Back to the aqeedah library
161 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad مصرع التصوف وهو كتابان: تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'a...
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Burhan Din Biqaci (al-Biqaʿi, Burhan al-Din Abu l-Hasan Ibrahim b. ʿUmar
161
Total sections
161 chapters
#101
Chapter 101 — البساطي وشرحه للتائية
· ref. #101
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
الحلول، ولهم في ذلك كلمات يعسر تأويل كلها لمن يريد الاعتذار عنهم، بل منها ما لا يقبل التأويل، ولهم في التأويل خلط وخبط، كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول ازدادوا بعدا، حتى إنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة، وقنعوا في مغالطة الضرورة بها بالمغيب، وهي أن ما هم فيه، ويزعمونه وراء العقل، وأنه بالوجدان يحصل، ومن نازعهم محجوب مطرود عن الأسرار الإلهية، وفي هذا كفاية. والله أعلم" ا. هـ.
البساطي وشرحه للتائية
وقد قام في زماننا ناس حدثان الأسنان سفهاء الأحلام، أرادوا [٥٠] إظهار هذا المذهب، ثم أخزاهم الله تعالى، فقلقلوا كل مقلقل، وكان مما قالوه: أن الشمس البساطي هذا منهم، وأنه شرح تائية ابن الفارض، فاستبعد هذا منه. وإن كان ما قالوه صحيحا، فقد قضى على نفسه في كلامه هذا، بأنه خرج من دائرة العقل، ثم يسر الله -وله الحمد- الاطلاع على الشرح المنسوب إليه، فإذا هو بريء مما فرقوه به كما كنت أظن، فرأيته قال في أوله: "أما بعد: فهذا كتاب شرح قصيدة ابن الفارض، ولباب فتح، وصيد لحن [ابن] الفارض على وجه أنا نبين مراده من كلامه بقدر فهمنا لمقصوده منه، ولا يلزمنا صحة ما قاله في العربية لفظا، أو في الشريعة معنى، أو استحسانا، عقلا أو شرعا أو عرفا" ثم تكلم على الأبيات على وجه يظهر منها حملها على موافقة الشرع ما أمكنه، فإذا عجز صرح في ذلك الموضع بما يليق به من الحكم عليه من غير
البساطي وشرحه للتائية
وقد قام في زماننا ناس حدثان الأسنان سفهاء الأحلام، أرادوا [٥٠] إظهار هذا المذهب، ثم أخزاهم الله تعالى، فقلقلوا كل مقلقل، وكان مما قالوه: أن الشمس البساطي هذا منهم، وأنه شرح تائية ابن الفارض، فاستبعد هذا منه. وإن كان ما قالوه صحيحا، فقد قضى على نفسه في كلامه هذا، بأنه خرج من دائرة العقل، ثم يسر الله -وله الحمد- الاطلاع على الشرح المنسوب إليه، فإذا هو بريء مما فرقوه به كما كنت أظن، فرأيته قال في أوله: "أما بعد: فهذا كتاب شرح قصيدة ابن الفارض، ولباب فتح، وصيد لحن [ابن] الفارض على وجه أنا نبين مراده من كلامه بقدر فهمنا لمقصوده منه، ولا يلزمنا صحة ما قاله في العربية لفظا، أو في الشريعة معنى، أو استحسانا، عقلا أو شرعا أو عرفا" ثم تكلم على الأبيات على وجه يظهر منها حملها على موافقة الشرع ما أمكنه، فإذا عجز صرح في ذلك الموضع بما يليق به من الحكم عليه من غير
Translation
البساطي وشرحه للتائية
#102
Chapter 102 — الهوى رب الصوفية الأعظم
· ref. #102
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
ثم قرر١ أمر التسخير، وأن منه ما هو بالمال، ومنه ما هو با لحال، وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه، وتسخير الرعايا للملك بقيامه في مصالحهم، قال: "وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون [في ذلك] مليكهم، ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة، فالمرتبة حكمت عليه بذلك، فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخر. قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ [فِي] شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل، كما سلط موسى [عليه] حكمة من الله ظاهرة في الوجود؛ ليعيد في كل صورة٢، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد، إما عبادة تأله، وإما عبادة تسخير، فلا بد من ذلك لمن عقل، وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها.
الهوى رب الصوفية الأعظم:
وأعظم مجلى عبد فيه، وأعلاه الهوى، كما قال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا بالله، ولا يعبد هو إلا بذاته٣" ثم قال: "والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد
_________
١ أي: ابن عربي.
٢ يفتري على الله أنه يسخر الناس ليعبدوه في كل صورة، أي: ليعبد كل إنسان نفسه وغيره من جماد وحيوان فإله الصوفية عين كل كائن، وعين كل شهوة وعين كل جريمة، وعين كل فاحشة.
٣ ص١٩٤ فصوص. وبهذا يوقن القارئ أننا لم نتجن على الصوفية، فيما =
الهوى رب الصوفية الأعظم:
وأعظم مجلى عبد فيه، وأعلاه الهوى، كما قال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا بالله، ولا يعبد هو إلا بذاته٣" ثم قال: "والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد
_________
١ أي: ابن عربي.
٢ يفتري على الله أنه يسخر الناس ليعبدوه في كل صورة، أي: ليعبد كل إنسان نفسه وغيره من جماد وحيوان فإله الصوفية عين كل كائن، وعين كل شهوة وعين كل جريمة، وعين كل فاحشة.
٣ ص١٩٤ فصوص. وبهذا يوقن القارئ أننا لم نتجن على الصوفية، فيما =
Translation
الهوى رب الصوفية الأعظم
#103
Chapter 103 — رأي ابن حجر والبلقيني وغيرهما
· ref. #103
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
وما قبله، وما بعده مما ادعى فيه أن الله يتحد به، ويتجلى بصورته من غير حلول، ما نصه١: "ولكن دعوى تجلي الله بصورة ما مفكر٢ بها شرعا بإجماع المسلمين والكافرين من آمن به٣، وإن لم يكن حلولا".
رأي ابن حجر والبلقيني وغيرهما:
ومنهم شيخنا شيخ الإسلام حافظ عصره قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر، وشيخه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني٤، فقال في ترجمة عمر بن الفارض في لسان الميزان بعد أن ذكر ترجمة الذهبي له بأنه شيخ الاتحادية وأنه ينعق بالاتحاد الصريح في شعره: "وقد كنت سألت شيخنا سراج الدين البلقيني عن ابن العربي، فبادر بالجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض، فقال: لا أحب التكلم فيه، فقلت: فما الفرق بينهما، والمهيع واحد؟! وأنشدته من التائية [٥١] فقطع علي بعد إنشاد عدة أبيات بقوله: هذا كفر، هذا كفر".
ومنهم الشيخ ولي الدين العراقي وأبوه كما تقدم في الفص الموسوي وغيره، ومنهم العلامة برهان الدين السفاقيني صاحب الإعراب، ونظم قصيدة طويلة يتحرق فيها، ويندب أهل الإسلام لهؤلاء الضلال، فقال فيها:
فشيخهم الطائي٥ في ذاك٦ قدوة ... يرى كل شيء في الوجود هو الحقا٧
_________
١ مقول قوله قبل: وقال في شرح.
٢ في الأصل: مكر. والتصويب من الأصل نفسه، إذ ورد فيه هذا النص مرة أخرى.
٣ أي: من آمن بتجلي الله في صورة ما في الدنيا.
٤ ولد سنة ٧٢٤هـ، ولي إفتاء دار العدل وقضاء دمشق، ثم عاد إلى القاهرة توفي سنة ٨٠٥هـ.
٥ يعني: ابن عربي.
٦ في الأصل: ذلك. وهو خطأ يختل به وزن البيت.
٧ أي: الله سبحانه.
رأي ابن حجر والبلقيني وغيرهما:
ومنهم شيخنا شيخ الإسلام حافظ عصره قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر، وشيخه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني٤، فقال في ترجمة عمر بن الفارض في لسان الميزان بعد أن ذكر ترجمة الذهبي له بأنه شيخ الاتحادية وأنه ينعق بالاتحاد الصريح في شعره: "وقد كنت سألت شيخنا سراج الدين البلقيني عن ابن العربي، فبادر بالجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض، فقال: لا أحب التكلم فيه، فقلت: فما الفرق بينهما، والمهيع واحد؟! وأنشدته من التائية [٥١] فقطع علي بعد إنشاد عدة أبيات بقوله: هذا كفر، هذا كفر".
ومنهم الشيخ ولي الدين العراقي وأبوه كما تقدم في الفص الموسوي وغيره، ومنهم العلامة برهان الدين السفاقيني صاحب الإعراب، ونظم قصيدة طويلة يتحرق فيها، ويندب أهل الإسلام لهؤلاء الضلال، فقال فيها:
فشيخهم الطائي٥ في ذاك٦ قدوة ... يرى كل شيء في الوجود هو الحقا٧
_________
١ مقول قوله قبل: وقال في شرح.
٢ في الأصل: مكر. والتصويب من الأصل نفسه، إذ ورد فيه هذا النص مرة أخرى.
٣ أي: من آمن بتجلي الله في صورة ما في الدنيا.
٤ ولد سنة ٧٢٤هـ، ولي إفتاء دار العدل وقضاء دمشق، ثم عاد إلى القاهرة توفي سنة ٨٠٥هـ.
٥ يعني: ابن عربي.
٦ في الأصل: ذلك. وهو خطأ يختل به وزن البيت.
٧ أي: الله سبحانه.
Translation
رأي ابن حجر والبلقيني وغيرهما
#104
Chapter 104 — مقتل الحلاج
· ref. #104
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
وكم من غوي كابن سبعين مثله ... وكلهم بالكفر قد طوقوا طوقا
وكالششتري القونوي، وابن فارض ... فلا برد الله ثراهم، ولا أسقى
ومن كفر ابن الفارض بصريح اسمه شيخنا محقق عصره، قاضي القضاة شيخ الإسلام محمد بن علي الغاياتي الشافعي١. أخبرني عنه بذلك الثقة من غير وجه، وأخبرني الثقة عن الشيخ مدين٢ أنه قال: التائية هي الفصوص، لا فرق بينهما، وقد كان المذكور رأس صوفية عصرنا.
مقتل الحلاج:
ومنهم الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي الشافعي، وقال: "هؤلاء كلهم يقتفون في مسالكهم هذه طريقة الحسين بن الحلاج الذي أجمع الفقهاء في زمانه على كفره وقتله، قاله الإمام أبو بكر المازري الفقيه المالكي" قلت: وما قاله القاضي عياض كما تقدم نقله عنه في مقدمة هذا الكتاب. والله الموفق.
قال: "وقد بسطت سيرته في التاريخ بعد الثلاثمائة، وذكرت صفة قتله، واجتماع الكلمة على تكفيره من العلماء والصوفية العباد، سوى ابن عطاء وابن خفيف، حتى أنشدهما بعضهم من شعره قائلا: ما تقولان في قول بعض الشعراء:
سبحان من أظهرنا شوته٣ ... سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب
_________
١ ولد سنة ٧٨٥ تقريبا. وتوفي سنة ٨٥٠هـ.
٢ هو مدين خليفة الأشموني، نسبة إلى أشمون جريس من أعمال المنوفية ولد بها سنة ٧٨١ تقريبا، وتوفي في ربيع الأول سنة ٨٩٢هـ يقول عنه السخاوي: "وأما في تحقيق مذهب القوم فهو حامل رايته، والمخصوص بصريحه وإشاراته مع أنه لم يكن يتكلم فيه إلا بين خواصه".
٣ تقرأ بالضم والفتح، وهي بالضم أدق في الدلالة على دين الحلاج.
وكالششتري القونوي، وابن فارض ... فلا برد الله ثراهم، ولا أسقى
ومن كفر ابن الفارض بصريح اسمه شيخنا محقق عصره، قاضي القضاة شيخ الإسلام محمد بن علي الغاياتي الشافعي١. أخبرني عنه بذلك الثقة من غير وجه، وأخبرني الثقة عن الشيخ مدين٢ أنه قال: التائية هي الفصوص، لا فرق بينهما، وقد كان المذكور رأس صوفية عصرنا.
مقتل الحلاج:
ومنهم الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي الشافعي، وقال: "هؤلاء كلهم يقتفون في مسالكهم هذه طريقة الحسين بن الحلاج الذي أجمع الفقهاء في زمانه على كفره وقتله، قاله الإمام أبو بكر المازري الفقيه المالكي" قلت: وما قاله القاضي عياض كما تقدم نقله عنه في مقدمة هذا الكتاب. والله الموفق.
قال: "وقد بسطت سيرته في التاريخ بعد الثلاثمائة، وذكرت صفة قتله، واجتماع الكلمة على تكفيره من العلماء والصوفية العباد، سوى ابن عطاء وابن خفيف، حتى أنشدهما بعضهم من شعره قائلا: ما تقولان في قول بعض الشعراء:
سبحان من أظهرنا شوته٣ ... سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب
_________
١ ولد سنة ٧٨٥ تقريبا. وتوفي سنة ٨٥٠هـ.
٢ هو مدين خليفة الأشموني، نسبة إلى أشمون جريس من أعمال المنوفية ولد بها سنة ٧٨١ تقريبا، وتوفي في ربيع الأول سنة ٨٩٢هـ يقول عنه السخاوي: "وأما في تحقيق مذهب القوم فهو حامل رايته، والمخصوص بصريحه وإشاراته مع أنه لم يكن يتكلم فيه إلا بين خواصه".
٣ تقرأ بالضم والفتح، وهي بالضم أدق في الدلالة على دين الحلاج.
Translation
مقتل الحلاج
#105
Chapter 105 — رأي الذهبي
· ref. #105
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة١ الحاجب بالحاجب
فقالا: هذا شعر الزنادقة٢، فقال: هذا شعر الحسين بن منصور الحلاج، فلعنا الحلاج، ورجعا عنه" ا. هـ.
رأي الذهبي:
وممن صرح بكفره، وأحسن في بيان أمره حافظ عصره شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، فقال في كتابه تاريخ الإسلام بعد خط الحافظ سيف الدين ابن المجد علي الحريري المتصوف: "فكيف لو رأى الشيخ كلام ابن عربي الذي هو محض الكفر والزندقة، لقال: هذا الدجال المنتظر، ولكن كان ابن العربي٣ منقطعا عن الناس، إنما يجتمع به آحاد الاتحادية٤، ولا يصرح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته، ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه [الأمة] دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه الفصوص، وقد خط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية عن التاج [٥٢] البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي: كان يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا، وحكى عنه ابن تيمية أنه قال لما اجتمع٥ بابن عربي، رأيت شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله الله٦".
_________
١ في الأصل: كخطة، وهو خطأ، صوابه ما أثبته.
٢ أي: من أنشدهما من شعر الحلاج.
٣ اصطلح أهل المشرق على تسميته بابن عربي، أي: من غير آل، تمييزا له من أبي بكر بن العربي القاضي الفقيه المالكي.
٤ ابن عربي زعيم وحدة الوجود لا الاتحاد.
٥ أي: ابن معضاد.
٦ انظر مجموعة الرسائل والمسائل جـ٤ ص٧٦، ففيها نص ما ذكر هنا.
فقالا: هذا شعر الزنادقة٢، فقال: هذا شعر الحسين بن منصور الحلاج، فلعنا الحلاج، ورجعا عنه" ا. هـ.
رأي الذهبي:
وممن صرح بكفره، وأحسن في بيان أمره حافظ عصره شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، فقال في كتابه تاريخ الإسلام بعد خط الحافظ سيف الدين ابن المجد علي الحريري المتصوف: "فكيف لو رأى الشيخ كلام ابن عربي الذي هو محض الكفر والزندقة، لقال: هذا الدجال المنتظر، ولكن كان ابن العربي٣ منقطعا عن الناس، إنما يجتمع به آحاد الاتحادية٤، ولا يصرح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته، ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه [الأمة] دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه الفصوص، وقد خط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية عن التاج [٥٢] البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي: كان يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا، وحكى عنه ابن تيمية أنه قال لما اجتمع٥ بابن عربي، رأيت شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله الله٦".
_________
١ في الأصل: كخطة، وهو خطأ، صوابه ما أثبته.
٢ أي: من أنشدهما من شعر الحلاج.
٣ اصطلح أهل المشرق على تسميته بابن عربي، أي: من غير آل، تمييزا له من أبي بكر بن العربي القاضي الفقيه المالكي.
٤ ابن عربي زعيم وحدة الوجود لا الاتحاد.
٥ أي: ابن معضاد.
٦ انظر مجموعة الرسائل والمسائل جـ٤ ص٧٦، ففيها نص ما ذكر هنا.
Translation
رأي الذهبي
#106
Chapter 106 — رأي ابن تيمية وغيره من العلماء
· ref. #106
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
رأي ابن تيمية وغيره من العلماء:
وقال الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: "وقد صنف بعضهم -أي: أهل الاتحاد- كتبا وقصائد على مذهبه، مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، يقول فيها -وذكر منها عدة أبيات١- ثم قال: إلى مثل هذا الكلام -أي: الدال على الاتحاد-، ولهذا كان عند الموت ينشد٢:
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
أمنية ظفرت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام
فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه، تبين له بطلان ما كان يظنه٣" وقال في إفتائه الذي استفتاه فيه الشيخ سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي، بعد أن حكى جملة من أقوال ابن عربي صريحة في الكفر: "فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم، وأمثاله مثل صاحبه القونوي٤ -يعني صدر الدين- والتلمساني وابن سبعين، والششتري وابن الفارض وأتباعهم، مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود
_________
١ مما استشهد به ابن تيمية قول ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
٢ أي: ابن الفارض.
٣ انظر ص٨٣ وما بعدها من الفرقان ط١٣٦٦هـ، ص٧٦ جـ٤ مجموعة الرسائل والمسائل.
٤ محمد بن إسحاق من أهل الوحدة، هلك سنة ٦٧٣هـ.
الخالق عين وجود المخلوقات، فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق١، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها، بل عندهم ما ثم غير أصلا للخالق ولا سواه فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم؛ لأنه ما عندهم له غير وأما العلامة ابن دقيق العيد، فذكر أنه سمع عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن عربي: شيخ سوء كذاب" وممن حط عليه، وحذر منه الشيخ القدوة إبراهيم الرقي٢، ثم ذكر جماعة ممن تقدم ذكرهم في إفتائهم بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر، وقد ذكر ابن أبي حجلة أيضا عن غير هؤلاء ممن كفر هذه الطائفة من علماء المسلمين وذكر في كلام كل منهم في إبطال هذا المذهب ما لا لبس فيه، وفيما ذكرته مقنع، وذكر الحافظ تقي الدين الفاسي٣ في كتابه فيه: "ممن كفره الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الحضري ابن خلدون قاضي المالكية بمصر، وقال في فتوى ذكرها٤ فيه، وفي أضرابه، فيتعين على ولي الأمر إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة.
_________
١ قال ابن عربي في الفصوص: "فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة" ص٧٩ فصوص. فما ينسبه ابن تيمية إليهم صدق وحق في شأنهم.
٢ ولد سنة ٨١٢هـ وتوفي سنة ٨٨٤هـ قال عنه السخاوي: ونعم الرجل كان ﵀ وإيانا.
٣ محمد بن أحمد بن علي. ولد سنة ٧٧٥هـ بمكة. وتوفي سنة ٨٣٢هـ.
٤ سبق ذكر هذه الفتوى.
٥ في هامش الأصل جاء ما يأتي: "قلت: رأيته مصرحا به في كتابه "يعني ابن خلدون" عيون العبر، وديوان المبتدأ [والخبر] وفصل هناك تفصيلا زائدا، وهو كتاب لا نظير له".
ومما ذكره الفاسي أيضا من مكفريه: الإمامان رضي الدين أبو بكر بن محمد بن صالح [٥٣] الجبلي المعروف: بابن الخياط١ الشافعي مدرس المعينية بتعز، ومفتي تلك النواحي، والقاضي شهاب الدين أحمد بن علي الناشري٢ الشافعي مفتي زبيد، وفاضل اليمن شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري٣ الشافعي، قال: "وبين من حال ابن عربي ما لم يبينه غيره" وقال: وأما من أثنى على ابن عربي، فلفضله وزهده، وإيثاره، واجتهاده٤ في العبادة، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات، لاشتغالهم عنها بالعبادات. وقال الفاسي أيضا: "وبعض المثنين عليه يعرفون ما في كلامه من المنكرات، ولكنهم يزعمون أن
_________
١ من كبار علماء اليمن ولد سنة ٧٧٢هـ يقول عنه السخاوي: "انتهت إليه رياسة الفقه، وجرى بينه وبين المجد الشيرازي مراجعات، بسبب إنكاره على المشتغلين بكتب ابن عربي" توفي سنة ٨١١هـ.
٢ ولد سنة ٧٨٩هـ، وهو من كبار علماء اليمن، ولي قضاء زبيد نيابة عن والده. توفي سنة ٨٥٤هـ.
٣ ولد سنة ٨٠٨هـ وتوفي سنة ٨٧٥هـ له قصيدة طويلة يذم فيها الصوفية ويحذر منهم، منها:
حوتهن كتب حارب الله ربها ... وغر بها من غر بين الحواضر
تجاسر فيه ابن العربي واجترا ... على الله فيما قال كل المتجاسر
فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفا، إذ العبد عنده ... إله وعبد، فهو إنكار فاجر
وقال: تجلى الحق في كل صورة ... تجلى عليها، فهي إحدى المظاهر
فسبحان رب العرش عما يقوله ... أعاديه من أمثال هذي الكبائر
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر
وتقع هذه القصيدة في ستة وسبعين بيتا، نقلها المقبلي في كتابه العلم الشامخ ص٥٠٤.
٤ أي فضل لابن عربي؟ إيمانه بأن فرعون هو الله؟ أم عشقه بمكة امرأة زعم لها بعد أنها هي الله؟.
وقال الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: "وقد صنف بعضهم -أي: أهل الاتحاد- كتبا وقصائد على مذهبه، مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، يقول فيها -وذكر منها عدة أبيات١- ثم قال: إلى مثل هذا الكلام -أي: الدال على الاتحاد-، ولهذا كان عند الموت ينشد٢:
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
أمنية ظفرت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام
فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه، تبين له بطلان ما كان يظنه٣" وقال في إفتائه الذي استفتاه فيه الشيخ سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي، بعد أن حكى جملة من أقوال ابن عربي صريحة في الكفر: "فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم، وأمثاله مثل صاحبه القونوي٤ -يعني صدر الدين- والتلمساني وابن سبعين، والششتري وابن الفارض وأتباعهم، مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود
_________
١ مما استشهد به ابن تيمية قول ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
٢ أي: ابن الفارض.
٣ انظر ص٨٣ وما بعدها من الفرقان ط١٣٦٦هـ، ص٧٦ جـ٤ مجموعة الرسائل والمسائل.
٤ محمد بن إسحاق من أهل الوحدة، هلك سنة ٦٧٣هـ.
الخالق عين وجود المخلوقات، فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق١، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها، بل عندهم ما ثم غير أصلا للخالق ولا سواه فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم؛ لأنه ما عندهم له غير وأما العلامة ابن دقيق العيد، فذكر أنه سمع عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن عربي: شيخ سوء كذاب" وممن حط عليه، وحذر منه الشيخ القدوة إبراهيم الرقي٢، ثم ذكر جماعة ممن تقدم ذكرهم في إفتائهم بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر، وقد ذكر ابن أبي حجلة أيضا عن غير هؤلاء ممن كفر هذه الطائفة من علماء المسلمين وذكر في كلام كل منهم في إبطال هذا المذهب ما لا لبس فيه، وفيما ذكرته مقنع، وذكر الحافظ تقي الدين الفاسي٣ في كتابه فيه: "ممن كفره الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الحضري ابن خلدون قاضي المالكية بمصر، وقال في فتوى ذكرها٤ فيه، وفي أضرابه، فيتعين على ولي الأمر إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة.
_________
١ قال ابن عربي في الفصوص: "فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة" ص٧٩ فصوص. فما ينسبه ابن تيمية إليهم صدق وحق في شأنهم.
٢ ولد سنة ٨١٢هـ وتوفي سنة ٨٨٤هـ قال عنه السخاوي: ونعم الرجل كان ﵀ وإيانا.
٣ محمد بن أحمد بن علي. ولد سنة ٧٧٥هـ بمكة. وتوفي سنة ٨٣٢هـ.
٤ سبق ذكر هذه الفتوى.
٥ في هامش الأصل جاء ما يأتي: "قلت: رأيته مصرحا به في كتابه "يعني ابن خلدون" عيون العبر، وديوان المبتدأ [والخبر] وفصل هناك تفصيلا زائدا، وهو كتاب لا نظير له".
ومما ذكره الفاسي أيضا من مكفريه: الإمامان رضي الدين أبو بكر بن محمد بن صالح [٥٣] الجبلي المعروف: بابن الخياط١ الشافعي مدرس المعينية بتعز، ومفتي تلك النواحي، والقاضي شهاب الدين أحمد بن علي الناشري٢ الشافعي مفتي زبيد، وفاضل اليمن شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري٣ الشافعي، قال: "وبين من حال ابن عربي ما لم يبينه غيره" وقال: وأما من أثنى على ابن عربي، فلفضله وزهده، وإيثاره، واجتهاده٤ في العبادة، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات، لاشتغالهم عنها بالعبادات. وقال الفاسي أيضا: "وبعض المثنين عليه يعرفون ما في كلامه من المنكرات، ولكنهم يزعمون أن
_________
١ من كبار علماء اليمن ولد سنة ٧٧٢هـ يقول عنه السخاوي: "انتهت إليه رياسة الفقه، وجرى بينه وبين المجد الشيرازي مراجعات، بسبب إنكاره على المشتغلين بكتب ابن عربي" توفي سنة ٨١١هـ.
٢ ولد سنة ٧٨٩هـ، وهو من كبار علماء اليمن، ولي قضاء زبيد نيابة عن والده. توفي سنة ٨٥٤هـ.
٣ ولد سنة ٨٠٨هـ وتوفي سنة ٨٧٥هـ له قصيدة طويلة يذم فيها الصوفية ويحذر منهم، منها:
حوتهن كتب حارب الله ربها ... وغر بها من غر بين الحواضر
تجاسر فيه ابن العربي واجترا ... على الله فيما قال كل المتجاسر
فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفا، إذ العبد عنده ... إله وعبد، فهو إنكار فاجر
وقال: تجلى الحق في كل صورة ... تجلى عليها، فهي إحدى المظاهر
فسبحان رب العرش عما يقوله ... أعاديه من أمثال هذي الكبائر
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر
وتقع هذه القصيدة في ستة وسبعين بيتا، نقلها المقبلي في كتابه العلم الشامخ ص٥٠٤.
٤ أي فضل لابن عربي؟ إيمانه بأن فرعون هو الله؟ أم عشقه بمكة امرأة زعم لها بعد أنها هي الله؟.
Translation
رأي ابن تيمية وغيره من العلماء
#107
Chapter 107 — رأي علاء الدين البخاري
· ref. #107
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
لها تأويلات، وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطروح لتزكيتهم معتقدهم".
رأي علاء الدين البخاري:
وممن كفر أهل هذا المذهب شيخ مشايخنا نادرة زمانه علاء الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي، وصنف فيهم رسالة سماها: "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين" وبين أن وحدتهم الوحدة التي قرر أصلها بعض الفلاسفة، إلا التي يسميها أهل الله: الفناء١، ونقل عن القاضي عضد الدين تكفيرهم، فإنه قال في وصفه لابن عربي: "يحكى عنه أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش" فقد صح عن صاحب كتاب المواقف عضد الملة والدين، أعلى الله درجته في عليين، أنه لما سئل عن كتاب الفتوحات لصاحب الفصوص حين وصل هنالك قال: "أفتطمعون من مغربي يابس المزاج بحر٢ مكة، ويأكل الحشيش شيئا غير ذلك؟ وقد تبعه -أي ابن عربي- في ذلك ابن الفارض حيث يقول: أمرني النبي ﷺ بتسمية التائية: نظم السلوك! إذ لا يخفى على العاقل أن ذلك من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذن الكل هو الله، لا غير، فلا نبي، ولا رسول، ولا مرسل إليه، ولا خفاء في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام، لكن لما كان لكل ساقطة لاقطة، ترى طائفة من الجهال ذلت أعناقهم لها، خاضعين أفرادا وأزواجا،
_________
١ هذا اصطلاح صوفي ابتدعه الضالون تمهيدا لتقرير وحدة الوجود، وظني أن أول من تكلم به هو طيفور بن عيسى البسطامي، فكيف يكون هذا من تسمية أهل الله؟ وما قرره في مفهومه الصوفي الكتاب ولا السنة، ولا تكلم به صحابي ولا تابعي.
٢ كذا بالأصل: ولعلها: حرم مكة.
رأي علاء الدين البخاري:
وممن كفر أهل هذا المذهب شيخ مشايخنا نادرة زمانه علاء الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي، وصنف فيهم رسالة سماها: "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين" وبين أن وحدتهم الوحدة التي قرر أصلها بعض الفلاسفة، إلا التي يسميها أهل الله: الفناء١، ونقل عن القاضي عضد الدين تكفيرهم، فإنه قال في وصفه لابن عربي: "يحكى عنه أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش" فقد صح عن صاحب كتاب المواقف عضد الملة والدين، أعلى الله درجته في عليين، أنه لما سئل عن كتاب الفتوحات لصاحب الفصوص حين وصل هنالك قال: "أفتطمعون من مغربي يابس المزاج بحر٢ مكة، ويأكل الحشيش شيئا غير ذلك؟ وقد تبعه -أي ابن عربي- في ذلك ابن الفارض حيث يقول: أمرني النبي ﷺ بتسمية التائية: نظم السلوك! إذ لا يخفى على العاقل أن ذلك من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذن الكل هو الله، لا غير، فلا نبي، ولا رسول، ولا مرسل إليه، ولا خفاء في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام، لكن لما كان لكل ساقطة لاقطة، ترى طائفة من الجهال ذلت أعناقهم لها، خاضعين أفرادا وأزواجا،
_________
١ هذا اصطلاح صوفي ابتدعه الضالون تمهيدا لتقرير وحدة الوجود، وظني أن أول من تكلم به هو طيفور بن عيسى البسطامي، فكيف يكون هذا من تسمية أهل الله؟ وما قرره في مفهومه الصوفي الكتاب ولا السنة، ولا تكلم به صحابي ولا تابعي.
٢ كذا بالأصل: ولعلها: حرم مكة.
Translation
رأي علاء الدين البخاري
#108
Chapter 108 — تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق
· ref. #108
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
وشرذمة من الضلال يدخلون في فسوق الكفر بعد الإيمان، زمرا وأفواجا مع أنهم يرون أنه اتخذ آيات الله، وما أنذروا به هزوا، وأشرك جميع الممكنات -حتى الخبائث والقاذورات- بمن لم يكن له كفوا أحد".
تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق:
وقال في آخر رسالته: "إنهم يسمون كفرة وملاحدة وزنادقة، وذلك أن الكافر اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان من غير اعتراف بنبوة النبي ﷺ خص باسم المنافق، دون الزنديق، لأن الله تعالى لم يسم الذين نافقوا [٥٤] في عهد رسول الله ﷺ زنادقة، فدروز ١ الشام -على ما تشهد به كتبهم الملعونة- إنما يظهرون الإيمان، ولا يعترفون بنبوة النبي ﵊، فهم مباحيون منافقون، لا زنادقة على ما يتوهم ذلك؛ لعدم التفرقة بين المنافق والزنديق، وإن طرأ كفره بعد الإيمان خص باسم المرتد؛ لرجوعه عن الإيمان، وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك؛ لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي، كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث، خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الصانع خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ، وإظهار شعائر الإسلام، يتبطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق، وهو في الأصل منسوب
_________
١ واضع نحلتهم محمد بن إسماعيل الدرزي، وقد تقدمت ترجمته، والدروز لا يضيفون الألوهية إلا إلى الحاكم، ويدينون برجعته آخر الزمان، وينكرون الأنبياء والرسل جميعا، وينكرون أصول الإسلام والنصرانية واليهودية، ويبغضون في الباطن جميع أبناء الأديان الأخرى، ولا سيما المسلمين، ويستبيحون دماءهم وأموالهم، ويفترون أن القرآن من صنع سلمان الفارسي، وهم الآن بالجبل المسمى باسمهم في سوريا، انظر كتاب الحاكم بأمر الله للأستاذ محمد عبد الله عنان.
إلى زند١ اسم كتاب أظهره مزدك٢ في أيام قباذ، وزعم أنه تأويل كتاب المجوسي الذي جاء به زرادشت٣ الذي يزعم أنه نبيهم، وإن كان مع تبطن تلك العقائد الباطلة يستحل الفروج، وسائر المحرمات بتأويلات فاسدة، كما يزعم الباطنة والوجودية٤ خص باسم الملحد. والزنديق في عرف الشرع: اسم لما عرفت٥، لا لكل من صدر عنه فعل، أو قول يوجب الكفر على ما هو
_________
١ ليس من وضع مزدك، وإنما هو شرح زرادشت لكتابه هو المسمى أفستا.
٢ ظهر مزدك بفارس سنة ٤٨٧م، وهو ثنوي يدين بالنور والظلمة. أما دعوته الاجتماعية فيتحدث عنها الشهرستاني بقوله: "أحل النساء، وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها" وحين اشتدت وطأة بعض الخلفاء العباسيين على المزدكيين فر زعماؤهم إلى أوروبا. وتستطيع بهذا إدراك ما بين المزدكية والشيوعية من صلة، وتعرف المصدر القديم لهذه.
٣ يزعم الفرس أنه نبي، ولد حوالي سنة ٦٦٠ قبل الميلاد، وقد وضع دينا ليس بجديد كل الجدة، بل أرسى أصوله على أسس من الديانة الفارسية القديمة، ومات حوالي سنة ٥٨٣ ق م. وكتابه الذي يزعم أنه أوحي إليه به يسمى: أفستا، أو أبستاق كما يسميه المسعودي في مروجه، وزرادشت ممن يدينون بأصلين، أحدهما: أصل الخير، ويسميه "أهورا مزدا" والآخر: أصل الشر، ويسميه "أهرمن" ويزعم زرادشت أن بين الأصلين نزاعا دائما، بيد أن الخير سيهزم الشر في النهاية، لذا كانت نزعته تفاؤلية، غير مبالغ في دعوته إلى الزهد، بل أباح التمتع بالطيبات، وفي ديانته ما يوحي بأنه كان يؤمن بالبعث والجزاء على تصور وتصوير خرافيين، ويرى بعض الباحثين أن زرادشت كان موحدا يؤمن بأن ما في العالم من خير وشر أثران للإله الواحد. انظر الملل والنحل، ومروج الذهب جـ١، والكامل لابن الأثير جـ١، وتاريخ ابن خلدون جـ١.
٤ القائلون بوحدة الوجود.
٥ ذكر الشهاب الخفاجي في شفاء الغليل أن لفظ الزنديق ليس عربيا، وذكر عن أبي حاتم أنه فارسي معرب" زند كرد" أي: عمل الحياة، ثم ذكر كلاما طويلا يظهرنا على مدى ما بين أئمة اللغة وغيرهم من اختلاف بيّن في تحديد مفهوم =
متعارف أهل عصرنا، وقد يتوهم بناء على عدم الشعور بمعنى الحلول والاتحاد، أن الوجودية حلولية، أو اتحادية، وليس كذلك؛ إذ الحلول والاتحاد إنما يكون بين موجودين متغايرين في الأصل، والوجودية يجعلون الله تعالى عين وجود الممكنات، فلا مغايرة بينهما، ولا اثنينية، فلا يتصور ههنا الاتحاد والحلول،
_________
= هذه الكلمة.. والحق أنه ليس في الشرع ولا في اللغة تحديد جامع مانع لمفهومها والحق أن الزنديق لفظ غامض مشترك، لم يطلق بمعنى واحد في كل عصر، ولا على قوم بخصوصهم، بل تعددت معانيه، واختلفت إطلاقاته، فنراه أطلق على كل من اعتنق دينا فارسيا كالمانويين والزرادشتيين والمزدكيين والديصانيين، أعني على كل ثنوي فارسي، ونراه أطلق على كل ملحد، وكل مبتدع، وكل ماجن من الشعراء وغيرهم. قال بشار يهجو ابن أبي العوجاء:
لا تصلي، ولا تصوم، فإن صمـ ... ـت، فبعض النهار صوما دقيقا
لا تبالي إذا أصبت من الخمـ ... ـر عتيقا ألا تكون عتيقا
ليت شعري غداة حليت في الجنـ ... ـد حنيفا حليت، أم زنديقا
وقال أبو نواس: تيه مغن، وظرف زنديق. قال الصولي "وإنما قال ذلك لأن الزنديق لا يدع شيئا، ولا يمتنع عما يدعى إليه، فنسبه إلى الظرف لمساعدته على كل شيء وقلة خلافه" والتأمل في تاريخ الكلمة يلحظ أنها أطلقت أول ما أطلقت على ثنوية الفرس، وعلى من أعداهم الفرس بثنويتهم من العرب. وهذا يجعلنا نؤمن بالتطور في تاريخ هذه الكلمة، نؤمن بأنه قصد بها أولا كل ثنوي فارس، ثم توسع بعد هذا في مفهومها، فتعددت تبعا لهذا التوسع إطلاقاتها، فإنك لتجد صلة قوية بين كل من أطلق عليهم هذا اللفظ بعد، وبين الثنويين: إما في دين، وإما في خلق، وإما في نزعات المشاعر والأحاسيس. والتصوف -بدراسة دقيقة لتاريخه- ما هو إلا امتداد لهذه المؤامرات التي قام بها الزنادقة الأول، لإفساد العقائد، فيفسد المسلمون، فلا تكون لهم دولة ولا جامعة، بيد أن الشيطان أوحى إلى أوليائه تسميتها صوفية! يا للمجوسية تتراءى للمسلمين في وشاح من الربانية، وشفوف من الروحانية العليا في الإسلام، ويا للمسلمين بينهم كتاب الله، ويخدعهم هذا الزيف المجوسي! انظر أمالي المرتضى جـ١، شفاء الغليل للخفاجي، ضحى الإسلام، من تاريخ الإلحاد للدكتور بدوي.
تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق:
وقال في آخر رسالته: "إنهم يسمون كفرة وملاحدة وزنادقة، وذلك أن الكافر اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان من غير اعتراف بنبوة النبي ﷺ خص باسم المنافق، دون الزنديق، لأن الله تعالى لم يسم الذين نافقوا [٥٤] في عهد رسول الله ﷺ زنادقة، فدروز ١ الشام -على ما تشهد به كتبهم الملعونة- إنما يظهرون الإيمان، ولا يعترفون بنبوة النبي ﵊، فهم مباحيون منافقون، لا زنادقة على ما يتوهم ذلك؛ لعدم التفرقة بين المنافق والزنديق، وإن طرأ كفره بعد الإيمان خص باسم المرتد؛ لرجوعه عن الإيمان، وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك؛ لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي، كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث، خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الصانع خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ، وإظهار شعائر الإسلام، يتبطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق، وهو في الأصل منسوب
_________
١ واضع نحلتهم محمد بن إسماعيل الدرزي، وقد تقدمت ترجمته، والدروز لا يضيفون الألوهية إلا إلى الحاكم، ويدينون برجعته آخر الزمان، وينكرون الأنبياء والرسل جميعا، وينكرون أصول الإسلام والنصرانية واليهودية، ويبغضون في الباطن جميع أبناء الأديان الأخرى، ولا سيما المسلمين، ويستبيحون دماءهم وأموالهم، ويفترون أن القرآن من صنع سلمان الفارسي، وهم الآن بالجبل المسمى باسمهم في سوريا، انظر كتاب الحاكم بأمر الله للأستاذ محمد عبد الله عنان.
إلى زند١ اسم كتاب أظهره مزدك٢ في أيام قباذ، وزعم أنه تأويل كتاب المجوسي الذي جاء به زرادشت٣ الذي يزعم أنه نبيهم، وإن كان مع تبطن تلك العقائد الباطلة يستحل الفروج، وسائر المحرمات بتأويلات فاسدة، كما يزعم الباطنة والوجودية٤ خص باسم الملحد. والزنديق في عرف الشرع: اسم لما عرفت٥، لا لكل من صدر عنه فعل، أو قول يوجب الكفر على ما هو
_________
١ ليس من وضع مزدك، وإنما هو شرح زرادشت لكتابه هو المسمى أفستا.
٢ ظهر مزدك بفارس سنة ٤٨٧م، وهو ثنوي يدين بالنور والظلمة. أما دعوته الاجتماعية فيتحدث عنها الشهرستاني بقوله: "أحل النساء، وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها" وحين اشتدت وطأة بعض الخلفاء العباسيين على المزدكيين فر زعماؤهم إلى أوروبا. وتستطيع بهذا إدراك ما بين المزدكية والشيوعية من صلة، وتعرف المصدر القديم لهذه.
٣ يزعم الفرس أنه نبي، ولد حوالي سنة ٦٦٠ قبل الميلاد، وقد وضع دينا ليس بجديد كل الجدة، بل أرسى أصوله على أسس من الديانة الفارسية القديمة، ومات حوالي سنة ٥٨٣ ق م. وكتابه الذي يزعم أنه أوحي إليه به يسمى: أفستا، أو أبستاق كما يسميه المسعودي في مروجه، وزرادشت ممن يدينون بأصلين، أحدهما: أصل الخير، ويسميه "أهورا مزدا" والآخر: أصل الشر، ويسميه "أهرمن" ويزعم زرادشت أن بين الأصلين نزاعا دائما، بيد أن الخير سيهزم الشر في النهاية، لذا كانت نزعته تفاؤلية، غير مبالغ في دعوته إلى الزهد، بل أباح التمتع بالطيبات، وفي ديانته ما يوحي بأنه كان يؤمن بالبعث والجزاء على تصور وتصوير خرافيين، ويرى بعض الباحثين أن زرادشت كان موحدا يؤمن بأن ما في العالم من خير وشر أثران للإله الواحد. انظر الملل والنحل، ومروج الذهب جـ١، والكامل لابن الأثير جـ١، وتاريخ ابن خلدون جـ١.
٤ القائلون بوحدة الوجود.
٥ ذكر الشهاب الخفاجي في شفاء الغليل أن لفظ الزنديق ليس عربيا، وذكر عن أبي حاتم أنه فارسي معرب" زند كرد" أي: عمل الحياة، ثم ذكر كلاما طويلا يظهرنا على مدى ما بين أئمة اللغة وغيرهم من اختلاف بيّن في تحديد مفهوم =
متعارف أهل عصرنا، وقد يتوهم بناء على عدم الشعور بمعنى الحلول والاتحاد، أن الوجودية حلولية، أو اتحادية، وليس كذلك؛ إذ الحلول والاتحاد إنما يكون بين موجودين متغايرين في الأصل، والوجودية يجعلون الله تعالى عين وجود الممكنات، فلا مغايرة بينهما، ولا اثنينية، فلا يتصور ههنا الاتحاد والحلول،
_________
= هذه الكلمة.. والحق أنه ليس في الشرع ولا في اللغة تحديد جامع مانع لمفهومها والحق أن الزنديق لفظ غامض مشترك، لم يطلق بمعنى واحد في كل عصر، ولا على قوم بخصوصهم، بل تعددت معانيه، واختلفت إطلاقاته، فنراه أطلق على كل من اعتنق دينا فارسيا كالمانويين والزرادشتيين والمزدكيين والديصانيين، أعني على كل ثنوي فارسي، ونراه أطلق على كل ملحد، وكل مبتدع، وكل ماجن من الشعراء وغيرهم. قال بشار يهجو ابن أبي العوجاء:
لا تصلي، ولا تصوم، فإن صمـ ... ـت، فبعض النهار صوما دقيقا
لا تبالي إذا أصبت من الخمـ ... ـر عتيقا ألا تكون عتيقا
ليت شعري غداة حليت في الجنـ ... ـد حنيفا حليت، أم زنديقا
وقال أبو نواس: تيه مغن، وظرف زنديق. قال الصولي "وإنما قال ذلك لأن الزنديق لا يدع شيئا، ولا يمتنع عما يدعى إليه، فنسبه إلى الظرف لمساعدته على كل شيء وقلة خلافه" والتأمل في تاريخ الكلمة يلحظ أنها أطلقت أول ما أطلقت على ثنوية الفرس، وعلى من أعداهم الفرس بثنويتهم من العرب. وهذا يجعلنا نؤمن بالتطور في تاريخ هذه الكلمة، نؤمن بأنه قصد بها أولا كل ثنوي فارس، ثم توسع بعد هذا في مفهومها، فتعددت تبعا لهذا التوسع إطلاقاتها، فإنك لتجد صلة قوية بين كل من أطلق عليهم هذا اللفظ بعد، وبين الثنويين: إما في دين، وإما في خلق، وإما في نزعات المشاعر والأحاسيس. والتصوف -بدراسة دقيقة لتاريخه- ما هو إلا امتداد لهذه المؤامرات التي قام بها الزنادقة الأول، لإفساد العقائد، فيفسد المسلمون، فلا تكون لهم دولة ولا جامعة، بيد أن الشيطان أوحى إلى أوليائه تسميتها صوفية! يا للمجوسية تتراءى للمسلمين في وشاح من الربانية، وشفوف من الروحانية العليا في الإسلام، ويا للمسلمين بينهم كتاب الله، ويخدعهم هذا الزيف المجوسي! انظر أمالي المرتضى جـ١، شفاء الغليل للخفاجي، ضحى الإسلام، من تاريخ الإلحاد للدكتور بدوي.
Translation
تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق
#109
Chapter 109 — بعض مصطلحات الصوفية
· ref. #109
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
بلا زندقة أخرى أنجس منهما باطلة ببديهة العقل؛ إذ القائلون بها يجعلون الله تعالى أمرا اعتباريا لا وجود له في الخارج".
بعض مصطلحات الصوفية:
وقال١: "إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله٢، يتسترون بها في زندقتهم، فينبغي الحذر من ذلك، فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء، وجعلوها خيالا وسرابا على ما هو مذهب السوفسطائية٣، وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق، وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالا وسرابا، وكون وجود جميع الأشياء -حتى وجود الخبائث والقاذورات٤- إلها، وذلك
_________
١ أي: علاء الدين البخاري.
٢ التسمية بالعارف بدعة صوفية، تخفي وراءها كيدا خفيا للشريعة، إذ الغاية عندهم المعرفة وحدها لا العبادة، معرفة أن الحق عين الخلق. أما الغاية الحقة لكل مسلم، فهي الإيمان الصحيح مع التوحيد الخالص، مع التقوى، وكم من عارف صوفي دينه أساطير، ودعوته مجوسية.
٣ مشتق من الكلمة اليونانية "سوفيا" أي: الحكمة، والسوفيست هو الحكيم، وبه لقب رجال هذه المدرسة أنفسهم، ولكنها تطورت معهم، وتغير مدلولها بهم، حتى صارت تدل على المغالطة والتشكيك والمماراة. والصيغة العامة لمذهبهم الفكري إنكار الحقيقة المطلقة، والجزم باستحالة الحكم العام، فالحقائق عندهم اعتبارية كلها، ومقياس الحقيقة هو الإحساس الفردي، فما يراه شخص ما حقا، فهو حق، وإن كان غيره يراه موغلا في تيه الباطل. وأشهر زعماء هذه المدرسة التي عاشت قبل سقراط "بروتاجوراس، وجورجياس" أما عقيدتهم في الإلهية فيوضحها قول الأول "لا أستطيع أن أعلم إذا كان الآلهة موجودين، أم غير موجودين" ونرى شبها واضحا بين السفسطائية والصوفية في المنهج وفي النتائج فالأولون يرون الإحساس الفردي مصدر المعرفة ومقياسها، والآخرون يرون الذوق الفردي، وكلاهما يدين بأن الحقائق اعتبارية.
٤ نسبة هذا إلى الصوفية ثابتة صادقة.
غير ما أراده العارفون، فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع١ وهم مصرحون بأن كل حقيقة يردها الشرع فهي زندقة، وأنه لس في أسرار المعرفة شيء يناقض ظاهر الشرع، بل باطن الشريعة يتم بظاهره، وسره يكمل صريحه [٥٥] ولهذا إذا انكشفت على أهل الحقيقة أسرار الأمور على ما هي عليه٢، نظروا إلى الألفاظ الواردة في الشرع، فما وافق ما شاهدوه قرروه، وما خالف أولوه بما يطابق الشرع، كالآيات المتشابهة٣، ولا يستبعد وقوع المتشابه في الكشف ابتلاء
_________
١ ما في الشرع تلك الزمزمات الكهنوتية التي يزعم البخاري أنها من حقائق العارفين، فما في القرآن، ولا في السنة، ولا في قول صحابي، أو تابعي، أو مؤمن ما يسمى: الفناء، البقاء، الوحدة المطلقة، فناء الفناء. ما في الشرع مطلقا أثارة من هذه بدلائلها الصوفية، اللهم إلا إذا شاءوا وصف القرآن بأنه خلي من المعارف الإيمانية الحقة، أو الرسول والصحابة والتابعين بأنهم غير عارفين. هنالك في الإسلام مرتبة عليا هي الإحسان وهي: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" فلم يبغض الصوفية هذه المرتبة؟!
٢ هذا بهتان صوفي، فالذي يعلم ويدرك أسرار الأمور على ما هي عليه هو الله رب العالمين وحده، بيد أن المس الصوفي يجري على لسان العلاء البخاري تهاويل الخرافة والأسطورة.
٣ في قوله بما يطابق الشرع تلبيس، فالتأويل إنما ابتدعه أصحابه، ليجعلوا النقل مطابقا للعقل، إذ القاعدة عندهم: العقل أصل النقل، والعقل حاكم على النقل، فما لم يرتض واحد من المؤولة بعضا من الكتاب والسنة، أول هذا الذي لم يرتضه، أو بتعبير أدق: جرده من معانيه الأصلية الصحيحة، ووضع له معاني من عنده، حتى يطابق -في زعمه- ما يحكم به العقل!! ولكن عقل من؟ هذا ما نطلب الجواب عنه من المؤولة، وستظل علامة الاستفهام هذه أمام العقل دون أن يحير عنها جوابا، ثم إنه لم يدن بالتأويل سوى من سموهم خلفا، أما الصحابة والتابعون والسلف الصالحون، فلم ير واحد منهم في آيات الصفات وأحاديثها ما يرعش طمأنينة الإيمان واليقين الثابت في الأعماق المشرقة من قلبه، ولم يصفها أحد منهم بأنها من المتشابه، ولم يؤول أحد منهم شيئا منها مطلقا، =
لقلوب العارفين١، كما أن وقوع المتشابه في الشرع ابتلاء لقلوب الراسخين، فأراد بالبقاء التخلق بالأخلاق الإلهية، والتنصل عن كدورات الصفات البشرية والفناء عندهم عبارة عن اطمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودها، وعن الغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم، وكذا الوحدة المطلقة عبارة عن مشاهدة الله -لا غير- من بين الموجودات لاطمحلالها مع تحققها ووجودها عند ظهور أنوار التجليات، كاطمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار، فإن كان العارف في هذه الحال يرى نفسه، فذلك هو الفناء في التوحيد، وهو مرتبة الخواص، وهو مشوب بكدورة وقصور، وإن غاب مع ذلك عن مشاهدة نفسه
_________
= وأمشاج من الزور ما زعمه البخاري هنا، ألا تراه يدين بأن الشريعة، لا يحكم عليها حتى بالعقل، بل بما يغيم على النفس من خواطر الأوهام، ويدين على الفكر من غيوم الأهواء؟ يدين بأن الكشف -وهو ألعن أسطورة ابتدعها الصوفية لمحاربة الكتاب والسنة- هو مقياس حقائق الشرع، تقاس بأوهامه يقين الوحي الإلهي، وقيمه السماوية المقدسة. وأن الكشف هو الذي يحدد لكل حقيقة شرعية مفهومها وغايتها، أو ما أراده الله منها وبها؟ وهكذا يأبى الخبل الصوفي إلا أن ينطق علاء الدين بهوسه وخرافاته.
١ يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودا وشهودا، والله سبحانه هو القائل ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، والبخاري -وهو يرد على الصوفية، ليبطل ما يدينون به من الوحدة- يتهاوى في نفس الحمأة، هذا لأنه صوفي، لا يحب أن ينسى -وهو يرد على غيره من الصوفية- تصوفه هو، لا ينسى طريقته التي يود أن يصرف الناس إليها وحدها. ولكن حسبنا منه -وهو أكبر صوفي في عصره- اعترافه الصريح، وحكمه البين على ابن عربي وابن الفارض بأنهما خارجان عن حقيقة الإسلام، والأول شيخهم الأكبر، وكبريتهم الأحمر، والآخر سلطان عاشقيهم.
وعن أحواله الظاهرة والباطنة وعن ذلك الفناء -بحيث لا يشاهد شيئا غير الله١ كما لا يشاهد في النهار من الكواكب غير الشمس- فذلك هو فناء الفناء في التوحيد، وهو درجة خواص الخواص، فيصير لهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [النمل: ٨٨] ذوقا وحالا، كما أن حظ غيرهم من المؤمنين منه يكون علما وإيمانا، فالذوق نيل عين تلك الحال بالحصول الاتصافي، والعلم معرفة ذلك بالبرهان، ومأخذه القياس بأن ينظر إلى اطمحلال تلك الكواكب عند إشراق الشمس، فيقاس به اطمحلال وجود الكائنات عند إشراق أنوار التجليات، والإيمان قبوله بالتسامع والإذعان له، ولا يخالف هذا قولهم: إن الطريق إلى المعلوم بالكشف، إنما هو العيان دون البرهان؛ لأن المراد منا إقامة البرهان، على تحقق الكشف، لا على إثبات المعلوم، فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين٢ بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة، ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام؛ ليتمكن من هدمه عند الضعفاء.
_________
١ هذه هي وحدة الشهود، وهي النبحة الأولى من وحدة الوجود، بل هي المدخل إليها، وسترى البخاري -رغم تكفيره للقائلين بوحدة الوجود- يدور حولها، ويتسرب في خفية إليها. ولكنه جبان الشطح، مكير الخيال والتصوير.
٢ ما في الرسل جميعا، ولا في الأنبياء عامتهم، ولا في الأولياء الصادقين من هو أعرف بحق الربوبية والإلهية من محمد رسول الله ﷺ، وما فيهم من أحد أدى هذا الحق كما أداه، فما جاءنا عنه ﷺ خرافة الوحدة المطلقة الصوفية، أو أنه وصل إلى حال لم يشاهد فيها شيئا غير الذات الإلهية. والصوفية يعنون بالشهود معاينة الذات، وفناء الكائنات جميعها في هذا الشهود حتى في الليلة التي تجلى الله فيها على عبده بأعظم نعمة، وأراه فيها من آياته الكبرى ليلة الإسراء والمعراج، قال ﷺ لما سئل: هل رأي ربه: نور. أنى أراه؟! وفيها كان يشهد غير الله: الأنبياء، وجبريل، والجنة، والبيت المعمور وسدرة المنتهى، وغير ذلك، وسمى لنا كل شيء باسمه، فأين منه البيان عن شهود =
بعض مصطلحات الصوفية:
وقال١: "إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله٢، يتسترون بها في زندقتهم، فينبغي الحذر من ذلك، فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء، وجعلوها خيالا وسرابا على ما هو مذهب السوفسطائية٣، وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق، وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالا وسرابا، وكون وجود جميع الأشياء -حتى وجود الخبائث والقاذورات٤- إلها، وذلك
_________
١ أي: علاء الدين البخاري.
٢ التسمية بالعارف بدعة صوفية، تخفي وراءها كيدا خفيا للشريعة، إذ الغاية عندهم المعرفة وحدها لا العبادة، معرفة أن الحق عين الخلق. أما الغاية الحقة لكل مسلم، فهي الإيمان الصحيح مع التوحيد الخالص، مع التقوى، وكم من عارف صوفي دينه أساطير، ودعوته مجوسية.
٣ مشتق من الكلمة اليونانية "سوفيا" أي: الحكمة، والسوفيست هو الحكيم، وبه لقب رجال هذه المدرسة أنفسهم، ولكنها تطورت معهم، وتغير مدلولها بهم، حتى صارت تدل على المغالطة والتشكيك والمماراة. والصيغة العامة لمذهبهم الفكري إنكار الحقيقة المطلقة، والجزم باستحالة الحكم العام، فالحقائق عندهم اعتبارية كلها، ومقياس الحقيقة هو الإحساس الفردي، فما يراه شخص ما حقا، فهو حق، وإن كان غيره يراه موغلا في تيه الباطل. وأشهر زعماء هذه المدرسة التي عاشت قبل سقراط "بروتاجوراس، وجورجياس" أما عقيدتهم في الإلهية فيوضحها قول الأول "لا أستطيع أن أعلم إذا كان الآلهة موجودين، أم غير موجودين" ونرى شبها واضحا بين السفسطائية والصوفية في المنهج وفي النتائج فالأولون يرون الإحساس الفردي مصدر المعرفة ومقياسها، والآخرون يرون الذوق الفردي، وكلاهما يدين بأن الحقائق اعتبارية.
٤ نسبة هذا إلى الصوفية ثابتة صادقة.
غير ما أراده العارفون، فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع١ وهم مصرحون بأن كل حقيقة يردها الشرع فهي زندقة، وأنه لس في أسرار المعرفة شيء يناقض ظاهر الشرع، بل باطن الشريعة يتم بظاهره، وسره يكمل صريحه [٥٥] ولهذا إذا انكشفت على أهل الحقيقة أسرار الأمور على ما هي عليه٢، نظروا إلى الألفاظ الواردة في الشرع، فما وافق ما شاهدوه قرروه، وما خالف أولوه بما يطابق الشرع، كالآيات المتشابهة٣، ولا يستبعد وقوع المتشابه في الكشف ابتلاء
_________
١ ما في الشرع تلك الزمزمات الكهنوتية التي يزعم البخاري أنها من حقائق العارفين، فما في القرآن، ولا في السنة، ولا في قول صحابي، أو تابعي، أو مؤمن ما يسمى: الفناء، البقاء، الوحدة المطلقة، فناء الفناء. ما في الشرع مطلقا أثارة من هذه بدلائلها الصوفية، اللهم إلا إذا شاءوا وصف القرآن بأنه خلي من المعارف الإيمانية الحقة، أو الرسول والصحابة والتابعين بأنهم غير عارفين. هنالك في الإسلام مرتبة عليا هي الإحسان وهي: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" فلم يبغض الصوفية هذه المرتبة؟!
٢ هذا بهتان صوفي، فالذي يعلم ويدرك أسرار الأمور على ما هي عليه هو الله رب العالمين وحده، بيد أن المس الصوفي يجري على لسان العلاء البخاري تهاويل الخرافة والأسطورة.
٣ في قوله بما يطابق الشرع تلبيس، فالتأويل إنما ابتدعه أصحابه، ليجعلوا النقل مطابقا للعقل، إذ القاعدة عندهم: العقل أصل النقل، والعقل حاكم على النقل، فما لم يرتض واحد من المؤولة بعضا من الكتاب والسنة، أول هذا الذي لم يرتضه، أو بتعبير أدق: جرده من معانيه الأصلية الصحيحة، ووضع له معاني من عنده، حتى يطابق -في زعمه- ما يحكم به العقل!! ولكن عقل من؟ هذا ما نطلب الجواب عنه من المؤولة، وستظل علامة الاستفهام هذه أمام العقل دون أن يحير عنها جوابا، ثم إنه لم يدن بالتأويل سوى من سموهم خلفا، أما الصحابة والتابعون والسلف الصالحون، فلم ير واحد منهم في آيات الصفات وأحاديثها ما يرعش طمأنينة الإيمان واليقين الثابت في الأعماق المشرقة من قلبه، ولم يصفها أحد منهم بأنها من المتشابه، ولم يؤول أحد منهم شيئا منها مطلقا، =
لقلوب العارفين١، كما أن وقوع المتشابه في الشرع ابتلاء لقلوب الراسخين، فأراد بالبقاء التخلق بالأخلاق الإلهية، والتنصل عن كدورات الصفات البشرية والفناء عندهم عبارة عن اطمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودها، وعن الغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم، وكذا الوحدة المطلقة عبارة عن مشاهدة الله -لا غير- من بين الموجودات لاطمحلالها مع تحققها ووجودها عند ظهور أنوار التجليات، كاطمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار، فإن كان العارف في هذه الحال يرى نفسه، فذلك هو الفناء في التوحيد، وهو مرتبة الخواص، وهو مشوب بكدورة وقصور، وإن غاب مع ذلك عن مشاهدة نفسه
_________
= وأمشاج من الزور ما زعمه البخاري هنا، ألا تراه يدين بأن الشريعة، لا يحكم عليها حتى بالعقل، بل بما يغيم على النفس من خواطر الأوهام، ويدين على الفكر من غيوم الأهواء؟ يدين بأن الكشف -وهو ألعن أسطورة ابتدعها الصوفية لمحاربة الكتاب والسنة- هو مقياس حقائق الشرع، تقاس بأوهامه يقين الوحي الإلهي، وقيمه السماوية المقدسة. وأن الكشف هو الذي يحدد لكل حقيقة شرعية مفهومها وغايتها، أو ما أراده الله منها وبها؟ وهكذا يأبى الخبل الصوفي إلا أن ينطق علاء الدين بهوسه وخرافاته.
١ يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودا وشهودا، والله سبحانه هو القائل ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، والبخاري -وهو يرد على الصوفية، ليبطل ما يدينون به من الوحدة- يتهاوى في نفس الحمأة، هذا لأنه صوفي، لا يحب أن ينسى -وهو يرد على غيره من الصوفية- تصوفه هو، لا ينسى طريقته التي يود أن يصرف الناس إليها وحدها. ولكن حسبنا منه -وهو أكبر صوفي في عصره- اعترافه الصريح، وحكمه البين على ابن عربي وابن الفارض بأنهما خارجان عن حقيقة الإسلام، والأول شيخهم الأكبر، وكبريتهم الأحمر، والآخر سلطان عاشقيهم.
وعن أحواله الظاهرة والباطنة وعن ذلك الفناء -بحيث لا يشاهد شيئا غير الله١ كما لا يشاهد في النهار من الكواكب غير الشمس- فذلك هو فناء الفناء في التوحيد، وهو درجة خواص الخواص، فيصير لهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [النمل: ٨٨] ذوقا وحالا، كما أن حظ غيرهم من المؤمنين منه يكون علما وإيمانا، فالذوق نيل عين تلك الحال بالحصول الاتصافي، والعلم معرفة ذلك بالبرهان، ومأخذه القياس بأن ينظر إلى اطمحلال تلك الكواكب عند إشراق الشمس، فيقاس به اطمحلال وجود الكائنات عند إشراق أنوار التجليات، والإيمان قبوله بالتسامع والإذعان له، ولا يخالف هذا قولهم: إن الطريق إلى المعلوم بالكشف، إنما هو العيان دون البرهان؛ لأن المراد منا إقامة البرهان، على تحقق الكشف، لا على إثبات المعلوم، فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين٢ بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة، ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام؛ ليتمكن من هدمه عند الضعفاء.
_________
١ هذه هي وحدة الشهود، وهي النبحة الأولى من وحدة الوجود، بل هي المدخل إليها، وسترى البخاري -رغم تكفيره للقائلين بوحدة الوجود- يدور حولها، ويتسرب في خفية إليها. ولكنه جبان الشطح، مكير الخيال والتصوير.
٢ ما في الرسل جميعا، ولا في الأنبياء عامتهم، ولا في الأولياء الصادقين من هو أعرف بحق الربوبية والإلهية من محمد رسول الله ﷺ، وما فيهم من أحد أدى هذا الحق كما أداه، فما جاءنا عنه ﷺ خرافة الوحدة المطلقة الصوفية، أو أنه وصل إلى حال لم يشاهد فيها شيئا غير الذات الإلهية. والصوفية يعنون بالشهود معاينة الذات، وفناء الكائنات جميعها في هذا الشهود حتى في الليلة التي تجلى الله فيها على عبده بأعظم نعمة، وأراه فيها من آياته الكبرى ليلة الإسراء والمعراج، قال ﷺ لما سئل: هل رأي ربه: نور. أنى أراه؟! وفيها كان يشهد غير الله: الأنبياء، وجبريل، والجنة، والبيت المعمور وسدرة المنتهى، وغير ذلك، وسمى لنا كل شيء باسمه، فأين منه البيان عن شهود =
Translation
بعض مصطلحات الصوفية
#110
Chapter 110 — أسطورة الكشف
· ref. #110
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
أسطورة الكشف:
ويروجون تلك السفسطة بإحالتها إلى الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة
_________
= الذات فنيت فيها الكائنات؟ ولكن لعل البخاري وأضرابه يفترون أنهم يصلون إلى ما لم يستطع أن يصل إليه خير البشرية وخاتم النبيين، ثم إنه ﷺ أخبرنا خبر صدق وحق أن أحدا لن يرى ربه حتى يموت. وكان ﷺ يتجاوب قلبه الطهور المشرق بنور الإيمان الأسمى مع كل حق عليه، فيؤديه أتم وأكمل وأوفى أداء، حق الله سبحانه، حق النفس، حق الحياة، حق الأهل والولد، فيا ترى هل لم يبلغ الرسول الأعظم في الدين والمعرفة مرتبة البخاري وأحلاس الصوفية؟ فما أبان لنا عن البقاء، والفناء وفناء الفناء والوحدة وما في عمله ولا قوله ما يحدد مفاهيم هذه الأساطير الصوفية. والله سبحانه يذكر لنا أن خليله إبراهيم رأى -منة من الله- ملكوت السماوات والأرض، فأين البيان من الخليل عن الفناء وفناء الفناء والوحدة المطلقة؟، وداود ﵇ في تسابيحه كانت الطير تئوب معه، والجبال سخرها الله له يسبحن معه بالعشي والإشراق فما جاءنا عنه أنه كان في فناء، أو فناء فناء، أو شهود ذات فنيت فيها الكائنات، بل كان مع ذلك في الحديد يعمل. وربنا العليم بذات الصدور يثني على خير رسله في أسمى مقاماتهم بأنهم عباده المخلصون المتقون المؤمنون الأوابون، لا الذين يشهدون الذات فنيت فيها الكائنات! ويثني على الملائكة بأنهم عباد مكرمون، لا الذائقون حال الوحدة المطلقة، والرسول ﷺ يقول عن الإحسان، أسمى مراتب الإخلاص في العبودية: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" والبخاري وأضرابه يقولون أسمى مرتبة: أن تشهد الذات فنيت فيها الكائنات، وحقيقة التوحيد أن تعبد الله وحده، وأن لا تعبده إلا بما شرعه، ولكن البخاري يقول: أن تشهد الذات فنيت فيها الكائنات، وقد أجهد الصوفي البخاري نفسه في الرد على باطل الصوفية حتى لهثت أنفاسه. فما بلغ إلا تأييد باطل كان يتمنى الصوفية مثل قلم البخاري للدفاع عنه، ولو أنه لجأ إلى الكتاب والسنة لاستطاع بحجة واحدة منهما أن يأتي بنيانهم من القواعد، بل لو لجأ إلى العقل مؤمنا لدك على الطاغوت هيكله، ولدمر أصنامه، ولكنه صوفي.
الكشف وراء طور العقل، وأنت خبير بأن مرتبة الكشف نيل ما ليس له العقل ينال، لا نيل ما هو ببديهة العقل محال، وذلك أن الله تعالى خلق العباد وبين لهم سبيل الرشاد، وزينهم بالعقل نورا يهتدون به إلى معرفته، وحجة توصلهم إلى محجته بالاستدلال على وجود الصانع بالمصنوعات١، والنظر فيما يجوز ويستحيل [٥٦] عليه من الأفعال والصفات، وأن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر على تعريف صدقهم بالمعجزة، وعند ذلك ينتهي بصرف العقل٢ لعدم استقلاله بمعرفة المعاد، وبما يحصل السعادة والشقاوة هنالك للعباد، وإنما يستقل بمعرفة الله تعالى٣، وصدق الرسول، ثم يعزل نفسه، ويتلقى من النبي ﷺ ما يقول، في أحكام الدنيا والآخرة بالقبول٤، إذ لا ينطق
_________
١ لم لا يقال: الخالق بالمخلوقات؟!
٢ الله سبحانه هو العليم الخبير حقا بما يجب لربوبيته وإلهيته. وقد بين لنا عز شأنه تفضلا منه ورحمة هذا في كتابه الحكيم أجلى وأتم وأكمل بيان. فما يجوز لامرئ الزعم بأن للعقل التصرف في إثبات ما يجب وما يجوز وما يستحيل على الله سبحانه، والمؤمن الحق هو من يؤمن صادقا بكل ما وصف الله به نفسه إثباتا ونفيا. فيثبت خاشعا ما أثبت الله سبحانه لنفسه. وينفي منزها ما نفاه عنها جل وعلا. هو من يوحد الله توحيدا قوليا. وعمليا وعلميا واعتقاديا في الربوبية والإلهية بما ورد في الكتاب والسنة.
٣ فرية فلسفية، وإفك صوفي، فالعقل حينما استقل بمعرفة الله سماه سبحانه ووصفه بما لا يحب الله أن يسمى أو أن يوصف به، أثبت له ما أوجب الله نفيه، ونفى عنه ما أوجب الله إثباته، نفى عنه كونه خالقا مدبرا يعلم كل خافية، وأثبت له ما عربد من الشهوة، وما ضل من العاطفة، فسماه عاشقا ولاذا وملتذا، ألا فليؤمن العقل دائما بأنه دائما في قبضة من خلقه، وأنه الفقير دائما إلى الغني الخلاق العليم الخبير.
٤ بل يجب عليه قبل هذا أن يتلقى مؤمنا مخلصا ما جاء في الكتاب والسنة عن صفات الله وأسمائه، دون لمسة من ريب تدفعه إلى التأويل، أو همسة من فكر تلوذ به إلى التعطيل، أو تجاوب مع الحس يهيم به في التجسيم أو التمثيل.
بما يحيل العقل بالبديهة والبرهان، لامتناع ثبوت ما تحكم حجة الله عليه بالبطلان فلا مجال في مورد الشرع، ولا في طور الولاية والكشف لما يحكم العقل عليه بأنه محال، بل يجب أن يكون كل منهما في حيز الإمكان والاحتمال، غير أن الشرع يرد بما لا يدركه العقل بالاستقلال، وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال١ لأن الطريق إليه الكشف والعيان؛ دون بديهة العقل والبرهان، لكن إذا عرض عليه لا يحكم عليه بالبطلان، لكونه في حيز الإمكان، ولا ينبغي متوهم أن ما يتستر به الوجودية من دعوى الكشف من قبيل ما ليس له العقل ينال، بل هو مستحيل وللعقل في إبطاله تمكن ومجال؛ إذ الطريق إليه التصور ثم التصديق بالبطلان، وذلك وظيفة العقل بالبديهة أو البرهان، وأما الأمور الممكنة الكسبية، فيجعلها العقل في حظيرة الإمكان، ولا يحكم عليها بالبطلان ثم إن ما يناله الكشف، ولا يناله العقل الممكن الذي الطريق إليه العيان٢، دون البرهان، لا المحال الممتنع الوجود في الأعيان؛ إذ الكشف لا يجعل الممتنع متصفا بالإمكان موجودا في الأعيان؛ لأن قلب الحقائق بين الامتناع والبطلان فلو تخايل حصول المحال بالكشف ككون الوجود المطلق واحدا شخصيا، وموجودا خارجيا، وكون الواحد الشخصي منبسطا في المظاهر، متكررا عليها
_________
١ جعل من الشرع قسما لا يناله العقل، بل الكشف، فمن قال هذا؟ وسيعلم أن الطريق إليه كذلك معاينة الذات؟ فمن أين جاء بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص، وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟ إن كان هو عين ما في الشريعة، فما للكشف فائدة إذا. وإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطاعة الكبرى، فما صنع البخاري شيئا سوى أن فر إلى ما فر منه، وحارب ما يحارب هو من أجله.
٢ يريد الصوفية بها معاينة الذات الإلهية، ومشاهدة أسرار الربوبية والإلهية.
بلا مخالطته، متكثرا مع النواظر بلا انقسام، فذلك شعوذة الخيال، وخديعة الشيطان وقال بعد ذلك: "إنهم صرحوا بأن التكثر في الموجودات ليس بتكثر وجوداتها، بل تكثر الإضافات والتعينات" ثم قال: "فقالوا: معنى قولنا: الواجب موجود، أنه١ وجود، ومعنى قولنا: الإنسان، أو الفرس موجود، أنه ذو وجود، بمعنى أن له نسبة إلى الوجود، لا أنه متصف بالوجود، على ما هو معنى الوجود لغة وعرفا وشرعا، احترازا عن شفاعة التصريح بكون الواجب صفة الممكن، وأنت خبير بأن جواز الإطلاق فرع صحة الاشتقاق، ولو سلم فما ذكروا في بيان معناه في الواجب والممكن ليس معناه، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا ومنشأ الغلط فيما يكشفه الشرع بما يقصر عنه العقل، وما يدعيه هؤلاء مما يحيله [٥٧] عدم التفرقة بين ما أحاله العقل كهذه المذكورات، وبين ما لا يناله العقل كاطمحلال وجود الكائنات عند سطوع أنوار التجليات، وإنما ينال ذلك بجذبة الإلهية٢، أو رياضة في متابعة الحضرة النبوية في الوظائف العلمية والعملية
_________
١ في الأصل: موجوداته، بدل: موجود أنه.
٢ عجيب أن يجعل البخاري هذا مما لا ينال إلا بجذبة، فالمؤمن الحق يدرك باللمحة الهافية من الفكر والوجدان والشعور، أن بين وجود الله، ووجود العالم فرق ما بين رب السموات والأرض، وبين عبد خلق من طين، بيد أن البخاري يريد بالاطمحلال عند التجلي فناء وجود السوى، فلا يشهد العارف ثم إلا وجودا واحدا هو الواجب، أو المطلق، يعني يرى الكثير واحدا، والظاهر عين المظاهر فإن يك هذا، فقد هوى في غيابة صوفية، إذ ينفي الوحدة من جهة، ويثبتها من جهة أخرى، فالصوفية يريدون بالتجلي ما ينكشف للقلب من أنوار الغيوب، أو ظهور الذات في عين المظاهر، وفي الأول ادعاء معرفة الغيب وقول على الله بغير علم، وفي الآخر الإقرار بوحدة الوجود، فأيهما يريد البخاري؟! ثم ما هذه الجذبة؟ ما سبيلها؟ ما دليلها؟ ما مثالها في الماضي المؤمن؟ لا يقال: سبيلها العبادة، فإنه جعل العبادة قسما آخر غير الجذبة، وليس في الكتاب ولا في السنة عليها دليل، وما سمعنا عن صحابي أو تابعي، أو مؤمن صادق أنه نال هذه الجذبة.
والنيل هو الحصول الاتصافي، والعلم هو الحصول الإدراكي، ثم إن كلا مما لا يدركه العقل بالاستقلال، وما ليس له العقل ينال، لما كان مستوقفا على الإعلام والإرشاد من رب العالمين، بعث الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لبيان الأول، وهو علم الشريعة صريحا، والإشارة إلى الثاني، وهو علم الحقيقة رمزا وتلويحا١، كما يلوح من القرآن المجيد ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] إلى درجة الفناء في الفناء في التوحيد".
_________
١ يدين البخاري كغيره من الصوفية أن الدين حقيقة وشريعة، وأن الأولى غير الأخرى، بل أسمى منها وأفضل، وأن الشريعة لا تتضمن الحقيقة، وأن البيان عنها في القرآن جلي صريح. أما عن الحقيقة، فرمز وتلويح، وبذا أركس البخاري فيما أركس فيه الصوفية. الله سبحانه يصف كتابه بأنه بيان للناس، ويمن علينا بأنه بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، والبخاري يزعم أن القرآن أشار إلى علم الحقيقة عن طريق الرمز والتلويح، وما كل الناس يفهمون الدلالة الرمزية، أو التلويحية، وما كل أمي يفهمها، وهذا يستلزم طامتين، الأولى: اتهام القرآن بالعجز في البيان عن الحقيقة، فلم يستطع الإفصاح عنها إلا عن طريق الرمز والتلويح، وهما أغمض وأعجز أنواع الدلالات، الأخرى: اتهام الأكثرية الغالبة من هذه الأمة بأنها لا تعلم الحقيقة من دينها الحق، ولا يعبدون الله على بصيرة من الحق، بل ينسحب هذا الاتهام على الصحابة أجمعين، وإذا كانوا فلاسفة لا صوفيين، فإن قيل: كانوا يعرفون علم الحقيقة في زعم الصوفية، قلت: أين الدليل؟ أجاء عن أحد منهم افتراء أن الدين حقيقة وشريعة مغايرا بين القسمين؟ أتكلم واحد منهم عن الفناء، وفناء الفناء، والوحدة المطلقة، وهذه هي معارف علم الحقيقة عند الصوفية؟ بل أقول: إن في قول البخاري ومن دان دينه من الصوفية اتهاما للرسول ببهتانين، أولهما: كتمان علم الحقيقة في الدين، أو الجانب الأسمى منه، إذ لم يرد فيما بلغ إلينا عن الله هذا العلم الذي يدعيه البخاري: علم الفناء، وفناء الفناء، ومعاينة الذات!! وآخرهما: أنه كان ﷺ لا يعلم الحقيقة، ولم يهتد إلى ما اهتدى إليه البخاري وغيره. واتهام الرسول ﷺ بوهم من هذا =
ويروجون تلك السفسطة بإحالتها إلى الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة
_________
= الذات فنيت فيها الكائنات؟ ولكن لعل البخاري وأضرابه يفترون أنهم يصلون إلى ما لم يستطع أن يصل إليه خير البشرية وخاتم النبيين، ثم إنه ﷺ أخبرنا خبر صدق وحق أن أحدا لن يرى ربه حتى يموت. وكان ﷺ يتجاوب قلبه الطهور المشرق بنور الإيمان الأسمى مع كل حق عليه، فيؤديه أتم وأكمل وأوفى أداء، حق الله سبحانه، حق النفس، حق الحياة، حق الأهل والولد، فيا ترى هل لم يبلغ الرسول الأعظم في الدين والمعرفة مرتبة البخاري وأحلاس الصوفية؟ فما أبان لنا عن البقاء، والفناء وفناء الفناء والوحدة وما في عمله ولا قوله ما يحدد مفاهيم هذه الأساطير الصوفية. والله سبحانه يذكر لنا أن خليله إبراهيم رأى -منة من الله- ملكوت السماوات والأرض، فأين البيان من الخليل عن الفناء وفناء الفناء والوحدة المطلقة؟، وداود ﵇ في تسابيحه كانت الطير تئوب معه، والجبال سخرها الله له يسبحن معه بالعشي والإشراق فما جاءنا عنه أنه كان في فناء، أو فناء فناء، أو شهود ذات فنيت فيها الكائنات، بل كان مع ذلك في الحديد يعمل. وربنا العليم بذات الصدور يثني على خير رسله في أسمى مقاماتهم بأنهم عباده المخلصون المتقون المؤمنون الأوابون، لا الذين يشهدون الذات فنيت فيها الكائنات! ويثني على الملائكة بأنهم عباد مكرمون، لا الذائقون حال الوحدة المطلقة، والرسول ﷺ يقول عن الإحسان، أسمى مراتب الإخلاص في العبودية: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" والبخاري وأضرابه يقولون أسمى مرتبة: أن تشهد الذات فنيت فيها الكائنات، وحقيقة التوحيد أن تعبد الله وحده، وأن لا تعبده إلا بما شرعه، ولكن البخاري يقول: أن تشهد الذات فنيت فيها الكائنات، وقد أجهد الصوفي البخاري نفسه في الرد على باطل الصوفية حتى لهثت أنفاسه. فما بلغ إلا تأييد باطل كان يتمنى الصوفية مثل قلم البخاري للدفاع عنه، ولو أنه لجأ إلى الكتاب والسنة لاستطاع بحجة واحدة منهما أن يأتي بنيانهم من القواعد، بل لو لجأ إلى العقل مؤمنا لدك على الطاغوت هيكله، ولدمر أصنامه، ولكنه صوفي.
الكشف وراء طور العقل، وأنت خبير بأن مرتبة الكشف نيل ما ليس له العقل ينال، لا نيل ما هو ببديهة العقل محال، وذلك أن الله تعالى خلق العباد وبين لهم سبيل الرشاد، وزينهم بالعقل نورا يهتدون به إلى معرفته، وحجة توصلهم إلى محجته بالاستدلال على وجود الصانع بالمصنوعات١، والنظر فيما يجوز ويستحيل [٥٦] عليه من الأفعال والصفات، وأن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر على تعريف صدقهم بالمعجزة، وعند ذلك ينتهي بصرف العقل٢ لعدم استقلاله بمعرفة المعاد، وبما يحصل السعادة والشقاوة هنالك للعباد، وإنما يستقل بمعرفة الله تعالى٣، وصدق الرسول، ثم يعزل نفسه، ويتلقى من النبي ﷺ ما يقول، في أحكام الدنيا والآخرة بالقبول٤، إذ لا ينطق
_________
١ لم لا يقال: الخالق بالمخلوقات؟!
٢ الله سبحانه هو العليم الخبير حقا بما يجب لربوبيته وإلهيته. وقد بين لنا عز شأنه تفضلا منه ورحمة هذا في كتابه الحكيم أجلى وأتم وأكمل بيان. فما يجوز لامرئ الزعم بأن للعقل التصرف في إثبات ما يجب وما يجوز وما يستحيل على الله سبحانه، والمؤمن الحق هو من يؤمن صادقا بكل ما وصف الله به نفسه إثباتا ونفيا. فيثبت خاشعا ما أثبت الله سبحانه لنفسه. وينفي منزها ما نفاه عنها جل وعلا. هو من يوحد الله توحيدا قوليا. وعمليا وعلميا واعتقاديا في الربوبية والإلهية بما ورد في الكتاب والسنة.
٣ فرية فلسفية، وإفك صوفي، فالعقل حينما استقل بمعرفة الله سماه سبحانه ووصفه بما لا يحب الله أن يسمى أو أن يوصف به، أثبت له ما أوجب الله نفيه، ونفى عنه ما أوجب الله إثباته، نفى عنه كونه خالقا مدبرا يعلم كل خافية، وأثبت له ما عربد من الشهوة، وما ضل من العاطفة، فسماه عاشقا ولاذا وملتذا، ألا فليؤمن العقل دائما بأنه دائما في قبضة من خلقه، وأنه الفقير دائما إلى الغني الخلاق العليم الخبير.
٤ بل يجب عليه قبل هذا أن يتلقى مؤمنا مخلصا ما جاء في الكتاب والسنة عن صفات الله وأسمائه، دون لمسة من ريب تدفعه إلى التأويل، أو همسة من فكر تلوذ به إلى التعطيل، أو تجاوب مع الحس يهيم به في التجسيم أو التمثيل.
بما يحيل العقل بالبديهة والبرهان، لامتناع ثبوت ما تحكم حجة الله عليه بالبطلان فلا مجال في مورد الشرع، ولا في طور الولاية والكشف لما يحكم العقل عليه بأنه محال، بل يجب أن يكون كل منهما في حيز الإمكان والاحتمال، غير أن الشرع يرد بما لا يدركه العقل بالاستقلال، وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال١ لأن الطريق إليه الكشف والعيان؛ دون بديهة العقل والبرهان، لكن إذا عرض عليه لا يحكم عليه بالبطلان، لكونه في حيز الإمكان، ولا ينبغي متوهم أن ما يتستر به الوجودية من دعوى الكشف من قبيل ما ليس له العقل ينال، بل هو مستحيل وللعقل في إبطاله تمكن ومجال؛ إذ الطريق إليه التصور ثم التصديق بالبطلان، وذلك وظيفة العقل بالبديهة أو البرهان، وأما الأمور الممكنة الكسبية، فيجعلها العقل في حظيرة الإمكان، ولا يحكم عليها بالبطلان ثم إن ما يناله الكشف، ولا يناله العقل الممكن الذي الطريق إليه العيان٢، دون البرهان، لا المحال الممتنع الوجود في الأعيان؛ إذ الكشف لا يجعل الممتنع متصفا بالإمكان موجودا في الأعيان؛ لأن قلب الحقائق بين الامتناع والبطلان فلو تخايل حصول المحال بالكشف ككون الوجود المطلق واحدا شخصيا، وموجودا خارجيا، وكون الواحد الشخصي منبسطا في المظاهر، متكررا عليها
_________
١ جعل من الشرع قسما لا يناله العقل، بل الكشف، فمن قال هذا؟ وسيعلم أن الطريق إليه كذلك معاينة الذات؟ فمن أين جاء بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص، وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟ إن كان هو عين ما في الشريعة، فما للكشف فائدة إذا. وإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطاعة الكبرى، فما صنع البخاري شيئا سوى أن فر إلى ما فر منه، وحارب ما يحارب هو من أجله.
٢ يريد الصوفية بها معاينة الذات الإلهية، ومشاهدة أسرار الربوبية والإلهية.
بلا مخالطته، متكثرا مع النواظر بلا انقسام، فذلك شعوذة الخيال، وخديعة الشيطان وقال بعد ذلك: "إنهم صرحوا بأن التكثر في الموجودات ليس بتكثر وجوداتها، بل تكثر الإضافات والتعينات" ثم قال: "فقالوا: معنى قولنا: الواجب موجود، أنه١ وجود، ومعنى قولنا: الإنسان، أو الفرس موجود، أنه ذو وجود، بمعنى أن له نسبة إلى الوجود، لا أنه متصف بالوجود، على ما هو معنى الوجود لغة وعرفا وشرعا، احترازا عن شفاعة التصريح بكون الواجب صفة الممكن، وأنت خبير بأن جواز الإطلاق فرع صحة الاشتقاق، ولو سلم فما ذكروا في بيان معناه في الواجب والممكن ليس معناه، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا ومنشأ الغلط فيما يكشفه الشرع بما يقصر عنه العقل، وما يدعيه هؤلاء مما يحيله [٥٧] عدم التفرقة بين ما أحاله العقل كهذه المذكورات، وبين ما لا يناله العقل كاطمحلال وجود الكائنات عند سطوع أنوار التجليات، وإنما ينال ذلك بجذبة الإلهية٢، أو رياضة في متابعة الحضرة النبوية في الوظائف العلمية والعملية
_________
١ في الأصل: موجوداته، بدل: موجود أنه.
٢ عجيب أن يجعل البخاري هذا مما لا ينال إلا بجذبة، فالمؤمن الحق يدرك باللمحة الهافية من الفكر والوجدان والشعور، أن بين وجود الله، ووجود العالم فرق ما بين رب السموات والأرض، وبين عبد خلق من طين، بيد أن البخاري يريد بالاطمحلال عند التجلي فناء وجود السوى، فلا يشهد العارف ثم إلا وجودا واحدا هو الواجب، أو المطلق، يعني يرى الكثير واحدا، والظاهر عين المظاهر فإن يك هذا، فقد هوى في غيابة صوفية، إذ ينفي الوحدة من جهة، ويثبتها من جهة أخرى، فالصوفية يريدون بالتجلي ما ينكشف للقلب من أنوار الغيوب، أو ظهور الذات في عين المظاهر، وفي الأول ادعاء معرفة الغيب وقول على الله بغير علم، وفي الآخر الإقرار بوحدة الوجود، فأيهما يريد البخاري؟! ثم ما هذه الجذبة؟ ما سبيلها؟ ما دليلها؟ ما مثالها في الماضي المؤمن؟ لا يقال: سبيلها العبادة، فإنه جعل العبادة قسما آخر غير الجذبة، وليس في الكتاب ولا في السنة عليها دليل، وما سمعنا عن صحابي أو تابعي، أو مؤمن صادق أنه نال هذه الجذبة.
والنيل هو الحصول الاتصافي، والعلم هو الحصول الإدراكي، ثم إن كلا مما لا يدركه العقل بالاستقلال، وما ليس له العقل ينال، لما كان مستوقفا على الإعلام والإرشاد من رب العالمين، بعث الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لبيان الأول، وهو علم الشريعة صريحا، والإشارة إلى الثاني، وهو علم الحقيقة رمزا وتلويحا١، كما يلوح من القرآن المجيد ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] إلى درجة الفناء في الفناء في التوحيد".
_________
١ يدين البخاري كغيره من الصوفية أن الدين حقيقة وشريعة، وأن الأولى غير الأخرى، بل أسمى منها وأفضل، وأن الشريعة لا تتضمن الحقيقة، وأن البيان عنها في القرآن جلي صريح. أما عن الحقيقة، فرمز وتلويح، وبذا أركس البخاري فيما أركس فيه الصوفية. الله سبحانه يصف كتابه بأنه بيان للناس، ويمن علينا بأنه بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، والبخاري يزعم أن القرآن أشار إلى علم الحقيقة عن طريق الرمز والتلويح، وما كل الناس يفهمون الدلالة الرمزية، أو التلويحية، وما كل أمي يفهمها، وهذا يستلزم طامتين، الأولى: اتهام القرآن بالعجز في البيان عن الحقيقة، فلم يستطع الإفصاح عنها إلا عن طريق الرمز والتلويح، وهما أغمض وأعجز أنواع الدلالات، الأخرى: اتهام الأكثرية الغالبة من هذه الأمة بأنها لا تعلم الحقيقة من دينها الحق، ولا يعبدون الله على بصيرة من الحق، بل ينسحب هذا الاتهام على الصحابة أجمعين، وإذا كانوا فلاسفة لا صوفيين، فإن قيل: كانوا يعرفون علم الحقيقة في زعم الصوفية، قلت: أين الدليل؟ أجاء عن أحد منهم افتراء أن الدين حقيقة وشريعة مغايرا بين القسمين؟ أتكلم واحد منهم عن الفناء، وفناء الفناء، والوحدة المطلقة، وهذه هي معارف علم الحقيقة عند الصوفية؟ بل أقول: إن في قول البخاري ومن دان دينه من الصوفية اتهاما للرسول ببهتانين، أولهما: كتمان علم الحقيقة في الدين، أو الجانب الأسمى منه، إذ لم يرد فيما بلغ إلينا عن الله هذا العلم الذي يدعيه البخاري: علم الفناء، وفناء الفناء، ومعاينة الذات!! وآخرهما: أنه كان ﷺ لا يعلم الحقيقة، ولم يهتد إلى ما اهتدى إليه البخاري وغيره. واتهام الرسول ﷺ بوهم من هذا =
Translation
أسطورة الكشف
#111
Chapter 111 — عود إلى من كفروا ابن عربي
· ref. #111
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
انتهى ما نقلته من رسالة الشيخ علاء الدين البخاري، لكني تصرفت فيه بالتقديم والتأخير، وقد وضح بذلك محالهم، وتبين به ضلالهم١ والله الموفق.
عود إلى من كفروا ابن عربي:
وعن الحافظ تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المكي في كتابه: تحذير النبيه والغبي من الافتتان بابن عربي، أنه قال، وقد سئل عنه وعن شيء من كلامه:
_________
= كفر خبيث، وقد اتهمه الصوفية فعلا بالأول: أي: الكتمان، اسمع لابن عجيبة في شرحه لحكم ابن عطاء الله السكندري يقول: "وأما واضع هذا العلم -يعني التصوف- فهو النبي ﷺ علمه الله له بالوحي والإلهام، فنزل جبريل أولا بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانيا بالحقيقة، فخص بها بعضا دون بعض" ص٥ جـ١ ط١٣٣١هـ. وفي هذا حجة على دين الصوفية مقت للشريعة، واتهام صريح للرسول بأنه لم يبلغ بعض ما أنزل إليه، وبأنه هوى مع الهوى فخص به بعضا، وحاشا الرسول الكريم.
١ علاء الدين البخاري رجل أشرب قلبه وفكره التصوف، وقد خدع البقاعي بهذره الصوفي، فكل ما هول به البخاري في الرد على الصوفية لا ينابذ لهم باطلا. بل يواليه ويمالئه. نعم صرح الرجل في قوة وشجاعة وجلاء بتكفير ابن عربي وأحلاسه، بيد أن ما حسبه أدلة تدمغهم بالزندقة هي في حقيقتها أساطير صوفية، أو هي بالذات عناكبهم التي يصيدون بها العقول الذبابية. وهذا يثبت ما قلته من قبل، وهو أن كل من به مس من الصوفية إنما يطوي النفس على أمشاج وثنية.
وإن تراءى بتكفير غيره من لدانه وأقرانه. قارن بين ما رد به البخاري الصوفي، وبين ما رد به الإمام ابن تيمية، لتدرك البون الشاسع بين الرجلين، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالبخاري صوفي يرد بتصوفه على تصوف غيره؛ كي يؤمن الناس به هو، وبما يدعو إليه من التصوف، وابن تيمية يدمغ الباطل بما دمغه به الحق من الكتاب والسنة، بل وببراهين العقل الذي جعل هدى القرآن مناره، ولم يلوثه دنس صوفي، ابتغاء مرضاة الله، والجلاد المستلئم في الجهاد في سبيل الله، وهذا هو دائما فرق ما بين المؤمن والصوفي.
شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي عالم إفريقية، فقال ما معناه: إن من نسب إليه هذا الكلام لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته" ا. هـ. ومنهم شيخنا العلامة إمام القراء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي نزيل بلاد الروم ثم العجم، قال: "ومما يجب عل ملوك الإسلام، ومن قدر على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] أن يعدموا الكتب المخالفة لظاهر الشرع المطهر من كتب المذكور١ وغيره، ولا يتلفت إلى قول من قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يؤول، فإنه٢ غلط من قائله. إنما يؤول كلام المعصوم، ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر، لم يكن في الأرض كافر" ومنهم العلامة نادرة زمانة علما وعملا بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل٣ اليمني الحسيني نسبا وبلدا، وصنف في ابن عربي وابن الفارض كتابا كبيرا ٤ نافعا جدا، وذكر فيه أنه كان في اليمن شخص من أكابر أتباعه، يقال له الكرماني، حصلت به في اليمن فتن كبيرة، وحصل بينه وبين ابن المقري خطوب، وصنف في الرد على ابن المقري كتابا قال فيه عن نفسه، وأهل مذهبه ما لفظه: "إنا حيث قلنا: المخلوق، فمرادنا الخالق، وحيث قلنا: الحجر، فمرادنا الله" ا. هـ.
_________
١ يعني: ابن عربي، واقرأ نص فتوى الجزري في ص٤٩٥ من العلم الشامخ للعلامة المقبلي.
٢ أي: القول بالتأويل لكلام الصوفية.
٣ ولد سنة ٧٧٩هـ تقريبا، وتوفي سنة ٨٥٥هـ. وهو من كبار علماء اليمن في عصره.
٤ سماه: كشف الغطا عن حقائق التوحيد وعقائد الموحدين، وله كتاب آخر سماه: بيان حكم الشلح والنص على مروق ابن عربي وابن الفارض وأتباعهما من الملحدين. انظر الضوء اللامع للسخاوي.
عود إلى من كفروا ابن عربي:
وعن الحافظ تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المكي في كتابه: تحذير النبيه والغبي من الافتتان بابن عربي، أنه قال، وقد سئل عنه وعن شيء من كلامه:
_________
= كفر خبيث، وقد اتهمه الصوفية فعلا بالأول: أي: الكتمان، اسمع لابن عجيبة في شرحه لحكم ابن عطاء الله السكندري يقول: "وأما واضع هذا العلم -يعني التصوف- فهو النبي ﷺ علمه الله له بالوحي والإلهام، فنزل جبريل أولا بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانيا بالحقيقة، فخص بها بعضا دون بعض" ص٥ جـ١ ط١٣٣١هـ. وفي هذا حجة على دين الصوفية مقت للشريعة، واتهام صريح للرسول بأنه لم يبلغ بعض ما أنزل إليه، وبأنه هوى مع الهوى فخص به بعضا، وحاشا الرسول الكريم.
١ علاء الدين البخاري رجل أشرب قلبه وفكره التصوف، وقد خدع البقاعي بهذره الصوفي، فكل ما هول به البخاري في الرد على الصوفية لا ينابذ لهم باطلا. بل يواليه ويمالئه. نعم صرح الرجل في قوة وشجاعة وجلاء بتكفير ابن عربي وأحلاسه، بيد أن ما حسبه أدلة تدمغهم بالزندقة هي في حقيقتها أساطير صوفية، أو هي بالذات عناكبهم التي يصيدون بها العقول الذبابية. وهذا يثبت ما قلته من قبل، وهو أن كل من به مس من الصوفية إنما يطوي النفس على أمشاج وثنية.
وإن تراءى بتكفير غيره من لدانه وأقرانه. قارن بين ما رد به البخاري الصوفي، وبين ما رد به الإمام ابن تيمية، لتدرك البون الشاسع بين الرجلين، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالبخاري صوفي يرد بتصوفه على تصوف غيره؛ كي يؤمن الناس به هو، وبما يدعو إليه من التصوف، وابن تيمية يدمغ الباطل بما دمغه به الحق من الكتاب والسنة، بل وببراهين العقل الذي جعل هدى القرآن مناره، ولم يلوثه دنس صوفي، ابتغاء مرضاة الله، والجلاد المستلئم في الجهاد في سبيل الله، وهذا هو دائما فرق ما بين المؤمن والصوفي.
شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي عالم إفريقية، فقال ما معناه: إن من نسب إليه هذا الكلام لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته" ا. هـ. ومنهم شيخنا العلامة إمام القراء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي نزيل بلاد الروم ثم العجم، قال: "ومما يجب عل ملوك الإسلام، ومن قدر على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] أن يعدموا الكتب المخالفة لظاهر الشرع المطهر من كتب المذكور١ وغيره، ولا يتلفت إلى قول من قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يؤول، فإنه٢ غلط من قائله. إنما يؤول كلام المعصوم، ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر، لم يكن في الأرض كافر" ومنهم العلامة نادرة زمانة علما وعملا بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل٣ اليمني الحسيني نسبا وبلدا، وصنف في ابن عربي وابن الفارض كتابا كبيرا ٤ نافعا جدا، وذكر فيه أنه كان في اليمن شخص من أكابر أتباعه، يقال له الكرماني، حصلت به في اليمن فتن كبيرة، وحصل بينه وبين ابن المقري خطوب، وصنف في الرد على ابن المقري كتابا قال فيه عن نفسه، وأهل مذهبه ما لفظه: "إنا حيث قلنا: المخلوق، فمرادنا الخالق، وحيث قلنا: الحجر، فمرادنا الله" ا. هـ.
_________
١ يعني: ابن عربي، واقرأ نص فتوى الجزري في ص٤٩٥ من العلم الشامخ للعلامة المقبلي.
٢ أي: القول بالتأويل لكلام الصوفية.
٣ ولد سنة ٧٧٩هـ تقريبا، وتوفي سنة ٨٥٥هـ. وهو من كبار علماء اليمن في عصره.
٤ سماه: كشف الغطا عن حقائق التوحيد وعقائد الموحدين، وله كتاب آخر سماه: بيان حكم الشلح والنص على مروق ابن عربي وابن الفارض وأتباعهما من الملحدين. انظر الضوء اللامع للسخاوي.
Translation
عود إلى من كفروا ابن عربي
#112
Chapter 112 — من مكر الصوفية
· ref. #112
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
من مكر الصوفية:
من مكر هذه الطائفة، كما شرعه لهم شيخهم١ من أن الدعوة إلى الله مكر أن يخيلوا٢ كل من ظنوا أنه مال عنهم بأنه يصاب في نفسه، أو ماله٣، ويقولون: ما تكلم أحد فيهم إلا أصيب، ويباهتون [٥٨] بأشياء هي كذب ظاهر. ولا عليهم -وأكثر الناس صبيان العقول، مرضى الأفكار، تجد أحدهم إذا سمع هذا نفر منك نفر النعام الشارد، ثم يكون أحسنهم خلالا الذي يقول: التسليم أسلم!! ولا يتأمل أن الشك في الكفر بعد البيان كفر، وهو مع كونه٤ كذبا بمن أنكر عليهم من أكابر العلماء الذي لا يحصون كثرة، وماتوا على أحسن الأحوال- تشبه باليهود في قولهم في الإسلام لما مات أبو أمامة أسعد
_________
١ يعني: ابن عربي.
٢ صوابها: إلى كل، أو لكل. ففي الذكر ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ .
٣ كاد لي لئيم فضيع لي ما يسمى: "مسوغات التعيين في وزارة المعارف" فتنادى بعض الصوفية: يا للكرامة، ويال نتقام أوليائنا الرهيب!! فقلت: يا سبحان الله! لا يتورع القوم حتى من اتهام أوليائهم أنهم لصوص بغاة، يحاربون الناس في أرزاقهم.
٤ لعلها: كذب، ولو أن الأمر كان تكذيبا للعلما فحسب لهانت الجرمية، ولكنه تكذيب لله ولرسوله، وتقوى لغير الله، ورهب من زنادقة، فما يطيق أمثال هؤلاء -رغم إخراج الكفر لهم لسانه من كتب الصوفية- النطق بكلمة حق يرضون بها الله سبحانه. سل اليوم كبار الأحبار، عبيد المتن والحاشية، عن فصوص ابن عربي، وتائية ابن الفارض، وطبقات الشعراني، سلهم ثم أنصت للجواب الذليل. ستسمع من يقول عن ابن عربي: الشيخ الأ كبر، وعن ابن الفارض: سلطان العاشقين، وعن الشعراني: الهيكل الصمداني، وستسمع من يقول -ممن يزلزل الريب يقينهم، وتغشي الوثنية معتقداتهم: يسلم لهم حالهم، فالتسليم أسلم! هذا ما يجيده الأحبار من أساليب الدفاع عن دين الله.
من مكر هذه الطائفة، كما شرعه لهم شيخهم١ من أن الدعوة إلى الله مكر أن يخيلوا٢ كل من ظنوا أنه مال عنهم بأنه يصاب في نفسه، أو ماله٣، ويقولون: ما تكلم أحد فيهم إلا أصيب، ويباهتون [٥٨] بأشياء هي كذب ظاهر. ولا عليهم -وأكثر الناس صبيان العقول، مرضى الأفكار، تجد أحدهم إذا سمع هذا نفر منك نفر النعام الشارد، ثم يكون أحسنهم خلالا الذي يقول: التسليم أسلم!! ولا يتأمل أن الشك في الكفر بعد البيان كفر، وهو مع كونه٤ كذبا بمن أنكر عليهم من أكابر العلماء الذي لا يحصون كثرة، وماتوا على أحسن الأحوال- تشبه باليهود في قولهم في الإسلام لما مات أبو أمامة أسعد
_________
١ يعني: ابن عربي.
٢ صوابها: إلى كل، أو لكل. ففي الذكر ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ .
٣ كاد لي لئيم فضيع لي ما يسمى: "مسوغات التعيين في وزارة المعارف" فتنادى بعض الصوفية: يا للكرامة، ويال نتقام أوليائنا الرهيب!! فقلت: يا سبحان الله! لا يتورع القوم حتى من اتهام أوليائهم أنهم لصوص بغاة، يحاربون الناس في أرزاقهم.
٤ لعلها: كذب، ولو أن الأمر كان تكذيبا للعلما فحسب لهانت الجرمية، ولكنه تكذيب لله ولرسوله، وتقوى لغير الله، ورهب من زنادقة، فما يطيق أمثال هؤلاء -رغم إخراج الكفر لهم لسانه من كتب الصوفية- النطق بكلمة حق يرضون بها الله سبحانه. سل اليوم كبار الأحبار، عبيد المتن والحاشية، عن فصوص ابن عربي، وتائية ابن الفارض، وطبقات الشعراني، سلهم ثم أنصت للجواب الذليل. ستسمع من يقول عن ابن عربي: الشيخ الأ كبر، وعن ابن الفارض: سلطان العاشقين، وعن الشعراني: الهيكل الصمداني، وستسمع من يقول -ممن يزلزل الريب يقينهم، وتغشي الوثنية معتقداتهم: يسلم لهم حالهم، فالتسليم أسلم! هذا ما يجيده الأحبار من أساليب الدفاع عن دين الله.
Translation
من مكر الصوفية
#113
Chapter 113 — من آيات ثبات الإيمان في القلب
· ref. #113
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
ابن زرارة١ الأنصاري ﵁ فإنههم شرعوا يقولون تخييلا لبعض الضعفاء: لو كان نبيا ما مات صاحبه. فكان النبي ﷺ[يقول]: "بئس الميت أبو أمامة ليهود، يقولون: كذا، والله ما أملك لنفسي ولا لصاحبي شيئا٢" وتسنن٣ بالكفرة في قولهم ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ [هُمْ] أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٧٧]، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا، قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٣-٧٥] ونحو ذلك من الآيات، ومتى مال الإنسان نحو تخييلهم، كان كمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ]﴾ [السجدة: ١١] .
من آيات ثبات الإيمان في القلب
مع أن الكتاب والسنة ناطقان بأن علامة صحة الإسلام في القلب المصائب٤ قال الله تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] الآيتين، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ،
_________
١ من أول الأنصار إسلاما، ويقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة، وكان نقيب قبيلته بني النجار، وأول من صلى الجمعة بالمدينة في هزمة من حرة بني بياض، يقال له: نقيع الخضمات، وكانوا أربعين رجلا. مات أسعد ﵁ -والمسجد يبنى- في السنة الأولى من الهجرة في شوال قبل بدر "أسد الغابة، والإصابة".
٢ هذا لفظه في سيرة ابن هشام. أما في أسد الغابة "بئس الميتة ليهود!! يقولون: أفلا دفع عن صاحبه؟ وما أملك له، ولا لنفسي شيئا".
٣ معطوفة على قوله قبل: تشبه باليهود.
٤ يعني الصبر عليها.
وَزُلْزِلُوا﴾ [يوسف: ٢١٤] الآية. إلى غير ذلك من آيات الكتاب الناطق بالصواب. وقال شخص للنبي: "إني أحبك، قال: فأعد للبلاء تجفافا١" وقال ﷺ: "من يرد الله به خيرا يصب منه٢"، " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل "، "يبتلى المرء على قدر دينه٣" إلى أمثال ذلك، وهو كثير جدا، وأعجب من ذلك أن البيعة على الإسلام كانت -ليلة العقبة- على الصبر على المصائب، فإن العباس بن نضلة٤ ﵁ قال لقومه قبل المبايعة يثبتهم على البيعة: "إن كنتم ترون أنه إذا نهكت٥ أموالكم مصيبة، وأشرافكم فتلا أسلمتوه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: أبسط يدك، فبسط يده، فبايعوه٦" على هذا فكانت
_________
١التجفاف: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه الحرب، وجفف الفرس: ألبسه إياه "القاموس والنهاية".
٢ رواه البخاري ومالك.
٣ من حديث رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وابن أبي الدنيا، ولم لا نفهم في الحديث معنى آخر، هو أن أفضل الناس أشدهم بلاء في سبيل الله، من قولهم: أبلى فلان في الحرب بلاء حسنا، إذا أظهر بأسه حتى بلاه الناس وخبروه؟ أو يراد به ما يصيبهم من الناس من بلاء لاستلامهم في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله. أقول: هذا لأنه ثبت في أذهان الناس أن الإيمان الصحيح صنو المصائب، وأن الله يدخر الرزايا للمخلصين من عباده.
٤ أنصاري خزرجي، شهد العقبة، وقيل: العقبتين، بل قيل: كان مع النفر الستة الذين لقوا رسول الله ﷺ، فأسلموا قبل جميع الأنصار، خرج عباس ﵁ إلى مكة، وأقام مع رسول الله ﷺ حتى هاجر إلى المدينة، فكان أنصاريا مهاجريا. قتل في أحد، ولم يشهد بدرا "أسد الغابة، الإصابة".
٥ يقال: نهكته الحمى، أضنته وهزلته، وجهدته، ونهكت الناقة حلبا: إذا لم تبق في ضرعها لبنا "القاموس والنهاية".
٦ ص٢٧٧ جـ١ سيرة ابن هشام على هامش الروض الأنف ط ١٩١٤.
من آيات ثبات الإيمان في القلب
مع أن الكتاب والسنة ناطقان بأن علامة صحة الإسلام في القلب المصائب٤ قال الله تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] الآيتين، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ،
_________
١ من أول الأنصار إسلاما، ويقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة، وكان نقيب قبيلته بني النجار، وأول من صلى الجمعة بالمدينة في هزمة من حرة بني بياض، يقال له: نقيع الخضمات، وكانوا أربعين رجلا. مات أسعد ﵁ -والمسجد يبنى- في السنة الأولى من الهجرة في شوال قبل بدر "أسد الغابة، والإصابة".
٢ هذا لفظه في سيرة ابن هشام. أما في أسد الغابة "بئس الميتة ليهود!! يقولون: أفلا دفع عن صاحبه؟ وما أملك له، ولا لنفسي شيئا".
٣ معطوفة على قوله قبل: تشبه باليهود.
٤ يعني الصبر عليها.
وَزُلْزِلُوا﴾ [يوسف: ٢١٤] الآية. إلى غير ذلك من آيات الكتاب الناطق بالصواب. وقال شخص للنبي: "إني أحبك، قال: فأعد للبلاء تجفافا١" وقال ﷺ: "من يرد الله به خيرا يصب منه٢"، " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل "، "يبتلى المرء على قدر دينه٣" إلى أمثال ذلك، وهو كثير جدا، وأعجب من ذلك أن البيعة على الإسلام كانت -ليلة العقبة- على الصبر على المصائب، فإن العباس بن نضلة٤ ﵁ قال لقومه قبل المبايعة يثبتهم على البيعة: "إن كنتم ترون أنه إذا نهكت٥ أموالكم مصيبة، وأشرافكم فتلا أسلمتوه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: أبسط يدك، فبسط يده، فبايعوه٦" على هذا فكانت
_________
١التجفاف: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه الحرب، وجفف الفرس: ألبسه إياه "القاموس والنهاية".
٢ رواه البخاري ومالك.
٣ من حديث رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وابن أبي الدنيا، ولم لا نفهم في الحديث معنى آخر، هو أن أفضل الناس أشدهم بلاء في سبيل الله، من قولهم: أبلى فلان في الحرب بلاء حسنا، إذا أظهر بأسه حتى بلاه الناس وخبروه؟ أو يراد به ما يصيبهم من الناس من بلاء لاستلامهم في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله. أقول: هذا لأنه ثبت في أذهان الناس أن الإيمان الصحيح صنو المصائب، وأن الله يدخر الرزايا للمخلصين من عباده.
٤ أنصاري خزرجي، شهد العقبة، وقيل: العقبتين، بل قيل: كان مع النفر الستة الذين لقوا رسول الله ﷺ، فأسلموا قبل جميع الأنصار، خرج عباس ﵁ إلى مكة، وأقام مع رسول الله ﷺ حتى هاجر إلى المدينة، فكان أنصاريا مهاجريا. قتل في أحد، ولم يشهد بدرا "أسد الغابة، الإصابة".
٥ يقال: نهكته الحمى، أضنته وهزلته، وجهدته، ونهكت الناقة حلبا: إذا لم تبق في ضرعها لبنا "القاموس والنهاية".
٦ ص٢٧٧ جـ١ سيرة ابن هشام على هامش الروض الأنف ط ١٩١٤.
Translation
من آيات ثبات الإيمان في القلب
#114
Chapter 114 — هوان الدين عند الأكثرية
· ref. #114
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
المبايعة، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره١. ولقد شرع لنا [٥٩] رسول الله ﷺ سنن الهدى، وتركنا على بيضاء نقية، ليلها كنهارها٢، ولم يتغير دينه بعده، ولم يتبدل، ولم يزدد إلا شدة. وأخبرنا ﷺ أن الدين بدأ غريبا، وأنه سيعود كما بدأ، وقال: "فياطوبى للغرباء"٣ فلا يهتم الإنسان بقلة الموافق، فإن الله معه، ومن كان الله معه، كان كثيرا، ولا بكثرة المخالف المشاقق، فإنهم أعداء الله، فليس معهم ومن لم يكن الله معه، كان قليلا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧] .
هوان الدين عند الأكثرية:
ومما ينبغي أن يكون نصب العين معيارا يعرف به هوان الدين عند أكثر الناس، وهو أن أحدهم لو كان مشرفا على الموت من الجوع، ووجد
_________
١ من حديث نصه: عن عبادة بن الصامت "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم" الصحيحان، الموطأ، النسائي، المنشط: الأمر الذي ينشط له، ويخفف إليه، الأثرة: الاستيثار بالشيء والانفراد به.
٢ من حديث رواه ابن ماجه: "وأيم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها".
٣ نص الحديث: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فيا طوبى للغرباء" مسلم عن أبي هريرة، والنسائي عن ابن مسعود، وابن ماجه عنهما وعن أنس، وطوبى: فرح وقرة عين كما فسرها ابن عباس.
هوان الدين عند الأكثرية:
ومما ينبغي أن يكون نصب العين معيارا يعرف به هوان الدين عند أكثر الناس، وهو أن أحدهم لو كان مشرفا على الموت من الجوع، ووجد
_________
١ من حديث نصه: عن عبادة بن الصامت "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم" الصحيحان، الموطأ، النسائي، المنشط: الأمر الذي ينشط له، ويخفف إليه، الأثرة: الاستيثار بالشيء والانفراد به.
٢ من حديث رواه ابن ماجه: "وأيم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها".
٣ نص الحديث: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فيا طوبى للغرباء" مسلم عن أبي هريرة، والنسائي عن ابن مسعود، وابن ماجه عنهما وعن أنس، وطوبى: فرح وقرة عين كما فسرها ابن عباس.
Translation
هوان الدين عند الأكثرية
#115
Chapter 115 — من هم الأولياء
· ref. #115
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
طعاما شهيا، فقال له أحد: إنه مسموم لم يقر به بعد ذلك، ثم لا يبالي بقول هؤلاء العلماء١ الذين هم القدوة في الدين٢ أن كلام هؤلاء الاتحادية سم حاسم للدين من أصله، ذابح للإيمان بسيفه ونصله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
من هم الأولياء؟:
هذه نبذة من ذم أهل الحق له٣، وهم الأولياء حقيقة، لما شاع لهم من الأنوار التي ملأت الأقطار بمصنفاتهم التي أحيوا بها الدين، وأيدوا سنة سيد المرسلين، فقد قال الشيخ محيي الدين النووي٤ في مقدمة شرح المهذب "فصل في النهي الأكيد، والوعيد الشديد لمن يؤذي، أو يبغض الفقهاء، والمتفقهين". وروى الخطيب البغدادي٥ عن الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء٦ أولياء الله، فليس لله ولي" وعن ابن عباس رضي الله
_________
١ بل لا يبالي بالقرآن والسنة، وفيهما الفيصل الحق بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والهدى والضلال.
٢ القدوة والأسوة: رسول الله ﷺ.
٣ لابن عربي.
٤ يحيى بن شرف. ولد سنة ٦٣١هـ. ومات سنة ٦٧٦هـ. وكان واسع المعرفة بالحديث والفقه واللغة.
٥ أحمد بن علي بن أبي ثابت أبو بكر الإمام الحافظ المصنف المؤرخ. ولد سنة ٣٩٢هـ. وتوفي سنة ٤٦٣هـ. وقد ترك قرابة مائة مصنف.
٦ هم الذين يعتصمون في فقههم بالكتاب والسنة، ويدعون الناس إلى الاعتصام بهما والعمل بما فيهما، لا أولئك الذين يصنع لهم فقههم الرأي المفتون أو يدعون الناس إلى اتخاذ كتبهم أربابا من دون الله، ويدينون بمذهب فلان.
فمثل هؤلاء أولياء الشيطان، ثم الله سبحانه بين خصائص الولي في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وبينهما رسوله الكريم بقوله: "إن أولياء الله المصلون، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ومن يصوم رمضان، ويحتسب صومه، ويجتنب الكبائر.." الحديث. رواه أبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه كلهم عن عبيد بن عمير الليثي.
عنهما١: "من آذى فقيها، فقد آذى رسول الله ﷺ، ومن آذى رسول الله ﷺ، فقد آذى الله ﷿" ا. هـ. ومن نابذ كلامهم، فقد عاداهم. وقال النبي ﷺ: "قال الله: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ٢ " ومن رد أقوالهم٣ لأجل توهم أن من حكموا بكفره ولي لشهرة باطلة، وكلام مزوق يراد به الإضلال والغرور، فمن كمن ٤ أصابه داء، فوصف له الأطباء العارفون دواء، فقال له عامي: لا تسمع منهم وخذ هذا فقد قال لي فلان وفلان، وعد جماعة مثله: أنه نافع، فاعتمد على مجرب، ولا تعتمد على طبيب. وأمثال هذا من الخرافات، فقبل كلامه، لكونه قريب الطبع من طبعه، فأعطاه سما، فتحساه، فهلك إلى لعنة الله، فإنه لا عبرة بشهرة أصلا إلا شهرة كانت بين أهل العلم [٦٠] الموثوق بهم، لأن الاستفاضة والشهرة من العامة، لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس، وأما التواتر فلا يفيد العلم، إذا لم ينتبه إلى معلوم محسوس، وأما من مدحه، فهو أحد رجلين كما مضى عن الفاسي وغيره: رجل بلغه زهده وانقطاعه عن الناس، ولم يبلغه ما في كلامه من المصائب فالجرح٥ مقدم على ثنائه، أو رجل كان يعتقده في الباطن، فهو يناضل
_________
١ في الأصل: عنه.
٢ البخاري وأحمد والطبرني وأبو يعلى.
٣ هذا إذا كانت حقا مشرقا من النورين: الكتاب والسنة. لا كأقوال علاء الدين البخاري، فقد رد أساطيرهم بأساطيره.
٤ أي: من فعل هذا فهو كمن أصابه داء إلخ.
٥ في الأصل: فالحرح.
من هم الأولياء؟:
هذه نبذة من ذم أهل الحق له٣، وهم الأولياء حقيقة، لما شاع لهم من الأنوار التي ملأت الأقطار بمصنفاتهم التي أحيوا بها الدين، وأيدوا سنة سيد المرسلين، فقد قال الشيخ محيي الدين النووي٤ في مقدمة شرح المهذب "فصل في النهي الأكيد، والوعيد الشديد لمن يؤذي، أو يبغض الفقهاء، والمتفقهين". وروى الخطيب البغدادي٥ عن الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء٦ أولياء الله، فليس لله ولي" وعن ابن عباس رضي الله
_________
١ بل لا يبالي بالقرآن والسنة، وفيهما الفيصل الحق بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والهدى والضلال.
٢ القدوة والأسوة: رسول الله ﷺ.
٣ لابن عربي.
٤ يحيى بن شرف. ولد سنة ٦٣١هـ. ومات سنة ٦٧٦هـ. وكان واسع المعرفة بالحديث والفقه واللغة.
٥ أحمد بن علي بن أبي ثابت أبو بكر الإمام الحافظ المصنف المؤرخ. ولد سنة ٣٩٢هـ. وتوفي سنة ٤٦٣هـ. وقد ترك قرابة مائة مصنف.
٦ هم الذين يعتصمون في فقههم بالكتاب والسنة، ويدعون الناس إلى الاعتصام بهما والعمل بما فيهما، لا أولئك الذين يصنع لهم فقههم الرأي المفتون أو يدعون الناس إلى اتخاذ كتبهم أربابا من دون الله، ويدينون بمذهب فلان.
فمثل هؤلاء أولياء الشيطان، ثم الله سبحانه بين خصائص الولي في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وبينهما رسوله الكريم بقوله: "إن أولياء الله المصلون، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ومن يصوم رمضان، ويحتسب صومه، ويجتنب الكبائر.." الحديث. رواه أبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه كلهم عن عبيد بن عمير الليثي.
عنهما١: "من آذى فقيها، فقد آذى رسول الله ﷺ، ومن آذى رسول الله ﷺ، فقد آذى الله ﷿" ا. هـ. ومن نابذ كلامهم، فقد عاداهم. وقال النبي ﷺ: "قال الله: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ٢ " ومن رد أقوالهم٣ لأجل توهم أن من حكموا بكفره ولي لشهرة باطلة، وكلام مزوق يراد به الإضلال والغرور، فمن كمن ٤ أصابه داء، فوصف له الأطباء العارفون دواء، فقال له عامي: لا تسمع منهم وخذ هذا فقد قال لي فلان وفلان، وعد جماعة مثله: أنه نافع، فاعتمد على مجرب، ولا تعتمد على طبيب. وأمثال هذا من الخرافات، فقبل كلامه، لكونه قريب الطبع من طبعه، فأعطاه سما، فتحساه، فهلك إلى لعنة الله، فإنه لا عبرة بشهرة أصلا إلا شهرة كانت بين أهل العلم [٦٠] الموثوق بهم، لأن الاستفاضة والشهرة من العامة، لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس، وأما التواتر فلا يفيد العلم، إذا لم ينتبه إلى معلوم محسوس، وأما من مدحه، فهو أحد رجلين كما مضى عن الفاسي وغيره: رجل بلغه زهده وانقطاعه عن الناس، ولم يبلغه ما في كلامه من المصائب فالجرح٥ مقدم على ثنائه، أو رجل كان يعتقده في الباطن، فهو يناضل
_________
١ في الأصل: عنه.
٢ البخاري وأحمد والطبرني وأبو يعلى.
٣ هذا إذا كانت حقا مشرقا من النورين: الكتاب والسنة. لا كأقوال علاء الدين البخاري، فقد رد أساطيرهم بأساطيره.
٤ أي: من فعل هذا فهو كمن أصابه داء إلخ.
٥ في الأصل: فالحرح.
Translation
من هم الأولياء
#116
Chapter 116 — رأى ابن أيوب في الحلاج وابن عربي
· ref. #116
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
من نفسه، فلا عبرة به١
رأي ابن أيوب في الحلاج وابن عربي:
وحدثني الفاضل جمال الدين عبد الله بن الشيخ القدوة زاهد زمانه، والمشار إليه بالصلاح والمعارف والورع، وحفظ اللسان في أوانه بدمشق الشيخ علي بن أيوب٢: أن أباه -الشيخ عليا المذكور- كان يجلس في الجامع مطرقا يقيم إحدى رجليه هيئة المستوفز، ويضع ذقنه على ركبته، فلا يكلم لهيئته، فإذا رفع رأسه، علم أنه أذن في الكلام، فسأله من أراد عما شاء، ففعل ذلك يوما، فلما رفع رأسه، سأله شخص عن ابن عربي هذا، فأطرق زمانا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: إنه كفر كفرا، ما وافق فيه كفر ملة من الملل، بل خرق بكفره إجماع الملل٣، وزاد عليهم. قال الشيخ جمال الدين: فحكيت ذلك لبعض من يشار إليه بالعلم والميل إلى ابن عربي، فقال: والله لو سمع ابن عربي هذا الكلام لقال: ما عرفني أحد غير هذا الرجل. قال: وسئل والدي أيضا عن الحلاج، فقال: لا شك أن الحجاج قتل من العلماء خلائق يتعسر حصرهم، وشتت شملهم
_________
١ الحكم على ابن عربي بما حكم الله به على من ألهوا عيسى، وعبدوا الأوثان وغيرهم ليس في حاجة إلى كل هذا، فكتابه الفصوص ثابت النسبة إليه ثبوت لعن الله لأبي لهب، والفصوص، ردغة كفر، وحمأة زندقة. وما ينفع ابن عربي أن يشهد له ملايين الصوفية بأنه الرباني الأعظم، فشهادة كتبه عليه شهادة الحق والصدق، فليشهد الصوفية له بأنه وأنه، فكذلك الصديد، لا يشهد له بأنه طعام طيب سوى الميكروب الذي يحيا به وفيه.
٢ الإمام الفقيه البارع المتقن المحدث بقية السلف، كما يقول الذهبي. ولد سنة ٦٦٦هـ وتوفي سنة ٧٤٨هـ.
٣ هذا يدل على فهم دقيق غاية الدقة لمعتقد ابن عربي، فإنه كفر بكل كفر ثم أضاف إليه كفره، ثم جعل من هذا كله دينا للصوفية.
وأبادهم، وقتل سعيد بن جبير ١، وأهل الأرض محتاجون إلى علمه، وخلعه العلماء وخرجوا عليه، وقاتلوه، ومع هذا كله لم يقل أحد منهم، إنه كافر، بل قالوا: إنه من عصاة المسلمين، لا تحل امرأته لذلك. والحلاج ما تعرض لأحد من أهل العلم بأذى في دنياه، وأجمع جميع أهل زمانه منهم على كفره واستباحة دمه، فلو كان العلماء يقولون بالهوى، لقالوا في الحجاج الذي ما ترك نوعا من الأذى حتى رماهم به، فثبت أنهم لا يقولون بالهوى، فوجب على الناس اتباعهم ٢ وقبول كلامهم" وهذا غاية في البيان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الضابط المتقن المتفنن أستاذ المفسرين نادرة المحدثين، برهان دين العالمين، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ابن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي، نزيل القاهرة المحروسة: فرغت من مسودة هذا الكتاب بحمد الهادي للصواب في شوال سنة أربع وستين وثمانمائة. والحمد لله وحده.
وفرغ من نسخ هذه النسخة المباركة في وقت العصر من يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
_________
١ أحد أعلام التابعين، كان مع عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل ابن الأشعث، فر سعيد إلى مكة، فظفر به الحجاج، فقتله في شعبان سنة ٩٥ هـ كما في الوفيات، أو ٩٤ سنة كما في مروج الذهب والكامل لابن الأثير.
٢ إنما الواجب اتباع الكتاب والسنة، وتأييد كل داع إلى الله بالحق،. وما أركس الناس في فتنة الضلالة سوى اتخاذهم القرآن مهجورا، وكتب الناس أربابا من دون الله.
تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد
رأي ابن أيوب في الحلاج وابن عربي:
وحدثني الفاضل جمال الدين عبد الله بن الشيخ القدوة زاهد زمانه، والمشار إليه بالصلاح والمعارف والورع، وحفظ اللسان في أوانه بدمشق الشيخ علي بن أيوب٢: أن أباه -الشيخ عليا المذكور- كان يجلس في الجامع مطرقا يقيم إحدى رجليه هيئة المستوفز، ويضع ذقنه على ركبته، فلا يكلم لهيئته، فإذا رفع رأسه، علم أنه أذن في الكلام، فسأله من أراد عما شاء، ففعل ذلك يوما، فلما رفع رأسه، سأله شخص عن ابن عربي هذا، فأطرق زمانا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: إنه كفر كفرا، ما وافق فيه كفر ملة من الملل، بل خرق بكفره إجماع الملل٣، وزاد عليهم. قال الشيخ جمال الدين: فحكيت ذلك لبعض من يشار إليه بالعلم والميل إلى ابن عربي، فقال: والله لو سمع ابن عربي هذا الكلام لقال: ما عرفني أحد غير هذا الرجل. قال: وسئل والدي أيضا عن الحلاج، فقال: لا شك أن الحجاج قتل من العلماء خلائق يتعسر حصرهم، وشتت شملهم
_________
١ الحكم على ابن عربي بما حكم الله به على من ألهوا عيسى، وعبدوا الأوثان وغيرهم ليس في حاجة إلى كل هذا، فكتابه الفصوص ثابت النسبة إليه ثبوت لعن الله لأبي لهب، والفصوص، ردغة كفر، وحمأة زندقة. وما ينفع ابن عربي أن يشهد له ملايين الصوفية بأنه الرباني الأعظم، فشهادة كتبه عليه شهادة الحق والصدق، فليشهد الصوفية له بأنه وأنه، فكذلك الصديد، لا يشهد له بأنه طعام طيب سوى الميكروب الذي يحيا به وفيه.
٢ الإمام الفقيه البارع المتقن المحدث بقية السلف، كما يقول الذهبي. ولد سنة ٦٦٦هـ وتوفي سنة ٧٤٨هـ.
٣ هذا يدل على فهم دقيق غاية الدقة لمعتقد ابن عربي، فإنه كفر بكل كفر ثم أضاف إليه كفره، ثم جعل من هذا كله دينا للصوفية.
وأبادهم، وقتل سعيد بن جبير ١، وأهل الأرض محتاجون إلى علمه، وخلعه العلماء وخرجوا عليه، وقاتلوه، ومع هذا كله لم يقل أحد منهم، إنه كافر، بل قالوا: إنه من عصاة المسلمين، لا تحل امرأته لذلك. والحلاج ما تعرض لأحد من أهل العلم بأذى في دنياه، وأجمع جميع أهل زمانه منهم على كفره واستباحة دمه، فلو كان العلماء يقولون بالهوى، لقالوا في الحجاج الذي ما ترك نوعا من الأذى حتى رماهم به، فثبت أنهم لا يقولون بالهوى، فوجب على الناس اتباعهم ٢ وقبول كلامهم" وهذا غاية في البيان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الضابط المتقن المتفنن أستاذ المفسرين نادرة المحدثين، برهان دين العالمين، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ابن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي، نزيل القاهرة المحروسة: فرغت من مسودة هذا الكتاب بحمد الهادي للصواب في شوال سنة أربع وستين وثمانمائة. والحمد لله وحده.
وفرغ من نسخ هذه النسخة المباركة في وقت العصر من يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
_________
١ أحد أعلام التابعين، كان مع عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل ابن الأشعث، فر سعيد إلى مكة، فظفر به الحجاج، فقتله في شعبان سنة ٩٥ هـ كما في الوفيات، أو ٩٤ سنة كما في مروج الذهب والكامل لابن الأثير.
٢ إنما الواجب اتباع الكتاب والسنة، وتأييد كل داع إلى الله بالحق،. وما أركس الناس في فتنة الضلالة سوى اتخاذهم القرآن مهجورا، وكتب الناس أربابا من دون الله.
تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد
Translation
رأى ابن أيوب في الحلاج وابن عربي
#117
Chapter 117 — تحذير العباد
· ref. #117
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
تحذير العباد
Translation
تحذير العباد
#118
Chapter 118 — المقدمة
· ref. #118
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
المقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الهاد لأركان الجبابرة الشداد، القامع لأهل الإلحاد، بسيوف السنة الحداد، وأشهد أن لا إله إلا الله المفضل ١ الهاد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده [ورسوله ٢] الداعي لسائر العباد، إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه، وعلى آله الخيرة الأمجاد، وصحابته الأبطال الأنجاد، وسلم تسليما يغلب التعداد، ويبقى على مر الآباد.
وبعد: فهذه رسالة سميتها: "تحذير العباد من أهل العناد، ببدعة الاتحاد أنفذتها الى العباد في جميع البلاد، الراغبين في الاستعداد ليوم المعاد، بموالاة أهل الوداد، وملاواة ٣ الأشقياء الأضداد، الضالين بنحلة الاتحاد، أرجو أن تكون ضامنة للإسعاد يوم التناد، فقلت: اعلموا أيها الإخوان الذين هم على البر أعوان، حفظكم الله ورعاكم، وصانكم من كل سوء، وحماكم؛ أنه لا يقوم على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر ٤] إلا من جعل نفسه هدفا للحتوف ٥ وتجرع من مر الكلام ما هو أمر من السهام، فإن الناهي عن المنكر، يعاني الهوان الأكبر، بمعاداة كل شيطان من الإنس والجان، يقوم عليه الجيلان، ويرشقه بسهام الأذى القبيلان، شياطين الإنس ظاهرا بالمقال والفعال، وشياطين [الجن ٦] باطنا بما يوحون إليهم من الضلال.
_________
١ لعلها المضل، فهكذا وردت في أول رسالته الأولى.
٢، ٤، ٦ كلها ساقطة من الأصل، والسياق يوجبها.
٣ يقال: لاوت الحية الحية ملاواة: إذا التوت عليها.
٥ جمع حتف وهو الهلاك، وقيل: هي مصدر بمعنى الحتف، وهو قضاء الموت "أساس البلاغة للزمخشري".
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الهاد لأركان الجبابرة الشداد، القامع لأهل الإلحاد، بسيوف السنة الحداد، وأشهد أن لا إله إلا الله المفضل ١ الهاد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده [ورسوله ٢] الداعي لسائر العباد، إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه، وعلى آله الخيرة الأمجاد، وصحابته الأبطال الأنجاد، وسلم تسليما يغلب التعداد، ويبقى على مر الآباد.
وبعد: فهذه رسالة سميتها: "تحذير العباد من أهل العناد، ببدعة الاتحاد أنفذتها الى العباد في جميع البلاد، الراغبين في الاستعداد ليوم المعاد، بموالاة أهل الوداد، وملاواة ٣ الأشقياء الأضداد، الضالين بنحلة الاتحاد، أرجو أن تكون ضامنة للإسعاد يوم التناد، فقلت: اعلموا أيها الإخوان الذين هم على البر أعوان، حفظكم الله ورعاكم، وصانكم من كل سوء، وحماكم؛ أنه لا يقوم على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر ٤] إلا من جعل نفسه هدفا للحتوف ٥ وتجرع من مر الكلام ما هو أمر من السهام، فإن الناهي عن المنكر، يعاني الهوان الأكبر، بمعاداة كل شيطان من الإنس والجان، يقوم عليه الجيلان، ويرشقه بسهام الأذى القبيلان، شياطين الإنس ظاهرا بالمقال والفعال، وشياطين [الجن ٦] باطنا بما يوحون إليهم من الضلال.
_________
١ لعلها المضل، فهكذا وردت في أول رسالته الأولى.
٢، ٤، ٦ كلها ساقطة من الأصل، والسياق يوجبها.
٣ يقال: لاوت الحية الحية ملاواة: إذا التوت عليها.
٥ جمع حتف وهو الهلاك، وقيل: هي مصدر بمعنى الحتف، وهو قضاء الموت "أساس البلاغة للزمخشري".
Translation
المقدمة
#119
Chapter 119 — آيات سلى الله بها نبيه
· ref. #119
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
آيات سلى الله بها نبيه:
ولصعوبة المقام، وما فيه من الأخطار والآلام، سلى الله نبيه ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] وقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١١-١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ [٦٣] زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١-١٢٣] إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات، ففي الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عليهم أفضل الصلاة والسلام مسلاة لأتباعهم، واعتبار بأحوالهم، واعتصام، وما أتى أحد قط أحدا١ بمخالفة هواه إلا ساءه٢ وأذاه إلا من عصم الله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
_________
١ في الأصل: أحد بالرفع، وهو خطأ.
٢ في الأصل: ساه.
ولصعوبة المقام، وما فيه من الأخطار والآلام، سلى الله نبيه ﷺ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] وقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١١-١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ [٦٣] زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١-١٢٣] إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات، ففي الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عليهم أفضل الصلاة والسلام مسلاة لأتباعهم، واعتبار بأحوالهم، واعتصام، وما أتى أحد قط أحدا١ بمخالفة هواه إلا ساءه٢ وأذاه إلا من عصم الله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
_________
١ في الأصل: أحد بالرفع، وهو خطأ.
٢ في الأصل: ساه.
Translation
آيات سلى الله بها نبيه
#120
Chapter 120 — الرأي في سلف الصوفية
· ref. #120
Misra' al-tasawwuf wa-huwa kitaban: Tanbih al-ghabi ila takfir Ibn 'Arabi, wa-tahdhir al-'ibad min ahl al-'inad bi-bid'at al-ittihad
Arabic text
Aqeedah
رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد، وقد ألفهم الطغام١ من الأنام؛ لما غرروهم به من إظهار التصوف، ليأخذوهم من المأمن، وما دروا أن الصوفية أشد الناس تحذيرا منهم، وتنفيرا للعباد عنهم.
الرأي في سلف الصوفية:
فإن المحققين منهم والمحققين٢ بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة٣، كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى ﷺ عن الحسن٤ ﵀ أنه قال: "إن أقواما قالوا: يا رسول٥ الله، إنا نحب الله، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وعنه أنه قال: "عمل قليل في سنة خير من عمل كثير من بدعة" وعن أبي عثمان الحيري٦ أنه قال: "من أمر على نفسه السنة قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة"، وقال سهل بن عبد الله التستري٧: "أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع
_________
١ الأوغاد من الناس، مفردة طغامة، وهو يتطغم على الناس: يتجاهل عليهم "أساس البلاغة".
٢ كذا بالأصل: ولعل الثانية زائدة، أو لعلها: المتحققين.
٣ كتب الصوفية سلفهم وخلفهم تشهد عليهم بنقيض هذه الدعوى الكذوب وقد سبق بيان هذا.
٤ يعني: البصري. ولم يك صوفيا.
٥ في الأصل: برسول. وهي كما أثبتها في الشفاء.
٦ هو سعيد بن إسماعيل بن منصور. توفي سنة ٢٩٨هـ.
٧ توفي سنة ٢٧٣هـ.
الأعمال١" وفي كتب القوم كالرسالة والعوارف٢ من ذلك شيء كثير، والشهادة على من قال: الحقيقة خلاف الشريعة بالزندقة٣، وأن الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، قاله الجنيد٥، وقال أبو عثمان الحيري: خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن، وقال النوري٦: من ادعى حالا يخرجه من حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه، وقال الخراز: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل، وقال القشيري: حكم الوقت فيما ليس لله فيه أمر، إذ التضييع لما أمرت به والإحالة على التقدير، وعدم المبالاة بما يحصل من التقصير؛ خروج عن الدين٧، وقال السهروردي في قوم تسموا
_________
١ انظر ص٧جـ٢ الشفاء، وإذا كان هذا صحيحا، فلم يوجبون الاقتداء بالشيوخ وحدهم؟ ولم يأكلون السحت من صناديق نذور الأصنام؟ ولم يقصدون بالصلاة في مساجدهم وجوه الهامدين في الأضرحة؟!
٢ الرسالة لعبد الكريم بن هوازن القشيري. ولد سنة ٣٧٦هـ وتوفي سنة ٤٦٥هـ. والعوارف لأبي حفص شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي ولد سنة ٥٣٩هـ وتوفي سنة ٦٣٢هـ.
٣ إن من يقسم الدين إلى حقيقة وشريعة لا يقترف هذا إلا وهو يتصور المغايرة بين الاثنين، ويؤمن بهذه الغيرية، وكتب القوم جميعها طافحة بهذا مفضلة الحقيقة على الشريعة، وإلا فما فائدة التقسيم عندهم؟.
٤ انظر ص١٩ من الرسالة للقشيري.
٥ يسمونه سيد الطائفة. توفي سنة ٢٩٧هـ وكما نقل عنه القشيري هذا، فقد نقل عنه أنه سئل عن العارف فقال: من نطق عن سرك، وأنت ساكت!! والله وحده هو الذي يعلم ما تكن الصدور.
٦ أحمد بن محمد أبو الحسين. مات سنة ٢٩٥هـ.
٧ ولكن اسمع للقشيري يقول في رسالته ص٣١: "الكيس من كان بحكم وقته. إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة" ألا ترى القشيري هنا يؤكد المغايرة بين الشريعة والحقيقة، وأن العارف في المحو ترفع عنه تكاليف الشريعة؟
بالملامتية١: "إنهم -في غرور- يزعمون أن الارتسام بالشريعة رتبة العوام، وهذا عين الإلحاد، وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة٢" وكذا قال الشيخ [٦٤] عبد القادر الكيلاني، وقال القشيري: "من كان سكره بحظ مشوبا كان صحوه بحظ [صحيح٣] مصحوبا، ومن كان محقا في حاله، كان محفوظا في سكره، والعبد٤ في [حال٥] سكره يشاهد الحال، وفي حال صحوه يشاهد٦ العلم، إلا أنه في حال سكره محفوظ، لا بتكلفه، وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه، ومن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما": وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء٧، ليعلم أن طريق
_________
١ اقرأ عنهم كتاب الدكتور عفيفي: الملامتية.
٢ ص٥٧ عوارف المعارف للسهروردي.
٣، ٥ ساقطتان من الأصل، وأثبتهما عن الرسالة للقشيري.
٤ في الأصل: وهو. والتصحيح من رسالة القشيري.
٦ في الأصل: بشرط. والتصحيح من رسالة القشيري.
٧ نقل المؤلف هذه النصوص ليقيم الحجة على الصوفية بشهادة أئمتهم، ولكن ما ينبغي أن تغرنا بالحق هذه النصوص، فإنما هي وجه إسلامي لقلب مجوسي، يحتدم حنقا على الكتاب والسنة، فالقشيري الذي يتراءى بتمجيد السنة هو الذي زعم في رسالته أن قبر معروف الكرخي يستشفى به، ونقل قول الكرخي للسري للسقطي: "يا سري. إذا كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي" ويكفي هذا لإخراج المرء من زمرة المسلمين. ويقول السهروردي في عوارفه ص١٥٨ "وقد تقرر أن الوحدة والعزلة ملاك الأمر، ومتمسك أرباب الصدق" فأين الجمعة والجماعة والجهاد في سبيل الله؟ ثم يدعو السهروردي دعوة ما نوية صرفة فينسب إلى الرسول زورا أنه أباح العزوبة لأمته بعد المائتين، ويقول: سمعنا عن الجيلي أن بعض الصالحين قال له: لم تزوجت؟ فقال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله، فقال له: الرسول يأمر بالرخص، وطريق القوم: التزم بالعزيمة" يلتزم طريق القوم، ولا يلتزم أمر الرسول!! فهل تشم نفحة من السنة؟ لا بل يحموم المانوية الصرفة الداعية إلى القضاء على النوع الإنساني، وإبادة الجنس البشرى كله. وهذا يؤكد لك قوة الصلة، بين مجوسية ماني وبين التصوف.
الرأي في سلف الصوفية:
فإن المحققين منهم والمحققين٢ بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة٣، كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى ﷺ عن الحسن٤ ﵀ أنه قال: "إن أقواما قالوا: يا رسول٥ الله، إنا نحب الله، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وعنه أنه قال: "عمل قليل في سنة خير من عمل كثير من بدعة" وعن أبي عثمان الحيري٦ أنه قال: "من أمر على نفسه السنة قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة"، وقال سهل بن عبد الله التستري٧: "أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع
_________
١ الأوغاد من الناس، مفردة طغامة، وهو يتطغم على الناس: يتجاهل عليهم "أساس البلاغة".
٢ كذا بالأصل: ولعل الثانية زائدة، أو لعلها: المتحققين.
٣ كتب الصوفية سلفهم وخلفهم تشهد عليهم بنقيض هذه الدعوى الكذوب وقد سبق بيان هذا.
٤ يعني: البصري. ولم يك صوفيا.
٥ في الأصل: برسول. وهي كما أثبتها في الشفاء.
٦ هو سعيد بن إسماعيل بن منصور. توفي سنة ٢٩٨هـ.
٧ توفي سنة ٢٧٣هـ.
الأعمال١" وفي كتب القوم كالرسالة والعوارف٢ من ذلك شيء كثير، والشهادة على من قال: الحقيقة خلاف الشريعة بالزندقة٣، وأن الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، قاله الجنيد٥، وقال أبو عثمان الحيري: خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن، وقال النوري٦: من ادعى حالا يخرجه من حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه، وقال الخراز: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل، وقال القشيري: حكم الوقت فيما ليس لله فيه أمر، إذ التضييع لما أمرت به والإحالة على التقدير، وعدم المبالاة بما يحصل من التقصير؛ خروج عن الدين٧، وقال السهروردي في قوم تسموا
_________
١ انظر ص٧جـ٢ الشفاء، وإذا كان هذا صحيحا، فلم يوجبون الاقتداء بالشيوخ وحدهم؟ ولم يأكلون السحت من صناديق نذور الأصنام؟ ولم يقصدون بالصلاة في مساجدهم وجوه الهامدين في الأضرحة؟!
٢ الرسالة لعبد الكريم بن هوازن القشيري. ولد سنة ٣٧٦هـ وتوفي سنة ٤٦٥هـ. والعوارف لأبي حفص شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي ولد سنة ٥٣٩هـ وتوفي سنة ٦٣٢هـ.
٣ إن من يقسم الدين إلى حقيقة وشريعة لا يقترف هذا إلا وهو يتصور المغايرة بين الاثنين، ويؤمن بهذه الغيرية، وكتب القوم جميعها طافحة بهذا مفضلة الحقيقة على الشريعة، وإلا فما فائدة التقسيم عندهم؟.
٤ انظر ص١٩ من الرسالة للقشيري.
٥ يسمونه سيد الطائفة. توفي سنة ٢٩٧هـ وكما نقل عنه القشيري هذا، فقد نقل عنه أنه سئل عن العارف فقال: من نطق عن سرك، وأنت ساكت!! والله وحده هو الذي يعلم ما تكن الصدور.
٦ أحمد بن محمد أبو الحسين. مات سنة ٢٩٥هـ.
٧ ولكن اسمع للقشيري يقول في رسالته ص٣١: "الكيس من كان بحكم وقته. إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة" ألا ترى القشيري هنا يؤكد المغايرة بين الشريعة والحقيقة، وأن العارف في المحو ترفع عنه تكاليف الشريعة؟
بالملامتية١: "إنهم -في غرور- يزعمون أن الارتسام بالشريعة رتبة العوام، وهذا عين الإلحاد، وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة٢" وكذا قال الشيخ [٦٤] عبد القادر الكيلاني، وقال القشيري: "من كان سكره بحظ مشوبا كان صحوه بحظ [صحيح٣] مصحوبا، ومن كان محقا في حاله، كان محفوظا في سكره، والعبد٤ في [حال٥] سكره يشاهد الحال، وفي حال صحوه يشاهد٦ العلم، إلا أنه في حال سكره محفوظ، لا بتكلفه، وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه، ومن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما": وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء٧، ليعلم أن طريق
_________
١ اقرأ عنهم كتاب الدكتور عفيفي: الملامتية.
٢ ص٥٧ عوارف المعارف للسهروردي.
٣، ٥ ساقطتان من الأصل، وأثبتهما عن الرسالة للقشيري.
٤ في الأصل: وهو. والتصحيح من رسالة القشيري.
٦ في الأصل: بشرط. والتصحيح من رسالة القشيري.
٧ نقل المؤلف هذه النصوص ليقيم الحجة على الصوفية بشهادة أئمتهم، ولكن ما ينبغي أن تغرنا بالحق هذه النصوص، فإنما هي وجه إسلامي لقلب مجوسي، يحتدم حنقا على الكتاب والسنة، فالقشيري الذي يتراءى بتمجيد السنة هو الذي زعم في رسالته أن قبر معروف الكرخي يستشفى به، ونقل قول الكرخي للسري للسقطي: "يا سري. إذا كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي" ويكفي هذا لإخراج المرء من زمرة المسلمين. ويقول السهروردي في عوارفه ص١٥٨ "وقد تقرر أن الوحدة والعزلة ملاك الأمر، ومتمسك أرباب الصدق" فأين الجمعة والجماعة والجهاد في سبيل الله؟ ثم يدعو السهروردي دعوة ما نوية صرفة فينسب إلى الرسول زورا أنه أباح العزوبة لأمته بعد المائتين، ويقول: سمعنا عن الجيلي أن بعض الصالحين قال له: لم تزوجت؟ فقال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله، فقال له: الرسول يأمر بالرخص، وطريق القوم: التزم بالعزيمة" يلتزم طريق القوم، ولا يلتزم أمر الرسول!! فهل تشم نفحة من السنة؟ لا بل يحموم المانوية الصرفة الداعية إلى القضاء على النوع الإنساني، وإبادة الجنس البشرى كله. وهذا يؤكد لك قوة الصلة، بين مجوسية ماني وبين التصوف.
Translation
الرأي في سلف الصوفية