Back to the aqeedah library
85 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa تثبيت دلائل النبو
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Abd al-Jabbar (القاضي عبد الجبار
85
Total sections
85 chapters
#61
Chapter 61 — وباب آخر في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات
· ref. #61
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
ترون يجري الله ذبحهم بأيديكم عاجلا، فقال عثمان وهو يذاكر الصحابة بهذه القصة: فو الله لأجرى الله ذبحهم على أيدينا يوم بدر.
وقال بعض العرب: وقد كان مع عدو رسول الله ﷺ في وقعة حنين: إن محمدا لما أخذ كفا من الأرض ورمانا به وقال شاهت الوجوه، وجدنا في قلوبنا الرعب.
ولسنا نقول: إن الله كان يمنع منه ﷺ في كل وقت ويرعب عدوه منه في جميع الحالات، بل قد ضربوه وسحبوه وخنقوه ووضعوا التراب على رأسه والسّلا والفرث وأخافوه، ولكن بيّنا أن الرعب قد وقع كما قال الله وقامت به الحجة وانتقضت به العادة، فليس يقدح في ذلك أن لا يكون في كل وقت، كما أن العادة انتقضت بقتال الملائكة يوم بدر، فليس يقدح في ذلك ألا يكونوا قاتلوا يوم أحد.
وباب آخر [في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات]
في الدلالة على نبوته، أن بني النضير من اليهود غدروا به بعد مهادنة كانت بينه وبينهم، فأرسل اليهم بعد أن سار اليهم ونزل عليهم: أنكم غدرتم بي ونقضتم الصلح الذي كان بيني وبينكم، ومع هذا يصعد عمرو بن جحاش ليطرح عليّ صخرة ليقتلني حتى أطلعني الله على ذلك، / فاخرجوا من حواريّ. فأرسل اليهم عبد الله بن أبي بن سلول بغير واحد من أصحابه يشجعهم ويقول لهم: لا تخرجوا من دياركم فأنا معكم ومن ورائكم، فإن قاتلكم محمد قاتلنا معكم ونصرناكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطلع الله نبيّه على ذلك، فقال ﷿: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» «١» .
فتلا رسول الله ﷺ هذه على الناس وأخبرهم بما كان من المنافقين وبما أسرّوه إلى اليهود ونادى بفضحهم، ثم أخرج بني النضير من ديارهم وأجلاهم فلم يخرج معهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه كما ضمن لهم وقد قاتلهم النبيّ ﷺ فما نصروهم.
فتأمل كيف أخبر بما أسرّوا وبما تراسلوا وبما قد كان من كيدهم ومحالا يكون إن لو كان كيف كان يكون، ثم كان جميع ذلك كما أخبر وكما فصل، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون لاحد من المتخرصين، إلا لنبيّ صادق من الله.
ولقد ركب ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من مرض أصابه على حمار عليه أكاف فوقه قطيفة فدكيّة مختطمة بحبل من ليف، وأردف أسامة بن زيد ابن حارثة، فمر ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل مزاحم أطمه وحوله خلق كثير من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين، وكان فيهم من المسلمين عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير وبشير بن سعد فتذمم رسول الله ﷺ من أن يتجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فقرأ القرآن، / ودعا إلى الله ﷿، وذكّر به، وحذّر وبشّر وأنذر، وعبد الله زامّ لا يتكلم حتى فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، فقال
_________
(١) الحشر ١١- ١٢
ابن أبي سلول: يا هذا ما أحسن ما تقول إن كان حقا، فلو أنك جلست في بيتك فمن أتاك حدثته ولم تعرضه على من لا يريده، وشيع بعض اليهود كلامه، فأقبل سعد بن الربيع على اليهودي وقال: مالك ولهذا لا أم لك، كف عن هذا المنطق، فقال ابن أبي سلول: وما قال؟ يذهب محمد إلى من أخرجه من بلاده ومولده فأما من لم يخرجه فلا يغشاه، وقال زيد بن اللضيب معينا لعبد الله: انظر يا محمد إلى الذين جاؤك فأخرجوك من بلادك فاتهم واترك من لم يدعك. وخاض المسلمون الذين كانوا في المجلس، وناظروا ووعظوا عبد الله مع إكرامهم له وهيبتهم له، إلى أن قال عبد الله بن رواحة: بل اغشنا بهذا في منازلنا ورحالنا فإنا نحب ذلك. فاغتاظ ابن أبي بن سلول مما كان وقال في ذلك:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذل ويعلوك الذين تضارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن قص يوما ريشه فهو واقع
ثم قام رسول الله ﷺ وركب حتى أتى سعد بن عبادة وذكر له ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول فقال له سعد: يا رسول الله، والذي أكرمك بالنبوة لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، أنشدكم الله أتعلمون ذلك، قال القوم: نعم، فما يرى إلا أنك نزعت شيئا في يديه، قال سعد:
والله ليرى أنك نزعت ملكه، لقد جئت. وإنا لنجمع الخرز لنعقد على رأسه التاج، وأنت أحق من عفا عنه لأنه خالك» .
فتأمل ما في هذا وانظر كيف يتكلم كل أحد بما عنده غير خائف ولا هائب، / وانظر إلى عبد الله وتلك الجماعة من قومه، واليهود الذين قد زينوا عداوته لرسول الله ﷺ. وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى دينه واحتج عليهم وتلا القرآن، فما أتوا بشيء يقدح فيما تلاه واحتج به، ولا قالوا هذا كلام
_________
(١) انظر لتفصيل هذه الحادثة سيرة ابن هشام ٢: ٥٨٧، ولحادثة مربع بن قيظى نفس المرجع ٢: ٥٢٣
يقدر على مثله، ولا أتوا بشيء أكثر من قولهم له: ما نريد أن تتلوه علينا ولا تدعونا اليه.
وهذا عبد الله بن أبيّ عربي فصيح ومفكر داهية وملك من الملوك وكذلك من معه فصحاء بلغاء وأعداء، لتعلم وضوح هذا الأمر ويأس الأعداء من قدح فيه، واعرف هذه المجالس والمواطن والمقامات.
ولقد قال له مربع بن قيظيّ من بني حارثة بن الحارث حين اجتاز رسول الله ﷺ عليه في حائطه ومعه أصحابه عامدا إلى أحد، لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم، فقال لهم رسول الله ﷺ: دعوه فهذا أعمى القلب.
وكم كان القوم يقولون للأنصار جئتم بغريب وغرباء فقراء وعاديتم الأمم وطمعتم في الجنة، جنة لعمري من حرمل، وطمعتم في الحياة بعد الموت، وهيهات لما توعدون. وترد الأجوبة عن ذلك مما هو في القرآن من أنه إن لم يكن ها هنا إعادة ومجازاة فخلق العباد لهو ولعب كقوله: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» «١» وقوله: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ.
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» «٢» .
أي ليس هذا الأثر/ وهذا الفعل فعل من يجوز أن يكون منه لعب أو لهو أو عبث أو ظلم أو جور. ثم بيّن اقتداره على الاعادة مما هو مذكور في سورة
_________
(١) المؤمنون ١١٥
(٢) الأنبياء ١٨
بني إسرائيل، وفي سورة يونس، وفي سورة الروم، وفي سورة الواقعة، إلى أن قال رسول الله ﷺ: يا عجبا كل العجب للشاكّ في قدرة الله وهو يرى خلقه، ويا عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، ويا عجبا كل العجب للمكذب بنشور الموت وهو يموت كل يوم وليلة ويحيا.
ويا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، ويا عجبا كل العجب للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة وهو يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به، إلى غير ذلك مما كان يذكره ﷺ ويذكره أصحابه ﵏ مما أصله في القرآن، ولم تكن العناية تشتد به استغناء بالقرآن ولأنه تنبيه على ما وضعه الله في العقول فهو متحل بمن نظر ثم فكر واعتبر.
وقد كان لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين أظهر الإسلام مقام يقومه كل جمعة، إذا جلس رسول الله ﷺ ليخطب الناس فيقوم عبد الله ويقول: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم كرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا، ويجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يوم الجمعة يفعل ما كان يفعل، فأخذ الأنصار بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أسدد أمره فوثب علي أصحابي يحذبونني ويعنفونني كأنني قلت/ هجرا، قالوا: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي، فاجتمع اليه قومه ممن على رأيه وفي نفاقه، واليهود يتوجعون له ويقعون في رسول الله ﷺ والمسلمين، ويدبرون الرأي ويعملون الحيل في شيء يصنعونه بالأنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة.
ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله ﷺ، والتعرف لأخباره،
والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر منهم ذلك تقدم رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد، فقام الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا، وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله ﷺ، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة، فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا.
وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله ﷺ كان يداهن أصحابه واتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم/ وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون.
ثم انظر إلى اليهود: منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد ابن حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء بني قينقاع إلى بني النضير ورؤسائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني
قريظة ومن رؤسائهم، كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. فهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ بالمدينة وحول المدينة وإلى من يحبذون «١» رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله ﷺ وهو بمكّة وما ادّعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم سيّما على أحبارهم ورؤسائهم، فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن أتباعه وتصديقه.
وكانت قريش تشكوهم إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله ﷺ وما ينفر الناس عنه وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم، ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم/، فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. فلما نزل رسول الله ﷺ لمدينة وجاورهم وصار معهم، كانت عداوتهم أشد، وشغلهم به ﷺ وبالمسلمين والدخول بينه وبين الأوس والخزرج والنهي عن اتّباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحدّ من
_________
(١) في الأصل، يحبذو
سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول.
فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادى القرى خلق كثير يمدون هؤلاء الذين بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب، فتأمل هذا فكم فيه من نور وهدى.
ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله ﷺ يتراجعون أمره فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل النكث ونقض عهد رسول الله ﷺ، حين قال عمرو بن سعد للزبير بن باطا: «١» أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فو الله انكم لتعلمون أنه نبيّ قد بشّر به علماؤنا، منهم. ابن الهيبار، وأبو عمير بن حواش ممن قدم الينا من علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه «٢»، وأمرانا باتباعه وأن نقرئه/ منهما السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم منهم أحد. فأعادوا الكلام، فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي أنزلت على موسى.
وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟
أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبيّ قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره،
_________
(١) هو الزبير بن باطا بن وهب، يهودي عدو للإسلام، انظر سيرة ابن هشام ٢: ٥١٥
(٢) جاء في لسان العرب مادة وكف: توكف الأثر تتبعه، والتوكف التوقع والانتظار، وفي حديث ابن عمير: أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي ينتظرونها ويسألون عنها. يقال: هو يتوكف الخبر، أي يتوقعه.
فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقوا اليه فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة إنه للعزّ والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حييّ بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار الينا وتحصّنّا في حصوننا هذه التي هي قد خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب:
ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا الاسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، / لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله ﷺ وأسلموا.
فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله ﷺ من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة اليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصّى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل مما يدعيه اليهود، والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة
إلى ما قد ذكرنا وبيّنّا.
وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص ابن سعيد، والحكم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث ابن قيس بن عديّ السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه، وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، مسلمة، والحارث ابني هشام، وأمثالهم، تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه، ويخنقونه، ويطرحون/ التراب الفرث على رأسه، ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: يا بني عبد مناف، أي وجوار هذا.
وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول:
أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ليصدوهم عن رسول الله ﷺ؛ فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إليّ صدّقتكم. وهؤلاء
الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة، شيبة، وابو جهل والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أميّة، وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبّه بن الحجاج، وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة ابن الأسود.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله ﷺ قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى صلة الرحم، ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن وأولئك يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس فلا يأمن فيه رسول الله ﷺ ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله ويقولون هذا مع كونهم مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء/ يخافون أن يتخطفهم الناس.
فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه ﷺ أنه غدر أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذّب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا قول أصحاب رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن وخير.
فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصرّ على ذلك، لتعلم حقائق الأمور، فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا
إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله.
وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب وأهل الارض يد واحدة في عداوته وعداوة أتباعه، فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا نفاقا وأنهم كانوا منافقين فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن يأخذ ظنّا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبيّ المسلمين كان ينافق قريشا والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وأنّ السحرة قد نافقوا فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى/ وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» «١» و«فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» «٢»
والأعجب من هذا، أنه ﷺ قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم، وحرّم سوء الظن بهم إلا أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان.
هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح
_________
(١) طه ٧١
(٢) طه ٧١- ٧٢
المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به، وهذا كله خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين غرّهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله ﷺ من أهل جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله:
«وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» .
وقد خرج ﷺ إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم/ عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في ردّه شيء إلا أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم.
فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع.
ومن هذا الجنس، لما أمر الله ﷿ رسوله بعرض نفسه على القبائل وهو أمر معروف، وقد ذكره الناس وتحدثوا به، وممن كان يتحدث به عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ بعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس «٢» من مجالس العرب
_________
(١) فاطر ١٠
(٢) في الأصل مجالس، ولعل الصواب ما أثبتناه
فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسّابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟
ثم ذكر عليّ ﵁ ما كان بينهم وبين أبي بكر قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟
قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته «١»، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف/ العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهل ولكل قوم جلّ؟ قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين «٢» نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلام على اللقاح، والنصر من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق:
قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر يظلّه بثوب. فقال ﵇: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،
_________
(١) لعل هنا سقطا تقديره: موضع، فتكون العبارة: موضع تربيته.
(٢) في الأصل: لحين
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» «١»
قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» «٢» فقال مفروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه/ أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال مفروق: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال:
وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فهو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ ما هاتان الضربتان فقال: أنهار
_________
(١) الانعام ١٥١
(٢) النحل ٩٠
كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإنّا نرى يا قرشيّ أن هذا الأمر الذي تدعو أنت اليه مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالحق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية- أو أية أخلاق شكّ الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال علي ﵁/: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ وكانوا صدقاء صبراء وأنفذ رسول الله ﷺ معهم بعد أن تردد اليه منهم قوم بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير ﵁ لتلاوة القرآن والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الاسلام على هذه القبائل ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم الإسلام وكانوا كثيرا والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه.
ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو المائة من كبار المهاجرين، واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجرى
عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو ابن العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن تكلموا النجاشي، ثم قدّموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا/ غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردّهم اليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك «١»، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي:
_________
(١) ضوى: لجأ
لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم «١» جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم اليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل اليهم فدعاهم اليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبيّنا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه؛ فلما بصر بهم من حول الملك قالوا لهم:
اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما سجدوا «٢» فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم/ فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال
_________
(١) أكاد، من الكيد، وقوم على هذا الأساس منصوبة لأنها مفعول به
(٢) زبره: نهره وغلظ له بالقول اللسان، مادة زبر
له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحلّ علينا. فعدا علينا قومنا فعدبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر:
نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا من عند الله انطلقوا فو الله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: والله لأبيّتنه غدا/ بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل اليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك المسلمين ولم ينزل بهم مثلها. فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا:
نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا ﵇ كائن في ذلك ما هو كائن فقال: فأرسل اليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أميّة الضمري بكتابه إلى النجاشيّ يدعوه إلى الإسلام ويقول له: عندك أصحابي فأجرهم وقرّبهم ولا تتجبّر عليهم، وأرسل إلى المسلمين
بما أنزله الله عليه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» فلما سمع النجاشيّ ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود، فتأخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سّيّوم بأرضي ما أحب أني آذيت رجلا منكم بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمّهم وساءهم، وخرج عمرو وصاحبه من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم، وأجاب/ رسول الله ﷺ عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى رسول الله ﷺ مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي ﵇ فغرق في البحر قبل أن يصل اليه، وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من إسلامه.
والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سبّ رسول الله ﷺ والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي.
فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة، أو زلة. وقد كان رسول الله ﷺ هاجر وكان له مع قريش واليهود والنصارى تلك الوقائع والمشاهد وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده، فانظر هل كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله ﷺ أو يحتج به على المسلمين وقد استفرغ.
ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراونديّ والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش
وقال بعض العرب: وقد كان مع عدو رسول الله ﷺ في وقعة حنين: إن محمدا لما أخذ كفا من الأرض ورمانا به وقال شاهت الوجوه، وجدنا في قلوبنا الرعب.
ولسنا نقول: إن الله كان يمنع منه ﷺ في كل وقت ويرعب عدوه منه في جميع الحالات، بل قد ضربوه وسحبوه وخنقوه ووضعوا التراب على رأسه والسّلا والفرث وأخافوه، ولكن بيّنا أن الرعب قد وقع كما قال الله وقامت به الحجة وانتقضت به العادة، فليس يقدح في ذلك أن لا يكون في كل وقت، كما أن العادة انتقضت بقتال الملائكة يوم بدر، فليس يقدح في ذلك ألا يكونوا قاتلوا يوم أحد.
وباب آخر [في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات]
في الدلالة على نبوته، أن بني النضير من اليهود غدروا به بعد مهادنة كانت بينه وبينهم، فأرسل اليهم بعد أن سار اليهم ونزل عليهم: أنكم غدرتم بي ونقضتم الصلح الذي كان بيني وبينكم، ومع هذا يصعد عمرو بن جحاش ليطرح عليّ صخرة ليقتلني حتى أطلعني الله على ذلك، / فاخرجوا من حواريّ. فأرسل اليهم عبد الله بن أبي بن سلول بغير واحد من أصحابه يشجعهم ويقول لهم: لا تخرجوا من دياركم فأنا معكم ومن ورائكم، فإن قاتلكم محمد قاتلنا معكم ونصرناكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطلع الله نبيّه على ذلك، فقال ﷿: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» «١» .
فتلا رسول الله ﷺ هذه على الناس وأخبرهم بما كان من المنافقين وبما أسرّوه إلى اليهود ونادى بفضحهم، ثم أخرج بني النضير من ديارهم وأجلاهم فلم يخرج معهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه كما ضمن لهم وقد قاتلهم النبيّ ﷺ فما نصروهم.
فتأمل كيف أخبر بما أسرّوا وبما تراسلوا وبما قد كان من كيدهم ومحالا يكون إن لو كان كيف كان يكون، ثم كان جميع ذلك كما أخبر وكما فصل، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون لاحد من المتخرصين، إلا لنبيّ صادق من الله.
ولقد ركب ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من مرض أصابه على حمار عليه أكاف فوقه قطيفة فدكيّة مختطمة بحبل من ليف، وأردف أسامة بن زيد ابن حارثة، فمر ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل مزاحم أطمه وحوله خلق كثير من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين، وكان فيهم من المسلمين عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير وبشير بن سعد فتذمم رسول الله ﷺ من أن يتجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فقرأ القرآن، / ودعا إلى الله ﷿، وذكّر به، وحذّر وبشّر وأنذر، وعبد الله زامّ لا يتكلم حتى فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، فقال
_________
(١) الحشر ١١- ١٢
ابن أبي سلول: يا هذا ما أحسن ما تقول إن كان حقا، فلو أنك جلست في بيتك فمن أتاك حدثته ولم تعرضه على من لا يريده، وشيع بعض اليهود كلامه، فأقبل سعد بن الربيع على اليهودي وقال: مالك ولهذا لا أم لك، كف عن هذا المنطق، فقال ابن أبي سلول: وما قال؟ يذهب محمد إلى من أخرجه من بلاده ومولده فأما من لم يخرجه فلا يغشاه، وقال زيد بن اللضيب معينا لعبد الله: انظر يا محمد إلى الذين جاؤك فأخرجوك من بلادك فاتهم واترك من لم يدعك. وخاض المسلمون الذين كانوا في المجلس، وناظروا ووعظوا عبد الله مع إكرامهم له وهيبتهم له، إلى أن قال عبد الله بن رواحة: بل اغشنا بهذا في منازلنا ورحالنا فإنا نحب ذلك. فاغتاظ ابن أبي بن سلول مما كان وقال في ذلك:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذل ويعلوك الذين تضارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن قص يوما ريشه فهو واقع
ثم قام رسول الله ﷺ وركب حتى أتى سعد بن عبادة وذكر له ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول فقال له سعد: يا رسول الله، والذي أكرمك بالنبوة لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، أنشدكم الله أتعلمون ذلك، قال القوم: نعم، فما يرى إلا أنك نزعت شيئا في يديه، قال سعد:
والله ليرى أنك نزعت ملكه، لقد جئت. وإنا لنجمع الخرز لنعقد على رأسه التاج، وأنت أحق من عفا عنه لأنه خالك» .
فتأمل ما في هذا وانظر كيف يتكلم كل أحد بما عنده غير خائف ولا هائب، / وانظر إلى عبد الله وتلك الجماعة من قومه، واليهود الذين قد زينوا عداوته لرسول الله ﷺ. وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى دينه واحتج عليهم وتلا القرآن، فما أتوا بشيء يقدح فيما تلاه واحتج به، ولا قالوا هذا كلام
_________
(١) انظر لتفصيل هذه الحادثة سيرة ابن هشام ٢: ٥٨٧، ولحادثة مربع بن قيظى نفس المرجع ٢: ٥٢٣
يقدر على مثله، ولا أتوا بشيء أكثر من قولهم له: ما نريد أن تتلوه علينا ولا تدعونا اليه.
وهذا عبد الله بن أبيّ عربي فصيح ومفكر داهية وملك من الملوك وكذلك من معه فصحاء بلغاء وأعداء، لتعلم وضوح هذا الأمر ويأس الأعداء من قدح فيه، واعرف هذه المجالس والمواطن والمقامات.
ولقد قال له مربع بن قيظيّ من بني حارثة بن الحارث حين اجتاز رسول الله ﷺ عليه في حائطه ومعه أصحابه عامدا إلى أحد، لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم، فقال لهم رسول الله ﷺ: دعوه فهذا أعمى القلب.
وكم كان القوم يقولون للأنصار جئتم بغريب وغرباء فقراء وعاديتم الأمم وطمعتم في الجنة، جنة لعمري من حرمل، وطمعتم في الحياة بعد الموت، وهيهات لما توعدون. وترد الأجوبة عن ذلك مما هو في القرآن من أنه إن لم يكن ها هنا إعادة ومجازاة فخلق العباد لهو ولعب كقوله: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» «١» وقوله: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ.
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» «٢» .
أي ليس هذا الأثر/ وهذا الفعل فعل من يجوز أن يكون منه لعب أو لهو أو عبث أو ظلم أو جور. ثم بيّن اقتداره على الاعادة مما هو مذكور في سورة
_________
(١) المؤمنون ١١٥
(٢) الأنبياء ١٨
بني إسرائيل، وفي سورة يونس، وفي سورة الروم، وفي سورة الواقعة، إلى أن قال رسول الله ﷺ: يا عجبا كل العجب للشاكّ في قدرة الله وهو يرى خلقه، ويا عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، ويا عجبا كل العجب للمكذب بنشور الموت وهو يموت كل يوم وليلة ويحيا.
ويا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، ويا عجبا كل العجب للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة وهو يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به، إلى غير ذلك مما كان يذكره ﷺ ويذكره أصحابه ﵏ مما أصله في القرآن، ولم تكن العناية تشتد به استغناء بالقرآن ولأنه تنبيه على ما وضعه الله في العقول فهو متحل بمن نظر ثم فكر واعتبر.
وقد كان لعبد الله بن أبيّ بن سلول حين أظهر الإسلام مقام يقومه كل جمعة، إذا جلس رسول الله ﷺ ليخطب الناس فيقوم عبد الله ويقول: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم كرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا، ويجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يوم الجمعة يفعل ما كان يفعل، فأخذ الأنصار بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أسدد أمره فوثب علي أصحابي يحذبونني ويعنفونني كأنني قلت/ هجرا، قالوا: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي، فاجتمع اليه قومه ممن على رأيه وفي نفاقه، واليهود يتوجعون له ويقعون في رسول الله ﷺ والمسلمين، ويدبرون الرأي ويعملون الحيل في شيء يصنعونه بالأنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة.
ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله ﷺ، والتعرف لأخباره،
والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر منهم ذلك تقدم رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد، فقام الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا، وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله ﷺ، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة، فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا.
وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله ﷺ كان يداهن أصحابه واتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم/ وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون.
ثم انظر إلى اليهود: منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد ابن حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء بني قينقاع إلى بني النضير ورؤسائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني
قريظة ومن رؤسائهم، كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. فهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ بالمدينة وحول المدينة وإلى من يحبذون «١» رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله ﷺ وهو بمكّة وما ادّعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم سيّما على أحبارهم ورؤسائهم، فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن أتباعه وتصديقه.
وكانت قريش تشكوهم إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله ﷺ وما ينفر الناس عنه وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم، ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم/، فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. فلما نزل رسول الله ﷺ لمدينة وجاورهم وصار معهم، كانت عداوتهم أشد، وشغلهم به ﷺ وبالمسلمين والدخول بينه وبين الأوس والخزرج والنهي عن اتّباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحدّ من
_________
(١) في الأصل، يحبذو
سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول.
فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادى القرى خلق كثير يمدون هؤلاء الذين بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب، فتأمل هذا فكم فيه من نور وهدى.
ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله ﷺ يتراجعون أمره فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل النكث ونقض عهد رسول الله ﷺ، حين قال عمرو بن سعد للزبير بن باطا: «١» أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فو الله انكم لتعلمون أنه نبيّ قد بشّر به علماؤنا، منهم. ابن الهيبار، وأبو عمير بن حواش ممن قدم الينا من علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه «٢»، وأمرانا باتباعه وأن نقرئه/ منهما السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم منهم أحد. فأعادوا الكلام، فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي أنزلت على موسى.
وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟
أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبيّ قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره،
_________
(١) هو الزبير بن باطا بن وهب، يهودي عدو للإسلام، انظر سيرة ابن هشام ٢: ٥١٥
(٢) جاء في لسان العرب مادة وكف: توكف الأثر تتبعه، والتوكف التوقع والانتظار، وفي حديث ابن عمير: أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي ينتظرونها ويسألون عنها. يقال: هو يتوكف الخبر، أي يتوقعه.
فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقوا اليه فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة إنه للعزّ والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حييّ بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار الينا وتحصّنّا في حصوننا هذه التي هي قد خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب:
ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا الاسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، / لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله ﷺ وأسلموا.
فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله ﷺ من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة اليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصّى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل مما يدعيه اليهود، والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة
إلى ما قد ذكرنا وبيّنّا.
وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص ابن سعيد، والحكم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث ابن قيس بن عديّ السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه، وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، مسلمة، والحارث ابني هشام، وأمثالهم، تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه، ويخنقونه، ويطرحون/ التراب الفرث على رأسه، ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: يا بني عبد مناف، أي وجوار هذا.
وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول:
أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ليصدوهم عن رسول الله ﷺ؛ فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إليّ صدّقتكم. وهؤلاء
الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة، شيبة، وابو جهل والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أميّة، وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبّه بن الحجاج، وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة ابن الأسود.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله ﷺ قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى صلة الرحم، ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن وأولئك يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس فلا يأمن فيه رسول الله ﷺ ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله ويقولون هذا مع كونهم مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء/ يخافون أن يتخطفهم الناس.
فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه ﷺ أنه غدر أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذّب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا قول أصحاب رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن وخير.
فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصرّ على ذلك، لتعلم حقائق الأمور، فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا
إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله.
وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب وأهل الارض يد واحدة في عداوته وعداوة أتباعه، فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا نفاقا وأنهم كانوا منافقين فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن يأخذ ظنّا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبيّ المسلمين كان ينافق قريشا والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وأنّ السحرة قد نافقوا فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى/ وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» «١» و«فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» «٢»
والأعجب من هذا، أنه ﷺ قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم، وحرّم سوء الظن بهم إلا أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان.
هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح
_________
(١) طه ٧١
(٢) طه ٧١- ٧٢
المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به، وهذا كله خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين غرّهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله ﷺ من أهل جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله:
«وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» .
وقد خرج ﷺ إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم/ عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في ردّه شيء إلا أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم.
فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع.
ومن هذا الجنس، لما أمر الله ﷿ رسوله بعرض نفسه على القبائل وهو أمر معروف، وقد ذكره الناس وتحدثوا به، وممن كان يتحدث به عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ بعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس «٢» من مجالس العرب
_________
(١) فاطر ١٠
(٢) في الأصل مجالس، ولعل الصواب ما أثبتناه
فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسّابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟
ثم ذكر عليّ ﵁ ما كان بينهم وبين أبي بكر قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟
قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته «١»، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف/ العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهل ولكل قوم جلّ؟ قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين «٢» نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلام على اللقاح، والنصر من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق:
قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر يظلّه بثوب. فقال ﵇: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،
_________
(١) لعل هنا سقطا تقديره: موضع، فتكون العبارة: موضع تربيته.
(٢) في الأصل: لحين
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» «١»
قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» «٢» فقال مفروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه/ أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال مفروق: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال:
وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فهو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ ما هاتان الضربتان فقال: أنهار
_________
(١) الانعام ١٥١
(٢) النحل ٩٠
كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإنّا نرى يا قرشيّ أن هذا الأمر الذي تدعو أنت اليه مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالحق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية- أو أية أخلاق شكّ الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال علي ﵁/: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ وكانوا صدقاء صبراء وأنفذ رسول الله ﷺ معهم بعد أن تردد اليه منهم قوم بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير ﵁ لتلاوة القرآن والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الاسلام على هذه القبائل ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم الإسلام وكانوا كثيرا والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه.
ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو المائة من كبار المهاجرين، واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجرى
عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو ابن العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن تكلموا النجاشي، ثم قدّموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا/ غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردّهم اليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك «١»، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي:
_________
(١) ضوى: لجأ
لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم «١» جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم اليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل اليهم فدعاهم اليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبيّنا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه؛ فلما بصر بهم من حول الملك قالوا لهم:
اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما سجدوا «٢» فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم/ فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال
_________
(١) أكاد، من الكيد، وقوم على هذا الأساس منصوبة لأنها مفعول به
(٢) زبره: نهره وغلظ له بالقول اللسان، مادة زبر
له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحلّ علينا. فعدا علينا قومنا فعدبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر:
نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا من عند الله انطلقوا فو الله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: والله لأبيّتنه غدا/ بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل اليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك المسلمين ولم ينزل بهم مثلها. فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا:
نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا ﵇ كائن في ذلك ما هو كائن فقال: فأرسل اليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أميّة الضمري بكتابه إلى النجاشيّ يدعوه إلى الإسلام ويقول له: عندك أصحابي فأجرهم وقرّبهم ولا تتجبّر عليهم، وأرسل إلى المسلمين
بما أنزله الله عليه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» فلما سمع النجاشيّ ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود، فتأخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سّيّوم بأرضي ما أحب أني آذيت رجلا منكم بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمّهم وساءهم، وخرج عمرو وصاحبه من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم، وأجاب/ رسول الله ﷺ عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى رسول الله ﷺ مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي ﵇ فغرق في البحر قبل أن يصل اليه، وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من إسلامه.
والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سبّ رسول الله ﷺ والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي.
فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة، أو زلة. وقد كان رسول الله ﷺ هاجر وكان له مع قريش واليهود والنصارى تلك الوقائع والمشاهد وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده، فانظر هل كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله ﷺ أو يحتج به على المسلمين وقد استفرغ.
ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراونديّ والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش
Translation
وباب آخر في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات
#62
Chapter 62 — وباب آخر كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها
· ref. #62
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
سبيلهم سبيله في عداوة رسول الله ﷺ والمسلمين، وكم له مع النجاشي من المراجعات في أمر عمرو بن أمية الضمري ليمكنه منه ليقتله فما مكنه، ثم عاد بعد ذلك إلى النجاشيّ بمدة طويلة وسفرة بعد سفرة، فوعظه النجاشي ودعاه إلى الإسلام ورغبه في الهجرة، وقد كان أخوه هشام بن العاص أفضل منه وأجل قدرا فأسلم وهاجر وجاهد في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته واستشهد رحمة الله عليه.
فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم رسول الله ﷺ من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما راموه من/ الطعن على رسول الله ﷺ.
وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله ﷺ ابنهم وهم ولدوه وهم ربّوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر.
وباب آخر [كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها]
أن معجزاته ﷺ والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة النبيّ ﵇ عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الاخبار بالغيوب، ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك النصوص على
الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها مجيئا واحدا. بيّن لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النصّ عن شهر رمضان، والنص على الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض العامة الوجوب، فاعرف ذلك.
وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادّعوا أن رسول الله ﷺ نصّ على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته واعتقاد ولايته وموالاته.
فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من الفروض العامة الواجبة، لأن قوله ﷺ: هذا إمامكم/ وهذا حجة الله عليكم بعدي يجري في شمول وجوبه مجرى نصّه على نبوته، وقوله: أنا رسول الله اليكم فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان، فإذا علمنا نصّه على القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى.
قالوا: فاجعلوا ما يدّعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف يقينكم فيه ويأسكم من صحته، وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدّعونه.
وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه ﷺ قد ادّعى النبوة وادّعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدّقه ولا من كذّبه،
فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم رسول الله ﷺ من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما راموه من/ الطعن على رسول الله ﷺ.
وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله ﷺ ابنهم وهم ولدوه وهم ربّوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر.
وباب آخر [كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها]
أن معجزاته ﷺ والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة النبيّ ﵇ عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الاخبار بالغيوب، ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك النصوص على
الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها مجيئا واحدا. بيّن لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النصّ عن شهر رمضان، والنص على الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض العامة الوجوب، فاعرف ذلك.
وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادّعوا أن رسول الله ﷺ نصّ على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته واعتقاد ولايته وموالاته.
فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من الفروض العامة الواجبة، لأن قوله ﷺ: هذا إمامكم/ وهذا حجة الله عليكم بعدي يجري في شمول وجوبه مجرى نصّه على نبوته، وقوله: أنا رسول الله اليكم فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان، فإذا علمنا نصّه على القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى.
قالوا: فاجعلوا ما يدّعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف يقينكم فيه ويأسكم من صحته، وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدّعونه.
وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه ﷺ قد ادّعى النبوة وادّعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدّقه ولا من كذّبه،
Translation
وباب آخر كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها
#63
Chapter 63 — وباب آخر كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات
· ref. #63
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
فوازن ذلك ونظيره أن يعلم كلّ من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ قد نص النصّ الذي تدّعونه، وهذا فليس بمعكم ولا لكم، فقد صار ما صرتم اليه من أمر هذه المعجزات عليكم لا لكم.
وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبيّ فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار أنه ﵇ قد ادّعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة عليه، وما تدّعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده مما تدعون.
وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده فيمن كثر سماعه واشتدت عنايته بمبعث رسول الله ﷺ وبمقامه بمكة وبهجرته إلى المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل، وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب، وأمثالهم من القدماء يدّعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري، وكذا أبو عمر/ الباهلي، وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادّعى في استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم الاضطرار، فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك.
وباب آخر [كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات]
كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك فارس.
وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله ﷺ
قد أمر دحية إلى أن يدفع كتابه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ملك الروم.
فلما قرىء على قيصر فيما يدعوه إلى الله وعبادته وحده، وأن لا يضن بملكه، وأن لا يتحمل آثام الروم مع إثمه.
وكان ملك الروم بالشام بحمص ودمشق يشتو في بلد ويصيّف في بلد، فطال فكره في رسول الله ﷺ وفي كتابه، ووجد قلبه يخشع، فقال لأصحابه:
التمسوا لي هل هاهنا من قوم هذا العربي الذي يزعم أنه نبيّ من أحد لنسأله عنه؟ فوجدوا بالشام رجالا من قريش قدموا تجارا في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب، فأشخصوا اليه وقد صار إلى بيت المقدس. فأدخلوا عليه وهو جالس في مجلس ملكه، وعليه التاج، وحوله عظاماء الروم. فقال لترجمانه أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم اليه، فقال ملك الروم: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قال أبو سفيان: هو ابن عمي، وما كان في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غير أبي سفيان؛ فقال ملك الروم له: ادن مني، ثم أمر أصحابه من قريش فجعلوا خلف ظهره عند كتفه، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل/ عن هذا الذي يزعم أنه نبيّ فإن كذب فكذبوه، فقالوا: نعم.
ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب، فقال ملك الروم: فهل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال
أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال ملك الروم: أفيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون، قال ملك الروم: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، ونحن الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر. قال ملك الروم:
فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال أبو سفيان نعم. قال ملك الروم: فكيف كانت حربكم وحربه؟ قال أبو سفيان: كانت دولا سجالا، يدال علينا مرة ويدال عليه الآخرى، قال: بما يأمركم به؟ قال أبو سفيان:
يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عن كل ما يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وأولئك الملأ من قريش يسمعون قول أبي سفيان، فصدقوه، فقال ملك الروم لترجمانه: قل له: إني سألت عن نسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال هذا القول أحد فيكم قبله فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول منكم أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه في الكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه. وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون/ أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه فزعمت أن لا،
وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد. وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل وأن حربكم دولا، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة. وسألتك عما يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا الله وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة، وهذه صفة النبيّ قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فأمر به فقرىء إلى أن انتهى منه إلى قوله: «يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «١» قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم فما أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: لقد أمر أمر بن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه.
وقال أبو سفيان لأصحابه: والله لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب لحدثته عنه حين سألني، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه، ولم يمكني كلمة «٢» أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن/ منه في هدنة، ونحن نخاف أن يغدر.
_________
(١) آل عمران ٦٤
(٢) لعلها: إلا كلمة لأن سياق الكلام يستدعي ذلك.
فهذا أبو سفيان عدو رسول الله ﷺ إذ ذاك، وهذا كان قبل إسلامه وفي حال عداوته، والذين معه من قريش على حاله في العداوة، وهذا ملك الروم عاقل حازم.
وانظر كيف استظهر في أن يسأل عنه ﷺ أعداءه. فأحضرهم وهم لا يدرون ما يريده منهم، وسألهم عنه على تلك السبيل التي استنطق واحدا منهم بحضرة جماعة بغتة على حال يبعد فيها المواطأة.
ثم قول أبي سفيان لأصحابه: لولا خوفي منكم أن تأثروا عني الكذب واستحيائي منكم لما صدقت ملك الروم عنه ولكذبت عليه، وما قدرت أن أطعن عليه إلا بقولي: ونحن نخاف أن يغدر، ما قدرت على أكثر من هذا.
وخاف أبو سفيان أن لو كان وحده أن يسأل ملك الروم غيره فيتبين كذبه.
وتأمل قول ملك الروم: هل يرتد أحد سخطة لدينه أي لعثرة أو زلة تكون منه. ولما أسلم أبو سفيان كان يعيد هذا الحديث ثم يقول: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمر محمد ﷺ سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا له كاره.
وجعل ملك الروم كتاب النبي ﷺ بين يديه، وراجع الفكر فيه، وأدام المسألة عنه ﷺ. فقدم عليه أميه بن أبي الصلت الثقفي، وحكيم بن حزام القرشي، فسألهما عنه، فأخبراه بحاله ودعوته على نحو ما أخبر به أبو سفيان وأولئك النفر، فقال لأمية بن أبي الصلت: أآمنت به؟ قال لم أكن لأومن لنبيّ إلا أن يكون من ثقيف.
وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله.
وكانت القصة المعروفة التي قد تقدم ذكرها لك لقوله ﷿: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي/ أَدْنَى الْأَرْضِ» فرجع ملكهم اليهم في عام الحديبية، وأرسل ملك الروم إلى رجل كان برومية يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب القديمة، فكتب اليه يخبره بورود كتاب النبي ﷺ عليه، وبما ذكر فيه، وبما وقف عليه حين سأل عنه. فكتب اليه صاحب رومية أنه النبيّ الذي كنا ننتظر لا شك فيه، فلما وقف ملك الروم على هذا أمر بطارقته فجمعوا له في دسكرة ملكه «١»، فأمر بها فأشرجت عليهم بأبوابها «٢»، ثم اطلع عليهم من عليّة له خوفا على نفسه، فقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وو الله إنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه وتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا باب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها مغلقة، فقال: كرّوهم عليّ، فلما رجعوا قال:
يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسرّ به. فوقعوا له سجّدا، وأمر بباب الدسكرة ففتحت لهم. وكان الناس يتحدثون بذلك، ويقول الروم: إن الملك [فعل] «٣» هذا امتحانا لأصحابه، ويقول غيرهم من النصارى: ما فعل هذا إلا لورود كتاب صاحب رومية عليه بما ورد. وقد كان بقي منهم من أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، غير أن الجملة التي لا ريب فيها عند أهل العلم إكرام ملك الروم لكتاب رسول الله، ومسألته عنه، ومدحه له، وقوله إنه للنبيّ الذي كنا ننتظر، وما صنعه في الدسكرة،
_________
(١) الدسكرة: بناء كالقصر فيه منازل وبيوت للخدم والحشم، ويكون للملوك. اللسان: مادة دسكر
(٢) أي فأغلقت عليهم
(٣) هذه الكلمة زيادة مني على الأصل اقتضاها سياق الكلام.
وما قاله لبطارقته والروم بعد ذلك من محاسنها وحزم ملوكها. والعلم بذلك كالعلم بكتابه ﵇ إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وتمزيق كسرى للكتاب واستخفافه/ به وبرسوله. وكانت كتبه ﷺ في أكارع الأدم يكتبها جهارا بعلم عدوه ووليه، وينفذها جهارا، ويعلم العدو والوليّ بما يكون من الجواب.
فتأمل الحال في ذلك وحال الملوك في زمانك، الذين يزعمون أنهم من ولده، وكيف يسترون مكاتباتهم عن أوليائهم فضلا عن أعدائهم، ويكتمون ذلك بجهدهم، ويعظمون الكتاب ويزينونه ويصورونه ويهولونه، ويضمنونه المخاريق والخدع، هذا مع تسترهم بالإسلام، وأنهم من ولد النبيّ ﷺ والأئمة الذين وصى اليهم النبي ﷺ. ويكون مع تلك الكتب الأموال والهدايا والتحف العجيبة، ويذكرون للمكتوب اليه ملكهم، وأنهم قد وجدوا ذلك في كتب الحدثان وفي الملاحم والأبار، ويطمعون المكتوب اليه في المشاركة في الملك، وإن كان ملكا قالوا نقرّك ونزيد في ملكك، ويحلفونه في كتمان ذلك وكتمان ما يلقونه اليه، ويهولون عليه بأن فلانا الملك، وفلانا الأمين، وفلانا السلطان، قد أجابونا، وهم أهل دعوتنا، وقد عرفوا حقيقة ما قلناه لهم؛ فبادروا في الإجابة لتكون لكم الوسيلة قبل ظهور الدعوة، وقبل ملك الإمام لجميع الأرض، وقبل انغلاق باب التوبة. وإنما يكتبون بهذا إلى الملوك الذين هم في الإسلام، والذين يزعمون أنهم شيعة، وقد تواطئوا لهم من كل وجه، وقد لاذوا برسول الله ﷺ، وأظهروا الاعتصام به، ويقولون: السنّة السنّة تكون الغلبة، وظهور الأمر على جميع الأرض، فلا يكون لذلك أصل، ويموت من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت/ ذلك الذي قالوا لهم إنه
وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبيّ فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار أنه ﵇ قد ادّعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة عليه، وما تدّعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده مما تدعون.
وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده فيمن كثر سماعه واشتدت عنايته بمبعث رسول الله ﷺ وبمقامه بمكة وبهجرته إلى المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل، وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب، وأمثالهم من القدماء يدّعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري، وكذا أبو عمر/ الباهلي، وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادّعى في استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم الاضطرار، فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك.
وباب آخر [كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات]
كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك فارس.
وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله ﷺ
قد أمر دحية إلى أن يدفع كتابه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ملك الروم.
فلما قرىء على قيصر فيما يدعوه إلى الله وعبادته وحده، وأن لا يضن بملكه، وأن لا يتحمل آثام الروم مع إثمه.
وكان ملك الروم بالشام بحمص ودمشق يشتو في بلد ويصيّف في بلد، فطال فكره في رسول الله ﷺ وفي كتابه، ووجد قلبه يخشع، فقال لأصحابه:
التمسوا لي هل هاهنا من قوم هذا العربي الذي يزعم أنه نبيّ من أحد لنسأله عنه؟ فوجدوا بالشام رجالا من قريش قدموا تجارا في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب، فأشخصوا اليه وقد صار إلى بيت المقدس. فأدخلوا عليه وهو جالس في مجلس ملكه، وعليه التاج، وحوله عظاماء الروم. فقال لترجمانه أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم اليه، فقال ملك الروم: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قال أبو سفيان: هو ابن عمي، وما كان في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غير أبي سفيان؛ فقال ملك الروم له: ادن مني، ثم أمر أصحابه من قريش فجعلوا خلف ظهره عند كتفه، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل/ عن هذا الذي يزعم أنه نبيّ فإن كذب فكذبوه، فقالوا: نعم.
ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب، فقال ملك الروم: فهل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال
أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال ملك الروم: أفيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون، قال ملك الروم: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، ونحن الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر. قال ملك الروم:
فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال أبو سفيان نعم. قال ملك الروم: فكيف كانت حربكم وحربه؟ قال أبو سفيان: كانت دولا سجالا، يدال علينا مرة ويدال عليه الآخرى، قال: بما يأمركم به؟ قال أبو سفيان:
يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عن كل ما يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وأولئك الملأ من قريش يسمعون قول أبي سفيان، فصدقوه، فقال ملك الروم لترجمانه: قل له: إني سألت عن نسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال هذا القول أحد فيكم قبله فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول منكم أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه في الكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه. وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون/ أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه فزعمت أن لا،
وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد. وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل وأن حربكم دولا، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة. وسألتك عما يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا الله وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة، وهذه صفة النبيّ قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فأمر به فقرىء إلى أن انتهى منه إلى قوله: «يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «١» قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم فما أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: لقد أمر أمر بن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه.
وقال أبو سفيان لأصحابه: والله لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب لحدثته عنه حين سألني، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه، ولم يمكني كلمة «٢» أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن/ منه في هدنة، ونحن نخاف أن يغدر.
_________
(١) آل عمران ٦٤
(٢) لعلها: إلا كلمة لأن سياق الكلام يستدعي ذلك.
فهذا أبو سفيان عدو رسول الله ﷺ إذ ذاك، وهذا كان قبل إسلامه وفي حال عداوته، والذين معه من قريش على حاله في العداوة، وهذا ملك الروم عاقل حازم.
وانظر كيف استظهر في أن يسأل عنه ﷺ أعداءه. فأحضرهم وهم لا يدرون ما يريده منهم، وسألهم عنه على تلك السبيل التي استنطق واحدا منهم بحضرة جماعة بغتة على حال يبعد فيها المواطأة.
ثم قول أبي سفيان لأصحابه: لولا خوفي منكم أن تأثروا عني الكذب واستحيائي منكم لما صدقت ملك الروم عنه ولكذبت عليه، وما قدرت أن أطعن عليه إلا بقولي: ونحن نخاف أن يغدر، ما قدرت على أكثر من هذا.
وخاف أبو سفيان أن لو كان وحده أن يسأل ملك الروم غيره فيتبين كذبه.
وتأمل قول ملك الروم: هل يرتد أحد سخطة لدينه أي لعثرة أو زلة تكون منه. ولما أسلم أبو سفيان كان يعيد هذا الحديث ثم يقول: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمر محمد ﷺ سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا له كاره.
وجعل ملك الروم كتاب النبي ﷺ بين يديه، وراجع الفكر فيه، وأدام المسألة عنه ﷺ. فقدم عليه أميه بن أبي الصلت الثقفي، وحكيم بن حزام القرشي، فسألهما عنه، فأخبراه بحاله ودعوته على نحو ما أخبر به أبو سفيان وأولئك النفر، فقال لأمية بن أبي الصلت: أآمنت به؟ قال لم أكن لأومن لنبيّ إلا أن يكون من ثقيف.
وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله.
وكانت القصة المعروفة التي قد تقدم ذكرها لك لقوله ﷿: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي/ أَدْنَى الْأَرْضِ» فرجع ملكهم اليهم في عام الحديبية، وأرسل ملك الروم إلى رجل كان برومية يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب القديمة، فكتب اليه يخبره بورود كتاب النبي ﷺ عليه، وبما ذكر فيه، وبما وقف عليه حين سأل عنه. فكتب اليه صاحب رومية أنه النبيّ الذي كنا ننتظر لا شك فيه، فلما وقف ملك الروم على هذا أمر بطارقته فجمعوا له في دسكرة ملكه «١»، فأمر بها فأشرجت عليهم بأبوابها «٢»، ثم اطلع عليهم من عليّة له خوفا على نفسه، فقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وو الله إنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه وتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا باب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها مغلقة، فقال: كرّوهم عليّ، فلما رجعوا قال:
يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسرّ به. فوقعوا له سجّدا، وأمر بباب الدسكرة ففتحت لهم. وكان الناس يتحدثون بذلك، ويقول الروم: إن الملك [فعل] «٣» هذا امتحانا لأصحابه، ويقول غيرهم من النصارى: ما فعل هذا إلا لورود كتاب صاحب رومية عليه بما ورد. وقد كان بقي منهم من أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، غير أن الجملة التي لا ريب فيها عند أهل العلم إكرام ملك الروم لكتاب رسول الله، ومسألته عنه، ومدحه له، وقوله إنه للنبيّ الذي كنا ننتظر، وما صنعه في الدسكرة،
_________
(١) الدسكرة: بناء كالقصر فيه منازل وبيوت للخدم والحشم، ويكون للملوك. اللسان: مادة دسكر
(٢) أي فأغلقت عليهم
(٣) هذه الكلمة زيادة مني على الأصل اقتضاها سياق الكلام.
وما قاله لبطارقته والروم بعد ذلك من محاسنها وحزم ملوكها. والعلم بذلك كالعلم بكتابه ﵇ إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وتمزيق كسرى للكتاب واستخفافه/ به وبرسوله. وكانت كتبه ﷺ في أكارع الأدم يكتبها جهارا بعلم عدوه ووليه، وينفذها جهارا، ويعلم العدو والوليّ بما يكون من الجواب.
فتأمل الحال في ذلك وحال الملوك في زمانك، الذين يزعمون أنهم من ولده، وكيف يسترون مكاتباتهم عن أوليائهم فضلا عن أعدائهم، ويكتمون ذلك بجهدهم، ويعظمون الكتاب ويزينونه ويصورونه ويهولونه، ويضمنونه المخاريق والخدع، هذا مع تسترهم بالإسلام، وأنهم من ولد النبيّ ﷺ والأئمة الذين وصى اليهم النبي ﷺ. ويكون مع تلك الكتب الأموال والهدايا والتحف العجيبة، ويذكرون للمكتوب اليه ملكهم، وأنهم قد وجدوا ذلك في كتب الحدثان وفي الملاحم والأبار، ويطمعون المكتوب اليه في المشاركة في الملك، وإن كان ملكا قالوا نقرّك ونزيد في ملكك، ويحلفونه في كتمان ذلك وكتمان ما يلقونه اليه، ويهولون عليه بأن فلانا الملك، وفلانا الأمين، وفلانا السلطان، قد أجابونا، وهم أهل دعوتنا، وقد عرفوا حقيقة ما قلناه لهم؛ فبادروا في الإجابة لتكون لكم الوسيلة قبل ظهور الدعوة، وقبل ملك الإمام لجميع الأرض، وقبل انغلاق باب التوبة. وإنما يكتبون بهذا إلى الملوك الذين هم في الإسلام، والذين يزعمون أنهم شيعة، وقد تواطئوا لهم من كل وجه، وقد لاذوا برسول الله ﷺ، وأظهروا الاعتصام به، ويقولون: السنّة السنّة تكون الغلبة، وظهور الأمر على جميع الأرض، فلا يكون لذلك أصل، ويموت من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت/ ذلك الذي قالوا لهم إنه
Translation
وباب آخر كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات
#64
Chapter 64 — بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي
· ref. #64
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
الإمام الذي يظهر، ويدعون إلى آخر ويموت الذي بعده، ثم الذي بعده كذلك.
كما وعدوا نصر بن أحمد أمير خراسان، ومرداويج الحالي، وأسفار بن شيرويه، وابن أبي الساج، وأمثالهم، ثم من بعدهم. ومات أولئك الذين كانوا يقولون في كل واحد منهم في زمانه أنه الإمام الذي يقوم ويغلب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها.
فتأمل وفكر، فبالفكر تكون البصائر. وإنما عرض هذا في ذكر كتبه ومكاتباته فضلا على ما تقدم لتعلم أن أحواله كلها محفوفة بالعصمة، «١» مكنونة بالحجة الظاهرة والبينة القاهرة. وإنما ذكرنا أحوال هؤلاء الملوك الذين في زمانك بعد ذكر من تقدم من ملوك بني أمية وبني العباس، لأن هؤلاء معك وفي زمانك، وهم يدعونك ويدعون الناس كلهم، فتأمل أحوالهم، فإنك إن ذهبت عما في زمانك كنت عما فاتك زمانه أذهب.
ولما ذكر الله ﷿ نعمه على بني آدم بما سخره لهم حين قال: «رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا» إلى قوله «وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» وهو كما قال ﷿، فإن العاقل إذا ترك الفكر فيما يشاهد، وذهب عن معرفة النعم التي عليه في الدنيا، فهو عما أراده الله به من نعم الآخرة أذهب.
[بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي]
ومن جنس ما تقدم أن جرير بن عبد الله البجلي سمع بأرضه من رجل تاجر من اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال له جرير: من موسى هذا؟ وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن
_________
(١) يقصد الرسول ﵊.
(٢) الاسراء ٦٦
عمران رجل من بني إسرائيل/ أرسله الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه كتابا يسمّى التوراة، فقال له جرير: فأخبرني خبره، فقص عليه شأنه، فقال له جرير: فهل أرسل الله أحدا قبله، قال: نعم، فقصّ عليه قصة نوح، قال له: فهل أرسل الله بعد نوح أحدا، قال: نعم، فقص عليه قصة إبراهيم، فقال له جرير: فهل غير هؤلاء؟ قال: كثير، فجعل يسم له الرسل، فقال له جرير: بأي شيء يرسلون، وما يقال لهم؟ قال: يرسلون أن يعبد الله وحده، وبالصدق، وأداء الأمانة، وغير ذلك، قال له جرير: فكيف صنع قومهم بهم؟ قال: آذوهم وضربوهم وقتلوا بعضهم، ودخل في دينهم ناس من قومهم؛ وجرير يستزيده من حديثهم ويعجب، ويعجب قومه من ذلك، وهو شيء ما سمعوا به أصلا، ولا سمعوا أسماء هؤلاء الرسل، فضلا عن غير ذلك.
فقال جرير: والله ما سمعت بهذا قط ولا ظننته، فلعل محمدا هذا القرشيّ رسول مثل هؤلاء، فقد سمعنا خبره ثم عزب عنا ذكره، وقد خفي علينا أمره. ثم شاور جرير من يعقل من قومه في الرحيل إلى النبيّ ليسمع منه وينظر فيما يقوله، فقيل له: إنه قد ساجل قومه الحرب ولا يؤمن عليك، ومن الرأي أن ينتظر الأشهر الحرم فيخرج للحج مع الحاج؛ فلما دخلت الأشهر الحرم رحل مع قومه فوافى إلى عكاظ وإلى ذي المجاز وإلى منى، «١» وصدروا إلى مكة، فعمدوا إلى مجلس من قريش أكثره كهلا وأبداه شرفا، فجلسوا اليهم، وتحدثوا معهم، وباسطوهم في الحديث. فقال جرير: ما فعل صاحبكم هذا، الذي يزعم أنه رسول الله؟ قالوا: فعل شرّا، شتمناه وشتمنا، وفعل وفعل، ثم حاربنا فقتلنا وقتلناه. فقال جرير: وما نقمتم عليه؟ قالوا: نقمنا
_________
(١) ذو المجاز: موضع سوق بعرفة
سحره وكذبه، / قال جرير: فكيف علمتم أنه ساحر؟ قالوا: سحر قلوب فتياننا حتى اتبعوه وعصونا، قال جرير: ما علمتم إلا بهذا؟ قالوا: لا، قال جرير: فما دلكم على كذبه، هل حدثكم شيئا فوجدتموه باطلا؟ قالوا لا والله، إلا أنه يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله أن آلهتنا باطل، وأن سلفنا ضلال من أهل النار. قال جرير: دعوا هذا فماذا يقول سوى ذلك؟ قالوا:
والله ما يقول إلا حسنا، إنه ليأمر بصلة الرحم، والكفّ عن المحارم، والخلق الجميل، والعفو عن المسيء، وأخلاق سوى ذلك جميلة لو قالها من عند نفسه ولم يزعم أن الله أرسله بها ما أنكرنا عليه، قال جرير: فلعله رسول الله، فقد أرسل الله رسلا قبله: إبراهيم ونوحا وموسى، قالوا: وأين هو من موسى؟
قال جرير: لمه؟ فأنتم خير وأكرم أم قوم موسى؟ قالوا: لا بل نحن، قال: فما أنكرتم أن يرسل الله منكم رسولا كما أرسل من قوم موسى؟
وجادلهم عنه ﷺ. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ساحر وكذاب، ثم قالوا لجرير: ألقيته قط؟ قال: لا والله ما لقيته قط ولا كلمته، ولكن هذا هكذا فغلظوا في شتم رسول الله ﷺ وسبه، قال جرير: أنتم أعلم. ورجع إلى قومه وعشيرته بمن معه؛ فجاء قومه يسألونه عن الموسم، وعن العرب وما كان بينهم، فحدثهم بذلك، ثم قال: وغير ذلك قالوا: وما هو: فحدثهم عن رسول الله ﷺ، وأنه بيثرب، وما كان من قريش، وأنه ما وجد عند عدوه مطعنا غير السفاهة، ووجدت قومه قد خافوه، فهل لكم في خبر، قالوا ما هو؟ قال جرير: قد أرسل الله قبله رسلا، فهل لكم أن أخرج قبله وترسلوا معي رسلا تأمنونهم وتثقون بعقولهم وتطمئنون إليهم وإلى خبرهم، فتأتيه/ ونسائله، فلا يخفى أمره علينا، إن كان صادقا سالمناه وآمنا به ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم برأينا. قالوا:
ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه
المدينة؛ وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: أتاكم خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك؛ وكان جرير جميلا سيدا وسيما. فلما قدموا المدينة نزلوا منزلا ثم لبسوا أجمل ثيابهم وخرجوا، فلقوا رسول الله ﷺ، وجلسوا اليه، وكلموه، وساءلوه عما يقول وما يدعي، وما يدعو اليه. فذكر ذلك وشرحه، وتلا القرآن، وبيّن لهم. فقال جرير: رضينا منك، وأسلم، وأسلم أصحابه ومن معه.
فتأمل ما في هذا، فإن بجيلة هي حي عظيم وقبائل كبيرة يجاورون مكة ما سمعوا باسم موسى فضلا على أن يعلموا هل أرسله الله بل لم يعلم جلهم وأكثرهم أن هناك من يدّعي له الرسالة والنبوة، وهذا قد يكون من قلة الطلب والمساءلة، ومن قبل عدم من يقصد الناس ويدعوهم إلى ذلك ويذكرهم به، ومن قبل غير ذلك مما يطول شرحه.
وقد كان أبو الحسن عليّ بن محمد بن بكر الاسفذاني صاحب أبي علي ﵄ «١»، حج، وكان كثير الحج، فأسرته القرامطة مرة ثم أرسلوه، فحصل في البوادي، فأجرى ذكر رسول الله ﷺ فلم يعرفوه، وقالوا: ما سمعنا به، فتعجب من ذلك. وهذا أبو الحسن كان كبيرا من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، وكبيرا من أصحاب الحديث، غزير الرواية زاهدا، واعظا مجيدا، وكان خلا لأبي الحسن الكرخي رحمة الله عليهما، وكان يلقى جبابرة الملوك من البريديين/ والديلم بالموعظة، ويصدقهم ويعظهم، وله كتب كثيرة في العلم، ولعل أكثرها في خزانة الوقف بالريّ.
وكان يكثر تعجبه وهو فارسيّ من بلاد العجم، ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم الناس أو من أعلمهم بنبوة «٢» رسول الله ﷺ وباثاره وبأخلاقه وشريعته،
_________
(١) يقصد أبا علي عبد الوهاب الجبائي المعتزلي المعروف.
(٢) في الأصل: وبنبوة، ولعل الصواب ما أثبتناه
وقومه من العرب وجيرانه في البلد لا يعلمون شيئا من ذلك، وهذا إنما صار كذلك لترك السلطان العناية بالدين وإرسال العلماء والفقهاء في البوادي والآفاق كما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وخلفاؤه ولا يخلون القبائل من مقرىء وفقيه وساعي، ومع هذا فابتلى الناس بيحيى الطحاني وبأبي سعيد الجنابي وولده وأمثالهم من القرامطة في جزيرة العرب، فزعموا أنهم شيعة ودعاة إلى المهدي ابن رسول الله ﷺ، فقتلوا المسلمين ومن يقيم شريعة الإسلام، وسبوا المسلمين، وغزوا مكة وغيرها، وأحرقوا المصاحف، وصنعوا ما هو معلوم، فلهذا خفي على أولئك ذكر رسول الله ﷺ وإذا تدبرت هذا إن دارت بصيرتك بصدق قوله في قصة نوح ﵇: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» «١» .
فهذا جرير وبجيلة يقولون: ومن موسى، وما التوراة؟ وإن كنت قد علمت بعقلك بما تقدم لك، أنه ﷺ ما عرف ما أقصه من قصة نوح وغيره من الأنبياء إلا بالوحي. وانظر كيف صنع جرير وبجيلة في معرفة أخبار رسول الله ﷺ، فإنهم ابتدؤوا فسألوا عنه أهل بلده، وأهل بيته، ومن رباه، ومن ربّي معه، وأعداءه، ومن ناصبه وطلب عثراته، فعرف ما عندهم، / فلم يجد عيبا ولا مطعنا، فرجع إلى قومه بمن معه فأخبروهم بما سمعوا، ثم تخيروا عقلاءهم وفضلاءهم فأرسلوهم إلى المدينة فسألوه وسمعوا منه، وهذا غاية ما يفعله العاقل الحازم المرتاد الطالب.
فتأمل هذا وما قبله من تلك المحافل والمقامات والمواطن التي تقدم لك ذكرها، مما كان بمكة وبأرض العرب وبأرض الحبشة وبالشام عند ملوك الروم وبالعراق عند ملوك الفرس، وأحضره فهمك، وواصل درسه، وتدبر
_________
(١) هود ٤٩
قول قريش لجرير وبجيلة في رسول الله ﷺ أنه ساحر، فإنهم لما سمعوا القرآن ورأوا غيره من آياته ودلالاته ﷺ فلم يمكنهم دفعها بالحجة، قالوا: سحر وهذا ساحر، وإنما يقولون ذلك لما لطف وغمض ودقّ وأخذ بالعقول: هذا سحر وهذا ساحر ولهذا قال أبو جهل حين خرجوا ومعهم القافة في طلب رسول الله ﷺ حين هاجر ومعه أبو بكر في قصة الغار: والله إني لأراه معنا في بعض هذه الشعاب يرانا من سحره وما نراه، ولما نزل قوله ﷿: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» «١» سأل ﷺ عمه أبا طالب ليجمعهم له، فكان يراجعه ويدافعه، ثم أجابه لما يعرف من صدقه ولشدة محبته له فجمعهم، فلما حضروا، أطعمهم حتى امتلئوا شبعا من يسير من الطعام، وسقاهم حتى أرواهم من عسّ لبن، ثم ابتدأ بدعوتهم وإنذارهم لأن الله أمره بذلك، وأنه قال للملك: إني إن فعلت ذلك تفلق قريش رأسي فلق الخبزة «٢»، فقال لي: يا محمد، إنك إلا تفعل ذلك تعذّب، وإن الله قد اتخذ لك جندا تبعثهم، وإن الله ينزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان، وإن قريشا والعرب ليست على شيء من الله ولا لله، وإن الله/ يقول: «إني خلقت عبادي جميعا حنفاء مسلمين، وجعلت ما يحلهم من رزق فهو لهم حلال، فأحالتهم الشياطين على دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي. فقطع أبو لهب كلامه وأمر أصحابه بالقيام فقاموا وخرجوا، وتحادّوا أنه أشبعهم وأرواهم من ذلك الطعام والشراب اليسير الذي لا يكاد يشبع الواحد ولا يروي، فقال أبو لهب: هذا من سحره، وهذا بعض سحره، كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة.
وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من
_________
(١) الشعراء ٢٤٧
(٢) فلق الخبزة: كسرتها أو شطرها
شأن الإسراء وقصة الروم وغير ذلك، لا يرتاب بها العلماء ولا يشكون فيها. وقد علمت أن إسلام الأنصار كان في الاستقصاء وطول السؤال والمراجعة أشد من استقصاء جرير وبجيلة، وفي نحو ذلك كان إسلام قبائل عبد القيس، وهذه كانت سبيل قبائل طيّ. وتأمل أحوال قريش من أعداء رسول الله ﷺ فيما كان يظهر من آياته، ويصدق من أقواله، كيف كان يرجع بعضهم إلى بعض في الرؤساء خاصة، إن هذا الرجل ما تزل له قدم، ولا يخلف في شيء قاله، ولا يغني كيدنا له شيئا؛ متأسفين ومتحسرين على ما يخيب من سعيهم، فيقول بعضهم لبعض: فلعله نبي كما يقول، فنحن جميع وهو وحده، ونحن أغنياء وهو فقير، فيقول بعضهم لبعض: هذا من سحره.
ولما دخل سعد بن معاذ الأنصاري رحمة الله عليه مكة بعد هجرة النبي ﷺ اليهم، نزل على أبيّ بن خلف وكان خلّا له، فأراد أن يطوف بالبيت، فخاف عليه ابن خلف قريشا، فقال له: اصبر إلى أن يخف الناس، فلما خفوا خرجوا وطاف، فأبصره/ أبو جهل فقال له: أتطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا، لأفعلن ولأفعلن، فخاصمه ابن معاذ وجادله ولامه في عداوته لرسول الله ﷺ، وذكر عذرهم في قبولهم منه ﷺ، وأنه جاءهم بالنور والهدى، وأنكم على ضلال في تكذيبه، فلم يكن عنده ولا عند قريش حجة ولا ما يشبه الحجة، من ذكر زلة أو هفوة يصرفون سعد بن معاذ والأنصار عنه مع حاجتهم إلى ذلك. واستطال سعد على أبي جهل، فقال له أبيّ بن خلف: أترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد البطحاء، فقال له سعد: أما أنت فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقتلك، فراعه ذلك، ودخل على امرأته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربيّ، زعم أنه سمع محمدا يقول إنه يقتلني وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيّا؛ فلما
كانت بدر، قال له أبو جهل: اخرج معنا، فقالت له امرأته: اذكر ما قال أخوك اليثربي، فكره الخروج، فما تركه أبو جهل حتى أخرجه، فقتل كما قال رسول الله ﷺ.
والذي بدأنا به وأردنا، خوض أهل مكة في عداوته ﷺ واجتهادهم في صرف الناس عن اتباعه بكل وجه وحيلة فلا يجدون مطعنا، واتصل بهذا، اخباره ﷺ عن قتل أبي بن خلف فكان كما قال، وهذا آية أخرى.
وكم لاموا أنفسهم فيما بينهم لما نزل بهم ببدر، وقد كانوا خرجوا واثقين بالظفر برسول الله ﷺ وأصحابه لقلتهم وضعفهم، ولقوة قريش بالكراع والسلاح والمال وكثرة العدد، وكم تلاوموا فيما بينهم حين رجعوا من أحد وقد خرجوا في ثلاثة آلاف، وهم لا يشكون أنهم يظفرون برسول الله ﷺ وأنهم يسبون المدينة، ومعهم أبو عامر الراهب/ كما تقدم لك.
ولما رجعوا مع الأحزاب والخندق وقد جمعوا تلك الجموع، فنزل بهم من الريح والرعب ما قد تقدم لك ذكره، تجمع كل قوم إلى رئيس وصاحب يتعجبون من ذلك، فقال عمرو بن العاص للذين اجتمعوا اليه: والله إني لأرى أمر محمد يعلو على الأمور علو المنبر، فتشاوروا فيما يصنعون، فقال عمرو: إني قد رأيت رأيا، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي- وكان له صديقا- فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب الينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. وصاروا إلى النجاشي، فأقاموا عنده. وورد على النجاشيّ عمرو بن أمية الضمري رسول رسول الله ﷺ «١»، وأفاضوا في ذكر رسول الله ﷺ وما أتى به وما دعا اليه، فأجمعوا على حسن
_________
(١) انظر سيرة ابن هشام ٢٢٤ و٣٢٤
ذلك، وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه، فما وجدوا في رسول الله ﷺ غميزة يذكرونها أو يحتجون بها، فكروا راجعين إلى مكة. وقد رحلوا إلى النجاشي غير مرة، وكانت له معهم في هذا الشأن محافل ومجالس.
ولقد قال خالد بن الوليد بن المغيرة لأصحابه وأهل أنسه قبل إسلامه وقبل هجرته: والله لقد استقام الميسم، وإن الرجل لنبيّ فحتى متى؟ ثم هاجر وأسلم بعد الحديبية، وهاجر بعده عمرو بن العاص وأسلم، وكان منهما ما هو معلوم.
ولما قسم رسول الله ﷺ شعره على أصحابه في حجة الوداع، ما زال خالد ابن الوليد يضرع ويقول: يا رسول الله ناصيتك، يا رسول الله ناصيتك، فيها أرجو النصر، فنادى أبو بكر الصديق في الناس متعجبا ومعتبرا ومنبها، وقال:
أيها الناس، هذا/ خالد بن الوليد الذي لقينا منه ببدر وأحد والخندق والحديبية ما لقينا، انظروا اليوم اليه وإلى بصيرته.
ولما قسم رسول الله ﷺ غنائم أرطاس، وأعطى المؤلفة ما أعطاهم، قال عيينة بن حصن: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فقال ﷺ: خير الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم؛ وكان ﷺ يقول في عيينة بن حصن: الأحمق المطاع، وكان من أمره معه، ومع الأقرع ابن حابس، والعباس بن مرداس المسلمي، وتلك المؤلفة. ما هو معلوم «١»
ولما أعطاهم من تلك العناية ما أعطاهم، وحرم السابقين والبدريين والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل ﷺ، وجمع الأنصار، وقال:
_________
(١) سيرة ابن هشام ٤: ٤٩٢
كما وعدوا نصر بن أحمد أمير خراسان، ومرداويج الحالي، وأسفار بن شيرويه، وابن أبي الساج، وأمثالهم، ثم من بعدهم. ومات أولئك الذين كانوا يقولون في كل واحد منهم في زمانه أنه الإمام الذي يقوم ويغلب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها.
فتأمل وفكر، فبالفكر تكون البصائر. وإنما عرض هذا في ذكر كتبه ومكاتباته فضلا على ما تقدم لتعلم أن أحواله كلها محفوفة بالعصمة، «١» مكنونة بالحجة الظاهرة والبينة القاهرة. وإنما ذكرنا أحوال هؤلاء الملوك الذين في زمانك بعد ذكر من تقدم من ملوك بني أمية وبني العباس، لأن هؤلاء معك وفي زمانك، وهم يدعونك ويدعون الناس كلهم، فتأمل أحوالهم، فإنك إن ذهبت عما في زمانك كنت عما فاتك زمانه أذهب.
ولما ذكر الله ﷿ نعمه على بني آدم بما سخره لهم حين قال: «رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا» إلى قوله «وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» وهو كما قال ﷿، فإن العاقل إذا ترك الفكر فيما يشاهد، وذهب عن معرفة النعم التي عليه في الدنيا، فهو عما أراده الله به من نعم الآخرة أذهب.
[بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي]
ومن جنس ما تقدم أن جرير بن عبد الله البجلي سمع بأرضه من رجل تاجر من اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال له جرير: من موسى هذا؟ وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن
_________
(١) يقصد الرسول ﵊.
(٢) الاسراء ٦٦
عمران رجل من بني إسرائيل/ أرسله الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه كتابا يسمّى التوراة، فقال له جرير: فأخبرني خبره، فقص عليه شأنه، فقال له جرير: فهل أرسل الله أحدا قبله، قال: نعم، فقصّ عليه قصة نوح، قال له: فهل أرسل الله بعد نوح أحدا، قال: نعم، فقص عليه قصة إبراهيم، فقال له جرير: فهل غير هؤلاء؟ قال: كثير، فجعل يسم له الرسل، فقال له جرير: بأي شيء يرسلون، وما يقال لهم؟ قال: يرسلون أن يعبد الله وحده، وبالصدق، وأداء الأمانة، وغير ذلك، قال له جرير: فكيف صنع قومهم بهم؟ قال: آذوهم وضربوهم وقتلوا بعضهم، ودخل في دينهم ناس من قومهم؛ وجرير يستزيده من حديثهم ويعجب، ويعجب قومه من ذلك، وهو شيء ما سمعوا به أصلا، ولا سمعوا أسماء هؤلاء الرسل، فضلا عن غير ذلك.
فقال جرير: والله ما سمعت بهذا قط ولا ظننته، فلعل محمدا هذا القرشيّ رسول مثل هؤلاء، فقد سمعنا خبره ثم عزب عنا ذكره، وقد خفي علينا أمره. ثم شاور جرير من يعقل من قومه في الرحيل إلى النبيّ ليسمع منه وينظر فيما يقوله، فقيل له: إنه قد ساجل قومه الحرب ولا يؤمن عليك، ومن الرأي أن ينتظر الأشهر الحرم فيخرج للحج مع الحاج؛ فلما دخلت الأشهر الحرم رحل مع قومه فوافى إلى عكاظ وإلى ذي المجاز وإلى منى، «١» وصدروا إلى مكة، فعمدوا إلى مجلس من قريش أكثره كهلا وأبداه شرفا، فجلسوا اليهم، وتحدثوا معهم، وباسطوهم في الحديث. فقال جرير: ما فعل صاحبكم هذا، الذي يزعم أنه رسول الله؟ قالوا: فعل شرّا، شتمناه وشتمنا، وفعل وفعل، ثم حاربنا فقتلنا وقتلناه. فقال جرير: وما نقمتم عليه؟ قالوا: نقمنا
_________
(١) ذو المجاز: موضع سوق بعرفة
سحره وكذبه، / قال جرير: فكيف علمتم أنه ساحر؟ قالوا: سحر قلوب فتياننا حتى اتبعوه وعصونا، قال جرير: ما علمتم إلا بهذا؟ قالوا: لا، قال جرير: فما دلكم على كذبه، هل حدثكم شيئا فوجدتموه باطلا؟ قالوا لا والله، إلا أنه يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله أن آلهتنا باطل، وأن سلفنا ضلال من أهل النار. قال جرير: دعوا هذا فماذا يقول سوى ذلك؟ قالوا:
والله ما يقول إلا حسنا، إنه ليأمر بصلة الرحم، والكفّ عن المحارم، والخلق الجميل، والعفو عن المسيء، وأخلاق سوى ذلك جميلة لو قالها من عند نفسه ولم يزعم أن الله أرسله بها ما أنكرنا عليه، قال جرير: فلعله رسول الله، فقد أرسل الله رسلا قبله: إبراهيم ونوحا وموسى، قالوا: وأين هو من موسى؟
قال جرير: لمه؟ فأنتم خير وأكرم أم قوم موسى؟ قالوا: لا بل نحن، قال: فما أنكرتم أن يرسل الله منكم رسولا كما أرسل من قوم موسى؟
وجادلهم عنه ﷺ. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ساحر وكذاب، ثم قالوا لجرير: ألقيته قط؟ قال: لا والله ما لقيته قط ولا كلمته، ولكن هذا هكذا فغلظوا في شتم رسول الله ﷺ وسبه، قال جرير: أنتم أعلم. ورجع إلى قومه وعشيرته بمن معه؛ فجاء قومه يسألونه عن الموسم، وعن العرب وما كان بينهم، فحدثهم بذلك، ثم قال: وغير ذلك قالوا: وما هو: فحدثهم عن رسول الله ﷺ، وأنه بيثرب، وما كان من قريش، وأنه ما وجد عند عدوه مطعنا غير السفاهة، ووجدت قومه قد خافوه، فهل لكم في خبر، قالوا ما هو؟ قال جرير: قد أرسل الله قبله رسلا، فهل لكم أن أخرج قبله وترسلوا معي رسلا تأمنونهم وتثقون بعقولهم وتطمئنون إليهم وإلى خبرهم، فتأتيه/ ونسائله، فلا يخفى أمره علينا، إن كان صادقا سالمناه وآمنا به ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم برأينا. قالوا:
ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه
المدينة؛ وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: أتاكم خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك؛ وكان جرير جميلا سيدا وسيما. فلما قدموا المدينة نزلوا منزلا ثم لبسوا أجمل ثيابهم وخرجوا، فلقوا رسول الله ﷺ، وجلسوا اليه، وكلموه، وساءلوه عما يقول وما يدعي، وما يدعو اليه. فذكر ذلك وشرحه، وتلا القرآن، وبيّن لهم. فقال جرير: رضينا منك، وأسلم، وأسلم أصحابه ومن معه.
فتأمل ما في هذا، فإن بجيلة هي حي عظيم وقبائل كبيرة يجاورون مكة ما سمعوا باسم موسى فضلا على أن يعلموا هل أرسله الله بل لم يعلم جلهم وأكثرهم أن هناك من يدّعي له الرسالة والنبوة، وهذا قد يكون من قلة الطلب والمساءلة، ومن قبل عدم من يقصد الناس ويدعوهم إلى ذلك ويذكرهم به، ومن قبل غير ذلك مما يطول شرحه.
وقد كان أبو الحسن عليّ بن محمد بن بكر الاسفذاني صاحب أبي علي ﵄ «١»، حج، وكان كثير الحج، فأسرته القرامطة مرة ثم أرسلوه، فحصل في البوادي، فأجرى ذكر رسول الله ﷺ فلم يعرفوه، وقالوا: ما سمعنا به، فتعجب من ذلك. وهذا أبو الحسن كان كبيرا من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، وكبيرا من أصحاب الحديث، غزير الرواية زاهدا، واعظا مجيدا، وكان خلا لأبي الحسن الكرخي رحمة الله عليهما، وكان يلقى جبابرة الملوك من البريديين/ والديلم بالموعظة، ويصدقهم ويعظهم، وله كتب كثيرة في العلم، ولعل أكثرها في خزانة الوقف بالريّ.
وكان يكثر تعجبه وهو فارسيّ من بلاد العجم، ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم الناس أو من أعلمهم بنبوة «٢» رسول الله ﷺ وباثاره وبأخلاقه وشريعته،
_________
(١) يقصد أبا علي عبد الوهاب الجبائي المعتزلي المعروف.
(٢) في الأصل: وبنبوة، ولعل الصواب ما أثبتناه
وقومه من العرب وجيرانه في البلد لا يعلمون شيئا من ذلك، وهذا إنما صار كذلك لترك السلطان العناية بالدين وإرسال العلماء والفقهاء في البوادي والآفاق كما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وخلفاؤه ولا يخلون القبائل من مقرىء وفقيه وساعي، ومع هذا فابتلى الناس بيحيى الطحاني وبأبي سعيد الجنابي وولده وأمثالهم من القرامطة في جزيرة العرب، فزعموا أنهم شيعة ودعاة إلى المهدي ابن رسول الله ﷺ، فقتلوا المسلمين ومن يقيم شريعة الإسلام، وسبوا المسلمين، وغزوا مكة وغيرها، وأحرقوا المصاحف، وصنعوا ما هو معلوم، فلهذا خفي على أولئك ذكر رسول الله ﷺ وإذا تدبرت هذا إن دارت بصيرتك بصدق قوله في قصة نوح ﵇: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» «١» .
فهذا جرير وبجيلة يقولون: ومن موسى، وما التوراة؟ وإن كنت قد علمت بعقلك بما تقدم لك، أنه ﷺ ما عرف ما أقصه من قصة نوح وغيره من الأنبياء إلا بالوحي. وانظر كيف صنع جرير وبجيلة في معرفة أخبار رسول الله ﷺ، فإنهم ابتدؤوا فسألوا عنه أهل بلده، وأهل بيته، ومن رباه، ومن ربّي معه، وأعداءه، ومن ناصبه وطلب عثراته، فعرف ما عندهم، / فلم يجد عيبا ولا مطعنا، فرجع إلى قومه بمن معه فأخبروهم بما سمعوا، ثم تخيروا عقلاءهم وفضلاءهم فأرسلوهم إلى المدينة فسألوه وسمعوا منه، وهذا غاية ما يفعله العاقل الحازم المرتاد الطالب.
فتأمل هذا وما قبله من تلك المحافل والمقامات والمواطن التي تقدم لك ذكرها، مما كان بمكة وبأرض العرب وبأرض الحبشة وبالشام عند ملوك الروم وبالعراق عند ملوك الفرس، وأحضره فهمك، وواصل درسه، وتدبر
_________
(١) هود ٤٩
قول قريش لجرير وبجيلة في رسول الله ﷺ أنه ساحر، فإنهم لما سمعوا القرآن ورأوا غيره من آياته ودلالاته ﷺ فلم يمكنهم دفعها بالحجة، قالوا: سحر وهذا ساحر، وإنما يقولون ذلك لما لطف وغمض ودقّ وأخذ بالعقول: هذا سحر وهذا ساحر ولهذا قال أبو جهل حين خرجوا ومعهم القافة في طلب رسول الله ﷺ حين هاجر ومعه أبو بكر في قصة الغار: والله إني لأراه معنا في بعض هذه الشعاب يرانا من سحره وما نراه، ولما نزل قوله ﷿: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» «١» سأل ﷺ عمه أبا طالب ليجمعهم له، فكان يراجعه ويدافعه، ثم أجابه لما يعرف من صدقه ولشدة محبته له فجمعهم، فلما حضروا، أطعمهم حتى امتلئوا شبعا من يسير من الطعام، وسقاهم حتى أرواهم من عسّ لبن، ثم ابتدأ بدعوتهم وإنذارهم لأن الله أمره بذلك، وأنه قال للملك: إني إن فعلت ذلك تفلق قريش رأسي فلق الخبزة «٢»، فقال لي: يا محمد، إنك إلا تفعل ذلك تعذّب، وإن الله قد اتخذ لك جندا تبعثهم، وإن الله ينزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان، وإن قريشا والعرب ليست على شيء من الله ولا لله، وإن الله/ يقول: «إني خلقت عبادي جميعا حنفاء مسلمين، وجعلت ما يحلهم من رزق فهو لهم حلال، فأحالتهم الشياطين على دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي. فقطع أبو لهب كلامه وأمر أصحابه بالقيام فقاموا وخرجوا، وتحادّوا أنه أشبعهم وأرواهم من ذلك الطعام والشراب اليسير الذي لا يكاد يشبع الواحد ولا يروي، فقال أبو لهب: هذا من سحره، وهذا بعض سحره، كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة.
وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من
_________
(١) الشعراء ٢٤٧
(٢) فلق الخبزة: كسرتها أو شطرها
شأن الإسراء وقصة الروم وغير ذلك، لا يرتاب بها العلماء ولا يشكون فيها. وقد علمت أن إسلام الأنصار كان في الاستقصاء وطول السؤال والمراجعة أشد من استقصاء جرير وبجيلة، وفي نحو ذلك كان إسلام قبائل عبد القيس، وهذه كانت سبيل قبائل طيّ. وتأمل أحوال قريش من أعداء رسول الله ﷺ فيما كان يظهر من آياته، ويصدق من أقواله، كيف كان يرجع بعضهم إلى بعض في الرؤساء خاصة، إن هذا الرجل ما تزل له قدم، ولا يخلف في شيء قاله، ولا يغني كيدنا له شيئا؛ متأسفين ومتحسرين على ما يخيب من سعيهم، فيقول بعضهم لبعض: فلعله نبي كما يقول، فنحن جميع وهو وحده، ونحن أغنياء وهو فقير، فيقول بعضهم لبعض: هذا من سحره.
ولما دخل سعد بن معاذ الأنصاري رحمة الله عليه مكة بعد هجرة النبي ﷺ اليهم، نزل على أبيّ بن خلف وكان خلّا له، فأراد أن يطوف بالبيت، فخاف عليه ابن خلف قريشا، فقال له: اصبر إلى أن يخف الناس، فلما خفوا خرجوا وطاف، فأبصره/ أبو جهل فقال له: أتطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا، لأفعلن ولأفعلن، فخاصمه ابن معاذ وجادله ولامه في عداوته لرسول الله ﷺ، وذكر عذرهم في قبولهم منه ﷺ، وأنه جاءهم بالنور والهدى، وأنكم على ضلال في تكذيبه، فلم يكن عنده ولا عند قريش حجة ولا ما يشبه الحجة، من ذكر زلة أو هفوة يصرفون سعد بن معاذ والأنصار عنه مع حاجتهم إلى ذلك. واستطال سعد على أبي جهل، فقال له أبيّ بن خلف: أترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد البطحاء، فقال له سعد: أما أنت فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقتلك، فراعه ذلك، ودخل على امرأته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربيّ، زعم أنه سمع محمدا يقول إنه يقتلني وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيّا؛ فلما
كانت بدر، قال له أبو جهل: اخرج معنا، فقالت له امرأته: اذكر ما قال أخوك اليثربي، فكره الخروج، فما تركه أبو جهل حتى أخرجه، فقتل كما قال رسول الله ﷺ.
والذي بدأنا به وأردنا، خوض أهل مكة في عداوته ﷺ واجتهادهم في صرف الناس عن اتباعه بكل وجه وحيلة فلا يجدون مطعنا، واتصل بهذا، اخباره ﷺ عن قتل أبي بن خلف فكان كما قال، وهذا آية أخرى.
وكم لاموا أنفسهم فيما بينهم لما نزل بهم ببدر، وقد كانوا خرجوا واثقين بالظفر برسول الله ﷺ وأصحابه لقلتهم وضعفهم، ولقوة قريش بالكراع والسلاح والمال وكثرة العدد، وكم تلاوموا فيما بينهم حين رجعوا من أحد وقد خرجوا في ثلاثة آلاف، وهم لا يشكون أنهم يظفرون برسول الله ﷺ وأنهم يسبون المدينة، ومعهم أبو عامر الراهب/ كما تقدم لك.
ولما رجعوا مع الأحزاب والخندق وقد جمعوا تلك الجموع، فنزل بهم من الريح والرعب ما قد تقدم لك ذكره، تجمع كل قوم إلى رئيس وصاحب يتعجبون من ذلك، فقال عمرو بن العاص للذين اجتمعوا اليه: والله إني لأرى أمر محمد يعلو على الأمور علو المنبر، فتشاوروا فيما يصنعون، فقال عمرو: إني قد رأيت رأيا، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي- وكان له صديقا- فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب الينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. وصاروا إلى النجاشي، فأقاموا عنده. وورد على النجاشيّ عمرو بن أمية الضمري رسول رسول الله ﷺ «١»، وأفاضوا في ذكر رسول الله ﷺ وما أتى به وما دعا اليه، فأجمعوا على حسن
_________
(١) انظر سيرة ابن هشام ٢٢٤ و٣٢٤
ذلك، وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه، فما وجدوا في رسول الله ﷺ غميزة يذكرونها أو يحتجون بها، فكروا راجعين إلى مكة. وقد رحلوا إلى النجاشي غير مرة، وكانت له معهم في هذا الشأن محافل ومجالس.
ولقد قال خالد بن الوليد بن المغيرة لأصحابه وأهل أنسه قبل إسلامه وقبل هجرته: والله لقد استقام الميسم، وإن الرجل لنبيّ فحتى متى؟ ثم هاجر وأسلم بعد الحديبية، وهاجر بعده عمرو بن العاص وأسلم، وكان منهما ما هو معلوم.
ولما قسم رسول الله ﷺ شعره على أصحابه في حجة الوداع، ما زال خالد ابن الوليد يضرع ويقول: يا رسول الله ناصيتك، يا رسول الله ناصيتك، فيها أرجو النصر، فنادى أبو بكر الصديق في الناس متعجبا ومعتبرا ومنبها، وقال:
أيها الناس، هذا/ خالد بن الوليد الذي لقينا منه ببدر وأحد والخندق والحديبية ما لقينا، انظروا اليوم اليه وإلى بصيرته.
ولما قسم رسول الله ﷺ غنائم أرطاس، وأعطى المؤلفة ما أعطاهم، قال عيينة بن حصن: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فقال ﷺ: خير الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم؛ وكان ﷺ يقول في عيينة بن حصن: الأحمق المطاع، وكان من أمره معه، ومع الأقرع ابن حابس، والعباس بن مرداس المسلمي، وتلك المؤلفة. ما هو معلوم «١»
ولما أعطاهم من تلك العناية ما أعطاهم، وحرم السابقين والبدريين والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل ﷺ، وجمع الأنصار، وقال:
_________
(١) سيرة ابن هشام ٤: ٤٩٢
Translation
بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي
#65
Chapter 65 — سيرة الرسول ﵊ في السابقين والبدريين
· ref. #65
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
أخبروني عنكم معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلّالا فهداكم الله بي؟ قالوا بلى، قال: ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى، قال:
فما مقالة بلغتني عن بعضكم؟ وأعاد عليهم القول، فقالوا: يا رسول الله أيما كان، هذا من بعض أحداثنا، فأما نحن فراضون. فقال ﷺ: هذا مال تألفت به قلوب هؤلاء الذين عهدهم بالإسلام حديث، وببصائرهم ضعف، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رجالكم؟
قالوا: بلى، رضينا؛ وبكوا، فقال رسول الله ﷺ: لو شئتم أن تقولوا أتيتنا طريدا فاويناك، ومخذولا فنصرناك، لقلتم، فزاد بكاؤهم وخشوعهم، وقالوا: المنّة علينا في ذلك لله ولرسوله.
[سيرة الرسول ﵊ في السابقين والبدريين]
وكم قد كان مثل هذا، فتأمل هذا المقال والفعال للفريقين من المؤلفة ومن الأنصار، ففيه العبرة الكبيرة والبصائر النيّرة، وتأمل سيرته ﷺ في السابقين والبدريين، لأهل بيته، وفي ولده وأزواجه، كيف حرمهم الدنيا وحماهم منها؟، وكيف ملأ قلوبهم بالوعيد والمخاوف؟، وكيف جعلهم أسوة الناس كلهم في الأحكام والقصاص والحلال والحرام، وفي أن من حازت شهادته من العجم والموالي على الحاكة والحجامين والزيالين، حازت شهادته على القرشيين والهاشميين والسابقين والبدريين، وكيف حرم الصدقات على أهل بيته وأوجبها في أموالهم للناس، وكيف شرع وبيّن أن الخطأ والزلل جائز على كل واحد من أصحابه وأهل بيته وخاصته، ووصى بمراعاة أفعالهم وأقوالهم وأن يذكروا وأن يعلموا وأن يتفقوا حين جعلهم قواما على المسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله ﷿ أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش، أحرص على رشاد المسلمين وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش
فما مقالة بلغتني عن بعضكم؟ وأعاد عليهم القول، فقالوا: يا رسول الله أيما كان، هذا من بعض أحداثنا، فأما نحن فراضون. فقال ﷺ: هذا مال تألفت به قلوب هؤلاء الذين عهدهم بالإسلام حديث، وببصائرهم ضعف، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رجالكم؟
قالوا: بلى، رضينا؛ وبكوا، فقال رسول الله ﷺ: لو شئتم أن تقولوا أتيتنا طريدا فاويناك، ومخذولا فنصرناك، لقلتم، فزاد بكاؤهم وخشوعهم، وقالوا: المنّة علينا في ذلك لله ولرسوله.
[سيرة الرسول ﵊ في السابقين والبدريين]
وكم قد كان مثل هذا، فتأمل هذا المقال والفعال للفريقين من المؤلفة ومن الأنصار، ففيه العبرة الكبيرة والبصائر النيّرة، وتأمل سيرته ﷺ في السابقين والبدريين، لأهل بيته، وفي ولده وأزواجه، كيف حرمهم الدنيا وحماهم منها؟، وكيف ملأ قلوبهم بالوعيد والمخاوف؟، وكيف جعلهم أسوة الناس كلهم في الأحكام والقصاص والحلال والحرام، وفي أن من حازت شهادته من العجم والموالي على الحاكة والحجامين والزيالين، حازت شهادته على القرشيين والهاشميين والسابقين والبدريين، وكيف حرم الصدقات على أهل بيته وأوجبها في أموالهم للناس، وكيف شرع وبيّن أن الخطأ والزلل جائز على كل واحد من أصحابه وأهل بيته وخاصته، ووصى بمراعاة أفعالهم وأقوالهم وأن يذكروا وأن يعلموا وأن يتفقوا حين جعلهم قواما على المسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله ﷿ أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش، أحرص على رشاد المسلمين وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش
Translation
سيرة الرسول ﵊ في السابقين والبدريين
#66
Chapter 66 — الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب ﵁
· ref. #66
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
ما استقاموا لكم، وتلك الأقوال التي قد تقدم لك ذكرها، فأحضرها فهمك وتأمل ما فيها.
[الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب ﵁]
ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه، فقبلوا كل ذلك منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحميّة، ثم لا تجدهم لما صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في دينه/ لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه عليّ ابن أبي طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من الأحوال، ولا يلحقه سهو ولا غفلة، وأنه يسدّ مسدّه ويقوم مقامه، وأنه مفزع الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر.
قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادّعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا عن شرعه ﷺ وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم؛ فإنه ابتدع هذا القول، ثم
أخذ عنه الحداد، والوراق، وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله ﷺ وإفساد دينه، وتشكيك الناس في نبوته، وأحوالهم في شدة عداوته معروفة، وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى إعادته.
وقد ذكر أبو عليّ ﵀ طرفا من ذلك في «التفسير» وفي «نقض الإمامة على ابن الراوندي»، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال: إن رسول الله ﷺ جعل مفزع الدين أرسل اليهم، واتباعه في العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، / ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكّى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا شهد بالجنة إلا لذلك الواحد، قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو بكر ويدله على ذلك.
فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدّعون أن رسول الله ﷺ بيّن عصمته وعصمة ولده، ونصّ لأمته على ذلك، وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على إمام الزمان الذي هو معنا وحجة علينا.
وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قد ابتلى من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ولا أن النبيّ نصّ عليه ووصى اليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب
الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعديّ بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد عليه من رسل معاوية، ويجادل الخوارج، لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به ﵁ إلا إلى الاجماع، فيقول: وجبت طاعتي كما وجبت/ طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ويحتج في التحكيم بالقياس، ويردّه إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون: له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن التحكيم، ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟:
فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ففرقه، فحتى متى يا بنى مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرّق، فلو أنه إذ عصاه من عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع؛ فقال ﵁: أنا هدمت أم هم؟، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فو الله ماغبي عليّ هذا الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، وهذان: يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله ابن جعفر/ بن أبي طالب يقدماني فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله ﷺ ذرية، وكرهت أن يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري.
فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو.
ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من جوابه، أن على الانسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك.
ولا يحتج في شيء من ذلك بنصّ، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا يقول: هكذا وصاني رسول الله ﷺ وقال لي: ينبغي أن تفعل كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، فلم تكونوا كما ظننت.
وخطبهم مرة فقال:
ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا،
وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا.
ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول»
:
إني عثرت عثرة لا أجتبر ... سوف أكيس بعدها أو أستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك، وهو في الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه/ وحيث ينفذ أمره، والبلدان التي هو فيها وفيها عماله، يفتي الناس فيها بالرأي والاجتهاد، بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يردّه، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا يحصى كثرة.
ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي ﵇ ما نصّ على عليّ ولا استخلفه، ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه
_________
(١) كتب في هامش الصفحة «من قول علي بن أبي طالب ﵁» .
ما نصّ على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذرّ، لأن عليا قد كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك.
ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله ﷺ قد كان عرّفه عدوّه ووليّه وما يجري عليه بعده، وأنه خرج إلى صفين وهو يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف، وينقض تدبيره، ويفسد عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن ابن ملجم سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج اليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن الحسين ﵇، وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ البيعة عليهم/ وهو يعلم أنه لا يتم له أمر، وأن عدوه سيقتله، وأن أهل الكوفة لما كاتبوه بالمصير اليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار اليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار اليهم ومن معه سيقتلونهم ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير حرة وعلى مال بني ناحية، وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول اليه أمره من مصيره بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس
ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية سيقتله ويقتل أصحابه، وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر الخصوم الذين يرتفعون اليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر الشهود والذين يشهدون عندهم، ومن هو الكاذب من الصادق.
والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار، فهذ موضع الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة في المعرفة عناء، والله ﷿ يقول لنبيّه: قل يا محمد: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» «١» ويقول له في قوم كانوا يظهرون له الحيل فيظن ذلك بهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» «٢» وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظنّ: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» إلى قوله: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» «٣» وقد قال ﷺ (إنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا باب لا يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإنّ من عرف أمير المؤمنين وولده ﵃، يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم
_________
(١) الأعراف ١٨٨
(٢) البقرة ٢٠٤
(٣) المنافقون ٤
وما يغلب على رأيهم، وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ويقتل نفوسهم وأحبابهم، ويشمت عدوهم، ويميت سلطانهم، ويكسر عساكرهم، ويمكن لعدوهم على علم ويقين؛ فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط، ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم من معاوية وبني أمية من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سبّ هؤلاء السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشدّ الناس عداوة لرسول الله ﷺ ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادّعوا أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبّوهم هذا السبّ، وطعنوا عليهم هذا الطعن، الذي لم يبلغه العدوّ المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية [١] .
وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية، والناصرية: الرافضة أضرّ علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ولغوا في دمائنا.
ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي ﷺ، / وأمير المؤمنين، والذين يدّعون لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا بد من أن يكون عالما بجميع اللغات؛ قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها
بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي ﷺ قد كان قرأ صحف ابراهيم، وما نزل على آدم، ونوح، وموسى، وداود، وعيسى، وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام.
وأنت تجده ﷺ يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون.
ويدلّ بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء قبله بأنه النبي الأمي، وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله ﷺ وعلى دينه من المكاره وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم مسطور، وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله ﷺ ما قرأ كتابا قط ولاخطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا «١» يكتبون بهذه الأقلام ولا يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والحسن والحسين ﵃ ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر.
وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا بالعربية، وأن رسول الله ﷺ ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام، وهم يدّعون على رسول الله ﷺ وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت، ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله ﷺ كان أعلم بالشعر من كل شاعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه
_________
(١) في الأصل «كان» ولعل الصواب ما أثبتناه
[الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب ﵁]
ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه، فقبلوا كل ذلك منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحميّة، ثم لا تجدهم لما صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في دينه/ لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه عليّ ابن أبي طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من الأحوال، ولا يلحقه سهو ولا غفلة، وأنه يسدّ مسدّه ويقوم مقامه، وأنه مفزع الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر.
قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادّعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا عن شرعه ﷺ وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم؛ فإنه ابتدع هذا القول، ثم
أخذ عنه الحداد، والوراق، وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله ﷺ وإفساد دينه، وتشكيك الناس في نبوته، وأحوالهم في شدة عداوته معروفة، وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى إعادته.
وقد ذكر أبو عليّ ﵀ طرفا من ذلك في «التفسير» وفي «نقض الإمامة على ابن الراوندي»، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال: إن رسول الله ﷺ جعل مفزع الدين أرسل اليهم، واتباعه في العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، / ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكّى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا شهد بالجنة إلا لذلك الواحد، قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو بكر ويدله على ذلك.
فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدّعون أن رسول الله ﷺ بيّن عصمته وعصمة ولده، ونصّ لأمته على ذلك، وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على إمام الزمان الذي هو معنا وحجة علينا.
وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قد ابتلى من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ولا أن النبيّ نصّ عليه ووصى اليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب
الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعديّ بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد عليه من رسل معاوية، ويجادل الخوارج، لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به ﵁ إلا إلى الاجماع، فيقول: وجبت طاعتي كما وجبت/ طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ويحتج في التحكيم بالقياس، ويردّه إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون: له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن التحكيم، ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟:
فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ففرقه، فحتى متى يا بنى مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرّق، فلو أنه إذ عصاه من عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع؛ فقال ﵁: أنا هدمت أم هم؟، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فو الله ماغبي عليّ هذا الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، وهذان: يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله ابن جعفر/ بن أبي طالب يقدماني فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله ﷺ ذرية، وكرهت أن يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري.
فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو.
ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من جوابه، أن على الانسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك.
ولا يحتج في شيء من ذلك بنصّ، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا يقول: هكذا وصاني رسول الله ﷺ وقال لي: ينبغي أن تفعل كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، فلم تكونوا كما ظننت.
وخطبهم مرة فقال:
ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا،
وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا.
ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول»
:
إني عثرت عثرة لا أجتبر ... سوف أكيس بعدها أو أستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك، وهو في الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه/ وحيث ينفذ أمره، والبلدان التي هو فيها وفيها عماله، يفتي الناس فيها بالرأي والاجتهاد، بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يردّه، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا يحصى كثرة.
ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي ﵇ ما نصّ على عليّ ولا استخلفه، ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه
_________
(١) كتب في هامش الصفحة «من قول علي بن أبي طالب ﵁» .
ما نصّ على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذرّ، لأن عليا قد كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك.
ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله ﷺ قد كان عرّفه عدوّه ووليّه وما يجري عليه بعده، وأنه خرج إلى صفين وهو يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف، وينقض تدبيره، ويفسد عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن ابن ملجم سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج اليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن الحسين ﵇، وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ البيعة عليهم/ وهو يعلم أنه لا يتم له أمر، وأن عدوه سيقتله، وأن أهل الكوفة لما كاتبوه بالمصير اليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار اليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار اليهم ومن معه سيقتلونهم ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير حرة وعلى مال بني ناحية، وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول اليه أمره من مصيره بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس
ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية سيقتله ويقتل أصحابه، وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر الخصوم الذين يرتفعون اليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر الشهود والذين يشهدون عندهم، ومن هو الكاذب من الصادق.
والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار، فهذ موضع الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة في المعرفة عناء، والله ﷿ يقول لنبيّه: قل يا محمد: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» «١» ويقول له في قوم كانوا يظهرون له الحيل فيظن ذلك بهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» «٢» وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظنّ: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» إلى قوله: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» «٣» وقد قال ﷺ (إنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا باب لا يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإنّ من عرف أمير المؤمنين وولده ﵃، يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم
_________
(١) الأعراف ١٨٨
(٢) البقرة ٢٠٤
(٣) المنافقون ٤
وما يغلب على رأيهم، وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ويقتل نفوسهم وأحبابهم، ويشمت عدوهم، ويميت سلطانهم، ويكسر عساكرهم، ويمكن لعدوهم على علم ويقين؛ فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط، ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم من معاوية وبني أمية من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سبّ هؤلاء السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشدّ الناس عداوة لرسول الله ﷺ ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادّعوا أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبّوهم هذا السبّ، وطعنوا عليهم هذا الطعن، الذي لم يبلغه العدوّ المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية [١] .
وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية، والناصرية: الرافضة أضرّ علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ولغوا في دمائنا.
ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي ﷺ، / وأمير المؤمنين، والذين يدّعون لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا بد من أن يكون عالما بجميع اللغات؛ قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها
بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي ﷺ قد كان قرأ صحف ابراهيم، وما نزل على آدم، ونوح، وموسى، وداود، وعيسى، وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام.
وأنت تجده ﷺ يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون.
ويدلّ بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء قبله بأنه النبي الأمي، وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله ﷺ وعلى دينه من المكاره وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم مسطور، وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله ﷺ ما قرأ كتابا قط ولاخطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا «١» يكتبون بهذه الأقلام ولا يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والحسن والحسين ﵃ ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر.
وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا بالعربية، وأن رسول الله ﷺ ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام، وهم يدّعون على رسول الله ﷺ وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت، ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله ﷺ كان أعلم بالشعر من كل شاعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه
_________
(١) في الأصل «كان» ولعل الصواب ما أثبتناه
Translation
الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب ﵁
#67
Chapter 67 — الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم
· ref. #67
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
العرب والعجم، والفصيح والأعجم، ولا يستقيم له، ولا يجري على لسانه، والله ﷿ يقول: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» «١» فمن هذا الجنس مدائحهم لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وهو الغاية في تكذيبه والطعن في نبوته.
[الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم]
وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون اليها على عمد وعلم، والله قد أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكنوا من غفر حمار يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٢» ويقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «٣» «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» ويقول في قصة سليمان ﷺ: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» «٥» يقول ﷿: إن الجن وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الانس من يدّعي ذلك لها، وكان سليمان ﵇ واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكىء على عصا كانت في يده، فتوفاه الله ﷿ على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ويشاهدها، وكانت إن قصّرت عذّبها، فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه،
_________
(١) ياسين ٦٩
(٢) البقرة ١٩٥
(٣) النساء ٢٩
(٤) النساء ٧١
(٥) سبأ ١٤
تبيّنت الجن أنه قد مات مذحين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت بهذا العلم، ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع به، وهؤلاء يدّعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في المهالك، وقد بيّن ﷿ أن يوسف ﷺ لما أعلمه بالعواقب في تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها اليه فقرت عينه، وعيّن كل وليّ له وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا فقال لهم: ستتوالى عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة وليكن ما تخزنونه في سنبله وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك.
والله ﷿ يقول: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «١» بيّن ﷿، أن العاقل إذا علم العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره، ثم بعد ذلك/ ينتفع غيره إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدلّ الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة سليمان مع الجن.
فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة، فإنه وإن كان كلاما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل ﵀ حين استدعاه المأمون
_________
(١) آل عمران ١٦٨
[الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم]
وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون اليها على عمد وعلم، والله قد أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكنوا من غفر حمار يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٢» ويقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «٣» «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» ويقول في قصة سليمان ﷺ: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» «٥» يقول ﷿: إن الجن وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الانس من يدّعي ذلك لها، وكان سليمان ﵇ واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكىء على عصا كانت في يده، فتوفاه الله ﷿ على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ويشاهدها، وكانت إن قصّرت عذّبها، فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه،
_________
(١) ياسين ٦٩
(٢) البقرة ١٩٥
(٣) النساء ٢٩
(٤) النساء ٧١
(٥) سبأ ١٤
تبيّنت الجن أنه قد مات مذحين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت بهذا العلم، ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع به، وهؤلاء يدّعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في المهالك، وقد بيّن ﷿ أن يوسف ﷺ لما أعلمه بالعواقب في تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها اليه فقرت عينه، وعيّن كل وليّ له وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا فقال لهم: ستتوالى عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة وليكن ما تخزنونه في سنبله وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك.
والله ﷿ يقول: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «١» بيّن ﷿، أن العاقل إذا علم العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره، ثم بعد ذلك/ ينتفع غيره إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدلّ الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة سليمان مع الجن.
فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة، فإنه وإن كان كلاما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل ﵀ حين استدعاه المأمون
_________
(١) آل عمران ١٦٨
Translation
الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم
#68
Chapter 68 — الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب
· ref. #68
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
وسأله الكلام عليهم فقال لهم: أخبروني أيما أيسر عندكم، العلم بما سيكون، أو العلم بما قد كان «١»، فقال لهم: فأخبرونا عما قد كان، إن شئتم بالبصرة، وإن شئتم بالكوفة، وإن شئتم ببغداد، وإن شئتم في هذا القصر، بأن تقولوا في خزانة الكسوة كذا وكذا صندوقا أو رزمة أو عدلا، وفي الصندوق الفلاني كذا وكذا قميصا وكذا وكذا قباء، وكذا وكذا عمامة، وفصلوا ما في كل واحد منها، وهو شيء قد كان ووجد، وعرفه الخزان والفراشون، ولكم الكلام. فسكتوا فما أحاروا جوابا، وهذا شاف كاف بل زائد على الكفاية فما تحتاج معه إلى غيره في بيان فضيحتهم، فاعرف ذلك.
[الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب]
وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب ﵀: إذا قلتم إن النجوم تدل على ما كان ويكون، وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك، وطلب ما في أيدي الناس، والتذلل لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي الجبائي عن مثل هذا، وسألهم أصحابه، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وإنما أنطق هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه/ عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه والفكر فيما تدرسه والتدبر له، ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا نقول، ونخطىء على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو شئنا لا ستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب
_________
(١) لعل هنا نقصا تقديره: «فقالوا بل العلم بما قد كان»
من التدبير، ولمحنة امتحني الله بها كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال.
فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني نفسك وعيالك، وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ادعيت ولا تقدر عليه، ولا تجد سبيلا اليه.
والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء مما يدّعون مع حاجتهم إلى ذلك، بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل الأمر في بابه ﵇ أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ذلك مع حاجته اليه كما تقدم ذكر/ ذلك في غير موضع من هذا الكتاب.
والعجب أن أمير المؤمنين ﵁ يسأل عما كان من طلحة والزبير، فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن أنهم يفعلون ذلك، ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال «١»: من له هداية بذي قار يهديناا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدي الناس بذي قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار.
_________
(١) الربذة من قرى المدينة على بعد ثلاثة اميال في طريق مكة. معجم البلدان
ولما اشنبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه ﵉: يا حسن، أما ترى، ودّ أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الامر يصير إلى هذا.
وكان ابن عباس يقول: كان علي ﵁ لسابقته وقرابته يرى أنه لا يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن.
ورأى ﵇ على بنت له لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال:
من أين لها هذه لله، عليّ أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت المال لما رأى جدّه في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت.
ودخل على الحسن ﵇ رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا رسول معاوية إليك، فقال له: أو هكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن وسلم، ففعل ذلك ودخل/ بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني «١» رؤساؤهم بأنهم يسلمونك إليّ، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيّكم، فبكى الناس، ثم خطبهم فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم
_________
(١) في الأصل: أرسلني
ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة فنادوه البقية البقية يا أمير المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي.
ولما مات معاوية عزم الحسين ﵇ على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر اليهم، ولا تأمن بني أمية، فإنهم طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل الكوفة فإنهم قتلوا أباك/ وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال الحسين: هذه كتبهم، وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، وكاتبوني بالقدوم عليهم، وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم يسلمونك، والحسين ﵇ يكذب عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: استودعك الله من قتيل.
وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير اليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضرّ الجناب فأقدم، فإنما تقدم على جند مجنّد. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل
فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه قال له: فلا تسر بعيالك معك فتقتل وهم يرونك.
فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى قتالا، ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ولا مانع.
ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانىء بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرّف مسلم بن عقيل وأهل الكوفة بأنه ﵇ قد سار اليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن زياد فقتله، والحسين ﵇ لا يعلم بشيء من ذلك.
فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن الخبر فأخبره بقتل مسلم وهانىء والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد الله بن زياد عنهم، وأنه قد تمكن. فبقي ﵇ كئيبا حزينا، وصار في نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم وهم بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظنّ أن أهل الكوفة إذا رأوه نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه.
فلما قرب من الكوفة وجّه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت،
[الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب]
وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب ﵀: إذا قلتم إن النجوم تدل على ما كان ويكون، وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك، وطلب ما في أيدي الناس، والتذلل لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي الجبائي عن مثل هذا، وسألهم أصحابه، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وإنما أنطق هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه/ عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه والفكر فيما تدرسه والتدبر له، ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا نقول، ونخطىء على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو شئنا لا ستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب
_________
(١) لعل هنا نقصا تقديره: «فقالوا بل العلم بما قد كان»
من التدبير، ولمحنة امتحني الله بها كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال.
فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني نفسك وعيالك، وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ادعيت ولا تقدر عليه، ولا تجد سبيلا اليه.
والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء مما يدّعون مع حاجتهم إلى ذلك، بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل الأمر في بابه ﵇ أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ذلك مع حاجته اليه كما تقدم ذكر/ ذلك في غير موضع من هذا الكتاب.
والعجب أن أمير المؤمنين ﵁ يسأل عما كان من طلحة والزبير، فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن أنهم يفعلون ذلك، ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال «١»: من له هداية بذي قار يهديناا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدي الناس بذي قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار.
_________
(١) الربذة من قرى المدينة على بعد ثلاثة اميال في طريق مكة. معجم البلدان
ولما اشنبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه ﵉: يا حسن، أما ترى، ودّ أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الامر يصير إلى هذا.
وكان ابن عباس يقول: كان علي ﵁ لسابقته وقرابته يرى أنه لا يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن.
ورأى ﵇ على بنت له لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال:
من أين لها هذه لله، عليّ أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت المال لما رأى جدّه في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت.
ودخل على الحسن ﵇ رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا رسول معاوية إليك، فقال له: أو هكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن وسلم، ففعل ذلك ودخل/ بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني «١» رؤساؤهم بأنهم يسلمونك إليّ، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيّكم، فبكى الناس، ثم خطبهم فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم
_________
(١) في الأصل: أرسلني
ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة فنادوه البقية البقية يا أمير المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي.
ولما مات معاوية عزم الحسين ﵇ على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر اليهم، ولا تأمن بني أمية، فإنهم طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل الكوفة فإنهم قتلوا أباك/ وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال الحسين: هذه كتبهم، وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، وكاتبوني بالقدوم عليهم، وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم يسلمونك، والحسين ﵇ يكذب عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: استودعك الله من قتيل.
وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير اليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضرّ الجناب فأقدم، فإنما تقدم على جند مجنّد. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل
فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه قال له: فلا تسر بعيالك معك فتقتل وهم يرونك.
فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى قتالا، ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ولا مانع.
ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانىء بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرّف مسلم بن عقيل وأهل الكوفة بأنه ﵇ قد سار اليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن زياد فقتله، والحسين ﵇ لا يعلم بشيء من ذلك.
فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن الخبر فأخبره بقتل مسلم وهانىء والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد الله بن زياد عنهم، وأنه قد تمكن. فبقي ﵇ كئيبا حزينا، وصار في نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم وهم بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظنّ أن أهل الكوفة إذا رأوه نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه.
فلما قرب من الكوفة وجّه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت،
Translation
الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب
#69
Chapter 69 — الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي ﵁ وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا
· ref. #69
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
وناداهم يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هذا كتابك، قد كنا ساكتين وعدونا عنا ممسك، فسللتم علينا سيفا كان مغمودا عنا، وفعلتم وفعلتم، فما زالوا يحاربونه، وعياله يضجون ويبكون، ومن معه من إخوته وولده وبني عمه يقتلون، وهو يبكي ويذكر قول ابن عمر، وكلما ضج نساؤه يقول:
لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا يشقوا عليه جيبا؛ ولا يظهروا «١» عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، / ويقول كيف أصنع يا أخيّة، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ويحتسب على أهل الكوفة وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى الطوامير الطوال «٢»، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته.
والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب.
[الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي ﵁ وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا]
ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه، أن قوما في زمانه قد ادّعوا فيه أنه إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر.
قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على
_________
(١) في الأصل: يظهرون
(٢) الطامور والطومار: هو الصحيفة وهو لفظ فارسي الأصل. لسان العرب مادة: طمر
قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء وقد ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره.
ومن عجيب الأمور، أن أفعال هؤلاء وأقوالهم، تشهد بأنهم ﵈ ما ادّعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات، وقد تيقن ذلك كل متوسم ومتأمل، فقالوا: ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من الانسانية، فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا يعرفون عبد الله بن سبأ «١»، وهو/ المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق، ولم يؤبه له. فرحل إلى الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك، فلم يقم له سوق فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه، وأوقع بين أبي الدرداء وبين قوم بالشام شرا، وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر، وكان على هذا، واغتر به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار ابن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا ﵀ عليه من بمصر عن الولاة مكروها، فثار من ذلك فتنة
وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية.
_________
(١) كتب في هامش الصفحة: أول من ألقى في عسكر علي بن أبي طالب أنه إله العالمين، عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليهودي.
ثم وثب المصريون، فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان، ولما نفر طلحة والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون، فدس ابن السوداء أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما يصطلحون إلا عليكم، فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير/ واحد من العلماء وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة.
وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن الحكم. وكان يدّعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج اليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك.
ولقد قال قائل لأمير المؤمنين عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولّوا عليهم وعليك غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك لو قلت لي أنك رأيته لفعلت بك وفعلت.
وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون
أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. / ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضا على يدي سويد، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوا برىء، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ، فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سنّ له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يودّ لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ولىّ الأمر بعده عمر، واستأمر/ في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي
ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله باسلامه الاسلام وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فطنا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضيّ على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما، واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله ﵇:
من كنت مولاه فعليّ مولاه، ولا تصدقون بهذا ومجيئه أقوى من مجيء ذاك.
والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بيّنة معلومة قد شهد بها العقل، وقد تقدم بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم بصحته/ مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء.
ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر «١»
_________
(١) في الأصل: أبي بكر
وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه.
ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار الشيعة «١»، وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من عليّ، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال:
ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان كذابا.
قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص، ولم نقصد لذكر ما قاله أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه، وظهر إلى قوم كان يلقيه اليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ قد قتل ومات ودفن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. / ولما افتضح بهت، وادّعى على أمير المؤمنين ما لم يقله.
والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله، وبقول الذين حرقهم، وإنما
_________
(١) يقصد بأبي القاسم: عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، من كبار المعتزلة، له آراء ومقالات انفرد بها، أخذ عنه قاضي القضاة عبد الجبار كثيرا في كتابه طبقات المعتزلة.
أحرقهم لأنهم أظهروا السرّ، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم لم يحرّق عبد الله بن سبأ؟
قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرّقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر.
وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير المؤمنين وولده أنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة بين الناس فما ادّعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ولا أظهروا ما يدّعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة عليكم لمن خالفكم، فإن قلتم: قد أظهروا ما يدّعون بهتم الناس وليس مع المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة، فإن قلتم بالعقل قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا أنه لا تخلو الدنيا من نبيّ موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبيّ إلا بنبيّ مثله، ولا يبلغ شريعة نبيّ إلا نبيّ مثله، وقد قال الله: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا» «١» وقال: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا» «٢» فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله ﷺ قال: لا نبيّ بعدي، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا/ ذلك، فإن ادعيتم علينا المكابرة ادّعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندّعي أن هؤلاء القوم قالوا لنا ولسلفنا أنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم
_________
(١) المؤمنون ٤٤
(٢) المؤمنون ٥١
من أفعال رسول الله ﷺ وأقواله، وأفعال أمير المؤمنين وأقواله، أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطىء ويعصى. فإن قلتم لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبيّ ﷺ قال لعليّ: لا نبيّ بعدي إلا أنت وولداك، فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبيّ، وبيان شخص الإمام، وأنه معصوم، وأن الآيات قد ظهرت عليه، شيء وضعه هشام وفرية ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه، فلا يجدون فصلا، وإذا كلم هؤلاء الإمامية من يقول أمير المؤمنين إله فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبيّ، لأنهم إن قالوا: لهم جسم لا يكون قديما قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه جسم ذو نهاية، وأنه نور وأنه يتحرك ويرى ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك.
قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي والسوس النجردي، وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر، قالوا لهم: ونحن نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت بحارها ونصبت جبالها، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله،
قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال أأنا عبد الله، أأنا أخو رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه، فينقطع الإمامية في أيديهم.
وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد فأستأذنت عليه، هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما خلقت خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، واتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان أبو الخطاب إذا لبّى يقول: لبيك جعفر لبيك.
وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين وولده كانوا يدّعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون المعجزات، ويدّعون العصمة، فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولّد أهل ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدّعون أن هذا مما قاله النبيّ ﵇ ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا العصر ووضعوا أنّ النبيّ ﷺ قال: إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. فأعداء رسول الله ﷺ يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نصّ عليه ﷺ أنه لا يدخل النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، بل كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة ﵍ أقوى من العلم بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء
لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا يشقوا عليه جيبا؛ ولا يظهروا «١» عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، / ويقول كيف أصنع يا أخيّة، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ويحتسب على أهل الكوفة وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى الطوامير الطوال «٢»، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته.
والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب.
[الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي ﵁ وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا]
ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه، أن قوما في زمانه قد ادّعوا فيه أنه إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر.
قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على
_________
(١) في الأصل: يظهرون
(٢) الطامور والطومار: هو الصحيفة وهو لفظ فارسي الأصل. لسان العرب مادة: طمر
قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء وقد ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره.
ومن عجيب الأمور، أن أفعال هؤلاء وأقوالهم، تشهد بأنهم ﵈ ما ادّعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات، وقد تيقن ذلك كل متوسم ومتأمل، فقالوا: ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من الانسانية، فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا يعرفون عبد الله بن سبأ «١»، وهو/ المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق، ولم يؤبه له. فرحل إلى الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك، فلم يقم له سوق فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه، وأوقع بين أبي الدرداء وبين قوم بالشام شرا، وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر، وكان على هذا، واغتر به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار ابن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا ﵀ عليه من بمصر عن الولاة مكروها، فثار من ذلك فتنة
وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية.
_________
(١) كتب في هامش الصفحة: أول من ألقى في عسكر علي بن أبي طالب أنه إله العالمين، عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليهودي.
ثم وثب المصريون، فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان، ولما نفر طلحة والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون، فدس ابن السوداء أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما يصطلحون إلا عليكم، فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير/ واحد من العلماء وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة.
وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن الحكم. وكان يدّعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج اليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك.
ولقد قال قائل لأمير المؤمنين عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولّوا عليهم وعليك غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك لو قلت لي أنك رأيته لفعلت بك وفعلت.
وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون
أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. / ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضا على يدي سويد، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوا برىء، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ، فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سنّ له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يودّ لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ولىّ الأمر بعده عمر، واستأمر/ في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي
ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله باسلامه الاسلام وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فطنا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضيّ على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما، واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله ﵇:
من كنت مولاه فعليّ مولاه، ولا تصدقون بهذا ومجيئه أقوى من مجيء ذاك.
والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بيّنة معلومة قد شهد بها العقل، وقد تقدم بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم بصحته/ مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء.
ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر «١»
_________
(١) في الأصل: أبي بكر
وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه.
ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار الشيعة «١»، وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من عليّ، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال:
ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان كذابا.
قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص، ولم نقصد لذكر ما قاله أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه، وظهر إلى قوم كان يلقيه اليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ قد قتل ومات ودفن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. / ولما افتضح بهت، وادّعى على أمير المؤمنين ما لم يقله.
والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله، وبقول الذين حرقهم، وإنما
_________
(١) يقصد بأبي القاسم: عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، من كبار المعتزلة، له آراء ومقالات انفرد بها، أخذ عنه قاضي القضاة عبد الجبار كثيرا في كتابه طبقات المعتزلة.
أحرقهم لأنهم أظهروا السرّ، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم لم يحرّق عبد الله بن سبأ؟
قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرّقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر.
وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير المؤمنين وولده أنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة بين الناس فما ادّعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ولا أظهروا ما يدّعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة عليكم لمن خالفكم، فإن قلتم: قد أظهروا ما يدّعون بهتم الناس وليس مع المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة، فإن قلتم بالعقل قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا أنه لا تخلو الدنيا من نبيّ موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبيّ إلا بنبيّ مثله، ولا يبلغ شريعة نبيّ إلا نبيّ مثله، وقد قال الله: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا» «١» وقال: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا» «٢» فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله ﷺ قال: لا نبيّ بعدي، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا/ ذلك، فإن ادعيتم علينا المكابرة ادّعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندّعي أن هؤلاء القوم قالوا لنا ولسلفنا أنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم
_________
(١) المؤمنون ٤٤
(٢) المؤمنون ٥١
من أفعال رسول الله ﷺ وأقواله، وأفعال أمير المؤمنين وأقواله، أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطىء ويعصى. فإن قلتم لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبيّ ﷺ قال لعليّ: لا نبيّ بعدي إلا أنت وولداك، فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبيّ، وبيان شخص الإمام، وأنه معصوم، وأن الآيات قد ظهرت عليه، شيء وضعه هشام وفرية ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه، فلا يجدون فصلا، وإذا كلم هؤلاء الإمامية من يقول أمير المؤمنين إله فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبيّ، لأنهم إن قالوا: لهم جسم لا يكون قديما قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه جسم ذو نهاية، وأنه نور وأنه يتحرك ويرى ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك.
قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي والسوس النجردي، وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر، قالوا لهم: ونحن نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت بحارها ونصبت جبالها، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله،
قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال أأنا عبد الله، أأنا أخو رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه، فينقطع الإمامية في أيديهم.
وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد فأستأذنت عليه، هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما خلقت خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، واتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان أبو الخطاب إذا لبّى يقول: لبيك جعفر لبيك.
وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين وولده كانوا يدّعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون المعجزات، ويدّعون العصمة، فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولّد أهل ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدّعون أن هذا مما قاله النبيّ ﵇ ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا العصر ووضعوا أنّ النبيّ ﷺ قال: إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. فأعداء رسول الله ﷺ يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نصّ عليه ﷺ أنه لا يدخل النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، بل كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة ﵍ أقوى من العلم بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء
Translation
الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي ﵁ وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا
#70
Chapter 70 — حول قولهم بأن الله حرم ذرية فاطمة ﵂ عن النار
· ref. #70
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
أقرب من عهد أولئك، وهم خلق كثير وأمم عظيمة، أحياء بين الناس، وهذا نص فيهم وحجة لهم، فالعلم به كان ينبغي أن يكون أقوى، فلما لم يكن كذلك علمت أنه أمر لا أصل له، وهو كادعائهم النص والعصمة والمعجزات لأئمتهم.
[حول قولهم بأن الله حرّم ذرية فاطمة ﵂ عن النار]
ولقد قال عظيم من ولد فاطمة ﵍ وملك من ملوكهم لأبي عبد الله محمد بن علي بن زيد بن رزام الطائي الكوفي: نحن أمرنا على يقين، فإن فاطمة أمنا حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فقال له ابن رزام فهل بلغك أن حواء زنت قط؟ ما كانت إلا حصينة الفرج، فذريتها محرمة على النار، فسكت. وهو كما قال ابن رزام، وفي هذا كلام كبير.
والذي يعرف العلماء أن النبي ﷺ، قال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، ويا عباس عم محمد، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم شيئا «١» لا تأتوني بالأنساب ويأتي غيركم بالأعمال، فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم، كلكم لآدم وآدم من تراب، والناس سواء كأسنان المشط، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، فخيركم من اتقى الله.
وكم مثل هذا من قوله، وكم في القرآن مثل هذا، وأنت تعرفه، والذي جعله الله في عقول العلماء من عباده هو الذي قاله رسول الله لا يجوز غيره، وهؤلاء القرامطة يدّعون أنهم شيعة أهل البيت، وهم فيما بينهم يتواصون بقتل العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس، وأشد في الإدلال على الناس بجدهم من أولئك، وقد سلطهم على الناس. وهذا
_________
(١) كتب في هامش الأصل: قال النبي ﷺ لفاطمة ولصفية وللعباس ﵃.
[حول قولهم بأن الله حرّم ذرية فاطمة ﵂ عن النار]
ولقد قال عظيم من ولد فاطمة ﵍ وملك من ملوكهم لأبي عبد الله محمد بن علي بن زيد بن رزام الطائي الكوفي: نحن أمرنا على يقين، فإن فاطمة أمنا حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فقال له ابن رزام فهل بلغك أن حواء زنت قط؟ ما كانت إلا حصينة الفرج، فذريتها محرمة على النار، فسكت. وهو كما قال ابن رزام، وفي هذا كلام كبير.
والذي يعرف العلماء أن النبي ﷺ، قال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، ويا عباس عم محمد، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم شيئا «١» لا تأتوني بالأنساب ويأتي غيركم بالأعمال، فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم، كلكم لآدم وآدم من تراب، والناس سواء كأسنان المشط، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، فخيركم من اتقى الله.
وكم مثل هذا من قوله، وكم في القرآن مثل هذا، وأنت تعرفه، والذي جعله الله في عقول العلماء من عباده هو الذي قاله رسول الله لا يجوز غيره، وهؤلاء القرامطة يدّعون أنهم شيعة أهل البيت، وهم فيما بينهم يتواصون بقتل العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس، وأشد في الإدلال على الناس بجدهم من أولئك، وقد سلطهم على الناس. وهذا
_________
(١) كتب في هامش الأصل: قال النبي ﷺ لفاطمة ولصفية وللعباس ﵃.
Translation
حول قولهم بأن الله حرم ذرية فاطمة ﵂ عن النار
#71
Chapter 71 — حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين
· ref. #71
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
مذكور لهم في البلاغ السابع والنيموس الأعظم الذي فيه حقيقة مذهبهم الذي يخرجون به إلى من قد بلغوه، وهو وصيتهم لأبي طاهر بن سعيد الجنابي.
[حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين]
ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله، قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمل أهل بيته عنها، وولد العباس وولد أبي طالب لا يتدافعون انهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي الناس كلهم، حتى يقولوا عظاماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه الخمس.
فقيل لهم: لو كان ﷺ قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» «١» إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» «٢» إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة أشراف معروفين، وكان ينبغي أن يكون رسول الله ﷺ قد قسم فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس الأرض فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفد أمره فيها خمس سنين.
فإن قالوا: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك، وفعله أمير المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع الأخبار، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من
_________
(١) التوبة ٦٠
(٢) النساء ١١
حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه ﵇ كان قد أقطع عبيد الله اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل ابن أبي طالب أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين ﵇ عمان والهند، أو ادّعى أن رسول الله ﷺ قسم ذلك عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك.
والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله ﷺ حرم عليهم الصدقات وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسدّ به الخلة.
وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول:
ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله ﷺ، إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قمّت البيت حتى أثر بثوبها «١»، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات رسول الله ﷺ ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالنّاس، وطال انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ، أخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، فاستحيت أن تقول، فقلنا جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ما هو خير لك
_________
(١) قم البيت: كنسه اللسان، مادة: قمم
من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة طويلة.
وأتته فاطمة مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما.
فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، فما زاد على هذا.
وكم قد سأله ﷺ غير واحد من بني هاشم فمنعهم، وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم.
وكانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل، فكان عمر ابن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء السبيل، وقد سألته إياها فاطمة بنته ﷺ فمنعها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة ﵂، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان ﷺ يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل.
ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ﷺ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحبّ إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.
فعادة رسول الله ﷺ في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس الجزيل الكثير، ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها كلها، وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته ﷺ في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا.
ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، إن فلانة الانصارية دخلت عليّ فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إليّ بهذا، فقال:
رديه، فلم تردّه، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث مرات، وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك، وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها في المطاعن على رسول الله ﷺ، فيشغبون من كل وجه، فقلّ ملحد إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف، وقد تقدم لك ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله ﷺ البيان، وليس يجب عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك.
وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي
[حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين]
ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله، قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمل أهل بيته عنها، وولد العباس وولد أبي طالب لا يتدافعون انهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي الناس كلهم، حتى يقولوا عظاماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه الخمس.
فقيل لهم: لو كان ﷺ قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» «١» إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» «٢» إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة أشراف معروفين، وكان ينبغي أن يكون رسول الله ﷺ قد قسم فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس الأرض فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفد أمره فيها خمس سنين.
فإن قالوا: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك، وفعله أمير المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع الأخبار، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من
_________
(١) التوبة ٦٠
(٢) النساء ١١
حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه ﵇ كان قد أقطع عبيد الله اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل ابن أبي طالب أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين ﵇ عمان والهند، أو ادّعى أن رسول الله ﷺ قسم ذلك عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك.
والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله ﷺ حرم عليهم الصدقات وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسدّ به الخلة.
وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول:
ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله ﷺ، إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قمّت البيت حتى أثر بثوبها «١»، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات رسول الله ﷺ ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالنّاس، وطال انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ، أخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، فاستحيت أن تقول، فقلنا جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ما هو خير لك
_________
(١) قم البيت: كنسه اللسان، مادة: قمم
من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة طويلة.
وأتته فاطمة مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما.
فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، فما زاد على هذا.
وكم قد سأله ﷺ غير واحد من بني هاشم فمنعهم، وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم.
وكانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل، فكان عمر ابن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء السبيل، وقد سألته إياها فاطمة بنته ﷺ فمنعها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة ﵂، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان ﷺ يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل.
ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ﷺ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحبّ إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.
فعادة رسول الله ﷺ في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس الجزيل الكثير، ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها كلها، وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته ﷺ في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا.
ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، إن فلانة الانصارية دخلت عليّ فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إليّ بهذا، فقال:
رديه، فلم تردّه، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث مرات، وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك، وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها في المطاعن على رسول الله ﷺ، فيشغبون من كل وجه، فقلّ ملحد إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف، وقد تقدم لك ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله ﷺ البيان، وليس يجب عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك.
وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي
Translation
حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين
#72
Chapter 72 — الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته ﵊ وشيعته
· ref. #72
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
بالحجاز وإنما فدك التي نحلها رسول الله ﷺ فاطمة هو ما سقته الفرات والنيل ودجلة وسيحون وجيحون، فلأولادها يأكلون من مال أمهم، والشيعة يأكلون من مال مواليهم، وكأنك بهذا قد انتشر وصار له إسناد، وادّعوا فيه التواتر.
وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه مات، وكانت الشيع ترجع اليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي الحسن عليّ بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشيء وحمام بن فراس في هذا الموضع معروف [١] .
[الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته ﵊ وشيعته]
وقد وضعوا أن رسول الله ﷺ قال: إن الصلاة والصوم والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من هذه المحرمات وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض.
وزوّر لهم في ذلك الروايات، وتأولوا في ذلك القرآن، وقد انتشر هذا وانبث وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي المشاهدة ليغتر به الناس، وبينما ترى الواحد وقد ادّعى التشيع حتى قد تبرأ من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادّعى أن القرآن مغير ومبدل، حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا تجب عليه عبادة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل
الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على البررة والخاصة، والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء يعرفون من سنة محمد ﷺ أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية، وقد ولّى على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني هاشم ومواليهم رجال كثير وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر ﵁ قديم الإسلام، قديم الهجرة، وقد وّلى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وجعله خليفة/ على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم حنين، وكان علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك العسكر وفي هذه المواطن كلها، وقد ولّى رسول الله ﷺ على عسكره وجيشه أبا بكر الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم وينهاهم.
ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قدم أبو بكر وعمر على معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله ﷺ لمن معه:
كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما
وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه مات، وكانت الشيع ترجع اليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي الحسن عليّ بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشيء وحمام بن فراس في هذا الموضع معروف [١] .
[الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته ﵊ وشيعته]
وقد وضعوا أن رسول الله ﷺ قال: إن الصلاة والصوم والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من هذه المحرمات وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض.
وزوّر لهم في ذلك الروايات، وتأولوا في ذلك القرآن، وقد انتشر هذا وانبث وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي المشاهدة ليغتر به الناس، وبينما ترى الواحد وقد ادّعى التشيع حتى قد تبرأ من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادّعى أن القرآن مغير ومبدل، حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا تجب عليه عبادة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل
الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على البررة والخاصة، والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء يعرفون من سنة محمد ﷺ أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية، وقد ولّى على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني هاشم ومواليهم رجال كثير وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر ﵁ قديم الإسلام، قديم الهجرة، وقد وّلى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وجعله خليفة/ على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم حنين، وكان علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك العسكر وفي هذه المواطن كلها، وقد ولّى رسول الله ﷺ على عسكره وجيشه أبا بكر الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم وينهاهم.
ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قدم أبو بكر وعمر على معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله ﷺ لمن معه:
كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما
Translation
الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته ﵊ وشيعته
#73
Chapter 73 — حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله
· ref. #73
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
سيرشدان الناس، فإن أطاعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم، وإن عصوهما فقد غووا وغوت أمهم، يقولها ثلاثا.
[حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله]
وقد ولى رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وفيه عليّ ابن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي والخطيب والدافع بالناس دون عليّ، ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلّى ببني هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم وهناك من بني هاشم خلق كثير، فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين وما كلفهم من الشدائد فأعظم، ولمثل هذا قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه اليه، وقد ذكر فيه الشدائد التي كلفها رسول الله ﷺ بني هاشم: فكان إذ حمي الناس ودعي إلى البراز قدم رسول الله ﷺ أهل بيته فوقّى بهم/ أصحابه حرّ السيف وحرّ الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع نبيّ الله ﷺ غير مرة غير أن آجالهم عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، فجزاهم الله خيرا.
فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله ﷺ، فإنها ضد سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم، وفي هذا كلام كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال، وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه فارجع اليها وتأملها.
وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ، وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير
المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها يوم موت رسول الله ﷺ على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله ﷺ في كل فريق، وقد تجاذبوا الامارة وفيمن تكون الرئاسة، فانظر كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله ﷺ، والتسليم لأوامره، والاقتفاء بأثره، والطلب لوصاياه فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو شك في شيء من أمره وأفعاله ﷺ ولا سأل على طريق الاستفهام عن شيء من أموره بوجه من الوجوه، هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف/ الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في الأخيار من قريش، وهذا موضع يخرج في الأضغان ويظهر الشحناء.
ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه، وفي أهل السابقة، وهناك من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور الثروة ما لا يحصى كثرة، ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حيّ في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له مال فأنفقه على رسول الله ﷺ وفي نوائب الإسلام، حتى لم يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصّى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ألا تشتري لك ثوبا جديدا يكفيك فيه، فقال:
الحيّ أحوج إلى الجديد.
ولما استخلف، غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا خليفة رسول الله ﷺ أصبح غاديا يبايع
الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك «١»، وقالوا له قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور.
فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة/ النبوة من كل دنس، وطهارتها من كل لبس.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم، وأنهم في السقيفة اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من هذا، وبينّا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبيّ ﷺ وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها، هم الذين اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته فطهارته، وتقربوا إلى الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره، فلا فرق بين من ادّعى هذا وأن أبا بكر غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادّعى ذلك في رسول الله ﷺ وادعى ذلك في أمير المؤمنين، ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] «٢» من ادعى أنهم لبسوا الازر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ.
وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة
_________
(١) جاء في الهامش «لما استخلف أبو بكر ﵁ غدا إلى السوق على عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ»
(٢) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن الأنصار ﵏ طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بيّن لهم أبو بكر أنه لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله.
قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر/ الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه.
قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا زيادة في كلفة الانصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها عليهم.
وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال:
ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة «١» ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بنى ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا اليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.
_________
(١) في الأصل: أبو عبيدة
ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر/ هكذا ينبغي أن تكون، «١» أو ما علموا أن موسى سأل ربه فقال: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» «٢» وقال رسول الله ﷺ: وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولولا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام.
وبعد فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا الينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة اليك أن تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا بها صاحبك، من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته.
_________
(١) ابن كلس: هو يعقوب بن كلس كان أحد وزراء الاخشيديين وهرب إلى الفاطميين وكان من أهم أسباب دخولهم مصر. أما ابن بقية فهو أبو طاهر محمد بن بقية وزر ببغداد سنة ٣٦٢ هـ.
(٢) طه ٣٠
وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله ﷺ خدع المهاجرين والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم، فقال ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في الأنصار: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ/ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة الله، ويواسون المحتاجين في ذات الله، مع ما بهم من الخصاصة، وشهد لهم بالفلاح، وقال رسول الله ﷺ: لو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم، وقال لهم: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، إلى غير ذلك مما قاله فيهم ﵃.
فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ما قال رسوله، ولكن الأنصار ﵏ لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا بكر حين قال لهم إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» أو كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله ﷺ ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره،
_________
(١) الحشر ٨
(٢) الحشر ٩
وإن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله ﷺ قدمه، ولقوله ﷺ:
«ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم»»
فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته، وإذا استوى في مجالسه، ولهذا قالوا/ وهم يصفون مجالس رسول الله ﷺ ومنازل أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تكون كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل اليه رسول الله ﷺ بوجهه وألقى اليه حديثه، وسمع الناس.
ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ بتعظيم أبي بكر للعباس، فاعرف هذا فإن الإمامية اليوم يروون عن رسول الله ﷺ أنه كان يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي جهل، وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، كما تشهد ببراءة رسول الله ﷺ، والكلام على الفريقين ممن كشف قناعه في الطعن على رسول الله ﷺ واعتقد افتعاله واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه.
وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.
_________
(١) جاء في هامش الأصل «قال رسول الله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»
وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه أهل بيته في زمانه، وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، فقال ﵀: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته/ الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي ﷺ أموال رسول الله ﷺ وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم له وأقدم عليه مدلّا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها وأكثر منها، لأنه برسول الله ﷺ عزّ، وبه تقدم، وبه كانت له الرئاسة، وبه صار صدّيقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما منعهم ذلك لأن رسول الله ﷺ منعهموه «١» .
ذكر أبو عليّ ﵀ هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها من الرافضة، ومن الناصبة، ومن الشيعة.
يزيدك بذلك علما، أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم، وملك الأرض، واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃ لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر ﵁ لم يعطهم شيئا من ذلك، بل كان يعطيهم
_________
(١) في الأصل: منعموه
على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء.
ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودوّن الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، / وسوّى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار، تقربا إلى رسول الله ﷺ، وبرا به ﷺ فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير المؤمنين حين صارت الخلافة اليه.
ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما ﵄ في عطائهما فلم يفعل، وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت لأزيدهما على ما فرض لهما عمر، وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده على ما فرض له عمر فلم يفعل، وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر، وقال له أتريد أن يكون خالك سرّاقا. وكان ﵁ لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما فرض له عمر، ومثل هذا كثير.
فإن قيل: ولم لا عرف رسول الله ﷺ أئمته وأزواجه أنهم لا يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ﷺ أن يقيم الحجة، ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك، ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ذكرنا كفايه، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين ﵁ وشبهه.
وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، وهم
فتحوا الدنيا ودعوا/ أهلها إلى حب رسول الله ﷺ وبني هاشم، وسلموها اليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب.
وقد سأل موسى أخاه هارون ﵉ وأخذ برأسه يجره اليه، ثم رجع اليه حين عرف الجواب عند حاجته اليه. فعير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول الله ﷺ ما احتاجوا اليه من أبي بكر.
ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر اليه بأنه نسي. ولم لا عرف سليمان ﵇ حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا رسول الله ﷺ للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيّه في حياته وبعد موته، وضربوا/ بنته وقتلوا جنينها في بطنها.
وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله ﷺ ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه
كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال:
لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبيه نبيّ الرحمة ﷺ، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا يكون تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه الدنيا قد/ غرّت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله به من مساوىء يوم القيامة فليفعل.
فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط، ولقد جعلها عمر شورى في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم اليه في ذلك ولا مسألة، ولم
يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ذلك.
لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة، فإذا وجدوا من يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا اليه وتمنوا مكانه.
ولما دفن عمر، وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم إنما يديرون الرأي في واحد منهم.
فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها، وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن/ وبايعه عليّ بعده، فما أنكر ذلك أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتّبوا، ولهذا كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب مني ولا رغبة، ثم اجتمع الناس عليّ من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع.
وأما أمير المؤمنين ﵁ فقد عرضت عليه، وعرضها عليه «١» العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها،
_________
(١) في الأصل: على
واختلفوا اليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا غيري أبايعه وتبايعونه.
وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه.
فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل عثمان ابن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤليّ إلى عائشة فقال:
انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله ﷺ أم رأي رأيتيه، فإن أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: «١» بلى هو رأي رأيته والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطى لبنيه الخمر، إن الغوغاء من/ أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ فأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تره، ولا عذر أنا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع النحاية المحماة، وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء «٢» فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم
_________
(١) في الأصل: قال
(٢) ماص الإناء: غسله، وفي حديث عائشة ﵂ في عثمان ﵁، مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه. اللسان، مادة ماص
ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، وقرأت:
«لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» «١» إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه.
فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال: أو لم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين- الذين غزوا عثمان- في البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة، ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء/ وأمثاله، كما تقدم ذكره.
فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم، وأن لا يسلم الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن القيام بها، ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها «٢» حتى قتل.
_________
(١) النساء ١١٤
(٢) في جعلها، في الأصل
وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه وما نزل عن الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر، وفيمن قتل عثمان، ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل، وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه.
وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية، وقد أرسل الحسين إلى أهل الكوفة وطلبها، وخرج اليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل، فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة.
قلنا: الذي عمله عثمان وعليّ والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه/ وصحت البيعة لهم، وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الافراج عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا كما فعل الحسن ﵁ حين أسلمه أهل الكوفة.
وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين ﵄، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن
مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد ابن الوليد بن عبد الملك، فيما أنكروه من المنكر.
وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك، وعثمان وعليّ ﵄ فما عهدا في أحد البتة وأبو بكر وعمر لما عهدا لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما.
ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون اليه بعده وهو ابنه يزيد فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لمن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله ﷺ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر/ وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما هلك هرقل قام هرقل، فانفلّ الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: «وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي» «١» إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت:
كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره.
فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي
_________
(١) الأحقاف ١٧
بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الامر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد أبي بكر.
ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله ﷺ فإنه ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل مرضيّ عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية، وهددهم، وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت اليه فجاءها وكلمته في أمرهم/ وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني أمية فيمن تهوونه.
وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر، قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون أن عليّا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟
[حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله]
وقد ولى رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وفيه عليّ ابن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي والخطيب والدافع بالناس دون عليّ، ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلّى ببني هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم وهناك من بني هاشم خلق كثير، فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين وما كلفهم من الشدائد فأعظم، ولمثل هذا قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه اليه، وقد ذكر فيه الشدائد التي كلفها رسول الله ﷺ بني هاشم: فكان إذ حمي الناس ودعي إلى البراز قدم رسول الله ﷺ أهل بيته فوقّى بهم/ أصحابه حرّ السيف وحرّ الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع نبيّ الله ﷺ غير مرة غير أن آجالهم عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، فجزاهم الله خيرا.
فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله ﷺ، فإنها ضد سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم، وفي هذا كلام كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال، وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه فارجع اليها وتأملها.
وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ، وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير
المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها يوم موت رسول الله ﷺ على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله ﷺ في كل فريق، وقد تجاذبوا الامارة وفيمن تكون الرئاسة، فانظر كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله ﷺ، والتسليم لأوامره، والاقتفاء بأثره، والطلب لوصاياه فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو شك في شيء من أمره وأفعاله ﷺ ولا سأل على طريق الاستفهام عن شيء من أموره بوجه من الوجوه، هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف/ الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في الأخيار من قريش، وهذا موضع يخرج في الأضغان ويظهر الشحناء.
ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه، وفي أهل السابقة، وهناك من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور الثروة ما لا يحصى كثرة، ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حيّ في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له مال فأنفقه على رسول الله ﷺ وفي نوائب الإسلام، حتى لم يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصّى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ألا تشتري لك ثوبا جديدا يكفيك فيه، فقال:
الحيّ أحوج إلى الجديد.
ولما استخلف، غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا خليفة رسول الله ﷺ أصبح غاديا يبايع
الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك «١»، وقالوا له قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور.
فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة/ النبوة من كل دنس، وطهارتها من كل لبس.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم، وأنهم في السقيفة اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من هذا، وبينّا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبيّ ﷺ وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها، هم الذين اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته فطهارته، وتقربوا إلى الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره، فلا فرق بين من ادّعى هذا وأن أبا بكر غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادّعى ذلك في رسول الله ﷺ وادعى ذلك في أمير المؤمنين، ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] «٢» من ادعى أنهم لبسوا الازر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ.
وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة
_________
(١) جاء في الهامش «لما استخلف أبو بكر ﵁ غدا إلى السوق على عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ»
(٢) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن الأنصار ﵏ طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بيّن لهم أبو بكر أنه لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله.
قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر/ الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه.
قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا زيادة في كلفة الانصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها عليهم.
وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال:
ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة «١» ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بنى ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا اليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.
_________
(١) في الأصل: أبو عبيدة
ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر/ هكذا ينبغي أن تكون، «١» أو ما علموا أن موسى سأل ربه فقال: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» «٢» وقال رسول الله ﷺ: وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولولا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام.
وبعد فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا الينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة اليك أن تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا بها صاحبك، من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته.
_________
(١) ابن كلس: هو يعقوب بن كلس كان أحد وزراء الاخشيديين وهرب إلى الفاطميين وكان من أهم أسباب دخولهم مصر. أما ابن بقية فهو أبو طاهر محمد بن بقية وزر ببغداد سنة ٣٦٢ هـ.
(٢) طه ٣٠
وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله ﷺ خدع المهاجرين والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم، فقال ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في الأنصار: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ/ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة الله، ويواسون المحتاجين في ذات الله، مع ما بهم من الخصاصة، وشهد لهم بالفلاح، وقال رسول الله ﷺ: لو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم، وقال لهم: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، إلى غير ذلك مما قاله فيهم ﵃.
فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ما قال رسوله، ولكن الأنصار ﵏ لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا بكر حين قال لهم إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» أو كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله ﷺ ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره،
_________
(١) الحشر ٨
(٢) الحشر ٩
وإن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله ﷺ قدمه، ولقوله ﷺ:
«ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم»»
فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته، وإذا استوى في مجالسه، ولهذا قالوا/ وهم يصفون مجالس رسول الله ﷺ ومنازل أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تكون كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل اليه رسول الله ﷺ بوجهه وألقى اليه حديثه، وسمع الناس.
ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ بتعظيم أبي بكر للعباس، فاعرف هذا فإن الإمامية اليوم يروون عن رسول الله ﷺ أنه كان يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي جهل، وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، كما تشهد ببراءة رسول الله ﷺ، والكلام على الفريقين ممن كشف قناعه في الطعن على رسول الله ﷺ واعتقد افتعاله واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه.
وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.
_________
(١) جاء في هامش الأصل «قال رسول الله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»
وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه أهل بيته في زمانه، وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، فقال ﵀: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته/ الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي ﷺ أموال رسول الله ﷺ وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم له وأقدم عليه مدلّا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها وأكثر منها، لأنه برسول الله ﷺ عزّ، وبه تقدم، وبه كانت له الرئاسة، وبه صار صدّيقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما منعهم ذلك لأن رسول الله ﷺ منعهموه «١» .
ذكر أبو عليّ ﵀ هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها من الرافضة، ومن الناصبة، ومن الشيعة.
يزيدك بذلك علما، أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم، وملك الأرض، واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃ لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر ﵁ لم يعطهم شيئا من ذلك، بل كان يعطيهم
_________
(١) في الأصل: منعموه
على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء.
ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودوّن الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، / وسوّى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار، تقربا إلى رسول الله ﷺ، وبرا به ﷺ فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير المؤمنين حين صارت الخلافة اليه.
ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما ﵄ في عطائهما فلم يفعل، وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت لأزيدهما على ما فرض لهما عمر، وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده على ما فرض له عمر فلم يفعل، وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر، وقال له أتريد أن يكون خالك سرّاقا. وكان ﵁ لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما فرض له عمر، ومثل هذا كثير.
فإن قيل: ولم لا عرف رسول الله ﷺ أئمته وأزواجه أنهم لا يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ﷺ أن يقيم الحجة، ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك، ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ذكرنا كفايه، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين ﵁ وشبهه.
وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، وهم
فتحوا الدنيا ودعوا/ أهلها إلى حب رسول الله ﷺ وبني هاشم، وسلموها اليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب.
وقد سأل موسى أخاه هارون ﵉ وأخذ برأسه يجره اليه، ثم رجع اليه حين عرف الجواب عند حاجته اليه. فعير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول الله ﷺ ما احتاجوا اليه من أبي بكر.
ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر اليه بأنه نسي. ولم لا عرف سليمان ﵇ حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا رسول الله ﷺ للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيّه في حياته وبعد موته، وضربوا/ بنته وقتلوا جنينها في بطنها.
وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله ﷺ ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه
كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال:
لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبيه نبيّ الرحمة ﷺ، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا يكون تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه الدنيا قد/ غرّت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله به من مساوىء يوم القيامة فليفعل.
فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط، ولقد جعلها عمر شورى في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم اليه في ذلك ولا مسألة، ولم
يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ذلك.
لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة، فإذا وجدوا من يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا اليه وتمنوا مكانه.
ولما دفن عمر، وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم إنما يديرون الرأي في واحد منهم.
فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها، وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن/ وبايعه عليّ بعده، فما أنكر ذلك أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتّبوا، ولهذا كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب مني ولا رغبة، ثم اجتمع الناس عليّ من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع.
وأما أمير المؤمنين ﵁ فقد عرضت عليه، وعرضها عليه «١» العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها،
_________
(١) في الأصل: على
واختلفوا اليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا غيري أبايعه وتبايعونه.
وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه.
فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل عثمان ابن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤليّ إلى عائشة فقال:
انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله ﷺ أم رأي رأيتيه، فإن أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: «١» بلى هو رأي رأيته والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطى لبنيه الخمر، إن الغوغاء من/ أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ فأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تره، ولا عذر أنا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع النحاية المحماة، وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء «٢» فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم
_________
(١) في الأصل: قال
(٢) ماص الإناء: غسله، وفي حديث عائشة ﵂ في عثمان ﵁، مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه. اللسان، مادة ماص
ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، وقرأت:
«لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» «١» إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه.
فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال: أو لم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين- الذين غزوا عثمان- في البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة، ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء/ وأمثاله، كما تقدم ذكره.
فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم، وأن لا يسلم الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن القيام بها، ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها «٢» حتى قتل.
_________
(١) النساء ١١٤
(٢) في جعلها، في الأصل
وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه وما نزل عن الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر، وفيمن قتل عثمان، ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل، وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه.
وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية، وقد أرسل الحسين إلى أهل الكوفة وطلبها، وخرج اليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل، فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة.
قلنا: الذي عمله عثمان وعليّ والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه/ وصحت البيعة لهم، وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الافراج عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا كما فعل الحسن ﵁ حين أسلمه أهل الكوفة.
وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين ﵄، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن
مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد ابن الوليد بن عبد الملك، فيما أنكروه من المنكر.
وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك، وعثمان وعليّ ﵄ فما عهدا في أحد البتة وأبو بكر وعمر لما عهدا لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما.
ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون اليه بعده وهو ابنه يزيد فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لمن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله ﷺ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر/ وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما هلك هرقل قام هرقل، فانفلّ الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: «وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي» «١» إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت:
كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره.
فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي
_________
(١) الأحقاف ١٧
بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الامر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد أبي بكر.
ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله ﷺ فإنه ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل مرضيّ عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية، وهددهم، وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت اليه فجاءها وكلمته في أمرهم/ وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني أمية فيمن تهوونه.
وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر، قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون أن عليّا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟
Translation
حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله
#74
Chapter 74 — علي ﵁ استن بسنن أبي بكر وعمر ﵄ وعمل بها
· ref. #74
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
قيل له: هذا يبطل من وجوه منها: أنكم تقولون أن عليا ﵁ «١»، كان في زمن هؤلاء في تقية وخيفة، يمتثل أمرهم ولا يجسر يردّ عليهم ولا يظهر خلافهم، وكذا كان بعد موتهم، وفي سلطانه وخلافته ومعه مائة ألف سيف، يقولون: ما جسر أن يظهر مخالفتهم ولا عيبهم ولا الرد عليهم، لأن أعوانه ومن كانوا معه كانوا يتدينون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلو عابهم أو اتهموه بعيبهم لقتلوه.
قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول الله ﷺ في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد امتلت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله عليّ وقاله، إلا أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان يعجبهم، ويرون إمامة هؤلاء فقاله خوفا منهم وتقربا اليهم، فكتب أسلافكم مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون بأنه قد كاشف في البراءة منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل/ أن تصير الخلافة اليه، فأنتم لا تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم (ما) «٢» تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي هذا كفاية.
[عليّ ﵁ استن بسنن أبي بكر وعمر ﵄ وعمل بها]
ومنها: أنه قد علم كل من سمع الأخبار أن عليّا ﵁ قد استن بسنن أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما، ونفذ وصاياهما بعد موتهما، فأطاعهما حيّين وميتين ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال
_________
(١) في الأصل: علي
(٢) كذا في الأصل، ونظنها زائدة
رسول الله ﷺ، وعمل له على الاتعاب بالمدينة وضبطها له، وغزا معه، وأشار عليه، ونفذ وصيته في عمر، وأطاعه أحسن طاعة، وخلفه على المدينة غير مرة، وصاهره، وأتى في طاعته ومزضاته ما يطول ذكره، وأدخله في الشورى فدخل، وجعله رعية لصهيب فقبل، وردّه إلى عبد الرحمن فرجع، وغير ذلك مما يطول شرحه؛ فكيف يقول: لا أسير بسيرة أبي بكر وعمر، أو يصدق عاقل سمع الأخبار مثل هذا الظن؟ ومن ذا الذي يدع المعروف المشهور بالمكاتبات ويرجع عن المعروف بمجهول التأويل.
وإنما قال ذلك «١»، لأن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتمل الزيادة ولا النقص البتة.
وسنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر الذي قال له عبد الرحمن هو اجتهادهما في الدين وحياطته وحفظه، والزهد والعفاف الذي هو مشهور عنهما، فلو قال نعم للزمه الدخول في ذلك من غير زيادة ولا نقص، وقد لا يجد الشخص من نفسه القيام بما يقوم به غيره، ثم الفتيا في المسائل التي ليس فيها نص كتاب ولا سنة والعمل فيها بالقياس والاجتهاد من الإمام ما كان يمكنه التقليد فيه وترك نفسه من الاجتهاد، ولهذا المعنى أشار، وله أراد، هذا لا يشك فيه من له فطنة ولا دراية، والله أعلم. / وأيضا فليس ها هنا إلا أنه قيل إن عبد الرحمن قال لعلي تقضي بسنة أبي بكر وعمر.
لأنه جاء أن عمرو بن العاص أتى عليّا ليالي الشورى فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال
_________
(١) كتب في الأصل: حاشية
له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل.
قال: فلما قال عبد الرحمن لعليّ: هل أنت يا عليّ تبايعني على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، قال له عليّ: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، ومن يطيق ذلك. فقال لعثمان هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، فقال: نعم، فبايعه. فقال عليّ، خدعة، يعني أن ابن النابغة خدعه، فهكذا جاء الحديث، فإن كان صحيحا فاقبلوه، فأنتم أول من يقول لا يجوز أن يقال لأمير المؤمنين بكتاب الله وسنة رسول الله فيقول هذا القول «١»، ولا يجوز أن يخدعه عمرو بن العاص فأنتم لا تقبلون ما قد ذكر، وإذا دعيتم اليه نفرتم عنه، ثم تدّعون ما لم يكن وتجعلونه أصلا تنصرفون به عن المعروف من اتباع أمير المؤمنين لهؤلاء القوم وتصويبه لهم؟ على أن الذي ثبت عند العلماء أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: إني قد نظرت وشاورت واستخرت فما وجدت الناس يعدلون بعثمان أحدا.
وأيضا فقد كان في الصحابة من يخالف أبا بكر وعمر في مسائل الاجتهاد.
ولا يحتشم ذلك، ولا ينكر أبو بكر وعمر ذلك، وقد خالفهما ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم. فتعلم أن ما يتعلق به هؤلاء باطل.
ومن عجيب ما يدعونه أن عمر احتال على عليّ بن أبي طالب ﵁/ حتى أدخله في الشورى، وقال: إنه يصلح للخلافة، وأنه قال إذا صار أهل الشورى ثلاثة وثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن كان عدوا لعليّ وصرفها عنه إلى عثمان، وأن عمر إنما قال هذا حرصا على أن ينصرف عن عليّ ويصير إلى عثمان.
_________
(١) لعل هنا نقصا بعد كلمة أمير المؤمنين تقديره: هل تعمل، وذلك حتى يستقيم المعنى.
وليس معهم في هذا دلالة ولا برهان، إنما هو البهت والفرية وظنون كاذبة كغيرها من أقاويلهم، وقد تقدم لك الدلالة على أنه لم يكن بين عليّ وأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة عداوة، بل كان بينهم من الموالاة والمودة في الدين والإسلام ما فيه كفاية.
ثم يقال لهم: لو أرادها عمر لعثمان وحده أو لعبد الرحمن أو لأحد يريده لنص عليه كما تقدم النص من أبي بكر أو كما نص هو على صهيب في الصلاة، فكان الناس يمتثلون ذلك وقد استراح مما ادعيتموه، ولم يكن عليه خوف، كما لم يكن على أبي بكر خوف.
والعجب أنكم تقولون: إن أبا بكر وثب بمقام رسول الله ﷺ، فقام فيه في حياته وفي بيته وبحضرته وبحضرة جميع بني هاشم والمهاجرين والأنصار، اغتصابا وقهرا، وتم له ذلك، واغتصبهم بعد موته، وساعده الناس، ونصّ على عمر فقبلوا منه فأنفذوا وصيته، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ ولم ينفذوا وصيته، وقبلوا من عمر في الشورى وفي كل ما وصى به، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ وصيته ونصه على وصيّة علي ﵁، وقد بين لهم الفرض في ذلك، وهو من فرض الكافة.
وها هنا يقولون: إن عمر خاف ولم يكشف ما أراده وأخفاه ودلّسه، كصنيع المغلوب المقهور الخائف المترقب، فأقاويلكم يكذب بعضها بعضا، وأنتم تنقضون مذاهبكم وأصولكم بأيديكم، وتبعثون/ خصومكم على النقض عليكم، فلستم ممن يستقر له قول ولا يتقرر له مذهب.
وقد علمت رحمك الله في الجملة أنه ما كان يجري في ذلك الزمان وبحضرة أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردّوه وأنكروه، وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه، فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر
تنكره، فأما أن لا يكون له أصل البتة، وأما أن يكون إن كان حقا المراد به والنية فيه والقصد غير الظاهر الذي أنكره الخصم وأوّله، فقد علمت حالهم في تمسكهم بدين رسول الله ﷺ ووصاياه والقيام على نصوصه وعهوده، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لو أرادوا في سلطانهم أن يغيروا نصا لرسول الله ﷺ في امرأة أرملة ذمية لما تمكنوا منه، وإن سلطان هؤلاء لم يكن كسلطان معاوية ومن بعده من الملوك.
فاحفظ هذا الأصل وارجع اليه فيما ذكروه عن عمر في قتل أهل الشورى، وفي ادعائهم على أبي بكر أنه أمر خالد بن الوليد بقتل عليّ بن أبي طالب ثم بدا له فقال لا تفعل، بحضرة المهاجرين والأنصار، وأنه وجّه بالنعمان بن بشير، والمغيرة بن شعبة فقاتلا سعد بن عبادة الأنصاري، وأن أبا سفيان وبني أمية كانوا في زمن عثمان يظهرون بين الناس بتكذيب النبيّ، وأنه ما ها هنا معاد ولا جنة ولا نار، ولهم في هذا روايات كثيرة عن الصحابة من الرجال والنساء، وذكرها يطول، غير أنك تعلم كذبهم فيها بالدليل الذي تقدم من تمسك المهاجرين والأنصار بدين النبي ﷺ، وأن الغلبة في زمانهم كانت للمقيمين على دينه وللمعتقدين على تصديقه.
على أن هذا الانكار والتكذيب له وبالبعث/ والنشور والحساب والجنة والنار وما أشبه ذلك، ما كان أحد يجسر على إظهاره في زمن معاوية وأئمة الجور من بني أمية، ولا في زمن ملوك بني العباس وحيث كان الملوك منهم، فإن الملوك من بني أمية وبني العباس ما كانوا ملحدة ولا زنادقة ولا أعداء لرسول الله ﷺ بل كانوا على ملة الاسلام ويحبون رسول الله ﷺ ودينه، ويبرؤون من أعدائه وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس، وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ارتكبوها.
قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول الله ﷺ في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد امتلت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله عليّ وقاله، إلا أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان يعجبهم، ويرون إمامة هؤلاء فقاله خوفا منهم وتقربا اليهم، فكتب أسلافكم مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون بأنه قد كاشف في البراءة منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل/ أن تصير الخلافة اليه، فأنتم لا تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم (ما) «٢» تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي هذا كفاية.
[عليّ ﵁ استن بسنن أبي بكر وعمر ﵄ وعمل بها]
ومنها: أنه قد علم كل من سمع الأخبار أن عليّا ﵁ قد استن بسنن أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما، ونفذ وصاياهما بعد موتهما، فأطاعهما حيّين وميتين ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال
_________
(١) في الأصل: علي
(٢) كذا في الأصل، ونظنها زائدة
رسول الله ﷺ، وعمل له على الاتعاب بالمدينة وضبطها له، وغزا معه، وأشار عليه، ونفذ وصيته في عمر، وأطاعه أحسن طاعة، وخلفه على المدينة غير مرة، وصاهره، وأتى في طاعته ومزضاته ما يطول ذكره، وأدخله في الشورى فدخل، وجعله رعية لصهيب فقبل، وردّه إلى عبد الرحمن فرجع، وغير ذلك مما يطول شرحه؛ فكيف يقول: لا أسير بسيرة أبي بكر وعمر، أو يصدق عاقل سمع الأخبار مثل هذا الظن؟ ومن ذا الذي يدع المعروف المشهور بالمكاتبات ويرجع عن المعروف بمجهول التأويل.
وإنما قال ذلك «١»، لأن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتمل الزيادة ولا النقص البتة.
وسنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر الذي قال له عبد الرحمن هو اجتهادهما في الدين وحياطته وحفظه، والزهد والعفاف الذي هو مشهور عنهما، فلو قال نعم للزمه الدخول في ذلك من غير زيادة ولا نقص، وقد لا يجد الشخص من نفسه القيام بما يقوم به غيره، ثم الفتيا في المسائل التي ليس فيها نص كتاب ولا سنة والعمل فيها بالقياس والاجتهاد من الإمام ما كان يمكنه التقليد فيه وترك نفسه من الاجتهاد، ولهذا المعنى أشار، وله أراد، هذا لا يشك فيه من له فطنة ولا دراية، والله أعلم. / وأيضا فليس ها هنا إلا أنه قيل إن عبد الرحمن قال لعلي تقضي بسنة أبي بكر وعمر.
لأنه جاء أن عمرو بن العاص أتى عليّا ليالي الشورى فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال
_________
(١) كتب في الأصل: حاشية
له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل.
قال: فلما قال عبد الرحمن لعليّ: هل أنت يا عليّ تبايعني على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، قال له عليّ: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، ومن يطيق ذلك. فقال لعثمان هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، فقال: نعم، فبايعه. فقال عليّ، خدعة، يعني أن ابن النابغة خدعه، فهكذا جاء الحديث، فإن كان صحيحا فاقبلوه، فأنتم أول من يقول لا يجوز أن يقال لأمير المؤمنين بكتاب الله وسنة رسول الله فيقول هذا القول «١»، ولا يجوز أن يخدعه عمرو بن العاص فأنتم لا تقبلون ما قد ذكر، وإذا دعيتم اليه نفرتم عنه، ثم تدّعون ما لم يكن وتجعلونه أصلا تنصرفون به عن المعروف من اتباع أمير المؤمنين لهؤلاء القوم وتصويبه لهم؟ على أن الذي ثبت عند العلماء أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: إني قد نظرت وشاورت واستخرت فما وجدت الناس يعدلون بعثمان أحدا.
وأيضا فقد كان في الصحابة من يخالف أبا بكر وعمر في مسائل الاجتهاد.
ولا يحتشم ذلك، ولا ينكر أبو بكر وعمر ذلك، وقد خالفهما ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم. فتعلم أن ما يتعلق به هؤلاء باطل.
ومن عجيب ما يدعونه أن عمر احتال على عليّ بن أبي طالب ﵁/ حتى أدخله في الشورى، وقال: إنه يصلح للخلافة، وأنه قال إذا صار أهل الشورى ثلاثة وثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن كان عدوا لعليّ وصرفها عنه إلى عثمان، وأن عمر إنما قال هذا حرصا على أن ينصرف عن عليّ ويصير إلى عثمان.
_________
(١) لعل هنا نقصا بعد كلمة أمير المؤمنين تقديره: هل تعمل، وذلك حتى يستقيم المعنى.
وليس معهم في هذا دلالة ولا برهان، إنما هو البهت والفرية وظنون كاذبة كغيرها من أقاويلهم، وقد تقدم لك الدلالة على أنه لم يكن بين عليّ وأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة عداوة، بل كان بينهم من الموالاة والمودة في الدين والإسلام ما فيه كفاية.
ثم يقال لهم: لو أرادها عمر لعثمان وحده أو لعبد الرحمن أو لأحد يريده لنص عليه كما تقدم النص من أبي بكر أو كما نص هو على صهيب في الصلاة، فكان الناس يمتثلون ذلك وقد استراح مما ادعيتموه، ولم يكن عليه خوف، كما لم يكن على أبي بكر خوف.
والعجب أنكم تقولون: إن أبا بكر وثب بمقام رسول الله ﷺ، فقام فيه في حياته وفي بيته وبحضرته وبحضرة جميع بني هاشم والمهاجرين والأنصار، اغتصابا وقهرا، وتم له ذلك، واغتصبهم بعد موته، وساعده الناس، ونصّ على عمر فقبلوا منه فأنفذوا وصيته، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ ولم ينفذوا وصيته، وقبلوا من عمر في الشورى وفي كل ما وصى به، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ وصيته ونصه على وصيّة علي ﵁، وقد بين لهم الفرض في ذلك، وهو من فرض الكافة.
وها هنا يقولون: إن عمر خاف ولم يكشف ما أراده وأخفاه ودلّسه، كصنيع المغلوب المقهور الخائف المترقب، فأقاويلكم يكذب بعضها بعضا، وأنتم تنقضون مذاهبكم وأصولكم بأيديكم، وتبعثون/ خصومكم على النقض عليكم، فلستم ممن يستقر له قول ولا يتقرر له مذهب.
وقد علمت رحمك الله في الجملة أنه ما كان يجري في ذلك الزمان وبحضرة أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردّوه وأنكروه، وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه، فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر
تنكره، فأما أن لا يكون له أصل البتة، وأما أن يكون إن كان حقا المراد به والنية فيه والقصد غير الظاهر الذي أنكره الخصم وأوّله، فقد علمت حالهم في تمسكهم بدين رسول الله ﷺ ووصاياه والقيام على نصوصه وعهوده، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لو أرادوا في سلطانهم أن يغيروا نصا لرسول الله ﷺ في امرأة أرملة ذمية لما تمكنوا منه، وإن سلطان هؤلاء لم يكن كسلطان معاوية ومن بعده من الملوك.
فاحفظ هذا الأصل وارجع اليه فيما ذكروه عن عمر في قتل أهل الشورى، وفي ادعائهم على أبي بكر أنه أمر خالد بن الوليد بقتل عليّ بن أبي طالب ثم بدا له فقال لا تفعل، بحضرة المهاجرين والأنصار، وأنه وجّه بالنعمان بن بشير، والمغيرة بن شعبة فقاتلا سعد بن عبادة الأنصاري، وأن أبا سفيان وبني أمية كانوا في زمن عثمان يظهرون بين الناس بتكذيب النبيّ، وأنه ما ها هنا معاد ولا جنة ولا نار، ولهم في هذا روايات كثيرة عن الصحابة من الرجال والنساء، وذكرها يطول، غير أنك تعلم كذبهم فيها بالدليل الذي تقدم من تمسك المهاجرين والأنصار بدين النبي ﷺ، وأن الغلبة في زمانهم كانت للمقيمين على دينه وللمعتقدين على تصديقه.
على أن هذا الانكار والتكذيب له وبالبعث/ والنشور والحساب والجنة والنار وما أشبه ذلك، ما كان أحد يجسر على إظهاره في زمن معاوية وأئمة الجور من بني أمية، ولا في زمن ملوك بني العباس وحيث كان الملوك منهم، فإن الملوك من بني أمية وبني العباس ما كانوا ملحدة ولا زنادقة ولا أعداء لرسول الله ﷺ بل كانوا على ملة الاسلام ويحبون رسول الله ﷺ ودينه، ويبرؤون من أعدائه وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس، وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ارتكبوها.
Translation
علي ﵁ استن بسنن أبي بكر وعمر ﵄ وعمل بها
#75
Chapter 75 — الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له
· ref. #75
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
فقل كان لهم تعظيم القرآن وجهاد العدو وعمارة الثغور، وقد كانوا كلهم يعيبون المسرفين منهم، وقد كانوا في مجالسهم يتذاكرون أعلام رسول الله ﷺ وآياته، وكانت أظهر وأقهر من أن يعتقدوا خلافها، وقد كانوا يوصون أولادهم بالإسلام.
ولم نقل هذا فيهم من طريق حسن الظن بهم، ولكن إذا اعتقدوا عداوته أو تكذيبه أو عيبه أو عيب شيء من طرائقه وأخلاقه ومذاهبه ﷺ لظهر ذلك ولبدا في أخلاقهم وطرائقهم وفلتات ألسنتهم وفي سقطات أعمالهم، فبهذا جرت العبرة والعادة سيما وهم ملوك.
ولقد تفاءل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو خليفة وملك جبار، وهو أغنى بني مروان «١»، فخرج له في المصحف ما يكرهه فرمى بالمصحف من يده وتسخط ما خرج له، فقام اليه ابن عمه فضرب عنقه في هذا المقدار، وجعله حجة في قتله، وأنت تتبين ذلك وأن مثله لا يخفى بمثل ابن العميد وزير ركن الدولة، وبأبي جعفر بن بانو السجزي ملك سجستان، وأبي علي بن إلياس ملك كرمان، وأمثالهم، فإن هؤلاء وقعت عليهم الباطنية فما زالوا بهم/ حتى خرجوا من الإسلام، وما أمكنهم المجاهرة والمكاشفة بعداوة رسول الله ﷺ، غير أن ذلك بدا في فلتات ألسنتهم وسقطات أعمالهم وإن اجتهدوا في كتمانه.
[الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له]
فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته ﷺ والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم، وكان مما ادّعوه على المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من المشركين، قالوا فلهذا
_________
(١) في الأصل: «وهو أغنى بني مروان»
أخروه ولم يقلدوه الخلافة، قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم الخلافة والنبوة جميعا.
وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار، فقد علمت أحوالهم وكيف أجابوا النبي ﵇ من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا بما أتاه، وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك، ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى.
وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في حياة النبي ﷺ، وفي مرضه، وبعد موته، وقبل دفنه. وفيما جرى بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم، وما نطق أحد من خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم.
وقد دخل أمير المؤمنين ﵁ في الشورى فما أنكر أحد دخوله، ولا نفر أحد، ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ممن كان في الشورى، وقد تبادر الناس اليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا يده، فقبضها مرة بعد مرة/ وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد بحرف مما يدّعيه هؤلاء، وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه لم يكن له ﵁ في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.
وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرىء منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وعثمان فقد عادى قوم عثمان ﵁ وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه، ولا يدل هذا على أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله ﷺ، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين، ولأنه كسر الأصنام، ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل الشام في خلافهم عليه، وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه، بل الأمور التي لها ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ومن أجلها خولف عثمان معروفة.
وبعد فإن المهاجرين والأنصار، إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على المشركين أشدّ، ولهذا جلّ عندهم من شهد بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم، وكان مما يجل به عبد الله بن مسعود ﵁ أنه احتز رأس أبي جهل/ وكان مما يجل به عمر عندهم أنه يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله، وكان فيمن قتله العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث ابن هشام فأفلت من يده، ومما كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبيّ ﷺ بقتل الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلم عقيلا إلى أخيه عليّ ليقتله، وفلانا إلى فلان، ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين
أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه، وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله.
وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون، وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه حنظلة يوم بدر، وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي ﷺ أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وأن يكون عليّ بن أبي طالب هو الخليفة دون أبي بكر وقد تقدم لك ذكر ذلك.
فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم وأهليهم، ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله فمنعه النبي ﷺ من ذلك، وقال له: دعه يقتله غيرك، فقتل أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد/ من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر، وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكم مثله فيهم ﵃.
فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في عليّ؟ قلنا: لأنه من رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس وخالد بن سعيد بن العاص، وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد ابن سعيد لم يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه، فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه.
فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في عليّ دون
أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادّعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر السقيفة والشورى، ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين عدوّ ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث، فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعليّ وعاداهما، وما كان من شأن سعد بن عبادة فإن من ادّعى هذا كمن ادعى أنه قد كان في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر رافضة وخوارج لتتأكد لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم/ الخلاف يوم موت رسول الله ﷺ إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول قبل أدلة القرآن بمحبة النبيّ ﷺ لهؤلاء، وأنه قد فرض محبتهم على الأولين والآخرين من أمته.
فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، إنما كان في التفضيل، ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا إلى ما خرجوا إليه هؤلاء، وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة.
وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم
غضبا على من خالفه أو خرج من دينه حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا نرجع إليكم، ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا، فقالوا عوّدنا الاعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبيّ ﷺ، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم، وحفروا الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة وقتل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفّاظ القرآن سبعين رجلا، وفيهم ممن شهد له النبيّ ﵇ بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من آياته وكلهم قتل في طاعة أبي بكر.
ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة/ إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ القرآن، ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه أو يضيع، وهؤلاء ما يملكون أنفسهم، ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في طاعة الله، [وللموت في طاعة الله] «١» أحب إليهم من الحياة، أفعلى هؤلاء يدّعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين، أو أنهم تغيروا بعد نبيهم.
ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت
_________
(١) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
رجل يقول: أوّه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول:
أوّه وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات.
وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها.
وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله ﷺ في أول أمره حين دعا إلى الله ﷿ وأولاد أعدائه.
وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعباس بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة.
ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث:
اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا/ فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحرّ الحديد، فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله ﷺ أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه ﷺ.
ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم
بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه، وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا الحق فمنعهم من الدخول في الاسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن رسول الله ﷺ لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا إلى الاسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم فأخلصوا ونصحوا.
وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله ﷿: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» .
ولقد ذكر سهيل بن عمرو، أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من الدخول في الاسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا/ الحق ما أعرف، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى الشام «١»، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب
_________
(١) كلمة سفيان ليست واضحة في الأصل
لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [: هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلن نعم، قال ومحوج، قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا والله ما أعلم، قال:
كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها] «١» . قلت: وأنت قائل شيئا فقله، قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت لا أذكره، قال: إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبيّ من العرب منتظر، وأنه من أهل بيت يحجه العرب، قال:
قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: شابّ، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس بذارع الشرف، كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله هو الباطل، لئن بعث الله رسولا/ إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا.
وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة
_________
(١) الكلام بين القوسين غير منسجم إذا اتصل مع ما قبله وما بعده، ولذا وضعته بين قوسين على أن الكلام مستمر بين كلمة: سرنا وكلمة: قلت.
تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم عليّ ورحّب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها، فقالت هند أو ما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله.
فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: مالك؟ فانتهيت، فقلت: إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله إنه ليقول، وإن له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل فخرجت؛ فبينما أطوف إذ لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل اليها فخذها، ولست آخذ فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته.
ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت معه، / ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال:
أذكره، قلت فقد كان قال: ومن هو، قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
ثم قصصت عليه خبر هند، قال فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال:
والله ما كنت لأومن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟
ودخلني ما دخل الناس من التعاسة.
ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي معيط، ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء.
كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص، وغيرهم، ويذكر بعضهم بعضا في حياة النبيّ ﵇ وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين، فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله ﷺ، وإذا تأملت وجدت لبني أمية، وبني مخزوم من المهاجرين منهم، ومن مسلمة الفتح آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الاسلام في حياة رسول الله ﷺ، والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين أمير المؤمنين ﵁ لشك في النبوة ولا لضعف/ بصائر هم فيها، لأن ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد الله ابن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين.
وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من
الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح وغزا معه في تلك المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين وكانت فيه عفة عن أموالهم.
وكان عمر ﵁ كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما وجد عليه ولا استبدل به، فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من الخلاف على أمير المؤمنين ﵁ انصرف عنه البدريون، وصاروا في حملة أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة، وأقام على خلاف أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء سيرة من شك في النبوة، ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة، وما زاد على تضليلهم.
وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم ولم يكن ذاك لشك من أحد الفريقين، في النبوة والعجب أن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم/ وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم لا أن أحد الفريقين شك في النبوة، ومثل هذا كثير فاعرفه، فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي ﷺ، حتى قالوا في العباس ابن عبد المطلب انه كان عدوا لرسول الله ﷺ، وأن رسول الله ﷺ كان يمقته، وكان اذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.
ولم نقل هذا فيهم من طريق حسن الظن بهم، ولكن إذا اعتقدوا عداوته أو تكذيبه أو عيبه أو عيب شيء من طرائقه وأخلاقه ومذاهبه ﷺ لظهر ذلك ولبدا في أخلاقهم وطرائقهم وفلتات ألسنتهم وفي سقطات أعمالهم، فبهذا جرت العبرة والعادة سيما وهم ملوك.
ولقد تفاءل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو خليفة وملك جبار، وهو أغنى بني مروان «١»، فخرج له في المصحف ما يكرهه فرمى بالمصحف من يده وتسخط ما خرج له، فقام اليه ابن عمه فضرب عنقه في هذا المقدار، وجعله حجة في قتله، وأنت تتبين ذلك وأن مثله لا يخفى بمثل ابن العميد وزير ركن الدولة، وبأبي جعفر بن بانو السجزي ملك سجستان، وأبي علي بن إلياس ملك كرمان، وأمثالهم، فإن هؤلاء وقعت عليهم الباطنية فما زالوا بهم/ حتى خرجوا من الإسلام، وما أمكنهم المجاهرة والمكاشفة بعداوة رسول الله ﷺ، غير أن ذلك بدا في فلتات ألسنتهم وسقطات أعمالهم وإن اجتهدوا في كتمانه.
[الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له]
فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته ﷺ والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم، وكان مما ادّعوه على المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من المشركين، قالوا فلهذا
_________
(١) في الأصل: «وهو أغنى بني مروان»
أخروه ولم يقلدوه الخلافة، قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم الخلافة والنبوة جميعا.
وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار، فقد علمت أحوالهم وكيف أجابوا النبي ﵇ من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا بما أتاه، وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك، ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى.
وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في حياة النبي ﷺ، وفي مرضه، وبعد موته، وقبل دفنه. وفيما جرى بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم، وما نطق أحد من خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم.
وقد دخل أمير المؤمنين ﵁ في الشورى فما أنكر أحد دخوله، ولا نفر أحد، ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ممن كان في الشورى، وقد تبادر الناس اليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا يده، فقبضها مرة بعد مرة/ وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد بحرف مما يدّعيه هؤلاء، وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه لم يكن له ﵁ في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.
وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرىء منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وعثمان فقد عادى قوم عثمان ﵁ وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه، ولا يدل هذا على أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله ﷺ، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين، ولأنه كسر الأصنام، ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل الشام في خلافهم عليه، وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه، بل الأمور التي لها ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ومن أجلها خولف عثمان معروفة.
وبعد فإن المهاجرين والأنصار، إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على المشركين أشدّ، ولهذا جلّ عندهم من شهد بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم، وكان مما يجل به عبد الله بن مسعود ﵁ أنه احتز رأس أبي جهل/ وكان مما يجل به عمر عندهم أنه يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله، وكان فيمن قتله العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث ابن هشام فأفلت من يده، ومما كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبيّ ﷺ بقتل الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلم عقيلا إلى أخيه عليّ ليقتله، وفلانا إلى فلان، ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين
أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه، وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله.
وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون، وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه حنظلة يوم بدر، وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي ﷺ أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وأن يكون عليّ بن أبي طالب هو الخليفة دون أبي بكر وقد تقدم لك ذكر ذلك.
فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم وأهليهم، ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله فمنعه النبي ﷺ من ذلك، وقال له: دعه يقتله غيرك، فقتل أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد/ من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر، وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكم مثله فيهم ﵃.
فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في عليّ؟ قلنا: لأنه من رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس وخالد بن سعيد بن العاص، وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد ابن سعيد لم يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه، فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه.
فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في عليّ دون
أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادّعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر السقيفة والشورى، ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين عدوّ ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث، فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعليّ وعاداهما، وما كان من شأن سعد بن عبادة فإن من ادّعى هذا كمن ادعى أنه قد كان في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر رافضة وخوارج لتتأكد لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم/ الخلاف يوم موت رسول الله ﷺ إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول قبل أدلة القرآن بمحبة النبيّ ﷺ لهؤلاء، وأنه قد فرض محبتهم على الأولين والآخرين من أمته.
فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، إنما كان في التفضيل، ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا إلى ما خرجوا إليه هؤلاء، وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة.
وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم
غضبا على من خالفه أو خرج من دينه حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا نرجع إليكم، ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا، فقالوا عوّدنا الاعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبيّ ﷺ، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم، وحفروا الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة وقتل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفّاظ القرآن سبعين رجلا، وفيهم ممن شهد له النبيّ ﵇ بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من آياته وكلهم قتل في طاعة أبي بكر.
ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة/ إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ القرآن، ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه أو يضيع، وهؤلاء ما يملكون أنفسهم، ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في طاعة الله، [وللموت في طاعة الله] «١» أحب إليهم من الحياة، أفعلى هؤلاء يدّعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين، أو أنهم تغيروا بعد نبيهم.
ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت
_________
(١) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
رجل يقول: أوّه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول:
أوّه وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات.
وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها.
وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله ﷺ في أول أمره حين دعا إلى الله ﷿ وأولاد أعدائه.
وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعباس بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة.
ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث:
اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا/ فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحرّ الحديد، فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله ﷺ أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه ﷺ.
ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم
بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه، وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا الحق فمنعهم من الدخول في الاسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن رسول الله ﷺ لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا إلى الاسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم فأخلصوا ونصحوا.
وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله ﷿: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» .
ولقد ذكر سهيل بن عمرو، أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من الدخول في الاسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا/ الحق ما أعرف، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى الشام «١»، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب
_________
(١) كلمة سفيان ليست واضحة في الأصل
لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [: هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلن نعم، قال ومحوج، قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا والله ما أعلم، قال:
كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها] «١» . قلت: وأنت قائل شيئا فقله، قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت لا أذكره، قال: إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبيّ من العرب منتظر، وأنه من أهل بيت يحجه العرب، قال:
قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: شابّ، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس بذارع الشرف، كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله هو الباطل، لئن بعث الله رسولا/ إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا.
وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة
_________
(١) الكلام بين القوسين غير منسجم إذا اتصل مع ما قبله وما بعده، ولذا وضعته بين قوسين على أن الكلام مستمر بين كلمة: سرنا وكلمة: قلت.
تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم عليّ ورحّب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها، فقالت هند أو ما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله.
فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: مالك؟ فانتهيت، فقلت: إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله إنه ليقول، وإن له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل فخرجت؛ فبينما أطوف إذ لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل اليها فخذها، ولست آخذ فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته.
ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت معه، / ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال:
أذكره، قلت فقد كان قال: ومن هو، قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
ثم قصصت عليه خبر هند، قال فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال:
والله ما كنت لأومن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟
ودخلني ما دخل الناس من التعاسة.
ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي معيط، ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء.
كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص، وغيرهم، ويذكر بعضهم بعضا في حياة النبيّ ﵇ وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين، فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله ﷺ، وإذا تأملت وجدت لبني أمية، وبني مخزوم من المهاجرين منهم، ومن مسلمة الفتح آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الاسلام في حياة رسول الله ﷺ، والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين أمير المؤمنين ﵁ لشك في النبوة ولا لضعف/ بصائر هم فيها، لأن ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد الله ابن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين.
وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من
الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح وغزا معه في تلك المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين وكانت فيه عفة عن أموالهم.
وكان عمر ﵁ كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما وجد عليه ولا استبدل به، فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من الخلاف على أمير المؤمنين ﵁ انصرف عنه البدريون، وصاروا في حملة أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة، وأقام على خلاف أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء سيرة من شك في النبوة، ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة، وما زاد على تضليلهم.
وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم ولم يكن ذاك لشك من أحد الفريقين، في النبوة والعجب أن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم/ وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم لا أن أحد الفريقين شك في النبوة، ومثل هذا كثير فاعرفه، فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي ﷺ، حتى قالوا في العباس ابن عبد المطلب انه كان عدوا لرسول الله ﷺ، وأن رسول الله ﷺ كان يمقته، وكان اذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.
Translation
الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له
#76
Chapter 76 — حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين إلى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض
· ref. #76
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
وأهل المعرفة يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يعظمه ويجله ويقول فيه:
ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي ويجعله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في هذا الموضع، وقد كان أمير المؤمنين يجلّه ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه، وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته، وخلفاء على رعيته كما هو معلوم.
وكذا كان ولده ﵇ مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة، إلى أن وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، «١» لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة كانت بين رسول الله ﷺ وبين أبيهم، ولا بين عليّ والعباس، وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد، وتجد من ولد أبي طالب مثل ذلك، ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف/ يثب بعضهم ببعض، ويقاتل بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد، وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالامامة لأن أكثر الملحدة من هذا الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين.
وقد تقدم لك ذكر أوائلهم.
[حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين الى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض]
وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، «٢» وأبي يتيم
_________
(١) يقصد الخلاف الذي نشب في خلافة أبي جعفر المنصور بينه وبين عبد الله بن علي المطالب بالخلافة
(٢) جاء في هامش الاصل: «في ذكر كبار أئمة الشيعة في زمان صاحب الكتاب»
الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد الله محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته ﷺ وللشك في نبوته «١»، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك، ويأخذون على الناس العهود، ويحلفونهم بالأيمان الغليظة، فإذا حصلوا كذلك قالوا لهم: إياكم ومجالسة الفقهاء، واستماع الحديث من أصحاب الحديث، واستماع القرآن من العامة، وعليكم برواية الخاصة، فقد قال جعفر بن محمد كتابة: حديث العامة يعمي القلب، وإياكم وفقه أبي حنيفة ومالك والثوري والحسن البصري وأمثالهم فإنهم كفرة وأعداء أهل البيت، والرشد كله في خلافهم، وإذا عمى على أحدكم الصواب فلينظر ما عليه الفقهاء فيعمل/ بخلافه فإنه يصيب الحق.
ثم يأخذونهم في مجلس يسمى مجلس التغذية بأن لكل شيء باطنا علمه عند مولاكم العزيز بالله، يظهره لكم إذا ترقيتم الدرجات في طاعته، ثم يأخذونهم بأن يقولوا لهم: لم صلاة الصبح يجهر بها والظهر لا يجهر فيها، ولم حوصة سعفة النخلة طويلة، وورقة الكرم مستديرة، وورقة الموز طويلة عريضة، فإذا سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدىء كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «وما دعواتهم في التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته وما قولهم» .
قال الله: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» ونحن وأنتم لا نأكل لحم الذبيحة حتى تموت، ولا نأكل السمك حتى يموت، وإنما معنى هذا ان النبي ﷺ قد مات وحرام أن تقام شريعته «١»، وينبغي أن يمتثل أمر العزيز مولانا الذي هو حجة الله، وهذا علم الخاصة. ولكن الفقهاء الحمير وأهل الظاهر لا يعرفون هذا، لذهابهم على إمامهم وليّ الله وحجة الله على خلقه.
ويقولون لطائفة أخرى: ما عليكم صلاة ما دام في الدنيا لكم عدوّ يمنعكم من التمكن في الأرض، فإن الله يقول: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» «٢» ويقولون لآخرين الصلاة شخص، والصلاة عذاب على أهل الظاهر ويرقون الناس بحسب طبقاتهم واحتمالهم للشك والحيرة، وهذه مجالس الترقية كما هو مذكور لهم ومرسوم في البلاغ السابع والناموس الأعظم، ثم يرقون من يثقون به بأنه لا يحرم عليه أمه ولا بنته ولا أخته، ولا خمر ولا خنزير ولا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا شيء البتة، وأنه لا يحل لك أن تمنع أخاك ومن هو مثلك في البلاغ السابع/ والعلم الباطن من زوجتك فإنها تحل له كما تحل لك، والاشتراك في الزوجات كالاشتراك في الطعام، والكريم هو الذي «٣» تنكح زوجته بحضرته كما يؤكل طعامه بحضرته، وقد قال افلاطن الغيرة شح في الطبيعة.
فيقال لهؤلاء الدعاة: قد ادّعيتم على رسول الله ﷺ وعلى إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه
_________
(١) في الأصل «حرام» وقد أضفنا الواو قبلها لأن سياق الكلام يقتضي ذلك.
(٢) الحج ٤١
(٣) أثبت في الأصل بعد كلمة الذي «هو» وقد حذفناها لأنها زائدة.
ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي ويجعله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في هذا الموضع، وقد كان أمير المؤمنين يجلّه ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه، وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته، وخلفاء على رعيته كما هو معلوم.
وكذا كان ولده ﵇ مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة، إلى أن وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، «١» لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة كانت بين رسول الله ﷺ وبين أبيهم، ولا بين عليّ والعباس، وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد، وتجد من ولد أبي طالب مثل ذلك، ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف/ يثب بعضهم ببعض، ويقاتل بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد، وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالامامة لأن أكثر الملحدة من هذا الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين.
وقد تقدم لك ذكر أوائلهم.
[حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين الى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض]
وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، «٢» وأبي يتيم
_________
(١) يقصد الخلاف الذي نشب في خلافة أبي جعفر المنصور بينه وبين عبد الله بن علي المطالب بالخلافة
(٢) جاء في هامش الاصل: «في ذكر كبار أئمة الشيعة في زمان صاحب الكتاب»
الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد الله محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته ﷺ وللشك في نبوته «١»، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك، ويأخذون على الناس العهود، ويحلفونهم بالأيمان الغليظة، فإذا حصلوا كذلك قالوا لهم: إياكم ومجالسة الفقهاء، واستماع الحديث من أصحاب الحديث، واستماع القرآن من العامة، وعليكم برواية الخاصة، فقد قال جعفر بن محمد كتابة: حديث العامة يعمي القلب، وإياكم وفقه أبي حنيفة ومالك والثوري والحسن البصري وأمثالهم فإنهم كفرة وأعداء أهل البيت، والرشد كله في خلافهم، وإذا عمى على أحدكم الصواب فلينظر ما عليه الفقهاء فيعمل/ بخلافه فإنه يصيب الحق.
ثم يأخذونهم في مجلس يسمى مجلس التغذية بأن لكل شيء باطنا علمه عند مولاكم العزيز بالله، يظهره لكم إذا ترقيتم الدرجات في طاعته، ثم يأخذونهم بأن يقولوا لهم: لم صلاة الصبح يجهر بها والظهر لا يجهر فيها، ولم حوصة سعفة النخلة طويلة، وورقة الكرم مستديرة، وورقة الموز طويلة عريضة، فإذا سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدىء كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «وما دعواتهم في التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته وما قولهم» .
قال الله: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» ونحن وأنتم لا نأكل لحم الذبيحة حتى تموت، ولا نأكل السمك حتى يموت، وإنما معنى هذا ان النبي ﷺ قد مات وحرام أن تقام شريعته «١»، وينبغي أن يمتثل أمر العزيز مولانا الذي هو حجة الله، وهذا علم الخاصة. ولكن الفقهاء الحمير وأهل الظاهر لا يعرفون هذا، لذهابهم على إمامهم وليّ الله وحجة الله على خلقه.
ويقولون لطائفة أخرى: ما عليكم صلاة ما دام في الدنيا لكم عدوّ يمنعكم من التمكن في الأرض، فإن الله يقول: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» «٢» ويقولون لآخرين الصلاة شخص، والصلاة عذاب على أهل الظاهر ويرقون الناس بحسب طبقاتهم واحتمالهم للشك والحيرة، وهذه مجالس الترقية كما هو مذكور لهم ومرسوم في البلاغ السابع والناموس الأعظم، ثم يرقون من يثقون به بأنه لا يحرم عليه أمه ولا بنته ولا أخته، ولا خمر ولا خنزير ولا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا شيء البتة، وأنه لا يحل لك أن تمنع أخاك ومن هو مثلك في البلاغ السابع/ والعلم الباطن من زوجتك فإنها تحل له كما تحل لك، والاشتراك في الزوجات كالاشتراك في الطعام، والكريم هو الذي «٣» تنكح زوجته بحضرته كما يؤكل طعامه بحضرته، وقد قال افلاطن الغيرة شح في الطبيعة.
فيقال لهؤلاء الدعاة: قد ادّعيتم على رسول الله ﷺ وعلى إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه
_________
(١) في الأصل «حرام» وقد أضفنا الواو قبلها لأن سياق الكلام يقتضي ذلك.
(٢) الحج ٤١
(٣) أثبت في الأصل بعد كلمة الذي «هو» وقد حذفناها لأنها زائدة.
Translation
حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين إلى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض
#77
Chapter 77 — كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها
· ref. #77
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
وطلبوا عثرة تكون له فما وجدوا، ولو كان كما قد ادعيتم لكانت سبيله سبيل أئمتكم، فقد علمتم حال سعيد، «١» الذي زعم ان ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان بن سعيد الغضبان الخرميّ، وأبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره من أهل هذه الدعوة ويزعمون «٢» ان سعيدا هذا ليس هو ابن الحسين وإنما هو ابن امرأة الحسين هذا، وأبوه يهوديّ حدّاد من أهل سلمية من أرض الشام، وأن الحسين لما تزوج بأمه حظيت عنده، فأحب ولدها سعيدا هذا، وإنما رغب فيها لفرط جمالها وكمالها.
[كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها]
وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة، فتولى الحسين زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان أولها وابتداؤها، وزوجة الحسين زوج أمه بنت أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد الرحمن.
ثم صار سعيد إلى سجلماسه/ من أرض المغرب «٣»، وتسمى بعبيد الله «٤» واكتنى بأبي محمد، وادّعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الاهواز كثيرة، ولهم بها «٥»، وأن المواد تأتيه منها، وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «ابتداء ظهور الفاطميين في المغرب بدعوى التشيع» .
(٢) في الأصل: «يزعمون»
(٣) سجلماسة مدينة في جنوب المغرب، في طرف السودان
(٤) في الأصل: «تسمى» .
(٥) يظهر أن هنا نقصا في العبارة
ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصيّ أبيه، وأن أباه من أهل البيت، وكان يحتال على اليسع ابن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته بالدعاوى.
فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن احمد بن زكريا الكوفي الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا اجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم فقال له: هو كما كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا الصبيّ، فإنه جاءني برسالة من عمه، أحمد بن المدرار جافية، فكانت هذه أول فضائحه ولها تفصيل طويل.
وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن، ثم لما تمكن وملك قال هو ابني، وسماه محمدا، وكناه بأبي القاسم.
ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رجله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الانبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما/ أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهديّ الذي هو حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل الخشب، ويعدهم عن المهديّ بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير.
ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ،
وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية، وأخيه أبي العباس محمد بن أحمد بن زكريا، وأبي زاكى تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله لهؤلاء وتمكنه بالمغرب، استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه وجعله وليّ العهد بعده والخليفة، وسماه القائم، فكان ينزل في العساكر على بلد بلد فيستصفي أمواله، ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة والأمتعة، ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ويجعل لهم الاحوال والأموال، ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ويتوصل إلى ازالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول شرحه.
وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام، وبني أبي البغل، وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيى الموتى ويقف على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن احمد النسفى صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن حمدان يذكر مثل ذلك بالريّ لأسفار بن شيرويه.
/ وكثرت الروايات عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في أن المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها، وينفذ أمره فيها وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم.
وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن
الأرض كلها لك والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته، من آل الفرات وآل بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت، فسير ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه الدعوة.
فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما الفرغاني في سبعة الاف فردّ تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الاموال، وجاءت جواسيسه إلى الشيعة المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ونزل على/ عسكره في الماء ثممل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم ردّ العسكر إلى مصر. وقد قتل المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء والعلماء، وقد كان بثّ دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، فمنهم من يلقون إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق، فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الانكار يأخذ
الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة.
ولما هلك، قام ابنه الّذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق أفريقية والمهدية وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال وهي في يد عدة من الملوك، وكانوا «١» يقولون في هذا أنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، وأنه هو الحجة والمهدي، وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ/ السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها، وبعثه على قتل المسلمين، واحراق المساجد والمصاحف، وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد اسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك فلما تمكن وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علويّ. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول، وهو أكثر مما أتى أبوه.
وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونصّ عليه، وقال:
هذا القائم الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة.
_________
(١) في الأصل: «كان»
ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله للناس واستصفائه الأموال، اجتمع قوم من أهل الجبل بالمغرب على رجل من الأباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ اليه هذا الذي تسمى بالقائم بن المهديّ بعسكر فكسره وردّه، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل أفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من أرض المغرب إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، والاسقلية وطرابلس من أرض المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال عقله مما نزل به من الذل، / وقتل الرجال، وزوال الملك، وجوع من بقي معه بالمهدية بالحصار.
وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد واشهد، واستعان بأبي الحسين بن عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الأباضية، فكرهه الناس وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله ﷺ فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية، وهم قوم
مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة مذكورة.
واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد، وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافيه في الاسلام، وإنما أظهر الرجوع عن سيرة أبيه/ وجده خوفا مما جرى.
وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبيّ ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب، ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته.
وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده بمصر إلى هذه الغاية. ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدّا وجعله وليّ عهده، وسماه بالمعز لدين [الله] «١» . ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغيّر وقرّب الدعاة فقالوا: هذا هو المهديّ، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي
_________
(١) زيادة مني اقتضاها الكلام
تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الاسلام، وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين، وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد لعن خلفاء رسول الله ﷺ، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر، وهمّ بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصيّ أسود مولى لموالي بني العباس وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصيّ، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للاسلام سلطان ولا/ ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له من حوله مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق، ومحمد بن سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصيّ الأسود أمير مصر.
فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ابن عبيد الله بن الأخشيد وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، فقال له أبو جعفر بن نصر. أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال:
إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري
فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك.
فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في عسكره فكبسه وأنفذه/ إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب «١»، إلى أبي تميم. فلما حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من أفريقيه. فطن أبن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد الذين استأمنوا إليه من المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى، فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد فما يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معدّ بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين وثلثمائة.
وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوه وجزية يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم،
_________
(١) في الأصل: «أنفذه»
فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على أبوابهم ويسبونهم.
واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم، من الجند والعامة، ويأتون بها، ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي تشحّم وتسمّن، والأطلبة التي تنقىّ/ البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ويقول: قوم:
قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق.
ووافى العراق أبو عليّ الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي من الأحساء في عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو عليّ هذا القرمطيّ أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة المطيع لله ولاية على مصر والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ومخاريق عبد الله بن ميمون القدّاح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأردّه من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا
أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على أبي عليّ هذا وكان يعترف بالتقصير وبريء من فعل إخوته وبنى عمه من من أبي سعيد وأبي طاهر وغير هما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للاسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني العباس، فما قبل/ ذلك المطيع، وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي عليّ هذا فما أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدّعي أن المطيع قد ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك.
وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر، فلما لم يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه اعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق، ثم سار إلى الشام. فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح، وقتل أصحابه، واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام، يذهبون مذاهب الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية والاتاوة أكثر مما «١» كان يأخذ قبل هذا، والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه،
_________
(١) في الأصل: «ما» .
وحفر خندقها وعمقه، والحسن يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للاسلام كما هو مذكور في كتبه وأشعاره فيهم.
ولكثرة ما قال وبيّن من ذلك، قال أبو بكر النابلسي/ رئيس الفقهاء بالشام: جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم، إذ الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع.
وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حيّ وهو كثير العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه، وأفسد تدبيره فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ، وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الاحساء فأكرمهم ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء.
وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان
من الماسورين فأطلقه وأطلق غيره من الاسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، وهو نزار أبو المنصور بن معدّ، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي/ القرامطة بالاحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يحرج لهم سرية خوفا من الأصفر «١» .
وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الاصفر بهدايا كثيرة نفيسة، وحمل إليه أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له، فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له:
لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي وقع في الاسلام، وخذ الاموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى قبول ما بذلت من الاقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما عندي.
فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله ﷺ، وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والاقامة على دينه، من غير أن تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من اعدائه قبلكم، ولو كان كما
_________
(١) انظر الجزء الأول من الكتاب، الصفحة ١٠٧
تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها، ولو اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهديّ من ولده، ومع أخذكم له العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، / ومع كونكم في الاطراف والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء وأهل البحث والنظر قد افتضحتم هذه الفضائح، فلو كان كاذبا ومحتالا كما تقولون لكانت سبيله سبيلكم.
قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ومحتالون، وأنا قد سخرمنا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم كما خدعنا وما ها هنا إلا مبطل.
قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت فضائحكم، فهاتوا له»
ﷺ هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون اليه.
فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء «٢» فأين الشعر الذي هجى به.
قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل
_________
(١) في الأصل: لهذا
(٢) يوجد هنا نقص في العبارة، ولعله كلام سقط من الناسخ، ولما كانت هذه النسخة التي نعمل عليها هي الوحيدة المعروفة حتى الآن لم يكن هناك مجال لمعرفة نص هذا النقص، لكن تقديره أن الزنجاني احتج بأن الرسول قد وجهت اليه تهمة عن طريق شعر قيل فيه، ويرد القاضي على احتجاجه هذا.
ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما أدّعوه عليه أكثر مما في شعر أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون، وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه كما لا يكون نبيّا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيّناها مفصلة.
وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن اتباعه زيد ابن رفاعه الكاتب، وأبو أحمد النهرجورى، والعوقى، وأبو محمد بن أبي البغل الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة. /
ومما يلجئون اليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة.
قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ابن رزام، وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدّعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل الدليل على كذب كل من ادّعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة وشريعة.
وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم.
قالوا: وهذا نزار يخطب له في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس عن الانكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادّعيتم لهم النبوة.
قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم/ لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض أجمعين، ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم، وهو كما قال بعض الناصحين للملوك الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم، وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه وماله. ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى عليه، فقيل له:
أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا. وقولكم:
إن من ادّعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ثلاثة: راعي وطبيب وجمّال وأغيظهم لنا الجمّال «١» فإنه أفسد سائر
_________
(١) جاء في هامش الأصل «قول رئيس القرامطة أفسد أمور الناس ثلاثة»
الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدّعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم.
وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب، وأعلامه أظهر وهو ما قد ذكرناه لكم من القرآن ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة الحجة، / فيجدون أول أمره كاخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته، وكيف يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره، وفي ظاهره وباطنه، فإنكم تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون اليه وإلى التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثّم أن افتضحتم تلك الفضائح.
وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله ﷺ فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا وفيمن خدعناه وان افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا يسخر منه ولا يخدع، وان المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس سرعة خروج المهديّ فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطيء ذلك ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب اليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي «١»
_________
(١) الأعراف ١٨٧
[كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها]
وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة، فتولى الحسين زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان أولها وابتداؤها، وزوجة الحسين زوج أمه بنت أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد الرحمن.
ثم صار سعيد إلى سجلماسه/ من أرض المغرب «٣»، وتسمى بعبيد الله «٤» واكتنى بأبي محمد، وادّعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الاهواز كثيرة، ولهم بها «٥»، وأن المواد تأتيه منها، وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «ابتداء ظهور الفاطميين في المغرب بدعوى التشيع» .
(٢) في الأصل: «يزعمون»
(٣) سجلماسة مدينة في جنوب المغرب، في طرف السودان
(٤) في الأصل: «تسمى» .
(٥) يظهر أن هنا نقصا في العبارة
ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصيّ أبيه، وأن أباه من أهل البيت، وكان يحتال على اليسع ابن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته بالدعاوى.
فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن احمد بن زكريا الكوفي الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا اجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم فقال له: هو كما كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا الصبيّ، فإنه جاءني برسالة من عمه، أحمد بن المدرار جافية، فكانت هذه أول فضائحه ولها تفصيل طويل.
وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن، ثم لما تمكن وملك قال هو ابني، وسماه محمدا، وكناه بأبي القاسم.
ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رجله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الانبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما/ أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهديّ الذي هو حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل الخشب، ويعدهم عن المهديّ بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير.
ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ،
وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية، وأخيه أبي العباس محمد بن أحمد بن زكريا، وأبي زاكى تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله لهؤلاء وتمكنه بالمغرب، استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه وجعله وليّ العهد بعده والخليفة، وسماه القائم، فكان ينزل في العساكر على بلد بلد فيستصفي أمواله، ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة والأمتعة، ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ويجعل لهم الاحوال والأموال، ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ويتوصل إلى ازالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول شرحه.
وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام، وبني أبي البغل، وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيى الموتى ويقف على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن احمد النسفى صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن حمدان يذكر مثل ذلك بالريّ لأسفار بن شيرويه.
/ وكثرت الروايات عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في أن المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها، وينفذ أمره فيها وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم.
وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن
الأرض كلها لك والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته، من آل الفرات وآل بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت، فسير ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه الدعوة.
فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما الفرغاني في سبعة الاف فردّ تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الاموال، وجاءت جواسيسه إلى الشيعة المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ونزل على/ عسكره في الماء ثممل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم ردّ العسكر إلى مصر. وقد قتل المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء والعلماء، وقد كان بثّ دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، فمنهم من يلقون إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق، فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الانكار يأخذ
الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة.
ولما هلك، قام ابنه الّذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق أفريقية والمهدية وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال وهي في يد عدة من الملوك، وكانوا «١» يقولون في هذا أنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، وأنه هو الحجة والمهدي، وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ/ السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها، وبعثه على قتل المسلمين، واحراق المساجد والمصاحف، وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد اسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك فلما تمكن وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علويّ. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول، وهو أكثر مما أتى أبوه.
وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونصّ عليه، وقال:
هذا القائم الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة.
_________
(١) في الأصل: «كان»
ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله للناس واستصفائه الأموال، اجتمع قوم من أهل الجبل بالمغرب على رجل من الأباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ اليه هذا الذي تسمى بالقائم بن المهديّ بعسكر فكسره وردّه، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل أفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من أرض المغرب إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، والاسقلية وطرابلس من أرض المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال عقله مما نزل به من الذل، / وقتل الرجال، وزوال الملك، وجوع من بقي معه بالمهدية بالحصار.
وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد واشهد، واستعان بأبي الحسين بن عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الأباضية، فكرهه الناس وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله ﷺ فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية، وهم قوم
مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة مذكورة.
واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد، وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافيه في الاسلام، وإنما أظهر الرجوع عن سيرة أبيه/ وجده خوفا مما جرى.
وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبيّ ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب، ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته.
وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده بمصر إلى هذه الغاية. ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدّا وجعله وليّ عهده، وسماه بالمعز لدين [الله] «١» . ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغيّر وقرّب الدعاة فقالوا: هذا هو المهديّ، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي
_________
(١) زيادة مني اقتضاها الكلام
تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الاسلام، وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين، وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد لعن خلفاء رسول الله ﷺ، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر، وهمّ بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصيّ أسود مولى لموالي بني العباس وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصيّ، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للاسلام سلطان ولا/ ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له من حوله مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق، ومحمد بن سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصيّ الأسود أمير مصر.
فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ابن عبيد الله بن الأخشيد وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، فقال له أبو جعفر بن نصر. أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال:
إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري
فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك.
فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في عسكره فكبسه وأنفذه/ إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب «١»، إلى أبي تميم. فلما حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من أفريقيه. فطن أبن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد الذين استأمنوا إليه من المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى، فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد فما يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معدّ بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين وثلثمائة.
وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوه وجزية يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم،
_________
(١) في الأصل: «أنفذه»
فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على أبوابهم ويسبونهم.
واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم، من الجند والعامة، ويأتون بها، ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي تشحّم وتسمّن، والأطلبة التي تنقىّ/ البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ويقول: قوم:
قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق.
ووافى العراق أبو عليّ الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي من الأحساء في عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو عليّ هذا القرمطيّ أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة المطيع لله ولاية على مصر والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ومخاريق عبد الله بن ميمون القدّاح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأردّه من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا
أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على أبي عليّ هذا وكان يعترف بالتقصير وبريء من فعل إخوته وبنى عمه من من أبي سعيد وأبي طاهر وغير هما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للاسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني العباس، فما قبل/ ذلك المطيع، وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي عليّ هذا فما أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدّعي أن المطيع قد ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك.
وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر، فلما لم يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه اعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق، ثم سار إلى الشام. فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح، وقتل أصحابه، واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام، يذهبون مذاهب الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية والاتاوة أكثر مما «١» كان يأخذ قبل هذا، والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه،
_________
(١) في الأصل: «ما» .
وحفر خندقها وعمقه، والحسن يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للاسلام كما هو مذكور في كتبه وأشعاره فيهم.
ولكثرة ما قال وبيّن من ذلك، قال أبو بكر النابلسي/ رئيس الفقهاء بالشام: جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم، إذ الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع.
وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حيّ وهو كثير العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه، وأفسد تدبيره فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ، وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الاحساء فأكرمهم ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء.
وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان
من الماسورين فأطلقه وأطلق غيره من الاسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، وهو نزار أبو المنصور بن معدّ، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي/ القرامطة بالاحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يحرج لهم سرية خوفا من الأصفر «١» .
وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الاصفر بهدايا كثيرة نفيسة، وحمل إليه أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له، فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له:
لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي وقع في الاسلام، وخذ الاموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى قبول ما بذلت من الاقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما عندي.
فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله ﷺ، وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والاقامة على دينه، من غير أن تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من اعدائه قبلكم، ولو كان كما
_________
(١) انظر الجزء الأول من الكتاب، الصفحة ١٠٧
تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها، ولو اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهديّ من ولده، ومع أخذكم له العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، / ومع كونكم في الاطراف والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء وأهل البحث والنظر قد افتضحتم هذه الفضائح، فلو كان كاذبا ومحتالا كما تقولون لكانت سبيله سبيلكم.
قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ومحتالون، وأنا قد سخرمنا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم كما خدعنا وما ها هنا إلا مبطل.
قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت فضائحكم، فهاتوا له»
ﷺ هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون اليه.
فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء «٢» فأين الشعر الذي هجى به.
قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل
_________
(١) في الأصل: لهذا
(٢) يوجد هنا نقص في العبارة، ولعله كلام سقط من الناسخ، ولما كانت هذه النسخة التي نعمل عليها هي الوحيدة المعروفة حتى الآن لم يكن هناك مجال لمعرفة نص هذا النقص، لكن تقديره أن الزنجاني احتج بأن الرسول قد وجهت اليه تهمة عن طريق شعر قيل فيه، ويرد القاضي على احتجاجه هذا.
ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما أدّعوه عليه أكثر مما في شعر أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون، وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه كما لا يكون نبيّا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيّناها مفصلة.
وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن اتباعه زيد ابن رفاعه الكاتب، وأبو أحمد النهرجورى، والعوقى، وأبو محمد بن أبي البغل الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة. /
ومما يلجئون اليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة.
قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ابن رزام، وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدّعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل الدليل على كذب كل من ادّعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة وشريعة.
وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم.
قالوا: وهذا نزار يخطب له في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس عن الانكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادّعيتم لهم النبوة.
قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم/ لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض أجمعين، ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم، وهو كما قال بعض الناصحين للملوك الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم، وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه وماله. ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى عليه، فقيل له:
أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا. وقولكم:
إن من ادّعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ثلاثة: راعي وطبيب وجمّال وأغيظهم لنا الجمّال «١» فإنه أفسد سائر
_________
(١) جاء في هامش الأصل «قول رئيس القرامطة أفسد أمور الناس ثلاثة»
الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدّعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم.
وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب، وأعلامه أظهر وهو ما قد ذكرناه لكم من القرآن ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة الحجة، / فيجدون أول أمره كاخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته، وكيف يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره، وفي ظاهره وباطنه، فإنكم تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون اليه وإلى التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثّم أن افتضحتم تلك الفضائح.
وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله ﷺ فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا وفيمن خدعناه وان افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا يسخر منه ولا يخدع، وان المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس سرعة خروج المهديّ فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطيء ذلك ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب اليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي «١»
_________
(١) الأعراف ١٨٧
Translation
كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها
#78
Chapter 78 — حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول ص وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها
· ref. #78
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
ومثل قوله: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» «١» فيتحير ذاك اليائس وفي عنقه أيمان قد قيدته عن الشكوى ولقاء العلماء ويخاف أيضا مما قد توعدوه به من أن جعفر بن محمد قال: من أفشى سرنا أذاقه الله حر الحديد في الدنيا والنار في الآخرة، وربما قالوا قد سخط الله على أهل الأرض فبدا له من إظهاره/ في الوقت الذي وعد أن يظهر فيه، والله يؤخر المقدم ويقدم المؤخر. وجواباتهم تحسب ما يرون في السائل من فطنة أو بلادة أو فقر أو غنى، أو عز أو ذل، فيورون عن فضائحهم بألوان الحيل.
فيقال لهم: قولكم أخر الله خروجه عن الوقت الذي وقّته لذنوب العباد ولسخطه عليهم، كل هذا سخرية وفضيحة لكم، فإن الله ﷿ لا يعاقب عباده بإخلاف مواعيده وبكذب إخباره، وإذا قال الله إنه يفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، أو أن فلانا سيفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فإن ذاك يكون كما أخبر وكما قال في الوقت الذي قال لا يتأخر عن ذلك ولا يتقدم عليه، لأنه ﷿ عالم لنفسه لم يزل كذلك ولا يزال، يعلم ما سيكون قبل أن يكون وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون: وقولكم: هذا مما بدا لله فيه، فإنما يجوز البداء على المخلوقين، وعلى من لا يعلم العواقب، وأما علام الغيوب ومن يعلم ما يكون قبل أن يكون، فلا تعرض له البدوات، ولكن الله ﷿ أبدى للعباد كذبكم وأظهر بهذا فضائحكم، فأحلتم كذبكم على ربكم وبرّأتم منه أنفسكم.
[حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول ص وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها]
ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله ﷺ: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» . وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا يشتهيه، وما هم جياع بل شباع «٢» قلنا: قد علم هو ﷺ وأصحابه الذين قال لهم
_________
(١) لقمان ٣٤
(٢) جاء في هامش الأصل «تأويل قوله ﵇ بيت لا تمر فيه جياع أهله»
هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع، وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل، والقوم الذين هم أكلة التمر، وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم، وهذا من مسائل أهل الخيبة/ والافلاس.
ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله: ﷺ «الشفاء في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله» وقوله: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ما الكمأة.
قلنا «١»: ما قال النبيّ ﷺ لا دواء إلا هذا ولا شفاء إلا في هذا، وإنما قال:
في هذا الشفاء، وقد صدق ﷺ. فإن الناس يجدون في العسل من الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه، وفي الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر ﷺ بذلك في كل مرض فيكون لقائل مقال، وقد قال ﷺ: ماذا في الأمرّين من الشفاء: الصبر والشقاء. وذكر ﷺ الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ مما يطول شرحه، وإن لم يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب، وقد علم هو ﷺ والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون، وعلى أن هذه الأدوية
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «تأويل قوله ﷺ: الشفاء، في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله، وقوله: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» .
لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحيّ القادر وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله ﷿، وقد يفعله بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي، ولكنه/ ﷿ قد أجرى العادة بأن يفعل الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد وقد أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو القرآن فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن يصفوا أمراضهم للاطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ولا ذكر طبيعة.
ولما مرض أبو بكر الصديق ﵁ قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟
فقال: لا الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء فماتوا ومات الأطباء.
وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج «١» وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له، ولو جمع جميع من داواه المتطببون فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ماء زمزم وحده.
وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للامراض المتفاوتة المتضادة المختلفة، وهذا الذي ادّعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه
_________
(١) ثمران يستعملان في العقاقير
كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق/ كثير على مثل طرائقهم في بلدان الاسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة.
وربما ادّعوا ذلك عند سماع كلامنا، فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادّعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم.
فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة فإن هذا قول من لا يعرف الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء، فان أدوية الأمم مختلفة غير متفقة، فطبّ الهند غير طبّ العرب، وطبّ الروم غير طبّ الفرس، وطبّ سكان المدن غير طب سكان القرى، وطبّ البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب أهل القرى، ولحنين ابن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا جالينوس ولا ذكرها، منها: الجدريّ والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض الهائلة العامة الشاملة حتى لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض والمرض ومن داواه.
وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة/ وقاين وما إلى ذلك، «١»
_________
(١) قاين: بلد بين نيسابور وأصبهان، وهراة: من أمهات مدن خراسان معجم البلدان
يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به، وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن، وأهل طبرستان يتداوون من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف بارد، وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون انها باردة.
وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء قاتلا، لا لشيء أكثر من انهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ذلك، وهذا عند غيره، وفي هذا الزمان، وفي هذه الأمراض من الادواء القاتلة.
ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان، وإبراهيم بن بكس أبو ابن بكس هذا الضرير الطبيب، والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد وهي إذ ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض القفّاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس خذ يا أبا إسحق الى ساعورك من هؤلاء المقفعّين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس فرجعت في علاجهم إلى أدوية جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد.
والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه «١»،
_________
(١) مكررة في الأصل
وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابي الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن بن/ نفيس وهو أحد رؤساء المتطببين. (وهو أستاذ ابن بكس هذا) «١» .
يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحد، وأنها قد تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر.
وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الاقوات وصاروا مرضى مطرّحين على الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من يمرضهم ويخدمهم فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات.
واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الانعام وذوات الحوافر تغتذي بالاحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر من الانس وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا.
والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة ويخلق الله بذلك في أجوافها شحما ولحما ولبنا، والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ويدرق الثفل مثل الماء الجاري، والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر، والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سمّ قاتل، والسقمونيا ترعاه البهائم
_________
(١) في الأصل: «وهو أستاذ هذا ابن بكس»
والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به والبيش تأكله البهائم التي هي على هيئة الفأر وهي معروفة به، وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس، والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيّل والقنفذ والسنّور وغير هذا من الحيوان، / ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل.
على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده وإنما أجرى به ﷿ العادات ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله في آخر، حراسة للحق، ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه ﷿ لا يفعل الجهل والضلال.
وقولنا في الطب ليس بعلم لأن كان علما لا يتغير قطّ، كالعلم بأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما.
ولهذا يقول حذاق الطب: إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري.
قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري، ونحن فقد يطيعنا القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه.
هذا معروف مذكور في كتبهم، ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد أن يرجع إلى الله ﷿ ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة فمن شاء أن يقتصر على ذلك فعل، ثم إن كانت له عادة بالتداوي
تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم، «١»» وجاء: «عود بدنا ما اعتاد» «٢» .
ثم ليس إلى السلامة/ سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال ﷺ الله كفانا بالسلامة داء، وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الانسان وإن دامت صحته فهو معها يهرم ويبلي ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا، وكان أبو عثمان عمرو عبيد كثيرا ينشد قول القائل:
يهوى البقاء فان مدّ البقاء له ... وصادفت نفسه فيه أمانيها
أبقا البقاء له في نفسه شغلا ... مما يرى من تصاريف البلى فيها
وقال آخر:
إذا مات المعالج من سقام ... فأحرى بالمعالج أن يموتا
وقال آخر:
يعيش راعي الضأن في جهله ... عيشة جالينوس في طبه
وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق الأطباء، وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم، وقل ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض، هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد وأبوه حيّ وبالغ في علاجه، فذهبت احدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت الآخرى بعد ذلك، والمعروف بالتلميذ،
_________
(١) جاء في هامش الأصل من حديث ابن مسعود، وروي مرفوعا من حديث له.
(٢) جاء في هامش الأصل تعليقا على هذا: «هذا من كلام الطبيب الحارث بن كلدة: ومن رفعه إلى رسول الله أخطأ» .
به فتق وغيره من الأمراض، وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابيء أكثر أسقاما، وتلميذه أبو عبد الله بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير، وابن المهزول وأبوه طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة، وابن بنت أبي الحسن ابن بكس امرأة أبي الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها طبيب، وحموها طبيب، قد اجمعوا على علاجها فماتت بأسرع من ذاك.
وهذا بيت بني زهرون/ الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل العظيم، ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هرون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب دفنه شابا في حياته، وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق.
ولم تعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده، ولكن ذكرنا هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله ﷿ وهو المبتلي والمعافي، ولأن أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة، وتنفي الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات، ويكذبون الانبياء ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من الأصحاء، ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم إن التقينا فاقتصوا منا كيف
شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه.
وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد مثل قسطا بن لوقا، وحنين بن اسحق، وابنه اسحق، وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا الرازي، فهذا كان نصرانيا بن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى/ بمحمد، وكان اسمه يوحنا. وإنما فعل ذلك مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الانسان من غير تناسل ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله ولم يفعله كما نرى حالا بعد حال، وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله، وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج اليه العقلاء من المعلمين للسباحة، وما يبنيه النحل، وينسجه العنكبوت ودود القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح.
ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه، فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول:
لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة الحلاوة والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة.
وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والاسماع والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء
الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجّته وجرحه.
وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد ويحرص على اجتلا به، / ويأسا على ما فاته منه، ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه، ولذهاب سمعه وبصره، ويتمنى ردّ ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها وهو لا يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس، والعجب أن لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا.
ثم فهم ينسون المشاهدات، ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة، ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ظنهم أنهم يبرّونه ويديمون صحته وجلده، وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم وأطاعوهم ما قد عرفه الناس.
وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد أضنته ونغّصت عيشه وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، وهو جلد وسيم جسيم.
وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل اليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه،
ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم ﵀: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع/ في الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب اليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى، أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذّب به، ومع هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. وأخرى، أن ينصرك من الضعف، ويعينك من المرض اللازم ما هو بيّن، وأنت تدعي علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والازراء على من تقدمك من الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك، فكان من عذر الرازي في سقم بصره حبّه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب منه، ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره المتطببون في ذلك وهو على كل حال/ يتقدم في صنعة الطب،
كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة:
هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: افعلوا وبادروا لعله ينفعنى، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه.
ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن الأكرة ومن الملاحين، وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم هي فيهم وبأي أمراض ماتوا، فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال.
وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما، والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ولا تتداوى بشيء من ذلك، هذا الغالب عليهم، وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته، ولو أراد المسلمون أن يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا «١» من كتبهم، وطول مشاهدة المرضى، ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأنّ هذه الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، وأراح المسلمين من هؤلاء/ الأطباء فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم الالحاد والقسوة وقلة
_________
(١) في الأصل: شرا
المبالاة، ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم، فما أحوج الناس إلى من يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين لهم، وممن يتمنى الاسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم، فما في الأرض أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم، وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني وبائع الدواء إذا كان ذلك.
وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري ﵀ «١» يذكر عن ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائل الصيدلاني النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، أن فلانا يؤذي النصارى ومنك يشتري الأدوية فأكفيناه، فقال: أفعل.
وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد عليه فقتله.
وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن الكرخي ﵀، وحنون هذا، هو أبو أبي الطيب المؤمل هذ الذي يحيا وأسلم.
_________
(١) هو شيخ قاضي القضاة عبد الجبار الهمذاني توفي حوالى سنة ٣٦٧
/ قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال:
فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل وفصدته ورجعت اليه، وقلت له: ما كان به حاجة إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إليّ، وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إليّ فقصدت إسقامه بالفصد.
وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله «١»، فقتله أبو حسن اليهودي المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه المحبة، فشكى اليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد صافي فلم تخرجه، فقال له موسى هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض أبو هاشم عقيب ذلك ومات.
وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما يتداوى به وبما يغتذى به فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال فلان الطبيب، قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له فهذا/ العليل هذا مرضه وقد أخطأ
_________
(١) أبو هاشم هو عبد السلام الجبائي المعتزلي المشهور ويعرف أتباعه بالبهشمية وقد تأثر به قاضي القضاة كثيرا، حتى أنه يعتبر ممثلا لمدرسته في كثير من الأمور.
عليه طبيبه واستصوبته أنت قال: نعم على عمد، قلت له: [قلت] «١» ولم؟ قال: عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر.
وكم لهم مثل هذا ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان كثيرة، قال طبيبه وأنا واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي:
فلج لا محالة فركبت وحثيته؛ فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم، فكان ذلك بالضد من صناعة الطب وقوانينه.
ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء، وخيانات هؤلاء كثيرة، وقد أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة.
وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها، وقد تلسع الإبل والقنفد والسنّور وابن عرس وغيرها فلا تضرّ، هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر.
وزعم الكندي المتطبب «٢»، أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي من
_________
(١) كذا في الأصل، وهي زائدة
(٢) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي من أوائل الذين كتبوا في الفلسفة والطب عند العرب
تكون: قلت: أنا يعقوب ابن اسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه الأفاعي فإذا لسعته/ ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال:
فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسيّ، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمى قبله. فأقبل عليّ المعتصم وقال:
رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا، أحسبه قال على كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت:
أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرّف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ضعف سمّها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء قال الكندي: فجيء بها وأرسلت عليه فمات.
وهذه غفلة من الكندي، هب الأمر كما قال وسمّها قد بطل أصلا فما السبب أنها تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي.
وعقارب الفاطول «١» يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر الناس فلا تموت، والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقه، ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد بالبنذنجيين «٢» وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز، والأطباء يرجعون في التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم:
_________
(١) لعلها: الناطلين، انظر معجم البلدان، الجزء الخامس
(٢) انظر معجم البلدان الجزء الأول
بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم للاطباء، / فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () «١» قتالة، وثم عقارب كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله ﷿. وفي الحيوان من يعرض له عند لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه وكل ذلك من آيات الله، ويزيدك علما أن الطب تجارب، وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات.
وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الاسلام، وهو كوفيّ، وكان أحد المياسير، فأنفق أمواله كلها «٢» في مكاره الاسلام وفي الطعن على الأنبياء أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكنديّ من الجهالات كما لابن زكريا الرازي في الخواص والكيمياء، فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الاسلام وكذبهم وفضائحهم.
والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه
_________
(١) كلمة ممحية من الأصل
(٢) في الأصل: «كله» ولعل الأصح ما أثبتناه
من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال/ فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكيّ حرك ظريف فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، فاشتد تعجبي، فقلت، كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى السكباج في الدار مكشوفا «١»، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام الى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت «٢» القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة.
فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء فيها، أنه لا يعلم ان الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لو صفه لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي، وهذا من جنس قولهم: إن
_________
(١) في الأصل «مكشوف»
(٢) كذا في الأصل
أفعى ولغت في خمر وقذفته/ في وعائه، وأن رجلا مجذوما «١» شربه فبرىء، وهو سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا عنه من آيات الله في إجراء العادة وما تقدم من ذكر ذلك.
ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب «٢» ضروب من الحمايات فافاقوا.
ويحيى بن خالد هذا [كان] «٣» طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا كثيرا.
وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له:
إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوّله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن أردتها ذكرناها.
وكذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش، فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطله.
_________
(١) في الأصل: «مجذوم»
(٢) في الأصل: «صاحب»
(٣) زيادة مني على الأصل تقتضيها صحة العبارة
ومن جناياتهم انهم يرسمون في الطب والمدخل الى الطب الكذب الذي ليس من الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة من الهواء/ وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ذلك ﷿ ليعتبر العقلاء من الملائكة والانس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء.
أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الاصوات والحركات والتأليف والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويا بني ويصوغ ويخيط وينسج وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي ﷾ الحيّ القادر العالم الحكيم الغنيّ عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه ﷿. إن كان قد خلق الرمّان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء، وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه ﷿.
فإن قالوا وجدنا في هذه/ الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا من شيء.
وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا:
إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع قلنا: فهذا طبع وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة وعند الله طويل، وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله ﷿ هذه الاجسام؟ ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب؛ وقد فطن لهذا حذاق الأطباء فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب، وعلى أن فرط الجهل والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء.
وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها قالوا: الأنبذة من دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه النار، ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة/ لرسول الله ﷺ، ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شرّ من الماء.
وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا، سبيل فقال: أنا رجل ذمىّ وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شرّه، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك مالك إلى هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه.
وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال قائل منهم: والله ما حرم نبيّ العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله، فانّ الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدّا محيلة له وكذا الغناء، وما شيء أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه.
قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها، فنبيّ العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا.
وقد ذكر الناس/ فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر
في بلائهم، وهم، يذمون النخلة، وخيرات الدنيا مقسومة بين النخلة والنعجة والتمور من الأغذية الشريفة النافعة التي يحيا بها الحيوان الأنس وغيره.
وفي التمر مع اللذة بأكله إخراج التعب وراحة للمكدود، والملاحون يسمونه لأجل هذا مسامير الركب، ولما قيل للأعرابي: صف النخلة قال:
جذعها بناء وكربها صلاء وسعفها ضياء وثمرها غذاء، ومقدار النعمة بالنخلة يضيق هذا المكان عنه وعن شرحه، ولأبي عثمان عمرو بن بحر ﵀ «١» كتاب في فضيلة النخلة على كل نبات، وهو كتاب كبير حسن جدا، وجهل هؤلاء عظيم وجناياتهم لا تستقال، ولعل من قد قتلوه بأدويتهم مع حسن نيتهم فيه وحرصهم على برئه أكثر ممن أفاق عند علاجهم، وكم فيهم من قد غلط في نفسه وأولاده وأهله بعلاج هذا لحذاقهم فضلا عن المبتدئين.
ولهم إصابات في الحمايات إذا ابتدأت وكم تلبث ومتى تنصرف وكم دور يكون وبأي شيء يكون بحرانها، إما بالعرق أو بالرعاف أو بالقيء أو بالبول أو بغير ذلك، هذا يعرفونه بالتجربة، ويغلب في العادة، وقد لا يكون.
كما يعرف الملاحون الريح متى تسقط وكم تلبث، يعرفون هذا في البحار وفي الأودية ويعرفون أزمانه كما يعرفون أوقات المدّ وأزمان زيادته، وأوقات الجزر، وينتظرون ذلك، / وكما تعرف القوابل غيره من الحمل، وذكر هو أو أنثى، وكم تلد أمه بعده من ذكر وأنثى مما يتفق لهن فيه إصابات حسنة، وكل هذه عادات وتجارب. فإن قيل: فاذا كان الدواء والسمّ لا يقتل، فلم تذمون الساقي لذلك والشارب له؟ قلنا: نذمه ونؤثمه على ما حدث من فعله من الشرب والإسقاء، وان كان ما يحدث من الموت من فعل الله، لأن الله
_________
(١) يقصد أبا عثمان الجاحظ
أجرى العادة بفعل الموت عند ذلك، ونذمّه كما يذم من إلقاء غيره إلى السباع، وكما يذم من سعى بالناس إلى الولاة ودل على أموالهم وإن لم يأخذه الولاة ولا أكلهم السباع، لأن الغالب من ولاة الجور أخذ الأموال ومن السباع الأكل، كذا الغالب فيما أجرى الله به العادة: الموت عند شرب الدواء المسموم والسم، فليس لأحد أن يفعل ذلك، وكذلك لا تلم الساقي ولا الشارب إذا تناول ما جرت العادة بالسلامة معه وإن حدث عقيبه الموت، ألا ترى من أطعم غيره طعاما لذيذا ينفعه به فمرض عقيب ذلك ومات لم نلمه لأن الغالب في العادة السلامة.
ونلوم من سقى غيره سما قاتلا فعوفي وانتفع بذلك أتم منفعة، فإنا نلومه ونضلله ونؤثمه، والرجوع في جميع ذلك إلى غالب العادة.
فان قيل: فلم ابيتم أن يقع الفعل من الجماد والموات بالطبع، قلنا: لو وقع الفعل بأيّ وجه كان من الجماد والموات ومن ليس بحي ولا قادر لكان لا اعتبار بأن يكون الفاعل حيّا قادرا، ولا حاجة بالفعل إلى أن يكون فاعله حيا قادرا، ولوجد البناء والكتابة/ والصياغة وغير ذلك من الانسان وإن جهل وإن عجز وإن اجتهد في أن لا يقع ذلك منه وان مات، فلما لم يقع ذلك منه وهو ميت، وقد علمت وتيقنت أن الفعل لا يقع إلا من الحيّ القادر، وإن كان متسقا محكما ففاعله لا بد عالم.
ولو وقعت الافعال من الجماد والموات بالطبع أو بغير ذلك، لوقع من الحجارة والسحر والماء والنار والهواء وغير ذلك البناء والصباغة والنجارة والكتابة على أن هذه الأشياء كلها دون ما أضافوه إلى الأدوية والسموم من الأفعال، لأن الموت والحياة والعافية والسقم أعظم من الخياطة والكتابة وجميع ما ذكرنا، والعجب لجهل هؤلاء إجازتهم وقوع الحياة والموت والصحة والسقم من الجماد
بالطبع ولا يقع منها كتابة ثلاثة أسطر ولا نساجة بارية طولها ثلاثة أذرع.
فإن قيل: إنكم قد دفعتم الضرورة بقولكم إن الفعل لا يقع من الجماد والموات فنحن نجد الشبع يأكل الخنزير ويزول معه الجوع، وكذا الريّ عند شرب الماء وكل هذا معلوم باضطرار.
قيل له: المعلوم باضطرار زوال الجوع بأكل الخبز والعطش بشرب الماء، هذا لا ينكر ولا ينكره عاقل، فأما من ادّعى أن الفعل للخبز والماء، وأنه قد علم ذلك باضطرار، فقد ركب جهلا، لأن الحيّ الناطق العاقل المستطيع ليس يعلم ما يقع منه من الكتابة والبناء أن فعله باضطرار، وإنما يعلم ذلك باستدلال.
ألا ترى أن العقلاء يختلفون في ذلك، فيقول المنجمون ان من وقع منه الوفاء والعدل فذلك من فعل/ المشتري، ومن وقع منه الجور والغدر فذلك من فعل المريخ فيه، ويقسمون الأفعال كلها على ذلك، ويجعلونها لغير من ظهرت منه.
وكذا تقول المنانية، فتجعل ذلك للنور والظلام، ويقولون آخرون إنه لحملة الفلك والكواكب في حيوان الأرض، ويقول المجبرة: إنه من فعل الله فيهم، فإذا كان فعل الحيّ القادر العالم ليس يعلم أنه هو الفاعل له باضطرار، فكيف صرتم أنتم تعلمون باضطرار أن الاحراق فعل النار، والشبع فعل الخبز، والذي فعل الماء والعافية فعل الدواء بالضرورة، وهذا قول من لم يعرف فعلا ولا فاعلا قط.
وان كان حكم النار مخالفا لحكم الدواء والخبز والماء، لأن النار قد خلق الله فيها الحرارة والاعتماد صعدا، فهي اله للعباد في الاحراق والتقطيع،
والانسان المثير لها هو المحرق بها لا هي، كما أن القاتل بالسهم الذي يرميه وينفذه في المقتول هو القاتل لا السهم، وكذا الضارب بالسيف والقاتل به هو المفرق لأجزاء المقتول بالسيف لا السيف، وكذا القاتل بالحجر هو القاتل به لا الحجر.
وقد قال أبو هاشم وغيره: إن العاقل يعلم باضطرار أن الجماد لا يقع منها فعل ولا تفعل، كما يعلم أنها لا تسمع ولا تبصر، وإن كان ماني القس الذي تقدم ذكره يقول إنها تسمع وتبصر وتحس.
ولكن لما وقع الاسهال عقيب شرب بعض الأشياء ظن هذا الجاهل أن ذاك فعل الدواء، كما ظن هذا عند صوت الخشبة إذا شقت ونشرت أن ذاك صحيح منها لتألمها، فاحتجنا أن ننبه على فرط جهلهم، وإن كان الأمر في الوضوح كما قال ابو هاشم/ وهم في هذا كمن قال للبيضة فعل الديك، والحيوان فعل أبيه، لأن ذلك يؤخذ عقيب سفاد هذه الفحولة، كما أن الاسهال يكون عقيب شرب الدواء.
فإن قالوا: فقد يكون السفاد ولا يكون الولد وقد يكون ولا يكون، قيل له: وقد يكون الاسهال عقيب الدواء وقد لا يكون، حتى أن الطبيب يعطي لمن بدنه مملوء بالصفراء دواء ليسهله عشر مجالس فقد لا يسهله، وقد يريد يسهله مجلس واحد، فربما جاءه عشرة مجالس، وربما أسهله مائة، وقد وجدنا الحنظال والسقمونيا يأكلها كبير الحيوان فلا يقتلها ولا يسهلها. بل يغذوها ويحييها كما قد تقدم شرح ذلك.
وكذا قال أبو علي ﵀ للفلكيين والمنجمين حين قالوا: إن النبات فعل الشمس لأنا نجدها إذا طلعت على الأرض ظهر نباتها، فقال لهم: ولم
إذا كان ذلك وجب أن يكون هذا الفعل وهذا الأثر للشمس، ثم قال: وقد تطلع على جميع الأرض والجبال وأكثرها لا ينبت شيئا، وقد تغيب الشمس عن الأرض مثل مقدار طلوعها عليها من الزمان، فلم وجب أن يكون هذا الأثر لطلوعها دون أن يكون لغيابها، والنبات بحاله.
وقال لهم: قد يحرث الحراث الأرض في وقت الحرث ويسوق إليها الماء ويلقي لها السماد والتراب بحسب حاجتها فتنبت وتريع عند هذا الفعل منه، ومتى لم تحرث ولم تبذر ولم يسق الماء إليها لم تنبت قليلا ولا كثيرا وإن طلعت عليه الشمس والقمر والكواكب، فلو جعلتم هذا الانبات والريع فعلا للفلاح الحراث كان أشبه/ وأقرب من جعله فعلا للشمس لأن الحراث حيّ قادر عالم، ولو كانت الشمس حية قادرة عالمة فإن النبات والريع يجدونه عند فعل الحراث لا عند طلوع الشمس. فكيف والشمس والقمر والكواكب جماد وموات، والعلم بأنها جماد وموات، كالعلم بأن الغيم والبرق والماء والريح والنار والذهب والياقوت والزجاج جماد وموات.
وماني يدّعي في أجسام السماء والأرض كلها قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها بأنها سميعة بصيرة حساسة دراكة، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادّعى لشعاع الشمس والقمر كذلك، وأنه كاتب وخطيب، وإنما ذكرنا هذا لتعجب من جهله وجهل أتباعه ومن قال بقوله.
فإن قيل: فلم لا قلتم: إن النبات والريع فعل الحراث كما ألزمتموه مخالفكم؟ قيل له: لو كان ذلك فعله لفعله في كل وقت ولبت في كل وقت ولجاء على ما يدبره من القوة والكثرة، فلما لم يكن كذلك علمت، أنه ليس يفعله وإنما هو شيء قد أجرى الله العادة به عند حرث الحراث وعند طلوع الشمس وقد لا يكون كما قد تقدم ذكر ذلك.
وكان مما يسأل عنه هؤلاء الدعاة الذين قدمنا ذكرهم قوله ﷺ: «صوموا تصحوا» قالوا «١»: فها هنا من يصوم فيسقم وربما تلف، قيل لهم: هذا القول قاله لمن يصلح بالصوم ويحتاج إلى الصوم، وقد عقل المخاطبون ذلك عنه، ألا ترى أنه قال لهم بأن المسافر والمريض والهرم لا صيام عليه، وأن الفرض يسقط عنه، وهكذا شرع وبيّن، فتلا عليهم ما أوحى إليه ربه ﷿/.
وكان مما يسألون عنه، قوله ﷺ «سافروا تغنموا» و«بورك لأمتي في بكورها» قالوا: وقد وجدنا من يسافر فلا يغنم ومن يبكر فربما سلب أو قتل «٢»، قيل لهم: قد مضى الجواب في مثل هذا، وهو أنه ﷺ أمر بذلك من يحتاج إليه ليفعله على الوجه الذي يغلب على عقله أنه يسلم وينتفع، ألا ترى أنه ﷺ لم يأمر بذلك المرضى والزمنى ولا في الأوقات المحرقة، بل قد نهى عن ذلك وتلا عليهم الوحي قوله ﷿: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٣» وقوله «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» فقد عقل أولئك الذين خاطبهم عنه ﷺ مراده في ذلك، وأنه ما أمر بذلك في كل حال، وإن كان هناك مطر مانع أو برد أو حر أو عدو مخوف، وقد نهى ﷺ عن ركوب البحر وعن كل ما فيه غرر وخطر، حتى جاء عنه أن من يأت على سطح غير محجر فقد برئت منه الذمة، وأن من ركب البحر عند هيجانه فقد برئت منه الذمة.
ومما يطيعون عليه ﷺ قوله: «لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لاجبت» قالوا: فهذا تعرّض بالناس ورغبة في أموالهم وحيلة على
_________
(١) جاء في هامش الكتاب «تأويل قوله ﵇: صوموا تصحوا»
(٢) جاء في الهامش: تأويل قوله ﵇: «سافروا تغنموا»
(٣) البقرة ١٩٥
(٤) النساء ١٠٢
على ما في أيديهم، أي هاتوا لي شيئا وأهدوا لي شيئا واطعموني شيئا، قيل لهم:
إن نزاهته وترفعه شيء معلوم من انه صلى الله عليه ملك جزيرة العرب وهي أوسع من جزيرة الروم، وهي من شجر عمان إلى أوائل الشام في الطول وفي»
.....
منهم عظيم الشأن، وهي الآن باقية فا «٢» ....
/ وحازه وجى له وحمل ما له إليه، فحرم نفسه وأزواجه وأهل بيته من ذلك كله وبذله ووهبه للناس كما تقدم شرحه لك في غير موضع من كتابك هذا.
والمعلوم من سيرته انه كان يكافيء المهديّ بأضعاف هديته، والمنصف لا ينصرف عن الأمر المعلوم المتيقن باللفظ المحتمل، فكيف وهذا القول منه ﷺ من الآداب الشريفة والوصايا الكريمة، ونهي منه عن احتقار الفقراء والمساكين، وأنه يجب على الأغنياء أن يقبلوا منهم ما يهدونه إليهم وإن كان حقيرا قليلا، وأن يجيبوهم إذا دعوهم في ولائمهم، وإن قل ذلك، وأن يظهروا لذلك البشاشة والمسرة والطلاقة، وكان ﷺ يقول: «إياكم والتكلف، وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده، وبئسما لأحدكم أن يتكلف ما ليس عنده، وبئسما له أن يحتقر ما عنده، وبئسما لأحدكم أن يحضر عند أخيه فيحتقر ما يقدمه إليه.» «٣» وهذا معروف من وصاياه، وقد أخذه عنه أصحابه، فلهذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ لرجل دعاه في وليمة شرط أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تؤخر عنا ما
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) في هامش الأصل «قال ﵇: إياكم والتكلف وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده» .
عندك. ولهذا قدم سلمان الفارسي ﵀ لزواره خبزا وملحا جريشا وقال لهم: كلوا فهذا الذي حضر، ولولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت، وكان سلمان أميرا في ثلاثين الفا من قبل عمر بن الخطاب «١» .
...... في باب الدين والدنيا مربحة من بلايا عظيمة «٢» .......
قد يحمله ذلك على اغتصاب أموال الناس/ وعلى احتقار الفقراء فيوقعه في كل ما يكره من تنغيص العيش والكد في العاجل والعذاب الآجل، ولو أخذت في شرح قدر المنفعة بهذه الوصية لطال به الكتاب، فكم فيها من نفي الكبر الذي لا يليق بالإنسان، وهو المعطب له والجالب عليه مقت الله ومقت عباده، وهو المعرض لزوال نعمته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه ومن بركاته على العالمين بوصاياه الشريفة النافعة في الدين والدنيا، التي قد ذهب الناس عنها يمينا وشمالا، ولو طلبوها واستعملوها لأغنتهم وأعانتهم على الدين والدنيا.
وقد جمع أبو أحمد الحسن بن سعيد العسكري رحمة الله عليه ألف وصية فاطلبها واكتبها، فهذا من المحاسن التي قد ظنها هؤلاء أنها من المساوىء ولكن الخيبة والافلاس أحوجهم إلى ذلك حين لم يجدوا فيه ﷺ مطعنا.
وكذا طعنوا في قول أبي بكر الصديق حين أراد أن يستخلف عمر وقال له طلحة أو غيره: ما تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا؟ فقال:
أبربي تخوفني؟ إذا سألني قلت له: استخلفت عليهم خيرهم وأنفعهم لهم وأحرصهم على رشدهم وأقواهم عليهم، فقال هؤلاء الطاعنون: هذا تجبر
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
وتكبر منه وليس كما ظنوا، ولكن هذا قول واثق بالحجة مدل بالحق، وهذا نظير ما قال الله لرسوله ﷺ أن يقوله لأعدائه: «قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» «١» ونظيره قول هود ﵇ لقومه «٢» .....
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه لك «٣» .......
/ سقط عليّ.
وطعنوا في قوله ﷺ: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فافعلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يبدؤنا بالذي فيه الداء وهذا ليس بمنكر، وقد تشاهد ذباب النحل وفي شعرته الذي يلسع بها الدواء «٤» وفي جوفه العسل وهو الشفاء.
ويطعنون عليه بأنه كان إذا أكل لطع إصبعه، قالوا هذه هي القذارة، وأين هو عن آداب كسرى والفرس، فإنهم كانوا لا يأكلون إلا بالبارشين وبما قطع بالسكين..
وهذا أيضا من محاسنه وفضائله في أنه كان يلطع إصبعه، ويردف خلفه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعين خادمه، ويمشي مع الضيف والأرملة والفقير في حاجتهم، ويصنع لهم، وكم له في ذلك من وصية، وكذا كان خلفاؤه وأمراؤه لرعيتهم، وذلك مذكور في موضعه، والانسان لا يعاف ريقه ولا ريق ولده وأحبابه، والريق أحد النعم العظيمة من الله على خلقه وفي جفافه
_________
(١) الأعراف ١٩٥
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٤) كذا في الأصل ولعل الأصح: الداء
وبطلانه من فم الانسان هلاكه، وبه يسيغ طعامه، وما في ذلك من النعم أكثر من أن يحصى، وهذا من تواضع الأنبياء وتعريف الناس أقدارهم، ولهذا بصق ﷺ يوما على كفه ثم وضع أصبعه عليه وقال: يقول الله ﵎.
«ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وإني أو إن «١» .....
...... يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك «٢» .... للظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود، ما/ غرّك بي إذ كنت تمر بي قدادا. [وهو الذي يخطر في مشيته ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكبر.]
ولهذا قال مالك بن دينار للمهلب بن أبي صفرة وهو يمشي وكان ملكا عظيما وسلطانا كبيرا، ما هذه المشية التي يمقتها الله إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أو تعرفني قال: نعم، قال ومن أنا؟ قال مالك: أنت الذي أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفه قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فاستحيا المهلب وقال له: قد عرفتني حق المعرفة، وكم مثل هذا في وصايا السلف وآدابهم ﵃، وهؤلاء يعيبونهم ويطالبونهم بالعجب والكبر، الذي لا ينبغي لمن صفته ما قال مالك بن دينار، كما يعيبونه ﷺ بأنه حرم المسكر والغناء، ولبس الحرير والديباج، واستعمال أواني الذهب والفضة، وكشف العورة والاشتراك في الزوجة.
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
ونزار المتسمي بالعزيز لا يحرم ذلك ويتزيّن بالجوهر، ويركب إلى الصلاة بالمزاهر، وبين يديه العبيد والملاهي مجردين، ويستقذرونه ﷺ ويستنطقون كسرى والمجوس، وهم يتنزهون عن الماء ويتطهرون بالبول، فالبول طهورهم والميتة طعامهم، وأمه امرأته وصديقة وكيله في وطنها اذا غاب عنها، والهربذ يطهرها بالبول حين يعاين فرجها ويباشر ذلك بيده، وأكل الميتة هو ما يشدونه من البقر في عيد لهم ويأمرونها بعد الشد الوثيق «١» ...
... حتى تموت وحل أكلها وهو «٢» ... فانظر من قد استضعفوا و«٣» ...
/ ولا الطهور كما قد تقدم ذكر ذلك، وهم لا يأكلون مع المسلمين في بلادهم في صفحة واحدة، فاعرف هذا من أحوال هؤلاء وتعديهم على الله وعداوتهم لرسول الله ﷺ.
وكان الحسن بن احمد ملك البحرين قال لأبي الحسن الحرزي حين أخذ جوهر مصر وجاء أبو تميم بعده. يا أبا الحسن، ما ترى أبا تميم يفعل إذا دخل مصر؟ وما الرأي له أن يفعل؟ فقال له الحرزي: إن هو قدم ورفع حجّابه وتواضع وأنصف الرعية وتباكى وقال إنما خرجت لغزو الروم وارتجاع الثغور ورحمة للناس من جور الديلم فهو يملك الأرض، فما بين يديه أحد، إنما هو ولد سيف الدولة، وناصر الدولة، ومعز الدولة، وهم في غفلة وبطر، وجندهم الديلم وهم شيعة، فرجعت جواسيس الحسن بن أحمد من مصر فذكروا دخول أبي تميم وزيّه وركبه الذهب وملابسه المذهبة حتى خفه وما
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالي نصف سطر
على رأسه وفي عمامته من الجوهر وما في أدنى دابته، وأنه أطعم الناس على موائد من ذهب وفي أواني الذهب، وكثرة حجابه، فقال: الحسن لأبي الحسن الحرزي: قد سمعت ما هو عليه فما عندك؟ فقال له الحرزي: اصفع قفاه فما بين يديك أحد، كلكم قد ظهرت مخرقته وماتت فضيحته، وكان الحرزي جريئا عليهم يحتملونه ويستنصحونه ويحدثهم بحيلهم ومخاريقهم ويكشفونها له ويستزيدون له في الحيل ثقة به. فأكب الحسن على أبي تميم كما ذكرنا وطمع فيه ذلك الطمع ونصحه تلك النصيحة وتشاتما وتفاضحا «١» ...
به ومات عقيب ذلك واغتنم أبو تميم «٢» ...
وأعطاهم ما أرادوا قبل أن يبعثوا/ عليه غيره، وأخرج إليهم أربعين كتابا من كتبهم إلى آبائه وإليه وما بينهم من المخالصة وأن الدعوة واحدة كما تقدم.
وإنما جر هذا الكلام عيب هؤلاء الجهال على رسول الله ﷺ بلطع إصبعه وكونه لم يفعل من التجبر والتكبر ما يفعله الملوك، وهذا من محاسنه وآثار نبوته.
وكقوله ﷺ: «من احب أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»، وما أكل متكئا قط وكان يجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد» ويلبس الصوف ويعقل العنز، ودخل مكة حين فتحها في عشرة آلاف وهو على رحل رث، وإن عثنونه لينال واسطة رجله من التواضع، ما زاده الله تسليطا وتمكينا إلا ازداد
_________
(١) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
(٢) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
لله هيبة وإجلالا، ومن المساكين قربا وبهم رأفة وملابسه معروفة، وقبض ﷺ وحاله معروف، وبردته التي يتجمل بها الخلفاء تساوي دانقين.
ويوسف بن دحية ملك عمان وحدها يلبس الوشي المثقل بالذهب، ويستعمل أواني الذهب والفضة وله العبيد والكراع والأثاث والخزائن، وكذا ملك البحرين وملك عدن، وكذلك ملك صنعاء واليمن، وقد ملك ﷺ هذا كله ونجران وتيماء وتبوك ووادي القرى، وغير ذلك مما يطول تفصيله، فلو أراد ما أراده هؤلاء لقدر على أكثر مما قدروا عليه، وقد ذكرنا ذلك وغيره من حال خلفائه وزهدهم فهؤلاء «١» ...
واعلم ان قول الحرزي وعيسى ابن ٢ ...
... لأبي طاهر ولأبي تميم ولأبي ٣/ التدبير فكلكم قد افتضح مع تستركم به، إنما هو غباوة عن معجزاته ودلائل نبوته، وأنه شيء تولى الله حراسته ونقض العادة به، فما زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أسكته خصم، ولا أخجله عدو، مع كثرتهم وجلدهم وطول مقارعتهم كما قد تقدم لك، ولكن هؤلاء الجهال لا يشعرون، قد جعلوا ما أعطاه الله من النصر والحجة أنه شيء ناله بوفور عقله وسداد تدبيره.
كما يقول هشام بن الحكم وابن الراوندي وأمثالهما في أبي بكر الصديق ﵁ بأنه كان ناقصا وجبانا وجاهلا ومجنونا، وأنه ما بايعه أحد ولا أطاعه كثيرا أحد كما هو مذكور لهم ومشروح في كتب الامامية.
فقيل لهم: فكيف استوى له أن يغلب بني هاشم وشيعتهم وأتباعهم
_________
١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
فيقال لهم: قولكم أخر الله خروجه عن الوقت الذي وقّته لذنوب العباد ولسخطه عليهم، كل هذا سخرية وفضيحة لكم، فإن الله ﷿ لا يعاقب عباده بإخلاف مواعيده وبكذب إخباره، وإذا قال الله إنه يفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، أو أن فلانا سيفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فإن ذاك يكون كما أخبر وكما قال في الوقت الذي قال لا يتأخر عن ذلك ولا يتقدم عليه، لأنه ﷿ عالم لنفسه لم يزل كذلك ولا يزال، يعلم ما سيكون قبل أن يكون وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون: وقولكم: هذا مما بدا لله فيه، فإنما يجوز البداء على المخلوقين، وعلى من لا يعلم العواقب، وأما علام الغيوب ومن يعلم ما يكون قبل أن يكون، فلا تعرض له البدوات، ولكن الله ﷿ أبدى للعباد كذبكم وأظهر بهذا فضائحكم، فأحلتم كذبكم على ربكم وبرّأتم منه أنفسكم.
[حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول ص وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها]
ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله ﷺ: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» . وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا يشتهيه، وما هم جياع بل شباع «٢» قلنا: قد علم هو ﷺ وأصحابه الذين قال لهم
_________
(١) لقمان ٣٤
(٢) جاء في هامش الأصل «تأويل قوله ﵇ بيت لا تمر فيه جياع أهله»
هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع، وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل، والقوم الذين هم أكلة التمر، وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم، وهذا من مسائل أهل الخيبة/ والافلاس.
ومما يسألون عنه، ما جاء في الرواية من قوله: ﷺ «الشفاء في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله» وقوله: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ما الكمأة.
قلنا «١»: ما قال النبيّ ﷺ لا دواء إلا هذا ولا شفاء إلا في هذا، وإنما قال:
في هذا الشفاء، وقد صدق ﷺ. فإن الناس يجدون في العسل من الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه، وفي الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر ﷺ بذلك في كل مرض فيكون لقائل مقال، وقد قال ﷺ: ماذا في الأمرّين من الشفاء: الصبر والشقاء. وذكر ﷺ الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ مما يطول شرحه، وإن لم يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب، وقد علم هو ﷺ والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون، وعلى أن هذه الأدوية
_________
(١) جاء في هامش الأصل: «تأويل قوله ﷺ: الشفاء، في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله، وقوله: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» .
لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحيّ القادر وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله ﷿، وقد يفعله بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي، ولكنه/ ﷿ قد أجرى العادة بأن يفعل الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد وقد أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو القرآن فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن يصفوا أمراضهم للاطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ولا ذكر طبيعة.
ولما مرض أبو بكر الصديق ﵁ قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟
فقال: لا الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء فماتوا ومات الأطباء.
وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج «١» وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له، ولو جمع جميع من داواه المتطببون فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ماء زمزم وحده.
وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للامراض المتفاوتة المتضادة المختلفة، وهذا الذي ادّعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه
_________
(١) ثمران يستعملان في العقاقير
كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق/ كثير على مثل طرائقهم في بلدان الاسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة.
وربما ادّعوا ذلك عند سماع كلامنا، فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادّعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم.
فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة فإن هذا قول من لا يعرف الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء، فان أدوية الأمم مختلفة غير متفقة، فطبّ الهند غير طبّ العرب، وطبّ الروم غير طبّ الفرس، وطبّ سكان المدن غير طب سكان القرى، وطبّ البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب أهل القرى، ولحنين ابن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا جالينوس ولا ذكرها، منها: الجدريّ والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض الهائلة العامة الشاملة حتى لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض والمرض ومن داواه.
وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة/ وقاين وما إلى ذلك، «١»
_________
(١) قاين: بلد بين نيسابور وأصبهان، وهراة: من أمهات مدن خراسان معجم البلدان
يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به، وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن، وأهل طبرستان يتداوون من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف بارد، وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون انها باردة.
وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء قاتلا، لا لشيء أكثر من انهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ذلك، وهذا عند غيره، وفي هذا الزمان، وفي هذه الأمراض من الادواء القاتلة.
ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان، وإبراهيم بن بكس أبو ابن بكس هذا الضرير الطبيب، والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد وهي إذ ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض القفّاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس خذ يا أبا إسحق الى ساعورك من هؤلاء المقفعّين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس فرجعت في علاجهم إلى أدوية جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد.
والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه «١»،
_________
(١) مكررة في الأصل
وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابي الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن بن/ نفيس وهو أحد رؤساء المتطببين. (وهو أستاذ ابن بكس هذا) «١» .
يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحد، وأنها قد تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر.
وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الاقوات وصاروا مرضى مطرّحين على الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من يمرضهم ويخدمهم فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات.
واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الانعام وذوات الحوافر تغتذي بالاحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر من الانس وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا.
والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة ويخلق الله بذلك في أجوافها شحما ولحما ولبنا، والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ويدرق الثفل مثل الماء الجاري، والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر، والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سمّ قاتل، والسقمونيا ترعاه البهائم
_________
(١) في الأصل: «وهو أستاذ هذا ابن بكس»
والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به والبيش تأكله البهائم التي هي على هيئة الفأر وهي معروفة به، وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس، والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيّل والقنفذ والسنّور وغير هذا من الحيوان، / ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل.
على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده وإنما أجرى به ﷿ العادات ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله في آخر، حراسة للحق، ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه ﷿ لا يفعل الجهل والضلال.
وقولنا في الطب ليس بعلم لأن كان علما لا يتغير قطّ، كالعلم بأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما.
ولهذا يقول حذاق الطب: إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري.
قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري، ونحن فقد يطيعنا القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه.
هذا معروف مذكور في كتبهم، ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد أن يرجع إلى الله ﷿ ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة فمن شاء أن يقتصر على ذلك فعل، ثم إن كانت له عادة بالتداوي
تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم، «١»» وجاء: «عود بدنا ما اعتاد» «٢» .
ثم ليس إلى السلامة/ سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال ﷺ الله كفانا بالسلامة داء، وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الانسان وإن دامت صحته فهو معها يهرم ويبلي ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا، وكان أبو عثمان عمرو عبيد كثيرا ينشد قول القائل:
يهوى البقاء فان مدّ البقاء له ... وصادفت نفسه فيه أمانيها
أبقا البقاء له في نفسه شغلا ... مما يرى من تصاريف البلى فيها
وقال آخر:
إذا مات المعالج من سقام ... فأحرى بالمعالج أن يموتا
وقال آخر:
يعيش راعي الضأن في جهله ... عيشة جالينوس في طبه
وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق الأطباء، وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم، وقل ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض، هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد وأبوه حيّ وبالغ في علاجه، فذهبت احدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت الآخرى بعد ذلك، والمعروف بالتلميذ،
_________
(١) جاء في هامش الأصل من حديث ابن مسعود، وروي مرفوعا من حديث له.
(٢) جاء في هامش الأصل تعليقا على هذا: «هذا من كلام الطبيب الحارث بن كلدة: ومن رفعه إلى رسول الله أخطأ» .
به فتق وغيره من الأمراض، وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابيء أكثر أسقاما، وتلميذه أبو عبد الله بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير، وابن المهزول وأبوه طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة، وابن بنت أبي الحسن ابن بكس امرأة أبي الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها طبيب، وحموها طبيب، قد اجمعوا على علاجها فماتت بأسرع من ذاك.
وهذا بيت بني زهرون/ الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل العظيم، ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هرون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب دفنه شابا في حياته، وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق.
ولم تعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده، ولكن ذكرنا هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله ﷿ وهو المبتلي والمعافي، ولأن أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة، وتنفي الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات، ويكذبون الانبياء ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من الأصحاء، ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم إن التقينا فاقتصوا منا كيف
شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه.
وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد مثل قسطا بن لوقا، وحنين بن اسحق، وابنه اسحق، وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا الرازي، فهذا كان نصرانيا بن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى/ بمحمد، وكان اسمه يوحنا. وإنما فعل ذلك مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الانسان من غير تناسل ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله ولم يفعله كما نرى حالا بعد حال، وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله، وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج اليه العقلاء من المعلمين للسباحة، وما يبنيه النحل، وينسجه العنكبوت ودود القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح.
ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه، فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول:
لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة الحلاوة والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة.
وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والاسماع والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء
الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجّته وجرحه.
وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد ويحرص على اجتلا به، / ويأسا على ما فاته منه، ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه، ولذهاب سمعه وبصره، ويتمنى ردّ ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها وهو لا يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس، والعجب أن لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا.
ثم فهم ينسون المشاهدات، ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة، ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ظنهم أنهم يبرّونه ويديمون صحته وجلده، وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم وأطاعوهم ما قد عرفه الناس.
وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد أضنته ونغّصت عيشه وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، وهو جلد وسيم جسيم.
وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل اليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه،
ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم ﵀: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع/ في الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب اليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى، أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذّب به، ومع هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. وأخرى، أن ينصرك من الضعف، ويعينك من المرض اللازم ما هو بيّن، وأنت تدعي علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والازراء على من تقدمك من الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك، فكان من عذر الرازي في سقم بصره حبّه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب منه، ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره المتطببون في ذلك وهو على كل حال/ يتقدم في صنعة الطب،
كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة:
هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: افعلوا وبادروا لعله ينفعنى، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه.
ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن الأكرة ومن الملاحين، وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم هي فيهم وبأي أمراض ماتوا، فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال.
وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما، والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ولا تتداوى بشيء من ذلك، هذا الغالب عليهم، وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته، ولو أراد المسلمون أن يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا «١» من كتبهم، وطول مشاهدة المرضى، ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأنّ هذه الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، وأراح المسلمين من هؤلاء/ الأطباء فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم الالحاد والقسوة وقلة
_________
(١) في الأصل: شرا
المبالاة، ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم، فما أحوج الناس إلى من يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين لهم، وممن يتمنى الاسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم، فما في الأرض أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم، وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني وبائع الدواء إذا كان ذلك.
وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري ﵀ «١» يذكر عن ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائل الصيدلاني النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، أن فلانا يؤذي النصارى ومنك يشتري الأدوية فأكفيناه، فقال: أفعل.
وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد عليه فقتله.
وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن الكرخي ﵀، وحنون هذا، هو أبو أبي الطيب المؤمل هذ الذي يحيا وأسلم.
_________
(١) هو شيخ قاضي القضاة عبد الجبار الهمذاني توفي حوالى سنة ٣٦٧
/ قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال:
فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل وفصدته ورجعت اليه، وقلت له: ما كان به حاجة إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إليّ، وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إليّ فقصدت إسقامه بالفصد.
وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله «١»، فقتله أبو حسن اليهودي المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه المحبة، فشكى اليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد صافي فلم تخرجه، فقال له موسى هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض أبو هاشم عقيب ذلك ومات.
وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما يتداوى به وبما يغتذى به فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال فلان الطبيب، قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له فهذا/ العليل هذا مرضه وقد أخطأ
_________
(١) أبو هاشم هو عبد السلام الجبائي المعتزلي المشهور ويعرف أتباعه بالبهشمية وقد تأثر به قاضي القضاة كثيرا، حتى أنه يعتبر ممثلا لمدرسته في كثير من الأمور.
عليه طبيبه واستصوبته أنت قال: نعم على عمد، قلت له: [قلت] «١» ولم؟ قال: عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر.
وكم لهم مثل هذا ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان كثيرة، قال طبيبه وأنا واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي:
فلج لا محالة فركبت وحثيته؛ فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم، فكان ذلك بالضد من صناعة الطب وقوانينه.
ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء، وخيانات هؤلاء كثيرة، وقد أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة.
وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها، وقد تلسع الإبل والقنفد والسنّور وابن عرس وغيرها فلا تضرّ، هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر.
وزعم الكندي المتطبب «٢»، أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي من
_________
(١) كذا في الأصل، وهي زائدة
(٢) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي من أوائل الذين كتبوا في الفلسفة والطب عند العرب
تكون: قلت: أنا يعقوب ابن اسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه الأفاعي فإذا لسعته/ ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال:
فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسيّ، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمى قبله. فأقبل عليّ المعتصم وقال:
رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا، أحسبه قال على كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت:
أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرّف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ضعف سمّها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء قال الكندي: فجيء بها وأرسلت عليه فمات.
وهذه غفلة من الكندي، هب الأمر كما قال وسمّها قد بطل أصلا فما السبب أنها تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي.
وعقارب الفاطول «١» يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر الناس فلا تموت، والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقه، ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد بالبنذنجيين «٢» وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز، والأطباء يرجعون في التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم:
_________
(١) لعلها: الناطلين، انظر معجم البلدان، الجزء الخامس
(٢) انظر معجم البلدان الجزء الأول
بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم للاطباء، / فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () «١» قتالة، وثم عقارب كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله ﷿. وفي الحيوان من يعرض له عند لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه وكل ذلك من آيات الله، ويزيدك علما أن الطب تجارب، وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات.
وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الاسلام، وهو كوفيّ، وكان أحد المياسير، فأنفق أمواله كلها «٢» في مكاره الاسلام وفي الطعن على الأنبياء أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكنديّ من الجهالات كما لابن زكريا الرازي في الخواص والكيمياء، فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الاسلام وكذبهم وفضائحهم.
والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه
_________
(١) كلمة ممحية من الأصل
(٢) في الأصل: «كله» ولعل الأصح ما أثبتناه
من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال/ فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكيّ حرك ظريف فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، فاشتد تعجبي، فقلت، كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى السكباج في الدار مكشوفا «١»، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام الى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت «٢» القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة.
فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء فيها، أنه لا يعلم ان الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لو صفه لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي، وهذا من جنس قولهم: إن
_________
(١) في الأصل «مكشوف»
(٢) كذا في الأصل
أفعى ولغت في خمر وقذفته/ في وعائه، وأن رجلا مجذوما «١» شربه فبرىء، وهو سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا عنه من آيات الله في إجراء العادة وما تقدم من ذكر ذلك.
ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب «٢» ضروب من الحمايات فافاقوا.
ويحيى بن خالد هذا [كان] «٣» طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا كثيرا.
وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له:
إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوّله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن أردتها ذكرناها.
وكذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش، فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطله.
_________
(١) في الأصل: «مجذوم»
(٢) في الأصل: «صاحب»
(٣) زيادة مني على الأصل تقتضيها صحة العبارة
ومن جناياتهم انهم يرسمون في الطب والمدخل الى الطب الكذب الذي ليس من الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة من الهواء/ وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ذلك ﷿ ليعتبر العقلاء من الملائكة والانس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء.
أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الاصوات والحركات والتأليف والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويا بني ويصوغ ويخيط وينسج وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي ﷾ الحيّ القادر العالم الحكيم الغنيّ عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه ﷿. إن كان قد خلق الرمّان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء، وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه ﷿.
فإن قالوا وجدنا في هذه/ الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا من شيء.
وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا:
إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع قلنا: فهذا طبع وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة وعند الله طويل، وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله ﷿ هذه الاجسام؟ ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب؛ وقد فطن لهذا حذاق الأطباء فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب، وعلى أن فرط الجهل والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء.
وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها قالوا: الأنبذة من دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه النار، ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة/ لرسول الله ﷺ، ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شرّ من الماء.
وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا، سبيل فقال: أنا رجل ذمىّ وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شرّه، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك مالك إلى هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه.
وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال قائل منهم: والله ما حرم نبيّ العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله، فانّ الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدّا محيلة له وكذا الغناء، وما شيء أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه.
قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها، فنبيّ العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا.
وقد ذكر الناس/ فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر
في بلائهم، وهم، يذمون النخلة، وخيرات الدنيا مقسومة بين النخلة والنعجة والتمور من الأغذية الشريفة النافعة التي يحيا بها الحيوان الأنس وغيره.
وفي التمر مع اللذة بأكله إخراج التعب وراحة للمكدود، والملاحون يسمونه لأجل هذا مسامير الركب، ولما قيل للأعرابي: صف النخلة قال:
جذعها بناء وكربها صلاء وسعفها ضياء وثمرها غذاء، ومقدار النعمة بالنخلة يضيق هذا المكان عنه وعن شرحه، ولأبي عثمان عمرو بن بحر ﵀ «١» كتاب في فضيلة النخلة على كل نبات، وهو كتاب كبير حسن جدا، وجهل هؤلاء عظيم وجناياتهم لا تستقال، ولعل من قد قتلوه بأدويتهم مع حسن نيتهم فيه وحرصهم على برئه أكثر ممن أفاق عند علاجهم، وكم فيهم من قد غلط في نفسه وأولاده وأهله بعلاج هذا لحذاقهم فضلا عن المبتدئين.
ولهم إصابات في الحمايات إذا ابتدأت وكم تلبث ومتى تنصرف وكم دور يكون وبأي شيء يكون بحرانها، إما بالعرق أو بالرعاف أو بالقيء أو بالبول أو بغير ذلك، هذا يعرفونه بالتجربة، ويغلب في العادة، وقد لا يكون.
كما يعرف الملاحون الريح متى تسقط وكم تلبث، يعرفون هذا في البحار وفي الأودية ويعرفون أزمانه كما يعرفون أوقات المدّ وأزمان زيادته، وأوقات الجزر، وينتظرون ذلك، / وكما تعرف القوابل غيره من الحمل، وذكر هو أو أنثى، وكم تلد أمه بعده من ذكر وأنثى مما يتفق لهن فيه إصابات حسنة، وكل هذه عادات وتجارب. فإن قيل: فاذا كان الدواء والسمّ لا يقتل، فلم تذمون الساقي لذلك والشارب له؟ قلنا: نذمه ونؤثمه على ما حدث من فعله من الشرب والإسقاء، وان كان ما يحدث من الموت من فعل الله، لأن الله
_________
(١) يقصد أبا عثمان الجاحظ
أجرى العادة بفعل الموت عند ذلك، ونذمّه كما يذم من إلقاء غيره إلى السباع، وكما يذم من سعى بالناس إلى الولاة ودل على أموالهم وإن لم يأخذه الولاة ولا أكلهم السباع، لأن الغالب من ولاة الجور أخذ الأموال ومن السباع الأكل، كذا الغالب فيما أجرى الله به العادة: الموت عند شرب الدواء المسموم والسم، فليس لأحد أن يفعل ذلك، وكذلك لا تلم الساقي ولا الشارب إذا تناول ما جرت العادة بالسلامة معه وإن حدث عقيبه الموت، ألا ترى من أطعم غيره طعاما لذيذا ينفعه به فمرض عقيب ذلك ومات لم نلمه لأن الغالب في العادة السلامة.
ونلوم من سقى غيره سما قاتلا فعوفي وانتفع بذلك أتم منفعة، فإنا نلومه ونضلله ونؤثمه، والرجوع في جميع ذلك إلى غالب العادة.
فان قيل: فلم ابيتم أن يقع الفعل من الجماد والموات بالطبع، قلنا: لو وقع الفعل بأيّ وجه كان من الجماد والموات ومن ليس بحي ولا قادر لكان لا اعتبار بأن يكون الفاعل حيّا قادرا، ولا حاجة بالفعل إلى أن يكون فاعله حيا قادرا، ولوجد البناء والكتابة/ والصياغة وغير ذلك من الانسان وإن جهل وإن عجز وإن اجتهد في أن لا يقع ذلك منه وان مات، فلما لم يقع ذلك منه وهو ميت، وقد علمت وتيقنت أن الفعل لا يقع إلا من الحيّ القادر، وإن كان متسقا محكما ففاعله لا بد عالم.
ولو وقعت الافعال من الجماد والموات بالطبع أو بغير ذلك، لوقع من الحجارة والسحر والماء والنار والهواء وغير ذلك البناء والصباغة والنجارة والكتابة على أن هذه الأشياء كلها دون ما أضافوه إلى الأدوية والسموم من الأفعال، لأن الموت والحياة والعافية والسقم أعظم من الخياطة والكتابة وجميع ما ذكرنا، والعجب لجهل هؤلاء إجازتهم وقوع الحياة والموت والصحة والسقم من الجماد
بالطبع ولا يقع منها كتابة ثلاثة أسطر ولا نساجة بارية طولها ثلاثة أذرع.
فإن قيل: إنكم قد دفعتم الضرورة بقولكم إن الفعل لا يقع من الجماد والموات فنحن نجد الشبع يأكل الخنزير ويزول معه الجوع، وكذا الريّ عند شرب الماء وكل هذا معلوم باضطرار.
قيل له: المعلوم باضطرار زوال الجوع بأكل الخبز والعطش بشرب الماء، هذا لا ينكر ولا ينكره عاقل، فأما من ادّعى أن الفعل للخبز والماء، وأنه قد علم ذلك باضطرار، فقد ركب جهلا، لأن الحيّ الناطق العاقل المستطيع ليس يعلم ما يقع منه من الكتابة والبناء أن فعله باضطرار، وإنما يعلم ذلك باستدلال.
ألا ترى أن العقلاء يختلفون في ذلك، فيقول المنجمون ان من وقع منه الوفاء والعدل فذلك من فعل/ المشتري، ومن وقع منه الجور والغدر فذلك من فعل المريخ فيه، ويقسمون الأفعال كلها على ذلك، ويجعلونها لغير من ظهرت منه.
وكذا تقول المنانية، فتجعل ذلك للنور والظلام، ويقولون آخرون إنه لحملة الفلك والكواكب في حيوان الأرض، ويقول المجبرة: إنه من فعل الله فيهم، فإذا كان فعل الحيّ القادر العالم ليس يعلم أنه هو الفاعل له باضطرار، فكيف صرتم أنتم تعلمون باضطرار أن الاحراق فعل النار، والشبع فعل الخبز، والذي فعل الماء والعافية فعل الدواء بالضرورة، وهذا قول من لم يعرف فعلا ولا فاعلا قط.
وان كان حكم النار مخالفا لحكم الدواء والخبز والماء، لأن النار قد خلق الله فيها الحرارة والاعتماد صعدا، فهي اله للعباد في الاحراق والتقطيع،
والانسان المثير لها هو المحرق بها لا هي، كما أن القاتل بالسهم الذي يرميه وينفذه في المقتول هو القاتل لا السهم، وكذا الضارب بالسيف والقاتل به هو المفرق لأجزاء المقتول بالسيف لا السيف، وكذا القاتل بالحجر هو القاتل به لا الحجر.
وقد قال أبو هاشم وغيره: إن العاقل يعلم باضطرار أن الجماد لا يقع منها فعل ولا تفعل، كما يعلم أنها لا تسمع ولا تبصر، وإن كان ماني القس الذي تقدم ذكره يقول إنها تسمع وتبصر وتحس.
ولكن لما وقع الاسهال عقيب شرب بعض الأشياء ظن هذا الجاهل أن ذاك فعل الدواء، كما ظن هذا عند صوت الخشبة إذا شقت ونشرت أن ذاك صحيح منها لتألمها، فاحتجنا أن ننبه على فرط جهلهم، وإن كان الأمر في الوضوح كما قال ابو هاشم/ وهم في هذا كمن قال للبيضة فعل الديك، والحيوان فعل أبيه، لأن ذلك يؤخذ عقيب سفاد هذه الفحولة، كما أن الاسهال يكون عقيب شرب الدواء.
فإن قالوا: فقد يكون السفاد ولا يكون الولد وقد يكون ولا يكون، قيل له: وقد يكون الاسهال عقيب الدواء وقد لا يكون، حتى أن الطبيب يعطي لمن بدنه مملوء بالصفراء دواء ليسهله عشر مجالس فقد لا يسهله، وقد يريد يسهله مجلس واحد، فربما جاءه عشرة مجالس، وربما أسهله مائة، وقد وجدنا الحنظال والسقمونيا يأكلها كبير الحيوان فلا يقتلها ولا يسهلها. بل يغذوها ويحييها كما قد تقدم شرح ذلك.
وكذا قال أبو علي ﵀ للفلكيين والمنجمين حين قالوا: إن النبات فعل الشمس لأنا نجدها إذا طلعت على الأرض ظهر نباتها، فقال لهم: ولم
إذا كان ذلك وجب أن يكون هذا الفعل وهذا الأثر للشمس، ثم قال: وقد تطلع على جميع الأرض والجبال وأكثرها لا ينبت شيئا، وقد تغيب الشمس عن الأرض مثل مقدار طلوعها عليها من الزمان، فلم وجب أن يكون هذا الأثر لطلوعها دون أن يكون لغيابها، والنبات بحاله.
وقال لهم: قد يحرث الحراث الأرض في وقت الحرث ويسوق إليها الماء ويلقي لها السماد والتراب بحسب حاجتها فتنبت وتريع عند هذا الفعل منه، ومتى لم تحرث ولم تبذر ولم يسق الماء إليها لم تنبت قليلا ولا كثيرا وإن طلعت عليه الشمس والقمر والكواكب، فلو جعلتم هذا الانبات والريع فعلا للفلاح الحراث كان أشبه/ وأقرب من جعله فعلا للشمس لأن الحراث حيّ قادر عالم، ولو كانت الشمس حية قادرة عالمة فإن النبات والريع يجدونه عند فعل الحراث لا عند طلوع الشمس. فكيف والشمس والقمر والكواكب جماد وموات، والعلم بأنها جماد وموات، كالعلم بأن الغيم والبرق والماء والريح والنار والذهب والياقوت والزجاج جماد وموات.
وماني يدّعي في أجسام السماء والأرض كلها قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها بأنها سميعة بصيرة حساسة دراكة، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادّعى لشعاع الشمس والقمر كذلك، وأنه كاتب وخطيب، وإنما ذكرنا هذا لتعجب من جهله وجهل أتباعه ومن قال بقوله.
فإن قيل: فلم لا قلتم: إن النبات والريع فعل الحراث كما ألزمتموه مخالفكم؟ قيل له: لو كان ذلك فعله لفعله في كل وقت ولبت في كل وقت ولجاء على ما يدبره من القوة والكثرة، فلما لم يكن كذلك علمت، أنه ليس يفعله وإنما هو شيء قد أجرى الله العادة به عند حرث الحراث وعند طلوع الشمس وقد لا يكون كما قد تقدم ذكر ذلك.
وكان مما يسأل عنه هؤلاء الدعاة الذين قدمنا ذكرهم قوله ﷺ: «صوموا تصحوا» قالوا «١»: فها هنا من يصوم فيسقم وربما تلف، قيل لهم: هذا القول قاله لمن يصلح بالصوم ويحتاج إلى الصوم، وقد عقل المخاطبون ذلك عنه، ألا ترى أنه قال لهم بأن المسافر والمريض والهرم لا صيام عليه، وأن الفرض يسقط عنه، وهكذا شرع وبيّن، فتلا عليهم ما أوحى إليه ربه ﷿/.
وكان مما يسألون عنه، قوله ﷺ «سافروا تغنموا» و«بورك لأمتي في بكورها» قالوا: وقد وجدنا من يسافر فلا يغنم ومن يبكر فربما سلب أو قتل «٢»، قيل لهم: قد مضى الجواب في مثل هذا، وهو أنه ﷺ أمر بذلك من يحتاج إليه ليفعله على الوجه الذي يغلب على عقله أنه يسلم وينتفع، ألا ترى أنه ﷺ لم يأمر بذلك المرضى والزمنى ولا في الأوقات المحرقة، بل قد نهى عن ذلك وتلا عليهم الوحي قوله ﷿: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٣» وقوله «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» فقد عقل أولئك الذين خاطبهم عنه ﷺ مراده في ذلك، وأنه ما أمر بذلك في كل حال، وإن كان هناك مطر مانع أو برد أو حر أو عدو مخوف، وقد نهى ﷺ عن ركوب البحر وعن كل ما فيه غرر وخطر، حتى جاء عنه أن من يأت على سطح غير محجر فقد برئت منه الذمة، وأن من ركب البحر عند هيجانه فقد برئت منه الذمة.
ومما يطيعون عليه ﷺ قوله: «لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لاجبت» قالوا: فهذا تعرّض بالناس ورغبة في أموالهم وحيلة على
_________
(١) جاء في هامش الكتاب «تأويل قوله ﵇: صوموا تصحوا»
(٢) جاء في الهامش: تأويل قوله ﵇: «سافروا تغنموا»
(٣) البقرة ١٩٥
(٤) النساء ١٠٢
على ما في أيديهم، أي هاتوا لي شيئا وأهدوا لي شيئا واطعموني شيئا، قيل لهم:
إن نزاهته وترفعه شيء معلوم من انه صلى الله عليه ملك جزيرة العرب وهي أوسع من جزيرة الروم، وهي من شجر عمان إلى أوائل الشام في الطول وفي»
.....
منهم عظيم الشأن، وهي الآن باقية فا «٢» ....
/ وحازه وجى له وحمل ما له إليه، فحرم نفسه وأزواجه وأهل بيته من ذلك كله وبذله ووهبه للناس كما تقدم شرحه لك في غير موضع من كتابك هذا.
والمعلوم من سيرته انه كان يكافيء المهديّ بأضعاف هديته، والمنصف لا ينصرف عن الأمر المعلوم المتيقن باللفظ المحتمل، فكيف وهذا القول منه ﷺ من الآداب الشريفة والوصايا الكريمة، ونهي منه عن احتقار الفقراء والمساكين، وأنه يجب على الأغنياء أن يقبلوا منهم ما يهدونه إليهم وإن كان حقيرا قليلا، وأن يجيبوهم إذا دعوهم في ولائمهم، وإن قل ذلك، وأن يظهروا لذلك البشاشة والمسرة والطلاقة، وكان ﷺ يقول: «إياكم والتكلف، وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده، وبئسما لأحدكم أن يتكلف ما ليس عنده، وبئسما له أن يحتقر ما عنده، وبئسما لأحدكم أن يحضر عند أخيه فيحتقر ما يقدمه إليه.» «٣» وهذا معروف من وصاياه، وقد أخذه عنه أصحابه، فلهذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ لرجل دعاه في وليمة شرط أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تؤخر عنا ما
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) في هامش الأصل «قال ﵇: إياكم والتكلف وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده» .
عندك. ولهذا قدم سلمان الفارسي ﵀ لزواره خبزا وملحا جريشا وقال لهم: كلوا فهذا الذي حضر، ولولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت، وكان سلمان أميرا في ثلاثين الفا من قبل عمر بن الخطاب «١» .
...... في باب الدين والدنيا مربحة من بلايا عظيمة «٢» .......
قد يحمله ذلك على اغتصاب أموال الناس/ وعلى احتقار الفقراء فيوقعه في كل ما يكره من تنغيص العيش والكد في العاجل والعذاب الآجل، ولو أخذت في شرح قدر المنفعة بهذه الوصية لطال به الكتاب، فكم فيها من نفي الكبر الذي لا يليق بالإنسان، وهو المعطب له والجالب عليه مقت الله ومقت عباده، وهو المعرض لزوال نعمته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه ومن بركاته على العالمين بوصاياه الشريفة النافعة في الدين والدنيا، التي قد ذهب الناس عنها يمينا وشمالا، ولو طلبوها واستعملوها لأغنتهم وأعانتهم على الدين والدنيا.
وقد جمع أبو أحمد الحسن بن سعيد العسكري رحمة الله عليه ألف وصية فاطلبها واكتبها، فهذا من المحاسن التي قد ظنها هؤلاء أنها من المساوىء ولكن الخيبة والافلاس أحوجهم إلى ذلك حين لم يجدوا فيه ﷺ مطعنا.
وكذا طعنوا في قول أبي بكر الصديق حين أراد أن يستخلف عمر وقال له طلحة أو غيره: ما تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا؟ فقال:
أبربي تخوفني؟ إذا سألني قلت له: استخلفت عليهم خيرهم وأنفعهم لهم وأحرصهم على رشدهم وأقواهم عليهم، فقال هؤلاء الطاعنون: هذا تجبر
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
وتكبر منه وليس كما ظنوا، ولكن هذا قول واثق بالحجة مدل بالحق، وهذا نظير ما قال الله لرسوله ﷺ أن يقوله لأعدائه: «قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» «١» ونظيره قول هود ﵇ لقومه «٢» .....
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه لك «٣» .......
/ سقط عليّ.
وطعنوا في قوله ﷺ: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فافعلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يبدؤنا بالذي فيه الداء وهذا ليس بمنكر، وقد تشاهد ذباب النحل وفي شعرته الذي يلسع بها الدواء «٤» وفي جوفه العسل وهو الشفاء.
ويطعنون عليه بأنه كان إذا أكل لطع إصبعه، قالوا هذه هي القذارة، وأين هو عن آداب كسرى والفرس، فإنهم كانوا لا يأكلون إلا بالبارشين وبما قطع بالسكين..
وهذا أيضا من محاسنه وفضائله في أنه كان يلطع إصبعه، ويردف خلفه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعين خادمه، ويمشي مع الضيف والأرملة والفقير في حاجتهم، ويصنع لهم، وكم له في ذلك من وصية، وكذا كان خلفاؤه وأمراؤه لرعيتهم، وذلك مذكور في موضعه، والانسان لا يعاف ريقه ولا ريق ولده وأحبابه، والريق أحد النعم العظيمة من الله على خلقه وفي جفافه
_________
(١) الأعراف ١٩٥
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٤) كذا في الأصل ولعل الأصح: الداء
وبطلانه من فم الانسان هلاكه، وبه يسيغ طعامه، وما في ذلك من النعم أكثر من أن يحصى، وهذا من تواضع الأنبياء وتعريف الناس أقدارهم، ولهذا بصق ﷺ يوما على كفه ثم وضع أصبعه عليه وقال: يقول الله ﵎.
«ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وإني أو إن «١» .....
...... يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك «٢» .... للظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود، ما/ غرّك بي إذ كنت تمر بي قدادا. [وهو الذي يخطر في مشيته ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكبر.]
ولهذا قال مالك بن دينار للمهلب بن أبي صفرة وهو يمشي وكان ملكا عظيما وسلطانا كبيرا، ما هذه المشية التي يمقتها الله إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أو تعرفني قال: نعم، قال ومن أنا؟ قال مالك: أنت الذي أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفه قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فاستحيا المهلب وقال له: قد عرفتني حق المعرفة، وكم مثل هذا في وصايا السلف وآدابهم ﵃، وهؤلاء يعيبونهم ويطالبونهم بالعجب والكبر، الذي لا ينبغي لمن صفته ما قال مالك بن دينار، كما يعيبونه ﷺ بأنه حرم المسكر والغناء، ولبس الحرير والديباج، واستعمال أواني الذهب والفضة، وكشف العورة والاشتراك في الزوجة.
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
ونزار المتسمي بالعزيز لا يحرم ذلك ويتزيّن بالجوهر، ويركب إلى الصلاة بالمزاهر، وبين يديه العبيد والملاهي مجردين، ويستقذرونه ﷺ ويستنطقون كسرى والمجوس، وهم يتنزهون عن الماء ويتطهرون بالبول، فالبول طهورهم والميتة طعامهم، وأمه امرأته وصديقة وكيله في وطنها اذا غاب عنها، والهربذ يطهرها بالبول حين يعاين فرجها ويباشر ذلك بيده، وأكل الميتة هو ما يشدونه من البقر في عيد لهم ويأمرونها بعد الشد الوثيق «١» ...
... حتى تموت وحل أكلها وهو «٢» ... فانظر من قد استضعفوا و«٣» ...
/ ولا الطهور كما قد تقدم ذكر ذلك، وهم لا يأكلون مع المسلمين في بلادهم في صفحة واحدة، فاعرف هذا من أحوال هؤلاء وتعديهم على الله وعداوتهم لرسول الله ﷺ.
وكان الحسن بن احمد ملك البحرين قال لأبي الحسن الحرزي حين أخذ جوهر مصر وجاء أبو تميم بعده. يا أبا الحسن، ما ترى أبا تميم يفعل إذا دخل مصر؟ وما الرأي له أن يفعل؟ فقال له الحرزي: إن هو قدم ورفع حجّابه وتواضع وأنصف الرعية وتباكى وقال إنما خرجت لغزو الروم وارتجاع الثغور ورحمة للناس من جور الديلم فهو يملك الأرض، فما بين يديه أحد، إنما هو ولد سيف الدولة، وناصر الدولة، ومعز الدولة، وهم في غفلة وبطر، وجندهم الديلم وهم شيعة، فرجعت جواسيس الحسن بن أحمد من مصر فذكروا دخول أبي تميم وزيّه وركبه الذهب وملابسه المذهبة حتى خفه وما
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٣) بياض في الأصل حوالي نصف سطر
على رأسه وفي عمامته من الجوهر وما في أدنى دابته، وأنه أطعم الناس على موائد من ذهب وفي أواني الذهب، وكثرة حجابه، فقال: الحسن لأبي الحسن الحرزي: قد سمعت ما هو عليه فما عندك؟ فقال له الحرزي: اصفع قفاه فما بين يديك أحد، كلكم قد ظهرت مخرقته وماتت فضيحته، وكان الحرزي جريئا عليهم يحتملونه ويستنصحونه ويحدثهم بحيلهم ومخاريقهم ويكشفونها له ويستزيدون له في الحيل ثقة به. فأكب الحسن على أبي تميم كما ذكرنا وطمع فيه ذلك الطمع ونصحه تلك النصيحة وتشاتما وتفاضحا «١» ...
به ومات عقيب ذلك واغتنم أبو تميم «٢» ...
وأعطاهم ما أرادوا قبل أن يبعثوا/ عليه غيره، وأخرج إليهم أربعين كتابا من كتبهم إلى آبائه وإليه وما بينهم من المخالصة وأن الدعوة واحدة كما تقدم.
وإنما جر هذا الكلام عيب هؤلاء الجهال على رسول الله ﷺ بلطع إصبعه وكونه لم يفعل من التجبر والتكبر ما يفعله الملوك، وهذا من محاسنه وآثار نبوته.
وكقوله ﷺ: «من احب أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»، وما أكل متكئا قط وكان يجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد» ويلبس الصوف ويعقل العنز، ودخل مكة حين فتحها في عشرة آلاف وهو على رحل رث، وإن عثنونه لينال واسطة رجله من التواضع، ما زاده الله تسليطا وتمكينا إلا ازداد
_________
(١) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
(٢) بياض في الاصل حوالي نصف سطر
لله هيبة وإجلالا، ومن المساكين قربا وبهم رأفة وملابسه معروفة، وقبض ﷺ وحاله معروف، وبردته التي يتجمل بها الخلفاء تساوي دانقين.
ويوسف بن دحية ملك عمان وحدها يلبس الوشي المثقل بالذهب، ويستعمل أواني الذهب والفضة وله العبيد والكراع والأثاث والخزائن، وكذا ملك البحرين وملك عدن، وكذلك ملك صنعاء واليمن، وقد ملك ﷺ هذا كله ونجران وتيماء وتبوك ووادي القرى، وغير ذلك مما يطول تفصيله، فلو أراد ما أراده هؤلاء لقدر على أكثر مما قدروا عليه، وقد ذكرنا ذلك وغيره من حال خلفائه وزهدهم فهؤلاء «١» ...
واعلم ان قول الحرزي وعيسى ابن ٢ ...
... لأبي طاهر ولأبي تميم ولأبي ٣/ التدبير فكلكم قد افتضح مع تستركم به، إنما هو غباوة عن معجزاته ودلائل نبوته، وأنه شيء تولى الله حراسته ونقض العادة به، فما زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أسكته خصم، ولا أخجله عدو، مع كثرتهم وجلدهم وطول مقارعتهم كما قد تقدم لك، ولكن هؤلاء الجهال لا يشعرون، قد جعلوا ما أعطاه الله من النصر والحجة أنه شيء ناله بوفور عقله وسداد تدبيره.
كما يقول هشام بن الحكم وابن الراوندي وأمثالهما في أبي بكر الصديق ﵁ بأنه كان ناقصا وجبانا وجاهلا ومجنونا، وأنه ما بايعه أحد ولا أطاعه كثيرا أحد كما هو مذكور لهم ومشروح في كتب الامامية.
فقيل لهم: فكيف استوى له أن يغلب بني هاشم وشيعتهم وأتباعهم
_________
١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
Translation
حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول ص وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها
#79
Chapter 79 — ما شكك به الباطنية من زواج الرسول بابنة مولاه زيد بن حارثة
· ref. #79
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
وهم أعقل الناس وأشجع الناس وأفطن الناس وأشرف الناس حتى أطيع في حياته ونفذت وصيته بعد وفاته، فأطيع خليفته بعده ووصايا خليفته بوصاياه فنفذت بعد موته فأطيعا حيين وميتين.
قالوا هذا عجز فيه الدهر، فكان عذرهم في انقطاعهم أن سموا ما أعطاه الله من الحجة عجز فيه الدهر، كما قال أولئك في حجة رسول الله ﷺ أنه وفور العقل وسداد الرأي والتدبير.
[ما شكك به الباطنية من زواج الرسول بابنة مولاه زيد بن حارثة]
ومما يطعن هؤلاء الدعاة على رسول الله ﷺ ويعيدونه ويبدونه، أنه جاء مرة يطلب مولاة زيد بن حارثة ولم يكن في بيته، وكانت امرأته تخبز، فأخرجت رأسها من التنور وخرجت إليه «١» ...
... وأخرج زيد بن حارثة في سرية ليقتله «٢» ... من المشيخيين إنما معنى قوله:
«وتخفي في نفسك ما الله مبديه» أي قد زنيت.
والمتأمل يعرف كذبهم في ذلك قبل أن يعلم أنه نبيّ صادق، لأن زيد بن حارثة ﵀ مولاه وصاحبه قديما قبل النبوة وقبل الوحي، خصيص به محب له، يسافر معه ويقيم معه. وامرأته زينب بنت جحش هي بنت عمة رسول الله ﷺ وهو زوّجه بها، وقد رآها صغيرة وكبيرة، لو قال قائل إنه رآها ألف مرة لما خشي أن يكذب. وكانت زينب رحمها الله امرأة سيئة الخلق كثيرة النفار لزيد، وكان رسول الله ﷺ يشق عليه ذلك، ويكره أذية زيد، وينهي زينب عن ذلك، ويعذلها ويأمر زيد باحتمالها والصبر عليها، وكان ﷺ
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
ودّ لما يرى من نقارها لزيد أنه لم يزوجها به لما يلقى زيد من أذاها، وأنه كان ﷺ قد تزوجها فكان أولى بالصبر على قرابته من الغريب، فأوحى الله إليه أنها مع خلقها مؤمنة، وإن زيدا سيطلقها، فإذا طلقها فتزوجها أنت وضمها إليك. فلم يلبث زيد أن طلقها وجاءه فأعلمه ﷺ ذلك، فقال رسول الله ﷺ لزيد: راجعها وأمسكها، وستر عن زيد ما أوحى الله إليه، فعوتب في ألا عرفه ما أوحى إليه، فلم يؤثر زيد مراجعتها، واعتدّت، فتزوجها رسول الله ﷺ، وكان من قصتها ما قد ذكره الله في سورة الاحزاب، فبين الله ذلك والسبب فيه وعاتبه الله كونه ستر ما أوحى إليه عن «١» ...
وما زال زيد مقيما على طل ٢ ... والمحبة وبذل النفس في طاعته ٣ ...
/ مؤتة باذلا نفسه في نصرة رسول الله ﷺ، وقد ودّع الأحبّة. وقد قال رسول الله ﷺ لجند زيد ومن معه: زيد أميركم، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة. فغزا زيد الروم وأقحم في قتالهم، وتصيبه الطعنات والضربات والجراحات فلا يرجع ولا ينثني ابتغاء مرضات الله ونصرة لرسوله إلى أن قتل، وقتل بعده جعفر بن أبي طالب، وبعدهما ابن رواحة، في القصة المعروفة، ونال رسول الله ﷺ من فقدهم ما يألم له الألم المعروف. وأسامة بن زيد منزلته من الاختصاص برسول الله ﷺ والقرب منه منزلة أبيه، وكان حبّ رسول الله كما كان أبوه، وكان يقال له أسامة الحب، وقد امّره رسول الله قبل مرض موته على خلق كبير ليخرج إلى الروم، فخرج في خلافة أبي بكر، وغزا الروم وجاهد في احياء دين رسول
_________
١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
الله ﷺ، وقصد اعداءه وأطاع حلفاءه ﷺ بعده، وجاهد وناصح ومضى لسبيله بعد مضيّ خلفاء رسول الله لا يرى لما يدعيه هؤلاء أثرا ولا امارة لا في حياة زيد ولا بعد وفاته، ولا في حياة ابنه ولا بعد ذلك، وهم في المناصحة والالفة والاختصاص والمحبة بعد تزويج رسول الله بزينب كما كانوا قبل ذلك وفي جميع الاحوال، وفي حياة رسول الله وبعد وفاته، وفي حياة خلفائه وبعد وفاتهم، وهناك من أعداء رسول الله ﷺ «١» ...
... المعروفة وأعينهم مادة إلى مطعن ٢..
... انواعن هذا وهو أنه قد اغتصب/ رجلا من خاصته امرأته فزنا بها وقبله لعداوته له، وهو يدعي النبوة والأمانة وأنه اختاره لأمانته وثقته على الخلق أجمعين، وأنه وحده صفوة الله وأنه لا نظير له في ذلك إلى يوم القيامة. فأين كانوا عن هذا، وأين كان الصحابة الذين قد اتبعوه لأنه نبيّ وصادق وقد جاء هم بتحريم الزنا وتحريم قتل النفوس بغير حلها، فإن قالوا: قد تكلموا وقد أنكروا، قيل لهم: لو كان كذلك لجاء مجيء أمثاله، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادّعى أن زيد بن حارثة قد تكلم في ذلك وضج وخطب وصار معه جماعة في ذلك، وحاربوا وصاروا إلى الروم مجلبين على رسول الله وراجعين عن دينه، وكذا كانت قصة ابنه أسامة بعده إلا أن هذا قد خفي علينا وخدعنا وظهر لكم أنتم وعرفتموه بفضل عقولكم وفطنتكم، وقد قلنا لكم غير مرة لو اعتبرتم ما جرى على ائمتكم وعليكم من الفضائح مع تستركم بالاسلام وأنكم من الفاطميين لكفاكم في الدلالة على نبوته ﷺ وأنتم تدّعون ما هو في الظهور أعظم من هذا، من أن فاطمة عليها
_________
١ و٢ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
السلام ضربت وقتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العباس وعليّ وجميع بني هاشم وبمشهد من المهاجرين والانصار وهم أكثر ما كانوا وأوفر، وهذه وقعة أعظم من وقعة كربلاء، ومن شهدها أكثر فكيف لا يدعون على رسول «١» ...
نجد أبا بكر وعمر وبني هاشم ٢ ...
بين زيد وأسامة ورسول ٣ ...
/ بعضا كما قد تقدم شرح ذلك حتى ينقل عليّ بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من البقيّة وجوها في بعضها كفاية.
وتدّعون أن أبا بكر أنفذ المغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير الانصاري في قتل سعد بن عبادة الانصاري وهو سيدهم فقاتلاه وهذا أظهر مما ادعيتم في زيد، فكيف لا تدعون ذاك وقد ادعيتم ما هو أظهر منه. ونحن نجد الخزرج رهط سعد بن عبادة أطوع الناس لأبي بكر وعمر، يعتقدون إمامتهما ويتقربون إلى الله في الجهاد معهما، حتى ان قيس بن سعد وسعيد بن سعد من أخص الناس بهما ومن أنصارهما وأمراء سراياهما، فما تأمل متأمل ولا تدبر متدبر إلا وجد من الادلة على أكاذيب هؤلاء وأكاذيب أسلافهم الذين قدمنا ذكرهم كهشام وأتباعه.
ومما يخدعون به المترفين والمستجيبين لهم بأن يقولوا: هل علمتم لم حرم محمد أزواجه أن ينكحن بعده، ولهذا سر لطيف باطن خفيّ وهو أن أزواجه
_________
١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
قد كن وقفن على سحره وحيله فخاف أن يتزوجهن أحد بعده فيتحدثن بذلك لما في النساء من الرقة والضعف فعلم هو بهذا فحرمهن، وهذا من حكمته وفطنته، وقلنا قبل كل شيء من أين لكم صحة هذه الدعاوي، أهو شيء علمتموه بالخبر والنقل أو بالالهام «١» ...
مسائلكم وشبهكم ليست من شبه ٢ ...
... الزبالين والكساحين، ولعمري/ إن من كان قادته وسادته وأئمته الذين قدمنا ذكرهم وسيرتهم ومن لهم مثل هذا العزيز فهكذا تكون شبهه ومسائله ودعاويه وحججه، وقد حرم ﷺ على الرجال أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت، فإذا إنما حرمهن لمثل ما قلتم وهو السر اللطيف والباطن الخفي هاتوا حكمتكم وفطنتكم.
ثم نسائلكم ونقول لكم: قولوا لنا ما هذه الحيل وما هذا السحر والذي وقف عليه النساء، اذكروه لنا، فإن قالوا: ما ظهر ولا عرفناه، قلنا: فما يدريكم أن التحريم كان لهذا، وإن قالوا قد ظهر، قلنا: فما أغنى تحريم الأزواج شيئا، وهاتوا هذا الذي وقفتم عليه فإنكم لا تذكرون إلا ما يشبهكم ويشبه أسلافكم، فأما هو ﷺ فأمره في الظهور والانكشاف والبعد من كل ريبة كما قدمنا وذكرنا.
والعقلاء يزدادون بصيرة في أمره ﷺ، أنه جمع بين الضرائر من بنات الاعداء والأولياء وفطمهن من الدنيا، ومما تتناوله يده، وكذا صنع بأهله، وإن هذا
_________
١ و٢: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
قالوا هذا عجز فيه الدهر، فكان عذرهم في انقطاعهم أن سموا ما أعطاه الله من الحجة عجز فيه الدهر، كما قال أولئك في حجة رسول الله ﷺ أنه وفور العقل وسداد الرأي والتدبير.
[ما شكك به الباطنية من زواج الرسول بابنة مولاه زيد بن حارثة]
ومما يطعن هؤلاء الدعاة على رسول الله ﷺ ويعيدونه ويبدونه، أنه جاء مرة يطلب مولاة زيد بن حارثة ولم يكن في بيته، وكانت امرأته تخبز، فأخرجت رأسها من التنور وخرجت إليه «١» ...
... وأخرج زيد بن حارثة في سرية ليقتله «٢» ... من المشيخيين إنما معنى قوله:
«وتخفي في نفسك ما الله مبديه» أي قد زنيت.
والمتأمل يعرف كذبهم في ذلك قبل أن يعلم أنه نبيّ صادق، لأن زيد بن حارثة ﵀ مولاه وصاحبه قديما قبل النبوة وقبل الوحي، خصيص به محب له، يسافر معه ويقيم معه. وامرأته زينب بنت جحش هي بنت عمة رسول الله ﷺ وهو زوّجه بها، وقد رآها صغيرة وكبيرة، لو قال قائل إنه رآها ألف مرة لما خشي أن يكذب. وكانت زينب رحمها الله امرأة سيئة الخلق كثيرة النفار لزيد، وكان رسول الله ﷺ يشق عليه ذلك، ويكره أذية زيد، وينهي زينب عن ذلك، ويعذلها ويأمر زيد باحتمالها والصبر عليها، وكان ﷺ
_________
(١) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
(٢) بياض في الأصل حوالى نصف سطر
ودّ لما يرى من نقارها لزيد أنه لم يزوجها به لما يلقى زيد من أذاها، وأنه كان ﷺ قد تزوجها فكان أولى بالصبر على قرابته من الغريب، فأوحى الله إليه أنها مع خلقها مؤمنة، وإن زيدا سيطلقها، فإذا طلقها فتزوجها أنت وضمها إليك. فلم يلبث زيد أن طلقها وجاءه فأعلمه ﷺ ذلك، فقال رسول الله ﷺ لزيد: راجعها وأمسكها، وستر عن زيد ما أوحى الله إليه، فعوتب في ألا عرفه ما أوحى إليه، فلم يؤثر زيد مراجعتها، واعتدّت، فتزوجها رسول الله ﷺ، وكان من قصتها ما قد ذكره الله في سورة الاحزاب، فبين الله ذلك والسبب فيه وعاتبه الله كونه ستر ما أوحى إليه عن «١» ...
وما زال زيد مقيما على طل ٢ ... والمحبة وبذل النفس في طاعته ٣ ...
/ مؤتة باذلا نفسه في نصرة رسول الله ﷺ، وقد ودّع الأحبّة. وقد قال رسول الله ﷺ لجند زيد ومن معه: زيد أميركم، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة. فغزا زيد الروم وأقحم في قتالهم، وتصيبه الطعنات والضربات والجراحات فلا يرجع ولا ينثني ابتغاء مرضات الله ونصرة لرسوله إلى أن قتل، وقتل بعده جعفر بن أبي طالب، وبعدهما ابن رواحة، في القصة المعروفة، ونال رسول الله ﷺ من فقدهم ما يألم له الألم المعروف. وأسامة بن زيد منزلته من الاختصاص برسول الله ﷺ والقرب منه منزلة أبيه، وكان حبّ رسول الله كما كان أبوه، وكان يقال له أسامة الحب، وقد امّره رسول الله قبل مرض موته على خلق كبير ليخرج إلى الروم، فخرج في خلافة أبي بكر، وغزا الروم وجاهد في احياء دين رسول
_________
١ و٢ و٣: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
الله ﷺ، وقصد اعداءه وأطاع حلفاءه ﷺ بعده، وجاهد وناصح ومضى لسبيله بعد مضيّ خلفاء رسول الله لا يرى لما يدعيه هؤلاء أثرا ولا امارة لا في حياة زيد ولا بعد وفاته، ولا في حياة ابنه ولا بعد ذلك، وهم في المناصحة والالفة والاختصاص والمحبة بعد تزويج رسول الله بزينب كما كانوا قبل ذلك وفي جميع الاحوال، وفي حياة رسول الله وبعد وفاته، وفي حياة خلفائه وبعد وفاتهم، وهناك من أعداء رسول الله ﷺ «١» ...
... المعروفة وأعينهم مادة إلى مطعن ٢..
... انواعن هذا وهو أنه قد اغتصب/ رجلا من خاصته امرأته فزنا بها وقبله لعداوته له، وهو يدعي النبوة والأمانة وأنه اختاره لأمانته وثقته على الخلق أجمعين، وأنه وحده صفوة الله وأنه لا نظير له في ذلك إلى يوم القيامة. فأين كانوا عن هذا، وأين كان الصحابة الذين قد اتبعوه لأنه نبيّ وصادق وقد جاء هم بتحريم الزنا وتحريم قتل النفوس بغير حلها، فإن قالوا: قد تكلموا وقد أنكروا، قيل لهم: لو كان كذلك لجاء مجيء أمثاله، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادّعى أن زيد بن حارثة قد تكلم في ذلك وضج وخطب وصار معه جماعة في ذلك، وحاربوا وصاروا إلى الروم مجلبين على رسول الله وراجعين عن دينه، وكذا كانت قصة ابنه أسامة بعده إلا أن هذا قد خفي علينا وخدعنا وظهر لكم أنتم وعرفتموه بفضل عقولكم وفطنتكم، وقد قلنا لكم غير مرة لو اعتبرتم ما جرى على ائمتكم وعليكم من الفضائح مع تستركم بالاسلام وأنكم من الفاطميين لكفاكم في الدلالة على نبوته ﷺ وأنتم تدّعون ما هو في الظهور أعظم من هذا، من أن فاطمة عليها
_________
١ و٢ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
السلام ضربت وقتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العباس وعليّ وجميع بني هاشم وبمشهد من المهاجرين والانصار وهم أكثر ما كانوا وأوفر، وهذه وقعة أعظم من وقعة كربلاء، ومن شهدها أكثر فكيف لا يدعون على رسول «١» ...
نجد أبا بكر وعمر وبني هاشم ٢ ...
بين زيد وأسامة ورسول ٣ ...
/ بعضا كما قد تقدم شرح ذلك حتى ينقل عليّ بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من البقيّة وجوها في بعضها كفاية.
وتدّعون أن أبا بكر أنفذ المغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير الانصاري في قتل سعد بن عبادة الانصاري وهو سيدهم فقاتلاه وهذا أظهر مما ادعيتم في زيد، فكيف لا تدعون ذاك وقد ادعيتم ما هو أظهر منه. ونحن نجد الخزرج رهط سعد بن عبادة أطوع الناس لأبي بكر وعمر، يعتقدون إمامتهما ويتقربون إلى الله في الجهاد معهما، حتى ان قيس بن سعد وسعيد بن سعد من أخص الناس بهما ومن أنصارهما وأمراء سراياهما، فما تأمل متأمل ولا تدبر متدبر إلا وجد من الادلة على أكاذيب هؤلاء وأكاذيب أسلافهم الذين قدمنا ذكرهم كهشام وأتباعه.
ومما يخدعون به المترفين والمستجيبين لهم بأن يقولوا: هل علمتم لم حرم محمد أزواجه أن ينكحن بعده، ولهذا سر لطيف باطن خفيّ وهو أن أزواجه
_________
١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
قد كن وقفن على سحره وحيله فخاف أن يتزوجهن أحد بعده فيتحدثن بذلك لما في النساء من الرقة والضعف فعلم هو بهذا فحرمهن، وهذا من حكمته وفطنته، وقلنا قبل كل شيء من أين لكم صحة هذه الدعاوي، أهو شيء علمتموه بالخبر والنقل أو بالالهام «١» ...
مسائلكم وشبهكم ليست من شبه ٢ ...
... الزبالين والكساحين، ولعمري/ إن من كان قادته وسادته وأئمته الذين قدمنا ذكرهم وسيرتهم ومن لهم مثل هذا العزيز فهكذا تكون شبهه ومسائله ودعاويه وحججه، وقد حرم ﷺ على الرجال أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت، فإذا إنما حرمهن لمثل ما قلتم وهو السر اللطيف والباطن الخفي هاتوا حكمتكم وفطنتكم.
ثم نسائلكم ونقول لكم: قولوا لنا ما هذه الحيل وما هذا السحر والذي وقف عليه النساء، اذكروه لنا، فإن قالوا: ما ظهر ولا عرفناه، قلنا: فما يدريكم أن التحريم كان لهذا، وإن قالوا قد ظهر، قلنا: فما أغنى تحريم الأزواج شيئا، وهاتوا هذا الذي وقفتم عليه فإنكم لا تذكرون إلا ما يشبهكم ويشبه أسلافكم، فأما هو ﷺ فأمره في الظهور والانكشاف والبعد من كل ريبة كما قدمنا وذكرنا.
والعقلاء يزدادون بصيرة في أمره ﷺ، أنه جمع بين الضرائر من بنات الاعداء والأولياء وفطمهن من الدنيا، ومما تتناوله يده، وكذا صنع بأهله، وإن هذا
_________
١ و٢: بياض في الأصل حوالى نصف سطر
Translation
ما شكك به الباطنية من زواج الرسول بابنة مولاه زيد بن حارثة
#80
Chapter 80 — دعواهم أن رسول الله ﵊ كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله
· ref. #80
Tathbit Dala'il al-Nubuwwa
Arabic text
Aqeedah
الاقدام إقدام الأبرياء من كل ريبة ودنية.
ومن مسائلهم أن أبا القاسم المصري الاقليدسي المهندس النازل في قطيعة النصارى، المنقطع إلى «١» ...
جميلة كانت ٢ ...
فما تعرفها فيقو ٣ ...
عقيب هذا و٤ ...
من المسلمين، ويذهب في هذا أن أمرأة كانت تختلف إليه ﷺ في الريب، فيخدع أصحابه وأزواجه بقوله: هي العافية، وكان هذا من أكبر المطاعن عليه عندهم، وسرورهم بها أتم السرور.
[دعواهم أن رسول الله ﵊ كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله]
ومن عجيب أمرهم أن رؤساءهم وأهل العقل منهم إذا افتضحوا يأخذون «٥» في الصلاة عليه والوصف له بالحكمة ووفور العقل وملك النفس وطول الصبر حتى لم يفتضح، وأنا من أولنا إلى آخرنا مع التستر به نفتضح في كل طرفة عين.
فانظر إلى اختلاطهم وحيرتهم وفضيحتهم في كل ما يأتون به ويتعرضون له، وكيف ينقضون على أنفسهم ويكذبون أقوالهم بألسنتهم.
ثم يقال لهم: هذا رجل قد أسخط الامم وعاداها وغاضبها وأغضبها، وادّعى رئاسة ليس فوقها رئاسة لمخلوق، وفرض طاعته، وألزم الناس إقامة شرائعه وإنفاق أموالهم في إحياء دينه وسفك دمائهم في مجاهدة عدوه،
_________
١ و٢ و٣ و٤ بياض في الأصل حوالي نصف سطر
(٥) في الأصل «يأخذوا»
وكلف تلك التكاليف الشاقة الصعبة الذي قد تقدم شرحها، وقال ان من أنكرها أو تسخطها كفر بالله وحل دمه، وكان له في الآخرة العذاب الدائم.
وأتباعه إنما أطاعوه لأنه عندهم نبي صادق، وتقربوا إلى الله بما أصابهم في اتباعه على ما قد تقدم من شرحه، وهو بزعمكم يكذب ويناقض في الآيات والأحاديث «١» ...
... ليزني بنسائهم ٢ ... عن تدبيره ولا ينفر ٣ ... لا يستوحش
/ منه خاصته وبطانتة، وقد اختلف على الرؤساء وعلى من لم يدّع ما ادعاه في أقل القليل كما شرحنا وقدمنا من المحققين والمبطلين، وسلم هو هذه السلامة التامة، وكان له أصحابه في حياته وبعد موته، إن هذا لهو أكبر معجزاته وأعظم آياته وقد انتقضت له العادات في هذا أيضا كما انتقضت في غيره، فهذه شهادة منكم له يتأكد بها حجته عليكم.
وينبغي أن تعلموا أن الايات التي يسأل عنها هؤلاء وأمثالهم من أعدائه ﷺ، والأحاديث التي صحت عنه ما أراد بها ما يظنونه ولا ما يذهبون إليه.
إذ لو كان كذلك لكان أولئك الاعداء الذين كانوا معه وفي بلده وفي زمانه من قريش والعرب واليهود والنصارى، وأحوالهم في الفطنة والعداوة والدهاء والكيد ما قدمنا وشرحنا، ينطقون بذلك ويحتجون به ويجادلونه ويجادلون أصحابه، وكان هذا أسهل عليهم مما تكلفوه من إبطال أمره واطفاء نوره
_________
١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
وتفريق الناس عنه بمفارقة أوطانهم وإنفاق أموالهم وسفك دمائهم، وبهذا الاحتجاج كان أبو الهذيل والشحام يسكتون الخصوم.
وابن الراوندي والحداد والوراق «١» ... رسول الله ﷺ ليس ممن يطعن عليه ٢ ...
ذلك عليه وتحت ٣ ...
على الشدائد من ٤ ...
من البلاغة فيجد ٥ ...
/ واسع الحلم، عنده من الصبر ما ليس عند غيره، فلهذا ضبط نفسه من أول أمره وقبل ادعاء النبوة، فما عرفوه إلا بالنزاهة والطهارة والثقة والأمانة، فكان يعرف عندهم بمحمد الأمين، فبفضل العقل تم له ما تم، واستترت عيوبه وحيله، وإن لم نقطع عليه فنحن نجوزه، فأخرجوا معشر المعتزلة هذا التجويز من قلوبنا وإن كان ضعيفا. ذكر هذا المعنى ابن الراوندي في الفريد في غير موضع منه. فيقال لهم: إن هذا الذي ذكرتموه فإنما المعنى فيه شهادتكم له بالمعجزات والآيات التي لم تجدوا فيها مطعنا فعبرتم عنها بفضل العقل والحزم والصبر والحلم وقد سلمتم سلامته من كل فضيحة.
وقولكم إنه منذ أوّل أمره قد كان أحسّ بفضل عقله وصبره وحزمه وفصاحته فأمسك عن ذلك ولم يظهره إلى وقت ادّعى فيه النبوة، كمن ادّعى عليه وله أنه ولد كامل العقل وافر الحلم، وأنه أحسّ بذلك من نفسه فلم
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
يظهره إرصادا للنبوة، وأظهر التصابي «١» ...
وقد كان ﷺ ٢ ...
يقصد إلى ٣ حالهم ٤ يحيط بهم ٥ واحدا ٦ له على أن ٧/ الله اختارني وحدي على العالمين إلى يوم القيامة، أن أحدا لا يأتي بمثل ما معي ولا بمثل سورة منه إلا وهو على يقين أن أحدا لا يأتي بذلك، هذه قضية العقل، فتعلم أنه قد كان على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، وقد تقدم نظير ذلك، وإنما يقال فيمن أراد السلامة من الناس فطلب رضاهم، وانحط في هواهم، وتجنب ذمهم وسخطهم، وتودد إليهم بما يهوونه أنه عاقل، وقد سلم من ذمهم بعقله، كما قيل استحق اسم العقل من رضي عنه الجميع المختلفون.
وهذا ﷺ أتى بما يسخط الأمم كلها فأكفرها وشرع جهادها، وفرض قتالها وقتلها، واستباحة حريمها وسبي ذريتها، وإهانة ملوكها وجبابرتها، حتى كذبوه وشتموه وضربوه وحصروه وأجاعوه وطلبوا نفسه وقتلوا أتباعه وبذلوا الوسع كله في مكارهه، إلى غير ذلك، فكيف يقال في هذا ﷺ أنه
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
ناله من «١» ...
/ فاذا حصل فعلوا فيه فعل طلاب الدنيا كما فعل غيرهم ممن قدمنا ذكره فما منهم أحد في ابتداء أمره وفي أول طلبه إلا وقد تودد إلى العامة بأنه يريد الدين والدار الآخرة، فإذا قدر وملك واستولى أثر في نفسه وأهله وولده وتنعم وتمرغ في الدنيا، فكيف انتقضت العادة بهؤلاء ولو ادّعى مدع في زهد رسول الله ﷺ ومنعه نفسه وأهله وولده وكذا في عليّ بن أبي طالب ﵁ مثل ما ادّعيتم في هؤلاء كان يكون الجواب فيه إلا الجواب في هؤلاء.
وأخرى أنكم معشر الامامية تدّعون أن رسول الله ﷺ نصّ نصوصا تلزم الخاصة والعامة والرجال والنساء والاحرار والعبيد والمرضى والأصحاء والمقيمين والمسافرين، وأنه ﵇ بينّ لهم هذا الفرض وبلّغهم إياه بحسب وجوبه وشمولاه وعمومه، فأعلمهم إياه، وجعلهم على يقين من وجوبه.
وأن هؤلاء اغتصبوه ﷺ مصلاه ومقامه في حياته وفي بيته ونصب عينيه وبحضرته وبحضرة أهل بيته وخاصته ٢ ...
/ حياتهم وبعد موتهم، كما قد بينا من إنفاد وصية أبي بكر وعمر، فامتثلوا ذلك كله حتى أن من يدعون النص والإمامة دخل في ذلك وأظهر السمع والطاعة لهم في حياتهم وبعد موتهم خوفا من أتباعهم وشيعتهم وأنصارهم، فمن بقي يتقونه أو يخافونه أو يجدعونه، وكل شيء قد ادعوه ودعوا اليه قد أجيبوا اليه، وقد أطيعوا فيه بغير حجة بزعمكم، مع علم الناس أن ذلك خلاف رسول الله ﷺ وخلاف دينه، إذ هو من الفروض العامة، وهم يأخذون الناس بحب
_________
١ و٢ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
رسول الله ﷺ وموالاته وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وهم بزعمكم يبغضونه ويعادونه ويبغضون من أحبه ووالاه، ومن كان يوالي ويحب، فهل سمع بأعجب من أمر هؤلاء القوم فيما يدّعونه، فبخلاف العقل والنقل والأثر كدعوى الملحدة على رسول الله ﷺ.
ومما يصول به هؤلاء الدعاة وأتباعهم من المتصلة بالشام ومصر، أن يقولوا للمسلمين: اسمعوا منا ما نقوله في إلهكم الذي تعبدونه ثم ... «١»
يطول شرحه ٢ وفعل فإن الحا ٣ إن ما لكم اله ٤ ففيه تبارك ٥ السموات والا ٦/ حلما عنهم ورحمة وإمهالا لهم ليتوبوا، وأنهم إنما ينقلبون في قبضته وبقدرته التي أعطاهم لطاعته، أو لم ينظروا إلى الجبابرة والفراعنة كيف اصطلمهم؟
«هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» .
ومما يغيظهم في شأن رسول الله ﷺ أن يقولوا: انظروا اليه كيف لم يبشر بأحد بعده، ولا علق القلوب بمن يأتي بعده كما فعل من كان قبله من ابراهيم، وموسى، وعيسى، وأمثالهم، فطم الناس كلهم وقال: لا نبيّ بعدي، فصار من يدعي هذا قد أكفرته أمته وبادروا إلى قتله، فهذا الحسد والشره.
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ بياض في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
فيقال لهم: ابراهيم وموسى وعيسى وأمثالهم كذابون عندكم أصحاب حيل وطلاب رئاسة، وما ها هنا عندكم رب ولا نبي ولا باعث ولا مبعوث، ومن قال إني رسول الله فقد كذب عندكم، ومن قال يأتي من بعدي رسول الله فقد كذب عندكم، فكأنكم عتبتم عليه إذ لم يكذب ولم يزد في الكذب، هذا على «١»
شرا.. ٢
الين من بعده ٣ كما قال ٤ سود ٥ به فافتضح ٦ ابن خويلد ٧ وكاهنا ٨
/ فأرسل اليه أبو بكر الصديق بمن يجاهده، وأحاطوا به، فقال قومه: أين ما كنت تعدنا من النصر والظهور، فأردف وقال لأصحابه من استطاع أن يكون هكذا فليفعل ووّلى هاربا أصحاب أبي بكر الصديق ﵁ فأخذوه أسيرا وأتوا به أبا بكر الصديق ﵁.
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
هذا آخر ما وجدته في النسخة التي نقلت منها.... إن شاء الله أن عليه بل كتابة بغير تحيز، ومن أراد تحصيله العبد الفقير إلى الله علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري في ربيع الأول سنة وستمائة، «١» وهو يتوسل إلى الله ﷿ بجاه محمد ﷺ أن يجعله من المتقين حتى يتوفاه على ذلك ويبعث عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم بحمد الله
_________
(١) المتوفي سنة ٦٨٤ هـ. شوزت الذهب ٥: ٣٨٨
ومن مسائلهم أن أبا القاسم المصري الاقليدسي المهندس النازل في قطيعة النصارى، المنقطع إلى «١» ...
جميلة كانت ٢ ...
فما تعرفها فيقو ٣ ...
عقيب هذا و٤ ...
من المسلمين، ويذهب في هذا أن أمرأة كانت تختلف إليه ﷺ في الريب، فيخدع أصحابه وأزواجه بقوله: هي العافية، وكان هذا من أكبر المطاعن عليه عندهم، وسرورهم بها أتم السرور.
[دعواهم أن رسول الله ﵊ كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله]
ومن عجيب أمرهم أن رؤساءهم وأهل العقل منهم إذا افتضحوا يأخذون «٥» في الصلاة عليه والوصف له بالحكمة ووفور العقل وملك النفس وطول الصبر حتى لم يفتضح، وأنا من أولنا إلى آخرنا مع التستر به نفتضح في كل طرفة عين.
فانظر إلى اختلاطهم وحيرتهم وفضيحتهم في كل ما يأتون به ويتعرضون له، وكيف ينقضون على أنفسهم ويكذبون أقوالهم بألسنتهم.
ثم يقال لهم: هذا رجل قد أسخط الامم وعاداها وغاضبها وأغضبها، وادّعى رئاسة ليس فوقها رئاسة لمخلوق، وفرض طاعته، وألزم الناس إقامة شرائعه وإنفاق أموالهم في إحياء دينه وسفك دمائهم في مجاهدة عدوه،
_________
١ و٢ و٣ و٤ بياض في الأصل حوالي نصف سطر
(٥) في الأصل «يأخذوا»
وكلف تلك التكاليف الشاقة الصعبة الذي قد تقدم شرحها، وقال ان من أنكرها أو تسخطها كفر بالله وحل دمه، وكان له في الآخرة العذاب الدائم.
وأتباعه إنما أطاعوه لأنه عندهم نبي صادق، وتقربوا إلى الله بما أصابهم في اتباعه على ما قد تقدم من شرحه، وهو بزعمكم يكذب ويناقض في الآيات والأحاديث «١» ...
... ليزني بنسائهم ٢ ... عن تدبيره ولا ينفر ٣ ... لا يستوحش
/ منه خاصته وبطانتة، وقد اختلف على الرؤساء وعلى من لم يدّع ما ادعاه في أقل القليل كما شرحنا وقدمنا من المحققين والمبطلين، وسلم هو هذه السلامة التامة، وكان له أصحابه في حياته وبعد موته، إن هذا لهو أكبر معجزاته وأعظم آياته وقد انتقضت له العادات في هذا أيضا كما انتقضت في غيره، فهذه شهادة منكم له يتأكد بها حجته عليكم.
وينبغي أن تعلموا أن الايات التي يسأل عنها هؤلاء وأمثالهم من أعدائه ﷺ، والأحاديث التي صحت عنه ما أراد بها ما يظنونه ولا ما يذهبون إليه.
إذ لو كان كذلك لكان أولئك الاعداء الذين كانوا معه وفي بلده وفي زمانه من قريش والعرب واليهود والنصارى، وأحوالهم في الفطنة والعداوة والدهاء والكيد ما قدمنا وشرحنا، ينطقون بذلك ويحتجون به ويجادلونه ويجادلون أصحابه، وكان هذا أسهل عليهم مما تكلفوه من إبطال أمره واطفاء نوره
_________
١ و٢ و٣ بياض في الأصل حوالى نصف سطر
وتفريق الناس عنه بمفارقة أوطانهم وإنفاق أموالهم وسفك دمائهم، وبهذا الاحتجاج كان أبو الهذيل والشحام يسكتون الخصوم.
وابن الراوندي والحداد والوراق «١» ... رسول الله ﷺ ليس ممن يطعن عليه ٢ ...
ذلك عليه وتحت ٣ ...
على الشدائد من ٤ ...
من البلاغة فيجد ٥ ...
/ واسع الحلم، عنده من الصبر ما ليس عند غيره، فلهذا ضبط نفسه من أول أمره وقبل ادعاء النبوة، فما عرفوه إلا بالنزاهة والطهارة والثقة والأمانة، فكان يعرف عندهم بمحمد الأمين، فبفضل العقل تم له ما تم، واستترت عيوبه وحيله، وإن لم نقطع عليه فنحن نجوزه، فأخرجوا معشر المعتزلة هذا التجويز من قلوبنا وإن كان ضعيفا. ذكر هذا المعنى ابن الراوندي في الفريد في غير موضع منه. فيقال لهم: إن هذا الذي ذكرتموه فإنما المعنى فيه شهادتكم له بالمعجزات والآيات التي لم تجدوا فيها مطعنا فعبرتم عنها بفضل العقل والحزم والصبر والحلم وقد سلمتم سلامته من كل فضيحة.
وقولكم إنه منذ أوّل أمره قد كان أحسّ بفضل عقله وصبره وحزمه وفصاحته فأمسك عن ذلك ولم يظهره إلى وقت ادّعى فيه النبوة، كمن ادّعى عليه وله أنه ولد كامل العقل وافر الحلم، وأنه أحسّ بذلك من نفسه فلم
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
يظهره إرصادا للنبوة، وأظهر التصابي «١» ...
وقد كان ﷺ ٢ ...
يقصد إلى ٣ حالهم ٤ يحيط بهم ٥ واحدا ٦ له على أن ٧/ الله اختارني وحدي على العالمين إلى يوم القيامة، أن أحدا لا يأتي بمثل ما معي ولا بمثل سورة منه إلا وهو على يقين أن أحدا لا يأتي بذلك، هذه قضية العقل، فتعلم أنه قد كان على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، وقد تقدم نظير ذلك، وإنما يقال فيمن أراد السلامة من الناس فطلب رضاهم، وانحط في هواهم، وتجنب ذمهم وسخطهم، وتودد إليهم بما يهوونه أنه عاقل، وقد سلم من ذمهم بعقله، كما قيل استحق اسم العقل من رضي عنه الجميع المختلفون.
وهذا ﷺ أتى بما يسخط الأمم كلها فأكفرها وشرع جهادها، وفرض قتالها وقتلها، واستباحة حريمها وسبي ذريتها، وإهانة ملوكها وجبابرتها، حتى كذبوه وشتموه وضربوه وحصروه وأجاعوه وطلبوا نفسه وقتلوا أتباعه وبذلوا الوسع كله في مكارهه، إلى غير ذلك، فكيف يقال في هذا ﷺ أنه
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
ناله من «١» ...
/ فاذا حصل فعلوا فيه فعل طلاب الدنيا كما فعل غيرهم ممن قدمنا ذكره فما منهم أحد في ابتداء أمره وفي أول طلبه إلا وقد تودد إلى العامة بأنه يريد الدين والدار الآخرة، فإذا قدر وملك واستولى أثر في نفسه وأهله وولده وتنعم وتمرغ في الدنيا، فكيف انتقضت العادة بهؤلاء ولو ادّعى مدع في زهد رسول الله ﷺ ومنعه نفسه وأهله وولده وكذا في عليّ بن أبي طالب ﵁ مثل ما ادّعيتم في هؤلاء كان يكون الجواب فيه إلا الجواب في هؤلاء.
وأخرى أنكم معشر الامامية تدّعون أن رسول الله ﷺ نصّ نصوصا تلزم الخاصة والعامة والرجال والنساء والاحرار والعبيد والمرضى والأصحاء والمقيمين والمسافرين، وأنه ﵇ بينّ لهم هذا الفرض وبلّغهم إياه بحسب وجوبه وشمولاه وعمومه، فأعلمهم إياه، وجعلهم على يقين من وجوبه.
وأن هؤلاء اغتصبوه ﷺ مصلاه ومقامه في حياته وفي بيته ونصب عينيه وبحضرته وبحضرة أهل بيته وخاصته ٢ ...
/ حياتهم وبعد موتهم، كما قد بينا من إنفاد وصية أبي بكر وعمر، فامتثلوا ذلك كله حتى أن من يدعون النص والإمامة دخل في ذلك وأظهر السمع والطاعة لهم في حياتهم وبعد موتهم خوفا من أتباعهم وشيعتهم وأنصارهم، فمن بقي يتقونه أو يخافونه أو يجدعونه، وكل شيء قد ادعوه ودعوا اليه قد أجيبوا اليه، وقد أطيعوا فيه بغير حجة بزعمكم، مع علم الناس أن ذلك خلاف رسول الله ﷺ وخلاف دينه، إذ هو من الفروض العامة، وهم يأخذون الناس بحب
_________
١ و٢ نقص في الأصل حوالي نصف سطر.
رسول الله ﷺ وموالاته وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وهم بزعمكم يبغضونه ويعادونه ويبغضون من أحبه ووالاه، ومن كان يوالي ويحب، فهل سمع بأعجب من أمر هؤلاء القوم فيما يدّعونه، فبخلاف العقل والنقل والأثر كدعوى الملحدة على رسول الله ﷺ.
ومما يصول به هؤلاء الدعاة وأتباعهم من المتصلة بالشام ومصر، أن يقولوا للمسلمين: اسمعوا منا ما نقوله في إلهكم الذي تعبدونه ثم ... «١»
يطول شرحه ٢ وفعل فإن الحا ٣ إن ما لكم اله ٤ ففيه تبارك ٥ السموات والا ٦/ حلما عنهم ورحمة وإمهالا لهم ليتوبوا، وأنهم إنما ينقلبون في قبضته وبقدرته التي أعطاهم لطاعته، أو لم ينظروا إلى الجبابرة والفراعنة كيف اصطلمهم؟
«هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» .
ومما يغيظهم في شأن رسول الله ﷺ أن يقولوا: انظروا اليه كيف لم يبشر بأحد بعده، ولا علق القلوب بمن يأتي بعده كما فعل من كان قبله من ابراهيم، وموسى، وعيسى، وأمثالهم، فطم الناس كلهم وقال: لا نبيّ بعدي، فصار من يدعي هذا قد أكفرته أمته وبادروا إلى قتله، فهذا الحسد والشره.
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ بياض في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
فيقال لهم: ابراهيم وموسى وعيسى وأمثالهم كذابون عندكم أصحاب حيل وطلاب رئاسة، وما ها هنا عندكم رب ولا نبي ولا باعث ولا مبعوث، ومن قال إني رسول الله فقد كذب عندكم، ومن قال يأتي من بعدي رسول الله فقد كذب عندكم، فكأنكم عتبتم عليه إذ لم يكذب ولم يزد في الكذب، هذا على «١»
شرا.. ٢
الين من بعده ٣ كما قال ٤ سود ٥ به فافتضح ٦ ابن خويلد ٧ وكاهنا ٨
/ فأرسل اليه أبو بكر الصديق بمن يجاهده، وأحاطوا به، فقال قومه: أين ما كنت تعدنا من النصر والظهور، فأردف وقال لأصحابه من استطاع أن يكون هكذا فليفعل ووّلى هاربا أصحاب أبي بكر الصديق ﵁ فأخذوه أسيرا وأتوا به أبا بكر الصديق ﵁.
_________
١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ نقص في الأصل حوالي ثلاثة أرباع السطر.
هذا آخر ما وجدته في النسخة التي نقلت منها.... إن شاء الله أن عليه بل كتابة بغير تحيز، ومن أراد تحصيله العبد الفقير إلى الله علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري في ربيع الأول سنة وستمائة، «١» وهو يتوسل إلى الله ﷿ بجاه محمد ﷺ أن يجعله من المتقين حتى يتوفاه على ذلك ويبعث عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم بحمد الله
_________
(١) المتوفي سنة ٦٨٤ هـ. شوزت الذهب ٥: ٣٨٨
Translation
دعواهم أن رسول الله ﵊ كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله