Back to the aqeedah library
160 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi الروح ط دار الفكر العربي
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Ibn Qayyim al-Jawziyya (ابن القيم الجوزية
160
Total sections
160 chapters
#121
Chapter 121 — فصل وكذلك القوة في أمر الله هي من تعظيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حتى
· ref. #121
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَأما المهانة فَهِيَ الدناءة والخسة وبذل النَّفس وابتذالها فِي نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السّفل فِي نيل شهواتهم وتواضع الْمَفْعُول بِهِ للْفَاعِل وتواضع طَالب كل حَظّ لمن يَرْجُو نيل حَظه مِنْهُ فَهَذَا كُله ضعة لَا تواضع وَالله سُبْحَانَهُ يحب التَّوَاضُع وَيبغض الضعة والمهانة وَفِي الصَّحِيح عَنهُ وَأوحى إِلَى أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد والتواضع الْمَحْمُود على نَوْعَيْنِ
النَّوْع الأول تواضع العَبْد عِنْد أَمر الله امتثالا وَعند نَهْيه اجتنابا فَإِن النَّفس لطلب الرَّاحَة تتلكأ فِي أمره فيبدو مِنْهَا نوع إباء وشراد هربا من الْعُبُودِيَّة وَتثبت عِنْد نَهْيه طلبا للظفر بِمَا منع مِنْهُ فَإِذا وضع العَبْد نَفسه لأمر الله وَنَهْيه فقد تواضع للعبودية
وَالنَّوْع الثَّانِي تواضعه لِعَظَمَة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فَكلما شمخت نَفسه ذكر عَظمَة الرب تَعَالَى وتفرده بذلك وغضبه الشَّديد على من نازعه ذَلِك فتواضعت إِلَيْهِ نَفسه وانكسر لِعَظَمَة الله قلبه وَاطْمَأَنَّ لهيبته وأخبت لسلطانه فَهَذَا غَايَة التَّوَاضُع وَهُوَ يسْتَلْزم الأول من غير عكس والمتواضع حَقِيقَة من رزق الْأَمريْنِ وَالله الْمُسْتَعَان
فصل وَكَذَلِكَ الْقُوَّة فِي أَمر الله هِيَ من تَعْظِيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حَتَّى
يقيمها الله والعلو فِي الأَرْض هُوَ من تَعْظِيم نَفسه وَطلب تفردها بالرياسة ونفاذ الْكَلِمَة سَوَاء عز أَمر الله أَو هان بل إِذا عَارضه أَمر الله وحقوقه ومرضاته فِي طلب علوه لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك وأهدره وأماته فِي تَحْصِيل علوه
وَكَذَلِكَ الحمية لله وَالْحمية للنَّفس فَالْأولى يثيرها تَعْظِيم الْأَمر والآمر وَالثَّانيَِة يثيرها تَعْظِيم النَّفس وَالْغَضَب لفَوَات حظوظها فالحمية لله أَن يحمى قلبه لَهُ من تَعْظِيم حُقُوقه وَهِي حَال عبد قد أشرق على قلبه نور سُلْطَان الله فَامْتَلَأَ قلبه بذلك النُّور فَإِذا غضب فَإِنَّمَا يغْضب من أجل نور ذَلِك السُّلْطَان الَّذِي ألْقى على قلبه وَكَانَ رَسُول الله إِذا غضب احْمَرَّتْ وجنتاه وبدا بَين عَيْنَيْهِ عرق يدره الْغَضَب وَلم يقم لغضبه شَيْء حَتَّى ينْتَقم لله وروى زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا غضب اشتعلت قلنسوته نَارا وَهَذَا بِخِلَاف الحمية للنَّفس فَإِنَّهَا حرارة تهيج من نَفسه لفَوَات حظها أَو طلبه فَإِن الْفِتْنَة فِي النَّفس والفتنة هِيَ الْحَرِيق وَالنَّفس متلظية بِنَار الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِنَّمَا هما حرارتان تظهران على الْأَركان حرارة من قبل النَّفس المطمئنة أثارها تَعْظِيم حق الله وحرارة من قبل النَّفس الأمارة أثارها استشعار فَوت الْحَظ
النَّوْع الأول تواضع العَبْد عِنْد أَمر الله امتثالا وَعند نَهْيه اجتنابا فَإِن النَّفس لطلب الرَّاحَة تتلكأ فِي أمره فيبدو مِنْهَا نوع إباء وشراد هربا من الْعُبُودِيَّة وَتثبت عِنْد نَهْيه طلبا للظفر بِمَا منع مِنْهُ فَإِذا وضع العَبْد نَفسه لأمر الله وَنَهْيه فقد تواضع للعبودية
وَالنَّوْع الثَّانِي تواضعه لِعَظَمَة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فَكلما شمخت نَفسه ذكر عَظمَة الرب تَعَالَى وتفرده بذلك وغضبه الشَّديد على من نازعه ذَلِك فتواضعت إِلَيْهِ نَفسه وانكسر لِعَظَمَة الله قلبه وَاطْمَأَنَّ لهيبته وأخبت لسلطانه فَهَذَا غَايَة التَّوَاضُع وَهُوَ يسْتَلْزم الأول من غير عكس والمتواضع حَقِيقَة من رزق الْأَمريْنِ وَالله الْمُسْتَعَان
فصل وَكَذَلِكَ الْقُوَّة فِي أَمر الله هِيَ من تَعْظِيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حَتَّى
يقيمها الله والعلو فِي الأَرْض هُوَ من تَعْظِيم نَفسه وَطلب تفردها بالرياسة ونفاذ الْكَلِمَة سَوَاء عز أَمر الله أَو هان بل إِذا عَارضه أَمر الله وحقوقه ومرضاته فِي طلب علوه لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك وأهدره وأماته فِي تَحْصِيل علوه
وَكَذَلِكَ الحمية لله وَالْحمية للنَّفس فَالْأولى يثيرها تَعْظِيم الْأَمر والآمر وَالثَّانيَِة يثيرها تَعْظِيم النَّفس وَالْغَضَب لفَوَات حظوظها فالحمية لله أَن يحمى قلبه لَهُ من تَعْظِيم حُقُوقه وَهِي حَال عبد قد أشرق على قلبه نور سُلْطَان الله فَامْتَلَأَ قلبه بذلك النُّور فَإِذا غضب فَإِنَّمَا يغْضب من أجل نور ذَلِك السُّلْطَان الَّذِي ألْقى على قلبه وَكَانَ رَسُول الله إِذا غضب احْمَرَّتْ وجنتاه وبدا بَين عَيْنَيْهِ عرق يدره الْغَضَب وَلم يقم لغضبه شَيْء حَتَّى ينْتَقم لله وروى زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا غضب اشتعلت قلنسوته نَارا وَهَذَا بِخِلَاف الحمية للنَّفس فَإِنَّهَا حرارة تهيج من نَفسه لفَوَات حظها أَو طلبه فَإِن الْفِتْنَة فِي النَّفس والفتنة هِيَ الْحَرِيق وَالنَّفس متلظية بِنَار الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِنَّمَا هما حرارتان تظهران على الْأَركان حرارة من قبل النَّفس المطمئنة أثارها تَعْظِيم حق الله وحرارة من قبل النَّفس الأمارة أثارها استشعار فَوت الْحَظ
Translation
فصل وكذلك القوة في أمر الله هي من تعظيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حتى
#122
Chapter 122 — فصل والفرق بين الجود والسرف أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه
· ref. #122
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل والفرق بين الجود والسرف أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه
Translation
فصل والفرق بين الجود والسرف أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه
#123
Chapter 123 — فصل والفرق بين المهابة والكبر أن المهابة أثر من آثار امتلاء القلب
· ref. #123
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وَالْفرق بَين الْجُود والسرف أَن الْجواد حَكِيم يضع الْعَطاء موَاضعه
والمسرف مبذر وَقد يُصَادف عطاؤه مَوْضِعه وَكَثِيرًا لَا يصادفه وإيضاح ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جعل فِي المَال حقوقا وَهِي نَوْعَانِ حُقُوق موظفة وَحُقُوق ثَانِيَة فالحقوق الموظفة كَالزَّكَاةِ والنفقات الْوَاجِبَة على من تلْزمهُ نَفَقَته
وَالثَّانيَِة كحق الضَّيْف ومكافأة المهدى وَمَا وقى بِهِ عرضه وَنَحْو ذَلِك فالجواد يتوخى بِمَالِه أَدَاء هَذِه الْحُقُوق على وَجه الْكَمَال طيبَة بذلك نَفسه راضية مؤملة للخلف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي العقبى فَهُوَ يخرج ذَلِك بسماحة قلب وسخاوة نفس وانشراح صدر بِخِلَاف المبذر فَإِنَّهُ يبسط يَده فِي مَاله بِحكم هَوَاهُ وشهوته جزَافا لَا على تَقْدِير وَلَا مُرَاعَاة مصلحَة وَإِن اتّفقت لَهُ فَالْأول بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي الأَرْض تنْبت وتوخى ببذره مَوَاضِع الْمغل والإنبات فَهَذَا لَا يعد مبذرا وَلَا سَفِيها وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي سباخ وعزاز من الأَرْض وَإِن اتّفق بذره فِي مَحل النَّبَات بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك الْمَكَان الْبذر فِيهِ ضائع معطل وَهَذَا الْمَكَان بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك يحْتَاج أَن يقْلع بعض زرعه ليصلح الْبَاقِي وَلِئَلَّا تضعف الأَرْض عَن تَرْبِيَته وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْجواد على الْإِطْلَاق بل كل جود فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جوده أقل من قَطْرَة فِي بحار الدُّنْيَا وَهِي من جوده وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا ينزل بِقدر مَا يَشَاء وجوده لَا يُنَاقض حكمته وَيَضَع عطاءه موَاضعه وَإِن خَفِي على أَكثر النَّاس أَن تِلْكَ موَاضعه فَالله يعلم حَيْثُ يضع فَضله وَأي الْمحَال أولى بِهِ
فصل وَالْفرق بَين المهابة وَالْكبر أَن المهابة أثر من آثَار امتلاء الْقلب
يعظمه الله ومحبته وإجلاله فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بذلك حل فِيهِ النُّور وَنزلت عَلَيْهِ السكينَة وألبس رِدَاء الهيبة فأكتسى وَجهه الْحَلَاوَة والمهابة فَأخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب محبَّة ومهابة فحنت إِلَيْهِ الأفئدة وقرت بِهِ الْعُيُون وأنست بِهِ الْقُلُوب فَكَلَامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وَعَمله نور وَإِن سكت علاهُ الْوَقار وَإِن تكلم أَخذ بالقلوب والأسماع
وَأما الْكبر فأثر من آثَار الْعجب وَالْبَغي من قلب قد امْتَلَأَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلم ترحلت مِنْهُ الْعُبُودِيَّة وَنزل عَلَيْهِ المقت فنظره إِلَى النَّاس شزر ومشيه بَينهم تبختر ومعاملته لَهُم مُعَاملَة الاستئثار لَا الإيثار وَلَا الْإِنْصَاف ذَاهِب بِنَفسِهِ تيها لَا يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ وَإِن رد عَلَيْهِ
والمسرف مبذر وَقد يُصَادف عطاؤه مَوْضِعه وَكَثِيرًا لَا يصادفه وإيضاح ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جعل فِي المَال حقوقا وَهِي نَوْعَانِ حُقُوق موظفة وَحُقُوق ثَانِيَة فالحقوق الموظفة كَالزَّكَاةِ والنفقات الْوَاجِبَة على من تلْزمهُ نَفَقَته
وَالثَّانيَِة كحق الضَّيْف ومكافأة المهدى وَمَا وقى بِهِ عرضه وَنَحْو ذَلِك فالجواد يتوخى بِمَالِه أَدَاء هَذِه الْحُقُوق على وَجه الْكَمَال طيبَة بذلك نَفسه راضية مؤملة للخلف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي العقبى فَهُوَ يخرج ذَلِك بسماحة قلب وسخاوة نفس وانشراح صدر بِخِلَاف المبذر فَإِنَّهُ يبسط يَده فِي مَاله بِحكم هَوَاهُ وشهوته جزَافا لَا على تَقْدِير وَلَا مُرَاعَاة مصلحَة وَإِن اتّفقت لَهُ فَالْأول بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي الأَرْض تنْبت وتوخى ببذره مَوَاضِع الْمغل والإنبات فَهَذَا لَا يعد مبذرا وَلَا سَفِيها وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي سباخ وعزاز من الأَرْض وَإِن اتّفق بذره فِي مَحل النَّبَات بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك الْمَكَان الْبذر فِيهِ ضائع معطل وَهَذَا الْمَكَان بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك يحْتَاج أَن يقْلع بعض زرعه ليصلح الْبَاقِي وَلِئَلَّا تضعف الأَرْض عَن تَرْبِيَته وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْجواد على الْإِطْلَاق بل كل جود فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جوده أقل من قَطْرَة فِي بحار الدُّنْيَا وَهِي من جوده وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا ينزل بِقدر مَا يَشَاء وجوده لَا يُنَاقض حكمته وَيَضَع عطاءه موَاضعه وَإِن خَفِي على أَكثر النَّاس أَن تِلْكَ موَاضعه فَالله يعلم حَيْثُ يضع فَضله وَأي الْمحَال أولى بِهِ
فصل وَالْفرق بَين المهابة وَالْكبر أَن المهابة أثر من آثَار امتلاء الْقلب
يعظمه الله ومحبته وإجلاله فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بذلك حل فِيهِ النُّور وَنزلت عَلَيْهِ السكينَة وألبس رِدَاء الهيبة فأكتسى وَجهه الْحَلَاوَة والمهابة فَأخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب محبَّة ومهابة فحنت إِلَيْهِ الأفئدة وقرت بِهِ الْعُيُون وأنست بِهِ الْقُلُوب فَكَلَامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وَعَمله نور وَإِن سكت علاهُ الْوَقار وَإِن تكلم أَخذ بالقلوب والأسماع
وَأما الْكبر فأثر من آثَار الْعجب وَالْبَغي من قلب قد امْتَلَأَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلم ترحلت مِنْهُ الْعُبُودِيَّة وَنزل عَلَيْهِ المقت فنظره إِلَى النَّاس شزر ومشيه بَينهم تبختر ومعاملته لَهُم مُعَاملَة الاستئثار لَا الإيثار وَلَا الْإِنْصَاف ذَاهِب بِنَفسِهِ تيها لَا يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ وَإِن رد عَلَيْهِ
Translation
فصل والفرق بين المهابة والكبر أن المهابة أثر من آثار امتلاء القلب
#124
Chapter 124 — فصل والفرق بين الصيانة والتكبر أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس
· ref. #124
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل والفرق بين الصيانة والتكبر أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس
Translation
فصل والفرق بين الصيانة والتكبر أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس
#125
Chapter 125 — فصل والفرق بين الشجاعة والجرأة أن الشجاعة من القلب وهي ثباته
· ref. #125
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
رأى أَنه قد بَالغ فِي الإنعام عَلَيْهِ لَا ينْطَلق لَهُم وَجهه وَلَا يسعهم خلقه وَلَا يرى لأحد عَلَيْهِ حَقًا وَيرى حُقُوقه على النَّاس وَلَا يرى فَضلهمْ عَلَيْهِ وَيرى فَضله لَا يزْدَاد من الله إِلَّا بعدا وَمن النَّاس إِلَّا صغَارًا أَو بغضا
فصل وَالْفرق بَين الصيانة والتكبر أَن الصائن لنَفسِهِ بِمَنْزِلَة رجل قد لبس
ثوبا جَدِيدا نفى الْبيَاض ذَا ثمن فَهُوَ يدْخل بِهِ على الْمُلُوك فَمن دونهم فَهُوَ يصونه عَن الْوَسخ وَالْغُبَار والطبوع وأنواع الْآثَار إبْقَاء على بياضه ونقائه فتراه صَاحب تعزز وهروب من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْشَى مِنْهَا عَلَيْهِ التلوث فَلَا يسمح بأثر وَلَا طبع وَلَا لوث يَعْلُو ثَوْبه وَإِن أَصَابَهُ شَيْء من ذَلِك على غرَّة بَادر إِلَى قلعة وإزالته ومحو أَثَره وَهَكَذَا الصائن لِقَلْبِهِ وَدينه ترَاهُ يجْتَنب طبوع الذُّنُوب وآثارها فَإِن لَهَا فِي الْقلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الْفَاحِشَة فِي الثَّوْب النقي للبياض وَلَكِن على الْعُيُون غشاوة أَن تدْرك تِلْكَ الطبوع فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الْخلق ويتباعد من تخالطهم مَخَافَة أَن يحصل لِقَلْبِهِ مَا يحصل للثوب الَّذِي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين وَنَحْوهم
يخلاف صَاحب الْعُلُوّ فَإِنَّهُ وَإِن شابه هَذَا فِي تحرزه وتجنبه فَهُوَ يقْصد أَنِّي علو رقابهم ويجعلهم تَحت قدمه فَهَذَا لون وَذَاكَ لون
فصل وَالْفرق بَين الشجَاعَة والجرأة أَن الشجَاعَة من الْقلب وَهِي ثباته
واستقراره عِنْد المخاوف وَهُوَ خلق يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَإِنَّهُ مَتى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت كَمَا أَن الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر وأصل الْجُبْن من سوء الظَّن ووسوسة النَّفس بالسوء وَهُوَ ينشأ من الرئة فَإِذا سَاءَ الظَّن ووسوست النَّفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره فَأَصَابَهُ الزلازل وَالِاضْطِرَاب لإزعاج الرئة لَهُ وتضييقها عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره عَن النَّبِي شَرّ مَا فِي الْمَرْء جبن خَالع وشح هَالِع فَسمى الْجُبْن خالعا لِأَنَّهُ يخلع الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قلا أَبُو جهل لعتبة بن ربيعَة يَوْم بدر انتفخ سحرك فَإِذا زَالَ الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل فَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا فالشجاعة حرارة الْقلب وغضبه وقيامه وانتصابه وثباته فَإِذا رَأَتْهُ الْأَعْضَاء كَذَلِك أعانته فَإِنَّهَا خدم لَهُ وجنود كَمَا أَنه إِذا ولى ولت سَائِر جُنُوده
فصل وَالْفرق بَين الصيانة والتكبر أَن الصائن لنَفسِهِ بِمَنْزِلَة رجل قد لبس
ثوبا جَدِيدا نفى الْبيَاض ذَا ثمن فَهُوَ يدْخل بِهِ على الْمُلُوك فَمن دونهم فَهُوَ يصونه عَن الْوَسخ وَالْغُبَار والطبوع وأنواع الْآثَار إبْقَاء على بياضه ونقائه فتراه صَاحب تعزز وهروب من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْشَى مِنْهَا عَلَيْهِ التلوث فَلَا يسمح بأثر وَلَا طبع وَلَا لوث يَعْلُو ثَوْبه وَإِن أَصَابَهُ شَيْء من ذَلِك على غرَّة بَادر إِلَى قلعة وإزالته ومحو أَثَره وَهَكَذَا الصائن لِقَلْبِهِ وَدينه ترَاهُ يجْتَنب طبوع الذُّنُوب وآثارها فَإِن لَهَا فِي الْقلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الْفَاحِشَة فِي الثَّوْب النقي للبياض وَلَكِن على الْعُيُون غشاوة أَن تدْرك تِلْكَ الطبوع فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الْخلق ويتباعد من تخالطهم مَخَافَة أَن يحصل لِقَلْبِهِ مَا يحصل للثوب الَّذِي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين وَنَحْوهم
يخلاف صَاحب الْعُلُوّ فَإِنَّهُ وَإِن شابه هَذَا فِي تحرزه وتجنبه فَهُوَ يقْصد أَنِّي علو رقابهم ويجعلهم تَحت قدمه فَهَذَا لون وَذَاكَ لون
فصل وَالْفرق بَين الشجَاعَة والجرأة أَن الشجَاعَة من الْقلب وَهِي ثباته
واستقراره عِنْد المخاوف وَهُوَ خلق يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَإِنَّهُ مَتى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت كَمَا أَن الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر وأصل الْجُبْن من سوء الظَّن ووسوسة النَّفس بالسوء وَهُوَ ينشأ من الرئة فَإِذا سَاءَ الظَّن ووسوست النَّفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره فَأَصَابَهُ الزلازل وَالِاضْطِرَاب لإزعاج الرئة لَهُ وتضييقها عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره عَن النَّبِي شَرّ مَا فِي الْمَرْء جبن خَالع وشح هَالِع فَسمى الْجُبْن خالعا لِأَنَّهُ يخلع الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قلا أَبُو جهل لعتبة بن ربيعَة يَوْم بدر انتفخ سحرك فَإِذا زَالَ الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل فَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا فالشجاعة حرارة الْقلب وغضبه وقيامه وانتصابه وثباته فَإِذا رَأَتْهُ الْأَعْضَاء كَذَلِك أعانته فَإِنَّهَا خدم لَهُ وجنود كَمَا أَنه إِذا ولى ولت سَائِر جُنُوده
Translation
فصل والفرق بين الشجاعة والجرأة أن الشجاعة من القلب وهي ثباته
#126
Chapter 126 — فصل وأما الفرق بين الحزم والجبن فالحازم هو الذي قد جمع عليه همه
· ref. #126
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما الفرق بين الحزم والجبن فالحازم هو الذي قد جمع عليه همه
Translation
فصل وأما الفرق بين الحزم والجبن فالحازم هو الذي قد جمع عليه همه
#127
Chapter 127 — فصل وأما الفرق بين الاقتصاد والشح أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من
· ref. #127
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وأما الفرق بين الاقتصاد والشح أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من
Translation
فصل وأما الفرق بين الاقتصاد والشح أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من
#128
Chapter 128 — فصل والفرق بين الاحتراز وسوء الظن أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج
· ref. #128
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَأما الجرأة فَهِيَ إقدام سَببه قلَّة المبالاة وَعدم النّظر فِي الْعَاقِبَة بل تقدم النَّفس فِي غير مَوضِع الْإِقْدَام معرضة عَن مُلَاحظَة الْعَارِض فإمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا
فصل وَأما الْفرق بَين الحزم والجبن فالحازم هُوَ الَّذِي قد جمع عَلَيْهِ همه
وإرادته وعقله وَوزن الْأُمُور بَعْضهَا بِبَعْض فأعد لكل مِنْهَا قرنة وَلَفْظَة الحزم تدل على الْقُوَّة وَالْإِجْمَاع وَمِنْه حزمة الْحَطب فحازم الرَّأْي هُوَ الَّذِي اجْتمعت لَهُ شئون رَأْيه وَعرف مِنْهَا خير الخيرين وَشر الشرين فأحجم فِي مَوضِع الإحجام رَأيا وعقلا لَا جبنا وَلَا ضعفا
الْعَاجِز الرَّأْي مضياع لفرصته ... حَتَّى إِذا فَاتَ أَمر عَاتب القدرا
فصل وَأما الْفرق بَين الاقتصاد وَالشح أَن الاقتصاد خلق مَحْمُود يتَوَلَّد من
خلقين عدل وَحِكْمَة فبالعدل يعتدل فِي الْمَنْع والبذل وبالحكمة يضع كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِعه الَّذِي يَلِيق بِهِ فيتولد من بَينهمَا الاقتصاد وَهُوَ وسط بَين طرفين مذمومين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما﴾ وَقَالَ تَعَالَى كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا
وَأما الشُّح فَهُوَ خلق ذميم يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَضعف النَّفس ويمده وعد الشَّيْطَان حَتَّى يصير هلعا والهلع شدَّة الْحِرْص على الشَّيْء والشره بِهِ فتولد عَنهُ الْمَنْع لبذله والجزع لفقده كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾
فصل وَالْفرق بَين الِاحْتِرَاز وَسُوء الظَّن أَن المحترز بِمَنْزِلَة رجل قد خرج
بِمَالِه ومركوبه مُسَافِرًا فَهُوَ يحْتَرز بِجهْدِهِ من كل قَاطع للطريق وكل مَكَان يتَوَقَّع مِنْهُ الشَّرّ وَكَذَلِكَ يكون مَعَ التأهب والاستعداد وَأخذ الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا ينجو من الْمَكْرُوه فالمحترز كالمتسلح المتطوع الَّذِي قد تأهب للقاء عدوه وَأعد لَهُ عدته فهمه فِي تهيئة أَسبَاب النجَاة ومحاربة عدوه قد أشغلته عَن سوء الظَّن بِهِ وَكلما سَاءَ بِهِ الظَّن أَخذ فِي أَنْوَاع الْعدة وَالتَّأَهُّب
فصل وَأما الْفرق بَين الحزم والجبن فالحازم هُوَ الَّذِي قد جمع عَلَيْهِ همه
وإرادته وعقله وَوزن الْأُمُور بَعْضهَا بِبَعْض فأعد لكل مِنْهَا قرنة وَلَفْظَة الحزم تدل على الْقُوَّة وَالْإِجْمَاع وَمِنْه حزمة الْحَطب فحازم الرَّأْي هُوَ الَّذِي اجْتمعت لَهُ شئون رَأْيه وَعرف مِنْهَا خير الخيرين وَشر الشرين فأحجم فِي مَوضِع الإحجام رَأيا وعقلا لَا جبنا وَلَا ضعفا
الْعَاجِز الرَّأْي مضياع لفرصته ... حَتَّى إِذا فَاتَ أَمر عَاتب القدرا
فصل وَأما الْفرق بَين الاقتصاد وَالشح أَن الاقتصاد خلق مَحْمُود يتَوَلَّد من
خلقين عدل وَحِكْمَة فبالعدل يعتدل فِي الْمَنْع والبذل وبالحكمة يضع كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِعه الَّذِي يَلِيق بِهِ فيتولد من بَينهمَا الاقتصاد وَهُوَ وسط بَين طرفين مذمومين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما﴾ وَقَالَ تَعَالَى كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا
وَأما الشُّح فَهُوَ خلق ذميم يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَضعف النَّفس ويمده وعد الشَّيْطَان حَتَّى يصير هلعا والهلع شدَّة الْحِرْص على الشَّيْء والشره بِهِ فتولد عَنهُ الْمَنْع لبذله والجزع لفقده كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾
فصل وَالْفرق بَين الِاحْتِرَاز وَسُوء الظَّن أَن المحترز بِمَنْزِلَة رجل قد خرج
بِمَالِه ومركوبه مُسَافِرًا فَهُوَ يحْتَرز بِجهْدِهِ من كل قَاطع للطريق وكل مَكَان يتَوَقَّع مِنْهُ الشَّرّ وَكَذَلِكَ يكون مَعَ التأهب والاستعداد وَأخذ الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا ينجو من الْمَكْرُوه فالمحترز كالمتسلح المتطوع الَّذِي قد تأهب للقاء عدوه وَأعد لَهُ عدته فهمه فِي تهيئة أَسبَاب النجَاة ومحاربة عدوه قد أشغلته عَن سوء الظَّن بِهِ وَكلما سَاءَ بِهِ الظَّن أَخذ فِي أَنْوَاع الْعدة وَالتَّأَهُّب
Translation
فصل والفرق بين الاحتراز وسوء الظن أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج
#129
Chapter 129 — فصل والفرق بين الفراسة والظن أن الظن يخطىء ويصيب وهو يكون مع ظلمة
· ref. #129
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَأما سوء الظَّن فَهُوَ امتلاء قلبه بالظنون السَّيئَة بِالنَّاسِ حَتَّى يطفح على لِسَانه وجوارحه فهم مَعَه أبدا فِي الْهَمْز واللمز والطعن وَالْعَيْب والبغض ببغضهم ويبغضونه ويلعنهم ويلعنونه ويحذرهم ويحذرون مِنْهُ فَالْأول يخالطهم ويحترز مِنْهُم وَالثَّانِي يتجنبهم ويلحقه أذاهم الأول دَاخل فيهم بِالنَّصِيحَةِ وَالْإِحْسَان مَعَ الِاحْتِرَاز وَالثَّانِي خَارج مِنْهُم مَعَ الْغِشّ والدغل والبغض
فصل وَالْفرق بَين الفراسة وَالظَّن أَن الظَّن يخطىء ويصيب وَهُوَ يكون مَعَ ظلمَة
الْقلب ونوره وطهارته ونجاسته وَلِهَذَا أَمر تَعَالَى باجتناب كثير مِنْهُ وَأخْبر أَن بعضه إِثْم
وَأما الفراسة فَأثْنى على أَهلهَا ومدحهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره أَي للمتفرسين وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو نشَاء لأريناهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وَقرب من الله فَهُوَ ينظر بِنور الله الَّذِي جعله فِي قلبه وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله وَهَذِه الفراسة نشأت لَهُ من قربه من الله فَإِن الْقلب إِذا قرب من الله انْقَطَعت عَنهُ معارضات السوء الْمَانِعَة من معرفَة الْحق وإدراكه وَكَانَ تلقيه من مشكاة قريبَة من الله بِحَسب قربه مِنْهُ وأضاء لَهُ النُّور بِقدر قربه فَرَأى فِي ذَلِك النُّور مَا لم يره الْبعيد والمحجوب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِيمَا يرْوى عَن ربه ﷿ أَنه قَالَ مَا تقرب إِلَى عَبدِي بِمثل مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَى بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن تقرب عَبده مِنْهُ يفِيدهُ محبته لَهُ فَإِذا أحبه قرب من سَمعه وبصره وَيَده وَرجله فَسمع بِهِ وَأبْصر بِهِ وبطش بِهِ وَمَشى بِهِ فَصَارَ قلبه كالمرآة الصافية تبدو فِيهَا صور الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا تكَاد تخطىء لَهُ فراسة فَإِن العَبْد إِذا أبْصر بِاللَّه أبْصر الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا سمع بِاللَّه سَمعه على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا من علم الْغَيْب بل علام الغيوب قذف الْحق فِي قلب قريب مُسْتَبْشِرٍ بنوره غير مَشْغُول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس الَّتِي تَمنعهُ من حُصُول صورا الْحَقَائِق فِيهِ وَإِذا غلب على الْقلب النُّور فاض على الْأَركان وبادر من الْقلب إِلَى الْعين فكشف بِعَين بَصَره بِحَسب ذَلِك النُّور وَقد كَانَ رَسُول الله يرى أَصْحَابه فِي الصَّلَاة وهم خَلفه كَمَا يراهم أَمَامه وَرَأى بَيت الْمُقَدّس عيَانًا وَهُوَ
بِمَكَّة وَرَأى قُصُور الشَّام وأبواب صنعاء وَمَدَائِن كسْرَى وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يحْفر الخَنْدَق وَرَأى أمراءه بمؤتة وَقد أصيبوا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَرَأى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ لما مَاتَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَخرج إِلَى المصل فصلى عَلَيْهِ وَرَأى عمر سَارِيَة بنهاوند من أَرض فَارس هُوَ وعساكر الْمُسلمين وهم يُقَاتلُون عدوهم فناداه يَا سَارِيَة الْجَبَل وَدخل عَلَيْهِ نفر من مذْحج فيهم الأشتر النَّخعِيّ فَصَعدَ فِيهِ الْبَصَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ أَيهمْ هَذَا قَالُوا مَالك بن الْحَارِث فَقَالَ مَاله قَاتله الله إِنِّي لأرى للْمُسلمين مِنْهُ يَوْمًا عصيبا
وَدخل عَمْرو بن عبيد على الْحسن فَقَالَ هَذَا سيد الفتيان إِن لم يحدث وَقيل أَن الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن الْحسن جلسا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد أتفرس أَنه نجار فَقَالَ الشَّافِعِي أتفرس أَنه حداد فَسَأَلَاهُ فَقَالَ كنت حدادا وَأَنا الْيَوْم أنجر وَدخل أَبُو الْحسن البوشنجي وَالْحسن الْحداد على أبي الْقَاسِم المناوى يعودانه فاشتريا فِي طريقهما بِنصْف دِرْهَم تفاحا نَسِيئَة فَلَمَّا دخلا عَلَيْهِ قَالَ مَا هَذِه الظلمَة فَخَرَجَا وَقَالا مَا علمنَا لَعَلَّ هَذَا من قبل مِمَّن التفاح فأعطيا الثّمن ثمَّ عادا إِلَيْهِ وَوَقع بَصَره عَلَيْهِمَا فَقَالَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يخرج من الظلمَة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فَأَخْبَرَاهُ بالقصة فَقَالَ نعم كَانَ كل وَاحِد مِنْكُمَا يعْتَمد على صَاحبه فِي إِعْطَاء الثّمن وَالرجل مستح مِنْكُمَا فِي التقاضي وَكَانَ بَين زَكَرِيَّا النخشي وَبَين امْرَأَة سَبَب قبل تَوْبَته فَكَانَ يَوْمًا وَاقِفًا على رَأس أبي عُثْمَان الخيري فتفكر فِي شَأْنهَا فَرفع أَبُو عُثْمَان إِلَيْهِ رَأسه وَقَالَ أَلا تَسْتَحي وَكَانَ شاه الْكرْمَانِي جيد الفراسة لَا نخطىء فراسته وَكَانَ يَقُول من غض بَصَره عَن الْمَحَارِم وَأمْسك نَفسه عَن الشَّهَوَات وَعمر بَاطِنه بدوام المراقبة وظاهرة بإتباع السّنة وتعود أكل الْحَلَال لم تخطىء فراسته وَكَانَ شَاب يصحب الْجُنَيْد يتَكَلَّم على الخواطر فَذكر للجنيد فَقَالَ إيش هَذَا الَّذِي ذكر لي عَنْك فَقَالَ لَهُ اعْتقد شَيْئا فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا فَقَالَ فأعتقد ثَانِيًا قَالَ اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا قَالَ فَاعْتقد ثَالِثا قَالَ اعتقدت قَالَ الشَّاب هُوَ كَذَا وَكَذَا قَالَ لَا فَقَالَ الشَّاب هَذَا عجب وَأَنت صَدُوق وَأَنا أعرف قلبِي فَقَالَ الْجُنَيْد صدقت فِي الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة لَكِن أردْت أَن أمتحنك هَل يتَغَيَّر قَلْبك وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل فَقير عَلَيْهِ خرقتان يسْأَل شَيْئا فَقلت فِي نَفسِي مثل هَذَا كل على النَّاس فَنظر إِلَى وَقَالَ اعلموا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ قَالَ فأستغفرت فِي سري فناداني وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَواص كنت فِي الْجَامِع فَأقبل شَاب طيب الرَّائِحَة حسن الْوَجْه حسن
فصل وَالْفرق بَين الفراسة وَالظَّن أَن الظَّن يخطىء ويصيب وَهُوَ يكون مَعَ ظلمَة
الْقلب ونوره وطهارته ونجاسته وَلِهَذَا أَمر تَعَالَى باجتناب كثير مِنْهُ وَأخْبر أَن بعضه إِثْم
وَأما الفراسة فَأثْنى على أَهلهَا ومدحهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره أَي للمتفرسين وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو نشَاء لأريناهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وَقرب من الله فَهُوَ ينظر بِنور الله الَّذِي جعله فِي قلبه وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله وَهَذِه الفراسة نشأت لَهُ من قربه من الله فَإِن الْقلب إِذا قرب من الله انْقَطَعت عَنهُ معارضات السوء الْمَانِعَة من معرفَة الْحق وإدراكه وَكَانَ تلقيه من مشكاة قريبَة من الله بِحَسب قربه مِنْهُ وأضاء لَهُ النُّور بِقدر قربه فَرَأى فِي ذَلِك النُّور مَا لم يره الْبعيد والمحجوب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِيمَا يرْوى عَن ربه ﷿ أَنه قَالَ مَا تقرب إِلَى عَبدِي بِمثل مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَى بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن تقرب عَبده مِنْهُ يفِيدهُ محبته لَهُ فَإِذا أحبه قرب من سَمعه وبصره وَيَده وَرجله فَسمع بِهِ وَأبْصر بِهِ وبطش بِهِ وَمَشى بِهِ فَصَارَ قلبه كالمرآة الصافية تبدو فِيهَا صور الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا تكَاد تخطىء لَهُ فراسة فَإِن العَبْد إِذا أبْصر بِاللَّه أبْصر الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا سمع بِاللَّه سَمعه على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا من علم الْغَيْب بل علام الغيوب قذف الْحق فِي قلب قريب مُسْتَبْشِرٍ بنوره غير مَشْغُول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس الَّتِي تَمنعهُ من حُصُول صورا الْحَقَائِق فِيهِ وَإِذا غلب على الْقلب النُّور فاض على الْأَركان وبادر من الْقلب إِلَى الْعين فكشف بِعَين بَصَره بِحَسب ذَلِك النُّور وَقد كَانَ رَسُول الله يرى أَصْحَابه فِي الصَّلَاة وهم خَلفه كَمَا يراهم أَمَامه وَرَأى بَيت الْمُقَدّس عيَانًا وَهُوَ
بِمَكَّة وَرَأى قُصُور الشَّام وأبواب صنعاء وَمَدَائِن كسْرَى وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يحْفر الخَنْدَق وَرَأى أمراءه بمؤتة وَقد أصيبوا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَرَأى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ لما مَاتَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَخرج إِلَى المصل فصلى عَلَيْهِ وَرَأى عمر سَارِيَة بنهاوند من أَرض فَارس هُوَ وعساكر الْمُسلمين وهم يُقَاتلُون عدوهم فناداه يَا سَارِيَة الْجَبَل وَدخل عَلَيْهِ نفر من مذْحج فيهم الأشتر النَّخعِيّ فَصَعدَ فِيهِ الْبَصَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ أَيهمْ هَذَا قَالُوا مَالك بن الْحَارِث فَقَالَ مَاله قَاتله الله إِنِّي لأرى للْمُسلمين مِنْهُ يَوْمًا عصيبا
وَدخل عَمْرو بن عبيد على الْحسن فَقَالَ هَذَا سيد الفتيان إِن لم يحدث وَقيل أَن الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن الْحسن جلسا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد أتفرس أَنه نجار فَقَالَ الشَّافِعِي أتفرس أَنه حداد فَسَأَلَاهُ فَقَالَ كنت حدادا وَأَنا الْيَوْم أنجر وَدخل أَبُو الْحسن البوشنجي وَالْحسن الْحداد على أبي الْقَاسِم المناوى يعودانه فاشتريا فِي طريقهما بِنصْف دِرْهَم تفاحا نَسِيئَة فَلَمَّا دخلا عَلَيْهِ قَالَ مَا هَذِه الظلمَة فَخَرَجَا وَقَالا مَا علمنَا لَعَلَّ هَذَا من قبل مِمَّن التفاح فأعطيا الثّمن ثمَّ عادا إِلَيْهِ وَوَقع بَصَره عَلَيْهِمَا فَقَالَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يخرج من الظلمَة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فَأَخْبَرَاهُ بالقصة فَقَالَ نعم كَانَ كل وَاحِد مِنْكُمَا يعْتَمد على صَاحبه فِي إِعْطَاء الثّمن وَالرجل مستح مِنْكُمَا فِي التقاضي وَكَانَ بَين زَكَرِيَّا النخشي وَبَين امْرَأَة سَبَب قبل تَوْبَته فَكَانَ يَوْمًا وَاقِفًا على رَأس أبي عُثْمَان الخيري فتفكر فِي شَأْنهَا فَرفع أَبُو عُثْمَان إِلَيْهِ رَأسه وَقَالَ أَلا تَسْتَحي وَكَانَ شاه الْكرْمَانِي جيد الفراسة لَا نخطىء فراسته وَكَانَ يَقُول من غض بَصَره عَن الْمَحَارِم وَأمْسك نَفسه عَن الشَّهَوَات وَعمر بَاطِنه بدوام المراقبة وظاهرة بإتباع السّنة وتعود أكل الْحَلَال لم تخطىء فراسته وَكَانَ شَاب يصحب الْجُنَيْد يتَكَلَّم على الخواطر فَذكر للجنيد فَقَالَ إيش هَذَا الَّذِي ذكر لي عَنْك فَقَالَ لَهُ اعْتقد شَيْئا فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا فَقَالَ فأعتقد ثَانِيًا قَالَ اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا قَالَ فَاعْتقد ثَالِثا قَالَ اعتقدت قَالَ الشَّاب هُوَ كَذَا وَكَذَا قَالَ لَا فَقَالَ الشَّاب هَذَا عجب وَأَنت صَدُوق وَأَنا أعرف قلبِي فَقَالَ الْجُنَيْد صدقت فِي الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة لَكِن أردْت أَن أمتحنك هَل يتَغَيَّر قَلْبك وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل فَقير عَلَيْهِ خرقتان يسْأَل شَيْئا فَقلت فِي نَفسِي مثل هَذَا كل على النَّاس فَنظر إِلَى وَقَالَ اعلموا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ قَالَ فأستغفرت فِي سري فناداني وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَواص كنت فِي الْجَامِع فَأقبل شَاب طيب الرَّائِحَة حسن الْوَجْه حسن
Translation
فصل والفرق بين الفراسة والظن أن الظن يخطىء ويصيب وهو يكون مع ظلمة
#130
Chapter 130 — فصل والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير
· ref. #130
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير
Translation
فصل والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير
#131
Chapter 131 — فصل والفرق بين الهدية والرشوة وإن اشتبها في الصورة القصد فإن الراشي
· ref. #131
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
الْحُرْمَة فَقلت لِأَصْحَابِنَا يَقع لي أَنه يَهُودِيّ فكلهم كره ذَلِك فَخرجت وَخرج الشَّاب ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم فَقَالَ إيش قَالَ الشَّيْخ فأحتشموه فألح عَلَيْهِم فَقَالُوا قَالَ إِنَّك يَهُودِيّ فجَاء فأكب على يَدي فَأسلم فَقلت مَا السَّبَب فَقَالَ نجد فِي كتَابنَا أَن الصّديق لَا تخطىء فراسته فَقلت امتحن الْمُسلمين فتأملتهم فَقلت إِن كَانَ فيهم صديق فَفِي هَذِه الطَّائِفَة فَلبِست عَلَيْكُم فَلَمَّا اطلع هَذَا الشَّيْخ على وتفرسني علمت أَنه صديق وَهَذَا عُثْمَان بن عَفَّان دخل عَلَيْهِ رجل من الصَّحَابَة وَقد رأى امْرَأَة فِي الطَّرِيق فَتَأمل محاسنها فَقَالَ لَهُ عُثْمَان يدْخل على أحدكُم واثر الزِّنَا ظَاهر على عَيْنَيْهِ فَقلت أوحى بعد رَسُول الله فَقَالَ لَا وَلَكِن تبصرة وبرهان وفراسة صَادِقَة
فَهَذَا شَأْن الفراسة وَهِي نور يقذفه الله فِي الْقلب فيخطر لَهُ الشَّيْء فَيكون كَمَا خطر لَهُ وَينفذ إِلَى الْعين فَيرى مَالا يرَاهُ غَيرهَا
فصل وَالْفرق بَين النَّصِيحَة والغيبة أَن النَّصِيحَة يكون الْقَصْد فِيهَا تحذير
الْمُسلم من مُبْتَدع أَو فتان أَو غاش أَو مُفسد فَتذكر مَا فِيهِ إِذا استشارك فِي صحبته ومعاملته والتعلق بِهِ كَمَا قَالَ النَّبِي لفاطمة بنت قيس وَقد استشارته فِي نِكَاح مُعَاوِيَة وَأبي جهم فَقَالَ أما مُعَاوِيَة فصعلوك وَأما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه وَقَالَ بعض أَصْحَابه لمن سَافر مَعَه إِذا هَبَطت عَن بِلَاد قومه فأحذروه
فَإِذا وَقعت الْغَيْبَة على وَجه النَّصِيحَة لله وَرَسُوله وعباده الْمُسلمين فَهِيَ قربَة إِلَى الله من جملَة الْحَسَنَات وَإِذا وَقعت على وَجه ذمّ أَخِيك وتمزيق عرضه والتفكه بِلَحْمِهِ والغض مِنْهُ لتَضَع مَنْزِلَته من قُلُوب النَّاس فَهِيَ الدَّاء العضال ونار الْحَسَنَات الَّتِي تأكلها كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب
فصل وَالْفرق بَين الْهَدِيَّة والرشوة وَإِن اشتبها فِي الصُّورَة الْقَصْد فَإِن الراشي
قَصده بالرشوة التَّوَصُّل إِلَى إبِْطَال حق أَو تَحْقِيق بَاطِل فَهَذَا الراشي الملعون على لِسَان رَسُول الله فَإِن رشا لدفع الظُّلم عَن نَفسه اخْتصَّ المرتشي وَحده باللعنة
وَأما المهدى فقصده استجلاب الْمَوَدَّة والمعرفة وَالْإِحْسَان فَإِن قصد الْمُكَافَأَة فَهُوَ معاوض وَإِن قصد الرِّبْح فَهُوَ مستكثر
فَهَذَا شَأْن الفراسة وَهِي نور يقذفه الله فِي الْقلب فيخطر لَهُ الشَّيْء فَيكون كَمَا خطر لَهُ وَينفذ إِلَى الْعين فَيرى مَالا يرَاهُ غَيرهَا
فصل وَالْفرق بَين النَّصِيحَة والغيبة أَن النَّصِيحَة يكون الْقَصْد فِيهَا تحذير
الْمُسلم من مُبْتَدع أَو فتان أَو غاش أَو مُفسد فَتذكر مَا فِيهِ إِذا استشارك فِي صحبته ومعاملته والتعلق بِهِ كَمَا قَالَ النَّبِي لفاطمة بنت قيس وَقد استشارته فِي نِكَاح مُعَاوِيَة وَأبي جهم فَقَالَ أما مُعَاوِيَة فصعلوك وَأما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه وَقَالَ بعض أَصْحَابه لمن سَافر مَعَه إِذا هَبَطت عَن بِلَاد قومه فأحذروه
فَإِذا وَقعت الْغَيْبَة على وَجه النَّصِيحَة لله وَرَسُوله وعباده الْمُسلمين فَهِيَ قربَة إِلَى الله من جملَة الْحَسَنَات وَإِذا وَقعت على وَجه ذمّ أَخِيك وتمزيق عرضه والتفكه بِلَحْمِهِ والغض مِنْهُ لتَضَع مَنْزِلَته من قُلُوب النَّاس فَهِيَ الدَّاء العضال ونار الْحَسَنَات الَّتِي تأكلها كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب
فصل وَالْفرق بَين الْهَدِيَّة والرشوة وَإِن اشتبها فِي الصُّورَة الْقَصْد فَإِن الراشي
قَصده بالرشوة التَّوَصُّل إِلَى إبِْطَال حق أَو تَحْقِيق بَاطِل فَهَذَا الراشي الملعون على لِسَان رَسُول الله فَإِن رشا لدفع الظُّلم عَن نَفسه اخْتصَّ المرتشي وَحده باللعنة
وَأما المهدى فقصده استجلاب الْمَوَدَّة والمعرفة وَالْإِحْسَان فَإِن قصد الْمُكَافَأَة فَهُوَ معاوض وَإِن قصد الرِّبْح فَهُوَ مستكثر
Translation
فصل والفرق بين الهدية والرشوة وإن اشتبها في الصورة القصد فإن الراشي
#132
Chapter 132 — فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو
· ref. #132
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو
Translation
فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو
#133
Chapter 133 — فصل والفرق بين العفو والذل أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع
· ref. #133
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
فصل وَالْفرق بَين الصَّبْر وَالْقَسْوَة أَن الصَّبْر خلق كسبى يتخلق بِهِ العَبْد وَهُوَ
حبس النَّفس عَن الْجزع والهلع والتشكي فَيحْبس النَّفس عَن التسخط وَاللِّسَان عَن الشكوى والجوراح عَمَّا لَا يَنْبَغِي فعله وَهُوَ ثبات الْقلب على الْأَحْكَام الْقَدَرِيَّة والشرعية
وَأما الْقَسْوَة فيبس فِي الْقلب يمنعهُ من الانفعال وغلظة تَمنعهُ من التَّأْثِير بالنوازل فَلَا يتأثر لغلظته وقساوته لَا لِصَبْرِهِ واحتماله
وَتَحْقِيق هَذَا أَن الْقُلُوب ثَلَاثَة
قلب قَاس غليظ بِمَنْزِلَة الْيَد الْيَابِسَة وقلب مَائِع رَقِيق جدا
فَالْأول لَا ينفعل بِمَنْزِلَة للحجر وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة المَاء وَكِلَاهُمَا نَاقص وَأَصَح الْقُلُوب الْقلب الرَّقِيق الصافي الصلب فَهُوَ يرى الْحق من الْبَاطِل بصفائه وبقلبه ويؤثره برقته ويحفظه ويحارب عدوه بصلابته وَفِي الْأَثر الْقُلُوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إِلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها وَهَذَا الْقلب الزجاجي فَإِن الزجاجة جمعت الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وابغض الْقُلُوب إِلَى الله الْقلب القاسي قَالَ تَعَالَى ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم﴾ فَذكر القلبين المنحرفين عَن الِاعْتِدَال هَذَا بمرضه وَهَذَا بقسوته وَجعل إِلْقَاء الشَّيْطَان فتْنَة لأَصْحَاب هذَيْن القلبين وَرَحْمَة لأَصْحَاب الْقلب الثَّالِث وَهُوَ الْقلب الصافي الَّذِي ميز بَين إِلْقَاء الشَّيْطَان وإلقاء الْملك بصفائه وَقبل الْحق بإخباته ورقته وَحَارب النُّفُوس المبطلة بصلابته وقوته فَقَالَ تَعَالَى عقيب ذَلِك وليعلم الَّذين أُوتُوا الْعلم أَنه الْحق من رَبك فيؤمنوا بِهِ فتخبت لَهُ قُلُوبهم وَإِن الله لهادي الَّذين آمنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
فصل وَالْفرق بَين الْعَفو والذل أَن الْعَفو إِسْقَاط حَقك جودا وكرما وإحسانا مَعَ
قدرتك على الانتقام فتؤثر التّرْك رَغْبَة فِي الْإِحْسَان وَمَكَارِم الْأَخْلَاق بِخِلَاف الذل فَإِن صَاحبه يتْرك
الانتقام عَجزا وخوفا ومهانة نفس فَهَذَا مَذْمُوم غير مَحْمُود وَلَعَلَّ المنتقم بِالْحَقِّ أحسن حَالا مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾
فمدحهم بقوتهم على الِانْتِصَار لنفوسهم وتقاضيهم مِنْهَا ذَلِك حَتَّى إِذا قدرُوا على من بغى عَلَيْهِم وتمكنوا من اسْتِيفَاء مَالهم عَلَيْهِ ندبهم إِلَى الْخلق الشريف من الْعَفو والصفح فَقَالَ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين﴾ فَذكر المقامات الثَّلَاثَة الْعدْل وأباحه وَالْفضل وَندب إِلَيْهِ وَالظُّلم وَحرمه
فَإِن قيل فَكيف مدحهم على الِانْتِصَار وَالْعَفو وهما متنافيان
قيل لم يمدحهم على الِاسْتِيفَاء والانتقام وَإِنَّمَا مدحهم على الِانْتِصَار وَهُوَ الْقُدْرَة وَالْقُوَّة على اسْتِيفَاء حَقهم فَلَمَّا قدرُوا ندبهم إِلَى الْعَفو قَالَ بعض السّلف فِي هَذِه الْآيَة كَانُوا يكْرهُونَ أَن يستذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا فمدحهم على عَفْو بعد قدرَة لَا على عَفْو ذل وَعجز ومهانة وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الَّذِي مدح سُبْحَانَهُ بِهِ نَفسه فِي قَوْله وَكَانَ الله عفوا قَدِيرًا ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَفِي أثر مَعْرُوف حَملَة الْعَرْش أَرْبَعَة إثنان يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على حلمك بعد علمك وَاثْنَانِ يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على عفوك بعد قدرتك وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي أَن غفرت لَهُم غفرت عَن عزة وَهِي كَمَال الْقُدْرَة وَحِكْمَة وَهِي كَمَال الْعلم فغفرت بعد أَن علمت مَا عمِلُوا وأحاطت بهم قدرتك إِذْ الْمَخْلُوق قد يغْفر بعجزه عَن الانتقام وجهله بِحَقِيقَة مَا صدر من الْمُسِيء وَالْعَفو من الْمَخْلُوق ظَاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة وانتقام ظَاهره عز وباطنه ذل فَمَا زَاد الله بِعَفْو إِلَّا عزا لَا انتقم أحد لنَفسِهِ إِلَّا ذل وَلَو لم يكن إِلَّا بِفَوَات عز الْعَفو وَلِهَذَا مَا انتقم رَسُول الله لنَفسِهِ قطّ وَتَأمل قَوْله سُبْحَانَهُ وهم ينتصرون كَيفَ يفهم مِنْهُ أَن فيهم من الْقُوَّة مَا يكونُونَ هم بهَا المنتصرين لأَنْفُسِهِمْ لَا أَن غَيرهم هُوَ الَّذِي ينصرهم وَلما كَانَ الِانْتِصَار لَا تقف النُّفُوس فِيهِ على حد الْعدْل غَالِبا بل لَا بُد من الْمُجَاوزَة شرع فِيهِ سُبْحَانَهُ الْمُمَاثلَة والمساواة وَحرم الزِّيَادَة وَندب إِلَى الْعَفو
وَالْمَقْصُود أَن الْعَفو من أَخْلَاق النَّفس المطمئنة والذل من أَخْلَاق الْإِمَارَة ونكتة الْمَسْأَلَة أَن الانتقام شَيْء والانتصار شَيْء فالانتصار أَن ينتصر لحق الله وَمن أَجله وَلَا يقوى على ذَلِك إِلَّا من تخلص من ذل حَظه ورق هَوَاهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ينَال حظا من الْعِزّ الَّذِي قسم الله الْمُؤمنِينَ فَإِذا بغى عَلَيْهِ انتصر من الْبَاغِي من أجل عز الله الَّذِي أعزه بِهِ غيرَة على ذَلِك الْعِزّ
حبس النَّفس عَن الْجزع والهلع والتشكي فَيحْبس النَّفس عَن التسخط وَاللِّسَان عَن الشكوى والجوراح عَمَّا لَا يَنْبَغِي فعله وَهُوَ ثبات الْقلب على الْأَحْكَام الْقَدَرِيَّة والشرعية
وَأما الْقَسْوَة فيبس فِي الْقلب يمنعهُ من الانفعال وغلظة تَمنعهُ من التَّأْثِير بالنوازل فَلَا يتأثر لغلظته وقساوته لَا لِصَبْرِهِ واحتماله
وَتَحْقِيق هَذَا أَن الْقُلُوب ثَلَاثَة
قلب قَاس غليظ بِمَنْزِلَة الْيَد الْيَابِسَة وقلب مَائِع رَقِيق جدا
فَالْأول لَا ينفعل بِمَنْزِلَة للحجر وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة المَاء وَكِلَاهُمَا نَاقص وَأَصَح الْقُلُوب الْقلب الرَّقِيق الصافي الصلب فَهُوَ يرى الْحق من الْبَاطِل بصفائه وبقلبه ويؤثره برقته ويحفظه ويحارب عدوه بصلابته وَفِي الْأَثر الْقُلُوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إِلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها وَهَذَا الْقلب الزجاجي فَإِن الزجاجة جمعت الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وابغض الْقُلُوب إِلَى الله الْقلب القاسي قَالَ تَعَالَى ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم﴾ فَذكر القلبين المنحرفين عَن الِاعْتِدَال هَذَا بمرضه وَهَذَا بقسوته وَجعل إِلْقَاء الشَّيْطَان فتْنَة لأَصْحَاب هذَيْن القلبين وَرَحْمَة لأَصْحَاب الْقلب الثَّالِث وَهُوَ الْقلب الصافي الَّذِي ميز بَين إِلْقَاء الشَّيْطَان وإلقاء الْملك بصفائه وَقبل الْحق بإخباته ورقته وَحَارب النُّفُوس المبطلة بصلابته وقوته فَقَالَ تَعَالَى عقيب ذَلِك وليعلم الَّذين أُوتُوا الْعلم أَنه الْحق من رَبك فيؤمنوا بِهِ فتخبت لَهُ قُلُوبهم وَإِن الله لهادي الَّذين آمنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
فصل وَالْفرق بَين الْعَفو والذل أَن الْعَفو إِسْقَاط حَقك جودا وكرما وإحسانا مَعَ
قدرتك على الانتقام فتؤثر التّرْك رَغْبَة فِي الْإِحْسَان وَمَكَارِم الْأَخْلَاق بِخِلَاف الذل فَإِن صَاحبه يتْرك
الانتقام عَجزا وخوفا ومهانة نفس فَهَذَا مَذْمُوم غير مَحْمُود وَلَعَلَّ المنتقم بِالْحَقِّ أحسن حَالا مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾
فمدحهم بقوتهم على الِانْتِصَار لنفوسهم وتقاضيهم مِنْهَا ذَلِك حَتَّى إِذا قدرُوا على من بغى عَلَيْهِم وتمكنوا من اسْتِيفَاء مَالهم عَلَيْهِ ندبهم إِلَى الْخلق الشريف من الْعَفو والصفح فَقَالَ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين﴾ فَذكر المقامات الثَّلَاثَة الْعدْل وأباحه وَالْفضل وَندب إِلَيْهِ وَالظُّلم وَحرمه
فَإِن قيل فَكيف مدحهم على الِانْتِصَار وَالْعَفو وهما متنافيان
قيل لم يمدحهم على الِاسْتِيفَاء والانتقام وَإِنَّمَا مدحهم على الِانْتِصَار وَهُوَ الْقُدْرَة وَالْقُوَّة على اسْتِيفَاء حَقهم فَلَمَّا قدرُوا ندبهم إِلَى الْعَفو قَالَ بعض السّلف فِي هَذِه الْآيَة كَانُوا يكْرهُونَ أَن يستذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا فمدحهم على عَفْو بعد قدرَة لَا على عَفْو ذل وَعجز ومهانة وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الَّذِي مدح سُبْحَانَهُ بِهِ نَفسه فِي قَوْله وَكَانَ الله عفوا قَدِيرًا ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَفِي أثر مَعْرُوف حَملَة الْعَرْش أَرْبَعَة إثنان يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على حلمك بعد علمك وَاثْنَانِ يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على عفوك بعد قدرتك وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي أَن غفرت لَهُم غفرت عَن عزة وَهِي كَمَال الْقُدْرَة وَحِكْمَة وَهِي كَمَال الْعلم فغفرت بعد أَن علمت مَا عمِلُوا وأحاطت بهم قدرتك إِذْ الْمَخْلُوق قد يغْفر بعجزه عَن الانتقام وجهله بِحَقِيقَة مَا صدر من الْمُسِيء وَالْعَفو من الْمَخْلُوق ظَاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة وانتقام ظَاهره عز وباطنه ذل فَمَا زَاد الله بِعَفْو إِلَّا عزا لَا انتقم أحد لنَفسِهِ إِلَّا ذل وَلَو لم يكن إِلَّا بِفَوَات عز الْعَفو وَلِهَذَا مَا انتقم رَسُول الله لنَفسِهِ قطّ وَتَأمل قَوْله سُبْحَانَهُ وهم ينتصرون كَيفَ يفهم مِنْهُ أَن فيهم من الْقُوَّة مَا يكونُونَ هم بهَا المنتصرين لأَنْفُسِهِمْ لَا أَن غَيرهم هُوَ الَّذِي ينصرهم وَلما كَانَ الِانْتِصَار لَا تقف النُّفُوس فِيهِ على حد الْعدْل غَالِبا بل لَا بُد من الْمُجَاوزَة شرع فِيهِ سُبْحَانَهُ الْمُمَاثلَة والمساواة وَحرم الزِّيَادَة وَندب إِلَى الْعَفو
وَالْمَقْصُود أَن الْعَفو من أَخْلَاق النَّفس المطمئنة والذل من أَخْلَاق الْإِمَارَة ونكتة الْمَسْأَلَة أَن الانتقام شَيْء والانتصار شَيْء فالانتصار أَن ينتصر لحق الله وَمن أَجله وَلَا يقوى على ذَلِك إِلَّا من تخلص من ذل حَظه ورق هَوَاهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ينَال حظا من الْعِزّ الَّذِي قسم الله الْمُؤمنِينَ فَإِذا بغى عَلَيْهِ انتصر من الْبَاغِي من أجل عز الله الَّذِي أعزه بِهِ غيرَة على ذَلِك الْعِزّ
Translation
فصل والفرق بين العفو والذل أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع
#134
Chapter 134 — فصل والفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل أن سلامة القلب تكون من
· ref. #134
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
أَن يستضام ويقهر وحمية للْعَبد الْمَنْسُوب إِلَى الْعَزِيز الحميد أَن يستذل فَهُوَ يُقَال للباغي عَلَيْهِ أَنا مَمْلُوك من لَا يذل مَمْلُوكه وَلَا يحب أَن يذله أحد وَإِذا كَانَت نَفسه الأمارة قَائِمَة على أُصُولهَا لم تحب بعد طلبه إِلَّا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فِيهِ وإذلالا لَهُ وَأما النَّفس الَّتِي خرجت من ذل حظها ورق هَواهَا إِلَى عز توحيدها وإنابتها إِلَى رَبهَا فَإِذا نالها الْبَغي قَامَت بالانتصار حمية ونصرة للعز الَّذِي أعزها الله بِهِ ونالته مِنْهُ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة حمية لِرَبِّهَا ومولاها وَقد ضرب لذَلِك مثلا بعبدين من عبيد الْغلَّة حراثين ضرب أَحدهمَا صَاحبه فنفا الْمَضْرُوب عَن الضَّارِب نصحا مِنْهُ لسَيِّده وشفقة على الضَّارِب أَنِّي عاقبه السَّيِّد فَلم يجشم سَيّده خلقه عُقُوبَته وإفساده بِالضَّرْبِ فَشكر الْعَافِي على عَفوه وَوَقع مِنْهُ بموقع وَعبد آخر قد أَقَامَهُ بَين يَدَيْهِ وجمله وَألبسهُ ثيابًا يقف بهَا بَين يَدَيْهِ فَعمد بعض سواس الدَّوَابّ وأضرابهم ولطخ تِلْكَ الثِّيَاب بالعذرة أَو مزقها فَلَو عَفا عَمَّن فعل بِهِ ذَلِك لم يُوَافق عَفوه رأى سَيّده وَلَا محبته وَكَانَ الِانْتِصَار أحب إِلَيْهِ وَوَافَقَ لمرضاته كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّمَا فعل هَذَا بك جرْأَة عَليّ واستخفافا بسلطاني فَإِذا أمكنه من عُقُوبَته فأذله وقهره وَلم يبْق إِلَّا أَن يبطش بِهِ فذل وانكسر قلبه فَإِن سَيّده يحب مِنْهُ أَن لَا يُعَاقِبهُ لَحْظَة وَأَن يَأْخُذ مِنْهُ حق السَّيِّد فَيكون انتصاره حِينَئِذٍ لمحض حق سَيّده لَا لنَفسِهِ كَمَا روى عَن عَليّ رَضِي الله أَنه مر بِرَجُل فاستغاث بِهِ وَقَالَ هَذَا مَنَعَنِي حَقي وَلم يُعْطِنِي إِيَّاه فَقَالَ أعْطه حَقه فَلَمَّا جاوزهما لج الظَّالِم وَلَطم صَاحب الْحق فاستغاث بعلي فَرجع وَقَالَ أَتَاك الْغَوْث فَقَالَ لَهُ استقدمته فَقَالَ قد عَفَوْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَربهُ على تسع دور وَقَالَ قد عَفا عَنْك من لطمته وَهَذَا حق السُّلْطَان فعاقبه على لما اجترأ على سُلْطَان الله وَلم يَدعه وَيُشبه هَذَا قصَّة الرجل الَّذِي جَاءَ إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ احملني فوَاللَّه لَا أَنا أَفرس مِنْك وَمن ابْنك وَعِنْده الْمُغيرَة بن شُعْبَة فحسر عَن ذراعه وصك بهَا أنف الرجل فَسَالَ الدَّم فجَاء قومه إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالُوا أقدنا من الْمُغيرَة فَقَالَ أَنا أقيدكم من وزعة الله لَا أقيدكم مِنْهُ فَرَأى أَبُو بكر أَن ذَلِك انتصار من المغير وحمية الله وللعز الَّذِي أعز بِهِ خَليفَة رَسُول الله ليتَمَكَّن بذلك الْعِزّ من حسن خِلَافَته وَإِقَامَة دينه فَترك قوده لاجترائه على عز الله وسلطانه الَّذِي أعز بِهِ رَسُوله وَدينه وخليفته فَهَذَا لون وَالضَّرْب حمية للنَّفس الأمارة لون
فصل وَالْفرق بَين سَلامَة الْقلب والبله والتغفل أَن سَلامَة الْقلب تكون من
عدم إِرَادَة الْبشر
فصل وَالْفرق بَين سَلامَة الْقلب والبله والتغفل أَن سَلامَة الْقلب تكون من
عدم إِرَادَة الْبشر
Translation
فصل والفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل أن سلامة القلب تكون من
#135
Chapter 135 — فصل والفرق بين الثقة والغرة أن الثقة سكون يستند إلى أدلة وإمارات
· ref. #135
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
بعد مَعْرفَته فَيسلم قلبه من إِرَادَته وقصده لَا من مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ وَهَذَا بِخِلَاف البله والغفلة فَإِنَّهَا جهل وَقلة معرفَة وَهَذَا لَا يحمد إِذْ هُوَ نقص وَإِنَّمَا يحمد النَّاس من هُوَ كَذَلِك لسلامتهم مِنْهُ والكمال أَن يكون الْقلب عَارِفًا بتفاصيل الشَّرّ سليما من إِرَادَته قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لست بخب وَلَا يخدعني الخب وَكَانَ عمر أَعقل من أَن يخدع وَأَوْرَع من أَن يخدع وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ فَهَذَا هُوَ السَّلِيم من الْآفَات الَّتِي تعتري الْقُلُوب الْمَرِيضَة من مرض الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَمرض الشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع مَا تهوى الْأَنْفس فالقلب السَّلِيم الَّذِي سلم من هَذَا وَهَذَا
فصل وَالْفرق بَين الثِّقَة والغرة أَن الثِّقَة سُكُون يسْتَند إِلَى أَدِلَّة وإمارات
يسكن الْقلب إِلَيْهَا فَكلما قويت تِلْكَ الإمارات قويت الثِّقَة واستحكمت وَلَا سِيمَا على كَثْرَة التجارب وَصدق الفراسة واللفظة كَأَنَّهَا وَالله اعْلَم من الوثاق وَهُوَ الرِّبَاط فالقلب قد ارْتبط بِمن وثق بِهِ يوكلا عَلَيْهِ وَحسن ظن بِهِ فَصَارَ فِي وثاق محبته ومعاملته والاستناد إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ فَهُوَ فِي وثَاقه بِقَلْبِه وروحه وبدنه فَإِذا صَار الْقلب إِلَى الله وَانْقطع إِلَيْهِ تقيد بحبه وَصَارَ فِي وثاق الْعُبُودِيَّة فَلم يبْق لَهُ مفزع فِي النوائب وَلَا ملْجأ غَيره وَيصير عدته وشدته وذخيرته فِي نوائبه وملجأه فِي نوازله ومستعانه فِي حَوَائِجه وضروراته
وَأما الْغرَّة فَهِيَ حَال المغتر الَّذِي غرته نَفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب الْكَاذِب بربه حَتَّى اتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله الْأَمَانِي والغرور ثقتك بِمن لَا يوثق بِهِ وسكونك إِلَى من لَا يسكن إِلَيْهِ ورجاؤك النَّفْع من الْمحل الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَبَر كَحال المغتر بِالسَّرَابِ قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عَهده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف المغترين ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وَهَؤُلَاء إِذا انْكَشَفَ الغطاء وَثبتت حقائق الْأُمُور علمُوا انهم لم يَكُونُوا على شَيْء وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونَا يحتسبون وَفِي اثر مَعْرُوف إِذا رَأَيْت الله سُبْحَانَهُ يزيدك من نعْمَة وَأَنت مُقيم عل مَعْصِيَته فأحذره فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج يستدرجك بِهِ وَشَاهد هَذَا فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أبوب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فهم مبلسون وَهَذَا من أعظم الْغرَّة أَن ترَاهُ يُتَابع عَلَيْك نعمه وَأَنت مُقيم على مَا يكره فالشيطان وكل الْغرُور وطبع النَّفس الأمارة الاغترار فَإِذا اجْتمع الرَّأْي وَالْبَغي والرأي
فصل وَالْفرق بَين الثِّقَة والغرة أَن الثِّقَة سُكُون يسْتَند إِلَى أَدِلَّة وإمارات
يسكن الْقلب إِلَيْهَا فَكلما قويت تِلْكَ الإمارات قويت الثِّقَة واستحكمت وَلَا سِيمَا على كَثْرَة التجارب وَصدق الفراسة واللفظة كَأَنَّهَا وَالله اعْلَم من الوثاق وَهُوَ الرِّبَاط فالقلب قد ارْتبط بِمن وثق بِهِ يوكلا عَلَيْهِ وَحسن ظن بِهِ فَصَارَ فِي وثاق محبته ومعاملته والاستناد إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ فَهُوَ فِي وثَاقه بِقَلْبِه وروحه وبدنه فَإِذا صَار الْقلب إِلَى الله وَانْقطع إِلَيْهِ تقيد بحبه وَصَارَ فِي وثاق الْعُبُودِيَّة فَلم يبْق لَهُ مفزع فِي النوائب وَلَا ملْجأ غَيره وَيصير عدته وشدته وذخيرته فِي نوائبه وملجأه فِي نوازله ومستعانه فِي حَوَائِجه وضروراته
وَأما الْغرَّة فَهِيَ حَال المغتر الَّذِي غرته نَفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب الْكَاذِب بربه حَتَّى اتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله الْأَمَانِي والغرور ثقتك بِمن لَا يوثق بِهِ وسكونك إِلَى من لَا يسكن إِلَيْهِ ورجاؤك النَّفْع من الْمحل الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَبَر كَحال المغتر بِالسَّرَابِ قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عَهده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف المغترين ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وَهَؤُلَاء إِذا انْكَشَفَ الغطاء وَثبتت حقائق الْأُمُور علمُوا انهم لم يَكُونُوا على شَيْء وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونَا يحتسبون وَفِي اثر مَعْرُوف إِذا رَأَيْت الله سُبْحَانَهُ يزيدك من نعْمَة وَأَنت مُقيم عل مَعْصِيَته فأحذره فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج يستدرجك بِهِ وَشَاهد هَذَا فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أبوب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فهم مبلسون وَهَذَا من أعظم الْغرَّة أَن ترَاهُ يُتَابع عَلَيْك نعمه وَأَنت مُقيم على مَا يكره فالشيطان وكل الْغرُور وطبع النَّفس الأمارة الاغترار فَإِذا اجْتمع الرَّأْي وَالْبَغي والرأي
Translation
فصل والفرق بين الثقة والغرة أن الثقة سكون يستند إلى أدلة وإمارات
#136
Chapter 136 — فصل والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ
· ref. #136
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
الْمُحْتَاج والشيطان الْغرُور وَالنَّفس المغترة لم يَقع هُنَاكَ خلاف فالشياطين غروا المغترين بِاللَّه وأطمعوهم مَعَ إقامتهم على مَا يسْخط الله ويغضبه فِي عَفوه وتجاوزه وحدوثهم بِالتَّوْبَةِ لتسكن قُلُوبهم ثمَّ دافعوهم بالتسويف حَتَّى هجم الْأَجَل فَأخذُوا على أَسْوَأ أَحْوَالهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وغرتكم الْأَمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمر الله وغركم بِاللَّه الْغرُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ واعظم النَّاس غرُورًا بربه من إِذا مَسّه الله برحمة مِنْهُ وَفضل قَالَ هَذَا لي أَي أَنا أَهله وجدير بِهِ ومستحق لَهُ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة﴾ فَظن أَنه أهل لما أولاه من النعم مَعَ كفره بِاللَّه ثمَّ زَاد فِي غروره فَقَالَ ﴿وَلَئِن رجعت إِلَى رَبِّي إِن لي عِنْده للحسنى﴾ يَعْنِي الْجنَّة والكرامة وَهَكَذَا تكون الْغرَّة بِاللَّه فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وَقد ساعد اغتراره بدنياه وَنَفسه فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يتردى فِي آبار الْهَلَاك
فصل وَالْفرق بَين الرَّجَاء وَالتَّمَنِّي أَن الرَّجَاء يكون مَعَ بذل الْجهد واستفراغ
الطَّاقَة فِي الْإِتْيَان بِأَسْبَاب الظفر والفوز وَالتَّمَنِّي حَدِيث النَّفس بِحُصُول ذَلِك مَعَ تَعْطِيل الْأَسْبَاب الموصلة إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ فطوى سُبْحَانَهُ بِسَاط الرَّجَاء إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ وَقَالَ المغترون إِن الَّذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه وَاتبعُوا مَا أسخطه وتجنبوا مَا يرضيه أُولَئِكَ يرجون رَحمته وَلَيْسَ هَذَا ببدع من غرور النَّفس والشيطان لَهُم فالرجاء لعبد قد امْتَلَأَ قلبه من الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثل بَين عَيْنَيْهِ مَا وعده الله تَعَالَى من كرامته وجنته امْتَدَّ الْقلب مائلا إِلَى ذَلِك شوقا إِلَيْهِ وحرصا عَلَيْهِ فَهُوَ شَبيه بالماد عُنُقه إِلَى مَطْلُوب قد صَار نصب عَيْنَيْهِ وعلامة الرَّجَاء الصَّحِيح أَن الراجي يخَاف فَوت الْجنَّة وَذَهَاب حَظه مِنْهَا بترك مَا يخَاف أَن يحول بَينه وَبَين دُخُولهَا فَمثله مثل رجل خطب امْرَأَة كَرِيمَة فِي منصب شرف إِلَى أَهلهَا فَلَمَّا آن وَقت العقد واجتماع الْأَشْرَاف والأكابر وإتيان الرجل إِلَى الْحُضُور علم عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم ليتأهب الْحُضُور فتراه الْمَرْأَة وأكابر النَّاس فاخذ فِي التأهب والتزيين والتجميل فَأخذ من فضول شعره وتنظيف وتطيب وَلبس أجمل ثِيَابه وأتى إِلَى تِلْكَ الدَّار متقيا فِي طَرِيقه كل وسخ ودنس واثر يُصِيبهُ اشد تقوى حَتَّى الْغُبَار وَالدُّخَان وَمَا هُوَ دون ذَلِك فَلَمَّا وصل إِلَى الْبَاب رحب بِهِ رَبهَا وَمكن لَهُ فِي صدر الدَّار على الْفرش والوسائد ورمقته الْعُيُون وَقصد بالكرامة من كل نَاحيَة فَلَو أَنه ذهب بعد أَخذ
هَذِه الزِّينَة فَجَلَسَ فِي الْمَزَابِل وتمرغ عَلَيْهَا وتمعك بهَا وتلطخ فِي بدنه وثيابه بِمَا عَلَيْهَا من عذرة وقذر وَدخل ذَلِك فِي شعره وبشره وثيابه فجَاء على ذَلِك الْحَال إِلَى تِلْكَ الدَّار وَقصد دُخُولهَا للوعد الَّذِي سبق لَهُ لقام إِلَيْهِ البواب بِالضَّرْبِ والطرد والصياح عَلَيْهِ والإبعاد لَهُ من بَابهَا وطريقها فَرجع متحيزا خاسئا فَالْأول حَال الراجي وَهَذَا حَال المتمني وَإِن شِئْت مثلت حَال الرجلَيْن بِملك هُوَ من أغير النَّاس وأعظمهم أَمَانَة وَأَحْسَنهمْ مُعَاملَة لَا يضيع لَدَيْهِ حق أحد وَهُوَ يُعَامل النَّاس من وَرَاء ستر لَا يرَاهُ أحد وبضائعه وأمواله وتجارته وعبيده وإماؤه ظَاهر بارز فِي دَاره للعاملين فَدخل عَلَيْهِ رجلَانِ فَكَانَ أَحدهَا يعامله بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة والنصيحة لم يجرب عَلَيْهِ غشا وَلَا خِيَانَة وَلَا مكرا فَبَاعَهُ بضائعه كلهَا وَاعْتمد مَعَ مماليكه وجواريه مَا يجب أَن يعْتَمد مَعَهم فَكَانَ إِذا دخل إِلَيْهِ ببضاعة تخير لَهُ احسن البضائع وأحبها إِلَيْهِ وَإِن صنعها بِيَدِهِ بذل جهده فِي تحسينها وتنميقها وَجعل مَا خَفِي مِنْهَا أحسن مِمَّا ظهر ويستلم الْمُؤْنَة مِمَّن أمره أَن يستلمها مِنْهُ وامتثل مَا أمره بِهِ السفير بَينه وَبَينه فِي مِقْدَار مَا يعمله صفته وهيئته وشكله ورقته وَسَائِر شئونه وَكَانَ الآخر إِذا دخل دخل بأخس بضَاعَة يجدهَا لم يخلصها من الْغِشّ وَلَا نصح فِيهَا وَلَا اعْتمد فِي أمرهَا مَا قَالَه المترجم عَن الْملك والسفير بَينه وَبَين الصناع والنجار بل كَانَ يعملها على مَا يهواه وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ يخون الْملك دَاره إِذْ هُوَ غَائِب عَن عينه فَلَا يلوح لَهُ طمع إِلَّا خانة وَلَا حُرْمَة للْملك إِلَّا مد بَصَره إِلَيْهَا وحرص على إفسادها وَلَا شَيْء يسْخط الْملك إِلَّا ارْتَكَبهُ إِذا قدر عَلَيْهِ فمضيا على ذَلِك مُدَّة ثمَّ قيل إِن الْملك يبرز لمعامليه حَتَّى يحاسبهم ويعطيهم حُقُوقهم فَوقف الرّجلَانِ بَين يَدَيْهِ فعامل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يسْتَحقّهُ فَتَأمل هذَيْن المثلين فَإِن الْوَاقِع مُطَابق لَهما فالراجي على الْحَقِيقَة لما صَارَت الْجنَّة نصب عينه ورجاءه وأمله امْتَدَّ إِلَيْهَا قلبه وسعى لَهَا سعيها فَإِن الرَّجَاء هُوَ امتداد الْقلب وميله وحقق رَجَاءَهُ كَمَال التأهب وَخَوف الْفَوْت وَالْأَخْذ بالحذر وَأَصله من التنحي وَرَجا الْبِئْر ناحيته وإرجاء السَّمَاء نَوَاحِيهَا وامتداد الْقلب إِلَى المحبوب مُنْقَطِعًا عَمَّا يقطعهُ عَنهُ هُوَ تَنَح عَن النَّفس الأمارة وأسبابها وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَهَذَا الامتداد والميل وَالْخَوْف من شَأْن النَّفس المطمئنة فَإِن الْقلب إِذا انفتحت بصيرته فَرَأى الْآخِرَة وَمَا أعد الله فِيهَا لأهل طَاعَته وَأهل مَعْصِيَته خَافَ وخف مرتحلا إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة وَكَانَ قبل ذَلِك مطمئنا إِلَى النَّفس وَالنَّفس إِلَى الشَّهَوَات وَالدُّنْيَا فَلَمَّا انْكَشَفَ عَنهُ غطاء النَّفس خف وارتحل عَن جوارها طَالبا جوَار الْعَزِيز الرَّحِيم فِي جنَّات النَّعيم وَمن هُنَا صَار كل خَائِف راجيا وكل راج خَائفًا فَأطلق اسْم أَحدهمَا على الآخر فَإِن الراجي قلبه قريب الصّفة من قلب الْخَائِف هَذَا الراجي قد نجى قلبه عَن مجاورة النَّفس والشيطان مرتحلا إِلَى الله قد رفع لَهُ من الْجنَّة علم فشمر إِلَيْهِ وَله مَادًّا إِلَيْهِ قلبه كُله وَهَذَا الْخَائِف فار مِنْهُ
فصل وَالْفرق بَين الرَّجَاء وَالتَّمَنِّي أَن الرَّجَاء يكون مَعَ بذل الْجهد واستفراغ
الطَّاقَة فِي الْإِتْيَان بِأَسْبَاب الظفر والفوز وَالتَّمَنِّي حَدِيث النَّفس بِحُصُول ذَلِك مَعَ تَعْطِيل الْأَسْبَاب الموصلة إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ فطوى سُبْحَانَهُ بِسَاط الرَّجَاء إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ وَقَالَ المغترون إِن الَّذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه وَاتبعُوا مَا أسخطه وتجنبوا مَا يرضيه أُولَئِكَ يرجون رَحمته وَلَيْسَ هَذَا ببدع من غرور النَّفس والشيطان لَهُم فالرجاء لعبد قد امْتَلَأَ قلبه من الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثل بَين عَيْنَيْهِ مَا وعده الله تَعَالَى من كرامته وجنته امْتَدَّ الْقلب مائلا إِلَى ذَلِك شوقا إِلَيْهِ وحرصا عَلَيْهِ فَهُوَ شَبيه بالماد عُنُقه إِلَى مَطْلُوب قد صَار نصب عَيْنَيْهِ وعلامة الرَّجَاء الصَّحِيح أَن الراجي يخَاف فَوت الْجنَّة وَذَهَاب حَظه مِنْهَا بترك مَا يخَاف أَن يحول بَينه وَبَين دُخُولهَا فَمثله مثل رجل خطب امْرَأَة كَرِيمَة فِي منصب شرف إِلَى أَهلهَا فَلَمَّا آن وَقت العقد واجتماع الْأَشْرَاف والأكابر وإتيان الرجل إِلَى الْحُضُور علم عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم ليتأهب الْحُضُور فتراه الْمَرْأَة وأكابر النَّاس فاخذ فِي التأهب والتزيين والتجميل فَأخذ من فضول شعره وتنظيف وتطيب وَلبس أجمل ثِيَابه وأتى إِلَى تِلْكَ الدَّار متقيا فِي طَرِيقه كل وسخ ودنس واثر يُصِيبهُ اشد تقوى حَتَّى الْغُبَار وَالدُّخَان وَمَا هُوَ دون ذَلِك فَلَمَّا وصل إِلَى الْبَاب رحب بِهِ رَبهَا وَمكن لَهُ فِي صدر الدَّار على الْفرش والوسائد ورمقته الْعُيُون وَقصد بالكرامة من كل نَاحيَة فَلَو أَنه ذهب بعد أَخذ
هَذِه الزِّينَة فَجَلَسَ فِي الْمَزَابِل وتمرغ عَلَيْهَا وتمعك بهَا وتلطخ فِي بدنه وثيابه بِمَا عَلَيْهَا من عذرة وقذر وَدخل ذَلِك فِي شعره وبشره وثيابه فجَاء على ذَلِك الْحَال إِلَى تِلْكَ الدَّار وَقصد دُخُولهَا للوعد الَّذِي سبق لَهُ لقام إِلَيْهِ البواب بِالضَّرْبِ والطرد والصياح عَلَيْهِ والإبعاد لَهُ من بَابهَا وطريقها فَرجع متحيزا خاسئا فَالْأول حَال الراجي وَهَذَا حَال المتمني وَإِن شِئْت مثلت حَال الرجلَيْن بِملك هُوَ من أغير النَّاس وأعظمهم أَمَانَة وَأَحْسَنهمْ مُعَاملَة لَا يضيع لَدَيْهِ حق أحد وَهُوَ يُعَامل النَّاس من وَرَاء ستر لَا يرَاهُ أحد وبضائعه وأمواله وتجارته وعبيده وإماؤه ظَاهر بارز فِي دَاره للعاملين فَدخل عَلَيْهِ رجلَانِ فَكَانَ أَحدهَا يعامله بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة والنصيحة لم يجرب عَلَيْهِ غشا وَلَا خِيَانَة وَلَا مكرا فَبَاعَهُ بضائعه كلهَا وَاعْتمد مَعَ مماليكه وجواريه مَا يجب أَن يعْتَمد مَعَهم فَكَانَ إِذا دخل إِلَيْهِ ببضاعة تخير لَهُ احسن البضائع وأحبها إِلَيْهِ وَإِن صنعها بِيَدِهِ بذل جهده فِي تحسينها وتنميقها وَجعل مَا خَفِي مِنْهَا أحسن مِمَّا ظهر ويستلم الْمُؤْنَة مِمَّن أمره أَن يستلمها مِنْهُ وامتثل مَا أمره بِهِ السفير بَينه وَبَينه فِي مِقْدَار مَا يعمله صفته وهيئته وشكله ورقته وَسَائِر شئونه وَكَانَ الآخر إِذا دخل دخل بأخس بضَاعَة يجدهَا لم يخلصها من الْغِشّ وَلَا نصح فِيهَا وَلَا اعْتمد فِي أمرهَا مَا قَالَه المترجم عَن الْملك والسفير بَينه وَبَين الصناع والنجار بل كَانَ يعملها على مَا يهواه وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ يخون الْملك دَاره إِذْ هُوَ غَائِب عَن عينه فَلَا يلوح لَهُ طمع إِلَّا خانة وَلَا حُرْمَة للْملك إِلَّا مد بَصَره إِلَيْهَا وحرص على إفسادها وَلَا شَيْء يسْخط الْملك إِلَّا ارْتَكَبهُ إِذا قدر عَلَيْهِ فمضيا على ذَلِك مُدَّة ثمَّ قيل إِن الْملك يبرز لمعامليه حَتَّى يحاسبهم ويعطيهم حُقُوقهم فَوقف الرّجلَانِ بَين يَدَيْهِ فعامل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يسْتَحقّهُ فَتَأمل هذَيْن المثلين فَإِن الْوَاقِع مُطَابق لَهما فالراجي على الْحَقِيقَة لما صَارَت الْجنَّة نصب عينه ورجاءه وأمله امْتَدَّ إِلَيْهَا قلبه وسعى لَهَا سعيها فَإِن الرَّجَاء هُوَ امتداد الْقلب وميله وحقق رَجَاءَهُ كَمَال التأهب وَخَوف الْفَوْت وَالْأَخْذ بالحذر وَأَصله من التنحي وَرَجا الْبِئْر ناحيته وإرجاء السَّمَاء نَوَاحِيهَا وامتداد الْقلب إِلَى المحبوب مُنْقَطِعًا عَمَّا يقطعهُ عَنهُ هُوَ تَنَح عَن النَّفس الأمارة وأسبابها وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَهَذَا الامتداد والميل وَالْخَوْف من شَأْن النَّفس المطمئنة فَإِن الْقلب إِذا انفتحت بصيرته فَرَأى الْآخِرَة وَمَا أعد الله فِيهَا لأهل طَاعَته وَأهل مَعْصِيَته خَافَ وخف مرتحلا إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة وَكَانَ قبل ذَلِك مطمئنا إِلَى النَّفس وَالنَّفس إِلَى الشَّهَوَات وَالدُّنْيَا فَلَمَّا انْكَشَفَ عَنهُ غطاء النَّفس خف وارتحل عَن جوارها طَالبا جوَار الْعَزِيز الرَّحِيم فِي جنَّات النَّعيم وَمن هُنَا صَار كل خَائِف راجيا وكل راج خَائفًا فَأطلق اسْم أَحدهمَا على الآخر فَإِن الراجي قلبه قريب الصّفة من قلب الْخَائِف هَذَا الراجي قد نجى قلبه عَن مجاورة النَّفس والشيطان مرتحلا إِلَى الله قد رفع لَهُ من الْجنَّة علم فشمر إِلَيْهِ وَله مَادًّا إِلَيْهِ قلبه كُله وَهَذَا الْخَائِف فار مِنْهُ
Translation
فصل والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ
#137
Chapter 137 — فصل والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها أن المتحدث بالنعمة مخبر
· ref. #137
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
جوارهما ملتجئ إِلَى الله من حَبسه فِي سجنهما فِي الدُّنْيَا فَيحْبس مَعهَا بعد الْمَوْت وَيَوْم الْقِيَامَة فَإِن الْمَرْء مَعَ قرينه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَمَّا سمع الْوَعيد ارتحل من مجاورة جَار السوء فِي الدَّاريْنِ فَأعْطى اسْم الْخَائِف وَلما سمع الْوَعْد امْتَدَّ واستطار شوقا وفرحا بالظفر بِهِ فَأعْطى اسْم الراجي وحالاه متلازمان لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا فَكل راج خَائِف من فَوَات مَا يرجوه كَمَا أَن كل خَائِف راج أَمنه مِمَّا يخَاف فَلذَلِك تداول الاسمان عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ قَالُوا فِي تَفْسِيرهَا لَا تخافون لله عَظمَة وَقد تقدم أَن سُبْحَانَهُ طوى الرَّجَاء إِلَّا عَن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا وَقد فسر النَّبِي الْإِيمَان بِأَنَّهُ ذُو شعب وأعمال ظَاهِرَة وباطنة وَفسّر الْهِجْرَة بِأَنَّهَا هجر مَا نهى الله عَنهُ وَالْجهَاد بِأَنَّهُ جِهَاد النَّفس فِي ذَات الله فَقَالَ الْمُهَاجِرين من هجر مَا نهى الله عَنهُ والمجاهد من جَاهد نَفسه فِي ذَات الله وَالْمَقْصُود بِأَن الله سُبْحَانَهُ جعل أهل الرَّجَاء من آمن وَهَاجَر وجاهد وَأخرج من سواهُم من هَذِه الْأُمَم
وَأما الْأَمَانِي فَإِنَّهَا رُءُوس أَمْوَال المفاليس أخرجوها فِي قالب الرَّجَاء وَتلك أمانيهم وَهِي تصدر من قلب تزاحمت عَلَيْهِ وساوس النَّفس فاظلم من دخانها فَهُوَ يسْتَعْمل قلبه فِي شهواتها وَكلما فعل ذَلِك منته حسن الْعَاقِبَة والنجاة وإحالته على الْعَفو وَالْمَغْفِرَة وَالْفضل وَأَن الْكَرِيم لَا يَسْتَوْفِي حَقه وَلَا تضره الذُّنُوب وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة ويسمي ذَلِك رَجَاء وَإِنَّمَا هُوَ وسواس وأماني بَاطِلَة تقذف بهَا النَّفس إِلَى الْقلب الْجَاهِل فيستريح إِلَيْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ فَإِذا ترك العَبْد ولَايَة الْحق ونصرته ترك الله ولَايَته ونصرته وَلم يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا وَإِذا ترك ولَايَته ونصرته تولته نَفسه والشيطان فصارا وليين لَهُ ووكل نَفسه فَصَارَ انتصاره لَهَا بَدَلا من نصْرَة الله وَرَسُوله فاستبدل بِولَايَة الله ولَايَة نَفسه وشيطانه وبنصرته نصْرَة نَفسه هَوَاهُ فَلم يدع للرجاء موضعا فَإِذا قَالَت لَك النَّفس أَنا فِي مقَام الرَّجَاء فطالبها بالبرهان وَقل هَذِه أُمْنِية فهاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين فالكيس يعْمل أَعمال الْبر على الطمع والرجاء والأحمق الْعَاجِز يعطل أَعمال الْبر ويتكل على الْأَمَانِي الَّتِي يسميها رَجَاء وَالله الْمُوفق
فصل وَالْفرق بَين التحدث بنعم الله وَالْفَخْر بهَا أَن المتحدث بِالنعْمَةِ مخبر
عَن صِفَات وَلها ومحض جوده وإحسانه فَهُوَ مثن عَلَيْهِ بإظهارها والتحدث بهَا شاكرا لَهُ ناشرا لجَمِيع مَا أولاه مَقْصُود بذلك إِظْهَار صِفَات الله ومدحه وَالثنَاء وَبعث النَّفس على الطّلب مِنْهُ دون غَيره وعَلى محبته ورجائه فَيكون رَاغِبًا إِلَى الله بِإِظْهَار نعمه ونشرها والتحدث بهَا
وَأما الْأَمَانِي فَإِنَّهَا رُءُوس أَمْوَال المفاليس أخرجوها فِي قالب الرَّجَاء وَتلك أمانيهم وَهِي تصدر من قلب تزاحمت عَلَيْهِ وساوس النَّفس فاظلم من دخانها فَهُوَ يسْتَعْمل قلبه فِي شهواتها وَكلما فعل ذَلِك منته حسن الْعَاقِبَة والنجاة وإحالته على الْعَفو وَالْمَغْفِرَة وَالْفضل وَأَن الْكَرِيم لَا يَسْتَوْفِي حَقه وَلَا تضره الذُّنُوب وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة ويسمي ذَلِك رَجَاء وَإِنَّمَا هُوَ وسواس وأماني بَاطِلَة تقذف بهَا النَّفس إِلَى الْقلب الْجَاهِل فيستريح إِلَيْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ فَإِذا ترك العَبْد ولَايَة الْحق ونصرته ترك الله ولَايَته ونصرته وَلم يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا وَإِذا ترك ولَايَته ونصرته تولته نَفسه والشيطان فصارا وليين لَهُ ووكل نَفسه فَصَارَ انتصاره لَهَا بَدَلا من نصْرَة الله وَرَسُوله فاستبدل بِولَايَة الله ولَايَة نَفسه وشيطانه وبنصرته نصْرَة نَفسه هَوَاهُ فَلم يدع للرجاء موضعا فَإِذا قَالَت لَك النَّفس أَنا فِي مقَام الرَّجَاء فطالبها بالبرهان وَقل هَذِه أُمْنِية فهاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين فالكيس يعْمل أَعمال الْبر على الطمع والرجاء والأحمق الْعَاجِز يعطل أَعمال الْبر ويتكل على الْأَمَانِي الَّتِي يسميها رَجَاء وَالله الْمُوفق
فصل وَالْفرق بَين التحدث بنعم الله وَالْفَخْر بهَا أَن المتحدث بِالنعْمَةِ مخبر
عَن صِفَات وَلها ومحض جوده وإحسانه فَهُوَ مثن عَلَيْهِ بإظهارها والتحدث بهَا شاكرا لَهُ ناشرا لجَمِيع مَا أولاه مَقْصُود بذلك إِظْهَار صِفَات الله ومدحه وَالثنَاء وَبعث النَّفس على الطّلب مِنْهُ دون غَيره وعَلى محبته ورجائه فَيكون رَاغِبًا إِلَى الله بِإِظْهَار نعمه ونشرها والتحدث بهَا
Translation
فصل والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها أن المتحدث بالنعمة مخبر
#138
Chapter 138 — فصل والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر فإن الفرح بالله ومعرفته
· ref. #138
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَأما الْفَخر بِالنعَم فَهُوَ أَن يستطيل بهَا على النَّاس وَيُرِيهمْ أَنه أعز مِنْهُم وأكبر فيركب أَعْنَاقهم ويستعبد قُلُوبهم ويستميلها إِلَيْهِ بالتعظيم والخدمة قَالَ النُّعْمَان بن بشير إِن للشَّيْطَان مصالي وفخوخا وَإِن من مصاليه وفخوخه الْبَطْش بنعم الله وَالْكبر على عباد الله وَالْفَخْر بعطية الله فِي غير ذَات الله
فصل وَالْفرق بَين فَرح الْقلب وَفَرح النَّفس ظَاهر فَإِن الْفَرح بِاللَّه ومعرفته
ومحبته وَكَلَامه من الْقلب قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ فَإِذا كَانَ أهل الْكتاب يفرحون بِالْوَحْي فأولياء الله وَأَتْبَاع رَسُوله أَحَق بالفرح بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فضل الله الْقُرْآن وَرَحمته أَن جعلكُمْ من أَهله وَقَالَ هِلَال بن يسَاف فضل الله وَرَحمته الْإِسْلَام الَّذِي هدَاكُمْ إِلَيْهِ وَالْقُرْآن الَّذِي علمكُم هُوَ خير من الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّذِي تجمعون وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة وَجُمْهُور الْمُفَسّرين فضل الله الْإِسْلَام وَرَحمته الْقُرْآن فَهَذَا فَرح الْقلب وَهُوَ من الْإِيمَان ويثاب عَلَيْهِ العَبْد فَإِن فرحه بِهِ يدل على رِضَاهُ بِهِ بل هُوَ فَوق الرِّضَا فالفرح بذلك على قدر محبته فَإِن الْفَرح إِنَّمَا يكون بالظفر بالمحبوب وعَلى قدر محبته يفرح بحصوله لَهُ فالفرح بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَرَسُوله وسنته وَكَلَامه مَحْض الْإِيمَان وصفوته ولبه وَله عبودية عَجِيبَة وَأثر الْقلب لَا يعبر عَنهُ فابتهاج الْقلب وسروره وفرحه بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَكَلَامه وَرَسُوله ولقائه أفضل مَا يعطاه بل هُوَ جلّ عطاياه والفرح فِي الْآخِرَة بِاللَّه ولقائه بِحَسب الْفَرح بِهِ ومحبته فِي الدُّنْيَا فالفرح بالوصول إِلَى المحبوب يكون على حسب قُوَّة الْمحبَّة وضعفها فَهَذَا شَأْن فَرح الْقلب وَله فَرح آخر وَهُوَ فرحه بِمَا من الله بِهِ عَلَيْهِ علمه من مُعَامَلَته وَالْإِخْلَاص لَهُ والتوكل عَلَيْهِ والثقة بِهِ وخوفه ورجائه بِهِ وَكلما تمكن فِي ذَلِك قوى فرحه وابتهاجه وَله فرحة أُخْرَى عَظِيمَة الوقع عَجِيبَة الشَّأْن وَهِي الفرحة الَّتِي تحصل لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَإِن لَهَا فرحة عَجِيبَة لَا نِسْبَة لفرحة الْمعْصِيَة إِلَيْهَا الْبَتَّةَ فَلَو علم الْمعاصِي إِن لَذَّة التَّوْبَة وفرحتها يزِيد على لَذَّة الْمعْصِيَة وفرحتها أضعافا مضاعفة لبادر إِلَيْهَا أعظم من مبادرته إِلَى لَذَّة الْمعْصِيَة
فصل وَالْفرق بَين فَرح الْقلب وَفَرح النَّفس ظَاهر فَإِن الْفَرح بِاللَّه ومعرفته
ومحبته وَكَلَامه من الْقلب قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ فَإِذا كَانَ أهل الْكتاب يفرحون بِالْوَحْي فأولياء الله وَأَتْبَاع رَسُوله أَحَق بالفرح بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فضل الله الْقُرْآن وَرَحمته أَن جعلكُمْ من أَهله وَقَالَ هِلَال بن يسَاف فضل الله وَرَحمته الْإِسْلَام الَّذِي هدَاكُمْ إِلَيْهِ وَالْقُرْآن الَّذِي علمكُم هُوَ خير من الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّذِي تجمعون وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة وَجُمْهُور الْمُفَسّرين فضل الله الْإِسْلَام وَرَحمته الْقُرْآن فَهَذَا فَرح الْقلب وَهُوَ من الْإِيمَان ويثاب عَلَيْهِ العَبْد فَإِن فرحه بِهِ يدل على رِضَاهُ بِهِ بل هُوَ فَوق الرِّضَا فالفرح بذلك على قدر محبته فَإِن الْفَرح إِنَّمَا يكون بالظفر بالمحبوب وعَلى قدر محبته يفرح بحصوله لَهُ فالفرح بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَرَسُوله وسنته وَكَلَامه مَحْض الْإِيمَان وصفوته ولبه وَله عبودية عَجِيبَة وَأثر الْقلب لَا يعبر عَنهُ فابتهاج الْقلب وسروره وفرحه بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَكَلَامه وَرَسُوله ولقائه أفضل مَا يعطاه بل هُوَ جلّ عطاياه والفرح فِي الْآخِرَة بِاللَّه ولقائه بِحَسب الْفَرح بِهِ ومحبته فِي الدُّنْيَا فالفرح بالوصول إِلَى المحبوب يكون على حسب قُوَّة الْمحبَّة وضعفها فَهَذَا شَأْن فَرح الْقلب وَله فَرح آخر وَهُوَ فرحه بِمَا من الله بِهِ عَلَيْهِ علمه من مُعَامَلَته وَالْإِخْلَاص لَهُ والتوكل عَلَيْهِ والثقة بِهِ وخوفه ورجائه بِهِ وَكلما تمكن فِي ذَلِك قوى فرحه وابتهاجه وَله فرحة أُخْرَى عَظِيمَة الوقع عَجِيبَة الشَّأْن وَهِي الفرحة الَّتِي تحصل لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَإِن لَهَا فرحة عَجِيبَة لَا نِسْبَة لفرحة الْمعْصِيَة إِلَيْهَا الْبَتَّةَ فَلَو علم الْمعاصِي إِن لَذَّة التَّوْبَة وفرحتها يزِيد على لَذَّة الْمعْصِيَة وفرحتها أضعافا مضاعفة لبادر إِلَيْهَا أعظم من مبادرته إِلَى لَذَّة الْمعْصِيَة
Translation
فصل والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر فإن الفرح بالله ومعرفته
#139
Chapter 139 — فصل وها هنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا
· ref. #139
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وسر هَذَا الْفَرح إِنَّمَا يُعلمهُ من علم سر فَرح الرب تَعَالَى بتوبة عَبده أَشد فَرح يقدر وَلَقَد ضرب لَهُ رَسُول مثلا لَيْسَ فِي أَنْوَاع الْفَرح فِي الدُّنْيَا أعظم مِنْهُ وَهُوَ فَرح رجل قد خرج براحته الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي سفر ففقدها فِي أَرض دوية مهلكة فاجتهد فِي طلبَهَا فَلم يجدهَا فيئس مِنْهُ فَجَلَسَ ينْتَظر الْمَوْت حَتَّى إِذا طلع الْبَدْر رَأْي فِي ضوئه رَاحِلَته وَقد تعلق زمامها بشجر فَقَالَ من شدَّة فرحه اللَّهُمَّ أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك أَخطَأ من شدَّة الْفَرح فَالله أفرح بتوبة عَبده من هَذَا براحلته
فَلَا يُنكر أَن يحصل للتائب نصيب وافر من الْفَرح بِالتَّوْبَةِ وَلَكِن هَاهُنَا أَمر يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَن لَا يصل إِلَى ذَلِك إِلَّا بعد ترحات ومضض ومحن لَا تثبت لَهَا الْجبَال فَإِن صَبر لَهَا ظفر بلذة الْفَرح وَإِن ضعف عَن حملهَا وَلم يصبر لَهَا لم يظفر بِشَيْء وَآخر أمره فَوَات مَا آثره من فرحة الْمعْصِيَة ولذتها فيفوته الْأَمْرَانِ وَيحصل على ضد اللَّذَّة من الْأَلَم الْمركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير
فصل وَهَا هُنَا فرحة أعظم من هَذَا كُله وَهِي فرحته عِنْد مُفَارقَته الدُّنْيَا
إِلَى الله إِذا أرسل إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فبشروه بلقائه وَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت أَخْرِجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ابشري بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي فَلَو لم يكن بَين يَدي التائب إِلَّا هَذِه الفرحة وَحدهَا لَكَانَ الْعقل يَأْمر بآيثارها فَكيف وَمن بعْدهَا أَنْوَاع من الْفَرح مِنْهَا الْمَلَائِكَة الَّذين بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على روحه وَمِنْه فتح أبوب السَّمَاء لَهَا وَصَلَاة مَلَائِكَة السَّمَاء عَلَيْهَا وتشييع مقربيها لَهَا إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فتفتح وَيُصلي عَلَيْهَا أَهلهَا وشيعها مقربوها هَكَذَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَكيف يقدر فرحها استؤذن لَهَا على رَبهَا ووليها وحبيبها فوقفت بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهَا بِالسُّجُود فسجدت ثمَّ سمعته سُبْحَانَهُ يَقُول اكتبوا كِتَابه فِي غلبين ثمَّ يذهب بِهِ فَيرى الْجنَّة ومقعده فِيهَا وَمَا أعد الله لَهُ ويلقي أَصْحَابه وَأَهله فيستبشرون بِهِ ويفرحون بِهِ ويفرح بهم فَرح الْغَائِب يقدم على أَهله فيجدهم على أحسن حَال وَيقدم عَلَيْهِم بِخَير مَا قدم بِهِ مُسَافر هَذَا كُله قبل الْفرج الْأَكْبَر يَوْم حشر الأجساد بجلوسه فِي ظلّ الْعَرْش وشربه من الْحَوْض وَأَخذه كِتَابه بِيَمِينِهِ وَثقل مِيزَانه وَبَيَاض وَجهه وإعطائه النُّور التَّام وَالنَّاس فِي الظلمَة وقطعه جسر جَهَنَّم بِلَا تعويق وانتهائه إِلَى بَاب الْجنَّة وَقد أزلفت لَهُ فِي لموقف وتلقي خزنتها لَهُ بالترحيب وَالسَّلَام والبشارة وقدومه على مَنَازِله وقصوره وأزواجه وسراريه
فَلَا يُنكر أَن يحصل للتائب نصيب وافر من الْفَرح بِالتَّوْبَةِ وَلَكِن هَاهُنَا أَمر يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَن لَا يصل إِلَى ذَلِك إِلَّا بعد ترحات ومضض ومحن لَا تثبت لَهَا الْجبَال فَإِن صَبر لَهَا ظفر بلذة الْفَرح وَإِن ضعف عَن حملهَا وَلم يصبر لَهَا لم يظفر بِشَيْء وَآخر أمره فَوَات مَا آثره من فرحة الْمعْصِيَة ولذتها فيفوته الْأَمْرَانِ وَيحصل على ضد اللَّذَّة من الْأَلَم الْمركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير
فصل وَهَا هُنَا فرحة أعظم من هَذَا كُله وَهِي فرحته عِنْد مُفَارقَته الدُّنْيَا
إِلَى الله إِذا أرسل إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فبشروه بلقائه وَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت أَخْرِجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ابشري بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي فَلَو لم يكن بَين يَدي التائب إِلَّا هَذِه الفرحة وَحدهَا لَكَانَ الْعقل يَأْمر بآيثارها فَكيف وَمن بعْدهَا أَنْوَاع من الْفَرح مِنْهَا الْمَلَائِكَة الَّذين بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على روحه وَمِنْه فتح أبوب السَّمَاء لَهَا وَصَلَاة مَلَائِكَة السَّمَاء عَلَيْهَا وتشييع مقربيها لَهَا إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فتفتح وَيُصلي عَلَيْهَا أَهلهَا وشيعها مقربوها هَكَذَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَكيف يقدر فرحها استؤذن لَهَا على رَبهَا ووليها وحبيبها فوقفت بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهَا بِالسُّجُود فسجدت ثمَّ سمعته سُبْحَانَهُ يَقُول اكتبوا كِتَابه فِي غلبين ثمَّ يذهب بِهِ فَيرى الْجنَّة ومقعده فِيهَا وَمَا أعد الله لَهُ ويلقي أَصْحَابه وَأَهله فيستبشرون بِهِ ويفرحون بِهِ ويفرح بهم فَرح الْغَائِب يقدم على أَهله فيجدهم على أحسن حَال وَيقدم عَلَيْهِم بِخَير مَا قدم بِهِ مُسَافر هَذَا كُله قبل الْفرج الْأَكْبَر يَوْم حشر الأجساد بجلوسه فِي ظلّ الْعَرْش وشربه من الْحَوْض وَأَخذه كِتَابه بِيَمِينِهِ وَثقل مِيزَانه وَبَيَاض وَجهه وإعطائه النُّور التَّام وَالنَّاس فِي الظلمَة وقطعه جسر جَهَنَّم بِلَا تعويق وانتهائه إِلَى بَاب الْجنَّة وَقد أزلفت لَهُ فِي لموقف وتلقي خزنتها لَهُ بالترحيب وَالسَّلَام والبشارة وقدومه على مَنَازِله وقصوره وأزواجه وسراريه
Translation
فصل وها هنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا
#140
Chapter 140 — فصل والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس وخوف في
· ref. #140
al-Ruh, T. Dar al-Fikr al-'Arabi
Arabic text
Aqeedah
وَبعد ذَلِك فَرح آخر لَا يقدر قدره وَلَا يعبر عَنهُ تتلاشى هَذِه الأفراح كلهَا عِنْده وَإِنَّمَا يكون هَذَا لأهل السّنة المصدقين بِرُؤْيَة وَجه رَبهم ﵎ من فَوْقهم وَسَلَامه عَلَيْهِم وتكليمه إيَّاهُم ومحاضرته لَهُم
وَلَيْسَت هَذِه الفرحات إِلَّا ... لذى الترحات فِي دَار الرزايا
فشمر مَا اسْتَطَعْت السَّاق واجهد ... لَعَلَّك أَن تفوز بِذِي العطايا
وصم عَن لَذَّة حشيت بلَاء ... الذَّات خلصن من البلايا
ودع أُمْنِية إِن لم تنلها ... تعذب أَو تنَلْ كَانَت منايا
وَلَا تستبط وَعدا من رَسُول ... أَتَى بِالْحَقِّ من رب البرايا
فَهَذَا الْوَعْد أدنى من نعيم ... مضى بالْأَمْس لَو وفقت رايا
فصل وَالْفرق بَين رقة الْقلب والجزع أَن الْجزع ضعف فِي النَّفس وَخَوف فِي
الْقلب يمده شدَّة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الْإِيمَان بِالْقدرِ وَإِلَّا فَمَتَى علم أَن الْمُقدر كَائِن وَلَا بُد كَانَ الْجزع عناء مَحْضا ومصيبة ثَانِيَة قَالَ تَعَالَى مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم فَمَتَى آمن العَبْد بِالْقدرِ وَعلم أَن الْمُصِيبَة مقدرَة فِي الْحَاضِر وَالْغَائِب لم يجزع وَلم يفرح
وَلَا يُنَافِي هَذَا رقة الْقلب فَإِنَّهَا ناشئة من صفة الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ كَمَال وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يرحم من عباده الرُّحَمَاء وَقد كَانَ رَسُول الله أرق النَّاس قلبا وأبعدهم من الْجزع فرقة الْقلب رأفة وَرَحْمَة وجزعه مرض وَضعف فالجزع حَال قلب مَرِيض بالدنيا قد غشيه دُخان النَّفس الأمارة فَأخذ بأنفاسه وضيق عَلَيْهِ مسالك الْآخِرَة وَصَارَ فِي سجن الْهوى وَالنَّفس وَهُوَ سجن ضيق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار الْقلب وضيقه يجزع من أدنى مَا يُصِيبهُ وَلَا يحْتَملهُ فَإِذا أشرق فِيهِ نور الْإِيمَان وَالْيَقِين بالوعد وامتلأ من محبَّة الله وإجلاله رق وَصَارَت فِيهِ الرأفة وَالرَّحْمَة فتراه رحِيما رَفِيق الْقلب بِكُل ذِي قربى وَمُسلم يرحم النملة فِي حجرها وَالطير فِي وَكره فضلا عَن بني جنسه فَهَذَا أقرب الْقُلُوب من الله قَالَ أنس كَانَ رَسُول الله أرْحم النَّاس بالعيال وَالله سُبْحَانَهُ إِذا أَرَادَ أَن يرحم عبدا أسكن فِي قلبه الرأفة وَالرَّحْمَة وَإِذا أَرَادَ أَن يعذبه نزع من قلبه الرَّحْمَة والرأفة وأبدله بهما الغلظة وَالْقَسْوَة وَفِي الحَدِيث الثَّابِت لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَفِيه من لَا يرحم لَا يرحم وَفِيه ارحموا من فِي الأَرْض
وَلَيْسَت هَذِه الفرحات إِلَّا ... لذى الترحات فِي دَار الرزايا
فشمر مَا اسْتَطَعْت السَّاق واجهد ... لَعَلَّك أَن تفوز بِذِي العطايا
وصم عَن لَذَّة حشيت بلَاء ... الذَّات خلصن من البلايا
ودع أُمْنِية إِن لم تنلها ... تعذب أَو تنَلْ كَانَت منايا
وَلَا تستبط وَعدا من رَسُول ... أَتَى بِالْحَقِّ من رب البرايا
فَهَذَا الْوَعْد أدنى من نعيم ... مضى بالْأَمْس لَو وفقت رايا
فصل وَالْفرق بَين رقة الْقلب والجزع أَن الْجزع ضعف فِي النَّفس وَخَوف فِي
الْقلب يمده شدَّة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الْإِيمَان بِالْقدرِ وَإِلَّا فَمَتَى علم أَن الْمُقدر كَائِن وَلَا بُد كَانَ الْجزع عناء مَحْضا ومصيبة ثَانِيَة قَالَ تَعَالَى مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم فَمَتَى آمن العَبْد بِالْقدرِ وَعلم أَن الْمُصِيبَة مقدرَة فِي الْحَاضِر وَالْغَائِب لم يجزع وَلم يفرح
وَلَا يُنَافِي هَذَا رقة الْقلب فَإِنَّهَا ناشئة من صفة الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ كَمَال وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يرحم من عباده الرُّحَمَاء وَقد كَانَ رَسُول الله أرق النَّاس قلبا وأبعدهم من الْجزع فرقة الْقلب رأفة وَرَحْمَة وجزعه مرض وَضعف فالجزع حَال قلب مَرِيض بالدنيا قد غشيه دُخان النَّفس الأمارة فَأخذ بأنفاسه وضيق عَلَيْهِ مسالك الْآخِرَة وَصَارَ فِي سجن الْهوى وَالنَّفس وَهُوَ سجن ضيق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار الْقلب وضيقه يجزع من أدنى مَا يُصِيبهُ وَلَا يحْتَملهُ فَإِذا أشرق فِيهِ نور الْإِيمَان وَالْيَقِين بالوعد وامتلأ من محبَّة الله وإجلاله رق وَصَارَت فِيهِ الرأفة وَالرَّحْمَة فتراه رحِيما رَفِيق الْقلب بِكُل ذِي قربى وَمُسلم يرحم النملة فِي حجرها وَالطير فِي وَكره فضلا عَن بني جنسه فَهَذَا أقرب الْقُلُوب من الله قَالَ أنس كَانَ رَسُول الله أرْحم النَّاس بالعيال وَالله سُبْحَانَهُ إِذا أَرَادَ أَن يرحم عبدا أسكن فِي قلبه الرأفة وَالرَّحْمَة وَإِذا أَرَادَ أَن يعذبه نزع من قلبه الرَّحْمَة والرأفة وأبدله بهما الغلظة وَالْقَسْوَة وَفِي الحَدِيث الثَّابِت لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَفِيه من لَا يرحم لَا يرحم وَفِيه ارحموا من فِي الأَرْض
Translation
فصل والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس وخوف في