Back to the aqeedah library
160 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi الروح ط دار الفكر العربي
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Ibn Qayyim al-Jawziyya (ابن القيم الجوزية
160
Total sections
160 chapters
#41
Chapter 41 — المسألة السادسة عشرة
· ref. #41
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
عرفهَا كَمَا يَنْبَغِي شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك كُله وَله الْحَمد كُله وَبِيَدِهِ الْخَيْر كُله وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله وَله الْقُوَّة كلهَا وَالْقُدْرَة كلهَا والعز كُله وَالْحكمَة كلهَا والكمال الْمُطلق من جَمِيع الْوُجُوه وَعرف بِمَعْرِفَة نَفسه صدق أنبيائه وَرُسُله وَأَن الَّذِي جَاءُوا بِهِ هُوَ الْحق الَّذِي تشهد بِهِ الْعُقُول وتقر بِهِ الْفطر وَمَا خَالفه هُوَ الْبَاطِل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة
وَهِي هَل تنْتَفع أَرْوَاح الْمَوْتَى بِشَيْء من سعى الْأَحْيَاء أم لَا
فَالْجَوَاب أَنَّهَا تنْتَفع من سعى الْأَحْيَاء بأمرين مجمع عَلَيْهِمَا بَين أهل السّنة من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالتَّفْسِير
أَحدهمَا مَا تسبب إِلَيْهِ الْمَيِّت فِي حَيَاته
وَالثَّانِي دُعَاء الْمُسلمين لَهُ واستغفارهم لَهُ وَالصَّدَقَة وَالْحج على نزاع مَا الَّذِي يصل من ثَوَابه هَل ثَوَاب الْإِنْفَاق أَو ثَوَاب الْعَمَل فَعِنْدَ الْجُمْهُور يصل ثَوَاب الْعَمَل نَفسه وَعند بعض الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يصل ثَوَاب الْإِنْفَاق
وَاخْتلفُوا فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فمذهب الإِمَام أَحْمد وَجُمْهُور السّلف وصولها وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أَبى حنيفَة نَص على هَذَا الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ قيل لأبى عبد الله الرجل يعْمل الشَّيْء من الْخَيْر من صَلَاة أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك فَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ أَو لأمه قَالَ أَرْجُو أَو قَالَ الْمَيِّت يصل إِلَيْهِ كل شَيْء من صَدَقَة أَو غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا اقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ ثَلَاث مَرَّات وَقل هُوَ الله أحد وَقل اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر
وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك أَن ذَلِك لَا يصل
وَذهب بعض أهل الْبدع من أهل الْكَلَام أَنه لَا يصل إِلَى الْمَيِّت شَيْء الْبَتَّةَ لادعاء وَلَا غَيره
فالدليل على انتفاعه بِمَا تسبب إِلَيْهِ فِي حَيَاته مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صحيه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ فاستثناء هَذِه الثَّلَاث من عمله يدل على أَنَّهَا مِنْهُ فانه هُوَ الَّذِي تسبب إِلَيْهَا
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة
وَهِي هَل تنْتَفع أَرْوَاح الْمَوْتَى بِشَيْء من سعى الْأَحْيَاء أم لَا
فَالْجَوَاب أَنَّهَا تنْتَفع من سعى الْأَحْيَاء بأمرين مجمع عَلَيْهِمَا بَين أهل السّنة من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالتَّفْسِير
أَحدهمَا مَا تسبب إِلَيْهِ الْمَيِّت فِي حَيَاته
وَالثَّانِي دُعَاء الْمُسلمين لَهُ واستغفارهم لَهُ وَالصَّدَقَة وَالْحج على نزاع مَا الَّذِي يصل من ثَوَابه هَل ثَوَاب الْإِنْفَاق أَو ثَوَاب الْعَمَل فَعِنْدَ الْجُمْهُور يصل ثَوَاب الْعَمَل نَفسه وَعند بعض الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يصل ثَوَاب الْإِنْفَاق
وَاخْتلفُوا فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فمذهب الإِمَام أَحْمد وَجُمْهُور السّلف وصولها وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أَبى حنيفَة نَص على هَذَا الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ قيل لأبى عبد الله الرجل يعْمل الشَّيْء من الْخَيْر من صَلَاة أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك فَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ أَو لأمه قَالَ أَرْجُو أَو قَالَ الْمَيِّت يصل إِلَيْهِ كل شَيْء من صَدَقَة أَو غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا اقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ ثَلَاث مَرَّات وَقل هُوَ الله أحد وَقل اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر
وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك أَن ذَلِك لَا يصل
وَذهب بعض أهل الْبدع من أهل الْكَلَام أَنه لَا يصل إِلَى الْمَيِّت شَيْء الْبَتَّةَ لادعاء وَلَا غَيره
فالدليل على انتفاعه بِمَا تسبب إِلَيْهِ فِي حَيَاته مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صحيه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ فاستثناء هَذِه الثَّلَاث من عمله يدل على أَنَّهَا مِنْهُ فانه هُوَ الَّذِي تسبب إِلَيْهَا
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله
Translation
المسألة السادسة عشرة
#42
Chapter 42 — فصل والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن والسنة والإجماع
· ref. #42
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
إِنَّمَا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره أَو ولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا وَرثهُ أَو مَسْجِدا بناه أَو بَيْتا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا إِكْرَاه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى روى عَن النَّبِي من عدَّة وُجُوه صِحَاح وَحسان
وَفِي الْمسند عَن حُذَيْفَة قَالَ سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله فامسك الْقَوْم ثمَّ أَن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ النَّبِي من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمن أجور من تبعه غير منتقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شَيْئا
وَقد دلّ على هَذَا قَوْله لَا تقتل نفس ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَفِي الْفضل وَالثَّوَاب أولى وَأَحْرَى
فصل وَالدَّلِيل على انتفاعه بِغَيْر مَا تسبب فِيهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وقواعد الشَّرْع
أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ فَأثْنى الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم باستغفارهم للْمُؤْمِنين قبلهم فَدلَّ على انتفاعهم باستغفار الْأَحْيَاء
وَقد يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا انتفعوا باستغفارهم لأَنهم سنوا لَهُم الْإِيمَان بسبقهم إِلَيْهِ فَلَمَّا اتَّبَعُوهُمْ فِيهِ كَانُوا كالمستنين فِي حُصُوله لَهُم لَكِن قد دلّ على انْتِفَاع الْمَيِّت بِالدُّعَاءِ إِجْمَاع الْأمة على الدُّعَاء لَهُ فِي صَلَاة الْجِنَازَة
وَفِي السّنَن من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله إِذا صليتم على الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء
وَفِي صَحِيح مُسلم مد حَدِيث عَوْف بن مَالك قَالَ على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله وأوسع
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى روى عَن النَّبِي من عدَّة وُجُوه صِحَاح وَحسان
وَفِي الْمسند عَن حُذَيْفَة قَالَ سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله فامسك الْقَوْم ثمَّ أَن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ النَّبِي من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمن أجور من تبعه غير منتقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شَيْئا
وَقد دلّ على هَذَا قَوْله لَا تقتل نفس ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَفِي الْفضل وَالثَّوَاب أولى وَأَحْرَى
فصل وَالدَّلِيل على انتفاعه بِغَيْر مَا تسبب فِيهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وقواعد الشَّرْع
أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ فَأثْنى الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم باستغفارهم للْمُؤْمِنين قبلهم فَدلَّ على انتفاعهم باستغفار الْأَحْيَاء
وَقد يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا انتفعوا باستغفارهم لأَنهم سنوا لَهُم الْإِيمَان بسبقهم إِلَيْهِ فَلَمَّا اتَّبَعُوهُمْ فِيهِ كَانُوا كالمستنين فِي حُصُوله لَهُم لَكِن قد دلّ على انْتِفَاع الْمَيِّت بِالدُّعَاءِ إِجْمَاع الْأمة على الدُّعَاء لَهُ فِي صَلَاة الْجِنَازَة
وَفِي السّنَن من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله إِذا صليتم على الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء
وَفِي صَحِيح مُسلم مد حَدِيث عَوْف بن مَالك قَالَ على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله وأوسع
Translation
فصل والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن والسنة والإجماع
#43
Chapter 43 — فصل وأما وصول ثواب الصدقة ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن
· ref. #43
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
مدخله واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خيرا من زوجه وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب النَّار
وَفِي السّنَن عَن وائلة بن الْأَسْقَع قَالَ على رجل من الْمُسلمين فَسَمعته يَقُول اللَّهُمَّ إِن فلَانا ابْن فلَان فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فقه من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق فَاغْفِر لَهُ وارحمه إِنَّك الغفور الرَّحِيم
وَهَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث بل هُوَ الْمَقْصُود بِالصَّلَاةِ على الْمَيِّت وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُ بعد الدّفن
وَفِي السّنَن من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا لَهُ التثبيت فانه الْآن يسْأَل
وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُم عِنْد زِيَارَة قُبُورهم كَمَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث بُرَيْدَة بن الخصيب قَالَ كَانَ رَسُول الله يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر أَن يَقُولُوا السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة
وَفِي صَحِيح مُسلم أَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا سَأَلت النَّبِي كَيفَ نقُول إِذا استغفرت لأهل الْقُبُور قَالَ قولي السَّلَام على أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين وانا إِن شَاءَ الله بكم للاحقون
وَفِي صَحِيحه عَنْهَا أَيْضا أَن رَسُول الله خرج فِي لَيْلَتهَا من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وأتاكم مَا توعدون غَدا مؤجلون وانا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد
وَدُعَاء النَّبِي للأموات فعلا وتعليما وَدُعَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْمُسْلِمين عصرا بعد عصر أَكثر من أَن يذكر وَأشهر من أَن يُنكر وَقد جَاءَ ان الله يرفع دَرَجَة العَبْد فِي الْجنَّة فَيَقُول أَنى لى هَذَا فَيُقَال بِدُعَاء ولدك لَك
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّدَقَة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن
رجلا أَتَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَن أُمِّي افتلت نَفسهَا وَلم توص وأظنها لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت أفلها أجر إِن تَصَدَّقت عَنْهَا قَالَ نعم
وَفِي السّنَن عَن وائلة بن الْأَسْقَع قَالَ على رجل من الْمُسلمين فَسَمعته يَقُول اللَّهُمَّ إِن فلَانا ابْن فلَان فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فقه من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق فَاغْفِر لَهُ وارحمه إِنَّك الغفور الرَّحِيم
وَهَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث بل هُوَ الْمَقْصُود بِالصَّلَاةِ على الْمَيِّت وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُ بعد الدّفن
وَفِي السّنَن من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا لَهُ التثبيت فانه الْآن يسْأَل
وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُم عِنْد زِيَارَة قُبُورهم كَمَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث بُرَيْدَة بن الخصيب قَالَ كَانَ رَسُول الله يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر أَن يَقُولُوا السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة
وَفِي صَحِيح مُسلم أَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا سَأَلت النَّبِي كَيفَ نقُول إِذا استغفرت لأهل الْقُبُور قَالَ قولي السَّلَام على أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين وانا إِن شَاءَ الله بكم للاحقون
وَفِي صَحِيحه عَنْهَا أَيْضا أَن رَسُول الله خرج فِي لَيْلَتهَا من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وأتاكم مَا توعدون غَدا مؤجلون وانا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد
وَدُعَاء النَّبِي للأموات فعلا وتعليما وَدُعَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْمُسْلِمين عصرا بعد عصر أَكثر من أَن يذكر وَأشهر من أَن يُنكر وَقد جَاءَ ان الله يرفع دَرَجَة العَبْد فِي الْجنَّة فَيَقُول أَنى لى هَذَا فَيُقَال بِدُعَاء ولدك لَك
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّدَقَة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن
رجلا أَتَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَن أُمِّي افتلت نَفسهَا وَلم توص وأظنها لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت أفلها أجر إِن تَصَدَّقت عَنْهَا قَالَ نعم
Translation
فصل وأما وصول ثواب الصدقة ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن
#44
Chapter 44 — فصل وأما وصول ثواب الصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن
· ref. #44
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن سعد بن عبَادَة توفيت أمه وَهُوَ غَائِب عَنْهَا فَأتى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي توفيت وَأَنا غَائِب عَنْهَا فَهَل ينفعها إِن تَصَدَّقت عَنهُ قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي أشهدك أَن حائطي المخراف صَدَقَة عَنْهَا
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ان أَبى مَاتَ وَترك مَالا وَلم يوص فَهَل يكفى عَنهُ أَن أَتصدق عَنهُ قَالَ نعم
وَفِي السّنَن ومسند أَحْمد عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ يَا رَسُول الله ان أم سعد مَاتَت فأى الصَّدَقَة أفضل قَالَ المَاء فحفر بِئْر وَقَالَ هَذِه لأم سعد
وَعَن عبد الله بن عَمْرو أَن الْعَاصِ بن وَائِل نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن ينْحَر مائَة بَدَنَة وَإِن هِشَام بن الْعَاصِ نحر خَمْسَة وَخمسين وَأَن عمرا سَأَلَ النَّبِي عَن ذَلِك فَقَالَ أما أَبوك فَلَو أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت وتصدقت عَنهُ نَفعه ذَلِك رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّوْم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن
رَسُول الله قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قلا جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر أفأقضيه عَنْهَا قَالَ نعم فدين الله أَحَق أَن يقْضى
وَفِي رِوَايَة جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر أفأصوم عَنْهَا قَالَ أَفَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين فقضيته أَكَانَ يُؤدى ذَلِك عَنْهَا قَالَت نعم قَالَ فصومي عَن أمك وَهَذَا اللَّفْظ للْبُخَارِيّ وَحده تَعْلِيقا
وَعَن بُرَيْدَة رضى الله عَنهُ قَالَ بَينا أَنا جَالس عِنْد رَسُول الله إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَأَنَّهَا مَاتَت فَقَالَ وَجب أجرك وردهَا عَلَيْك الْمِيرَاث فَقَالَت يَا رَسُول الله انه كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شهر أفأصوم عَنْهَا قَالَ صومي عَنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي لفظ صَوْم شَهْرَيْن
وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة ركبت الْبَحْر فنذرت إِن الله نجاها أَن تَصُوم شهرا فنجاها الله فَلم تصم حَتَّى مَاتَت فَجَاءَت بنتهَا أَو أُخْتهَا إِلَى رَسُول الله
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ان أَبى مَاتَ وَترك مَالا وَلم يوص فَهَل يكفى عَنهُ أَن أَتصدق عَنهُ قَالَ نعم
وَفِي السّنَن ومسند أَحْمد عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ يَا رَسُول الله ان أم سعد مَاتَت فأى الصَّدَقَة أفضل قَالَ المَاء فحفر بِئْر وَقَالَ هَذِه لأم سعد
وَعَن عبد الله بن عَمْرو أَن الْعَاصِ بن وَائِل نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن ينْحَر مائَة بَدَنَة وَإِن هِشَام بن الْعَاصِ نحر خَمْسَة وَخمسين وَأَن عمرا سَأَلَ النَّبِي عَن ذَلِك فَقَالَ أما أَبوك فَلَو أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت وتصدقت عَنهُ نَفعه ذَلِك رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّوْم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن
رَسُول الله قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قلا جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر أفأقضيه عَنْهَا قَالَ نعم فدين الله أَحَق أَن يقْضى
وَفِي رِوَايَة جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر أفأصوم عَنْهَا قَالَ أَفَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين فقضيته أَكَانَ يُؤدى ذَلِك عَنْهَا قَالَت نعم قَالَ فصومي عَن أمك وَهَذَا اللَّفْظ للْبُخَارِيّ وَحده تَعْلِيقا
وَعَن بُرَيْدَة رضى الله عَنهُ قَالَ بَينا أَنا جَالس عِنْد رَسُول الله إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَأَنَّهَا مَاتَت فَقَالَ وَجب أجرك وردهَا عَلَيْك الْمِيرَاث فَقَالَت يَا رَسُول الله انه كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شهر أفأصوم عَنْهَا قَالَ صومي عَنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي لفظ صَوْم شَهْرَيْن
وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة ركبت الْبَحْر فنذرت إِن الله نجاها أَن تَصُوم شهرا فنجاها الله فَلم تصم حَتَّى مَاتَت فَجَاءَت بنتهَا أَو أُخْتهَا إِلَى رَسُول الله
Translation
فصل وأما وصول ثواب الصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن
#45
Chapter 45 — فصل وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله
· ref. #45
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فَأمرهَا أَن تَصُوم عَنْهَا رَوَاهُ أهل السّنَن وَالْإِمَام أَحْمد وَكَذَلِكَ روى عَنهُ وُصُول ثَوَاب بدل الصَّوْم وَهُوَ الاطعام
فَفِي السّنَن عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ لكل يَوْم مِسْكين رَوَاهُ الترمذى وَابْن مَاجَه قَالَ الترمذى وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر من قَوْله مَوْقُوفا
وَفِي سنَن أَبى دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِذا مرض الرجل فِي رَمَضَان وَلم يصم أطْعم عَنهُ وَلم يكن عَنهُ قَضَاء وَإِن نذر قضى عَنهُ وليه
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الْحَج فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله
عَنْهُمَا أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة جَاءَت إِلَى النَّبِي فَقَالَت إِن أُمِّي نذرت أَن تحج فَلم تحج حَتَّى مَاتَت أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته اقضوا الله فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ
وَقد تقدم حَدِيث بُرَيْدَة وَفِيه أَن أُمِّي لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا
وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِن امْرَأَة سِنَان بن سَلمَة الْجُهَنِيّ سَأَلت رَسُول الله أَن أمهَا مَاتَت وَلم تحج أفيجزىء أَن تحج عَنْهَا قَالَ نعم لَو كَانَ على أمهَا دين فقضته عَنْهَا ألم يكن يجزىء عَنْهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي عَن ابْنهَا مَاتَ وَلم يحجّ قَالَ حجى عَن ابْنك
وروى أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رجل يَا نَبِي الله ان أَبى مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ قَالَ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن قَضَاء الدّين يسْقطهُ من ذمَّته وَلَو كَانَ من أَجْنَبِي أَو من غير تركته وَقد دلّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبى قَتَادَة حَيْثُ ضمن الدينارين عَن الْمَيِّت فَلَمَّا قضاهما قَالَ لَهُ النَّبِي الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته
وَأَجْمعُوا على أَن الْحَيّ إِذا كَانَ لَهُ فِي ذمَّة الْمَيِّت حق من الْحُقُوق فأحله مِنْهُ أَنه يَنْفَعهُ وَيبرأ مِنْهُ كَمَا يسْقط من ذمَّة الْحَيّ
فَإِذا سقط من ذمَّة الْحَيّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع مَعَ إِمْكَان أَدَائِهِ لَهُ بِنَفسِهِ وَلَو لم يرض بِهِ بل
رده فسقوطه من ذمَّة الْمَيِّت بالابراء حَيْثُ لَا يتَمَكَّن من أَدَائِهِ أولى وَأَحْرَى وَإِذا انْتفع بِالْإِبْرَاءِ والإسقاط فَكَذَلِك ينْتَفع بِالْهبةِ والإهداء وَلَا فرق بَينهمَا فَإِن ثَوَاب الْعَمَل حق المهدى الْوَاهِب فَإِذا جعله للْمَيت انْتقل إِلَيْهِ كَمَا أَن مَا على الْمَيِّت من الْحُقُوق من الدّين وَغَيره هُوَ مَحْض حق الْحَيّ فَإِذا أَبرَأَهُ وصل الْإِبْرَاء إِلَيْهِ وَسقط من ذمَّته فكلاهما حق للحى فَأَي نَص أَو قِيَاس أَو قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع يُوجب وُصُول أَحدهمَا وَيمْنَع وُصُول الآخر
هَذِه النُّصُوص متظاهرة على وُصُول ثَوَاب الْأَعْمَال إِلَى الْمَيِّت إِذا فعلهَا الْحَيّ عَنهُ وَهَذَا مَحْض للْقِيَاس فَإِن الثَّوَاب حق لِلْعَامِلِ فَإِذا وهبه لِأَخِيهِ الْمُسلم لم يمْنَع من ذَلِك كَمَا لم يمْنَع من هبة مَاله فِي حَيَاته وإبرائه لَهُ من بعد مَوته
وَقد نبه النَّبِي بوصول ثَوَاب الصَّوْم الَّذِي هُوَ مُجَرّد ترك وَنِيَّة تقوم بِالْقَلْبِ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله وَلَيْسَ بِعَمَل الْجَوَارِح على وُصُول ثَوَاب الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ عمل بِاللِّسَانِ تسمعه الْأذن وتراه الْعين بطرِيق الأولى
ويوضحه أَن الصَّوْم نِيَّة مَحْضَة وكف النَّفس عَن المفطرات وَقد أوصل الله ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت فَكيف بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ عمل وَنِيَّة بل لَا تفْتَقر إِلَى النِّيَّة فوصول ثَوَاب الصَّوْم إِلَى الْمَيِّت فِيهِ تَنْبِيه على وُصُول سَائِر الْأَعْمَال
والعبادات قِسْمَانِ مَالِيَّة وبدنية وَقد نبه الشَّارِع بوصول ثَوَاب الصَّدَقَة قَالَ على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْمَالِيَّة وَنبهَ بوصول ثَوَاب الصَّوْم على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة وَأخْبر بوصول ثَوَاب الْحَج الْمركب من الْمَالِيَّة والبدنية فالأنواع الثَّلَاثَة ثَابِتَة بِالنَّصِّ وَالِاعْتِبَار وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ المانعون من الْوُصُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ أَو علم ينْتَفع بِهِ من بعد فَأخْبر أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ تسبب إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَمَا لم يكن قد تسبب إِلَيْهِ فَهُوَ مُنْقَطع عَنهُ
وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ
وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ
وَكَذَلِكَ حَدِيث أنس يرفعهُ سبع يجرى على العَبْد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم
علما أَو أكرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا صَالحا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته
وَهَذَا يدل على أَن مَا عدا ذَلِك لَا يحصل لَهُ مِنْهُ ثَوَاب وَإِلَّا لم يكن للحصر معنى
قَالُوا والإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم والأعمال لَا توجب الثَّوَاب وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد تفضل الله وإحسانه فَكيف يحِيل العَبْد على مُجَرّد الْفضل الَّذِي لَا يجب على الله بل إِن شَاءَ آتَاهُ وَإِن لم يَشَأْ لم يؤته وَهُوَ نَظِير حِوَالَة الْفَقِير على من يَرْجُو أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ وَمثل هَذَا لَا يَصح إهداؤه وهبته كصلة ترجى من ملك لَا لتحَقّق حُصُولهَا
قَالُوا وَأَيْضًا فالإيثار بِأَسْبَاب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ الإيثار بِالْقربِ فَكيف الإيثار بِنَفس الثَّوَاب الَّذِي هُوَ غَايَة إِذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وَأَحْرَى
وَكَذَلِكَ كره الإِمَام أَحْمد التَّأَخُّر عَن الصَّفّ الأول وإيثار الْغَيْر بِهِ لما فِيهِ من الرَّغْبَة عَن سَبَب الثَّوَاب قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل وَقد سُئِلَ عَن الرجل يتَأَخَّر عَن الصَّفّ الأول وَيقدم أَبَاهُ فِي مَوْضِعه قَالَ مَا يُعجبنِي هُوَ يقدر أَن يبر أَبَاهُ بِغَيْر هَذَا
قَالُوا أَيْضا لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ نقل الثَّوَاب والإهداء إِلَى الْحَيّ
وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ لهَذَا نصف الثَّوَاب وربعه وقيراط مِنْهُ
وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد قُلْتُمْ أَنه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل إِلَيْهِ فَإِذا سَاغَ لَهُ نقل الثَّوَاب فَأَي فرق بَين أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو بعده
وَأَيْضًا لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات على الْحَيّ كَمَا يسوغ إهداء ثَوَاب التطوعات الَّتِي يتَطَوَّع بهَا
قَالُوا وَإِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل الْمَأْمُور الْمنْهِي فَلَا يُبدل الْمُكَلف الممتحن بِغَيْرِهِ وَلَا يَنُوب غَيره عَنهُ فِي ذَلِك أَن الْمَقْصُود طَاعَته هُوَ نَفسه وعبوديته وَلَو كَانَ ينْتَفع بإهداء غَيره لَهُ من غير عمل مِنْهُ لَكَانَ أكْرم الأكرمين أولى بذلك وَقد حكم سُبْحَانَهُ أَنه لَا ينْتَفع إِلَّا بسعيه وَهَذِه سنته تَعَالَى فِي خلقه وقضاؤه كَمَا هِيَ سنته فِي أمره وشرعه فَإِن الْمَرِيض لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي شرب الدَّوَاء والجائع والظمآن والعاري لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي الْأكل وَالشرب واللباس قَالُوا وَلَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ
قَالُوا وَلِهَذَا لَا يقبل الله إِسْلَام أحد وَلَا صلَاته عَن صلَاته فَإِذا كَانَ رَأس الْعِبَادَات لَا يَصح إهداء ثَوَابه فَكيف فروعها
قَالُوا وَأما الدُّعَاء فَهُوَ سُؤال ورغبة إِلَى الله أَن يتفضل على الْمَيِّت ويسامحه وَيَعْفُو عَنهُ وَهَذَا إهداء ثَوَاب عمل الْحَيّ إِلَيْهِ
قَالَ المقتصرون على وُصُول الْعِبَادَات الَّتِي تدْخلهَا النِّيَابَة كالصدقة وَالْحج والعبادات نَوْعَانِ نوع لَا تدخله النِّيَابَة بِحَال كالإسلام وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصِّيَام فَهَذَا النَّوْع يخْتَص ثَوَابه بفاعله لَا يتعداه وَلَا ينْقل عَنهُ كَمَا أَنه فِي الْحَيَاة لَا يَفْعَله أحد عَن أحد وَلَا يَنُوب فِيهِ عَن فَاعله غَيره
وَنَوع تدخله النِّيَابَة كرد الودائع وَأَدَاء الدُّيُون وَإِخْرَاج الصَّدَقَة وَالْحج فَهَذَا يصل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت لِأَنَّهُ يقبل النِّيَابَة ويفعله العَبْد عَن غَيره فِي حَيَاته فَبعد مَوته بِالطَّرِيقِ الأولى والأحرى
قَالُوا وَأما حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا مَا قَالَه مَالك فِي موطئِهِ قَالَ لَا يَصُوم أحد عَن أحد قَالَ وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ عندنَا لَا خلاف فِيهِ الثَّانِي أَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا هُوَ الَّذِي روى حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد روى عَنهُ النَّسَائِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد
الثَّالِث أَنه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده هَكَذَا قَالَ صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم
الرَّابِع أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن كَمَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾
الْخَامِس أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي أَنه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مدا من حِنْطَة
السَّادِس أَنه معَارض بِحَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ
السَّابِع أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فان أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد قَالَ الشَّافِعِي فِيمَا تكلم بِهِ على خبر ابْن عَبَّاس لم يسم ابْن عَبَّاس مَا كَانَ نذر أم سعد فَاحْتمل أَن يكون نذر حج أَو عمْرَة أَو صَدَقَة فَأمره بِقَضَائِهِ عَنْهَا فَأَما من نذر صَلَاة أَو صياما ثمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يكفر عَنهُ فِي الصَّوْم وَلَا يصام عَنهُ وَلَا يصلى عَنهُ وَلَا يكفر عَنهُ فِي الصَّلَاة ثمَّ قَالَ فَإِن قيل أفأروى عَن رَسُول الله أَمر أحد أَن يَصُوم عَن أحد قيل نعم روى ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي فَإِن قيل فَلم لَا تَأْخُذ بِهِ قيل حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي نذرا وَلم يسمعهُ مَعَ حفظ الزُّهْرِيّ وَطول مجالسه عبيد الله لِابْنِ عَبَّاس فَلَمَّا جَاءَ غَيره عَن رجل عَن ابْن عَبَّاس بِغَيْر مَا فِي حَدِيث عبيد الله أشبه أَن لَا يكون مَحْفُوظًا فَإِن قيل فتعرف الرجل الَّذِي جَاءَ بِهَذَا الحَدِيث يغلط عَن ابْن عَبَّاس قيل نعم روى أَصْحَاب ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لِابْنِ الزبير أَن الزبير حل من مُتْعَة الْحَج فروى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا مُتْعَة النِّسَاء وَهَذَا غلط فَاحش
فَهَذَا الْجَواب عَن فعل الصَّوْم وَأما فعل الْحَج فَإِنَّمَا يصل مِنْهُ ثَوَاب الْإِنْفَاق وَأما أَفعَال الْمَنَاسِك فَهِيَ كأفعال الصَّلَاة إِنَّمَا تقع عَن فاعلها
قَالَ أَصْحَاب الْوُصُول لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرْتُمْ مَا يُعَارض أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة وَمُقْتَضى قَوَاعِد الشَّرْع وَنحن نجيب عَن كل مَا ذكرتموه بِالْعَدْلِ والإنصاف
أما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ فقد اخْتلفت طرق النَّاس فِي المُرَاد بِالْآيَةِ فَقَالَت طَائِفَة المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْكَافِر وَأما الْمُؤمن فَلهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ بالأدلة الَّتِي ذَكرنَاهَا قَالُوا وَغَايَة مَا فِي هَذَا التَّخْصِيص وَهُوَ جَائِز إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل
وَهَذَا الْجَواب ضَعِيف جدا وَمثل هَذَا الْعَام لَا يُرَاد بِهِ الْكَافِر وَحده بل هُوَ للْمُسلمِ وَالْكَافِر وَهُوَ كالعام الَّذِي قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى
والسياق كُله من أَوله إِلَى آخِره كَالصَّرِيحِ فِي إِرَادَة الْعُمُوم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ وَهَذَا يعم الشَّرّ وَالْخَيْر قطعا ويتناول الْبر والفاجر وَالْمُؤمن وَالْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَكَقَوْلِه لَهُ فِي الحَدِيث الإلهي يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ وَلَا تغتر بقود كثير من الْمُفَسّرين فِي لفظ الْإِنْسَان فِي
الْقُرْآن الْإِنْسَان هَا هُنَا أَبُو جهل وَالْإِنْسَان هَا هُنَا عقبَة ابْن أَبى معيط وَالْإِنْسَان هَاهُنَا الْوَلِيد ابْن الْمُغيرَة فالقرآن أجل من ذَلِك بل الْإِنْسَان هُوَ الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ من غير اخْتِصَاص بِوَاحِد بِعَيْنِه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار﴾ و﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ فَهَذَا شَأْن الْإِنْسَان من حَيْثُ ذَاته وَنَفسه وَخُرُوجه عَن هَذِه الصِّفَات بِفضل ربه وتوفيقه لَهُ ومنته عَلَيْهِ لَا من ذَاته فَلَيْسَ لَهُ من ذَاته إِلَّا هَذِه الصِّفَات وَمَا بِهِ من نعْمَة فَمن الله وَحده فَهُوَ الذى حبب إِلَى عَبده الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَكره إِلَيْهِ الْكفْر والفسوق والعصيان وَهُوَ الَّذِي كتب فِي قلبه الْإِيمَان وَهُوَ الَّذِي يثبت أنبياءه وَرُسُله وأولياءه على دينه وَهُوَ الَّذِي يصرف عَنْهُم السوء والفحشاء وَكَانَ يرتجز بَين يَدي النَّبِي
وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين فَهُوَ رب جَمِيع الْعَالم ربوبية شَامِلَة لجَمِيع مَا فِي الْعَالم من ذَوَات وأفعال وأحوال
وَقَالَت طَائِفَة الْآيَة أَخْبَار بشرع من قبلنَا وَقد دلّ شرعنا على أَنه لَهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا أَضْعَف من الأول أَو من جنسه فان الله سُبْحَانَهُ أخبر بذلك أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ لَا أَخْبَار مُبْطل لَهُ وَلِهَذَا قَالَ ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى﴾ فَلَو كَانَ هَذَا بَاطِلا فِي هَذِه الشَّرِيعَة لم يخبر بِهِ أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ
وَقَالَت طَائِفَة اللَّام بِمَعْنى على أَي وَلَيْسَ على الْإِنْسَان إِلَّا مَا سعى وَهَذَا أبطل من الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين فَإِنَّهُ قَول مَوْضُوع الْكَلَام إِلَى ضد مَعْنَاهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ وَلَا يسوغ مثل هَذَا وَلَا تحتمله اللُّغَة وَأما نَحْو وَلَهُم اللَّعْنَة فَهِيَ على بَابهَا أَي نصِيبهم وحظهم وَأما أَن الْعَرَب تعرف فِي لغاتها لي دِرْهَم بِمَعْنى على دِرْهَم فكلا
وَقَالَت طَائِفَة فِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ أَو سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فَإِنَّهُ حذف مَالا يدل السِّيَاق عَلَيْهِ بِوَجْه وَقَول على الله وَكتابه بِلَا علم
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَهَذَا مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا
وَلَا يرفع حكم الْآيَة بِمُجَرَّد قَول ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَلَا غَيره أَنَّهَا مَنْسُوخَة والجميع بَين الْآيَتَيْنِ غير مُتَعَذر وَلَا مُمْتَنع فَإِن الْأَبْنَاء تبعوا الْآبَاء فِي الْآخِرَة كَمَا كَانُوا تبعا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَهَذِه التّبعِيَّة هِيَ من كَرَامَة الْآبَاء وثوابهم الَّذِي نالوه بسعيهم وَأما كَون الْأَبْنَاء لَحِقُوا بهم فِي الدرجَة بِلَا سعى مِنْهُم فَهَذَا لَيْسَ هُوَ لَهُم وَإِنَّمَا هُوَ للآباء أقرّ الله أَعينهم بإلحاق ذُرِّيتهمْ بهم فِي الْجنَّة وتفضل على الْأَبْنَاء بِشَيْء لم يكن لَهُم كَمَا تفضل بذلك على الْوَالِدَان والحور الْعين والخلق ألذين ينشئهم للجنة بِغَيْر أَعمال وَالْقَوْم الَّذين يدخلهم الْجنَّة بِلَا خير قدموه وَلَا عمل عملوه فَقَوله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَقَوله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تَعَالَى وحكمته وكما لَهُ الْمُقَدّس وَالْعقل والفطرة شَاهِدَانِ بهما فَالْأول تَقْتَضِي أَنه لَا يُعَاقب بجرم غَيره وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَنه لَا يفلح إِلَّا بِعَمَلِهِ وسعيه فَالْأولى تؤمن العَبْد من أَخذه بجريرة غَيره كَمَا يَفْعَله مُلُوك الدُّنْيَا وَالثَّانيَِة تقطع طمعه من نجاته بِعَمَل آبَائِهِ وسلفه ومشايخه كَمَا عَلَيْهِ أَصْحَاب الطمع الْكَاذِب فَتَأمل حسن اجْتِمَاع هَاتين الْآيَتَيْنِ
وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فَحكم سُبْحَانَهُ لأعدائه بأَرْبعَة أَحْكَام هِيَ غَايَة الْعدْل وَالْحكمَة
أَحدهَا إِن هدى الْعباد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح لنَفسِهِ لَا لغيره
الثَّانِي أَن ضلاله بِفَوَات ذَلِك وتخلفه عَنهُ على نَفسه لَا على غَيره
الثَّالِث أَن أحدا لَا يُؤَاخذ بجريرة غَيره
الرَّابِع أَنه لَا يعذب أحدا إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ يُرْسِلهُ فَتَأمل مَا فِي ضمن هَذِه الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة من حكمته تَعَالَى وعدله وفضله وَالرَّدّ على أهل الْغرُور والأطماع الكاذبة وعَلى أهل الْجَهْل بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْحَيّ دون الْمَيِّت وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فِي الْفساد
وَهَذَا كُله من سوء التَّصَرُّف فِي اللَّفْظ الْعَام وَصَاحب هَذَا التَّصَرُّف لَا ينفذ تصرفه فِي دلالات الْأَلْفَاظ وَحملهَا على خلاف موضوعها وَمَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن مِنْهَا وَهُوَ تصرف فَاسد قطعا يُبطلهُ السِّيَاق وَالِاعْتِبَار وقواعد الشَّرْع وأدلته وعرفه وَسبب هَذَا التَّصَرُّف السيىء أَن صَاحبه يعْتَقد قولا ثمَّ يرد كلما دلّ على خِلَافه بِأَيّ طَرِيق اتّفقت لَهُ فالأدلة الْمُخَالفَة لما
اعتقده عِنْده من بَاب الصَّائِل لَا يُبَالِي بِأَيّ شَيْء دَفعه وأدلة الْحق لَا تتعارض وَلَا تتناقض بل يصدق بَعْضهَا بَعْضًا
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى وَهُوَ جَوَاب أَبى الْوَفَاء بن عقيل قَالَ الْجَواب الْجيد عِنْدِي إِن يُقَال الْإِنْسَان بسعيه وَحسن عشرته اكْتسب الأصدقاء وأولد الْأَوْلَاد ونكح الْأزْوَاج وأسدى الْخَيْر وتودد إِلَى النَّاس فترحموا عَلَيْهِ وأهدوا لَهُ الْعِبَادَات وَكَانَ ذَلِك أثر سَعْيه كَمَا قَالَ إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه وان وَلَده من كَسبه وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث علم ينْتَفع بِهِ من بعده وَصدقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَمن هُنَا قَول الشَّافِعِي إِذا بذل لَهُ وَلَده طَاعَة الْحَج كَانَ ذَلِك سَببا لوُجُوب الْحَج عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ فِي مَاله زَاد وراحلة بِخِلَاف بذل الْأَجْنَبِيّ
وَهَذَا جَوَاب متوسط يحْتَاج إِلَى تَمام فَإِن العَبْد بإيمانه وطاعته لله وَرَسُوله قد سعى فِي انتفاعه بِعَمَل إخوانه الْمُؤمنِينَ مَعَ عمله كَمَا ينْتَفع بعملهم فِي الْحَيَاة مَعَ عمله فَإِن الْمُؤمنِينَ ينْتَفع بَعضهم بِعَمَل بعض فِي الْأَعْمَال الَّتِي يشتركون فِيهَا كَالصَّلَاةِ فِي جمَاعَة فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم تضَاعف صلَاته إِلَى سَبْعَة وَعشْرين ضعفا لمشاركة غَيره لَهُ فِي الصَّلَاة فَعمل غَيره كَانَ سَببا لزِيَادَة أجره كَمَا أَن عمله سَبَب لزِيَادَة أجر الآخر بل قد قيل إِن الصَّلَاة يُضَاعف ثَوَابهَا يعدد الْمُصَلِّين وَكَذَلِكَ اشتراكهم فِي الْجِهَاد وَالْحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والتعاون على الْبر وَالتَّقوى وَقد قَالَ النَّبِي الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا وَشَبك بَين أَصَابِعه وَمَعْلُوم أَن هَذَا بِأُمُور الدّين أولى مِنْهُ بِأُمُور الدُّنْيَا فدخول الْمُسلم مَعَ جملَة الْمُسلمين فِي عقد الْإِسْلَام من أعظم الْأَسْبَاب فِي وُصُول نفع كل من الْمُسلمين إِلَى صَاحبه فِي حَيَاته وَبعد مماته ودعوة الْمُسلمين تحيط من ورائهم وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن حَملَة الْعَرْش وَمن حوله أَنهم يَسْتَغْفِرُونَ للْمُؤْمِنين وَيدعونَ لَهُم وَاخْبَرْ عَن دُعَاء رسله واستغفارهم للْمُؤْمِنين كنوح وَإِبْرَاهِيم وَمُحَمّد فَالْعَبْد بإيمانه قد تسبب إِلَى وُصُول هَذَا الدُّعَاء إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ من سَعْيه يُوضحهُ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِيمَان سَببا لانتفاع صَاحبه بِدُعَاء إخوانه من الْمُؤمنِينَ وسعيهم فَإِذا أَتَى بِهِ فقد سعى فِي السَّبَب الَّذِي يُوصل إِلَيْهِ وَقد دلّ على ذَلِك قَول النَّبِي لعَمْرو بن الْعَاصِ إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ نَفعه ذَلِك يعْنى الْعتْق الَّذِي فعل عَنهُ بعد مَوته فَلَو أَتَى بِالسَّبَبِ لَكَانَ قد سعى فِي يعْمل يُوصل إِلَيْهِ ثَوَاب الْعتْق وَهَذِه طَريقَة لَطِيفَة حَسَنَة جدا
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْقُرْآن لم ينف انْتِفَاع الرجل بسعي غَيره وَإِنَّمَا نفي ملكه لغير سَعْيه
فَفِي السّنَن عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ لكل يَوْم مِسْكين رَوَاهُ الترمذى وَابْن مَاجَه قَالَ الترمذى وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر من قَوْله مَوْقُوفا
وَفِي سنَن أَبى دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِذا مرض الرجل فِي رَمَضَان وَلم يصم أطْعم عَنهُ وَلم يكن عَنهُ قَضَاء وَإِن نذر قضى عَنهُ وليه
فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الْحَج فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله
عَنْهُمَا أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة جَاءَت إِلَى النَّبِي فَقَالَت إِن أُمِّي نذرت أَن تحج فَلم تحج حَتَّى مَاتَت أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته اقضوا الله فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ
وَقد تقدم حَدِيث بُرَيْدَة وَفِيه أَن أُمِّي لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا
وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِن امْرَأَة سِنَان بن سَلمَة الْجُهَنِيّ سَأَلت رَسُول الله أَن أمهَا مَاتَت وَلم تحج أفيجزىء أَن تحج عَنْهَا قَالَ نعم لَو كَانَ على أمهَا دين فقضته عَنْهَا ألم يكن يجزىء عَنْهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي عَن ابْنهَا مَاتَ وَلم يحجّ قَالَ حجى عَن ابْنك
وروى أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رجل يَا نَبِي الله ان أَبى مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ قَالَ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن قَضَاء الدّين يسْقطهُ من ذمَّته وَلَو كَانَ من أَجْنَبِي أَو من غير تركته وَقد دلّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبى قَتَادَة حَيْثُ ضمن الدينارين عَن الْمَيِّت فَلَمَّا قضاهما قَالَ لَهُ النَّبِي الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته
وَأَجْمعُوا على أَن الْحَيّ إِذا كَانَ لَهُ فِي ذمَّة الْمَيِّت حق من الْحُقُوق فأحله مِنْهُ أَنه يَنْفَعهُ وَيبرأ مِنْهُ كَمَا يسْقط من ذمَّة الْحَيّ
فَإِذا سقط من ذمَّة الْحَيّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع مَعَ إِمْكَان أَدَائِهِ لَهُ بِنَفسِهِ وَلَو لم يرض بِهِ بل
رده فسقوطه من ذمَّة الْمَيِّت بالابراء حَيْثُ لَا يتَمَكَّن من أَدَائِهِ أولى وَأَحْرَى وَإِذا انْتفع بِالْإِبْرَاءِ والإسقاط فَكَذَلِك ينْتَفع بِالْهبةِ والإهداء وَلَا فرق بَينهمَا فَإِن ثَوَاب الْعَمَل حق المهدى الْوَاهِب فَإِذا جعله للْمَيت انْتقل إِلَيْهِ كَمَا أَن مَا على الْمَيِّت من الْحُقُوق من الدّين وَغَيره هُوَ مَحْض حق الْحَيّ فَإِذا أَبرَأَهُ وصل الْإِبْرَاء إِلَيْهِ وَسقط من ذمَّته فكلاهما حق للحى فَأَي نَص أَو قِيَاس أَو قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع يُوجب وُصُول أَحدهمَا وَيمْنَع وُصُول الآخر
هَذِه النُّصُوص متظاهرة على وُصُول ثَوَاب الْأَعْمَال إِلَى الْمَيِّت إِذا فعلهَا الْحَيّ عَنهُ وَهَذَا مَحْض للْقِيَاس فَإِن الثَّوَاب حق لِلْعَامِلِ فَإِذا وهبه لِأَخِيهِ الْمُسلم لم يمْنَع من ذَلِك كَمَا لم يمْنَع من هبة مَاله فِي حَيَاته وإبرائه لَهُ من بعد مَوته
وَقد نبه النَّبِي بوصول ثَوَاب الصَّوْم الَّذِي هُوَ مُجَرّد ترك وَنِيَّة تقوم بِالْقَلْبِ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله وَلَيْسَ بِعَمَل الْجَوَارِح على وُصُول ثَوَاب الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ عمل بِاللِّسَانِ تسمعه الْأذن وتراه الْعين بطرِيق الأولى
ويوضحه أَن الصَّوْم نِيَّة مَحْضَة وكف النَّفس عَن المفطرات وَقد أوصل الله ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت فَكيف بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ عمل وَنِيَّة بل لَا تفْتَقر إِلَى النِّيَّة فوصول ثَوَاب الصَّوْم إِلَى الْمَيِّت فِيهِ تَنْبِيه على وُصُول سَائِر الْأَعْمَال
والعبادات قِسْمَانِ مَالِيَّة وبدنية وَقد نبه الشَّارِع بوصول ثَوَاب الصَّدَقَة قَالَ على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْمَالِيَّة وَنبهَ بوصول ثَوَاب الصَّوْم على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة وَأخْبر بوصول ثَوَاب الْحَج الْمركب من الْمَالِيَّة والبدنية فالأنواع الثَّلَاثَة ثَابِتَة بِالنَّصِّ وَالِاعْتِبَار وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ المانعون من الْوُصُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ أَو علم ينْتَفع بِهِ من بعد فَأخْبر أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ تسبب إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَمَا لم يكن قد تسبب إِلَيْهِ فَهُوَ مُنْقَطع عَنهُ
وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ
وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ
وَكَذَلِكَ حَدِيث أنس يرفعهُ سبع يجرى على العَبْد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم
علما أَو أكرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا صَالحا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته
وَهَذَا يدل على أَن مَا عدا ذَلِك لَا يحصل لَهُ مِنْهُ ثَوَاب وَإِلَّا لم يكن للحصر معنى
قَالُوا والإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم والأعمال لَا توجب الثَّوَاب وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد تفضل الله وإحسانه فَكيف يحِيل العَبْد على مُجَرّد الْفضل الَّذِي لَا يجب على الله بل إِن شَاءَ آتَاهُ وَإِن لم يَشَأْ لم يؤته وَهُوَ نَظِير حِوَالَة الْفَقِير على من يَرْجُو أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ وَمثل هَذَا لَا يَصح إهداؤه وهبته كصلة ترجى من ملك لَا لتحَقّق حُصُولهَا
قَالُوا وَأَيْضًا فالإيثار بِأَسْبَاب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ الإيثار بِالْقربِ فَكيف الإيثار بِنَفس الثَّوَاب الَّذِي هُوَ غَايَة إِذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وَأَحْرَى
وَكَذَلِكَ كره الإِمَام أَحْمد التَّأَخُّر عَن الصَّفّ الأول وإيثار الْغَيْر بِهِ لما فِيهِ من الرَّغْبَة عَن سَبَب الثَّوَاب قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل وَقد سُئِلَ عَن الرجل يتَأَخَّر عَن الصَّفّ الأول وَيقدم أَبَاهُ فِي مَوْضِعه قَالَ مَا يُعجبنِي هُوَ يقدر أَن يبر أَبَاهُ بِغَيْر هَذَا
قَالُوا أَيْضا لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ نقل الثَّوَاب والإهداء إِلَى الْحَيّ
وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ لهَذَا نصف الثَّوَاب وربعه وقيراط مِنْهُ
وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد قُلْتُمْ أَنه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل إِلَيْهِ فَإِذا سَاغَ لَهُ نقل الثَّوَاب فَأَي فرق بَين أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو بعده
وَأَيْضًا لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات على الْحَيّ كَمَا يسوغ إهداء ثَوَاب التطوعات الَّتِي يتَطَوَّع بهَا
قَالُوا وَإِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل الْمَأْمُور الْمنْهِي فَلَا يُبدل الْمُكَلف الممتحن بِغَيْرِهِ وَلَا يَنُوب غَيره عَنهُ فِي ذَلِك أَن الْمَقْصُود طَاعَته هُوَ نَفسه وعبوديته وَلَو كَانَ ينْتَفع بإهداء غَيره لَهُ من غير عمل مِنْهُ لَكَانَ أكْرم الأكرمين أولى بذلك وَقد حكم سُبْحَانَهُ أَنه لَا ينْتَفع إِلَّا بسعيه وَهَذِه سنته تَعَالَى فِي خلقه وقضاؤه كَمَا هِيَ سنته فِي أمره وشرعه فَإِن الْمَرِيض لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي شرب الدَّوَاء والجائع والظمآن والعاري لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي الْأكل وَالشرب واللباس قَالُوا وَلَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ
قَالُوا وَلِهَذَا لَا يقبل الله إِسْلَام أحد وَلَا صلَاته عَن صلَاته فَإِذا كَانَ رَأس الْعِبَادَات لَا يَصح إهداء ثَوَابه فَكيف فروعها
قَالُوا وَأما الدُّعَاء فَهُوَ سُؤال ورغبة إِلَى الله أَن يتفضل على الْمَيِّت ويسامحه وَيَعْفُو عَنهُ وَهَذَا إهداء ثَوَاب عمل الْحَيّ إِلَيْهِ
قَالَ المقتصرون على وُصُول الْعِبَادَات الَّتِي تدْخلهَا النِّيَابَة كالصدقة وَالْحج والعبادات نَوْعَانِ نوع لَا تدخله النِّيَابَة بِحَال كالإسلام وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصِّيَام فَهَذَا النَّوْع يخْتَص ثَوَابه بفاعله لَا يتعداه وَلَا ينْقل عَنهُ كَمَا أَنه فِي الْحَيَاة لَا يَفْعَله أحد عَن أحد وَلَا يَنُوب فِيهِ عَن فَاعله غَيره
وَنَوع تدخله النِّيَابَة كرد الودائع وَأَدَاء الدُّيُون وَإِخْرَاج الصَّدَقَة وَالْحج فَهَذَا يصل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت لِأَنَّهُ يقبل النِّيَابَة ويفعله العَبْد عَن غَيره فِي حَيَاته فَبعد مَوته بِالطَّرِيقِ الأولى والأحرى
قَالُوا وَأما حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا مَا قَالَه مَالك فِي موطئِهِ قَالَ لَا يَصُوم أحد عَن أحد قَالَ وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ عندنَا لَا خلاف فِيهِ الثَّانِي أَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا هُوَ الَّذِي روى حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد روى عَنهُ النَّسَائِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد
الثَّالِث أَنه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده هَكَذَا قَالَ صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم
الرَّابِع أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن كَمَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾
الْخَامِس أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي أَنه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مدا من حِنْطَة
السَّادِس أَنه معَارض بِحَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ
السَّابِع أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فان أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد قَالَ الشَّافِعِي فِيمَا تكلم بِهِ على خبر ابْن عَبَّاس لم يسم ابْن عَبَّاس مَا كَانَ نذر أم سعد فَاحْتمل أَن يكون نذر حج أَو عمْرَة أَو صَدَقَة فَأمره بِقَضَائِهِ عَنْهَا فَأَما من نذر صَلَاة أَو صياما ثمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يكفر عَنهُ فِي الصَّوْم وَلَا يصام عَنهُ وَلَا يصلى عَنهُ وَلَا يكفر عَنهُ فِي الصَّلَاة ثمَّ قَالَ فَإِن قيل أفأروى عَن رَسُول الله أَمر أحد أَن يَصُوم عَن أحد قيل نعم روى ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي فَإِن قيل فَلم لَا تَأْخُذ بِهِ قيل حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي نذرا وَلم يسمعهُ مَعَ حفظ الزُّهْرِيّ وَطول مجالسه عبيد الله لِابْنِ عَبَّاس فَلَمَّا جَاءَ غَيره عَن رجل عَن ابْن عَبَّاس بِغَيْر مَا فِي حَدِيث عبيد الله أشبه أَن لَا يكون مَحْفُوظًا فَإِن قيل فتعرف الرجل الَّذِي جَاءَ بِهَذَا الحَدِيث يغلط عَن ابْن عَبَّاس قيل نعم روى أَصْحَاب ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لِابْنِ الزبير أَن الزبير حل من مُتْعَة الْحَج فروى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا مُتْعَة النِّسَاء وَهَذَا غلط فَاحش
فَهَذَا الْجَواب عَن فعل الصَّوْم وَأما فعل الْحَج فَإِنَّمَا يصل مِنْهُ ثَوَاب الْإِنْفَاق وَأما أَفعَال الْمَنَاسِك فَهِيَ كأفعال الصَّلَاة إِنَّمَا تقع عَن فاعلها
قَالَ أَصْحَاب الْوُصُول لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرْتُمْ مَا يُعَارض أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة وَمُقْتَضى قَوَاعِد الشَّرْع وَنحن نجيب عَن كل مَا ذكرتموه بِالْعَدْلِ والإنصاف
أما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ فقد اخْتلفت طرق النَّاس فِي المُرَاد بِالْآيَةِ فَقَالَت طَائِفَة المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْكَافِر وَأما الْمُؤمن فَلهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ بالأدلة الَّتِي ذَكرنَاهَا قَالُوا وَغَايَة مَا فِي هَذَا التَّخْصِيص وَهُوَ جَائِز إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل
وَهَذَا الْجَواب ضَعِيف جدا وَمثل هَذَا الْعَام لَا يُرَاد بِهِ الْكَافِر وَحده بل هُوَ للْمُسلمِ وَالْكَافِر وَهُوَ كالعام الَّذِي قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى
والسياق كُله من أَوله إِلَى آخِره كَالصَّرِيحِ فِي إِرَادَة الْعُمُوم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ وَهَذَا يعم الشَّرّ وَالْخَيْر قطعا ويتناول الْبر والفاجر وَالْمُؤمن وَالْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَكَقَوْلِه لَهُ فِي الحَدِيث الإلهي يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ وَلَا تغتر بقود كثير من الْمُفَسّرين فِي لفظ الْإِنْسَان فِي
الْقُرْآن الْإِنْسَان هَا هُنَا أَبُو جهل وَالْإِنْسَان هَا هُنَا عقبَة ابْن أَبى معيط وَالْإِنْسَان هَاهُنَا الْوَلِيد ابْن الْمُغيرَة فالقرآن أجل من ذَلِك بل الْإِنْسَان هُوَ الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ من غير اخْتِصَاص بِوَاحِد بِعَيْنِه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ و﴿إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار﴾ و﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ فَهَذَا شَأْن الْإِنْسَان من حَيْثُ ذَاته وَنَفسه وَخُرُوجه عَن هَذِه الصِّفَات بِفضل ربه وتوفيقه لَهُ ومنته عَلَيْهِ لَا من ذَاته فَلَيْسَ لَهُ من ذَاته إِلَّا هَذِه الصِّفَات وَمَا بِهِ من نعْمَة فَمن الله وَحده فَهُوَ الذى حبب إِلَى عَبده الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَكره إِلَيْهِ الْكفْر والفسوق والعصيان وَهُوَ الَّذِي كتب فِي قلبه الْإِيمَان وَهُوَ الَّذِي يثبت أنبياءه وَرُسُله وأولياءه على دينه وَهُوَ الَّذِي يصرف عَنْهُم السوء والفحشاء وَكَانَ يرتجز بَين يَدي النَّبِي
وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين فَهُوَ رب جَمِيع الْعَالم ربوبية شَامِلَة لجَمِيع مَا فِي الْعَالم من ذَوَات وأفعال وأحوال
وَقَالَت طَائِفَة الْآيَة أَخْبَار بشرع من قبلنَا وَقد دلّ شرعنا على أَنه لَهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا أَضْعَف من الأول أَو من جنسه فان الله سُبْحَانَهُ أخبر بذلك أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ لَا أَخْبَار مُبْطل لَهُ وَلِهَذَا قَالَ ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى﴾ فَلَو كَانَ هَذَا بَاطِلا فِي هَذِه الشَّرِيعَة لم يخبر بِهِ أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ
وَقَالَت طَائِفَة اللَّام بِمَعْنى على أَي وَلَيْسَ على الْإِنْسَان إِلَّا مَا سعى وَهَذَا أبطل من الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين فَإِنَّهُ قَول مَوْضُوع الْكَلَام إِلَى ضد مَعْنَاهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ وَلَا يسوغ مثل هَذَا وَلَا تحتمله اللُّغَة وَأما نَحْو وَلَهُم اللَّعْنَة فَهِيَ على بَابهَا أَي نصِيبهم وحظهم وَأما أَن الْعَرَب تعرف فِي لغاتها لي دِرْهَم بِمَعْنى على دِرْهَم فكلا
وَقَالَت طَائِفَة فِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ أَو سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فَإِنَّهُ حذف مَالا يدل السِّيَاق عَلَيْهِ بِوَجْه وَقَول على الله وَكتابه بِلَا علم
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَهَذَا مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا
وَلَا يرفع حكم الْآيَة بِمُجَرَّد قَول ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَلَا غَيره أَنَّهَا مَنْسُوخَة والجميع بَين الْآيَتَيْنِ غير مُتَعَذر وَلَا مُمْتَنع فَإِن الْأَبْنَاء تبعوا الْآبَاء فِي الْآخِرَة كَمَا كَانُوا تبعا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَهَذِه التّبعِيَّة هِيَ من كَرَامَة الْآبَاء وثوابهم الَّذِي نالوه بسعيهم وَأما كَون الْأَبْنَاء لَحِقُوا بهم فِي الدرجَة بِلَا سعى مِنْهُم فَهَذَا لَيْسَ هُوَ لَهُم وَإِنَّمَا هُوَ للآباء أقرّ الله أَعينهم بإلحاق ذُرِّيتهمْ بهم فِي الْجنَّة وتفضل على الْأَبْنَاء بِشَيْء لم يكن لَهُم كَمَا تفضل بذلك على الْوَالِدَان والحور الْعين والخلق ألذين ينشئهم للجنة بِغَيْر أَعمال وَالْقَوْم الَّذين يدخلهم الْجنَّة بِلَا خير قدموه وَلَا عمل عملوه فَقَوله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَقَوله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تَعَالَى وحكمته وكما لَهُ الْمُقَدّس وَالْعقل والفطرة شَاهِدَانِ بهما فَالْأول تَقْتَضِي أَنه لَا يُعَاقب بجرم غَيره وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَنه لَا يفلح إِلَّا بِعَمَلِهِ وسعيه فَالْأولى تؤمن العَبْد من أَخذه بجريرة غَيره كَمَا يَفْعَله مُلُوك الدُّنْيَا وَالثَّانيَِة تقطع طمعه من نجاته بِعَمَل آبَائِهِ وسلفه ومشايخه كَمَا عَلَيْهِ أَصْحَاب الطمع الْكَاذِب فَتَأمل حسن اجْتِمَاع هَاتين الْآيَتَيْنِ
وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فَحكم سُبْحَانَهُ لأعدائه بأَرْبعَة أَحْكَام هِيَ غَايَة الْعدْل وَالْحكمَة
أَحدهَا إِن هدى الْعباد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح لنَفسِهِ لَا لغيره
الثَّانِي أَن ضلاله بِفَوَات ذَلِك وتخلفه عَنهُ على نَفسه لَا على غَيره
الثَّالِث أَن أحدا لَا يُؤَاخذ بجريرة غَيره
الرَّابِع أَنه لَا يعذب أحدا إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ يُرْسِلهُ فَتَأمل مَا فِي ضمن هَذِه الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة من حكمته تَعَالَى وعدله وفضله وَالرَّدّ على أهل الْغرُور والأطماع الكاذبة وعَلى أهل الْجَهْل بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْحَيّ دون الْمَيِّت وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فِي الْفساد
وَهَذَا كُله من سوء التَّصَرُّف فِي اللَّفْظ الْعَام وَصَاحب هَذَا التَّصَرُّف لَا ينفذ تصرفه فِي دلالات الْأَلْفَاظ وَحملهَا على خلاف موضوعها وَمَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن مِنْهَا وَهُوَ تصرف فَاسد قطعا يُبطلهُ السِّيَاق وَالِاعْتِبَار وقواعد الشَّرْع وأدلته وعرفه وَسبب هَذَا التَّصَرُّف السيىء أَن صَاحبه يعْتَقد قولا ثمَّ يرد كلما دلّ على خِلَافه بِأَيّ طَرِيق اتّفقت لَهُ فالأدلة الْمُخَالفَة لما
اعتقده عِنْده من بَاب الصَّائِل لَا يُبَالِي بِأَيّ شَيْء دَفعه وأدلة الْحق لَا تتعارض وَلَا تتناقض بل يصدق بَعْضهَا بَعْضًا
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى وَهُوَ جَوَاب أَبى الْوَفَاء بن عقيل قَالَ الْجَواب الْجيد عِنْدِي إِن يُقَال الْإِنْسَان بسعيه وَحسن عشرته اكْتسب الأصدقاء وأولد الْأَوْلَاد ونكح الْأزْوَاج وأسدى الْخَيْر وتودد إِلَى النَّاس فترحموا عَلَيْهِ وأهدوا لَهُ الْعِبَادَات وَكَانَ ذَلِك أثر سَعْيه كَمَا قَالَ إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه وان وَلَده من كَسبه وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث علم ينْتَفع بِهِ من بعده وَصدقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَمن هُنَا قَول الشَّافِعِي إِذا بذل لَهُ وَلَده طَاعَة الْحَج كَانَ ذَلِك سَببا لوُجُوب الْحَج عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ فِي مَاله زَاد وراحلة بِخِلَاف بذل الْأَجْنَبِيّ
وَهَذَا جَوَاب متوسط يحْتَاج إِلَى تَمام فَإِن العَبْد بإيمانه وطاعته لله وَرَسُوله قد سعى فِي انتفاعه بِعَمَل إخوانه الْمُؤمنِينَ مَعَ عمله كَمَا ينْتَفع بعملهم فِي الْحَيَاة مَعَ عمله فَإِن الْمُؤمنِينَ ينْتَفع بَعضهم بِعَمَل بعض فِي الْأَعْمَال الَّتِي يشتركون فِيهَا كَالصَّلَاةِ فِي جمَاعَة فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم تضَاعف صلَاته إِلَى سَبْعَة وَعشْرين ضعفا لمشاركة غَيره لَهُ فِي الصَّلَاة فَعمل غَيره كَانَ سَببا لزِيَادَة أجره كَمَا أَن عمله سَبَب لزِيَادَة أجر الآخر بل قد قيل إِن الصَّلَاة يُضَاعف ثَوَابهَا يعدد الْمُصَلِّين وَكَذَلِكَ اشتراكهم فِي الْجِهَاد وَالْحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والتعاون على الْبر وَالتَّقوى وَقد قَالَ النَّبِي الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا وَشَبك بَين أَصَابِعه وَمَعْلُوم أَن هَذَا بِأُمُور الدّين أولى مِنْهُ بِأُمُور الدُّنْيَا فدخول الْمُسلم مَعَ جملَة الْمُسلمين فِي عقد الْإِسْلَام من أعظم الْأَسْبَاب فِي وُصُول نفع كل من الْمُسلمين إِلَى صَاحبه فِي حَيَاته وَبعد مماته ودعوة الْمُسلمين تحيط من ورائهم وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن حَملَة الْعَرْش وَمن حوله أَنهم يَسْتَغْفِرُونَ للْمُؤْمِنين وَيدعونَ لَهُم وَاخْبَرْ عَن دُعَاء رسله واستغفارهم للْمُؤْمِنين كنوح وَإِبْرَاهِيم وَمُحَمّد فَالْعَبْد بإيمانه قد تسبب إِلَى وُصُول هَذَا الدُّعَاء إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ من سَعْيه يُوضحهُ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِيمَان سَببا لانتفاع صَاحبه بِدُعَاء إخوانه من الْمُؤمنِينَ وسعيهم فَإِذا أَتَى بِهِ فقد سعى فِي السَّبَب الَّذِي يُوصل إِلَيْهِ وَقد دلّ على ذَلِك قَول النَّبِي لعَمْرو بن الْعَاصِ إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ نَفعه ذَلِك يعْنى الْعتْق الَّذِي فعل عَنهُ بعد مَوته فَلَو أَتَى بِالسَّبَبِ لَكَانَ قد سعى فِي يعْمل يُوصل إِلَيْهِ ثَوَاب الْعتْق وَهَذِه طَريقَة لَطِيفَة حَسَنَة جدا
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْقُرْآن لم ينف انْتِفَاع الرجل بسعي غَيره وَإِنَّمَا نفي ملكه لغير سَعْيه
Translation
فصل وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله
#46
Chapter 46 — فصل وكذلك قوله تعالى
· ref. #46
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وكذلك قوله تعالى
Translation
فصل وكذلك قوله تعالى
#47
Chapter 47 — فصل وأما استدلالكم بقوله إذا مات العبد انقطع عمله فاستدلال ساقط
· ref. #47
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما استدلالكم بقوله إذا مات العبد انقطع عمله فاستدلال ساقط
Translation
فصل وأما استدلالكم بقوله إذا مات العبد انقطع عمله فاستدلال ساقط
#48
Chapter 48 — فصل وأما قولكم الإهداء حوالة والحوالة إنما تكون بحق لازم فهذه حوالة
· ref. #48
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما قولكم الإهداء حوالة والحوالة إنما تكون بحق لازم فهذه حوالة
Translation
فصل وأما قولكم الإهداء حوالة والحوالة إنما تكون بحق لازم فهذه حوالة
#49
Chapter 49 — فصل وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسالة الإيثار بالقرب
· ref. #49
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَبَين الْأَمريْنِ من الْفرق مَالا يخفي فَأخْبر تَعَالَى أَنه لَا يملك إِلَّا سَعْيه وَأما سعى غَيره فَهُوَ ملك لساعيه فَإِن شَاءَ أَن يبذله لغيره وَإِن شَاءَ أَن يبقيه لنَفسِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل لَا ينْتَفع إِلَّا بِمَا سعى وَكَانَ شَيخنَا يخْتَار هَذِه الطَّرِيقَة ويرجحها
فصل وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ على أَن هَذِه الْآيَة أصرح فِي الدّلَالَة على أَن سياقها وَإِنَّمَا يَنْفِي عُقُوبَة العَبْد بِعَمَل غَيره وَأَخذه بجريرته فَإِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فنفي أَن يظلم بِأَن يُزَاد عَلَيْهِ فِي سيئاته أَو ينقص من حَسَنَاته أَو يُعَاقب بِعَمَل غَيره وَلم ينف أَن ينْتَفع بِعَمَل غَيره لَا على وَجه الْجَزَاء فَإِن انتفاعه بِمَا يهدى إِلَيْهِ لَيْسَ جَزَاء على عمله وَإِنَّمَا هُوَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وتفضل بهَا عَلَيْهِ من غير سعى مِنْهُ بل وهبه ذَلِك على يَد بعض عباده لَا على وَجه الْجَزَاء
فصل وَأما استدلالكم بقوله إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله فاستدلال سَاقِط
فانه لم يقل انْقَطع انتفاعه وَإِنَّمَا أخبر عَن انْقِطَاع عمله وَأما عمل غَيره فَهُوَ لعامله فان وهبه لَهُ وصل إِلَيْهِ ثَوَاب عمل الْعَامِل لَا ثَوَاب عمله هُوَ فالمنقطع شَيْء والواصل إِلَيْهِ شَيْء آخر وَكَذَلِكَ الحَدِيث الآخر وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من حَسَنَاته وَعَمله فَلَا يَنْفِي أَن يلْحقهُ غير ذَلِك من عمل غَيره وحسناته
فصل وَأما قَوْلكُم الإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم فَهَذِهِ حِوَالَة
الْمَخْلُوق على الْمَخْلُوق
وَأما حِوَالَة الْمَخْلُوق على الْخَالِق فَأمر آخر لَا يَصح قياسها على حِوَالَة العبيد بَعضهم على بعض وَهل هَذَا إِلَّا من أبطل الْقيَاس وأفسده وَالَّذِي يُبطلهُ إِجْمَاع الْأمة على انتفاعه بأَدَاء دينه وَمَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق وإبراء الْمُسْتَحق لذمته وَالصَّدَقَة وَالْحج عَنهُ بِالنَّصِّ الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى رده وَدفعه وَكَذَلِكَ الصَّوْم وَهَذِه الأقيسة الْفَاسِدَة لَا تعَارض نُصُوص الشَّرْع وقواعده
فصل وَأما قَوْلكُم الإيثار بِسَبَب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ مسالة الإيثار بِالْقربِ
فَكيف الإيثار الثَّوَاب بِنَفس الَّذِي هُوَ الْغَايَة فقد أُجِيب عَنهُ بأجوبة
فصل وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ على أَن هَذِه الْآيَة أصرح فِي الدّلَالَة على أَن سياقها وَإِنَّمَا يَنْفِي عُقُوبَة العَبْد بِعَمَل غَيره وَأَخذه بجريرته فَإِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فنفي أَن يظلم بِأَن يُزَاد عَلَيْهِ فِي سيئاته أَو ينقص من حَسَنَاته أَو يُعَاقب بِعَمَل غَيره وَلم ينف أَن ينْتَفع بِعَمَل غَيره لَا على وَجه الْجَزَاء فَإِن انتفاعه بِمَا يهدى إِلَيْهِ لَيْسَ جَزَاء على عمله وَإِنَّمَا هُوَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وتفضل بهَا عَلَيْهِ من غير سعى مِنْهُ بل وهبه ذَلِك على يَد بعض عباده لَا على وَجه الْجَزَاء
فصل وَأما استدلالكم بقوله إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله فاستدلال سَاقِط
فانه لم يقل انْقَطع انتفاعه وَإِنَّمَا أخبر عَن انْقِطَاع عمله وَأما عمل غَيره فَهُوَ لعامله فان وهبه لَهُ وصل إِلَيْهِ ثَوَاب عمل الْعَامِل لَا ثَوَاب عمله هُوَ فالمنقطع شَيْء والواصل إِلَيْهِ شَيْء آخر وَكَذَلِكَ الحَدِيث الآخر وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من حَسَنَاته وَعَمله فَلَا يَنْفِي أَن يلْحقهُ غير ذَلِك من عمل غَيره وحسناته
فصل وَأما قَوْلكُم الإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم فَهَذِهِ حِوَالَة
الْمَخْلُوق على الْمَخْلُوق
وَأما حِوَالَة الْمَخْلُوق على الْخَالِق فَأمر آخر لَا يَصح قياسها على حِوَالَة العبيد بَعضهم على بعض وَهل هَذَا إِلَّا من أبطل الْقيَاس وأفسده وَالَّذِي يُبطلهُ إِجْمَاع الْأمة على انتفاعه بأَدَاء دينه وَمَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق وإبراء الْمُسْتَحق لذمته وَالصَّدَقَة وَالْحج عَنهُ بِالنَّصِّ الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى رده وَدفعه وَكَذَلِكَ الصَّوْم وَهَذِه الأقيسة الْفَاسِدَة لَا تعَارض نُصُوص الشَّرْع وقواعده
فصل وَأما قَوْلكُم الإيثار بِسَبَب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ مسالة الإيثار بِالْقربِ
فَكيف الإيثار الثَّوَاب بِنَفس الَّذِي هُوَ الْغَايَة فقد أُجِيب عَنهُ بأجوبة
Translation
فصل وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسالة الإيثار بالقرب
#50
Chapter 50 — فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين
· ref. #50
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
الْجَواب الأول ان حَال الْحَيَاة حَال لَا يوثق فِيهَا بسلامة الْعَاقِبَة لجَوَاز إِن يرْتَد الْحَيّ فَيكون قد آثر بالقربة غير أَهلهَا وَهَذَا قد أَمن بِالْمَوْتِ فَإِن قيل والمهدى إِلَيْهِ أَيْضا قد لَا يكون مَاتَ على الْإِسْلَام بَاطِنا فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ وَهَذَا سُؤال فِي غَايَة الْبطلَان فَإِن الإهداء لَهُ من جنس الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَالدُّعَاء لَهُ فَإِن كَانَ أَهلا وَإِلَّا انْتفع بِهِ الدَّاعِي وَحده
الْجَواب الثَّانِي أَن الإيثار بِالْقربِ يدل على قلَّة الرَّغْبَة فِيهَا والتأخر عَن فعلهَا فَلَو سَاغَ الإيثار بهَا لأفضى إِلَى التقاعد والتكاسل والتأخر بِخِلَاف إبداء ثَوَابهَا فَإِن الْعَامِل يحرص عَلَيْهَا لأجل ثَوَابهَا لينْتَفع بِهِ أَو ينفع بِهِ أَخَاهُ الْمُسلم فبينهما فرق ظَاهر
الْجَواب الثَّالِث أَن الله ﷾ يحب الْمُبَادرَة أَو المسارعة إِلَى خدمته والتنافس فِيهَا فَإِن ذَلِك ابلغ فِي الْعُبُودِيَّة فَإِن الْمُلُوك تحب المسارعة والمنافسة فِي طاعتها وَخدمتهَا فالإيثار بذلك منَاف لمقصود الْعُبُودِيَّة فَإِن الله سُبْحَانَهُ أَمر عَبده بِهَذِهِ الْقرْبَة أما إِيجَابا وَأما اسْتِحْبَابا فَإِذا أثر بهَا ترك مَا أمره وولاه غَيره بِخِلَاف مَا إِذا فعل مَا أَمر بِهِ طَاعَة وقربة ثمَّ أرسل ثَوَابه إِلَى أَخِيه الْمُسلم وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ فاستبقوا الْخيرَات وَمَعْلُوم أَن الإيثار بهَا يُنَافِي الاستباق إِلَيْهَا والمسارعة
وَقد كَانَ الصَّحَابَة يسابق بَعضهم بَعْضًا بِالْقربِ وَلَا يُؤثر الرجل مِنْهُم غَيره بهَا قَالَ عمر وَالله مَا سابقني أَبُو بكر إِلَى خير إِلَّا سبقني إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ وَالله لَا أسابقك إِلَى خير أبدا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ يُقَال نافست فِي الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاسا إِذا رغبت فِيهِ على وَجه المباراة وَمن هَذَا قَوْلهم شَيْء نَفِيس أَي هُوَ أهل أَن يتنافس فِيهِ ويرغب فِيهِ وَهَذَا أنفس مَالِي أَي أحبه إِلَى وأنفسني فلَان فِي كَذَا أَي أرغبني فِيهِ وَهَذَا كُله ضد الإيثار بِهِ وَالرَّغْبَة عَنهُ
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ إِلَى الْحَيّ فَجَوَابه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه قد ذهب إِلَى ذَلِك بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم قَالَ القَاضِي وَكَلَام أَحْمد لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالْمَيتِ فانه قَالَ يفعل الْخَيْر وَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ وَأمه وَلم يفرق وَاعْترض عَلَيْهِ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَقَالَ هَذَا فِيهِ بعد وَهُوَ تلاعب بِالشَّرْعِ وَتصرف فِي أَمَانَة الله واسجال على الله سُبْحَانَهُ بِثَوَاب على عمل يَفْعَله إِلَى غَيره وَبعد الْمَوْت قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى إِيصَال النَّفْع كالاستغفار وَالصَّلَاة على الْمَيِّت
ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا وَهُوَ فَإِن قيل أَلَيْسَ قَضَاء الدّين وَتحمل الْكل حَال الْحَيَاة كقضائه بعد الْمَوْت فقد اسْتَوَى ضَمَان الْحَيَاة وَضَمان الْمَوْت فِي أَنَّهُمَا يزيلان الْمُطَالبَة عَنهُ فَإِذا وصل قَضَاء الدُّيُون بعد الْمَوْت وَحَال الْحَيَاة فإجعلوا ثَوَاب الإهداء واصلا حَال الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت
وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا وَجب أَن تكون الذُّنُوب تكفر عَن الْحَيّ بتوبة غَيره عَنهُ ويندفع عَنهُ مآثم الْآخِرَة بِعَمَل غَيره واستغفاره
قلت وَهَذَا لَا يلْزم بل طرد ذَلِك انْتِفَاع الْحَيّ بِدُعَاء غَيره لَهُ واستغفاره لَهُ وَتصدقه عَنهُ وَقَضَاء دُيُونه وَهَذَا حق وَقد أذن النَّبِي فِي أَدَاء فَرِيضَة الْحَج عَن الْحَيّ المعضوب وَالْعَاجِز وهما حَيَّان
وَقد أجَاب غَيره من الْأَصْحَاب بِأَن حَال الْحَيَاة لَا نثق بسلامة الْعَاقِبَة خوفًا أَن يرْتَد المهدى لَهُ فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ
قَالَ ابْن عقيل وَهَذَا عذر بَاطِل بإهداء الْحَيّ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن أَن يرْتَد وَيَمُوت فيحبط عمله وَمن جملَته ثَوَاب مَا أهْدى إِلَى الْمَيِّت
قلت هَذَا لَا يلْزمهُم وموارد النَّص وَالْإِجْمَاع تبطله وترده فان النَّبِي أذن فِي الْحَج وَالصَّوْم عَن الْمَيِّت وَأجْمع النَّاس على بَرَاءَة ذمَّته من الدّين إِذا قَضَاهُ عَنهُ الْحَيّ مَعَ وجود مَا ذكر من الِاحْتِمَال
وَالْجَوَاب أَن يُقَال مَا أهداه من أَعمال الْبر إِلَى الْمَيِّت فقد صَار ملكا لَهُ فَلَا يبطل بردة فَاعله بعد خُرُوجه عَن ملكه كتصرفاته الَّتِي تصرفها قبل الرِّدَّة من عتق وَكَفَّارَة بل لَو حج عَن معضوب ثمَّ ارْتَدَّ بعد ذَلِك لم يلْزم المعضوب أَن يُقيم غَيره يحجّ عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن فِي الثَّانِي وَالثَّالِث ذَلِك
على أَن الْفرق بَين الْحَيّ وَالْمَيِّت أَن الْحَيّ لَيْسَ بمحتاج كحاجة الْمَيِّت إِذْ يُمكنهُ أَن يُبَاشر ذَلِك الْعَمَل أَو نَظِيره فَعَلَيهِ اكْتِسَاب الثَّوَاب بِنَفسِهِ وسعيه بِخِلَاف الْمَيِّت
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اتكال بعض الْأَحْيَاء على بعض وَهَذِه مفْسدَة كَبِيرَة فان أَرْبَاب الْأَمْوَال إِذا فَهموا ذَلِك واستشعروه استأجروا من يفعل ذَلِك عَنْهُم فَتَصِير الطَّاعَات معاوضات وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِسْقَاط الْعِبَادَات والنوافل وَيصير مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْآدَمِيّين فَيخرج عَن الْإِخْلَاص فَلَا يحصل الثَّوَاب لوَاحِد مِنْهُمَا
الْجَواب الثَّانِي أَن الإيثار بِالْقربِ يدل على قلَّة الرَّغْبَة فِيهَا والتأخر عَن فعلهَا فَلَو سَاغَ الإيثار بهَا لأفضى إِلَى التقاعد والتكاسل والتأخر بِخِلَاف إبداء ثَوَابهَا فَإِن الْعَامِل يحرص عَلَيْهَا لأجل ثَوَابهَا لينْتَفع بِهِ أَو ينفع بِهِ أَخَاهُ الْمُسلم فبينهما فرق ظَاهر
الْجَواب الثَّالِث أَن الله ﷾ يحب الْمُبَادرَة أَو المسارعة إِلَى خدمته والتنافس فِيهَا فَإِن ذَلِك ابلغ فِي الْعُبُودِيَّة فَإِن الْمُلُوك تحب المسارعة والمنافسة فِي طاعتها وَخدمتهَا فالإيثار بذلك منَاف لمقصود الْعُبُودِيَّة فَإِن الله سُبْحَانَهُ أَمر عَبده بِهَذِهِ الْقرْبَة أما إِيجَابا وَأما اسْتِحْبَابا فَإِذا أثر بهَا ترك مَا أمره وولاه غَيره بِخِلَاف مَا إِذا فعل مَا أَمر بِهِ طَاعَة وقربة ثمَّ أرسل ثَوَابه إِلَى أَخِيه الْمُسلم وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ فاستبقوا الْخيرَات وَمَعْلُوم أَن الإيثار بهَا يُنَافِي الاستباق إِلَيْهَا والمسارعة
وَقد كَانَ الصَّحَابَة يسابق بَعضهم بَعْضًا بِالْقربِ وَلَا يُؤثر الرجل مِنْهُم غَيره بهَا قَالَ عمر وَالله مَا سابقني أَبُو بكر إِلَى خير إِلَّا سبقني إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ وَالله لَا أسابقك إِلَى خير أبدا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ يُقَال نافست فِي الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاسا إِذا رغبت فِيهِ على وَجه المباراة وَمن هَذَا قَوْلهم شَيْء نَفِيس أَي هُوَ أهل أَن يتنافس فِيهِ ويرغب فِيهِ وَهَذَا أنفس مَالِي أَي أحبه إِلَى وأنفسني فلَان فِي كَذَا أَي أرغبني فِيهِ وَهَذَا كُله ضد الإيثار بِهِ وَالرَّغْبَة عَنهُ
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ إِلَى الْحَيّ فَجَوَابه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنه قد ذهب إِلَى ذَلِك بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم قَالَ القَاضِي وَكَلَام أَحْمد لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالْمَيتِ فانه قَالَ يفعل الْخَيْر وَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ وَأمه وَلم يفرق وَاعْترض عَلَيْهِ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَقَالَ هَذَا فِيهِ بعد وَهُوَ تلاعب بِالشَّرْعِ وَتصرف فِي أَمَانَة الله واسجال على الله سُبْحَانَهُ بِثَوَاب على عمل يَفْعَله إِلَى غَيره وَبعد الْمَوْت قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى إِيصَال النَّفْع كالاستغفار وَالصَّلَاة على الْمَيِّت
ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا وَهُوَ فَإِن قيل أَلَيْسَ قَضَاء الدّين وَتحمل الْكل حَال الْحَيَاة كقضائه بعد الْمَوْت فقد اسْتَوَى ضَمَان الْحَيَاة وَضَمان الْمَوْت فِي أَنَّهُمَا يزيلان الْمُطَالبَة عَنهُ فَإِذا وصل قَضَاء الدُّيُون بعد الْمَوْت وَحَال الْحَيَاة فإجعلوا ثَوَاب الإهداء واصلا حَال الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت
وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا وَجب أَن تكون الذُّنُوب تكفر عَن الْحَيّ بتوبة غَيره عَنهُ ويندفع عَنهُ مآثم الْآخِرَة بِعَمَل غَيره واستغفاره
قلت وَهَذَا لَا يلْزم بل طرد ذَلِك انْتِفَاع الْحَيّ بِدُعَاء غَيره لَهُ واستغفاره لَهُ وَتصدقه عَنهُ وَقَضَاء دُيُونه وَهَذَا حق وَقد أذن النَّبِي فِي أَدَاء فَرِيضَة الْحَج عَن الْحَيّ المعضوب وَالْعَاجِز وهما حَيَّان
وَقد أجَاب غَيره من الْأَصْحَاب بِأَن حَال الْحَيَاة لَا نثق بسلامة الْعَاقِبَة خوفًا أَن يرْتَد المهدى لَهُ فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ
قَالَ ابْن عقيل وَهَذَا عذر بَاطِل بإهداء الْحَيّ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن أَن يرْتَد وَيَمُوت فيحبط عمله وَمن جملَته ثَوَاب مَا أهْدى إِلَى الْمَيِّت
قلت هَذَا لَا يلْزمهُم وموارد النَّص وَالْإِجْمَاع تبطله وترده فان النَّبِي أذن فِي الْحَج وَالصَّوْم عَن الْمَيِّت وَأجْمع النَّاس على بَرَاءَة ذمَّته من الدّين إِذا قَضَاهُ عَنهُ الْحَيّ مَعَ وجود مَا ذكر من الِاحْتِمَال
وَالْجَوَاب أَن يُقَال مَا أهداه من أَعمال الْبر إِلَى الْمَيِّت فقد صَار ملكا لَهُ فَلَا يبطل بردة فَاعله بعد خُرُوجه عَن ملكه كتصرفاته الَّتِي تصرفها قبل الرِّدَّة من عتق وَكَفَّارَة بل لَو حج عَن معضوب ثمَّ ارْتَدَّ بعد ذَلِك لم يلْزم المعضوب أَن يُقيم غَيره يحجّ عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن فِي الثَّانِي وَالثَّالِث ذَلِك
على أَن الْفرق بَين الْحَيّ وَالْمَيِّت أَن الْحَيّ لَيْسَ بمحتاج كحاجة الْمَيِّت إِذْ يُمكنهُ أَن يُبَاشر ذَلِك الْعَمَل أَو نَظِيره فَعَلَيهِ اكْتِسَاب الثَّوَاب بِنَفسِهِ وسعيه بِخِلَاف الْمَيِّت
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اتكال بعض الْأَحْيَاء على بعض وَهَذِه مفْسدَة كَبِيرَة فان أَرْبَاب الْأَمْوَال إِذا فَهموا ذَلِك واستشعروه استأجروا من يفعل ذَلِك عَنْهُم فَتَصِير الطَّاعَات معاوضات وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِسْقَاط الْعِبَادَات والنوافل وَيصير مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْآدَمِيّين فَيخرج عَن الْإِخْلَاص فَلَا يحصل الثَّوَاب لوَاحِد مِنْهُمَا
Translation
فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين
#51
Chapter 51 — فصل وأما قولكم لو ساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالجواب من
· ref. #51
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما قولكم لو ساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالجواب من
Translation
فصل وأما قولكم لو ساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالجواب من
#52
Chapter 52 — فصل وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد
· ref. #52
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَنحن نمْنَع من أَخذ الْأُجْرَة على كل قربَة ونحبط بِأخذ الْأجر عَلَيْهَا كالقضاء والفتيا وَتَعْلِيم الْعلم وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَغَيرهَا فَلَا يثيب الله عَلَيْهَا إِلَّا لمخلص اخلص الْعَمَل لوجهه فَإِذا فعله للأجرة لم يثب عَلَيْهِ الْفَاعِل وَلَا الْمُسْتَأْجر فَلَا يَلِيق بمحاسن الشَّرْع أَن يَجْعَل الْعِبَادَات الْخَالِصَة لَهُ معاملات تقصد بهَا الْمُعَاوَضَات والإكساب الدُّنْيَوِيَّة وَفَارق قَضَاء الدُّيُون وضمانها فَإِنَّهَا حُقُوق الْآدَمِيّين يَنُوب بَعضهم فِيهَا عَن بعض فَلذَلِك جَازَت فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ إهداء نصف الثَّوَاب وربعه إِلَى الْمَيِّت فَالْجَوَاب من
وَجْهَيْن
أَحدهمَا منع الْمُلَازمَة فَإِنَّكُم لم تَذكرُوا عَلَيْهَا دَلِيلا إِلَّا مُجَرّد الدَّعْوَى
الثَّانِي الْتِزَام ذَلِك وَالْقَوْل بِهِ نَص عَلَيْهِ الإِمَام احْمَد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال وَوجه هَذَا أَن الثَّوَاب ملك لَهُ فَلهُ أَن يهديه جَمِيعه وَله أَن يهدى بعضه يُوضحهُ أَنه لَو أهداه إِلَى أَرْبَعَة مثلا يحصل لكل مِنْهُم ربعه فَإِذا أهْدى الرّبع وَأبقى لنَفسِهِ الْبَاقِي جَازَ كَمَا لَو أهداه إِلَى غَيره
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد
قُلْتُمْ انه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل
فَالْجَوَاب ان هَذِه الْمَسْأَلَة غير منصوصة عَن أَحْمد وَلَا هَذَا الشَّرْط فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابه وَإِنَّمَا ذكره الْمُتَأَخّرُونَ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعه
قَالَ ابْن عقيل إِذا فعل طَاعَة من صَلَاة وَصِيَام وَقِرَاءَة قُرْآن وأهداها بِأَن جعل ثَوَابهَا للْمَيت الْمُسلم فَإِنَّهُ يصل إِلَيْهِ ذَلِك وينفعه بِشَرْط أَن يتَقَدَّم نِيَّة الْهَدِيَّة على الطَّاعَة أَو تقارنها
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن حمدَان فِي رعايته وَمن تطوع بقربة من صَدَقَة وَصَلَاة وَصِيَام وَحج وَعمرَة وَقِرَاءَة وَعتق وَغير ذَلِك من عبَادَة بدنية تدْخلهَا النِّيَابَة وَعبادَة مَالِيَّة وَجعل جَمِيع ثَوَابهَا أَو بعضه لمَيت مُسلم حَتَّى النَّبِي ودعا لَهُ أَو اسْتغْفر لَهُ أَو قضى مَا عَلَيْهِ من حق شَرْعِي أَو وَاجِب تدخله النِّيَابَة نَفعه ذَلِك وَوصل إِلَيْهِ أجره وَقيل إِن نَوَاه حَال فعله أَو قبله وصل إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا
وسر المسالة أَن أَو ان شَرط حُصُول الثَّوَاب أَن يَقع لمن أهْدى لَهُ أَولا وَيجوز أَن يَقع لِلْعَامِلِ ثمَّ ينْتَقل عَنهُ إِلَى غَيره فَمن شَرط أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو الْفَرَاغ مِنْهُ وُصُوله قَالَ
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ إهداء نصف الثَّوَاب وربعه إِلَى الْمَيِّت فَالْجَوَاب من
وَجْهَيْن
أَحدهمَا منع الْمُلَازمَة فَإِنَّكُم لم تَذكرُوا عَلَيْهَا دَلِيلا إِلَّا مُجَرّد الدَّعْوَى
الثَّانِي الْتِزَام ذَلِك وَالْقَوْل بِهِ نَص عَلَيْهِ الإِمَام احْمَد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال وَوجه هَذَا أَن الثَّوَاب ملك لَهُ فَلهُ أَن يهديه جَمِيعه وَله أَن يهدى بعضه يُوضحهُ أَنه لَو أهداه إِلَى أَرْبَعَة مثلا يحصل لكل مِنْهُم ربعه فَإِذا أهْدى الرّبع وَأبقى لنَفسِهِ الْبَاقِي جَازَ كَمَا لَو أهداه إِلَى غَيره
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد
قُلْتُمْ انه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل
فَالْجَوَاب ان هَذِه الْمَسْأَلَة غير منصوصة عَن أَحْمد وَلَا هَذَا الشَّرْط فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابه وَإِنَّمَا ذكره الْمُتَأَخّرُونَ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعه
قَالَ ابْن عقيل إِذا فعل طَاعَة من صَلَاة وَصِيَام وَقِرَاءَة قُرْآن وأهداها بِأَن جعل ثَوَابهَا للْمَيت الْمُسلم فَإِنَّهُ يصل إِلَيْهِ ذَلِك وينفعه بِشَرْط أَن يتَقَدَّم نِيَّة الْهَدِيَّة على الطَّاعَة أَو تقارنها
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن حمدَان فِي رعايته وَمن تطوع بقربة من صَدَقَة وَصَلَاة وَصِيَام وَحج وَعمرَة وَقِرَاءَة وَعتق وَغير ذَلِك من عبَادَة بدنية تدْخلهَا النِّيَابَة وَعبادَة مَالِيَّة وَجعل جَمِيع ثَوَابهَا أَو بعضه لمَيت مُسلم حَتَّى النَّبِي ودعا لَهُ أَو اسْتغْفر لَهُ أَو قضى مَا عَلَيْهِ من حق شَرْعِي أَو وَاجِب تدخله النِّيَابَة نَفعه ذَلِك وَوصل إِلَيْهِ أجره وَقيل إِن نَوَاه حَال فعله أَو قبله وصل إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا
وسر المسالة أَن أَو ان شَرط حُصُول الثَّوَاب أَن يَقع لمن أهْدى لَهُ أَولا وَيجوز أَن يَقع لِلْعَامِلِ ثمَّ ينْتَقل عَنهُ إِلَى غَيره فَمن شَرط أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو الْفَرَاغ مِنْهُ وُصُوله قَالَ
Translation
فصل وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد
#53
Chapter 53 — فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على
· ref. #53
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على
Translation
فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على
#54
Chapter 54 — فصل وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل إذ المقصود
· ref. #54
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
لَو لم يُنَوّه وَقع الثَّوَاب لِلْعَامِلِ فَلَا يقبل انْتِقَاله عَنهُ إِلَى غَيره فَإِن الثَّوَاب يَتَرَتَّب على الْعَمَل ترَتّب الْأَثر على مؤثره وَلِهَذَا لَو أعتق عبدا عَن نَفسه كَانَ وَلَاؤُه لَهُ فَلَو نقل وَلَاؤُه إِلَى غَيره بعد الْعتْق لم ينْتَقل بِخِلَاف مَا لَو أعْتقهُ عَن الْغَيْر فَإِن ولاءه يكون للْمُعْتق عَنهُ وَكَذَلِكَ لَو أدّى دينا عَن نَفسه ثمَّ أَرَادَ بعد الْأَدَاء ان يَجعله عَن غَيره لم يكن لَهُ ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو حج أَو صَامَ أَو صلى لنَفسِهِ ثمَّ بعد ذَلِك أَرَادَ أَن يَجْعَل ذَلِك عَن غَيره لم يملك ذَلِك وَيُؤَيّد هَذَا أَن الَّذين سَأَلُوا النَّبِي عَن ذَلِك لم يسألوه عَن إهداء ثَوَاب الْعَمَل بعده وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ عَن الْمَيِّت كَمَا قَالَ سعد أينفعها أَن أَتصدق عَنْهَا وَلم يقل أَن أهْدى لَهَا ثَوَاب مَا تَصَدَّقت بِهِ عَن نَفسِي وَكَذَلِكَ قَول الْمَرْأَة الْأُخْرَى أفأحج عَنْهَا وَقَول الرجل الآخر أفأحج عَن أَبى فأجابهم بِالْإِذْنِ فِي الْفِعْل عَن الْمَيِّت لَا بإهداء ثَوَاب مَا عملوه لأَنْفُسِهِمْ إِلَى موتاهم فَهَذَا لَا يعرف أَنه صلى سُئِلَ عَنهُ قطّ وَلَا يعرف عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه فعله وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل لفُلَان ثَوَاب عَمَلي الْمُتَقَدّم أَو ثَوَاب مَا عملته لنَفْسي
فَهَذَا سر الِاشْتِرَاط وَهُوَ افقه وَمن لم يشْتَرط ذَلِك يَقُول الثَّوَاب لِلْعَامِلِ فَإِذا تبرع بِهِ وأهداه إِلَى غَيره كَانَ بِمَنْزِلَة مَا يهديه إِلَيْهِ من مَاله
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات الَّتِي تجب على
الْحَيّ فَالْجَوَاب أَن هَذَا الْإِلْزَام محَال على أصل من شَرط فِي الْوُصُول نِيَّة الْفِعْل عَن الْمَيِّت فَإِن الْوَاجِب لَا يَصح أَن يَفْعَله عَن الْغَيْر فَإِن هَذَا وَاجِب على الْفَاعِل يجب عَلَيْهِ أَن ينوى بِهِ الْقرْبَة إِلَى الله
وَأما من لم يشْتَرط نِيَّة الْفِعْل عَن الْغَيْر فَهَل يسوغ عِنْده أَن يَجْعَل للْمَيت ثَوَاب فرض من فروضه فِيهِ وَجْهَان قَالَ ابو عبد الله بن حمدَان وَقيل إِن جعل لَهُ ثَوَاب فرض من الصَّلَاة أَو صَوْم أَو غَيرهمَا جَازَ وأجزأ فَاعله
قلت وَقد نقل عَن جمَاعَة أَنهم جعلُوا ثَوَاب أَعْمَالهم من فرض وَنقل للْمُسلمين وَقَالُوا نلقى الله بالفقر والإفلاس الْمُجَرّد والشريعة لَا تمنع من ذَلِك فالأجر ملك الْعَامِل فغن شَاءَ أَن يَجعله لغيره فَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَالله أعلم
فصل وَأما قَوْلكُم إِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل إِذْ الْمَقْصُود
مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل إِلَى آخِره
فَهَذَا سر الِاشْتِرَاط وَهُوَ افقه وَمن لم يشْتَرط ذَلِك يَقُول الثَّوَاب لِلْعَامِلِ فَإِذا تبرع بِهِ وأهداه إِلَى غَيره كَانَ بِمَنْزِلَة مَا يهديه إِلَيْهِ من مَاله
فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات الَّتِي تجب على
الْحَيّ فَالْجَوَاب أَن هَذَا الْإِلْزَام محَال على أصل من شَرط فِي الْوُصُول نِيَّة الْفِعْل عَن الْمَيِّت فَإِن الْوَاجِب لَا يَصح أَن يَفْعَله عَن الْغَيْر فَإِن هَذَا وَاجِب على الْفَاعِل يجب عَلَيْهِ أَن ينوى بِهِ الْقرْبَة إِلَى الله
وَأما من لم يشْتَرط نِيَّة الْفِعْل عَن الْغَيْر فَهَل يسوغ عِنْده أَن يَجْعَل للْمَيت ثَوَاب فرض من فروضه فِيهِ وَجْهَان قَالَ ابو عبد الله بن حمدَان وَقيل إِن جعل لَهُ ثَوَاب فرض من الصَّلَاة أَو صَوْم أَو غَيرهمَا جَازَ وأجزأ فَاعله
قلت وَقد نقل عَن جمَاعَة أَنهم جعلُوا ثَوَاب أَعْمَالهم من فرض وَنقل للْمُسلمين وَقَالُوا نلقى الله بالفقر والإفلاس الْمُجَرّد والشريعة لَا تمنع من ذَلِك فالأجر ملك الْعَامِل فغن شَاءَ أَن يَجعله لغيره فَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَالله أعلم
فصل وَأما قَوْلكُم إِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل إِذْ الْمَقْصُود
مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل إِلَى آخِره
Translation
فصل وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل إذ المقصود
#55
Chapter 55 — فصل وأما قولكم انه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه
· ref. #55
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
الْجَواب عَنهُ أَن ذَلِك لَا يمْنَع إِذن الشَّارِع للْمُسلمِ أَن ينفع أَخَاهُ بِشَيْء من عمله بل هَذَا من تَمام إِحْسَان الرب وَرَحمته لِعِبَادِهِ وَمن كَمَال هَذِه الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها لَهُم الَّتِي مبناها على الْعدْل وَالْإِحْسَان والتعارف والرب تَعَالَى أَقَامَ مَلَائكَته وَحَملَة عَرْشه يدعونَ لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُم ويسألونه لَهُم أَن يقيهم السَّيِّئَات وَأمر خَاتم رسله أَن يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وبقيمة يَوْم الْقِيَامَة مقَاما مَحْمُودًا ليشفع فِي العصاة من أَتْبَاعه وَأهل سنته وَقد أمره تَعَالَى أَن يصلى على أَصْحَابه فِي حياتهم وَبعد مماتهم وَكَانَ يقوم على قُبُورهم فيدعو لَهُم وَلَقَد اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَة على أَن المأثم الَّذِي على الْجَمِيع بترك فروض للكفايات يسْقط إِذا فعله من يحصل الْمَقْصُود بِفِعْلِهِ وَلَو وَاحِد وَأسْقط سُبْحَانَهُ الارتهان وحرارة الْجُلُود فِي الْقَبْر بِضَمَان الْحَيّ دين الْمَيِّت وأدائه عَنهُ وَإِن كَانَ ذَلِك الْوُجُوب امتحانا فِي حق الْمُكَلف وَأذن النَّبِي فِي الْحَج وَالصِّيَام عَن الْمَيِّت وَإِن كَانَ الْوُجُوب امتحانا فِي حَقه وَأسْقط عَن الْمَأْمُوم سُجُود السَّهْو بِصِحَّة صَلَاة الإِمَام وخلوها من السَّهْو وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة بتحمل الإِمَام لَهَا فَهُوَ يتَحَمَّل عَن الْمَأْمُوم سَهْوه وقراءته وسترته لقِرَاءَة الإِمَام وسترته قِرَاءَة لمن خَلفه وسترة لَهُ وَهل الْإِحْسَان إِلَى الْمُكَلف بإهداء الثَّوَاب إِلَيْهِ إِلَّا تأس بِإِحْسَان الرب تَعَالَى وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ
والخلق عِيَال الله فأحبهم إِلَيْهِ أنفعهم لِعِيَالِهِ وَإِذ كَانَ سُبْحَانَهُ يحب من ينفع عِيَاله بِشَربَة مَاء ومذاقة لبن وكسرة خبز فَكيف من يَنْفَعهُمْ فِي حَال ضعفهم وفقرهم وَانْقِطَاع أَعْمَالهم وحاجتهم إِلَى شَيْء يهدى إِلَيْهِم أحْوج مَا كانونا اليه فَأحب الْخلق إِلَى الله من ينفع عِيَاله فِي هَذِه الْحَال
وَلِهَذَا جَاءَ أثر عَن بعض السّلف أَنه من قَالَ كل يَوْم سبعين مرّة رب اغْفِر لي ولوالدي وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات حصل لَهُ من الْأجر بِعَدَد كل مُسلم ومسلمة وَمُؤمن ومؤمنة وَلَا تستبعد هَذَا فَإِنَّهُ إِذا اسْتغْفر لإخوانه فقد أحسن إِلَيْهِم وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ
فصل وَأما قَوْلكُم انه لَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ وإسلامه عَنهُ
فَهَذِهِ الشُّبْهَة تورد على صُورَتَيْنِ
صُورَة تلازم يدعى فِيهَا اللُّزُوم بَين الْأَمريْنِ ثمَّ يبين انْتِفَاء اللَّازِم فَيَنْتَفِي ملزومه وَصورتهَا هَكَذَا لَو نَفعه علم الْغَيْر عَنهُ لنفعه إِسْلَامه وتوبته عَنهُ لَكِن لَا يَنْفَعهُ ذَلِك فَلَا يَنْفَعهُ عمل الْغَيْر
والخلق عِيَال الله فأحبهم إِلَيْهِ أنفعهم لِعِيَالِهِ وَإِذ كَانَ سُبْحَانَهُ يحب من ينفع عِيَاله بِشَربَة مَاء ومذاقة لبن وكسرة خبز فَكيف من يَنْفَعهُمْ فِي حَال ضعفهم وفقرهم وَانْقِطَاع أَعْمَالهم وحاجتهم إِلَى شَيْء يهدى إِلَيْهِم أحْوج مَا كانونا اليه فَأحب الْخلق إِلَى الله من ينفع عِيَاله فِي هَذِه الْحَال
وَلِهَذَا جَاءَ أثر عَن بعض السّلف أَنه من قَالَ كل يَوْم سبعين مرّة رب اغْفِر لي ولوالدي وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات حصل لَهُ من الْأجر بِعَدَد كل مُسلم ومسلمة وَمُؤمن ومؤمنة وَلَا تستبعد هَذَا فَإِنَّهُ إِذا اسْتغْفر لإخوانه فقد أحسن إِلَيْهِم وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ
فصل وَأما قَوْلكُم انه لَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ وإسلامه عَنهُ
فَهَذِهِ الشُّبْهَة تورد على صُورَتَيْنِ
صُورَة تلازم يدعى فِيهَا اللُّزُوم بَين الْأَمريْنِ ثمَّ يبين انْتِفَاء اللَّازِم فَيَنْتَفِي ملزومه وَصورتهَا هَكَذَا لَو نَفعه علم الْغَيْر عَنهُ لنفعه إِسْلَامه وتوبته عَنهُ لَكِن لَا يَنْفَعهُ ذَلِك فَلَا يَنْفَعهُ عمل الْغَيْر
Translation
فصل وأما قولكم انه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه
#56
Chapter 56 — فصل وأما قولكم العبادات نوعان نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه
· ref. #56
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَالصُّورَة الثَّانِيَة إِن يُقَال لَا ينْتَفع بِإِسْلَام الْغَيْر وتوبته عَنهُ فَلَا ينْتَفع بِصَلَاتِهِ وصيامه وقراءته عَنهُ
وَمَعْلُوم أَن هَذَا التلازم والإقران بَاطِل قطعا
أما أَولا فُلَانُهُ قِيَاس مصادم لما تظاهرت بِهِ النُّصُوص وَاجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة
وَأما ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جمع بَين مَا فرق الله بَينه فَإِن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين إِسْلَام الْمَرْء عَن غَيره وَبَين صدقته وحجه وعتقه عَنهُ فَالْقِيَاس المسوى بَينهمَا من جنس قِيَاس الَّذين قاسوا الْميتَة على المذكى والربا على البيع
وَأما ثَالِثا فَإِن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِسْلَام سَببا لنفع الْمُسلمين بَعضهم بَعْضًا فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت فَإِذا لم يَأْتِ بِسَبَب انتفاعه بِعَمَل الْمُسلمين لم يحصل لَهُ ذَلِك النَّفْع كَمَا قَالَ النَّبِي لعَمْرو إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت أَو تَصَدَّقت عَنهُ نَفعه ذَلِك وَهَذَا كَمَا جعل سُبْحَانَهُ الْإِسْلَام سَببا لانتفاع العَبْد مِمَّا عمل من خير فَإِذا فَاتَهُ هَذَا السَّبَب لم يَنْفَعهُ خير عمله وَلم يقبل مِنْهُ كَمَا جعل الْإِخْلَاص والمتابعة سَببا لقبُول الْأَعْمَال فَإِذا فقد لم تقبل الْأَعْمَال وكما جعل الْوضُوء وَسَائِر شُرُوط الصَّلَاة سَببا لصحتها فَإِذا فقدت فقدت الصِّحَّة وَهَذَا شَأْن سَائِر الْأَسْبَاب مَعَ مسبباتها الشَّرْعِيَّة والعقلية والحسية فَمن سوى بني حَالين وجود السَّبَب وَعَدَمه فَهُوَ مُبْطل
وَنَظِير هَذَا الهوس أَن يُقَال لَو قبلت الشَّفَاعَة فِي العصاة لقبلت فِي الْمُشْركين وَلَو خرج أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين من النَّار لخرج الْكفَّار مِنْهَا وأمثال ذَلِك من الأقيسة الَّتِي هِيَ من نجاسات معد أَصْحَابهَا ورجيع أَفْوَاههم
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأولى بِأَهْل الْعلم الْأَعْرَاض عَن الِاشْتِغَال بِدفع هَذِه الهذيانات لَوْلَا أَنهم قد سودوا بهَا صحف الْأَعْمَال والصحف الَّتِي بَين النَّاس
فصل وَأما قَوْلكُم الْعِبَادَات نَوْعَانِ نوع تدخله النِّيَابَة فيصل ثَوَاب إهدائه
إِلَى الْمَيِّت
وَنَوع لَا تدخله فَلَا يصل ثَوَابه
فَهَذَا هُوَ نفس الْمَذْهَب وَالدَّعْوَى فَكيف تحتجون بِهِ وَمن أَيْن لكم هَذَا الْفرق فَأَي كتاب أم أَي سنة أم أَي اعْتِبَار دلّ عَلَيْهِ حَتَّى يجب الْمصير إِلَيْهِ
وَمَعْلُوم أَن هَذَا التلازم والإقران بَاطِل قطعا
أما أَولا فُلَانُهُ قِيَاس مصادم لما تظاهرت بِهِ النُّصُوص وَاجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة
وَأما ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جمع بَين مَا فرق الله بَينه فَإِن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين إِسْلَام الْمَرْء عَن غَيره وَبَين صدقته وحجه وعتقه عَنهُ فَالْقِيَاس المسوى بَينهمَا من جنس قِيَاس الَّذين قاسوا الْميتَة على المذكى والربا على البيع
وَأما ثَالِثا فَإِن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِسْلَام سَببا لنفع الْمُسلمين بَعضهم بَعْضًا فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت فَإِذا لم يَأْتِ بِسَبَب انتفاعه بِعَمَل الْمُسلمين لم يحصل لَهُ ذَلِك النَّفْع كَمَا قَالَ النَّبِي لعَمْرو إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت أَو تَصَدَّقت عَنهُ نَفعه ذَلِك وَهَذَا كَمَا جعل سُبْحَانَهُ الْإِسْلَام سَببا لانتفاع العَبْد مِمَّا عمل من خير فَإِذا فَاتَهُ هَذَا السَّبَب لم يَنْفَعهُ خير عمله وَلم يقبل مِنْهُ كَمَا جعل الْإِخْلَاص والمتابعة سَببا لقبُول الْأَعْمَال فَإِذا فقد لم تقبل الْأَعْمَال وكما جعل الْوضُوء وَسَائِر شُرُوط الصَّلَاة سَببا لصحتها فَإِذا فقدت فقدت الصِّحَّة وَهَذَا شَأْن سَائِر الْأَسْبَاب مَعَ مسبباتها الشَّرْعِيَّة والعقلية والحسية فَمن سوى بني حَالين وجود السَّبَب وَعَدَمه فَهُوَ مُبْطل
وَنَظِير هَذَا الهوس أَن يُقَال لَو قبلت الشَّفَاعَة فِي العصاة لقبلت فِي الْمُشْركين وَلَو خرج أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين من النَّار لخرج الْكفَّار مِنْهَا وأمثال ذَلِك من الأقيسة الَّتِي هِيَ من نجاسات معد أَصْحَابهَا ورجيع أَفْوَاههم
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأولى بِأَهْل الْعلم الْأَعْرَاض عَن الِاشْتِغَال بِدفع هَذِه الهذيانات لَوْلَا أَنهم قد سودوا بهَا صحف الْأَعْمَال والصحف الَّتِي بَين النَّاس
فصل وَأما قَوْلكُم الْعِبَادَات نَوْعَانِ نوع تدخله النِّيَابَة فيصل ثَوَاب إهدائه
إِلَى الْمَيِّت
وَنَوع لَا تدخله فَلَا يصل ثَوَابه
فَهَذَا هُوَ نفس الْمَذْهَب وَالدَّعْوَى فَكيف تحتجون بِهِ وَمن أَيْن لكم هَذَا الْفرق فَأَي كتاب أم أَي سنة أم أَي اعْتِبَار دلّ عَلَيْهِ حَتَّى يجب الْمصير إِلَيْهِ
Translation
فصل وأما قولكم العبادات نوعان نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه
#57
Chapter 57 — فصل وأما رد حديث رسول الله وهو قوله من مات وعليه صيام
· ref. #57
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَقد شرع النَّبِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت مَعَ أَن الصَّوْم لَا تدخله النِّيَابَة وَشرع للْأمة أَن يَنُوب بَعضهم عَن بعض فِي أَدَاء فرض الْكِفَايَة فَإِذا فعله وَاحِد نَاب عَن البَاقِينَ فِي فعله وَسقط عَنْهُم المأثم وَشرع لقيم الطِّفْل الَّذِي لَا يعقل أَن يَنُوب عَنهُ فِي الْإِحْرَام وأفعال الْمَنَاسِك وَحكم لَهُ بِالْأَجْرِ بِفعل نَائِبه
وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يحرم الرّفْقَة عَن الْمغمى عَلَيْهِ فَجعلُوا إِحْرَام رفقته بِمَنْزِلَة إِحْرَامه وَجعل الشَّارِع إِسْلَام الْأَبَوَيْنِ بِمَنْزِلَة إِسْلَام أطفالهما وَكَذَلِكَ إِسْلَام السابي وَالْمَالِك على القَوْل الْمَنْصُوص فقد رَأَيْت كَيفَ عدت هَذِه الشَّرِيعَة الْكَامِلَة أَفعَال الْبر من فاعلها إِلَى غَيرهم فَكيف يَلِيق بهَا أَن تحجر على العَبْد أَن ينفع وَالِديهِ ورحمه وإخوانه من الْمُسلمين فِي أعظم أَوْقَات حاجاتهم بِشَيْء من الْخَيْر عَلَيْهِ الشَّارِع فِي ثَوَاب عمله أَن يصرف مِنْهُ مَا شَاءَ إِلَى من شَاءَ من الْمُسلمين وَالَّذِي أوصل ثَوَاب الْحَج وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق هُوَ بِعَيْنِه الَّذِي يُوصل ثَوَاب الصّيام وَالصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَالِاعْتِكَاف وَهُوَ إِسْلَام المهدى وتبرع المهدى وإحسانه وَعدم حجر الشَّارِع عَلَيْهِ فِي الْإِحْسَان بل نَدبه إِلَى الْإِحْسَان بِكُل طَرِيق وَقد تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وتواترت أعظم تَوَاتر على أَخْبَار الْأَمْوَات لَهُم بوصول مَا يهدونه إِلَيْهِم من قِرَاءَة وَصَلَاة وَصدقَة وَحج وَغَيره وَلَو ذكرنَا مَا حكى لنا من أهل عصرنا وَمَا بلغنَا عَمَّن قبلنَا من ذَلِك لطال جدا وَقد قَالَ النَّبِي أرى رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فأعتبر تواطؤ رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وَهَذَا كَمَا يعْتَبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لَا يكذبُون فِي روايتهم وَلَا فِي رؤياهم إِذا تواطأت
فصل وَأما رد حَدِيث رَسُول الله وَهُوَ قَوْله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام
صَامَ عَنهُ وليه بِتِلْكَ الْوُجُوه الَّتِي ذكرتموها فَنحْن ننتصر لحَدِيث رَسُول الله ونبين مُوَافَقَته للصحيح من تِلْكَ الْوُجُوه وَأما الْبَاطِل فيكفينا بُطْلَانه من معارضته للْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح الَّذِي لَا تغمز قناته وَلَا سَبِيل إِلَى مُقَابلَته إِلَّا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة والإذعان وَالْقَبُول وَلَيْسَ لنا بعده الْخيرَة بل الْخيرَة وكل الْخيرَة فِي التَّسْلِيم لَهُ وَالْقَوْل بِهِ وَلَو خَالفه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب
فَأَما قَوْلكُم نرده بقول مَالك فِي موطئِهِ لَا يَصُوم أحد عَن أحد فمنازعوكم يَقُولُونَ بل نرد قَول مَالك هَذَا بقول النَّبِي فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِالصَّوَابِ وَأحسن ردا
وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يحرم الرّفْقَة عَن الْمغمى عَلَيْهِ فَجعلُوا إِحْرَام رفقته بِمَنْزِلَة إِحْرَامه وَجعل الشَّارِع إِسْلَام الْأَبَوَيْنِ بِمَنْزِلَة إِسْلَام أطفالهما وَكَذَلِكَ إِسْلَام السابي وَالْمَالِك على القَوْل الْمَنْصُوص فقد رَأَيْت كَيفَ عدت هَذِه الشَّرِيعَة الْكَامِلَة أَفعَال الْبر من فاعلها إِلَى غَيرهم فَكيف يَلِيق بهَا أَن تحجر على العَبْد أَن ينفع وَالِديهِ ورحمه وإخوانه من الْمُسلمين فِي أعظم أَوْقَات حاجاتهم بِشَيْء من الْخَيْر عَلَيْهِ الشَّارِع فِي ثَوَاب عمله أَن يصرف مِنْهُ مَا شَاءَ إِلَى من شَاءَ من الْمُسلمين وَالَّذِي أوصل ثَوَاب الْحَج وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق هُوَ بِعَيْنِه الَّذِي يُوصل ثَوَاب الصّيام وَالصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَالِاعْتِكَاف وَهُوَ إِسْلَام المهدى وتبرع المهدى وإحسانه وَعدم حجر الشَّارِع عَلَيْهِ فِي الْإِحْسَان بل نَدبه إِلَى الْإِحْسَان بِكُل طَرِيق وَقد تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وتواترت أعظم تَوَاتر على أَخْبَار الْأَمْوَات لَهُم بوصول مَا يهدونه إِلَيْهِم من قِرَاءَة وَصَلَاة وَصدقَة وَحج وَغَيره وَلَو ذكرنَا مَا حكى لنا من أهل عصرنا وَمَا بلغنَا عَمَّن قبلنَا من ذَلِك لطال جدا وَقد قَالَ النَّبِي أرى رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فأعتبر تواطؤ رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وَهَذَا كَمَا يعْتَبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لَا يكذبُون فِي روايتهم وَلَا فِي رؤياهم إِذا تواطأت
فصل وَأما رد حَدِيث رَسُول الله وَهُوَ قَوْله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام
صَامَ عَنهُ وليه بِتِلْكَ الْوُجُوه الَّتِي ذكرتموها فَنحْن ننتصر لحَدِيث رَسُول الله ونبين مُوَافَقَته للصحيح من تِلْكَ الْوُجُوه وَأما الْبَاطِل فيكفينا بُطْلَانه من معارضته للْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح الَّذِي لَا تغمز قناته وَلَا سَبِيل إِلَى مُقَابلَته إِلَّا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة والإذعان وَالْقَبُول وَلَيْسَ لنا بعده الْخيرَة بل الْخيرَة وكل الْخيرَة فِي التَّسْلِيم لَهُ وَالْقَوْل بِهِ وَلَو خَالفه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب
فَأَما قَوْلكُم نرده بقول مَالك فِي موطئِهِ لَا يَصُوم أحد عَن أحد فمنازعوكم يَقُولُونَ بل نرد قَول مَالك هَذَا بقول النَّبِي فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِالصَّوَابِ وَأحسن ردا
Translation
فصل وأما رد حديث رسول الله وهو قوله من مات وعليه صيام
#58
Chapter 58 — فصل أما قولكم ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت وقد قال
· ref. #58
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل أما قولكم ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت وقد قال
Translation
فصل أما قولكم ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت وقد قال
#59
Chapter 59 — فصل وأما قولكم انه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله
· ref. #59
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَأما قَوْله وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ عندنَا لَا خلاف فِيهِ فمالك ﵀ لم يحك إِجْمَاع الْأمة من شَرق الأَرْض وغربها وَإِنَّمَا حكى قَول أهل الْمَدِينَة فِيمَا بلغه وَلم يبلغهُ خلاف بَينهم وَعدم اطِّلَاعه ﵀ على الْخلاف فِي ذَلِك لَا يكون مسْقطًا لحَدِيث رَسُول الله بل لَو أجمع عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة كلهم لَكَانَ الْأَخْذ بِحَدِيث الْمَعْصُوم أولى من الْأَخْذ بقول أهل الْمَدِينَة الَّذين لم تضمن لنا الْعِصْمَة فِي قَوْلهم دون الْأمة وَلم يَجْعَل الله وَرَسُوله أَقْوَالهم حجَّة يجب الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَيْهَا بل قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾
وان كَانَ مَالك وَأهل الْمَدِينَة قد قَالُوا لَا يَصُوم أحد عَن أحد فقد روى الحكم بن عتيبة وَسَلَمَة بن كهيل عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه أفتى فِي قَضَاء رَمَضَان يطعم عَنهُ وَفِي النّذر يصام عَنهُ
وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَكثير من أهل الحَدِيث وَقَول أَبى عبيد وَقَالَ أَبُو ثَوْر يصام عَنهُ النّذر وَغَيره وَقَالَ الْحسن بن صَالح فِي النّذر يَصُوم عَنهُ وليه
فصل أما قَوْلكُم ابْن عَبَّاس هُوَ رَاوِي حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد قَالَ
لَا يَصُوم أحد عَن أحد فغاية هَذَا أَن يكون الصَّحَابِيّ قد أفتى بِخِلَاف مَا رَوَاهُ وَهَذَا لَا يقْدَح فِي رِوَايَته فَإِن رِوَايَته معصومة وفتواه غير معصومة وَيجوز أَن يكون نسى الحَدِيث أَو تَأَوَّلَه أَو اعْتقد لَهُ مُعَارضا راجحا فِي ظَنّه أَو لغير ذَلِك من الْأَسْبَاب على أَن فَتْوَى ابْن عَبَّاس غير مُعَارضَة للْحَدِيث فَإِنَّهُ أفتى فِي رَمَضَان أَنه لَا يَصُوم أحد عَن أحد وَأفْتى فِي النّذر أَنه يصام عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لروايته بل حمل الحَدِيث على النّذر
ثمَّ إِن حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه هُوَ ثَابت من رِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فَهَب أَن ابْن عَبَّاس خَالفه فَكَانَ مَاذَا فخلاف ابْن عَبَّاس لَا يقْدَح فِي رِوَايَة أم الْمُؤمنِينَ بل رد قَول ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أولى من رد رِوَايَتهَا بقوله
وَأَيْضًا فَإِن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قد اخْتلف عَنهُ فِي ذَلِك وَعنهُ رِوَايَتَانِ فَلَيْسَ إِسْقَاط الحَدِيث للرواية الْمُخَالفَة لَهُ عَنهُ أولى من إِسْقَاطهَا بالرواية الْأُخْرَى بِالْحَدِيثِ
فصل وَأما قَوْلكُم انه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده فَكَلَام مجازف لَا يقبل قَوْله
فَالْحَدِيث صَحِيح ثَابت مُتَّفق على صِحَّته رَوَاهُ صاحبا الصَّحِيح وَلم يخْتَلف فِي إِسْنَاده
قَالَ ابْن الْبر ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَصَححهُ الإِمَام أَحْمد وَذهب إِلَيْهِ وعلق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على صِحَّته فَقَالَ وَقد روى عَن النَّبِي فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت شَيْء فَإِن كَانَ ثَابتا صيم عَنهُ كَمَا يحجّ عَنهُ وَقد ثَبت بِلَا شكّ فَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَلِك قَالَ غير وَاحِد من أَئِمَّة أَصْحَابه قَالَ البيهقى بعد حكايته هَذَا اللَّفْظ عَن الشَّافِعِي قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم إِن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِك عِنْد الْجَواب عَن كَلَامه ﵀
وقولكم أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ إساءة أدب فِي اللَّفْظ وَخطأ عَظِيم فِي الْمَعْنى وَقد أعاذ الله رَسُوله أَن تعَارض سنته لنصوص الْقُرْآن بل تعاضدها وتؤيدها ويالله مَا يصنع التعصب ونصرة التَّقْلِيد وَقد تقدم من الْكَلَام على الْآيَة مَا فِيهِ كِفَايَة وَبينا أَنَّهَا لَا تعَارض بَينهَا وَبَين سنة رَسُول الله بِوَجْه وَإِنَّمَا يظنّ التَّعَارُض من سوء الْفَهم وَهَذِه طَريقَة وخيمة ذميمة وَهِي رد السّنَن الثَّابِتَة بِمَا يفهم من ظَاهر الْقُرْآن وَالْعلم كل الْعلم تَنْزِيل السّنَن على الْقُرْآن فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْهُ ومأخوذة عَمَّن جَاءَ بِهِ وَهِي بَيَان لَهُ لَا أَنَّهَا مناقضة لَهُ
وقولكم أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن النَّبِي انه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ كل يَوْم مد من حِنْطَة فخطأ قَبِيح فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ هَكَذَا أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مد من حِنْطَة هَكَذَا رَوَاهُ قَول ابْن عَبَّاس لَا قَول رَسُول الله فَكيف يُعَارض قَول رَسُول الله بقول ابْن عَبَّاس ثمَّ يقدم عَلَيْهِ مَعَ ثُبُوت الْخلاف عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَرَسُول الله لم يقل هَذَا الْكَلَام قطّ وَكَيف يَقُوله وَقد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَكَيف يَقُوله وَقد قَالَ فِي حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه أَن امْرَأَة قَالَت لَهُ إِن أمى مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك
وَأما قَوْلكُم انه معَارض بِحَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ فَمن هَذَا النمط فَإِنَّهُ حَدِيث بَاطِل على رَسُول الله
وان كَانَ مَالك وَأهل الْمَدِينَة قد قَالُوا لَا يَصُوم أحد عَن أحد فقد روى الحكم بن عتيبة وَسَلَمَة بن كهيل عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه أفتى فِي قَضَاء رَمَضَان يطعم عَنهُ وَفِي النّذر يصام عَنهُ
وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَكثير من أهل الحَدِيث وَقَول أَبى عبيد وَقَالَ أَبُو ثَوْر يصام عَنهُ النّذر وَغَيره وَقَالَ الْحسن بن صَالح فِي النّذر يَصُوم عَنهُ وليه
فصل أما قَوْلكُم ابْن عَبَّاس هُوَ رَاوِي حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد قَالَ
لَا يَصُوم أحد عَن أحد فغاية هَذَا أَن يكون الصَّحَابِيّ قد أفتى بِخِلَاف مَا رَوَاهُ وَهَذَا لَا يقْدَح فِي رِوَايَته فَإِن رِوَايَته معصومة وفتواه غير معصومة وَيجوز أَن يكون نسى الحَدِيث أَو تَأَوَّلَه أَو اعْتقد لَهُ مُعَارضا راجحا فِي ظَنّه أَو لغير ذَلِك من الْأَسْبَاب على أَن فَتْوَى ابْن عَبَّاس غير مُعَارضَة للْحَدِيث فَإِنَّهُ أفتى فِي رَمَضَان أَنه لَا يَصُوم أحد عَن أحد وَأفْتى فِي النّذر أَنه يصام عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لروايته بل حمل الحَدِيث على النّذر
ثمَّ إِن حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه هُوَ ثَابت من رِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فَهَب أَن ابْن عَبَّاس خَالفه فَكَانَ مَاذَا فخلاف ابْن عَبَّاس لَا يقْدَح فِي رِوَايَة أم الْمُؤمنِينَ بل رد قَول ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أولى من رد رِوَايَتهَا بقوله
وَأَيْضًا فَإِن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قد اخْتلف عَنهُ فِي ذَلِك وَعنهُ رِوَايَتَانِ فَلَيْسَ إِسْقَاط الحَدِيث للرواية الْمُخَالفَة لَهُ عَنهُ أولى من إِسْقَاطهَا بالرواية الْأُخْرَى بِالْحَدِيثِ
فصل وَأما قَوْلكُم انه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده فَكَلَام مجازف لَا يقبل قَوْله
فَالْحَدِيث صَحِيح ثَابت مُتَّفق على صِحَّته رَوَاهُ صاحبا الصَّحِيح وَلم يخْتَلف فِي إِسْنَاده
قَالَ ابْن الْبر ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَصَححهُ الإِمَام أَحْمد وَذهب إِلَيْهِ وعلق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على صِحَّته فَقَالَ وَقد روى عَن النَّبِي فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت شَيْء فَإِن كَانَ ثَابتا صيم عَنهُ كَمَا يحجّ عَنهُ وَقد ثَبت بِلَا شكّ فَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَلِك قَالَ غير وَاحِد من أَئِمَّة أَصْحَابه قَالَ البيهقى بعد حكايته هَذَا اللَّفْظ عَن الشَّافِعِي قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم إِن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِك عِنْد الْجَواب عَن كَلَامه ﵀
وقولكم أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ إساءة أدب فِي اللَّفْظ وَخطأ عَظِيم فِي الْمَعْنى وَقد أعاذ الله رَسُوله أَن تعَارض سنته لنصوص الْقُرْآن بل تعاضدها وتؤيدها ويالله مَا يصنع التعصب ونصرة التَّقْلِيد وَقد تقدم من الْكَلَام على الْآيَة مَا فِيهِ كِفَايَة وَبينا أَنَّهَا لَا تعَارض بَينهَا وَبَين سنة رَسُول الله بِوَجْه وَإِنَّمَا يظنّ التَّعَارُض من سوء الْفَهم وَهَذِه طَريقَة وخيمة ذميمة وَهِي رد السّنَن الثَّابِتَة بِمَا يفهم من ظَاهر الْقُرْآن وَالْعلم كل الْعلم تَنْزِيل السّنَن على الْقُرْآن فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْهُ ومأخوذة عَمَّن جَاءَ بِهِ وَهِي بَيَان لَهُ لَا أَنَّهَا مناقضة لَهُ
وقولكم أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن النَّبِي انه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ كل يَوْم مد من حِنْطَة فخطأ قَبِيح فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ هَكَذَا أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مد من حِنْطَة هَكَذَا رَوَاهُ قَول ابْن عَبَّاس لَا قَول رَسُول الله فَكيف يُعَارض قَول رَسُول الله بقول ابْن عَبَّاس ثمَّ يقدم عَلَيْهِ مَعَ ثُبُوت الْخلاف عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَرَسُول الله لم يقل هَذَا الْكَلَام قطّ وَكَيف يَقُوله وَقد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَكَيف يَقُوله وَقد قَالَ فِي حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه أَن امْرَأَة قَالَت لَهُ إِن أمى مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك
وَأما قَوْلكُم انه معَارض بِحَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ فَمن هَذَا النمط فَإِنَّهُ حَدِيث بَاطِل على رَسُول الله
Translation
فصل وأما قولكم انه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله
#60
Chapter 60 — فصل وأما كلام الشافعي ﵀ في تغليط راوي حديث ابن عباس رضى
· ref. #60
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
قَالَ البيهقى حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ لَا يَصح وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن كثير الْوَهم وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَصْحَاب نَافِع عَنهُ نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا من قَوْله
وَأما قَوْلكُم أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فَإِن أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد
فلعمر الله انه لقياس جلى الْبطلَان وَالْفساد لرد سنة رَسُول الله الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة لَهُ وشهادتها بِبُطْلَانِهِ وَقد أوضحنا الْفرق بَين قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته وَبَين انْتِفَاع الْمُسلم بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب صِيَام أَو صَدَقَة أَو صَلَاة ولعمر الله إِن الْفرق بَينهمَا أوضح من أَن يخفي وَهل فِي الْقيَاس أفسد من قِيَاس انْتِفَاع الْمُسلم بعد مَوته بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب عمله على قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته أَو قبُول التَّوْبَة عَن المجرم بعد مَوته
فصل وَأما كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي تغليط رَاوِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى
الله عَنْهُمَا أَن نذر أم سعد كَانَ صوما فقد أجَاب عَنهُ أنْصر النَّاس لَهُ هُوَ البيهقى وَنحن نذْكر كَلَامه بِلَفْظِهِ قَالَ فِي كتاب الْمعرفَة بعد أَن حكى كَلَامه قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد ابْن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم أَن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك قَالَ وَتشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ رِوَايَة عبد الله بن عَطاء الْمدنِي قَالَ حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة الأسلمى عَن أَبِيه قَالَ كنت عِنْد النَّبِي فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت تَصَدَّقت بوليدة على أُمِّي فَمَاتَتْ وَبقيت الوليدة قَالَ قد وَجب أجرك وَرجعت إِلَيْك فِي الْمِيرَاث قَالَت فَإِنَّهَا مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك قَالَت وَإِنَّهَا مَاتَت وَلم تحج قَالَ فحجى عَن أمك رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من أوجه عَن عبد الله بن عَطاء انتهي
قلت وَقد روى أَبُو بكر بن أَبى شيبَة حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صِيَام شهر أفأقضيه عَنْهَا فَقَالَ النَّبِي لَو كَانَ عَلَيْهَا دين أَكنت قاضيه عَنْهَا قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضى
وَأما قَوْلكُم أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فَإِن أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد
فلعمر الله انه لقياس جلى الْبطلَان وَالْفساد لرد سنة رَسُول الله الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة لَهُ وشهادتها بِبُطْلَانِهِ وَقد أوضحنا الْفرق بَين قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته وَبَين انْتِفَاع الْمُسلم بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب صِيَام أَو صَدَقَة أَو صَلَاة ولعمر الله إِن الْفرق بَينهمَا أوضح من أَن يخفي وَهل فِي الْقيَاس أفسد من قِيَاس انْتِفَاع الْمُسلم بعد مَوته بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب عمله على قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته أَو قبُول التَّوْبَة عَن المجرم بعد مَوته
فصل وَأما كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي تغليط رَاوِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى
الله عَنْهُمَا أَن نذر أم سعد كَانَ صوما فقد أجَاب عَنهُ أنْصر النَّاس لَهُ هُوَ البيهقى وَنحن نذْكر كَلَامه بِلَفْظِهِ قَالَ فِي كتاب الْمعرفَة بعد أَن حكى كَلَامه قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد ابْن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم أَن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك قَالَ وَتشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ رِوَايَة عبد الله بن عَطاء الْمدنِي قَالَ حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة الأسلمى عَن أَبِيه قَالَ كنت عِنْد النَّبِي فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت تَصَدَّقت بوليدة على أُمِّي فَمَاتَتْ وَبقيت الوليدة قَالَ قد وَجب أجرك وَرجعت إِلَيْك فِي الْمِيرَاث قَالَت فَإِنَّهَا مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك قَالَت وَإِنَّهَا مَاتَت وَلم تحج قَالَ فحجى عَن أمك رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من أوجه عَن عبد الله بن عَطاء انتهي
قلت وَقد روى أَبُو بكر بن أَبى شيبَة حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صِيَام شهر أفأقضيه عَنْهَا فَقَالَ النَّبِي لَو كَانَ عَلَيْهَا دين أَكنت قاضيه عَنْهَا قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضى
Translation
فصل وأما كلام الشافعي ﵀ في تغليط راوي حديث ابن عباس رضى