Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 85 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa تثبيت دلائل النبو

Tathbit Dala'il al-Nubuwwa

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Abd al-Jabbar (القاضي عبد الجبار
85
Total sections
85 chapters
#21 Chapter 21 — باب آخر ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم · ref. #21
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
فهذا كله في استعمالهم. ولكنهم لما اعتقدوا في الله ﷿ انه رجل وانسان وشخص وما هذه سبيله لم يرضوا «١» ان يجعلوا له ابناء إلا بالحقيقة من طريق الولادة «٢» والتناسل كما تقدم بيان ذلك لك. وهم يقولون: ان الله الأب قال لابنه يسوع المسيح اني ولدتك قبل ان اخلق كوكب الصبح.
وليس في هذه الطوائف الثلاث من النصاري من يقول: إن المسيح ابن الله على طريق التشريف والمجاز، بل هو إله تام من إله بام، واله حق من اله حق، من جوهر ابيه. فاعرف هذا.

باب آخر [ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم]
من هذا الجنس، وهو ان هذه النصارى واليهود جميعا يدعون فيلاطس الرومي ملك الروم اخذ المسيح يتظلم اليهود منه وسلمه اليهم، فحملوه على حمار وجعلوا وجهه الى عجز الحمار وجعلوا على رأسه اكليل شوك، وطوفوا به تنكيلا. وانهم كانوا يقفدونه «٣» من ورائه ويأتونه من تلقاء وجهه فيقولون له: يا ملك بني اسرائيل من صنع هذا بك؟ سخرية منه «٤» . وانه لما ناله من الكدّ والشقاء عطش واستجدى وقال لهم: اسقوني ماء، فأخذوا الشجر المر واعتصروه وجعلوا الخل في ذلك العصير وأعطوه، فأخذه/ وهو
_________
(١) عبارة لم يرضوا مكررة في الاصل.
(٢) في الاصل: الولاد.
(٣) قفده: صفعه على قفاه بباطن كفه. انظر القاموس المحيط.
(٤) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «فأخذ عسكر الوالي يسوع الى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة وفروه وألبسوه رداء قرمزيا وصنعوا اكليلا من شوك ووضعوه على رأسه وقصبته في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين: السلام يا ملك اليهود وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه» . وانظر ما يماثل هذا الصدد في انجيل مرقس الاصحاح ١٥ وانجيل يوحنا الاصحاح ١٩.
يظنه ماء فغبّ فيه فلما وجد مرارته مجه فسعطوه به وعذبوه يومه وليلته «١» .
فلما كان من الغد وهو يوم الجمعة الذي يسمونه جمعة جشا سألوا فيلاطس ضربه بالسوط فضربه، ثم اخذوه وصلبوه وطعنوه بالرماح وما زال يصيح وهو مصلوب على خشبة يا إلهي لم خذلتني يا الهي لم تركتني، الى ان مات ونزلوا به ودفنوه «٢» . وادعى اليهود والنصارى العلم بذلك والمعاينة والمشاهدة، وانهم قد تلقوا ذلك الجمهور «٣» عن الجمهور، والامم عن الامم، وصار النصارى خاصة يسخرون من المسلمين اذا قالوا ما كان هذا من شيء، ويقولون: أي فائدة لصاحبكم في مكابرة الأمم المجمعة على ذلك، وقد سبقوه وكانوا قبله، وهم اهل هذا الرجل واصحابه، وبينهم ولد، ومعهم نشأ، وقد أجمع على ذلك عدوه من اليهود ووليه من النصارى، فأنكر نبيكم.
وهل هذا إلا كما قيل: رضي الخصمان وأبى القاضي. فنظر اهل العلم في قوله ﷺ، فاذا هو قد اخبر انهم قد قالوا ذلك وهم لا يعلمونه، وما معهم علم به ولكنه ظن يظنونه، فاذا الامر كما قال وكما اخبر، والعلم بأن الاعتقاد هو علم او جهل او ظن لا يعلمه إلا من قد صحب المتكلمين والنظارين وانقطع الى صنعة الكلام ومهر فيها وكدّ، وهذا رجل متكلف، فيعلم انه ما علم هذا إلا بالوحي من قبل الله وهذا من آياته العجيبة.
_________
(١) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩: «فلكي يتم الكتاب قال: انا عطشان، وكان اناء مملوآ خلا فجاؤا بسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها الى فمه» .
(٢) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «نحو التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: ايلي ايلي لما شبقتني، اي الهي الهي لماذا تركتني» . وفي انجيل مرقس الاصحاح ١٥: «صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: الوي الوي لما شبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني» .
(٣) في الاصل: عن الجمهور
وتأمل الى إقدامه/ على أمتين عظيمتين من اهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على امر وسبقوه في الزمان، وهو اشد الناس حرصا على تالفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأكذبهم وردهم، ولو كان متقوّلا لتهيّب ولم يقدم على ذلك خوفا من ان يكون الامر كما قالوا وكما ادّعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد تبعه، لأن الانبياء يجوز ان يقتلوا ويصلبوا، بل قد قتل قوم منهم.
وأيضا، فليس في قتل المسيح طعن عليه ولا قدح في امره، وما به حاجة الى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي ان يكون الى تصديقهم في ذلك أحوج، ليكون تشنيعه على النصارى اقوى، لأنهم قد اعتقدوا فيه انه إله ورب وقد رأوه أسيرا مقهورا في يد عدوه ومصلوبا ومقتولا، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد قتلوا نبيا آخر مضافا الى غيره من الانبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. فتجنب ﷺ هذا كله مع الحاجة اليه، وقال: قد ادعوا أنهم قد علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين، وما معهم فيه الا الظن فقال:
«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا» «١» أي ليس ثمّ يقين ولا سكون نفس، تقول العرب في الخبر المتيقن قتلته علما وقتلته يقينا. ثم قال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» أي صانه وعظمه ان تناله يد عدوه بالقتل والصلب، لأن الظن قد يصدق تارة، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره، ويكون قد صدق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صدقه، وان ظنوا ان اعتقادهم لذلك علم. فانظر الى ذلك كيف بيّنه من كل وجه.
_________
(١) النساء ١٥٧
فإن قيل: ومن ابن لكم ان الجماعات من اسلافهم ما شاهدوا ذلك ولا عاينوه كما ادّعوا؟ قيل له: من تأمل علم بعقله ان الامر كما قال ﷺ لا كما قالوا، لأن تلك الجماعات لو قد كانت شاهدت ذلك وعلمته لكان من لقيهم وسمع منهم في مثل حالهم في العلم بذلك، فكان يكون كل من لقي النصارى واليهود وسمع ذلك منهم عالما بذلك، فكنا نكون في مثل حالهم في العلم بذلك. ألا ترى أنا لما اخبرناهم بقتل حمزة وجعفر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ شاركونا في العلم بذلك وصارت حالهم في ذلك مثل حالنا، فلما رجعنا الى انفسنا فلم نجدنا عالمين مع مخالطتنا لهم وكثرة سماعنا منهم، علمنا انهم ليسوا بذلك عالمين، وأن اعتقادهم لذلك ليس بعلم. فبهذا الدليل علمنا صحة دعواه ﷺ وكذب دعواهم في انهم بذلك عالمين.
وبهذا الاعتبار تعلم رحمك الله بطلان دعوى من ادّعى من اليهود ان موسى صلى الله عليه شافه اسلافه الذين كانوا معه وهم ستمائة ألف رجل شاب سوى/ المشيخة والنساء بأن شريعته مؤيدة الى أن تقوم الساعة، وأنه لا يحل تغير شيء منها البتة وأن من ادّعى خلاف ذلك فقد كذب وكفر. وادعت اليهود انهم بذلك عالمون، فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين، وكان اعتقادكم لذلك علما، وقد حجكم من لقيتم من اسلافكم لكنتم حجة على اهل زمانكم، وكان يعلم ذلك بقولكم وأخباركم كل من شرح ذلك منكم، فلما كنا بذلك غير عالمين فإن اعتقادكم لذلك ليس بعلم. ألا ترى أنّا وكل من يسمع منكم يعلم ان موسى ﵇ كان يدّعي انه رسول الله، وأن الله اصطفاه وأرسله، وأنه صلى الله عليه كان يحرم الأمهات والبنات والأخوات والميتة والخنزير وذبائح الوثنيين، الى غير ذلك مما حرمه، وأنه كان يقيم السبت.
فلو كان ما ادّعيتم من تأييد شريعته لكان علمنا به كعلمنا بما قدمنا، بل
كان يكون اقوى من العلم بذلك، فلما لم يكن كذلك علمنا وتيقنا ان موسى ﵇ ما قال ذلك ولا دعا اليه ولا فرضه وأن الامر لم يجر المجرى الذي ادّعيتموه.
يزيدك وضوحا لذلك ان رسول الله ﷺ لما عهد ان شريعته مزيدة علم ذلك كل من سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، فلو كان الامر كما ادّعوا لعلمنا ذلك بأخبارهم كما علموا ذلك من شأن نبينا بإخبارنا اياهم وبسماعهم ذلك منا.
وهذا اصل كبير سبيلك ان تعنى به وتكبر مراعاتك له، فبه تعلم/ ايضا بطلان دعاوى النصارى في ادّعائهم قيام المسيح من قبره، وأنه ﵇ أقام معهم بعد قيامه من قبره اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه.
وهم يؤكدون هذا الكذب بأن يجعلوا له عيدا في يوم بعينه.
وبمثل ذلك تعلم بطلان دعواهم ان الخشبة التي صلب عليها المسيح وضعت على ميت فاذا هو حيّ يسعى، وأن هذا كان ببيت المقدس جهارا في يوم شهدته النصارى واليهود والروم وأمم لم يحصها إلا الله لكثرتها. ولهذا نظائر من دعواهم.
وبه تعرف بطلان دعاوى المجوس لزرادشت المعجزات.
وبمثل هذا تعلم بطلان دعاوى الرافضة ان النبي ﷺ استخلف امير المؤمنين عليا على امته، وفرض طاعته عليهم أجمعين من الأحرار والعبيد والرجال والنساء وجعله حجة عليهم. وادّعوا انهم قد علموا ذلك بإخبار جماعات اخبروهم بذلك، وأن اعتقادهم بذلك علم. فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين وكان اعتقادكم لذلك علما، لساويناكم في العلم بذلك لكثرة سماعنا
منكم والخوض معكم فيه، فلما لم يكن كذلك، علمنا وتيقنا ان ذلك امر لا أصل له.
والعلم ببطلان دعاوى الرافضة في ذلك أقوى واظهر والادلة عليه أكثر، لقرب عهده وكثرة الخوض فيه، ولأن الذي ادعى ذلك لم يكن يدعيه ولا يذهب اليه، ولأمور كثيرة. والأدلة على ذلك اكثر من الأدلة على/ غيره.
والرافضة تسأل في ذلك عما تسأل عنه اليهود والنصارى والمجوس في الطعن على رسول الله ﷺ وفي نبوته. فيقولون لما اعتقدتم صدق محمد ونبوته فقال لكم: ان المسيح لم يصلب وان موسى لم يقل ان شريعته مؤبدة وصار إقراركم بذلك ناقضا لقولكم ومفسدا لدينكم، ومبطلا لأصولكم [ذهبتم عنه «١»] ولم تعترفوا به.
قيل لهم: قد عرفناكم انا انما عرفنا بطلان هذه الدعاوى بذلك الاستدلال والاعتبار الذي قدمنا وشرحنا قبل العلم بنبوته ﷺ وقبل المصير الى قوله وقول اصحابه، حتى لو استدلت الملحدة كما استدللنا لعلمت من ذلك ما علمنا، وحتى لو لم يبعثه الله ﵎ حتى يعتبر معتبر ويستدل مستدل لعلم بطلان هذه الدعاوى كلها لأنا وجدنا أمما امثالنا وفي زماننا يدعون امورا وعهودا قد كانت في العصور الخالية التي قد سبقتنا ادعوا العلم بها، فرجعنا الى عقولنا واختبرنا فدلت العقول على ان اعتقادهم لذلك ليس بعلم، وان خبرهم بذلك ليس بصدق، وانه لم يكن هناك شيء مما ادعوه ينقل اليهم، وانما هم قوم شبّه لهم فاعتقدوا امورا تموهت عليهم فسموا اعتقادهم علما وخبرهم نقلا.
_________
(١) الكلمتان مكررتان في الاصل.
وايضا، فلو كنا انما نعترف بذلك خوف الفضيحة في بطلان ديننا فقد كان ينبغي ان نكون بذلك عالمين وان لم نعترف، كما يعلم اللص انه سرق وان لم يعترف خوف الفضيحة/.
وايضا فان كان الناس قد علموا أنّا قد علمنا فجحدنا وكابرنا فقد تعجلنا الفضيحة وعلم الناس جميعا ببهتنا ومكابرتنا فما سلمنا من الفضيحة المعجّلة، وهذا لا يذهب فساده على عاقل نظر وتدبر.
فان قالوا: فأنتم بذلك عالمون وان لم تعترفوا، قيل لهم: إنا إذا رجعنا الى انفسنا علمنا كذبكم على ضمائرنا، وكفى بذلك علما لنا بكذبكم علينا وبهتكم لنا، فانا لا نعلم ذلك بل لا نعتقده، فضلا ان نعلمه. بل نعتقد ونعلم بطلان ذلك، كما نعلم ان للعالم صانعا وانه واحد وان محمدا ﷺ رسوله الى خلقه.
وايضا، فان الجماعات الكبيرة لا تجوز ان تكتم ما قد رأته وسمعته وان ضرها ذلك وان ساءها، كما لم تجوز ان تفتعل ما لم يكن فتقول: قد كان ورأينا وسمعنا وان كان ما رأت ولا سمعت وان سرها ذلك ونفعها، وهذا في الكتمان اقوى واظهر وابين، لأن الكتمان اثقل، والصبر عليه اشد، والحفظ له اصعب، والناس الى القول اسرع، وهم عليه اخف، ولهم فيه فرح واسترواح، وعلتهم في الكتمان كالكرب والألم، فيستروحون باذاعته وينفرجون بالقائه، حتى انهم ليتحدثون بما فيه زوال نعمهم وسفك دمائهم، وحتى لقد ادعينا «١» ان ينكتم ما بين السلطان ووزيره وامثال ذلك ممن يجوز عليهم الكتمان، فان الكتمان قد يجوز على الواحد والاثنين والنفر
_________
(١) كلمة مطموسة بالمداد، والقراءة اجتهادية
اليسير. وكذا الافتعال وان كان الافتعال امكن من الكتمان. ولهذا/ يتواصى العقلاء بالصمت والكتمان ما لا يتواصون بالقول، ويحذرون منه ما لا يحذرون من القول، حتى ان الصمت والكتمان لا يجوز إلا في عقلاء الرجال وفي افراد الناس، وهو فيهم أقل من القليل.
فاعرف هذا فان هؤلاء الملحدة كأبي عيسى الوراق، والحداد، وابن الراوندي، لما لم يجدوا في رسوله الله مطعنا ادعوا انه قد كانت له فضائح واكاذيب وحيل وقف عليها اصحابه واهله وكتموا ذلك لحبهم له ولئلا يفتضحوا باتباع كذاب. وانما يجوز ان ينكتم ما يكون بين اثنين من النفر اليسير مدة ما ثم يظهر، فأما ما يكون بين الجماعة فانه لا ينكتم، ولا يطمع العاقل في كتمانه ولا يحدث نفسه به وان ضره وان ساءه. ألا ترى ان النبي ﷺ، جاء باكفار اليهود والنصارى والمجوس، وبالبراءة منهم، وسفك دمائهم، وسبي ذريتهم، واستباحة اموالهم، ويأخذ الجزية من اهل عهدهم، الى غير ذلك مما شرعه من مكارههم، وكل ذلك قد ضرهم وساءهم وذهب برئاستهم واسقط من اقدارهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن قط، وان الله قد رفعه من قلوبهم ومن قلوب الخلق اجمعين، وهذا علموه حين نطق به النبي ﷺ وقاله وشرعه وهو وحيد ضعيف فقير، وهم قد نقلوا ذلك وأذاعوه ونشروه وتحدثوا به مع ما عليهم فيه، والدولة والعزّ والغلبة إذ ذاك لهم لا له.
وهذا حال امير المؤمنين مع معاوية وبني امية فإنهم قد كرهوا عقد أهل
المدينة له بعد عثمان، وكرهوا ما دعا إليه من تضليلهم، وما/ فرضه من مجاهدتهم وقتالهم وما بيّنه من نقضهم وتسفيههم، وودّوا ان ذلك لم يكن، وما طمعوا في كتمان شيء من ذلك ولا فيما كان له من الفضائل، وانه صلى الله عليه من البدريين والسابقيين، ومن الفقهاء والزهاد والاولياء، ومن العشرة ومن اهل الشجرة ومن اهل الشورى، وقد ساءهم كل هذا فما أمكنهم مع الملك والدولة ان يدفعوه عن شيء منه مع محبتهم لدفعه عنهم ومع كراهتهم لكونه، ولا ان يدخلوا معاوية وهو سيدهم ورئيسهم في المهاجرين ولا في الانصار، وقد ودوا ان ذلك قد كان، ولا امكنهم ان يخرجوه من ان يكون من الطلقاء وأبناء الطلقاء.
وانظر الى الشعراء الذين هجوا رسول الله ﷺ من قريش ومن غيرهم، ومن الكتب التي وضعها الملحدة وطبقات الزنادقة، كالحدّاد، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، والحصري، وآمالهم في الطعن في الربوبية وشتم الانبياء صلوات الله عليهم وتكذيبهم، فإنهم وضعوها في ايام بني العباس وفي وسط الاسلام وسلطانه والمسلمون اكثر مما كانوا إذ ذاك وأشد ما كانوا ولهم القهر والغلبة والعز، والذين وضعوا هذه الكتب أذلّ ما كانوا، وانما كان الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيا وهو خائف يترقب، ويخفي ذلك عن اهله وولده، ولا يطلع عليه الا الواحد بعد الواحد ممن هو في مثل حاله في الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في ادنى مدة ويظهر حتى يباع في اسواق المسلمين، ويعرفه خاصتهم وعامتهم، ويتحدثون به ويتقولونه ويذكرونه وقد غمّهم ذلك وساءهم، وودوا ان ذلك لم يكن.
وكذا ما كان/ بالبحرين من ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي «١» وولده،
_________
(١) كبير القرامطة ومعلن مذهبهم، كان دقاقا من اهل جنابة بفارس ثم انتقل الى البحرين-
وما كان من ابي القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان النجار الكوفي بجبال لاعة وعدن لاعة من ارض اليمن، وما كان من ابي الحسين محمد بن الفضل «١» بجيشان والجند والمذيخرة من ارض اليمن، وما كان لعبيد المتسمي بعبيد الله المهدي «٢» بأرض المغرب، وما كان بمن بعده من هذه الطوائف فإنهم كلهم لما تمكنوا وقد كانوا في اول امرهم يتسترون بالتشيع، فلما ظهروا وصاروا في جماعات وعساكر أغاروا على من جاورهم وقرب منهم، فشتموا الانبياء واستنجوا بالمصاحف، وسبوا المسلمات والعلويات، وغزوا مكة. وكان غزو مكة لقرامطة البحرين خاصة من ولد ابي سعيد، وغدروا بالحجاج بعد ان امنوهم، ولهم في قصد الاسلام ومكاره المسلمين ما هو معلوم ومكتوب. وكل ذلك مما قد ضرّ المسلمين وكرهوه، وودوا ان ذلك لم يكن، ثم هم يذكرون ذلك ويتقوّلونه ويدونونه، فتعلم ان الدول والممالك والقهر والغلبة لا تغطّي على الامور التي قد كانت ووقعت، وأن العقلاء لا يحدثون انفسهم بكتمان معايبهم التي قد كانت وتحصلت وعلم بها الناس مرة واحدة، ولا يحدثون انفسهم بكتمان مناقب اعدائهم وإن ساءهم وغمهم.
_________
- تاجرا، وجعل يدعو الى نحلته، ظفر على عدة جيوش للخلفاء العباسيين ثم صالحه المقتدر. استولى على هجر والاحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين. قتله خادم له صقلبي سنة ٣٠١ هـ. مرآن الجنان ٢: ٢٣٨ والاعلام ٢: ١٩٩.
(١) انظر كيفية اتصال احمد بن عبد الله القداح بمحمد بن الفضل هذا وتأثيره عليه وجلبه لصفه في الكامل لابن الاثير حوادث سنة ٢٩٦.
(٢) هو عبيد الله بن محمد الملقب بالمهدي، مؤسس دولة العلويين في المغرب وجدّ الفاطميين في مصر، في نسبه خلاف كثير. ولد بسلمية، وكانت دعاة ابيه قد مهدوا له الامر بالمغرب، بويع بالقيروان سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٢ هـ. ابن الاثير الجزء الثامن حوادث سنة ٢٩٦ وما بعدها.
يزيدك علما بذلك ان للفرس والروم والهند محاسن ومناقب لا يسترها أعداؤهم من المسلمين ولا يكتمونها وإن ساءتهم، وكذا ما للمسلمين والعرب من المحاسن والمناقب لا يدفعها أعداؤهم من هذه الامم، ولملوك بني امية مساوىء وهفوات كانت مذكورة متداولة في ايامهم وفي سلطانهم، وكذا لملوك/ بني العباس، ولملوك بني امية محاسن لا يدفعها اعداؤهم من ملوك بني العباس.
فاعرف هذا الباب وأطل فكرك فيه لتعرف غلط الملحدة، وتعرف بطلان دعاوى الشيع ان الصدر الاول من المسلمين غيروا النصوص والقرآن، فبدّلوا ووضعوا ما لم يكن، ونسبوه الى النبي ﷺ، وأخذه عنهم التابعون، وصار فيمن بعدهم من العلماء وطبقات المتكلمين والفقهاء فظنوه دينا وليس كذلك. وأن هذه الحيلة قد تمت على المعتزلة والفقهاء وعلى اصحاب الحديث والمرجئة والخوارج، وخفي عليهم موضع الحيلة في ذلك، وأن سلطان ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ غطّى ذلك ومنع من ذكره، وأن عليّ ابن ابي طالب ﵁ لما ملك سلك سبيل الخلفاء وقبله وما امكنه إظهار تضليلهم الى ان خرج من الدنيا، لأن اعوانه وجنده كانوا شيعة ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلو أومى الى تضليلهم لقتلوه وأبادوه، فالحجة في بطلان دعاويهم هذه كالحجة على الملحدة وجميع اعداء رسول الله ﷺ. على ان هذا الطعن على السلف انما وضعه لهم الملحدة الذين قدمنا ذكرهم فلكلهم كتب في نصرة دعاوى الرافضة على المهاجرين والانصار، وهم خدعوهم ولقنوهم هذه المطاعن لفرط عداوتهم لرسول الله ﷺ، فتمت حيلتهم عليهم وهم لا يشعرون. على انهم لا ينفصلون عن مطاعن الملحدة على رسول الله ﷺ ما أقاموا على بدعهم هذه، والحجة عليهم اكثر
منها على كل مبتدع، كما ان الحجة على الشيع اكثر من هذا.
ثم عدت الى اليهود والنصارى فيما ادعوه من الصلب وغيره مما [قدمنا] «١» / فقيل لهم: إذا كان العلم بذلك قد شاع في الامم وعلمه العقلاء الذين سمعوا به [لكان] «٢» محمد ﷺ ومن كان في زمانه من الامم [الذين] «٣» صدّقوه واعتقدوا نبوته قد علموا ذلك لا محالة فكيف ادعى ان ذلك لم يكن، وهل يفعل هذا عاقل كائنا من كان، فكيف بعاقل يدعى النبوة والصدق ويريد من الامم كلها تصديقه واتباعه وهو اشد الناس حرصا على اجابتهم. وكيف اتبعته تلك الجماعات من قريش والأوس والخزرج واليهود والنصارى مع كثرتهم في جزيرة العرب، وهم يسمعونه يكذب ويبهت وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذب في ذلك، وهذا لا يكون مثله ولا يقع من العقلاء. ومن تدبر الأمور يعلم جهل من ادعى علم اليهود والنصارى بما قدمنا بأدنى تأمل، وكيف لم يجر في هذا قول معه فيقول له اعداؤه من قريش وغيرهم: ادعيت الصدق والنبوة ثم كذبت الكذب الظاهر وبهتّ الأمم البهت المكسوف، فقلت:
المسيح لم يقتل ولم يصلب، وهذه الامم كلها تعلم ذلك علما لا يرتاب به كما تعلم ان موسى وعيسى كانا في الدنيا، ومن كانت هذه سبيله لم يصدقه عاقل ولم يكن له رئاسة، وكيف لم يقولوا لمن اتبعه: يا هؤلاء، اكفرتم آباءكم، وضللتم اسلافكم، وانفقتم اموالكم، وعاديتم ملوك الارض وجبابرتها وجميع الامم، وسفكتم دماءكم في طاعة كذاب قد عرفتم كذبه وبهته.
وقد قيل لبعض مجادلي اليهود ونظارهم ممن قد قرأ الكتب، واكثر الاختلاف الى العلماء وكتب كتبهم، وادعى انه يتقدم على/ علمائهم من اهل
_________
(١) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٢) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٣) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
عصره: أليس انما يعرف الاخبار من تأخر عمن تقدم؟ فقال: بلى، قالوا له: أليس اليهود الذين كانوا مع محمد ﷺ وفي زمانه قد علموا ان موسى قد قال إن شريعته مؤبدة؟ فقال بلى: فقيل له: فلم لم يقولوا لمحمد انت قد زكيت موسى وصدقته ووثقته وهو قد قال ووصى بأن شريعته مؤبدة؟
وفي هذا كفاية في كذبك وبطلان قولك، وهذا امر ظاهر بيّن يستدركه رعن النساء فضلا عن عقلاء الرجال، فأين كانوا عنه وقد خرجوا معه وفي عداوته الى شدائد الامور، من شتمه وهجوه والغدر به ومساعدة قريش في محاربته وبذل الاموال والمهج في مكارهه؟ فقال: قد قالوا ذلك له وأقاموا الحجة به عليه، فقيل له: من اين لك العلم بهذه الدعوى؟ فقال: قد علمت ذلك، فقيل له: فلم لم يعلمه خصومك كما علمته؟ فقال: مجّته الاسماع، فقيل له: ما تزيد على الدعاوى: فإنك ادعيت ان ذلك قد كان، فقيل لك من اين لك العلم به ولم لا علمه خصومك؟ فادعيت ان الاسماع مجّته، فانتقلت من الدعوى الى دعوى، وقرنت الدعوى بدعوى، ولا فرق بين دعواك هذه وبين دعوى من ادعى ان اليهود حين قالوا هذا له أحيا الله موسى وهرون وأظهر على ايديهما الآيات والمعجزات فكاشفا محمدا وشافهاه وأقاما الحجة عليه بمشهد من اليهود ومن اصحابه، وان ذلك قد كان وعلم ولكن مجّته الاسماع، فما اتى بشيء.
واعلم ان اقوى حجج اليهود هو دعواهم ان موسى نص على ذلك ووصى به وقد مر/ لك الكلام عليه من غير وجه فما يحتاج في الرد على اليهود اكثر منه.
فإن قيل: فأنتم قد طالبتم هذه الطوائف التي ادعت هذه الدعاوى وادعت العلم بها، فقلتم لليهود والنصارى: لو كان علمكم بالصلب لهذا الشخص
قد حصل لكم بإخبار جماعات كثيرة شاهدت ذلك لعلمنا ذلك بخبركم وبسماعنا منكم كما علمتم بإخبارنا لكم قتل جعفر وحمزة وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقلتم: لو نصّ موسى النص الذي تدعونه وكنتم قد علمتم ذلك بإخبار الجماعات لكم لعلمنا ذلك بخبركم كما علمتم بإخبارنا اياكم عن نبينا ان شريعته مؤبدة. وقلتم للامامية وطبقات الرافضة: لو كان النبي نص على ما تدعون ووصى امته بذلك وفرضه عليهم، وكان اعتقادكم لذلك علما حصل لكم من قبل الجماعات التي اخبرتكم بذلك، لعلمنا ذلك باخباركم إيانا وسماعنا منكم كما علمتم وعلمنا نص عمر على اهل الشورى، وكما علمتم وعلمنا نص اهل المدينة على الامام علي رضى الله عنه بالخلافة بعد عثمان، وكما علمتم وعلمنا نص ابي بكر على عمر، ونصّ معاوية على يزيد، ونص عبد الملك على الوليد، ونص المنصور على المهدي، فلم لا علم اليهود والنصارى والرافضة ان هذه الامور لم تكن كما علمتم.
قيل له: لو كانت، لجاءت مجيء امثالها مما ذكرناه وتحصّل العلم بها لنا كحصوله في تلك الأمور، وإنما يعلم ان ذلك لم يكن بما يستدل به كما استدللنا، ومن لم يستدل جاز ان يعتقد ان ذلك قد كان وإن لم يكن لتركه النظر والاستدلال، ويكون اعتقاده لذلك ليس بعلم وخبره ليس بصدق وإن ظنه علما وصدقا.
ولسنا ندّعي على هذه الطوائف انها كلها/ قد علمت وكابرت، وهذا يكون الاصل فيه ان يخبر به الواحد والاثنان او النفر القليل، فيقولون:
أخذنا هذا عن جماعات كثيرة فيصدقهم من سمعهم وبحسن الظن بهم، ويأتي «١» من بعد هؤلاء فيصدقهم، ويكثر من يعتقد ذلك، ويقول: من
_________
(١) في الاصل: ويأت
قبلي قد اخذ هذا عن جماعات، فتكثر اهل هذه الدعاوى بعد ذلك ويغترون بكثرتهم.
وربما كان اصل المقالة تأويل آية من كتاب او من قول من يقتدى به فيعتقد التالي له انه نص فيقول: قد نص موسى او عيسى او محمد صلى الله عليهم على كذا في آية كذا في يوم كذا ويذكر ذلك القول. وذاك القائل ما اراد بقوله ما أراده هذا المتأول ولا قصد قصده. مثل ما اولت القرامطة في قوله ﵎ «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «١»» قالوا: فقد أخبر أن من دخل مكة يأمن من القتل والخوف ونحن نرى الناس فيه يخافون ويقتلون، فقد ظهر كذبه، فإنا قد قتلنا المسلمين فيه، ولكن اتباع محمد ﷺ حمير لا يعقلون «٢» . والله ﵎ ما اراد ما ظنوا، ولا هذا خبر وإن كان لفظه لفظ الخبر، وإنما هو امر بأن من دخله فينبغي ان يؤمن ولا يخاف ولا يحل لأحد ان يخيفه. وهذا مثل قوله «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ «٣»» وما اشبهه، فإن ظاهر هذا الخبر ومعناه الامر، أي يجب على المطلقة ان تتربص، وعلى الوالدة ان ترضع. ولكن الباطنية يقصدون البوادي والعجم ومن لم يشتغل بالعلم فيخدعونه بأنواع الخدائع، ويحلفونهم على كتمان ما يسمعون، فيغترون بهم. وهم افسدوا من بالبحرين، وكان ابتداء امرهم معهم التشيع، ثم رقوهم درجات الى ان جاؤوهم وجاهروهم/ بتكذيب الانبياء، فصار بتلك النواحي عداوة الاسلام مناكدة الى هذه الغاية.
ولإفراط جهل هؤلاء ما تم عليهم، وإلا ففي نصّ القرآن جواز القتل
_________
(١) آل عمران ٩٧
(٢) ان القاضي كعادته يستعرض أقوال الخصوم وافتراآتهم مهما كان فيها من إيذاء للمسلمين ليردّ عليها بعد ذلك.
(٣) البقرة ٢٢٨
في المسجد الحرام. أما تسمع قوله ﷿ «وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» «١» فأي شأن أبين من هذا.
ومثله قوله ﷿: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» «٢» وقد قتل قوم ممن آمن بالنبي ﷺ قبل الهجرة وقتل فيه منهم قبل الفتح، وقد قتل هو ﷺ يوم الفتح فيه قوما، والأمر في ذلك ظاهر، ولا يذهب مثل هذا إلا على الغاية في الغافلة. فإن كان الامر على ما ظنه هؤلاء الجهال، فكيف لم تقل قريش والعرب واليهود والنصارى وأعداء رسول الله الذين كانوا معه وهم في طلب عثرة تكون له مثل ما قاله هؤلاء الجهال وأنكروا عليه ذلك.
ومما قاله هؤلاء الزنادقة ايضا: أن محمدا قد رجع عما كان يدّعيه من اليقين في امره وأظهر الشك بقوله في كتابه: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «٣» وقال: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٤» .
فقيل لهم: إن كان أفاد بهذا الذي ظننتم، فلم لا كان أعداؤه من قريش والأعراب واليهود والنصارى انكروا ما انكرتم؟.
وكذا نقول لمن قال: إن اصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم ارتد وابعده، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال من نصّ القرآن لأنه قال: «أَفَإِنْ ماتَ
_________
(١) البقرة ١٩١
(٢) البقرة ٢١٧
(٣) الاحقاف ٩
(٤) يونس ٩٤
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» «١»، فيقال له: انت اسوأ حالا في هذا من اولئك، لأن هذا ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وانما ظاهره الاستفهام، والله لا يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وانما المراد به التثبيت والتنبيه كما قال:
«وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» «٢» اي لا يخالدون ولا ينبغي/ لهم الخلود، وكذلك اولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم ان يرتدوا. ولما قال بعض المبتدعة بالتشبيه، وتأولوا النصوص قلنا لهم هذا.
وقد كثرت البدع والكذب على الانبياء بما لم يقولوه ولا أرادوه، ويدعون المبتدعة أن لهم سلفا امثالهم حتى يتصلوا بالانبياء فتغرهم كثرتهم وتغرهم زعماؤهم.
على ان النصارى لو رجعت الى أخبارها والى ما في أناجيلها الأربعة لعلمت أن المقتول المصلوب غير المسح، اذا كانت هذه الأناجيل معولهم.
لأنهم لما انتهوا الى ذكر المقتول المصلوب والصلبوت قالوا: إن اليهود «٣» قصدوا في خميس الفسح الى هيريدس صاحب فيلاطس ملك الروم، وقالوا:
هاهنا رجل منا قد أفسد أحداثنا وغرّهم ولنا عليك في الشرط ان تمكننا ممن هذه سبيله لننفذ حكمنا فيه؛ فقال لأعوانه: اذهبوا مع هؤلاء فهاتوا خصمهم، فخرج الاعوان مع اليهود فصاروا بباب هذا السلطان، فأقبل اليهود على الأعوان فقالوا لهم: هل تعرفون خصمنا فقالوا: لا، فقال اليهود
_________
(١) آل عمران ١٤٤
(٢) الانبياء ٣٤
(٣) جاء في الحاشية: «في كيفية صلب اليهود رجلا على انه المسيح»
ولا نحن نعرفه، ولكن امشوا معنا فإنا لا نعدم من يدلنا عليه.
فمشوا، فلقيهم يهوذا سرخوطا وكان احد خواص المسيح وثقاته وكبار اصحابه واحد الإثني عشر، فقال لهم: أتطلبون يسوع الناصري قالوا:
نعم، قال: فمالي عليكم إن انا دللتكم عليه؟ فحلّ بعض اليهود عن دراهم كانت معه فعد ثلاثين درهما وسلمها اليه وقال: هذه لك. فقال لهم: هو كما قد علمتم صديقي وأستحي ان اقول هذا هو، ولكن كونوا معي وانظروا الى الذي اصافحه وأقبّل رأسه، فاذا أرسلت يدي من يده فخذوه.
فساروا معه وقد كثر الناس ببيت المقدس واجتمعوا اليه لإقامة هذا العيد من كل مكان فصافح يهوذا سرخوطا رجلا وقبّل رأسه/ وأرسل يده من يده وغاص في الناس، فأخذه اليهود والاعوان، فقال المأخوذ: ما لكم ولي؟
وجزع جزعا شديدا؛ فقالوا له: السلطان يريدك، فقال: مالي وللسلطان؟
فجاؤا به فأدخلوه على هيريدس وقد طار عقله خوفا وجزعا وهو يبكي فما يملك نفسه، فرجمه هيريدس لما رأى به من الخوف، فقال لهم: خلوا عنه، واستدناه واقعده وبسطه وسكّن منه وقال له: ما تقول فيما يدّعي هؤلاء عليك من انك المسيح ملك بني اسرائيل، هل قلت هذا او دعوت اليه؟
فأنكر ان يكون قال هذا او ادعاه ومع هذا فما يسكن قلقه، وهيريدس يسكّنه ويقول له: اذكر ما عندك [من حجة «١»] إن كان لك، فلا يزيد على إنكاره وانه لا يقول ذلك، وانهم هم الذين يقولون ذلك لا هو، وانهم قد ظلموه بهذه الدعوى وتقوّلوا عليه، فقال هيريدس لليهود: ما أراه
_________
(١) في الاصل: وحجة، ولعل الصواب ما اثبتناه
يوافقكم ولا يقول ما تدعونه وما أراكم إلا متقولين عليه ظالمين له، هاتم الطست والماء لأغسل يدي من دم هذا الرجل.
ووجه فيلاطس ملك الروم الكبير الى هيريدس يقول له: بلغني ان اليهود رفعوا اليك خصما لهم فيه أرب ومعرفة فأنفذه الي لأفاتحه وأنظر ما عنده، فأنفذه اليه؛ فأدخل على فيلاطس وهو في حالة من الجزع والخوف والفلق، فسكّنه الملك وسأله عما ادعاه عليه اليهود من انه المسيح، فأنكر ان يكون فال ذلك ولم يزل يسائله ويباسطه ليذكر ما عنده وما معه وليسمع منه حكمة او يستفيد منه أدبا او وصية فما وجد عنده شيئا، ولا زاده على القلق والخوف والجزع والبكاء والانتحاب فرده الى هيريدس وقال له: ما وجدت في هذا الرجل ما قيل فيه وما عنده خير، ونسبه الى النقص/ والغباء، فقال هيريدس: الآن هو الليل فاذهبوا به الى الحبس، فذهبوا به.
فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه تلك الشهرة، وعذّبوه ونالوه بأنواع العذاب، ثم ضربوه في آخر النهار بالسوط، وجاؤوا به الى مبطخة ومبقلة «١» وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بسرعة، وما زال يصيح بأعلى صوته وهو مصلوب على خشبة: يا إلهي اخذلتني؟ يا إلهي لم تركتني؟
الى ان مات. وان يهوذا سرخوطا لقي اليهود وقال لهم: ماذا صنعتم بالرجل الذي اخذتموه امس؟ قالوا: صلبناه، فتعجب من هذا واستبعده، فقالوا له:
قد فعلنا، وإن اردت ان تعلم ذلك فصر الى المبطخة الفلانية، فصار الى هناك، فلما رآه قال: هذا دم بريء، هذا دم زكيّ، وشتم اليهود، وأخرج الثلاثين درهما الذي اعطوه دلالة فرمى بها في وجوههم وصار الى بيته
_________
(١) المبطخة مكان البطيخ، والمبقلة مكان البقل
فخنق نفسه «١» .
_________
(١) نثبت هنا ما جاء في الاناجيل حول ما عرضه القاضي من تسليم يهوذا للمسيح، والاشارة التي اعطاها لهم ليتعرفوا عليه، وما جرى بعد ذلك من اخذه الى هيرودس وبيلاطس، وما دار بين السيد المسيح وهؤلاء من حديث، ولا نريد ان نعلق على ما نورده وانما سنكتفي بوضع هذا كله امام القارىء ليقارن ويتدبر. ما ورد حول تسليم يهوذا للمسيح: «حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر (اصحاب المسيح) الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي الى رؤساء الكهنة وقال: ما تريدون ان تعطوني وأنا اسلمه اليكم، فجعلوا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه» . متى، الاصحاح ٢٦، الفقرات ١٤ و١٥ و١٦. «ثم ان يهوذا الاسخريوطي واحدا من الاثني عشر مضى الى رؤساء الكهنة ليسلمه اليهم، ولما سمعوا فرحوا ووعدوه ان يعطوه فضة» مرقس، الاصحاح ١٤ الفقرات ١٠ و١١. ومثل ذلك في انجيل لوقا، الاصحاح ٢٢ فقرات ٣ و٦٥: «وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع هناك كثيرا مع تلاميذه. فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح. فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم: من تطلبون؟ اجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: انا هو، وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم. فلما قال لهم اني انا هو رجعوا الى الوراء وسقطوا على الارض. فسألهم ايضا من تطلبون فقالوا: يسوع الناصري، فأجاب يسوع: قد قلت لكم اني انا هو فان كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون» يوحنا، ١٨: ١- ٨. وأورد انجيل لوقا حادثة القبض على المسيح على النحو التالي: «وبينما هو يتكلم اذا جمع والذي يدعى يهوذا واحد من الاثني عشر يتقدمهم فدنا من يسوع ليقبله فقال له يسوع: يا يهوذا بقبلة تسلم ابن الانسان. ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه كأنه على لص: خرجتم بسيوف وعصي. اذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علي الايادي ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة» . لوقا، الاصحاح ٢٢: ٤٧- ٥٣. مع بيلاطس وهيرودوس: «فقام كل جمهورهم وجاؤا به الى بيلاطس. وابتدؤوا يشتكون عليه قائلين: انا وجدنا هذا يفسد الامة ويمنع ان تعطى جزية لقيصر قائلا انه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس: انت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: انت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: اني لا أجد علة في هذا الانسان، فكانوا يشددون قائلين: انه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئا من الجليل الى هنا. فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليلي؟ وحين علم انه من سلطنة هيرودوس ارسله الى هيرودوس اذ كان هو ايضا ملك الايام في اورشليم. وأما هيرودوس لما رأى يسوع فرح جدا لأنه كان يريد من زمان طويل ان يراه لسماعه عنه اشياء كثيرة وترجى ان يرى آية تصنع منه وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد فاحتقره هيرودوس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسا لامعا ورده الى بيلاطس ... فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب-
فانظر كم في هذا من عجب:
منها إقرار اليهود والروم انهم ما عرفوه، واخرى ان الذي دلّ عليه لو كان ظاهر العدالة لما عرف بخبره ولا بشهادته شيء، واخرى جزعه وقلقه وإنكاره، ولو كان هو المسيح لأخبر بذلك ولقال: انا هو الذي بشّر بي الانبياء، وانني كذا وكذا، سيما والحاكم بينه وبين اليهود ملك الروم وهم اعداء اليهود، وكان قد اقام الحجة عليهم، هذا لو كان نبيا «١»، فكيف وهو عند النصارى إله، فإن الانبياء يبدؤون الدعوى والحجة عند من لم يسأل ذلك فكيف بمن يسأل ويرغب اليهم.
وأخرى ان يهوذا سرخوطا قال: هذا دم بريء، وبرىء منهم ورد الدراهم ورجع الى بيته وقتل نفسه ندما على ما كان منه. فقلنا للنصارى:
فكم في هذا من دلالة على ان المقتول المصلوب غير المسيح، فأنتم لا الى/ حجج العقول ترجعون، ولا الى ما كتبتم وسطرتم تتدبرون، ولا على ما نعلم تعولون، ولكنكم تمشون مكبّين على وجوهكم.
وفي الانجيل معهم ان المسيح اخذ صندوقا يخزن فيه الذهب والفضة وكان خازنه يهوذا سرخوطا الساعي به، وان امرأة زانية اهدت اليه طيبا
_________
- وقال لهم: قد قدمتم الي هذا الانسان كمن يفسد الشعب وها انا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الانسان علة مما تشتكون به عليه ولا هيرودوس ايضا. لوقا، الاصحاح ٢٣: ١- ١٥. «وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ألوي ألوي (وفي انجيل متى ايلي ايلي: اي الهي الهي) لم سبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا: هو ذا ينادي ايليا (وفي انجيل يوحنا: انا عطشان) فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه» .. مرقس، ١٥: ٣٣- ٣٥.
(١) في الاصل: نبي
قيمته ثلثمائة دينار، وجعلت تمسح به قدميه وتمسح شعرها بأسفل قدميه، وان شمعن جاء وأنكر ذلك عليه، وقال: هذا سرف وفساد، وكان ينبغي ان تتصدق بثمن هذا على الفقراء «١» .
ولهذا ما قالت طائفة من اليهود ان يسوع «٢» بن مريم هذا الذي يعتقد المسلمون والنصارى ربوبيته الذي صلب وقتل هو ابن يوسف النجار، وهو رجل من اليهود برّ تقيّ صارت له رئاسة في اليهود، فحسده بعضهم للرئاسة وسعى به وأذلّه الى ان قتل مصلوبا. وهو ما ادّعى ما يقوله النصارى ولا ما يقوله المسلمون من انه المسيح وانه نبي. قالوا ألا ترون انه قد سئل عن ذلك عند هيريدس وعند فيلاطس وأنكر ذلك كله، ولو كان نبيا لاحتج بحجة وآيات، والبشارات به وأنه مولود من غير ذكر.
قالوا: ومما يؤكد هذا، ان النصارى قد كتبت في اناجيلهم ان يسوع هذا قال لأصحابه: ما يقول الناس فيّ؟ قالوا: منهم من يقول: إنك إليّا ومنهم من يقول: انك يوحنا الصائغ، قال: فأنتم اصحابي ما تقولون فيّ ومن انا عندكم؟ قالوا: الذي عندنا انك المسيح، قال: لا تقولوا هذا.
قالت هذه الطائفة من اليهود: أما ترونه قد نهاهم ان يقولوا «٣» انه المسيح، فما الذي يبقي بعد هذا من البيان. قالوا: وقد خاصمه اليهود ثلاث سنين، ورفعوه الى الملوك فما حصل عليه إقرار انه ادّعى انه المسيح
_________
(١) انجيل متى الاصحاح السادس والعشرون.
(٢) ورد اسم المسيح ﵇ على اشكال متعددة، فقد رسم اسمه احيانا: ايسوع، واحيانا يشوع واحيانا اخرى ليسوع، وقد اثبتناها جميعا يسوع لشهرة هذا اللفظ.
(٣) في الاصل: يقولون
ولا انه نبيّ، ولا شهد عليه بذلك وليّه/ ولا عدوّه. والآيات والمعجزات التي تدعيها النصارى له لا أصل لها ما ادعاها هو ولا احد من اصحابه في زمانه ولا في الفرق الذين يلونهم، وإنما ادعي له ذلك بعد مضيه ومضيّ أصحابه بالأزمان والأحقاب، كما ادعت النصارى ذلك لبولص اليهودي «١» وهو معروف الحال والحيل والكذب والسقوط، وكما ادّعوا ذلك لجورجس «٢» والابامرقس «٣»، وكما يدّعونه في كل زمان لرهبانهم ورواهبهم وكله لا أصل له. فاحفظ رحمك الله هذا فانه يؤكد الحال في ان المسيح لم يصلب، وأن المصلوب غيره صلى الله عليه، وهو شديد على النصارى من كل وجه.
وفي الانجيل ان المسيح كان قائما في ناحية في موضع الصلب، وأن مريم ام المسيح جاءت الى الموضع فنظر اليها المصلوب فقال لها وهو على الخشبة:
هذا ابنك، وقال للمسيح: وهذه امك، وأن مريم اخذت بيده ومضت من بين الجماعة «٤» .
وفي الانجيل ايضا ان المسيح مات من غير ان يمسه شيء، وفيه ان امرأة سامرية قالت للمسيح: انت رجل يهودي ونحن لا نسقي اليهود الماء، فقال
_________
(١) يقصد بولس، الشهير بالرسول في تاريخ النصرانية وقد مر سابقا.
(٢) يقصد مار جرجس، الذي تنسب له النصرانية عددا من الخوارق، وتعتبره كنيسة انكلتره حاميا لها وكذلك تفعل كنيسة روسيا. ويظن انه ولد في الرملة من فلسطين في النصف الاخير من القرن الثالث للميلاد ويقال انه مات سنة ٣٠٣ م. دائرة معارف البستاني ٦: ٤٢٧
(٣) اسمه العبراني يوحنا، واسمه اليوناني مأخوذ عن الروماني مرقس، يقال انه ابن اخت برنابا اللاوي القبرصي، وتقول كتابات الآباء المسيحيين انه كان مترجما لبطرس. انظر القول الصريح في سيرة يسوع المسيح، ص ١٣ جورج فورد.
(٤) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩- ٢٦: «فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه: يا امرأة، هو ذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هو ذا امك» .
لها: صدقت ايها المرأة في جميع ما قلت.
وفيه أن المسيح قال لأصحابه: إن الكهنة والربانيين جلسوا على كرسي موسى وهم يفتونكم فاقبلوا منهم فتياهم ولا تعملوا مثل أعمالهم، فإنهم يقولون وما يعملون.
وفيه ان مريم المجدلانية ومريم الاخرى إنما امتنعتا من بعثة الطيب لسيدنا المسيح يوم السبت للسّنة في حفظ السبت.
وفيه ان المسيح قال: شبهت جلوس هذه القبيلة السوء بصبيان جلوس في السوق يناديهم اصحابهم: غنينا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا، اتاكم يحيى لا يأكل ولا يشرب/ فقلتم: لا يأكل ولا يشرب، وأتاكم من البشر اكول شروب فقلتم: اكول شروب يدخل بيوت الزناة ويجالس الخطائين.
وفيه انه مرّ «١» على شمعون الصفا فقال له: يا شيطان.
وفيه أنه قال لبني إسرائيل: يا حيّات، اولاد الافاعي، تقرؤون الكتاب ولا تعقلون، تغسلون خارج الإناء وداخله مملوءة قذرا، تطلبون البر والبحر والسهل والجبل صاحبا لكم، فلو أوجدتموه علّمتموه طرائقكم حتى يصير شرا منكم، فلا أنتم دخلتم ملكوت السماء، ولا تركتم الناس يدخلون ملكوت السماء اذ لم تدخلوا.
فإن قال قائل: لعمري قد تبيّن ان النصارى قد قالت في عيسى بن مريم ﵇: انه ليس بنبي ولا رسول لله ولا بعبد صالح، وانه إله
_________
(١) في الاصل مرة، ولعل الاصح ما اثبتناه
ورب وخالق ورازق، وان الله ثالث ثلاثة، وانه قتل وصلب. وقد قال صاحبكم في كتابكم: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» «١» فقالت النصارى: فهذا كذب، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في امه انها إله.
قيل له: ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق او كذب، وإنما قال «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» وليس هذا خبرا، ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا، وإنما ظاهر هذا القول الاستفهام والاستعلام، والله جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك، لأنه إنما يستعلم ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه، وإنما معناه التقرير لاستخراج الجواب من المسؤول. وهذا كقوله لموسى صلى الله عليه: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» «٢» وهو ﷿ اعلم بذلك من موسى. ولقوله لإبليس: «ما مَنَعَكَ/ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» «٣» واذ أمرك، وهو ﷿ اعلم من إبليس بالمانع له فقال للمسيح: هل قلت هذا في نفسك او في امك الوالدة لك وهي اخص الناس بك وأوجبهم حقا عليك وأجلهم عندك، لتتبين براءة ساحته ﵇ من كل وجه. فقد بطل ما ظنه السائل من ان هذا خبر وهذا جواب شاف كاف.
وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه، لأنهم قالوا إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته، وكل جوهر لا يقبل
_________
(١) المائدة ١١٦
(٢) طه ١٧
(٣) الاعراف ١٢، وقد اثبتت القراءتين: اذ امرتك واذ امرك
إلا ما في جوهره وسنخه «١» ولا يلد إلا ما في جوهره، وهذا جواب ثان بين نيران فيهم من قد صرح بذلك. وهذا بين في كتب البيعة الموجودة بكور الاهواز وغيرها من كور العراق بالقلم السرياني، وقد ترجم منه في رسالة كتبها عبد يسوع بن بهرين اسقف حران والرقة والمصيّر بعد ذلك مطرانا على الموصل والجزيرة الى قس يعقوبي يقال له بادوس: انت لا تنكر ان البتول الطاهرة إله كما تراه انت، بل إنسان كما نراه نحن» .
وهذا تصريح من هؤلاء بأن مريم إله والنسطورية تخالفهم في ذلك وتجادلهم، وهذا بيّن وانما ينكره من لا يعرف أقاويل النصارى وحقيقة النصرانية.
وعلى ان هذه الطوائف الثلاث منهم من يقول في مريم انها ام المسيح بن الله في الحقيقة ووالدته في الحقيقة، لا ام لابن الله الالهي، ولا والدة لابن الله غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا والد لابنها إلا الله، وان الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء/ لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، وانما اختصت بهذا لأنها حبلت بابن الله وولدت ابن الله الذي لا ابن له في الحقيقة إلا هو ولا ولد له إلا هو، وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب والد ابنها، وابنها عن يمينه. وهم يدعونها ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر وغفران الذنوب، وان تكون لهم عند ابنها ووالد ابنها سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا. فلو ان انسانا عظّم انسانا عشر هذا التعظيم وقال فيه عشر هذا القول لجاز في
_________
(١) السنخ: الاصل، ومن السن منبته، ومن الحمى سورتها
لغة العرب بل في كل لغة ان يقال قد اتخذه إلها. ألا ترى الى قول الله تعالى «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ «١»» وهم ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن قلدوهم، فحرموا عليهم الحلال فحرموه، وأحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وهذا دون ما قالوه في مريم.
وفي هذا المعنى قوله ﷺ: «تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة «٢»» لما غلب عليه حب ذلك وشغفه به صار كالعبد له، فلو لم يكن معنا تلك النصوص فيمن قال منهم إنها إله فكان معنا خبر ونص أنهم ما قالوا انها إله لجاز مع هذا التعظم ان يطلق، فكيف وما اخبر انهم ما قالوا انها إله، ولقد عظموها ورفعوها على الملائكة والأنبياء وقالوا فيها ما يقال في الإله، وسألوها ما يسأل الإله من العافية والكفاية في الدنيا والآخرة كما قد تقدم لك ذلك حتى ان اليعقوبية لتقول في مناجاتها لمريم ﵇:
يا مريم يا والدة المسيح كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا، والنسطورية تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويأنون مسألة اليعقوبية ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا/ يا والدة الله وقولوا يا والدة المسيح، فتقول اليعقوبية لهم: فالمسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في معنى هذا، ولكنكم أردتم ان تمخرقوا عند من لا يعرف هذا من قولنا وقولكم فتوهمونه انكم تتنزهون عن هذا وأنكم تقاربون المسلمين في التوحيد.
واعلم ان أفجاج النصارى يعتقدون ان الله اختار مريم لنفسه ولولده
_________
(١) التوبة ٣١
(٢) حديث تعس عبد الدينار، هداية الباري الى ترتيب احاديث البخاري ١: ٣١٤ في كتاب الجهاد باب الحراسة.
وتحظّاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته لها، وقد حكاه النظّام والجاحظ، وقال: إنما يفصحون بهذا عند من يثقون به. وقد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في «المعونة» وقال: اليه يشيرون، ألا ترى انهم يقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما والعقم آفة، وهذا قول جميعهم والى البضاع يشيرون. وانت تجد ذلك في كتاب «المعونة» «١» وفي كتاب الجاحظ على النصارى، وأظن ابا جعفر الإسكافي قد ذكر هذا في كتابه على النصارى، وكل من خالط الرهبان وأرباب البيع وطاولهم وأنسهم عرف ذلك منهم.
فإن قال قائل: ادعيتم ان هذه الطوائف قد خالفت المسيح في الأصول والفروع وقد عرفنا بما ذكرتم مخالفتهم له في الاصول فمن اين لكم انهم قد خالفوه في الفروع؟ قيل له: كان المسيح يتدين بالطهارة، وبغسل الجنابة، وبوجوب غسل الحائض، وهذه الطوائف لا تختلف بأن ذلك ليس بواجب، وان للانسان ان يصلي وهو غير مطهر وغير مستنج، ويصلي وهو جنب، ولا يختلفون في ان الجنابة والبول والغائط وغير ذلك لا يقطع الصلاة، وان المصلي له ان يصلي وهو يبول وهو يتغوط وهو يجامع وان كان الجماع في زنى، فما هذا شيء يقطع الصلاة ولا يفسدها/ بل الافضل عندهم ان يصلي وهو جنب وهو يتغوط ويبول ويضرط، لأن ذلك ابعد من صلاة المسلمين واليهود، وكل هذا خلاف صلاة المسيح.
وكان المسيح يقرأ في صلاته ما كان الانبياء وبنو اسرائيل قبله وفي زمانه، وفي زمانه يقرؤون من كلام الله ومن قول الله من التوراة ومن زبور داود،
_________
(١) المعونة: اسم كتاب لأبي الاخشيد وهو: احمد بن علي، يتكلم على مذهب المعتزلة، وله آراء خاصة يخالف بها الكثيرين منهم.
وهذه الطوائف من النصارى انما تقول في صلاتها كلاما قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، فجرى مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان، ينسبونه الى الذين وضعوه.
وهم يصلّون الى المشرق وما صلى المسيح الى ان توفاه الله إلا الى المغرب وبيت المقدس، وقبله داود والانبياء «١» بنو اسرائيل، وقد اختتن المسيح واوجب الختان كما اوجبه من قبله موسى وهارون والانبياء، وما صام هو واصحابه الى ان خرج من الدنيا الا اليوم الذي صامه بنو اسرائيل.
فأما هذه الخمسون يوما التي تصومها النصارى، وصوم نينوي، وصوم العذارى، فما صام شيئا منها قط، ولا اكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرّم فيه ما يحرمونه، ولا اتخذ يوم الاحد عيدا قط، ولا بنى بيعة قط، ولا عطل يوم السبت ساعة واحدة، ولا اكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن أكلته كما فعل الانبياء قبله.
والنصارى تزعم انه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين، وان الشياطين قالت له: اين نأوي؟ فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة، يعني الخنازير. وحرّم ذبائح من ليس من اهل الكتاب وحرم مناكحتهم، وسار في المناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الانبياء قبله، وليس عند هؤلاء النصارى على من زنى او لاط او افترى او سكر حدّ البتة ولا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة/.
وفي الجملة إن المسيح جاء لإحياء التوراة وإقامتها، وقال: إنما جئتكم
_________
(١) في الاصل: وبني
لأعمل بالتوراة وبوصايا الانبياء قبلي، وما جئت ناقضا بل متمما، ولأن تقع السماء على الارض ايسر عند الله من ان تنقض شيئا من شريعة موسى، ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك الى ان خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم. وما زال اصحابه بعده على ذلك وكذلك، ثم الذين بعد القرن الاول من اصحابه، ثم من بعدهم بالدهر الطويل. ثم اخذوا في التغيير والتبديل، والبدع في الدين، وطلب الرئاسة، والتقرب الى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم وإن كان فيه ترك الدين. وهذا بين في الاناجيل التي معهم وإليها يرجعون، وفي كتابهم المعروف بكتاب افراسكس «١»، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا انطاكية وغيرها من الشام؛ فدعوا الناس الى سنة التوراة، والى تحريم ذبائح من ليس من أهلها، والى الختان، والى اقامة السبت، والى تحريم الخنزير، والى ما حرمته التوراة. وان ذلك شق على الامم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس، وتشاوروا فيما يحتالون به على الامم ليجيبونهم ويطيعونهم، فأوجب رأيهم مداخلة الامم والترخص لهم والانحطاط في اهوائهم، وترك مخالفتهم، والاختلاط بهم، والأكل من ذبائحهم، والتخلق بأخلاقهم، وتصويبهم فيما هم عليه. وانشؤوا في ذلك كتابا. وقد قال بولس في الكتاب الذي يسمونه السليح: انا قلت لهم الى كم تهودون الناس؟
وقال في السليحين: كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا،
_________
(١) اي كتاب الحواريين، انظر الفهرست ص ٤١
ومع الارمائي ارمائيا «١» . وبولس هذا عندهم اجلّ من موسى وهارون وداود وجميع الانبياء، وإذا قرئت رسائله وكلامه في البيعة قاموا قياما اعظاما واجلالا له ولكلامه؛ ولا يفعلون ذلك بالتوراة التي هي عندهم كلام المسيح وهو كتبها لموسى وأرسله الى خلقه وخلق له البحر وقلب له العصا حية، ولا في الاناجيل وفيها كلام المسيح. وهو يقول لليهود: التوراة سنة حسنة لمن عمل بها، ويقول للروم وغيرهم من اعداء موسى والأنبياء:
التوراة مهبجة للبشر، وإذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله وتمّ فضله، هذا كله مع النصارى وأعظم منه وأفحش. وقد عملوا عمل المسيح بالتوراة ووصيته الناس بالعمل بها.
انظر كيف ينسلخ الناس من العمل بشرائع الانبياء الذين يدعون انهم عليها ويخرجون منها، واعتبر وكن على حذر، فقد بدت هذه السيرة في هذه الأمة، فكم فيهم ممن قد عطل وصايا النبي ﷺ ونبذ سنته وهجر كتابه لأنه زعم انه مغير مبدل، وآخر يقول له باطن غير ما عليه الفقهاء والعلماء، الى غير ذلك من انواع البدع التي قد نشأت في الاسلام وغلب اهلها بالكثرة اهل الحق فيبدعونهم ويسبونهم وينفروا عنهم، وهكذا تتغيّر ملل الانبياء ﵈ ويموت العلم، كما قال رسول الله ﷺ: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يموت العلم بموت العلماء، فاذا ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» «٢» . / ثم
_________
(١) على هامش الصفحة كتب: «الأرمائي من يعبد الكواكب والأوثان» بخط مختلف عن خط الاصل، ويظهر انه خط ناسخه، او المعلق عليه.
(٢) كتب الناسخ على هامش الصفحة: «قال رسول الله ﷺ: ان الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الرجال الى آخره» والحديث في الجامع الصغير (شرح المناوي) ٣: ٢٧٢ رواه الامام احمد في سنده والبخاري ومسلم والترمذي وابن باجه عن ابن عمرو باسناد صحيح.
المستأكلة ومن تكسب بالدين، وقد قال الله ﷿: «يا ايها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله» فهؤلاء العباد وهؤلاء العلماء وقد عرفك الله حال كثير منهم، فكيف بمن ليس بعالم ولا عابد. فاحذر كما حذرك الله، واقبل وصية رسول الله ﵇.
واعلم ان دين المسيح وديانات الرسل ﵈ لم تتغير ولم تتبدل جملة واحدة ولكن شيئا بعد شيء، وفي كل عصر وفي كل حين حتى تكامل تغيرها، وما زال اهل الحق فيها يقلون وأهل الباطل يكثرون حتى غلبوا ومات بهم الحق. فكان اصحاب المسيح بعده مع اليهود وبني اسرائيل في كنائسهم يقيمون صلاتهم وأعيادهم في مكان واحد وبينهم الخلاف في شأن المسيح، وكانت الروم تملكهم، وكانت النصارى تشكو اليهود الى ملوك الروم، وتبدي لهم الضعف الذي فيهم وتسترحمهم فيرحمونهم، وكثر هذا فكانت الروم تقول لهم:
بيننا وبين اليهود عهد ان لا نغير اديانهم، فلو خرجتم من أديانهم وفارقتموهم وصليتم الى المشرق كما نصلي وأكلتم ما نأكل واستبحتم مما نبيح نصرناكم وأعززناكم، ولم يكن لليهود عليكم سبيل بل صرتم اعز منهم.
قالوا: نفعل. قالوا فاذهبوا فهاتوا اصحابكم وهاتوا كتابكم. فجاؤا بأصحابهم فأخبروهم بما كان بينهم وبين الروم، وقالوا لهم هاتوا الانجيل وقوموا حتى نصير اليهم، فقال اولئك لهم: بئس ما صنعتم ولا يحل لنا ان نمكن الروم الانجاس من الانجيل وقد خرجتم انتم من الدين/ بإجايتكم الروم، ولا يحل لنا مخالطتكم، بل وجبت البراءة منكم ومنعكم من الانجيل والوصول اليه.
فوقع بينهم الخلاف الشديد. وعادوا اولئك الى الروم وقالوا لهم: أعدونا «١» على اصحابنا هؤلاء قبل اليهود، وخذوا لنا منهم كتابنا، فاستتر اولئك من الروم وفروا في البلاد. فكتب الروم فيهم الى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة العرب. فطلبوا، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا، واجتمع الذين أجابوا الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الانجيل إذ قد فاتهم، فتقرر رأيهم على أن ينشئو انجيلا. وقالوا إنما التوراة موالد الانبياء وتواريخ اعمارهم فنبني الانجيل على ذلك، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الانجيل ومما تحدث به النصارى عن المسيح. فكتب قوم انجيلا. ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا انجيلا، وكتبوا عدة أناجيل، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل. وكان فيهم الواحد بعد الواحد ممن يعرف امورا كثيرة في الانجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم، ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت، وهم يزعمون انها كانت ثمانين انجيلا، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها اربعة اناجيل لأربعة نفر عمل كل واحد في عصره انجيلا، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل انجيلا هو عنده أصح من انجيل غيره واقرب الى الصحة. ثم ليس فيها انجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة ابراهيم الخليل وسائر الأنبياء، بها تكلموا وبها نزلت كتب الله على هؤلاء وغيرهم من بني اسرائيل، وبها خاطبهم الله، فتركها هؤلاء. وقد قالت العلماء لهم: عدو لكم معشر النصارى عن اللغة العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله ﵈/ الى صائر اللغات حتى
_________
(١) هكذا في الاصل، لعلها: ساعدونا
ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ومكيدة وفرارا من الفضيحة. فقال الناس لهم: انما وقع العدول عنها لما قصده أصحابكم الأولون من الادّغال في المقالات، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة، وذلك ان العبرانية هم كانوا اهل الكتاب واهل العلم في ذلك الزمان، فغيّر هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها كلها لئلا يفهم اهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ولا يتم لهم. فعدلوا الى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها، وليس اهلها من اهل الكتاب، ولا لهم علم بكتب الله وشرائعه، كالروم والسريانيين والفرس والهند والارمن وغيرهم من الأعاجم، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة وتمام البغية في طلب الرئاسة من اولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين. ولولا دلك للزموا لغة ابراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البيّنة، وعليهم أنزلت الكتب، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني اسرائيل وكفرة اليهود اذا ادعوا بلسانهم، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها. فاعرف هذا فانه اصل كبير.
واعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان الله أنزل على المسيح انجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه، بل عندهم ان المسيح خلق الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وارسل اليهم الملائكة. وانما معهم اربعة أناجيل لأربعة نفر، كتب كل واحد منهم انجيله في زمانه، وجاء من بعده فما رضي انجيل غيره، وكان انجيله أولى. وهم يتفقون في مواضع ويختلفون/ في مواضع، وفي بعضها ما ليس في بعض، وهي حكايات قوم رجال ونساء من اليهود والروم وغيرهم انهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، وفيها من المحال والباطل والسخف والكذب الظاهر والتناقض البيّن شيء كثير. وقد تتبعه
الناس وأفردوه، واذا قرأه المتأمل عرف ذلك. وفيها شيء من كلام المسيح ووصاياه وأخباره قليل. فإنجيل منها عمله يوحنا، وانجيل منها عمله متى، ثم جاء بعدهما مرقس فما رضي بانجيليهما، ثم جاء بعدهم لوقا فما رضي بتلك الاناجيل فعمل انجيلا آخر، وكان عند كل واحد من هؤلاء ان صاحبه الذي تقدم وعمل انجيلا أنه قد ضبط أشياء وأخل بأشياء، وغيره اعرف واضبط.
ولو كان من قبله قد ضبط واصاب لما احتاج ان يعمل هو انجيلا آخر غير انجيل صاحبه، وليس احد هذه الاناجيل شرحا للآخر، كما يشرح من تأخر كتاب من تقدم فيحكي كلامه على وجهه ثم يشرحه. فاعرف هذا وانما وضعه لأن غيره قد قصر.
وعند هؤلاء الطوائف من النصارى ان هؤلاء الاربعة اصحاب المسيح وتلاميذه، وهم لا يعلمون ولا يدرون من هم ولا معهم في ذلك إلا الدعوى فقط، بل قد ذكر لوقا في انجيله انه ما رأى المسيح، فقال لوقا مخاطبا للذي عمل له انجيله وهو آخر من عمل من الاربعة: «عرفت رغبتك في الخير والعلم والأدب فعملت هذا الانجيل لمعرفتي ولأني كنت قريبا الى الذين خدموا الكلمة ورأوها» «١» . فهو قبل كل شيء قد أفصح بأنه ما رأى الكلمة- يعنون بالكلمة المسيح- ثم ادعى انه رأى من رأى المسيح، وليس هاهنا إلا دعوى بأنه رآهم ولو كان ثقة لما علم بخبره شيء، ومع هذا فقد ذكر ان انجيله أولى من انجيل غيره/. فلو تأمل النصارى لعلموا انهم ليسوا على شيء من هذه الأناجيل التي معهم، ولا معهم علم مما يدعيه اربابها
_________
(١) كتب الناسخ في الهامش: الاناجيل الاربعة
والواضعون لها، وان الامر في ذلك على ما ذكرنا. وهو معلوم مذكور في انصرافهم عن ملة المسيح الى مذاهب الروم وتغريرهم وتعجلهم المنافع بسلطانهم واموالهم.
وقد كان بولص هذا يهوديا خبيثا شريرا، ساعيا في الشر، ومعينا للأشرار، وثائرا في الفتن، طالبا للرئاسة والدولة، محتالا فيها بكل وجه، وكان يقال له وهو يهودي: شاؤول، وكان يعين على النصارى. ثم خرج عن بيت المقدس وغاب غيبة طويلة، وعاد الى بيت المقدس وأخذ يعين النصارى على اليهود ويقول لهم: قولوا كذا، واصنعوا كذا، وفارقوهم وقاربوا الامم التي تعادي اليهود. فقال له اليهود: كيف صرت نصرانيا وما الذي دعاك الى هنا؟ فقال: الله ﵎ دعاني الى ذلك، وكان من قصتي اني خرجت من بيت المقدس أريد دمشق، فأدركني الليل بظلمته رهبّت ريح عظيمة وذهب بصري، وناداني الرب وقال لي: يا شاؤول أتلاطم الأشقاء تؤذي اصحاب ابني؟ فقلت: يا رب قد تبت، فقال لي:
ان كان كما تقول فاذهب الى حاييم اليهودي الكاهن ليرد اليك بصرك، فذهبت اليه وخبرته، فمسح يده على بصري فسقط منه مثل قشور البيض وفلوس السمك، وأبصرت كما كنت، وان الله استدعاني اليه الى السماء، فأقمت عنده في السماء اربعة عشر يوما، ووصاني بأشياء كثيرة، وقال لي: فيكم أمورا قبيحة لا اقولها لكم «١» .
فسخر منه اليهود وتعجبوا من حمقه وقحته، وصاروا به الى صاحب
_________
(١) جاء في انجيل لوقا: «اذ كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الامور المتبقية عندنا كما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق، ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به» الاصحاح الاول ١- ٥
قيصر ملك الروم عليهم، وكانوا إذ ذاك/ مغلوبين مع الروم. فقالوا له:
أما تعرف شاؤول هذا؟ فقال: بلى، اعرفه بالشر وهو يجيئنا في السعايات بالناس. فقالوا له: انه قد ادعى كذا وكذا، وذكروا له ما قال. فاغتاظ الرومي منه وأمر به فبطح ليضرب، فقال له: اتضرب روميّا؟ فقال:
أو رومي انت؟ قال: نعم، انا على دين قيصر ملك الروم وبرىء من اليهودية، فكف عنه لدخوله في دين الملك، وقال له: هاهنا مركب يأخذ الى القسطنطينية وأنت رومي وعلى دين الروم، فكن هناك ان كنت كما تقول، فقال: افعل، أنفذني الى بلاد الروم. فصار الى القسطنطينية، وتردد الى الروم، ولزم باب الملك وأغرى الروم باليهود، وذكرهم عداوتهم لهم، وما صنع بنو اسرائيل بهم، ومن قتلوا منهم، وخوّفهم شر اليهود، وانهم لا يأمنون دولتهم والكرّة عليهم، وذكر لهم كثرة اموالهم.
ومن عادة الروم لا تحتجب نساؤهم عن الرجال، وتركب امرأة الملك في موكب الملك مكشوفة الوجه، وتخاطب الناس، وتأمر وتنهي، فتقرب بولس هذا اليها وخاطبها في شأن اليهود. ومن عادة الروم أن لا يحل للرجل ان يتزوج بأكثر من امرأة واحدة ثم لا يفرق بينهما طلاق ولا هرم ولا عيب من العيوب بوجه ولا سبب، ولا يحل له غيرها الى ان تموت.
ونساء الروم تبغضن ديانات الانبياء من بني اسرائيل لما فيها من إباحة الطلاق وأن للرجل ان يتزوج ما أطاق المؤونة.
فقيل الشاؤول: انت من امة هذا سبيلها، فقال: لا، وما يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة على احكام الروم، فنفق على النساء بهذا. وقرب من امرأة الملك فخاطبت الملك في غزو بين اسرائيل، وذكرت له ما يقول شاؤول، وسألته ان يسمع منه ففعل. وتقرب اليهم/ بأن تسمي بولص وهو
من اسماء الروم، والروم تكره الختان شديدا في الرجال والنساء، وتبعض الامم الذي تفعله. فقالوا لبولص في ذلك، فقال: نعم، هو ما ترون، وما يجب عليكم ختان، وإنما يجب على بني اسرائيل فانها امة قلفتها في قلوبها.
والروم تأكل الخنزير، فقال: ما هو حرام وما يحرم على الانسان شيء يدخل جوفه وإنما يحرم عليه الكذب الذي يخرج منه، وبنو اسرائيل لا تأكل ذبائح الوثنيين ومن ليس من اهل الكتاب والروم ليس كذلك، فصوّبهم بولص في هذا ونفق عندهم بكل شيء وما خالفهم في شيء، وكانت ديانات الروم اذ ذاك مننشرة أكثرهم يعظم الكواكب ويعتقد فيها انها تحيي وتميت وتنفع وتضر ولهم عندها هياكل وقرابين، ومنهم من كان على دين اليونانين من ان هذه الكواكب حية ناطقة رازقة وهي الأرباب، ويعتقدون صحة السحر، بالجملة إن دياناتهم كلها باطلة ضعيفة فاسدة. وكان بولص يذكر لهم فضل المسيح وزهده وانه كان مجاب الدعوة وكان يحيي الموتى، فكانوا يجتمعون اليه ويستمعون منه، وكان محتالا لا خبيثا، وكان الروم تصلي الى مشرق الشمس ولا ترى وجوب الوضوء ولا غسل الجنابة ولا الحائض ولا التوقي من البول والغائط والدم ولا تراه فحشا، وان الروم تزوج الوننيين وسائر الامم وبنو اسرائيل لا تفعل ذلك، فقالت الروم لبولص في ذلك، فقال: تزوج المؤمنة بالكافر فانها تطهره ولا ينجسها والولد بينهما طاهر. وقال: هذا انما تحرمه التوراة، والتوراة شر كلها واذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل برّ الله وتم فضله. فاختلع بولص من ديانات المسيح/ وصار الى ديانات الروم. فاذا تبينت الامر وجدت النصارى تروموا ورجعوا الى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا.
ثم قبل الملوك سعايات بولص باليهود واخذ برأيه فيهم، فصار اليهم وقتل
منهم القتل العظيم واخذ اموالهم واستصفاهم وعاد من عندهم بالرغائب، فقامت سوق بولص فيهم وازدادوا له حبا، وهذا الملك الذي غزا بني اسرائيل يقال له ططّس «١» . وقد كان للروم ملك يقال له بيلاطس خرج الى الشام بعد المسيح ﵇ وبعد اصحابه بالمدد الطويلة، وكانت له امرأة ببلاد الروم فماتت، فأراد ان يتزوج امرأة مكانها، ومن عادة الروم ان يعترض الرجل المرأة اذا اراد التزويج ويقلبها ويستقصي تفتيشها فإن صلحت له تزوجها، وان لم تصلح تركها. فوصف لبيلاطس امرأة بحران يقال لها هيلانة «٢» تكون في فندق بحرّان- والفندق هو الخان- فأشخصها وقلبها وارتضاها وتزوجها- وكانت نصرانية- فحظيت عنده، وسألته إعزاز النصارى والاحسان اليهم، فقال لها: إن اليهود يزعمون ان اصحابك هؤلاء اصحاب حيل وطلاب دنيا ورئاسة، فقالت: كذبوا، وانما اجيئك بهم لتراهم. فأنته بجماعة من الرهبان وقالت له: انظر اليهم والى مسكنتهم وضعفهم لتعلم كذب اليهود عليهم. فرحمهم ورقّ لهم وظن الجميل بهم، فأعزهم وصانهم ومكّن لهم في ممالكه بالشام وبلاد الروم، واحسن اليهم، فانبسطوا وكثروا واستطالوا على اليهود/. وكان لهذا الملك اولاد من المرأة التي كانت قبل هيلانة، وولد له من هيلانة هذه ابن يقال له قسطنطينوس.
وقد كان امر بولص عظم ببلاد الروم مع العامة والغوغاء واستهواهم بما يجري مجرى الرقى والطب والشعبذة والسحر، والروم الارمن تصدق بهذا كله وهي امة مفرطة الجهل بعيدة مما يستدرك بالفكر والنظر، يغلب عليها
_________
(١) وقد ارسل بولس الى تيطس رسالته المشهورة حوالي سنة ٦٥ م
(٢) في الاصل: هيلانية
الفدامة والبلادة سيما في العامة فهي لا تعرف إلا المهن والصنائع، وان كانت ملوكها تتقدم في ظاهر الحياة الدنيا وتدبير الملك. ففطن بعض ملوكهم لبولص وتصفج احواله وحصّله وعلم انه محتال ممخرق طالب دنيا ورئاسة، فأحضره وسأله عن الختان فذمه وذم اهله ومن يفعله فسأله عن المسيح هل اختتن؟ وهل كان مختونا؟ وهل كان اصحابه من الحواريين كذلك؟ قال:
نعم ثم كشف عنه فإذا هو مختون، ووجده قد ساعد الروم في دياناتها وهي خلاف ديانات المسيح واصحابه وانها كفر وضلال عند المسيح واصحابه، وقد كان اصحاب بولص في رجله داء الفيل وهو يدعي انه يطبّ ويبرىء فأمر الملك به فصفع وحلقت لحيته وصلب. فقال لهم: لا تصلبوني طولا كما صلب ربنا المسيح، ولكن اصلبوني عرضا. والملك الذي صنع هذا ببولص يقال له بيرن، ففترت النصرانية ببلاد الروم وانكسروا. وملك اولاد بيلاطس بعده، وانتهى الملك الى ابنه قسطنطينوس، وكان ظاهره على ديانات الروم غير ان والدته هيلانة هذه قد/ غذته بحب الصليب، وعودته عادة النصارى وما يقولونه في المسيح، وظهر في جسمه برص وكانت الروم لا تملّك عليها من به برص، بل كان محرما عندها تمليك البرص. فغمّه ذلك وأهمه وكتمه وانطوى على قمع الروم وصرفها عن هذا الرأي في كراهة تمليك البرص، وكانت تغزوهم امم فاتفق غزو السرجان والبربر إياهم فعبّا عساكره على هياكل الكواكب، وقصد الى مشيخة الروم والراسخين في ديانات الروم وانفذهم الى العدو، ولم يستظهر لهم على عدوهم بالمكائد والجواسيس كما يفعل الملوك ومن يدبر العساكر فتم عليهم ما يكرهون من القتل وانهزام من بقي فكان يظهر الحزن والكابة ويقول: قد استظهرنا وعبّأنا على هياكل الكواكب التي تعظمها وقد عظمتها آباؤنا قبلنا، وقربنا لها القرابين، وما نراها تنفعنا
ولا تغني عنا، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول، وانه ما ينبغي ان يعبد احد ما لا ينفعه، وهذا وقت الحاجة واوان الشدة فما تدفع هذه الكواكب عنا، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه. ثم قال: هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا، واخرج اليهم صليبا. واتفق موت امير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم، فقال هو ومن كان على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب. وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر/ اخف الكواكب سيرا، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا الى هذه الغاية.
ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب الى تعظيم الصلبان، وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين، وكانوا يعظمون الكواكب، ويدعون انها حية ناطقة، ويستطيلون على الناس، ويدلون على الملوك، ويدعون انهم أخص الخاصة، ولا يتكسبون، ويعتادون البطالة، ويعولون على اموال الناس، ويفسدون الأحداث ومن يصغي اليهم من ملك او سوقة، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ويضرون، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم، ويهولون بالهندسة والأشكال. وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله، وجد القوم محتالين ممخرقين ومفسدين، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم، وفي احراق كتبهم وابطال هياكلهم. فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي منها إلا حرّاث ودبّاغ وصبّاغ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا، وأسكنها الرهبان وقال: هؤلاء المساكين أرجى من اولئك الجهال الممخرقين الكذابين، وسلط
الرهبان والعامة عليهم في كل مكان، لا يظهرون بكتاب طب ولا هندسة إلا أحرق وبادر على من كان على رأي الفلاسفة فتبرأ منهم، وأعان عليهم، وانبسطت أمه هيلانة في ذلك، وبسطت الرهبان والنصارى/ واستعدتهم «١» من كل مكان فجعلتهم اصحاب اخبار لابنها وأعوانا، واستظهرت بهم، واظهر هو تعظيم المسيح والصليب، وأقام ديانات الروم على حالها كما كانت من الصلاة الى المشرق وغيرها مما تقدم ذكره، فما أزال إلا عبادة الكواكب وما زاد إلا تعظيم المسيح والقول بربوبيته، وتعظيم الصليب. ولم يكن هذا بالبعيد عن الروم لأن من اعتقد في الكواكب وهي جماد موات أنها أرباب وتنفع وتضر لم يبعد عنهم ان يقولوا في انسان حي عاقل مميز قد قيل لهم انه كان يحيي الموتى، وانه إله، وانه وابوه وزوجته خلقوا الكواكب. وكان هذا سهلا على اهل المغرب، ألا ترى ان القبط ومن بمصر كانوا يعتقدون إلهية فرعون وانه لا إله لهم غيره. وسار قسطنطينوس هذا الى الجزيرة فقصد حرّان وأعمالها وكانوا في تعظيم الكواكب أشدّ مما كان بأثينية وبلاد الروم، فوضع فيهم السيف حتى أبادهم، وهرب من هرب منهم في الجبال فطلبهم بنفسه، وكانوا يعيبون البرص فكان له فيهم فضل حرص، فقال له قواده: لا تبعث في طلبهم فان الثلج الذي في هذه الجبال سيهلكهم، فان بقيت منهم بقية جعلناهم حجامين للروم وجميع النصارى واصحاب الصوامع والرهبان ليعرف منهم حقيقة النصرانية وما ينبغي ان يقرر مما يؤخذ الناس به فلا يتجاوزونهم، وان من تجاوزه قتل. فاجتمع عنده نحو ألفين من رؤسائهم وقرّر أشياء
_________
(١) استعداه: استغاثه. انظر القاموس المحيط.
من تسبيحة الإيمان، وكان فيهم من يخالف اولئك ويقول: كلمة الله/ مخلوقة وان المسيح كلمة الله وكان هناك إيرلس ومقدنيوس، وأونامس، وأولو فريانوس واصحابهم، ممن يقول: الكلمة مخلوقة وكلام الله وقوله خلق من خلقه، فشغبوا عليهم ووقف الأمر وبطل ذلك التقرير.
ثم اجتمع بعد ذلك ثلثمائة وثمانية عشر رجلا بنيقية من بلاد الروم وعملوا تسبيحة ايمانهم التي قد ذكرت، فأتوا بها قسطنطينوس فأخذها وعمل عليها وأخذ الناس بها فمن لم يقبلها قتله. فاحتاج اولئك ان يظهروا قبولها خوف السيف، وأبطل ما سواها عن التقرير، وحصل من كان على دين المسيح في كل مكروه، واخذوا بتعظيم الصليب وأكل الخنزير وديانات الروم، وكان من لا يأكله يقتل.
وكان في الصابئين من اهل حران من لا يأكل الباقلاء ويزعم انه عدو للفلك لأنه مكعّب والفلك كروي، فكان يطبخ الباقلاء في ابواب البيع ويجمع الناس إليها ويقال لهم: اخرجوا ولا يبقى منكم احد إلا اكل الباقلاء ومن لم يأكله قتل ورمى برأسه، وهناك سيّافة قد جردوا سيوفهم فمن لم يأكله قتلوه.
ولم يزل قسطنطينوس في الملك خمسين سنة مشغولا بقتل من لم يعظم الصليب ولم يقل بربوبية المسيح حتى تأكد ذلك وتمكن، واوصى الملوك بعده بذلك وأكد عليهم وعهد فيه اليهم وقال: هو أولى من تعظيم الكواكب وآراء الفلاسفة، وأوثق هذا العهد على اولاده وقواده واوليائه وجعل الملك في اولاده. والروم يصفونه بالحزم والشهامة/ وانه فيهم كأردشير بن بابل «١»
_________
(١) ذكر الطبري ملكين من ملوك فارس بهذا الاسم، احدهما: اردشير بن بابك بن ساسان-
ملك فارس في الفرس. وقام اولاده بعده في الملك فأكدوا عهوده وقرروا في كل حين شيئا بعد شيء في النصرانية الى ان جاء ملك منهم فرأى ان يجعل يوم الأحد عيدا لهم يجتمعون فيه كما لليهود يوم السبت، وكان هذا بعد قسطنطينوس بالدهر الطويل. وعملوا لذلك سنهودس، وكان للروم واليونان عيدا يسمونه ميلاد الزمان وهو عند رجوع الشمس في كانون، فجعلوه ميلاد المسيح وزادوا ونقصوا، وهو عيد لهم عظيم وهو الذي يقيمه النصارى ويسمونه الميلاد وليلة الميلاد وهذا سببه وأصله، وما كانت النصارى في زمن المسيح واصحابه من بعده يعرفون هذا العيد ولا يقيمونه. وكان للروم والصابئين ايام يصومونها تجرى مجرى التقرب الى الكواكب يمسكون فيها عن اكل اللحم، فلما صاروا الى القول بإلهية المسيح أقاموها ثم زادوا فيها من اشياء ونقصوا، وهم اليوم يصومونها خمسين يوما الى زوال الشمس ثم يفطرون في بعض الأيام، هكذا يصومون ببلاد الروم.
والروم هم الأصل في هذه الطوائف الثلاثة من النصارى، ثم تفرعت منهم اليعقوبية أصحاب يعقوب، ثم من بعد اليعوبية النسطورية وهم اصحاب نسطورس وهم يختلفون في الصيام، فإن هؤلاء الذين بالعراق لا يصومون في كل يوم نصفه كما تصوم الروم، ولهم ايام، أعني الذين ببلاد الاسلام، ينظرون فيها بعد صلاة العصر يتحسون الخمر في البيعة وهو القربان عندهم، وقد قال بولص: إن دم هذا الشراب هو دم الربّ وهذا/ البرشان هو لحم الرب فمن
_________
- ابن عم دارا بن دارا والمطالب بدمه وهو من ملوك فارس الاوائل والموصوفين بالشدة والشجاعة. وثانيهما اردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن هرمز بن ساسوبو بن اردشير بن بابك وهو احد احفاد اردشير الاول، وقد وصف بالبطش والشجاعة ايضا. والاول اكثر شدة ولعله هو المقصود هنا.
ارتاب في ان هذا لحم الرب ودمه فلا يأخذه ولا يذقه وان ذلك لا يحلّ له.
والبرشان «١» هي اقراص تخبز وتحمل الى البيعة وتثرد في الخمر وتؤكل تقربا.
والمسيح ﵇ ما صام هو وأصحابه إلا الصوم الذي صامه بنو اسرائيل.
قالت هذه الطوائف من النصارى: إن كان المسيح ما صام هذه الايام الخمسين فقد صام حين اسره الشيطان اربعين يوما بلياليها فجعلناها نحن خمسين يوما، قلنا: هبنا صدقناكم في ذلك فمن اين وجب عليكم مثل ذلك وانتم تقولون ان موسى صام ثمانين يوما بلياليها فلم يطعم فيها شيئا البتة وكان ذلك في دفعتين، وزعمتم ان ايليا «٢» صام اربعين يوما بلياليها فما وجب على قوم موسى الصيام الذي صامه موسى ولا عليكم صيام ذلك. وبعد، فقد عاد المسيح اليكم حين اطلقه الشيطان وبقي معكم فما صام صومكم هذا ولا امركم به ولا صام هو واصحابه إلا صوم بني اسرائيل، فعطلتم الصوم الذي تعلمونه يقينا وصمتم صوما ما صامه ولا امركم به.
وفي انجيلهم ان الشيطان اسر المسيح وحصره اربعين يوما ليمتحنه، وان المسيح امسك عن الأكل والشرب خوفا من ان تتم عليه حيلة الشيطان، وانه قال له وهو معه وفي يده: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا، فقال له المسيح مجيبا: أن مكتوب أنّ حياة الانسان لا تكون بالخبز بل بكل كلمة تخرج من الله. ثم ساقه الشيطان الى مدينة بيت المقدس فأقامه
_________
(١) كتب في الاصل في الحاشية: البرشان
(٢) في الاصل: اليا
على قرنة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فارم نفسك/ من هاهنا فانه مكتوب ان الملائكة توكل بك فلا تعثر رجلك بالحجر، قال المسيح:
ومكتوب لا تجرب الله إلهك. ثم ساقه الى جبل عال فأراه جميع ممالك الدنيا وزخرفتها وقال له: إن خررت على وجهك لي ساجدا جعلت هذه الدنيا كلها لك كما جعلتها لمن قبلك، فقال له المسيح: اغرب ايها الشيطان فانه مكتوب اسجد للرب إلهك. ثم بعث الله ملكا اقتلع الشيطان من مكانه ورماه الى البحر وأطلق السبيل للمسيح «١» . فهذا من الجهل الذي خبرتك انه مكتوب في اناجيلهم وهو زعموا حجتهم في صومهم، فهل سمعت بشيطان يأسر إلهه ويحصره وينقله من مكان الى مكان ويطمع في إلهه ان يستعبده والشيطان لا يقدر ان يأخذ حمار اليهودي، وعند النصارى انه قد اخذ ربه الى ان جاء الملك فخلصه وفك اسره. وعند النصارى ان المسيح لما ظهر ربط الشيطان عن الخلق وأطفأ ثائرته وأزال اذاه وشرّه، وهاهنا يقولون اشد ما كان قوة عليه وتسلطا عليه وهو ربه وإلهه، ففكر واعجب.
وكان للروم والصابئين دخن وبخورات في الهياكل للكواكب والأصنام،
_________
(١) جاء في انجيل متى: «ثم اصعد يسوع الى البرية من الروح ليجرب من ابليس، فبعد ما صام اربعين نهارا واربعين ليلة جاع اخيرا. فتقدم اليه المجرب وقال له: ان كنت ابن الله فقل ان تصير هذه الحجارة خبزا، فأجاب وقال: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم اخذه ابليس الى المدينة المقدسة واوقفه على جناح الهيكل وقال له: ان كنت ابن الله فاطرح نفسك الى اسفل لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك فعلى اياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، قال له يسوع: مكتوب ايضا لا تجرب الرب الهك. ثم اخذه ايضا ابليس الى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له: اعطيك هذه جميعها ان خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد» الاصحاح الرابع من انجيل متى.
وهي قائمة عند النصارى ما عطلوها، وهي في البيع يسمونها دخنة مريم وبخور مريم، وما عرفته مريم ولا المسيح ساعة قط ولا اصحابه، ولا استعملوا ذلك، فجعلوا هذا بخور مريم كما جعلوا صومهم للمسيح، وكما جعلوا الخمر والقربان لحمه ودمه.
وكانت الروم مع عبادتها الكواكب تعظم الأصنام وتصورها في الهياكل، فبقيت على ذلك/ بعد اجابتها الى تعظيم الصليب، وما كان منهم في ذلك قصور، والمسيح وأمه وأصحابه عوضا من تلك الأصنام. ثم تركوها شيئا شيئا على الايام والدهور.
وهم كانوا يستبيحون الزنا ولا يمتنعون منه فبقوا على ذلك بعد تعظيم المسيح فهو مبثوث بينهم وفي مدنهم وأسواقهم منتشر، يقولون: المرأة اذا لم يكن لها زوج ولم تختر الزواج وآثرت الزنى فهي املك بنفسها ولها ان تفعل ذلك، والملك يسعر ذلك، ويقيم له الحكام والولاة فلكل إنزالة تكون من الرجل فلس واحد، وكل اربعة افلس قيمتها دانق فضة. وللقحاب في بلدانهم اسواق كثيرة، ولهن دكاكين، تفتح حانوتها وتتزين وتجلس على بابه بارزة مكشوفة. وليس عندهم في كشف السوءة والعورة من الرجال والنساء تحريم ولا خطر، بل المرأة الحرة منهم تزف الى زوجها راكبة فتمر بالناس في الاسواق مكشوفة الوجه والرأس، وقد ارسلت ضفائرها وتجدلت بها، وأبدت محاسنها كلها لينظر كل احد اليها، ويقال ان الغالب على ذوات الازواج العفاف، فأما من ليست بزوج فحالها كما وصفنا، وربما كانت تزني في بيت ابويها، ومن جاء من هؤلاء الزواني بولد حملته الى البيعة ان شاءت وسلمته الى البطرك والمطران والقس، وقالت: قد وهبت هذا للمسيح ليكون خادما له وقيّما في البيعة، فيجزونها خيرا ويقولون لها: قديسة
طاهرة مباركة، هنيئا لك رضى المسيح وثوابه ويدعو الناس لها ويهنئوها بالثواب، وهناك من المرضعات والكاملات لمثل اولاد «١» الزنا هؤلاء جماعة.
وهم يأبون الختان، / ويخصون الاطفال، وإذا سبوا المسلمين نظروا الى اطفالهم فخصوا منهم القطعان الكبيرة وألقوهم، فيموت منهم الكثير. وهم يدعون الرأفة والرحمة وكانوا في اول الاسلام يحترزون على الاسارى لقوة الاسلام وضعفهم ليفادوا بهم، فلما ساءت سيرة ملوك الاسلام وقلت مبالاتهم به، وصار يغزوهم مثل علي بن حمدان «٢» سيف الدولة، ومن بمصر اعداء المسلمين يقبضون اوقاف الثغور، هان المسلمون على الروم، وهم يقولون دولة الاسلام قد زالت منذ نحو ثمانين سنة، وأنت اليوم في نحو سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
ثم عدت الى ذكر سيرة النصارى، وليس الخصاء من شريعة التوراة ولا إباحة الزنا لتعلم ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدّت عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانات اعدائه وهو ما عليه هذه الطوائف الثلاث من النصارى، فعلوا هذا طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا كما قد وجدته في كتبهم وفي إقرارهم مما تقدم ذكره لك.
_________
(١) في الاصل: هؤلاء اولاد
(٢) علي بن حمدان سيف الدولة: يقصد علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي، ابو الحسن، سيف الدولة الحمداني، كان شجاعا مهذبا عالي الهمة، اجتمع على بابه عدد كبير من شيوخ العلم والادب وكان له مع الروم وقائع كثيرة. ويظهر ان حملة القاضي عليه لأنه كان على خلاف مع البويهيين الذين كانوا يحكمون مقر الخلافة العباسية والمشرق الاسلامي وكانت له معهم وقائع وحروب ايضا، فالقاضي هنا ينتصر لحكومته وسلطانه.
وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه من ان العقل والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون: هو من المثلث، وهو من فيلسوف قديم «١» . وقد قال رسول الله ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة «٢»» وقال كعب بن مالك الانصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وقال ابن عمر: قال/ رسول الله ﷺ: ما ذئبان ضاريان في خظيرة وثيقة يأكلان ويفريان «٣» بأسرع هلاكا من حب الشرف والمال في دين المرء المسلم «٤»» .
ومثل صنيع بولص مع الروم في مساعدتهم على دينهم ومفارقة دين المسيح صنع ماني القس، وهو رئيس المنانية «٥»، وهذا كان بعد بولص بالدهر الطويل، وكانت له الرئاسة، وصار مطرانا على النصارى بالعراق في مملكة الفرس بعد ان كان قسّا، واختلط بالفرس، ومدح الانوار وذم الظلام على ما يذهب اليه المجوس، ومدح زرادشت نبيّ المجوس، وقال: النور اختاره وأرسله
_________
(١) يقصد هرمس المثلث، وكان كتاب الطبقات المسلمون يذكرون ثلاثة اشخاص بهذا الاسم: اولهم هرمس الذي كان قبل الطوفان، وهو اول من تكلم في الاشياء العلوية من الحركات النجومية وينسبون له امورا كثيرة، ثم هرمس الثاني: من اهل بابل وكان بارعا في علم الطب والفلسفة وطبائع الاعداد وتلميذ فيثاغورس الارتماطيقي. وأخيرا هرمس الثالث ويسمى ايضا هرمس المثلث الحكمة، وكان فيلسوفا طبيبا ويظهر ان هذا هو المقصود هنا. انظر طبقات الاطباء لابن جلجل ٥- ١٠، وطبقات الحكماء لابن القفطي ٣٤٦- ٣٤٩، والفهرست لابن النديم ٥٠٨ تجارية.
(٢) من حديث انس ﵁، اخرجه رزين. انظر تيسير الوصول ١١٠
(٣) يفري: يهلك
(٤) رواه الامام احمد بن مسند والترمذي عن كعب بن مالك باسناد صحيح. المنادي على الجامع الصغير ٥: ٤٤٥
(٥) سبق التعريف بماني والمنانية
الى المشرق، وأرسل المسيح الى الغرب. وذم ابراهيم وإسماعيل والانبياء الذين صدقهم المسيح، وكانت الفرس تبرأ منهم، فساعدهم ماني وتقرب اليهم بذمهم وقال: الشيطان ارسلهم، وكان من يكتب: من ماني عبد اليسوع كما كان بولص يكتب، وكان يتشبه به ويقفو اثره. وأخذ الآبستاق وهو كتاب زرادشت نبيّ المجوس «١»، وهو كتاب ليس بلغة الفرس ولا بلغة من اللغات البتة، ولا يدري احد ما هو وهو الزمرمة، وإنما يحكون لفظه وإن كانوا لا يدرون ما هو. فادعى ماني القس انه قد وقف عليه وعلم ما هو، وادعى ماني انه رسول النور، فوضع لهم جهالات، وقال: هذا تفسير الآبستاق، واستهووا العامة وقامت سوقه فيهم وأطاعوه، وادعوا له بالمعجزات والآيات.
فأخذه بعض ملوك الفرس ليمتحنه، وفتش عن احواله، فاذا هو كذاب وممرق طالب رئاسة يتقرب الى الفرس/ والمجوس بما يهوونه لينفق عليهم مما ليس هو من دين المسيح، فقتله كما فعل ذلك الملك ببولص. وبقي اصحاب ماني بعده يدّعون نبوته ويقررون رسائله وإنجيله، ولعل رسائله تزيد على السليحين ورسائل بولص، وكثير من هذه الطوائف الثلاث يعتقد مذهبه وما يكاد يظهره خوفا من النصارى ومن المسلمين ممن منهم في بلاد الاسلام، لأنه لا ذمة المنانية عند المسلمين «٢» .
ومن سيرتهم ان النساء الديرانيات العابدات ومن انقطع الي البيع والعبادة،
_________
(١) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «الآبستاق كتاب زرادشت»، وقد سبق التعريف بالمجوس وعقيدتهم.
(٢) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «لا ذمة للمنانية عند المسلمين»، وقد سبق التعريف بهذه النحلة.
يطفن على العزّاب والرهبان، ويخرجن الى الحصون التي فيها الرجال العزاب يبيحون لهن انفسهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والرحمة بالعزاب، ومن فعل هذا منهن كان عندهن مشكورا محمودا على هذا الفعل ويدعا له، ويقال لها: لا ينسى لك المسيح هذه الرأفة والرحمة.
وعندهم انه لا يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة، ولا يحل له أن يتسرى ولا بطأ بملك اليمين، فإن صادق امرأة أو خادمة لم يكن بذلك بأس ولا عار، وهذا مشهور ببلاد الروم كشهرة الزنى.
ولقد تحدث مصبح الطائي، وأبو عبد الله الحسين بن الصقر، وعبد الرحمن صاحب ابن الزيات وغيرهم من الغزاة، وممن اقام بالقسطنطينية السنين الكثيرة في الأسر وغير الأسر، فإنهم لطول الشقاء وعدم من بعثت المسلمين في فداء او غزو، اظهروا النصرانية تقية، وانتشروا بينهم، واختلطوا بهم.
فحدث من حدث منهم بعض من تنصر من الشجعان بعد الشدة وطول الشقاء، قال: فأعطاني الملك وأجزل وقال لخدمه وأعوانه: / انظروا لهؤلاء المتنصرة نساء من ذوي اليسار يتزوجون بهن لتحسن احوالهم، فقال رجل منهم:
فلانة قد مات ابوها، ولها ضيعة ومواش وأموال كثيرة نزوجها بهذا، وأشار اليّ، فزوجوني بها. فاذا هناك جمال ومال كثير فأقمت معها مسرورا ثم ضرب الملك بعثا على جماعة انا منهم ليخرج الى مكان فيه زرع مستحصد يخاف عليه العدو أن يمنعهم منه، ويكون مقامنا اربعين يوما، ثم يأتي بعدنا عسكر يقوم مقامنا ونرجع الى اهلنا. فخرجنا، وأقمنا هذه المدة، ثم جاء العسكر فسألت بعض الواردين عن اهلي ومنزلي، فقال لي: قد تزوجت امرأتك بعد خروجك، فاستثبتّ ذلك جيدا ممن ورد فأخبرت بهذا،
فأخذني ما اقامني وأقعدني؛ فلما رجعت الى البلد عدلت عن منزلي ونزلت سوق الدواب، فسأل اهلي عن الواردين من اهل عسكرنا فأخبروهم بسلامتي وورودى، فتعرفوا مكاني فإذا ام امرأتي قد جاءتني ومعها موكب عظيم من نساء الجيران عليهن البزة الفاخرة والحلي، فقالت لي حماتي: ما لك عدلت عن منزلك وأهلك ونزلت هاهنا ونحن نتعرف أخبارك ونشتاقك، فقلت:
وما اصنع بامرأة غبت عنها فتزوجت بعدي، أنا عليّ أن ادخل على الملك واكسر بحضرته سيفي وأقطع زناري وأعرفه ما جرى عليّ. فقالت «١» لي اخطأ من قال هذا، ما تزوجت امرأتك وكيف تتزوج رومية بزوجين، إنما ذلك صديقها، لما غبت جاء ونزل عندها. فلما علمنا بقدومك حمل فراشه وانصرف، واستشهدت بأولئك النسوة والجيران، فشهدن انه ليس بزوج وإنما هو صديقها، وإذا ليس/ عندهم ان بهذا بأسا ولا عارا. ثم اقبلت حماتي تقول: لي قم الى بيتك فانظر الى المكنوز والنبيذ وما خلفته تجده لم ينقص بل هو محفوظ موفر، وإذا هي تبشرني [فيما إذا] «٢» أن صديق امرأتي قد كفاني مؤونتها في غيبتي وتسرني بهذا أوتمن به عليّ. وقال اولئك النساء وهن حليلات وأزواج كبار الناس، قم عافاك الله الى بيتك، فما ها هنا شيء يكره ولا ينكر، فقمت وحملت اثقالي وصرت الى منزلي وأنا مقيم على امرأتي، وما اجد شيئا، وزالت الغيرة. ثم قال يا ابا الفتح: ما يدخل احد بلاد الروم إلا وقد طابت نفسه باتخاذ امرأته الأصدقاء، وزال عما كان عليه وامحت الغيرة من قلبه، وزال عن الحمية وما كان عليه وهو مسلم.
_________
(١) في الاصل: فقال لي
(٢) هكذا وردت العبارة في الاصل
فإن قالوا: مبتدع في دين النصرانية كما مثل ذلك مبتدع في الاسلام، قيل له: إن الروم قد كانت قبل التنصر تأكل الخنزير، وتستعمل الخصاء، وتغزو الامم، وتسبي وتقتل وتسترقّ، وترى في الزنا ما قد ذكرنا، وتسير السيرة التي وصفنا. ولما تنصرت دامت على تلك السيرة فما زايلتها ولا زالت عنها، فمتى كان هذا الابتداع. ولا فرق بين من ادّعى هذا، وادعى ان الروم كانت على خلافه ورجعت اليه لما تنصرت، ومن انتهى الى هذا فقد جحد وكابر وليس مع المكابرة مناظرة.
ومما يحتج به النصارى وهو اكبر شبههم في دينهم، وأجل ما يلجئون اليه، وهو عمدة الخواص والعوام منهم، ان يقولوا: النصرانية دين صعب ضيق، قد أجابت اليه الأمم الكبيرة والملوك بلا إكراه ولا سيف ولا قهر ولا غلبة، وما كانوا ليجيبوا الى ذلك إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على أيدي/ الدعاة اليها من الرهبان والرواهب.
قيل له: قد بيّنا وعرف تبديل النصارى لدين المسيح وميلهم الى ملوك الروم، وقد شرحنا ذلك وعرفناه، فلا نجد إلا النصارى ترومت ولم تتنصر الروم. وأصل طوائفكم هم الروم، فهذا شاف كاف. ولو لم نعلم هذا وكيف الحيلة فيه من اوله الى آخره لما كان يشكل علينا ايضا بطلان هذا الاحتجاج وفساده، وأن اهل هذا الدين لا يظهر الله على ايديهم معجزة، ولا ينقض على يد احد منهم عادة؛ كيف والمعجزات لا تكون إلا للأنبياء ﵈ وفي زمانهم.
ثم يقال للنصارى: إنكم ادّعيتم الصحة لدينكم بالكثرة والملوك الذين تدينوا بدينكم، والكثرة لا تكون دلالة في صحة الديانة، وإنما يدل على
صحة الديانة الحجة والبرهان لا غير ذلك، سواء كان اهل ذلك الدين قليلا او كثيرا. وقد كان المسيح ومن اتبعه قليلا والروم واليهود هم الاكثر وأصحاب الملك، فيدل هذا على قياسكم انه لم يكن له معجزة. ثم يقال لهم:
انتم تدّعون المعجزات والآيات لرهبانكم ورواهبكم ورؤسائكم في كل زمان وأنها لا تنقطع ولا ترتفع، وها انتم قد أجبتم الى هذه الديانة ولم تروا معجزة ولا آية، فكذا من قبلكم قد أجاب على هذه الصفة وفي هذا أتم كفاية لمن أراد الحق.
وهم في كل حين يجتمعون اذا ارادوا امر تحليل شيء او تحريمه، ويكون لهم فيه سنهودس «١»، وتفسيره الاجتماع للتقرير، فيفعلون ذلك، فاذا تقادم عهده، قالوا: هذا ما حرّمته تلك الجماعة إلا بظهور آية او معجزة/، ألا ترى ان الجثلقة والمطرنة «٢» قد كانت جائزة عندهم فيمن له الأهل والولد، فصار الجثالقة والرؤساء يجعلون الرئاسة في اولادهم ويوصون بها في ذريتهم، فاجتمع النصارى وعقدوا تحريمها فيمن له اهل وولد وعرف التزويج، فصار ذلك دينا لهم فاجتمعوا عليه وعملوا به من غير آية ولا معجزة.
وقد كان تزويج الأختين بالأخوين مباحا عندهم، فجرى من أختين كانتا عند اخوين عداوة ادت الى معاداة بين الأخوين، فاجتمعوا وحرموا ذلك، وصار لهم دينا يعملون به وان لم يروا فيه آية ولا معجزة. وقد كان تزويج بنت الأخ عندهم مباحا فجرى فيه نسب استنصر به بعضهم، فاجتمعوا
_________
(١) كتب في الحاشية: تفسير سنهودس
(٢) الجاثليق بفتح الفاء: رئيس النصارى يكون تحت يد بطريق انطاكية، ثم المطران تحت يده، ثم الاسقف، ثم القسيس، ثم الشماس.
وحرموا ذلك، فصار لهم دينا بغير آية ولا معجزة. وهذا منه ما فعلوه قريبا وفي الاسلام في دولة بني العباس. ومثل ما فعل مطران سمرقند فانه حرم على اهلها الفراخ وزعم ان روح القدس تنزل في هذه الحمامة، فقبلوا ذلك منه وصيروه دينا.
واذا اختلطت بهم وفتشتهم ودخلت بينهم ولا بست الجثالقة والرهبان وجدت هناك من الكذب والجهل والحرص على الدنيا وطلب الرئاسة والجمع والمنع أمورا كثيرة، فان الواحد منهم يترهب وما معه شيء ويصير كلا على غيره، وما تمر الأيام حتى صار ذا مال كثير حتى ربما مات عن عشرات الوف، ثم يقال لهم: انتم طوائف كثيرة وبينكم خلاف كبير في اصل الديانة، تضلل فيه الملكية اليعقوبية، وكذا النسطورية لا ترضى مذاهب الملكية واليعقوبية، وكل هذه الطوائف تدعى لرهبانها/ ورواهبها ورؤسائها المعجزات والآيات، وكذا المنانبة، فعلى قياسهم الحق في طائفة واحدة والباقية كذبت فيما تدعيه لهم.
وقد قال بعض الحكماء ها هنا ديانات ومقالات تعرف كذب اهلها بأدنى تأمل:
منها: النصرانية، فانهم يدعون الآيات لكبرائهم، وانها لا تنقطع في زمان من الأزمنة، وان الذين اجابوا الى النصرانية انما اجابوا بالمعجزات، فيقال لهم: أنتم اجبتم اليها ولم تروا آية ولا معجزة.
ومنها، اصحاب النجوم، فانهم يمخرقون ويدعون بالاصابات لأوائلهم، فيقولون: حكم جانان لكسرى بالدول وانتقالها، وللملوك في مواليدها، فما أخطأ في حرف واحد، وكذا كنكه منجم الهند لملوك الهند، وكذا
ذوروثيوس لملوك الروم، وبطليموس لملوك القبط «١» . وربما عملوا بذلك كتبا، وقصدوا الى دول وممالك قد كانت، ووجدت، وعرفت الحوادث فيها وأعمار ملوكها الخاصة والعامة، فيذكرون الجمل منها ولا يفصحون بأسماء ملوكها، لئلا يعرف فيه كذبهم. فيقرأ هذه الكتب والدفاتر الغرّ الغافل عن احتيال المحتالين او تقرأ عليه، فيظن ان هذا قد ذكره المنجمون في سالف العصر قبل ان ان يكون، فيعتقد في أحكام النجوم الصدق، وان اهلها قد تكلموا بعلم. فيقال لهم: إن الكواكب والسماء ما ارتفعت ولا زالت ولا انتقضت، وهي كما كانت، فهاتوا واخبرونا عما سيكون، او عما قد كان ووجد مما تشاهدونه بعيونكم، وتلمسونه بأيديكم، فإنا نعمد الى دفتر ضخم مكتوب فيه فنقول لحذاقكم: خذوا طوالعكم وأخبرونا/ كم ورقة هو، وكم سطر في كل ورقة فإنا نجد كذبكم فيه عيانا وحسا، وما تحتاجون الى الإخبار عن نجم يطلع بعد سنة او عشرين سنة، وتخبرونا عن تلك الحوادث، فإنا قد قربنا الأمر عليكم لتعلموا ان هذه الدعاوى كذب ومخاريق وحيل على الناس، ولتعلموا بكذب أولكم وآخركم.
فإن قالوا: لم تقتصرون منا على العلم بورق هذا الدفتر دون الأسطر والحروف التي فيه؟ قلنا: إن مثل هذا وأكبر منه قد يصيب فيه الصبيان والجهال الذين يلعبون بالخاتم والزوج والفرد بالاتفاق، فهاتوا ما يتجاوز اصابات الصبيان والجهال والمجانين ان كنتم صادقين، وان كان صنعتكم حقا؛ وهذا ما لا سبيل لكم اليه، وفضيحتكم فيه كفضيحة النصارى.
فان قالوا: قد يكون لنا اصابات في مواليد ومسائل؟ قلنا: قد يكون
_________
(١) انظر ترجمة كنكه الهندي في الفهرست لابن النديم ص ٣٩٢، وترجمة ذوروثيوس (في الاصل ذروسيس) في الفهرست ص ٣٨٩، وكذا ترجمة بطليموس ص ٣٨٨
ذلك في قليل من كثير تخطئون فيه، وفي جمل دون تفصيل، والذي يأتي به الأنبياء فلا يخطئون في شيء منه مع كثرته، والذي يتفق لكم من ذلك كما يتفق للّعّاب الذين ذكرنا، وكما يتفق لأصحاب الفأل ولمن يضرب بالحصا والبعير بالنظر في الكفّ وبزجر الطائر، وما يتفق لهؤلاء من الإصابة أكثر من الذي يتفق لكم، وهم فيه أسرع، وأحوالهم فيه أكشف، وكما يتفق لبعض من يلقى الثعلب من السعادة، ولمن يلقى البوم من المحنة، وكما يتفق في رقى الهند والنصارى والمعزّمين من العافية والإفاقة، فيدعي اولئك ان هذا انما كان عن رقاهم وعزائمهم، وان ما هم عليه حقّ، وانهم قد نطقوا/ بعلم.
ومنها، اصحاب الطلسمات «١»، فانهم يمخرقون ويقولون: إن الاسكندر شكا الى أرسطوطاليس بعد الماء عنه وعن عسكره عند لقاء عدوه، فعمل له طلسما سار الماء بمسيره ووقف بوقوفه، وانه قال له وقد ورد على بحر إن تشاغل بعبوره أبطأ عليه وفاته إدراك عدوه، فقال له: أيما احب اليك ايها الملك، ان اعمل طلسما تسير بعسكرك على وجه الماء كما تسير على وجه الارض، او اجمع بين الشيطين لتعبره، فقال: تجمع بين الشطين فانه أقرب في المسافة، فجمع له بين الشطين فعبر.
وأن غير واحد قد عمل طلسما للقطعان من البقر والغنم وأمثالها من الحيوان، فتبعته وسارت بمسيره. وأنهم يعملون الطلسمات للبق والعقارب
_________
(١) الطلسم والطلسم في علم السحر: خطوط واعداد يزعم كاتبها انه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية لجلب محبوب او دفع أذى، وهو لفظ يوناني، وقد يقصد به الغامض المبهم من الامر.
والجراد وغير ذلك، فيصرفونها عن بلد بلد؛ وأن من عرف صنعة النجوم تأتى له ذلك.
فقيل لهم: هذه كلها مخاريق، وإذا اردتم ان تعرفوا كذب اوائلكم فاعرفوه بكذبكم في زمانكم، فإن الكواكب ما بقيت ولا زالت، فهانوا شيئا من هذا، وفي تعذره عليكم دلالة على كذبكم وكذب اوائلكم.
فإن قالوا: بلاد حمص لا يكون بها عقرب، وإن دخلت إليها عقرب ماتت وانما هذا طلسم عمل لها، قلنا: قد بيّنا كذبكم حسا كما بيّنا كذب النصارى والمنجمين، فإن كانت حمص لا يعيش بها عقرب فان هذا من فعل الله ﵎، قد يميت بعض الحيوان إذا صار في بعض الأماكن لتدبير له ﷿ هو اعلم به، ولمصلحة فيه. ألا ترى ان بلاد الروم لا تكاد تبقى بها الجمال مع حرصهم في بقائها، حتى قال من لا يعلم: ان هذا لشدة البرد، فقيل له: فبلاد الترك/ أشدّ بردا وبها الجمال، والأتراك بالري»
إذا قطنوا بها فما يكادون يبقون بل يتماوتون، والاصفهاني إذا أراد السفر الى الري اوصى. وما هذا الطلسم، وأرض مصر وغيرها من مواضع شتى لا يكاد يكون بها مطر. وما ذاك الطلسم، وأرض العراق مع كرمها وطيب مائها لا ينبت بها الفلفل، ولا الدار فلفل، ولا العود ولا الزنجيل ولا الدارصيني، ولا الزعفران، ولا سنبل الطيب، ولا يكون في انهارهم العنبر.
_________
(١) الري: بلدة عظيمة في ذلك الوقت، فتحها المسلمون في خلافة عمر ﵁، واصبحت حاضرة اسلامية في القرن الرابع الهجري حتى لقد فاقت بغداد نفسها في كثير من الاحيان. انظر: ابن الاثير الكامل ٩: ٢٣٥، السمعاني الانساب ٢٣٢، احسن التقاسيم للمقدسي ٣٨٥- ٣٩٠
او ترى هذه الطلسمات وضعت بالعراق وأناث البغال لا تكاد تحمل بل لا تكاد تهيج. أفترى هذا الطلسم وأودية العراق لا يكون فيها التمساح، وهو بمصر كثير. أفترى هذا الطلسم وضع بالعراق لئلا يكون فيه هذا، او وضع بمصر حتى لا يفارقها. وهذا التمساح في نيل مصر، وهو في بعض المواضع بها دون بعض، وبأرض الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسر من رأى ومصر والقيروان، وهذه كلها أمصار اسلامية، ووضعت في الاسلام، وخطت في الاسلام، فحدثت امور كثيرة في احوال الحيوان ابدع مما يدعونه لحمص وغيرها بلا طلسم.
والمجوس تدّعي ان لهم منتظرا حيا باقيا مهديا من ولد بشتاسف بن بهراسف يقال له أبشاوثن «١»، وانه في حصن عظيم من خراسان والصين، ومعه كثير، كلهم ثقات امناء اخيار، لا يكذبون ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة صغيرة ولا كبيرة، وأن دعوتهم مجابة «٢»، ولهم دلالات وآيات ومعجزات، وانهم صاروا الى ذلك المكان عند زمن زرادشت الذي تدعي نبوته، وانهم انوار ساطعة، وانهم من الجمال والحسن والنظارة على امر عظيم، وأنهم لا يبكون ولا/ يهرمون ولا يموتون، وأن أبشاوثن لا يحتاج الى اكل ولا الى شرب، ولا يكون منه بول ولا غائط ولا شيء من الأذى. هذا الذي أتيقنه مما قد ذكره أذرباذ بن أميذ الموبذ في وصفه أبشاوثن، انه لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يتغوط، فأما اصحابه
_________
(١) في الهامش كتب الناسخ ما يلي: «المجوس ينتظرون رجلا من ولد بشتاسف يقال له أبشاوثن.
(٢) نشأت في ايران فكرة كان لها اثرها في كثير من الديانات هي فكرة المخلص او المهدي الذي سيعود يوما الى العالم ليزيل الشرور ويحل العدل محل الجور وينقذ البشر.
فلست اتيقن انه وصفهم بأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ويغلب على ظني انه قد وصفهم بذلك، فأما العصمة وان اصحابه بمثابته، فما اشك فيه.
فقيل للمجوس: اذا شئتم ان تعرفوا اول امركم فاعتبروه باخره تجدون بطلانه واضحا بينا، كما يجدونه النصارى والمنجمون «١» وأصحاب الطلسمات.
فإنكم تدّعون ان قوما في زماننا هذه صفاتهم وأحكامهم، وعليكم في هذا فضل مزية في الباطل، فإنكم امم كبيرة قديمة تخبرون بكون هؤلاء في الدنيا معنا وفي زماننا، وانهم يخرجون مع ابشاوثن هذا فيكلمون الارض كلها، ويعيدون المجوسية وديانات الفرس وملكها الذي أزاله الاسلام كما كانت. فقد كان ينبغي إن كان هذا في الدنيا هاهنا قوم يدعونه ان نعلمه بخبركم، وفي عدم العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له، وما في الدنيا انسان يدعي هذا، ولكنه شيء وضعه لكم الواحد والاثنان والنفر اليسير، فصدقتموه واحسنتم الظن بهم، وانتشر فيكم، وهو كذب وانتم لا تعلمون انه كذب، كما اصاب النصارى وغيرهم ممن كانت هذه سبيله.
وكذا لمن ادعى ان معنا وفي زماننا إماما معصوما قد أقيم لنا وهو الحجة علينا وعلى اهل الارض بأسرهم، قيل لهم: انتم امم كثيرة عظيمة بالعراق وبالشام وبفارس وبمصر والمغرب والحجاز واليمن والبحرين وكور الأهواز/ وبالجبال والديلم وخراسان وكلكم يخبرنا بأن في الدنيا رجل هذه سبيله، ويدعو الى نفسه، وكلكم اصحابه وينتظره ويدعو اليه. وتصنيف الكتب في ذلك قد ملأت الدنيا، ونخاصم في ذلك، فلو كان في الدنيا انسان هذه
_________
(١) في الاصل: المنجمين
سبيله لعلمنا ذلك بخبركم وبما نسمعه منكم وان لم نصدقه فيما ادعى، ولم نقبل قوله ولم نر شخصه، وان لم نسمع كلامه. ألا ترى ان نبينا محمدا «١» ﷺ لما ادعى انه رسول الله الى الخلق اجمعين وانه الحجة عليهم علم ذلك من دعواه كل من بلغه خبره ممن صدقه او كذبه، ومن رآه ومن لم يره، وكذا العلم بمسيلمة وما ادعاه وان كذبه الناس كلهم. بل لو اخبر جماعة عن امرأة من وراء حجاب بصلاح او طلاح لعلم الناس ذلك بخبرهم اذا كانوا عالمين بما أخبروا، فكيف وانتم امم كثيرة عظيمة قد «٢» طبقت الارض والبر والبحر والسهل والجبل، تعتقدون ذلك، وتخبرون به، وتدعون اليه، وتزعمون انكم اصحاب هذا الرجل واتباعه، فلا يزداد من تأمل ونظرو اعتبر إلا علما بأن ليس في الدنيا انسان يدعي ذلك ولا يدعو اليه. فلو نظرتم وانصفتم لعلمتم ان اول امركم مثل آخره في الباطل، وان النبي ﷺ ما تدين بما تدعون ولا دعا اليه. لا هو ولا احد من اصحابه.
فإن قيل: فلو قال لكم قائل وأنتم ايضا اول امركم مثل آخره، إذ ليس في زمانكم من معه معجزة ولا آية، فأولكم هذه سبيله ما كان يكون جوابكم؟
قيل له: لا سؤال علينا في هذا، لأنا نمنع ان يكون مع احد بعد نبينا آية او معجزة، وما ندعي انه آية ومعجزة فهو ما علمه كل من سمع الاخبار، وهو هذا القرآن وما جاء مجيء القرآن، ونقول: / لا حجة على الخلق إلا رسول الله ﷺ وحده، فعرفت الفصل بيننا وبين من ذكرنا.
_________
(١) في الاصل: محمد
(٢) في الاصل: فقد
وجواب آخر، وهو ان كل من سمع اخبار النبي ﵇ فمن صدقه او كذبه يعلم باضطرار انه كان يدعي النبوة، ويدّعي ان معه آيات ودلالات ومعجزات. فان قالت النصارى: نحن اولنا المسيح وهو سلفنا، وأنتم تقرون ان معه آيات ومعجزات، فكيف قلتم ان اولنا مثل آخرنا؟
قيل لهم: ومن سلم لكم ان المسيح ﵇ سلفكم، ونحن فقد دفعناكم عن هذا، وبيّنا انكم قد خالفتم المسيح ﵇ في أصوله وفروعه، ونقضتم عهوده، وعطلتم وصاياه بيانا لا يمكنكم دفعه، ونحن فما علمنا ان المسيح نبيّ وانه قد كان معه آيات ومعجزات بقولكم، ولا بنقلكم، ولا بدعواكم، وانما علمنا ذلك بقول نبينا صلى الله عليه، ولكن ادعيتم ان هذه الأمم ما اجابت الى النصرانية إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على بولص وجورجس وأبا مرقس وأمثالهم، ودونتم ذلك في كتبكم كما دونته المنانية والمجوس وغيرهم، وادّعيتم ذلك في كل زمان، والناس معكم ويشاهدونكم فلا يرون لذلك اصلا ولا اثرا، ولا يرون إلا السيف والقهر والعسف وان اول هذا الامر ما كان إلا بالسيف والقهر كما قد بيّنا، وهو قائم باق ما زال ولا حال بل زاد، ونحن فقد وجدناكم نزلتم على اهل المصيّصة، وعين ذربة، وجزيرة اقريطش، وجزيرة قبرس «١»، وجزيرة أرواد، والثغور
_________
(١) في الاصل: قفرس، اما عين ذربه فقد اثبتها ياقوت بالالف المقصورة ذربى وقال: بلد بالثغر من نواحي المصصية، والمصصية وطرسوس من ثغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم. اما أقريطش (كريت) فهي جزيرة بالبحر المتوسط، اول من غزاها من المسلمين معاوية ثم فتح قسما منها الوليد بن عبد الملك وتم فتحها بأمر المأمون الخليفة العباسي. وارواد جزيرة صغيرة في البحر المتوسط مقابل طرطوس من سوريا. وسميطاط او سميساط مدينة على شاطىء الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات. وحصن منصور من اعمال ديار مضر غربي الفرات قرب سميساط. وسيمون او سيمان نهر كبير بالثغر من نواحي المصصية قرب انطاكية.
الشامية، والثغور الجزيرية، وثغور ارمينية، وأذربيجان، وما يكثر احصاؤه/، وما قد قدره اهل الخبرة الى هذه الغاية، ومقداره الف فرسخ منائر، وعمارته متصلة ومقدار السبي والأسر نحو عشرين الف الف انسان، لا يقرون على الاسلام، بل يدخلون في النصرانية كرها، بالرهبة والرغبة، وكذا من دخل في ذلك من البرغر والبرجان كله بالإكراه والسيف، وإن طالت مدته، وتناسى الناس كيف جرى ذلك.
وادّعيتم أن هؤلاء انما دخلوا في النصرانية بالآيات والمعجزات، وأن البطرك وافى من بلاد الروم، فنزل وجنده وعليه الجوذبا والكتين والودار وعلى رأسه القبع وفي يده الكرار، فأقام موتاهم من المقابر، فقاموا بأسرهم من تلقاء انفسهم وصاروا الى بلاد الروم. ووافى ميخائيل الراهب الى اهل المصيصة فقلب سيحون زيتا، وجعل اغنامهم كلها خيلا، فقاموا كلهم من تلقاء انفسهم فقبّلوا الصليب، وصاروا الى بلاد الروم. وكذا اهل سميصاط وحصن منصور، فليس عندهم في الكذب والبهت شيء، وهم قوم يكذب لهم رؤساؤهم فيقبلون ذلك الكذب عنهم، وقلّ مصر من هذه الأمصار وثغر من هذه الثغور إلا وقد ترددت اليه ملوك الروم السنين الكثيرة، ونزلوا عليه الأعوام المتوالية، ورعوا زروعهم وحصروهم ومنعوهم الأقوات، حتى اكلوا الكلاب والسنانير والميتة، وقتلوهم جوعا وعطشا، وقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذريتهم، وقادوهم بالسلاسل والحبال، وأنزلوا بهم من المكاره ما يطول شرحه، وكذا امرهم من اوله الى آخره. وليس/ سيف حمل بباطل في جميع الأزمان مثل سيف النصرانية كما قد بيّنا ذلك، وحيث لا يكون لهم ملك ولا سيف فإن من أسلم منهم يمنعونه اهله، ويبطلون ديونه، ويذمونه بكل فاحشة، ويسعون في كل ما يقدرون عليه
من مكارهه واضراره، وهذا ايضا ضرب من الاكراه.
ثم يقال لهم: هذه المنانية قد غلبت على المشرق، وليس معهم سيف ولا مال، ويدّعون ان دينهم اضيق الاديان وأصعبها، وأنهم لا يأكلون اللحوم ولا يؤذون شيئا من الحيوان، ولا يأكلون إلا ما انبتته الارض. وعبادتهم من الصوم والصلاة كثيرة عظيمة، ولا يدخرون الأموال، ويدّعون ان المعجزات اضطرتهم الى هذا الدين، وهم يدّعون ان المستبصرين من رهبانكم ورؤوسائكم منهم، ويدعون هرابذة المجوس «١» . قالوا: ولكن ليس لنا عند المسلمين ذمة كما لليهود والنصارى والمجوس، ومتى أظهرنا لهؤلاء ديننا قتلونا، قالوا: وكذا يصنع بنا ملوك الروم. ويذكرون من آيات ماني ومعجزاته انه كان نورا خالصا كله وأنه لم يكن له في الشمس ظل، وأن الملائكة كانت تأتيه وتحتمله حتى تصعد به الى الشمس فيصير فيها، وأصحابه يشاهدونه، وأنهم نقلوا ذلك الجمهور عن الجمهور، والجماعات عن الجماعات، ويدّعون لأتباعه المعجزات، ويدّعون مع ذلك انهم اصحاب المسيح وعلى دين المسيح، وأن الانجيل الذي معهم هو الحق دون ما معكم، فينبغي ان يكونوا على قياسكم محقين، وأن ذلك انما تم لهم بايات ومعجزات كما ادّعيتم ذلك، ولهم كتب مدونة في آياته ومعجزاته، ولعلها/ اكثر من السليحين الذي لكم، ومن الآيات التي تضيفونها الى جميع من دعا الى النصرانية، مذ كانت النصرانية.
وهذه الهند، وهي امم عظيمة لعلها تزيد على امم النصارى «٢»، ولهم
_________
(١) كتب المعلق على هامش الكتاب: هرابذة المجوس.
(٢) في الاصل: للنصارى
العقول والحكم التي لا تكاد تدانيها عقول الارمن والروم، يعبدون البددة قبل تنصر الروم بالدهور الكثيرة، وليس يدعون الناس باتباعهم لا بسيف ولا برغبة ولا بالرهبة، ومن دخل فيه لم يمنعوه، وهم يدّعون ان اصنامهم تكلمهم وتأمرهم وتنهاهم، وتبدرهم بالأمور قبل كونها، وتأتيهم بالأمطار وما يسألونها من الرخاء والنعم، وتدفع عنهم السوء، وتشفي مرضاهم، ويحملون زمناهم على الجنائز الى سوق الاصنام فينقهون ويرجعون على اقدامهم، ويدّعون انها تحيي الموتي، ولهم رقى يدعون انها تشفي وتحيي، فينبغي ان يكون هؤلاء محقين صادقين.
والمجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات اكثر مما يدعيه النصارى لمن دعاهم الى النصرانية، ويقولون: نحن لا نكره احدا على الدخول في ديننا ولا نرغبه فيه، وهو دين خصنا الله به، فمن دخل فيه لم نمنعه، وإنما نقاتل ونحمل السيف على الامم لتأدية الخراج والدخول في الطاعة فقط، فأما لأجل الدين فلا نحارب. وعقول الفرس وحكمتها وتحصيلها قد عرفه الناس، وكثرة وسع ممالكها فوق ممالك الروم بطبقات، فينبغي على قياسكم ان يكونوا محقين وصادقين.
فان قلتم لهم: لكم ملوك عتاة جبابرة هم ادخلوكم بالقهر والسيف والرغبة والرهبة في هذا الدين، قالوا لكم: أما الدين فما تعرضوا لإدخال الناس فيه ولا/ اشتغلوا به، وإنما كان أخذهم للناس بالسمع والطاعة والخضوع للملك، وهذا معروف.
والعيان والموجود من دين النصرانية وما عليه هذه الطوائف لهم القهر والغلبة والسيف مذ كانت الى هذه الغاية، وما هاهنا سيف حمل بباطل إلا
سيف النصرانية من اول امرها الى هذه الغاية.
وقد دعا واحد من اليهود الخزر وهم امم كثيرة فأجابوه ودخلوا في دينه عن قرب، وفي ايام بني العباس ودولتهم، ولو أراد مريد ان يدعي انهم إنما اجابوا إلا بالآيات والمعجزات كما يدعي النصارى لمن تنصر لأمكنه ذلك وكان اولى بالشغب من النصارى، فإن هذا رجل واحد قصد الى ملك عظيم الشأن، والى قوم اولى بأس شديد، فأجابوه بلا غلبة ولا سيف، وتحملوا ما في شريعة التوراة من الشدة بالختان والوضوء وغسل الجنابة وتحريم الأعمال في السبت والأعياد، وتحريم ما في هذه الشريعة من الحيوان، الى غير ذلك.
ولعل اليهود تدعى لهذا الداعي الآيات والمعجزات، فمنهم من يجيزها للصالحين منهم وهذا اولى بالشبه مما تدعيه النصارى، ولكن النصارى اكذب وأشد جرأة على ادعاء ما لم يكن.
ثم يقال للنصارى: ادعيتم لدينكم الضيق والصعوبة، وقلتم: هذا أحد الادلة على صحته وعلى ان الامم لم تقبله ولم تدخل فيه إلا بالآيات، فقد عرفنا من قولهم في الآيات، ولو كان ضيقا صعبا شديدا لما دل ذلك على صحته فإن دعواهم هذه كدعواهم المعجزات. / وليس يدل على صحة الدين ضيقه وصعوبته، بل ربما احتال الممخرق والمبطل على صحة ما يدعو إليه بالتصوف والتقشف وكثرة العبادة والمضايقة فيما يدعو إليه الى ان يتمكن، ثم يظهر مساوئه، ويكون ذلك له شبهة على من يرى ذلك ويسمعه، والنفوس ترحم المتصوف والمتقشف المواصل الصلاة والصيام وإن كان مبطلا، ويحسن ظنهم فيه، ويسرعون الى القبول منه قبل النظر في حاله، ويكتفون بما يظهر منه عن البحث عن حاله، وفي النظر والبحث شدة ومشقة، وتنفر نفوسهم عن
حامل السيف وإن كان محقا.
وعلى ان ديانات المنانيّة اضيق من ديانات النصرانية لأنهم يحرمون اكل جميع الحيوان وركوبه وأذيته بكل وجه، حتى انهم يحرمون قتل السباع والحيات والعقارب ويصبرون على أذيتها ويحرمون ادخار الاموال، ويوجبون من الصوم والصلاة اكثر مما توجبه النصارى، ويحرمون المناكح كلها ولذات النفوس، فينبغي ان يكون دين هؤلاء هو اصح من النصرانية بألف طبقة.
والهند لها عبادات كثيرة وزهد عظيم، لا يدانيه ما يفعله أزهد رهبان النصارى. [والهند لها عبادات كثيرة] «١» وتوجب في دينها قتل انفسها، وتحرق انفسها بالنيران وهم احياء، واذا مات رئيسهم احرقوه واحرقوا معه احبابه واصدقاءه وخاصته وزوجته، يفعل ذلك بها ابوها وامها واهلها، وليس في دين النصرانية شيء من هذا، فينبغي ان يكون دين المنانية هذا «٢» اصح من مذاهب هذه الطوائف النصرانية/.
على انا لا نعرف دينا اوسع ولا ارخص ولا اسهل من دين النصارى، إذ ليس فيه زاجر مخوف كالحدود المكتوبة، ولا النار، ولا عذاب الآخرة، وان اشد العذاب في الآخرة ان المعاند الذي قد عرف الحق وتركه، يلحقه غمّ مدة ثم ينجلي وينقضي، فأما من لم يعاند، وان اخطأ، وان كان مع اعتقاده مخالفا لدين النصارى فليس عليه خوف ولا عقاب، اذا كانت نيته سليمة واعتقد الشيء على انه حق وان كان باطلا. واما النصارى فليس
_________
(١) لعل العبارة مكررة من الناسخ
(٢) في الاصل: وهذا، ولعل السياق يقتضي حذف الواو.
عليهم خوف، ولا يؤخذون بذنب من الذنوب، وقألوا لأن الرب الذي هو الأب «١» انما ارسل ابنه ليصلب ويقتل ليحمل خطايانا ويغفر ذنوبنا. فليس دين يغري بالقبيح، ويبعث على ارتكاب الفواحش، ويهيج على الفساد اكثر من دين النصرانية، وهم يدعون فيه الضيق قحة منهم ومباهتة، وهو كما ترى، وانما يدّعون لأهله ولمن دعا اليه المعجزات لأنه ليس فيه حجة ولا على صحته دلالة.
ثم نقول للنصارى: اعندكم ان من حمل السيف كان مبطلا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فالمسيح اول المبطلين، لأنه «٢» عندكم ارسل موسى ﵇ وغيره من الانبياء بالسيف وقتل الرجال والنساء المخالفين له، واحلّ له في بعض الحروب قتل الرجال وكل امرأة ضاجعت رجلا واستبقاء الأبكار، واحل له الغنائم واخذ الاموال ودفعها الى بني اسرائيل، وكذا سائر الانبياء الذين تتولونهم وتقولون إنهم على الحق، الى ان جاء المسيح وظهر للناس/، وقال: ما جئت مخالفا لموسى ولا للتوراة وانما جئت متمما، ولأن تسقط السماء على الارض ايسر عند الله من ان يحلّ شيء مما عقده موسى، ومن حل ولوالدي هو، واخذ من ناموس موسى يدعى ناقصا في ملكوت السماء «٣» .
ثم ليس عند هؤلاء اخذ الجزية ممن ملكوه وقدروا عليه ولا إقراره على
_________
(١) في الاصل: الابن
(٢) في الاصل: لأنهم
(٣) جاء في انجيل متى الاصحاح الخامس فقرة ١٧ وما بعدها: «لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس او الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل. فاني الحق أقول لكم الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماء» .
دينه، وليس إلا الإجابة الى الدين او القتل، وهذا اعظم وأشد وأغلظ من دين الاسلام وشريعته.
ونراكم تدعون للمسيح الرأفة والرحمة، وتنزيهه عن فعل الألم والشدائد والمضار والهموم، وهو عندكم قد شرع التوراة واحكامها وحدودها، وغرق اهل الارض في طوفان نوح، وعندكم ان هذا الموت والجذام والبرص والعمى والصمم وإنزال الجرب والاسقام وانواع الألم بالبهائم التي ما عصت من فعله، ثم اباح ذبحها واكل لحومها وإيلامها بالكد والركوب والحمل عليها الى غير ذلك مما قد فعلوه، فأين الرأفة والرحمة، وأين هذا ما أباحه نبينا محمد ﷺ من قتل من كفر بالله وافسد في الارض، هذا ولو «١» كنتم ترون المسيح نبيا مرسلا لما وجب ان تعيبوا حمله السيف لأنه قد جاء وصوب حمل الانبياء قبله للسيف، واباحة الحيوان، وان الامراض والاسقام من الله ومن قبل الله، فكيف وانتم [تدعون ان الفاعل لذلك جميعه هو المسيح] «٢» فما سمع بقوم هم اجهل وأوقح وأبهت من النصارى، إذ هذا قولهم وهم يعيبون حمل محمد ﷺ السيف على من كفر بالله وعبد الاوثان والكواكب والنيران من دون الله وكذب بهم/ وبهتهم اكثر من هذا. فإن قالوا: إن هؤلاء الانبياء حملوا السيف بأمر الله، قيل لهم: فقد بطل ان يكون حمل السيف باطلا من كل وجه على ما ذهبتم إليه، ووجب ان يراعي حامله، فإن كان قد حمله بحجة كان محقا. فينبغي ان ينظروا في اعلام محمد ﷺ ومعجزاته وآياته،
_________
(١) في الاصل: لو، وقد أضفنا الواو لما يتطلبه سياق الكلام.
(٢) وردت هذه العبارة في الاصل على النحو التالي: «تدعون انه هو الفاعل لذلك جميعه المسيح له» .
ويعلموا «١» انه مثل من تقدمه من الانبياء.
وتدعون التصوف والتقشف وطول الصيام والصلاة، والنهي عن حمل السيف. وليس في دين النصارى والمنانية والديصانية واشباههم حجة، فهم يخدعون الناس بلبس الصوف وإظهار الزهد.
ومثل هذا من جهلهم ومخاريقهم انهم يعيبون محمدا ﷺ باتخاذه النساء، وهم يعلمون ان آدم ونوحا وابراهيم ولوطا واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ويوشع وغيرهم ممن يقولون بنبوته ويشهدون بصواب مذهبه، قد اتخذوا من الازواج والسراري مثل ما اتخذ هؤلاء، بل فيهم من قد اتخذ في ذلك اضعافا مضاعفة كما كان لداود وأمثاله. والروم هم اصل النصرانية ولكنهم لم يجدوا في رسول ﷺ مغمزا فعابوه بحمل السيف واتخاذ الأزواج، وهم يعيبون هذا منه صلى الله عليه ويدعون ان الله قد اتخذ مريم اما لولده واتخذ الولد لنفسه وان لم يسموا «٢» مريم زوجة.
ومن عجيب ديانتهم، ان المذنب منهم يقول للقس والراهب: اعمل لي مغفرة وتوبة وتحمل ذنوبي، ويجعل له على ذلك جعالة على مقداره في الغنى والفقر، فيبسط القس كساءه ويأخذ الجعالة ثم يقول للمذنب: هات الآن واذكر لي ذنوبك/ ذنبا ذنبا حتى اعرفها وأتحملها. فيبتدىء ذلك المذنب رجلا كان او امرأة ملكا او سوقة فيذكر ما قد فعله شيئا شيئا، حتى يقول: هذه هي كلها، فيقول له القس: انها عظيمة ولكن قد تحملتها
_________
(١) في الاصل: ويعلمون
(٢) في الاصل: يسمون
وغفرت لك، فأبشر. وربما جمع الكساء من اطرافه ووضعه على ظهره وقال: ما اثقل ما في هذا الكساء من الذنوب.
ومن المأثور عنهم والشائع عليهم ان المرأة تقرّ عند القس بذنوبها، فتقول: أصابني رجل في يوم كذا فيستفهمها كم مرة فتقول: كذا وكذا، فيقول لها: اخبريني هذا الرجل نصراني او مسلم، فربما قالت: مسلم، فيستعظم هذا، ويستزيدها في الجعالة، فان زادته، وإلا غضب وانطلق وهو يقول: قد زنى بها المسلمون وتريد ان اغفر لها وإنما اعطتني كذا وكذا، فتردّه وتزيده وترضيه.
هذا من دينهم الذي الذي يدعون ضيقه، ويدعون انه على دين المسيح، وهذا لا يجوز ان يكون دينا له صلى الله عليه.
وقد قيل لبعض قسوسهم ما هذا من التوبة؟ فقال: وما وجه تركنا لهم لا نسألهم عن ذنوبهم ونطعمهم في غفرانها، فإنا لو لم نفعل ذلك ونأخذ المال منهم لافتقرت البيع.
وقلّ ما تجد منهم من يخاف عذاب الآخرة، لأنهم يعتقدون ان المسيح إنما قتل نفسه ليقيهم من الذنوب والعذاب، وأنه جالس على يمين ابيه، وأمه جالسة مما يلي يساره فهي تتلقى الذنوب اذا طلعت وتقول لابنها: سل يا بنيّ أباك الرب غفرانها، فهو عندهم يغفرها ويسأل أباه غفرانها.
والملوك بمصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وما والى ذلك يعوّلون على النصارى في الكتابة والوزارة والجهبذة. فلهم الرئاسة على المسلمين، يجبون اموالهم ويأخذونها منهم بالضرائب/ الموضوعة على كل شيء مما لم ينزل الله
به سلطانا، فيذلون بها الاسلام، وينفقونها في مكاره المسلمين.
وللفرس ايضا مثل هذه الفضائح التي تقدمت للنصارى، وهو ان زرادشت قد شرع لهم تطهير الحائض والنفساء والتي قد مات جنينها في بطنها ببول البقر «١» يتولى ذلك منها الهربذ بعد ان يجردها ويعريها، ويباشر ذلك منها بيده ورأي عينيه، فيبركها ويغسل ذلك المكان بيده، وربما جزعها منه جزعا واخذ على ذلك الجعالة على مقدارها. واول ما يأخذ الخلعة التي عليها اذا جردها للتطهير، واقل ما يأخذ على افقر فقير اربعة مثاقل فضة. وزعم الفرس والمجوس انه كان يرتفع لموبذان موبذ في ايام ملكهم من هذا الوجه اربعة ألف ألف دينار ينفقها على الهرابذة، وشرع لهم بالإنجاب على زوج المرأة اذا غاب عن امرأته او عجز عن بضاعها، ان يوكل في نيكها من يختاره من أصدقائه وثقاته ورفقائه.
ولم نكن في الرد على المجوس ولا النصارى، إنما قصدنا البيان انهم مخالفون للمسيح ودينه في الأصول والفروع.
فهذا يرحمك الله اصل مذهب النصرانية، ومذهب القراء والزهاد منهم.
فأما اهل الجدل والنظر ومن يتجرد في نصرة النصرانية ويضيف الكتب في ذلك فكلهم ملحدة وزنادقة، ويكذبون المسيح وجميع الأنبياء ﵈، ويستجهل الشرائع ومن يعمل بها فلا تكاد تجد فيهم إلا من هذه سبيله، مثل: قسطا بن لوقا، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق، وقويرى، ومتى الجرمقاني وهو المكنى ابو بشر بن يونس الذي فسر كتب الملحدة،
_________
(١) كتب المعلق في الهامش: «تطهير الحائض والنفساء ببول البقر في شرع المجوس» .
وهلك في سنيّ نيف وعشرين وثلثمائة، وبعده يحيى بن عدي، وعنه اخذ هؤلاء الملحدة «١» / الذين في زمانك، ومذهبهم لا يقوم بالجدل.
واذا قيل لهم: قالوا: حجتنا في ذلك على لسان أرسطاطالس ومن قوله ومن أصوله، وأرسطالس لا يؤمن بكتاب ولا نبي ولا شريعة، وينكر فلق البحار، وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، وولادة مريم من غير ذكر.
ويرى ان التصديق بذلك جهل وحمق وقلة عقل. فانظر من أولى بقلة العقل، هو او من يجعله حجه لدينه ويأخذ عنه، فما بعد هذا في فضيحتهم شيء.
فاعرف هذا من طريقتهم، فقد تبين لك ان ديانات هؤلاء النصارى خلاف ديانات المسيح ووصاياه وعهوده، وعلمت علم محمد ﷺ بذلك، وان علمه به من قبل الله، وانه من معجزاته.
والنصارى تقول: لعمري إن المسيح ما عمل طول حياته بشيء مما نحن عليه، وكذا تلاميذه من بعده فما لزموا شريعة التوراة ولكن من أتى بعدهم نقلونا وقالوا لنا قد قال المسيح: اعملوا بعدي بما ترون، قلنا: قد صدقتموهم في دعاويهم وهم قد جاؤوا بالرئاسة عليكم والتحكم فيكم وفي أموالكم.
فإن قالوا: إننا لم نقبل منهم إلا بالمعجزات، فقد فرغنا منها وبيّنا كيف كان الأصل من قسطنطينوس بين هيلانة «٢» وبيّنا ان المسيح وصاهم بشريعة
_________
(١) كتب المعلق في الحاشية: «الذين يكذبون المسيح وجميع الانبياء ﵈، ويستجهلون الشرائع مثل قسطا بن لوقا» .
(٢) في الاصل رسمت هيلانية، اما قسطنطينوس فقد رسمت في الاصل على النحو التالي: قسطنيطوس.
موسى ﵇، وان يعملوا بما رأوه يعمل طول حياته بما قدمناه؛ من تجريد التوحيد، وتنزيه الله ﷿، وبإقامة الشريعة كما بينا.
وحديث انتقالهم في كتابهم المعروف بأفراسكس وفي السنهودس الذي لهم، وانما هم ينهون من لا يعرف، ويقولون: نحن على شريعة المسيح، فإذا وافقهم العارف بذلك، قالوا: قد انتقلنا بالآيات والمعجزات، فإذا/ عرفهم حال قسطنطينوس بن هيلانة وما فعله وجميع هذا الذي بيناه، قالوا:
نهينا عن الجدل والبحث والتفتيش.
ومن عجيب أمورهم ان معهم وفيما حفظوه عن المسيح انه ﵇ قال لهم: انكم تأتوني يوم القيامة، وليحشرنّ اليّ سكان الارض فيقومون عن يميني وشمالي، فأقول لأبناء الشمال: لقد كنت جائعا فما أطعمتموني، وعريانا فما كسوتموني، ومريضا فما عدتموني ولا داويتموني، ومحبوسا فما زرتموني، فيكون من جوابهم ان يقولوا لي: متى كنت يا سيدنا مريضا او عريانا او جائعا او محبوسا؟ ألم نكن باسمك نتنبأ، وباسمك نشفي المرضى ونقيم الزمنى، وباسمك نطعم الجياع، ونكسو العراة، ونداوي المرضى، وباسمك نأكل ونشرب؟ فأقول لهم: قد كنتم تذكرون اسمي ولا تشهدون عليّ بالحق، ابعدوا عني يا عاملي الإثم. ثم اقول لأبناء اليمين: هلمّ ايها الصالحون الى رحمة الله والى الحياة الدائمة، وليس هاهنا من يطعم ويكسو او يداوي المرضى ويأكل ويشرب باسم المسيح ويفعل ذلك للمسيح إلا هؤلاء الطوائف من النصارى. فهذا نصّ واضح ببراءته منهم، وعداوته لهم.
والروم تأكل الخنزير وجميع الحيوان وذبائح الناس كلهم، فتبعوا الروم في هذا كما تبعوهم في غيره. فاذا قيل لهم في ذلك، قالوا: إن شمعون الصفا
رأى في المنام، واذا ثوب مربوط بأربعة اطرافه وهو ينزل من السماء الى الارض، فيه كل الدواب ذوات الاربع القوائم وزخارف الارض، وطير السماء، وحيوان الماء. وسمع صوتا يقول: قم يا شمعون، قم اذبح وكل، فقال شمعون: حاشا لي يا رب، فإني منذ قط لم آكل شيئا نجسا، فعاد الصوت/ المرة الثانية يقول له: لا تنجس ما طهره الله. وهذا عندهم رآه شمعون بعد موت المسيح ورفعه.
قلنا: فقد شهد شمعون ان هذا مما حرمه المسيح ونجسه، فقد اكد فضيحتكم اذ هو ما جاء الا بالتمام لا بالتغيير والنسخ.
والعجب ان معهم في أشعيا النبي «١»، أن شر الأمم وأنجس الأمم وأخبث الأمم، هذه الأمة ذات القلفة، الآكلة للخنزير، وكل البهائم. وهذا هو صفتهم.
وفي النصارى من يزيد في الكذب والمخرقة ويقول: انما قتل اليهود المسيح لأنه أحيا الموتى وأقام الزمنى «٢» في يوم السبت، وهذا دليل على انه أحل السبت، ونسخ ما في التوراة.
قلنا: قد بينا ما في الأناجيل وفي أفراسكس من وصايا المسيح بالتوراة، وما عمله، مما فيه بطلان هذه الدعاوي.
_________
(١) في الاصل: شعيا بدون ألف
(٢) جمع زمين: وهو المريض الميئوس من شفائه.
ومما يزيد في البيان عن كذبهم قول متى في انجيله: «ان المسيح كان يتمشى بين الزروع يوم السبت، وكان تلامذته قد جاعوا، فجعلوا يفركون السنبل ويأكلون، فلما رأى الأحبار ذلك قالوا له: إن تلاميذك هوذا يفعلون ما لا يحل لهم فعله في السبت، فقال المسيح: فما قرأتم ما صنع داود إذ جاع، كيف دخل بيت الله وأكل من خبز مائدة الرب الذي لم يكن يحل له أكله، ما خلا الكهنة فقط.
وقال لهم ايضا: «وما قرأتم في التوراة ان الكهنة في الهيكل يحلّون الهيكل وليس عليهم لوم» . فانظر كيف بيّن ان هؤلاء ما حلّوا «١» السبت ولا ما في التوراة، وأنهم انما عملوا بما يحل في التوراة، ولكنكم انتم جهلتم، فلو كان قد نسخها لقال/ لهم: انما فركوا السنبل في السبت لأن الله قد نسخ ذلك على يدي، ولم يحتج الى تبيين حال الاضطرار.
وذكر متى في انجيله ان المسيح لما أبرأ الرجل الأمثال قالت له اليهود:
هل يحل الإبراء في السبت؟ فقال لهم: اذا وقع لأحدكم كبش في البئر أما تستخرجونه، فالانسان أفضل من الكبش، وأنه قد يجوز أن يفعل الفعل الجميل في السبت، فلو كان حل السبت لقال ذلك وأظهره ولم يحتج، وقد قال لوقا في انجيله: ان المسيح كان يعلّم في يوم السبت في بعض الكنائس، وكان هناك امرأة بها مرض منذ ثمانية عشر سنة، وكانت منحنية، ولم تك تستطيع ان تبسط قامتها، فلما رآها المسيح قال لها: ايتها المرأة قد أطلقت من مرضك، فعوفيت من ساعتها. فقال رئيس اليهود: إن الايام التي يجوز فيها العمل ستة ايام ففيها تعالجون لا في السبت، فقال له المسيح: أما يطلق
_________
(١) هكذا في الاصل، ولعلها أحلوا.
احدكم ثوره او حماره عن المعلف في يوم السبت ويذهب به ويسقيه الماء، فهذه التي هي بنت ابراهيم ﵇، وقد ربطها للشيطان منذ ثمانية عشر سنة لا يجب ان تطلق عن الأسر. فلو كان كما قال هذا الكذاب، لقال:
السبت منسوخ، وكل الاعمال فيه جائزة مباحة.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح خبّر ببلاء ينزل بأصحابه وجلاء، ثم قال لهم: صلّوا لله وارغبوا اليه ان لا يكون هربكم وجلاؤكم في يوم السبت ولا في الشتاء. وهذا قاله لهم عند فراقه إياهم ووداعه لهم، لتعلم تأكيده لإقامة السبت من بعده والتمسك بشرائع التوراة، وانما امرهم مسألة/ الله ألا يكون هربهم في يوم السبت، لأنه لا يحل لهم ان يحملوا في يوم السبت شيئا من امتعتهم وأموالهم، وانما يحل النجاة بالنفس لا غير. وكل هذا بيّن رفض النصارى لدين المسيح.
واذا قيل لهم: لم تصلّون الى المشرق وقد علمتم ان المسيح لم يزل يصلي الى بيت المقدس الى ان خرج من الدنيا، وانما المشرق قبلة الروم؟ قالوا:
لأن الله خاطب الانبياء من قبل المشرق، وبعضهم يقول: ان المسيح لما صلب أمال وجهه الى المشرق فلهذا صلينا الى المشرق، فقيل لهم: فمن أعلم بالمصالح أنتم أم المسيح، وقد علمتم وتيقنتم انه ما صلى الى المشرق، ولكنكم صرتم الى ديانات الروم وفارقتم دين المسيح.
وفي الانجيل سألته السامرية: ارى انك نبيّ انت، آباؤنا انما سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن الموضع الذي يجب السجود فيه انما هو اورشليم قال لها يسوع: ايتها المرأة «١» صدقت «٢»، أما [إن] «٣» بين اتباعه [من] «٤» لا
_________
(١) في الاصل: الامرأة
(٢) في الاصل: صدقتي
(٣) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٤) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
يسجدون للرب لا في هذا الجبل ولا في اورشليم.
فانظر الى الافصاح والبيان في هذا، ان المسيح إنما كان يصلّي الى اورشليم وهو بيت المقدس، ليعلم انهم خالفوا ما كان عليه.
وقد ذكرت لك انه ما قصدنا بيان فساد النصرانية، إنما قصدنا البيان عن مفارقتهم لدين المسيح ومخالفتهم له في الاصول والفروع جميعا مع شدة تحققهم به، وأن علم محمد ﷺ بذلك انما هو من قبل الله ﷿، وأن ذلك من معجزاته وآياته وإن كان قد اتفق من حكايات اقوالهم والرد عليهم ما لا يكاد يوجد في كتاب، سيما حكاية تسابيحهم وأقاويل رؤسائهم.
فاحتفظ بذلك فانك لا تكاد تجده/ في كتاب، وبك الى حفظه امس الحاجة.
فأما المسألة لهم والرد عليهم فكثير.
فمن ذلك، كتاب الجاحظ، وكتاب آخر له يعرف بالرسالة العسلية، ولأبي جعفر الاسكافي، ولأبي بكر احمد بن علي بن الأخشيد قطعة حسنة في كتاب المعونة. ولأبي عيسى الوراق كتاب عليهم، ولأبي علي كتاب عليهم، ولأبي هاشم مسألة في البغداديات، وفي أصول ابن خلاد وفي شرحه، وفي الايضاح لأبي عبد الله البصري، رحمة الله عليهم اجمعين، كلام عليهم «١» .
_________
(١) ابو بكر الاخشيد احد رجال الفكر الذين أيدوا المعتزلة في بعض أقوالهم وخالفوهم في بعضها توفي سنة ٣٢٠ هـ. اما ابو علي وابو هاشم فهما من كبار رجال الاعتزال وقد سبق التعريف بهما، اما ابو عبد الله البصري فهو الحسين بن علي اكبر أساتذة القاضي عبد الجبار ومن كبار رجال المعتزلة توفي سنة ٣٦٧ هـ او ٣٦٩. واما ابو علي بن خلاد فهو ايضا احد كبار رجال الاعتزال وهو صاحب كتاب الاصول والشرح في علم الكلام وهو احد أساتذة القاضي وقد عده في الطبقة العاشرة، اما ابو جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي فقد كان احد أئمة الاعتزال، خلف حوالي سبعين كتابا في الكلام، توفي سنة ٢٤٠ هـ.
وليس عندهم ان المسيح تكلم في المهد، ولا اتى ببراءة ساحة امه، وأكثر ما عندهم ان مريم ﵍ كانت مملكة بابن عم لها يقال له يوسف ويعقوب النجار، وأنها كانت عنده، وأن الناس كانوا يرون ان المسيح ابن يوسف، الى ان عمّده يوحنا في الاردن، وجاء الصوت من السماء: هذا ابني الذي سررت به نفسي. قالوا: فعلمنا انه ابن الله تعالى الله لا ابن يوسف النجار. قالوا: وكان هذا بعد ان اتى على المسيح ثلاثون سنة، وكان الناس لا يشكون انه ابن النجار الى ان جاء هذا الصوت بزعم النصارى، فأي سخف وضعة وطعن في حكمة الله اعظم من هذا، وهو عندهم رب العالمين، وقد خلّى عباده يقذفون امه.
وفريق منهم وهم الخاصة يذهبون الى ان ربهم يهودي بن يهودي، مولود من يهودية، وان امه امرأة يهودية، وقال متى في انجيله: لما ظهر الحمل بالمسيح بمريم البتول هم يوسف النجار بطلاقها، فأتاه الملك في المنام فقال له:
يا يوسف النجار لا ترتب بحليلتك مريم فإن الحالّ فيها من روح القدس، فأمسك عن طلاقها.
فانظر كيف يشهد بأنها حليلة يوسف النجار وزوجته، / وانه هم بطلاقها واتهمها بالزنى وأراد طلاقها فرارا من العار.
وبعضهم يذكر في ترجمة انجيله: هذا ميلاد يسوع «١» بن يوسف النجار، ومتىّ يقول في انجيله: هذا ميلاد يسوع «٢» المسيح. وقال: يعقوب والد يوسف رجل مريم التي منها ولد يسوع المسمى مسيحا، فانظر كيف يحققون ان يوسف زوجها.
_________
(١) في الاصل: ياشوع.
(٢) في الاصل: ياشوع.
وفي الانجيل ان المسيح لما ولد ختن بعد ثمانية ايام، وان يوسف النجار اخذه مع امه وخرج بهما الى مصر فأقام اثني عشر سنة، ثم اخذهما وردهما الى بيت المقدس.
وفيه ان يوسف دخل بيته فقال لمريم: اين الصبي، يعني عيسى المسيح، فقالت له: ظننته معك، فقال: وأنا ظننته في البيت عندك ومعك، فقلقا لذلك وخافا عليه الضياع، فخرجا جميعا في طلبه، فقال يوسف النجار:
لمريم خذي انت طريقا وآخذ انا طريقا آخر، فلعل واحدا منا يجده.
فمشيا متحرقين، فلقيته مريم امه فقالت: يا بني، اين تكون؟ ظننتك مع ابيك وظنك ابوك عندي فلما لم يرك قلقنا فأخذ ابوك في طريق وأخذت انا هذا الطريق، فأين كنت، ومع من كنت وابوك متحرق عليك؟
فقال: كنت في بيت المقدس اتعلم.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح اجتمع مع اليهود وضرب لهم الامثال، فلما فرغ المسيح من هذه الامثال تحول فدخل مدينته، وكان يعلم في كنائسهم فكانوا يتعجبون ويقولون: من اين لهذا هذه الحكمة، أليس هذا ابن يوسف النجار، أليس امه التي تسمى مريم واخوته يعقوب وشمعون ويهوذا واخواته كلهن أليس هن عندنا، من اين لهذا هذا كله، وجعلوا يحتقرونه ويأثمون فيه/ ويقذفونه، والمسيح يقول لهم: ليس من نبيّ إلا ويحتقر في مدينته.
والنصارى توافق المسلمين في ان المسيح ولد من غير ذكر، ثم يقولون في اناجيلهم: إن يوسف النجار زوج مريم ام المسيح، ورجل مريم، وابو المسيح، وانه كان يدعي بذلك ويعرف به غير متناكر بينهم، وأنه كان له إخوة وأخوات.
وفي أناجيلهم وأخبارهم انه لما طلب جاءته أمه مريم ومعها أولادها يعقوب وشمعون ويهوذا، فوقفوا حذاءه، فقال لها وهو على الخشبة: خذي أولادك وانصرفي، فما الذي بعد هذا في البيان ان مريم ولدت بعد المسيح من يوسف النجار هؤلاء الجماعة وكانوا إخوة المسيح من أمه، فأي فضيحة تكون أبشع من هذا.
ومن عجيب امر النصارى، ان اصحاب الأناجيل الاربعة قد قصدوا الى ذكر نسب يوسف النجار خاصة، وليس في ذلك نسب للمسيح اذ كان مولودا من غير ذكر، وانما يتصل نسبه الى سليمان بن داود ﵉ من قبل أمه لا من قبل احد من الرجال، وهذا تخليط بيّن وجهل ظاهر، ولذلك وجد اليهود السبيل الى الطعن في المسيح.
ولتعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف من النصارى أجهل عالم الله بالمسيح واخباره وأخبار أمه، وان كل واحد من اصحاب هذه الأناجيل إنما تلفظ ما كتبه بعد المسيح بالدهر الطويل، وبعد مضي اصحابه عمن لا يعرف ولا يحصل، وفيها من الاختلاف والتناقض لما هم عليه ما يطول شرحه.
وفي أناجيلهم ان المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية فقذفهم وقال مجيبا لهم: إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية ولن تعطى آية خلا آية يونان النبي، هذا على قولهم يدل انه ما معه آية بهذا الإفصاح، وأنه ما ادعى ذلك عند/ الحاجة اليه.
والنصارى لا تعرف الربوبية ولا تفرق بينهما وبين الانسانية ولا يقوم على احد حجة بنقلهم وادعائهم إلا بايات للمسيح، ولولا شهادة رسول الله ﷺ للمسيح ﵇ بالنبوة لما عرف احد ذلك.
ومن أكبر كيد رؤساء النصارى، ادعاء المعجزات لأنفسهم ولأمثالهم ممن سلف من رؤسائهم، والنصارى تقبل ذلك منهم بغير برهان ولا حجة، فاذا مات ذلك الرئيس من راهب او قس او مطران او جاثليق قعد راهب وقال:
أنا كنت أخدمه فرأيت منه العجائب، فترحموا عليه معشر النصارى، وتوسلوا الى الله به فانه شاهد، فاشهدوا قبره وأكثروا زيارته. فيقول النصارى له:
يا رباني «١» حدثنا بما رأيت منه فيمتنع ويقول: أعفوني من الشرح، وكلما تمنع لجّوا في مطالبته، فيقيم على الامتناع فيزدادون حرصا في استخباره، فيقول: إنه في حياته ما تحدث به فما أحبّ أنا ان أتحدث به بعده، وإنما ذكرت لكم فضله لتتوسلوا الى الله به، فان صدقتموني فافعلوا وإلا فدعوا فما يضرني وليس هي أعجوبة وآية لي وانما هي له، فيزدادون حرصا، فيقول:
قد كان انقطع بنا الزيت في البيعة، وكان لا يطلب الزيت من احد ولا يدعني أطلبه، فاذا كان الليل أشعل القنديل وقام الى جرة له فيها خل فيصبه في القنديل فيصير من ساعته زيتا فيصطبح به كذا وكذا شهرا وقد كان في الجرة أكثر من خمسين رطلا خلا وهو في الجرة نأكله عند الافطار، وفي الليل/ اذا قلبه في القنديل صار زيتا.
ويتحدث آخر عن راهب صحبه، يقال له أبا مرقس، وانه كان كثير العبادة، وأنه توكل على الله وألقى نفسه في البحر، وقال: يفعل الله بي ما شاء، إن شاء غرقني وان شاء نجاني والقاني حيث شاء من ارضه. قال: فما جسرت ان افعل مثل ما فعله، وأقمت بمكاني بعده على ما فيّ من وحشة فراقه مدة طويلة، ثم دعاني ما فيّ من الوحشة له ان افعل مثل فعله، فإما
_________
(١) في الاصل: يا ربن
ان أغرق فأستريح من الوحدة»
. ففعلت وبقيت في البحر مدة، ثم ألقاني الله الى ارض لا اعرفها ولا بها ينبوتة يأكل منها حيوان؛ فأقبلت امشي فيها فوقعت عيني على شخص قائم يصلي فقصدت نحوه فاذا هو «أبّا مرقس» صاحبي، فقلت له: ربّاني «٢»، مذ كم انت هاهنا؟ قال: مذ فارقتك ألقاني الله الى هذه الارض، فقلت له: من اين تعيش وليس هنا ينبوتة يأكلها حيوان؟ فقال: اذا كان العشاء التفت من صلاتي فأجد سمكة مشوية حارّة في طبق رغيفين وسكرجة عسل، فأفطر على ذلك ويرتفع الطبق ولا ارى من يرفعه ولا من يضعه. فقلت له: هذا المقدار هو قوتك انت وان شاركتك فيه ضيقت عليك، فكيف اعمل انا وهذه ارض قفر، ما بها نبات ولا بها يبس «٣»، فقال: ما ادري وان شئت ان تقيم وتشاركني فيما يجيئني فافعل.
فأقمت، فلما كان العشاء اذ بطبقين وسمكتين ورغيفين وسكرجتين، أحدهما لي، والاخرى له. فقال لي: قد جاءك من الرزق مثل ما جاءني، فأقمت معه كذا وكذا/ سنة، فمرض ووصاني بدفنه وأمرني انصرف بعد دفنه اليكم لأعرفكم خبره لتزدادوا بصيرة في دينكم، ولولا وصيته لما فارقت المكان.
ويقول آخر من الرهبان لهم: أبشروا معشر النصارى، فإن دينكم الحق، فقد رأيت من العجب ما عرفت صحته، فيقولون له: مثل اي شيء رأيت فيقول: ليس هو شيء لي وإنما هو لغيري، وهو اني كنت في جملة الجاثليق فلان، فقال لي: يا اخي بلغني عن مطران خراسان انه يأكل اللحم، فامض اليه وقل له: اما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم؟ فمضيت
_________
(١) لعل في العبارة نقصا
(٢) في الاصل: ربن
(٣) في الاصل: أيبس
اليه فاتفق دخولي عليه وبين يديه مقلى مملوء عصافير قد قليت وهي حارة، وهو يأكل، فقال لي: كل، فقلت له: ابونا الجاثليق ارسلني اليك يقول لك: أما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم، فقال لي: هكذا قال لك ابونا؟ فقلت: نعم، فرفع يده وقال لي: نعمل ما قال ابونا، وقال لتلك العصافير التي في المقلى: كش، فتطايرت كلها، ورفع المقلى، فيصدقونه ويدونون ذلك، ويكتبونه. ويطرأ على من بالعراق منهم وما والى العراق راهب لا يعرفونه، فيقولون له: وقد دخل البيعة: رباني، من انت، ومن اين جئت؟ فيقول: دعوني وأعفوني فيراجعونه فيقول:
ذنبي عظيم وفضيحتي فاحشة فلا تسألوني عن شيء، فيلحون في سؤاله فيقول:
بشرط انكم تسترون عليّ، فيقول: انا كنت رجلا يهوديا شديد البغض للنصارى والمسيح، وسمعتهم يقولون في الانجيل ان المسيح قال: من كان نصرانيا خالصا وقال للشجرة قفي على أمواج البحر/ ولا تبرحي، فانها تقف. وكنت لا اصدق بهذا فجئت الى الملك وقلت له: أنا رجل يهودي، وقد قلتم ان المسيح قال لكم كيت وكيت، فإن صح هذا ورأيته بعيني تنصرت من ساعتي. فوجه الملك الى السواد فجاؤوه بشيخ ضعيف البنية وعليه المسوح، فقال له: هذا رجل يهودي، وقد قال كذا وكذا، فهات ما عندك في هذا، فأقبل الشيخ عليّ وقال: يا هذا اتق الله، إن كنت متعنتا فامض بسلام ولا تؤذنا، وإن كان ما تقوله حقا وعن نية صادقة فعرفني، فحلفت له على صدق نيتي، فقال لي: اذهب الى الصحراء فانطر اي شجرة شئت فعلّم عليها وارجع اليّ فعرفني العلامة، فذهبت وأعلمت على شجرة عظيمة ورجعت اليه فعرفته، فقال لي: تجيئني في غد حتى اريك شجرتك على موج البحر كما اقترحت. فجئته من غد وأخذ بيدي وجاء بي
الى البحر فأراني الشجرة التي اعلمت عليها قائمة منتصبة على موج البحر فتنصرت، فأنا اسيح في الارض وأبكي على ذنوبي وذهاب ايامي. فيصدقونه، ويكتبون ما قاله، ويكون مما يدرس في البيعة ويسمعه الرجال والنساء.
ويجيئهم آخر من الرهبان فيبكي، فيقولون له: من انت، وما يبكيك؟
فيقول: دعوني فإن مصيبتي عظيمة، فيقال له: اذكرها يا بني، فيقول:
ما اعقل امري، وما ادري ما اقول، فيقولون له: على كل حال اذكر مصيبتك وعرفنا حالك، فيقول: او ليس قد مات ابونا جورجس؟ فيقال له: ومن جورجس؟ فيقول صاحب البلا الفلاني والصومعة الفلانية، فيقولون:
ما نعرفه، وربما فيهم واحد يقول: قد سمعت به فيقول: فهل بلغتكم آياته ومعجزاته، فيقولون: حذ ثنابها، واذكرها لنا. فيقول: ما «١» لي اذكرها لكم، ما انتم نصارى بل انتم خلاف النصارى، ولو كنتم نصارى لعرفتموه وعرفتم آياته ودلالاته. فيسألونه ذكرها فيأبى ويتمنع، فلا يزالون يراجعونه/ فيخبرهم ان الملك الفلاني ارسل فأشخصه، وقال له:
ارجع عن هذا الدين وأنا اعطيك وأكرمك وأشاركك في ملكي، فأبى، فحبسه في محبس وثيق ضيق، ثم طلبه من السجان فما وجده في السجن، فلحق السجان من الملك كل ما يكره، وقال له: انت اطلقته، وبث الرسل في طلبه فوجدوه في صومعته فأتوا به الملك فقال له: اخبرني عن السجان، اهو الذي اطلقك؟ فيقول: لا، المسيح اخرجني، وفتح الابواب لي، وحجب الأبصار عني، فقال له الملك: انا الآن احبسك في محبس، فقل للمسيح يطلقك. فحبسه في حبس وثيق من وراء ابواب حديد مقفلة،
_________
(١) في الاصل: لما، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
ثم طلبه فما وجده. فأرسل الى صومعته فإذا هو فيها، فجاء به، وقال له:
من اطلقك فقال له المسيح: فرده الى الحبس وقيده وثقله بالحديد وزاد في التوثق، ثم طلبه فما وجده في الحبس، والأبواب والأقفال كما كانت، ووجد القيود؛ فأرسل في طلبه فوجده في صومعته فجاؤوا به وقد اغتاظ الملك مما يتم له، ومن تخجيله له مرة بعد اخرى، فأمر فضربت عنقه ودفن فلما كان من غد يوم دفنه وجدوه في صومعته، وقيل ذلك للملك، فبعث وأحضره وقطعه إربا «١» وحمل ودفن فلما كان من غد وجده في صومعته، وقيل ذلك للملك، فأرسل وجاء به وقطعه إربا «٢»، ودعا بنار فأحرقه وأمر برماده فألقي في البحر، فلما كان من الغد وجدوه في صومعته، فأرسل الملك وجاء به واعتذر إليه وتنصر.
فيقول الراهب: وكل هذا كان منه وأنا معه وأشاهده منه وما فعله الملك به، فمثل هذا لا ابكي عليه ولا تعظم مصيبتي به. وأشد من هذا، جهلكم وغفلتكم حتى كأنكم ما انتم نصارى ولا سمعتم/ بالنصرانية، ويبكي، فيصدقونه ويعتذرون إليه من غفلتهم وجهلهم بهذا الرجل وبما كان معه، ويجتمعون:
رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ويسألونه ذكر ذلك لهم، فيعيده على فوج بعد فوج، فينصرفون عنه وقد صدقوه. وينبثون ويتحدثون بذلك سرورا به، ويخالدون ذلك، ويجعلون لمثل هذا اعيادا، ويجعلون له أياما معلومة يقيمون هذه الاعياد فيها، ويعيدون حديثهم ليتطرّا ذكرها وليسمعها من يشاء من ذراريهم، ويسمون ذلك ذكران؛ فيقولون: هذا ذكران جورجس
_________
(١) في الاصل: ارابا
(٢) في الاصل: ارابا
وهذا ذكران ابا مرقس، وهذا ذكران فلان «١» .
ويجيبهم آخر، فيقول: تدرون معشر النصارى لم صار في العرب والقبط والحبشة والفلانيين «٢» نصارى؟ فيقولون: لا، [فيقول «٣»] ولكنني أدري ولو كنتم نصارى لدريتم، فيسألونه فيخبرهم. فيقول ان الآباء الأوائل باتوا ليلة لسانهم واحد، فأصبحوا وقد نطق كل واحد منهم بلسان امة من الأمم، فانطلق كل واحد منهم الى تلك الأمة التي نطق بلسانها، فدعاهم بلسانهم، وأظهر لهم الآيات والمعجزات، وإلا فقولوا لنا: لم تنصرت الارمن والعرب والقبط والحبشة؟ فيقولون له: صدقت، هذا برهان نيّر فيكتبون هذا ويدونونه ويجعلون له عيدا وذكرانا، وهذا اصله ومخرجه وأوله. فإذا تخلد وانبثّ ومرّت عليه الدهور وأتت عليه الأعصار، ادعوا انه شيء كان أصله بمشاهدة الأمم لأن الكذب فيما تقادم عهده أمكن. وانما يجعلون له ذكرانا وعيدا ويوما بعينه لتتم الحيلة فيه، وليظن من يسمع انه ما جعل له عيد ويوم معلوم وتاريخ مؤقت محدود إلا وهو حق وله اصل ليتأكد/ الكذب ويتم التمويه، وليتصل البر والصدقات على الرهبان في هذه الاعياد. والفطناء من النصارى يقولون: هذه الآيات والمعجزات انما هي من احتيالات الجثالقة والرهبان ومن يبغض العمل ويفر من الكد، ويسمونهم بلغتهم السريانية «عازق معناثا «٤»» معناه انه ترهّب ولزم الدين ليأكل من غير ماله ويستريح من الكد، والرهبان اذا ما تشاحنوا على ما يأخذون يقول احدهم لصاحبه:
النصارى يفضلونك علينا، ويعطونك أكثر مما يعطونا، ومالك من فضل
_________
(١) كتب المعلق في الهامش: في سبب ذكران النصارى.
(٢) هكذا في الاصل
(٣) في الاصل لا توجد كلمة فيقول، وهي اضافة مني ليستقيم الكلام.
(٤) كتب المعلق في الهامش: عازق معناثا.
علينا، كلنا قد فر من العمل، وانما نحن نصلي للنصارى. ولهم من المكاشفات ما يطول شرحه، ولكن ليس متأمل ولا متخرق على الاسلام ولا متفقد «١» .
وربما ورد الراهب على النصارى بمثل ما قدمنا، فيقبل الرهبان بعضهم على بعض بالقول فيما بينهم: تأملوا هذا الفار من العمل بأي شيء قد جاء يخدع النصارى، وانظروا هل يكون له بخت. وربما جاء الراهب الى الجاثليق بمثل هذ لينفق عنده، فيقول له الجاثليق: عزمت على الهرب من العمل، انت عازق معناثا، فربما بكى، وقال له: أبونا ما يحل لك ان تقول لي هذا، فيقول الجاثليق: يا أخي ما ينبغي ان تعمل معي هذا فأنا أعرف بالصنعة، هبنا خدعنا غيرنا، بعضنا يعرف بعضا والصنعة واحدة، وأنا عازق معناثا مثلك، فلا تبك.
ومثل هذا رحمك الله تجد كثيرا من القسيسين والرهبان، اذا رأوا راهبا او جاثليقا او قسا او مطرانا قد ادّعيت له المعجزات ونفق على النصارى، يقول بعضهم لبعض: انظروا بأي شيء نفق هذا على النصارى الجهال ونفذت حيلته فيهم واستوت له عليهم/ الرئاسة.
وكان متى بن يونس القس صاحب المنطق «٢» يقول عند مثل هذا: هذا بخت النغول «٣» . وعلماء النصارى يسرعون الى الإلحاد كما تقدم ذكره لك، ومما يدنيهم من هذا الامر، ان موضوع النصرانية ان الآيات والمعجزات
_________
(١) هكذا وردت العبارة في الاصل
(٢) متى بن يونس النصراني (ابو بشر)، حكيم منطقي توفي ببغداد سنة ٣٢٨ هـ. ترجم عدة كتب في الفلسفة والمنطق الى اللغة العربية. انظر الفهرست ١: ٢٦٣، ابن ابي اصيبعة ١: ٢٣٥، القفطي ٣٢٣.
(٣) نغل الاديم فهو نغل اي فسد فهو فاسد، والنغل ايضا ولد الزانية. انظر القاموس المحيط
تكون في عبادتهم في كل عصر لا تنقطع، تدعي ذلك الملكية لعبادها، كما يدعيه باقي طوائفهم، ويدّعون المشاهدة في كل زمان وأوان، مع إكفار بعضهم لبعض. وليس فيهم احد رأى شيئا من ذلك، وليس إلا الدعاوى التي تقدم ذكرها والذكران والاعياد، فيلحدون ويظنون بما يدّعى لموسى وهارون وعيسى ﵈ بمثل ما يدّعى للرهبان.
ومما يؤثر ان النصارى جلسوا في ذكران جورجس، وما جرى عليه من القتل مرة بعد مرة وهو يعود ويقوم من قبره الى الصومعة. فيقول قائل منهم: لو صدقنا انفسنا لعلمنا ان هذا كذاب لا اصل له، المسيح صاحب جورجس ذاق مرّ الحديد مرة واحدة فما عاد ولا تعرض لمثلها، فكيف بتعرض لها جورجس وهو دونه في الصبر والبصيرة، فأضحكهم.
وأكثر ما عند اهل البصائر منهم ان يقولوا: سبيلنا ان نسلم للرؤساء ونقنع في الدين بالتقليد ولا نطلب فيه البرهان، فليس امر الشريعة والبيعة من امر الطبيعة في شيء. وهذا شيء ألقاه لهم هؤلاء الرؤساء الذين يستأكلونهم ويسخرون منهم، وأكثرهم ملحدة كما قدمنا. وهم يريدون بالطبيعة ما يقوله أرسطاطاليس وأمثالهم من الملحدة: في ان الشمس والقمر وسائر أجساد السماء لا يجوز ان تتصدع ولا تتفرق، ولا ان تكون حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا حلوة ولا حامضة/ ولا ثقيلة ولا خفيفة، وما اشبه ذلك من جهالاتهم التي تزيد على جهالات النصارى أضعافا مضاعفة.
ويدعون انهم قالوا ذلك ببرهان. وان الربوبية والنبوات والشرائع لا يقوم عليها برهان فخاصة النصارى ورؤساؤهم أجهل من عامتهم بطبقات.
والقبط تبغض بني اسرائيل لما جرى عليهم وعلى فرعون من موسى.
فلما غلبت الروم على بني اسرائيل وملكت مصر والشام والجزيرة، وأخذت الناس بهذا الدين بالرغبة والرهبة كما بيّنا وكما ترى وتشاهد، اسرعت القبط الى ذلك، وخالطت الروم قبائل العرب من غسان وغيرها بالشام فدعتها الى النصرانية، وبذلت لها الملك، وذكروا لهم دين المسيح وما يذهبون اليه من المعجزات التي ذكرناها، فسهل ذلك عليهم وهم كانوا عبّاد أصنام، فلم يبعد عليهم ذلك.
وقد صار في هذه الامة من يسلك هذا السبيل، ويؤكد دعواه بادّعاء الآيات والمعجزات والتواريخ والايام، كادّعاء الحنبلية ان المعتصم بن الرشيد لما ضرب احمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره، وان المعتصم وتلك الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ضربه وخضع له وسأله بعد أن اعتذر اليه ان يحله فأجابه احمد الى ذلك، فخلع عليه وكرمه، وسأله ان يدعو له، وصرفه الى منزله.
ويدّعون لمعروف الكرخي وغيره ما قد علمت «١» .
وادّعى آخرون ان رسول الله «٢» ﷺ استخلف على أمته رجلا بعينه، وان امته اجابته الى ذلك وأظهرت السمع والطاعة، فلما قبض رسول الله ﷺ
_________
(١) كانت محنة الامام احمد بن حنبل (توفي سنة ٢٤١) بسبب موقفه الصلب الذي اتخذه في مشكلة القرآن هل هو مخلوق ام قديم، فقد كان من رأي المعتزلة اصحاب السلطة آنذاك ان كلام الله فعله فهو مخلوق، وقد حاولوا ان يأخذوا الناس والعلماء بعقيدتهم واضطر الكثيرون الى مجاراتهم بسبب ضغط خلفاء بني العباس: المأمون والمعتصم والواثق وبتأثير كبير وزرائهم احمد ابن ابي دؤاد، الا ان الامام ابن حنبل رغم التعذيب على رأيه من انه لا يطلق على القرآن لفظا يرد فيه نص. وقد أحيطت محنته بمبالغات كثيرة، اما معروف الكرخي فينسب له الصوفية كثيرا من الكرامات، توفي سنة ٢٠٠ هـ
(٢) عبارة «ان رسول الله» مكررة في الاصل.
عطلوا ذلك كلهم، وارتدوا/ بأسرهم. وهذا قول الكاملية، ورئيس هذه المقالة ابو كامل معاذ بن الحصين النبهاني الكوفي. وقال هشام بن الحكم «١»:
قد ارتدوا كلهم إلا نفرا يسيرا، فانهم أقاموا على اعتقاد هذا النص بضمائرهم وقلوبهم دون الإظهار بألسنتهم. قالوا: وهذا اليوم هو يوم الغدير «٢»، وحين ظهروا هذه الطائفة في سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة عيّدوا في ذلك اليوم ليؤكدوا كذبهم في المهاجرين والانصار في انهم ارتدوا، فاعرف ذلك.
والحنبلية والإمامية يحتجون بكثرتهم وان مقالتهم قد غلبت على البلدان، وقد تقدم لك القول: ان الكثرة لا تدل على صحة النحلة وانما يدل عليها قيام الحجة، وان قلّ عدد العاملين. بل لو كان القائل بالحق رجلا واحدا، وقامت له الحجة، لكان اولى بالحق ولو خالفه جميع اهل الارض. وقد قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁: إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف اهله، واعرف الباطل تعرف اهله.
وقد كانت الحنبلية تحتج على خصومهم من الرافضة بالكثرة وتقرع الرافضة بالقلة، والرافضة تحتج بأن الله قد ذم الكثرة ومدح القلة وتتلو ما في من القرآن، فلما اتفقت لهم منذ سني ونيف وخمسين وثلثمائة للهجرة احتجوا بالكثرة،
_________
(١) هشام بن الحكم الشيباني: من كبار مفكري الشيعة ومتكلميهم توفي سنة ١٩٩ هـ. منتهى المقال ٣٢٢- ٣٢٣
(٢) يقصد غدير خم، وهي بئر على ثلاثة اميال من مكة، وقد روي ان الرسول ﵊ خطب المسلمين فكان من جملة قوله: «ألست أولى بكم من انفسكم؟ فقالوا اللهم نعم، فقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ...» وهذا الحديث مشهور، وقد استدل به الشيعة على ان الرسول ﵊ قد نصّ على الخلافة من بعده لعلي ﵁، ولم يجد باقي المسلمين فيه اكثر من الدلالة على فضله.
وكتب رؤسائهم القدماء مملوءة بذكر ذم الكثير ومدح القليل، فاعرف ذلك.
ثم يقال للامامية: إن النص الذي ادعيتموه من النصوص التي تلزم الكافة من الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمسافرين والمقيمين والخاصة والعامة، لو كان له أصل لكان العلم به عند كل عاقل سمع الأخبار كالعلم بأمثاله من نصوص الكافة وإن لم يعرف اليوم الذي كان فيه ولا المكان ولا عين اللفظ به، لأن قول النبي ﷺ: فلان خليفتي عليكم/ وحجة الله بعدي عليكم، كقوله: أنا رسول الله اليكم، وحجة الله عليكم، وقد عرف هذا من نصوصه ﵇ كل عاقل سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، وإن لم يعرف الوقت الذي قال هذا فيه ولا المكان، فإن عرفه كان من الفضل.
وهذا بيّن كاف، بل نصوص الإمامة والرئاسة الصحيحة منها والفاسدة إذا وقعت حصل العلم بها عند كل من سمع ذلك الخبر، ألا ترى ان نص عمر على عليّ ابن ابي طالب ﵄ بالإمامة والخلافة في الشورى قد عرفه كل من سمع الأخبار، وكذا نص اهل المدينة عليه بعد عثمان، ونص ابي بكر على عمر، ونص الصحابة على ابي بكر، ونص معاوية على يزيد، ونص مروان على عبد الملك، ونص عبد الملك على ابنه الوليد، ونص المنصور على المهدي. فلو كان النبي ﷺ قد نص على رجل من اصحابه بأي لفظ كان لكان العلم به اقوى من العلم بهؤلاء، لأنه ليس في هؤلاء احد يعتقد في نصه وفرضه ما يعتقده المسلمون في نصوص رسول الله ﷺ وأوامره، وفي فقد العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له بوجه من الوجوه. وبمثل هذا يعلم ان أمير المؤمنين ما نص على ابنه الحسن ﵄، وبمثل هذا نستدل على فساد قول أهل التناسخ وما يدعونه على العقلاء من الاكوار والادوار، وبمثله يعرف بطلان قول الملحدة في دعواهم في النفس، ونزولها من عالم العقل
الى عالم الحس.
فإن قيل: إن هذا قد حسد الناس صاحبه، ونافسوه عنه، ودفعوه ومنعوه من استعماله وذكره.
قيل له: انك لم تطعن في الدلالة، بل تركت ذلك وادّعيت دعوى اخرى، فدعواك الحسد والمنافسة كدعواك/ النص، وهذا فيه أتم كفاية على بطلان قولك.
ثم يقال له: إن هذا الدليل قد دل على ان ليس هناك من رسول الله ﷺ نص على رجل بعينه ينافس فيه او يحسد لأجله، فلو اراد اصحاب رسول الله ﷺ أن يعصوا الله بتعطيل نصه على امير المؤمنين لما قدروا على ذلك، ولا وجدوا سبيلا اليه، لأنه شيء ما كان قط ولا وجد.
ثم يقال له: لو كان هناك نص حتى ينافس صاحبه او يحسد لما قدح ذلك في العلم به، ولما زادته المنافسة إلا قوة. ألا ترى ان اهل المدينة لما نصوا عليه بعد عثمان قد نافسه معاوية ودفعه عن الخلافة فما اثر ذلك في العلم بعقد أهل المدينة عليه، بل زاده قوة ونشره وبسطه. وقد عقد اهل الكوفة للحسن بعد أبيه ﵄، فدفعه معاوية ونافسه وزاحمه وغالبه وغلبه، فما اثر ذلك في العلم بالعقد له بل زاده قوة. وقد ترشح سعد ابن عبادة الأنصاري للخلافة بعد رسول الله ﷺ، ورأى نفسه أهلا لذلك، فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه منه.
وقد ادعى مسيلمة النبوة فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه وقتله، وادعى طليحة ذلك فمنعه ابو بكر ودفعه وأسره، فما أثر ذلك في العلم بما
ادعى هؤلاء ودعوا اليه بل زاده قوة وعرف الناس الدعوى والمدعى، والرافع والمرفوع، والمانع والممنوع، هذا وليس لسعد احد يقول بامامته ولا يخاصم فيها، ولا يضع فيها الكتب، ولا يسير فيها الاشعار، ولا يقيم فيها المناحات، وكذا ما ادعاه مسيلمة وطليحة، فعلمت ان هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ولا ادعاه، ولا ادعاه امير المؤمنين ولا دعا اليه، ولا كان احد من الصحابة يتديّن بذلك، ولا يذهب اليه حرّ ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى. يزيدك وضوحا بذلك، ان امير المؤمنين لما عقد له اهل المدينة كان قوم معه وقعد قوم عنه فلم يكونوا معه ولا عليه وكانوا في المدينة معه، كأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن مالك، وغيرهم. ثم رجع قوم ممن كانوا معه فصاروا عليه، وهناك قوم لم يكونوا معه بل كانوا في جميع الاحوال عليه، ويعلم بذلك كل عاقل سمع الأخبار.
وهؤلاء زعموا ان رسول الله ﷺ قام بهذا النص الشامل العام، وعرف الناس هذا الفرض وقدره عندهم، وأداه اليهم بحسب عمومه وشمولاه، وأعلمهم انه شيء يلزم كل واحد منهم، من حر وعبد وذكر وأنثى ومسافر ومقيم وعليل وصحيح، وانهم أظهروا له القبول والرضا، فلما مات ارتدوا كلهم ورجعوا عن هذا النص.
وقال هشام: ارتدوا كلهم إلا ستة نفر منهم، قلنا: فقد كان ينبغي ان يكون العلم بهذا عند كل من سمع الاخبار، وان يكون أقوى وأقهر واغلب من العلم بالذين قعدوا عن امير المؤمنين فلم يكونوا معه ولا عليه، ومن العلم بالخوارج الذين كانوا معه ثم صاروا عليه، ومن العلم بما كان بينه وبين معاوية، ومن العلم بالتحكيم، وإلا فكنا نكون كمن قال: ترون الحصاة وهي على ابي
قبيس «١»، ولا ترون أبا قبيس، وهو مكان الحصاة لأن ذاك العقد من رسول الله ﷺ اعظم، وفرضه أعم وأشمل من النص على القبلة، وعلى صيام شهر رمضان، وعلى/ الجمعة وغسل الجنابة. ألا ترى ان فرض القبلة يسقط عمن خفيت عليه الدلالة وعن المتأنف «٢» وعن المسافر في التطوع ولا يسقط عنه اعتقاد الإمامة وطاعة الإمام، وقد تسقط الجمعة عن المسافرين والمرضى والنساء والعبيد ولا يسقط عن احد منهم اعتقاد الإمامة وطاعة الامام، وقد يسقط الصوم عن المسافرين والمرضى والحيض ولا يسقط عن أحد منهم اعتقاد الامامة وطاعة الامام، فلو كان كما ادعوا لكان العلم بذلك عند كل عاقل سمع الأخبار أقوى وأقهر وأغلب من العلم بالقبلة وبصيام شهر رمضان، وبالجمعة وبغسل الجنابة. ومثله في النصوص، نص النبي ﷺ على انه رسول الله الى الناس جمعا، ألا ترى أن العلم بذلك حاصل عند كل عاقل سمع الأخبار، ممن صدقه او كذبه، فلو كان لهذا النص أصل لكان يعلمه كل عاقل سمع الأخبار وإن لم يقبله وإن لم يتدين به. كما علم اليهود والنصارى والمجوس انه ﵇ نص على انه رسول الله اليهم، وأن طاعته ﵇ تلزمهم وتجب عليهم، وفي عدم العلم بذلك دليل على أن هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ساعة قط، ولا كان منه فيه إشارة ولا إيماء بوجه من الوجوه.
ولسنا نقول: إنه لو فعله لقبلوه وعملوا به، بل نقول: كان العلم يحصل
_________
(١) ابو قبيس: جبل بمكة سمي برجل من مذحج حداد لأنه اول من بنى فيه. القاموس ٢: ٢٣٨
(٢) المتأنف: المبتدىء، والائتناف: الابتداء.
به عند كل من سمع الأخبار وإن لم يعملوا به، وإن اجمعوا على تعطيله كما اجمعوا على تعطيل إمامة سعد بن عبادة، ونبوة مسيلمة وطليحة.
فاعرف ذلك.
ومما يزيدك بيانا، ان النبي ﷺ قد نصّ على اشياء، فلما قبض ارتدت العرب عن ذلك بألوان الردة، / فادعى مسيلمة النبوة في ربيعة بأرض اليمامة وادعى مثل ذلك طليحة في بني اسد، ورجعت قبائل كثيرة من فزارة وقضاعة وغيرهم ممن هو معلوم عن الشريعة كلها، واستثقلوا ما حرّم عليهم من الخمر والزنا والربا والسرقة والغارة وغير ذلك، وارتد من بالبحرين وبنو يربوع وغيرهم لمنع الزكاة، وقالوا لأبي بكر: نشهد الشهادتين، ونقيم الصلاة، ونجاهد معك العدو؛ فإن ابيت ذلك لحقنا بالعدو وحاربناك.
وأقام ابو بكر والمهاجرون والانصار على الاسلام، وجاهدوا المرتدين كلهم، فحصل العلم بذلك عند كل من سمع الاخبار. فلو كان لما ادعاه هؤلاء القوم ادنى إشارة، لكان العلم بذلك مثل العلم بهذه الامور، بل قد كان ينبغي ان يكون اقوى واقهر، وإنما هذا شيء ادعاه ابو كامل وهشام «١» بعد انقراض الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين، وتابعي تابعي التابعين.
وعلى ان قوله ﵇: «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، «ومن كنت مولاه فعلي مولاه»، وما اشبه ذلك مما يجعلونه حجة في دعاويهم، ليس من ألفاظ النصوص والاستخلاف والوصايا في لغة ولا في عقل ولا في شريعة، وانما هي فضائل ادخلها هؤلاء في هذه الدعاوي، وانه امر
_________
(١) سبق ان مر التعريف بأبي كامل وهشام بن الحكم.
لا تقوم به حجة، ولا يجدون فيه حيلة، فلجئوا الى التعلق بهذه الفضائل، وقالوا: هي نصوص، فلو لم يدلك على فساد قولهم إلا تعلقهم بهذه الاشياء لكفاك وأغناك.
وقد رفع الله قدر رسول الله ﷺ ان تكون نصوصه ووصاياه بمثل هذه الالفاظ؛ يزيدك بيانا انه ﵇ قد نص على خلق كثير بالولاية والإمارة، فقال/ في غزاة مؤتة للجيش الذي أنفذه: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فان هلك فعبد الله بن رواحة. ومثل ذلك في الامراء ولعلهم نحو ألف امير، ما فيه نص بهذه الالفاظ التي يدعونها هؤلاء.
وقد استخلف ابو بكر عمر بن الخطاب، وعمر اهل الشورى، فليس فيهم من قال من كنت مولاه ففلان مولاه، وكذا سائر من عهد الى احد لم يذكر هذا اللفظ، وهم عرب وفصحاء، وفي دعوة الاسلام، وينتمون الى رسول الله ويؤكدون عقودهم بكل ما يقدرون عليه مما هو مستعمل في اللغة والشريعة؛ وهم لا يعرفون هذا اللفظ في العقود، وانما هذه فضائل لا مدخل لها في النصوص والوصايا والعقود. وقد قال رسول الله ﷺ في رجال كثير ما هو آكد وأشف من هذا وأوضح؛ ألا ترى انه قال:
«اقتدوا بالذين من بعدي: ابو بكر وعمر «١»»، وقال ﵇: «هما كالملائكة والأنبياء» في قصة أسارى بدر، لما أشار عليه ابو بكر بالعفو عنهم
_________
(١) انظر كتب المناقب وفضائل الصحابة في كتب الحديث ففيها الكثير من الاحاديث في فضائل الصحابة جميعا.
واستبقائهم، واشار عليه عمر بقتلهم واستئصالهم، فقال رسول الله ﷺ: إن لأبي بكر وعمر إخوة من الملائكة والنبيين تشبههما، فأبو بكر كميكائيل في الملائكة ينزل بالعفو والرأفة والرحمة، وهو كابراهيم الخليل اذ يقول:
«فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١»»، وهو كالمسيح اذ يقول: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢»» .
ومثل عمر مثل جبرائيل ينزل بالعقوبة والنعمة، ومثله في الأنبياء كنوح إذ يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٣»»، وكموسى إذ يقول: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ «٤»» . وإن الله ليشدّ في هذا الدين قلوبا فيجعلها كالحجارة، ويلين فيه قلوبا/ فيجعلها ألين من اللبن. وشبّه عثمان بلوط ﵇، فانه لما اسلم آذته قريش، فهرب بدينه الى ارض الحبشة ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ودعهما رسول الله ﷺ وعانق عثمان وقال: «إنه لأول من هاجر بدينه مع اهله بعد لوط»، وقال ﵇: «من احب ان يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن ام عبد «٥»»، وقال ﵇: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن ام عبد، وكرهت لها ما كرهه ابن ام عبد «٦»»، وقال للأنصار:
«إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع»، «ولو سلك الناس شعبا
_________
(١) ابراهيم ٣٦
(٢) المائدة ١١٨
(٣) نوح ٢٦
(٤) يونس ٨٨
(٥) رواه الامام احمد في مسنده وابن ماجه والحاكم عن ابي بكر وعمر. انظر الزيادة على الجامع الصغير ٣: ١٤٨
(٦) رواه الحاكم عن ابن مسعود. انظر الجامع الصغير ٤: ٣٣
وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديأ لسلكت شعب الانصار وواديهم»، وقال: «الانصار كرستي وغيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار «١»» وقال في عمه العباس وفي تفضيله وتفضيل ولده الاقوال الكثيرة، وقال في معاذ، وفي عبد الرحمن، وأبي عبيدة «٢»، وغيرهم من المهاجرين والانصار ما هو معروف مكشوف لا يشك فيه؛ فقد كان ينبغي على ما يدعي هؤلاء ان تكون هذه الفضائل نصوصا «٣» اذا كانت الالفاظ على خلاف ما يعرف منها في اللغة العربية.
وهؤلاء يقولون: انتم لستم من العرب ولا تعرفون العربية، فلهذا ذهب عليكم ان قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه، «وانت مني بمنزلة هرون من موسى» [يعني الاستخلاف] «٤» .
قلنا قد فرغنا من هذا مرة وبينا ان هذا ليس من الفاظ الاستخلاف البتة، لا في عقل، ولا في لغة، ولا في شريعة.
وأيضا، فلو كان هذا من ألفاظ الاستخلاف لكان اولئك القوم الذين سمعوا هذا من رسول الله ﷺ قد عرفوا صدقه وقصده، فكان من بعدهم يعرف ذلك كما عرفوا وان لم يكن من العرب ولا يعرف العربية، لأن مدار الامر في ذلك/ وأشباهه على المعاني لا على الالفاظ. ألا ترى ان رسول
_________
(١) لفضل الانصار انظر مناقب الانصار والصحابة في كتب الحديث.
(٢) انظر لفضلاء هؤلاء ابواب المناقب في كتب الحديث، وانظر الرياض النضرة في فضائل العشرة للطبري.
(٣) في الاصل: نصوص
(٤) في العبارة نقص، ولعلها ان تستقيم باضافة «يعني الاستخلاف» في آخرها.
الله ﷺ لما دعا ونصّ: أني رسول الله الى الناس كافة، وأنه حجة الله على كل ما يأتي الى يوم القيامة، وانه لا شيء معه ولا بعده، وجميع ما دعا اليه وحرمه من المحرمات، علم ذلك من قصده وما عناه وأراده كل عاقل سمع اخباره من العرب والروم والفرس والهند والقبط والأرمن، ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها ولا يدور لسانه بها، ولا يحسن [التلفظ] «١» بقول رسول الله، ولا يحسن يتلفظ بشيء من المحرمات؛ كلّ قد عرف ذلك من قصده بإشارة الخرس الذين بلغتهم الدعوة من المؤمنين والكافرين. فيعلم بطلان هذه الدعاوى.
بل لو تكلم ﷺ بما لا يعرفونه في اللغة، وقصد به معنى من المعاني، ونقلهم عما يعرفون في لغتهم لعرفوا قصده ومراده. ألا ترى ان الوضوء في اللغة انما هو التنظيف، فجعله اسما لغسل هذه الأعضاء الاربعة فعرفوا قصده، وان لم يكن قبل ذلك في اللغة. والصلاة في اللغة: الاتباع والدعاء، لا يعرفون إلا هذا، فجعل ﷺ هذا اسما للتوجه الى القبلة بعد الوضوء مع الركوع والسجود، فعرفوا قصده وإن لم يكن ذلك في لغتهم.
وكذا الزكاة، انما هي في اللغة اسم للزيادة والنماء في المال، فجعله اسما»
لما يؤخذ من اموالهم، فعرفوا قصده، وعرف من بعدهم ممن بلغه خبرهم مثل ما عرفوا، فيعلم ان رسول الله ﷺ ما عنى بالأخبار التي يروونها عنه ما ظنوه وعنوه.
وقد دعا امير المؤمنين علي بن ابي طالب الى نفسه، وفرض على الناس
_________
(١) اضافة على الاصل
(٢) في الاصل: اسم
طاعته، وابتلى بمن خالفه، / وبمن قعد عنه، وبمن ضلله، وبمن ارتد عنه من اصحابه؛ فما احتج على مخالفيه إلا بالاختيار، وان طاعته قد وجبت لأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر، وعمر، وعثمان. وقد احتج لنفسه، واحتج عنه ولده وشيعته وأهل بيته، وكاتب معاوية وراسله. ثم صار الى الشام، واحتج على اهل الشام واهل البصرة واهل النهر هو وأصحابه؛ فما احتجوا في مكاتبة ولا في مراسلة ولا في مشافهة، إلا بأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان وانه لا تحل مخالفته كما لم يحل مخالفتهم، ولا يذكرون في احتجاجهم كما يذكر هؤلاء من الآيات ولا من الاخبار، ولا قوله «من كنت مولاه»، ولا «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، مما يحتجون به. فلو كانوا هؤلاء شيعته ﵁ لسلكوا سبيله واقتفوا اثره؛ فقد بلي من هذا الأمر، ومن خلاف الناس عليه، ومن رجوع اصحابه عنه، ومن اكفارهم له، ما لم يبتل به ابو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا احد من اهل الشورى والبدريين. وقد بالغ في اقامة الحجة عليهم وكلهم من اهل القبلة واهل الصلاة والى القرآن يرجعون، وبأحاديث رسول الله ﷺ يحتجون، والحجة من قبله يطلبون؛ فما قال قط ولا ولده ولا من يحتج عنه من اهل بيته: ان رسول الله ﷺ قد قال فيّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ولا «انت مني بمنزلة هارون من موسى»، وهذا نص منه على استخلافي، وهذا شيء تأويله النص، وباطنه الاستخلاف.
ولا قال هو ولا احد من اصحابه ومن يحتج له: لم تكفرونني وتضللوني والنبي قد استخلفني ونص عليّ وشهد بعصمتي، وأني لا أخطىء ولا أزل ولا أضلّ ولا يقع مني معصية لله. وهو ﵁ أعلم بدين الله وبالحجة، وأفقه وأبصر وأشجع، فلو كان لذلك أدنى إشارة/ من رسول الله ﷺ
لاحتج بها وبيّنها قبلوا ذلك منه أو لم يقبلوا. وفي هذا أتم بيان وأوضح حجة.
وأعلم، أن هؤلاء يحتجون مذ زمن ابن الراوندي: ان رسول الله ﷺ وسلم نص عليه نصا مكشوفا لا يحتمل التأويل، فقال: عليّ بن ابي طالب الخليفة عليكم من بعدي، وقال لهم: «سلموا عليه بإمرة المؤمنين «١»»، وأن رسول الله ﷺ قام فيه في مقام بعد مقام، وفي عام بعد عام، نحو مائة مقام مذ بعثه الله بمكة والمدينة، والسفر والحضر، الى ان توفاه الله؛ فينبغي ان لا تكلمهم إلا في هذا النص المكشوف المعروف، وتقول لهم، المصير الى الأمر المكشوف والحجة الواضحة اولى بنا وبكم من المصير الى المشكل الملتبس الذي يحتمل التأويل، فإن الكلام عليهم حينئذ يكون اوضح وأقصر؛ فيجري هذا مثل نصه ﵇ على النبوة.
وهم يفرّون شديدا من هذا النص المكشوف مع من يعلم ويحصل، فإن ابتليت منهم بمن يقول: لا أتكلم في النص المكشوف بهذا، فقل له: إن كنت لا تتكلم فيه فسلم لنا بطلانه وكذب من ادعاه وادّعى نقله. فان قال: لا أسلم، قيل له: ليس يخلو من ان يكون حقا وصدقا فينبغي أن تصير بنا اليه، أو كذبا وباطلا فينبغي ان تتبرأ منه وتخطىء من احتج به.
فإن قال: كذلك أفعل، قيل له: فهذا شيء قد ادّعته أمم عظيمة،
_________
(١) ان اكثر الاحاديث التي رويت في خلافة علي ضعيفة او موضوعة، وعلى فرض صحتها فانها تشير الى الخلافة على اهله ﷺ، منها: «ان اخي ووزيري وخليفتي من اهلي وخير من اترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي» . انظر تنزيه الشريعة عن الاخبار الشنيعة لعلي بن القرن الكتاني، الجزء الاول، ففيه الكثير من هذه الاخبار.
وادّعت معرفته ونقله. فإن قال: هم كذاك يدّعون، وإنما وضعه لهم واحد من الناس وقال لهم: إن هذا قد قاله النبي ﷺ ونقلته عنه الامم فأحسنوا به الظن وصدّقوه وإن كان لا أصل له.
قيل له: وكذلك ما تدعيه انت من التأويل في الآيات/ والأحاديث التي تحتج بها، ما أراد رسول الله ﷺ ولا امير المؤمنين بها ما تعنيه انت وتعتقده، وإنما هي فضائل، ولكن هشام بن الحكم قال هي نصوص والنبي ﷺ اراد بها الاستخلاف؛ فأحسن به قوم الظنّ فقبلوا ذلك منه واعتقدوه وادّعوا انهم ومن قبلهم قد نقل ذلك عن رسول الله ﷺ، وليس هناك شيء ينقل ولا يكتب، ولكنهم قوم سمّوا اعتقادهم نصا ودعواهم نقلا، كما يدّعي اليهود ان موسى ﵇ نصّ لهم على تأييد شريعته؛ وكما يدعون هم والنصارى من الصلب وكما يدعي النصارى خاصة قيامه من قبره وانه ﵇ أقام معهم اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه؛ وكما ادعوا ان هيلانة الحرانية وقع اليها [الخشبة] «١» التي صلب عليها المسيح مع خشب غيرها فلم تعرفها وأشكلت عليها فامتحنت ذلك بجنازة مرت بها، فجعلت تضع عليها خشبة بعد اخرى من خشب المصلين، فلم يقم الميت إلا باخر خشبة، قالوا: فعلمت انها هي الخشبة التي صلب عليها المسيح. فقالوا:
وقد شهد هذا الأمم الكثيرة ببيت المقدس من اليهود والروم غير ان اليهود كتموا ذلك، ويسمّون هذا اليوم: عيد الصليب «٢»؛ ويوم قيام المسيح من قبره بزعمهم عيد السلامة. ولهم مثل ذلك كثير، وهذا امر لا
_________
(١) في الاصل: الصليب، وقد صححها المعلق بالخشبة.
(٢) في الحاشية عنون الكاتب او المعلق لهذا البحث بقوله: عيد الصليب عيد السلامة.
أصل له، وانما هو موضوع لهم أحسنوا به الظن كما اصاب هؤلاء الرافضة من اصحاب النص.
على ان هشام بن الحكم قد أقر بذلك فقال: قد ادركت الشيعة في الصدر الاول وهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ويصوبونهم، ويقولون: هؤلاء ما دفعوا امير المؤمنين عن حقه ومقامه، وانما دفعه المنافقون/ الذين كان القرآن يهتف بهم فنظر هؤلاء فاذا ليس احد أحق بالإمامة بعد علي منهم، فقاموا ذلك المقام بحق.
وقال هشام بن الحكم: ومنهم من قال: لما رأى الوصيّ عليّ بن ابي طالب المنافقين قد أزالوه عن موضعه، قدّم أبا بكر واستخلفه ليكون بمكانه الى ان يتمكن فيزيله.
قال هشام: وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم اليه الجبن من الإقدام على التبرؤ من ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والانصار ولو عرفوهم كما عرفتهم أنا لأقدموا على البراءه منهم «١» .
وقد ذكر هذا ايضا ابن الراوندي في كتابه «الإمامة» الذي نصر فيه قول الرافضة في البراءة من المهاجرين والانصار وحكاه عن هشام.
فهذا ما أقرّ به الخصم فكيف ما لم يقر به؛ ولو لم يقر به لعلمنا ان الامر كذلك. وهشام انما كان في ايام بني العباس وهلك في دولة هارون
_________
(١) علق الناسخ او المعلق على هذا بقوله: «لعن الله ناقل هذا القول وقائله، حيث كانوا يطلبون تغريب شموس الدين وإطفاء انوار الاسلام والمسلمين، عذبهم الله تعالى وأقوالهم، وأطفأهم وآثارهم آمين، آمين، آمين.
الرشيد، لتعلم ان الذي ادّعى النص وجرّأ الناس على شتم ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص والاستخلاف احد قبله.
ولو كان هشام من اهل القبلة، لما كان دعواه ودعوى مائة ألف معه مثله حجة، فكيف به وليس من اهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع ابي شاكر الديصاني «١» صاحب الديصانية «٢» وكان معروفا به وبصحبته، فادعى انه من الشيعة، فخلصه بعض اصحاب المهدي حين ادعى انه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع ابي شاكر.
وقد ذكره العلماء بالمقالات بمذهب الديصانية، وذكره الحسن بن موسى النوبختي في كتابه «في الآراء والديانات» «٣» حين نقض عليه/ مذهبه في ان الله جسم ونور يتحرك؛ فقال له الحسن: هذا مذهب المانوية نعوذ بالله من موافقتهم. وانما ذكرنا الحسن بن موسى، لأنه من الرافضة.
وقد حكى عن هشام ايضا ابو عيسى الوراق، وابن الراوندي، وأبو سهل بن نوبخت، وهؤلاء كلهم رافضة.
والذين حكى هشام عنهم من الشيعة أن المنافقين أزالوا امير المؤمنين عن مقامه، فقد غلطوا ايضا، فإنه قد بيّنا ان رسول الله ﷺ ما كان منه نص في ذلك فيزيله احد من الناس.
_________
(١) انظر الفهرست لابن النديم ص ٤٨٧
(٢) الديصانية احدى فرق الثنوية، وتعتبر اصلا للمانوية وانما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة. انظر الفهرست ٤٨٨
(٣) من كبار المتكلمين ومؤرخي الفرق، ويعتبر كتابه «الآراء والديانات» من اهم ما كتب حول الاديان والمذاهب والفرق. انظر الفهرست ٢٦٥- ٢٦٦
وأيضا، فإن الغلبة بعد موت رسول الله ﷺ لم تكن للمنافقين وانما كانت للبدريين والمهاجرين والانصار، الذين يعتقدون نبوته صلى الله عليه، وصدقه، وإقامة نصوصه، وإحياء شريعته، وإذلال عدوه، وإعزاز وليّه، وهم الذين ردّوا الى الاسلام من ارتد من العرب، وغزوا من أعداء رسول الله ﷺ ملوك الفرس والروم والهند والترك وسائر الامم المشركين وأدخلوهم في دينه وأدخلوا بلدانهم في ممالكه ﷺ، وانما يدّعي أن الغلبة كانت للمنافقين من لا علم له ولا تحصيل عنده.
وكان هشام يقول: لعمري إن عليّ بن ابي طالب ﵁ ما احتج في إمامته بنصّ النبي ﷺ ولا بوصيته في الأمة إليه، وأنه كتم ذلك خوفا من المهاجرين والانصار، فأمسك وسكت.
قيل له: قد فرغنا من هذا، وبينا ان ليس هناك نص ولا وصية ولا شيء يكتم ولا ينقل.
وأيضا، فان امير المؤمنين ما سكت ولا أمسك، بل تدين بالاختيار وأظهره وجعله الحجة على من خالفه وقال: وجبت طاعتي وإمامتي لأنه بايعني اهل دار الهجرة الذين/ بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي وإمامتي كما وجبت طاعتهم، وحرمت مخالفتي كما حرمت مخالفتهم، وأعاد هذا وأبداه في خطبه وكتبه وجعله الحجة؛ فمتى سكت وأمسك.
وأيضا، فلم يكن سلطان ابي بكن وعمر وعثمان وعليّ سلطانا يخاف فيه محقق ولو كانت امرأة ارملة ذمية، فضلا عن غيرها. ألا ترى ان الأنصار قد تكلموا مع سعد بن عبادة والعباس وبني هاشم وأبي سفيان وبني عبد مناف في الإمامية بما ارادوا، وكلموا أبا بكر ونابذوه الى ان أقام الحجة.
وعارضوه في انفاذ جيش أسامة بن زيد وقالوا له: ليس علينا في هذا الوقت من الروم خوف، ولا حاجة بنا الى غزوهم في هذا الوقت والعرب قد ارتدت وأحاطت بنا، فدع هذا الجيش يكون لنا، فقال لهم ابو بكر ﵁: إن رسول ﷺ يقول والوحي ينزل عليه: أنفذوا جيش أسامة ونقول نحن لا نرى ذلك، برأينا؛ فقال له قوم: فأقم على جيشه اميرا مكانه احسن منه فإنه حدث وفي جيشه المشيخة والكهول، فقال: أيوليه رسول الله ﷺ وأنزعه انا، لا يحل هذا.
ولما جاء الذين منعوا الزكاة ونزلوا على المهاجرين وقالوا لهم: قولوا لخليفة رسول الله ﷺ يعفينا من الزكاة فانا نقيم الصلاة ونجاهد معكم، فان لم يفعل صرنا مع العدو وحاربناكم. فمشوا الى ابي بكر ﵁، وسألوه أن يقبل ذلك منهم، فقال: لا أفعل، ولا يحل لي هذا ولا لكم، قالوا: فنحن في قلة والعرب قد ارتدت، فمن نقاتل ومن ندع؟ لا طاقة لنا بقتال الناس كلهم، فاقبل منهم الى ان تنكشف هذه الفتن فانا قد خفنا على المدينة وعلى اثقال رسول الله ﷺ وأثقالنا، فقال: ما كنت لأفعل ولو بقيت وحدي، اني إن قبلت رأيكم نقضت/ الاسلام عروة فعروة. ايها الناس، إن مات رسول الله نبيكم ﷺ، وكثر عدوكم، وقل عددكم، ركب الشيطان هذه منكم؛ والله ليظهرنّ الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وليستخلفنكم في الأرض كما وعدكم، وتلا قوله ﷿: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١»» وقوله: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
_________
(١) التوبة ٣٣ والصف ٩.
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا «١»» وقوله: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢»» .
وقالوا له: أفتقاتلهم وتقتلهم وقد قالوا: لا إله الا الله؟ قال: انها غير مقبولة منهم لأنهم منعوا الزكاة؛ قالوا: فتقتلهم على ابن لبون «٣» وعلى الحقة والشاة وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله الا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم «٤»» فقال ابو بكر فان فيه: إلا بحقها، وهذا من حقها. فطال ما بينهم في ذلك، فحين اقام الحجة صاروا الى قوله.
ولما فتح الفتوح وواتته «٥» الاموال من كل وجه سوى بين الناس في العطاء، فعارضوه في ذلك، وقالوا: سويت بين من اسلم الآن وبين من سبق وبين من نصر وهاجر، فقال: هؤلاء عمال الله وأجورهم على الله، وانما الدنيا بلاغ؛ والله لو شئتم معشر الانصار ان تقولوا: طردتم فاويناكم وخذلتم فنصرناكم
_________
(١) النور ٥٥
(٢) البقرة ٢٤٩
(٣) ابن لبون من الإبل: ما له سنتان، والحقة من الإبل بنت ثلاث.
(٤) حديث متواتر، رواه الستة باسناد صحيح. انظر الجامع الصغير شرح المناوي ٢: ١٨٨
(٥) واتته في الأصل،، لعل اضافة الواو تجعل اسياق اكثر انسجاما.
وأفقرتم فواسيناكم، واني لأجد/ مثلنا ومثلكم في قول طفيل الغنوى:
جزى الله عنا جعفرا حين شرفت «١» ... بنا فعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يحلونا ولو ان امنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت
فذو الحظ موفور وكل مقسم ... لدى حجرات اثفات «٢» أظلّت
وراسلته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعليها وقالت:
ما بالك خليفة رسول الله ورثت رسول الله دوننا، فقال: ما ورثته، قالت: فأين نصيبنا من امواله بخيبر وفدك، فقال: اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا المال لمحمد وآله حياته، فاذا متّ فهو الى والي الامر بعدي، فان كان معك من رسول الله ﷺ عهد صرت الى قولك؛ والله ما اريد شاهدا معك غيرك. فرجع الرسول فقال: تقول لك فاطمة:
لا والله ما معي عهد من رسول الله ﷺ، ولكن رسول الله دخل علينا وهو يتلو: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» «٣»، فقال: ابشروا آل محمد بالغنى. قال ابو بكر: إن كان بكم الغنى ولكم الغنى. ثم صار اليها ابو بكر وسألها عن عهد من رسول الله ﷺ، فقالت: ما معي اكثر مما قلت، فقال: إذا لم يكن معك عهد من رسول الله ﷺ فما كنت لأدع ما اسمعه من رسول الله ﷺ بقول احد.
وكلمه العباس في ذلك وطالبه بالحجة، فذكر ما سمعه من رسول الله ﷺ
_________
(١) ووردت في موضع آخر «ازلقت» . انظر فتوح البلدان ٣١
(٢) ووردت في موضع آخر «ارفأت» .
(٣) الحشر ٧
وقال: انا اوجه هذا المال/ في الوجوه التي كان رسول الله ﷺ يجعلها فيها، ورد ابو بكر هذه الاموال الى علي بن ابي طالب وقال له: افعل فيها ما كان رسول الله ﷺ يفعله. وكذا فعل امير المؤمنين ﵁ حين صارت اليه الخلافة بعد عثمان، وهو فعل الخلفاء الاربعة وجميع الصحابة والتابعين بعدهم، فاعرف ذلك.
وعارضوه حين شاروهم في استخلاف عمر، فقال له قوم: هو الخيرة بعدك غير أن فيه شدة وهو مهيب، وفي الناس الأرملة والضعيف وذو الحاجة، فاستعمل علينا من هو ألين منه كنفا؛ وكانت لهم معه في ذلك مطالبات ومراجعات وعمر يسمعها ويعلمها، الى أن قال لهم ابو بكر: انما أستعمله عليكم لأنه أقواكم عليكم وأنفعكم لكم وأردّكم عليكم، شهيدي الله: ما أردت إلا ذلك، وقد خاب من تزوّد من أعمالكم بظلم، إن عمر ليس ولدي ولا من اهلي، وانما أردت الخير لكم؛ وإني قد رمقته فكنت اذا لنت في الشيء أراني فيه الشدة، واذا أشددت أراني فيه اللين، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم قال: ان عمر لا يأنف من التعلم، فحين أقام الحجة سلموا ورضوا. ثم عهد تلك العهود المعروفة، وكم من شيء قد عارضوه فطالبوه بالحجة مما هو اكثر من هذا.
ومعارضتهم لعمر في امر السواد «١»، وفي فتوح الشام، وفي تأمير الامراء، وفي الفتوى والقضاء؛ حتى كان يعارضه في ذلك المرأة والبدوي فضلا عن المهاجرين مما هو معروف الى ان يقيم الحجة او يرجع الى قول من معه الحجة.
_________
(١) يقصد هنا اختلاف من آراء المسلمين في امر سواد العراق لما فتح الله على المسلمين العراق وفارس، فقد كان من رأي البعض توزيعه على المسلمين، بينما رأى عمر ﵁ ابقاء الأرض في ايدي اصحابها ليستفيد من خراجها المسلمون جميعا وقد وافقه المسلمون على رأيه.
وعثمان، فقد عارضوه في إتمام الصلاة بمنى، وفي الحمى، وفي الحكم بن ابي العاص، وفيمن ولاه من اهله، وأخذوه بإقامة الحدود عليهم، وبإقامة الحجة فيما يأتيه بما هو معلوم «١» .
وعليّ ﵁ قد عارضوه في تولية أقاربه وفي الحكم الذي أنفذه بما هو معلوم/؛ حتى كان يجري على هؤلاء الخلفاء الاربعة من صغار رعيتهم في الفروع وفي صغار الامور ما هو معروف، فكيف يجوز ان يتوهم عاقل تدبر أمورهم وعرف سيرهم. أنه قد كان اقل من الناس فخافهم ان يذكر لهم الحق، او ينطق بحضرتهم، او يتوقى ان يذكر ان يذكر لهم عهدا من رسول الله ﷺ او وصية لرسول الله ﷺ؛ هذا لا يظنه الا أجهل الناس بهم وبأحوالهم، او عاقل بقيس أحوالهم بأحوال من رأى وسمع من الجبابرة وولاة الجور، فاعرف هذا.
وانما القى هذا الى الإمامية فيما صنفوه لهم قوم من أعداء الانبياء ادعوا التشيع وتستروا بالرفض، لينفروا الناس عمن شيد الاسلام وبناه ونصر الرسول في حياته وبعد موته، ليخرجهم من الاسلام من حيث لا يشعرون.
وكما صنفوا في تهمة المهاجرين والانصار فقد صنفوا ايضا في تهمة الانبياء
_________
(١) مجموع الماخذ على عثمان ﵁ ثمانية عشر هي: ضربه لعمار بن ياسر، ولابن مسعود، وجمع القرآن وتوحيده في مصحف واحد، وأنه حمى الحمى وأجلى ابا ذر الى الربذة، وأخرج من الشام ابا الدرداء، ورد الحكم بعد ان نفاه الرسول، وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر، وولى معاوية ومروان والوليد بن عقبة، وأعطى مروان خمس افريقية، وضرب بالعصا وعلا على درجة رسول الله في المنبر، ولم يحضر بدرا، ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكتب الى ابن ابي سرح في قتل البعض. وقد رد ابن العربي على هذا كله في كتابه القيم: العواصم من القواصم.
وشتمهم وتكذيبهم، وأنهم قد كانوا يتكلمون بالكذب وبالبهت بحضرة أممهم فيسكتون عنهم خوفا منهم؛ وهذا فعله بالانبياء عمر بن زياد الحداد، وأبو الوراق، وأبو الحسين بن الراوندي، وأبو سعيد الحسن بن علي الحصري، وجابر بن حيان، وهشام بن الحكم، وأمثالهم، كما قد عرفه العلماء «١»، وكل هؤلاء الذين طعنوا علي ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار لفضل غيظهم على رسول الله ﷺ، ولأن هؤلاء قاموا بأمره ونصروه في حياته، وقاموا بدينه بعد وفاته وبثوه في مشارق الارض ومغاربها، وقتلوا أعداءه ﷺ من العرب وملوك الفرس وملوك الروم وملوك القبط وملوك الهند والترك وأمم الشرك وأدخلوا اممهم في دينه ﷺ.
فهذا ذنبهم عند/ علماء الرافضة، ولكن عوامهم لا يفطنون. ولهذا قالت العلماء حين حدثت هذه البدع: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ، فإنهم أسلموا من خوف الله وأسلم الناس بعدهم من خوف أسيافهم. ثم يقال لهؤلاء:
قد وجدنا امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁ مكاشفا بالحق في جميع احواله، لا يخاف من احد من المخلوقين وان كان وحده والناس عليه؛ فإن رسول الله ﷺ خلّفه بمكة وهي إذ ذاك دار كفر فما خافهم ولا فارقهم مع وحدته وتفرده، وقد كاشف معاوية وهو في مائة ألف سيف، ولعنه بلسانه، وقنت عليه في صلاته، وضربه بسيفه، وبيّن له وإن علم انه لا يقبل، وقد كاشف الخوارج وبرىء منهم وان علم انهم لا يقبلون وهم كانوا
_________
(١) سبق ان عرفنا بهؤلاء الأشخاص، اما جابر بن حيان فهو ابو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي، قال ابن النديم: «واختلف الناس في امره»، فقالت الشيعة: انه من كبارهم، وزعم الفلاسفة انه كان منهم، وذهب اهل صناعة الذهب والفضة الى انه رئيسهم. وذلك انه كان واسع الثقافة، له باع طويل في التأليف في مختلف العلوم.
أصحابه وبهم صال على عدوه واستطال، وأقام على مخالفتهم وإن فرقوا عنه اصحابه وإن قتلوه «١»، فما قاربهم في كلمة، لأنهم قالوا له: إن تبت من الحكومة رجعنا لك كما كنا وقاتلنا عدوك، وإن أبيت اقمنا على حربك وقاتلناك حتى نقتلك او تقتلنا، فقال لهم: انتم دعوتموني الى الحكومة، قالوا: صدقت فقد تبنا وما كان لنا ان ندعوك وما كان لك ان تجيبنا ولا تحكم الرجال في دين الله، فقال: بل كان لي ان احكم، فلو كان ذلك معصية لما أجبتكم اليه، ومن زعم ان الحكومة ضلال فهو أضل، ومن زعم اني ارجع عنها فقد كذب. فصبر ﵁ على ذلك ولم يقاربهم في لفظة تحتمل التأويل، لأنه لو قال انا تائب الى الله من كل ذنب وخطيئة وهو يعني غير الحكومة، لكان اللفظ يحتمل، ويتلافاهم ويردّهم ويكون بهم في عسكر عظيم/ كما كان قبل رجوعهم عنه، ويصول بهم على عدوه. فلم يفعل، وأقام على حربهم، الى ان قتلهم وقتلوه ﵁؛ فما لان في كلمة تحتمل التأويل، ليبيّن للأولين والآخرين امر الدين، فما داراهم ولا قاربهم مع حاجته اليهم وخوفه من أسيافهم؛ فهو ما كان يخاف الجبابرة والأحياء الذين هم في عساكر ويخافهم الناس فكيف يخاف من ابي بكر وعمر وعثمان في حياتهم وبعد مماتهم، وهم في حياتهم وسلطانهم ما خافهم محق قط وإن كان عبدا او امرأة ارملة ذمية. وانما يقول هذا من لا يعرف عليا ولا ابا بكر ولا عمر ولا عثمان؛ فعليك بالمعرفة فانها حياة، والذهاب عن طلبها موت، وقد علم اهل المعرفة والعناية ان عليا كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان في علو الكلمة ونفاذ الامر مثله في سلطانه، وأنه كان في سلطان هؤلاء أنفذ امرا وأعلا قولا وأبسط لسانا منه في زمن رسول الله ﷺ وفي حياته.
_________
(١) لعلها: قاتلوه
ولا فرق بين من ادّعى ان عليا كان يخاف من هؤلاء الخلفاء او ان رسول الله ﷺ كان يخافهم ايضا، وأنه من خوفهم كان يشهد لهم بالجنة ويزكيهم.
وهذا لازم لهم، بل هو قول الرافضة لأنهم قالوا: ان عليّ بن ابي طالب حجة الله على خلقه كما كان رسول الله ﷺ، وأنه معصوم كعصمة الانبياء.
وقالوا مع هذا: قد زكى ابا بكر وعمر وعثمان، وصاهر بعضهم، وصلى خلفهم، وحج معهم، ودخل الشورى وعمل بالاختيار، وصلى خلف صهيب كما وصّى عمر، وأطاع عمر كما وصّى ابو بكر، وعمل لهم اعمالا كثيرة، وأظهر تزكيتهم، ومدحهم بايمانهم وإن كانوا كفارا، كل هذا خوفا منهم وممن بعدهم من شيعتهم فما تبين/ الحق الى ان خرج من الدنيا.
قلنا: فاذا كان هذا هو الحجة والمعصوم والقائم مقام الرسول فعل هذا بغير حق، لم نأمن أن يكون كل من صاهر النبي ومدحه ونص عليه وشهد له بالجنة وأمر الناس بطاعته ان لا يكون هذا حاله، وأنه فعل مثل فعل هذا الحجة، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وفيه فساد الديانات كلها، وإلى هذا قصد هشام ابن الحكم حين وضع هذه البدعة فاعرف ذلك «١» .
_________
(١) وردت بهامش اللوحة ١١١ التعليق التالي: رحمك الله يا سيدنا اقضى قضاة الحكم القاضي عبد الجبار، أحسنت في حججك على الفاسقين الملاعين الكلاب المارقين الكاذبين الخاطئين المنحرفين عن الحق الخبثاء الروافض، كبتهم الله تعالى وأبعدهم، حيث يفسقون اصحاب رسول الله ﷺ ﵃ اجمعين، قلت: ما رأيت كلام رد على الملاعين الروافض أحسن وأدق وأثبت وأقوى وأنجح من هذه الحجج التي ذكرها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه هذا، فلا بد للمعتني بردهم ان ينظر في هذا الكتاب المبارك، وهذا قليل الوجود وغير معلوم لأكثر الناس، ولو علموا اسمه لا يعلمون ما فيه من الفوائد الكثيرة، فاحتفظ وكرر نظره. ولكن مؤلفه مشهور بالاعتزال فان تاب منه فمحله الفردوس الأعلى في مقام المقدمين ان شاء الله حيث نفع المسلمين بهذه الحجج والله اعلم.
Translation
باب آخر ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم
#22 Chapter 22 — باب آخر اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم · ref. #22
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
باب آخر [اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم]
قد علمت الحال التي ابداها رسول الله ﷺ حين ادعى النبوة ودعا الى الله، فانه اكفر الامم كلها وتبرأ منها واسقطها واسخطها واغضبها، فما اعتصم بمخلوق كما قد تقدم ذكر ذلك. فكانت العرب واليهود والنصارى وقريش وغيرهم يدا واحدة في عداوته وطلب عثراته والحرص على قتله، وهو بينهم على وحدته، فيصرفهم الله عن ذلك بوجوه لا هو يعرفها ولا هم، وبوجوه يعرفها ويعرفونها. غير انهم قد كانوا ينالونه بالشتم والضرب ويلقونه بالأرض ويدوسونه بأقدامهم ويلقون الفرث والتراب على رأسه، ثم صار الواحد بعد الواحد والنفر بعد النفر يجيبونه وهذه حاله، فيلقون معه الضرب والهوان، ويعذبون ويجاعون ويحصرون في الشعاب، ومنهم من يقتل، ولا يمكنهم المقام معه بمكة فيهربون بأديانهم، ويعبرون البحار، والنبي ﷺ مقيم بمكة معه ابو بكر ونفر يسير.
وكان يخرج في المواسم الى العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله، ويقيم الحجة، وقريش من اهل بيته يخرجون الى العرب يقولون لهم: لا تسمعوا منه فانه ساحر كذاب ونحن اهل بيته وأعرف به، ويقولون: «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغلبون» ويمنعونه ﷺ/ من البيان والاستيفاء، وربما شغلوه بالضرب، يتولى ذلك منه عمه ابو لهب وأشباهه، فيقول له العرب:
اهلك اعلم بك، ما نجيبك، فاذهب عنا فقد عاديتنا وخالفتنا واسمعتنا في آلهتنا وآبائنا وأنفسنا ما لا نحب، وتستجيب له القبيلة بعد القبيلة من قبائل طيء وقبائل اسلم. وتسامعت به قبائل عبد القيس من ربيعة فأتوه وسمعوا
منه واسلموا طوعا بهذه الشرائط، وتسامعت به بنو قيلة من قبائل الاوس والخزرج فأتوه وسمعوا منه القرآن والحجة فأسلموا، ورجعوا الى قومهم فجاؤوا بهم اليه عاما بعد عام فأسلموا وبايعوه، ورجعوا الى قومهم وهم قبائل كثيرة فأسلم اكثرهم طوعا بهذه الشرائط.
وهاجر اصحابه الى المدينة بعد الذين هاجروا الى ارض الحبشة، وقال الانصار للنبي ﷺ: انا كثرة ونمنع منك ونجاهد الأمم كلها معك ونطيعك في المحيا وبعد المحات ولا تأخذنا في الله لومة لائم؛ فأخذ ذلك عليهم وانصرفوا. ثم صار إليهم مع ابي بكر الصديق ﵁، وصار في عز ومنعة وفي عسكر، ودعا الى الله، وكانت له غزوات ووقائع، وما زال امره يقوى حتى ذلت اليهود والنصارى في جزيرة العرب وهم قبائل كثيرة، حتى ادوا إليه الجزية، وحتى صار من لا يعتقد نبوته في جزيرة العرب لا يمكنه اظهار ذلك لكثرة المهاجرين والأنصار وأمثالهم ممن يعتقد نبوته وصدقه، وحتى غزا الروم غزاة تبوك وهي آخر غزواته في ثلاثين ألفا غير من خلفه من عماله واصحابه في جزيرة العرب وهي «١»، اوسع من بلاد الروم.
وقبض ﷺ بالمدينة والغلبة فيها لمن يعتقد صدقه ونبوته من المهاجرين والانصار واتباعهم/ وامثالهم، وهم الذين احاطوا بأبي بكر وأقاموه خليفة وغزوا من ارتد عن دين رسول الله ﷺ حتى غلبوهم وأذلوهم وقتلوهم، وغزوا فارس والروم وامم الشرك وجميع اعداء رسول الله ﷺ وأذلوهم
_________
(١) في الاصل: ولها، ولعل الصحيح ما اثبتناه
وقتلوا ملوكهم وادخلوهم طوعا وكرها في دين رسول الله وفي شريعته وادخلوا بلدانهم في بلدان الاسلام، ولم يكن لهم شغل إلا اعزاز دينه، وإقامة نصوصه، واحياء شريعته وبثها ونشرها وإظهارها، وإعزاز من اقام بدينه واذلال من تعرض لامانة شيء منه.
وكانوا بعد وفاته اشد بصيرة منهم في حياته، لأنهم كانوا في حياته يتكلمون على تدبيره، فلما مات، وصار الامر إليهم، زاد تيقظهم، فرفضوا كل راحة، وهجروا كل لذة، وقصدوا لإقامة نصوصه واحياء شريعته الى ان يلقوا الارض كلها بذلك؛ وما عندهم عمل ازكى من هذا.
وانما يظن ان نصوصه كانت تبدل وان كتابه كان يغير وان بننه كانت تلطم، الذي لم ينظر ولم يتدبر، وهو كمن قال انه ﷺ كان بالمدينة يضرب ويشتم ويداس بحضرة المهاجرين كما كان بمكة، وهذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل بشأن المهاجرين والانصار.
فان قيل: او ليس قوم موسى قد عبد قوم منهم العجل في حياته وحياة اخيه هرون، فلم انكرتم ان يرتد المهاجرون والانصار عن دين محمد ﷺ، او ليس قد كانوا على ذلك قادرين؟
قيل له: إن هذا السؤال لا يسأل عنه من فهم ما قلنا، لأنا لم نقل:
ان هؤلاء ما ارتدوا من طريق التزكية لهم، ولا من طريق حسن الظن بهم، ولا محاباة لهم، ولا لأنهم ما قدروا على ذلك؛ بل قد كانوا على ذلك قادرين ولكنهم ما اختاروا ذلك ولا/ فعلوه، كما علمنا ان صاحبهم رسول الله ﷺ ما رجع عما كان عليه وان كان على ذلك قادرا، وان كان عدوه قد ادعى عليه انه رجع واظهر الشك في امره بقوله: «ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي
وَلا بِكُمْ» «١» وبقوله: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٢» . وهذا قد ادعاه عليه رؤساء الرافضة الذين قدمنا ذكرهم.
ولا تكون الردة بالقياس فيقال: كما ارتد قوم موسى ينبغي ان يرتد قوم محمد ﷺ؛ هذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل والبله والنقص، وهؤلاء قالوا: كما قتل يزيد بن معاوية الحسين فينبغي ان يكون ابو بكر قد ضرب فاطمة وقتل الحسن، فالعلم بأنه ﵇ ما رجع عن دينه وأن ابا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ما رجعوا عن دينه بعده قبل العلم بنبوته وصدقه وأنه دعا الى حق، والعلم بإقامة ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار على دينه ﵇ كالعلم بإقامته هو على ذلك، والعلم بذلك قبل العلم بنبوته.
وما منزلة من ادّعى عليهم ذلك إلا كمن قال لنا: كنت بالقسطنطينة من بلاد الروم فوجدتهم يشتمون بولص ويبرؤون منه ويبسقون «٣» على الصليب، فقلنا له: كذبت، فقال: ولم كذبتموني وما كنتم معي، او ليس بولص كافر يستحق الشتم ويجب ان يبسق على الصليب ولا يعظم؟ قلنا: وإن لم نكن معك فعقولنا معنا، وعلمنا ان الغلبة هناك لمن يعظم الصليب وبولص «٤» .
_________
(١) الاحقاف ٩
(٢) يونس ٩٤
(٣) يبسقون: اي يبصقون
(٤) لم نحاول ان نعلق على ما يورده القاضي حول ما يوجهه الرافضة الى الخلفاء الراشدين من اتهامات لأن القاضي يتبنى وجهة نظر اهل السنة تماما، وفي شرحه ما يكفي عن التعليق.
او بمنزلة من قال لنا: كنت بالأندلس فوجدتهم يلعنون معاوية ويبرؤون منه ومن مروان بن الحكم وولده كما يفعل ذلك بالكوفة والمدينة، لقلنا:
كذبت، فقال: انتم لم تكونوا معي فصدقوني او شكوا في خبري، قلنا: / وإن لم نكن معك فعقولنا معنا، وقد علمنا ان الغلبة هناك لمن يقول بإمامة معاوية ومروان وولده.
فهذه سبيل من ادّعى على ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار ما يدّعيه الرافضة.
ومن عجيب امورهم قولهم: هذا كعبادة قوم موسى العجل، فيجعلون الردة والكفر والايمان بالقياس، والذي اخبرنا ان قوم موسى عبدوا العجل هو الذي عرفنا بعقولنا ان أصحاب محمد ﷺ أقاموا على دينه، والذي عرفنا بالخبر ان يزيد بن معاوية قتل الحسين وأشخص ذريته الى الشام هو الذي عرفنا بعقولنا أن ابا بكر ما ضرب فاطمة ولا قتل المحسن؛ وهذا في القياس كمن قال: اذا كان يزيد بن معاوية قد غزى المدينة ومكة واستباحهما ان يكون ابو بكر قد فعل مثل ذلك، وإذا كان معاوية قد قتل عمار بن ياسر ان يكون ابو بكر «١» قد قتل العباس بن عبد المطلب، وإذا كان معاوية قد قتل ولدين لعبد الله بن العباس ان يكون ابو بكر قد قتل اربعة اولاد من ولد العباس، وأن يكون عمر وعثمان قد فعلا مثل ذلك؛ او كمن قال اذا كان بنو اسرائيل قتلوا الانبياء ان يكون اصحاب محمد ﷺ قد فعلوا ذلك.
_________
(١) في الاصل: أبا بكر
وقيل ايضا للرافضة: اذا كان ابو بكر قد ضرب فاطمة وقتل المحسن فقد كان ينبغي ان يحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار، وأن يكون العلم بذلك مثل العلم بقتل يزيد الحسين، ومثل قتل معاوية حجر بن عدي، وعبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل. بل كان ينبغي ان يكون العلم بما ادعيتم اقوى من العلم بهؤلاء القتلى، لأن هذه الحادثة التي ادعيتموها على ابي بكر كانت بالمدينة، وقد شهدها العباس وولده، وعليّ بن ابي طالب وولده، وعقيل وولده، وجميع بن هاشم ومواليهم ونسائهم، وجميع/ المهاجرين والانصار وأولادهم ونسائهم؛ وقد كان بالمدينة حين توفي رسول الله ﷺ اكثر من مائة ألف إنسان، فكان يكون العلم بهذا أقوى مما «١» كان بكربلاء، ولكن دعاوى الرافضة في ضرب فاطمة ﵍ وقتل ولدها وأمر ابي بكر خالد بن الوليد بقتل عليّ بن ابي طالب، كدعواهم على رسول الله ﷺ النصوص التي يدّعونها، وكل من تأمل امرهم تبين له بطلان ذلك ووضح له وضوح الشمس.
ومما يزيدك بيانا بشأن هؤلاء الخلفاء والمهاجرين والانصار ولزومهم لوصايا رسول الله ﷺ، ان عثمان بن عفان لما اتم الصلاة بمنى انكر عليه للوقت علي ابن ابي طالب بحضرة الناس كلهم فقال له: ألم تصل مع رسول الله ﷺ ها هنا ركعتين؟ قال: بلى، قال: افلم تصل مع ابي بكر ها هنا ركعتين؟
قال: بلى، قال: افلم تصل مع عمر ها هنا ركعتين، قال: بلى، قال:
افلم تصل بنا ها هنا شطر خلافتك ركعتين؟ قال: بلى، قال: فلم اتممت، وما عذرك في ذلك؟ قال: نكحت امرأة بمكة وسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهل بأرض فهو من اهلها، ولي مال بالطائف نويت مطالعته؛
_________
(١) في الاصل: ما
وبعد، فقد بلغني عن طغام من اهل اليمن انهم قالوا: صلاة المقيم ركعتان، هذا امير المؤمنين عثمان يصلي ركعتين.
ولما نهى عثمان عن القرآن «١» وأمر الناس بإفراد الحج بلغ ذلك عليا، فدخل عليه فقال له: بلغني انك نهيت من القرآن، ثم قال عليّ: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة، فقال له عثمان: لم فعلت هذا وقد نهينا عنه؟ قال: ما كنت لأدع شيئا أجازه رسول الله ﷺ لقول احد.
ولما ادّعى على الوليد بن عقبة عامل عثمان على الكوفة وأخوه لأمه شرب الخمر، قال له عليّ أشخصه فاسمع الشهادة، فأشخصه وسمع الشهادة فجلده عليّ بيده، والوليد من اشراف قريش، وقد كان رسول الله/ ﷺ يستعمله، واستعمله عمر وعثمان، وهو كثير الفتوح في الاسلام، وهو اخو امير المؤمنين فما تهيبه.
ولما تكلم من تكلم في عثمان لأنه ولىّ أقاربه وآثرهم، وقالوا لعليّ إن عمر لم يفعل مثل هذا بأقاربه، فقصده عليّ وقال له: ورائي قوم وقد كلموني فيك وما ادري ما اقول لك؟ ما نعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه، ما سبقناك الى أمر فنبلغكه، ولا خلونا بأمر فنخبرك به، ولا خصصنا بأمر دونك، وإنك لتعلم ما نعلم. والله ما ابن ابي قحافه بأولى من عمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، انت أقرب الى رسول الله ﷺ رحما وقد نلت من صهره ما لم ينالاه، فالله الله في امرك فانك والله ما تعلم من جهل، ولا تبصر من عمى، وإن الحق لواضح بيّن، وإن اعلام الدين لقائمة. فقال له عثمان: لقد علمت ليقولن الذي قلت،
_________
(١) القرآن: اي ان يقرن الحج بالعمرة
ولو كنت مكاني ما عتقتك ولا اسلمتك، ولا جئت منكرا ان وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا عليّ، هل علمت ان المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال:
فهل علمت ان عمر كان يوليه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني انت ان وليت ابن عامر مع رحمه وقرابته؟ فقال له عليّ: سأخبرك، إن عمر كان من ولّاه فإنما يطأ على سماخه، إن بلغه حرف جلبه وبلغ منه الغاية، وأنت لا تفعل ذلك، ضعفت ورفقت على اقاربك. فقال له عثمان: وهم اقاربك ايضا، فقال له عليّ: أجل، إن قرابتهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم، قال له عثمان: هل تعلم ان عمر استخلف معاوية؟ قال: نعم، قال: فقد/ استخلفته كما استخلفه، قال له عليّ: انشدك الله، هل تعلم ان معاوية كان أخوف من عمر من أرفا غلام عمر من عمر؟ قال عثمان: نعم، قال له عليّ:
فإن معاوية لا يخافك ويقتطع الأمور دونك، ويقول للناس: هذا امير المؤمنين عثمان.
وكان عليّ يعنفه في أقاربه، ويقول له في وجوههم: لا يغلب عليك مروان والوليد وسعيد «١»، لا تطعهم؛ فيقول أهله له: هذا قوله لك في وجهك ووجوهنا فكيف بما يقوله للناس من ورائك وأنت امامه وابن عمه؛ فيقول لهم عثمان: هو انصح لي منكم.
وكان عليّ ﵁ يوافقه على صغار الأمور وكبارها ويدبر أمره، فإذا لم يقبل منه في أمر من الأمور عنفه ولامه وقعد عنه، فيرسل اليه عثمان ويجيء به، فيقول له: قعدت عني وكنت لأبي بكر وعمر انصح، وأنا
_________
(١) يقصد مروان بن الحكم، والوليد بن عقبه، وسعيد بن العاص.
أولى بذلك منك، وأنا إمامك وابن عمك، فيقول له عليّ: كانا يقبلان ولا تقبل، أكون معك على امر فيجيئك مرران وسعيد والوليد فيزيلانك عنه.
ثم يقول عليّ ﵁ للناس: من عذيري من هذا؟ أكون معه على أمر فيدع رأيي ويأخذ برأي مروان والوليد، فإن قعدت عنه يشكوني ويقول:
قطعت رحمي ولم تقض حق بيعتي.
فانظر كيف يصنع به الأمور الصغار التي غيرها اولى، ويأخذه بما هو أفضل، ويشير عليه ان يسير بالمسلمين سيرة ابي بكر وعمر، وأن يأخذ بالفضل ولا يترخص ولا يزول من سيرتهما، فأي عاقل تدبر وفكر يقع له ان هؤلاء كانوا يظلمون بنت رسول الله ﷺ ويبدلون القرآن ويعطلون النصوص ويغيرون الشريعة فيسكت عنهم.
وبمثل هذا كانت تشير عليه عائشة ﵂، وتحذره مخالفة سيرة ابي بكر وعمر، وبهذا كتبت إليه ام سلمة: أي بني، ما لي ارى رعيتك/ عنك مزورين، وعن جنابك نافرين، لا تعف سبيلا كان رسول الله ﷺ لحبها «١»، ولا تقدح بزند كان اكباها»
، وتوخ حيث توخى صاحباك فإنهما ثكما الأمر ثكما ولم يظلما «٣» والسلام. فأجابها بالجواب المعروف «٤» .
وعتب قوم عليه ان حمى الحمى، وما رآه في خمس أفريقية كما فتحها، وفيمن سيره من اللعّابين بالحمام والرامين بالجلاهق «٥» فيما كان في الكتاب
_________
(١) في القاموس: لحب: سلك، واللحب: الطريق الواضح.
(٢) في القاموس: كبا الزند لم يور.
(٣) في القاموس: ثكم آثارهم: اقتصها، وثكم الطريق: لزمه.
(٤) أم سلمة هي هند بنت أبي امية، احدى زوجات الرسول (ص)، وكانت قبله عند ابي سلمة عبد الله بن الاسد المخزومي توفيت سنة تسع وخمسين هجرية.
(٥) الجلاهق: البندق الذي يرمى به
المنسوب إليه في شأن محمد بن ابي بكر الصديق والنفر المصريين؛ وهي كانت الطامة في السخط عليه والنكير له، وما اقر بأنه كتب الكتاب ولا قامت عليه بينة، فقالوا: كاتبك كتبه فما اقر كاتبه، وقال لهم: الخط قد يشبه الخط. فلم يزل الانكار عليه في هذه الأمور الى ان اغتيل بالسحر وقتل.
وليس في هذه تعطيل نص ولا تبديل قرآن ولا تغيير شريعة، وانما هي امور من طريق الرأي والاجتهاد كان له أن يفعلها فجرى عليه. هذا كله في شيء هذه سبيله، وهو الخليفة والسلطان والملك، وإليه السوط والعصا وبيده الضر والنفع، مع شرف رهطه وقرب قرابته وظهور ثروته وكثرة عدوه وأعوانه ومن تعصب له، فكيف يتوهم عاقل تدبر، ان النصوص كانت تعطل والقرآن يغير والشريعة تبدل وهم سكوت.
وهذا علي بن ابي طالب مع فضله وزهده وعلمه وسوابقه وآثاره الجميلة في الاسلام وقريب قرابته، قد انكروا عليه ان ولى اقاربه، فقيل له: علام قتل عثمان بالأمس؟ اي لأنه ولى اقاربه، فقال لهم: ما علمت إلا خيرا، فإن انكرتم فأنكروا. ولما بعث الحكم ارتدوا عنه «١»، وقالوا: ضعفت وحكمت الرجال في دين الله وما كان ذلك لك، / وشككت في نفسك؛ فتب الى الله وإلا قاتلناك وجاهدناك، او تقتلنا او نقتلك. فقال لهم: لو كانت الحكومة معصية لما جئت إليها وكان لي ان احكم، وقد امر الله بالحكومة في شقاق يكون بين المرأة وزوجها وفي ارنب تصاب في الحرم
_________
(١) يقصد قصة التحكيم المشهورة، وذلك حين الح اهل العراق على علي بقبول التحكيم الذي عرضه معاوية، فارسل ابا موسى الاشعري بالحاح منهم وكان يريد ارسال عبد الله بن العباس، وبعث معاوية بداهية العرب عمرو بن العاص، وكان ما كان من الحادثة المشهورة وما تلاها من خروج الخوارج على علي وتكفيره لقبول التحكيم.
Translation
باب آخر اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم
#23 Chapter 23 — وباب آخر الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة · ref. #23
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
تساوي ربع درهم؛ فقال ﷿: «يحكم به ذوا عدل منكم»، فكيف بإمامة قد اشكلت على المسلمين فقاتلوه وقاتلهم، وقتلهم وقتلوه، في امر ليس فيه تعطيل نص ولا تغير قرآن، وإنما هو شيء من طريق الاجتهاد، وكان له ﵁ ان يفعله. وقد بلغوا في الانكار عليه هذا المبلغ، فكيف بتغير القرآن والنصوص وظلم ابنة رسول الله ﷺ، لتعلم فحش غلط هؤلاء القوم، وان ابا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ لو راموا بأجمعهم تعطيل نص لرسول الله، او تغير آية واحدة من كتاب الله، او ظلم امرأة ارملة ذمية لقتلوا بأجمعهم. وقد عرف اهل العلم والتحصيل، ان اهل البصائر، ومن يعتقد دين محمد ﷺ ونبوته وصدقه واجلال من اجل وتعظيم من عظم وإهانة من اهان في زمن ابي بكر وعمر اكثر وأوافر، والغلبة لهم، والامر بأيديهم، وهم كانوا الظاهرين القاهرين، وهم ولّوا ابا بكر وعظموه واجلوه وقدموه تقربا الى الله، لأن رسول الله قد كان يقدمه ويعظمه ويجله ويكرمه؛ ولهذا كان يقول الرؤساء في ذلك الزمان من اقارب رسول الله ﷺ، وقد رأوا تعظيم المهاجرين والأنصار ابا بكر، وطاعتهم له، وتنفيذهم وصاياه ووصايا خليفته بعده: كان والله حلوا في افواههم، جليلا في اعينهم، مهيبا في صدورهم، على سكون ريحه ولين جانبه. / فلا تظن ما يقول طوائف الامامية والرافضة فيهم إلا الغاية في الغافله وترك النظر؛ وتعليل الرجال هو الذى يوقع الناس في الضلال.

وباب آخر [الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة]
إن بين ابي بكر وعمر وتلك الجماعة وبين بني هاشم مع اخوة الاسلام فضل مودة وصداقة، يمدح بعضهم بعضا ويزكّي بعضهم بعضا، ويتصاهرون،
ويرى بعضهم بعضا أهلا للإمامة والولاية، وينصح بعضهم بعضا. ألا ترى أنهم بايعوا ابا بكر، وصلّوا خلفه، وغزوا معه؛ ونفذوا وصيته بعد موته في عمر، فاجتمعوا كلهم في طاعته؛ ونفذوا وصايا عمر بعد موته وصلّوا خلف صهيب، ورجعوا الى عبد الرحمن كما وصّى، فغزا امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع ابي بكر ﵄ الربذة والى ذي القصّة «١» .
ولما همّ ابو بكر بالخروج عن المدينة والمسير الى اصل الردة، اخذ امير المؤمنين علي بعنان فرسه وقال له: اقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: سمّ سيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك، وأتا أقول لك:
أنقذ جيشك وارجع الى المدينة، فإنك إن هلكت لم يكن للاسلام بعدك نظام، فقبل رأيه ورجع.
وقد غزا غير واحد من بني هاشم في زمن عمر، وفي غزواته هلك الفضل ابن العباس بالشام في طاعون عمواس في خلافة عمر، وقد خرج العباس معه الى الشام وغيره من بني هاشم، وخلف عليا أميرا على المدينة في بعض خرجاته الى الشام، فانه خرج اليها اربع مرات، فدخلها في بعضها، وفي بعضها لم يدخل، وزوجه امير المؤمنين عليّ ابنته ام كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ، / وكان له منها زيد ورقية.
وقبل ذلك ما زوج رسول الله ﷺ ابا بكر الصديق اسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحل من رسول الله ﷺ محل ابن الأخوات وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها
_________
(١) انظر الطبري ٣: ٢٤١ و٢٤٧
غير واحد من الأولاد، فجعل رسول الله ﷺ أبا بكر كافل بني هاشم ومربي ابنائهم، فربّى اولاد جعفر بن ابي طالب وكفلهم وأدبهم، منهم: عبد الله ابن جعفر بن ابي طالب، وأخوه محمد. وكان عبد الله بن جعفر يذكر من برّ ابي بكر بهم ورأفته وتأديبه لهم ما يطول شرحه. وخلف امير المؤمنين علي وعمر على المدينة في خروجه الى جسر مهران «١»، وأشار عليه حين تكاتبت الأعاجم بإخراج المسلمين من ديارهم «٢»؛ وكان يزدجرد بن شهريار ملك فارس الذي أخرجه عمر من ملكه حيّا مقيما عند خاقان ملك الترك وقد صاهره يستعينه على المسلمين، فراسل أهل مملكته بإخراج المسلمين من ديارهم، وأنه يوافيهم في الجيوش ويسير الى المدينة فيقتل عمر ويستأصل الاسلام، فكتب المسلمون الذين في ممالك الفرس الى المسلمين بالكوفة بهذا، وكتب أهل الكوفة الى امير المؤمنين عمر، فخطب الناس وقال: ايها الناس، إن الشيطان قد جمع جموعه، وإن الأعاجم من اهل جرجان وطبرستان والريّ وأصفهان وهمدان ونهاوند، قد تكاتبوا وتعاهدوا في اخراج المسلمين من ديارهم وقصدهم الى بلادكم، وهذا يوم له ما بعده، فأشيروا عليّ.
فقام طلحة بن عبد الله، فقال، / فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال:
أشيروا عليّ، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب
_________
(١) سمي الجسر بذلك لأن قائد الفرس كان مهران بن مهر بنداد الهمذاني وكان قائد المسلمين المثنى بن الحارثة، وسميت المعركة معركة جسر مهران. وكان عمر ﵁ قد هم بالخروج مع المسلمين في تلك الموقعه.
(٢) كان ذلك في سنة ١٩- ٢٠ للهجرة. فقد تكاتبت الفرس واهل الري وقوس واصبهان وهمذان والماهي وتجمعوا الى يزدجرد آخر ملوك فارس. فبعث عمر بعد مشورة الصحابة بجيش وولى عليه النعمان بن مقرن المزني. فتوح البلدان، ٤٢٤.
الى اهل اليمن فيسيروا اليك من يمنهم، وإلى اهل الشام فيسيروا اليك من شامهم، وتسري بأهل هذين «١» الحرمين وأهل المصرين: الكوفة والبصرة، وتلقي العدوّ بنفسك، فاذا رآك في جموعك وعساكرك هاله أمرك، وقل هو وجيوشه في أعين المسلمين، ففعلت وفعلت، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام علي بن ابي طالب، فقال له: يا امير المؤمنين، أما ما كرهته من مسيرهم فان الله ﷿ لذلك أكره، وإنك يا امير المؤمنين إن سيّرت اهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ديارهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت العرب عليك، فكان ما وراءك اهم لك مما بين يديك، وإن رآك العدوّ ازداد كلبه عليك وقال لأصحابه: هذا واحد العرب فان قطعتموه قطعتم العرب كلها. ولكن أرى ان تكتب الى اهل اليمن، فيكون ثلثهم في اهل عهدهم وثلثهم في ثغورهم ويسير منهم الثلث اليك، وتكتب الى أهل الشام بمثل ذلك، وتقيم بمكانك وتنفذ اميرا يلقاهم، فان هلك أنفذت اميرا مكانه، فقد علمت انّا كنّا في زمن رسول الله ﷺ نقاتل بالبصيرة لا بالكثرة، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: هذا والله هو الرأي؛ إن انا أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم اليهم، هذا والله هو الرأي ان ساعدتموني عليه، فقالوا: نساعدك، فعمل على ذلك، وأنفذ الجيش، وأقام على ما اشار عليه عليّ؛ وكم له معه مثل هذا، وشرحه/ يطول.
وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء،
_________
(١) في الأصل: هذه
وكم قد اشارا جميعا على عثمان وغيرهما من بني هاشم، وكم قد غزا الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من بني هاشم مع امراء عثمان الى خراسان وغيرها، وكم كان يقول عمر على المنبر: أقضانا عليّ، ويقول: لا تكون نازلة لا يشهدها علي بن ابي طالب؛ وولاه القضاء بالمدينة، وتولى، فكان يقضي ويفتي، واستسقى بالعباس، وألحق الحسن والحسين في العطاء بالبدريين، ولما دوّن الدواوين، كتبوا اسمه في اول الديوان، فقال لهم: لم فعلتم هذا؟ فقالوا له: انت امير المؤمنين، فقال:
ابدؤوا بطرفي رسول الله ﷺ: هاشم وزهرة، وضعوا عمر وآل عمر حيث وضعهم الله، وأدخل عليا في الشورى: وكان لعليّ في اولاده من يسمى أبا بكر وعمر وعثمان كما يسمي الرجل اولاده بأسماء أحبابه وأئمته، وقد كان للحسين ﵇ ولد يقال له ابو بكر قتل معه بكربلاء، وكان ليلي بن الحسين ولد اسمه عمر، وقد كان في أولادهم مثل هذا كثير، وشرح هذا يطول، وكذلك شرح ما كان بينهم من المودة والصداقة وحراسة بعضهم لبعض، ومدح بعضهم لبعض يطول، وللعلماء فيه كتب مفردة مخلدة، انت تجدها اذا طلبتها. ولكن طال العهد وغلب الجهل، فظن من لا علم له انهم كانوا متباعدين متباغضين، وأن الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء أشد مما كان بينهم وبين معاوية وولده ومروان بن الحكم وولده كما ظنت المنانية ومن ذهب مذهبها، ان عيسى بن مريم «١» ﵇ كان عدوا لموسى وهرون وداود وسليمان/، وأنه كان يحرم أكل اللحمان وذبح الحيوان، وكما يظن من لا يعلم ان هذه الطوائف من النصارى على دين المسيح وفي طاعته. وللبغضاء رحمك الله حال مبينة، وللمحبة آثار وأعلام. ألا ترى ان
_________
(١) في الأصل بعد كلمة مريم لفظة كان، وهي زائدة.
معاوية وآل ابي سفيان وآل مروان، لمّا ابغضوهم وعادوهم، ما ذكروهم في الإمامة ولا رجعوا اليهم في القضاء والفتوى، بل لعنوهم وحاربوهم وقتلوهم، ووصوا اولادهم بذلك، وكذا فعل بنو هاشم من ولد العباس وولد ابي طالب ببني امية.
فإن قالت الرافضة: إنما صنع ابو بكر وعمر هذا ببني هاشم حيلة وخديعة وليخرجوهم من الرئاسة، قيل لهم: من الحيلة والخديعة ان لا يدخلوهم في الشورى، ولا ينبهوا عليهم في الرئاسة ولا يستسقوا بهم، ولا يستشفعوا الى الله بجاههم ومكانهم، ولا يشهدوا لهم بالجنة، ولا يسيروا إليهم بالعلم والمعرفة؛ ألا ترى ان معاوية لما عاداهم ما جعلهم اهلا للخلافة، ولا ذكرهم للرئاسة، ولا استسقى بهم، ولا استفتاهم، ولا استقضاهم، ولا شهد لهم بالجنة، بل كانت سيرته فيهم ما قد علم الناس؛ ولا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى ان ما كان من مدح رسول الله ﷺ لأهله وأصحابه انما كان على طريق المداراة والخديعة، او ادعى ان ما كان من معاوية [مع] «١» آل بني هاشم إنما كان على طريق الرأفة والرحمة.
وبعد فما لأبي بكر وعمر على قولكم الى مداراة الناس وخديعتهم في بني هاشم، وعندكم ان الناس قد علموا ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا ونص عليه، وعرف الكافة انه الحجة على العالم. ثم ان ابا بكر دعاهم الى خلاف ذلك فأجابوه بأسرهم على/ قول بعضكم وهم الكاملية، وعلى قول الهشامية اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة
_________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
ومواقيتها، والصيام ومواقيته، والمواريث، والمناكح، والطلاق، والعتاق، الى غير ذلك، فأجابوهم اليه.
وما سمع الناس بأعجب من امر هؤلاء القوم في دعواهم على ابي بكر وعمر، انهم إنما زكوا بني هاشم مثل العباس وعلي وغيرهما، وأدخلوهم في الشورى، وقدموهم في القضاء والفتوى والرئاسة، للنقص منهم، والحيلة عليهم؛ وهو كمن قال: ان ابا بكر وعمر وعثمان اخذوا الروم والعجم وملوك العرب بالدخول في دين النبي ﷺ، وإدخال اممهم في دينه، والشهادة برسالته، وإقامة شرائعه، وموالاة اوليائه، ومجاهدة اعدائه، انما فعلوا ذلك عداوة له صلى الله عليه، وللحيلة عليه، واخراجه من الرئاسة والنبوة، ولإماتة ذكره؛ وكل امرهم عجب وخروج عما يعقل ويفهم.
فإن قالوا: إنما أدخله عمر في الشورى وقال يصلح للخلافة والرئاسة ليمحو نصّ النبي عليه واستخلافه له، قلنا: فإن ذلك قد امحى على قولكم وأجابه الناس الى محوه وإزالته، فما حاجته الى ادخاله في الشورى لولا محبته له والتنبيه على فضله، ولو اراد ان يخرجه من الرئاسة لما أدخله في الشورى، ولا قال انه يصلح للخلافة والرئاسة؛ وانما الشورى وضعها عمر ليطلب الناس من يصلح في دين رسول الله ﷺ للقيام بأمر امته ﵇، وليرجعوا الى وصاياه وعهوده فيمن يصلح لذلك في دينه وشريعته؛ فلو كان هناك منصوص عليه، او من فيه أدنى اشارة، لما ادخله عمر في الشورى والرئاسة إن كان/ يريد ان يميت ذلك على ما يدعونه عليه، وهذا لا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن استخلاف النبي له ونصّه عليه، فان الراوندية
Translation
وباب آخر الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة
#24 Chapter 24 — وباب آخر افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه · ref. #24
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
من شيعة بني العباس تدّعي ان النبي ﷺ نص على العباس واستخلفه وجعله وارث مقامه، وأن الخلافة تكون في ولده الى يوم القيامة، كما تدعي ذلك الرافضة في امير المؤمنين.
وبعد فإن كان الذي صنعه عمر في الشورى حيلة على امير المؤمنين ليخرجه من الرئاسة، فلم دخل هو وقبله، وصلى خلف صهيب، ورجع الى عبد الرحمن في الاختيار، فكيف شعرتم انتم بهذا وخفي عليه.
فإن قالوا: فعل هذا خوفا وتقية، فقد بينا ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة ما كان سلطانا يخافه محقّ ولو كان عبدا او ذميا، وكشفنا ذلك من غير وجه. واعلم ان الكلام اذا انتهى الى مثل هذا فليس إلا السكوت، فإن شرح المشروح والمجاذبة في امر المكشوف عناء وادخال له فيما يغمض ويخفى، فارجع رحمك الله الى ما كان من ابي بكر وعمر وقول بعضهم في بعض وصنع بعضهم ببعض، تجدهم أولياء واخوانا واصدقاء، وقد تقدم لك في صدر هذا الكتاب ان ابا بكر وعمر وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار كانوا احباب رسول الله ﷺ، وكان يحبهم ويودهم، ويوجب على الناس مجبتهم، ويفرض عليهم مودتهم، وكانوا يحبونه، وهو أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم، ويحبون من أحبّ، ويبغضون من ابغض، وإن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، فارجع اليه.

وباب آخر [افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه]
وهو ان افعال رسول الله ﷺ وأقواله ووصاياه وعهوده، تشهد بأنه ما عهد في رجل بعينه، وان الامر في الخلافة بعده الى خواصه واصحابه ليختاروا من يرون، وان الخلفاء بعده يجوز عليهم الخطأ والزلل؛ ألا تسمع
قوله ﷺ «١»: «أنفذوا جيش أسامة» وقوله: «لا تتركوا بعدي في جزيرة العرب دينين، ولا تجمعوا فيها دينين» «٢» وقوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فخذوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، وإلا فكونوا أشقياء حرّاثين تمشون خلف أذناب البقر، وتأكلون كدّ أيديكم. أطيعوهم ما أطاعوا الله ورسوله، فاذا عصوا الله ورسوله فلا طاعة لهم عليكم؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٣» .
وقوله: «هذا الأمر في قريش ما اذا استرحموا رحموا، واذا حكموا عدلوا، واذا قسموا أقسطوا، واذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» .
ومثل هذا من اقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه انما هي لأصحابه وخاصته، فمن اشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان الخلفاء بعده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله ﷺ/ وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
_________
(١) في الحاشية كتب: وصايا رسول الله (ص)
(٢) انظر طبقات ابن سعد. الجزء الثاني القسم الثاني ص ٢٤ بلفظ آخر «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» .
(٣) انظر شرح الجامع الصغير للمناوي ١: ١٤٩، وخضراءهم اي سوادهم ودهماءهم. وهنالك احاديث كثيرة في هذا المعنى، كلها تضع شرطا في التبعية لقريش هي الاستقامة على الحق والتقوى والرحمة.
فإن قيل: كيف اشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل، وجودة التحصيل وصحة النقل.
ألا ترى ان في هؤلاء من يقول: ان في القرآن زيادة، وفيهم من يقول:
فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب اهل التناسخ وقوم من الصوفية. وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف دين النبي ﷺ؛ وقد عرف اصحابه من سيرته جواز الاختيار في الائمة والامراء، وعملوا بذلك في حياته ﷺ. ألا ترى انه لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي اميرا عليهم، فدبرهم وساسهم ولقى العدو بهم، فما انكر النبي ﷺ ذلك بل صوبهم، وسمي خالد بن الوليد سيف الله. وقد كان النبي ﷺ انفذ عما لأبي موسى الاشعري اميرا على جماعة فهلك، فاستعملوا بعده ابا موسى، فما انكر رسول الله ﷺ ذلك بل صوبهم؛ بل انهم انما فعلوا هذا لأنهم قد عرفوه من سيرته.
وقد ولى رسول الله ﷺ ابو العلاء بن الحضرمي «١» البحرين، وانفذه في
_________
(١) أرسل الرسول (ص) العلاء بن الحضرمي الى المنذر الساوي بالبحر بالكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله الى المنذر ساوي. سلام عليك فاني احمد الله إليك الذي لا إله الا هو، واشهد ان لا اله الا وان محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإني اذكرك الله ﷿ فان من ينصح فانما ينصح لنفسه وان من يطع رسلي ويتبع امرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي، وان رسلي قد اثنوا عليك خيرا، واني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما اسلموا عليه، وعفوت عن اهل الذنوب فاقبل منهم، وانك مهما تصلح يغفر لك عن عملك، ومن اقام على يهوديته او مجوسيته فعليه الجزية» . السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
Translation
وباب آخر افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه
#25 Chapter 25 — باب آخر كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه · ref. #25
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
جماعة، وعهد إليه عهدا معروفا، وقال ﷺ/ في هذا العهد: وانا اشهد الله على رجل وليته امرا من امور المسلمين فلم يعدل فيه قليلا كان ام كثيرا فانه لا طاعة له، وهو خليع محاولتيه، واني قد برأت المسلمين الذين معه من عهدهم وايمانهم منه ومن ولايته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية.

باب آخر [كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه]
وهو ان الصحابة قد خاضوا في باب الامارة في مرض رسول الله ﷺ وقبل ذلك في ازمان مختلفة، وجرى لهم من الخوض في ذلك اكثر مما جرى لهم من كل شيء في كبار الامور وصغارها، فأقوالهم وأفعالهم افعال من لا عهد عنده في رجل بعينه؛ وان الائمة بعد رسول الله ﷺ يجوز ان تقع منهم المعاصي والخطايا.
فمن ذلك، ان الصحابة سألوا عليا في مرض رسول الله ﷺ فقالوا:
كيف اصبح رسول الله يا أبا الحسن؟ فقال: اصبح رسول الله بحمد الله بارئا، فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وإني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه هذا، فانطلق بنا الى رسول الله ﷺ نسائله فإن كان هذا الامر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا امرناه فوصى الناس بنا. فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله ﷺ، فإنا إن سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله ﷺ قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا.
فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي،
وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي ﷺ/ قد نص لما جاز ان يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله ﷺ حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم ان رسول الله ﷺ قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على امته الى يوم القيامة، وكيف نسيت مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، و«انت مني بمنزلة هرون من موسى»، وهذا نص واستخلاف. فإن كان امير المؤمنين علي ﵁ نسي ان النبي ﷺ استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى. فان قيل: ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس ﵄؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك اهل العلم، والعجب انكم تقولون أن النبي ﷺ قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به اقوى، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا، ويخوض اهل العلم في ذلك، كالشعبيّ وعبد الرزاق «١»، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له
_________
(١) الشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري (ابو عمرو) راوية من التابعين، وهو من رجال الحديث التقات توفي سنة ١٠٣ هـ. تهذيب التهذيب ٥: ٦٥ واما عبد الرزاق فهو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري (ابو بكر) من حفاظ الحديث التقات. له «الجامع الكبير» في الحديث. توفي سنة ٢١١ هـ، تهذيب التهذيب ٦: ٣١٠
في العلم.
وفي هذا الباب، ان النبي ﷺ لما مرض جزع اصحابه لمرضه، فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته ازواجه وعماته وبناته، فكان/ اذا وجد خفّا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا:
الصلاة يا رسول الله، فقال: ما أستطيع الخروج، صلوا، قالوا: يا رسول الله من يصلي قال: يؤذّن بلال ويصلّي أبو بكر.
ففي قولهم: من يصلّي، دليل على انه ما استخلف رجلا بعينه، لأنه لو كان فعل ذلك لما قالوا من يصلي ولا خفي عليهم مكانه، كما لا تخفى عليهم القبلة وقد فرغ لهم منها، فلا يقولون الى اين نصلي. وأكد ذلك ايضا بقوله: يصلي بكم ابو بكر، ولو كان قد استخلف رجلا بعينه لقال:
او ليس قد استخلفت عليكم عليا، فكيف نسيتم مع قرب العهد، ولأمر عليا بالصلاة.
فان قيل: ومن سلم لكم هذا، وإنما عائشة قالت له لا رسول الله، وأن رسول الله ﷺ لما احس به خرج وصرفه.
قيل لهم: انه ليس لرسول الله عهد اوثق ولا عهد اوضح من عهده الى ابي بكر في الصلاة بالناس في مرضه، فانه عقد كان منه في بيته وبحضرة أصحابه، الذين صفتهم على المحافظة على دينه الصفة التي قدمنا، والعلم بذلك يجري مجري مرضه في بيت عائشة ودفنه فيه، ومجرى العلم بأن ابا بكر وعمر دفنا عنده؛ والعجيب ممن يقول: قد علمنا ان رسول الله ﷺ قال:
من كنت مولاه معلّي مولاه وعليّ مني بمنزلة هرون من موسى، وقال:
انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من
العناد الشديد والجهل الفائض، وهو كمن قال: إن رسول الله ﷺ ما اختار أبا بكر للهجرة معه ولا كان معه في الغار، ولا اختصه بأن يكون معه في العريش يوم بدر دون الناس كلهم، ولا كان معه في بيعة الرضوان، ولا اقامه مقام نفسه في الحج بالناس في سنة تسع ولم يقدم غيره في ذلك، وهو اول امير حج بعده ﷺ/ في حياته من المدينة.
ولقد امر ابو بكر بالصلاة، فصلى بجميع اصحابه وأهل بيته كالعباس وعليّ وجميع بني هاشم ومواليه، وهو ينظر اليهم من بيته وفي مسجده وهم يصلون خلف ابي بكر، فصلى بهم ابو بكر [عدة] «١» ايام. ففي بعض تلك الايام يخرج رسول الله ويصلي معهم، وفي بعضها يخرج وقد فرغ ابو بكر فيجلس معهم، وفي بعضها يحس به ابو بكر فيتنحى ويقدمه ويصلي بهم. لا يتدافع اهل العلم من الصحابة والتابعين والذين يلونهم والذين يلونهم في ذلك. ولقد صلى بهم ابو بكر الظهر في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ قبل دفنه وقبل البيعة له بذلك العهد الذي كان من رسول الله ﷺ لا ينازعه في ذلك احد.
وقد روى هذا الحديث وأمر رسول الله ﷺ لأبي بكر بالصلاة علي بن ابي طالب، ذكر ذلك في خلافته وعلى منبره مرات كثيرة، ورواه العباس وابنه عبد الله، وذكره عمر على منبره في خلافته، ورواه ابو عبيدة، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن ملك، والبراء بن عازب، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما
_________
(١) في الاصل فراغ املأته بعدة، ويمكن ان يقرأ بدونها فنقول حينذاك: فصلى بهم ابو بكر أياما.
يظن ان ابا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والانصار بغير عهد من رسول الله ﷺ، من لا يعرف المهاجرين والانصار، وشدة بصائرهم، وإعظامهم لمقام رسول الله ﷺ ان يقوم فيه احد مقامه سيما في خاصته بغير امره.
وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ويراهم، وأمره لأبي بكر/ بالصلاة بحضرة اصحابه، ويسمع ذلك جميع ازواجه وبناته وعماته، فقد كنّ في مرضه هذا اجتمعن كلهنّ عنده في بيت عائشة. وكان امره له بذلك مرة بعد مرة، فان الصحابة كانوا يدخلون في اوقات الصلاة فان وجد خفّا خرج معهم، وإلا قال لهم:
يصلي بكم ابو بكر. وكان في اول امره امر بذلك، قالت عائشة: يا رسول الله، إن ابي رجل أسيف «١» لا يستطيع ان يسمع الناس، فلو امرت غيره، فأبى رسول الله ﷺ ذلك ولم يجبها اليه، فاستعانت ببعض ازواجه عليه ليشفعها ويأمر غير ابي بكر بالصلاة، فردّهن رسول الله وغضب وقال:
يأبى الله والمؤمنون غير ابي بكر، إليكنّ عني صويحبات يوسف. فهذا الذي كان من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن، وهذا شأنهم. ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان يصلي ابوك بالناس في مرض رسول الله ﷺ وراجعت رسول الله ﷺ في ذلك حتى غضب؟ قالت: ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ذلك، وأن المسلمين يتشاءمون به.
وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله ﷺ: إليكن عنى صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف ﵇ إذا دفع الى شدة
_________
(١) الرجل الأسيف: الشيخ الفاني والسريع الحزن والرقيق القلب، انظر قاموس المحيط.
يضعف ويجيب الى المعصية فلم يكن كما ظنن، فأراد رسول الله ان ابا بكر سيدفع الى شدائد فيصبر ويحتمل.
ثم يقال لهم: وكيف طمع ابو بكر ان يتقدم بأصحاب رسول الله ﷺ وقد علم ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا وعرفهم انه حجة الله عليهم وعلى رسول الله وجميع الصحابة حضور شهود، كيف يتوهم عاقل هذا؟
وبعد فكيف اقرّ رسول الله ﷺ عائشة/ في ازواجه واقام عليها وقد ارتدت بهذا الصنيع، وقد قال الله ﷿: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «١»؟
فادعيتم ان ابا بكر اغتصب هذا المقام، وان ذلك بلغ رسول الله ﷺ، وانه غضب من ذلك وانكره، وخرج وعزل ابا بكر، وانكر على الصحابة طاعتهم لأبي بكر في الصلاة خلفه؛ هذا امر عظيم، ومراجعات كثيرة، إذ لو كانت لكان العلم بها اقوى من العلم بما كان من المراجعة لرسول الله ﷺ من المراجعة والمناقلة يوم الحديبية مع سهيل بن عمرو «٢» وما اشبه ذلك، ولكن مذاهبكم مقصورة على دعاويكم. ومن العجب كونكم ما ادعيتم ان رسول الله ﷺ لما غضب وخرج وعزل ابا بكر ان يكون قد قدم عليا فصلى بالناس ليتم بهتكم، بل لو كنتم صادقين في دعوى النص عليه لكان هذا وقت تقديمه والغضب لأجله لو ادعيتم ان رسول الله ﷺ لم يختر
_________
(١) الممتحنة ١٠
(٢) كان سهيل بن عمرو سفير قريش الى الرسول يوم الحديبية، وقد عرض على الرسول الانصراف عن مكة ذلك العام على ان يأتيها في العام الذي يليه وعلى ان يقوم بينه (ص) وبين قريش صلح متصل عشرة اعوام. وقد حدثت اتناء المفاوضات مراجعات من المسلمين واحداث تجدها في كتب السيرة
Translation
باب آخر كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه
#26 Chapter 26 — باب آخر كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق · ref. #26
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
بيت عائشة لمرضه ودفنه والموت فيه وانما اختار بيت ابنته فاطمة ولكن ابا بكر مضى واغتصبه وحمله وجاء به الى بيت عائشة، فهذا رحمك الله من الأدلة التي تشهد ان رسول الله ﷺ ما استخلف عليا ولا نص عليه كما يدعي هؤلاء وانما ينكرون الاخبار.
فان قالوا: لو كان رسول الله ﷺ ما استخلفه لعلمنا باضطرار انه لم يستخلفه.
قيل لهم: ما لم يفعله رسول الله ﷺ لا يعلم بالاضطرار، انما يعلم بالاستدلال، فمن استدل علم ومن لم يستدل جاز ان يظن انه قد فعل.
ولو كان فعل شيئا أو فرض شيئا على الامة من سائر احكام الشريعة لجاء مجيء العلم كما جاء غيره، وهذا هو الاصل كما شرحنا وقدمنا.

باب آخر [كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق]
من هذا، ان الانصار لما قبض رسول الله ﷺ حزنوا لفراقه، فاشتد حزنهم وعظمت مصيبتهم، فقالوا هدانا الله به، وجمع إلفتنا بدعوته، وعظمت علينا بركاته. فرجع بعضهم على بعض فقالوا: احمدوا/ الله فقد قبض وهو عنكم راض، فقالوا: الحمد لله، ولكن قد وترنا الأمم، وقد قبض رسول الله ﷺ ولم يستخلف، ولا بد لنا من امير نقيمه فنغزوا معه ونجاهد، فقال قائل منهم: لا بد لكم من هذا، فأقيموا رجلا منكم.
فانظر كيف أفصحوا بأنه لم يستخلف، ولو كان كما يدّعون هؤلاء لفيل لهم ذلك ورد عليهم هذا القول والنبي ﷺ لم يدفن بعد، وكيف لم يستدل
عليهم بالآيات والأحاديث التي تروونها وتستدلون انتم بها فلو لم يكن إلا هذا لكفى في الدلالة على بطلان ما يدعونه هؤلاء، وما يدعيه العباسية والبكرية.
فإن قيل: فالنبي ﷺ قد قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة وقد ذهب هذا على الانصار، فما تنكرون ان يكون قد نص على علي والعباس وأبي بكر وذهب عنهم؟
قلنا: لا ندعي ان رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة، ولا قام فيهم خطيبا كما تقولون في دعواكم لعلي، ولا اخذه على الناس، ولا هو ايضا من فرض الكافة، وانما هو من فرض الفقهاء والخاصة، فيعقده اربعة نفر أو خمسة لواحد، وهو يجري مجرى قوله ﵇:
«لا وصية لوارث» «١»، و«أهل ملتين لا يتوارثون» «٢»، و«الخراج بالضمان» «٣»، وليس كذلك ما يدّعونه من انه نص على رجل بعينه وفرض طاعته على جميع أمته وجعله الحجة عليهم بعده، فأوجب على الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمقيمين والمسافرين طاعته، وأعلمهم هذا الغرض وأداه اليهم بحسب وجوبه وشمول عمومه، فجرى في الغرض مجرى قوله:
«انا رسول الله اليكم وحجة الله عليكم»، فهذا لا يذهب على النفر اليسير ممن هو دون الانصار في الرتبه والاختصاص برسول الله ﷺ، وهو يقول:
«الانصار كرشي وعيبتي» «٤»، يريد بذلك انهم موضع سرّي وخاصتي،
_________
(١) حديث لا وصية لوارث في الجامع الصغير، في الدارقطني عن جابر ٢: ٥٠٢
(٢) ورد معنى هذا الحديث بلفظ آخر في الجامع الصغير ٢: ٥٠٥، مسند ابن حنبل والبخاري ومسلم وابي يعلى عن اسامة.
(٣) الحديث في شرح الجامع الصغير ١: ٥٢٥، عن مسند ابن حنبل، والبخاري ومسلم والترمزي وابن ماجه عن عائشة،
(٤) انظر الحديث في مناقب الانصار من صحيح مسلم وغيره
Translation
باب آخر كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق
#27 Chapter 27 — وباب آخر رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول · ref. #27
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
فأين/ فرض هذا من قوله: «الأئمة من قريش» «١»، ومع كون هذا من فرض الخاصة، فعند الحاجة ذكر وقبله الأنصار كلهم وعملوا به، فلو كان دعواكم انتم ايضا كذلك لكان قيل وعمل به مثل هذا.

وباب آخر [رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول]
من هذا ان العباس وبني هاشم بلغهم قول الانصار وما عزموا عليه، فما أنكروا قولهم ان رسول الله ﷺ قبض ولم يستخلف، وان الإمامة تجب بالاختيار، بل مدحهم العباس وأثنى عليهم وأقبل على عليّ وقال له: قد كنت قلت لك ورسول الله ﷺ حيّ عليل انطلق بنا اليه نسأله فيمن يكون هذا الامر فان كان فينا لم تنازع فلم تفعل، والآن فامدد يدك أبايعك فيقال: هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.
فتأمل رحمك الله هذا البيان وهذا الإفصاح من الجميع، ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف، فكيف لم يقل علي لعمه: كيف نقول إنك لو بايعتني ما اختلف عليّ اثنان ورسول الله قد عقد لي وجعلني الحجة وقد خالفوني.
وانما كان قوله ﵁ للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني.
_________
(١) انظر الجامع الصغير شرح المناوي ١: ٤٢٧، وفي الحاكم والسنن الكبرى عن علي. قال الحاكم: صحيح، ونعقب بأنه منكر.
فقيل له: أقبل فانهم لا يخالفونك ولا يكرهونك، وقال له ابو سفيان:
اقبل يا ابا الحسن ما يقول ابو الفضل وانا أبايعك، فقال له العباس: اقبل فهذا شيخ بني عبد مناف يبايعك ايضا، فقال ابو سفيان عليّ بنو عبد مناف كلها، بل عليّ قريش ان تبايع ولا تخالف، فقال له العباس: افعل، فقال:
لا يا عم إلا عن ملأ من المسلمين.
فانظر كيف بين ﵁ امر الامامة للمسلمين وباختيارهم، وانه لا يبادر الى القبول لئلا يظن به الحرص على الامارة، فقال له قائل من بني هاشم: فأخبر الناس أن رسول الله ﷺ جعلها/ في بني هاشم، فقال ﵁: والله لئن كنت أول من آمن به فلا اكون اول من كذب عليه.
ومقام آخر، وهو ان العباس خرج الى ابي بكر وهو في المسجد فأخبره بما بلغه عن الانصار، وسأله ان يمضي اليهم ويبين لهم، لعلم العباس بعظم قدر ابي بكر في المهاجرين والانصار. فنهض ابو بكر وتبعه عمرو وأبو عبيدة، وصاروا الى الانصار، فأنكر عليهم ابو بكر ما عزموا عليه، فعجبوا من إنكاره وقالوا: لم تنكر ان تكون الامارة فينا، فقد مضى رسول الله ﷺ وما استخلف، وقد قال فينا كذا، ومدحنا بكذا، فقال ابو بكر:
صدقتم، وقد قال رسول الله ﷺ: ولو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديا لسلكت شعب الانصار وواديهم؛ ثم قال ابو بكر ولكن هذا الامر ينبغي ان يكون في الحيّ من المهاجرين من قريش، فلا تنفسوا عليهم الامارة: أسلمنا قبلكم، وقدمنا الله في القرآن عليكم، وما كان في قريش نفاق.
فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: فإن ابيتم فمنا امير، ومنكم امير. ثم
اقبل على قومه من الانصار فقال لهم: البلاد بلادكم، والبادية باديتكم، وأنتم شعب الاسلام الذي لجأ اليه، وإنما عزّ الاسلام بأسيافكم، فإن ابي هؤلاء [ان] «١» يكون منا امير ومنهم امير فأخرجوهم من بلادكم، ثم اقبل على المهاجرين وقال: إن شئتم اعدناها جذعة، انا عزيقها المرجّب وجذيلها المحكك «٢» .
فقال ابو عبيدة: الله الله معشر الانصار، إنكم اول من نصر وآزر فلا تكونوا اول من بدل وغير، وقال ابو بكر لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد إن رسول الله ﷺ قال «٣»: «الناس تبع لقريش، فخيار الناس تبع لخيارهم، وشرارهم تبع لشرارهم» «٤» / قال: صدقت، فقال بشير بن سعد الانصاري: والله لئن كنا اولي فضيلة في جهاد عدونا فما أردنا بذلك الارضاء ربنا والكدح لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل على الناس، فالمنة لله ورسوله علينا. ورجع الانصار عما كانوا عليه، وأقبلوا على ابي بكر وقالوا: من ترضى لنا يا ابا بكر، فقال: رضيت لكم عمرو أبا عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير
_________
(١) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) الجذيل: تصغير جذل، وهو عود يكون في وسط مبرك الابل تحتك به وتستريح اليه، ويضرب به المثل في الرجل يشتفي برأيه. والعذيق تصغير عذق وهو النخلة نفسها، والمرجب: الذين تبنى الى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ولعزه على اهله، فصرب به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمه أهله. انضر لمناقشة الحباب بن المنذر الطبري ٣: ٢٢٠
(٣) كتب في حاشية الصفحة: قال رسول الله (ص): الناس تبع لقريش.
(٤) في شرح الجامع الصغير للمناوي ٢: ٤٦٢. وقد ورد في مسند ابن حنبل ومسلم عن جابر. بلفظ آخر.
مأثم احب اليّ أن اتقدم قوما فيهم ابو بكر، ولكن انت يا ابا عبيدة ان شئت بايعتك، فقال ابو عبيدة لعمر: ما سمعت منك فهة «١» في الاسلام قبلها، اتقول هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله، وقد أمّنا حياة رسول الله ﷺ. فقال عمر: معشر الانصار، قد علمتم ان رسول الله ﷺ قدم ابا بكر واقامه مقامه في الصلاة بالناس، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول الله ﷺ، قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، فقال بشير بن سعد الانصاري ثم الخزرجي: قوموا الى خليفة رسول الله ﷺ فبايعوه، فانثالوا على ابي بكر ومدّوا يده فقبضها وقال: بايعوا عمر او ابا عبيدة، ودفعهم عن نفسه بجهده، وقبص يده فمدها عمر، فقال له ابو بكر: أنت أنت يا عمر، انت اقوى وأشد، فقال عمر: شدتي لك انت احق، انت خليفة رسول الله ﷺ، رضيك لنا؛ فما زالوا به حتى بايعوه.
فانظر الى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والانصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول الله/ ﷺ، ويرجعون الى أفعاله ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد احدا منهم يذكر عن رسول الله ﷺ نصا على رجل بعينه او ما يشبه النصّ او ما تأويله النص من انه كتاب الله او من حديث عن رسول الله ﷺ، والعهد قريب وهو يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة الى ذكر ذلك؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، وإلا إحياء الاسلام
_________
(١) الفهة من العي والغلط
وقمع اعداء رسول الله ﷺ، لينضبط الأمر ولا ينشر «١»؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة الى إقامة امير، فلما قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا الى افضل قريش في انفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول الله، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول الله ﷺ في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان ﷺ وهو مقيم بمكة منذ دعا الى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله؛ فسمعته/ قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا الى دعوته، وأجابوه الى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا اموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه الى ذلك، أمر اصحابه بالهجرة اليهم، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا اليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الايمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم الله الانصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال الله: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «٢» فأخبر ﷿ عن صحة نياتهم وصدق
_________
(١) يقصد: كي لا يتفرق المسلمون
(٢) الحشر ٨
ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الانصار وقال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»»
، لأن الانصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول الله ﷺ آثروهم على انفسهم بمنازلهم، وشاطروهم اموالهم بطيب من انفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: «والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم»، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول الله ﷺ بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع الى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله/ هذا الموضع.
فهم لما بايعوا ابا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول الله ﷺ لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا اعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا انهم قد وتروا الامم كلها في طاعة رسول الله ﷺ؛ فقد خلفهم ولا امير عليهم، فخافوا ان يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم امير فينشر امرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الاسلام بادروا الى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول الله ﷺ، ولاغتباطهم بالراحة.
_________
(١) الحشر ٩
وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة في دينه.
ثم إن ابا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا، وأخبر المهاجرين بما كان وقال: والله ما اردت الامارة، ولا نويتها، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة، ولا رغبت فيها، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت، وإنما قبلتها خشية الفتنة، ولأنه لم يكن عليّ امير، وقد رجعت اموركم اليكم فاقيلوني وولوا من شئتم. فقال له عليّ: والله لا يقيلونك ولا يستقيلونك، رضيك رسول الله لديننا فرضيناك لدنيانا، قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك، فصوّب الصحابة جميعهم قوله واستحسنوه «١» .
وانظر اعترافهم ان رسول الله ﷺ قد اعطى أبا بكر اكثر مما اعطوه، وعجب علي ﵁ من طمع الانصار في الامارة وقال: أما سمعوا قول رسول الله ﷺ: «اوصيكم بالانصار خيرا، اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم «٢»»، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم لا فيهم، ولكن نتجاوز لهم كما وصّى رسول الله ﷺ، والله يرحم الانصار.
فان قال: انهم لم يعارضوا أبا بكر/ خوفا وتقية، فقد بيّنا غير مرة ان سلطان هؤلاء الخلفاء الاربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق.
وقيل: إن ابا سفيان لقي علي بن ابي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له: يا ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حيّ من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما
_________
(١) كتب في الحاشية: صوابه ان مقامه بعد قتل مسيلمة
(٢) انظر الحديث في مناقب الانصار.
اريد ذلك، إنا رأينا ابا بكر لها اهلا، واني لأعد بيعتي له من جهادي مع رسول الله ﷺ. ثم اتى ابو سفيان العباس وبني هاشم فقال: ما لنا ولأبي فضل «١»، إنما هي بنو عبد مناف، يا بني عبد مناف ذبوا عن مجدكم وانصحوا عن سؤددكم، ولا تخلعوا تاج الكرامة إذ ألبسكم الله فضلها، انها عقب نبوة، من قصر عنها اتبع، ومن ذبّ عنها اتبع؛ فقال العباس: إن الاسلام قيد الفتك وأخذ بعنان الباطل، فأمهل نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الأمر مخرج نبسط اكفا للجد لا نقبضها او نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد ولا وهن في الأيد. فأنكر علي قول ابي سفيان، ونهى بني هاشم عن الخلاف، وقال لهم: عرجوا عن طريق المنافرة وحطوا تيجان المفاخرة. وقال لأبي سفيان: يا ابا سفيان، إن المسلمين قوم نصحة وإن تباعدت انسابهم، وان المنافقين قوم غششة وان تقاربت انسابهم، يا ابا سفيان، طالما عاديت الاسلام واهله فلم يضره ذلك شيئا، انا وجدنا ابا بكر لها اهلا، ولو لم نره اهلا لما وليناه.
وقد ذكر من هذا امير المؤمنين علي ﵁ بعد مضي عثمان في رسالته الى معاوية إذ يقول له في فصل منها: وقد كان ابوك اتاني حين وليّ ابو بكر ﵀ الناس، فقال انت احق بهذا الأمر بعد محمد ﷺ فهلم ابايعك وانا بذلك على من خالفك، فكرهنا ذلك مخافة الفرقة، / فكان ابوك اعرف بحقنا منك، فإن تعرف منه ما كان يعرف تصب رشدك، وإلا فسيغنى الله عنك.
وقد ذكر معاوية هذا المعنى لابن عباس وبني هاشم حين اخذ الأمر من الحسن، فقالوا له: اغتصبت وأخذت ما ليس لك، فقال لهم: إن كان امر الخلافة يستحق بالقرابة دون الرضا والاجماع فما منع العباس منها وهو
_________
(١) كذا في الاصل، ولعلها بكر
عم رسول الله ﷺ وقد ضمن له ابو سفيان بني عبد مناف؟ فكان جوابهم ان ذاك امر رضيه المهاجرون والانصار واجمع عليه المسلمون، وانت فما رضيناك.
وما كنا في صحة امامة ابي بكر، وإنما كنا في ان الصحابة في كل زمان وأوان يخوضون فيمن يصلح للامامة ولا يذكرون عهدا من رسول الله ﷺ في انسان بعينه مع حاجتهم الى ذلك، بل يجمعون على العمل بالاختيار، فعرض لنا ما كان بين بني عبد مناف، فذكرنا قول بني هاشم، وان ابا سفيان احب ان تكون الخلافة في بني هاشم لأنهم اهله وأقاربه من بني عبد مناف، ولأن السؤدد والرئاسة كانت فيهم قبل الاسلام.
ولهذا قال خالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقد قدم بعد وفاته وقد بايع الناس أبا بكر، فعجب من كون الخلافة في أبي بكر دون العباس او علي او عثمان فهؤلاء اعمام رسول الله ﷺ وبنو «١» اعمامه، فقال لعثمان وعلي وقد أتياه ليسلما عليه حين قدم من سفره: أرضيتم بني عبد مناف ان يلي امركم بنو تيم، فقال علي: رضينا، فقال خالد: انتم الشجر الطوال ذوات الظلال فاذا رضيتم رضيناه.
فولاية ابي بكر، وتقدمه على اهل رسول الله وأعمامه وبني اعمامه/ وهم كثرة وفي عزة ومنعة وفيهم اليسار وليس لأبي بكر شيء من ذلك من العجائب، ولهذا قال ابو قحافة وقد جال الناس جولة وهو بمكة: ما هذا؟
قالوا: مات رسول الله ﷺ، قال: فما صنع الناس بعده قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: افرضيت
_________
(١) في الأصل: بني
Translation
وباب آخر رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول
#28 Chapter 28 — وباب آخر · ref. #28
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
بنو المغيرة؟ فقالوا: نعم، قال: ودانت لرجل من تيم؟ قالوا: نعم، قال: فلا مانع لما أعطى الله.
فعجب ابو قحافة من تقدم ابنه والسيّادة والرئاسة انما كانت في بني عبد مناف وبني المغيرة من بني مخزوم دون بني تيم، فلما قدّم المهاجرون والأنصار ومن كان على دين رسول الله ﷺ ابنه ابا بكر، علم ان ذلك الإسلام ومن قبل الله، وان ابنه قد كان اولى بالحسد والابعاد، ولكن القوم رجعوا في توليته الى الدين والاسلام دون الأحساب والأنساب.
ولما بلغ اهل اليمن والبحرين وعمان قالوا لعمال رسول الله ﷺ: هذا الذي بايعه الناس بعد رسول الله ﷺ ابنه او اخوه؟ فقيل لهم: لا، قالوا:
فأقرب الناس منه؟ قيل: لا، قالوا: فما شأنهم؟ قيل: اختاروا أخيرهم فأمّروه عليهم، قالوا: لن يزالوا بخير ما صنعوا هذا.
فتأمل رحمك الله حال القوم لتعرف حقيقتها وتعلم انها بالضد مما قاله هؤلاء، فقد طال العهد وقل التأمل.

وباب آخر
وهو ان أبا بكر غزا اليمامة، ومسيلمة، وربيعة، وطلحة، وبني اسد، وتلك القبائل المرتدة، ومانعي الزكاة، مع إذعانهم بإقامة الصلاة، وأنكر ﵁ «١» تغير دين رسول الله ﷺ، وأنه لا يقرهم على ترك خصلة واحدة من دينه ولا تعطيل شيء منه، وقد غزاهم بالمهاجرين والانصار ونكل بهم كل التنكيل، وقتلهم ألوان القتل، وصنع بالرجال والنساء منهم
_________
(١) في الاصل: عنهم
Translation
وباب آخر
#29 Chapter 29 — وباب آخر طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك · ref. #29
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك
Translation
وباب آخر طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك
#30 Chapter 30 — وباب آخر تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين · ref. #30
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
من النكال ما يطول شرحه لأنهم غيروا دين رسول الله ﷺ، / وعطلوا حدوده، فما استطاعوا ان يقولوا لأمراء ابي بكر لم تنكرون علينا هذا وأنتم قد عطلتم نصوص صاحبكم، وغيرتم دينه، وبدلتم كتابه، وانصرفتم عن وصيه وعمّن استخلفه، وضربتم ابنته، وقتلتم جنينها في بطنها، وهذا موضع حاجة هؤلاء اليه، ولو كان لذلك ادنى اشارة لعوّلوا عليه واستراحوا اليه، فعلمت ان ما يدّعيه هؤلاء لا اصل له.
ولو كان بدا منهم شيء لكان العلم به اقوى مما كان بين امير المؤمنين وأهل النهر، وبينه وبين اهل الشام وغيرهم.

وباب آخر [طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك]
ان ابا بكر لما قتل مسليمة، وأسر طلحة، ورد اهل الردة، واستولى على جزيرة العرب الاسلام وأنفذ جيوشه الى العراق واستظهر المسلمون، قام في المسلمين خطيبا فقال: ان اموركم قد عادت اليكم وبحمد الله استظهرتم على عدوكم فأقيلوني فقد تقلدت امرا ما لي فيه راحة ولا يدان الا بمعونة الله، فقال له عليّ ﵁: ما يقيلونك ولا يستقيلونك، وما منك بدل ولا بدل عنك حول، ومشى في الناس ثلاثا يستقيل فما اقالوه.

وباب آخر [تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين]
ان ابا بكر لما مرض مرض موته قال: يا ليتني يوم ظلة بني ساعدة قد كنت وليت عمر او ابا عبيدة، فكنت أكون وزيرا خيرا من ان اكون اميرا، وليتني حين بعثت خالدا الى الشام كنت بعثت عمر الى العراق فكنت
قد بسطت يميني وشمالي. ثم عزم على استخلاف خليفة يكون بعده، وأخذ يشاور في ذلك؛ فقال لرهط من المسلمين: إن وليت عليكم رجلا منكم أترضون؟ فقال عليّ بن ابي طالب: لا إلا ان يكون عمر، فأمسك؛ ثم خلا بعبد الرحمن بن عوف وشاوره في عمر وأخذ رأيه فيه ثم قال له: اكتم يا ابا محمد ما كان بيننا الى ان اقوله لك، ثم شاور عثمان بن عفان، ثم شاور اسيد بن حضير في رهط من الأنصار في ذلك، فقال له اسيد: / ما اعلمه إلا الخيرة بعدك لولا ما فيه من شدة فقال له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم اظهر ابو بكر الامر للناس وذكر لهم رأيه في عمر، فقال طلحة وغيره: ان عمر رجل مهيب، له هيبه وليس بخليفة، فكيف اذا صار خليفة؟ فاعدل بنا عنه الى رجل هو اخفض جناحا وألين جانبا فكان جواب ابي بكر ما قد تقدم؛ فكيف يظن عاقل تدبر الامور ان هناك رجلا قد اقامه رسول الله ﷺ وفرغ لهم منه، وكلهم ومعهم ذلك الرجل الذي يدّعي هؤلاء، يطلبون رجلا يصلح في دين رسول الله وعند رسول الله للقيام بأمر امته؟ وهل هذا إلا كقائل قال في جماعة كثيرة قيام في الشمس وهم يطلبون الشمس ويسألون عن الشمس، وتأمل الحال، وكيف ينطق كل واحد بما عنده وبما يراه، غير راهب ولا خائف من الأنصار ومن المهاجرين ومن ابي سفيان ومن بني هاشم ومن خالد بن سعيد لتعلم سلطان هؤلاء الخلفاء كيف كان.
فكان المسلمون يفرغون الى ابي بكر في كل صغير وكبير، فيقول لهم:
أتظنون انكم تجدون عندي ما كنتم تجدونه عند رسول الله ﷺ، لا تجدون
ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يأتيه الوحي، وإنما انا مثلكم، فان احسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني؛ ويسأل عن مسألة فيقول: اقول فيها برأي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، فيستحسن المسلمون هذا منه ويحمدونه عليه، ولا يقول قائل كيف يزيغ إمام المسلمين وكيف يخطىء، وعند الإمامية ان إمام المسلمين لا يخطىء ولا يزل.
وقد قال عمر ايضا مثل قول ابي بكر مرات كثيرة، وقال عثمان مثل ذلك.
وما بلي به علي/ وما قاله في هذا الباب فأكثر مما ابتلي به أبو بكر وعمر وعثمان، فإنه ابتلي من اهل زمانه ومن اصحابه طول خلافته بالإضلال والإكفار فما احتج هو لنفسه بالنص ولا بالعصمة، ولا احتج له من في زمانه ممن كان يخاصم عنه من ولده وأهل بيته وشيعته بشيء من ذلك، وكانوا وكان هو ايضا لا يأبون ان يجوز عليه ما يجوز على اهل الشووى وعلى الخلفاء قبله.
وكان ما يتدين به من الاختيار اكثر وأشهر مما كان من الخلفاء قبله، ولهذا قالت العلماء: إن العلم بأن رسول الله ما نص على علي ولا استخلفه اقوى من العلم بأنه ما نصّ على بلال، أو عمار، وأبي ذر، او ابن مسعود، فانه ﵁ قد بقي بعد الخلفاء خليفة وإماما معه مائة الف سيف تطيعه، وقد نازعه خلق كثير في الإمامة وناظروه، وادّعوا عليه الخطأ والضلال والإكفار، فما ادّعى النص ولا العصمة ولا احتج في مشافهة ولا مراسلة ولا مكاتبة بشيء من ذلك، بل كان يحتج بأن طاعتي وجبت لأنه بايعني الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي كما وجبت طاعتهم.
ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه ﵁ بعد الخلفاء خليفة وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله ﷺ
إلا سيرة ابي بكر وعمر وعثمان، ولا حبا السواد ومصر وفارس وأرمينية وأذربيجان وخراسان إلا ما حباه الخلفاء قبله، ولا قرأ إلا المصحف، ولا أقرأ اولاده والناس الا هذا المصحف، وملك الارض كان كله بيده إلا كرة فلسطين، وأقام التراويح بنفسه وأقامه عماله في ممالكه كلها، وكان يقيم إماما للنساء في التراويح، وأثنى على الخلفاء قبله بما يطول شرحه وقد ماتوا وبلوا، وهو يلعن معاوية ويبرأ منه وهو حي ومعه اكثر من مائة الف/ سيف، وكذا صنع بالخوارج. فهو لا يخاف الجبابرة الاحياء، وعند الإمامية انه قد خاف الموتى وهو سلطان عظيم الشأن، وقد بيّنا ان هؤلاء في حياتهم وسلطانهم ما كان يخافهم محق «١» .
فإن قيل: ومن سلم لكم انه كان يقيم التراويح، بل يقول انه قد نهاهم عنها، فقالوا: واعمراه، فلما قالوا ذلك، اقامها لهم.
قيل له: لا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى انه قد كان نهاهم عن هذا المصحف فقالوا وا محمداه، او قال: قد كان نهاهم عن هذه الصلاة وقال لهم:
لها باطن وهي شخص، ألا تسمعونه يقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا ينهى إلا الشخص كما يدعيه عليه الاسماعيلية فصاحوا وا محمداه، او كمن ادعى انه كان يعيد في آخر ذي الحجة ويقول: هذا اليوم الذي نص عليّ فيه رسول الله ﷺ واستخلفني كما يفعل الامامية ذلك في زماننا ببغداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء يعلم العاقل
_________
(١) في الاصل: يخاف، ولكن السياق يقتضي ما اثبتناه
المتأمل ان العباس وولده وبنو هاشم كانوا يقيمون التراويح الا والعلم الذي يعلم به ان عليا كان يقيمها بنفسه وعامله قرظه بن كعب «١» بالكوفة وعامله بالبصرة وبمكة والمدينة وسائر بلدان الاسلام التي في ملكه وسلطانه اقوى واقهر.
ولو ادّعى مدّع ان ابن مسعود بالكوفة وابا عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام كانوا لا يرونها ولا يقيمونها، هل كانت الدلالة على بطلان دعواه الا ظاهرة، والدلالة على بطلان من ادّعى ذلك على امير المؤمنين اقوى واقهر. والعجب ان رؤساءهم والذين لقنوهم هذا/ المذهب قد قالوا: انه اقام التراويح.
وإذا قيل لهم: هبكم انكم ادعيتم انه كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان كان مغلوبا مقهورا، فما باله حين مات هؤلاء [و] «٢» صارت الخلافة اليه وصار السلطان بيده والفيء يجبى اليه فيعطيه من يرى وهو في العساكر والجيوش، لم يدّع «٣» النص وتعطيل التراويح ويظهر المصحف الذي تدعون ويسير في اموال رسول الله ﷺ ما تدعون ويظهر البراءة من ابي بكر وعمر وعثمان سيما وقد ماتوا، كما اظهرها في معاوية والخوارج وهم احياء وفي عساكر؟
قالوا: ما فعل ذلك ولا قدر عليه لأن جنده وأعوانه من المهاجرين والانصار والتابعين بعدهم كانوا اولياء ابي بكر وعمر، فلو اتهموه ببغضهم لقتلوه، فما زال مظهرا لنصرتهم وموالاتهم الى ان خرج من الدنيا.
قالوا: وكذا فعل الحسن والحسين ﵃ اجمعين.
_________
(١) في الاصل: كعب بن قرظه، والصواب ما اثبتناه، وهو احد كبار مساعدي علي بن ابي طالب ﵁ وحضر معه صفين سنة ٣٧ هـ.
(٢) في الاصل: صارت
(٣) في الاصل: يدعي
والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح، فلما صاحوا واعمراه خافهم فتقدم واقامها لهم، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن كما يسنح لهم.
ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز النصرانيّ، فإنه ورد على عليّ والمهاجرين والانصار وجميع المسلمين من ذلك ما ذهلت له عقولهم أسفا عليه؛ فانه قد كان دوّخ ملوك الفرس والروم وأذلهم، وغلب على ممالكهم، وألجأهم الى الهرب، وبلغت خيوله افريقية وأوائل خراسان وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله به، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه. فخاف المسلمون ان تكرّ ملوك الشرك عليهم بفقده، فاجتمعوا وانفردوا عنه/ مفكرين، وأملوا ان يبتدىء ويستخلف عليهم. فدخل عليه أهل الامصار فقالوا له: أوصنا يا امير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فيه هدى الله نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم، قالوا:
أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم، قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام، قالوا: اوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم، قالوا: اوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه اصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه، وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف؛ وافتتح الكلام، فقال:
قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو ان انجو منها كفافا لا عليّ ولا لي؛ فأثنوا، وابتدأ علي يبشره عن رسول الله ﷺ بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك
الاجر؛ انظر يا امير المؤمنين لأمة محمد ﷺ، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: انا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا امير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار الى عليّ وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة، فقال عمر:
إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني أن رسول الله ما استخلف وأن ابا بكر استخلف- ثم قال:
هي في واحد من هؤلاء الستة الذين شهد لهم/ رسول الله بالجنة وقبض وهو عنهم راض: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول الله ﷺ، والزبير حواريّ رسول الله ﷺ، وطلحة وقاية رسول الله. ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: إن وليت هذا فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان مثل ذلك، وقال له:
لا تحمل بني ابي معيط على رقاب الناس، ثم اقبل على عمار ومقداد في ان يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك فكن في خمسين منهم، فإذا متّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس الى ان يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم احدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في امركم، وجاهدوا عدوكم.
فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم، فكم في هذا من شاهد على بطلان دعاوي هؤلاء القوم، وما حاجة الصحابه ان يختار لهم عمر خليفة وقد فرغ لهم من ذلك رسول الله ﷺ وهو قائم العين نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول عمر وهم يسمعون ان رسول الله ﷺ ما استخلف، وأعجب منه ان الذي يدّعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف،
Translation
وباب آخر تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين
#31 Chapter 31 — وباب آخر كيف رد المسلمون الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف · ref. #31
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وأن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وأنها في واحد منهم وفيهم الهاشمي والاموي والزهري والتيمي والاسديّ، ففيمن كانت منهم كان صوابا، لا ينكر ذلك احد من المسلمين. وأعجب من هذا قوله لعلي: ان ولوك فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، فكيف لم يقل له: ما أحتاج الى توليتهم لي؛ ولأنّي رسول الله واختارني وشهد بعصمتي، / وكيف تقول هذا لي؛ وكيف تقول إن رسول الله ﷺ ما استخلف؟

وباب آخر [كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف]
ان عليا والجماعة ردّوا الامر الى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم للخلافة وعليهم الرضا بحكمه، فقال لهم: تكلموا فأخبروا الناس بذلك، فتكلموا، وقام امير المؤمنين عليّ ﵁، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: لو عهد الينا رسول الله ﷺ عهدا لجالدنا عليه حتى نموت، او قال لنا قولا انفدنا قوله على رغمنا، لن يسرع احد قبلي الى صلة رحم ودعوة حق، والأمر اليك يا ابن عوف وعليّ صدق اليقين وجهد النصح وأستغفر الله لي ولكم. فلم يقل «١» ﵁ إن رسول الله ﷺ ما ولّاه ولا ولّى عليه.
ثم انظر في باب آخر في امر عثمان وما لحقه في آخر امره من الإعراض والخصومة، حتى تجرأ عليه العبيد والنساء والصغير والكبير، هل قرّعه احد من خصومه وأعدائه بأنه جلس في غير مجلسه؟ وقد بالغوا في التشنيع عليه، وهو كان يسمى الخليفة المستضعف، فكيف لم يتقدم الخليفة المنصوص عليه فيأخذ الامر من هذا الذي قد قهر وحصر.
_________
(١) في الاصل: يقول
وأعجب من هذا، ان المصريين أتوه ﵁ بعد ان مضى عثمان فقالوا: امدد يدك نبايعك، فقال: ليس هذا اليكم، هذا للمهاجرين والانصار، من أمّره اولئك فكان اميرا. فانظر كم يقول إن هذا امر المسلمين وأنه بالاختيار. ثم ان المصريين انصرفوا عنه، فجاءه المهاجرون والانصار، فقالوا: امدد يديك نبايعك، فقال لهم: اختاروا غيري تبايعونه وأبايعه، فلأن اكون لكم وزيرا خير من ان اكون اميرا، فدفعهم عن نفسه، فعاودوه فقال لهم: إن عمر كان رجلا مباركا/ وقد جعلها شورى، قالوا: فأنت من الشورى وقد رضيناك، فقال: اختاروا غيري، فدفعهم، فعادوا فقال: قد علمتم اني اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه امركم، قالوا: قد رضيناك، فدفعهم ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما، وقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا، الناس بك ارضى، فترددوا اليه وهو يأبى ويقول: اختاروا غيري فيقال انهم اختلفوا اليه بعد مضي عثمان ثمانية ايام، ومنهم من يقول [] «١» يوما وهو يقول: اختاروا غيري ابايعه وتبايعونه.
هذا، وقد مات ابو بكر وعمر وعثمان وما هناك سلطان ولا خليفة، فأين ما ادعيتموه؟ ثم انه لما اتوا وألحوا عليه فقال بعد الحمد والثناء والصلاة:
ايها الناس، ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله.
_________
(١) فراغ في الاصل، والقول الصحيح ما ذكره القاضي من ان عثمان ﵁ قتل يوم ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ هـ. وان عليا ﵁ بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة. انظر الطبرى.
فانظر الى هذا البيان والكشف، وان الامامة بالاختيار، وانها الى المهاجرين والانصار، فقالوا نبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم تف فلا بيعة لك، قال: نعم.
ثم خطبهم فقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ مقدار نعم الله على الخلائق برسول الله ﷺ، ثم قال: ان الله يعلم اني كنت كارها للولاية على امة محمد ﵇ حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ايما وال ولي الامر بعدي اقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فان كان عادلا انجاه الله بعد له، وان كان جائرا انتفض به الصراط انتفاضة حتى تتزايل ما بين مفاصله، ثم تتحرق به الصراط فيكون اول ما يتقي به النار انفه وحر وجهه، ولكن/ لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم. اقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم.
فانظر الى هذا ففيه اتم كفاية، وانظر الى بيانه ان الامام يجور ويخطىء ويزل.
وخطبته المشهورة بالعراق التي لا يستطاع دفعها:
ايها الناس، انه لما توفي رسول الله ﷺ بايعتم ابا بكر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عمر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عثمان فبايعت ورضيت، حتى إذا مضى عثمان تداككتم عليّ كتداك «١» عرف الصبع، فمددتم يدي فقبضتها وقلت: اختاروا لأنفسكم فأبيتم الا مبايعتي، حتى اذا كثر الجمع ووطىء الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول الله ﷺ وفي مسجده، فبايعني كلّ، لا أرى منكرا، فلما قلد تمونيها
_________
(١) تداككتم: تهالكتم. وفي الحاشية كتب: صوابه تهالكتم.
نكث ناكثون ممن بايعني وقسط قاسطون، فلم اجد إلا قتال من بغى ومحاكمة من اعتدى الى كتاب الله؛ وليس يجب انكار امامة من عقدت له الامامة إلا أن يجور في حكم، او يعطل حدا، او يضعف عن القيام بها؛ فو الله ما عطلت لكم حدا، ولا جرت عليكم في حكم، ولا ضعفت عن القيام بالامامة، فأوجبوا لي على انفسكم مثل ما اوجبتموه لمن تقدمني من ابي بكر وعمر وعثمان يرحمهم الله.
فانظر كيف يذكرهم ببيعة الخلفاء قبله ورضاه بهم، ويجعلهم إجماعا وحجة على الأمة، ويذكر انه صار إماما ببيعتهم له، وأنهم هم قلدوه إياها، وأنه لا يحل انكار امامة الامام الا ان يجور في حكم او يعطل حدا او يضعف عن القيام بها، وأن هذا جائز على كل امام بعد رسول الله ﷺ، وهو ﵁ اعلم بنفسه وبدينه وأفقه في دين الله، فينبغي الرجوع الى قوله لا الى قول هؤلاء/. وقد قال في خطبة له بالمدينة وهو يأمر الناس بتفقد افعاله وأحكامه: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فردّه، وكان عونا بالحق على من خالفه.
وقد قال الحسن ابنه ﵄ لأهل الكوفة حين استنفرهم الى ابيه: يا ايها الناس، إن امير المؤمنين يقول اني خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، وإني اذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما اخذ مني.
ومن مقاماته بالبصرة يوم الجمل بعد انقضاء الحرب فقال: اين مثوى القوم؟ قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء:
توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من
تلقاء انفسنا، فان يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان.
استخلف ابو بكر ويرحم الله ابا بكر فاستقام وأقام، ثم استخلف عمر ويرحم الله عمر فاستقام وأقام، ثم ضرب الدين بحرانه، يرحم الله من يشاء ويعذب من يشاء.
ثم القول الذي كان يقوله ويعيده ويبديه ويذكر ايام الإلفة والاستقامة وما حدث بعد ذلك من الخلاف في آخر ايام عثمان: سبق رسول الله ﷺ، وصلى ابو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا فتنة فما شاء الله «١» - قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة بالله لأن الله يشاء نصرة الحق ولا يشاء الله الباطل- أي اللهم افعل ما تشاء، قد قال الحسن البصري فيما حكاه الله عن احد الرجلين: «وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ» «٢» اي ما شاء الله من شكره وحمده والرجوع اليه.
ولما فرغ امير المؤمنين/ من امر البصرة وبلغه خلاف معاوية وندب الناس الى حربه، دخل عليه ابن الكوّاء وقيس بن عباد اليشكريّ وهناك اصحابه فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، تضرب الناس بعضهم ببعض ليتبين الناس أمورهم فتستولي بها عليهم، أمن رأي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة أنك احق الناس بهذا الامر، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهده اليك رسول الله ﷺ فأنت الموثوق به والمصدق المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه.
_________
(١) في الحاشية: قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة
(٢) الكهف ٣٩
قالوا: فتشهّد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا والله اول من صدقه فلا اكون اول من كذب عليه، اما ان يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله، ولو كان عهد من رسول الله ما تركت أخا تيم ابن مرة «١» ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم آحذ الا بيدي هذه، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مرض ليالي وأياما، يأتيه بلال يؤذن بالصلاة فيقول له: ائت ابا بكر- وهو يرى مكاني- فلما قبض الله نبيه ﵇ نظرنا في امرنا، فإن الصلاة أعظم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فولينا ابا بكر امورنا، فأقام بين أظهرنا:
الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف علينه منا اثنان، ولا يشهد أحد منا الى صاحبه بالشرك ولا يقطع منه البراءة، فكنت والله آخذ اذا اعطاني، وأغزو اذا أغزاني، واضرب بيدي هذه الحدود بين يديه.
فلما قبض ابو بكر ظن ان عمر اقوانا عليها وأحمل لها منا فولاها عمر، فأقام عمر بين اظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا/ يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد احد منا على صاحبه بالشرك، فكنت والله آخذ اذا اعطاني وأغزو اذا أغزاني، واضرب هذه الحدود بين يديه.
فلما حضرت عمر الوفاة ظن انه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطئه إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده واهل بيته وجعلها في ستة رهط من قريش، وكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا،
_________
(١) يقصد أبا بكر الصديق ﵁
فضرب بيده على يد عثمان، فنظرت في امري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، واذا ميثاقي لغيري في عنقي، فأديت الى عثمان حقه، وكنت اضرب بين يديه الحدود.
فلما قتل عثمان ﵀، نظرت فاذا الخليفتان «١» اللذان اخذاها من رسول الله ﷺ بالعهد في الصلاة قد هلكا ولا عهد لهما واذا الخليفة الذي اخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي وقتل ولا عهد له.
فلما قتل، بايعني اهل هذين الحرمين: مكة والمدينة، واهل هذين المصرين البصرة والكوفة؛ فجاء معاوية يقاتلني مع اهل الشام وكنت احق بالامر منه:
كنت مهاجرا وكان اعرابيا، وكنت سابقا وكان طليقا، وكان لي الصحبة؛ قالوا: صدقت، انت احق من معاوية.
فتأمل هذا الشرح والكشف وحصّل ما فيه، فلو لم يكن معك غيره لكان فيه اتم كفاية؛ وإنما سألوه هل معه في ذلك عهد من رسول الله ﷺ ألقاه اليه وحده كما سأل عمران/ بن حصين وأبو الأسود الدؤلي عائشة وطلحة والزبير كل واحد منهم على انفراده، هل معه العهد من رسول الله في مسيره فكلهم قال: لا.
فإن قيل: قد علمنا انه كان يأخذ اذا اعطوه، ويقيم الحدود بين ايديهم، ويعينهم، فمن اين لنا انهم غزوه؟ قلنا: لو لم يكن معنا خبر بأنهم قد غزوه إلا هذا لكفى وأغنى.
وكان ﵁ قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة،
_________
(١) في الاصل: الخليفة
فأقر ابن عامر «١» ومعاوية وغيرهما فانهم يبايعون لك الناس، ويهدئون البلاد ويسكنونهم. فقال له: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ولا وليت هؤلاء ولا مثلهم يولى، والله لا اداهن في ديني ولا اعطي الدني في امري.
وكان المغيرة هو الذي اشار عليه بهذا، فلما قدم ابن عباس من مكة استشاره امير المؤمنين فقال: ما ترى فقد اشار المغيرة بإقرار معاوية، فقال:
قد نصح لك يا امير المؤمنين فافعل واقبل، فقال: والله ما اشك ان ذلك خير في عاجل الدنيا لأصحابها، وما الذي يلزمني من الحق والمعرفة ألا اولي منهم احدا، فإن قبلوا ذلك فخير لهم، وإن ادبروا بذلت لهم السيف، وما علي إلا الاجتهاد. فقال له ابن عباس: خلنى اولّه ثم انزعه من غير نقصان ولا إثم، فقال: لا افعل، ما كنت متخذ المضلين عضدا، اخاف ان يظلم مسلما او معاهدا فأجده في صحيفتي، لا اوليه ساعة واحدة.
فراجعه ابن عباس فقال: لا يظلم، فقال: لا أشرك في امانتي الا من ارضاه.
فانظر الى هذه المكاشفة بالحق في جميع اموره لتعلم فرية من نسبه الى الخوف من المخلوقين وقولهم انه كان يقي نفسه بدينه. وكان ﵁ اذا سئل المداراة وخوّف من/ الخلاف يقول: ابا الموت تخوفونني، فو الله ما أبالي سقطت على الموت ام سقط الموت عليّ، وكان يقول: عليّ آنس بالموت من الطفل بثدي امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا
_________
(١) يقصد عبد الله بن عامر بن كريز، عامل عثمان على البصرة
سمعه إلا ردّه وأنكره، ولا رأى معروفا إلا شيده وقوّاه ونصره. وكان ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته. وكان لا يخاف الجبابرة الطغاة الذين يخافهم البشر فكيف [يخاف] «١» ابا بكر وعمر وعثمان، ولا يخاف سلطانهم محق ولو انه عبد او امرأة او ذمي كما تقدم شرح ذلك؟ لتعلم ان معونته لهم ونصرته لسلطانهم وطاعته لهم في حياتهم وتنفيذه وصاياهم بعد موتهم لأنهم أئمة هدى.
وقد كتب ﵁ الى معاوية «٢»: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي امير المؤمنين الى معاوية بن ابي سفيان. اما بعد، فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضى لله، فان خرج من امرهم ردوه الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على ابتغائه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
فما دخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون، فان احب الامر اليّ فيك العافية الا ان تتعرض للبلاء، فان تعرضت قاتلتك واستعنت بالله عليك، فقد اكثرت في قتلة عثمان يرحمه الله. فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الي احملك وإياهم على الحق وعلى كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان ﵁. واعلم يا معاوية انك من الطلقاء
_________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) كتب في الحاشية: كتاب علي ﵁ الى معاوية
الذين لا يحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى، وقد/ اتاك ومن قبلك جرير بن عبد الله «١»، وهو من اهل الايمان والهجرة فبايع، ولا قوة إلا بالله.
فانظر هل يحتج الا بالاختيار وبالشورى وبالاجماع وبسنة الخلفاء قبله، فهم عنده حجة وقدوة، وكم يقول ويبين ان الامامة الى المهاجرين والانصار فمن بايعون وعقدوا له كان اماما؛ فهو يحتج بأن طاعته طاعة الخلفاء قبله، وعند الامامية ان التدين بالاختيار وبالشورى والاقتداء بأبي بكر وعثمان شرك وكفر، وهم مع هذا يدّعون انهم شيعة لأمير المؤمنين، فهل سمعت بأعجب من هذا.
وانظر مكاشفته بالحق لمعاوية، وقوله في كل انسان ما فيه، وقوله له انك اظهرت الطلب بدم عثمان وما ذاك قصدك ونيتك، وانما نيتك وقصدك وضميرك الملك والدنيا، ولم يكن لك سابقة في الدين تحل لك بها الخلافة، فما تأخذه رضى الله عنه لومة لائم ولا يتقي احدا من المخلوقين. وكان يقول:
ايها الناس، انما اهلك من كان قبلكم خبث اعمالهم حين لم ينههم الربانيون والأحبار فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فان ذلك لن يقدم من أجل ولن يؤخر رزقا. وكان يقول: لا خير في قوم لا يرون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا، ولا خير في قوم يأمن بينهم اهل المعاصي ويعملون بينهم بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرب الشهداء مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» «٢» .
_________
(١) هو جرير بن عبد الله البجلي المتوفي سنة ٥١ هـ.
(٢) انظر شرح الجامع الصغير ١: ٦٤. وقد اورده الحاكم عن جابر بلفظ آخر.
وكم له ﵁ مثل هذا الكتاب الى معاوية، يمدح فيه الخلفاء قبله، ويذم معاوية، وكم له من الرسل اليه في هذا المعنى، وما رضى من إنكار المنكر حتى سافر الى اهله بعد المكاتبة فشافههم به. فسار الى معاوية ونزل بصفين، وأقام نحو الشهرين لا يحارب/ ولا يقاتل، ويقيم الحجة على معاوية، ويبين براءته من دم عثمان ومن خذلانه، وانه قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان وكره القتال، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال، وانه ما ظن ولا ظن عثمان انه يقتل، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا. ويستشهد على ذلك المهاجرين والانصار، ثم يحلف بعد هذا ويقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت، ويلعن قتلة عثمان ويقول: اللهم العن قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما تحت منكبيه.
وقد فعل مثل ذلك بالبصرة، فقال معاوية نحن نصدقه، ولكن في عسكره شناة عثمان وغزاته يسلمهم الينا. الى ان قال اهل الشام تخلّي معاوية على الولاية وهو يسمع لك ويطيع، فقال: لا افعل، وسألوه في ذلك فما أجاب. فأتاه وفد اهل الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة، فقام فقال: ألا ترى يا علي ان الله قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر، إن لك قدما في الاسلام وسابقة وقرابة من رسول الله ﷺ، وصهرا وتجربة وسنا، فإن تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك.
فقال له رضى الله عنه: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان
ذلك يسعني في ديني أجبتك ولكان اهون عليّ من المؤونة، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن ان يعمل بمعاصي الله في اكناف الارض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، واعلم يا حوشب اني قد ضربت الامر ظهره وبطنه وأنفه وعينه، حتى لقد منعني من نوم/ الليل، فما وجدته يسعني إلا قتالهم او الكفر بما جاء به محمد ﷺ، فكان معالجة القتال اهون من معالجة الاغلال، وكانت مؤونات الدنيا اهون علي من النار.
فتأمل ما في هذا القول من الانوار والحجج الشاهدة ببطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم زعموا انه مكث خمسا وعشرين سنة مع ابي بكر وعمر وعثمان وقد كفروا وارتدوا لا ينكر عليهم بل كان اكبر اعوانهم، وهو يقول هذا القول. وكان اصحابه يقولون لأهل الشام- مثل عمار بن ياسر، وقيس ابن سعد، وشريح بن هانىء، وعديّ بن حاتم، وصعصعة بن صوحان، والأشتر-: ان عليا اذا ظهر سار فيكم سيرة ابي بكر وعمر، وان معاوية لا يفعل ذلك، انما يريد العاجلة ويطلب الدنيا، وان صاحبنا كان يتقدم عند ابي بكر وعمر ويرجعان الى رأيه، وقولهم «١» ان صاحبنا من البدريين والمهاجرين وليس صاحبكم كذلك. فانظر بأي شيء يمدحونه وبأي شيء يحتجون له لتعرف بطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم يقولون: الحجة في إمامته نصّ النبي عليه، وظهور المعجزات عليه بعد النبي ﷺ، وهو ﵁ لا يذكرها هو ولا يحتج بها ولا يعرفها، ولا احد من ولده وأهل بيته وشيعته في زمانه.
_________
(١) في الاصل: وقوله، ولعل الصواب ما اثبتناه
ولما رفع اهل الشام المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم ما جاء به رسول الله ﷺ، ردونا اليه فقد رضينا به، وهذا كتاب الله؛ فما قال لهم هو ولا اصحابه: فرسول الله قد نصّ عليّ وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا نصّ او تأويله النص او معناه النصّ، او آية كذا او حديث كذا، فما احتج عليهم لا هو ولا شيعته الذين قتلوا بين يديه بشيء مما يذكره هؤلاء.
ولما قال له اصحابه: ضعفت وسكنت في نفسك حتى حكمت الرجال/ في امرك، وأي حاجة كانت بك الى هذا وقد بايعك المهاجرون والانصار، وما احوجنا واياك الى امام مثل عمر يسوسنا ويسوسك، وقد كفرت بما صنعت. فما احتجّ عليهم لا هو ولا من كان يحتج عنه مثل ابن عباس وصعصعة بأني معصوم ولا اخطىء ولا اعصي، وان النبي ﷺ قد نص عليّ وقد رأيتم المعجزات او قد بلغتكم، وما احتج عليهم الا بما قد تقدم لك في كل وقت وكل حال.
وكان يقول والله لتخضبن هذه من هذه ويشير الى لحيته وهامته، فيقول له اصحابه: لو علمنا من ذلك لأبدنا وأبّرنا «١»، فيقول: كيف تقتلونه ولم يقتلني، فيقولون: يا امير المؤمنين اوص واستخلف، فيقول: ما اوصى رسول الله فأوصى ولا استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، فيراجعونه فيرجع عليهم بمثل ذلك ثم يقول: ان ادع فقد ترك من هو خير مني، وان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني. ولما ضربه ابن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو
_________
(١) في القاموس: أبر القوم: اهلكهم
اسرائيل عن هرون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. قال امير المؤمنين فعلم [الله والله] «١» في قلوبنا خيرا فاختار لنا ابا بكر، ثم اقبل على صعصعة بن صوحان وكان في القوم فقال: ولكن يا صعصعة، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. فتركوه ثم عاودوه فما فعل، وسألوه أن يشير عليهم بأحد فما فعل، فقالوا له: ان فقدناك يا امير المؤمنين فلا نفقدك ان نبايع الحسن، فقال لا آمركم ولا انهاكم. فعادوا القول فقال كذلك انتم ابصر، وكان آخر عهدهم به، وقبض صلوات الله عليه، فلم يقل «٢» غير هذا.
فإن قالوا: فانا/ لا نقبل هذه الاخبار، قلنا: لو قلتم انه ما جرى بينه وبين العباس ما قلنا، ولا كان من الانصار في السقيفه ما ذكرنا، ولا كان من ابي بكر والصحابة في استخلاف عمر ما قلنا، ولا دخل عليّ في الشورى، ولا صلّى خلف صهيب، ولا رجع الى عبد الرحمن، ولا سأل القوم عمر أن يستخلف عليهم ولا قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني وان اترك فقد ترك من هو خير مني، بل ما وضع عمر شورى اصلا، وهذا كله كذب، ما كان عندنا في ذلك الا ما عندنا في انكاركم ما كان من امير المؤمنين. وكذا لو قلتم ما كاتب معاوية، ولا رفع معاوية المصاحف، ولا كان من امير المؤمنين وبين اصحابه الذين صاروا خوارج ما ذكرنا، ولكنكم لو سلمتم هذا لبطل مذهبكم، ولو انصفتم لتركتموه وصرتم الى مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار «٣» ما قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر.
_________
(١) كذا في الاصل، ولعلها: الله ان
(٢) في الاصل: يقول
(٣) في الاصل: الانكار
وفي اقل قليل مما كتبت دليل على بطلان دعاويهم، وانما ذكرنا لك هذا في هذا الموضع لأنك طلبته وذكرت حاجتك اليه.
وكثيرا تسأل الامامية عما كان من عثمان في تولية اقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة الى البصرة، وما ذاك الا لضعفهم وانقطاعهم لأن عثمان لو لم يول اقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرا مشركا عندهم بادعائه الامامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر امير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم امامة ابي بكر وعمر وعثمان، فكلام الامامية/ في هذا الكلام مسلم لو كلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، او كلم النصارى في استحلالهم الخمر، وانما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما اتاه من الحمى وتولية الاقارب ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم الى البصرة ولولا ذلك لكانوا مثل ابي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.
فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الاصل. واما طلحة والزبير وعائشة فانهم انما سلموا علينا لأنهم سلموا على امير المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته.
وهذا كلام مع الخوارج فيقال لهم: علي بن ابي طالب إمام هدي، وانما برئتم منه وادعيتم انه كفر بالتحكم وقبل ذلك كان مرضيا، وقد زكى هؤلاء قبل التحكيم، وقد وجب عليكم الاقتداء به. فإن قالوا: ومتى كان
هذا منه؟ قلنا: قد كان يتصفح القتلى بعد انقضاء الحرب، فمر بطلحة وهو صريع فنزل اليه واخذ رأسه في حجره ومسح التراب عنه وقال: يرحمك الله يا ابا محمد، يعزّ عليّ ان اراك قتيلا تحت نجوم السماء وفي اودية الارض، ثم انشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... اذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وامر بجمع القتلى وصلى عليهم وامر بدفنهم، ودخل عليه ولد طلحة فأدناه وقربه/ وقال له: يا ابن اخي، خذ كتابي الى قرظة بن كعب الانصاري ليرد عليكم اموالكم وما اخذ منها، فما امرته بإدخال يده فيها، انما اردت قبضها لئلا تمتد اليها ايدي السفهاء وليحفظها عليكم، اتبسط يا ابن اخي في الحاجة تكون لكم فاني ارجو ان اكون انا وطلحة والزبير من الذين قال الله: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «١» .
ولما قيل له ﵁: قاتل الزبير بالباب يستأذن، انزعج هو وأولاده حزنا عليه وإنكارا لقتله، وصار عندهم مأتم ومصيبة عظيمة، وقال: كيف قتله وليس من اقرانه؟ قالوا اعتاله ومعه سيفه، فقال:
خذوا السيف منه وبشروه بالنار، فأخذ السيف منه؛ فما زال امير المؤمنين يقلب السيف ويقول كم كربة كشفها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير،
_________
(١) سورة الحجر ٤٦
قال امير المؤمنين: بفيك الحجر، بفيك الحجر، ليلج قاتل الزبير النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي حواريّ، وحواري الزبير. وسمعته يقول: الزبير في الجنة وطلحة في الجنة، فقال ابن جرموز: انما قتلته أبتغي بقتله عند عليّ الزلفة فبشرني بالنار، وندم على قتله، وصار ينكر ان يكون قتله.
وجهز عائشة بكل ما تحتاج اليه، وشيعها هو وأولاده وقال لأخيها ومن خرج معها: بلغوها، ووصّى باكرامها، وكان يقول لها: يا أمّه، وأمّ المؤمنين سائرة، فمن اراد المسير معها ممن قدم بقدومها فليسر، وقال:
ايها الناس، انها امكم وزوجة نبيكم في الدنيا وزوجته في الجنة، وردها الى سدانة قبر رسول الله والى بيتها، وأعطاها ما كان يعطيها من قبله من الخلفاء.
ولا يحل لامرأة/ زعم هؤلاء انها كافرة، يردها امير المؤمنين الى قبر رسول الله ﷺ [وتعطى] «١» ما يعطى امهات المؤمنين، سيما والمدينة في ملكه وسلطانه، وفيها عماله، وليس به في امرها حاجة الى المداراة والمداهنة بعد مقاتلتها كما كان بزعمهم يفعل مع من تقدم من الخلفاء.
وكم كان يركب اليهاهو واولاده وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ويجلسون اليها ويعظمونها، وقد استغفرت واستغفر لها امير المؤمنين، وقد سمع عمار ابن ياسر رجلا ينال منها والحرب قائمة فقال له: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنا لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة يطول.
_________
(١) في الاصل ولا تعطى، ولعل الصواب ما اثبتناه
وكانت هي تلعن اصحابه الذين ارتدوا عنه ولعنوه وصاروا خوارج وتبرأ منهم، وتروي عن رسول الله ﷺ تصويبه وتضليلهم، وتقول: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبّوهم، وتسميهم كلاب النار، ولما بلغها موته استرجعت وقالت: ذهب والله من لم يسفهه الملك ولا أطغته الدنيا، لتصنع العرب ما شاءت فما بقي بعد ابن ابي طالب من يكفّها ولا يردعها، ثم انشدت:
فألقت عصاها واستقر «١» بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وكم قد طعنت على معاوية وواجهته بالتخطئة لما ورد المدينة ودخل عليها، حتى اخجلته وهو جبار قد غلب، وكم فعل ذلك به اخوها عبد الرحمن بما يطول شرحه. ولا يرد هذه الأخبار إلا معاند أو من قال انه كان يلعنها كما يلعن معاوية ولم يردّها الى المدينة، ومن قال هذا فقد أتى في البهت على ما لا فيه حيلة.
والإمامية تقول: قد فعل هذا ولكن «٢» / على طريق حسن العشرة وعلى سبيل التكرم والتفضل، قيل لهم: هو ﷺ أجل قدرا وأشد ورعا من ان يرد امرأة كافرة او فاسقة الى قبر رسول الله ﷺ ويمكنها منه، ويعطيها ما يعطي امهات المؤمنين ويسميها ام المؤمنين، ويشهد لها بما قلنا، ويترحم على كافرين، ويرد الاموال ويشهد لهما بالجنة، هذا لا يحل في دين الله ولا يفعله مثله ﷺ بوجه من الوجوه، وإنما قوله بشّر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية له كقول
_________
(١) في الاصل: استقرت
(٢) مكررة في الاصل لانها اول الصفحة وآخرها
رسول الله ﷺ: «تقتل عمار الفئة الباغية» «١» على طريق التزكية لعمار.
فإن قالوا: لم لم يقتل قاتل الزبير؟ قلنا: لم يكن ذلك له وانما هو لولد الزبير، فان شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا.
ومن عجيب الامور ان عبد الله بن الزبير قام بعد معاوية ودعا الى نفسه لإمرة المؤمنين، وغلب على الارض بسبع سنين إلا كورة فلسطين، وانبثّ عماله في الامصار، وعمرو»
بن جرموز حيّ بالبصرة فما تعرضوا له، ولقد قرئت جريدة اهل البصرة على مصعب بن الزبير بالبصرة، فقرأ الكاتب عمرو بن جرموز، فقال قائل لمصعب أصلح الله الامير وعمرو «٣» بن جرموز وقد ساح في الارض وسار في البلاد فقال مصعب: او ظن ابن جرموز اني أقيده بأبي عبد الله، ليظهر ابن جرموز آمنا وليأخذ عطاءنا مسلما فظهر وأخذ وأمن وترفع «٤» ولد الزبير عن قتله وقد كان لهم ذلك، وهو اليهم، فكيف يتعجب عاقل من عفو امير المؤمنين عنه وليس القود له.
وكان عمرو بن جرموز بعد الذي سمعه من أمير المؤمنين شديد الندم على قتله، كثير الاستغفار، شديد/ الاشفاق، وقد بقي بعد زوال آخر آل الزبير ومصير الملك الى عبد الملك، فكان الحجاج يقول له: انت قتلت الزبير؟ - لشدة عداوة الحجاج وبني امية لآل الزبير- فيقول ابن جرموز: ما قتلت احدا، فيقول له الحجاج: وما عليك في قتله،
_________
(١) انظر شرح الجامع الصغير ٢: ١٤٧. وقد اورده ابو نعيم في الحلية عن ابي قتادة
(٢) في الاصل عمير، الا انه ورد في معظم الكتب التاريخية باسم عمرو
(٣) في الاصل ابن عمير وابن زائدة
(٤) مطموسة في الاصل، والقراءة اجتهادية
وقتله خير لك من جزاء وتدبير حسنات؛ يشجعه الحجاج لينصرف عن الغم والندم بما قاله أمير المؤمنين له في دخول النار بقتل الزبير، لتعلم رحمك الله شهرة انكار امير المؤمنين على من اعترف بقتل الزبير.
ولكن طال الأمر وقل الطالب المتأمل.
فإن قيل: فكيف سبيل تلك الدماء التي كانت بينهم يوم الجمل؟ قيل له: ان امير المؤمنين ﵁ اعلم بذلك وافقه في الدين وأشد في الورع، ولم يكن ليقول في هؤلاء وفي غيرهم ما لا يحل ولا يجوز في الدين، فقد كفانا حكمه عن البحث والطلب، وان كان العلماء قد ذكروا اتفاق رأي امير المؤمنين وطلحة والزبير وعائشة على الصلح ووضع الحرب واستقبال النظر في الأمر، وان من كان في العسكر من اعداء عثمان كرهوا ذلك وخافوا ان تتفرغ الجماعة لهم، وقالوا: لنشغلهم عنا بنفوسهم، فدبروا في القاء الحرب بينهم ما هو مذكور فتم لهم ذلك، وما بك حاجة هاهنا الى ذكره، وأفعال امير المؤمنين تغنيك، فإن اردته وجدته في كتب العلماء «١» .
_________
(١) بياض في الاصل حتى نهاية الورقة ١٤٠ ثم الورقة ١٤١ فراغ ايضا. ويبدأ بعد ذلك قسم جديد يبتدىء ب بسم الله الرحمن الرحيم، بداية الجزء الثاني من الكتاب.
Translation
وباب آخر كيف رد المسلمون الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف
#32 Chapter 32 — فهرس الموضوعات · ref. #32
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
فهرس الموضوعات «١»
الصفحة الموضوع المقدمة ٥ البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف
٧ سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه
٨ وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة
٣٨ استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول
٤٠ عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه
٤٤ وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سيضرهم
٤٦ اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى
٥٢ ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا
٥٥ ما كان بمكة من انشقاق القمر
٥٩ ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم
٦٤ من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة
٨٠ دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم
٨٣ ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة
٨٤ ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ...»
٨٥ من اعلامه قوله ﷿ «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن»
_________
(١) اكتفينا هنا بفهرس الموضوعات، وأجلنا باقي الفهارس الى نهاية الجزء الثاني.
الصفحة الموضوع ٩١ من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها
١٠٨ ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇
١٢١ ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم
٢٣٥ اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم
٢٤٥ الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة
٢٥٢ افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه
٢٥٥ كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه
٢٦١ كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق
٢٦٣ رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول
٢٧٣ طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك
٢٧٣ تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين
٢٨٠ كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف
Translation
فهرس الموضوعات
#33 Chapter 33 — خطأ وصواب · ref. #33
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
خطأ وصواب
الصفحة السطر خطأ صواب ١٧/ ١٨/ مارد/ مادة
٣٠/ ١٠/ القعقاع/ القينقاع
٣٥/ ١٩/ كونين/ كونان
٣٨/ ٧/ فسينفضون/ فسينغضون
٥١/ ٢١/ الدافع/ الدامغ
٧٢/ ٢٠/ للعرب على العجم/ للعجم على العرب
١٠٣/ ١٣/ الات/ الآب
١٣٧/ ١٢/ المسح/ المسيح
١٤٥/ ١٢/ وإذ أمرك/ و«إذ آمرك»
١٥٧/ ١٩/ الشاؤول/ لشاؤول
١٥٨/ ٢٢/ الملوك/ الملك
١٧٧/ ٤/ والبعير/ والبصير
١٨٨/ ١/ وقألوا/ وقالوا
٢٢٩/ ٢/ فعلنا/ نعلنا
٢٣٤/ ١٥/ وردت/ ورد
٢٤١/ ٣ و٢١/ القرآن/ القران
٢٥٤/ ١٨/ بالبحر/ بالبحرين
الجزء الثّاني
Translation
خطأ وصواب
#34 Chapter 34 — الجزء الثاني · ref. #34
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
الجزء الثاني
Translation
الجزء الثاني
#35 Chapter 35 — باب من ذكر اعلام النبوة ودلائل الرسالة · ref. #35
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

باب من ذكر اعلام النبوة ودلائل الرسالة
وهو أنه كان ﷺ يتوعد قريشا وهو بمكة بنصر الله له وظهوره عليهم، فيقولون: أيظن محمد أنه يغلبنا على مكه بأتباعه الفقراء والعبيد ونحن الأقوياء الأغنياء والناس كلهم معنا والرغبة عندنا لا عنده والبأس والنجدة لنا لا له، فتلا عليهم سورة القمر وما أنزل الله بأمة أمة من الأمم التي يعرفونها إلى أن قال: «أكفار كم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون الدبر» «١» .
فهزمت جموعهم، وكانت العقبى له كما أخبر وفصل، وقد كان في ظاهر الرأي والحزم وموجب التدبير أن تكون العقبى لهم لا له، وهم الغالبون لا هو، لأنهم واليهود والنصارى وتلك القبائل يد واحدة عليه وفي العداوة له، والكثرة والثروة والبأس والنجدة والكراع والسلاح معهم لا معه، فلن يغلبهم إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله كما أخبر.
_________
(١) القمر ٤٣
Translation
باب من ذكر اعلام النبوة ودلائل الرسالة
#36 Chapter 36 — وباب آخر ما أشار اليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا. · ref. #36
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
وباب آخر [ما أشار اليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا.]
وهو أنه ﷺ قال حين دعا إلى الله وفي حال وحدته وضعفه:
إن الله أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى وقيصر، فأغلب الملوك، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى، يعرفه العدو والوليّ فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ/ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» «١» وقال أيضا:
«يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» «٢» فكان كما قال وكما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة بالعز والملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة والدفع والمغالبة، وعلى وجه يجعل العدوّ على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك ودهاة الجبابرة. فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ديانات اليهود وملوكهم، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر والمغرب والجزيرة وأرمينية، إلى غير ذلك، وديانات الفرس وممالكها، وهي كانت أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر
_________
(١) الفتح ٢٨
(٢) التوبة ٣٢
والأخفاق والاقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوى اليها، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار إليهم، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين، وهي اليوم في أيدي عدة ملوك، وغلب على أرمينية، وصار ملوكها يؤدون الجزية، وسار الاسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصّنة/ ممنّعة بالبحار والخلجان والجبال والأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا، وكانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة ويطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة، فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم وملوك الترك والهند فلا.
فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول الله ﷺ إلى سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في زمن الديلم، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة على بن حمدان، وهو معروف الديانة والطوية للاسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية، ومما كان يلجئهم بالجور الى الهرب إلى الروم، وشرح ذلك يطول.
وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا، وهو ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم «١» .
فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه
_________
(١) الدمستق هو لفظ استعمله العرب مرادفا لكلمة -gouverneur أي حاكم- في اللغات الأجنبية.
وصار من بلدان الاسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار البحرية ما هو معروف، وشرحه يطول، ومن طلبه وجده. فقد اعتبر العلماء وأهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد ﷺ في الوحدة والفقر والفاقة ومنافرة/ الأمم كلها ومعاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر والغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا يتم ولا يكون، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل الله الذي لا يغلبه شيء. فإن أمره ﷺ كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها وطيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض. فتأمل هذه الآية العظيمة، وكل آياته عظام.
وما قلنا إنه نبىّ لأن دعوته قامت ودولته اتسعت، ولكن لما قدمنا وشرحنا من وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة، ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره الله ﷿، وقد علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شيء «١» منه وأن الأمر كان كما أخبر.
ومعروف من سيرته أنه ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل وفي المواسم ليتبعوه، ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك، فيقال له:
إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أرأيتم إن منحكم الله ملكهم وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، ويقول
_________
(١) في الاصل: شيئا
بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه قومه وهو/ يقول هذا، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا لله كما قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها، ولهذا قال الله تعالى: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» «١» .
ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه ﵇ لما توفي وارتدت العرب، جال أهل مكة جولة، وهمّوا بالردة، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ على مكة «٢»، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ونهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن الله لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ وجارية في بحر، فأقروا أميركم، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. قالوا ومن أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عزّ، قام في ظلّ هذا البيت فقال: اني رسول الله، وإني سأظهر، فكنا بين ضاحك وهازل وراجم ومستجهل، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنّا له طوعا وكرها، والله لو كان من عند غير الله لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، وإن هذا، وأشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب.
وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي
_________
(١) القصص ٥٧
(٢) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، من أشراف العرب في صدر الإسلام، أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبي عليها عند خروجه إلى حنين سنة ٨ هـ. وبقي واليا عليها إلى في خلافه عمر، توفي سنة ١٣ هـ.
منها، وهو صاحب القضية يوم الحديبية، وله تلك الناظرة والمجادلة، وكان أحد أعداء رسول الله ﷺ والمجردين في ذلك، وكان إذا تلا رسول الله ﷺ القرآن بمكة يقوم خطيبا وكأنّ كلامه يخرج من/ صدع صخرة، فينثال الناس عليه. وهو القائل وهو على باب عمر مع وجوه قريش وسادات العرب وقد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟
فينهض هؤلاء الموالي مكرمين ويحجب أولئك، فرآهم سهيل وقد تمعّرت وجوههم «١» فقال لهم: مالكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم غدا في الجنة أفضل.
ولما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة والجهاد ممن منع الزكاة. قال له أصحاب رسول الله ﷺ: يا خليفة رسول الله، من نقاتل ومن ندع. لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو بكر فقال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وخلق فسوّى، وأغنى وأفنى، إن الله جل ثناؤه بعث محمدا ﷺ والاسلام غريب شريد قد رث حبله وولىّ أهله، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا ولا يصرف عنهم سوآ حين غيّروا أو حرفوا، والعرب الأميّون صفر من الله، أضلهم دينا وأشدهم عيشا، فجمعهم الله بمحمد ﷺ، فنصرهم من أنفسهم، ووعدهم بالنصر على عدوهم. فلما توفي الله محمدا ﷺ، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،
_________
(١) جاء في اللسان: غضب فلان فتمعر لونه ووجهه: تغير وعلته صفرة.
أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» «١» وقد ارتدّ من حولكم ومنعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أرغب من يومكم هذا، / والله لا نبرح نقاتل على أمر الله جل وعزّ حتى ينجز الله لنا وعده ويفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفة ربّه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «٢»» وقال الله: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» «٣» . والله لينجزنّ الله لنا ما وعدنا في كتابه، وليظهرنّ ديننا على جميع الأديان، وليمكننّ لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، وهو اليقين الذي لا خلف له.
وقد كانت ردة العرب بعد وفاته ﵇ بألوان الردة: منهم من ادّعى النبوة، ومنهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، ومنهم من كانت ردته بمنع الزكاة على أن يقيم الصلاة ويجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا مع العدو على المسلمين، وأغاروا على المدينة، وزحفوا حتى شارفوا المدينة، وخافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ
_________
(١) آل عمران ١٤٤
(٢) النور ٥٥
(٣) الفتح ٢٨
من الناس ولما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شرّ ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين قال: هون عليك أبا بكر، «١» فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام. فقبلوا منه ورجعوا الى قوله، وقاتلوا العرب كلها فغلبوهم/ وقهروهم مع قلة المسلمين وكثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به رسول الله ﷺ من الظهور وثقتهم بذلك.
فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ على فارس والروم أن الله قد وعدكم الفتح، وأن يظهر دينه على كل دين، وأن يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، والله متم أمره، ومصدق رسوله، ولكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف الله ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون منّا، فجدّوا وبادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة يعني خراسان، فقد سمعنا رسول الله ﷺ يذكرها ويخبر أنكم ستفتحونها.
فذكرها وهي أقصى ممالك فارس وأوسعها بلادا وأكثرها رجالا وأشدها بأسا. ولما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد ابن شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه الى الاسلام وأداء الجزية أو القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقلّ ولا أشقى منكم.
ثم ذكر من ذلّة العرب وسوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، وملكها أعزّ ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب
_________
(١) في الأصل: أهون عليك
جيشه، بأن يدفنكم وأميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، وكان نازلا بالعذيب يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم وأصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. وأخذ يتعجب من ضعف أجسامهم ورثاثة سلاحهم وكسوتهم.
فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة واستطالة الملوك علينا/ ولكن الله بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى الله، ووصفوا له الاسلام وحال النبي ﷺ ووحدته وفقره، وأنه وعد أن يغلبنا ويغلب الأمم، فعجبنا من قوله، وتلقيناه بالجهل والرد والتكذيب، فلم تزل مواعيده تصدق، فما أخلف في شيء قاله. وقد وعدنا ممالككم وأرضكم ودياركم، ولن يخلف قوله. فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن ويقبح فيه القبيح، نخلف فيكم كتاب الله فتجاهدون من يليكم فتفوزون، وإلا فالجزية نقبلها منكم عن يد وأنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا الله عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم عن يد؟ قالوا عن يد منّا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه وقال: قوموا يا كلاب عني، وجرى لهم معه ما يطول، وإنما أردنا ذكر ثقتهم بهذا الوعد.
ولما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص وهو في المسلمين، أرسل رستم طلائعه وقال لهم: بادروا، ومن وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إليّ. فجاؤا برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال المسلم: لنأخذ موعود الله، فقال رستم: وما هو؟ قال المسلم: أنفسكم وأموالكم ودياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، انك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل
الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، ومن بقي من المسلمين يظهر عليكم.
ولما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إليّ من يبلغني عنك ويبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، وأحدق به جنوده وهو في عشرين ومائة ألف/ في خيول وفيلة وشدة وبأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما جئتم تطلبون- وظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إليّ أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه وهو رجل واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام ورغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، فسدّ عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، «١» وكذا يكون أمركم معنا، وذكر من كان يولونه على العرب وغلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه نوقرها لكم تمرا وبرّا ونكسوكم فإنكم عراة وترجعون، فهو خير لكم، فإنه لا طاقة لكم بالملوك، وخاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال رسول الله ﷺ وكيف كان ابتداؤها وما وعد به، فانصرف.
ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، وكان رث الهيئة واللبسة والسلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف أصحابه، وقال مثل ما قالوا، فسأله رستم عن الاسلام، فوصف أصوله وحدوده- والترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك والقواد والوزراء والأساورة، فقال: ألا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، وإلى هؤلاء كيف لا يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك بالله
_________
(١) الثغب هو الأخدود تحتفره المسايل من عل، فإذا أنحطت حفرت أمثال القبور والدبار.
أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أما ترى عريهم ووسخهم ورثاثة سلاحهم ولباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس والماكل والمشارب وعنوا بالأحساب، انظروا إلى عقولهم وبصائرهم وصبرهم. وجرى له معهم أكثر مما جرى لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول/ شرحه.
وهم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، ولا يختلف قولهم، وكانت الملوك تمتحنهم بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، وهل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، وهل يهو لهم ما يرون من العتاد والعدة وما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما وجدوا عندهم شيئا من ذلك، وكانت قرة أعينهم بما آتاهم الله من البصيرة في دينهم، كما قد قال سليمان ﵇: «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» «١» .
ولقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب ونزلت على الفرس، ما تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس وبأسها وشدتها وعتادها وعدتها، وضعف من معه وقلتهم ورثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال الله: «سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ» «٢» فاشكر الله يا سعد أن سمعته بأذنك، ورأيته بعينك، وباشرته بيدك.
وكم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص ودمشق وأنطاكية ومصر وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما
_________
(١) النمل ٣٦
(٢) الفتح ١٦
أخلفنا في شيء قط، وما جرى لهم معهم يطول شرحه، وهو مذكور في مواضعه، وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيرّ فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، وإنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن، ثم ينحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شيء منه، كيف يقال/ فيه «١» مثل هذا، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به، فإنه ﷺ ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح، بل مات فقيرا، ومرض وعنده سبعة دنانير، فقال: ما كان يقول محمد لربه لو لقيه وهذه عنده، فقسمها وتصدق بها.
وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف، وما خلف في أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين: مكة والمدينة، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر، وإنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنّها بملكها. وحال رسول الله ﷺ وسيرته وما خلفه، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم، وشرح ذلك يطول.
فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالاسلام. ولقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير. وكذا الروم فينفذ أمرهم، ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبيّ ﷺ ووجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة
_________
(١) في الأصل: في
الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي ﷺ «هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» .
ثم عاد الأمر الى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب/ رسول الله ﷺ يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى بلد من بلدانهم فيأخذه مع رثاثة سلاحهم وقلة عتادهم وعدتهم، ولقد قال أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ في زمن بني أمية وقد رأى لهم رايات وتهويلات:
ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ والله لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم رجال ما كان لسيوفهم قباع، والله ما كانت مجانّهم الإبرادع جمالهم.
وكان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] «١» يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيش واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أي شيء آل أمرها اليه برسول الله ﷺ، ويقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت الله يقول لموسى: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» «٢»، ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صار ملكهم أعز من كل ملك في الأرض، ودينهم أظهر الأديان وأهيبها وأجلها، وأنهم ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين.
وكانت ملوك الفرس والروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم وضعفهم وقلة آلتهم وسلاحهم، حتى لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية:
أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما أشخص بصره: قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له:
هو السواد، فعجب وقال: وهذا هو كله، قالوا: نعم، قال: وقد بذلنا
_________
(١) زيادة مني اقتضاها سياق الكلام
(٢) ابراهيم ٥
لهم الصلح فما أجابوا وهذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم وادفنوا هؤلاء الكلاب أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب/ نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، وقدموا ابن ام مكتوم وهو أعمى ومعه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، والطمع فيهم أشد، واحتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ويلكم، أيّ ناس هؤلاء، أما يملّون ما هم فيه، أما يطلبون الراحة، أما يشغلهم أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدؤوا بأكلهم، قال:
وما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السّواك، لأن الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم فظن أن ذلك طعامهم، لأن الفرس والروم لا تعرف السّواك.
ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية استعظم انهزامهم، وكان عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، وأنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرا مثلكم، قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل انهم يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون، ومن أجل أنّا نزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.
وكانت نصارى العرب بين تغلب وتنوخ وبلخ وغسان وغيرها من القبائل تعين الروم والفرس على المسلمين، وكانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم، وعن أمرائهم ورؤسائهم، كشر حبيل بن حسنة، ومعاذ بن
جبل، وخالد بن الوليد/ وأبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الأمراء، «١» وأنهم لا يبينون من جندهم بشيء، وأن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه ويخدم أهل عسكره، وأن الذين في عسكرهم من بني هاشم وهم أهل بيت نبيّهم ورهط أبي بكر وولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشيء. وأن من سرق قطعوه، ومن قتل قتلوه، ومن افترى جلدوه، ومن كذب أسقطوه وأبعدوه وإن كان ابن نبيّهم أو ابن أميرهم.
وأنهم في الحدود والحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. وأنهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار. ويحدثونهم بحب النصارى لهم، وتشبثهم بهم، وأنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، وأن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص:
تبكون على هؤلاء وهم اعداؤكم في الدين، والذين يجيئونكم ملوككم وأهل دينكم، فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة والوفاء وقول الحق والعمل به، وقد أمناهم: - فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، وأموالنا موفورة، وسبلنا آمنة، وأعراضنا مصونة، وأهل ديننا يفتضّون أبكارنا، ويشربون خمورنا، ويأكلون ودوابهم أقواتنا وعلف مواشينا، ويسخروننا لمعونتهم.
فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، وهكذا كانت رجال الفرس.
فإن عمر حين ملكهم أقرّهم على أديانهم وأموالهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض على أرضهم القفيز والدرهم «٢»، وصدقهم في ادّعائهم، واستعمل عليهم وفي أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارس، وعمار
_________
(١) ورد التعريف بهؤلاء الاعلام فيما سبق من الكتاب
(٢) أنواع من المكاييل
بن ياسر، وعثمان بن حنيف «١»، وأمثالهم، ووصاهم بهم، وحرص الفرس به أن يستعملهم عليهم وضمنوا التوفير، وقالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط/ عن الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز والمهرجان والكسور والأجور وحق الخزن وغير ذلك، فأيسروا وسمنوا وصاروا كشحم الكلى، فأحبّوا الاسلام والمسلمين فما رأوا سوآ، إلى أن كتب زاذان فرّوخ- رجل منهم- للحجاج فسار بهم سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا وبينهم رجل منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شيء منّا.
وكانت ملوك الفرس والروم يعجبون من سلطان المسلمين وأنه يقوم بدرّة ومرقعة ويغلب الجبابرة وأهل الملك القديم، وأصحاب التدبير والسياسة والترتيب، وأصحاب الكنوز، وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل الية فيقسمها ولا يخزنها. وأن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا
_________
(١) حذيفة بن اليمان هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، واليمان لقب حسل: صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر الرسول ﷺ في المنافقين، توفي سنة ٣٦ هـ. الأعلام ٢: ١٨٠ سلمان الفارسي: من كبار الصحابة، كان صاحب رأي وعلم بالشرائع، وهو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الاحزاب، توفي سنة ٣٧ هـ الاعلام ٣: ١٦٩ عمار بن ياسر الكناني: صحابي من السابقين الى الاسلام والجهربه، شهد بدرا وأحد والخندق وبيعة الرضوان، وتولى الكوفة أيام عمر، توفي سنة ٣٧ هـ. الاعلام ٥: ١٩١ عثمان بن حنيف الانصاري، صحابي، ولي أكثر من ولاية، توفي بعد سنة ٤١ هـ. الاعلام ٤: ٣٦٥
المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما إنها لن تضرني ولكنها فتنة لمن بعدي، يدّخر لكون إن كان تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وقسم المال ولم يقبل منه. وكان يأخذ عماله بإنصاف الناس ورعايتهم وخدمتهم وأن يعودوا العبيد والضعفاء إلى غير ذلك مما يطول.
ولما انكشف ملوك الروم من الشام ومصر، واحتجزوا من المسلمين بالمضايق والدروب، أخذوا في مداراته ومراسلاته، وطمعوا في كفه واستعطافه بالرفق، فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا ولا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد النخل، وربما لم يجدوه في بيته ولا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: أين/ أمير المؤمنين؟ فيقولون: ها هنا كان آنفا وما ندري أين مضى، فيمشون مع رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم والفرس من ممالكها، لا قصر له ويمشي وحده حافيا، أما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم وفي حكمائهم، هل رأوا وبلغهم أن سلطانا بهذه «١» العزة والغلبة قام بدرّة ومرقّعة، فيقولون: لا، ما سمعنا ولا ظننّا ولولا أنا رأينا ما صدقنا.
وقد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه وقد سأله رستم عن النعمان بن مقرن والذين كانوا معه وكيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة ويقين من أمرهم، ولقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو
_________
(١) في الأصل: بهذا
يبلغوه أو يهلكوا. ولما ظفر سعد برستم، وهزم جيوش الفرس، صار إلى المدائن، وهرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، ويكثر تعجبهم من ضعف العرب وغلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم والتدبير السديد من الروم والفرس، وشدة جرأتهم عليهم وإقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيرة، بل تفوقوا عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير واطراح الحزم خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا لله كما ادعى، فلو لم يكن من/ آياته إلا طاعة العرب له وقد كانوا منتشرين يأكل بعضهم بعضا.
وانما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير وسوء الاختيار، أنهم قصدو الملوك كلهم، وأثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، وما هكذا كانت تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه ويدارون غيرها، ويتقون كل جنبة جنبة منه، هذا قول يزدجرد بن شهريار.
وسار يزدجرد بن شهريار من نهاوند إلى فارس، ورتب عماله وأصحابه في الممالك كلها، وأنه يستثير بالفرس كلها بخراسان ويستنصر بالترك ويرجع، فيخرج العرب من ممالكه، ويصير الى بلادهم فيقتل عمر ملكهم ويستأصلهم. وخرج من فارس إلى سجستان، ومنها الى مرو، ومنها الى خاقان ملك الترك، واستنصره وصاهره، وعيونه وجواسيسه تختلف الى العرب، ورسله إلى الملوك في ممالكه، يشدّ منهم ويأمرهم بجهاد العرب، ويعدهم بنصرهم والرجوع إليهم، وهم يعذلون الفرس والمجوس الذين ادّوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين احب اليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب وغيرهم
العبيد، وكذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد.
ثم كانت أصول دياناتهم «١» على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهوا سف أن الله خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل عليه، قال: والفكر رديء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، وما زال يخلق الظلام والأجسام الشريرة كالحيات والعقارب والأمراض والأسقام/ فيقيم بإزاء كل خلق لله خلقا لنفسه، فلما خلق الله الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، وقد ذكره للناس عنهم وأخذوه منهم إلى قولهم: وأن الله نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس بملائكته، وأن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، وأن إبليس هزمه وحاصره في بعض البساتين، وأن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه ويترك إبليس في الأرض يصنع ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، وأن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما فعدّلوهما. فهذا هو أصل دينهم، وفيه من السخف والجهل والحمق ما هو أكثر من هذا مما «٢» هو مذكور في أماكنه.
وأما الفروع «٣»، فتجنب الماء، والتطهير بالأبوال، وتعظيم الماء والنار والأرض، وتطهير الحائض والنفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها ويباركها ويباشر غسل فرجها بيده، ويرى بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، وفي يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا، وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض
_________
(١) كتب في هامش الصفحة: أصول ديانات المجوس
(٢) في الأصل: ما
(٣) كتب في الهامش: فروع المجوس
على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى، وشرع لهم نكاح الأمهات والبنات، وأوجب عليهم طاعة الملوك والانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، وأمرهم بإقامة النوروز وأنه أعظم الأعياد، وزعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، وأن إبليس أخذ المقادير والنهايات وهو الذي تسميه الفرس قيما، وزعم أن إبليس أخذ المقادير والنهايات/ من الناس فصاروا «١» يأكلون فلا يشبعون، ويشربون فلا يروون، ويذهبون لحوائجهم فلا يهتدون، وأنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن إبليس بلغها منهم يطول شرحها. وأن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس وصار في عسكره، وتنصح له، وخدمه وقرب منه، وتقرب إليه بكل شيء لتخليص الناس من شره، وأنه لما اختص به طلب المقادير والنهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في خزائنه، وإذا ابليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس وهو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من عسكره، فأعدّ خيولا، وأدخل يده في دبره وأخذ المقادير والنهايات واستوى على الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا وتندّت الأرض بعد اليبس ورجع إلى الناس المقادير والنهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران ويصبون المياه ويظهرون السرور ويتوفرون على اللذات في النواريز. وأن يد جمشاذ هذا الفارسيّ اسودّت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شيء فما نقيت، فشكا الى الله ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا شرع زردشت غسل الحائض والنفساء ببول البقر. وزعموا أن جمشاذ هذا كان قبل زردشت، وحرّم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدّم
_________
(١) في الاصل: صاروا
وهو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك ويحتال لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك «١» / لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ينقضي الدم. ولهم في فروعهم فواحش آخر، مثل: أكل الميتة، وهو ما يشدونه من البقر الشد الوثيق ويأمرونها بصعود الجبل ويقولون لها: قد أمرناك وأعذرنا إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، وهذا الذي يسمونه يزدان كشت، تفسيره، قتيل الله، إلى غير ذلك من حمقهم. فلما جاءهم الاسلام، كان حذيفة وسلمان وغيرهما من الأفراد لا شغل لهم الا قراءة القرآن ودرسه وتعليمه، والظهور للناس، والمشي في الأسواق، والجلوس في الطرقات.
فكانوا يسألونهم عما يقرؤون وعما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة ولمن يفهم، فيذكرونه لهم، ويرجعون الى عقولهم فيما يسمعون من جلال الله ﷿ وعظمته وآياته في كل شيء في مثل قوله: «وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ»»
، وما في قوله في سورة الروم: ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، غير مرة، إلى غير ذلك.
وعلم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم، فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد العقل بها، وفروع زكية تدعو الى التمسك بأصولها، ووجدوا الصحابة يعلمون بما يقولون، فأسلموا، وتبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله كما قد عرف الناس، وبقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة.
وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، / وفروعهم في
_________
(١) مكررة في الأصل
(٢) الذاريات ٢١
النجاسة والقذارة كما قد عرفت، ورأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن والمواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا وطوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله ﷿.
وأما خاص المجوس بجور وإصطخر «١»، فعندهم أن الله مات جل الله عن قولهم «٢» وأنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء وهو الخير، وأن الآخر غلب على الأرض وهو الشرير. وقد كان عامل لعمر ﵁ كتب اليه يعتذر من قلة المال ويقول: أسلم الناس وقلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار وكتب إليه: إن الله بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا، وصرفه ولم يستعمله لحزنه على قلة المال وحرصه على الجباية «٣» .
وكان خلفاء رسول الله ﷺ يقولون لعمالهم: ارعوا الناس ولا تجبوهم، فإن الله بعثنا رعاة ولم يبعثنا جباة، وإن من بعد نامن الأمراء سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا أفعلوا ذلك ذهب الحياء والوفاء وقلت البركات، فالزموا الاسلام.
ولما دخل عمر الشام تسامع به النصارى ومن بها من ملوك الروم ممن أقام على الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم وخيولهم في زيهم ومراكبهم وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا، أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقه. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على
_________
(١) جور: مدينة بفارس بينها وبين شيراز عشرون فرسخا. معجم البلدان ٢: ١٨١ واصطخر: بلدة بفارس كانت من أعيان مدتها. معجم البلدان ١: ٢١١
(٢) كتب في الهامش: اعتقاد مجوس جور واصطخر
(٣) كتب في الهامش: كتب عمر ﵁ الى عامل جورحين اعتذر إليه أن الناس سلموا وقلت الجزية.
جمله ومعه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه «١» وأخذ برأس بعيره وخاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين، وعدوّه/ كثير، وهم يرونه، وقد سلبهم ملكهم وعزهم، وعيونهم وجواسيسهم معه يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم، وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، وظنونهم سيئة، وتيقظهم دائم، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، وفي كل الاسلام، ومن يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر.
فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، كنتم أذل الأمم، فأعزكم الله بالاسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم الله.
ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق، تلوح صلعته من الشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عمودين، ووطؤه فرو كبش نجديّ، وهو وطؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه. ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له امض، فردّه، ولقيه الاسقف، فقال حين رآه لاساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله.
_________
(١) الجرموق: هو ما يلبس فوق الخف. القاموس ٣: ٢١٧
وقد كان قال لعامله على أذرعات «١» وقد قدم عليه، وعلى عمر قميص من كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله وارفعه، ففعل، وقطع عليه قميصا قبطيا فأتاه به وقال: هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا فقال: لا حاجة لنا به. ولما قدم دمشق وصار في يوم الجمعة نام عمر فجاء عامله على دمشق فسألهم/ ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، وهل يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله وخاف أن تزدريه البطارقة وملوك الشام بعد هيبته في صدورهم وصوته فيهم، فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] «٢» أراد أن يمضي إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم «٣» في ذلك، قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره ولبسه وصعد المنبر وقد كان أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء وهو على المنبر، ويمدّ كمه فلا يبلغ أصابعه، وهو قميص غليظ، وقال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا غسل، فلما نظروا اليه وإلى هيبته أقبلوا يبكون وينتحبون من كل ناحية ويقولون: ولا رهبانية ابن مريم، ولا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ملكا في رهبانية أعجب من هذا.
وقال الروم: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، فقال عامل عمر: فكان والله الذي فعل أهيب في صدورهم وأبلغ مما أردنا، وجاءت هيبة الدين والتقوى.
_________
(١) بلد في أطراف الشام معجم البلدان ١: ١٣
(٢) زيادة مني اقتضاها السياق
(٣) في الاصل: لامهم
وهذه كانت سيرة خلفائه وأعوانهم كبني مقرن، وأبي عبيدة، ومعاذ ابن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم من السابقين والتابعين بإحسان، لا يحصون لكثرتهم. والذين رغبوا فيما أحلّه الله لهم وأباحهم إياه كعبد الرحمن بن عوف وأمثاله، فقد كانوا يبذلون وينفقون في سبيل الخير، ثم لا يعرفون من التواضع من/ عبيدهم ولا يفرق بينهم وبين عبيدهم وفقرائهم، فكانوا كما قد قيل فيهم لا يحوي رجاؤك ما حوت أيمانهم، ولا تسري همتك إلى حيث سرت أقدامهم، لم يزدهم الله رفعة وتشريفا إلا ازدادوا هيبة وإجلالا، ولا تسليطا وتمكينا إلا ازدادوا عن الدنيا عزوفا ومنها تقللا، ولا تقريبا واختصاصا إلا ازدادوا من رعيتهم قربا وبالمساكين رأفة وعليهم حدبا وبهم رحمة.
ولقد قال عبد الله بن سلام وغيره لأولئك الذين شغبوا على عثمان، كحرقوص بن زهير، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران «١»: يا قوم، إن سلطانكم يقوم بالدرة، وما سمعنا بسلطان يقوم بالدرة قبله، وإن قتلتموه لم يقم إلا بالسيف، لا تسلوا سيف الله عليكم، فو الله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم، إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله مذحلّها رسول الله ﷺ وإلى اليوم، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة.
وقد قلنا قبل هذا انما لم نجعل زهد رسول الله، ﷺ وخلفائه وأصحابه دليلا على صحة الاسلام ونبوة النبي ﷺ فإن ذلك إنما يدل عليه ما قدّمنا من الأدلة وأمثاله، ولكن استدللنا بزهدهم على محبتهم لنبيّهم، وأن ظاهرهم كباطنهم، وسريرتهم كعلانيتهم، وعلى بصيرتهم في دينهم، وأنه لم يكن لنبي من الأنبياء ﵈ صحابة مثلهم، وأنهم خير أمة أخرجت للناس.
_________
(١) انظر لتفصيل حادث مقتل عثمان ﵁، الطبري، أحداث سنة ٣٥ هـ.
واعلم أنك لا تكاد تعدم من يطعن فيما معك من هذه الأخبار لجهله.
فإن هذه الأخبار التي معك من كلام الوليد بن المغيرة الى غير ذلك، كلها قد جاءت مجيئا صحيحا كالقرآن، وإن/ كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ألا ترى أن لرسول الله ﷺ من الغزوات والسرايا والبعوث أكثر من خمسين ولا تعرف العامة ومن جرى مجراهم منها خمسة، وهم يعرفون أبا بكر الصديق في الصحابة ولا يعرفون أبا طلحة وأبا قتادة «١» . ويعرفوه من أزواجه خديجة وعائشة ولا يعرفون سودة بنت زمعة وصفية بنت حيي وغيرهن من أزواجه «٢» فإنه ﷺ تزوج خمس عشرة ومات عن تسع، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة «٣»، وكان له تسعة أعمام ولا يعرف العامة منهم أكثر من ثلاثة، وكان له سبع عمات ولا يعرفون إلا واحدة، ومثل هذا كثير. ولسنا نريد بقولنا ها هنا العامة كالملاحين والحمالين والفلاحين، ولكنا نريد من لم يباشر هذه الصنعة وإن كان من الخلفاء والوزراء أو القواد والكتاب وكائن من كان.
فإن قيل: فإن هذا الدين وإن ظهر على الأديان كلها وكان أقواها وأعزها فما استأصلها ولا قلع أصولها، فقد بقي في يد الروم بقية من ممالكها وإن كان الاسلام قد أخذ أكثرها وعامتها، وبقي في يد الهند بقية، قيل له: إنه لم يقل أنه مستأصل الديانات ولا الممالك كلها حتى لا يبقى شيئا منها، بل قال:
_________
(١) أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، صحابي شجاع، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، توفي سنة ٣٤ هـ. طبقات ابن سعد ٣: ٦٤ أما عن أبي قتادة فلعله يقضي قتادة ابن النعمان الانصاري وهو صحابي بدري، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، توفي سنة ٢٣ هـ. الاعلام ٦: ٢٧
(٢) كتب في الهامش: عدد زوجات رسول الله ﷺ
(٣) كتب في الهامش: عدد بنات رسول الله ﷺ
ليظهره على الدين كلّه، وقد ظهر وغلب، فصار أعزها وأظهرها وأقواها، فقد استوفى الخبر شرطه؛ ومع هذا فقد فرض الجهاد على أمته إلى يوم القيامة، فدلّ أنه تبقى من الشرك بقية، فقد أحدق الصدق بكل ما قالوا، فما هاهنا عيب يكون لطاعن.
فإن قيل: إن الرّوم/ قد ارتجعت أكثر ممالكها التي أخذها المسلمون منها، حتى لو قدّر ما ارتجعوه من جزائر البحر وما في البر من الثغور الشامية والجزيرية وأرمينية وأذربيجان، لكان يكون في الكوفة إلى بخارى بلدان عامرة، ثم من بالاحساء والمغرب وما يلي المغرب إلى أن يقارب العراق يعتقدون عداوة الأنبياء كلّهم ويخصون نبيّكم محمدا بفضل عداوة، ويجردون في القصد إلى إماتة شريعته واستئصال دعوته كما قد عرف ذلك من تصفح واعتبر، وكما لهم من الآثار في قتل المسلمين والحجّاج، وغزو مكة والكوفة والبصرة وباليمن وبالشرق والغرب، وإن تستروا بالباطن، فكيف يكون الآن ظاهرا على الأديان كلها.
قيل له: إنه لو ارتد جميع أهل الدين حتى لا يبقى عليه أحد من الناس كلهم، لما قدح ذلك في الخبر الذي خبر أنه يظهر على الأديان كلها، لأن ذلك الخبر وتلك المعجزة قد صارت إلى ما قال وكما أخبر، فظهر على الأديان كلها فلما استوفت شرائطها وانتهت إلى حدودها فما قصرت عن شيء قاله ﵇ أو شرطه.
ثم في غلبة الروم والقرامطة وغيرهم من أعداء الاسلام على ما غلبوا دلالة أخرى على نبوته عظيمة، فإنه قد مرّ، أن بعد مضي أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وفي آخر الزمان، ستضعف بصائر أهل ذلك الزمان، ويكرهون الموت، ويشتد حبهم للدنيا وحرصهم على البقاء، فسيظهر عليهم
عدوهم ويغلبهم. والأخبار في ذلك أصح وأقوى من كل قويّ، وهي كثيرة، ومجيئها كمجيء القرآن، حتى أنه ﷺ حين وقت المواقيت، وقت ميقاتا لأهل العراق والعراق إذ ذاك في أيدي الفرس، ووقت ميقاتا لأهل الشام والشام إذ ذاك في يد الروم، وكذا غيرها من الأمصار، وذكر ظهور أمته عليهم واستقامة/ الأمور لهم، ثم ذكر اضطرابها، حتى يقول: ومنعت مصر أردّبّها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام كذا، حتى يجيء في الأثر، ليخرجنّكم كما أخرجتموهم كفرا كفرا، يعني بلدا بلدا وقرية قرية، لأن أهل الشام يسمون القرى الكفور، فيقولون: كفر طاب وكفر ثوبا وكفر كذا لقرى كثيرة. حتى يذكر آخر الزمان، وان الأمم تتمالأ على أمته كما تتمالأ الأكلة على قصعتها، فقيل يا رسول الله أمن قلة يؤتون، فقال: لا، إنهم أكثر ما يكونون ولكن الوهن والفشل، فقيل: يا رسول الله ما الوهن والفشل، قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت «١» .
وقد وجد أهل الاعتبار ذلك، فإن بابك الخرّمي صاحب الخرميّة من البذ من أرمينية وأذربيجان، ابتدأ في أول أمره وتستر بأنه من المسلمين ويدعو إلى الاسلام وإلى المهدي من أهل بيت رسول الله ﷺ، «٢» فلما قوى وظهر كان من أمره ما هو معروف، فكدّ السلطان في زمانه وأتعبه، فكان المعتصم ابن الرشيد، فأرسل با بك إلى ملك الروم وهاداه ولاطفه وتقرب إليه ببغص الاسلام والمسلمين، وأنه إنما تستر بالاعتزاء إلى المهدي حيلة عليهم وسخرية منهم، وقال: إني قد شغلت ملك العرب عنك فما يتفرغ لغزوك فإن فرغ
_________
(١) للاطلاع على نموذج من هذه الأحاديث التي تكلم فيها الرسول ﵇ عن البلاد التي سيفتحها المسلمون وعن مستقبل الاسلام، انظر فيض القدير للمناوي ٤: ٩٦- ١٠٢
(٢) امتدت فتنة بابك الخرمي زمنا طويلا في عهد المأمون والمعتصم وكان خروجه سنة ٢٠١ ومنتهاه سنة ٢٢١ هـ.
مني تفرغ لك، فانتهز الفرصة لتنهنهه عني وأنهنهه عنك، ففعل ملك الروم ذلك، وسار حتى فتح ربطره وكان له من الأثر في المسلمين ما هو معروف.
وكان له مع صاحب الزّنج من الحرب مثل ذلك أيام المعتمد، فإن صاحب الزّنج شغل السلطان عن ملك الروم فأعانه ملك الروم، وانتهز الفرصة وسار فأخذ لؤلؤة من أيدي المسلمين، وهي بلد عظيم ومصر جليل.
وكان صاحب الزنج يدّعي أنه المهدي، / وآثاره معروفة، وسيرته في المسلمين معلومة في أن آمنهم ثم قتلهم بعد الأمان وقتل الأطفال، إلى غير ذلك.
وكان يذكر أنه علويّ، ولقد أخذ أبا يعقوب الشحام فقال له «١»: لم لا تجيء أنت وأصحابك فتجاهدون معي وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولكنكم معشر المعتزلة منافقون تقولون بما لا تفعلون، فقال له أبو يعقوب:
أجيب عن هذا وأنا آمن، قال: نعم، قال: أنا آمن قبل الجواب وبعد الجواب على نفسي وأهلي ومالي، قال: نعم فتوثق منه ثم قال له: أخبرني أيّما خير، أنت أو عليّ بن أبي طالب، قال: بل عليّ، قال: فأيما شر من عاداك أو عادى عليّ بن أبي طالب، قال بل من عادى عليّا. قال:
فهل بلغك أنه آمنهم ثم قتلهم، لقد حاربوه فما قتل لهم أسيرا ولا أجهز لهم على جريح ولا اتبع لهم موليّا ولا سبى لهم ذرية ولا هجم لهم على منزل، ولقد كانت الخوارج مقيمة معه فما بدأهم بحرب وهم يكفرونه، فقد كان ينبغي أن تسلك سبيله لأنك أنت تدعي أنك من شيعته، فقال له: لولا أني قد آمنتك، ولولا ما بيني وبينك لقتلتك. فقام أبو يعقوب وخرج وهرب ولم يأمنه. وقد كان صاحب الزنج قبل أن يملك البصرة يغشى العلماء ويجلس إليهم
_________
(١) من كبار رجال الاعتزال انظر المنية والأمل (طبقات المعتزلة لابن المرتضى)
ويتقرب من قلوبهم «١» .
وهذه كانت سبيل سعيد الذي خرج بالمغرب أيام المقتدر «٢»، فإنه لما تمكن برقادة من أرض المغرب «٣»، وصار في جيوش، راسل ملك الروم وهاداه وتودده وأغراه بالمسلمين، وبشره بأنه يملك ممالكهم كلها ويستأصل ملك بني العباس، وأن له إخوانا على مثل رأيه باليمن وبالبحرين وبالكوفة وفي الجبال وبخراسان، وأنه قد سلطه عليهم. وكان يبشره بالمكاره التي تنزل بالمسلمين، وسيّر جيشا له عظيما مع ابن له إلى مصر ليأخذها، وعرّف الروم هذا، فسيّروا جيشا إلى الثغور، وكان هؤلاء ينصرون أولئك في الثغور، وشغلوا/ المسلمين وشتتوهم. وكان هذا بعد الثلثمائة للهجرة.
وكان عندهم أن أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابيّ صاحب البحرين يعينهم فإنه كان على رأيهم ومواطئا لهم «٤»، وكان عندهم أنه إذا انقضت سنة ثلثمائة ظفروا وظهروا على الاسلام كله، وأن سعيدا الذي بالمغرب هو المهديّ وهو الذي يغلب ويظهر. وكانوا يكاتبون الشيعة بالعراق في كل مكان بذلك، ويقولون لهم: انتظرونا وكونوا على أهبة فإنا لا نتأخر. فاتفق قتل أبي سعيد الجنابي في سنة إحدى وثلثمائة، وأخلف ما ظنوه، وانهزم أولئك الذين نزلوا على مصر ورجعوا إلى المغرب، ورجعت الروم بسبي عظيم من المسلمين، وكان ذلك في سنة اثنين وثلثمائة. ثم عادوا إلى مصر بأعظم من تلك الجيوش
_________
(١) الزنج أو الزط قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاثوا فيها، ولما استقر الحكم للمأمون سنة ٢٠٥ هـ بعث إليهم عددا من قواده فتفرقوا ولكنه لم يقض على فتنتهم قضاء تاما حتى فعل ذلك المعتصم سنة ٢١٩ هـ.
(٢) سيأتي تفصيل ذلك في موقعه من الكتاب.
(٣) بلدة كانت بالمغرب، بينها وبين القيروان أربعة أيام. معجم البلدان ٣: ٥٥
(٤) سبق التعريف بالجنابى هذا، انظر الجزء الأول الصفحة ١٢٩
في سنة سبع وثلثمائة، وعادت الروم إلى الثغور وحرقوا وسبوا، وخرّب هؤلاء بالاسكندرية والصعيد ونهبوا وانهزموا ورجعوا، وأخذ الروم ملطية وثغورها «١»، فهنأهم هؤلاء الذين بالمغرب بذلك، وبشروهم بما يفعله أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي بالمسلمين وبالحجّاج، وبقلع الحجر، وبسبي المسلمين، وبقتل الحجّاج، وبسلب الكعبة، وأنا قد شغلنا المسلمين بأنفسهم عن غزوكم؛ حتى كتب ملك الروم إلى المسلمين كتابا بذلك وأظهر الشماتة بما نزل بالبصرة وبالكوفة وبمكة وبغيرها من وقائع القرامطة بالمسلمين وإذلالهم الاسلام. وقد أجاب عن هذا الكتاب أحمد بن يحي بن المنجم نديم السلطان، وأجاب عنه عيسى بن داود ابن الجراح وزير السلطان.
وأولاد أولئك الذين كانوا بالمغرب إلى هذه الغاية مقيمون على مسالمة الروم ومقاربتهم ومهادنتهم والتقرب إليهم والشغل بإفساد المسلمين والاسلام.
فإن غزا الروم أحد من المسلمين من نواحي الشام ومصر وجاؤا بسبي أو أسير أخذهم هذا السلطان منهم وخلع عليهم ووصلهم وبرهم وأكرمهم وأنزلهم أجل المنازل وقال لهم: من أقام منكم عندنا/ فله الكرامة ومن شاء فليرجع فله الحباء والصيانة، ويراسلون ملك الروم بأنا ما نغزوكم ولا نتعرض لكم، وما نقدر أن نكاشف في المنع من غزوكم كل المكاشفة، ولا نرد كل أحد عن ذلك، وقد علمتم أن من وصل إلينا منكم رددناه مكرما إليكم، ومن آثر المقام كان في عز وفي كفاية، ولنا جيوش وعساكر في البر والبحر قد جاورناكم سيما مذ صرنا بنواحي الشام، ومصر، واذا قصدتم لناحية فيها
_________
(١) بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام، فتحها المسلمون، ثم استعادها الروم سنة ٣٢٣ هـ. ثم عادت للمسلمين مع الدولة العثمانية. معجم البلدان ٥: ١٩٢
Translation
وباب آخر ما أشار اليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا.
#37 Chapter 37 — وباب آخر حول الآية الكريمة"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" · ref. #37
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
عساكرنا رحلوا عنها وخلوها لكم. ولهم معهم أكثر من هذا التفصيل، وإنما أردنا أن نذكر صحة قوله ﵇ أن أمته في آخر الزمان تكون إلى حب الدنيا والبقاء فيخذلون، وتجتمع عليهم الأمم، وهذا باب من معجزاته.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»]
وهو قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» «١» . وكانت قريش والعرب قد تفرغوا لمكارهه وتركوا كل شغل، وأفردوا كل قوم بضرب من مكروهه كما كانت تفعل اليهود ذلك به، فكانت خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء والمنع في المواسم والمحافل من أن يستمع منه أو يصغى إلى القول منه، وهم «٢»: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن وائل السهميّ، والأسود بن المطلب الأسدىّ، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والحارث بن الطلاطلة «٣»، فبلغوا منه في الاذلال، فشكاهم إلى الله ﷿ فأرسل إليه جبريل ﵇ فقال له:
إن الله تعالى قد أمرني بطاعتك فمر فيهم بما أحببت، فاستند إلى الكعبة، فمرّ به الوليد، فأومى إلى أخمص رجله، وكان قد مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له، فوطىء على فصل منها، وكان من ذلك مريضا ثم اندمل، فانتقض به عند ذلك ومات.
ثم مر به الأسود بن المطلب/ وبيد النبيّ ﵇ ورقة خضراء،
_________
(١) الحجر ٩٤
(٢) كتب في الهامش: خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء برسول الله ﷺ ومنع الناس من استماعهم منه ﵇.
(٣) الطلاطلة: الداهية، وهو اسم أمه.
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"
#38 Chapter 38 — وباب آخر حول الآية الكريمة"فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون" · ref. #38
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
فرمى بها في وجهه وقال: اللهم أعم بصره، وأثكله ولده، فعمي بصره وقتل بنوه: زمعة، وعقيل، والحرث بن زمعة. ومر به العاص بن وائل، فأومى إلى رجله، فركب حمارا يريد الطائف فطرحه الحمار فدخلت في رجله شوكة فمات.
ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأومى إلى بطنه فأكل سمكا مملوحا ونام، فلما كان جوف الليل عطش، فقام إلى قربة فيها ماء، فوضع فاه على فيها فشرب، فما روى حتى انشق بطنه ومات. وقد علمنا أن كان هناك من كان يستهزىء به، وأن قوله ﷿: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» «١» قد كفيهم، وقد قرأ ذلك عليهم، فعلمنا أن كان هناك مستهزئين وقد كفيهم.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ»]
قوله ﷿ (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) «٢» فذكرهم بعصمة الله له منعة لهم من قتله مع وحدته وكثرة أعدائه وحرصهم على قتله واستئصاله وإطفاء نوره، فصرفهم الله عن ذلك، وقد راموه غير مرة وحرضوا عليه.
فانظر إلى هذا الادلال وإلى هذه الثقة بمنع الله منه، فإن هذا قول يغيظ ويغضب ويحرضهم على مكروهه ويبعثهم على قتله ويزيدهم حرصا على استئصاله، وهذا من الآيات العظام، وهو أعظم من صرف الله كيد فرعون عن موسى، فإن بني «٣» اسرائيل بمصر وهم ستمائة ألف على دين موسى
_________
(١) الحجر ٩٥
(٢) هود ٥٥
(٣) في الأصل: بنو
وتصويبه سوى المشايخ والنساء والأطفال وإن كانوا مغلوبين بسلطان فرعون.
وطول مقام موسى مع فرعون بعد ادعاء النبوة سنة واحدة، ومحمد ﷺ أقام بمكة خمسة عشرة سنة، وجاءهم وحيدا منفردا بدينه، خالف الأمم كلها من أهل زمانه، ولم يعتصم. بمخلوق، ولا صوّب أحدا من الأمم ولا من الملوك الجبابرة.
فإن قيل: أو ليس كان عمه أبو طالب يمنع منه، قيل: ليس في هذا قدح فيما ذكرنا، لأنه ما قال أن/ أحدا لا يدفع عني ولا يسوؤه ما نزل بي، وإنما قال في حال وحدته، لا أقتل ولا تقتلونني مع كيدكم لي، وإن ربي أخبرني بذلك، وهو قال لي: «وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ» «١» وهو قال لي: قل لهم: «فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ» وهو قال لي: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» فلو منع نصفهم من قتله لما قدح ذلك في خبره، ودفع أبي طالب عنه يؤكد أمر حجته، فإنه قد كان على غير دينه، وكان على دين أعدائه، ومع هذا كان يدفع عنه ويقول لقريش: هو الأمين الكريم الوفيّ الذي عرفتموه، وتشفع إليهم في الكف عنه، وقد كانوا مع هذا يضربونه حتى يغمى عليه، ويسحبونه، فيقول لبناته وهنّ يبكين: إن أباكنّ لا يقتل بل يؤذى، ويقول هذا للناس كلهم ويناله عمه أبو لهب والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من قريش، مع حرص أبي طالب في الدفع عنه، فيقول ﷺ:
لا تنالون مني أكثر من هذا، والعقبى تكون لي، ولن أقتل ولا أموت حتى أظهر. فيزدادون غيظا عليه، ويجددون عزمهم على قتله، ويقول أبو جهل لبني مخزوم: لأقتلنّ محمدا، فإن شئتم حينئذ فأسلموني إلى بني عبد مناف وإن
_________
(١) الاسراء ٦٠
شئتم فدعوا. فقالوا نحن لا نسلمك لشيء أبدا. فأرصد لرسول الله ﷺ إلى أن وجده ساجدا، فأخذ صخرة ومشى إليه، فلما دنا ليرضح رأسه بالصخرة التزقت الصخرة بكفه وولى هاربا، فأنزل الله فيه: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى- حتى قال: - فَلْيَدْعُ نادِيَهُ» «١» لأنه معروف العداوة سيد مطاع.
فانظر كيف يقول له: «فليدع ناديه سندع الزبانية»، وقد أرصدوا له للقتل مرات لا يحصيها إلا الله، وكان أشد ما عليهم إذا قرأ القرآن وفيه عيبهم وعيب آلهتهم، مثل قوله في سورة ص، وياسين، والفرقان، وما أشبه ذلك، / فإنهم كانوا يثورون له ويفورون من أجله، وكان ذلك شديدا على رسول الله ﷺ لوحدته وضعفه، ولما يعرف من بأسهم وغلظ أكبادهم حتى يقول الله: «وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا» «٢» . وإنما قال:
«جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا» «٣» لما كان يصيبهم من الغضب والغيظ عند تلاوته القرآن، فأضاف ذلك إلى نفسه لهذا المعنى، لا أنه جعل على قلوبهم أكنة ولا في آذانهم وقرا، وهذا كقول رسول الله ﷺ: (شيبتني هود واخواتها) «٤»، لما كان يلحقه عند الفكر فيما يتلوه منها من خشية الله وخوف نقماته، لا أن هود وأخواتها كانت تفعل فيه الشيب. ومثله قوله ﵇:
(حبّك للشيء يعمي ويصم) «٥» لا أن الحبّ يفعل العمى والصمم، ولكنه
_________
(١) العلق ٩
(٢) الإسراء ٤٥
(٣) الأنعام ٢٥
(٤) فيض القدير ٤: ١٦٩
(٥) فيض القدير ٤: ٣٧٢
اذا أحبّ الشيء ذهب مكبّا على وجهه فلم يتثبت، فتبصر عينيه ولا يصغي فيسمع قول من ينصح له، وقد قال الله ﷿ «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا»»
، والنذير لا يفعل فيهم النفور، ولكنهم لما نفروا عند إنذاره نسب نفورهم إليه، وهذا من الاستعارة الحسنة، وهو معروف في اللغة.
فسلامته ﷺ منهم وهذه حالهم وحاله كمن قال: الدلالة على صدقي أني أخوض هذه النار العظيمة وألبث فيها وأخرج منها سليما، فهذه كانت حال رسول الله ﷺ مع هذه الأمم، فإنه أقام بعد ادعاء النبوة بمكة خمسة عشرة سنة بين هذه الشدائد المتوالية والأهوال المتصلة، وهو يخرج إلى المواسم، ويقوم في المحافل، ويبرز إلى القبائل، ويعرض نفسه، ويذكر ما يدعو إليه، وهو وحده ومعه أبو بكر الصديق أو أبو بكر وعليّ/ بن أبي طالب.
وقريش ترصده وتتبعه برجالها ودهاتها في التنفير عنه والصد عنه، فأين كان أبو طالب، وكم يكون أبو طالب مع هذه القبائل والعشائر وهم يتوعدونه وهو لا يلين ولا يفتر.
ولقد كان عمه أبو طالب يعزله فيما أتاه من مخالفة دين آبائه ويسأله أن يكف عنهم وأن يلين لهم، ويضرع له ويطاوله ويدبره في كل جهة، ويخوفه بأسهم «٢» وسطوتهم وأنه لا يأمن قبلهم، فلا يلين، ويقول يا عم:
ما كان لي أن أراهن في أمر الله، حتى يبكي ﷺ من طول معاتبة عمّه له ويقول: ما كنت لأفعل. فإذا قال له إني أخاف عليك منهم، إني غير آمن عليك مكر قريش وإن دافعت عنك، فيقول ﷺ: إن ربي قد ضمن لي
_________
(١) فاطر ٤٢
(٢) في الأصل: بأسه، ولعل الصحيح ما أثبتناه
صرفهم عني، فيقول أبو طالب: يا ابن أخي، ما اطوع ربك لك، فيقول:
له: وأنت يا عم لو أطعته أطاعك.
وقد مات أبو طالب، وأقام ﷺ بعده وهو على شدته عليهم، وأشد بكثير مما كان عليه في حياة أبي طالب، وغيظهم أشد. فإن القرآن كان يتوالى نزوله بما يكرهون، فيجيب من يجيب منهم رسول الله ﷺ، فيتضاعف غيظهم، ويتجدد عزمهم على قتله واستئصاله، فيجدّون ويشمرّون ويسعون ويرهجون فلا يغني عنهم كيدهم شيئا، «وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» .
ولقد كانوا يمكرون به المكر العظيم، كما قال الله تعالى: «وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ» «٢» وما كان ليقول هذا عنهم والعدو والوليّ يسمعه إلا وهو كما حكاه عنهم.
وفي هذا المعنى يقول ﷿: «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ» «٣» أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة ولن يفي له بما يدعي محمد عليه، فليجتهد جهده، وليستفرغ وسعه في استئصال محمد وإطفاء نوره وطلب كذب يكون/ منه، ثم لينظر هل يجد ما يشفي غيظه، فإنه لا يجد ذلك، بل يجد ما يضاعف غيظه، وهذا أيضا من تلك الأبواب التي تبعث على قتله وتذكر باستئصاله.
وكم كان يلقي من يجيب رسول الله من الذل والضرب والهوان والتجويع
_________
(١) فاطر ١٠
(٢) ابراهيم ٤٦
(٣) الحج ١٥
والتعطيش والجفاء والسبّ وأصناف المكاره التي يطول شرحها، وهي مذكورة في مواضعها، معروفة لا يشك أهل العلم فيها. حتى يكون مثل عثمان بن عفان مع كثرة ثروته وصلته لأرحامه وشرف رهطه وحلمه وأناته لا يمكنه المقام بمكة، ففر إلى أرض الحبشة ومعه رقية بنت رسول الله ﷺ. وكذلك جعفر بن أبي طالب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين. وفر الزبير مع شرفه وشجاعته، ومن شئت من الوجوه والأشراف فما أمكنهم المقام وهذه حالهم، فكيف بالموالي والفقراء وقريش تطلبهم، وتعبر البحار في طلبهم، ويكون لهم مع النجاشي ما هو معروف.
ومن هاجر إلى المدينة اتبعوه، فإن وجدوه في الطريق ردوه قهرا، وإن وجدوه في المدينة خدعوه وسألوه زيارة أهله وعطفوه على أبويه ورغبوه في صلة رحمة وأمنوه على نفسه ودينه ما أقام معهم، فكم ممن أجابهم واغتر بهم لما ردوه صفدوه بالحديد وعذبوه، ومن أحسّ منهم بولده قد أسلم قيّده، كما فعل سهيل بن عمرو بابنه أبي جندل بعد الهجرة، وكما صنع أبو أميمه سعيد بن العاص بابنه خالد بن سعد، فإن أبا بكر الصديق لقيه وعرفه حسن الاسلام، فأجابه، فعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه جماعة فأخبروه أنهم لا يجدونه، فقال: الطائف، فجاؤوا الطائف فلم يجدوه، فأخبروه أنه يكون بأعلى مكة في شعب أبي ذر قائما يصلي، فأتوا به إلى أبيه، فأنّبه وبكّته وضربه بمقرعة/ في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، وزعمه أن للناس بعد موتهم دارا يدخلوتها فيخالدون فيها، فما أعجب هذا. وأخواته وأهله يشهدون، بل هم ردوه إلى أبيه، فقال خالد قد اتبعته وصدق والله محمد. وحاجّه ابنه، فغضب أبو أحيحه ونال من ابنه وشتمه، وقال: اذهب
يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت، قال: إن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت. فخرج خالد، فلقيه أبو سفيان صخر بن حرب فقال: قد فعلتها يا خالد، ما شكرت أباك، ولقد هدمت شرفك الذي ينالك، فقال خالد: بل عمرت ذلك الشرف، قال أنت غلام حدث، لو بسط عليك العذاب لأقصرت،
وصار خالد إلى رسول الله ﷺ، فكان يلزمه، وجعل من لقيه من فوقه يؤنبونه، ويستقصرون فعل أبيه وتركه له، وأنه قد كان ينبغي له أن يبسط عليه المكروه ويواليه عليه. فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا أحيحة، ما أدري أضعفت أم ضجّعت الرأي أو أدركتك المأقة «١»، قال: وما ذاك، قال: تركت ابنك يتبع محمدا أو أنت سيد قريش وكبيرها والمطاع فيها، فيتجرأ علينا شبابنا ويقولون: هذا ولد أبي أحيحه قد أسلم ولم يصنع به شيئا، فقال لا ما ضعفت، إني لأقوى قريش نفسا وأكثرها عددا ومالا. وأما قولك: ضجعّت الرأي، فما الرأي عندك في أمره، قال حبسه والتضييق، فقال: والله ضربته حتى كسرت العصا على رأسه، وحرمته القوت، فهذا أشد الأمور عليه، فلم أره حفل بواحدة منها. وأما قولك: المأقه، لقد غاظني أمر محمد أنه أوسطنا نسبا، وأنه نشأ فينا/ كأحسن ما نشأ به أحد من الشباب من حسن الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق، فجاء بدين محدث، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وأذهب بهاءنا واجترأ علينا. وأخرى إن صدقني ظني- وهو صادق- أنه خارج إلى قوم يقوي بهم ثم يدخل بهم عليكم. قال أبو جهل: لا تقل هذا، فما الفرج لنا إلا في اخراجه وتحويله عن ديارنا، فإنه إن خرج عادت إلفتنا، وعدنا لديننا
_________
(١) جاء في اللسان: ضجع في أمره واضجع وأضجع: وهن، والضجوع: الضعيف الرأي والمأقة: الأنفة وشدة الغضب والحمية، ونكث العهد من الأنفة.
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون"
#39 Chapter 39 — وباب آخر حول الآية الكريمة"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" وكيف ورثها أصحاب الرسول ﷺ · ref. #39
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده وهو يقول: تغيّر أبو أحيحة، ما هو إلا الكبر، ما اجترىء عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض الحبشة.
وإنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم وأولادهم ومهجهم إذا اسلموا، وشدة الرؤوساء منهم على من لم يبالغ في ذلك، فأمّا ما صنعوا بأبي بكر مع حلمه ونبله وسعة جاهه وكثرة خلّانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة طبقة، فأعظم من كل عظيم.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» وكيف ورثها أصحاب الرسول ﷺ]
وهو قوله ﷿: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «١» . فورثها أصحاب محمد ﷺ كما قال وكما أخبر، وفيه مع كونه دلالة على نبوة محمد ﷺ لما في الكتب التي أنزلها الله عليهم، ان النبيّ الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم، القائم من فاران، هو أعز وأعلى وأقهر من جميع النبوات، وأن أتباعه الصالحين يرثون الأرض ويحيون الحق ويميتون الباطل ويذلون الجبابرة كما هو مذكور في الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء، وقد ذكره من أسلم، مثل عبد الله بن سلام ومن يليه طبقة طبقة، وللعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن المنجم/ المعروف بالنديم، ومثل أبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي الكاتب، ومثل أبي بكر الزهيري الكاتب، ومثل ابن قتيبه، وغيرهم، فإنهم ذكروا تلك المواضع من تلك
_________
(١) الأنبياء ١٠٥
الكتب، وما فيها من البشارات والإشارات، فإن أردتها وجدتها، وإن كان فمعك ما يغنيك عنها «١» .
وفي هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وأتباعهم وشيعهم، فإن الله قد شهد لهم بالصلاح وهم ورثوا الأرض. فإن قيل فقد ورثها بعضهم ممن «٢» ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة والروم وأشباههم، ومن يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم ولم يؤثر في هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، ولا تخرج من أيدي الصالحين.
ومثله قال موسى لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» «٣»، ومثله قوله: «أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» «٤»، وقد خرجت من أيدي بني إسرائيل وملكها بخت نصرّ وملوك الروم وأمثالهم من الكفرة، وهذا غير مشكل.
وقوله في آخر الآية: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٥» يزيدك علما بأن المراد، أن الوارثين «٦» للأرض هم أهل دينه والقائمون بشريعته،
_________
(١) أحمد بن يحيى المنجم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ أديب وشاعر ومتكلم وفقيه. معجم الأدباءه: ١٤٦ ومحمد بن زيد الواسطي المتوفى سنة ٣٠٦ هـ متكلم معتزلي. الفهرست ١: ١٧٢. وأظنه يقصد ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري. المتوفى سنة ٢٧٦ هـ.
(٢) في الاصل: من
(٣) الأعراف ١٢٨
(٤) الأعراف ١٣٧
(٥) الأنبياء ١٠٧
(٦) كتب في هامش الأصل: الوارث، الصواب: الوارثين.
وهذا خبر وبشرى ووعد، وإخبار الله لا يكذب، ووعده لا خلف له.
فشهد ﷿ لمن قدّمنا بالصلاح، وعند الإمامية وطبقات الرافضة أن أبا بكر وعمر وعثمان والبدريين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم وأعانوهم على وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم وغلبوا ملوك الفرس والروم والترك وغيرهم من أمم الشرك كانوا اكفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين/ وأنهم غيروا القرآن، وعطّلوا النصوص، وبدلوا الشريعة من الطهارة والأذان والصلاة والمواقيت والصوم والمواريث والنكاح والطلاق، ورفعوا ما كان ووضعوا ما لم يكن، وشهادة الله لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم.
وأنت وإن كنت قد عرفك الله بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا بالسمع، فقد أتاك الله به في غير موضع من القرآن ومن غير القرآن. وفي قوله ﷿: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» دلالة أيضا على طهارتهم وعمق إيمانهم وبراءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، وأخذوا الممالك والأمصار ممن قبلهم، والذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، وبأمرهم سفكوا الدماء، وبقولهم أخذوا وأعطوا، فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول الله ﷺ على الدين كله، بل كان ما ذهب اليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، ودين رسول الله ﷺ الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي يقول الإمامية أنه الحجة وأن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته بزعمهم الخوف عن النطق بالحق والدعاء إلى دين النبي، وألجأه إلى تصديق الكاذبين وتكذيب الصادقين، وموالاة المشركين. والذي قرّره هؤلاء الصحابة من الدين والشريعة والقرآن هو الظاهر على الأديان، القائم به الحجة إلى الآن.
_________
(١) التوبة ٣٣، الفتح ٢٢٨ الصف ٩
فإذا قد أخلف هذا الوعد من قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ»، فاعلم ذلك ففيه أتم كفاية.
وهم يقولون: ما ظهر بعد، وإنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. وجواب هذا: السكوت عنه والتعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة.
وقد علم المتأمل كذب من ادّعى أن دين رسول الله ﷺ كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ذليلا ميتا قد أطفىء نوره وقلعت أصوله. / وقد علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام، وهدمت بيوت النيران وتعطل «١» النوروز والمهرجان وعيد السلامة وعيد الصليب، وتمزق التقويم «٢» وكسر الاصطرلاب، ولما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقّنّا أن هذا هو المراد من دين الإسلام وهو معنى ظهوره.
ومن عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، وهم من عداوة النبي ﷺ والطعن عليه وإخراج الناس من دينه بكل حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحلّ أمره وبطل دينه، وأوردوا ما قد ظهر من تعطيل الحدود وأخذ المكوس وارتكاب المحرمات وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقولون: انظروا إلى وجوه قريش واعتصامهم بالتقويم والاسطرلاب، ورجوعهم إلى أرباب هذه المقالات، وتدبرهم بهم دون الاستخارة بالقرآن والرجوع إلى وصايا نبيهم، وغير ذلك مما قد ارتكبه الملوك والخاصة. ولو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني وذكر القرشيين الذين
_________
(١) في الأصل: تعطيل
(٢) في الأصل: تمزيق
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" وكيف ورثها أصحاب الرسول ﷺ
#40 Chapter 40 — وباب آخر حول الآية الكريمة"وأنذر عشيرتك الأقربين" · ref. #40
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text Aqeedah
قد سلكوا هذه السبيل والأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى وأبين، ولكنا لا نقدر على ذلك من الخوف، والله المستعان.

وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»]
من آياته، لما أنزلت: «وأنذر عشيرتك الأقربين»، فجمعهم وقام فيهم وخطبهم ودعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، وذكر لهم مالهم في ذلك من نعيم الجنة إن أجابوا، وما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، وأن الله يبعث عليهم جندا من جنوده يجاهدونهم مع رسوله ونصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل «١» العقاب، فغضبوا ونفروا ومشوا إلى أبي طالب يشكون ويتوعدون، وأنهم أكثر جندا. وقد ذكر الله ذلك في قوله حاكيا عنهم:
«أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا» «٢» إلى قوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ»، وهذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال، فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، وعلى أيّ وجه أورده على قلوبهم وأثارهم وغاظهم وأوجعهم، فإنها حال كان فيها في قبضتهم وأسيرا في أيديهم، وهم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، ولا ينامون على وتر، ولا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر الله أيديهم عنه، ويقيه كيدهم وشرهم، وتلك حالهم، فاحفظ هذا وأمثاله.
واعلم أن أعداء رسول الله ﷺ اجتمعوا وجمعوا كيدهم وقرؤوا كتابه، فزعموا أنه ﷺ في ابتداء أمره وهو مقيم بمكة ما خالف قومه
_________
(١) في الأصل: من أجل، ولعل الصواب ما أثبتناه
(٢) سورة ص ٥
ولا أغضبهم ولا أغاظهم، بل كان مصوّبا ومقاربا لهم، ألا ترون أنه قال لهم: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «١» وأنه قال لهم: (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) «٢» . قالوا: وإنما توعد بالحرب وزال عن هذا حين صار بالمدينة وفي جماعة. وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوى اليهودي، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبّروا وكادوا المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا وأمثاله كتاب الدامغ «٣» .
وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به، أنه ﷺ حين ادّعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، وأكفر كلّ من خالفه، وادّعى أنه يظهر ويغلب، وأنه يصير في جماعات وعساكر، وأنه يقتل أعداءه ومخالفيه ويذلهم، وأن العقبى تكون له. ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى.
فمما نزل بمكة من ذلك، قوله: «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» «٤»، وقوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٥»، وقوله: «وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا» «٦»،
_________
(١) سبأ ٢٤
(٢) القصص ٥٥
(٣) كتب في هامش الأصل: كتاب الراوندي، وقد سبق أن عرفنا به. انظر ١: ٥١ من الكتاب.
(٤) القمر ٤٤
(٥) ص ١١
(٦) يونس ٦٥
أي تغلب ولا/ تغلب، وقوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» «١» إلى قوله: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»، فإنهم قد كانوا بمكة يقاتلون أشد القتال، وكانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون ويداسون ويحبسون ويجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيّما حين أسلم عمر، فإنهم عزوا به ونهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. وأمثال هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير.
ثم في قوله: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إكذاب لهم وتضليل لهم، وهو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له ولينظر فيما معه إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل وأحدنا ضال هالك، لا يشك عاقل أن هذا تعريض بخصمه.
وكذا قوله: «لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ» هو في هذا القول أشد ما كان في في إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله ﷿: «فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» «٢» إلى قوله: «وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» إلى ما بعد ذلك، وإنما هو كقول الرجل لخصمه إذا ظهرت حجته واتضح قوله وبان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا كلام، وما بعد هذا مقال، وما بيننا حجة. وما يحتاج إلى شاهد ولا دليل.
فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول الله ﷺ بمثل هذا بعد أن جمعوا كيدهم واستفرغوا وسعهم، ولكنهم لشدة إفلاسهم وقلة حيلتهم وخيبة
_________
(١) الحج ٣٩
(٢) الشورى ١٥
Translation
وباب آخر حول الآية الكريمة"وأنذر عشيرتك الأقربين"

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound