يجييء، ومن أي بلد يجيء، ومن أي جيل، هو وابن من هو، على التفصيل الذي جاء به، مثل هذا لا يكون في أخبار حذاق المنجمين ولا ما يقاربه ولا ما يدانيه، وإنما يتفق لهم الإصابة في شيء مجمل قليل يسير بعد أن يكذبوا ويخطئوا «١» في ألف شيء، فيتفق ما يتفق لهم من ذلك بطريق التجارب والزجر، كما يتفق للصبيان من الإصابة في إخراج الزوج والفرد وفي اللعب بالخاتم، بل ما يتفق للصبيان في الإصابة أكثر وأسرع وأحسن وأبدع، وكذا ما يتفق للقوابل في أن الحمل ذكرا أو أنثى، وكذا ما يتفق لمن يزجر الطير ويضرب بالحصا، وكذا ما يتفق للمتفائلين بالثعلب والمتطيرين بالبوم ولمن يزجر الطير، فكذب المنجمين
_________
(١) في الأصل «يكذبون ويخطئون» .
وخطئهم أكثر من كل كبير، وهو شيء لا يستنكر، وهم يعترفون بهذا فيقولون: لا تعجبوا من خطئنا ولكن اعجبوا من/ صوابنا، وإنما صوابهم كمجنون نطق بحكمة، أو صبي أتى بنادرة، فإن الناس يحفظون ذلك ويعجبون به لأنه أتى من غير معونة، ولا يحفظون ما يكون من المجانين والصبيان من الجهل والكذب، فكذا ما يكون من المنجم، يخطىء في ألف شيء ويكذب في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ذلك غير منكر منه، فإذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من مثله ولأنه أتى من غير معدنه. وعلى أن الناس يكذبون المنجمين ويدّعون لهم ما ليس لهم ولا في صنعتهم، ويضايقون الأنبياء ويتعنتوهم، وقد تقدم قبل هذا شيء على المنجمين فارجع اليه.
ثم قال هؤلاء الزنادقة: إنما لم يتمنوا الموت لأنهم لو تمنوه بألسنتهم لقال إنما عنيت أمنية القلوب، فإن قالوا له: قد تمنينا بقلوبنا، قال لهم: قد أخبرني جبريل أنكم لم تفعلوا ذلك.
قيل لهم: قد حصلوا لنا غير متمنين بألسنتهم، وانتقضت العادة وقامت الحجة وظهرت البينة، وحصلتم تعللون ما لم يكن وما لم يقع، وقد كنتم نسبتم اليهود في تركهم التمني إلى البله، والآن فقد نسبتموهم إلى التميز والتحصيل وإلى غاية الذكاء والفطنة، ومن هذه مرتبته كانوا يقولون له: أنت قلت لنا لن نتمنى ذلك أبدا وهاقد تمنيناه وهذا إكذاب لخبرك ظاهر بين.
فرجوعك إلى ما في القلوب هو الانقطاع على أنك قد نفيت التمني منا نفيا عاما لما كان منه باللسان وما كان منه بالقلب، فإذا تمنيناه باللسان فقد أكذبناك وقد أفضحناك وقامت حجتنا عليك، وقولك بعد هذا أن جبريل أخبرك أنا ما تمنيناه بقلوبنا قدح منك لأنا نحن نقول لك: إن جبريل ما أتاك ولا يأتيك فكيف يكون دعواك حجة علينا. فتعلم بهذا/ بطلان كيد الخصوم في توكلهم لليهود
Translation
وباب آخر حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول
#48 Chapter 48 — وباب آخر محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك · ref. #48
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك
Translation
وباب آخر محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك
#49 Chapter 49 — وباب آخر توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ممالئوهم · ref. #49
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
بعد أربع مائة سنة، وبعد فكيف لم يقولوا له: أي الأمنيتين أخبرت إنا لا نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته.

وباب آخر [محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك]
من آياته ﷺ، أنه مضى ومعه أبو بكر وعمر إلى اليهود في بعض الشأن، فلما جلسوا أرسل اليهود من يلقي عليهم صخرة لتقتلهم فلما صعد رسول اليهود لذلك أنذره الله ﷿ فنهض من ساعته وقال لأبي بكر وعمر:
قوما فإن هؤلاء قد أرسلوا من يلقي علينا ما يقتلنا، فخجل اليهود لذلك.
وفي ذلك يقول الله ممتنا عليهم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» «١» وهي قصة معروفة، فلهذا جاز الامتنان بها، ولا يجوز أن يمتن ويقول مثل هذا إلا لما هو مشهور معروف عندهم سمعه الوليّ والعدو.

وباب آخر [توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ممالئوهم]
من آياته ﷺ، وهو أن قوما من المنافقين وممن في قلوبهم مرض وضعف يقين وقلة بصيرة كانوا يمالئون اليهود ويتوددون إليهم، فيقال لهم: لا تفعلوا هذا، فيقولون: الصواب لنا ولكل عاقل أن يفعل ذلك، فإنا لا نأمن أن يكون لليهود دولة فيصيبنا منهم دائرة، وهم كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، فأنزل الله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
_________
(١) المائدة ١١
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» أي «١» من تولاهم فإنه منهم في الكفر لا من المؤمنين، إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي لا ينجيهم من العذاب ولا يوصلهم إلى الثواب. ثم قال على نسق الكلام: «فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ/ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ» ثم قال:
«فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ» «٢» والفتح هو نصر رسول الله ﷺ عليهم وغلبته لهم، فوعده بذلك ثم أنجز له ووفى له، وعسى من الله وأحبه. فواقع رسول الله ﷺ اليهود وقائع كثيرة فنصره الله عليهم، وندم أولئك المنافقون في إسراعهم فيهم كما قال وكما أخبر. وقال المؤمنون حين رأوا غمّ المنافقين بما نزل باليهود وبما آتاه الله من نصر نبيّه ﷺ: «أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ» «٣» .
وفي هذا آيات عظيمة وأخبار بغيوب كثيرة أخبر بها قبل أن تكون على وجه يغيظ ويغضب ويبعث العدو على استفراغ وسعه وبذل مجهوده في تكذيبه وفي إعمال حيله في أن لا يتم ما قال وما أخبر، خلافا «٤» لتدبير عقلاء البشر، فإنهم لا يظهرون لعدوهم وجوه مكايدهم لئلا يسبقوهم إليها، ولئلا يتحرروا منها، لتعلم أن هذا تدبير الله الغالب لكل شيء، الذي لا يغلبه شيء، وأن هذا القرآن كلامه وقوله لا كلام أحد من البشر. وكان ميل أولئك إلى اليهود فأنزل الله هذا في اليهود وفي النصارى، ونصر المسلمين عليهم أجمعين، وكانت
_________
(١) المائدة ٥١
(٢) المائدة ٥٢
(٣) المائدة ٥٣
(٤) في الأصل: خلاف.
Translation
وباب آخر توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ممالئوهم
#50 Chapter 50 — وباب آخر اخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله · ref. #50
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وقائع المسلمين مع النصارى أكثر، وكان بأس النصارى أشد، وعددهم أكثر، ومدة محاربتهم أطول، فكانت العقبى للمسلمين.

وباب آخر [اخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله]
من آياته ﷺ ودلائل نبوته، وهو قوله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» .
فأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه أتى الله بمن يغلبه ويقهره، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدّت/ القبائل الكبيرة من العرب عامة وخاصة على وجوه من الردة كما قد تقدم شرح ذلك، فشمر أبو بكر الصديق لحربهم، وأرسل المهاجرين والأنصار على قتالهم، وقاموا على ساق، فقهروهم وأذلوهم وغلبوهم وظهرت كلمة الإسلام فكان العز للمسلمين، وهذا من الآيات العظام، فانظر كيف قال ﷿ لهم بالمواجهة: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» «١» ولم يقل: من يرتد عن دينه، فكانت عدة تحتمل التسويف بل قال: «مِنْكُمْ» .
وفي هذا غيوب كثيرة، فإن القبائل التي ارتدت تلك الأنواع من الردة كانت كثيرة ولها بأس وشدة كما قد تقدم ذكر ذلك، وفي هذا أيضا تأييد لإمامة أبي بكر الصديق، وأنها حق وهدى وصواب ورشاد ودين لله، وقد وصفه الله ومن معه بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله
_________
(١) المائدة ٥٤.
ولا يخافون أحدا ولا يراقبون أحدا ولا يهابون في الله مخلوقا وأن هذا فضل من الله ساقه اليهم وخصهم به، وهذه صفات أعلى المؤمنين درجة عند الله، فلو لم يقف من غلط من اتهمهم ورماهم بالريب إلا من هذا الوجه لكفى وأغنى وزاد على الكفاية «١» . ولو كان أبو بكر ﵁ وأصحابه ارتدّوا وكفروا كما زعم هؤلاء وادعوا لأتى الله بمن يقهرهم ويغلبهم، وإلا كان خبر الله قد كذب وأخلف وحاشا لأخبار الله أن تكون كذلك. وعند هؤلاء الزنادقة أن هؤلاء الصحابة قد ارتدوا، وأنهم أعداء الله وأعداء رسوله وأن أمير المؤمنين ونفرا كانوا معه على الإسلام مغلوبين مقهورين مقصودين بالإذلال والمكروه، وأن أبا بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار كانوا يعزون المشركين وأعداء الدين والمرتدين والمبدلين والمغيرين ويذلون المؤمنين، وهذا ضد/ التنزيل وتكذيب لقول الله فيهم كما قد شرحه الله وبينه في الآية وأظهره من ضمائر هؤلاء ونياتهم. وعلى ما يقوله الخصم كان ينبغي أن يكون التنزيل:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يبغضهم ويبغضونه يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الشيطان فهذه صفاتهم عند هؤلاء الخصوم، نعوذ بالله من العمى.
والذي عند العلماء، أن عليا ﵁ كان في أيام هؤلاء أعز المؤمنين وأجلهم وأعلاهم، نافذ الأمر مسموع الغلب، مثلهم في سلطانه؛ وبه قام سلطان أبي بكر وبأمثاله من المؤمنين، وقد تولى لأبي بكر أتعاب المدينة، وتولى له أموال رسول الله، وسار معه إلى الربذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه بتلك الآراء، وردّه إلى المدينة وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. وكان ﵁ يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان
_________
(١) كتب في هامش الأصل «تشنيع على الروافض» .
في سلطان أبي بكر وعمر أنفذ قولا، وأن أولئك كانوا أعرف بحقي منكم، وأني لو كنت الخليفة في زمانهم لكانت طاعتهم إلي أحسن، وكان يقول لعدوه مثل ذلك، ولقد كتب إلى معاوية يتمنى أولئك الذين مضوا من المهاجرين والأنصار فقال: «١»
لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا ... أو حمزة الليث الهمام الأزهرا
أو أن لي صدّيقها أو عمرا ... أو من أولاك السابقين معشرا
رأت قريش نجم ليلي ظهرا والخصم في زمانك هذا يقول: ما أسلموا قط ولا لهم إسلام، وأنهم ما زالوا أعداء المسلمين، والذي يعرف أهل العلم والتحصيل أنهم كانوا خاصة رسول الله ﷺ/ وبطانته، وأمناءه وثقاته على نفسه وأهله ودينه، وأنه كان يحبهم ويودهم ويجلهم ويعزهم ويواليهم. وأنه قد فرض محبتهم وموالاتهم وأوجبها على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. والعلم بهذا قبل العلم بنبوته، وهو كالعلم بأن عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمثالهم، كانوا أعداء رسول الله ﷺ، وأنه قد فرض بغضهم والبراءة منهم إلى يوم القيامة. فما يحتاج في هذا إلى تلاوة آية ولا إلى رواية خبر، وإن كان القرآن مملوآ بذلك، والحديث مستفيضا به. فإن فعلت ذلك فمن طريق الزيادة في الحجة والمظاهرة بالبينة. ولحكاية تلك الألفاظ عمل الناس الكتب في تفضيل القرآن وإن كانوا يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يفضله ويجله، وكما عملوا الكتب في تفضيل شهر رمضان وإن كانوا يعلمون أن
_________
(١) كتب في هامش الأصل: «من شعر علي بن أبي طالب ﵁» .
Translation
وباب آخر اخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله
#51 Chapter 51 — وباب آخر حول غزوة أحد · ref. #51
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
رسول الله ﷺ كان يفضله، وكما عملوا الكتب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد في سبيل الله، وكما عملوا الكتب على المبتدعين من أهل القبلة بأن القديم الأزلي هو الله وحده، وأنه لم يزل موجودا حيا عالما قادرا غنيا ولا يزال كذلك، وأن جميع ما خلقه وفعله وقضاه وقدره وشاءه وأراده وصنعه ودبره ورضيه وأحبه وأمر به ودعا اليه فكله حق وصواب وعدل وحسن من جميع وجوهه، أين كان وفيمن كان، وأنه يجب على العباد قبوله والصبر عليه والرضى به والتسليم له سواء كان شدة أم رخاء، وأن الكفر بالله وشتم أنبياء الله وتكذيب رسل الله وجميع المعاصي قبيحة، فتلوا في ذلك آيات القرآن وذكروا ألفاظ النبيّ ﷺ/ لما ذكرنا، فاعرف هذا، فالعلم بأن رسول الله ﷺ مدح أبا بكر وعمر وتلك الجماعة من السابقين أقوى من العلم بأنه مدح أحدا وأثنى عليه، أو أنكر أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وتلك الجماعة مدحوا رسول الله ﷺ وأعظموه أو صلوا خلفه، وإنما ذكرنا هذا للحاجة اليه ولأن الناس قد أكثروا فيه في هذا الزمان فما يستغلون الآية.

وباب آخر [حول غزوة أحد]
من آياته ﷺ، وهو أن قريشا والعرب تجمعوا وأعدوا الخيل والرجال والسلاح وقالوا: نسير إلى محمد فنقتله ونقتل أصحابه ونأخذ بثأرنا يوم بدر. فساروا في ثلاثة آلاف، وقال رسول الله ﷺ ندعهم حتى يردوا المدينة؛ فقال قوم من الأنصار قد أصابوا زروعنا فنخرج اليهم فنلقاهم وراء المدينة، فصار رسول الله ﷺ إلى رأيهم وسار. ثم فكروا وقالوا: نأخذ بما أشار به رسول الله ﷺ ونقاتلهم في المدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما كان لي أن ألبس لامتي فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي
سلول وأمثاله ممن في قلبه مرض، فقال رسول الله ﷺ: ستكون فيكم مصيبة، وذاك أن النبي ﷺ رأى في المنام أن بقرا تنحر فتأوله قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار قد انفصم فكان قتل عمه حمزة ﵁، ورأى أن كبشا أعين قتل فتأوله كبش الكتيبة فكان عثمان بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين. فلما صاروا بأحد التقوا مع المشركين عبّأ رسول الله ﷺ أصحابه قال لهم: إنكم ستهزمونهم، وأقام الرماة من أصحابه في موضع خاف أن يدخل المشركون منه فيصيروا خلف العسكر، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: / إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى بلغنا بهم بموضع بعيد فلا تبرحوا أنتم، فانهزم المشركون كما قال رسول الله ﷺ ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم، ونظر الرماة إلى الهزيمة فتركوا مراكزهم واتبعوا العدو واشتغلوا بالغنائم وثبت أميرهم مع طائفة وقال: والله لا أعصى رسول الله ﷺ، فلما زال الرماة عن مكانهم دخل المشركون وصاروا من ورائهم ونادى مناديهم بصوت عال: قتل محمد وقتل ابن أبي قحافة وقتل ابن الخطاب. وانصرف عبد الله بن أبي سلول بمن معه، وانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ مع نفر يسير، فما برح وما برحوا مع قلتهم وكثرة المشركين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ونفر من الأنصار؛ وأقبل أبو سفيان بأصحابه نحو الجبل الذي فيه رسول الله ﷺ والنفر الذين معه فصرفهم الله فلم يقدموا عليهم، فنادى أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب، فما أجابه أحد فقال: قتل هؤلاء، فقال عمر: يا رسول الله ألا أجيبه، فقال: أجبه، فقال أبو سفيان:
اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام
دول، والحرب سجال، وأحد ببدر، وحنظلة بحنظلة، يعني ابنه حنظلة.
فقال له عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب أسألك عن شيء فأخبرني، فقال: قل، فقال:
أما أنت فحيّ، سألتك بالله أمحمد حيّ وابن أبي قحافة حيّ، قال: نعم/، ورسول الله يسمع كلامك ولك منه ما تكره، فقال أنت أصدق، فإن ابن قمئة أخبرني أنه قتل «١» . فقال النبي ﷺ اللهم أقمه في الدنيا قبل الآخرة، فاعتقل عنزا ليحلبها فنطحته فمات.
وفي هذه الوقعة يقول الله ﷿: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» أي تقتلونهم «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ» «٢» إلى آخر القصة.
فتعلم أنه لا يسوغ ولا يجوز أن يقول رئيس قوم لهم: قد كنت وعدتكم أن تقتلوهم وقد صدقتكم فيما وعدتكم وأريتكم ما تحبون ثم عصيتم أمري وخالفتم وصيتي وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في جميع ذلك، فكيف بمن يدّعي النبوة والصدق في جميع ما يقوله ويخبر به.
وقوله: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ» إلى قوله: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» يعني أولئك الذين أخلوا المراكز «٣» واشتغلوا بالغنيمة «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا
_________
(١) هو عبد الله بن قمئة الليثي: جرح وجنة الرسول في أحد فدخلت حلقتان من حلق الدروع في وجنته، وانظر لهذه المحاورة سيرة ابن هشام ٣: ٩٣- ٩٤
(٢) هذه الآيات وما بعدها من سورة آل عمران ١٥٠- ١٥٤
(٣) في الأصل: أخلوا بالمراكز.
بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «١» ثمّ أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم» .
وهذه أيضا من الآيات بأحد، فإن النعاس غشيهم كما غشيهم ببدر، في الموضع الذي يطير فيه النعاس؛ والذي يدلّك على كونه امتنان الله عليهم به ولا يجوز أن يمتن عليهم بذلك والعدو والوليّ يسمع هذا الامتنان، وهو أمر لا أصل له وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم في ذلك. إلى قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ/ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ»، وقال لنبيّه ﵇: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فأمره بالاستغفار لهم وأن يعود لهم إلى حالهم في مشاورتهم، فإن المشورة فيما لم ينزل به قرآن مستحبة حسنة. والذين أشاروا من الأنصار على رسول الله ﷺ بأن تكون الحرب خارج المدينة كان لهم أن يشيروا بذلك، وكان لرسول الله ﷺ أن يأخذ برأيهم؛ ولقد اجتهد أعداء عثمان في أن يجدوا له عيبا فما قدروا عليه مع طول المخاطبة، فقال له قائل منهم: أنت ممن تولى يوم أحد فقال له عثمان: فلم تعيرني بذنب قد غفره الله، أما سمعت قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» إلى آخر الآية.
وفكر في معنى قوله ﷿: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «١» أي بذنبكم وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم ﷺ سنهزمهم فلا تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا. وقد كانوا يوم بدر
_________
(١) آل عمران ١٦٥
قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كانوا يوم أحد سبعين فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كما ذكرنا. فتأمل ما تقرأ وأطل الفكر فيه تقف على المراد به، فإن الذكر للقصة بأحد من قوله: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ» إلى قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» .
فتأمل طول هذه المراجعة والمواقفة للمؤمنين على الوفاء بما ضمنه لهم، وعلى الصدق فيما أخبرهم وفيما كان من تقصيرهم، / فكم فيه من آيات ودلالات.
وانظر إلى هذا الادلال بالحق والاستطالة على العدوّ والولي بالحجة حتى ما يستطيع العدو المكاشف أن يدفع شيئا من ذلك.
وانظر إلى المواقفة والمناظرة التي كانت بين عمر وبين أبي سفيان، هل قدر أبو سفيان وأصحابه وهم يناظرون المسلمين من عسكرهم أن يقولوا:
إن محمدا كذبنا في كذا وأخلف في كذا وكيف تطيعونه وتفارقون أديانكم وبلدانكم وتقتلون أنفسكم لرجل هذه سبيله وما أشبه ذلك، وهذا موضع حاجتهم إلى ما هذه سبيله.
وانظر إلى أهل الردة على طبقاتهم، فقد كانوا أشد الناس عداوة لأبي بكر وقد نال منهم كل منال وقتلهم كل قتلة، فما استطاع أحد منهم أن يقول له: وأنت فقد بدلت دين محمد ونقضت عهوده فكيف أنكرت علينا ما صنعنا، ولم تقتلنا لأنا منعنا الزكاة، وهذا موضع حاجتهم اليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله ﷺ.
ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء «١»، أقبل بعضهم على
_________
(١) معجم البلدان ٣: ٧٦
بعض يتلاومون، وأنهم صاروا في عسكر عظيم وهم لا يشكون في أنهم يقتلون رسول الله ﷺ ويستأصلون الإسلام، فخاب أملهم واختلفت أقوالهم وقالوا:
لا محمدا قتلتم ولا كواعب أردفتم فبئس ما صنعتم.
وقد كان أبو سفيان نادى أصحاب رسول الله ﷺ قبل انصرافه من أحد:
ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى نلتقي بها، فقال النبي ﷺ لمن كان يجيبه من الصحابة: قل نعم إن شاء الله، فلما حضر الوقت تعذر على أبي سفيان الخروج للوعد أو كرهه، فأتى نعيم بن، مسعود فقال له: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم/ بدر الصغرى وقد بدا لي أن لا أفعل، وأكره أن يخرج محمدا وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ، فلك عشرة من الإبل إن حبستهم عني. فقدم نعيم على أصحاب رسول الله ﷺ وهم مجهزون فجعل يثبطهم ويخوفهم ويذكر أن أبا سفيان قد جمع لهم الجمع الكبير، وأنهم إن خرجوا لم يفلت منهم أحد. وجعل يريهم النصح لهم والإشفاق عليهم، فما قبلوا وبادروا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا وتخلف أبو سفيان عن الوعد وفيهم نزلت: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» «١» الآية.
فتأمل خيبة المشركين وخلف أقوالهم وحيرتهم مع كثرتهم، وصدق جميع ما وعدهم رسول الله ﷺ، وجرأة المسلمين مع قلتهم وفقرهم وشدة الأمر عليهم.
_________
(١) آل عمران ١٧٣
Translation
وباب آخر حول غزوة أحد
#52 Chapter 52 — وباب آخر دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له · ref. #52
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له]
من أعلامه ﷺ، وهو أن نصارى نجران وغيرهم من النصارى دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك فكذبهم في قولهم بأنهم قالوا: لله ولد، وعظّموا الصليب، وأكلوا الخنزير. فقال شيخ منهم كبير فيهم: من أبو عيسى؟
فسكت النبي ﷺ وكان لا يعجل حتى يأمره الله، فأنزل الله ﷿ «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ» إلى قوله: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» «١» فقرأ رسول الله ﷺ عليهم ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة وأخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضوان الله عليهم. فقال واحد منهم لمن معه من النصارى: أنصف الرجل، وتشاوروا وقال قائل منهم: إنه لصادق ولئن باهلتموه ليحرقن.
فقالوا له: لا نبارزك، وكرهوا الإسلام، وأقروا بالجزية، وسألوه أن يقبلها منهم فأجابهم إلى ذلك، وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو باهلونا «٢» لأضرم الله عليهم الوادي نارا، فرضوا بالجزية وانصرفوا بالخزي.
فانظر إلى هذا الاحتجاج في أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، احتجاج غير متكلف ولا متعمل ولا مخالط للمتكلمين ولا هو في بلد الجدل صنعتهم. فأشار لك بهذه الإشارة التي هي من جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا» فإن خلق آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر
_________
(١) آل عمران ٥٩- ٦٢
(٢) انظر لتفصيل هذه المباهلة سيرة ابن هشام ٢: ٥٧٣
ومن أنثى وأكمل الله له قوته وأداته وعقله وتميزه ضربة واحدة، وتولى الله ﷿ مناجاته وتأدبه وتعليمه بنفسه دون كل أحد من خلقه.
وعلى كل حال فالمسيح قد تقلب في الحشا كالأطفال، وخرج من الفرج وكانت أمه تحتاج إلى آية في أنه مولود من غير ذكر، وقد خلق الله حواء من آدم، وقد خلق الملائكة من غير تناسل»
ولا أكلوا ولا شربوا ولا بالوا ولا تغوطوا، وليس كذلك المسيح، فإن سبيله في ذلك سبيل سائر الناس.
وقد تقدم لك ذكر أجناس الحيوان التي خلقها الله من غير ذكر ومن غير أنثى وبغير تناسل في كتابك المعروف «بالمصباح»، وخلق الدودة والذبابة في الحجة كخلق الفيل، فإن المخلوقين لا يتأتى منهم إنشاء علامة ظفر ولا إحياء دودة، بل إحياء الدودة أبدع من إحياء الفيل، كما أن نظم الخردل أبدع من نظم الحنظل.
هذا وقد قدم دلالة العقل في سورة يونس فقال ﷿: قالوا «/ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ» «٢»، في أن الولد لا يتخذه الحكيم إلا للعز والرفد وبقاء للذكر، فإذا كانت الحاجات منتفية عن الله ﷿ علمنا أن اتخاذ الولد لا يجوز منه. وقد تبين أيضا من طريق العقل أنه لا كفء له ولا إله معه، فقال ﷿: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فليس مع التضادّ نظام ولا مع الشركة استقامة.
ولما قالوا له ﷺ: كفرت أهل الكتب من النصارى ومشركي العرب بأيّتما آية يا محمد جعلت الإله واحدا؟ فأنزل الله ﷿: «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ
_________
(١) في الأصل غير واضحة، وقد أثبتناها لاتفاقها مع سياق الكلام
(٢) يونس: ٦٨
واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» «١» فقدم الدعوى، ثم اتبعه بأدلة العقل فقال ﷿: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» «٢» فتبين أنه لو كان هاهنا آلهة أخر لقدّم ما أخره هذا وأخر ما قدمه، وسوّد ما بيضه وبيض ما سوده، وإن كان جميع ذلك حكمة، لأنه ليس بمحال أن تنبت اللحى للنساء وأن يكون ابتداء نبات اللحى أبيض كالصلع أو أخضر كالحصرم، أو أصفر كالزعفران، وأن تلد النساء كأولاد الأنعام وأن تلد الأنعام كأولاد النساء، وأن يكون ماء البحر عذبا فراتا وأن يكون ماء دجلة ملحا أجاجا، وأن يولد المولود كامل العقل والقوى والأدوات، كاسيا كيسا كالفروج، عالما بالصنائع من غير تعلم ولا تمرين كفرخ الأوز وعلمه بالسباحة حين يخرج من بيضته، وكعلم دود القز والعنكبوت بالنسج والنحل ببناء البيوت، كل هذا ممكن، فلما جاء ذلك/ على طريق واحدة فلا ينتقض بما نبهت عليه، علمت وتيقنت أنه لا إله إلا هو، وأنه المعتز بالقدم فلا قديم إلا هو، وأن كل موجود ليس هو الله فكائن بعد أن لم يكن.
فإن قيل: فما ينكر أن يكون هناك آلهة جماعة إلا أنها قد وكلت التدبير إلى واحد منها فجرى تدبيره على طريقة واحدة.
قيل له: هذا خلاف ما يعقل وخلاف ما أخرجت العبرة في أن الجماعة لا يتفقون في المشيئة والإرادة والتقدير والتدبير أبدا على طريقة واحدة، ولا فرق
_________
(١) البقرة ١٦٣
(٢) البقرة ١٦٣
بين من ادعى هذا أو ادعى في الإنسان الواحد أنه جملة أحياء قادرين عالمين مدبرين غير أنهم قد اتفقوا في الإرادة فلا يختلفون، وهذا خروج من العقل ومما شهدت به العبرة.
وقد بين أيضا بحجة العقل أن الإله لا يكون محتاجا، فقال ﷿:
«مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» «١» فقال:
أنتم ترون حاجته وفقره وضعفه، وحاجة أمه وحاجته إلى أمه، فكيف يكون من هذه سبيله إلها؟ فإن كان عندكم إلها بكون الآيات ظهرت على يديه، فقد خلت من قبله رسل كانت لهم آيات ومعجزات عظيمة كثيرة، ثم قال:
«أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» «٢» فقد كان المسيح لا يدفع عن نفسه الحاجات والآفات فكيف يملك لكم.
ثم قال: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» «٣» يقول: أنتم معشر النصارى قد آمنتم بنبوة موسى والأنبياء قبل عيسى، وصدقتم كتبهم، وكلهم قد جاء بإخلاص التوحيد، وأنه إله واحد غني قديم لا إله إلا هو، لا يعرفون ما يقوله النصارى من الجوهر والأقانيم/ والاتحاد وما أشبه ذلك، وأن هذا نمط من ينكر خلق السموات والأرض والبعث والنشور وما جاءت به الأنبياء ﵈ فكيف تكونون من أهل الكتاب وهذه سبيلكم؟ فينبغي أن يصدق قولكم فعلكم.
_________
(١) المائدة ٧٥
(٢) المائدة ٧٦
(٣) المائدة ٧٧
فتأمل رحمك الله هذه الجملة، فإن الجوهر والأقانيم والاتحاد هو من قول أرسطوطاليس وأشباهه من القائلين بالقدم وتكذيب الرسل وبإنكار البعث، وهم قالوا: إن الإنسان إذا عرف شيئا فقد اتحد به، وأن العقل والعاقل والمعقول يصير شيئا واحدا، وأن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ولهذا قالوا: هرمس المثلث، فهذه الجهالة والحماقة هي لهؤلاء وعنهم أخذ نموها، وهم يسمون حكامهم ورؤساءهم آلهة لا الأنبياء وأهل الكتاب، فانظر إلى هذه من مقالة هؤلاء كيف أطلع الله ﷿ محمدا عليه ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكان عجبا.
ويبلغ من جهل أرسطو طاليس وأمثاله أنهم يقولون: إن الشمس والقمر والكواكب حية عالمة سميعة بصيرة تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهي عندهم آلهة يدعونها ويسألونها ويرغبون اليها في الرزق والعافية والحياة، ولكل كوكب منها عندهم هيكل ودعاء وبخور ودخنة، فقد كان الناس يعجبون من قولهم في الناس أنهم آلهة حتى صاروا يقولون ذلك في الجماد والموات، إذ لا فرق بين من ادعى ذلك في الشمس والقمر أو ادعى في البرق والغيم والريح والنار والياقوت والزجاج، أو ادعى في شعاع الشمس، أنه سميع بصير خطيب شاعر.
على أن إخوانهم من المنانية قد ادّعوا في الغيم والمطر والريح والماء وفي جميع الأجسام أنها حية سميعة بصيرة حساسة دراكة، وإنما ذكرنا هذا وإن لم يكن كاملا في النبوة لتعلم أن أدلة التوحيد ونفي الشركة/ والشبيه مأخوذ من القرآن، مجتذب إلى ما في أدلة العقول من ذلك، ولتعلم أن الخير كله
في القرآن ومن القرآن، ومنه صنفت كتب الكلام بما في العقل من ذلك، وقد تقدم لك في كتاب «المصباح» قطعة منه:.
وقد طعن أبو عيسى الوراق وابن الراوندي في قصة المباهلة أنها مشاتمة وأن القوم رفعوا أنفسهم عنها، وقال: وقولكم إنه قال لهم: إن باهلتموني نزلت بكم النقمة، ليس هذا في الكتاب وإنما هو حديث من أحاديثكم.
قيل لهم: هم كانوا يلعنونه ويشتمونه ويبالغون في ذلك وفي شتم أصحابه ولعنهم ويطلبون نفسه بغير حجة، ويرحلون إلى الملوك ويستفرغون الوسع في ذلك، فمتى رفعوا أنفسهم عن هذا. ولكن لما لم يجد هؤلاء في آياته ﷺ مطعنا وقد بذلوا جهدهم عدلوا إلى المباهنة والمكابرة؛ وليست المباهة كما ظنوا «١»، وذلك لجهلهم باللغة كما جهلوا صنعة الكلام. فإن المباهلة في اللغة تجري مجرى المخاطرة والمبايعة والمراهنة التي يكون صاحبها يؤول أمره فيها: إما إلى الظفر، وإما إلى الفضيحة والعطب. وهو لفظ مشتق من الباهل وهي الناقة المخلوع عنها صرارها وهو ما يصر به ضرعها، أي يشد، لئلا ترضع ولا تحلب، فإذا نزع عنها ذلك الصرار فهي باهل، أي متروكة، فمن أراد حلبها نال ذلك منها، وفي الخبر عن امرأة من العرب أنها قالت لزوجها: منحتك مأدومي، وأبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلا غير ذات صرار.
فقد علمت ثقة رسول الله ﷺ بربه وسكونه إلى ما يوحى اليه، وإلا لم يكن ليقوم هذا المقام في أن الكاذب يعجل الله له خزيه وينزل به نقمته/ لأن هذا القول عليهم سهل، فكان لا يأمن أن يجيبوا إلى ذلك فلا ينزل بهم عقاب فتكون الفضيحة. وكان أيضا قد مكنهم من شتمه ولعنه في وجهه وبحضرة أصحابة
_________
(١) كتب في هامش الأصل «المباهلة في اللغة» .
وهذا مقام لا يقومه عاقل، فتعلم بدلالة عقلك أنه قد توعدهم بأنهم إن باهلوه نزلت بهم النقمة وأنهم لا ينصرفون من ذلك المقام إلا وقد بان أمرهم لأن الملاعنة لا يعجز عنها أحد، ولو لم يكن إلا الملاعنة وحدها لأجاب إليها القوم ولكان فيها كل فائدة ورغبة، فتعلم بدلالة عقلك أنهم هربوا منها للبوار الذي توعدهم به. ومما يدلك من طريق عقلك أنه قد توعدهم في المباهلة بنزول العذاب امتناعهم منها وفرارهم، ويدلّ أيضا أنه لو لم يكن إلا الملاعنة لما كان لإحضار النبي ﷺ من يعينه من قراباته دون سائر الناس ذلك الموضع معنى ألا ترى أن الذين حضروا ذلك الموضع ولده وولد ولده ومن يجري مجرى ذلك، فإن الصهر ولد ويعز فقده على العاقل، لا سيما وهو ابن عمه؛ فأحضر أمسّ الأرحام وأشدهم عليه فقدا، وقد قال لهم: «تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ» «١» فإن لم يكن إلا اللفظ بالملاعنة فما وجه هذا القول وإحضار الولد، فمن تأمل ذلك شهد عقله بأنه ﵇ قد توعدهم عند المباهلة بالاستئصال ونزول النقمة، وإن كان المتأمل لا يعرف لفظ الخبر كما يعلم إذا فكّر في قوله ﷿: «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ» أنه قد وعدهم بذلك قبل أن يكون، وأنه قد وفى لهم بما وعدهم وإن لم يعرف عين الخبر ولا لفظه، لأنه لا يسوغ أن يقول رئيس قوم لهم إني/ قد كنت وعدتكم بكذا وتمنيتم كذا وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في ذلك كله؛ ولهذا قالت العلماء في قول عمر على المنبر متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إن تحريم المتعة قد قد تقدم من رسول الله ﷺ فعرفه عمر والمهاجرون والأنصار، وإلا لم يكن عمر ليقوم هذا المقام على منبر رسول الله ﷺ ويحضره أصحابه والذين بهم عز
_________
(١) آل عمران ٦١
وبهم صال واستطال، وهم أوفر ما كانوا، وبهم من المحافظة على دين رسول الله ﷺ ما قد عرفه أهل العلم، هذا مقام لا يقومه عاقل ولا يختاره ممتر. وبعد فهم أولئك القوم الذين صنعوا بعثمان ما صنعوا لأنه وصل سببا وآوى طريدا فتعلم أن القول من رسول الله ﷺ في تحريم المتعة كان مؤكدا كما علمت الوعيد بالعذاب ونزوله في المباهلة.
وزعم ابن الراوندي أيضا أنه ما دعا النصارى إلى المباهلة واليهود إلى التمني «١» على وجه الاحتجاج بذلك للنبوة، ولو كان إلى هذا قصد لبادروا إلى إجابته.
فقيل له: أما سمعته يقول: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا» «٢» فكيف تكون المحاجة إلا كذا لولا حيرتك وانقطاعك وفضيحتك.
قيل له أيضا: كيف لا يكون متحديا ومحتجا بذلك على اليهود والنصارى وغيرهم وقد كان يدّعى من أول أمره أنه لا يكذب فيما يأتيه عن الله ﷿ وان الكذاب لا يكون نبيا، فإذا أخبرهم بأنهم لا يتمنون الموت فلو تمنوه لكان قد دل ذلك على كذبه وعلى خروجه من النبوة على حكمه بأن من كان نبيّا لا يكذب فأي تحدى «٣» واحتجاج يكون أقوى من هذا وكذا الحال في قولهم في المباهلة.
فإن قيل: كيف يحتج عليهم بالنساء والصبيان؟ قيل له: لم يحتج عليهم بهؤلاء وإنما أحضرهم لان مقدمهم يعزّ عليه وهم أقرب أرحامه اليه.
_________
(١) في الأصل «تمني»
(٢) آل عمران ٦١
(٣) الأنفال ٣٦، وفي الأصل: إن الذين
Translation
وباب آخر دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له
#53 Chapter 53 — وباب آخر حول الآية"الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" · ref. #53
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر حول الآية"الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون"
Translation
وباب آخر حول الآية"الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون"
#54 Chapter 54 — وباب آخر إخباره عن اليهود · ref. #54
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [حول الآية «الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ»]
من أعلامه ﷺ، من ذلك قوله ﷿: «الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ» «١» .
فخبر بإنفاقهم قبل أن ينفقوا، وبقتالهم قبل أن يقاتلوا، وبهزيمتهم قبل أن يهزموا، ثم كان ذلك كما قال وكما أخبر وكما فصل، وأورد ذلك موردا يغيظ ويغضب ويبعث على تكذيبه وعلى الممانعة من وقوع ما أخبر به، بخلاف تدبير البشر، فإن الحكماء يتواصون بكتمان ما يدبرونه ويعزمون عليه ويقولون:
من فساد الأمر والتدبير إعلانه قبل الفراغ منه، ثم لا يرضى أن يجعل ذلك خبرا عن نفسه بل يجعله خبرا عن ربه.

وباب آخر [إخباره عن اليهود]
من آياته وعجيب أعلامه، وهو إخباره عن اليهود فقال: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا» «١» .
فخبر أن أقلّهم يؤمن ولو لم يكن على بينة من أمره وثقة عن خبر ربه ﷿ وما يوحيه اليه، لم يكن ليقول هذا وهو لا يأمن أن يتبعه أكثرهم ويؤمنون ويدخلون في دينه. ثم قال: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً» ولو لم يكن على يقين لم يقل: «وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» وهو لا يأمن أن أن يتجاوزوا الأذى إلى أخد المال أو إلى سبي/ الذرية وإلى قتل الأنفس، وأن
_________
(١) آل عمران ١١١
Translation
وباب آخر إخباره عن اليهود
#55 Chapter 55 — وباب آخر ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد · ref. #55
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
يغلبوه إن قاتلوه ولا يولون الأدبار، فقاتلوه ﷺ يوم قينقاع فنزلوا على حكمة، وقاتلوه يوم بني النضير فأجلاهم عن بلادهم، وقاتلوه يوم بني قريظة فولوا الأدبار فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقاتلوه يوم خيبر فهزمهم وملكهم وأخذ عنوة خيبر بالسيف فرضوا به أن يقرهم على أن يكونوا حرثة يعملون له في النخل.
فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل في هذه الأخبار، فإن مثلها لا يقع اتفاقا ولا من حذاق المنجمين ولا الكهنة، وانظر كيف أخبرهم بها قبل وقوعها، وأنذرهم بما يكون قبل أن يكون، وجعلهم على أهبة، بخلاف تدبير البشر.
وقد كانوا جماعات كثيرة لهم خيول وسلاح وحصون ويمتنعون ويقاتلون من ناوأهم وأرادهم وقصدهم، لتعلم أن هذا من أخبار علّام الغيوب، وهذا من الدلائل الواضحة والأعلام البينة النيرة لأن السيف إذا لقي السيف دبّ الحياء، ولا يأمن من ليس على يقين مما يخبر به أن يقع الأمر بخلاف ما خبر ولا يحمل أحد نفسه على هذا من غير يقين إلا الغاية في الحمق والجهل والنقص.

وباب آخر [ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد]
من آياته ﷺ، وهو أنه لما كانت وقعة بدر، وصدقت أخباره وتحققت مواعيده، ماج أعداؤه من اليهود وغيرهم، وقال بعضهم لبعض: ما أخلف محمد في شيء أصحابه، وإنه لنبيّ، وستؤول الأمور إلى ما يقول، وسيظهر على الناس وتكون الدولة له. فلما كان يوم أحد وقتل من أصحابه من قتل اشتدت قلوبهم ورجعوا على إخوانهم الذين قالوا لهم ما قد تقدم، وقالوا لهم:
أبشروا بما كان عليه يوم أحد، فأنزل الله ﷿/ «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ، «١»» ثم أذكرهم بالآيات التي
_________
(١) آل عمران ١٢
Translation
وباب آخر ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد
#56 Chapter 56 — وباب آخر حول الآية"ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه" · ref. #56
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
كانت يوم بدر فقال: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ» «١» فغلبوهم وقهروا كما قال وإلى جهنم يحشرون كما أخبر، فصدق إخباره بالأول يشهد بالثاني، فتأمل هذه الأجوبة والأدلة المكشوفة الواضحة، وانظر كيف يذكر قصة بدر ويحتج عليهم بها ويجعل ذلك عن ربه لتعلم أنها قصة قد عرفها العدوّ والولي.

وباب آخر [حول الآية «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ»]
من آياته وهو قوله ﷿: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٢» .
فإن مسجد بيت المقدس قد كان غلب عليه الروم الدهور الطويلة واستولوا عليه مع ملكهم بالشام وأقاموا فيه الشرك ومنعوا من ذكر التوحيد فيه، وغلبت قريش على المسجد الحرام وغيرهم من مشركي العرب، وقد كان أبو بكر الصديق بنى مسجدا بمكة بفناء داره قبل الهجرة فكان يتلو فيه القرآن ويدعو إلى الله وإلى رسوله، وقد كان أجاره رجل من سادات قريش على أن يفعل ذلك.
فمشت قريش إلى الرجل الذي أجار أبا بكر، وهو معروف ولكن لم يحضرني اسمه في هذا الموضع [٣]، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى
_________
(١) آل عمران. ١٣
(٢) البقرة. ١١٤
Translation
وباب آخر حول الآية"ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه"
#57 Chapter 57 — وباب آخر قوله ﷺ لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك · ref. #57
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
دين محمد، فلا تجره. فقال لهم: إنه رجل يكسب المعدم ويصل الرحم ويقري الضعيف، فكرهت أن يخرج من بينكم ويهرب بدينه عنكم فتعدمون هذا/ الفضل. قالوا: فيلزم بيته ولا يعلن دينه؛ فمنعوه من ذكر الله في مسجده.
فبشر الله نبيه ﵇ وأصحابه بالظهور على هذه المساجد، وملكهم لها ولمن فيها، وأنهم لا يدخلونها إلا أذلاء خائفين مقهورين، أو بأمان وعهد وإذن من رسول الله ﷺ أو من أصحابه. ثم أخبر بخزيهم في الدنيا وعقوبتهم من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فنزل بهم ذلك الخزي بقتل من قاتل منهم وعليهم، والذل بأداء الجزية لمن رغب في الإقامة فيما غلب عليه الصحابة، فكان كل ذلك كما أخبر، وفي هذا غيوب كثيرة.
وقد كانت ممالك الروم وغيرهم قوية ممتنعة فوفى الله لنبيه بتصديق هذه المواعيد، وبفتح هذه الأمصار، وبنزول الخزي على مشركي العرب في الدنيا وسينالهم في الدار الآخرة عذاب عظيم كما قال، وكما صدق في الأول صدق في الثاني، فنعوذ بالله من عذابه وسخطه.

وباب آخر [قوله ﷺ لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك]
من هذا الجنس، أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة جاء ليدخل الكعبة فدفعه عثمان بن أبي طلحة العبدري ومنعه من دخولها، فقال له النبي ﷺ: لا تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاح الكعبة في يدي أضعه حيث شئت فقال له عثمان: لقد ذلت قريش يومئذ وقلّت، فقال النبي ﷺ: بل كثرت وعزت.
واعتبر رحمك الله سيرته في المكاتبة والمراسلة فإنه فعل ذلك بجبابرة الأرض وملوك الدنيا من العرب والعجم في أقطار الدنيا، فدعاهم إلى رفض ما هم
عليه، والدخول في طاعته، وامتثال أمره، والخضوع له، وأخبرهم بذات نفسه وبما يدعو إليه، وأخبرهم بأن الله ﷿ اصطفاه وحده واختاره وحده/ ووعده بالظهور والغلبة لملوك الأرض وجبابرتها، وأن السعيد من بادر إلى طاعته من قبل أن تسبى أمواله وتستباح حريمه ويسفك دمه، فما ترك شيئا مما يغضبهم ويغيظهم ويبعثهم على قتله واستئصاله وبواره وبوار أصحابه إلا أتى به وفعله، وهذا ما لم يكن مثله ولا يقدم عليه عاقل إلا وهو على غاية الثقة بالسلامة من العواقب، وأن العاقبة تكون له لا لعدوّه.
أما ترى كيف اغتصب كسرى كتابه حين أنفذه مع عبد الله بن حذافة السهمي وهو «١»: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
فمضى بكتابه، وكان في طريقه وبحضرته ما لعله يرد عليك، فلما بلغه كتابه غاظه ذلك وأغضبه، حتى كتب إلى صاحبه باذان وهو خليفته باليمن وملكها يأمره بإشخاصه إليه «٢»، فأرسل باذام في ذلك، فسرّ ذلك أعداء رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب واستبشروا. وقال بعضهم لبعض: كفيتموه كفيتموه. فلما وصل الرسول اليه قال له رجل منهم انطلق معي إلى الملك باذان فنكتب معك كتابا إلى الملك شاهنشاه ينفعك عنده
_________
(١) كتب في هامش الأصل: «كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى» .
(٢) أثبت القاضي باذام بالميم مع أنها في معظم كتب السيرة والتاريخ: باذان، انظر سيرة ابن هشام ١: ٦٩
ويكفّ عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، فقال له رسول الله ﷺ: أقم إلى غد حتى أجيبك. فلما كان الغد صار، فقال ما تقول يا/ محمد؟ قال ارجع إلى صاحبك فإن ربّي قد خبرني أنه قتل البارحة كسرى، قتله ابنه شيرويه على كذا كذا ساعة من الليل «١»، فقال له هل تدري ما تقول، إنا قد نقمنا منك أيسر من هذا، فتكتب بهذا عنك ونخبر الملك باذام بذلك قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، إلى أن قال: سيأتي هذا الدين على ما أتى عليه الليل.
وقد كان قال ﷺ لعبد الله بن حذافة لما رجع إليه وأخبره بأن كسرى استخف به ومزق كتابه فقال ﷺ: أما إن الله ﷿ سيمزق ملكه.
فانظر إلى هذه الأقوال المغضبة كيف تتوالى لهم منه، وانظر إلى هذه الثقة هذا الثبات.
وقد كان راسل قيصر ملك الروم بدحية بن خليفة الكلبي، فأكرمه وأكر كتاب رسول الله ﷺ، وسأل من عنده من أهل مكة وتجار قريش عنه ﷺ وعن أخلاقه وطرائقه وسيرته، واستقصى ذلك، فإذا هو النبيّ الذي تقدمت البشارة به، وردّه مكرما، فقال النبيّ ﷺ: لقد عرف الحق ولكن ضن الخبيث بملكه وعاجل دنياه فاثرها على دينه.
وأرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة بكتابه اليه «٢»
_________
(١) ورد التعريف بحادثة قتل شيرويه لكسرى في الجزء الأول من الكتاب ص ٢٨
(٢) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي شهد الوقائع كلها مع رسول الله ﷺ بعثه النبى بكتابه إلى المقوقس، ومات في المدينة سنة ٣٠ هـ. الإصابة ١: ٣٠٠
فدفعه اليه فقرأه، ثم أقبل على جلسائه فضحك وقال لهم: كتب إليّ يصف لي حسن دينه ويدعو اليه، فما منعه إن كان رسول الله أن يسأل الله فيسلط البحر عليّ فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي، فقال له حاطب فما منع عيسى ابن مريم وهو كما زعمت إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه وجعلوا عليه إكليل شوك وجعلوا على عنقه الخشبة التي صلبوه عليها ثم خرجوا به وهو يبكي حتى صلبوه/ على الخشبة ثم طعنوه بالحربة حتى مات، فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منهم ويهلكهم ويكفى مؤونتهم ويظهره وأصحابه عليهم، وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة زانية رجلا أن يقتله فقتله وبعث إليها برأسه حتى وضعوه بين يديها فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منها ويهلك الملك.
فأقبل المقوقس على جلسائه فقال: والله إنه لحكيم. وما يخرج الحكيم إلا من عند الحكماء، ما تقولون، قالوا: نقول: صدق أيها الملك، قد رأينا ما رأيت. وعاود قراءة كتاب النبي ﷺ، واحتبس حاطب عنده مدة، وسأله عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه وعن سيرته، وردّه مكرما.
وأرسل النبي ﷺ إلى غير واحد من ملوك الشام يدعوهم إلى طاعته. وكان فيمن أرسل الحارث بن عمير الأزدي فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني «١» فأنفذ رسول الله ﷺ بعده غير واحد ولامهم على غدرهم وقتلهم الرسل، وقال لهم: أنتم مغلوبون وسلطاني يعلو عليكم، فأغضب ذلك ملوك الروم ونصارى العرب. وأرسلت نصارى العرب إلى ملك الروم: انتهز الفرصة مادام هذا الرجل في ضعف، فأنفذ جيشا في مائة ألف قاصدا لرسول الله ﷺ بياتوقس
_________
(١) كان ذلك في سنة ٨ من الهجرة، فقد بعثه الرسول بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤقة عرض له شرحبيل بن عمر الغساني فقتله، وعلى أثر مقتله كانت غزوة مؤنة. الإصابة ١: ٢٨٦
البطريق، وعلى نصارى العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني، فانتهوا إلى مؤتة فكفاه الله أمرهم كما هو معلوم.
وأرسل إلى ملوك اليمن وملوك البحرين وعمّان رسلا معروفين، وقد علمت رحمك الله أنه دعاهم إلى الاختلاع من ملكهم والخروج من عزهم إلى التواضع والتذلل، وإلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وهذا غير تدبير البشر وحكماء الملوك، وهذا عندهم من سوء التدبير، فتعلم بعقلك أنه لم يفعل ذلك/ إلا وهو على يقين من السلامة من سطواتهم وكيدهم وشرهم.
وقد تقدم لك حال كل من جاء بعده من قريش والعرب وغيرهم، وأنهم به لاذوا واعتصموا وعلى ما مهّده ﷺ، وأنه هو ما اعتصم بمخلوق بما فيه كفاية، فارجع إليه. وقد أجابه ﷺ من الملوك الذين دعاهم النجاشي وغيره.
وتأمل حال قوم في زمانك وهم من الملوك العظماء، وملكهم واسع، وشأنهم عظيم، فإنهم من تسترهم بالإسلام ومع اعتزائهم إلى النبي ﷺ وأنهم من ولده وقد قدموا على ما مهد لهم، بأي شيء يلقون ملوك الإسلام، وبأي شيء يراسلونهم، وكيف يخضعون لهم ويخدعونهم بألوان الخدع ليستبقوا طاعتهم لهم باللسان، فيقول دعاتهم لكل واحد من هؤلاء حتى لرؤساء الأعراب والأكراد: أخوك فلان ابن فلان ابن رسول الله، وقد علمت عظيم ملكه، وهو يدعى بأمير المؤمنين، وقد فرض رسول الله ﷺ عليك طاعته لقوله كذا ولوصيته الفلانية؛ وما يطالبك بحقوقه، وما يطلب منك شيئا، ولكنه يرغب في أخواتك وفي صداقتك وفي الانبساط إليك في أن تقبل هديته، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قبل الهدية ورغب في ذلك، وإن كافأت بأقل القليل قبله
منك وشكرك عليه. ثم يهاديه بالهدية النفيسة الخطيرة ويقول له: «إذا استحكم الأنس وتمت الثقة فتح لك أبوابا يتضاعف بها ملكك، وتشتد بها شوكتك، وما عليك في الوصول إلى ذلك مشقة ولا كلفة ولا مؤونة ولا غرامة، وما هو إلا الثقة بك وأن يعرف طويتك وأنك بحيث يوثق بك.
فإذا تعلق قلبه بذلك وطمع، قال له: قد علمت ما جاء في الكتمان والمواثيق المأخوذة/ من الأنبياء ثم يروضه بعد هذا، فإن كان من أهل الشهوات والرغبة في الدنيا قال له: أنت فيمن قال الله: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» «١» ويبيحه المحظورات ويتقرب اليه بما يسقط عنه الكلف ويؤمنه من كل عقاب آجلا وعاجلا، ويذكر له ما قد أعدّه من التأويلات، ويتحبب اليه بهذا وأشباهه، ويأخذ عليه كتمان السر وأن لا يخبر غيره بما عنده ولا يسأله عن شيء وإن كان مجوسيا.
وإن رآه من المتمسكين بالشريعة زيّن ذلك عنده وقال له: لا تغتر بما يقوله الإمامية القطعية أن الصلاة عند أهل البيت إحدى وخمسين ركعة فإن هؤلاء ليسوا من دين أهل البيت على شيء، وصلاة أهل البيت ثلاث وسبعون ركعة، ويأمره بذلك، ويصلي عنده وبحضرته وبحضرة أتباعه وحشمه، وإن يأت عنده لم ينم الليل من كثرة الصلاة. ويأمره بالزكاة وبكل خير بحسب ما يتفق ذلك عنده، غير أنه يقول: للصلاة باطن، ولكل شيء باطن.
وإن كان يهوديا زيّن عنده اليهودية وما فيها من إقامة السبت وجميع ما هم عليه، وقال: المهديّ الذي ندعو اليه هو المسيح الذي تنتظرونه.
_________
(١) الأعراف ١٥٧
وإن كان نصرانيا مدح الصليب وقال: المهدي الذي ندعو اليه هو الفارقليط الذي بشر به المسيح.
وإن كان مجوسيا مدح عنده المجوسيّة وقال: أنتم الناس، وأنتم العقلاء، وأهل الملك القديم.
وإن كان صابئا مدح عنده عبادة الكواكب، ويقول لكل واحد من هؤلاء الأصناف: إن الديانات كلها سواء وهي تتفق في الباطن ولكن أصحابها لا يعلمون.
ويظهرون التودد إلى كل أحد بما يهواه، ثم يتواصون بكتمان ذلك وأن لا يظهروا «١» ذلك إلا لمن أحبهم أو مال اليهم.
ويقصدون بالدعوة/ الأعراب والأكراد والديلم والبربر والنبط والمترفين من الأمراء والوزراء والكتاب وأهل الجهالة، ويستظهرون على من انتمى إلى القول بالإمامة والتشيع، وهؤلاء يسرعون إلى إجابتهم والقبول منهم، ويوثقون الجميع بالأيمان الغليظة والعهود المؤكدة؛ وملوك الأرض منذ نحو مائة سنة من الديلم وبني حمدان ومن بالبحرين وعمران في البطيحة ومن باليمن والشام وأذربيجان، وكل هؤلاء الملوك أصحاب إمامة ومشيّعة، وفي الأرض كلها، ودولة بني العباس لم يبق منها إلا اسمها في بعض المواضع، والموضع الذي فيه سلطانهم وملكهم وعزهم يشتم فيه العباس وولده والمهاجرون والأنصار ويلعنون، ثم هؤلاء القوم مع الملك ومع تسترهم برسول الله ﷺ واعتصامهم، ومع هذه الأحوال كلها التي تستروا بها وتوثقوا بها، أنت ترى فضائحهم في الأطراف وفي أقطار الأرض في كل حين كما قد تقدم لك طرف منه. ثم هو شيء
_________
(١) في الأصل: «يظهرون» .
يحدث في كل حين، وتبدو فيه الفضيحة كل قليل مع الملك والقهر والغلبة والسيف والقتل الذريع الذي قد تقدم لك طرف من ذكره، لتعلم أن السبل التي سلكها رسول الله ﷺ لا يسلكها عاقل، ولا تخطر بقلبه، ولا تسمو اليها همته، ولا يحدث بها نفسه، ولا يدخل فيها طمعه، إلا أن يكون رسولا لله ونبيا لله وواثقا بوحي الله. ثم هو شيء ما كان في أحد من الأنبياء قط منذ كانت الدنيا، على ما حصله العلماء وأحصوه وبلغهم خبره، أن يكون إنسان ضعيف فقير أجير وحيد معيل مبتدىء مع هذه الحال، فيذكر ملوك العرب وملوك الفرس وملوك الروم حتى يذكر خراسان وملوك الشرك والترك/ وأنه يحويها ويحوزها وهو على تلك الحال، ثم يكاتبهم ملكا ملكا وسيدا سيدا وقبيلا قبيلا وبلدا بلدا يذكرها. ويوصيهم بالقبط وما لهم من الحرمة بمارية القبطية فإنهم يفتحون مصر، ويقول: أبشروا بفتح العروسين غزة وعسقلان، ويذكر دمشق وبيت المقدس، ويسمع ذلك نصارى العرب ويذكرونه لملوك الروم وغيرهم فيغتاظون من ذلك، وتذكر قريش ذلك للفرس.
ولما دخلت رسل المسلمين إلى الشام ولقوا ملوك النصارى بها رأوا بعضهم قد جلس على فرش عالية يرقى اليها بسلم وعليه السواد، وفي رسل المسلمين عبادة بن الصامت الأنصاري، قال: ما هذا السواد عليك وما هذه المسوح التي قد لبستها، قال الملك لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام وأفعل وأفعل، فقالوا له المسلمون: سنمنعك مجلسك هذا وو الله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم. ثم ساروا من عنده إلى الملك الأعظم من ملوك الروم وأبلغوه الرسالة، فأنزلهم أكرم منزل واحتبسهم عنده مدة طويلة، وخلا بهم، وناظرهم وامتحنهم، وسألهم عن شيء فشيء من أمر رسول الله ﷺ ومن أمر الإسلام والمسلمين ليلا ونهارا، وكان لهم معه ما هو مذكور، إلى
أن قالوا له: إن أرضك هذه نأخذها منك ونغلبك عليها، أخبرنا بذلك نبينا، فساءه هذا القول وقال: مهما قال من شيء فقد صدق، والله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عنده فأخدمه وأشد ملكه، ولكن نفسي لا تطيب.
وقال المقوقس ملك مصر لحاطب: إنكم ستملكون ملكي هذا كما قال صاحبكم، وملوك الروم كانت أعرف بحق رسول الله ﷺ، فلذلك كانت ألين وإن كانت نصارى العرب تغضبها وتثيرها عليه ﷺ/ ولم تكن كالجبار الشقي كسرى وما فعله برسول رسول الله ﷺ وتمزيق كتبهم فمزق الله ملكه كل ممزق كما قال ﷺ، أخبر أن ابنه قتله في تلك الليلة وبينه وبين كسرى نحو ثلاثمائة فرسخ، وذلك من آياته المعروفة التي جاءت مجيء القرآن، يعرف ذلك أهل العلم كما يعرفون أن رسوله كان اليه عبد الله بن حذافة السهمي، وكما يعرف ما كان بينه وبين النجاشي، وبين صاحب عمان، وغيرهم من الملوك. وإسلام باذان ملك صنعاء واليمن لأجل هذه الآية معروف، وإخلاصه ومن معه في الإسلام وهم يعرفون بالأنبياء.
ولما تنبأ العنسي الكذاب باليمن ناقشوه «١» وباحثوه فلم يجدوا عنده آية ولا علامة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ في أمره، فأمرهم بجهاده ففعلوا، وقتله فيروز الديلمي الذي كان أحد رسل الملك باذان إلى رسول الله ﷺ، ولم يكن ديلمي الأصل وإنما كان أحد عمال الفرس على ثغور الديلم.
ولما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ كان لهؤلاء الأنباء من باذان ومن معه من البصيرة في الإسلام والإقامة عليه ومجاهدة المرتدين ومعونة أبي بكر الصديق وعماله ما هو معلوم.
_________
(١) فى الاصل قانشوه
Translation
وباب آخر قوله ﷺ لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك
#58 Chapter 58 — وباب آخر اخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم · ref. #58
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وإنما أجرينا هذا من أعلامه ﷺ عند ذكر مكاتبته ومراسلته الملوك، والنية ذكر أعلامه التي ليست في القرآن بعد الفراغ مما في القرآن، فإن وهب الله ذلك وإلا ففيما معك فوز عظيم فاحتفظ به وحافظ عليه واطلب ما بعده فإنه أكبر الجهاد وأجل العبادة.

وباب آخر [اخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم]
من آياته ﷺ، وهو ما أخبر أصحابه من أنه يمكّن لهم في الأرض ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ويؤمن خوفهم، فيخلصون في عبادته وحده لا يشركون/ به شيئا، فقال ﷿: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ» «١» إلى آخر الآية. وهذه نزلت في غزوة الأحزاب وفي الخندق، وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول المدينة بهم وهم في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع من بها من اليهود والمنافقين، فأظهر الله أصحاب رسول الله ﷺ واستخلفهم ومكّن لهم وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب في العقل بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل الله، وأن يكون صاحبهم رسولا لله، والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من قوله ﷿: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» «٢» فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن
_________
(١) النور ٥٥
(٢) النور ٥٥
يقول: هذا قول الله لكم، ووعد الله لا وعدي، وبشارة الله لا بشارتي، وفي هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: «منكم» جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنا ولا آمنا بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد الله، فنعوذ بالله من الذهاب عن الحق.
وعندنا أنه/ ﵁ كان في زمن أبي بكر والخلفاء قبله ممكنا غالبا قاهرا آمنا عزيزا نافذ الأمر مسموع القول كما قد تقدم شرح ذلك لك، وبه وبإخوانه من المهاجرين والأنصار كانت خلافة من قبله وعزّ سلطانهم، فالعدة فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح وفي سعد ومعاذ وعبد الرحمن وغيرهم من المهاجرين والأنصار، والله ﷿ لا يستخلف إلا المتقين ولا يمكن إلا لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وليس لمن أسلم في عام الفتح، وفي هذا خبط، لأن هذه نزلت في عام الخندق وفي غزوة الأحزاب قبل فتح مكة، وأولئك من الطلقاء لا من المهاجرين ولا من الأنصار، وليس هذا بنصّ جليّ مكشوف في خلافة هؤلاء ﵃، ولكنه شيء يعرف بالاستنباط والاستدلال والتدبر في هذه التلاوة، فلا يسوغ في تأويلها وتفسيرها إلا هذا.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ حين ارتدت العرب بعد وفاته وكثر من خالفهم يستبشرون بظهور الإسلام وغلبة المسلمين بهذه الآية وقد تلاها أبو بكر الصديق عليهم في ذلك الزمان وقال لهم ما لعله قد تقدم لك شيء من ذكره، وهذا شيء قد تقدم به الإجماع وسبق به الاتفاق قبل أن يخلق هشام بن الحكم
Translation
وباب آخر اخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم
#59 Chapter 59 — وباب آخر قوله ﷺ في أوان ضعفه أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه · ref. #59
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
الذي هو الأصل في الطعن على خلفاء رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار. ومع هذا فقد ذكر هشام بن الحكم أنه أدرك الشيعة وكلهم يتوالى أبا بكر وعمر وعثمان، ويقولون هؤلاء ما أنكروا فضل الوصيّ عليّ بن أبي طالب ولا دفعوه عن حقه، وأن الذين دفعوه عن حقه وأنكروا فضله هم المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم. قال هشام وهذا كله تلزيق وتلفيق/ دعاهم اليه هيبة أولئك القوم فما أقدموا على تهمتهم ولو عرفوهم لا تهموهم، ثم أخذ يذكر ما عنده من تهمتهم، فقد أقر بلسانه أنه لم يسبقه أحد إلى شتمهم ولعنهم، ولو لم يقر لكان العقل يشهد به ويدل عليه.

وباب آخر [قوله ﷺ في أوان ضعفه أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه]
من أعلامه وآياته، وهو أنه كان يقول في أوان ضعفه وعنفوان أمره أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه، وتتحزب الأمم عليه، وتقصد لقتاله وقتله واستئصاله واستئصال أتباعه، ويأتونهم من كل وجه. وأن أصحابه يثبتون ويزدادون بصيرة ويقينا في أمرهم عند ذلك. وأن من رآهم ورأى من سار إليهم يكون عنده وفي عقله ورأيه أنهم لا ينجون، فكان ذلك كما قال وأخبرهم الله في تلك الحال، أنه ﷿ سيكفيهم أمر هؤلاء وأمر من ظاهرهم من أهل الكتاب، ويستخلفهم في الأرض، ويؤمن خوفهم، ويبدلهم بالضعف قوة، ويمكن لهم في الأرض، وكان هذا في قصة الأحزاب، وأنزل الله فيها وفي يومها الآية التي تقدم ذكرها في سورة النور. وقد كان ﷺ أجلى بني النضير من اليهود لأذيتهم له وغدرهم به، فرحلوا عن المدينة من جواره، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان وفزّارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم
وفرق آلافكم وحمل الأبناء على قتل الآباء، والآباء على على قتل الأبناء، وهو يزعم أنه يظهر عليكم ويستأصلكم وأنتم غير آمنين مما يوعدكم به، فبادروا مادام في ضعف قبل أن يقوى بأشد مما كنتم عليه ببدر وأحد.
وكانت لليهود بالحجاز رئاسات وضيافات ومنن على العرب، يجيرون من استجار بهم ويمنعون عن جيرانهم ويقاتلون/ دونهم؛ فأثاروا قريشا والعرب على رسول الله ﷺ، فساروا اليه في نحو عشرين ألفا، وجاء حييّ بن أخطب اليهودي النضري إلى بني قريظة من اليهود وكانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن يسالموه ولا يعينوا أحدا عليه أبدا وكتبوا بينهم وبينه في ذلك كتابا. فجاء حييّ بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد رئيس بني قريظة، وقال له: جئتك بشرف الدنيا وبالعزّ، وهذه القبائل من قريش والعرب قد ساروا إلى محمد فكن معنا، فقال: دعني فإن هذا الرجل قد عرفناه بالصدق والوفاء، إن قال نعم فهي نعم، وإن قال لا فهي لا، ما لقوله خلف، وأكره أن يغدر به ولعلكم ألا تظفروا به. فقال حيي: ليس هذا من تلك العساكر التي لقيته قبل هذا، ونحن في كثرة وهو في قلة، ولن ننصرف عنه أو نستأصله، فتندم في قعودك عنا؛ وإنما هو وأصحابه قليلون، وهذه قريش في هذا العدد. وذكر عدد تلك القبائل وما زال بهم حتى غدرت قريظة. فأرسل رسول الله ﷺ بسعد ابن معاذ وسعد بن عبادة اليهم ليعرف ما عندهم وهل غدروا أم لا. فلما بصرت قريظة بالسعدين مزقوا الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كفّ، فما بيننا وبينهم أجلّ من السباب.
فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا على ضعف
المسلمين، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها. وجاءت قريش والقبائل من وجه آخر، وأشار سلمان الفارسي رحمة الله عليه بحفر خندق، وكان هذا أول مشهد شهده سلمان. فأمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها/، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل فيها المعول فهموا بالتعريج عنها، ثم قال قائل: عرفوا رسول الله ﷺ وقد كان ﷺ سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر بإزاء العدو. فنزل ﷺ إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة فثار منها برقة عظيمة. فكبر وكبر المسلمون، وقال: رفعت لي صنعاء واليمن فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال: رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر المسلمون وقال: رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها فأبشروا. وتصدعت الصخرة فصعد رسول الله ﷺ من الخندق وهو مستبشر مسرور، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور.
وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم، فطفره عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب، وأقاموا أياما يحاربون، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب، ويقتحمون على المسلمين. فأرسل الله عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم وأبنيتهم، ونفرت خيولهم وإبلهم، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم، ومروا هرابا على وجوههم، وكفى الله المؤمنين قتالهم، وبات المسلمون من تلك الريح في كل عافية.
فإن قيل: ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى، قيل له: قد جاء مجيئا إذا
تدبّره من سمعه وفكر فيه علم وتيقن أن الأمر كذلك، فإن القرآن نزل به مذكرا هذه النعمة ومحتجا بهذه الآية وممتنا على المؤمنين فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا» «١»
فلو كانت هذه الريح وغيرها من الأمور التي جرت العادة مثلها «٢» لما امتن الله به ولا احتج والعدو والولي يسمعه، [هذا] لا يفعله عاقل فكيف بمن يدعي النبوة. ثم يؤكده بأن يجعله قولا لله وأن الله يذكرهم بهذه النعمة.
ثم قال: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» «٣» لما كان قد تقدم به البشرى، فكانوا يقولون: الواحد منا ما يستطيع أن يذهب لحاجته من العساكر التي قد أحاطت بنا وهو يعدنا بملك اليمن وملك كسرى وقيصر. ثم أذكرهم بقول طائفة أخرى «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا» «٤» وقد كان قوم من بني حارثة قالوا ذلك أخبرهم الله بضمائرهم في قولهم، ولا يجوز أن يقول ذلك إلا وهو كما قال، ثم قال:
«ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا.
ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا» إلى قوله: «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
_________
(١) البقرة ٢١٣- ٢١٤
(٢) هكذا في الأصل، ولعل الأصح «بمثلها» .
(٣) الأنفال ٤٩
(٤) الاحزاب ١٣
كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» «١» يصف جبنهم وخورهم وخداعهم وأنهم إذا زال الخوف وأمنوا قالوا: فعلنا وصنعنا واجتهدنا، ويظهرون احتقار العدو وإن عادوا عاودناهم، ثم قال/:
«يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ» «٢» يحكي عن هؤلاء المنافقين وعن من قلت بصيرته وعن من في قلبه مرض، أنهم يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وأنهم سيرمون شعثهم مما نالهم من الريح ويرجعون، وأن عسكرا مثل هذا في الكثرة والقوة لا ينصرفون بإزائهم في ضعف وهم مع ذلك في قلة، و«يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا»»
فأخبر عن أسرارهم وعن ضمائرهم وواجههم بنفاقهم وسوء نياتهم، وهذا لا يفعله إلا نبي واثق بتأييد الله له وبنصره إياه، لأن من صواب الرأي ومحكم التدبير عند الحكماء والرؤساء وطلاب الملك وخطاب الدنيا أن يقبلوا الطاعة ممن أظهرها لهم وإن اتهموا ضمائرهم، وأن لا يردوا ما ظهر من نصحهم ولا يقولوا لهم ليس ظاهركم كباطنكم وأنتم أعداء، ليس هذا من حقوق الرئاسة ولا يسوغ في تدبير السيادة ولا يقع هذا من عاقل إلا أن يكون نبيا، لأن الرئيس إذا فعل هذا حملهم على مكروهه وبعثهم على مكاشفته واستفراغ الوسع في الإفساد عليه وفي قتله. وفي أمثال الحكماء: لا تسمّه عاقّا فيعق، وقال في وصاياه التي ترتضيها العقلاء:
اقبل مقالة من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
_________
(١) الأحزاب ١٤- ١٥
(٢) الأحزاب ٢٠
(٣) الأحزاب ٢٠
وكان أيضا لو لم يكن نبيا لا يأمن أن يكون باطنهم في طاعته مثل ظاهرهم، فإذا قال لهم قد نافقتم وهم بخلاف ذلك لكان طعن في قوله، وإن لم يواجهوه بالكذب قالوه/ من ورائه وذكروه لأتباعه ولمن قد اعتقد صدقه، ويذكرونه لعدوه من اليهود والنصارى. فإنهم كانوا أشد الناس حرصا أن يقع له كذبة أو زلة، فهم كانوا يواجهونه بالتكذيب وليس معهم حجة فكيف إذا صار لهم حجة. فتعلم أنه لم يقل ذلك إلا عن علم ويقين، وهذا باب كبير من الاخبار بالغيوب وهو كثير في القرآن فاعرفه، فهو من الآيات العظام ثم قال لهم:
«لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» «١» فقد كانوا رأوه ﷺ في تلك الشدائد والأهوال، ساكن القلب، طيب النفس يبشرهم بالنصر على هؤلاء وعلى أمم العرب والعجم.
ثم قال: «وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا» .
وقد كانوا يقولون عند قول النبي ﷺ وهو بمكة: أني سأصير في جماعات وعساكر فيقولون: ملكنا أبسط وحزبنا أغلب وجندنا أكثر، فأنزل الله إذ ذاك وقبل الهجرة: «أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ. جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٢» فلما رآهم المؤمنون ذكروا هذا الوعد من الله ﷿ فازدادوا إيمانا. ولهذا الوعد نظائر وأمثال كقوله:
«أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» ومثل قوله: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا» «٣» وغير
_________
(١) الأحزاب ٢٣
(٢) ص ١٠
(٣) البقرة ٢١٤
ذلك. وقوله: «وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا» لم يرد به الذكر باللسان وإنما أراد الذكر ذكر القلب والفكر في آيات الله ودلائله وحججه، وهذا أعظم الذكرين/ وأجلهما وأنفعهما، والذكر باللسان بعده، ولا يغني عن ذكر القلب شيء البتة. ثم قال: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» «١» فأخبر عن ضمائر المؤمنين السابقين والمهاجرين والأنصار، وأن باطنهم في الإسلام كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم. كما أخبر عن باطن المنافقين ومن في قلبه مرض، وفي إخباره عن بواطن المؤمنين من الدلالة مثل ما في إخباره عن ضمائر المنافقين، فتأمل ذلك لتعرفه فشرحه يطول.
وقوله: منهم من قضى نحبه، أي من قتل في سبيل الله أو مات وهو مقيم على موالاة الله وإيثار مرضاته، ومن بقي ينتظر مثله ونيته وطويته ألا يزول عن ذلك، وما بدلوا تبديلا ولا غيروا. وفكر في قوله: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا» «٢»
فانظر كيف تمنن عليهم بأنه صرف عنهم هؤلاء الجنود وهذه العساكر بالريح وكفاهم قتالهم، وما نال المسلمين من الريح أذى مع قرب المسافة. بل باتوا منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية، وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله ﷿.
_________
(١) الأحزاب ٢٣
(٢) الأحزاب ٢٥
وهمّ النبي ﷺ بالانصراف إلى المدينة والرجوع اليها بعد انصراف الأحزاب، فأتاه جبريل يقول له عن الله: لا تنزع درعك حتى تصير إلى بني قريظة، فسار اليهم ونزل عليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب منه ﷺ مع كثرتهم فامتنعوا بحصونهم، وقال ﷺ: يا يهود يا إخوة القرود «١»، فقالوا يا محمد: ما عهدناك فحّاشا، فقال ﷺ: غدرتم بي ونبذتم/ عهدي، إنا إذا حللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وبعث اليهم أبا لبابة بن عبد المنذر فقالوا له: يا أبا لبابة أتنزل على حكم محمد قال: نعم، وأومى بإصبعه إلى حلقه، أي أنه الذبح، فأنزل الله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» «٢» وما كان من أبي لبابة إلا إيماء بإصبعه، فأخبر الله بما كان من إشارته وما كان بينه وبينهم.
قال أبو لبابة والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وذهب من وجهه فأوثق نفسه بسارية في المسجد، فقال ﷺ أما إنه لو أتاني لاستغفرت له فأما إذ فعل فلا أحلّه حتى يكون الله هو الذي يحله، وما زالت سارية أبي لبابة معروفة في المسجد، وهذه آية أخرى.
وقد كان بنو قريظة في كثرة وبأس ونجدة، فقذف الله في قلوبهم الرعب عند نزول رسول الله ﷺ. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فجاء على حمار أقمر، وقد كان أصابه يوم الأحزاب سهم، وكان يقول اللهم لا تمتني حتى تريني في بني قريظة ما أحب، فقال له
_________
(١) في سيرة ابن هشام أن النبي ﷺ لما دنا من حصون بني قريظة قال: يا إخوان القرود هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته، قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا. سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٤
(٢) الأنفال ٢٧
رسول الله ﷺ: إن بني قريظة قد رضوا بك وبالنزول على حكمك، فقال له الأوس: يا أبا عمرو هم حلفاؤك، فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم؛ لينزلوا حتى أحكم. فلما نزلوا قال: قد حكمت بقتل مقاتلتهم، وسبي ذريتهم، وغنم أموالهم، وأن تكون للمهاجرين دون الأنصار.
فقال رسول الله ﷺ: قد حكمت بحكم الله، وهو معنى قوله: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ/ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» «١» .
فانظر كيف يمتن عليهم بهذا، والعدو والولي يسمع، ولا يجوز أن يمن عليهم إلا بما قد كان وعلموه. فانظر كم علم في قصة الأحزاب، وكم آية، وكم دلالة، وكم أعجوبة.
وقد دخل في هذا الباب باب آخر وهو بانفراده حجة تامة، بل في كل موطن منه حجة ودلالة، فمن ذلك قوله ﷿: «سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا.» «٢»
فانظر كيف يخبر عن عدوه أنهم سيقولون ما فيه حجة عليهم قبل أن يقولوه، فيقولون ذلك ويفعلونه كما أخبر عنهم، وهذا من عجيب الأمور،
_________
(١) التوبة ١٢٠
(٢) الفتح ١١
ولها نظائر، مثل قوله ﷿: «فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ» «١» وقوله: «سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا» «٢» ومثل هذا كثير.
فإن قيل: فما ينكرون أن يكون قد أخبر عنهم بعد أن قالوا.
قيل له: هذا لا يفعله عاقل بأن يقول لأمر قد كان وقد وجد وفرغ منه هذا سيكون، فيكذب هذا الكذب الظاهر عند قوم يعلمون أنه قد كذب وهو يدعي/ الصدق والنبوة وأنه وجده حجة الله وصفوة الله وأنه لا أحد معه في ذلك ولا بعده إلى يوم القيامة، فاعرف هذا وراعه في أماكنه من القرآن إذا تلوته.
وتأمل قوله ﷿: «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» وقوله:
«بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا» .
فإن العاقل لا يفعل هذا بمن أظهر له الطاعة وإن كان متهما الباطنية، بل يظهر له القبول، هكذا حق الرئاسة وهو الذي تقضيه السيادة وهو الحزم ومن سوء التدبير إظهار تهمة مثله، وهذا لا يفعله إلا من كان نبيا أو رسولا لله صادقا كما قد تقدم شرح ذلك لك.
ومما يؤكد ذلك، أنه ﷺ كان يوصي أمته بالمداراة وبالصفح وبترك
_________
(١) الإسراء ٥١
(٢) الفتح ١٥
المكاشفة، ويقول: هذا هو الحزم. وقد كان ﷺ واجدا على بعض أحياء العرب، فوردوا عليه وهو معرض عنهم، فقام رجل منهم فأنشده «١»:
فحي ذوي الأضغان تستبق ودهم ... تحيتك الحسنى فقد يرفع النفل
وإن أظهروا سوآ فأظهر كرامة ... وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فأقبل ﷺ ورضي عنهم وقال: إن من الشعراء لحكماء، وإن من البيان لسحرا، وأعاد قول الشاعر: وإن الذي قالوا وراءك لم يقل. استحسانا له واستصوابا، فلما صار إلى أمر الله ﷿ ما رضي إلا بمواطأة القلب للسان، وأن يكون الظاهر مثل الباطن، ثم ما رضي بأن يكون هذا القول منه ومن عنده حتى قال هذا القول/ قول الله لا قولي، وقول خالقكم وخالق «٢» العالم بضمائركم وما أخفيتم.
وتأمل قوله: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» إلى قوله: «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «٣»
فانظر كيف يقول لأولئك لما جاؤا معتذرين وسامعين ومطيعين: إنكم قد قلتم بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، وإن قعودكم لم يكن لشغلكم بأموالكم وأهليكم بل لظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا.
ويقول لهؤلاء الآخرين الذين بهم ضعف بصيرة وقد جاؤا مذعنين
_________
(١) كتب في هامش الأصل: «سبب قول النبي ﷺ: «إن من الشعراء لحكماء»
(٢) في الأصل: «خالقي»
(٣) الحجرات ١٧
وسامعين ومطيعين: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا. فلا يسوغهم دعوى الإيمان مع ضعف البصيرة، ويقول: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» «١» فيعطيهم العطاء الجزيل ويقول: هؤلاء الذين ضعفت بصائرهم أعطيهم أتألف قلوبهم لانحطاط منزلتهم عن منازل المهاجرين والسابقين والأنصار، فيسميهم باسم المنقصة ويلبسهم جلباب المذلة وقد أعطاهم تلك العطايا الوافرة، وهذا خلاف تدبير عقلاء الناس وحكماء البشر، فإن هذا عندهم تضييع للمال وتنفير للناس وجناية على الملوك ونقض عرى الملك وهدم لأركانه.
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» إلى قوله: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» وهذا من ذلك الجنس الذي قدمنا، وهي في قوم من/ المنافقين معروفين وهم عبد الله بن أبي سلول الخزرجي وأتباعه، وهذا كان سيدا في الخزرج مطاعا عظيم الشأن، وكان متقدما في الأوس والخزرج جميعا، وكان رأس المنافقين، يطيعونه ويرجعون اليه، وكان قد حسد رسول الله ﷺ وسبق عليه أمره، وكان سعد بن عبادة يقول للنبي ﷺ اصبر عليه يا رسول الله واحتمله، فو الله لقد نظمنا خرزات تاجه لنسوده حتى جاءنا الله بك.
وكان معه على النفاق جماعة من الأوس والخزرج يؤملونه ويرجون أن تكون الرئاسة له، وكانوا يعدلون قومهم من الأنصار في محبتهم لرسول الله ﷺ وأتباعه.
وكانت الأنصار تحب إسلامه وإجابته وإخلاصه، فيذكرون له صحة الإسلام
_________
(١) التوبة ٦٠
وحسنه، ويوبخونه في إبطائه عنه، فيجيبهم إلى ذلك فيسلم؛ ثم ينظر في أمره وأنه ليس له منزلة خبّاب بن الأرتّ، وسهيل بن سنان، وزيد بن حارثة، وبلال مولى أبي بكر الصديق، وعمّار بن ياسر، وأمثالهم من الموالي مع حبه للرئاسة إذ هو رئيس وسيد قبل الإسلام، فيتحسر، ويحمله الحسد، فيرجع ويتردد. وقد كان في بعض غزوات رسول الله ﷺ، إما في غزوة المريسيع أو غيرها قد ازدحم الناس على الماء لضيقه «١»، فوقع بين الجهجاه الغفاري صاحب عمر بن الخطاب وأجيره وبين رجل من الأنصار، فقال الغفاري: يا للمهاجرين وقال الأنصاري: يا للأنصار، وبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو في مجلسه وفي جماعة من خواصه وخدنه وعبيده وأهل بيته، وكان في هذه الغزاة، فأظهر التعجب من أن يقال يا للمهاجرين وأن يكون أحد يعازّ الأنصار وقومه/ من الأوس والخزرج وأخذ يلوم الأنصار في مجيئهم بهم وأنهم جاؤا بقوم فقراء فواسوهم ومطرودين فاووهم وأنزلوهم ديارهم ومخذولين فنصروهم، فلما قووا واشتدوا واثبوهم وقالوا: يا للمهاجرين، وهذا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك، وينبغي لهم أن يقطعوا النفقة عنهم حتى ينفضوا عن هذا الرجل «٢» ولئن رجعنا إلى المدينة لنأخذنهم بهذا، ولننضحن لهم، وليخرجن الأعز منها الأذل. وكان قد قال هذا بحضرة ثقاته وظن أن ذلك لن يبلغ رسول الله ﷺ، فجاء زيد بن أرقم الأنصاري وكان من أهل بيته فأعاد على رسول الله ﷺ المجلس، فذكر ﷺ ذلك للأنصار فجاؤا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فذكروا له ذلك، وأن زيدا بن أرقم حكى ذلك
_________
(١) وتسمى أيضا غزوة بني المصطلق. وفي سيرة ابن هشام يوضح أن الذي نادى أولا هو الأنصاري إذ قال: يا معشر الأنصار، والأنصاري هو سنان بن وبر الجهني. انظر لتفصيل الحادث سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٠
(٢) هو يتكلم عن الأنصار فيقول: ينبغي لهم
عنه، فقال: ما قلت هذا، وحلف، وقال: قد كذب من ذكر ذلك عني، وأنا أعرف بحق رسول الله ﷺ من أن أقول هذا، وزيد بن أرقم غلام حدث لا يدري ما يقول. فقالوا له كذا الظن بك، وأقبلوا على زيد بن أرقم تعذلونه وجاء هو إلى رسول الله ﷺ مع أصحابه وخاصته يكذبون زيدا فيما حكاه، ويحلفون على ذلك، وأنهم يعتقدون في قلوبهم وضمائرهم نبوة رسول الله ﷺ وصدقه، فقبل رسول الله أيمانهم وسمع منهم وأقبل عليهم يكذب زيد بن أرقم ولا صدقه، بل أمسك عنه. فأخذه ﷺ الوحي كما كان يأخذه، فأقبل على أصحابه ودعا بأبي بكر وعمر، وتلا السورة، وأخبرهما بصدق زيد بن أرقم وأنه على حداثته قد أجاب وصدق. فقال له عمر بن الخطاب يا رسول الله لم لا تأذن في قتل هذا، تقدم إلى بشر بن البر الأنصاري أو إلى غيره يقتله «١»، وتلا رسول الله ﷺ السورة على الأنصار، فقاموا/ إلى عبد الله بن أبي بن سلول فتلوا ذلك عليه وعرفوه ما كان، وعذلوه ولاموه ولاموا أصحابه ومن حوله ممن يريد هذا، وقالوا: إلى كم يا ويحك، وإلى متى تكون هذه الفضائح ويفضحكم الله مرة بعد مرة، توبوا وارجعوا، فقالوا نتوب ونرجع.
وجاء ابن لعبد الله بن أبيّ بن سلول إلى رسول الله ﷺ وكان مخلصا وكان برّا بأبيه شديد المحبة له، فقال: يا رسول الله، قد بلغني ما كان من أبي وما أحسب ولدا أبرّ بوالد مني ولكني لا أرضى له ما يأتيه، وقد بلغني ما أشار به عمر، فإن أردت قتله فمرني بذلك فإني والله أقتله مع حبي له وبرّي به، وإن قتله غيري خشيت ألا أصبر أن أرى قاتل أبي في الناس فأقتله فأدخل النار، فقال له النبي ﷺ لا تقتله وتأنّ به.
_________
(١) في سيرة ابن هشام: عباد بن بشر الأنصاري
ولما رجع رسول الله ﷺ من هذه الغزاة يريد المدينة، فلما قرب اعترض ابن عبد الله بن أبي بن سلول هذا أباه واعتقل جمله وثنى ركبته، فقال له أبوه: مالك يا بني وما تريد، فقال له: والله لا دخلت المدينة أو يقول رسول الله ﷺ الأعزّ وأنا الأذل، فما زال يدافعه ويسأله تركه وتخليته فلا يفعل، ويمر به الناس على طبقاتهم في سيرهم، فمنهم من يسأله الصفح عنه والتخلية له ومنهم من لا يفعل، وأصحابه وأعوانه يرون ذلك به ويشتد حسرتهم عليه، فما أفرج ابنه عنه حتى قال ذلك ونادى على نفسه. فتأمل ما في هذا من دلالات وعلامات وآيات بينات تدل كل عاقل استدل بها على نبوة محمد ﷺ وصدقه وفيه من ذلك أكثر مما شرحنا فتأمله تجده وهؤلاء المنافقون كبراء ورؤساء في قومهم، وكانوا مطاعين ولهم/ أتباع، وقد كان اليهود يجلسون إلى عبد الله بن أبي بن سلول ويعظمونه ويجلّونه ويزيدون في ذلك لأجل عداوته للنبي ﷺ، ويبعثون الأوس والخزرج على طاعته، ويقولون: سيدكم القديم ولحمكم ودمكم، وإنما محمد وأصحابه دخلاء فيكم. وقد كان الجدّ بن قيس أحد السادة القدماء المطاعين في بني قيلة من الأوس والخزرج «١»، وقد كانت سبيله في النفاق سبيل عبد الله بن أبي بن سلول.
فإن قال قائل: قد لعمري كان هذا من سيرة محمد ﷺ وأفعاله وهو بخلاف سيرة حزمة الملوك، ولن يقوم الملك بمثل هذا التدبير، ولكن إنما فعل محمد هذا في آخر أمره وحين صار بالمدينة وصار في عساكر وجماعات، وحين استتب أمره، فألا فعل هذا بمكة؟
_________
(١) كان الجد بن قيس المتخلف الوحيد عن بيعة الرسول ﷺ بيعة الرضوان. ثم تخلف عن غزوة تبوك ونزلت فيه الآية: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تغتني) . سيرة ابن هشام ج ٢: ٣١٦، ٥١٦
قيل له: ما في هذا طعن ولا جئت بشيء، بل ما حصلت ولا تدري ما تقول ولو سكت لكان أستر لك، لأنك مازدت على أن قلت: هذا كان بالمدينة ولم يكن بالمدينة، وكان حين صار في عساكر وجماعات، فما في هذا من الطعن، ولو قد تدبرت لعلمت أن هذا زائد في حجته. لأنه بالمدينة ما رجع عن دعوى النبوة والصدق والعصمة كما كان بمكة، وحين صار بالمدينة وفي عسكر وعدوه في عسكر يقصده ويطرقه، فهو إلى الرجال وإلى التدبير بتدبير حزمة الملوك وطلاب الدنيا ومداراة من يتهم باطنه وترك مكاشفة مثل هذا أولى، فما زدتنا بسؤالك هذا إلا قوة في الحجة. وقولك: ألا كان هذا بمكة؟ فكيف يكون بمكة وما هناك منافق البتة؟، وكيف ينافقونه بمكة وهو وأتباعه كانوا بها مقهورين مغلوبين وبها من المسلمين من يكتم إيمانه خوفا من قريش، والذين/ كانوا يظهرون إيمانهم بمكة قبل الفتح أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأشباههم، من تلك الجماعة المعروفة، على ما عليهم في ذلك من الشدة والأذية والبلية من قومهم وسواهم من الرجال والنساء كانوا يضعفون عما يقوى عليه أولئك فيكتمون ايمانهم، فمن أين يكون بمكة منافق. والأمر بالضد مما كان بالمدينة فكأنك تقول له ﷺ: لم لم تكذب وأنت بمكة كما صدقت وأنت بالمدينة، وأيضا فهو كان بمكة وحيدا فريدا، «١» ومن معه في ذلة وقلة وقبل أن يتبعه أحد، فما لان لعدوه بل كاشف وبالغ فيما يغضبهم ويغيظهم وجبههم بالإكفار والتجهيل بمثل قوله: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» «٢» «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ومثل قوله: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» «٣» ومثل قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ
_________
(١) في الأصل: وحيد فريد
(٢) الزمر ٢٤
(٣) الفرقان ٤٤
الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ» ومثل قوله: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» إلى غير ذلك من نظائره مما لم يكاد يحصى لكثرته، وهذا لا يفعله حازم ولا عاقل إلا أن يكون نبيّا كما تقدم لك شرحه في غير موضع من كتابك هذا.
وتدبر قوله في أصحابه ببدر: «يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» «١» كيف يوافقهم على اليسير مما كانوا يجدونه من الشدة والخوف من عدوهم لقلتهم وكثرة عدوهم.
وفي هذا المعنى قوله: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» «٢» وقوله في قصة أحد: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» «٣» فواقف الذين أرادوا من الدنيا المباح من الغنائم على هذا المقدار، بخلاف تدبير البشر ومن له حرص على طلب الرئاسة والملك، حتى قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا يريد الدنيا حتى سمعت رسول الله يقول: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» لأن المهاجرين والأنصار اتبعوا النبيّ لصدقه ونبوته لا لغير ذلك، فإن اتفق لهم رزق مباح لم يكن بذلك بأس.
إلى قوله: «وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ
_________
(١) الأنفال ٦
(٢) الأنفال ٢٦
(٣) آل عمران ١٥٢
لَكَ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» «١»
وهذا كان قاله عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه يوم أحد وهو من ذاك الجنس.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ» «٢» والعاقل إذا تدبر علم أنهم لو لم يكونوا كذلك في ضمائرهم وطويتهم لما قاله فيهم ولما أخبر به عنهم، لأنهم كانوا ألفا وأربع مائة، فكان لا يأمن أن تكون طويتهم غير خالصة وإن أظهروا له ذلك، فكان لا يأمن أن يهجم منهم على خلاف ذلك، فيتبينون كذبه وهذا لا يفعله عاقل، فكيف بمثل محمد ﷺ وهو يدعي النبوة والصدق ويدعو الناس إلى أن يعتقدوا ذلك فيه، ويريده منهم ومع هذا فيقول إن هذا ليس بقولي وإنما هو قول ربّي وربّكم علام الغيوب. وهذا فيه علوم بغيوب كثيرة [التي]، «٣» لا يعلمها إلا الله ولا يطلع عليها إلا صفوته وأنبياؤه. ولو كان فيهم من ليس بخالص/ الطوية لرجع إلى نفسه فكان يظهر ذلك ولو بعد حين، ولا يدع التحدث به وإن لم يجبه به رسول الله ﷺ وكان يتحدث مع اليهود والرؤساء الذين ذكرناهم من أعداء النبي ﷺ ويخبرهم بما كان عليه وما قاله، وكانوا يسرّون بعثرة لرسول الله ﷺ وزلّة إن لو كانت وحاشاه من ذلك، فكان يبلغ ذلك رسول الله، والمسلمون ويتحدثون به، ويشيع الأمر، كما ظهر أمثاله من قول المنافقين مع إخفائهم لذلك. فتعلم حينئذ بدليل عقلك أن بواطنهم له ﷺ كانت كظواهرهم كما أخبر وكما قال.
_________
(١) آل عمران ١٥٤
(٢) الفتح ١٨
(٣) هكذا في الأصل، ونظنها زائدة
وقد كانوا يتعنتون ويتعلقون بالضعيف من الأمور ويسألون، ألا ترى أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد كان يكتب لرسول الله ﷺ، فكان إذا انتهى إلى آخر القصة وقد أملى عليه رسول الله ﷺ: «وكان الله» فيقول ابن أبي سرح:
غفورا رحيما، أو عليما حكيما، فيقول رسول الله ﷺ: هكذا نزلت فاكتب، فقال للناس: إنما يأتي محمد بهذا من تلقاء نفسه، وحكى مثل هذه الصورة، فكيف بما فيه الحجة لهم عليه. ولهذا نظائر مما قد سألوا عنه وترددوا فيه، وليس أحد من أصحابه من أخبر عنه مع كثرتهم شكّ أو تردد أو أخبر عن ضميره بخلاف ما أخبر ﷺ.
ومن هذا الجنس قوله ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن المهاجرين المكيين بأنهم هاجروا لله وابتغاء لمرضاة الله وشهد لهم بالصدق، ثم قال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ/ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فشهد لهم بالفلاح، وهم خلق كثير، أخبر عن طوياتهم وضمائرهم، وهذا من الغيب لا يعلمه الا الله.
ومن هذا الجنس، إخباره في القرآن عن عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به، فأخبر ﷿ ببراءة ساحتها وبغافلتها عما رميت به وأنّ ذلك لم يخطر ببالها ولا همّت به فضلا عن أن تفعله، فقال ﷿: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ
_________
(١) الحشر ٨
(٢) الحشر ٩
عَظِيمٌ» «١» وقد جلد رسول الله ﷺ أولئك القذفة وقال: الله أمرني بجلدهم وأخبرني بكذبهم في قذفهم عائشة، وتلا عليهم: «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»»
أي ما ضركم بل كانت عقبى لكم، فإن الله ﷿ تولى إكذابهم بنفسه، وأنزل فيه القرآن المعجز والآيات البينات التي لا إكذاب لها إلى يوم القيامة، ثم قال: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٣»
ثم عاتب المؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة ووبخهم على ذلك وعلى إمساكهم عن تكذيب أولئك والرد عليهم وحسن الظن بعائشة وبصفوان فقال ﷿: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» حتى قال: «فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» . فانظر إلى هذا التعنيف النازل بالمؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة في عائشة وقالوا: إنما قلنا ما قيل لا انا قذفنا ولا انا شهدنا.
ثم عاد إلى من كان له في القصة هوى فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فتأمل هذا الوعيد لمن كان له في هذا هوى/ وقوله للمؤمنين الأبرياء: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .
ثم قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» أي إن هذا مما يزينه الشيطان ويدعو اليه والشيطان لا يريد إلا الباطل ثم قال: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا» أي لولا لطفه بخلقه وحسن اختياره لهم وجميل تدبيره لما زكى
_________
(١) النور ٢٣
(٢) النور ١١
(٣) النور ١١
منهم أحد أبدا، ثم قال: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
وهذا القول يقوله الله لأبي بكر، فإن مسطح بن أثالة كان من بني عبد مناف وكان ابن خالة أبي بكر وكان في عياله، وقد كان خاض مع الخائضين في شأن عائشة، فلما أنزل الله براءتها حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح وقد كان تاب وندم وكان من المهاجرين، فلما قال الله هذا القول لأبي بكر الصديق قال: بلى، يا رب نحب أن تغفر لنا، فرده في عياله.
فتأمل هذا النكال النازل بالقذفة والفضيحة الحالّة بهم والتوبيخ لمن أصغى لحديثهم والتزكية العظيمة لهذه المقذوفة، وقد وقع في هذه القصة جماعة كثيرة فيما يكرهون على طبقات، وهذا قول يغيظ ويغضب ويخرج المخبات ويذكر بالأحقاد وبالأمور القديمة ويبعث على البهت فضلا عن الإنصاف، فكيف بأمر قريب العهد. ولهؤلاء القذفة والخائضين نفوس وأكباد وعشائر وأحباب، وفيهم مثل عبد الله بن أبيّ بن سلول، ويتصلون بأعداء رسول الله ﷺ من اليهود وغيرهم، / ولهم الحرص الشديد على كذبة أو زلة تقع منه فما قدروا، فلو لم يكن في هذه القصة إلا إنسان واحد أو عائشة وحدها وكان هناك كذب لظهر، فكيف وفيها جماعة، فلو لم يكن الله قد أطلعه وأخبره بصدق عائشة وصفوان لما أخبر بهما فإن كان لا يأمن كذبهما، هذا لا يختاره عاقل سيما وهو يدعي الصدق.
فقد علمت أن الملوك وطلاب الدنيا لا يؤمن غدرهم وكذبهم وبهتهم بل تلك عادتهم وسجياتهم، وهم يطوون أسرارهم ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد
الواحد من ثقاتهم ممن يشاركهم في ملكهم ونعمهم، ثم لا يأمن إن أظهر ذلك على نعمته ودمه، ثم لا يلبث السرّ الذي هذه سبيله أن يظهر ذلك في زمن الملك من جهته أو من جهة ذلك الثقة الذي أطلعه عليه، وليس للناس بإظهار ذلك عناية، وربما لم يكن في ذلك ما يتعلق بالدين وفيه معاداة الناس كلهم، وعنايتهم به وطلب عثرات من أتى به شديدة، ويتمنون وقوع ذلك منه. ومن لا عيب فيه ولا عادة في وقوع الكذب منه ومن يدّعي العصمة فصغار الأمور كبيرة منه، وقد يشيع عليه بما يشبه العيوب والذنوب بأنه عيب وذنب، ويتعلق عليه بمشكل الألفاظ ومتشابه الكلام. وقد كان أعداؤه ﷺ معه وبهم من الكثرة والقوة والملك والسطوة ما قد عرفه الناس، ومع هذا فقد ارتد من ارتد من قبائل العرب بعد موته، وناظرهم أصحابه وحاجوهم وحاربوهم فما أمكن أحد من أولئك الأعداء من المرتدين ولا المنافقين ولا اليهود ولا النصارى أن يقيموا حجة في/ هفوة أو زلة أو فيما يشبه ذلك كان منه ﷺ مع حاجتهم إلى ذلك وحرصهم عليه، فكانوا يدفعون بأس أصحابه عن أنفسهم بذلك ويوقعون الخلاف بينهم بذلك، لأن أصحابه إنما استحلوا دماء من خالفه ديانة لأنه نبيّ ولأنه صادق لا يخطىء ولا يزل ولا يكذب، ولو وقع منه شيء من ذلك لما حلت نصرته ولا تصديقه ولا اتباعه فلو كان فيمن زكاه وشهد على ضميره ونيته من ليس كذلك لما لبث أن يخبر بذلك ويرجع عن نبوته وتصديقه، وكان لا يسر بما أظهره من تزكيته لأنه يعلم أنما أظهر تلك التزكية والتصديق حيلة عليه وخديعة له وسخرية منه، فكيف والذين زكاهم وشهد على ضمائرهم جماعات كثيرة في أوقات متغايرة، وكذا من شهد بنفاقه، فاعرف هذا فإنه باب كبير من ورائه أبواب في دلائل نبوته ﷺ.
ثم عدت إلى ما كنت بدأت به، فمن هذا الجنس قوله ﵎:
«لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» «١» .
فتبين رحمك الله ما في هذا، فقد تقدم لك شرح نظائره، ثم قال: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» «٢» وهذا في قوم معروفين استأذنوه ﵇ ثم قال فيهم: «وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ/ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» «٣» وهذا خلاف تدبير عقلاء البشر، فإنهم إذا خلفوا من خلفوا خوفا من ضرره وهربا من شره وقدموا من قدموا ليهلك فيستريحون من شره لا يفضحون بذلك ولا يظهرونه وإنما يظهرون خلافه، فيقولون لمن خلفوه إنما خلفتك لحاجتي لتكون من ورائي ولثقتي بك ولتعويلي عليك، وكذا يقولون فيمن يقدمونه، ثم قال: «لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ» «٤» يريد ما كان من حرصهم على قتلك واستئصالك حتى طمعوا فيك، لوحدتك ثم لضعف من اتبعك حين آمنوا بك ولقلتهم حتى جاء ما وعد الله من النصر والظفر والظهور، ثم قال: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي
_________
(١) التوبة ٤٢
(٢) التوبة ٤٣- ٤٤
(٣) التوبة ٤٦
(٤) التوبة ٤٨
وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» «١» وقد كان ﷺ قال للجد بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر. يعني الروم. فقال هو وغيره:
بل تأذن لنا فنقيم ونتخلف ولا تفتنا فتغلظ المحنة علينا بأمرك إيانا بالخروج وترك إعفائنا منه، فلعل ذلك أن يثقل علينا فنخالف أمرك فيه.
فقال الله: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا» أي فيما ذكروا أنهم يحذرونه من المعصية والخلاف سقطوا، والنار من ورائهم محيطة بهم على أفعالهم ونفاقهم وقعودهم عنك.
ثم قال: «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ» وليس من تدبير عقلاء البشر أن يقول لمن أظهر طاعته وأنفق فيها ماله وبذل فيها مهجته: / إن هذا لا ينفعك ولا يقبل منك ثم قال: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» وهذا من ذلك الجنس في المكاشفة ثم قال: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» «١»، فقد كان للجد بن قيس ولعبد الله ابن أبي وأضرابهما ممن نافق من الأوس والخزرج أموال ظاهرة ونعم وأولاد، وهم جماعة كثيرة، فأخبر الله نبيّه بسوء أحوالهم في الباطن وأن أموالهم وبال عليهم والله يعذبهم بها بما يكلفهم من إنفاقها، فهم ينفقون أموالهم ويكدّون أبدانهم ويقاتلون أولياءهم مع أعزائهم، وهذا من ذلك الجنس. وليس يريد كفرهم، وإنما يريد تعذيبهم بكفرهم في حال كفرهم، كما قد يقول الرجل لصاحبه: إنما أريد أن تعودني وأنا مريض، وإنما أريد أن تزورني وأنا محبوس،
_________
(١) الآيات السابقة من سورة التوبة ٣٨ فما بعدها
وإنما أريد أن تسد خلتي وأنا فقير، وهو لا يريد أن يكون مريضا ولا محبوسا ولا فقيرا، وإنما يريد أن يعامل بهذه المعاملة وهو في هذه الأحوال، فكذا أراد الله تعذيبهم وهم كافرون، أي في حال كفرهم ولأجل كفرهم وإن كان لكفرهم كارها. ثم قال: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ» «١» وهذا في قوم من المنافقين معروفين اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شرّ من الحمير، فقال رجل كانوا يظنونه منهم وهو مسلم: والله الذي لا إله إلا هو إنه لحقّ ولأنتم شرّ من الحمير. ثم أتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له، فدعاهم فقال/ أنتم القائلون كذا وكذا، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله ذلك، فقال رجل منهم: قد والله قلنا، وأرى الله قد عرض علي التوبة وبذلها لي، والله لأقبلنها؛ فتاب واعتذر، وهو معروف.
وقد قلت لك: إنك بعقلك تعلم أن هناك قوما «٢» هذه صفتهم وقد قالوا ما حكاه الله عنهم وإن لم نعرف أسماءهم وأعيانهم. وقوله: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» فقد كان رسول الله ﷺ يعطيهم من الغنائم إذا حضروا الحرب على ظاهر الإسلام، ويعطيهم من الصدقات بظاهر الفقر، فأذكرهم الله بهذه النعم، وهذا كقولك ما لي إليك ذنب إلا نصحي لك ومحبتي إياك.
ثم قال: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا
_________
(١) التوبة ٧٤
(٢) في الأصل: قوم
فِي قُلُوبِهِمْ» إلى قوله: «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «١» وقد كان النبي ﷺ حث الناس على الصدقة، فجاء عمر بصدقته وجاء عبد الرحمن بصرة يعجز عنها الكف، وجاء عثمان أيضا بما هو معروف من عظم صدقته، وكذلك غيرهم من الصحابة. وجاء رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: لو كان لنا مال لأعطينا أكثر مما أعطى عبد الرحمن، وقالوا لصاحب الصاع: إن الله لغني عن صاعك هذا، فلمزوا من إعطاء الكثير ومن إعطاء القليل، فلهذا قال الله: «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ»
«٢» فلهذا فصل الله ﷿ بين الفريقين. وأما قوله: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» فإن الله لا يفعل سخرية الساخرين، ولا ظلم الظالمين، ولا استهزاء المستهزئين، ولا خداع المخادعين، ولا جور الجائرين، / ولكنهم لما جازاهم على سخريتهم جاز أن يقال سخر منهم، وهذا جزاء، كقوله: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ» «٣» و«جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» «٤» فالأولى سيئة والثانية جزاء. ثم قال: «وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا» وهؤلاء قوم معروفون بأعيانهم تخلفوا عن الخروج مع رسول ﷺ إلى غزوة تبوك وقالوا هذا القول، وكان قد خروج في أشد ما يكون من الحرّ، وكانت نصارى العرب قد خرجوا إلى ملك الروم يحثونه على قصده لرسول الله ﷺ، وقالوا له: هو وأصحابه في جهد وضرّ شديد، فانتهز الفرصة فيهم. فبادره رسول الله ﷺ وخرج بأصحابه وهم في ضرّ شديد وإعواز وعدم القوت، وتوجه نحو
_________
(١) التوبة ٧٥
(٢) التوبة ٧٩
(٣) البقرة ١٩٤، وفي الأصل: ومن اعتدى
(٤) الشورى ٤٠
الشام في عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، وأقام بتبوك وملك الروم بدمشق، فراسله النبي ﷺ ودعاه إلى إجابته والدخول في طاعته ووبخه وكان له معه ما هو معروف.
«وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ»، والمعذّر بالتشديد هو المقصر الذي لم يستفرغ وسعه، والمعذر بالتخفيف الذي قد قدم فيما بينه وبين أخيه وصاحبه ما هو غاية في العذر «١» وكان ابن عباس ﵁ يقرأ: المعذرون بالتخفيف، ويقول: لعن الله المعذرين، ذهب إلى الذي يعتذر بغير عذر.
ثم قال: «يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» «٢» .
وكذا يجب على المسلم أن يرضى ما رضي الله وعمّن رضي الله ويسخط ما سخط الله، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله» فالرضى بقدر الله واجب، وسخط المعاصي فرض لازم، فالويل لمن رضي بمعاصي الله والويل لمن لم يرض بقدر الله «٣» .
وقوله ﷿: / «الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا» إلى قوله:
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .
وكان رجل من كبار الأوس يقال له أبو عامر عبد عمرو بن صيفي وكان يعرف بأبي عامر الراهب، وقد كان أظهر الترهب وأنه يطلب الحنيفية ودين
_________
(١) جاء في هامش الأصل: المعذر بالتشديد: المقصر. المعذر بالتخفيف
(٢) التوبة ٩٦
(٣) جاء في هامش الأصل: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله» .
الحق. فلما قدم النبي ﷺ المدينة لقيه أبو عامر فقال: يا محمد إلام تدعو، فقال إلى دين الحنيفية الذي تطلبه بزعمك، فقال له: ما أنت عليه؟ فقال له رسول الله ﷺ: بلى، ودعاه فأبى، وحسد رسول الله ﷺ، وقال له أبو عامر:
الكاذب منا أماته الله غريبا شريدا طريدا، يعرض برسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: نعم فعل الله ذلك بالكاذب منا. ثم أقبل أبو عامر على قومه ينهاهم عن اتباع رسول الله ﷺ وعن طاعته ويجتهد، وأعلام رسول الله ﷺ وآياته تتزايد وتظهر ويكثر أتباعه من قوم أبي عامر فيزداد غيظا. واتخذ مسجدا يجمع اليه الناس فيحادثهم وينهاهم من اتباع رسول الله ﷺ، ويزعم أنه على الحنيفية، وأن دينه سيظهر ويصير في جماعة وعز، فكان يجتمع اليه قوم من المنافقين، ويجلس اليهم اليهود ويقوون منهم الخلاف على رسول الله ﷺ ثم إنه خرج إلى مكة وبعثهم على غزو النبيّ وحربه، ويقول: أنا معكم وقومي من الأوس معكم، فإذا لقيتم محمدا صرنا إليكم. وكان معهم في وقعة أحد، فلما تنازلوا نادى أبو عامر قومه معاشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا مرحبا بك يا فاسق، وسبّوه ولعنوه، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. وقد كان خرج إلى مكة من قومه جماعة كثيرة وهم على رأيه في رسول الله ﷺ، وكانوا نحو خمسين رجلا، فقاتلوا المسلمين/ مع قريش قتالا شديدا، ثم صار أبو عامر إلى الروم ولقي قيصر ملك الروم بالشام، فدعاه إلى قتال رسول الله ﷺ والمسلمين وحرّضه على ذلك، وهوّن أمرهم عنده بضعفهم وفقرهم وقلة عددهم وكثرة عدوّهم، وخوّفه العواقب إن هو لم يفعل ذلك بما لا يأمنه من قوة الإسلام. ثم إن أبا عامر مات بالشام طريدا غريبا وحيدا كما دعا رسول الله ﷺ، وهذا أيضا من أعلامه في إجابة دعوته.
وقوله: «أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ» دلالة على أن
الفتنة بمعنى النعمة «١» وفيها دلالة على أن الله قد أنعم على الكافرين والمنافقين بنعمة الإيمان، وأكمل عقولهم وقواهم وأزاح عللهم، فبدلوا نعمة الله كفرا وأبطئوا عن التوبة والتذكر.
وانظر إلى ما في قوله: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «٢» وهذه نزلت في هؤلاء الثلاثة من المؤمنين خاصة، وهم «٣»: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن ربيعة وكلهم من الأنصار، وكان هؤلاء تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا واغتموا غمّا شديدا وحزنوا لذلك حزنا عظيما ضاقت صدورهم به، فأخبره الله ﷿ عن صدق نياتهم وخلوص ضمائرهم وما فيها من الحزن والغمّ بتأخرهم وما كان ليتلو ذلك إلا وقد علم وتيقن ما في ضمائرهم، وفي هذا من الدلالة مثل ما تقدم، والكلام فيه مثل الكلام في ذلك، فاعرفه.
وكان «٤» تخلف عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة خلق كثير من المسلمين نحو ثمانين رجلا، وذكروا/ ما أخرهم، وصدقوا عن أنفسهم، ومنهم من لحق به بتبوك قبل أن يرجع إلى المدينة. وكانت هذه الغزاة صعبة شديدة، خرجوا في الحر الشديد وكانوا في إضاقة «٥» وفي قلة من الزاد، وكان الزمان
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «قوله تعالى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) دلالة على أن الفتنة بمعنى النعمة.
(٢) التوبة ١٢٦
(٣) جاء في هامش الأصل «قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» نزل في كعب بن مالك وهو وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة.
(٤) في الأصل، وكان كان
(٥) هكذا في الأصل، ولعلها ضائقة.
حريقا، وأقبل ﷺ من تبوك، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه من المؤمنين، فقال رسول الله ﷺ: لا يكلمنّ رجل منهم ولا يجالس حتى آذن لكم، وأعرض عنهم رسول الله ﷺ والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وعن أخيه، وحتى إن المرأة لتعرض عن زوجها. فمكثوا أياما، ويجعلون يعتذرون إلى النبيّ ﷺ بالجهد، ويحلفون له، فرحمهم ﷺ واستغفر لهم. وقالت بنو سلمة لكعب بن مالك امش إلى رسول الله ﷺ فاعتذر اليه وبايعه لعله يقبل منك، فأقبل معهم ورسول الله ﷺ جالس في المسجد يبايع، فسلم عليه فأعرض عنه، فقيل إن كعبا قال: لم تعرض عني يا رسول الله، فو الله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت، فقال رسول الله ﷺ: فما خلفك عني؟ قال:
أما إني لا أعتذر إلى رسول الله ﷺ بعذر، لقد كنت شابا موسرا ولكن أصابني فتنة فتخلفت. فسمع مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية بالذي قال كعب فقالا مثل قوله، فأعرض عنهم رسول الله ﷺ، فقاموا من عنده، فقالت بنو سلمة لكعب: والله ما أصبت ولا أحسنت ولو اعتذرت لقبل منك، فقال لهم كعب: والله لا أجمع اثنتين: أتخلف وأكذب وقد اطلع الله على ما في نفسي فقالت بنو سلمة: والله إنك لشاعر مفوه بليغ جرىء على الكلام، فقال كعب:
لن أجترىء على الكذب.
فمكث هؤلاء الثلاثة قريبا من شهرين لا يكلمهم أحد من/ المسلمين ولا يجالسهم، حتى أعرض عنهم نساؤهم، ووجلوا أشد الوجل، وخرجوا من أهاليهم إلى البرية، وطلبوا الفساطيط يأوون اليها بالليل ويتعبدون الله. وكتب جبلة بن الأيهم ملك غسان إلى كعب بن مالك أنه بلغنا أن صاحبك نبا بك وأقصاك هلم إلينا فإن لك متحولا ولا تقم على الهوان؛ فأقبل كعب بكتابه إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال يا رسول الله: ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ
المشركون يدعونني إلى الشرك، فلم يراجعه رسول الله ﷺ. فرجع كعب أحزن ما كان وأشده كربا، وقد أقام أياما في الفسطاط ينتظر التوبة وهو بالحمى فضاقت عليه برحبها، فرجع إلى سلع «١» فكان يقيم به بالنهار صائما ويأوى إلى داره بالليل، حتى نزلت التوبة له ولصاحبيه ورضي الله عنهم ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة فقام من الليل فتوضأ واستن ثم قال لأم سلمة: الحمد لله الذي أنزل لإخواننا التوبة، فقالت: من هم يا رسول الله، فقال: كعب ابن مالك وصاحباه، فقالت أم سلمة: أفلا أبعث اليهم وأبشرهم، فقال رسول الله ﷺ: أصبحي، فصلى رسول الله ﷺ الصبح وانصرف، فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار فقال لهم: قد تاب الله على إخوانكم الليلة، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وسعى أبو بكر وعمر يبتدران كعبا ليبشراه، فسبق أحدهما صاحبه، فارتقى المسبوق على سلع فصاح: يا كعب بن مالك، أبشر بتوبة الله، فقد أنزل الله فيكم القرآن. وكعب جالس في مسجد قومه فسمع الصوت فوقع ساجدا يبكي سرورا بالتوبة واجتمعت اليه بنو سلمة رجالهم ونساؤهم يهنئونه بالتوبة، وأقبل كعب سريعا إلى رسول الله فبايعه واستغفر/ له وبشره بالتوبة التي نزلت فيه وفي أصحابه، وقرأ عليه: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ» إلى آخر القصة.
وهذا كعب بن مالك أحد الشعراء والسادة والبلغاء وكذلك صاحباه فمن السادة، وكانت هذه حالهم في تخلفهم وما امتحنوا به وما صدقوا به عن أنفسهم والإخبار عما في ضمائرهم، لتعلم حسن هذا التدبير وإدلال رسول الله ﷺ بالصدق والأمانة والبعد من كل ريبة ومن كل حيلة ومما جرى عليه
_________
(١) لتفصيل حادثة الثلاثة الذين خلفوا ومنهم كعب ﵁ انظر سيرة ابن هشام ٤: ٥٣١- ٥٣٧
أمر البشر، فتدبر ما يقرأ ويكتب لتعرف أعلام النبوة وتظهر لك حيل المحتالين على المسلمين في تشكيكهم فيها وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون، فإن القوم الذين قدمنا ذكرهم حين كادوا الإسلام تستروا بالتشيع، وقالوا:
يجوز على أنبياء الله وحججه «١» تزكية المشركين ومدح الكافرين وشتم النبيّين والبراءة من الصديقين على طريق الخوف والاتقاء، وإنما قالوا ذلك لما قد قهرهم من مدح رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين لأبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة من المهاجرين والأنصار، فقالوا: إن هذا المدح على طريق الخفية من هؤلاء واتقاء لهم ولبأسهم، وأنت ترى مكاشفة رسول الله ﷺ للأعداء في حال الوحدة وهو خائف يترقب، وهو في أيديهم وفي قبضتهم مقهورا مغلوبا، وقد تقدم شرح ذلك، وتقدم لك أيضا أن هؤلاء المهاجرين والأنصار قد علمنا أنهم أحباب رسول الله ﷺ وأولياؤه وثقاته وأمناؤه، وأنه كان يحبهم ويتوالاهم، وأن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، وأنه قد فرض على أمته وأهل طاعته محبتهم وموالاتهم كما فرض عليهم البراءة من الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وعتبة بن ربيعة وأمثالهم من أعدائه من قريش ومن اليهود والنصارى/ على ما تقدم لك من شرح ذلك، وقد تقدم لك أيضا أن أنبياء الله وحججه لا يجوز أن يتقوا وإن خافوا وإن غلبوا وإن قهروا.
وأعجب الأمور أن رؤساء الجاهلية وأقيال العرب والمتبوعين والمطاعين كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، وعامر بن الطفيل. وأضرابهم قالوا لرسول الله ﷺ: إنا نحب أن نجلس إليك ونسمع منك ونحن وجوه الناس، وإنما حولك هؤلاء الفقراء والعبيد كصهيب بن سنان، وخبّاب بن الارتّ، وعمّار ابن ياسر، وبلال، وأرواح ثيابهم كأرواح الجلود العطنة، ونكره أن ترانا
_________
(١) جمع حجة
العرب معهم، فاجعل لنا يوما ولهم يوما. فهمّ رسول الله ﷺ بذلك ولم ير به بأسا، رجاء لإسلام هؤلاء وأنهم متبوعون مطاعون يسلم بإسلامهم الخلق الكثير، فأنزل الله: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» «١» وقد كان قوم من هؤلاء الرؤساء الذين قدمنا ذكرهم قالوا: يقدم هؤلاء العبيد والموالي والفقراء علينا، فأنزل الله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «٢»
وفي هذا المعنى نزل قوله ﷿: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا» «٣» .
فانصرف رسول الله ﷺ عن ذلك العزم ولم يفرد أولئك الرؤساء/ بمجلس يخصهم، وقدّم هؤلاء الفقراء والعبيد والموالي، فكانوا أقرب الناس اليه، ويجلس اليهم ما جلسوا، ولا يقوم عنهم حتى يقوموا. وقد كانوا عرفوا ذلك منه، وكانوا إذا أقبلوا يقول لهم: سلام عليكم مرحبا بكم، بأبي من عاتبني فيهم ربّي اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. يريد المتواضعين للمسلمين.
فتأمل هذا التدبير، وكم كان من الرؤساء من قريش وغيرهم يبطئهم
_________
(١) الأنعام ٥٢
(٢) الأنعام ٥٣- ٥٤
(٣) الكهف ٢٨
عن الإسلام أنهم قد علموا أنهم إذا أسلموا لم يتقدموا عند رسول الله ﷺ على هؤلاء الموالي والعبيد، بل لم يكن رسول الله ﷺ يسوي بينهم، وإنما كان الناس يتقدمون عنده على السابقة والهجرة والبصيرة. فلما فتحت مكة وأسلمت العرب ويئس عدو الإسلام من الطمع فيه تحدث أبو سفيان وأمثاله من بني عبد مناف، أن الذي أخرنا عن الإسلام أنا حسدنا بني عمنا من بني هاشم ولقد أوفى الحارث بن هشام على مرقب حين خرج من مكة [١]، فلم يبق بها نافخ ضرمة إلا خرج مودعا له ومستوحشا لفراقه، فقال: ما بلد أحبّ إليّ من بلدكم ولا قوم أحب إلي منكم، ولكن حدث هذا الأمر فسبق اليه رجال ليسوا من أقدارنا، ولئن سبقنا عمار وبلال وصهيب إلى الإسلام فلن يسبقونا إلى الجنة، وأنا حبيس في سبيل الله ما حييت. فكان منه ومن عكرمة ابن أخيه وغيرهما من بني مخزوم وهم كانوا أعداء رسول الله ﷺ ومن مسلمة الفتح من الجهاد في سبيل الله وفي قتال المرتدين بعد وفاة رسول الله ﷺ حتى ردوهم إلى دين الإسلام، ومن جهاد الفرس والروم، ومن الصبر على تلك الشدائد، ما هو مذكور في كتب العلماء.
وفي هذا المعنى ما كان آذن عمر بن الخطاب يخرج وببابه سادات/ العرب فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ أين خبّاب؟ فينهضون مقدّمين مكرّمين، وبالباب سهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وعيينة بن حصن، وأمثالهم من السادة. فنظر اليهم سهيل بن عمرو وقد تمعرت وجوههم من جلوسهم بالباب والإذن لأولئك قبلهم فقال لهم: ما لكم معشر العرب تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم في الجنة غدا أفضل، وهذا سهيل بن عمرو
كان من أعداء رسول الله ﷺ ومن أشدهم عليه وهو من مسلمة الفتح، فاسمع قوله وتأمل أمره.
وكم يحدّث معاوية وآل أبي سفيان وآل مروان في ملكهم وفي سلطانهم بعد مضي أئمة الهدى أن الذي أخرهم وأخر أباهم عن الإسلام الأنفة أن يكونوا كمن قد قدمنا ذكره.
ومنهم من أخره الحسد والمنافسة، ومنهم من أخره منع إخوانه وساداته وهذا باب مفرد.
وقد علمت أن الملوك والجبابرة قد تكون لهم الهفوات والزلات فتقف عليها ثقاتهم ووزراؤهم وشركاؤهم في الملك ومن يخافهم على دمه في التحدث بعيوبهم فيحدثون به في حياتهم ويلقونه إلى ثقاتهم ولا يملكون أنفسهم لثقل الكتمان على الناس، فأما إذا مات الملك أو الرئيس فيحدثون به كل أحد مجاهرين، هكذا جرت العادة ودلت عليه العبرة، وهؤلاء تحدثوا بهذا في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته، لتعلم وثاقة أمر النبوة وأن أمرها وأساسها وضع على مثل الجبال. وما كنا في هذا الباب وإنما كنا في بطلان قول الذين رموا الأنبياء بكتمان الحق وإظهار الباطل، فاتصل الكلام بما أشبهه فخرجنا إلى هذا.
/ ثم عدت إلى بيان بطلان قول هؤلاء فتأمل قوله: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا» .
وقد كان بعض سادات العرب وأغنياؤهم قصد رسول الله ﷺ ببعض شأنه، فأقبل ﷺ على كلامه رجاء إسلامه وأتاه في تلك الحال ابن أم مكتوم
- وكان أعمى- يكلمه، فتشاغل رسول الله ﷺ عن جوابه بذلك السيد فعاتبه الله هذا العتاب في شيء هذا قدره.
فكيف يسوغ أن يظن عاقل متأمل بالنبيّ ﷺ ما ادعاه هؤلاء عليه!!
وتأمل قوله: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» «١»
وهذه نزلت في قصة زينب بنت جحش وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد زوجها بزيد بن حارثة وكان مولى.
وكان قد زوّج أيضا ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ المقداد بن الأسود وكان من الموالي أراد رسول الله ﷺ بطلان مذاهب الجاهلية في الأكفاء، وكانت زينب هذه شرسة الأخلاق كثيرة النقار لزيد والخصومة له، وكان ذلك يشق على رسول الله ﷺ ويكره أذيّة زيد، وكان زيد لا يصبر ولا يطيق أخلاقها وكان رسول الله ﷺ كالمتندم على تزويجها به ويقول في نفسه: ليتني كنت تزوجتها فكنت أحق باحتمالها والصبر عليها من زيد وغيره لقربها مني/ وكان زيد إذا همّ بطلاقها نهاه رسول الله ﷺ عن ذلك وقال:
اصبر واحتمل وأمسك عليك زوجك، فلم يصبر زيد، فطلقها، فأحب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فكره استحياء من زيد وغيره، فقال الله ﷿ له هذا القول في شيء ليس بمعصية، ثم أمره بالتزويج بها لما أراده ونواه من صلة رحمه، ولئلا يخرج المؤمنون في التزوج بأزواج أدعيائهم ومن يتبنّونه ولم يكن من أصلابهم، فقال ﷿: «فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها
_________
(١) الأحزاب ٣٧
Translation
وباب آخر قوله ﷺ في أوان ضعفه أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه
#60 Chapter 60 — وباب آخر حول الآية الكريمة"سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب" وكيف كان كما أخبر تعالى · ref. #60
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» .
فتأمل هذه الأقوال في هذه الأمور الصغار، وتأمل دعوى هؤلاء على رسول الله ﷺ كأنما يحدثونك عن مسيلمة أو عن كسرى وقيصر في سيرتهم، لا عن محمد رسول الله ﷺ وسيرته وتدبير الله له.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» وكيف كان كما أخبر تعالى]
وهو قوله ﷿: «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» «١» فكان ذلك كما أخبر، حتى تم أمر المسلمين وكانت العقبى لهم، وإن كان في خلال ذلك قد كانوا ينالون من المسلمين ويقتلون منهم إلا أن العقبى كانت لهم عليهم كما قد تبينت ولهذا قال ﷺ: «نصرت بالرعب» . وقد كان المسلمون يرون ذلك ويتحدث المشركون بما يجدونه منه وقالت بنت للحكم بن أبي العاص لجدها:
ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا ولا أعجز في أمر رسول الله ﷺ منكم يا بني أمية، فقال: لا تلومينا يا بنية لا أحدثك إلا ما رأيت بعينيّ هاتين. تواعدنا مع قريش لنأخذه، فلما دنونا اليه سمعنا صوتا خلفنا ظننا أنه ما بقي بتهامة/ جبل إلا تفتت، فغشي علينا وما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا اليه، قال فرأيت الصفا والمروة قد التقى أحدهما بالآخر فحالا بيننا وبينه فو الله ما نفعنا ذلك حتى رزقنا الله الإسلام. «٢» .
_________
(١) الأنفال ١٢
(٢) كان الحكم بن أبي العاص أحد نفر يؤذون رسول الله ﷺ وهم أبو لهب وعقبة ابن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي، والحكم، وكانوا جيران الرسول ولم يسلم منهم إلا الحكم. سيرة ابن هشام ١: ٤١٦
ولقد قال لهم أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا: نعم قال: فالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فقيل له ذات يوم: هو ذاك يصلي فانطلق اليه ليفعل به ما قال، فما رأيناه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، قالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: بيني وبينه حدق وهول وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
واجتمع مرة الملأ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: قد التبس علينا أمر محمد، فلو علمنا رجلا يعلم الشعر والسحر والكهانة بعثنا به اليه يكلمه ويأتينا ببيان أمره، فقال عتبه بن ربيعة: أنا أعرف الكهانة والشعر والسحر، وقد علمت منه علما فأنا آتيه فلا يخفى عليّ أمره، فأتاه فقال:
يا محمد، أأنت خير أم عبد الله، أأنت خير أم هاشم، أأنت خير أم عبد المطلب، فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتفعل وتفعل، إن كانت بك الرئاسة جعلناك رئيسا علينا حتى تموت، وإن كان بك الباه زوجناك عشرة نسوة تختارهن من قريش، وإن كان بك المال أعطيناك ما تستغني به وعقبك، والنبيّ ﷺ ساكت؛ فلما فرغ عتبة قال له رسول الله ﷺ: يا أبا الوليد قد قلت فاسمع: ثم قرأ ﷺ «حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» حتى بلغ إلى قوله: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ/ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» «١» فأمسك عتبة على فم رسول الله ﷺ وقال: أنشدك بالرحم لما كففت. ثم رجع اليهم فقالوا له: يا أبا الوليد رجعت بغير الوجه الذي ذهبت، فقال: يا قوم أمسكوا عن هذا الرجل فإن تم أمره فشرفه لكم، ومضى إلى منزله فقال أبو جهل: ما أرى عتبة إلا قد صبأ واتبع محمدا، انطلقوا بنا اليه. فأتوه، فقال أبو جهل: ما نراك إلا قد صبأت
_________
(١) فصلت ١٣
واتبعت محمدا، فغضب وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ولكني أتيته، وقص عليهم ما قاله له، قال: فقرأ عليّ: بسم الله الرحمن الرحيم «حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» حتى بلغ «أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» فأمسكت على فيه وناشدته بالرحم وعلمت أن محمدا لا يكذب، وخفت أن يأتيكم:
العذاب.
وقال الزبير بن العوام وهو يذاكر الناس بحال رسول الله وحالهم بمكة قبل الهجرة: رأيت نفرا من المشركين حول الكعبة ورأسهم يومئذ أبو جهل، وأقبل رسول الله ﷺ وهم يتامرون بمناهضته، فقال لهم: قبحتم وقبح ما اجتمعتم له، قال: فخرسوا فما منهم إنسان يكلمه، ولقد رأيت أبا جهل وهو يعدو في إثر رسول الله ﷺ يعتذر اليه ويقول: يا محمد أمسك عنا ونمسك عنك، ورسول الله ﷺ يقول: لا أمسك عنك حتى تؤمن بالله أو أقتلك، فقال أبو جهل وأنت تقدر على قتلي، قال له رسول الله ﷺ: الله يقتلك ويقتل هؤلاء معك، فوّلى أبو جهل وأصحابه فما بقي من أولئك أحد إلا قتل. والصحابة يتذاكرون ذلك ويتعاودونه.
وقصة أخرى كانت لقريش مع رسول الله ﷺ بمكة، وقد قدم رجل من أراش بإبل له/ إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشيّ حتى وقف على نادي قريش، فقال: يا معشر قريش، إني غريب وابن سبيل، وقد غلبني أبو الحكم بن هشام على حقي، فرجل منكم يأخذ حقي منه؟ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال أهل المجلس للأراشيّ «١»: ترى ذلك الرجل، يعنون رسول الله، إنه نديم أبي الحكم،
_________
(١) أراشي نسبة الى قبيلة عربية
إذهب اليه فهو يأخذ لك حقك منه، يهزؤن به لما يعلمون من شدة عداوة أبي جهل لرسول الله ﷺ، والأراشي لا يعرفه. فأقبل الأراشيّ حتى وقف على رسول الله ﷺ، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حقي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي حقي فأشاروا عليّ بك، فخذ لي منه بحقّي رحمك الله، فقام رسول الله ﷺ معه، فلما رآه أهل المجلس قد قام معه قالوا لرجل منهم: اتبعه وانظر ما يصنع.
فجاء رسول الله ﷺ إلى أبي جهل فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال محمد: اخرج إليّ، فخرج اليه وما معه روحه وقد امتقع لونه فقال له رسول الله ﷺ: اعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل فخرج اليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ فقال للأراشيّ: الحق بشأنك، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال:
جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لي حقي، وجاء الرجل الذي بعثوه معه، قالوا له: ما الذي رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو إن ضرب عليه بابه فخرج اليه وما معه روحه، فأعطاه حقه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، وتحدثوا بأنهم هم أشاروا على الأراشيّ محمد هزآ/ بالأراشي لما سألهم وجيها عندك ونديما يأخذ له حقه، وما ظنوا أن رسول الله ﷺ يسأله ولا إن سأله في الأراشيّ إلا منعه وحرمه ونال منه ومن محمد، فقال لهم أبو جهل: ويحكم والله إن هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبا وخرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني.
ومرة أخرى اجتمع الملأ من قريش في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى بالهتهم كلها لو قد رأينا محمد لقد قمنا اليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى
نقتله، فأقبلت بنته فاطمة ﵍ تبكي حتى دخلت عليه فقالت: يا أبت إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك ولو رأوك لقد قاموا اليك فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك فقال:
يا بنية أدني وضوآ، فتوضأ ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم على صدورهم فلم يرفعوا اليه بصرا ولم يقم اليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم وأخذ قبضة من تراب ثم قال: شاهت الوجوه ثم حصبهم بها فما أصاب رجل منهم من ذلك الحصباء إلا قتل كافرا.
ومرة أخرى كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويده في يد عثمان بن عفان، وفي الحجر عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل، وأمية فمر بهم رسول الله بين أبي بكر وعثمان، فلما حاذاهم أسمعوه ما يكره، وأدخل أصابعه في أصابع عثمان وطافوا جميعا فلما حاذاهم أيضا قال أبو جهل: والله ما نصالحك ما بلّ بحر صوفة، أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. ثم مضى عنهم/ وصنعوا به في الشوط الثاني كذلك، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه، وقام أبو جهل يريد أن يأخذ مجمع ثوبه، فدفع عثمان في صدره فوقع لقفاه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبي معيط، فأفرجوا عن رسول الله ﷺ، فقال لهم ﷺ:
أما والله ليحلّنّ بكم عقابه عاجلا، فما منهم رجل إلا رعب وأخذه إفكك، ثم قال لهم وهم في تلك الحال من الرعب:
بئس القوم أنتم لنبيّكم، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أبي بكر وعثمان فقال: «أبشرا فإن الله مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيّه، إن هؤلاء الذين
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب" وكيف كان كما أخبر تعالى

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound