Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 108 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Cabd Latif Al Shaykh (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ
108
Total sections
108 chapters
#21 Chapter 21 — فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر · ref. #21
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر]
فصل قال المعترض: (وذلك لجعله بلاد الحرمين من بلاد الكفار، [٢٢] يوضِّح ما قلنا عمن سمعنا ورأينا وأدركنا، أن من جاءهم من الحرمين سموه مهاجرًا، جاء رجل من مكة يقال له: عبد الرزاق، فسموه مهاجرًا، ومن المدينة جعفر سموه: مهاجرًا، ومن العراق كذلك، ومن كل ناحية من بلاد الإسلام، فهذا الكلام على تأصيل كلامه على الكفار والمشركين الذي (١) أسند حكمه إليهم بالتكفير بموادتهم حتى تعلم أنه كما قيل: أحصد هوى وغمر ماش) هذا لفظه.
والجواب أن يقال: هذه كتب الشيخ، وهذه تصانيفه ورسائله: أي كتاب، وأي فتوى، وأي ناقل يعتدّ به نقل عنه أن بلاد الحرمين بلاد كفر؟ .
قال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالته إلى السويدي البغدادي (٢) (وما ذكرت أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأَزْعمُ أنَّ أنْكِحَتَهم غير صحيحة، فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم
_________
(١) في (ق) و(س): " الذين ".
(٢) انظر: " مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب " (١ / ٣٧) .
أو كافر أو عارف أو مجنون؟) إلى أن قال: (وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسل، ثم بعد ما عرفه سبَّه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك) .
قال ﵀ في رسالته للشريف (١) (وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دشه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن (٢) لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسو له.
وإذا كنا لا نُكَفِّر من عَبَدَ الصنم الذي على " عبد القادر "، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر ويقاتل؟ (٣) سبحانك هذا بهتان عظيم) .
فإذا كان هذا كلام الشيخ ﵀ فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق على الحرمين: إنها (٤) بلاد كفر؟ والشيخ على منهاج نبوي وصراط مستقيم، [٢٣]، يعطي كل مقام ما يناسبه من الإجمال والتفصيل.
وأما تسمية عبد الرزاق وجعفر مهاجرين، فقدوم هذين الرجلين بعد
_________
(١) انظر: " الدرر السنية " (١ / ١٠٤) .
(٢) سقطت " من " من (م) .
(٣) سقطت " ولم يكفر ويقاتل " من (ق) .
(٤) سقطت " إنها " من (ق) .
الشيخ بعدة سنوات فلا يجوز نسبة هذا إليه؛ بل هو كذب ونقض لعهده الذي جعل على نفسه، ويل أمه!! ما أكثر غدره، وما أقلَّ وفاءه.
على أن هذا لا يعاب به الشيخ، وهو جارٍ على قانون العلم وأصوله، فمن ترك بلدًا يظهر فيها الشرك أو البدع أو الفسوق وهجرها لذلك فهو مهاجر، شاء الشيطان أم أبى، وقد خرج من المدينة خلق لما حصر عثمان ووقعت الفتنة، والفقهاء ذكروا وجوب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه أو خاف الفتنة، وقد سئل بعض الصحابة فقيل له: أين أنت أيام الفتنة - يعني فتنة مقتل عثمان وما بعده - فأنشد:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير (١) .
وأما قوله: (كما قيل (٢) حصد هوى وغَمِّر مَاش) فهذا الأحمق قد بحث عن حتفه بظلفه، وفتح على نفسه باب المناقشة، وصاحب الهوى هو الذي يرتكب ما يهواه، ولا يرده عن القبائح راد، ولا يمنعه عن شهواته مانع من عقل أو دين، فحينًا ينتسب إلى المسلمين، ويدَّعي أنه على الملة موافق [لهم] (٣) في العقيدة ويتزين بشرح بعض مصنفات الشيخ، وتارة يرجع عن هذا كله، وينقلب على وجهه، ويأخذ في سبّ الشيخ وأتباعه، (٤) (ويجمع من
_________
(١) لم أجد أحدًا ذكر هذه القصة إبان فتنة مقتل عثمان ﵁، والذي وقفت عليه: أن هذه القصة حدثت للشعبي حين سأله أحدهم قائلًا: أين كنت يا عامر يوم فتنة الأشعث؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر: عوى الذئب. . . فذكره. انظر: (منهاج السنة) (٤ / ٥٢٩) .
(٢) سقطت " قيل " من (س) .
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من (ح) .
(٤) من هنا ساقط من (ق) .
الخرافات والخزعبلات ما لا يصدر عن عاقل ولو كان عدوًّا، وهذا هو الهوى (١) المعمي، والداء العضال القاتل، وقد رأيت له رسالة أرسلها إلى بعض الأعيان من أولاد الشيخ يتمدح فيها بذكر الشيخ ومحبته وموالاته. ويستشهد على متابعة المخاطب بقوله تعالى عن بلقيس (٢) ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] [النمل / ٤٤] .
فلما أعرض عنه المخاطب بهذه الرسالة رجع إلى ثلبه وعيبه، وكتب رسالة إلى بعض أمراء الوقت يعيب من أسلم معه لله رب العالمين بزعمه، وكم لها من نظائر، ومتابعة هذا المعترض لهواه يشهد لها ما عليه من الظلمة وعلى أقواله وتأليفه ومدخله ومخرجه، ومن اجتمع فيه ظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة الشك والريب، فقد أحاطت به الظلمات، وحلَّت بداره الهلكات.
_________
(١) في (ح): " العمى ".
(٢) سقطت " تعالى عن بلقيس " من (م) .
Translation
فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر
#22 Chapter 22 — فصل الرد على زعم المعترض أن الشيخ كفر الأمة بالعموم وبحث تجديد العلماء للدين ووقوع الغربة · ref. #22
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل الرد على زعم المعترض أن الشيخ كفر الأمة بالعموم وبحث تجديد العلماء للدين ووقوع الغربة]
فصل قال المعترض: (فإذا تنزلنا معه على مذهبه من تكفير الأمة حتى يظهر لك جهله، حيث قال في كلامٍ له يأتي: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) . اهـ.
فيقال لهذا المعترض وإخوانه: قد تقدم أن الشيخ بريء مما نسب إليه من تكفير الأمة، ولا يلزم من قوله: (إنَ التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) أنه يعتقد كفر الأمة، أو أن الأمة جميعها لا تعرف التوحيد. هذا لا يتحمَّله كلامه، ولا يدل عليه ولا يلزمه.
وإظهاره التوحيد للناس حق وصدق، فلم يظهر في وقته وقبله بأزمنة ظهورًا جليا لأهل تلك البلاد إلا بعد دعوته إلى الله، وبيانه للناس ما جاء به نبيهم من الهدى ودين الحق، ولا يمنع أن يكون من الأمة من يعرفه ويدين به، لكن له في الدعوة والبيان والإظهار منزلةً ومرتبةً ليست لغيره من أهل وقته، ولذلك كثر أعداؤه وخصماؤه، واشتغل الجاهلون بالصد عما جاء به، وعظم ذلك في نفوسهم، وخصُّوه بالعداوة، وسالموا كل كافر ومشرك وجهمي ورافضي ومبتدع، وهل ذلك إلا لحنقِ في صدورهم، وغيظٍ في نفوسهم؛ واستكباراَ عن إجابته؛ ولو سَلِموا من ذلك لوجدوا من أعداء دين الله ورسوله المكذبين لرسله من يردُون عليه،
ويصنفون في عيبه وثلبه، والعالم يظهر للناس ما خفى من أصول الدين وفروعه، ولا يقتضي حصر العلم فيه، وإن اشتهر بالدعوة والبيان.
وقد خفى التوحيد على طوائف من هذه الأمة في القرن السادس وقبله كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكروا مَن غلط في مسمَاه [٢٥]، من المتكلمين، وأتباعهم ومن جهال الصوفيَّة، كذلك أهل الاتَحاد والحلوليَّة يرون (١) مذاهبهم هي التوحيد، وتوحيد المعتزلة هو الإتيان بأصولهم الخمسة واعتقادها.
وقد خاطب شيخ الإسلام بعض الشيوخ في مسألة التوحيد، وبيَّن له توحيد المرسلين وأصل الإسلام، وإن ما يحصل من التألُه والاستغاثة بالشيوخ والصالحين يخالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وإسلام الوجوه لله، فعظم أمر هذه المسألة، وقال لشيخ الإسلام: (هذا أعظم ما بينته لنا) أو كما قال. فكيف والحالة هذه يعترض على شيخنا في قوله: (إن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) .
أيظن هذا المعترض أنه على تطاول الأعصار، وممر (٢) الدهور، يزداد الدين ظهوراَ، وقد أخبر نبينا ﷺ أنه يعود غريباَ كما بدأ، فلا بدا من غربته وغربة من يعرفه ويدين به، وهذا من أعلام النبوة كما يشهد له الحس والواقع.
قال ابن القيم (٣) ﵀ في الكلام على قوله تعالى:
_________
(١) في (ح): " إذ يرون ".
(٢) ممحاة من (ح)، ومكانها بياض.
(٣) انظر: " مدارج السالكين " (٣ / ١٩٦) .
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦] (١) الآية [هود / ١١٦]:
(الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية، وهم الذين أشار إليهم النبي ﷺ في (٢) قوله: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» " (٣) وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: " «طوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل (٤) في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (٥) .
فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء؛ وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنَّة الذين تميزوا (٦) بها عن [أهل] (٧) الأهواء والبدع) (٨) فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد غربةً، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقُّا فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين.
_________
(١) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة قوله: ينهون عن الفساد في الأرض.
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥) من حديث أبي هريرة، و(١٤٦) من حديث ابن عمر، والترمذي (٢٦٢٩، ٢٦٣٠) من حديث ابن مسعود وعمرو بن عوف، وابن ماجه (٣٩٨٦) من حديث أبي هريرة، و(٣٩٨٧) من حديث أنس بن مالك.
(٤) ساقطة من (م) .
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٢ / ١٧٧)، (٢ / ٢٢٢) .
(٦) في (س): " يتميزون".
(٧) ما بين المعقوفتين إضافة من (م) و(ح) .
(٨) إلى هنا ينتهي السقط من (ق) .
قال الله تعالى فيهم (١) ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] [الأنعام / ١١٦] .
فأولئك هم الغرباء عن (٢) الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم.
فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل / سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي (٣) الغربة التي مدح رسول الله ﷺ، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه " بدأ غريبا (٤) وأنه سيعود غريبًا " وأن أهله يصيرون غرباء.
وقال الحسن: " المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال) .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين (٥) غبطهم النبي ﷺ: التمسُّك بالسنَّة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا طريق ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله بالعبوديَّة له (٦) وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، فلغربتهم بين هذا الخلق
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) و(س) و(ح): "من ".
(٣) في (ح): " وهي بين "، وفي الأصل وبقية النسخ: (وبين)، والمثبت كما في مدارج السالكين.
(٤) ساقطة من (م) .
(٥) في (المطبوعة): " الذي ".
(٦) في (ق): "لله".
يعدُونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي ﷺ: " «إنهم النُزَّاع من القبائل» " (١) انتهى.
وأما قول المعترض: (ونحن لا نقول بذلك من تكفير الأمة، ولا أنه الذي أظهر دين اللِه ورسوله، بل هو قبله ظاهر قاهر لا يضرّه من (٢) خذله إلى يوم القيامة، كما صح عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما) .
فيقال: تكفير الشيخ للأمة قد تقدَم البيان في أنه من (٣) أوضاعكم وأكاذيبكم، وتقدَّم نصه بنقل العدول في البراءة منه.
وأما عدم (٤) قولك بأنه الذي أظهر دين الله ورسوله، فنعم؛ أنت لا تقول به، ولا يقول به من أعمى الله بصيرته وتحيَّر في ظلمة الجهل والطبع والهوى، فشكَّ في واضحات العلم (٥) وضروريات الهدى، وهذا الضرب من الناس لا يلتفت إليهم، ولا يعدون إذا عُدَّ (٦) أهلُ العلم والإيمان، بل هم همج رِعاع لم يستضيئوا بنور العلم، ولما يلجأوا إلى رُكن وثيق، أقربُ شبهًا بهم الأنعام السارحة، وإنما يعرف الحق والفضل ذووه من أهل العلم بالله ودينه، الذين ينظرون بنور الله،
_________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٨)، وأحمد في المسند (١ / ٣٩٨)، والدارمي (٢٧٥٥)، وأبو يعلى (٨ / ٣٨٨) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (م) و(ق): "قد تبين أنه من".
(٤) ساقطة من (م) و(ق) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): (إذا أن عد) .
ويعرفون الرجال بالعلم، فلهم بصيرة بالحقِّ ومعرفةً له أينما كان، ومع من كان.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] (١) [الزمر / ٢٢] .
وفي الحديث: " ما جعل الله من نبوَّةٍ إلا كانت بعدها (٢) فترةً " (٣) .
وقال الإمام أحمد في خطبته (٤) (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ (٥) إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصّرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحْيَوه، ومن ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم)، إلى آخر كلامه ﵀.
وقد شهد أهل العلم والفضل (٦) من أهل عصره أنه أظهر توحيد الله، وجدَّد دينه، ودعا إليه.
قال العلامة حسين بن غنَام (٧) ﵀:
_________
(١) في (س): "بعيد".
(٢) في (س): "بعده"، "كانت" ساقطة من (ق) .
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٧٣، ح ١٢٥١٤، ١٢٥١٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٢٠٥) موقوفاَ على ابن عباس.
(٤) انظر: " الرد على الجهمية والزنادقة " ص (٦) .
(٥) في (ق): (أضل) .
(٦) في (ح): "الفضل والعلم".
(٧) انظر: "عنوان المجد" (١ / ١٩٣) .
لقد رفع المولى (١) به رتبة الهدى بوقت به يعلو الضلال ويرفع (٢) .
وذكر في تاريخه عن أكابر أهل عصره أنهم شهدوا له بالعلم والدين، وأنه من جملة المجددين لما جاء به سيد المرسلين، وكذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين تواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه والثناء عليه والشهادة له أنه جدد هذا الدين (٣) كما قال شيخنا محمد بن محمود الجزائري رحمه الله تعالى.
وأما استدلال هذا المعترض بحديث: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» " (٤) .
فلم يفقه معناه: فإن الظهور يراد به هنا ظهور (٥) القهر والغلبة للأعداء والمخالفين، وعلو الشأن لا أن الحق والإسلام يزداد بياناَ ووضوحًا إلى يوم القيامة، فإن هذا الفهم (٦) يُردُّ بحديث: " «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» " (٧) وبحديث (٨)
_________
(١) في جميع النسخ: " به رفع المولى"، والمثبت كما في (ح)، وهو الصواب.
(٢) في (ق): "ويرتفع".
(٣) ساقطة من (س) .
(٤) أخرجه البخاري (٧٣١١، ٧٤٥٩، ٧٤٦٠)، ومسلم (١٥٦)، وأبو داود (٢٤٨٤، ٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢٢٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "فهم".
(٧) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وتقدم تخريجه. انظر: ص (٨٩)، هامش رقم (٣) .
(٨) ساقطة من (ق) .
" «لا يأتي عليكم (١) زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» " (٢) وأحاديث رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن، وكثرة الهرج، كلها ترد فهم هذا المعترض وتبطله.
ولا يقبل ريبه وتفسيره إلا جهَّال جلسائه، وأصحابه الذين (٣) لا يفرقون بين الدر والبعْر، والخبيث والطيب، والميتة والمذكاة ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] فقول المعترض هو المارج الخارج لا قول شيخ الإسلام.
_________
(١) ممحاة من (ح)، ومكانها بياض.
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٦٨)، وأحمد (٣ / ١٣٢، ١٧٧، ١٧٩) من حديث أنس ﵁.
(٣) في (المطبوعة): " الذي "، وهو خطأ.
Translation
فصل الرد على زعم المعترض أن الشيخ كفر الأمة بالعموم وبحث تجديد العلماء للدين ووقوع الغربة
#23 Chapter 23 — فصل رد إلزام المعترض للشيخ بتكفير النجاشي ومؤمن آل فرعون ومهاجري الحبشة · ref. #23
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل رد إلزام المعترض للشيخ بتكفير النجاشي ومؤمن آل فرعون ومهاجري الحبشة]
فصل قال المعترض: (فظاهر / كلامه هذا (١) أن النجاشي ملك الحبشة [٢٨]، الذي صلَّى عليه النبي ﷺ بأصحابه ﵃ (٢) حين أخبره جبريل عليه الصلاة (٣) والسلام بموته أنه بكلامه هذا كافر ليس بمسلم، حيث لم يصرِّح بعداوة قومه الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، وكذلك امرأة فرعون التي قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] [التحريم / ١١] .
ومؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه فهو والنجاشي والصحابة - جعفر وأصحابه الذين (٤) هاجروا إلى الحبشة ﵃ كفار بهذه العبارة، كما ترى عند هذا الرجل، إذا لم يصح إسلامهم على قوله، حيث لم يصرَّح بعداوة الحبشة) .
فيقال: الله أكبر، ما أكثر ما في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم والتحريف والجهل.
_________
(١) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٢) في (س) زيادة: " أجمعين ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): ﵇ .
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " الذي ".
وجوابها من وجوه:
الأول: أن يقال: ليس ظاهر كلامه أن النجاشي ومن ذكر بعده لم يصح إسلامهم. هذا كذب بحت، وافتراء ظاهر؛ لأنه قد ثبت أن النجاشي قد (١) صرح بعداوتهم والبراءة من مذهبهم وراغمهم، زيادة على التصريح بالعداوة، وقد قال: "وإن نخرتم" لما (٢) صرَّح بعبودية عيسى ﵇ حين قرأ جعفر صدر سورة مريم وما فيها من ذكر عيسى، فقال النجاشي: "والله ما زاد عيسى على هذا؛ فنخرت بطارقته فقال: وإن نخرتم"، فأي جهاد وتصريح وعداوة أبلغ من هذا؟ ومع ذلك نصر المهاجرين ومكنهم من بلاده؛ وقال: "أنتم سيوم بأرضي" أي آمنون "من سبكم ندم، ومن ظلمكم غرم" (٣) . فقد صرح بأنه يعاقب من سب دينهم وسفه رأيهم فيه. وهذا قدر زائد على التصريح بعداوتهم.
ولا يقول إن جعفرا وأصحابه يكتمون دينهم ببلاد الحبشة، ولا يصرحون بعداوة الكفار والمشركين إلا جهل الورى، وأعظمهم (٤) كذبًا وافتراءً، وهل ترك جعفر وأصحابه بلادهم، وأرض قومهم، واختاروا بلاد الحبشة، ومجاورة الأباعد والأجانب، وغير الشكل في المذهب والنسب واللسان، إلا لأجل التصريح بعداوة المشركين، والبراءة منهم جهارًا في المذهب والدين؟ ولولا ذلك لما احتاجوا إلى هجرة، ولا اختاروا
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "كما".
(٣) أخرجه أحمد في المسند (١ / ٢٠١)، (٥ / ٢٩٠)، والطبراني في الكبير (٢ / ١١١، ح ١٤٧٩)، وفي الأحاديث الطوال له أيضا رقم (١٦) .
(٤) في (المطبوعة): " وأعظم ".
الغربة (١) ولكن / ذلك في ذات الإله، والمعاداة لأجله، وهذا ظاهر [٢٩]، لا يحتاج لتقرير لولا غلبة الجهل.
وامرأة فرعون قصتها، وما جرى عليها من المحنة مشهورة في كتب التفسير، لا يجهلها (٢) من له أدنى ممارسة، وقد حكى الله [في سورة التحريم] (٣) قولها المشتمل على التصريح والبراءة من فرعون وعمله ومن القوم الظالمين، والظلم هنا هو الكفر الجلي.
ومؤمن آَل فرعون قام خطيباَ في قومه، عائباَ لدينهم، مفنِّداَ لقيلهم ماقتًا لهم؛ داعيًا إلى الحق وإلى صراط مستقيم. كما ذكر الله قصته وقررها في سورة (حم) المؤمن (غافر) .
ومن طبع الله على قلبه، وحقت عليه كلمة العذاب، لم تفد فيه الواضحات، ولم ينتفع بالآيات والبينات (٤) .
الوجه الثاني: أنه قد تقدَّم عن الشيخ أنه قرَّر في أول كلامه وآخره أن هذه العداوة (٥) لا يستقيم الإسلام بدونها: هي التصريح بأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع (٦) وأن عبادتها من أبطل الباطل وأضل الضلال، وهذا هو (٧) سب
_________
(١) في الأصل و(م) و(س): " واختيار للغربة "، والمثبت كما في المطبوعة.
(٢) في (س) و(ق) و(ح): "يجهله".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من (ح) .
(٤) في (ح): (والبينات) .
(٥) في (م) و(س) و(ق): " العداوة التي ".
(٦) في (ق) و(م): " لا تنفع ولا تضر ".
(٧) ساقطة من (ق) و(م) .
آلهتهم الذي أنكروه (١) وعابوا الرسول به.
فالكلام في نوع خاص، قد حصل من النجاشي وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ما هو أبلغ منه وأصرح.
الوجه الثالث: أنه لو فرض العموم في كلام الشيخ فأصل العداوة: البغضاء والكراهة، وأصل الموالاة: المحبة والمودة. ومعلوم أن الذين ذكرهم (٢) هذا الرجل قد صرَّحوا بمحبة الحق وكراهة الباطل، كيف وقد امتحن عليه من امتحن، وهاجر فيه من هاجر؟ .
الوجه الرابع: أن الشيخ قال: (إذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام [ولو وحَّد الله] (٣) إلا بعداوة المشركين) .
فإن أريد أصل العداوة فقد تقدَّم جوابه، وإن أريد عموم العداوة من كل وجه فالكلام في استقامته، لا في حصول أصله، فالذي يفهم تكفير من لم يصرَّح بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل، ورأيه ضال، لأنه محتمل، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على أنه لا استقامة للدين (٤) بل ولا يطلق الإيمان إلا على من عادى المشركين في الله، وتبرأ منهم، ومقتهم لأجله. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية (٥) [المجادلة / ٢٢] .
_________
(١) في (ق): " أنكره ".
(٢) في جميع النسخ: "من ذكر".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من (ح) .
(٤) في (ق): " لدين ".
(٥) في (المطبوعة) أورد الآية كاملة إلى (المفلحون) .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] [المائدة / ٥١] .
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] (١) إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] [المائدة / ٧٨ و٨١] .
قرَر شيخ الإسلام في هذه الآيات أنها دالَّة على انتفاء الإيمان الواجب (٢) بموادة من حاد الله (٣) وأن معاداتهم من واجبات الدين، والإيمان (والإسلام لا يستقيم إلا بها، ذكره في كتاب الإيمان) (٤) وقرره في مواضع منه.
وليس مراد الشيخ بقوله: (لا يستقيم له إسلام)، أنه يكفر كما فهمه هذا الضال وكما فهمته الخوارج من نفي الإيمان عمن ترك واجباَ، وهذا بين بحمد الله.
الوجه الخامس: أنا لو تنزلنا مع هذا الضال وجاريناه في فهمه الفاسد لما لزم دخولُ مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون.
قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] [المائدة / ٤٨] .
ولا يلزم أن يكون شرعنا شرعًا لمن قبلنا.
الوجه السادس: أن مهاجرة الحبشة والنجاشي وقصته مع جعفر
_________
(١) في (المطبوعة) وردت الآية كاملة إلى "خَلَدُونَ".
(٢) سقطت "الواجب" من (المطبوعة) .
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "ورسوله ".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
كانت في أول (١) الإسلام قبل أكمال الواجبات، والآية التي استدلَّ بها الشيخ مدنية، وكل عالم يعرف (٢) أن القرآن نزل منجمًا، والأحكامُ لا تلزم إلا بعد البلوغ.
هذا لو تنزلنا مع هذا (٣) المعترض.
الوجه السابع: أن عموم الآية مخصوص بما أبيح للمفتون في نفسه أن يتوقَّى إظهار الموافقة وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا يلزم عمومها لمثل امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون لو سلمنا عدم التصريح.
الوجه الثامن: أن "الإنسان " يطلق ويراد به خاص ومعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] [الفجر / ١٥] .
وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] [الإسراء / ٨٣] و[فصلت / ٥١] .
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] [مريم / ٦٦] .
فهذا ونحوه عام أريد به الخصوص، وهذا معروف في اللغة والاصطلاح الشرعي، مشهور عند أهل العلم مقرر في كتب أصول الفقه. فما الذي أخرج كلام الشيخ عن هذا وأوجب إدخال من ذكر في كلامه لو فرض عدم تصريحهم؟ فالله المستعان.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق): " يعلم ".
(٣) سقطت " هذا " من (المطبوعة) .
Translation
فصل رد إلزام المعترض للشيخ بتكفير النجاشي ومؤمن آل فرعون ومهاجري الحبشة
#24 Chapter 24 — فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم · ref. #24
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم]
فصل قال المعترض: فيالله العجب، ما أعمى عينَ الهوى عن الهدى، [٣١] فإن جعفرًا وأصحابه لو سلموا من أذى المشركين، ومنعهم إياهم عن عبادة ربهم، لم يهاجروا للحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، فلم تضر إقامتهم عندهم؛ بل نفتهم وصارت هجرة ثانية، وذلك كما قام (١) أبو بكر الصديق ﵁ بين أظهر المشركين، في جوار ابن الدغنة حين أمِن من أذاهم، ولم تضرّه إقامته بين أظهرهم، ولم يكلّفه النبي ﷺ ما كلَّف هذا المتكلم، لو كان كلامه وتأصيله صحيحا، فكيف بما ذكرنا؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كيف يتكلم الرجلُ بما لا يدري ما تحت كلامه على الله وعلى رسوله وعلى كتاب الله المجيد؟ إذ أي بلد من بلاد الإسلام من أهل القبلة (٢) المحمدية الذي (٣) جعلهم هذا الرجل بكلامه كفاراَ، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؛ بل من فعل ذلك عندهم يكون له الإكرام والاحترام؛ إذ هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحقُّ بها وأهلها) . انتهى.
_________
(١) في (ق): "قال".
(٢) في (ق): "القبة".
(٣) في (م) و(ق): "الذين"، وهو خطأ.
فيقال لهذا المفتري (١) عماية عين الهوى عن معرفة مواقع الخطاب والهدى هي التي أوقعتك في مهالك العطب والردى، وأوجبت لك مسبة أهل العلم من سادات الورى، وسدت عليك أبواب الرشد والفلاح في الآخرة والأولى.
لو عقلت كلام الشيخ وعرفت مواقع الخطاب، وسلمت من الأشر والبَطر والإعجاب (٢) لعرفت أن كلامه ليس في المخالطة والمقام بين ظهرانيهم (٣)؛ بل هذه المسألة ليس في كلامه تعرُّض لها أصلا، والهجرة إلى الحبشة، ومُقام أبي بكر الصديق يتلو القرآن بمكة ويظهر دينه، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا (٤) إلى الهجرة، ولو تركوهما في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن يقول: "أنتم سيوم بأرضي " ولكان كل مؤمن يخفي إيمانه، ولا يبادي المشركين بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة (٥) بل تمشي الحال على أي حال، كما هي طريقة كثير ممن لم يعرف ما أوجب الله من عداوة [٣٢] المشركين وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى؛ لما حصل
_________
(١) في (ق): " المعترض".
(٢) في (ق): " والإعجاب والعجب ".
(٣) في (ق): " ظهرانهم ".
(٤) في (ح) و(ق) و(المطبوعة): "لما احتاجوا ".
(٥) في (م): (الهجرة) .
من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان؛ ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد، التي تؤمن فيها الفتنة والأذية.
فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام، ومباداة أهل (١) الشرك بالعداوة والبراءة؛ (بل هذا هو (٢) مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الإلهية عما سوى الله صريح في البراءة) (٣) منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبّاده (٤) وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر، كما يظنه هذا الرجل، لألقت الحرب وعصاها (٥) ولم تدُرْ بينهم رحاها، كما هو الواقع ممن يدَّعي الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقًا للقوم الظالمين.
وفي قصة أبي بكر حين مُنع من (٦) قراءة القرآن ظاهرا (٧) في مسجده، الذي اتخذه على حافة الطريق يتلو فيه القرآن ظاهرا، وكان رجلا بكاء عند تلاوة القرآن؟ والناس يستمعون إلى قراءته، وفيها ما فيها من تكفيرهم وعيبهم ووعيدهم وسب آلهتهم والبراءة منهم، ومن عبادة ما عبدوه، فنهوه عن ذلك فلم ينته، وثبت على إظهار دينه؛ فأمروه بالخروج، فلقيه ابن الدغنة فقال: " ارجع؛ فمثلك
_________
(١) ساقطة من المطبوعة.
(٢) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (م) و(ق): "عبادتهم ".
(٥) في (م) و(ق): "أوزارها ".
(٦) ساقطة من (م) و(ق) .
(٧) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
لا يخرج (١) أنت في جواري " (٢) فمضى على ما كان يصنع من الجهر بالقراءة (٣) وإظهار دينه، وهذا هو مراد الشيخ، وهو الدليل على وجوب التصريح بعداوتهم، فترك المعترض هذا كله، وظن أن إجارة ابن الدغنة تقتضي (٤) عدم العداوة من أبي بكر، وأنه يوالي ابن الدغنة، فما أضلَّ هذا الفهم، «وقد دخل النبي ﷺ في جوار المطعم بن عدي» (٥) أترى هذا يقتضي موالاة النبي ﷺ له (٦) وعدم التصريح بعداوته؟ فكأن الرجل المعترض نبطي لا يفهم موضوع الكلام ولا يحسن الاستدلال، فيستدل بالشيء على ضد ما يدل عليه.
ولقد أنسانا بجهله ما سمعناه عن إخوانه الجاهلين، وما أحسن ما قال مجاهد ﵁ (٧) في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنفال / ٢٤] .
قال: "حتى يتركه لا يعقل ".
_________
(١) في (س): " لا يخرج ولا يُخرج ".
(٢) أخرجه البخاري (٢١٧٥)، وأحمد (٦ / ١٩٨)، وعبد الرزاق (٥ / ٣٦٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١ / ٢٩)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤ / ٧٦٦) من حديث عائشة ﵂، وانظر: " الاستيعاب " (٢ / ٤٩١)، و" السيرة النبوية " (٢ / ٢١٧) .
(٣) في (ق): " بالقرآن ".
(٤) في (ق): " تقضى ".
(٥) أخرجه الطبري في التاريخ (٢ / ٣٤٧، ٣٤٨) . وراجع: مغازي ابن إسحاق وسيرة ابن هشام (٢ / ١١، ١٢، ١٣) .
(٦) ساقطة من (م) و(ق) و(س) .
(٧) "﵁" ساقطة من (ق) .
وأما قوله: (أي بلد من بلاد المسلمين (١) من أهل (٢) القبلة المحمدية الذي (٣) جعلهم هذا الرجل كفارا، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؟) .
فالجواب أن يقال: في عبارته هنا تحريف ظاهر، فإنه أوقع الموصول المفرد على الجمع، ولم يفرق على عادته في اللحن الفاحش.
ويقال أيضا لهذا الظالم: إن الخوارج، وغلاة القدرية، والجهمية والقرامطة، والباطنية، وغلاة الرافضة من الإسماعيلية والنصيرية، وغلاة عبَّاد القبور الذين يرون أن مشايخهم يتصرفون في الكون، كل هؤلاء لا يمنعون من لفظ الشهادتين؛ وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، بل اليهود والنصارى لا يمنعون من ذلك مَنْ دخل بلادهم من المسلمين؛ وبنو حنيفة لا يمنعون من ذلك، وعلى زعم هذا الرجل لا مانع من الإقامة بين [٣٣]، أظهرهم، ولا هجرة من ديارهم وأماكنهم؛ وهذا القول لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف مراد الله ورسوله في الهجرة ويدري سِرَّ ذلك.
وهذا الرجل كما ترى في الجهل والسفاهة، ومع ذلك يترشح للرد ويرى نفسه (٤) من طلبة العلم أو من (٥) علماء المسلمين، وهو معدود عند العارفين من الأغبياء الجاهلين.
_________
(١) في (م) و(ق): (الإسلام) .
(٢) ساقطة من (س) .
(٣) في (م) و(ق): " الذين".
(٤) في (المطبوعة): (نفسه بهذا) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة): " ومن ".
والأعاجم والفرس الذين يعبدون عليَّا والحسن والحسين، يكتبون (١) المصاحف، ويطبعونها ويشترونها بغالي الأثمان، ويبنون المساجد، ويؤذنون، وأما توحيد الله بالعقل (٢) والعمل فأكثرهم لا يراه، وينكره أشد الإنكار، ويمنع منه، وإنما حدث الشرك بأمرهم ورأيهم وسلطانهم في هذه الأمة، وهم أول من بنى المساجد على القبور وعظموها حتى صارت أوثانا تعبد، وبيوتا يحج لها وتقصد (٣) بل جعلوا لأهلها التصرف (٤) والتدبير والنفع والضر، زعما منهم أن هذا كرامة، وهذا مشهور عنهم سرى في أكثر الأمصار، وعمت به البلوى، حتى رأينا وسمعنا بمصر وغيرها من ذلك ما لا يبقى معه للإسلام أصل يرجع إليه، وصنفوا في ذلك مصنفات يعرفها من له نهمة في طلب العلم وأخبار الناس.
" أفيقال: هؤلاء لا يمنعون من توحيد الله وذكره؟
ولولا حجاب الجهل والهوى لما خفى حالهم على هذا المتكلم، ولَمَا قال: (هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها) والله سائله عن ذلك ومجازيه عليه؛ لئن كان أهل الشرك بالله، ومعاداة أوليائه، ومعصية رسوله من المعطلة، وعبَّاد القبور، هم أهل كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها؛ فلقد ضل حينئذ من أنكر ذلك ومنعه، وكفَّر أهله من السابقين الأولين إلى أن تقوم الساعة، وهذا لازم لقوله، لا محيص عنه.
_________
(١) في (ق): "والحسين والحسن يكتبون ".
(٢) في (المطبوعة): " بالعقيدة ".
(٣) في (المطبوعة): "تحج وتقصد".
(٤) في (المطبوعة) و(ح): " التصريف".
وبه تَعْرفُ أنَه هو الَّذي لا يَدْري ما تَحْتَ كَلامِه وما خَرَجَ من بَينِ شَفَتيه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] [الأنعام / ٨٢] .
هذا هو الحكم العدل والقول الفصل والحق المبين، لا من جعل [٣٤]، أهل الشرك بالله ومعاداة أوليائه أهل كلمة التقوى والأحقين بها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [الشعراء / ٢٧٧] .
ثم ساق المعترض حديث أبي موسى في قصة أسماء بنت عميس مع عمر، وقول النبي ﷺ: " «لعمر وأصحابه هجرة، ولكم هجرتان» " (١) .
ثم قال المعترض: (إذا علمت هذا تبين لك خطأ هذا الرجل بأتم بيان، وأوضح برهان، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] [الأنعام / ١٤٦] .
وذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] [المائدة / ١٠٥] . وحديث: " «ائتمروا بالمعروف وانتهوا (٢) عن المنكر» " (٣) الحديث؛ وذكر حديث ابن عمر: " «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم وكانوا هكذا- وشبك بين أنامله- فالزم بيتك، واملك عليك
_________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٧٦، ٤٢٣٠) من حديث أبي موسى، (٤٢٣١) من حديث أسماء بنت عميس، ومسلم (٢٥٠٣)، والحاكم في المستدرك (٣ / ٢٣٤، ٦٥٥) .
(٢) في (س) و(المطبوعة): " وتناهوا ".
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁.
لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامة» " (١) .
ثم قال: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب مع القدرة على الكفاية حسب مراتبه ودرجاته) .
فيقال في جواب هذا: هذه الأحاديث والآيات الكريمات تؤيد (٢) ما قاله الشيخ وتنصره (٣) فإن فضل الهجرة الأولى وما جاء بها يدل على وجوب التصريح بعداوة المشركين وإن لم يكن للمسلمين دولة وشوكة. كحالهم في بدء الإسلام؛ ولذلك (٤) احتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوا التصريح بالعداوة وعيب دين المشركين لما احتاجوا إلى ترك أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك لحاجة المؤمن إلى (٥) إظهار دينه، وخوفه من الفتنة.
وبهذا يتبين صواب كلام الشيخ وخطأ المعترض، وأنه قد (٦) عكس القضية في تخطئة الشيخ، والقلب إذا خسف به تصور الحقائق على غير ما هي عليه.
_________
(١) في (س): "العوام ".
والحديث أخرجه أبو داود (٤٣٤٢، ٤٣٤٣)، ابن ماجه (٣٩٥٧)، وأحمد (٢ / ١٦٢، ٢١٢، ٢٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢ / ١٧١)، (٤ / ٣١٥، ٤٨١، ٥٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ق): " الكرامات تؤدي ".
(٣) في (ق): " ونصره ".
(٤) في (ق): " ولذا ".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) ساقطة من (م) و(ق) .
وقد تقدم هذا الجواب.
وليس في كلام الشيخ أن المؤمن يؤاخذ بإزر (١) غيره، حتى يرد عليه بقوله تعالى: وَلَا (٢) تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء / ١٥] .
بل في كلام الشيخ أن عداوة المشركين وبغضهم (٣) من واجبات الدين، وتاركه ما استقام إسلامه، فأين هذه من هذه؟ لقد أبعدت المرمى، واستحكم عليك الجهل والعمى.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] (٤) [المائدة / ١٠٥] .
فسرها حديث أبي (٥) . ثعلبة (٦) . وحديث (٧) . أبي بكر (٨) . وفيهما [٣٥] .
_________
(١) في (المطبوعة): (بوزر) .
(٢) في (ق): "وأن لا".
(٣) في (ح): " بغضهم " بإسقاط الواو.
(٤) في (م) و(س) و(ق): زيادة (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)،.
(٥) في (ق): (ابن)، وهو خطأ.
(٦) ونصه: عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؛ قلت: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، قال: سألتَ عنها خبيراَ، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعًا وهوى متبعاَ ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراَ لا يدان لك به فعليك خويصة نفسك فإن من ورائكم أيام الصبر. الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون بمثل عمله ". أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) وهذا لفظه.
(٧) ساقطة من (س) .
(٨) ونصه: قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه ".
أخرجه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٣٠٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وهذا لفظه. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٤) .
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعل ذلك المؤمن فلا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى، وقام بالواجب (١) . .
وقوله ﷺ: " «حتى إذا رأيتم (٢) . شحا مطاعًا» " غاية للأمر والنهي، لا أنه لا يجب ابتداءً، فافهمه يستبن لك جهل المعترض.
وكذلك حديث عبد الله بن عمر (٣) . هو من هذا الباب، ليس فيه أنه لا يأمر (٤) . ولا ينهى، ولا يظهر دينه، ومن فهم هذا من الأحاديث فهو من الأغبياء الضالين.
وأما قوله: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كفَّر به هذا الرجل الأمة) - إلى آخره- في عبارته (٥) . خلل، وهي خطه بيده وكان الصواب (٦) . أن يقول: (الذي كفر بتركه)، لا به. فتأمل.
ويقال في جوابه: خرجت عن محل النزاع، فالنزاع (٧) . في التصريح.
_________
(١) في (المطبوعة): "هو بالواجب"، وفي (ق): " بالواجبات".
(٢) في (م) و(ق): " رأيت ".
(٣) في جميع النسخ: "عمر وهو"، ولعل ما أثبته هو الأقرب.
(٤) في (م) و(ق): " لا يأمر بالمعروف".
(٥) في (ق): "في بيان عبارته".
(٦) في (ق): "صوابه".
(٧) ساقطة من (ق) .
بالعداوة، وأما الأمر والنهي (١) . فهو أمر آخر، وطور ثان، وليس في كلام الشيخ تعرض له، فنسبة التكفير إليه به (٢) . - مع أنه خروج عن موضوع الكلام، وحَيدة عن تحرير محل النزاع - فهو أيضا كذب ظاهر وبهت جلي. مَنْ قال: إن الشيخ كفَّر بهذا؟ ومن نقله؟ وفي (٣) . أي كتاب؟ وفي (٤) . أي رسالة؟ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] [طه / ٦١] .
فمن أين، أو أنى، وكيف ضلالهم ... هدى، والهوى شتى (٥) ". بهم متشعب.
وإنما أدرج مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة وجوب المعاداة والتصريح بها ليلبس على الجهال، ويتكثر بما ساقه من كلام العلماء، وهو عليه لا له، كما ذكر هو عن القاضي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا لم يخف، هو كذلك لكن هذا يؤيد كلام الشيخ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع عن التصريح بالدين.
وأيضا: فتارك الفرض لا يستقيم له إسلام، والشيخ لم يقل إنه يكفر بترك التصريح بالعداوة، بل قال: (لا يستقيم له (٦) . إسلام) فيصدق بحصول الإسلام مع استقامته، وهذا يجري في كل من ترك واجبا، أو فعل محرما، كما قرره تقي الدين في كتاب "الإيمان ".
_________
(١) في (م) و(ق): "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
(٢) ساقطة من (م) و(ق) .
(٣) في جميع النسخ: " في "، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٤) ساقطة من (س) .
(٥) في (س): " هذا، والهدي شيء.
(٦) من هنا ساقط من النسخة (س) .
فجميع نقوله عن الفقهاء تؤيد كلام الشيخ، وترد دعوى المعترض، لكنه جاهل لا يفهم مراد الله ورسوله، ولم يعان، ويمارس صناعة العلم والبحث مع المحصلين (١) . بل وجد أشياخًا ضالين، وكتبًا شتتت فكره، وضيعت فهمه حتى صار من الخاسرين.
ثم أطال النقل عن ابن عقيل وابن مفلح، وذكر ما يروى عن حذيفة ﵁ مرفوعا (٢) " «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". قيل: كيف يذل نفسه؟ قال ﷺ: " يتعرض من البلاء ما لا يطيق» " (٣) .
ومراد هذا الغبي: أن الخوف يسقط إظهار الإسلام والتصريح بعداوة المشركين والبراءة (٤) منهم، حتى التصريح بشهادة الإخلاص.
فجعل كلام ابن عقيل وابن مفلح، وما أتيح له من كلام الفقهاء في عدم وجوب الأمر والنهي، على الخائف والعاجز حجَّة على كتمان الإسلام، ومداهنة المشركين، وإظهار موادتهم وصحبتهم (٥) هذا مفهوم كلام (٦) .
المعترض، فبُعدًا بُعدًا، وسُحْقًا سُحقًا.
وأعجب من هذا أنه جعل الحديث حجة له على موادة المشركين
_________
(١) في (ق): "المخلصين".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) أخرجه الترمذي (٢٢٥٤)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٠١٦)، وأحمد (٥ / ٤٠٥)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٦١٣) .
(٤) في (ق): "وبالبراءة".
(٥) في (ح): "ومحبتهم ".
(٦) ساقطة من (ح) و(ق) .
فجعل معاداتهم ذلًّا، وموادتهم (١) عزًّا، فلا أدري على أي شيء أحسده؟ على هذا الفهم الذكي، أو على ما جمعه من أكاذيب المفتري (٢) وما كنت أظن غباوته تبلغ إلى (٣) هذا الحد.
فالحمد لله على ظهور الحق، والتوفيق للصدق.
ثم استدل المعترض بكلام شيخ الإسلام على حديث أبي سعيد: " «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» " (٤) إلى آخره، وأن الشيخ ذكر في معناه: أن الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، وليس المراد: أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.
يريد الرجل المعترض أن كلام الشيخ يدل على أنه يكفي في الإيمان المطلق إنكار القلب، ولا يحتاج للتصريح بشيء من واجباته، وهذا رجوع إلى مذهب الجهمية القائلين بأن الإيمان هو التصديق، ولم يدخلوا (٥) التلفظ والعمل في مسماه، وبعضهم قال: (هي شرائط وليست (٦) من المسمى) . وكلام أهل السنَة في تبديعهم، وتضليلهم، وتفسيقهم معروف مشهور.
فقول المعترض: (فالإنكار بالقلب فقط، وأقف على أضعف الإيمان
_________
(١) في (ق): " وموالاتهم".
(٢) في (المطبوعة): " الأكاذيب المفتراة".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق) و(م): زيادة " فإن لم يستطيع فلبسانه".
والحديث أخرجه مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠، ٤٣٤٠)، والنسائي (٨ / ١١١)، وابن ماجه (١٢٧٥، ٤٠١٣)، وأحمد في المسند (٣ / ١٠، ٢٠) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة): " يدخل ".
(٦) في (المطبوعة): " وليس ".
[٣٧]، في حق القادر) قول باطل؛ فإن الحديث يدل على أنه في حق العاجز يكون أدنى الإيمان الخاص، وأما القادر فليس في الحديث نص على حكمه، وإنما يفهم من أدلة أخرى.
وكلام الشيخ على الحديث إنما يدل على انتهاء مراتب هذا الإيمان، وليس مراده أن تاركه يكفر، وهذا المعترض لم يفهم مراد الشيخ ولا حام حول قصده.
ومراد الشيخ: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيمان، وأنه ينقسم بحسب الاستطاعة، وأدناه الإنكار بالقلب، وأعلاه الإنكار باليد، وقوله: "وليس وراء ذلك من الإيمان (" حبة خردل " أي: هذا الإيمان) (١) الذي هو الأمر والنهي والتغيير (٢) هذا مراده.
وحينئذ: فهو من أدلة الشيخ على وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا يستقيم للإنسان إسلام وإيمان إلا بالإتيان بالواجبات، فلو اقتصر على أدنى رتب الإيمان مع القدرة على سواها فليس إيمانه بمستقيم، وإن كان مع عدم الاستطاعة والعجز (٣) حصل على أضعف الإيمان، فقد فاتته (٤) الاستقامة الكاملة؛ لأن الأدنى فيه نقص وضعف، والمؤاخذة وعدمها بحثها الاستطاعة وعدمها.
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق): " الأمر بالمعروف والتغيير "، وفي (ح) و(م): " الأمر بالمعروف والنهي والتغيير ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): " فاته ".
فانظر وتأمل هذا التقرير يطلعك على جهالة المعترض، وأنه بمعزلٍ عن العلم والفهم. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] [فصلت / ٤٤] .
وكلام شيخنا ﵀ محله فيمن استطاع وقدر، وأما مع عدم القدرة ومع الإكراه فيباح للرجل أن يتوقى عن (١) نفسه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] الآية [آل عمران / ٢٨] .
على أن الصابر مع الإكراه الباذل نفسه لله أفضل ممن فعل ما يباح وتوقى عن نفسه.
إذا عرفت مراد الشيخ ﵀ فهو يطلق الكلام حيث أطلقه الكتاب والسنة ويقيده حيث قيداه، فالمعترض (٢) لم يفهم كلام الشيخ، ولا عرف معاني النصوص ومن وقف على كلامه من أهل العلم عرف ما قلناه، وأنه حيران لا يدري السبيل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] [الأنفال / ٢٢] .
واستدل المعترض بقول الإمام أحمد لمن سأله عن السنَّة تذكر في المجلس لا يعرفها غيره أيتكلم بها؟ فقال: " أخبر بالسنَّة ولا تخاصم عليها " (٣) إلى آخره. وبقول مالك: "أخبر بالسنَّة، فإن لم يقبل (٤) منك [٣٨] فاسكت ".
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): " فإن المعترض ".
(٣) انظر: " الآداب الشرعية " (١ / ٢٢١) .
(٤) في (المطبوعة) و(ح): "تقبل " بالتاء الفوقية.
ومراده: أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه، حتى ما دلت عليه كلمة الإخلاص، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه (١) وما لا يسوغ (٢) .
وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت، وإنما يترك الخصام بعد التعريف والبيان، وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده، فإن (٣) الشيخ ﵀ يأمر بالتصريح والبيان؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان.
والرسل عليهم الصلاة والسلام (٤) لم يسكتوا عن الدعوة والإبلاغ لما أرسلوا به حيث لم يقبل منهم، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ - وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤ - ٣٥] (٥) [الأنعام ٣٤، ٣٥] .
وأصل الإسلام ومبانيه لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن؛ ولذلك يكفر جاحدها، ويقاتل عليها، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك، أفيسوغ السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم؟ .
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (المطبوعة): زيادة "السكوت فيه ".
(٣) في (ق): " فإن كلام الشيخ ".
(٤) في (ق) و(م): "السلام ".
(٥) من أول [وَلَا مُبدِلَ] مختصر من النسخة (م)، ومن أول [ولقد جاءك] مختصر من النسخة (ح)، بكلمة: (الآية) .
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية [النحل / ١٢٥] .
وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] [العنكبوت / ٤٦] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) الآية [يوسف / ١٠٨] .
وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] [الفرقان / ٥٢.] .
وفي (٢) الحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» " (٣) . سبحان الله! ما أقبح ما (٤) تلاعب الشيطان بابن آدم.
ألا هل عم في رأيه متأمل ... وهل مُدْبر بعد الإساءة مقبل
وهل أمة مستيقظون لرشدهم ... فيكشف عنه النعسة (٥) المتزمل
فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى ... مساويهمو لو أن ذا الميل يعدل
_________
(١) في (ق): زيادة [أنا ومن اتبعني] .
(٢) إلى هنا ينتهي السقط من النسخة (س) .
(٣) أخرجه البخاري (٢٥، ٣٩٢، ١٣٩٩)، ومسلم (٢٠، ٢١، ٢٢)، وأبو داود (١٥٥٦، ٢٦٤٠، ٢٦٤١)، والترمذي (٢٦٠٦، ٢٦٠٧، ٢٦٠٨، ٣٣٤١) .
(٤) ساقطة من (س) .
(٥) في (المطبوعة): " النعمة".
Translation
فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم
#25 Chapter 25 — فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال · ref. #25
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال]
فصل [٣٩] قال المعترض: (وهذا الرجل (١) خرج في بلد قد (٢) غلب عليها أحكام الإسلام، وشيدوا منارهم لداعي الفلاح؛ وعمروا مساجدهم ومدارسهم بالأوقاف، مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم؛ فكفَّرهم وحكم على من لم يصرِّح بعداوتهم بالكفر، كما تراه من كلامه صريحا، فلو قدَّر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟ إذ لا يكون التصريح إلا باليد واللسان؛ ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه ﵃ (٣) مع الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة، وكذلك النجاشي. وهذا ظاهر بحمد الله من الكتاب والسنَّة ظهورا لا خفاء به؛ ضد ما كفَّر به هذا الرجل الأمة لو كان تأصيله صحيحا. كيف وهو (٤) أفسد الفاسد وأبطل الباطل؟) .
والجواب أن يقال: تقدَّم مضمون هذا الكلام مكررا، فما وجه إيراده وتكريره؟ وقد مرَّ جوابه بحمد الله مفصلا، ومن أفلس من الحجج
_________
(١) في (ق) زيادة: "قد".
(٢) ساقطة من (س) و(ح) .
(٣) في (س) و(ح) و(المطبوعة): " عنه "، وفي (ك) زيادة: " أجمعين ".
(٤) ساقطة من (س) .
والبينات، أكثرَ من الترداد والهذيان، ولم يذكر هنا من أدلة إسلامهم إلا تشييد المنار، وعمارة المساجد والمدارس بالأوقاف، وقد تقدَّم الجواب عن هذا، وأن بني حنيفة وبني عبيد القداح والمختار بن أبي (١) عبيد؛ بل والتتار عندهم مساجد ومدارس، ولهم صدقات وأوقاف، والإيمان بالله ورسوله، والكفر بالطاغوت، أمر وراء ذلك كله، لا يدركه إلا من سبقت له السعادة، وعقل عن الله خطابه ومراده، مع أن هذا الشيخ لم يُكفِّر من أهل نجد إلا من قام وجدَّ في إطفاء نور الله، وإنكاره توحيده، ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابهم، ولم يُكفّر (٢) إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله، ووجوب الكفر بما عبد من دونه، فالخصومة في الأصل الأصيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قوله: (مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم) .
فهي عبارة جاهل (٣) فإن العلماء لا يلزم من وجودهم وجود الإسلام في الناس، ولا يلزم من عدمهم عدمه، والأنبياء وجدوا في الأمم السابقة الذين لم يستجيبوا لهم ولم يؤمنوا، ووجد من العلماء (٤) المؤمنين كثير بين أظهر المشركين وهم معدودون (٥) من المستضعفين المعذورين.
وإن أراد أن الباء سببية، وأن المراد (٦) أظهروه بسبب العلماء، [٤٠]،
_________
(١) "أبي " ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (س) .
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "الجاهل".
(٤) في (ق): "علماء".
(٥) في (ق) و(م): " معدودين ".
(٦) في (ح): "مراد".
فأي مزية في هذا لو فرضت صحته؟ مع أن الخصم يمنعه؟ وأحكام الإسلام إنما تؤخذ عن العلماء.
وأما قوله: (وحكم على من لم يصرّح بعداوتهم بالكفر) .
فهو كذب لم يقل هذا في أهل نجد كافة، ولا في أهل بلد خاصة، بل هو مستمسك (١) بأصل عظيم، وسلطان مبين، وكلامه وتقريره في وجوب عداوة المشركين الذين يحادون الله ورسوله، وليس في كلامه تعرض لأهل البلد التي ظهر فيها، لا تصريحا ولا إشارة، بل كلامه عام، كما أن دليله الذي استدلَّ به (٢) عام، فهو بحمد الله من الراسخين، لا من المتهوكين الجاهلين.
وقوله (٣) (فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف (٤) يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟) .
يقال: قد تقدم مرارا أن الشيخ ﵀ لم يُكفر، وإنما قال: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين)، فأين في هذا تكفيرهم لولا حجاب الجهل والهوى (٥) الذي أورد المعترض موارد الخسار والردى.
وقوله: (ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه) .
_________
(١) في (ق): (متمسك) .
(٢) ساقطة من (س) .
(٣) في (ق): (وأما قوله) .
(٤) ساقطة من (س) .
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
تقدم ما فيه، وأنه كذب على المهاجرين الأولين، ونسبهم إلى مداهنة المشركين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [الشعراء / ٢٢٧] .
وقوله: (لو كان تأصيله صحيحا، كيف وهو أفسد الفاسد (١) وأبطل الباطل؟) .
جوابه أن يقال: إن معرفة الفاسد، وإدراك بطلان الباطل يتوقف على أمرين:
أحدهما: حياة القلب. والثاني: معرفته وعلمه بالحق والباطل، والصحيح والفاسد، والصواب والخطأ.
ومن (٢) نظر في كلام هذا الرجل من أهل العلم والإيمان تيقن موت قلبه، وأنه لا يدرك الحسيَّات والضروريات من أمر دينه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] [فاطر / ٢٢] .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] [الرعد / ١٩] .
، والآيات في المعنى كثيرة، وإذا عدم العلم والنور، وأضيف إلى ذلك العداوة والبهت ونحوهما من الشرور، فمن أي باب يأتي العلم والتوفيق والتمييز بين الطيب والخبيث، والصالح والفاسد، والباطل [٤١]، والحق، والخطأ والصواب؟ .
_________
(١) في (ق): " الفاسدين ".
(٢) ساقطة من (ق) .
Translation
فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال
#26 Chapter 26 — استقامة الإسلام بالتزام الواجبات · ref. #26
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا (١) عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] [فصلت / ٥] .

[استقامة الإسلام بالتزام الواجبات]
ثم ساق المعترض كلامًا لشيخ الإسلام فيمن بلغته دعوة الرسول ﷺ في دار الكفر، فآمن به واتقى الله ما استطاع، وأنه مؤمن من أهل الجنة، وكلام تقي الدين أبي العباس (٢) يؤيد ما ذكره شيخنا ﵀، فإنه قال (٣) (إذا اتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره ممن لم يهاجر ولم تبلغه جميع شرائع (٤) الإسلام) وهذا حق؛ والشيخ يقول به، ولا يكلف العبد فوق طاقته، ولا بما لم يبلغه من الشرائع، [فهذا] (٥) إذا لم يكن عنده من يعلمه.
وفي كلام الشيخ: (أن يوسف ﵇ دعاهم فلم يجيبوه، وكذلك النجاشي لم يطيعوه في الدخول في الإسلام)، وهذا كله يؤيد كلام شيخنا، ويشهد بكذب المعترض على النجاشي، وعلى مؤمن آَل فرعون، وامرأة فرعون، وعلى المهاجرين إلى الحبشة.
وشيخنا لم يقل: (إنه لا يستقيم إسلام النجاشي وأمثاله)، وليس لهم ذكر في كلامه، والكلام في قاعدة أصلية (٦) كلية، وهي: استقامة الإسلام بالتزام الواجبات وعدمها بعدم بعضها. هذا كلامه ﵀.
_________
(١) في (ح): "أنت "، وهو خطأ.
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "مما ".
(٣) انظر: "منهاج السنة " (٥ / ١١١) .
(٤) في (ق): "شعائر".
(٥) ما بين المعقوفتين إضافة من (ح) .
(٦) في (ق) و(م): أصولية ".
Translation
استقامة الإسلام بالتزام الواجبات
#27 Chapter 27 — الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع · ref. #27
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع]
وقول الشيخ تقيّ الدين في النجاشي: (إنه لم يهاجر، ولم يجاهد (١) ولا حجَّ؛ بل قد روى (٢) ولم يكن يصلي الصلوات (٣) الخمس) إلى آخر كلام الشيخ ﵀، فسياقه في (٤) أن الإنسان لا يكلِّف إلا ما يستطيع لا بما لا يعلم أو بما (٥) يعجز عنه.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [البقرة / ٢٨٦] .
والوسع (٦) دون الطاقة، هذا مراد الشيخ.
فأين فيه أن عداوة المشركين لا يجب التصريح بها (أو أن (٧) الإسلام يستقيم بدون ذلك؟ غايته أن يُعذر بالعجز عن التصريح) (٨) وشيخنا ﵀ كلامه في حال القدرة والاستطاعة، لا في حال العجز وعدم العلم.
وقد مر البيان أن شيخنا يطلق حيث أطلق القرآن.
قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٩) يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] [المجادلة / ٢٢] .
_________
(١) (ولم يجاهد) ساقط من (ق) .
(٢) (بل قد روى) ساقط من (ق) .
(٣) في (ق): " الصلاة ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "وبما ".
(٦) في (ح): " الواسع "، وهو من أخطاء النسخةْ (ح) .
(٧) في (س): " وأن".
(٨) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٩) في (س): "الآية"، ولم تذكر خاتمتها.
وقوله: (قوما) نكرة في سياق النفي فتعم، وهذا من فقه الشيخ [٤٢]، ﵀، حيث يطلق ما أطلقه القرآن ويقيد ما قيده (١) والعاجز له حال غير حال القادر، وحكم سوى حكمه.
فإن كان يلزم من الآية ونصها الذي هو أشد وأبلغ من كلام الشيخ وقوله: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) فإن كانت الآية تدل (٢) على كفر النجاشي، ومهاجرة (٣) الحبشة، ومن ذكر هذا المعترض، فكلام الشيخ يدل على ذلك، وإن لم تدل على (٤) . نفي الإيمان عمن واد المحادين لله ورسوله فكلام الشيخ أولى؛ لأن الآية فيها نفي الإيمان (٥) وكلام الشيخ غاية ما فيه عدم استقامة الإسلام، وما أجيب به عن الآية يجاب به عن (٦) كلام الشيخ، فتأمله فإنه مفيد جدًّا.
ومثل هذا قول الشيخ (٧) (وكثيرا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، بل هناك ما يمنعه ولا يكلّف الله نفسا إلا وسعها) .
فإن هذا الكلام غايته أن يدل على أن (٨) التكاليف بحسب الوسع، وليس في كلام شيخنا ما يخالف هذا.
_________
(١) في (المطبوعة): " يقيده ".
(٢) ساقطة من (س) .
(٣) في (المطبوعة): " ومهاجرته ".
(٤) كذا في (س)، وفي بقية النسخ: "مع".
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) يعني ابن تيمية، وانظر قوله في: " المنهاج " (٥ / ١١٣) .
(٨) ساقطة من (ح) .
وأيضا: فكلام تقي الدين فرضه ومحله في الواجبات التي هي دون أصل الدين، ودون عيب الشرك والتنديد، وليس في كلامه أن الرجل يخفي إسلامه ويتولَّى قاضيا، وبأي شيء حينئذٍ يحكم؟ فالمحتج به على كتمان أصل الإسلام ملبوس عليه لا يفرق بين الأحكام ولا يدري معنى الكلام.
وأما قول المعترض: (وكفر (١) بترك الهجرة إليه) .
فقد تقدم كلام الشيخ بنقل العدول الثقات أنه بريء من هذا، وأن نسبته إليه من البهت.
والشيخ لا يرى أن الهجرة شرط في الإسلام، وإن قال به بعض الأعلام، فالشيخ لا يخرج عن قول جمهور الأمة وأئمتها، والمعترض يخترع (٢) أقوالا كاذبة وآراء فاسدة وينسبها إلى الشيخ، ثم يأخذ في التفريع عليها، وأن القول بها قول الخوارج.
وقد صنف رسالة في أن أتباع الشيخ خوارج كما صرح به هنا.
وهكذا حال كل مبتدع ومبطل يخوض (٣) بغير علم ولا عدل، ومن أمعن النظر في كلامه وجده كسراب بقيعة، يحسبه الظمآَن ماء حتى إذا [٤٣]، جاءه لم يجده شيئا.
وقد ذكر ابن القيِّم وغيره، أن عُبَّاد القبور والمشايخ نسبوا أهل
_________
(١) في (ق): "فكفر".
(٢) في (ح): "يخرع ".
(٣) في (س): " والخوض".
التوحيد والسنة إلى بدعة الخوارج وطريقتهم (١) فالداء قديم ورثه هذا وأمثاله عن الغلاة في عبادة الصالحين وعبادة الشياطين ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] [البقرة / ١١٣] .
والخوارج كفَّرت بأمور ظنَّتها ذنوبا وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفَّروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، وإلهيَّته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له ندًّا يدعوه ويعبده، ويستغيث به ويتوكَّل عليه ويعظّمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركوا (٢) أهل الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمَّن العدل بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله (٣) وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نصَّ عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفَّروا من أنكر فرعا مجمعا عليه إجماعا قطعيا، كما مرَّت حكايته عن الحنابلة.
وأمَّا الخوارج فلم يفصِّلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفَّروا بكل ذنب ارتكبه المسلم.
_________
(١) في (م): " وطريقهم".
(٢) في بقية النسخ: " ومشركي "، وتوجيه ما بالأصل العطف على (الجاهلية) بالرفع لا على (العرب) بالجر؛ وهو الأوجه؛ لأن الجاهلية وإن كانت تعم العرب وأهل الكتاب وغيرهم ممن كان قبل الإسلام إلا أنه غلب استخدامها للعرب وحدهم قبل الإسلام فتخصهم اصطلاحًا، والله أعلم.
(٣) في (س): "برسوله ".
فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل (١) وعلى الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع (٢) غير سبيل المؤمنين.
وأما استدلاله بقول لقمان على أن التصريح بالعداوة لا يجب.
فهذا من غرائب جهله، ونوادر حمقه، أين في قوله: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] (٣) [لقمان / ١٦] .
أين (٤) فيه أن الإيمان يكمل (٥) ويستقيم بغير تصريح بعداوة المشركين؟ فنصّ الآية: أن جميع الأعمال يأتِ بها لله لا يغادر (٦) شيئا منها حسنها وسيئها، ثم إذا أتى بها اللطيف الخبير، أي: المدرك لدقائق الأشياء وخفياتها، الخبير بما فيها وما لها وعليها، فيقبل عمل من اتقاه وأراد وجهه (٧) ولم يجعل له عدلًا يدعوه ويحبه كما يدعو الله ويحبّه، [٤٤]، ويرد عمل المشرك العادل (٨) بربه المُسَوّي بينه وبين خلقه، كما دلَّت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.
_________
(١) في (ق): " الرسول ".
(٢) في (س): " واتباع ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) .
(٤) في (ح) و(س): " أن"، وفي (المطبوعة): " أي".
(٥) في جميع النسخ: " يكتم "، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٦) في (س) و(ح): " يغادره".
(٧) في (س): "ومن لم ".
(٨) ساقطة من (المطبوعة)، وفي (ح): الشرك الشرك بربه".
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة / ٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] الآية [الزمر / ٦٥] .
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] [الفرقان / ٢٣] .
Translation
الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع
#28 Chapter 28 — فصل في حكم موادة المشركين ومناقشة المعترض في ذلك · ref. #28
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل في حكم موادة المشركين ومناقشة المعترض في ذلك]
فصل قال المعترض: (ومن خطئه الواضح الفاضح أنه استدلَّ للآية الكريمة، وإنما فيها المودة لمن حاد الله ورسوله، فهو بهذه العبارة أنزل نفسه بمنزلة (١) فوق منزلة الرسول ﷺ بحيث من وادّ من حادّه من الأمة فهو كافر بذلك، والصحابة ﵃ (٢) يجعلون من وادَّ (٣) من حاد الله ورسوله منافقا معصوم الدم والمال؛ كما نهى الله ﵎ المؤمنين عن موادتهم في السورة بعدها؛ لأن ذلك من خُلُق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي الإخلاص) .
فيقال في جوابه: قف يا من له نور يمشي به في الناس على ما في هذا الكلام من الكذب والبهت (٤) وقول الزور، وقد تقدَّم نص كلام الشيخ؛ وأنه قال: (لا يستقيم للإنسان إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين)، ولم يقل بعداوة من عاداني، أو عادى أتباعي، أو لم (٥)
_________
(١) إلى هنا تنتهي النسخة (س)، وبذلك يكون قولنا: (جميع النسخ)، بعد هذا الهامش إنما نعني بها النسخ الأربع: (ق) و(م) و(ح) والمطبوعة.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ق): " آد ".
(٤) في (ق) و(م): "البهت والكذب".
(٥) في (ق): " ولم ".
يطعني، حتى يقال: إنه أنزل نفسه بمنزلة فوق الرسول. وسائر علماء الأمة من عهد أبي بكر إلى وقتنا هذا يلزمون الناس بما في كتاب الله تعالى وما في سنَّة رسوله ﷺ من أصول الدين وفروعه؛ ويثبتون من الأحكام ما أثبت الكتاب والسنَّة، وينفون ما نفاه الكتاب والسنَّة، لا يختلفون في ذلك؛ وحكمهم وإلزامهم إنما هو بطاعة الله ورسوله، وليس إلزاما بطاعتهم ورأيهم واجتهادهم، ومن نسب أحدا منهم إلى أنه يدعو بذلك (١) إلى نفسه، وينزِّل نفسه منزلة الرسول فقد خاب وافترى، وبهت أهل العلم وخلاصة الورى.
ومن المعلوم أن طاعة العلماء فيما أمروا به من دين الله وشرعه [٤٥] طاعة لله (٢) ورسوله؛ لأنها المقصودة بالأصالة، وطاعة أولي العلم تقع تبعا وضمنا لا استقلالا، فلا يترك الحق والدين والتزام ذلك لما فيه من طاعة الآمر والناهي، ومن تركه لذلك (٣) فقد استكبر على الله ورد الحق استصغارا واحتقارا لقائله والداعي إليه، وهذه العلة هي التي أوجبت لكثير من الناس تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به.
قال تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] [النمل / ١٤] .
وقال تعالى عمن كذَّب عبده ورسوله محمدا ﷺ من أشراف قومه ورؤسائهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] [الزخرف / ٣١] .
_________
(١) في (ق): "في ذلك ".
(٢) في (ق) و(م) والمطبوعة: " الله".
(٣) في (ق): " ترك ذلك ".
والآيات في [هذا] (١) المعنى كثيرة، وليس قولهم: إن من حادَّ الرسول من الأمة يكون (منافقا، بل قد يكون بذلك كافرا) (٢) أو منافقا أو فاسقا، فالكلام والحكم فيه تفصيل يطلب من محله.
وبهذا يستبين كذب المعترض على الصحابة، وعدم معرفته لأقوالهم وجهله بأحوالهم، والثابت المحفوظ عنهم- بنقل العدول الثقات- يوافق كلام الشيخ، ولا يجعلونه منافقا معصوم الدم والمال؛ بل يفصلون كما تقدم. والنفاق إذا ظهر يجري على (٣) صاحبه ما اقتضاه الدليل من كفر وقتل، ولا عصمة للمال والدم مع الظهور (٤) .
فهذا (٥) الرجل جاهل بالأحكام والأقوال، وقد سلك واديا مُهلكا، وطريقا ضالة عن طرق (٦) أهل الهدى، فاضطره الحال إلى ما ترى، وقد قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، واستباح دماءهم وأموالهم لما عصوا ما رآه، وثبت عنده من أدلة الشرع وأحكامه، أفتراه داعيا إلى نفسه، مقاتلا على طاعته من دون الله ورسوله؟ .
والشيخ لم يتعد (٧) أمر الله ورسوله فيما دعا (٨) إليه، فلأيّ شيء.
_________
(١) ما بين المعكوفتين إضافة يقتضيها السياق.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ح): " لي "، ولعل العين سقطت من الناسخ.
(٤) في (ق): (ظهوره) .
(٥) في (المطبوعة): " هذا ".
(٦) في (ق) و(م): "طريق".
(٧) في (ق): "يتدع "، وهو سبق قلم.
(٨) في (ق): "دى".
خُصَّ بهذا البهت؟ وأنه يدعو إلى نفسه؛ وأنه أنزلها بمنزلة (١) فوق الرسول؟ سبحانك هذا بهتان عظيم و" «تكفير المسلم كقتله» " بنص الحديث (٢) وهذا القول الذي نسبه إلى الشيخ كفر لا شك فيه، فإن من أنزل نفسه منزلة الرسول، وكفَّر المسلمين بموادة أعدائه يكفر بذلك. [٤٦] وهذا الرجل لا يتحاشى من نسبه الشيخ إلى الكفر والضلال والفساد.
فالحمد لله على ما منَ به من خزي أعداء دينه ورد كيدهم، وظهور عباده المؤمنين عليهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] الآية [غافر / ٥١] .
وفي الحديث: " «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» " (٣) .
والمعترض لضلاله (وخبث طويته) (٤) يلمز الداعي إلى الهدى بأنه يدعو إلى نفسه.
قال تعالى:
_________
(١) في (ق): "منزلة ".
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٧، ٦١٠٥)، ومسلم (١١٠) بلفظ: " لعن المسلم كقتله "، والدارمي (٢ / ٢٥٢، ح ٢٣٦١)، وأحمد (٤ / ٣٣، ٣٤) .
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٤)، وابن ماجه (٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٨)، ومالك في الموطأ (١ / ٢١٨، ح ٥٠٩)، والدارمي (١ / ١٤١، ح ٥١٣) .
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
﴿الَّذِينَ (١) يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ (٢) وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] [التوبة / ٧٩] .
فإذا كان هذا فيمن سَخِر بالمتصدقين، فكيف بمن يلمز ويسخر بأئمة الدين، الدعاة إلى توحيد رب العالمين؟
وقال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] [الحجر / ٩٥،٩٤] .
وقول المعترض: (إنَ ذلك من خُلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي (٣) الإخلاص) يطلعك على جهله، وعدم ممارسته لصناعة العلم.
ويقال له: إن جنس الموادة للمشركين قد تقع (٤) من مسلم قد برئ من النفاق الأكبر، وآية سورة الممتحنة نزلت في (٥) حاطب بن أبي بلتعة وهو بريء من النفاق بشهادة رسول الله ﷺ، فإنه لما اعتذر إليه، وقال: " «إني لم أفعل هذا رغبةً عن الإسلام ولا شكا فيه، وإنَما أردت أن تكون لي عند القوم يد تحمي أقاربي ومن لي بمكة " أو نحو هذا الكلام، فقال النبي ﷺ: "صدق» " (٦) فكيف يجعله هذا المعترض منافقا وقد شهد
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): " بالصدقات "، وقد كثرت أخطاء النسخة (ق) في هذه اللوحات عما قبلها.
(٣) في (ق): "الشهادة".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " يقع ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): " في حال ".
(٦) في (ق): "وصدق ".
بدرًا، وقال النبي ﷺ لعمر: " «ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» " (١) قال الشاعر:
فليصنع القوم (٢) ما شاؤوا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
وأول السورة يدل على إيمانه، وأن المشركين من أعدائه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] [الممتحنة / ١] .
فهذا المعترض يسب أصحاب رسول الله ﷺ ويرميهم بالنفاق لكثافة [٤٧] جهله، وعدم فهمه، وقد قال في هذه الآية بما لا يعلم. وفي الحديث: " «من قال في القرآن بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» "، وفي رواية " «برأيه» " (٣) .
ثم احتج المعترض بحديث عِتْبان وما قيل في مالك بن الدُخْشُم، وقول النبي ﷺ: " «ألا تراه، قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» "، وقول الرجل: "أما نحن والله لا نرى وده ولا حديثه (٤) إلا إلى المنافقين " الحديث (٥) وقد ساقه المعترض مستدلا به على أن موادة المنافقين لا تضر، وأن التصريح بعداوتهم لا يجب (٦) .
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥) .
(٢) في (ق) و(ح): " الركب ".
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥٠، ٢٩٥١)، وضغَفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٣٧) .
(٤) في (ق): "حديث".
(٥) أخرجه البخاري (١١٨٦)، والطيالسي (١٢٤١) .
(٦) (ق) و(م): " تجب ".
وهذا القول في الحقيقة وهذا الفهم الضال فيه الرد والاعتراض على قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] [المجادلة / ٢٢] .
وشيخنا رحمه الله تعالى لم يأتِ بشيء من كيسه، إنما هو القرآن والسنَة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية [الكهف / ٢٩] .
وهذا الحديث لا يدل على ما قاله المعترض أصلا، ولا يفهم منه أن المودة غير محرمة إلا أضل وأبلد الحيوان (١) فإن الرسول ﷺ ما أقرَّ القائل: " إنه منافق لا يحب الله ورسوله "، وما أقره على قوله: " أما نحن والله لا نرى ودّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين "، بل أنكر ذلك ورده ﷺ منبها على أن قوله: "لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " براءة له مما نسب إليه، ومانع يمنع (٢) مما قيل فيه.
ومن عرف الإخلاص واليقين ومنزلتهما من الإيمان، عرف أن من أعطيهما ووفق لهما لا يقع منه موادة للمنافقين والمشركين، ومن ذاق طعم الإيمان فالله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما. وإنَّما تقع الموادة لأعداء الله من خلل في الإخلاص واليقين، ونقص في التوحيد، والتزام التوحيد الواجب يمنع (٣) من ترك واجب أو فعل محرم، وإنما يقع الغلط (٤) من
_________
(١) في (ق): " الحيوانات ".
(٢) في (المطبوعة): "يمنعه".
(٣) في (المطبوعة): " بمنع" بالموحدة.
(٤) في (المطبوعة): " الخلط ".
عدم العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله.
فمن عرف الإيمان والتوحيد، وعرف حدودهما (١) الجامعة المانعة انفتح له باب عظيم في الفهم عن الله ورسوله لا يفهمه إلا خواص العارفين، فتأمَّله يطلعك (٢) على أسرار غفل عنها الأكثرون
ولما حُجب هذا المعترض عن معرفة حدود ما أنزل الله، وصار معه من (٣) الهوى والإعجاب ما اقتضى جهله بنفسه؛ وخوضه في أمر يقصر عنه فهمه وإدراكه، فلا جرم حيل بينه وبين رشده، وخُلي بينه وبين نفسه، فنعوذ. بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء.
_________
(١) في (المطبوعة): " حدودها ".
(٢) في (ق): "يطلعك الله".
(٣) في (ح) زيادة: "جميع العلوم، قال: ولو اجتمعت شروط الاجتهاد"، وهو خطأ، فقد نقل الناسخ هذا السطر مما بعده وليس هذا موضعه وأسقطه من موضعه الأصلي، ويأتي بعد قليل.
Translation
فصل في حكم موادة المشركين ومناقشة المعترض في ذلك
#29 Chapter 29 — فصل في الرد على المعترض في فهمه لشروط الاجتهاد وبيان الحق في ذلك · ref. #29
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل في الرد على المعترض في فهمه لشروط الاجتهاد وبيان الحق في ذلك]
فصل قال المعترض: (وقد قال (١) العلماء كلاما معناه قاله ابن القيم في الأعلام: لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنَّة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد (من جميع (٢) العلوم. قال: ولو اجتمعت شروط الاجتهاد) (٣) في رجل لم يجب الأخذ بقوله دون نظرائه) . اهـ.
والجواب أن يقال: هذا لسان جاهل، وتركيبُ نبطي (٤) لا يدري شيئا من صناعة العلم، وابن القيم ينزَّه عن هذا اللفظ، وهذا التركيب، ولا يقول (٥) (ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم)، فإن البحث ما هكذا إيراده ولا تقريره والعلوم فيها ما لا دخل له هنا ولا اعتبار، كعلم الطب والهندسة والإنشاء، وقرض (٦) الشعر وميزاته، والعلم بالرسم وإتقانه، ومعرفة التاريخ.
_________
(١) في (ق) و(م): " قالوا ".
(٢) في (م): "جمع".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح)، وإسقاطه خطأ فقد نقل هذا السطر قبل ذلك في غير موضعه وهذا موضعه الأصلي.
(٤) في (ح): " بنطي " وضع النقط في غير موضعها.
(٥) في (ق) و(م): " ويقول".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): " وقريض ".
وأما بالنظر للمعنى: فابن القيم ﵀ قد شنَّ الغارة على من قال: (لا يجوز لأحد (١) أن يأخذ من الكتاب والسنَّة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد)، وأوسع (٢) قائله تجهيلا وتخطئة، وقال (٣) (هذا سد لباب أخذ العلم والهدى من كتاب الله وسنَّة رسوله) .
وذكر في هذا المبحث (٤) من النصوص والآثار والمناظرة (٥) بين المجتهد والمقلد ما لا تتسع له هذه (٦) الرسالة، وذكر هذه العبارة رادًّا لها مجهلا لقائلها.
والقصد: أن المعترض كَذَب على ابن القيم كما كذب على شيخنا، وحكى عكس ما قاله ابن القيِّم.
فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين (٧) الذنوب.
ومراد المعترض: القدح في شيخنا، حيث استدلَّ بآية سورة " قد سمع" على تحريم موادة المشركين، ووجوب التصريح بعداوتهم.
وحاصل قوله: أن الكتاب والسنَّة لا يأخذ منهما أحد إلا من اجتمعت فيه شروط قلَّ أن توجد ولو (٨) في آحاد الأئمة المقلدين، فكيف
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ح): "وشنع على"، كما هو مصحح في فصح النسخة.
(٣) انظر: " إعلام الموقعين " (٢ / ٢٦٧، ٢٦٨) .
(٤) في (ق): "البحث ".
(٥) في (ق): " والمناظرات ".
(٦) في (ح): "هذا ".
(٧) في (الأصل) و(م) و(ق): "وران"، والمثبت كما في (ح)، وهو الأقرب.
(٨) ساقطة من (م) و(ق) .
بغيرهم؟ وهل هناك نبذ للكتاب وراء الظهر فوق هذا الصنيع لو كانوا [٤٩] يعلمون؟
والاستدلال بالنصوص القرآنية والظواهر الجليّة (١) من الكتاب والسنَّة ليس من مسائل الاجتهاد التي تكلَّم ابن القيِّم مع خصومه فيها وجهلهم بقولهم (٢) (لا يجتهد إلا من اجتمعت فيه الشروط) فإنَّ المسائل الاجتهادية ما كان للاجتهاد والنظر مساغ فيها، وأما النصوص والظواهر فلا تسوغ مخالفتها اجتهادا، وذلك كمعرفة الله، وإثبات توحيده، وصفات كماله، ووجوب الصلوات، والأركان الإسلامية، والأصول الإيمانية، ونحو ذلك من النصوص التي لا يسوغ مخالفتها والعدول عنها، والمعترض جاهل (٣) لا يفرق بين مسائل الاجتهاد وغيرها.
وقد رأيت لخدنه داود بن جرجس كلاما في هذا المبحث يزعم: (أنَّ المجتهد إذا اجتهد في عبادة غير الله وأدَّاه اجتهاده إليها يكون مأجورا)، فأوردنا عليه اجتهاد النصارى المثلثة، والصابئة المتفلسفة، والمجوس المشركة ونحوهم، ومن اجتهد، وقال بحل ما قتله الله من الميتة، وقاسه على المذكاة قياس الأولى، ومن رأى باجتهاده من غلاة الرافضة والشيعة والنصيرية (٤)؛ جواز إسناد التدبير والتصريف في العالم إلى الأولياء وأئمة الشيعة، ورأى باجتهاده أن هذا من الكرامة التي تجوز للأولياء، وهكذا (٥)
_________
(١) في (ق): (الجليلة) .
(٢) في (ق): " بقوله ".
(٣) في النسخ الأربع: " جاهلي "، ولعل ما أثبته هو الأقرب.
(٤) في (ح): "والنصرية"، وهو خطأ.
(٥) في (ق): "وهذا".
يقال في دفع شبه أهل البغي (١) والضلال.
(ثم استدل المعترض) (٢) بحديث: " «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» " الحديث (٣) على أنَّ ما صدر من الشيخ من الكلام في المباحث العلمية والأصول الدينية من تكفير مشرك أو أخذ ماله، والكلام في قبيح أفعاله يدخل في النهي عن الأعراض والدماء والأموال (٤) .
ولا أدري هل هذا المعترض يرى كلام جميع العلماء في أهل الشرك وعبادة غير الله من هذا الباب، أو هو (٥) يخص الشيخ ﵀ بهذا لعظيم عداوته (٦) وغليظ غباوته؟
وكأنه فهم من (٧) الحديث: أنه عام تدخل فيه وفيما دلَّ عليه من التحريم، دماء المشركين والمرتدين وأموالهم وأعراضهم.
[٥٠] ولو سلمنا له هذا الفهم الفاسد لكان نسخا لجميع ما في الكتاب والسنَّة من الأمر بقتال المشركين وسبي نسائهم، وغنيمة أموالهم، واستباحة أعراضهم، فينسخ من القرآن والسنَّة ما يعزّ استقصاؤه وحصره،
_________
(١) في (ق) و(م): "الغي".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) أخرجه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٢١٨، ١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٠٥، ٢٤٩٦)، والترمذي (٢١٥٩، ٣٠٨٧)، ابن ماجه (٣٠٥٥) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): " العظيم من عداوته ".
(٧) في (م) و(ح) و(المطبوعة): "من هذا ".
وتضع الحرب أوزارها بين الناس إلى يوم القيامة، وما أظن جُهَّال أهل الكتاب ينتهون (١) إلى هذه الغاية.
فإن زعم أنه لم يُرِد هذا، وأن استحلال دماء المشركين وأموالهم باقٍ إلى يوم القيامة.
قيل له: ما وجه استدلالك على الشيخ بالحديث الخاص بالمؤمنين وعباد الله الموحدين؟ والشيخ لم يقاتل إلا على رأس الأمر وهو شهادة أن لا إله إلا الله، لم يقاتل على غيرها وعلى غير التزامها.
والرجل المعترض آفته وعلَّته ما تقدَّم تصريحه به من أن عبَّاد القبور ومن يدعو الأولياء والصالحين ليسوا بمشركين، بل هم من عباد الله المؤمنين الذين تحرم دماؤهم وأموالهم، والله المستعان.
وقوله: (قال حجة الإسلام الغزالي: لترك ألف كافر ولا قتل مسلم واحد) .
فيقال: قتل المسلم عظيم (٢) وأي مسلم قتله الشيخ؟ وقد سبق أن النزاع مع هذا في أصل الإسلام والتوحيد.
ثم قوله: (قال حجة الإسلام) إن كان المعترض يعتقد هذا، وأنه (٣) حجة للإسلام، وقوله يُرْجع إليه بين الأنام، فقد ردَّ هذا المعترض على جمهور الأمة، لا (٤) سيما الحنابلة؛ وقد (٥) شنَّعوا عليه في كتابه
_________
(١) في (ق): "ينهون".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ح): " أو أنه ".
(٤) في (المطبوعة): "ولا سيما ".
(٥) في (م) و(ق) زيادة: "فإنهم لا يرون قوله حجة".
Translation
فصل في الرد على المعترض في فهمه لشروط الاجتهاد وبيان الحق في ذلك
#30 Chapter 30 — بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك · ref. #30
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
" الِإحياء" وأمثاله من تأليفه، وجزموا بأنه مخالف لأهل السنَّة والجماعة في كثير من السمعيَّات والعقليَّات، وقوله لا يحتج به عند أهل مذهبه في مسائل (١) الذيول والتفريعات؛ فكيف بأصول الإسلام؟ . قال تلميذه [أبو بكر] (٢) ابن العربي المالكي (٣) (شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن) . انتهى.
وأما قول شيخ الإسلام، فيمن أوجب تقليد إمام بعينه: فهو كلام ظاهر وجيه؛ لكن المعترض وضعه في غير موضعه وأزال بهجته؛ لأنه استدلَّ (٤) به على ردّ ما يورده العلماء من نصوص الكتاب والسنَة، ولم يفرِّق بين مسائل التقليد والاجتهاد، وبين النصوص الظاهرة وما يعلم من [٥١] الدين بالضرورة، وما أجمع عليه بين الأمة فخلط البحثين، ولم يفرق بين المقامين، ولو قال هذا (٥) أحد على هذا (٦) الوجه الذي أراده المعترض لوجب رد قوله كائنا من كان.

[بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك]
ثم قال المعترض: (فهذا الرجل بقوله وفعله قد أوجب (٧) متابعته في كل ما يقول، وكفَّر مخالفيه في ذلك، وهو لم يوافقه على ذلك أحد من
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) الكنية غير واردة في جميع النسخ وإثباتها أنفع وهو من المطبوعة.
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٩ / ٣٢٧)، وأيضا نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية انظر: " مجموع الفتاوى " (٤ / ٦٦ و١٦٤)، وانظر أيضا: "درء تعارض العقل والنقل " (١ / ٥) .
(٤) سقطت لامها من (ق) فكتبت: " استد"، وهو من أخطاء الناسخ الكثيرة.
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) ساقطة من (المطبوعة) .
(٧) في (ق) و(م): "قد أوجب بقوله وفعله".
علماء الأمة من جميع أقطارها، بل أنكروا عليه فبإنكارهم عليه جعلهم بذلك (١) كفارا حلال (٢) الدم والمال، وضمن لمن تبعه على ذلك من قوله: الجنة بتكفير الأمة وقتالها، ونهب أموالها) وأطال الكلام بما حاصله: (أن شاعرهم سبَّ علماء نجد: ابن فيروز وأبا الخيل، وأن هذا الرجل يذكر في درسه مسبتهم وما قيل فيهم، وأكثر من هذا الهذيان) .
والجواب أن يقال: ليس بعجيب صدور هذا البهت والسب عن هذا المعترض، وفي المثل: (إذا ظهر السبب بطل العجب) . كيف وقد تعدَّدت أسباب عدواته وبهته وزوره؟ ويكفي في هذه الدعوى ردَّها ومنعها واطراحها (٣) .
ومعاذ الله أن يوجب (٤) على أحد متابعته أو متابعة غيره إلا رسول الله ﷺ، وهذه رسائل الشيخ ومصنفاته ينهى عن ذلك ويشدِّد فيه، ويأمر بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ (٥) وينكر ما اعتاده الناس من الغلو في رأي العلماء واجتهادهم، وتنزيل ذلك منزلة النصوص النبويّة، وقد عقد بابًا في كتاب التوحيد لهذه المسألة.
قال ﵀ (٦) (باب من أطاع العلماء والأمراء (٧) في تحليل
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (المطبوعة): " حلالي".
(٣) في (ح): "واطراجها" بالجيم.
(٤) في (المطبوعة): "يوجب الشيخ ".
(٥) ساقطة من (الأصل) و(م)، والصواب إثباتها.
(٦) انظر: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ص ٢٢٠، ضمن مجموعة التوحيد، طبع دار الفكر بمصر.
(٧) في (ق): "الأمراء والعلماء".
ما حرَّم الله أو تحريم (١) ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله) .
واستدل بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة / ٣١] .
وذكر حديث عدي بن حاتم (٢) وذكر من الآثار عن أهل العلم ما يقضي ببراءته ويشهد بعلمه، وأن هذا المعترض لا يتحاشى عن قول الزور وشهادته، وقد قضى عمر بن الخطاب ﵁ في شاهد الزور أن يُسوَّد وجهه ويطاف به (٣) ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]
وقوله: (ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة) .
إن أراد أنهم لم يوافقوه في وجوب طاعته في كل ما يقوله (٤) فهو لم يدع هذا (٥) ولا قاله، ونبرأ إلى الله من قائله، وقد قال مالك بن أنس - وبقوله نقول ويقول شيخنا-: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا
_________
(١) في (الأصل): "وتحريم "، وفي النسخة التي بيدي من كتاب التوحيد، (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله) .
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والطبراني (١٧ / ٩٢، ح ٢١٨)، والبيهقي (١٠ / ١١٦، ح ٢٠١٣٧، ٢٠١٣٨)، وهو حديث قدوم عدي بن حاتم على النبي ﷺ ليسلم وفي عنقه صليب، وسماعه هذه الآية واعتراضه بأنهم لم يكونوا يعبدونهم، وبيان النبي ﷺ أن طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام هي عبادتهم، وإقرار عدي بن حاتم بذلك.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨ / ٣٢٦)، وابن أبي شيبة (٥ / ٥٢٦، ٥٣٢)، والبيهقي (١٠ / ١٤٢) .
(٤) في (ق) و(م): "يقول".
(٥) في (ح): "هنا ".
صاحب هذا القبر " (١) يعني رسول الله ﷺ.
وأما قوله: (بل أنكروا عليه، وبإنكارهم عليه (٢) جعلهم كفارا حلال (٣) الدم والمال)، فقد كذب وافترى، ولم يُكَفِّر أحدا خالفه في رأيه وهواه وجميع ما يقول (٤) وإنَّما كفَّر بالشرك بالله وعبادة غيره، واتخاذ الوسائط والأنداد في المسألة والتوكُل والإنابة، والتكفير بهذا لا يضاف إليه، بل هو حكم يضاف إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ، وما جاءت به الرسل عن الله.
وأما قوله: (وضمن لمن تبعه على ذلك الجنة بتكفير الأمة وقتالها ونهب أموالها) .
فقد تكرَّر الجواب عن مسألة التكفير للأمة (٥) وقتالها.
وأما ضمان الجنة: فهذه الكلمة العوراء لا تصدر إلا عن غبي قد تمادى في الوقاحة والسفاهة، والله ورسوله قد وعد المؤمنين الجنة والمغفرة والرضوان، ورتَّب على أصول الإيمان وشعبه من الثواب والجزاء والمغفرة ما لا يخفى على من آمن بالله ورسوله وأجاب المرسلين.
وأما الشهادة لمعين من أهل القبلة بجنة أو نار: فلا يشهد لأحد (٦)
_________
(١) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " (١ / ١٢٠)، وانظر: (المقاصد الحسنة) ص (٥١٣) .
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (المطبوعة): " حلالي".
(٤) في (المطبوعة): " يقوله ".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في بقية النسخ: " أحد ".
بذلك إلا من (١) شهد له رسول الله ﷺ، وهذا ذكره العلماء في كتب العقائد.
والمعترض قد التحق بأكذب الخلق الذين يكذبون على الله وعلى (٢) رسوله، وعلى علماء أمته، وقد كنَّا في غنية عن رد أكاذيبه لسقوطها وظهور هجنتها، لولا ما قيل: (لكل ساقطة لاقطة)، وخوفًا أن تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
وأما قوله: (ويقول شاعره في أشعار كثيرة) .
فنسبة هذا الشاعر إلى الشيخ معدودة من زور هذا المعترض، (والكلام نبطي لا يعتبر وزنا) (٣) ثم لو فرض (٤) صحة هذا، وأن الشيخ قرَّره واستحسنه، لم يكن في ذلك ما يعاب به (٥) الشيخ ويذم به، وقد شاع عن ابن فيروز وأبا (٦) الخيل [٥٣] ما لا يخفى على من عرف دعوة الشيخ، وما جرى من أهل عصره وقد هجا شعراء الإسلام كثيرًا ممن صدَّ عن سبيل الله وصدف عن آياته.
ويذكر عن ابن فيروز أنه قال: (لو دعاني ابن عبد الوهاب إلى شهادة أن لا إِله إلا الله ما تبعته)، والواقع يشهد بذلك.
_________
(١) في (ق) و(م): " لمن ".
(٢) في (المطبوعة): "ورسوله ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ق) و(م): "فرضنا".
(٥) في (ق): "على".
(٦) في (م) و(ق) و(المطبوعة): "وأبي ".
وقوله عن الشيخ: (إنه يحلف في رسالة من رسائله أن كُفْر الشيخ محمد بن فيروز أعظم من كفر فرعون إذ هو (١) قد أنزل نفسه منزلة الكليم موسى ﵊، والشيخ ابن فيروز منزلة فرعون، فابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد، وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) .
فيقال لهذا المعترض: أنت مطالب أولا بتصحيح نقلك عن الشيخ وأنه صدر منه هذا الكلام، والناقل يطالب بالصحة، والمدعي يطالب بالدليل، فلا تعطى بمجرَّد دعواك؛ ولا يسلم لك ما دون هذا، ولو في حق آحاد العوام، وقد تقدَم البرهان على جهلك وكثرة كذبك، وشهادتك للزور (٢) وثبتت عداوتك للشيخ في أول أمرك وآخره، فأي عاقل وأي حاكم يقبل منك هذا النقل وهذا الكلام الذي لا سند له، بل هو من جنس أوضاع اليهود والنصارى فيما ينسبونه (٣) إلى رسول الله ﷺ من الأكاذيب والأباطيل التي يصدُّون بها الناس عما جاء به من الهدى ودين الحق، ويقولون: هو يسفك الدماء، ويأخذ الأموال ويسبي الذراري.
وفي الإنجيل: "من ضربك على خدك الأيمن فأدِر له خدك الأيسر"، ونحو هذا الكلام، فما أكثر وراثة هذا الرجل لأولئك الأقوام، وما أسرع ما نسي أصل الملة والإسلام؟
_________
(١) في (ق) و(م): " لأنه " مكان " إذ هو قد ".
(٢) في بقية النسخ: " الزور".
(٣) في (ق): " نسبوه ".
فالحمد لله الذي أخزى هذا الرجل ونشر له في الناس ما يليق بأمثاله ممَّا (١) اقتضته الحكمة الإلهية والمشيئة الربَّانية، ولقد تفوَّه بعض أقاربه بذمه وتكفيره (٢) بمجرَّد الإطلاع على كلامه.
ولو فرضنا أن الشيخ رحمه الله تعالى (٣) صدر منه (٤) هذا الكلام، نظرا إلى أنه (٥) عرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، وصد عن دين (٦) الله بشبهات (٧) ينسبها إلى شرعه المطهر، وإلى ما جاء به محمد ﷺ صاحب [٥٤]، الناموس الأكبر، ويظهر للناس في ثياب العلماء ورسم الفقهاء ووظيفة المعلمين، وهو في الحقيقة يصدّ عن دين (٨) الله ويدعو إلى عبادة الصالحين ودعائهم مع الله؛ وصرف الوجوه إلى غير باريها وفاطرها، فبهذه الاعتبارات هو أغلظ (٩) ممن أتى الأمر وصدَّ عن السبيل من غير نسبة لذلك إلى دين الله وما جاءت به رسله، وفي القرآن العزيز من الكشف عن حال هذا الضرب من الناس، وأنهم من أبعد الخلق عن الله، وأغلظهم حجابا وأشدهم كفرا ما يعرفه من فقه عن الله.
_________
(١) في (ق) و(م): "ما".
(٢) في (ق) و(م): " تكفيره وذمه ".
(٣) " رحمه الله تعالى " ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق) و(م): " عنه ".
(٥) في (المطبوعة): "أن ابن فيروز".
(٦) في بقية النسخ: "سبيل ".
(٧) في (ق): "بشهادة".
(٨) في (ق) و(م): " سبيل ".
(٩) في (ق) و(المطبوعة): " أغلط " بالطاء المهملة، بعدها زيادة "كفرا" في (ق) و(م) .
قال (١) تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] [آل عمران / ٨٦]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقول المعترض (٢) (ابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد) .
فيقال: هذه الدعوى لا تحتاج لدليل يبطلها؛ وبرهان يردها غير شهادة الحس والواقع، وما يعرفه سائر الناس من الخاصة والعامة، بل آثار ابن فيروز في الصد عن سبيل الله، ومسبة أئمة الإسلام، وجعل شيخ الإسلام طاغوتا (٣) يجب الكفر به؛ معروف مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم كما قال في منظومته التي أولَها:
أنامل كف (٤) السعد قد أثبتت خطا (٥) ... بأقلام أشياخ لنا حررت ضبطًا
فإنه أقذع فيها، وأتى من نصرة عبادة القبور، وأهل الغلو في الأنبياء والصالحين، وتسمية من أنكر هذا طاغوتًا، بما يدل على آثاره ونفعه في البلاد والعباد، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم؛ هذا صار منه، ومدحه به، وأثنى عليه كل مشرك بالله ربِّ العالمين، يسوى بين الله وبين خلقه في خالص حقه، وقد اتَّخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة لأشياعهم.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) زيادة: " أن ".
(٣) في (ق) و(م): " طاغوت ".
(٤) في (م) و(ق) و(المطبوعة): " خط"، وفي (ح): " خطا ".
(٥) الشطر الأول من البيت ساقط من (ق) و(م) .
وقد ردَّ عليه الشيخ حسين بن غنام الإحسائي رحمه الله تعالى بمنظومة أجاد فيها وأفاد، وأولها:
على وجهها الموسوم بالشؤم (١) قد خطا ... عروس هوى ممقوتة (٢) زارت الشطا
تخطت، فأخطت في المساعي مرامها ... ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا (٣)
وثارت لنار الشرك تذكى ضرامها (٤) ... وسارت فبارت والإله لها قطا
لقد شوهت ما زخرفته بزورها ... كما أنها بالمين (٥) قد أحكمت ربطا
وقد جاء منشيها بزور ومنكر ... وفحش وبهتان يعط به عطا
وحان به داعي العناد لمهيع ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا (٦)
وضل عن الإرشاد (٧) والحق واعتدى ... وغط أناسًا في طريقته غطا
وجاوز منهاج الهداية (٨) راضيًا ... عن الدين بالدنيا، فما نالها بسطا
يحاول تشييدًا ورفعاَ لما وهت ... قواعده فوق البسيطة وانحطا
في أبيات له رحمه الله تعالى.
[٥٥] ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله، ورد ما جاء
_________
(١) في (ق): " بالثوب ".
(٢) في (ح): " ممتوتة ".
(٣) الشطر الثاني من البيت ساقط من (ق) .
(٤) الشطر الأول من البيت ساقط من (ق) فجعل البيتين بيتًا واحدًا.
(٥) في (ق): "باليمن ".
(٦) هذا البيت ورد قبل سابقه في (ق) و(م) .
(٧) في (ق) و(م): " الآثار ".
(٨) في (ق) و(م): " الشريعة ".
به شيخنا من الدعوة إلى الله، وتجريد المتابعة لرسوله، وهي باقية يتداولها كل زائغ مرتاب، كهذا المعترض (١) ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز بمسألة واحدة انتفع بها الناس (٢) في بيان التوحيد وأصل دين المرسلين، وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد إلى ذلك سبيلًا.
وقول المعترض في شيخنا: (وهو (٣) كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال؛ حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام) .
فهذا الكلام لا يعترض به إلا جاهل بأيام الله وأخبار الناس، وما قصَّ الله عن رسله وأكابر أوليائه، والناس مذ كانت الدنيا فريقان.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] [النمل / ٤٥] .
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآية [آل عمران / ١٤٦] .
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية [آل عمران / ١٨٦] .
وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] (٤) [العنكبوت١-٢] .
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "وأمثاله".
(٢) في (ق): "مسألة واحدة عن ابن فيروز انتفع الناس بها".
(٣) ساقطة من (ح) .
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الآية".
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] [البينة / ٤] .
وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] [هود / ١١٨، ١١٩] .
وفي الحديث: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» " (١) وفي السيرة من أخباره ومغازيه وما جرى بسبب مبعثه ﷺ من القتال بين العرب (وقبائلها وبين الفرس والعرب والروم) (٢) والقبط وأهل الكتاب وما جرى بين مؤمن هؤلاء الناس والأمم وبين كافرهم من النزاع والاختلاف والقتال على تعاقب الدهور والأعصار، مما (٣) تستبين به سنة الله التي قد خلت في عباده، وفي الحديث: " «إن من كان قبلكم [كان] (٤) يوضع المنشار على رأس (٥) الرجل منهم حتى يخلص إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه» (٦) .
_________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٥٠، ٩٢)، والمنتخب من مسند عبد بن حميد ص (٢٦٧)، ح (٨٤٨)، والطبراني في مسند الشاميين (١ / ١٣٥، ح ٢١٦)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٦٩)، وصحيح الجامع (٢٨٣١) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " ما ".
(٤) ما بين المعقوفتين إضافة من المصادر التي خرجت الحديث.
(٥) في (ح): "رأسه".
(٦) في (ق): " دين الله "، والحديث أخرجه البخاري (٣٦١٢، ٦٩٤٣)، وأبو داود (٢٦٤٩)، والحاكم في المستدرك (٣ / ٤٣١)، وأحمد (٥ / ١٠٩)، والنسائي في الكبرى (٣ / ٤٥٠، ح ٥٨٩٣) .
وهذا الغبي ارتاع مما لا نسبة بينه (١) وبين ذلك من الامتحان، ولم ينظر إلى ما حصل من اللطف لأهل الإيمان، عند نزول المحن والافتتان، وما أعطوا بذلك من حسن العاقبة والعز والظهور، وأنهم لا يضرهم من [٥٦] خذلهم ولا من خالفهم، ولم (٢) يدر ما في ذلك من الحكم والمصالح التي لا يحيط بها إلا الله الذي قدرها ودبرها ولو لم يكن في ذلك إلا قيام حجج الله وآياته، وتمييز الخبيث من الطيب لكان كافيا (٣) فالمؤمن يراه من أدلة الإيمان وبرهان صدق الرسول، والمنافق والمرتاب يراه من الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام، كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم إذا أصابتهم سيئة اطيروا بموسى ومن معه.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعراف / ١٣١] .
فانظر إلى هذه الوراثة القبطية تطلعك على حكمته، تعالى في إبقاء ورثة لأعداء الرسل.
فسبحان من بهرت حكمته العقول، وصدقت أقضيته ما جاءت به رسله من النصوص والنقول، ليس كمثله شيء في أفعاله (كما أنه لا مثيل له) (٤) في ذاته وصفاته، وهب بعض عباده من الفهم عنه والإيمان به.
_________
(١) في (ق) و(م): " له بينة ".
(٢) في (ق) و(م): " فلم ".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق)، وفي (م): "مثل"، بدل: "مثيل ".
ما دلهم على معرفته عند كل حادث وحركة وسكون، وخذل من شاء عن ذلك فباء عند المحن والاختبار (١) بصفقة المغبون، وتشاءم بما جاء به أئمة الهدى وما قاله الصالحون.
_________
(١) في (ق): "والاحتيار" بالحاء المهملة والياء المثناة.
Translation
بيان أن الشيخ لم يوجب على أحد متابعته بل نهى عن ذلك
#31 Chapter 31 — فصل فيه مناقشة مسألة سبي المرتدات وتأصيل قاعدة دفع الضرر وجلب المصلحة · ref. #31
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل فيه مناقشة مسألة سبي المرتدات وتأصيل قاعدة دفع الضرر وجلب المصلحة]
فصل قال المعترض: (ولما قيل له لم لا تسبون إذا كانوا كفارا كما تسبى الصحابة ﵃؟ قال لهم: إن السبي حق كما أن قتلهم حق وجعل أموالهم فيئا وغنائم، ولكن الناس لا يحتملون ذلك في نسائهم وأولادهم، فقيل له: كيف يترك الحق؟ قال: يترك الشيء لشيء أكبر منه والنبي ﷺ ترك نقض الكعبة وجعلها على قواعد إبراهيم ﵊ (١)؛ لأن قريشا حدثاء عهد بكفر) .
فالجواب أن يقال:
قد تقدم أن هذا الرجل لا يقبل له قول (٢) ولا يحتج (٣) بخبره، بل يجب اطراحه وتركه.
ولو فرضنا أن الشيخ قال هذا، فكلام السلف وخلافهم في سبي نساء المرتدين معروف عند أهل العلم، وقد أفتى به أبو بكر وعمل به مدة خلافته، والناس تبع له في ذلك؛ ثم إن عمر رأى خلاف هذا وأن
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة): "﵇ ".
(٢) في (ق): " قوله ".
(٣) في (ق): " تحتج "، بالتاء المثناة الفوقية.
[٥٧]، المرتدات لا تسبى، ووافقه جمهور الناس، والبحث معروف في محله، وكلام أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة معروف مشهور.
فلو قاله (١) الشيخ في المرتدات اللاتي (٢) يعبدن (٣) عليا (٤) والحسين، وعبد القادر، والبدوي وأمثالهم (٥) ممن قامت عليهم (٦) الحجة فأبوا وأصروا على عبادة غير الله، واتخاذ الآلهة والأنداد كما فعلت قريش وغيرها من مشركي العرب، وكما يفعله كثير من مشركي الأمم وأهل الكتاب، فأي عار على الشيخ في هذا؟ وأي دليل يمنع منه؟
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [النساء / ٥٩]، وما أظن هذا الغبي يحسن الاحتجاج على منع سبي المرتدات (٧) بل ولا يعرف (٨) .
وقوله: (يترك الشيء لشيء أكبر منه) .
هذا مما يدل على علم الشيخ وفقهه، ومن القواعد المشهورة: (أنه يرتكب أخف الضررين لدفع أعلاهما، وتترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما) .
_________
(١) في (ق): (قال) .
(٢) في (ق): "التي ".
(٣) في (ق) و(ح): "يعبدون".
(٤) في (المطبوعة): " طواغيت "، مكان: "عليا ".
(٥) في (المطبوعة): "وأمثالها ".
(٦) في (ق): "عليه ".
(٧) في (ق): " المرتدين ".
(٨) في (ق) و(م): "يعرفه ".
Translation
فصل فيه مناقشة مسألة سبي المرتدات وتأصيل قاعدة دفع الضرر وجلب المصلحة
#32 Chapter 32 — رد طعن المعترض إعطاء الشعراء على سب العلماء · ref. #32
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
والحديث حجة على ذلك، فإن كان صدر من الشيخ هذا فلا ضير فيه ولا عيب به.
وعيرها الواشون أني أحبها (١) ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

[رد طعن المعترض إعطاء الشعراء على سب العلماء]
وأما قوله: (وهو يعطي الشعراء على سب (٢) علماء المسلمين وأعيانهم) .
فهذا كذب وزور، ليس من عادة الشيخ أن يعطي الشعراء، ولم يعط شاعرا قط فيما نعلم، ولا سب مسلما قط، ولا عالما من علماء المسلمين بل هو من (٣) أعظم الناس رعاية لحق الإسلام وحفظا لعهده، وحماية لأهله، ونصرة لهم، وهذا مشهور من أخلاقه الإسلامية وشيمته العربية، خلاف ما عليه كثير ممن يدعي الدين، وهو مشغول بأعراض المسلمين، وهتك حرماتهم.
وأما قوله: (وهل هذا إلا مكفرا للأمة مضللا لعلمائها، والسالم من علماء نجد من القتل جلا عن كل بلد (٤) تحت أيديهم، فرارا منهم عن القتل؛ لأنه لم يوافقه أحد من العلماء على ذلك، وأتلفوا كتب العلم التي فيها حتى لا يرى في نجد إلا رسائله، والويل لمن يستعمل غيرها وقت قوتهم) (٥) .
_________
(١) في (ح): "حبها".
(٢) في (م): "ليسب"، مع أسقاط "على ".
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): " بلده ".
(٥) ساقطة من (ق) .
Translation
رد طعن المعترض إعطاء الشعراء على سب العلماء
#33 Chapter 33 — رد طعن المعترض بأن أتباع الشيخ أتلفوا كتب العلم · ref. #33
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
فيقال لهذا المعترض: قد تقدم القدح في تأصيلك، وبيان كذب دليلك، وأن جميع ما ذكرته لا تجوز نسبته إلى الشيخ، وأنت في ذلك أكذب من سجاح، وإذا انهدم الأصل بطل التفريع، وما جلا عن نجد إلا [٥٨] من عرف بعداوة دين الرسول والصد عنه، والاشتهار بمسبته، والأكثر استجاب لداعي الحق، واعترف به، وأمن في سربه، وعوفي في نفسه وماله وأهله، وهم الأكثر.

[رد طعن المعترض بأن أتباع الشيخ أتلفوا كتب العلم]
وأما إتلاف كتب العلم التي في نجد: فهذه القولة وأمثالها يستبين بها تهور هذا الرجل في الكذب والزور، ومكابرة الحس والضروريات، ومعرفة حال الشيخ وأهل نجد، وما عندهم من الكتب في أصول الدين وفروعه، ودواوين الإسلام، وتفاسير الأئمة (١) وكتب العقائد، والسير والتواريخ، والعربية، لا يجهله الموافق والمخالف، وهذا الرجل لا يحسن سبك الكذب والزور، بل يأتي بها طامة شوهاء لم تنتقب ولم تختضب.
فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم لو كنت تعقل
وآحاد (الطلبة من أهل) (٢) نجد لا يقولون: (وهل صاحب هذا إلا مكفرا للأمة مضللا لعلمائها)، لمعرفتهم بأن "هل" تهمل ولا تعمل؛ وقد أعملها في خطه بيده (٣) .
، فنصب بها وأعملها إعمال "ما" الحجازية.
وكذلك قوله: (والسالم من علماء نجد جلا عن كل بلد (٤) تحت
_________
(١) في (ق): "وتفاسير الأئمة، ودواوين الإسلام ".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ق): "وأعملها في خط يده ".
(٤) في (ق): "بدل "، وهو سبق قلم.
Translation
رد طعن المعترض بأن أتباع الشيخ أتلفوا كتب العلم
#34 Chapter 34 — الكلام على مدلول شهادتي الإخلاص · ref. #34
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
أيديهم)، وهذا تركيب نبطي يقتضي أن السالم من القتل استوعب بلاد نجد في السكنى والجلاء.
وسيأتيك عنه ذم الشيخ وأتباعه بأنهم لا يعرفون العلوم والعربية (١) إذا تأملت تراكيبه (٢) في هذا الكتاب وعباراته عرفت أنه من أبعد خلق الله عن العلم وممارسته، والشعور (٣) بشيء من الفنون، وإنما هو وقح، صال (٤) وجال، وأمن (٥) فاستطال.

[الكلام على مدلول شهادتي الإخلاص]
قال المعترض: (وقال أيضا لما (٦) سئل عما يقاتل الناس عليه وعما يكفر به، فقال عن خطه بيده: لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان) . انتهى نقل المعترض.
ثم قال بعده: (فهذا شأنه؛ يحكى الإجماع من نفسه لنفسه، ومن هو (٧) الذي أنكر الشهادتين شهادتي الإخلاص من هذه الأمة حتى يقاتل عليهما، فإذا كانت الأمة من حيث الجملة حين يعرب مولودها أول ما تلقنه شهادتي الإخلاص قبل أن يلقنوه بأمه وأبيه، وإذا احتضر ميتهم أجلسوا عنده أعقل أهله وأبرهم به يلقنه بذلك بسهالة؛ لأنهم قد علموا من
_________
(١) في (المطبوعة): " العربية "، وسقطت الواو العاطفة.
(٢) في (ق): "ترى تركيبه".
(٣) في (ق): " والشعرور".
(٤) في (ق) و(م): "لو صال ".
(٥) في بقية النسخ: "وأمن السيف".
(٦) ساقطة من (ق) .
(٧) في (ق): "هذا".
[٥٩] علم نبيهم ﷺ أن: " «من كان آخر كلامه (١) لا إله إلا الله دخل الجنة» ". وأيضا يلقنوه في قبره، حتى جاءهم فنهاهم، وعد ذلك من الشرك. وقال: فكيف (٢) يدعى الميت؟ وينادى في قبره (٣) وهو لا يسمع ولا يبصر؟
ويقول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] [النمل / ٨٠]، حتى منعوا الناس عن (٤) ذلك، وعن الدعاء بعد الصلاة (٥) بالأدب المبرح (٦) وعن القراءة على القبر، ولسنا بصدد (٧) هذا في هذا الموضع، وقد أوفينا عليه في "التبصرة" و"غسل الدرن " بما فيه كفاية من الأحاديث والآيات وأقوال العلماء الأعلام (٨) وإنما صددنا هنا لتكفيراته، فإذا كان أمر الأمة جميعها كذلك، فماذا يقاتل عليه من إنكار (٩) شهادتي الإخلاص؟ . وأطال بما حاصله: أنهم لا ينكرون شهادتي الإخلاص) .
فالجواب أن يقال: هذا الرجل من أبعد الخلق عن الفقه عن الله.
_________
(١) في (الأصل) و(ق): "قوله"، وفي (ح): "كلامه قوله"، وما أثبته هو نص الحديث كما رواه أبو داود (ح / ٣١١٦)، وأحمد (٥ / ٢٣٣)، والحاكم (١ / ٣٥١)، كلهم من حديث معاذ بن جبل مرفوعا، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (ح / ٦٨٧) .
(٢) في (ق) و(م): "كيف".
(٣) في (ق) و(م): " في قبره وينادي ".
(٤) في (ق) و(م): "من ".
(٥) " بعد الصلاة " ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): " المبرور".
(٧) في (ق): "بصد".
(٨) ساقطة من (ق) و(م) .
(٩) في (ق) و(م): "أنكر ".
ورسوله ومعرفة مراده؛ وحقائق أحكامه، ومن أجهل خلق الله بأقوال أهل العلم ومدارك الأحكام، وكل من عقل عن الله يعلم علما ضروريا أن المقصود من الشهادتين ما دلتا عليه (١) من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما (٢) ولا اعتقاد لحقيقتهما (٣) فهذا لا يفيد العبد شيئا، ولا يخلصه من شعب الشرك وفروعه.
قال الله تعالى (٤) ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] [محمد / ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] .
فالإيمان بمعناهما (٥) والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، والحكم (٦) على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم ولم يتصور، فهو كالهاذي وكالنائم وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل لو حصل له العلم وفاته الصدق لم يكن شاهدا بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة.
قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] [المنافقون / ١] .
فكذبهم في قيلهم، ورد شهادتهم وشهد على كذبهم؛ وأكد الحكم
_________
(١) في (ق): "عليهما".
(٢) في (ق) و(م): "بمعناها ".
(٣) في (ق) و(م): "بحقيقتها".
(٤) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "قال تعالى ".
(٥) في (ق) و(م): "بمعناها".
(٦) في (ح): "الحكم والحكم ".
" بإن " المؤكدة ولام التعليق (١) فهل يقول عاقل: إنهم يشهدون بكلمتي الإخلاص، ويعترفون بها؟ . وهل هذا القول إلا رد لكتاب الله وخروج (٢) عن سبيل المؤمنين؟ فإنهم مجمعون (٣) على اعتبار ما دلت عليه الشهادتان من المعنى المراد، وأنه هو المقصود.
ولم يقل أحد أن الإيمان مجرد اللفظ من غير عقيدة القلب وعلمه وتصديقه، ومن غير عمل بمدلول الشهادتين، وما سمعت أن أحدا قاله إلا طائفة من المتكلمين من الكرامية (٤) نازعوا الجهمية في قولهم: إن [٦٠]، الإيمان، هو التصديق فقط. وقابلوا قولهم بأنه مجرد الإقرار فقط. والقولان مردودان عند الأمة، ولكنهما أحسن وأقرب إلى قول أهل العلم مما أتى به هذا المفتري، من عدم اعتبار العلم والمعنى، ومن قرأ القرآن أو سمعه وهو عربي اللسان يعلم (٥) أن قتال (٦) المشركين معلل بنفس الشرك معلق عليه.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة / ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (٧) [المائدة / ٧٢] .
_________
(١) في (ق): "التعليل ".
(٢) في (ق): "وخرج".
(٣) في (ق): "يجمعون ".
(٤) في (ق): "الكرامين ".
(٥) في (المطبوعة): "فإنه يعلم ".
(٦) في (المطبوعة): " قتل ".
(٧) في (ق) زيادة: " وما للظالمين من أنصار ".
Translation
الكلام على مدلول شهادتي الإخلاص
#35 Chapter 35 — العلماء يحكون الإجماع ويحتجون به لأنفسهم · ref. #35
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]- إلى قوله - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١) [التوبة١ -٥] .
ونحو ذلك من الآيات الدالة على تعليق الحكم على نفس الشرك، وفي الحديث: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله (٢) حرم ماله ودمه» " (٣) وفي الحديث الآخر: " «من بدل دينه فاقتلوه» " (٤) وكلام الفقهاء (٥) في باب حكم المرتد، وقولهم: فمن (٦) أشرك بالته. . . إلى آخر كلامهم.
وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧) الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم ويتوكل عليهم وقد مر ذلك، فكل ما ذكر من الإتيان بلفظ الشهادة (٨) والتلقين لا يفيد شيئا مع عدم العلم.

[العلماء يحكون الإجماع ويحتجون به لأنفسهم]
ويقال: أما قوله: (فهذا شأنه يحكي الإجماع من نفسه لنفسه) .
فجميع أهل العلم والأئمة الراسخين يحكون الإجماع، ويحتجون به لأنفسهم، وينصرون به أقوالهم، وقد جمع ابن هبيرة وابن حزم مسائل
_________
(١) في (ق) زيادة: " الآية".
(٢) لفظ الجلالة لم يذكر في (م) .
(٣) أخرجه مسلم من حديث طارق بن أشيم (٢٣)، وأحمد (٣ / ٤٧٢)، والطبراني (٨ / ٣٨٢، ح٨١٩١، ٨١٩٤) .
(٤) أخرجه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم، وتقدم تخريجه. انظر: ص (٥٩) هامش ١.
(٥) في (ق) و(م): "العلماء".
(٦) في (ق): "فيمن".
(٧) انظر: " مجموع الفتاوى" (١ / ١٢٤) .
(٨) في (ق): " الشهادتين ".
[٦١]، الإجماع مرتبة على أبواب الفقه، وحكوها من أنفسهم لأنفسهم، وفي كتب الفقه " كالإقناع " و" المغني " و" الفروع " و" المقنع " من ذكر الإجماع والاحتجاج به (١) ما لا يخفى [على] (٢) صغار الطلبة، والطرق التي يعرف بها الإجماع القطعي معروفة عند أهل العلم، مقررة في محلها لا تخفى على (٣) مثل شيخنا، فإذا احتج بالإجماع قبل منه وأخذ عنه.
فإن القول ما قالت حذام (٤)
ومن الطرق التي يعرف بها الإجماع: كون الحكم معلوما بالضرورة من دين الإسلام، فمن تصور الإسلام وعرف حقيقته ومعناه علم علما ضروريا أن القتال على التزام الشهادتين مع القدرة فرض كفاية، وفرض عين في بعض (٥) المواضع، هذا لا يخفى [على] (٦) عوام المسلمين.
وهذا الرجل خفي عليه ذلك لاستحكام الشقاء، وغلبة العداوة والهوى.
[٦١] قال تعالى:
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ساقطة من جميع النسخ، وإضافتها لضرورة السياق.
(٣) في (ق) زيادة: "أهل العلم".
(٤) في (ق): "خدام "، بالخاء المعجمة والدال المهملة، وهو خطأ، وهذا شطر من بيت شعر، شطره الأول:
إذا قالت حذام فصدقوها ... . . . . . . . . .
ويذكر كمثل على الصدق.
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) ساقطة من جميع النسخ، وإضافتها لضرورة السياق.
Translation
العلماء يحكون الإجماع ويحتجون به لأنفسهم
#36 Chapter 36 — قول شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الطائفة الممتنعة · ref. #36
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] [هود / ٢٠] .
وقد استفاض الإجماع على وجوب قتال من جحد ركنا من الأركان (١) الخمسة وما لا يتم الإسلام إلا به، وما أجمع على تحريمه أو حله إجماعا قطعيا، أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير، وقد نص على ذلك من يحكي الإجماع كابن هبيرة، وابن حزم، وشيخ الإسلام (٢) وابن رجب، وابن عبد البر، وابن المنذر، وأمثالهم من أهل العلم.

[قول شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الطائفة الممتنعة]
قال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار (٣) .
(كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا (٤) شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام؛ عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم: " «شر الخلق والخليقة» " (٥) مع قوله: " «تحقرون صلاتكم
_________
(١) في (ق) و(م): "أركان الإسلام".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: " ابن تيمية، وقد ذكره ".
(٣) انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام " (٢٨ / ٥٠٢) .
(٤) في (ق): " يلزموا ".
(٥) أخرجه مسلم (١٠٦٧) وبوب النووي به، وأبو داود (٤٧٦٥)، وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص (١١٨) .
مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» " (١) فعلم (٢) أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه. ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله، فالقتال واجب، فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات، أو (٣) الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها؛ وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا (٤) بين العلماء، [٦٢] وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والآذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبهما، ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم (٥) لا؟
فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء (٦) ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو (٧) الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين
_________
(١) أخرجه مسلم (١٥٦، ١٠٦٦)، أبو داود (٤٧٦٨) .
(٢) في (المطبوعة): "نعلم " بالنون.
(٣) في (ق) و(م): " أو عن ".
(٤) في (ح): "خلاف "، وهو خطأ.
(٥) في "المطبوعة": " أو".
(٦) في (ق) و(م): "العلماء المحققين ".
(٧) في (م) و(ق) و(المطبوعة): " و".
Translation
قول شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الطائفة الممتنعة
#37 Chapter 37 — مسألة التلقين في القبر وهل هي شرك · ref. #37
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁؛ ولهذا افترقت سيرة علي (١) في قتاله لأهل البصرة (٢) والشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك) . انتهى المقصود منه.

[مسألة التلقين في القبر وهل هي شرك]
وأما مسألة "التلقين في القبر ": فلمن منعه، سلف صالح يقتدي بهم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان وأئمة الهدى من أهل المذاهب وغيرهم، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية وأمثالهما لا يرون ذلك؛ وإن قال به جمع كثير، وهذه مسألة (٣) فرعية خلافية، فالتشنيع بها خروج (٤) عن محل النزاع.
وأما قوله: (وعد ذلك من الشرك) .
فهذا بهت ظاهر، أين التلقين من الشرك؟ فالتلقين تذكير وتعليم، والشرك إعطاء المخلوق ما يستحقه الخالق وحده، من دعاء وتوكل ومحبة (٥) ونحو ذلك من العبادات والطاعات، هذا هو الشرك، والشيخ
_________
(١) في بقية النسخ: " ﵁ ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "وأهل".
(٣) في (ق): "المسألة".
(٤) في (ق): "خروجا"، وهو خطأ.
(٥) في (ق): "أو توكل أو محبة".
أجل وأعلم من أن يجعل التلقين من الشرك، وتآليفه وبحثه يدل على أنه من الراسخين، وتهور (١) هذا ومجازفته فيما يدعيه دليل على أنه من المفترين الظالمين، ويكفي المنع والرد في الجواب عما يدعيه والدعوى إذا تجردت عن دليل اكتفى بردها والدفع في صدها (٢) .
وقول المعترض: (أنه يقول كيف يدعى الميت وينادى في قبره؟ وهو لا يسمع ولا يبصر.
ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] (٣) [النمل / ٨٠]، حتى منعوا الناس عن ذلك، وعن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح وعن القراءة على القبر) . هذا لفظه.
والرجل أدخل الآية في جملة (٤) ما حكى، ولم يتعقب حكايته بتفصيل، بل أطلق المنع والتشنيع والرد فلا أدري ماذا يرى في الآية؟ وبماذا يتخلص، أهو على صراط مستقيم في السمع المنفي في مثل هذه الآية والمثبت فيما صح من (٥) السنة؛ أو هو كما هو (٦) ظاهر عبارته [٦٣]، غبي مرتبك مرتاب لا يدري ما نفى مما أثبت؟ وشيخنا (٧) ﵀ لم
_________
(١) في (م): " وتهوره ".
(٢) في (ق): " صدودها ".
(٣) في (ق) زيادة: "ولا تسمع الصم الدعاء. . . . " الآية.
(٤) في (ق) و(م): "جوف ".
(٥) في (المطبوعة): " عن".
(٦) ساقطة من (ق) .
(٧) في (م): "شيخنا ".
يصدر (١) منه هذا ولا قاله؛ ولا جعل هذا من الدعاء الممنوع منه، لكنه يدري ما يراد بالنفي في مثل هذه الآية، وما يراد بالإثبات في مثل قوله ﷺ في أهل قليب بدر: " «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» " (٢) وقوله ﷺ: " «إن الميت ليسمع» (٣) قرع نعال أهله " (٤) ونحو ذلك من الأحاديث الواردة في السماع، فمن عرف هذا تبين له ما في عبارة المعترض من الكذب والجهل والخلل.
وكذلك قوله: (إنهم منعوا الناس عن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح) .
كذب بحت من جنس ما قبله، غاية ما قيل: إن الدعاء لم يشرع من حين التسليم، وإنما شرع التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد (٥) ومحل الدعاء قبل السلام وبعد الفراغ من الأذكار المشروعة بعد السلام، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره أحسن تقرير (٦) وأما الأدب على الدعاء: فليس بصحيح، بل هو جرى على العادة في أكاذيبه وأوضاعه.
_________
(١) في (ق): "يصد".
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٠، ٣٩٨٠، ٤٠٢٦)، وأحمد (٢ / ٣٨، ١٣١)، (٦ / ٢٧٦)، والحاكم في المستدرك (٣ / ٢٤٩) .
(٣) في (ح): "حين الميت يسمع ".
(٤) أخرجه البخاري (١٣٣٨، ١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٢٢٦٩، ٣٢٣١، ٤٧٥٢)، والنسائي (٤ / ٩٦) .
(٥) في (ق) و(م): "والتمجيد".
(٦) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢ / ٤٩٢) .
ثم قال المعترض: (ولسنا بصدد (١) هذا، وإنما صددنا هنا لتكفيراته، فإذا كان أمر الأمة كذلك فماذا يقاتل عليه من إنكار شهادتي الإخلاص اللتين يدخل بهما الإسلام، ويعصم بهما دمه وماله، وأنت لو قلت لأفجر الأمة: أريد منك إنكار (٢) شهادتي الإخلاص أو إحداهما (٣) وإلا قتلتك، لاختار القتل ولا إنكارهما أو إحداهما (٤) إلا أن يعمل برخصة الله وقلبه مطمئن بالإيمان) .
والجواب أن يقال: يسأل هذا الجاهل عمن أتى بالشهادتين ثم صدر منه ما يوجب الردة من عبادة صنم أو وثن، أو إنكار ركن من الأركان، أو أصل من أصول الأيمان الستة؛ أو أنكر حرفا من القرآن أو أنكر تحريم الخنزير، أو تحريم امرأة من محارمه المذكورة في سورة النساء أو فرعا مجمعا عليه أو سحر (٥) أو شك في البعث، أو في كذب مسيلمة ونحو ذلك، فإن قال: شهادتي الإخلاص عصمت دمه وماله، وإن فعل ذلك، فقد جهل الأمة، وفسق الصحابة والأئمة، وأضحك العقلاء من جهله، وخرق الإجماع، وشاق الله ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين، وإن اعترف بإباحة الدم والمال لصدور شيء من ذلك بطل (٦) كلامه، وفسد تأصيله، واستبان أنه من أكابر الضالين، ورؤساء الملحدين مذ جرى قلمه، وتفوه فمه، بالخوض
_________
(١) في (ق) و(م): "بصد".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في جميع النسخ: (أحدها)، ولعل ما أثبت هو الأقرب.
(٤) في جميع النسخ: (أحدها)، ولعل ما أثبت هو الأقرب.
(٥) في (ح): "يتجر".
(٦) في (ق) و(م): "أبطل".
في هذه (١) المسائل التي لا يعرفها إلا رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
فنعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وأكثر سعي العالمين ضلال.
أين هذا من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن / ١٨] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس / ١٠٦] .
وأين هو (٢) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] الآية (٣) [المؤمنون / ١١٧] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ (٤) إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] [الزمر / ٦٥]، ونحو ذلك من الآيات، وفي السنة (٥) من ذلك ما لا يمكن حصره.
ويكفي المؤمن قوله ﷺ: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (٦) .
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (م) و(ق) و(المطبوعة): "هذا ".
(٣) في (ق) زيادة: "فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الظالمون.
(٤) في (ق): "أوحينا"، وهو خطأ.
(٥) في (ق): "السنن ".
(٦) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وسبق تخريجه. انظر: ص (١١٧)، هامش ٣.
وقد استدل (١) الصديق بهذا الحديث على قتال مانعي الزكاة، فكيف لا يستدل به على مناقضة " لا إله إلا الله "، وقتال من نقضها وهدمها، وأبطلها بعبادة الأنبياء والصالحين، والجن، والشياطين، واتخذ آلهة مع الله يحبهم ويدعوهم، ويسألهم ويتوكل عليهم، ويزعم أنهم باب حاجته إلى الله والواسطة بينه وبين ربه في قضاء حاجاته، وتفريج مهماته؛ ومغفرة ذنبه، وتكفير سيئاته.
وقد اتسع الخرق بذلك حتى وصلوا إلى دعوى الربوبية في آلهتهم، وأنهم يدبرون ويتصرفون، ويعطون (٢) ويمنعون، وأن ذلك على سبيل الكرامة، فألهوهم وعبدوهم عبادة ما صدرت من كفار قريش، ولا ادعاها أحد منهم لوثنه ومعبوده. هذا، وهم يقولون: "لا إله إلا الله وفيهم من يصلي ويزكي ويأتي بشيء من العبادات البدنية والمالية، ومع ذلك هم من أكابر المشركين ورؤساء الضالين، وقد قيد (٣) سبحانه الانتفاع بالشهادة بقيد ليس عندهم منه خبر، ولم يقفوا منه على عين ولا أثر.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] .
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] [محمد / ١٩] .
وفي حديث أبي هريرة: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» " (٤) .
_________
(١) في (ق) زيادة: "أبو بكر".
(٢) في (ق): " ويمقلون ".
(٣) في (م) و(المطبوعة): "قيد الله ".
(٤) أخرجه البخاري (ح / ٩٩)، وأحمد (٢ / ٣٠٧) .
Translation
مسألة التلقين في القبر وهل هي شرك
#38 Chapter 38 — فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام وأنه أخذ الأموال وسفك الدماء · ref. #38
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
[فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام وأنه أخذ الأموال وسفك الدماء]
فصل قال المعترض: (ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة، كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، حين خطاه، فلم يقبل منه (١) ونهاه عن سفك الدماء، ونهب الأموال، فلم يفعل، وكان يقول في رسائله ولدعاته (٢) إن علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات، فوصى له رجل عاقل من أهل نجد أن قولوا له: إن أهل نجد قبلك يأخذون على الخط لأجل أنه لا يحصل لهم كفاية على القضاء، وقد نص العلماء على الرخصة في ذلك على هذه الحال وعقداء (٣) البدو في الغارات يأخذون فيما بينهم أبيض الظهر وليسوا يأخذونه عليهم قهرا (٤) وإنما هو عن تراض منهم على ذلك، لا ينكره منهم منكر، وأنت تأخذ الكسب كله، أبيض الظهر وأسوده بغير رضى [٦٥] ولا حق ولا مستحق عليهم، بل اجترأت على الله، وعلى كتابه ورسوله وعباده المؤمنين فكفرتهم وسفكت دماءهم، وأخذت (أموالهم واستبحت
_________
(١) ساقطة من (م) .
(٢) في (ق): " ودعاته ".
(٣) في (ق): " الحالة وعقد ".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " قهرا عليهم ".
بلدانهم، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك) (١) وأخذت فريضة الله التي فرض من فوق سبع سماوات (٢) ولم تعطها أهلها، بل استعنت بها على سفك دماء المسلمين واستباحة حرمتهم، وتأخذ زكاة الثمار، ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي عشير ما عليه من الدين إذ هو بحالة يستحق دفع (٣) الزكاة إليه، بل قد يتدينها (٤) لهم. فخالفت العلماء الأمناء (٥) وخالفت الرسول ﷺ جهارا، حيث بعث معاذا إلى اليمن في وصيته (٦) بأن تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، وأنت عكست ذلك كما هو المشاهد. فلم يرعو (٧) وجعل ذلك بعده سنة سيئة متبعة، عليه غرمها ووزرها، ورآها (٨) بذلك حقا واجبا ودينا لازما، والمنكر لذلك يكون كافرا فاجرا، والويل ثم الويل له (٩) إن لم يكن تائبا عن ذلك راجعا، ويكون له على ذلك تابعا داعيا، ويستدل بفعل الصديق ﵁، وهيهات هيهات ما بعد ما بينهما؛ وإنه لكما قال عمر (١٠) بن [أبي] (١١) ربيعة المخزومي يعرض برجل وامرأة:
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق) و(م): " سماواته ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " لدفع ".
(٤) في (المطبوعة): " تدينها ".
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
(٦) في (ق): "وصية".
(٧) في النسخ الأربع: "يرعوي"، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٨) في النسخ الأربع: "وارثها "، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٩) في (ق) و(م) وردت " له " قبل " ثم ".
(١٠) في (الأصل) و(ح): "عمرو"، وفي بقية النسخ: "عمر"، وهو الصواب.
(١١) ساقطة من جميع النسخ، والصواب إثباتها.
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله، كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
)
فالجواب أن يقال: قد علم أهل العلم والإيمان براءة الشيخ من هذا: وأن دعوته إلى طاعة الله ورسوله، يأمر بتوحيده وينهى عن الشرك به وعن معصيته ومعصية رسوله، ويصرح بأن من عرف الإسلام ودان به فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، ويشهد الله كثيرا في رسائله، ويشهد أولي العلم من خلقه أن أعداءه إن جاؤه (١) عن الله أو عن (٢) رسوله بدليل يرد شيئا من قوله، ويحكم بخطئه فيه ليقبلنه على الرأس والعين، ويترك ما خالفه أو عارضه، وهذا معروف بحمد الله.
وإنما يرميه بمثل هذا البهت وينسبه إليه من جعل زوره وقدحه في أهل العلم والإيمان جسرا يتوصل منه، ويعبر إلى ما انطوى عليه، وزينه له الشيطان من عبادة الصالحين والتوسل بهم، وعدم الدخول تحت أمر أولي (٣) العلم، وترك القبول منهم، والاستغناء بما نشأ عليه أهل الضلال واعتادوه، من العقائد الضالة، والمذاهب الجائرة.
قال تعالى حاكيا عن فرعون وقومه فيما رموا به كليمه موسى ونبيه هارون ﵉ من قصد العلو والدعوة إلى أنفسهما: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] [يونس / ٧٨] .
_________
(١) في (ق): "جاؤا".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (م): (إلى) .
Translation
فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام وأنه أخذ الأموال وسفك الدماء
#39 Chapter 39 — نص رسالة من الشيخ إلى حمد التويجري · ref. #39
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
وقال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] (١) ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ - فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ - فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦ - ٤٨] [المؤمنون / ٤٥ - ٤٨] . فانظر ما أفادته اللام إن كنت من ذوي الألباب والأفهام.
وقال تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لنبيهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] [المؤمنون / ٢٤] .
فانظر يا من نور الله قلبه، ما زعم هذا المعترض ونزله على هذه الآيات الكريمات تعرف أن آل فرعون وقوم نوح لهم ورثة وأتباع، وعصابة وأشياع، يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، ويستكبرون على ورثة الرسل وأعلام الهدى، تعظما وحرجا، ولا بد من الحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد رأيت رسالة لشيخنا رحمه الله تعالى تشهد لما قررناه، ونصها (٢) .

[نص رسالة من الشيخ إلى حمد التويجري]
(من محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ أحمد التويجري، ألهمه الله رشده.
وبعد، وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه؛ وأشرفنا على الرسالة المذكورة وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد ﵀، وما تضمنته الرسالة من الكلام في الصفات مخالف (٣) . لعقيدة الإمام أحمد، وما تضمنته من الشبه الباطلة في تهوين أمر الشرك بل في إباحته،
_________
(١) في النسخ الأربع: (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان مبين) وهذه الآية من سورة هود الآية ٩٦، وما بعدها من سورة المؤمنون، فالصواب ما أثبته.
(٢) انظر: " مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب " (٢ / ٦٠) .
(٣) في (ق): " مخالفة ".
فمن أبين الأمور بطلانا لمن سلم من الهوى والتعصب، وكذلك تمويه (١) على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت (٢) طاعتي كافر. ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم (٣) في أي زمان وأي مكان (٤)؛ وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما تبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام (٥) بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها والله المستعان) . اهـ المقصود (٦) .
وأما نسبة ذلك إلى أخيه (٧) سليمان: فلا مانع من ذلك لولا وجوب رد خبر هذا الفاسق، وعدم قبوله إلا بعد التبين.
ثم لو فرضت صحته، فمن سليمان؟ وما سليمان؟ هذه دلائل (٨) السنة والقرآن تدفع في صدره (٩) وتدرأ في نحره، وقد اشتهر ضلاله ومخالفته لأخيه مع جهله وعدم إدراكه لشيء من فنون العلم، وقد رأيت له
_________
(١) في (المطبوعة): " تمويهه".
(٢) في (ق) و(م): " في ".
(٣) في (ق): "مسلم".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): " أقام ".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): " المقصود منه ".
(٧) في (ق) و(م): "لأخيه ".
(٨) في (ح): " الدلائل ".
(٩) في (ق): " صدوره ".
Translation
نص رسالة من الشيخ إلى حمد التويجري
#40 Chapter 40 — نص رسالة من سليمان بن عبد الوهاب فيها البشارة بتوبته ورجوعه إلى الحق · ref. #40
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text Aqeedah
رسالة يعترض فيها على الشيخ وتأملتها فإذا هي رسالة جاهل بالعلم والصناعة، مزجى (١) التحصيل والبضاعة، لا يدري ما طحاها؟ ولا يحسن الاستدلال بذلك على من فطرها وسواها.

[نص رسالة من سليمان بن عبد الوهاب فيها البشارة بتوبته ورجوعه إلى الحق]
هذا؛ وقد من الله وقت تسويد هذا بالوقوف على رسالة لسليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهبه الأول، وأنه قد استبان له التوحيد والإيمان، [٦٧] وندم على ما فرط من الضلال والطغيان، وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم
من سليمان بن عبد الوهاب إلى الإخوان: أحمد (٢) بن محمد التويجري وأحمد ومحمد ابنا عثمان بن شبانة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأذكركم ما من الله (٣) به علينا وعليكم من معرفة دينه، ومعرفة ما جاء به رسوله ﷺ من عنده، وبصرنا به من العمى، وأنقذنا من الضلالة، وأذكركم بعد أن جيتونا في الدرعية (٤) من معرفتكم الحق على وجهه، وابتهاجكم به، وثنائكم على الله الذي أنقذكم وهذا دأبكم في سائر مجالسكم عندنا، وكل ما جاءنا- بحمد الله (٥) يثنى عليكم. والحمد لله على ذلك، وكتبت لكم بعد ذلك كتابين
_________
(١) في (ح): " مرجى ".
(٢) في (الأصل): " حمد "، وهو خطأ.
(٣) لفظ الجلالة لم يرد في (ق) و(م) .
(٤) في (ق): " بالدرعية ".
(٥) في (الأصل) و(ح): "من حمد الله "، والمثبت من بقية النسخ وهو الأقرب.
غير هذا أذكركم وأحضكم، ولكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق، واتباعنا سبل (١) الشيطان، ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل (٢) الهدى.
والآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير والأيام معدودة، والأنفاس محسوبة والمأمول منا أن نقوم لله ونفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال (٣) وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له؛ لا لما سواه، لعل الله يمحو (٤) عنا سيئات ما مضى (٥) وسيئات ما بقي.
ومعلومكم عظم الجهاد في سبيل الله؛ وما يكفر من الذنوب؛ وأن الجهاد باليد والقلب واللسان (٦) والمال، وتفهمون أجر من هدى الله به رجلا واحدا.
والمطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن، وأن (٧) تقوموا لله قيام صدق، وأن تبينوا للناس الحق على وجهه، وأن تصرحوا لهم تصريحا بينا بما أنتم (٨) عليه أولا من الغي والضلال.
فيا إخواني: الله. . الله، فالأمر أعظم من ذلك، فلو خرجنا نجأر
_________
(١) في (ق) و(م): "واتباع"، وفي (ق): (سبيل) .
(٢) في (ق): " عن سبيل ".
(٣) في (ق): "الضلالة".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "أن " قبل "يمحو".
(٥) في (المطبوعة): " سيئات ".
(٦) في بقية النسخ: " اللسان والقلب ".
(٧) ساقطة من (ق) .
(٨) في (المطبوعة): " كنتم ".
إلى الله في الفلوات وعدنا الناس من السفهاء والمجانين في ذلك لما كان ذلك بكثير منا.
وأنتم رؤساء الدين والدنيا في مكانكم (١) أعز من الشيوخ، والعوام كلهم تبع لكم، فاحمدوا الله على ذلك ولا تعتلوا (٢) بشيء من الموانع.
وتفهمون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يرى ما يكره، ولكن أرشدكم في ذلك إلى الصبر، كما حكى عن العبد (٣) الصالح (٤) في وصيته لابنه، فلا أحق من أن تحبوا لله (٥) وتبغضوا لله (٦) وتوالوا لله وتعادوا لله.
وترى يعرض في هذا أمور شيطانية، وهي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين، وربما يلقي الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق، وأن له ملحظ دنيوي، وهذا أمر ما يطلع عليه إلا الله، فإذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ووالوه، فإذا ظهر من أحد شر، وإدبار عن الدين فعادوه واكرهوه، ولو أحب حبيب.
وجامع الأمر في هذا: أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له؛ ومن [٦٨] رحمته بعث لنا رسولا يأمرنا بما خلقنا له، ويبين لنا طريقه، وأعظم
_________
(١) في (ق): "مكانتكم ".
(٢) أي: لا تمتنعوا.
(٣) في (ق): "عبد الله ".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: " لقمان ".
(٥) في (ق): " في الله ".
(٦) في (ق): "في الله ".
ما نهانا عنه الشرك بالله وعداوة أهله وإبغاضهم (١)؛ وأمرنا (٢) بتبيين الحق وتبيين الباطل، فمن التزم ما جاء به الرسول (٣) فهو أخوك، ولو أبغض بغيض، ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك ولو هو (٤) ولدك أو أخوك.
وهذا شيء (٥) أذكركموه مع أني بحمد الله [أعلم]، (٦) أنكم تعلمون ما ذكرت لكم، ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس، وإن تذاكروا دائما في مجالسكم ما جرى منا ومنكم أولا، وأن تقوموا مع الحق أكثر من قيامكم مع الباطل فلا أحق من ذلك ولا لكم عذر (٧)؛ لأن اليوم الدين والدنيا- والله الحمد (٨) - مجتمعة في ذلك، فتذاكروا ما أنتم (٩) فيه أولا في أمور الدنيا من الخوف والأذى، واعتلاء الظلمة والفسقة عليكم، ثم رفع الله ذلك كله بالدين وجعلكم السادة والقادة (١٠) .
ثم أيضا ما من الله به عليكم من الدين، انظروا إلى مسألة واحدة
_________
(١) ساقطة من (المطبوعة)، وفي (ح): " وبعضهم ".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " الرسل".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) " أعلم " ساقطة من (الأصل) و(ح)، (أنكم) ساقطة من (ح) .
(٧) في (ق) و(م): "ولا عذر لكم".
(٨) في (ق) و(م): "ولله الحمد الدين والدنيا.
(٩) في (المطبوعة): "كنتم".
(١٠) في (المطبوعة) زيادة: " وذلك من آثار دعوة شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام.
فمما " (١) " نحن فيه من الجهالة (٢) كون البدو (٣) نجري عليهم (٤) أحكام الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة، وأكثرهم متكلمين (٥) بالإسلام، ومنهم من أتى بأركانه ومع معرفتنا أنه من كذب بحرف من القرآن كفر ولو كان عابدا وأن من استهزأ بالدين أو بشيء منه فهو كافر؛ وأن من جحد حكما مجمعا عليه فهو كافر، إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات، وهذا كله مجتمع في البدو وأزيد، ونجري عليهم (٦) أحكام الإسلام اتباعا لتقليد من قبلنا بلا برهان.
فيا إخواني: تأملوا وتذاكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك. وأنا أكثرت عليكم الكلام؛ لوثوقي بكم أنكم ما تشكون في شيء فيما (٧) تحاذرون، ونصيحتي لكم ولنفسي، والعمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل (٨) والنهار أن تجأروا إلى الله تعالى أن يعيذكم من شرور أنفسكم وسيئات أعمالكم، وأن يهديكم إلى الصراط المستقيم الذي عليه رسله وأنبياؤه وعباده الصالحون (٩) وأن يعيذكم من مضلات الفتن،
_________
(١) في (ق) و(م): " فيما "، وفي (المطبوعة): " مما "، وساقطة من (ح) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "قبل انتشار هذه الدعوة الإسلامية ".
(٣) في النسخ الأربع: "البدوي"، ولعل ما أثبته هو الأقرب للصواب.
(٤) في النسخ الأربع: "عليه"، ولعل ما أثبته هو الأقرب للصواب.
(٥) في (المطبوعة): "متكلمون "، وهو الصواب؛ لكن المصنف ساق لنا الرسالة بحروفها، دون تغيير.
(٦) في النسخ الأربع: "عليه "، ولعل ما أثبته هو الأقرب للصواب.
(٧) في (ق): "مما".
(٨) في (ق) و(م): "بالليل ".
(٩) في (المطبوعة): "الصالحين " وهو الصواب، لكن المصنف أراد أن يلتزم الرسالة بلفظها وحروفها دون تغيير ولا تصويب لأخطائها.
Translation
نص رسالة من سليمان بن عبد الوهاب فيها البشارة بتوبته ورجوعه إلى الحق

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound