Back to the aqeedah library
108 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Cabd Latif Al Shaykh (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ
108
Total sections
108 chapters
#61
Chapter 61 — فصل بيان أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه
· ref. #61
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل بيان أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه]
فصل قال المعترض: (فصل: وقال في مسائله على توحيده في حديث طارق بن أشيم ﵁ الذي في صحيح مسلم: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿» " (١) فقال عليه: وهذا من أعظم ما يبين لك (٢) معنى "لا إله إلا الله! فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل (٣) ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله (٤) حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، هذا كلامه) (٥) .
ثم قال: (فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع) . انتهى كلامه.
ثم قال المعترض: (فتفكر بعقلك هذا الكلام، وتفهم لقول
_________
(١) أخرجه مسلم (٢٣) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق) و(م): "ماله ودمه ".
(٥) "هذا كلامه " ساقطة من (ق) و(م) .
رسول الله ﷺ في قوله: " «من قال لا إله إلا الله» " ثم أعرض عليه كلام هذا الرجل وما حكم عليه به، حتى ترى مخالفته له أوضح من الشمس حيث حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة سواء جعلناه من عطف الخاص على العام.
كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [البقرة / ٢٣٨] .
وقوله: من (١) ﴿كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البقرة / ٩٨] .
أو جعلنا الواو واو الحال، أو جعلنا الواو شرطا فيكون تأكيد أو تحقيقا لما (٢) يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص؟ لأنها المطلوبة بما تضمنته في (٣) جميع الأحاديث، وهي المنجية من الخلود في النار. وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: " «إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه، وهو إلى الله تعالى غدا فمحاسبه» (٤) وعند البيهقي، وصححه البزار، والطبراني في معجميه (٥) وأبى نعيم في "الحلية" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما
_________
(١) في (الأصل) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: " قل من "، وهو خطأ.
(٢) في بقية النسخ: "لم".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه البزار، انظر: كشف الأستار (١ / ١٠، ح ٤) .
(٥) في (ق) و(م): " معجمه"، وفي (ح): " مجمعه ".
من دهره (١) يصيبه قبل ذلك ما أصابه» " (٢) وعند أبي داود بسند حسن، من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب؟ ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» " (٣) .
فهذا قول رسول الله (٤) ﷺ، وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها، بل ولا معرفة معناها. إلى آخر كلامه، فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، لا يعصم دمه وماله بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه على (٥) هذا؟ فلا أكبر حينئذ من ذلك لله تعالى ورسوله ﷺ محادة ومحاربة ومكابرة ومضادة، فإن هذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص، كما تراه واضحا فاضحا من قوله، ولو كان فقيها لعلم أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق إذا
_________
(١) في بقية النسخ: "دهر".
(٢) أخرجه البزار، كما في كشف الأستار (١ / ١٠، ح ٣)، والطبراني في الصغير (ح / ٣٨٥)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥ / ١٨٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧)، وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط الصغير ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢ / ١٧٦)، ومن طريقه أبو داود (٢٥٣٢)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٩ / ١٥٦)، وأخرجه أبو يعلى (٧ / ٢٨٧)، وفي سنده مجهول.
(٤) في (م): " الرسول".
(٥) ساقطة من (م) .
جعلنا الواو شرطا، وهو بكلامه هذا جعلها (١) شرطا زائدا عليها، فما فائدة إذا تسميتها بكلمة الإخلاص؟ فأين المسلم حينئذ عنده؟ وهذا من جملة خزعبلاته، وجهله بلغة العرب، وتحكيمه لعقله على دقله وجهله، فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، فإنها تنفي جميع ما عبد من دون الله تعالى، حين دعاهم (٢) ﷺ إليها، فصفقوا (٣) بأيديهم، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] [ص / ٥]
أفيقول قول هذا الرجل عاقل؟ فهذا الرجل ينطق لسانه بما لا يحكم (٤) جنانه، أو ما علم في حديث طارق بعينه أنه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله؟ ومن لوازمها، كما نص عليه العلماء الأمناء، والعجب ممن يعظم هذا الكلام كما عظمه صاحبه، ولا يرى ظهور غائلته، فهلا قال ﷺ لأسامة بن زيد حين قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله: أكفر بما يعبد من دون الله، بعد أن شهد أن لا إله إلا الله؟ بل قال له رسول الله ﷺ: " «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " حين (٥) قال أسامة: "إنما قالها تعوذا من القتل " فجعل ﷺ يردد عليه: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"، وهو يقول: يا رسول الله استغفر لي، حتى تمنى أسامة ﵁ أنه (٦) أسلم
_________
(١) في (م): "جعله ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " النبي ".
(٣) في (ح): "فصيفقوا".
(٤) في (ق): "يحكمه ".
(٥) في (ق): "حيثما".
(٦) في (ق) و(م): "أنه أسلم حينئذ "، وفي (ح) و(المطبوعة): "أن لم يكن أسلم يومئذ ".
يومئذ،» والحديث جميعه في الصحيحين (١) وكذا (٢) حديث أبي هريرة في الشفاعة، وقصة النعلين (٣) وحديث عبادة بن الصامت (٤) وحديث عثمان بن عفان ﵁ (٥) والكل في الصحيحين، لا نطيل بذكرها وقد ذكرناها في "غسل الدرن، مستوفاة) .
والجواب أن يقال: في نسبة التوحيد إليه أعني إلى شيخنا: ما يشعر ببراءة (٦) هذا الرجل منه، والكتاب الذي يشير إليه ليس فيه إلا كلام الله وكلام رسوله، أورده المصنف ﵀ مستدلا به على ما وضع من الأبواب والتراجم، فالبراءة منه براءة من كتاب الله وسنة نبيه (٧) ولا شك في كفر من قصد ذلك، ولا أرى لقول المعترض في عبارته: (أن الشيخ ذكره في مسائله على توحيده) إلا ما يشعر بهذا، والله أعلم بقصده ومراده.
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦، ٩٧)، وأبو داود (٢٦٤٣) .
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "وكذلك ".
(٣) أخرجه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) في الشفاعة (من أسعد الناس بشفاعتك)، ومسلم (٣١) في قصة النعلين.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨، ٢٩)، اللفظ الأول: من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء"، واللفظ الثاني: "من شهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار".
(٥) أخرجه مسلم (٢٦)، ولفظه: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): " ببراء".
(٧) في (ق): "رسوله ".
وتقرير الشيخ على هذا (١) الحديث من أحسن التقارير (٢) وأدلها وأبينها، فإنه استدل بالجملة المعطوفة الثانية على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله (شرط في تحريم الدم والمال، وأن لا عصمة بمجرد القول والمعرفة ولا بمجرد ترك عبادة ما عبد من دون الله) (٣) بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله، والكفر فيه بغضه (٤) وتركه، ورده، والبراءة منه ومعرفة بطلانه، وهذا لا بد منه في الإسلام.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (٥) [البقرة / ٢٥٦] .
فجمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في هذه الآية ولها نظائر في كتاب الله.
كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف / ٢٦، ٢٧]
فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل (٦) الإسلام بدونه، وهكذا هذا الحديث مثل هذه الآيات، فان الإيمان بالله هو شهادة لا إله إلا الله، ومع ذلك ذكر الكفر بالطاغوت معه في حصول الاستمساك بالعروة الوثقى.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ح): "تقارير".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ح): (بغضه)، وفي (م): "فيه وبغضه "، وفي (ق) و(المطبوعة): "به وبغضه ".
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: فقد استمسك بالعروة الوثقى.
(٦) في (ق): "لا يصلح ".
وقد يفرد الإيمان ويخص بالذكر، فيدخل فيه الكفر بالطاغوت، كشهادة أن لا إله إلا لله، فإنها دالة على الإيمان بالله المتضمن للكفر بالطاغوت وعبادة الله وحده لا شريك له.
وقد يجمع بينهما كما (١) في حديث طارق، فيستفاد معنى زائد وحكم آخر، سواء كانت الجملة الثانية مؤكدة أو مؤسسة، وأيضا فإن دلالة الألفاظ والأسماء تختلف في حال اقترانها وانفرادها، ومعلوم أن الجملة المعطوفة أفادت فائدة أخرى، وحصل بها حكم لم يحصل بالجملة الأولى، (على القول بأنها مؤسسة، وكذا القول بأنها مؤكدة. فإن النفي في الجملة الأولى) (٢) يتضمن الكفر بما عبد من دون الله على وجه العموم المستفاد من النفي، وفي الجملة الأخرى خصت أحد (٣) المعاني المستفادة من الجملة الأولى، تنبيها على أنه أجل معانيها وأهمها وهذا مشهور في كلام الله وكلام رسوله وكلام العرب.
وقول الشيخ: إنه لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله هو نص الحديث ومنطوقه وصريحه.
وهذا المفتري يقول: (حمله ما لم يحتمل، وخالفه خلافا أوضح من الشمس)، فأي جهل وكذب ومكابرة ورد للنصوص أعظم من هذا؟ فنعوذ بالله من الجهل والعمى، والضلال بعد الهدى، وإنكار ما قاله شيخنا مما دل عليه النص هو الباطل شرعا وعقلا ولغة.
ولو جعلناه من عطف المرادف، أو عطف الخاص على العام فهو
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ح): "إحدى".
دال على كل تقدير بمنطوقه على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله لا بد منه في الإيمان والإسلام؟ ولا عصمة للدم والمال إلا بذلك، وإنكار هذا مكابرة ظاهرة.
فإن الكفر بما عبد من دون الله إن كان من مدلول الجملة الأولى، والثانية مؤكدة فالحكم الذي قرره الشيخ ثابت بالأولى، مؤكد بالثانية، وهذا أقوى في الدلالة على ما قاله وما قرره، وليس فيه ما يستريح به هذا المعترض؛ لكنه لا يتأتى على قواعد العربية، لأن الحال وصف فضلة مفهم للحالية؟ ويشترط في كون الجملة حالا شروط لا تتأتى هنا (١) فقوله: (أو جعلنا الواو شرطا أو للحال) كلام جاهل بقواعد العربية لا يدريها، فالواو لا تقع شرطا، وإنما تقع للعطف والتشريك، والجملة بعدها لا تصح أن تكون للحال، فإنها جملة فعلية ماضوية لا تقع (٢) حالا، ولغير ذلك من موانع الحالية كما يعلم من باب الحال في "الخلاصة" وغيرها من كتب العربية.
وهذا الغمر يرمي أتباع الشيخ بعدم العلم بالعربية، وهو فيها (٣) أشد لحنا، وأفسد تركيبا من البربر والديلم، أين أنت ومعرفة معاني الحروف والتراكيب؟
ليس ذا (٤) عشك ادرجي.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في بقية النسخ: "تفهم".
(٣) في (ق): "فيا".
(٤) ساقطة من (الأصل) و(ح) و(ق)، والصواب إثباتها.
وقوله: "لما يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص" فيه جهل عظيم، لأن شهادة أن لا إله إلا الله دلت على الكفر بما عبد من دون الله تضمنا لا التزاما؟ ولم يقل أحد من المسلمين والعرب: إنها دلت على ذلك التزاما إلا على قول (١) طائفة ضالة من المتكلمين، يزعمون أن معناها: لا قادر على الاختراع إلا الله، وأما كون شهادة الإخلاص هي المنجية من الخلود في النار فنعم، ولكن لا بد من العلم واليقين، وحصول ما دلت عليه من النفي والإثبات، وهذا لنا لا علينا؟ وهو يشهد لهذا الحديث الذي فيه زيادة: "وكفر بما يعبد من دون الله ".
وقد قدمنا أن شهادة الإخلاص دالة على الكفر بالطاغوت في حال إفرادها، وكذلك في حال اقترانها بغيرها.
فهذه الأحاديث التي ساق المعترض كلها لنا بحمد الله، دالة على ما قرره شيخنا ونص عليه في حديث طارق، شاهدة له (٢) مقررة لمعناه، كحديث عياض، وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث أنس، كل هذا يدل على أن الكفر بالطاغوت لا بد منه في عصمة المال والدم.
والمعترض أوردها محتجا بها على دعواه أن اشتراط الكفر بما يعبد من دون الله من زيادات شيخنا، وأنه مخالف للأحاديث، وأنها لا تحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة، وإنما المراد مجرد لفظها والوعد بالجنة والانتفاع بها، وعدم تكفير قائلها وإخراجه من الإسلام، كل هذا عند المعترض لا يشترط فيه الكفر بما يعبد من دون الله المذكور في حديث طارق،
_________
(١) "على قول" ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
وجعل نص الحديث ومنطوقه مما لا يدل عليه حديث طارق ولا هذه الأحاديث، فلا يشترط الكفر بالطاغوت عنده (١) بل هو من زيادات شيخنا، ومن الخزعبلات عند هذا المعنى وعلى زعمه، والحديث مشهور عند أهل العلم، فجعله من الخزعبلات، مع العلم بأن الرسول قد قاله ردة صريحة عند كافة أهل الفقه والفتوى، فسبحان من طبع على قلبه بحكمته، وجعل ثيران المدار، أهدى منه لمعرفة ما يدل على توحيد العزيز (٢) الغفار.
وأما قوله: (في حديث أنس: " «ثلاث من أصل الإيمان» - إلى قوله- «ولا نخرجه من الإسلام بعمل» ")، فالصحيح وقفه، وليس من المرفوع (٣) والجملة الأخيرة وهي قوله (٤) "والجهاد ماض منذ بعثني الله " فهي تروى.
وأما قوله: (وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها ولا معرفة معناها) .
فهذا كذب، لم يقل: لا ينفعه، وإنما قال شيخا: (فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها (٥) فحرف هذا المفتري (٦) وبهت الشيخ بقول (٧) لم يصدر، مع (٨) أنه حكى قوله بنفسه، فنعوذ بالله من جهد البلاء.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) لم أقف على من أخرجه موقوفا، وأظن أن المؤلف هنا وهم، والحديث في سنده مجهول وقد سبق تخريجه.
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح): " معناه"، دون " معرفة ".
(٦) في (ق): " المعترض ".
(٧) في (ح): "بقوله ".
(٨) في (المطبوعة): "منه "، وفي (ح): "معه ".
وأما قوله: (فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له لا يعصم ماله ودمه (١) بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه) .
فنقول: الكلام كلام رسول الله ﷺ، هو الذي جاء بهذا من عند الله تعالى وتقدس؟ واشترط الكفر بما عبد من دون الله في عصمة المال والدم، مع المعرفة والتلفظ، وكونه لا يدعو إلا الله، فمن رد ذلك فقد رد على عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي الذي بشرت به الأنبياء، وقامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على رسالته وصدق مقالته، فمن رد ذلك فهو المحاد لله ورسوله، المحارب له، المكابر لنصوصه، لا من آمن به وأخذ بقوله ودعا إليه الناس وبلغه الأمة.
إذا عرفت هذا، فقول المعترض: (فهذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص)، فيه رجوع عن قوله الأول، وهدم لأساسه وقاعدته، وقد تقدم حكاية قوله الصريح في رد اشتراط هذا في عصمة (المال والدم) (٢) ثم رجع القهقري وانحط إلى وراء، وزعم أن الشيخ لم يدخل الكفر بالطاغوت في كلمة الإخلاص، فأين هذا من تقريره الأول؟ والشيخ لم ينف دخوله، وإنما اشترطه في عصمة المال والدم، وذكر أنه نص الحديث، وأن حديث طارق أفاد أن هذه الجملة بخصوصها لا بد منها، ولم يتعرض لنفي دلالة كلمة الإخلاص عليها، ولا في كلامه ما يفهم منه ذلك، بل فيه ما يؤيده.
_________
(١) في (ق) و(م): "دمه وماله ".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
ويقال لهذا: إن رجعت عن دعواك الأولى وأقررت أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه في العصمة، فما هذا الاعتراض والطعن والذم لمن اشترطه وقال به؟ .
وما أحسن قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١] [الذاريات / ٧ - ١١] .
فنزل هذه الآيات وأمثالها على هذا المعترض وأشباهه تجد فيها من وصفهم وعيبهم وذمهم بالاختلاف، وتدافع الأقوال ونفى العلم واليقين، وأنه لم يحصل لهم إلا مجرد خرص وخدس، ليس من العلم في شيء، وأنهم في غمرة السهو والجهل، وعدم الإيمان، فمتى تتفق أقوالهم؟ وتسلم عقولهم (وتعلم قلوبهم) (١)؟ وتنشرح صدورهم آيات الحق وداعيه؟
فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا
ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا
ومن تناقضه وتدافع أقواله، قوله: (ولو كان فقيها لعلم (أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق) (٢) .
فإن هذا يهدم ما قبله إن كانت كلمة الإخلاص تقتضي هذا وتدل على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، فما هذه الخصومة؟ وكيف تقول فيما قبل: (إن مخالفته للحديث أوضح من الشمس، وأنه حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة؟) فما هذا التناقض؟ تذكر المخالفة وتزعم أنها واضحة، وأن الحديث ما دل على ما قاله الخصم ثم ترجع
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق» .
وتقول: (هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق؟) .
فتبا لك آخر الدهر، أين الفقه الذي تدعيه؟ لو صحت العقول لعدك السامع لهذا من صنف المعتوهين، ومن أهل الهذيان لا من أهل الفقه والبيان.
وإذا دلت عليها الجملة الأولى فالمعنى حينئذ واحد، والشيخ ما نفى دلالة الأولى على المعنى المراد، وإنما قرر أن الجملة الثانية فيها مزيد بيان وتوضيح يستفيده الذكي والبليد، والضعيف والشديد، وهذا محض الفقه، ومن أنكره فهو الجاهل بلغة العرب واصطلاح (١) الشرع، المحرف للكلم عن مواضعه، المصادم للأحاديث النبوية بالحرفة اليهودية.
وكلامه ومسبته للشيخ عنوان على علم الشيخ وفضله ومخالفة عقله لعقله، ولو أثنى عليه هذا الملحد لشك بعض الناس في فضل الشيخ، وقال: أي جامعة بينهما؟ كما أن سفهاء الجاهلية وسقطهم بينهم وبين الرسل والصديقين أشد منافرة (٢) وأعظم مباينة، وبين المؤمنين والمنافقين كذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] [البقرة / ١٣]، ووصفهم بالاستهزاء بأوليائه وعباده.
ثم قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] [البقرة / ١٥] .
وكذلك هذا الرجل صرح بالاستهزاء بتوحيد الله وبمن قاله، ووصفه بدقل العقل والجهل.
_________
(١) في (م): "وإصلاح".
(٢) في (ح): " مناخرة".
فسبحان من اقتضت حكمته، وجود ورثة وأتباع لأعدائه وأعداء (١) رسله، كما اقتضت وجود أوليائه وأتباع رسله، ومضت إرادته تعالى ومشيئته بوجود الضدين واجتماع الجنسين، إلى أن يأتي أمر الله وهم في خصومة يختصمون في ربهم، وسيحكم بينهم بعدله ويزيد أولياءه من رحمته وفضله.
وأما قوله: (فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله) .
أقول: جوابه: أن من تفكر (٢) في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ - وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩] [الحجر / ٩٤ - ٩٩] لم يبق في صدره حرج ولا ضيق من سفاهة الجاهلين، واستهزاء المستهزئين، وإلحاد الضالين.
والله سبحانه يعلم من الذي أبو جهل وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، أهو من يدعو الناس إلى عبادة الله وإسلام الوجوه له، وترك التعلق على الأنداد والشفعاء والشركاء، أو هو من قام يدعو إلى عبادة الصالحين، والجن والشياطين، ويجهل من أنكر عليهم ويعاديه، ويرميه بأنه كفر الأمة أهل لا إله إلا الله، وأن من عبد عليا والحسين والعباس وعبد القادر وأمثالهم هم (٣) خير أمة أخرجت للناس، وهم الذين عمروا المساجد، وهم وهم وهم؟ .
_________
(١) في (ق): " وأتباع ".
(٢) في (ق) و(م): " تذكر ".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
وسيعلم هذا إذا انكشف الغطاء، وآن الرحيل واللقاء، ماذا جنى على نفسه؟ وفي أي الموارد أوردها؟ وأي المهالك ساقها إليه وأنزلها؟ .
وفي الحديث: " «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» " (١) ومن وقف على ما قالته الرافضة في السابقين الأولين، (من المهاجرين) (٢) والأنصار وأكابرهم (٣) وسادتهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، لم يستغرب ما يجري من أهل المعاندة والفجور، المعروفين بالقحة وشهادة (٤) الزور.
اللهم إنا فارقناهم في مرضاتك، وعاديناهم لجلال ذاتك، فحل بيننا وبين من أشرك بك، وصد عن سبيلك، وجحد توحيدك، وعادى أولياءك.
اللهم إنا نتوسل إليك بتوحيدك الذي أنكره (٥) المشركون ألا تجمع بيننا وبينهم في دار الهوان والشقاء، اللهم إن عبدك ورسولك الصادق المصدوق، قال فيما صح عنه " «المرء مع من أحب» " (٦) .
اللهم إنا نشهدك، ونشهد ملائكتك، وأولي العلم من خلقك على محبتك، ومحبة رسلك، وأوليائك، وعبادك الصالحين.
_________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٩٥)، ومسلم (١٠٦٣)، والترمذي (٣٨٩٦) .
(٢) "من المهاجرين " ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): "كبار".
(٤) ساقطة من (م) .
(٥) في (ق) و(م): "جحده".
(٦) أخرجه البخاري (٦١٦٨، ٦١٧١)، ومسلم (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٣٨٦، ٢٣٨٧) .
اللهم فاجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم رحمتك نرجو ومغفرتك نأمل (١) فلا تخيب رجاءنا وحقق فيك آمالنا.
وما أحسن ما قال الشافعي ﵁: "ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم" (٢) .
وأما قول المعترض: (إن حديث طارق بعينه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ، ومن لوازمها) .
فيقال: ومن نفى ذلك؟ ومن الذي رده؟ وإذا تضمن الشهادة بالرسالة فتضمنه للكفر بما عبد من دون الله أولى، فما هذا الإنكار والجهل الجهار؟ .
وأما حديث أسامة: ففيه وفي أمثاله من الأحاديث التي دلت على الكف عمن قال: "لا إله إلا الله ". دلالة على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، وإنما اختلفت دلالة الألفاظ ومعانيها، في حالة الأفراد والاقتران، كما تقدم.
وأيضا يقال لهذا: إن أنكرت دلالة: "لا إله إلا الله " على الكفر بما يعبد من دون الله أبطلت كلامك الذي قبل هذا بأسطر، ورجعت إلى (٣)
_________
(١) في (ق) و(م): "نؤمل ".
(٢) انظر: "تبيين كذب المفتري "ص (٤٢٤) .
(٣) في (م): "على ".
بنائك بالهدم، وإن أثبتها وجعلت كلمة الإخلاص دالة عليه بطل اعتراضك على الشيخ؟ لأن حاصل تقريره وكلامه: أن هذا لا بد منه في عصمة المال والدم، فلا ندري ما هذا الروغان؟!
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه
وأما حديث أبي هريرة في الشفاعة، وحديث عبادة، وحديث عثمان:
فكلها دالة على وجوب الكفر بما عبد من دون الله، إما تضمنا أو مطابقة، وهذا المعترض لا يعقلها وإن أوردها، وكيف يعقلها من عادى أهلها وعابهم، ونصر من خالفها، ونقضها وردها؟ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥]
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (١) فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] [الأعراف / ١٧٥، ١٧٦] (٢)
_________
(١) في (ق): (بآيات الله)، وهو خطأ.
(٢) في (ق) و(م): زيادة ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآيتنا وأنفسهم كانوا يظلمون.
فصل قال المعترض: (فصل: وقال في مسائله على توحيده في حديث طارق بن أشيم ﵁ الذي في صحيح مسلم: " «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿» " (١) فقال عليه: وهذا من أعظم ما يبين لك (٢) معنى "لا إله إلا الله! فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل (٣) ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله (٤) حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، هذا كلامه) (٥) .
ثم قال: (فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع) . انتهى كلامه.
ثم قال المعترض: (فتفكر بعقلك هذا الكلام، وتفهم لقول
_________
(١) أخرجه مسلم (٢٣) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق) و(م): "ماله ودمه ".
(٥) "هذا كلامه " ساقطة من (ق) و(م) .
رسول الله ﷺ في قوله: " «من قال لا إله إلا الله» " ثم أعرض عليه كلام هذا الرجل وما حكم عليه به، حتى ترى مخالفته له أوضح من الشمس حيث حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة سواء جعلناه من عطف الخاص على العام.
كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [البقرة / ٢٣٨] .
وقوله: من (١) ﴿كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البقرة / ٩٨] .
أو جعلنا الواو واو الحال، أو جعلنا الواو شرطا فيكون تأكيد أو تحقيقا لما (٢) يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص؟ لأنها المطلوبة بما تضمنته في (٣) جميع الأحاديث، وهي المنجية من الخلود في النار. وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: " «إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه، وهو إلى الله تعالى غدا فمحاسبه» (٤) وعند البيهقي، وصححه البزار، والطبراني في معجميه (٥) وأبى نعيم في "الحلية" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما
_________
(١) في (الأصل) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: " قل من "، وهو خطأ.
(٢) في بقية النسخ: "لم".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه البزار، انظر: كشف الأستار (١ / ١٠، ح ٤) .
(٥) في (ق) و(م): " معجمه"، وفي (ح): " مجمعه ".
من دهره (١) يصيبه قبل ذلك ما أصابه» " (٢) وعند أبي داود بسند حسن، من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب؟ ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» " (٣) .
فهذا قول رسول الله (٤) ﷺ، وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها، بل ولا معرفة معناها. إلى آخر كلامه، فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، لا يعصم دمه وماله بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه على (٥) هذا؟ فلا أكبر حينئذ من ذلك لله تعالى ورسوله ﷺ محادة ومحاربة ومكابرة ومضادة، فإن هذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص، كما تراه واضحا فاضحا من قوله، ولو كان فقيها لعلم أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق إذا
_________
(١) في بقية النسخ: "دهر".
(٢) أخرجه البزار، كما في كشف الأستار (١ / ١٠، ح ٣)، والطبراني في الصغير (ح / ٣٨٥)، وذكره المناوي في فيض القدير (٥ / ١٨٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧)، وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط الصغير ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢ / ١٧٦)، ومن طريقه أبو داود (٢٥٣٢)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٩ / ١٥٦)، وأخرجه أبو يعلى (٧ / ٢٨٧)، وفي سنده مجهول.
(٤) في (م): " الرسول".
(٥) ساقطة من (م) .
جعلنا الواو شرطا، وهو بكلامه هذا جعلها (١) شرطا زائدا عليها، فما فائدة إذا تسميتها بكلمة الإخلاص؟ فأين المسلم حينئذ عنده؟ وهذا من جملة خزعبلاته، وجهله بلغة العرب، وتحكيمه لعقله على دقله وجهله، فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، فإنها تنفي جميع ما عبد من دون الله تعالى، حين دعاهم (٢) ﷺ إليها، فصفقوا (٣) بأيديهم، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] [ص / ٥]
أفيقول قول هذا الرجل عاقل؟ فهذا الرجل ينطق لسانه بما لا يحكم (٤) جنانه، أو ما علم في حديث طارق بعينه أنه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله؟ ومن لوازمها، كما نص عليه العلماء الأمناء، والعجب ممن يعظم هذا الكلام كما عظمه صاحبه، ولا يرى ظهور غائلته، فهلا قال ﷺ لأسامة بن زيد حين قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله: أكفر بما يعبد من دون الله، بعد أن شهد أن لا إله إلا الله؟ بل قال له رسول الله ﷺ: " «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " حين (٥) قال أسامة: "إنما قالها تعوذا من القتل " فجعل ﷺ يردد عليه: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"، وهو يقول: يا رسول الله استغفر لي، حتى تمنى أسامة ﵁ أنه (٦) أسلم
_________
(١) في (م): "جعله ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " النبي ".
(٣) في (ح): "فصيفقوا".
(٤) في (ق): "يحكمه ".
(٥) في (ق): "حيثما".
(٦) في (ق) و(م): "أنه أسلم حينئذ "، وفي (ح) و(المطبوعة): "أن لم يكن أسلم يومئذ ".
يومئذ،» والحديث جميعه في الصحيحين (١) وكذا (٢) حديث أبي هريرة في الشفاعة، وقصة النعلين (٣) وحديث عبادة بن الصامت (٤) وحديث عثمان بن عفان ﵁ (٥) والكل في الصحيحين، لا نطيل بذكرها وقد ذكرناها في "غسل الدرن، مستوفاة) .
والجواب أن يقال: في نسبة التوحيد إليه أعني إلى شيخنا: ما يشعر ببراءة (٦) هذا الرجل منه، والكتاب الذي يشير إليه ليس فيه إلا كلام الله وكلام رسوله، أورده المصنف ﵀ مستدلا به على ما وضع من الأبواب والتراجم، فالبراءة منه براءة من كتاب الله وسنة نبيه (٧) ولا شك في كفر من قصد ذلك، ولا أرى لقول المعترض في عبارته: (أن الشيخ ذكره في مسائله على توحيده) إلا ما يشعر بهذا، والله أعلم بقصده ومراده.
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦، ٩٧)، وأبو داود (٢٦٤٣) .
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "وكذلك ".
(٣) أخرجه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) في الشفاعة (من أسعد الناس بشفاعتك)، ومسلم (٣١) في قصة النعلين.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨، ٢٩)، اللفظ الأول: من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء"، واللفظ الثاني: "من شهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار".
(٥) أخرجه مسلم (٢٦)، ولفظه: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): " ببراء".
(٧) في (ق): "رسوله ".
وتقرير الشيخ على هذا (١) الحديث من أحسن التقارير (٢) وأدلها وأبينها، فإنه استدل بالجملة المعطوفة الثانية على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله (شرط في تحريم الدم والمال، وأن لا عصمة بمجرد القول والمعرفة ولا بمجرد ترك عبادة ما عبد من دون الله) (٣) بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله، والكفر فيه بغضه (٤) وتركه، ورده، والبراءة منه ومعرفة بطلانه، وهذا لا بد منه في الإسلام.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (٥) [البقرة / ٢٥٦] .
فجمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في هذه الآية ولها نظائر في كتاب الله.
كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] [الزخرف / ٢٦، ٢٧]
فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل (٦) الإسلام بدونه، وهكذا هذا الحديث مثل هذه الآيات، فان الإيمان بالله هو شهادة لا إله إلا الله، ومع ذلك ذكر الكفر بالطاغوت معه في حصول الاستمساك بالعروة الوثقى.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ح): "تقارير".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ح): (بغضه)، وفي (م): "فيه وبغضه "، وفي (ق) و(المطبوعة): "به وبغضه ".
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: فقد استمسك بالعروة الوثقى.
(٦) في (ق): "لا يصلح ".
وقد يفرد الإيمان ويخص بالذكر، فيدخل فيه الكفر بالطاغوت، كشهادة أن لا إله إلا لله، فإنها دالة على الإيمان بالله المتضمن للكفر بالطاغوت وعبادة الله وحده لا شريك له.
وقد يجمع بينهما كما (١) في حديث طارق، فيستفاد معنى زائد وحكم آخر، سواء كانت الجملة الثانية مؤكدة أو مؤسسة، وأيضا فإن دلالة الألفاظ والأسماء تختلف في حال اقترانها وانفرادها، ومعلوم أن الجملة المعطوفة أفادت فائدة أخرى، وحصل بها حكم لم يحصل بالجملة الأولى، (على القول بأنها مؤسسة، وكذا القول بأنها مؤكدة. فإن النفي في الجملة الأولى) (٢) يتضمن الكفر بما عبد من دون الله على وجه العموم المستفاد من النفي، وفي الجملة الأخرى خصت أحد (٣) المعاني المستفادة من الجملة الأولى، تنبيها على أنه أجل معانيها وأهمها وهذا مشهور في كلام الله وكلام رسوله وكلام العرب.
وقول الشيخ: إنه لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله هو نص الحديث ومنطوقه وصريحه.
وهذا المفتري يقول: (حمله ما لم يحتمل، وخالفه خلافا أوضح من الشمس)، فأي جهل وكذب ومكابرة ورد للنصوص أعظم من هذا؟ فنعوذ بالله من الجهل والعمى، والضلال بعد الهدى، وإنكار ما قاله شيخنا مما دل عليه النص هو الباطل شرعا وعقلا ولغة.
ولو جعلناه من عطف المرادف، أو عطف الخاص على العام فهو
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ح): "إحدى".
دال على كل تقدير بمنطوقه على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله لا بد منه في الإيمان والإسلام؟ ولا عصمة للدم والمال إلا بذلك، وإنكار هذا مكابرة ظاهرة.
فإن الكفر بما عبد من دون الله إن كان من مدلول الجملة الأولى، والثانية مؤكدة فالحكم الذي قرره الشيخ ثابت بالأولى، مؤكد بالثانية، وهذا أقوى في الدلالة على ما قاله وما قرره، وليس فيه ما يستريح به هذا المعترض؛ لكنه لا يتأتى على قواعد العربية، لأن الحال وصف فضلة مفهم للحالية؟ ويشترط في كون الجملة حالا شروط لا تتأتى هنا (١) فقوله: (أو جعلنا الواو شرطا أو للحال) كلام جاهل بقواعد العربية لا يدريها، فالواو لا تقع شرطا، وإنما تقع للعطف والتشريك، والجملة بعدها لا تصح أن تكون للحال، فإنها جملة فعلية ماضوية لا تقع (٢) حالا، ولغير ذلك من موانع الحالية كما يعلم من باب الحال في "الخلاصة" وغيرها من كتب العربية.
وهذا الغمر يرمي أتباع الشيخ بعدم العلم بالعربية، وهو فيها (٣) أشد لحنا، وأفسد تركيبا من البربر والديلم، أين أنت ومعرفة معاني الحروف والتراكيب؟
ليس ذا (٤) عشك ادرجي.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في بقية النسخ: "تفهم".
(٣) في (ق): "فيا".
(٤) ساقطة من (الأصل) و(ح) و(ق)، والصواب إثباتها.
وقوله: "لما يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص" فيه جهل عظيم، لأن شهادة أن لا إله إلا الله دلت على الكفر بما عبد من دون الله تضمنا لا التزاما؟ ولم يقل أحد من المسلمين والعرب: إنها دلت على ذلك التزاما إلا على قول (١) طائفة ضالة من المتكلمين، يزعمون أن معناها: لا قادر على الاختراع إلا الله، وأما كون شهادة الإخلاص هي المنجية من الخلود في النار فنعم، ولكن لا بد من العلم واليقين، وحصول ما دلت عليه من النفي والإثبات، وهذا لنا لا علينا؟ وهو يشهد لهذا الحديث الذي فيه زيادة: "وكفر بما يعبد من دون الله ".
وقد قدمنا أن شهادة الإخلاص دالة على الكفر بالطاغوت في حال إفرادها، وكذلك في حال اقترانها بغيرها.
فهذه الأحاديث التي ساق المعترض كلها لنا بحمد الله، دالة على ما قرره شيخنا ونص عليه في حديث طارق، شاهدة له (٢) مقررة لمعناه، كحديث عياض، وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث أنس، كل هذا يدل على أن الكفر بالطاغوت لا بد منه في عصمة المال والدم.
والمعترض أوردها محتجا بها على دعواه أن اشتراط الكفر بما يعبد من دون الله من زيادات شيخنا، وأنه مخالف للأحاديث، وأنها لا تحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة، وإنما المراد مجرد لفظها والوعد بالجنة والانتفاع بها، وعدم تكفير قائلها وإخراجه من الإسلام، كل هذا عند المعترض لا يشترط فيه الكفر بما يعبد من دون الله المذكور في حديث طارق،
_________
(١) "على قول" ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
وجعل نص الحديث ومنطوقه مما لا يدل عليه حديث طارق ولا هذه الأحاديث، فلا يشترط الكفر بالطاغوت عنده (١) بل هو من زيادات شيخنا، ومن الخزعبلات عند هذا المعنى وعلى زعمه، والحديث مشهور عند أهل العلم، فجعله من الخزعبلات، مع العلم بأن الرسول قد قاله ردة صريحة عند كافة أهل الفقه والفتوى، فسبحان من طبع على قلبه بحكمته، وجعل ثيران المدار، أهدى منه لمعرفة ما يدل على توحيد العزيز (٢) الغفار.
وأما قوله: (في حديث أنس: " «ثلاث من أصل الإيمان» - إلى قوله- «ولا نخرجه من الإسلام بعمل» ")، فالصحيح وقفه، وليس من المرفوع (٣) والجملة الأخيرة وهي قوله (٤) "والجهاد ماض منذ بعثني الله " فهي تروى.
وأما قوله: (وهذا الرجل يقول: لا ينفعه التلفظ بها ولا معرفة معناها) .
فهذا كذب، لم يقل: لا ينفعه، وإنما قال شيخا: (فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها (٥) فحرف هذا المفتري (٦) وبهت الشيخ بقول (٧) لم يصدر، مع (٨) أنه حكى قوله بنفسه، فنعوذ بالله من جهد البلاء.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) لم أقف على من أخرجه موقوفا، وأظن أن المؤلف هنا وهم، والحديث في سنده مجهول وقد سبق تخريجه.
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح): " معناه"، دون " معرفة ".
(٦) في (ق): " المعترض ".
(٧) في (ح): "بقوله ".
(٨) في (المطبوعة): "منه "، وفي (ح): "معه ".
وأما قوله: (فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له لا يعصم ماله ودمه (١) بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه) .
فنقول: الكلام كلام رسول الله ﷺ، هو الذي جاء بهذا من عند الله تعالى وتقدس؟ واشترط الكفر بما عبد من دون الله في عصمة المال والدم، مع المعرفة والتلفظ، وكونه لا يدعو إلا الله، فمن رد ذلك فقد رد على عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي الذي بشرت به الأنبياء، وقامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على رسالته وصدق مقالته، فمن رد ذلك فهو المحاد لله ورسوله، المحارب له، المكابر لنصوصه، لا من آمن به وأخذ بقوله ودعا إليه الناس وبلغه الأمة.
إذا عرفت هذا، فقول المعترض: (فهذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص)، فيه رجوع عن قوله الأول، وهدم لأساسه وقاعدته، وقد تقدم حكاية قوله الصريح في رد اشتراط هذا في عصمة (المال والدم) (٢) ثم رجع القهقري وانحط إلى وراء، وزعم أن الشيخ لم يدخل الكفر بالطاغوت في كلمة الإخلاص، فأين هذا من تقريره الأول؟ والشيخ لم ينف دخوله، وإنما اشترطه في عصمة المال والدم، وذكر أنه نص الحديث، وأن حديث طارق أفاد أن هذه الجملة بخصوصها لا بد منها، ولم يتعرض لنفي دلالة كلمة الإخلاص عليها، ولا في كلامه ما يفهم منه ذلك، بل فيه ما يؤيده.
_________
(١) في (ق) و(م): "دمه وماله ".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
ويقال لهذا: إن رجعت عن دعواك الأولى وأقررت أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه في العصمة، فما هذا الاعتراض والطعن والذم لمن اشترطه وقال به؟ .
وما أحسن قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١] [الذاريات / ٧ - ١١] .
فنزل هذه الآيات وأمثالها على هذا المعترض وأشباهه تجد فيها من وصفهم وعيبهم وذمهم بالاختلاف، وتدافع الأقوال ونفى العلم واليقين، وأنه لم يحصل لهم إلا مجرد خرص وخدس، ليس من العلم في شيء، وأنهم في غمرة السهو والجهل، وعدم الإيمان، فمتى تتفق أقوالهم؟ وتسلم عقولهم (وتعلم قلوبهم) (١)؟ وتنشرح صدورهم آيات الحق وداعيه؟
فيا لك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا
ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا
ومن تناقضه وتدافع أقواله، قوله: (ولو كان فقيها لعلم (أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق) (٢) .
فإن هذا يهدم ما قبله إن كانت كلمة الإخلاص تقتضي هذا وتدل على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، فما هذه الخصومة؟ وكيف تقول فيما قبل: (إن مخالفته للحديث أوضح من الشمس، وأنه حمله ما لا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة؟) فما هذا التناقض؟ تذكر المخالفة وتزعم أنها واضحة، وأن الحديث ما دل على ما قاله الخصم ثم ترجع
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق» .
وتقول: (هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق؟) .
فتبا لك آخر الدهر، أين الفقه الذي تدعيه؟ لو صحت العقول لعدك السامع لهذا من صنف المعتوهين، ومن أهل الهذيان لا من أهل الفقه والبيان.
وإذا دلت عليها الجملة الأولى فالمعنى حينئذ واحد، والشيخ ما نفى دلالة الأولى على المعنى المراد، وإنما قرر أن الجملة الثانية فيها مزيد بيان وتوضيح يستفيده الذكي والبليد، والضعيف والشديد، وهذا محض الفقه، ومن أنكره فهو الجاهل بلغة العرب واصطلاح (١) الشرع، المحرف للكلم عن مواضعه، المصادم للأحاديث النبوية بالحرفة اليهودية.
وكلامه ومسبته للشيخ عنوان على علم الشيخ وفضله ومخالفة عقله لعقله، ولو أثنى عليه هذا الملحد لشك بعض الناس في فضل الشيخ، وقال: أي جامعة بينهما؟ كما أن سفهاء الجاهلية وسقطهم بينهم وبين الرسل والصديقين أشد منافرة (٢) وأعظم مباينة، وبين المؤمنين والمنافقين كذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] [البقرة / ١٣]، ووصفهم بالاستهزاء بأوليائه وعباده.
ثم قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] [البقرة / ١٥] .
وكذلك هذا الرجل صرح بالاستهزاء بتوحيد الله وبمن قاله، ووصفه بدقل العقل والجهل.
_________
(١) في (م): "وإصلاح".
(٢) في (ح): " مناخرة".
فسبحان من اقتضت حكمته، وجود ورثة وأتباع لأعدائه وأعداء (١) رسله، كما اقتضت وجود أوليائه وأتباع رسله، ومضت إرادته تعالى ومشيئته بوجود الضدين واجتماع الجنسين، إلى أن يأتي أمر الله وهم في خصومة يختصمون في ربهم، وسيحكم بينهم بعدله ويزيد أولياءه من رحمته وفضله.
وأما قوله: (فأبو جهل حينئذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله) .
أقول: جوابه: أن من تفكر (٢) في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ - وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٩] [الحجر / ٩٤ - ٩٩] لم يبق في صدره حرج ولا ضيق من سفاهة الجاهلين، واستهزاء المستهزئين، وإلحاد الضالين.
والله سبحانه يعلم من الذي أبو جهل وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله، أهو من يدعو الناس إلى عبادة الله وإسلام الوجوه له، وترك التعلق على الأنداد والشفعاء والشركاء، أو هو من قام يدعو إلى عبادة الصالحين، والجن والشياطين، ويجهل من أنكر عليهم ويعاديه، ويرميه بأنه كفر الأمة أهل لا إله إلا الله، وأن من عبد عليا والحسين والعباس وعبد القادر وأمثالهم هم (٣) خير أمة أخرجت للناس، وهم الذين عمروا المساجد، وهم وهم وهم؟ .
_________
(١) في (ق): " وأتباع ".
(٢) في (ق) و(م): " تذكر ".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
وسيعلم هذا إذا انكشف الغطاء، وآن الرحيل واللقاء، ماذا جنى على نفسه؟ وفي أي الموارد أوردها؟ وأي المهالك ساقها إليه وأنزلها؟ .
وفي الحديث: " «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» " (١) ومن وقف على ما قالته الرافضة في السابقين الأولين، (من المهاجرين) (٢) والأنصار وأكابرهم (٣) وسادتهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، لم يستغرب ما يجري من أهل المعاندة والفجور، المعروفين بالقحة وشهادة (٤) الزور.
اللهم إنا فارقناهم في مرضاتك، وعاديناهم لجلال ذاتك، فحل بيننا وبين من أشرك بك، وصد عن سبيلك، وجحد توحيدك، وعادى أولياءك.
اللهم إنا نتوسل إليك بتوحيدك الذي أنكره (٥) المشركون ألا تجمع بيننا وبينهم في دار الهوان والشقاء، اللهم إن عبدك ورسولك الصادق المصدوق، قال فيما صح عنه " «المرء مع من أحب» " (٦) .
اللهم إنا نشهدك، ونشهد ملائكتك، وأولي العلم من خلقك على محبتك، ومحبة رسلك، وأوليائك، وعبادك الصالحين.
_________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٩٥)، ومسلم (١٠٦٣)، والترمذي (٣٨٩٦) .
(٢) "من المهاجرين " ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): "كبار".
(٤) ساقطة من (م) .
(٥) في (ق) و(م): "جحده".
(٦) أخرجه البخاري (٦١٦٨، ٦١٧١)، ومسلم (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٣٨٦، ٢٣٨٧) .
اللهم فاجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم رحمتك نرجو ومغفرتك نأمل (١) فلا تخيب رجاءنا وحقق فيك آمالنا.
وما أحسن ما قال الشافعي ﵁: "ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم" (٢) .
وأما قول المعترض: (إن حديث طارق بعينه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ، ومن لوازمها) .
فيقال: ومن نفى ذلك؟ ومن الذي رده؟ وإذا تضمن الشهادة بالرسالة فتضمنه للكفر بما عبد من دون الله أولى، فما هذا الإنكار والجهل الجهار؟ .
وأما حديث أسامة: ففيه وفي أمثاله من الأحاديث التي دلت على الكف عمن قال: "لا إله إلا الله ". دلالة على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه، وإنما اختلفت دلالة الألفاظ ومعانيها، في حالة الأفراد والاقتران، كما تقدم.
وأيضا يقال لهذا: إن أنكرت دلالة: "لا إله إلا الله " على الكفر بما يعبد من دون الله أبطلت كلامك الذي قبل هذا بأسطر، ورجعت إلى (٣)
_________
(١) في (ق) و(م): "نؤمل ".
(٢) انظر: "تبيين كذب المفتري "ص (٤٢٤) .
(٣) في (م): "على ".
بنائك بالهدم، وإن أثبتها وجعلت كلمة الإخلاص دالة عليه بطل اعتراضك على الشيخ؟ لأن حاصل تقريره وكلامه: أن هذا لا بد منه في عصمة المال والدم، فلا ندري ما هذا الروغان؟!
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه
وأما حديث أبي هريرة في الشفاعة، وحديث عبادة، وحديث عثمان:
فكلها دالة على وجوب الكفر بما عبد من دون الله، إما تضمنا أو مطابقة، وهذا المعترض لا يعقلها وإن أوردها، وكيف يعقلها من عادى أهلها وعابهم، ونصر من خالفها، ونقضها وردها؟ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥]
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (١) فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] [الأعراف / ١٧٥، ١٧٦] (٢)
_________
(١) في (ق): (بآيات الله)، وهو خطأ.
(٢) في (ق) و(م): زيادة ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآيتنا وأنفسهم كانوا يظلمون.
Translation
فصل بيان أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه
#62
Chapter 62 — فصل في التوسل بالأنبياء والصالحين
· ref. #62
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في التوسل بالأنبياء والصالحين]
فصل وقال المعترض: (ومن ذلك قوله في شبهة قال فيها: وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل، [١٠٧]، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا؛ بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له؟ فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب والصالحين (١) لهم جاه عند الله وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم وأقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه، إلى أن ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية [الإسراء: ٥٧] .
إلى أن قال: (فإن قال الكفار يريدون منهم وأنا أشهد (٢) أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحين (٣) . ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو الله بشفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول المشركين سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله
_________
(١) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "وإن شهد ".
(٣) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] انتهى كلامه.
ثم قال المعترض: (فجعل بكلامه هذا- كما ترى- التوسل بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج من الملة، وكفر به- كما ترى- صريحا من قوله، فصار حينئذ كلامه عن الرد عليه مريحا في (١) فإذا علمت أن أهل الغار الذين حديثهم في الصحيحين (٢) كنطق القرآن لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ وقد توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فأنجاهم الله تعالى بذلك، وأزاح عنهم الصخرة بقدرته الكاملة التي خلق الصخرة بها وأوجدها وجبلها التي هي منه، حتى خرجوا.
وقوله ﷺ في حديث السنن في الدعاء للقاصد للصلاة: " «لا أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا» " (٣) وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
وقد قرن في (٤) ذلك بلفظ واحد جل ذكره، وتقرر عندك، هل ترى
_________
(١) (ح): (صريحا) .،.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٧٢، ٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣) .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧٧٨)، وأحمد (٣ / ٢١)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٤) .
(٤) (ق): " قرأت ".
أعمال بني آدم أفضل عند الله تعالى من (١) ذات سيد البشر ﷺ؟ مع أن (٢) في حديث الأعمى الذي في السنن، وصححه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف ﵁ ورواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي (٣) عن عثمان بن حنيف أنه علمه رجلا له عند عثمان بن عفان (٤) حاجة، فتعسر قضاؤها في خلافته ﵁، فقال (٥) الرجل، فتيسرت حين توسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ فهل ترى الصحابة ﵃ يُعَلِّمُون الناس الشرك الأصغر؟ فضلا عن الأكبر كما يقوله هذا الرجل صريحا؟ أو ترى سلف الأمة الصالح وعلماءهم (٦) يَرْوُون وينقلون لأمته أفعال الشرك وأقواله ليعملوا به أو يجيزون ذلك أو روايته؟ سبحان الله ما أعمى عين الهوى عن الهدى) .
والجواب أن يقال: أما تسميته مصنف شيخنا في رد ما احتج به المشركون "شبها" مع أنه استدل بالكتاب السنة وتمسك بهما: فهذا من أعظم الجراءة على ما يوجب ردة قائله وكفره، فإن من قال في القرآن ما دون هذا مما يشعر برده أو نقضه، مجمع على كفره وردته، ولا خلاف بين أهل العلم (٧) في ذلك.
_________
(١) في (ق): "عندك في ".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) أخرجه أحمد (٤ / ١٣٨)، والترمذي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٨٥)، والحاكم (١ / ٣١٣)، والطبراني في الكبير (٣ / ٢) .
(٤) "بن عفان" ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح) زيادة: " له".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): (وعلماءها) .
(٧) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "والحق".
وما ذكره الشيخ من أن أعداء الله لهم اعتراضات وشُبَه كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس فهو حق.
ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] (١) [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] [الأنعام: ١٢١] .
وقول الشيخ: (منها قوله: نحن لا نشرك بالله شيئا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب، والصالحين (٢) لهم جاه عند الله، وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم، واقرأ عليهم (٣) ما ذكر الله في كتابه)، فهذا الكلام الذي حكاه الشيخ عنهم قد حكاه شيخ الإسلام عن كثير ممن يدعي الإسلام، ومن الصوفية، وذكر أنهم ظنوا أن الفناء في هذا التوحيد الذي هو توحيد الربوبية، هو الغاية التي ينتهي إليها السالكون، وقرر أن هذا لا يدخل به العبد في الإسلام، بل لا بد أن يكون الله وحده (٤) محبوبه الذي يألهه
_________
(١) ما بين القوسين مختص من الآية في (م) بكلمة: "الآية".
(٢) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
(٣) في بقية النسخ: "عليه".
(٤) ساقطة من (ق) .
ويخضع له، وينيب إليه، ويسلم له وجهه، ويتوكل عليه، ويستغيث به، ويفزع إليه في حاجاته ومهماته ولا يكون له في عباداته شريك، وقرر أن هذا هو حقيقة الإسلام وهو مدلول "لا إله إلا الله " وهو الذي دعت إليه الرسل، وصار النزاع والخصومة فيه.
كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] [الزخرف: ٤٥] .
فنفى سبحانه جعل آلهة يعبدهم الناس، ويفزعون إليهم، وأن الرسل كلهم نافون مبطلون لما ادعته المشركون من شرع اتخاذ الآلهة، وجعلها أندادا، والمقصود بالنفي هو الجعل الديني الشرعي، لا القضائي (١) القدري الكوني، وأما الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فهذا قد أقر به المشركون، كما ذكر الله ذلك عنهم في غير آية، كما في سورة يونس، والمؤمنون، وسورة النمل (٢) والزخرف، وغيرها من سور القرآن. وقول من يدعو الصالحين: (أنا مذنب؟ والصالحون لهم جاه)، هو بعينه قول المشركين، كما ذكره غير واحد: أنهم عللوا إباحة شركهم واستحسانه، بأن العبد المذنب لا يصلح لمخاطبة الرب والدخول [١٠٩]، عليه إلا بواسطة من العبد الصالح المقرب، وأنه إذا علق أمله بالصالحين أو الملائكة فاض عليه من الإفاضات التي تحصل لهم، ومثلوا ذلك بانعكاس الشعاع من الأجسام الصقيلة، كما ذكره الفارابي وغيره من دعاة المشركين.
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): "القضاء".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: " الزمر (٣٩: ٣٦ ٤٦) .
ومثل هذا يجاب عليه (١) بما ذكره شيخنا ﵀: من أن هذا بعينه هو قصد المشركين ومرادهم، وهو الذي دعاهم إلى عبادة الأنبياء والصالحين والتعلق عليهم لأجل الجاه والشفاعة.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] .
وأخبر تعالى عن قصدهم ومقالتهم، وأنكرها عليهم، وأخبر أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع (٢) عنده لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه فهو (٣) مستحيل الوجود، فنزه نفسه عن هذا الشرك المنافي للعبودية التي هي الحكمة في إيجاد البرية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] [الأحقاف: ٢٨] .
إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه، لا غبار عليه.
فاعلم أن قول هذا الملحد: (فجعل بكلامه هذا -كما ترى- التوسلَ بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا
_________
(١) ساقطة من (ح) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
بأوليائه من دين المشركين الشركَ الأكبر، المخرج من الملة، وكَفَّرَ به كما ترى صريحا من قوله) .
هو تمويه وتلبيس، أدخل فيه: (وطلبه (١) جل وعلا بأوليائه) ليوهم الجهال ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال.
وموضوع الكلام: أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين، وهذه مسألة، ودعاء الصالح وقصده (٢) فيما لا يقدر عليه إلا الله (٣) مسألة أخرى؟ فخلطها ليروج باطله، فقبحا قبحا، وسحقا سحقا لمن ورث اليهود، وحرَّف الكلم عن مواضع.
وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلها آخر في حاجاته وملماته، وقصده بعبادته فيما لا يقدر عليه إلا الله، كحال من عَبَدَ عبد القادر، وأحمد البدوي، أو العيدروس، أو عليًّا، والحسين، وقول هذا المشرك: (وأطلب من (٤) الله بهم)، أي: بواسطتهم. بمعنى أن هذا المشرك يدعوهم ويتوجه إليهم بالعبادات، وهم يدعو الله له، كما أخبر الله عن المشركين بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] .
فظن المعترض أن الشيخ أراد مسألة الله بجاه الصالحين؟ فاعترض على ذلك (٥) وآفته الفهم السقيم، والمعتقد الذميم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
_________
(١) في بقية النسخ: "طلبه" بإسقاط الواو.
(٢) في (ح) و(المطبوعة): (الصالحين وقصدهم "، وسقطت من (ق): "وقصدهم".
(٣) "إلا الله " ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "بما مر".
ومع هذا الصنيع الفظيع، والشرك الجلي يقول: (أنا لا أشرك بالله شيئا، وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظنا منه أن ذلك هو الإسلام فقط وأنه ينجو به (١) من الشرك، وما رتب عليه) .
فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته بما تقدم من الآيات: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] [الأنعام: ١١٥] .
وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم، بأن يقول السائل: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك، أو بجاه أوليائك، أو نحو هذا: فليس الكلام فيه، ولم يقل الشيخ إنه شرك، ولا له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل [١١٥]، العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري (٢) أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ولم يجزم بذلك، بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه، وفي المثل: أريها السهى وتريني القمر.
وأما استدلاله بحديث أهل الغار على مسألته التي لبَّس بها: فهو من نوادر جهله التي يضحك منها العقلاء، أين التوسل بالأعمال الصالحة، من البر والعفة والأمانة، من التوسل بذوات المخلوقين؟
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
_________
(١) سقطت من (المطبوعة) .
(٢) في (ح): "الكبرى"، وهو سبق قلم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] .
والوسيلة: ما شرعه (١) ورضيه من الأعمال الصالحة، والأقوال (٢) وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده، مخلوق من خلقه؟
ومن قاس هذا على ما صح من التوسل بالأعمال الصالحة، فقد أبعد المرمى، ولم يعرف مناط الأحكام.
والتوسل صار مشتركا في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه: الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تُغير الحقائق.
ويطلق أيضا: على مسألة الله بجاه الصالحين والأنبياء، وحقهم على الله.
ويطلق أيضا: في عرف السنة والقرآن وعرف أهل العلم بالله ودينه، على: التوسل والتقرب إلى الله بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله، وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة وأداء الأمانة.
فإذا أطلق التوسل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا هو المراد، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " لله ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "والأقوال الصالحة".
على رسوله، فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة، ترويجا لباطله.
وأما ما ورد في السنن من السؤال، (١) "بحق السائلين (٢) وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد" ونحو ذلك، فالله ﷾ جعل على نفسه حقا تفضلا منه وإحسانا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه، وما (٣) جعله لعباده المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية، كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي رحمه الله تعالى بداره بالإسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق.
ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله (٤) إليه: أيّ حق لآبائك عليَّ؟ " (٥) أو نحو هذا، والحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله الله للماشي (٦) إلى الصلاة (٧) وللسائلين من الإجابة [١١١]، والإثابة، فضلا منه وإحسانا، المنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال الصالحة، فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية والذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جدا.
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من (م) يقتضيها السياق.
(٢) في (ح) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " عليك".
(٣) في (م): "وأما ما".
(٤) لفظ الجلالة سقط من (ق) و(م) .
(٥) أخرجه البزار (٤ / ١٣٣) من حديث العباس ﵁.
(٦) في (ق): "للماشين) .
(٧) في (م): " الصلوات ".
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
واستدلال هذا الغبي بعطف الأعمال على ما قبله فهو يريد أن الأعمال والمخلوق مستويان في التوسل بهما، بدليل العطف، فإن كان العطف يفيد ذلك، فقد عطف تعالى ذكر (١) الملائكة والنبيين وأولي العلم من خلقه على اسمه المقدس.
فإن قلت: يدعون كما يدعى؛ لأنه قرن ذلك بلفظ واحد، فقد أتيت بكفر لم تُسبق إليه ويستحي من إبدائه كفار قريش وأمثالهم.
فنعوذ بالله من هذا الفهم الضال، والإلحاد في كتاب الله، والكذب على الله. وفي الحديث: " «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» " (٢) وهذا الفهم الضال يستحي العاقل من حكايته، لولا الحاجة إلى رده، وفي قوله: (وقد قرن ذلك) من سوء التعبير ما يطلعك على جهل هذا المتكلم.
والعطف إنما يقتضي التشريك في الفاعلية، أو المفعولية أو (٣) المجاورة ونحو ذلك، وأما اشتراك المتعاطفين في جميع الأحكام الخارجة عما سيق له الكلام، فهذا (٤) إنما يقوله من هو أضل من الأنعام،
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "ذكره".
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥١) وتقدم.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " و".
(٤) في (ق): (فهو) .
ولو طردناه لاتسع الخرق في المكفرات، وخرجنا عن الموضوعات والمعقولات إلى جهالات وعمايات لا يمكن حصرها.
وأما قوله: (فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله من ذات سيد البشر) .
فهذا الكلام كلام جاهل، فإن ذات سيد البشر ﷺ داخلة في عموم بني آدم، وفضلها لِمَا خصت به من الرسالة والإيمان الكامل، الذي لا أكمل منه، وغير ذلك من المواهب والتوفيق للأعمال الصالحة.
ثم التوسل بذاته يتوقف على المشروع، كالإيمان به ونصرته ومتابعته، فهذا هو الوسيلة العظمى.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] .
أما سؤال الله به، وترك متابعته، والخروج عن شريعته: فهذا (١) حال المعرضين عن الإيمان به، وبما جاء به، والعبادات مبناها على الاتباع؟ ولذلك صار عمدة من أجازه (٢) حديث الأعمى، ولم يتجاوزه إلى غيره من الأقيسة والخوض بلا علم، وحديث الأعمى قد (٣) تكلم فيه أهل [١١٢]، الحديث ولم يصححوه كما تقدم؟ لأن فيه من لا يُحتج به، ولذلك (٤) توقف ابن عبد السلام في صحته وقال: "إن صح الحديث (فيجوز ذلك
_________
(١) في (ق): "وهو ".
(٢) في (ح): (أجاز) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ح): " وبذلك ".
بالنبي خاصة" وغيره يقول: إن صح الحديث) (١) فليس فيه ما ذهب إليه من أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم؟ لأن نص الحديث يفيد أن النبي ﷺ دعا له، وسأل (٢) الله أن يرد بصره، فهو توسل بدعائه، كما في حديث عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك (٣) فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك» (٤) فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل والصلاح من أعظم الوسائل " إلى الله، وما المانع أن يكون هذا هو المراد.
وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا، وكلام شيخنا ليس فيه، وإنما أورده المعترض لبسا ومغالطة.
والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكاه من شُبَه المشرك، وأنه يقول: (وأطلب من الله بهم)، أي: بجاههم وحقهم. وليس كذلك؟ لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن يدعوهم مع الله، ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه في شأنه، وأمره، وحاجاته، وملماته، فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل مراده ومطلوبه من الله، فالغبي لم يفهم أو لبَّس ومَوَّهَ كما تقدم.
وأما ما فعله عثمان بن حنيف من تعليم هذا الحديث (٥) فليس فيه
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " وسأله ".
(٣) في (ق) و(م): "بنبينا" في الموضعين.
(٤) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٥)، والبيهقي (٦٢٢٥)، والطبراني الكبير (١ / ٧٢ / ٨٤) .،.
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "فهو من باب رواية العلم ونشره ".
حجة لهذا المبطل، والشيخ لم يقل: إن هذا النوع شرك لا أصغر ولا أكبر، حتى يعترض بأن الصحابة علموه الناس.
وأما احتجاجه: بما عَزَاه للطبراني في الكبير من «أنه ﷺ: "دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال: بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي» (١) .
إلى آخر الحديث، فيقال لهذا: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته، وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها؟ هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ .
وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد.
وقال شيخ الإسلام (٢) (قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام) . أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة، ولم يعلموا ما دل عليه؟ ثم لو سلمنا صحته أو حُسنه (ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد: بدعاء نبيك إلى آخره) (٣) فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع.
وفي الحديث: " «يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا» " (٤) .
_________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤ / ٣٥١)، وأيضا في الأوسط (١ / ٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣ / ١٢١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١ / ٢٧٠)، وقال: تفرد به روح بن الصلاح، وهو في عداد المجهولين، وقد ضعفه ابن عدي. اهـ.
(٢) انظر: "الرد على البكري " (٢ / ٤٧٦)، و"زيارة القبور" ص (٣٨) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٥٣، ٣٥٢٧، ٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٦) .
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] [التحريم: ١٠] .
قال شيخ الإسلام (١) (فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان، لم يدع له، ولم يسأله باتباعه لذلك الشخص، أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة (٢) لم يكن قد سأله بسب يوجب المطلوب (٣» .
وأما استدلاله على جواز ذلك: بما ذكر أبو الفرج في كتاب "الوفا" من قول عائشة ﵂: " انظروا قبر النبي ﷺ واجعلوا منه كوة إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا " إلى آخره.
فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض.
[١١٣] وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا لم في (٤) يثبت (٥) . وقال الحافظ المزي (٦) في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي
_________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم " (١ / ٤١٥) .
(٢) في (ق): " الكرا مات".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "ففيه ما مز في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك. . . إلى آخره ".
(٤) (ق): "لا ".
(٥) في (م) زيادة: "ذكر ذلك في كتاب الاستغاثة"، وكذلك في (ق) عدا كلمة: "ذكر". وانظر قوله في: (الرد على البكري) (١ / ٨٩، ١٦٣) .
(٦) انظر: "تهذيب الكمال" (٢ / ٣٩٢) .
أبو الجوزاء (١) البصري: (قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه. (قال الحافظ المزي (٢) وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه) (٣) إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري؟ والنكري (٤) ضعيف عنده. وقال ابن عدي: حدث (٥) عنه (٦) عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء (٧) روى عن الصحابة؟ وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع منهم) (٨) قلت: فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري، ولم يذكر الحافظ المزي أحدا وثقه، وقد انفرد برواية هذا الحديث، (فلذلك توقف فيه البخاري، ونظر فيه، وجزم بضعفه، ولو سلم هذا الحديث) (٩) فليس فيه حجة للمبطل، لما تقدم من أنه أثبت (١٠) أن دانيال النبي ﵇ وُجد على سرير في بيت مال الهرمزان، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فَيُسْقَوْنَ، مع أنهم عباد نيران ليسوا بأهل كتاب، وبركة نبينا ﷺ أعظم مما
_________
(١) في (ح): "أبو الجواز".
(٢) القائل هنا هو ابن حجر، وانظر قوله في: "تهذيب التهذيب" (١ / ٣٣٥) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) و(ق) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "حديث ".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ح): " الجواز".
(٨) في (ق) و(م): "منها ".
(٩) ما بين القوسين ورد في النسخة (ح) قبل الذي قبله، فأربك العبارة.
(١٠) في (ق) و(م): "ثبت ".
ذكر، وأجل مما وصف؟ لكن لا دليل فيه على أنه يُدعى ويُقصد للاستسقاء ولا لغيره بعد وفاته ﷺ، وقد كان جسد دانيال النبي ﵇ عند (١) أهل "تستر" على سرير في بيت مال الهرمزان، وكان عنده مصحفه، وكانوا إذا قحطوا أخرجوه فأُمطروا، فكتب عامل عمر إليه يخبره بدلك فأمره أن يحفر بضعة عشر قبرا ويدفن ليلا في أحدها؟ ليُعَفِّيَ أثره ويُخفي خبره، والقصة مشهورة ذكرها ابن إسحاق في مغازيه (٢) وقد خاف عمر من أن يُشرك به ويُجعل ندًّا لله؟ كما جعل عيسى وأمه، فاجتهدوا (٣) في إخفاء قبره وعدم إظهاره.
فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم توقيرا له، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يُستدل به على جواز التوسل الشركي (٤) بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظرا إلى الأسباب القدرية الكونية، فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانا وأنواعا، وليس كل سبب منها (٥) دينيا شرعيا محمديا عليه رسم المدينة.
هذا، وما يحصل ببركته ﷺ أضعاف ما ذكر، ولكن الشأن كل الشأن في السير على منهاجه، والأخذ بأمره، والانتهاء عن زجره ونهيه، وقد حَمَى حِمَى التوحيد وسد طرائق الشرك ووسائله، حتى قال للوفد الذين
_________
(١) في (ق) و(م): "عن ".
(٢) انظر: مغازي ابن إسحاق وتاريخ الطبري (٤ / ٩٣) .
(٣) في (ق) و(م): "فاجتهد ".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح) زيادة " يكون".
قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، خيرنا (١) وابن خيرنا، " «السيد الله تعالى، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله (٢) ورسوله» " (٣) هذا وقد قال في مقام الإخبار والإعلام: " «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» " (٤)
وأما قوله: (وهل هذا إلا توسل (٥) منهم بالمصطفى ﷺ إلى آخر عباراته.
فيقال: أما التوسل بذاته الشريفة ﷺ: فليس من محل النزاع؛ ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء، وقد يحصل بدعائه ﷺ أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به، والقياس هنا لا يسوغ، وأما كون الدال على ذلك أم المؤمنين: ففيه نظر ظاهر، والقبة التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية ابن (٦) قلاوون من سلاطين مصر في القرن السادس؟ ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف ﷺ (وقد مر ما فيه) (٧) (٨) .
_________
(١) في (ق) و(م): " وخيرنا".
(٢) وقع في (المطبوعة): "إنما أنا عبد الله ورسوله".
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٥٦)، وأحمد (٤ / ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، وهو حديث صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (٣١٤٨، ٣٦١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٨) .
(٥) في (ح): " التوسل "، وإسقاط" إلا ".
(٦) في (المطبوعة): "السلطان ".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٨) في (ق) و(م) هنا زيادة: "وحجرته قبل ذلك في عهد أصحابه ﵃، ولكنه لم يحسن إيراد دليله ثَمَّ".
قال المعترض: (وليس المراد في هذا تقرير جوازه أو عدمه، وإنما الغرض بيان خطأ هذا الرجل بتكفيره (١) الأمة القائمة الظاهرة القاهرة [١١٤]، لعدوهم بما لا حاصل تحته، غايته أن يكون جائزا أو مستحبا، قد فعله السلف والخلف، ليس بكفر كما يزعم هذا؟ بل ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف ﵁ إليه بعد موت النبي ﷺ.
فيقال في جوابه: الله أكبر، ما أعظم ما تجارى بهذا الهوى إلى أن بلغ غايته القصوى في الكذب والتمويه، ويحه أين تكفير الأمة القائمة الظاهرة في كلام شيخا ﵀؟ وأين التكفير بسؤال الله بحق أوليائه؟ هل هو إلا شيء اختلقه وزوره ولفقه، ثم أخذ يرده وينسبه إلى الشيخ ويبهته بأكاذيبه وزوره ليصد عن سبيل الله؟ ويلبس على الجهال.
قال تعالى عن اليهود: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢ - ٦٣] [المائدة: ٦٢- ٦٣] .
وقد جرى للرافضة والجهمية والمعطلة من هذا النوع شيء كثير، يبهتون به أهل السنة والجماعة المثبتين لصفات الله ونعوت جلاله، وقد أخزاهم الله وكبتهم، وكشف لعباده المؤمنين زورهم وبهتهم (٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] [التوبة: ٣٢-٣٣] .
_________
(١) في (ق) و(م): "بتكفير".
(٢) ساقطة من (ح) .
وقد عرف كل أحد حتى العذارى في خدورهن أن شيخنا ﵀ إنما يريد عباد القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ويسألونهم (١) قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، ويفزعون (٢) إليهم في الشدائد (٣) والمهمات، وهذا المفتري يجعلهم الأمة الظاهرة القائمة.
فويل لمن نصر هذا الشرك وأثنى على أهله، وضلل من أنكر عليهم أو كفرهم كما فعل هذا الضال، والله سبحانه هو الموعد (٤) وإليه المنتهى. وأما قوله: (غايته أن يكون جائزا أو مستحبا قد فعله السلف والخلف) .
فيقال لهذا الملحد: أين عن السلف والخلف فعل عبادة القبور ودعائها والاستغاثة بها وندائها بالحوائج، وكَتْب الرقاع بذلك ودَسّها في القبور؟ أوجدنا حرفا عن أحد من السلف والخلف، خواصهم وعوامهم يحقق ما زعمت، ويدل عليه، فإن لم تفعل- ولن تفعل- فهذي نصوصهم ظاهرة مشتهرة في المنع من ذلك، والتغليظ فيه، وتكفير فاعله. وقد مر من النصوص ما يثلج الصدور، ويدرأ في نحور أهل الكذب والزور.
وقد نص ابن القيم في إغاثته (٥) على أن أصل شرك العالم هو دعاء
_________
(١) في (ق) و(م): "ويسئلونه".
(٢) في (ح): "ويقرعون ".
(٣) في (ق): "الدوائر".
(٤) في (ق) و(م): "المدعو".
(٥) انظر: "إغاثة اللهفان" (٢ / ٢٣٢) .
الموتى والاستغاثة بهم، وسيأتي لهذا مزيد بسط.
وأما قوله: (وليس بكفر ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف إليه بعد موت النبي ﷺ .
فصريح هذا الكلام من المعترض أن ما ذكره الشيخ من دعاء الموتى والغائبين وجعلهم وسائط بين الله وبين خلقه لا محذور فيه، وليس بشرك، وأنه مندوب، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان، إن لم يكن هذا هو الشرك الأكبر فليس في الأرض شرك، بل هذا (١) دين الصابئة والمشركين، ممن (٢) أعرض عن الرسل، ولم يؤمن بآيات ربه وأقوالهم وأوضاعهم واصطلاحاتهم في عبادة هذه الوسائط ودعائها، وجعل البيوت والسدنة والهياكل لها معروف مشهور لا يخفى.
قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ - قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ - قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ - قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٦] [الأنبياء: ٥١-٦٦] (٣) ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن النزاع والخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في عبادة الله، وترك عبادة ما سواه.
وأما توحيد الربوبية فأكثر الأمم قد أقرت به لله وحده.
_________
(١) في (ق): "هو".
(٢) في بقية النسخ: "فمن ".
(٣) في (المطبوعة) سياقة الآيات كاملة حتى قوله تعالى: "أفلا تعقلون".
قال المعترض: (وأكبر من هذا وأدهى وأمر: تنزيله هذه الآيات السابقة على غير مواضعها، فبكلامه هذا يكون أهل الغار عنده من أعداء الله كفارا بذلك (١) وكذلك من قال: بحق السائلين عليك، وما الفرق بين العمل الصالح والذات الصالحة وقد قرنهما الله تعالى في لفظ واحد؟ حيث (٢) يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . هذا كلامه بحروفه.
فيقال له (٣) إنما الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، والجهالة العمياء، ما أنت بصدده من الصد عن سبيل الله، ومعارضة أهل العلم، ورد ما استدلوا به من الآيات المحكمات، فيما نزلت فيه عن الشرك الظاهر والكفر البواح، وأنت فعارضتهم بجهالة وضلالة، وعمى عن معرفة السبيل، وما يراد من المقالة، وتعرضت لأمر لست من أكفائه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] هذا حاصله على أي حالة، ما أنت ومعرفة الآيات، وما أنت والخوض في تلك المقاصد [١١٦]، والغايات؟ وأنت أجهل من خط بالقلم وأفسد، ويكفي العاقل من جهلك وضلالك قولك: (وقد قرنهما (٤) في لفظ واحد، حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
وقد تقدم أن قولك الضال، وجهلك الواضح صريح في أن العطف
_________
(١) في (ق) و(م): "كفارا بذلك من أعداء الله ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "لهذا المعترض ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "الله ".
يقتضي المشاركة في الخصائص والأحكام، وقد تقدم أن (١) إطلاق هذا والقول به كفر، لا يبقي من الإيمان شيئا ولا يذر، وجهل لم يقله أحد ممن سبق من أهل اللسان وغيرهم (٢) أترى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] [الأحزاب: ٥٦] وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] (٣) .
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] [النساء: ١٦٦] وأمثال هذه الآيات تقتضي المشاركة في خصائص الإلهية والربوبية والذات والصفات.
وهل أفادت غير حصول ما سيقت له من الصلاة والشهادة؟ وقولك: (وقد تقدم هذا) (٤) لو عرف هذا قدر نفسه، لعلم أن الأنعام أهدى منه في (٥) العقل وحدسه.
قال المعترض: (هب أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى منعه
_________
(١) ساقطة من (ق) ر (م) .
(٢) في (ق) و(م) و(خ): "وغير ".
(٣) في (ق) زيادة: قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "وقولك: قد قرن بينهما. عبارة نبطية أي لغة سمت العطف قرنا؟ ومن الذي عبر بهذا يا أجهل الورى؟! ".
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "العلم و".
أو كرهه كأبي العباس، وقد يكون له قصد في ذلك (١) حسنا، ومع ذلك لم يكفر به ولم يفسق به، كما يقوله هذا الرجل، بل لم يكفر من سأل النبي ﷺ في قبره واستشفع به، كما سنذكر قوله في ذلك بحروفه، حتى إنه ﵀ حاول الفرق بين ما جمعهما الله في لفظ واحد: الذات الصالحة والعمل الصالح، فلم يستطع على إخراج ذلك ببرهان بين؛ بل الآثار والنظر والقياس الصحيح يعطي رفعة الذات على العمل، والاعتبار بما عند الله من الكرامة والإكرام ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا كما ذكرناه ونذكره عنه) .
والجواب أن يقال: " «المتشبع بما لم يُعْط كلابس ثوبي زور» " (٢)؛ أين أنت ومعرفة الآثار والنظر والقياس؟ وقد التبس عليك الإيمان بالشرك، وخفي عليك أشد خفاء والتباس، ولفظك من الأدلة على جهلك، وقد أبقيناه برمته وما فيه من اللحن في اسم كان، وتثنية ضمير الموصول المفرد، وتعدية الاستطاعة بعلى وغير ذلك مما يدل على جهلك وإفلاسك:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
والشيخ لم يكفر به (٣) ولم يفسق، وقد خاب من افترى.
وأما قولك: (إن الشيخ تقي الدين لم يكفر من سأل النبي ﷺ في
_________
(١) في (ق) و(م): "في ذلك قصدا".
(٢) هذا لفظ حديث صحيح أخرجه البخاري (٥٢١٩)، والترمذي (٢٥٣٤)، وأحمد (١٦٧ / ٦، ٣٤٥) .
(٣) ساقطة من (ح) و(ق) و(م) .
[١١٧] قبره واستشفع به) فسيأتيك جوابه، وبيان جهلك وخطأك في فهم كلام الشيخ عند ذكر ما نقلته عنه.
وأما كون أبي العباس بن تيمية حاول الفرق بين ما جمعه الله في لفظ واحد: فهذا كلام خِبّ لئيم، ما عرف أين الصراط المستقيم، والشيخ أعقل من أن يفرق بين ما جمعه الله. ثم أين الجمع؟ إنما هو العطف، والشيخ أعلم من أن يفهم مفهوم (١) الضالين، وقد نزهه الله عن ذلك، ولم يقل أحد من أهل العلم والإيمان أن الله جمع بينهما ولا قاس الذات على الإيمان، والعمل الصالح " بل ولا فضل أحد ذاتًا مجردة على الإيمان والرسالة والعمل الصالح، وهل يتصور وجود ذات رفعت وفضلت على (٢) الإيمان والأعمال، بلا عمل ولا إيمان؟ هذا الكلام من قسم اللغو والهذيان؟ تصان عن ذكره أسماع أهل الإيمان.
وقوله: (ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا) هذا تمويه، (كأن هناك جماعة قالوا بتفضيل الذات على الأعمال، والشيخ له قولان. هذا ظاهر العبارة؟ وكل هذا كذب وبهت وتمويه) (٣) صِرْف، لا قال هذا جماعة ولا جرى نزاع فيه، وأهل العقول بل والعوام منهم ينزهون عن هذا؟ فكيف يقوله جماعة ويكون لأبي العباس قول معهم؟ وهذا الضال يختار، ويحب، ويرجح (٤) وقول السوء يزري بأهله، لا بورك في لسان أورد صاحبه هذه الموارد.
_________
(١) وقع في (المطبوعة): " كفهم ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " أهل ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في " المطبوعة " زيادة: " افتراء وكذابا وبهواه".
ثم قال المعترض: (وقد رأيت لابن الجوزي في تبصرته في مجلس منها متوسلًا بالنبي ﷺ وفي كلام يحيى الصرصري ﵀ من ذلك (١) ما لا يُحصى، وسماه أبو العباس: حسَّان الأمة، وأثنى عليه ولم ينكر عليه. فكيف ينحلون قولة هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه عن ذلك، فكيف وهو (٢) قد أثبت التوسل بالنبي ﷺ في منسكه الكبير؟) .
والجواب أن يقال: ما تقدم، وهو أن التوسل بهذا المعنى ما صدر من شيخنا فيه، في هذا الموضع بحث ألبتة ولا تعرض، وإنما هذا الرجل كذب وبهت (٣) ثم أطال الرد.
إذا عرفت هذا فقد مر فيما كتبناه على هذه المسألة ما يكفي المنصف.
وأما كون الشيخ أبي العباس أثبته في منسكه: فهذا النقل ليس بصحيح، وقد عرف حال هذا الرجل (٤) في التهور في الكذب والخيانة، والمبالغة في التحريف، فكيف ينقل عنه ويؤخذ قوله هذا (٥)؟ وقد قال الشيخ في منسكه المعروف الذي هو آخر ما صنف في المناسك: (قد صنفت منسكًا في أول عمري على ما ذكره بعض الفقهاء ثم تبين لي خلافه)، وذكر أنه صنف هذا الأخير معتمدًا عليه راجعًا إليه، فليس بحمد الله هناك للمبطل حجَّة ولا دليل.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ح): بهت وكذب ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
وأما ما ذكره عن ابن الجوزي وعن الصرصري: فقد تقدم مرارًا أن التوسل على ما ذكر، ليس من محل النزاع، وإنما النزاع في توسل المشركين الذي هو دعاء غير الله، والتسوية برب العالمين في خالص حقه، وما يجب له على خلقه، والمعترض جمع بين الجهل بالحقائق، والمغالطة عند المحاقة والمنازعة.
نعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاستغاثة (١) بالنبي ﷺ: (وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء؛ لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان وكتاب المستغيثين بالنبي ﷺ باليقظة والمنام، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكن ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام؛ وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مَرْضِي؛ بل جَرَوْا على عادة كما جرت عادة كثير من الناس بأن يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه) - إلى أن قال: (ولهذا لما نبَّه مَن نبه مِن فضلائهم تنبهوا، وعلموا (٢) أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام؟ بل هو مشابهة لعُبَّاد الأصنام، ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت) .
قال المعترض: (وقال في رده على ابن البكري في قوله: إن
_________
(١) ساقطة من (ق): وانظره في " الرد على البكري (٢ / ٤٧٩) .
(٢) في (ح): " واعلموا ".
الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته بأنه عند الله تعالى في قرب دائم لا ينقص جاهه (١) قال أبو العباس عند ذلك: وهذا اللفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة الِإقسام به، والتوسل بذاته ﷺ، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هو في مزيد دائم، بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ. هذا عين كلامه) .
والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يزل ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويؤيد عباده المؤمنين، ولو بإجراء ذلك على ألسن أعدائه، من غير قصد منهم للحق ولا إرادة له، وهذه العبارة تهدم ما قبلها، فإن أبا العباس نفى كلام ابن البكري في التسوية بين الأقسام به والتوسل بذاته، ورد على ابن البكري بأن هذا اللفظ لا يستقيم ولا يصح إلاَّ إذا كان معنى الِإقسام هو التوسل بذاته، ففرَّق الشيخ بين الأقسام والتوسل بالذات، وأخبر أنهما لا يستويان في الحكم.
والمعترض حرَّف عبارة الشيخ، وأسقط الواو العاطفة للإقسام على ما قبله، وجعله هو خبر كان، وزاد واوًا بعده تفيد عطف التوسل بالذات على الِإقسام، وهذا تحريف غريب غيّر المعنى، وجعل الِإقسام الذي هو من تتمة (٢) الاسم خبرًا ومحطّ فائدة، وعطف عليه التوسل، فنعوذ بالله من تحريف الضالين، وزيغ الزائغين.
إذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشيخ يهدم قول المعترض: (أن الشيخ أثبت التوسل) .
_________
(١) في (ق) و(م): " جاهلة ".
(٢) في (ح): " تسمية ".
وقوله: (إنهم ينحلون قولهم هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه من ذلك)، فقد ردَّت عبارة الشيخ عليه، وهدمت أصله، لكن بعد تصحيحها وإزالة تحريفه (١) فالحمد لله على التوفيق والسداد (٢) وأعجب من هذا: أنه زعم أن الِإمام أحمد ﵀ (كتب ذلك للمروذي في منسكه، وهذه نصوص الِإمام أحمد) (٣)؛ وهذا مذهبه المقرر، وكلام الشيخ في نفي ذلك موجود متواتر، وقد أفرد هذه المسألة بالتأليف في ردّه على ابن البكري وغيره، وكلامه متفق لا مختلف، وحكى المنع عنها عن كافة الأئمة، سوى ابن عبد السلام، وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى.
_________
(١) في (ق): " تحريفها ".
(٢) في (ق) و(م): السداد والتوفيق ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
فصل وقال المعترض: (ومن ذلك قوله في شبهة قال فيها: وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل، [١٠٧]، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا؛ بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له؟ فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب والصالحين (١) لهم جاه عند الله وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم وأقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه، إلى أن ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآية [الإسراء: ٥٧] .
إلى أن قال: (فإن قال الكفار يريدون منهم وأنا أشهد (٢) أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحين (٣) . ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو الله بشفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول المشركين سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله
_________
(١) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "وإن شهد ".
(٣) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] انتهى كلامه.
ثم قال المعترض: (فجعل بكلامه هذا- كما ترى- التوسل بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج من الملة، وكفر به- كما ترى- صريحا من قوله، فصار حينئذ كلامه عن الرد عليه مريحا في (١) فإذا علمت أن أهل الغار الذين حديثهم في الصحيحين (٢) كنطق القرآن لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ وقد توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فأنجاهم الله تعالى بذلك، وأزاح عنهم الصخرة بقدرته الكاملة التي خلق الصخرة بها وأوجدها وجبلها التي هي منه، حتى خرجوا.
وقوله ﷺ في حديث السنن في الدعاء للقاصد للصلاة: " «لا أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا» " (٣) وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
وقد قرن في (٤) ذلك بلفظ واحد جل ذكره، وتقرر عندك، هل ترى
_________
(١) (ح): (صريحا) .،.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٧٢، ٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣) .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧٧٨)، وأحمد (٣ / ٢١)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٤) .
(٤) (ق): " قرأت ".
أعمال بني آدم أفضل عند الله تعالى من (١) ذات سيد البشر ﷺ؟ مع أن (٢) في حديث الأعمى الذي في السنن، وصححه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف ﵁ ورواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي (٣) عن عثمان بن حنيف أنه علمه رجلا له عند عثمان بن عفان (٤) حاجة، فتعسر قضاؤها في خلافته ﵁، فقال (٥) الرجل، فتيسرت حين توسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ فهل ترى الصحابة ﵃ يُعَلِّمُون الناس الشرك الأصغر؟ فضلا عن الأكبر كما يقوله هذا الرجل صريحا؟ أو ترى سلف الأمة الصالح وعلماءهم (٦) يَرْوُون وينقلون لأمته أفعال الشرك وأقواله ليعملوا به أو يجيزون ذلك أو روايته؟ سبحان الله ما أعمى عين الهوى عن الهدى) .
والجواب أن يقال: أما تسميته مصنف شيخنا في رد ما احتج به المشركون "شبها" مع أنه استدل بالكتاب السنة وتمسك بهما: فهذا من أعظم الجراءة على ما يوجب ردة قائله وكفره، فإن من قال في القرآن ما دون هذا مما يشعر برده أو نقضه، مجمع على كفره وردته، ولا خلاف بين أهل العلم (٧) في ذلك.
_________
(١) في (ق): "عندك في ".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) أخرجه أحمد (٤ / ١٣٨)، والترمذي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٨٥)، والحاكم (١ / ٣١٣)، والطبراني في الكبير (٣ / ٢) .
(٤) "بن عفان" ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح) زيادة: " له".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): (وعلماءها) .
(٧) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "والحق".
وما ذكره الشيخ من أن أعداء الله لهم اعتراضات وشُبَه كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس فهو حق.
ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] (١) [الأنعام: ١١٢ - ١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] [الأنعام: ١٢١] .
وقول الشيخ: (منها قوله: نحن لا نشرك بالله شيئا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، فضلا عن عبد القادر وغيره، ولكن أنا مذنب، والصالحين (٢) لهم جاه عند الله، وأطلب من الله تعالى بهم، فجاوبه بما تقدم، واقرأ عليهم (٣) ما ذكر الله في كتابه)، فهذا الكلام الذي حكاه الشيخ عنهم قد حكاه شيخ الإسلام عن كثير ممن يدعي الإسلام، ومن الصوفية، وذكر أنهم ظنوا أن الفناء في هذا التوحيد الذي هو توحيد الربوبية، هو الغاية التي ينتهي إليها السالكون، وقرر أن هذا لا يدخل به العبد في الإسلام، بل لا بد أن يكون الله وحده (٤) محبوبه الذي يألهه
_________
(١) ما بين القوسين مختص من الآية في (م) بكلمة: "الآية".
(٢) كذا بالأصل، وفي بقية النسخ: "والصالحون".
(٣) في بقية النسخ: "عليه".
(٤) ساقطة من (ق) .
ويخضع له، وينيب إليه، ويسلم له وجهه، ويتوكل عليه، ويستغيث به، ويفزع إليه في حاجاته ومهماته ولا يكون له في عباداته شريك، وقرر أن هذا هو حقيقة الإسلام وهو مدلول "لا إله إلا الله " وهو الذي دعت إليه الرسل، وصار النزاع والخصومة فيه.
كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] [الزخرف: ٤٥] .
فنفى سبحانه جعل آلهة يعبدهم الناس، ويفزعون إليهم، وأن الرسل كلهم نافون مبطلون لما ادعته المشركون من شرع اتخاذ الآلهة، وجعلها أندادا، والمقصود بالنفي هو الجعل الديني الشرعي، لا القضائي (١) القدري الكوني، وأما الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فهذا قد أقر به المشركون، كما ذكر الله ذلك عنهم في غير آية، كما في سورة يونس، والمؤمنون، وسورة النمل (٢) والزخرف، وغيرها من سور القرآن. وقول من يدعو الصالحين: (أنا مذنب؟ والصالحون لهم جاه)، هو بعينه قول المشركين، كما ذكره غير واحد: أنهم عللوا إباحة شركهم واستحسانه، بأن العبد المذنب لا يصلح لمخاطبة الرب والدخول [١٠٩]، عليه إلا بواسطة من العبد الصالح المقرب، وأنه إذا علق أمله بالصالحين أو الملائكة فاض عليه من الإفاضات التي تحصل لهم، ومثلوا ذلك بانعكاس الشعاع من الأجسام الصقيلة، كما ذكره الفارابي وغيره من دعاة المشركين.
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): "القضاء".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: " الزمر (٣٩: ٣٦ ٤٦) .
ومثل هذا يجاب عليه (١) بما ذكره شيخنا ﵀: من أن هذا بعينه هو قصد المشركين ومرادهم، وهو الذي دعاهم إلى عبادة الأنبياء والصالحين والتعلق عليهم لأجل الجاه والشفاعة.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] .
وأخبر تعالى عن قصدهم ومقالتهم، وأنكرها عليهم، وأخبر أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع (٢) عنده لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه فهو (٣) مستحيل الوجود، فنزه نفسه عن هذا الشرك المنافي للعبودية التي هي الحكمة في إيجاد البرية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] [الأحقاف: ٢٨] .
إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه، لا غبار عليه.
فاعلم أن قول هذا الملحد: (فجعل بكلامه هذا -كما ترى- التوسلَ بذات الصالحين، والرسل عليهم الصلاة والسلام، وطلبه جل وعلا
_________
(١) ساقطة من (ح) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
بأوليائه من دين المشركين الشركَ الأكبر، المخرج من الملة، وكَفَّرَ به كما ترى صريحا من قوله) .
هو تمويه وتلبيس، أدخل فيه: (وطلبه (١) جل وعلا بأوليائه) ليوهم الجهال ومن لا علم عندهم بحقيقة الحال.
وموضوع الكلام: أن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين، وهذه مسألة، ودعاء الصالح وقصده (٢) فيما لا يقدر عليه إلا الله (٣) مسألة أخرى؟ فخلطها ليروج باطله، فقبحا قبحا، وسحقا سحقا لمن ورث اليهود، وحرَّف الكلم عن مواضع.
وكلام الشيخ صريح فيمن دعا مع الله إلها آخر في حاجاته وملماته، وقصده بعبادته فيما لا يقدر عليه إلا الله، كحال من عَبَدَ عبد القادر، وأحمد البدوي، أو العيدروس، أو عليًّا، والحسين، وقول هذا المشرك: (وأطلب من (٤) الله بهم)، أي: بواسطتهم. بمعنى أن هذا المشرك يدعوهم ويتوجه إليهم بالعبادات، وهم يدعو الله له، كما أخبر الله عن المشركين بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] .
فظن المعترض أن الشيخ أراد مسألة الله بجاه الصالحين؟ فاعترض على ذلك (٥) وآفته الفهم السقيم، والمعتقد الذميم، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
_________
(١) في بقية النسخ: "طلبه" بإسقاط الواو.
(٢) في (ح) و(المطبوعة): (الصالحين وقصدهم "، وسقطت من (ق): "وقصدهم".
(٣) "إلا الله " ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "بما مر".
ومع هذا الصنيع الفظيع، والشرك الجلي يقول: (أنا لا أشرك بالله شيئا، وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، ظنا منه أن ذلك هو الإسلام فقط وأنه ينجو به (١) من الشرك، وما رتب عليه) .
فكشف الشيخ شبهته، وأدحض حجته بما تقدم من الآيات: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] [الأنعام: ١١٥] .
وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم، بأن يقول السائل: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك، أو بجاه أوليائك، أو نحو هذا: فليس الكلام فيه، ولم يقل الشيخ إنه شرك، ولا له ذكر في كلامه، وحكمه عند أهل العلم معروف، وقد نص على المنع منه جمهور أهل [١١٥]، العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري (٢) أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي ﷺ ولم يجزم بذلك، بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث، وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه، وفي المثل: أريها السهى وتريني القمر.
وأما استدلاله بحديث أهل الغار على مسألته التي لبَّس بها: فهو من نوادر جهله التي يضحك منها العقلاء، أين التوسل بالأعمال الصالحة، من البر والعفة والأمانة، من التوسل بذوات المخلوقين؟
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
_________
(١) سقطت من (المطبوعة) .
(٢) في (ح): "الكبرى"، وهو سبق قلم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] .
والوسيلة: ما شرعه (١) ورضيه من الأعمال الصالحة، والأقوال (٢) وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده، مخلوق من خلقه؟
ومن قاس هذا على ما صح من التوسل بالأعمال الصالحة، فقد أبعد المرمى، ولم يعرف مناط الأحكام.
والتوسل صار مشتركا في عرف كثير، فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه: الشرك الأكبر والكفر البواح، والأسماء لا تُغير الحقائق.
ويطلق أيضا: على مسألة الله بجاه الصالحين والأنبياء، وحقهم على الله.
ويطلق أيضا: في عرف السنة والقرآن وعرف أهل العلم بالله ودينه، على: التوسل والتقرب إلى الله بما شرعه من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله، وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة وأداء الأمانة.
فإذا أطلق التوسل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا هو المراد، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " لله ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "والأقوال الصالحة".
على رسوله، فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة، ترويجا لباطله.
وأما ما ورد في السنن من السؤال، (١) "بحق السائلين (٢) وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد" ونحو ذلك، فالله ﷾ جعل على نفسه حقا تفضلا منه وإحسانا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه، وما (٣) جعله لعباده المؤمنين على نفسه، فليس من هذا الباب، أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية، كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي رحمه الله تعالى بداره بالإسكندرية، وذكر أنهم قالوا: لا حق لمخلوق على الخالق.
ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله (٤) إليه: أيّ حق لآبائك عليَّ؟ " (٥) أو نحو هذا، والحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته، فإن المثبت بمعنى الوعد الصادق، وما جعله الله للماشي (٦) إلى الصلاة (٧) وللسائلين من الإجابة [١١١]، والإثابة، فضلا منه وإحسانا، المنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال الصالحة، فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية والذاتية، والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين، فتأمله فإنه نفيس جدا.
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من (م) يقتضيها السياق.
(٢) في (ح) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " عليك".
(٣) في (م): "وأما ما".
(٤) لفظ الجلالة سقط من (ق) و(م) .
(٥) أخرجه البزار (٤ / ١٣٣) من حديث العباس ﵁.
(٦) في (ق): "للماشين) .
(٧) في (م): " الصلوات ".
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
واستدلال هذا الغبي بعطف الأعمال على ما قبله فهو يريد أن الأعمال والمخلوق مستويان في التوسل بهما، بدليل العطف، فإن كان العطف يفيد ذلك، فقد عطف تعالى ذكر (١) الملائكة والنبيين وأولي العلم من خلقه على اسمه المقدس.
فإن قلت: يدعون كما يدعى؛ لأنه قرن ذلك بلفظ واحد، فقد أتيت بكفر لم تُسبق إليه ويستحي من إبدائه كفار قريش وأمثالهم.
فنعوذ بالله من هذا الفهم الضال، والإلحاد في كتاب الله، والكذب على الله. وفي الحديث: " «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» " (٢) وهذا الفهم الضال يستحي العاقل من حكايته، لولا الحاجة إلى رده، وفي قوله: (وقد قرن ذلك) من سوء التعبير ما يطلعك على جهل هذا المتكلم.
والعطف إنما يقتضي التشريك في الفاعلية، أو المفعولية أو (٣) المجاورة ونحو ذلك، وأما اشتراك المتعاطفين في جميع الأحكام الخارجة عما سيق له الكلام، فهذا (٤) إنما يقوله من هو أضل من الأنعام،
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "ذكره".
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥١) وتقدم.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " و".
(٤) في (ق): (فهو) .
ولو طردناه لاتسع الخرق في المكفرات، وخرجنا عن الموضوعات والمعقولات إلى جهالات وعمايات لا يمكن حصرها.
وأما قوله: (فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله من ذات سيد البشر) .
فهذا الكلام كلام جاهل، فإن ذات سيد البشر ﷺ داخلة في عموم بني آدم، وفضلها لِمَا خصت به من الرسالة والإيمان الكامل، الذي لا أكمل منه، وغير ذلك من المواهب والتوفيق للأعمال الصالحة.
ثم التوسل بذاته يتوقف على المشروع، كالإيمان به ونصرته ومتابعته، فهذا هو الوسيلة العظمى.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] [المائدة: ٣٥] .
أما سؤال الله به، وترك متابعته، والخروج عن شريعته: فهذا (١) حال المعرضين عن الإيمان به، وبما جاء به، والعبادات مبناها على الاتباع؟ ولذلك صار عمدة من أجازه (٢) حديث الأعمى، ولم يتجاوزه إلى غيره من الأقيسة والخوض بلا علم، وحديث الأعمى قد (٣) تكلم فيه أهل [١١٢]، الحديث ولم يصححوه كما تقدم؟ لأن فيه من لا يُحتج به، ولذلك (٤) توقف ابن عبد السلام في صحته وقال: "إن صح الحديث (فيجوز ذلك
_________
(١) في (ق): "وهو ".
(٢) في (ح): (أجاز) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ح): " وبذلك ".
بالنبي خاصة" وغيره يقول: إن صح الحديث) (١) فليس فيه ما ذهب إليه من أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم؟ لأن نص الحديث يفيد أن النبي ﷺ دعا له، وسأل (٢) الله أن يرد بصره، فهو توسل بدعائه، كما في حديث عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك (٣) فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك» (٤) فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل والصلاح من أعظم الوسائل " إلى الله، وما المانع أن يكون هذا هو المراد.
وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا، وكلام شيخنا ليس فيه، وإنما أورده المعترض لبسا ومغالطة.
والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكاه من شُبَه المشرك، وأنه يقول: (وأطلب من الله بهم)، أي: بجاههم وحقهم. وليس كذلك؟ لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن يدعوهم مع الله، ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه في شأنه، وأمره، وحاجاته، وملماته، فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل مراده ومطلوبه من الله، فالغبي لم يفهم أو لبَّس ومَوَّهَ كما تقدم.
وأما ما فعله عثمان بن حنيف من تعليم هذا الحديث (٥) فليس فيه
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " وسأله ".
(٣) في (ق) و(م): "بنبينا" في الموضعين.
(٤) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٥)، والبيهقي (٦٢٢٥)، والطبراني الكبير (١ / ٧٢ / ٨٤) .،.
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "فهو من باب رواية العلم ونشره ".
حجة لهذا المبطل، والشيخ لم يقل: إن هذا النوع شرك لا أصغر ولا أكبر، حتى يعترض بأن الصحابة علموه الناس.
وأما احتجاجه: بما عَزَاه للطبراني في الكبير من «أنه ﷺ: "دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال: بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي» (١) .
إلى آخر الحديث، فيقال لهذا: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته، وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها؟ هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ .
وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد.
وقال شيخ الإسلام (٢) (قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام) . أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة، ولم يعلموا ما دل عليه؟ ثم لو سلمنا صحته أو حُسنه (ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد: بدعاء نبيك إلى آخره) (٣) فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع.
وفي الحديث: " «يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا» " (٤) .
_________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤ / ٣٥١)، وأيضا في الأوسط (١ / ٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣ / ١٢١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١ / ٢٧٠)، وقال: تفرد به روح بن الصلاح، وهو في عداد المجهولين، وقد ضعفه ابن عدي. اهـ.
(٢) انظر: "الرد على البكري " (٢ / ٤٧٦)، و"زيارة القبور" ص (٣٨) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٥٣، ٣٥٢٧، ٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٦) .
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] [التحريم: ١٠] .
قال شيخ الإسلام (١) (فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان، لم يدع له، ولم يسأله باتباعه لذلك الشخص، أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة (٢) لم يكن قد سأله بسب يوجب المطلوب (٣» .
وأما استدلاله على جواز ذلك: بما ذكر أبو الفرج في كتاب "الوفا" من قول عائشة ﵂: " انظروا قبر النبي ﷺ واجعلوا منه كوة إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا " إلى آخره.
فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض.
[١١٣] وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا لم في (٤) يثبت (٥) . وقال الحافظ المزي (٦) في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي
_________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم " (١ / ٤١٥) .
(٢) في (ق): " الكرا مات".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "ففيه ما مز في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك. . . إلى آخره ".
(٤) (ق): "لا ".
(٥) في (م) زيادة: "ذكر ذلك في كتاب الاستغاثة"، وكذلك في (ق) عدا كلمة: "ذكر". وانظر قوله في: (الرد على البكري) (١ / ٨٩، ١٦٣) .
(٦) انظر: "تهذيب الكمال" (٢ / ٣٩٢) .
أبو الجوزاء (١) البصري: (قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه. (قال الحافظ المزي (٢) وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه) (٣) إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري؟ والنكري (٤) ضعيف عنده. وقال ابن عدي: حدث (٥) عنه (٦) عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء (٧) روى عن الصحابة؟ وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع منهم) (٨) قلت: فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري، ولم يذكر الحافظ المزي أحدا وثقه، وقد انفرد برواية هذا الحديث، (فلذلك توقف فيه البخاري، ونظر فيه، وجزم بضعفه، ولو سلم هذا الحديث) (٩) فليس فيه حجة للمبطل، لما تقدم من أنه أثبت (١٠) أن دانيال النبي ﵇ وُجد على سرير في بيت مال الهرمزان، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فَيُسْقَوْنَ، مع أنهم عباد نيران ليسوا بأهل كتاب، وبركة نبينا ﷺ أعظم مما
_________
(١) في (ح): "أبو الجواز".
(٢) القائل هنا هو ابن حجر، وانظر قوله في: "تهذيب التهذيب" (١ / ٣٣٥) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) و(ق) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "حديث ".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ح): " الجواز".
(٨) في (ق) و(م): "منها ".
(٩) ما بين القوسين ورد في النسخة (ح) قبل الذي قبله، فأربك العبارة.
(١٠) في (ق) و(م): "ثبت ".
ذكر، وأجل مما وصف؟ لكن لا دليل فيه على أنه يُدعى ويُقصد للاستسقاء ولا لغيره بعد وفاته ﷺ، وقد كان جسد دانيال النبي ﵇ عند (١) أهل "تستر" على سرير في بيت مال الهرمزان، وكان عنده مصحفه، وكانوا إذا قحطوا أخرجوه فأُمطروا، فكتب عامل عمر إليه يخبره بدلك فأمره أن يحفر بضعة عشر قبرا ويدفن ليلا في أحدها؟ ليُعَفِّيَ أثره ويُخفي خبره، والقصة مشهورة ذكرها ابن إسحاق في مغازيه (٢) وقد خاف عمر من أن يُشرك به ويُجعل ندًّا لله؟ كما جعل عيسى وأمه، فاجتهدوا (٣) في إخفاء قبره وعدم إظهاره.
فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم توقيرا له، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يُستدل به على جواز التوسل الشركي (٤) بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظرا إلى الأسباب القدرية الكونية، فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانا وأنواعا، وليس كل سبب منها (٥) دينيا شرعيا محمديا عليه رسم المدينة.
هذا، وما يحصل ببركته ﷺ أضعاف ما ذكر، ولكن الشأن كل الشأن في السير على منهاجه، والأخذ بأمره، والانتهاء عن زجره ونهيه، وقد حَمَى حِمَى التوحيد وسد طرائق الشرك ووسائله، حتى قال للوفد الذين
_________
(١) في (ق) و(م): "عن ".
(٢) انظر: مغازي ابن إسحاق وتاريخ الطبري (٤ / ٩٣) .
(٣) في (ق) و(م): "فاجتهد ".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ح) زيادة " يكون".
قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، خيرنا (١) وابن خيرنا، " «السيد الله تعالى، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله (٢) ورسوله» " (٣) هذا وقد قال في مقام الإخبار والإعلام: " «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» " (٤)
وأما قوله: (وهل هذا إلا توسل (٥) منهم بالمصطفى ﷺ إلى آخر عباراته.
فيقال: أما التوسل بذاته الشريفة ﷺ: فليس من محل النزاع؛ ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء، وقد يحصل بدعائه ﷺ أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به، والقياس هنا لا يسوغ، وأما كون الدال على ذلك أم المؤمنين: ففيه نظر ظاهر، والقبة التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية ابن (٦) قلاوون من سلاطين مصر في القرن السادس؟ ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف ﷺ (وقد مر ما فيه) (٧) (٨) .
_________
(١) في (ق) و(م): " وخيرنا".
(٢) وقع في (المطبوعة): "إنما أنا عبد الله ورسوله".
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٥٦)، وأحمد (٤ / ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، وهو حديث صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (٣١٤٨، ٣٦١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٨) .
(٥) في (ح): " التوسل "، وإسقاط" إلا ".
(٦) في (المطبوعة): "السلطان ".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٨) في (ق) و(م) هنا زيادة: "وحجرته قبل ذلك في عهد أصحابه ﵃، ولكنه لم يحسن إيراد دليله ثَمَّ".
قال المعترض: (وليس المراد في هذا تقرير جوازه أو عدمه، وإنما الغرض بيان خطأ هذا الرجل بتكفيره (١) الأمة القائمة الظاهرة القاهرة [١١٤]، لعدوهم بما لا حاصل تحته، غايته أن يكون جائزا أو مستحبا، قد فعله السلف والخلف، ليس بكفر كما يزعم هذا؟ بل ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف ﵁ إليه بعد موت النبي ﷺ.
فيقال في جوابه: الله أكبر، ما أعظم ما تجارى بهذا الهوى إلى أن بلغ غايته القصوى في الكذب والتمويه، ويحه أين تكفير الأمة القائمة الظاهرة في كلام شيخا ﵀؟ وأين التكفير بسؤال الله بحق أوليائه؟ هل هو إلا شيء اختلقه وزوره ولفقه، ثم أخذ يرده وينسبه إلى الشيخ ويبهته بأكاذيبه وزوره ليصد عن سبيل الله؟ ويلبس على الجهال.
قال تعالى عن اليهود: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢ - ٦٣] [المائدة: ٦٢- ٦٣] .
وقد جرى للرافضة والجهمية والمعطلة من هذا النوع شيء كثير، يبهتون به أهل السنة والجماعة المثبتين لصفات الله ونعوت جلاله، وقد أخزاهم الله وكبتهم، وكشف لعباده المؤمنين زورهم وبهتهم (٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] [التوبة: ٣٢-٣٣] .
_________
(١) في (ق) و(م): "بتكفير".
(٢) ساقطة من (ح) .
وقد عرف كل أحد حتى العذارى في خدورهن أن شيخنا ﵀ إنما يريد عباد القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ويسألونهم (١) قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، ويفزعون (٢) إليهم في الشدائد (٣) والمهمات، وهذا المفتري يجعلهم الأمة الظاهرة القائمة.
فويل لمن نصر هذا الشرك وأثنى على أهله، وضلل من أنكر عليهم أو كفرهم كما فعل هذا الضال، والله سبحانه هو الموعد (٤) وإليه المنتهى. وأما قوله: (غايته أن يكون جائزا أو مستحبا قد فعله السلف والخلف) .
فيقال لهذا الملحد: أين عن السلف والخلف فعل عبادة القبور ودعائها والاستغاثة بها وندائها بالحوائج، وكَتْب الرقاع بذلك ودَسّها في القبور؟ أوجدنا حرفا عن أحد من السلف والخلف، خواصهم وعوامهم يحقق ما زعمت، ويدل عليه، فإن لم تفعل- ولن تفعل- فهذي نصوصهم ظاهرة مشتهرة في المنع من ذلك، والتغليظ فيه، وتكفير فاعله. وقد مر من النصوص ما يثلج الصدور، ويدرأ في نحور أهل الكذب والزور.
وقد نص ابن القيم في إغاثته (٥) على أن أصل شرك العالم هو دعاء
_________
(١) في (ق) و(م): "ويسئلونه".
(٢) في (ح): "ويقرعون ".
(٣) في (ق): "الدوائر".
(٤) في (ق) و(م): "المدعو".
(٥) انظر: "إغاثة اللهفان" (٢ / ٢٣٢) .
الموتى والاستغاثة بهم، وسيأتي لهذا مزيد بسط.
وأما قوله: (وليس بكفر ولا محذور فيه، ولو لم يكن مندوبا لما أرشد عثمان بن حنيف إليه بعد موت النبي ﷺ .
فصريح هذا الكلام من المعترض أن ما ذكره الشيخ من دعاء الموتى والغائبين وجعلهم وسائط بين الله وبين خلقه لا محذور فيه، وليس بشرك، وأنه مندوب، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان، إن لم يكن هذا هو الشرك الأكبر فليس في الأرض شرك، بل هذا (١) دين الصابئة والمشركين، ممن (٢) أعرض عن الرسل، ولم يؤمن بآيات ربه وأقوالهم وأوضاعهم واصطلاحاتهم في عبادة هذه الوسائط ودعائها، وجعل البيوت والسدنة والهياكل لها معروف مشهور لا يخفى.
قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ - قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ - قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ - قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٦] [الأنبياء: ٥١-٦٦] (٣) ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن النزاع والخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في عبادة الله، وترك عبادة ما سواه.
وأما توحيد الربوبية فأكثر الأمم قد أقرت به لله وحده.
_________
(١) في (ق): "هو".
(٢) في بقية النسخ: "فمن ".
(٣) في (المطبوعة) سياقة الآيات كاملة حتى قوله تعالى: "أفلا تعقلون".
قال المعترض: (وأكبر من هذا وأدهى وأمر: تنزيله هذه الآيات السابقة على غير مواضعها، فبكلامه هذا يكون أهل الغار عنده من أعداء الله كفارا بذلك (١) وكذلك من قال: بحق السائلين عليك، وما الفرق بين العمل الصالح والذات الصالحة وقد قرنهما الله تعالى في لفظ واحد؟ حيث (٢) يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] . هذا كلامه بحروفه.
فيقال له (٣) إنما الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، والجهالة العمياء، ما أنت بصدده من الصد عن سبيل الله، ومعارضة أهل العلم، ورد ما استدلوا به من الآيات المحكمات، فيما نزلت فيه عن الشرك الظاهر والكفر البواح، وأنت فعارضتهم بجهالة وضلالة، وعمى عن معرفة السبيل، وما يراد من المقالة، وتعرضت لأمر لست من أكفائه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] هذا حاصله على أي حالة، ما أنت ومعرفة الآيات، وما أنت والخوض في تلك المقاصد [١١٦]، والغايات؟ وأنت أجهل من خط بالقلم وأفسد، ويكفي العاقل من جهلك وضلالك قولك: (وقد قرنهما (٤) في لفظ واحد، حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] [الصافات: ٩٦] .
وقد تقدم أن قولك الضال، وجهلك الواضح صريح في أن العطف
_________
(١) في (ق) و(م): "كفارا بذلك من أعداء الله ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "لهذا المعترض ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "الله ".
يقتضي المشاركة في الخصائص والأحكام، وقد تقدم أن (١) إطلاق هذا والقول به كفر، لا يبقي من الإيمان شيئا ولا يذر، وجهل لم يقله أحد ممن سبق من أهل اللسان وغيرهم (٢) أترى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] [الأحزاب: ٥٦] وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] (٣) .
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] [النساء: ١٦٦] وأمثال هذه الآيات تقتضي المشاركة في خصائص الإلهية والربوبية والذات والصفات.
وهل أفادت غير حصول ما سيقت له من الصلاة والشهادة؟ وقولك: (وقد تقدم هذا) (٤) لو عرف هذا قدر نفسه، لعلم أن الأنعام أهدى منه في (٥) العقل وحدسه.
قال المعترض: (هب أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى منعه
_________
(١) ساقطة من (ق) ر (م) .
(٢) في (ق) و(م) و(خ): "وغير ".
(٣) في (ق) زيادة: قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "وقولك: قد قرن بينهما. عبارة نبطية أي لغة سمت العطف قرنا؟ ومن الذي عبر بهذا يا أجهل الورى؟! ".
(٥) في (ق) و(م) زيادة: "العلم و".
أو كرهه كأبي العباس، وقد يكون له قصد في ذلك (١) حسنا، ومع ذلك لم يكفر به ولم يفسق به، كما يقوله هذا الرجل، بل لم يكفر من سأل النبي ﷺ في قبره واستشفع به، كما سنذكر قوله في ذلك بحروفه، حتى إنه ﵀ حاول الفرق بين ما جمعهما الله في لفظ واحد: الذات الصالحة والعمل الصالح، فلم يستطع على إخراج ذلك ببرهان بين؛ بل الآثار والنظر والقياس الصحيح يعطي رفعة الذات على العمل، والاعتبار بما عند الله من الكرامة والإكرام ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا كما ذكرناه ونذكره عنه) .
والجواب أن يقال: " «المتشبع بما لم يُعْط كلابس ثوبي زور» " (٢)؛ أين أنت ومعرفة الآثار والنظر والقياس؟ وقد التبس عليك الإيمان بالشرك، وخفي عليك أشد خفاء والتباس، ولفظك من الأدلة على جهلك، وقد أبقيناه برمته وما فيه من اللحن في اسم كان، وتثنية ضمير الموصول المفرد، وتعدية الاستطاعة بعلى وغير ذلك مما يدل على جهلك وإفلاسك:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
والشيخ لم يكفر به (٣) ولم يفسق، وقد خاب من افترى.
وأما قولك: (إن الشيخ تقي الدين لم يكفر من سأل النبي ﷺ في
_________
(١) في (ق) و(م): "في ذلك قصدا".
(٢) هذا لفظ حديث صحيح أخرجه البخاري (٥٢١٩)، والترمذي (٢٥٣٤)، وأحمد (١٦٧ / ٦، ٣٤٥) .
(٣) ساقطة من (ح) و(ق) و(م) .
[١١٧] قبره واستشفع به) فسيأتيك جوابه، وبيان جهلك وخطأك في فهم كلام الشيخ عند ذكر ما نقلته عنه.
وأما كون أبي العباس بن تيمية حاول الفرق بين ما جمعه الله في لفظ واحد: فهذا كلام خِبّ لئيم، ما عرف أين الصراط المستقيم، والشيخ أعقل من أن يفرق بين ما جمعه الله. ثم أين الجمع؟ إنما هو العطف، والشيخ أعلم من أن يفهم مفهوم (١) الضالين، وقد نزهه الله عن ذلك، ولم يقل أحد من أهل العلم والإيمان أن الله جمع بينهما ولا قاس الذات على الإيمان، والعمل الصالح " بل ولا فضل أحد ذاتًا مجردة على الإيمان والرسالة والعمل الصالح، وهل يتصور وجود ذات رفعت وفضلت على (٢) الإيمان والأعمال، بلا عمل ولا إيمان؟ هذا الكلام من قسم اللغو والهذيان؟ تصان عن ذكره أسماع أهل الإيمان.
وقوله: (ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا) هذا تمويه، (كأن هناك جماعة قالوا بتفضيل الذات على الأعمال، والشيخ له قولان. هذا ظاهر العبارة؟ وكل هذا كذب وبهت وتمويه) (٣) صِرْف، لا قال هذا جماعة ولا جرى نزاع فيه، وأهل العقول بل والعوام منهم ينزهون عن هذا؟ فكيف يقوله جماعة ويكون لأبي العباس قول معهم؟ وهذا الضال يختار، ويحب، ويرجح (٤) وقول السوء يزري بأهله، لا بورك في لسان أورد صاحبه هذه الموارد.
_________
(١) وقع في (المطبوعة): " كفهم ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " أهل ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في " المطبوعة " زيادة: " افتراء وكذابا وبهواه".
ثم قال المعترض: (وقد رأيت لابن الجوزي في تبصرته في مجلس منها متوسلًا بالنبي ﷺ وفي كلام يحيى الصرصري ﵀ من ذلك (١) ما لا يُحصى، وسماه أبو العباس: حسَّان الأمة، وأثنى عليه ولم ينكر عليه. فكيف ينحلون قولة هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه عن ذلك، فكيف وهو (٢) قد أثبت التوسل بالنبي ﷺ في منسكه الكبير؟) .
والجواب أن يقال: ما تقدم، وهو أن التوسل بهذا المعنى ما صدر من شيخنا فيه، في هذا الموضع بحث ألبتة ولا تعرض، وإنما هذا الرجل كذب وبهت (٣) ثم أطال الرد.
إذا عرفت هذا فقد مر فيما كتبناه على هذه المسألة ما يكفي المنصف.
وأما كون الشيخ أبي العباس أثبته في منسكه: فهذا النقل ليس بصحيح، وقد عرف حال هذا الرجل (٤) في التهور في الكذب والخيانة، والمبالغة في التحريف، فكيف ينقل عنه ويؤخذ قوله هذا (٥)؟ وقد قال الشيخ في منسكه المعروف الذي هو آخر ما صنف في المناسك: (قد صنفت منسكًا في أول عمري على ما ذكره بعض الفقهاء ثم تبين لي خلافه)، وذكر أنه صنف هذا الأخير معتمدًا عليه راجعًا إليه، فليس بحمد الله هناك للمبطل حجَّة ولا دليل.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ح): بهت وكذب ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
وأما ما ذكره عن ابن الجوزي وعن الصرصري: فقد تقدم مرارًا أن التوسل على ما ذكر، ليس من محل النزاع، وإنما النزاع في توسل المشركين الذي هو دعاء غير الله، والتسوية برب العالمين في خالص حقه، وما يجب له على خلقه، والمعترض جمع بين الجهل بالحقائق، والمغالطة عند المحاقة والمنازعة.
نعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاستغاثة (١) بالنبي ﷺ: (وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء؛ لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان وكتاب المستغيثين بالنبي ﷺ باليقظة والمنام، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكن ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام؛ وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مَرْضِي؛ بل جَرَوْا على عادة كما جرت عادة كثير من الناس بأن يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه) - إلى أن قال: (ولهذا لما نبَّه مَن نبه مِن فضلائهم تنبهوا، وعلموا (٢) أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام؟ بل هو مشابهة لعُبَّاد الأصنام، ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت) .
قال المعترض: (وقال في رده على ابن البكري في قوله: إن
_________
(١) ساقطة من (ق): وانظره في " الرد على البكري (٢ / ٤٧٩) .
(٢) في (ح): " واعلموا ".
الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته بأنه عند الله تعالى في قرب دائم لا ينقص جاهه (١) قال أبو العباس عند ذلك: وهذا اللفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة الِإقسام به، والتوسل بذاته ﷺ، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هو في مزيد دائم، بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ. هذا عين كلامه) .
والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يزل ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويؤيد عباده المؤمنين، ولو بإجراء ذلك على ألسن أعدائه، من غير قصد منهم للحق ولا إرادة له، وهذه العبارة تهدم ما قبلها، فإن أبا العباس نفى كلام ابن البكري في التسوية بين الأقسام به والتوسل بذاته، ورد على ابن البكري بأن هذا اللفظ لا يستقيم ولا يصح إلاَّ إذا كان معنى الِإقسام هو التوسل بذاته، ففرَّق الشيخ بين الأقسام والتوسل بالذات، وأخبر أنهما لا يستويان في الحكم.
والمعترض حرَّف عبارة الشيخ، وأسقط الواو العاطفة للإقسام على ما قبله، وجعله هو خبر كان، وزاد واوًا بعده تفيد عطف التوسل بالذات على الِإقسام، وهذا تحريف غريب غيّر المعنى، وجعل الِإقسام الذي هو من تتمة (٢) الاسم خبرًا ومحطّ فائدة، وعطف عليه التوسل، فنعوذ بالله من تحريف الضالين، وزيغ الزائغين.
إذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشيخ يهدم قول المعترض: (أن الشيخ أثبت التوسل) .
_________
(١) في (ق) و(م): " جاهلة ".
(٢) في (ح): " تسمية ".
وقوله: (إنهم ينحلون قولهم هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه من ذلك)، فقد ردَّت عبارة الشيخ عليه، وهدمت أصله، لكن بعد تصحيحها وإزالة تحريفه (١) فالحمد لله على التوفيق والسداد (٢) وأعجب من هذا: أنه زعم أن الِإمام أحمد ﵀ (كتب ذلك للمروذي في منسكه، وهذه نصوص الِإمام أحمد) (٣)؛ وهذا مذهبه المقرر، وكلام الشيخ في نفي ذلك موجود متواتر، وقد أفرد هذه المسألة بالتأليف في ردّه على ابن البكري وغيره، وكلامه متفق لا مختلف، وحكى المنع عنها عن كافة الأئمة، سوى ابن عبد السلام، وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى.
_________
(١) في (ق): " تحريفها ".
(٢) في (ق) و(م): السداد والتوفيق ".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
Translation
فصل في التوسل بالأنبياء والصالحين
#63
Chapter 63 — فصل فيه مناقشة الشرك الواقع في مثل البردة للبوصيري
· ref. #63
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه مناقشة الشرك الواقع في مثل البردة للبوصيري]
فصل قال المعترض (١) (ومن قول هذا الرجل في موضع آخر من كلامه، قال: "اعلم أرشدك الله أن من أنواع الشرك الأكبر ما قد يقع فيه بعض المصنفين الأولين على جهالة منه، كقوله في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
قال: وفي الهمزية من جنس هذا، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلاَّ لله وحده "، انتهى مع كلام لا يؤبه له.
وله كلام عليها غير هذا أشنع منه تركناه، ولأتباعه كذلك (٢)؛ وسنشير إلى شيء من قوله، ويكفي في هذا قوله (٣) "من الشرك الأكبر"، وعند هذا الكلام محط الرحل، فغائلته تنقيص (٤) سيد البشر ﷺ والحطّ من رتبته، وغايته إبطال شفاعته بالكلية، فنقول: الأولى (٥) أن شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري ﵀ لم يقصد ما قصده هذا الرجل، وليس
_________
(١) ف (ق) و(ح) وردت قبل: " قال المعترض: فصل ".
(٢) في (ق) و(م): شيء من ذلك.
(٣) في (ق) و(م): " قوله هذا ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الرسول ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "الأول".
هو بجهول عن عبادة الله ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركًا قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ، إذ ذاك لا يصلح إلاَّ لله ﷿، إذ كل رسول يقول لقومه: "يا قوم (١) اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".
وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (٢) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] [الأنبياء -٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] والآيات على الحضّ (٣) على توحيد الله والنهي عن الشرك لا تعدّ ولا تحصر (٤) وحاشا لعالم من علماء الأمة المعتبرين أن يقول الشرك الأكبر أو يقره؛ لأنه ﵀ من العلماء الأمناء؛ ولو قاله أحد لأنكر عليه (٥) وإنَّما هو رحمه الله تعالى يشير إلى يوم القيامة لاستحضار ذلك اليوم العظيم الذي تفزع إليه الخلائق للشفاعة العظمى لفصل القضاء حين تدني الشمس منهم، وتزفر النار (٦) ويغضب الجبار، ويجاء بالنار تقاد بسبعين ألف (زمام مع كل زمام سبعون ألف) (٧) ملك، وتجثو الخلائق على الركب، وهو الحادث العمم الذي يعم جميع الخلائق، بحيث لم يبقَ [١٢٠]، نبي ولا ملك إلاَّ جثا على ركبتيه يقول: نفسي نفسي لا أسألك (٨) اليوم
_________
(١) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٢) " من قبلك " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ح): " الخصوص ".
(٤) في (ق) و(م): "تحصى".
(٥) في (ق) و(م): " لأنكرنا".
(٦) في (ق) و(م): " جهنم ".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٨) في (ق) و(م) " " أملك ".
إلاَّ نفسي، ونبينا ﷺ يقول: «أمتي أمتي») .
والجواب أن يقال: قول الشيخ: (إنَّ أشياء من أنواع الشرك الأكبر قد يقع فيها بعض المصنفين الأولين) قول صحيح، يدلّ عليه الكتاب والسنَّة والواقع والاستقراء، وقد خفي على قوم موسى ﵇ وعلى أبي واقد الليثي وأصحابه ما طلبوه من أنبياء الله، فكيف لا يخفى أو (١) لا يقع ممن لا نسبة بينه وبينهم؟ قال تعالى عن قوم موسى (٢) ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] [الأعراف -١٣٨] .
«وقال أبو واقد الليثي وأصحابه للنبي ﷺ: " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط "، فقال ﷺ: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم أَلهة» (٣) فإذا وقع ذلك من أولئك الأخيار ورسلهم بين ظهرانيهم، فكيف يُستبعد أو يُنكر وقوعه (٤) ممن هو دونهم في كل فضيلة وكل علم وكل دين؛ بل يستحي (٥) العاقل من طلب المقابلة، فكيف بالمماثلة والمقاربة؟ وفي الحديث: " «اتقوا زلَة
_________
(١) في (ق) و(م): " ولا ".
(٢) عن قوم موسى " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وقال حسن صحيح، وأحمد (٥ / ٢١٨)، والبيهقي (٦ / ٣٤٦، ١١١٨٥) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ح): " استحى ".
العالم وفتنة العابد» " (١) وعنه ﷺ: " «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: زلَّة العالم، وجدال المنافق (٢) والأئمة المضلون» " (٣) وفيه أيضًا: " «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» (٤) فإذا خافه ﷺ على خيار أمته، وأمر باتقائه (٥) فكيف يُستغرب وقوعه، وينكر من الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون؟
وقد تقدَّم (٦) ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من شعر ابن النعمان وغيره (٧) من هذا الضرب، وأنكره أشدّ الِإنكار، وأخبر أنه من أنواع الشرك ودعاء المخلوق بما لا (٨) يصلح إلاَّ لله.
قال ﵀ في أثناء كلام له (٩) (ونحن نعلم بالضرورة أن
_________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (١-٤١)، والبيهقي (١٠ / ٢١١)، وذكره الهيثمي في المجمع (١ / ١٨٧)، وعزاه للبزار وليس فيهما (فتنة العابد)، وضعَّفه المناوي كما في فيض القدير (١ / ١٤٠) .
(٢) في (ق) و(م) زيادة: بالقرآن ".
(٣) في (ق) و(م): "المضلين "، والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥ / ١٣٨، ٢٨٢)، والصغير (٢ / ١٨٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٨٦)، والثالثة (دنيا تفتح عليكم)، ولفظ: (الأئمة المضلين)، عند الدارمي (١ / ٨٢، ٢١٤) من قول عمر موقوفاَ عليه.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤ ٤٢٠) بمعناه، وأحمد (٥ / ٤٢٨، ٤٢٩)، والطبراني في الكبير (٢٠ / ٢٥٣) .
(٥) في (ح): " بإنفائه ".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ق) و(م) زيادة: " كثيرا ".
(٨) ساقطة من (ق) و(م) .
(٩) انظر " الرد على البكري " (٢ / ٧٣١) .
رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت (١) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاَّ تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه (٢) أعظم ما بيَّنت لنا. لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم، ويتضرَّعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطرين، راجين قضاء [١٢١] حاجاتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلُّف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لُوذُوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عُوذُوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر
_________
(١) " ولا إلى ميت " ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (المطبوعة): " هذا ".
فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزَم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة (١) بالله، وأنهم لا يستغيثون (إلاَّ إيَّاه، لا يستغيثون) (٢) بملك مقرَب ولا بنبي مرسل، (فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم) (٣) نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدَّم نظيره) . انتهى كلامه.
وقول صاحب البردة أبلغ مما أنكره شيخ الإسلام، فإن صريحه دعاء مضطر محتاج، ذي فاقة وفقر إلى رسول الله ﷺ، وأنه ليس له ملجأ وملاذ ومفزع عند حلول (٤) الحادث العام العظيم سوى رسول ﷺ، وإذا حرَّم مجرد سؤاله ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، وسؤاله بعد مماته ما دون ذلك من الأسباب العادية، فكيف بهذا الدعاء الذي هو من أبلغ الأدعية في إظهار الفقر والفاقة، واستعطاف المسؤول بتوحيده وإفراده لهذا المطلوب العظيم، والخطب الجسيم؛ وإذا كان الدعاء حُزم لتضمنه التسوية بين الله وبين غيره في القصد والرجاء، والذل والمحبة، فكيف بما دلَّ على ما هو أبلغ من ذلك مما ذكر (٥) في البُرْدة والهمزية ونحوها (٦) وفي حديث
_________
(١) في (ق) و(م): " والاستعانة ".
(٢) " إلا إياه، ولا يستغيثون " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ح): " علول".
(٥) في (ق) و(المطبوعة): " ذكره ".
(٦) في (ق) و(م): " ونحوهما ".
النعمان بن بشير ﵁ " «الدعاء هو العبادة» (١) وحصر أحد الجزئين في الآخر يفيد ما قاله بعض الشراح من أن الدعاء لبها (٢) وخالصها وركنها الأعظم، وفي حديث أنس ﵁: " «الدعاء مخ العبادة» " (٣) وبه يظهر معنى الحصر في حديث النعمان، وفي الحديث: " «من لم يسأل الله يغضب عليه» " (٤) مفهومه أن من سأله رضي (٥) عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلاَ لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك.
قال أبو العباس ابن تيمية (٦) فيمن سأل الأموات ما لا يُطلب إلاَّ من [١٢٢] الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر: (إنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل، ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله) . انتهى.
وقد نفى الله عن غيره ملك (٧) الشفاعة، ونفى فعلها بغير إذنه،
_________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وأحمد (٢ / ٢٤٤٢) .
(٢) ٨ في (المطبوعة): " لب العبادة ".
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وقال: غريب من هذا الوجه. وانظر تخريجه في: كشف ما ألقاه إبليس " ص (٧١) .
(٤) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٨)، وأبو يعلى (١٢ / ١٠) .
(٥) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " الله ".
(٦) انظر: " زيارة القبور " ص (١٨)، ومجموع الفتاوى " (٣ / ٣٩٥".
(٧) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " مالك ".
وأن (١) تكون فيمن لا يرضى قوله وعمله، وقد ذكر جل ذكره أنه المنفرد والمختص بملك ذلك اليوم، وتمدح بذلك في غير آية من كتابه، وثبت من غير وجه أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض الأرض فيقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض» (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] * ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٨] * ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار ١٧-١٩] وهذه نكرة في سياق النفي وهي عامة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في موضعين من سورة البقرة (آية ٤٨ وآية ١٢٣] .
ولا ينافي هذا ما ورد من إثبات شفاعة النبي ﷺ وشفاعة غيره؛ لأن المراد بالنفي اختصاصه بالملك، وعدم مشاركة أحد له تعالى في ملك ذلك اليوم، وما ورد من حصول الشفاعة فهو عن أمره وإذنه ورضاه تعالى وتقدَّس، فالشافع عبد مأمور لا ملك له ولا يبتدىء بالشفاعة، بل هو مدَبَّر مأمور) (٣) فكيف يطلب منه ما لا يملك، وما (٤) لا يحصل إلاَّ بإذن من ربه ﵎؛ وهذا هو المراد بالاستثناء في مثل (٥) قوله تعالى:
_________
(١) في (ق) و(م): " أو أن ".
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٢، ٢٧٨٧)، ومسلم (٢٧٨٧)، وقوله: (أنا الديان)، ففي حديث آخر أخرجه البخاري تعليقًا عن جابر. انظر: كتاب التوحيد باب (٣٢) . وأخرجه أحمد (٣ / ٤٩٥) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة ٢٥٥] .
فتعليقها على الِإذن والرضى يراد به هذا المعنى، الذي هو صرف القلوب إلى باريها وفاطرها، وإسلام الوجوه له، عكس ما يفهمه المشرك من أن الاستثناء يفيد طلب ذلك من غير الله، وسؤال (١) ذلك الغير هذا المطلوب العظيم.
وإذا كان الحال هكذا فمن سأل رسول الله ﷺ شيئًا مما لا يطلب إلاَّ من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب، ودخول الجنة والنجاة من النار وأنزل المطر، والنصر على الأعداء ودفع السوء والردى، ونحو ذلك مما يختص به (٢) تعالى، ولا يشاركه فيه مشارك فقد أشرك بربه وجعل له ندًّا وشريكًا في خالص حقِّه.
ولا ريب أن هذا الدعاء (٣) يقتضي إثبات قدرة عامة (٤) وعلم عام، وسمع محيط، لا سيَّما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم، جعل ذلك دَيدنَه في كل (٥) مكان وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار، وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علمًا ولا سمعًا عامًّا محيطًا لا يليق بالمخلوق، فهو مكابر ملبوس عليه، ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والِإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها، فكيف جاز صرفه لغير الله؟
_________
(١) في (ح): " وسؤاله ".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: الله ".
(٣) في المطبوعة " زيادة: " الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي ﷺ ".
(٤) في (ح): " تامة.
(٥) في " المطبوعات " زيادة: " زمان و".
إذا عرفت هذا: فهذه الأبيات التي قالها صاحب البردة فيها من الغلو والإطراء، والدعاء، والالتجاء، ما لا يليق ولا ينبغي (١) صرفه لمخلوق ولو نبيًّا أو ملكا (٢) وأين قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلا وإلا فقل: يازلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
مما دل عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ من وجوب (إسلام الوجوه له تعالى والإنابة إليه، ووجوب) (٣) اتخاذه تعالى (٤) ملجأ، ومفزعًا، ومَعَاذًا، وملاذا عند الشدائد والمهمات (٥) .
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] [الأنعام ٤٠] ففي هذه الآية أنهم يلجأون إليه، ويفردونه (٦) بالدعاء إن أتاهم العذاب أو أتتهم الساعة، واحتج بذلك على وجوب إفراده بالدعاء في حال الرخاء وفي جميع الحالات، فكيف ترى بمن أعدَّ غير الله لشدَّته،
_________
(١) في (ق) و(م): " ينبغي ولا يليق ".
(٢) في (المطبوعة): (نبي أو ملك"، وفيها بعدها زيادة: "ولو كان أفضل الأنبياء وأقربهم إلى الله نبينا محمد ﷺ.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) وبها تكرار.
(٤) في " المطبوعة " زيادة: " وحده ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "وأن النبي ﷺ وإخوانه الأنبياء من قبله ما جاءوا كلهم إلا لتخليص هذا الحق لله وحده، وإبعاد كل شبهة يقيمها الشيطان حوله ".
(٦) في (ق): " ويقرون ".
ولهول الساعة وكربها؟ كما في أبيات البوصيري، وإذا اقترن بذلك نفي التعلُق والرجاء والتوكُل في ذلك عن غير الرسول ﷺ، وأضاف المتكلم إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيَّات، وأن الدنيا والآخرة حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه، و(١) معلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير وتأثير وتقدير وتيسير، فأي فرد يبقى لله؟ وأي شيء اختص به؟ فافهم ما في هذه الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة، وصريح الآيات.
وإذا عرفت ذلك: عرفت أنَّ المعترض قَصُرت رتبته عن درجة العلم بأصل الإيمان، وعن معرفة الحكمة في خلق الجن والإنس والسماوات والأرض وما فيهما؛ فلذلك اعترض، ورأى أن كلام الشيخ على هذه الأبيات شنع بشع، فإنه ارتاع من (٢) عدّ ذلك من قسم (٣) الشرك الأكبر.
وأبلغ من هذا: أنه يفهم من التوحيد وإخلاص الدعاء لله، والنهي عن دعاء نبينا ﷺ تنقيصا (٤) له وحطًّا من رتبته وإبطالًا لشفاعته بالكلية: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] [هود ٩٥] . وهذا بعينه قول من غلا في المسيح وأمه، أو غلا في أحد من الأنبياء والملائكة، وقد قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما قدموا عليه يريدون جعفر بن أبي طالب وأصحابه: "إنهم يقولون في المسيح قولًا ٣١٨ عظيمًا- يعني أنَّه (٥) عبد، رسول، ليس بإله " (٦) وكذلك قالت قريش للنبي ﷺ لما دعاهم إلى توحيد (٧) الله: "قد (٨) عبت ديننا وسببت آلهتنا". وكذا قال قوم نوح كما يدل عليه قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية (٩) [نوح ٢٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] * ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] (١٠) إلى قوله (﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] [الزخرف ٥٧- ٥٩] .
فالأمر بتوحيد الله وإخلاص الدعاء له والنهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ليس بتنقص (١١) بل هو الكمال والعزّ والسيادة، وهل نال الأنبياء وغيرهم من الملائكة المقرَّبين، ما نالوه من المقامات التي يتقاصر عنها المتطاولون إلاَّ بتجريد التوحيد، وتحقيقه ومعرفة الله والعلم به، والدعوة إلى سبيله، والبراءة مما نسبه إليه أعداؤه المشركون؟ وأمَّا صرف حق الله وما يجب له من الدعاء والعبادة إلى غيره: فهذا
_________
(١) في المطبوعة زيادة: " بل بعض وجوده كما تدل عليه (من) الموضوعة في اللغة العربية للتبعيض ".
(٢) في (المطبوعة): " تعاظم ".
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في المطبوعة " تنقصا ".
(٥) سقطت من (المطبوعة)، وفي (ق): " إنهم ".
(٦) أخرجه أحمد (١ / ٢٠٣، ٥ / ٢٩٢) وتقدم تخريجه، انظر: ص (٩٦)، هامش ٣.
(٧) في (ق): " التوحيد ".
(٨) في (ح) و(المطبوعة): " قالوا " مكان: " قد ".
(٩) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: (ولا يغوث ويعوق ونسرا) .
(١٠) في (المطبوعة) زيادة " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ".
(١١) في (المطبوعة) زيادة: " لهم ".
محض التنقص لله ولعباده المخلصين؛ ولهذا نزَّه (١) تعالى نفسه عمَّا يشركون في غير موضع من القرآن وكذلك في السنَّة.
وفيه تنقص أيضًا (٢) بالأنبياء والصالحين؛ لظن (٣) من فعل ذلك أنهم يرضون به ويقرون (٤) عليه، وأنهم ما نهوا عن هذا الجنس من الشرك وإنَّما جاءوا بتحريم الشرك في الربوبية، ووجوب اعتقاد اختصاصه تعالى بالملك والتدبير، كما صرَّح به كثير من عباد القبور، وأنكروا توحيد العبادة غاية الِإنكار، وجعلوا معنى كلمة الِإخلاص يرجع إلى توحيد الربوبية فقط، ومن نهاهم عن عبادة غير الله قابلوه بأشد الِإنكار؛ وقالوا: تنقصت المشايخ والكبار، وهم قد تنقصوا الملك الحق العزيز الغفار.
فما أشد غربة هذا الدين، وما أقلَّ من يعرفه من المدَّعين للعلم والمنتسبين (٥) .
وأما إبطال الشفاعة: فالشفاعة التي يشير إليها هذا الرجل وإخوانه من المشركين قد نفاها الله تعالى وأبطلها في كتابه العزيز في غير موضع؛ وأخبر تعالى أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع هذه الشفاعة التي قصدها المشركون لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه سبحانه فهو مستحيل الوجود.
والشفاعة المثبتة نوع آخر، وجنس ثانٍ لا يعقلها المشركون،
_________
(١) في " المطبوعة " زيادة: " الله ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): " أيضا تنقص ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " إذا يظن ".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " ويقرونه ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: " لهم ".
وما يعقلها إلاَّ العالمون (١) والِإشارة (٢) إلى سببها (٣) ومقتضيها وموجبها جاء (٤) صريحًا في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» " (٥) . إذا عرفتَ هذا عرفتَ أن المعترض أجنبي عن علوم أهل الإسلام لا يعقل منها شيئاَ، فلا جَرَم اعترض على شيخنا، وصاح لما سمع (٦) بتجريد التوحيد، والحمد لله العزيز الحميد.
وأما قوله: (إنَّ البوصيري لم يقصد ما قصده شيخنا وأنه ليس بجهول) .
فجوابه: أن البحث هنا في الألفاظ وما دلت عليه صريحًا، وأمَّا القصد والنية فليس هذا مبحثه، والسرائر إلى الله يحاسب العباد (٧) بعلمه، وصريح اللفظ دال على ما قرره شيخنا.
وأما قوله: (وليس بجهول عن عبادة الله تعالى، ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركًا قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ؛ إذ ذاك لا يصلح إلا لله) . فالجواب: إن العقلاء نصُّوا أنَّ من الحمق المتناهي تكذيب العين
_________
(١) في (المطبوعة): " العاملون "، وهو خطأ مطبعي ".
(٢) في (ق): " والإرشاد ") .
(٣) في (ق): " سبيلها ".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) أخرجه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠)، وأحمد (٢ / ٣٠٧، ٣٧٣) .
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) في (المطبوعة) زيادة: " عليها ".
وتصديق الظن والحدس، فكيف تقبل منك هذه الدعوى ونحن نرى قوله ونسمعه؟ ويكفي الحس في إبطال دعواك أنه ليس بجهول، وهل هذا الذي صدر منه إلاَّ غاية الجهل ومنتهى الضلال؟
وأمَّا كون الرسل يقولون لقومهم: اعبدوا الله، والله يقول: ٣٠ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] . فنعم؛ هذا حق وهو دين الرسل، والنزاع بيننا وبينكم في التزامه والعمل به، فكيف تحتج علينا بأن الله تعالى قال هذا، وقد خالفتم مقتضاه، وخرجتم عمَّا دلَّ عليه، وكيف ننهاك (١) عن دعاء غير الله وتحتج علينا بأنك تعلم أنه لا يدعى إلا الله؛ هذا ولو عقلتم المعنى والمقصود من هذه الآيات وأنصفتم لاستراح الخصم، والآفة كل الآفة (٢) مخالفة هذا ومناقضته ممن يتلوه ويؤمن بألفاظه (٣) .
وأما كونه عالمًا من علماء الأمة: فهذا من الجهل بالعلم والعلماء، أين العنقاء لتُطْلَب، وأين السمندل ليجلب؟
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] * ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] [البقرة ١١١- ١١٢] هؤلاء هم أهل العلم ورثة الجنة، وسادات الأمة، لو سلم عقلك
_________
(١) في (ق) و(م): " ننهاكم ".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: " في ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " ويكفر بمعناه ".
لعرفت أن من يدعو العباد إلى الله، ويردَّهم إليه وينهاهم عن الالتفات والتعلُق على غيره، وصرف الوجوه لسواه هو العالم الأمين، لكن أعماك الهوى عن معرفة الرشاد والهدى.
وأمَّا كون الناظم يشير إلى يوم القيامة: فنعم، ولكن لا يدعى لذلك اليوم إلاَّ الله وحده، وكون الخلائق تفزع إليه في ذلك اليوم لا يوجب ذلك ويقتضي دعاءه، وقصده من دون الله في دار التكليف والعمل، والملائكة والمؤمنون والأطفال يشفعون في ذلك اليوم، وهل يقول مسلم بقصدهم ودعائهم والتعلُّق عليهم من دون الله في هذه الدار، لما يرجى في الدار الآخر ة ويؤمل فيها؟ ومن قال بقصدهم ورجائهم ودعائهم لذلك، وشرعه، فقد فتح باب الشرك وسوَّغه، ودخل فيما دخل فيه الصابئة المشركون من التعلق على الأنفس المفارقة وعبادتها ودعائها مع الله.
وقولك: (حين تدني الشمس) هذا خطك بيدك، وهو لحن فاحش يدل على أنك أُمِّيٌّ (١) لا تُحسن شيئًا من العلم.
وقول النبي ﷺ " «أمتي أمتي» " (٢) ليس فيه أنه يُدْعى ويُقصد لذلك قبل يوم القيامة.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) أخرجه البخاري) ٧٠٧٢، ومسلم (١٩٣) .
فصل قال المعترض (١) (ومن قول هذا الرجل في موضع آخر من كلامه، قال: "اعلم أرشدك الله أن من أنواع الشرك الأكبر ما قد يقع فيه بعض المصنفين الأولين على جهالة منه، كقوله في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
قال: وفي الهمزية من جنس هذا، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلاَّ لله وحده "، انتهى مع كلام لا يؤبه له.
وله كلام عليها غير هذا أشنع منه تركناه، ولأتباعه كذلك (٢)؛ وسنشير إلى شيء من قوله، ويكفي في هذا قوله (٣) "من الشرك الأكبر"، وعند هذا الكلام محط الرحل، فغائلته تنقيص (٤) سيد البشر ﷺ والحطّ من رتبته، وغايته إبطال شفاعته بالكلية، فنقول: الأولى (٥) أن شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري ﵀ لم يقصد ما قصده هذا الرجل، وليس
_________
(١) ف (ق) و(ح) وردت قبل: " قال المعترض: فصل ".
(٢) في (ق) و(م): شيء من ذلك.
(٣) في (ق) و(م): " قوله هذا ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الرسول ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "الأول".
هو بجهول عن عبادة الله ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركًا قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ، إذ ذاك لا يصلح إلاَّ لله ﷿، إذ كل رسول يقول لقومه: "يا قوم (١) اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".
وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (٢) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] [الأنبياء -٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] والآيات على الحضّ (٣) على توحيد الله والنهي عن الشرك لا تعدّ ولا تحصر (٤) وحاشا لعالم من علماء الأمة المعتبرين أن يقول الشرك الأكبر أو يقره؛ لأنه ﵀ من العلماء الأمناء؛ ولو قاله أحد لأنكر عليه (٥) وإنَّما هو رحمه الله تعالى يشير إلى يوم القيامة لاستحضار ذلك اليوم العظيم الذي تفزع إليه الخلائق للشفاعة العظمى لفصل القضاء حين تدني الشمس منهم، وتزفر النار (٦) ويغضب الجبار، ويجاء بالنار تقاد بسبعين ألف (زمام مع كل زمام سبعون ألف) (٧) ملك، وتجثو الخلائق على الركب، وهو الحادث العمم الذي يعم جميع الخلائق، بحيث لم يبقَ [١٢٠]، نبي ولا ملك إلاَّ جثا على ركبتيه يقول: نفسي نفسي لا أسألك (٨) اليوم
_________
(١) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٢) " من قبلك " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ح): " الخصوص ".
(٤) في (ق) و(م): "تحصى".
(٥) في (ق) و(م): " لأنكرنا".
(٦) في (ق) و(م): " جهنم ".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٨) في (ق) و(م) " " أملك ".
إلاَّ نفسي، ونبينا ﷺ يقول: «أمتي أمتي») .
والجواب أن يقال: قول الشيخ: (إنَّ أشياء من أنواع الشرك الأكبر قد يقع فيها بعض المصنفين الأولين) قول صحيح، يدلّ عليه الكتاب والسنَّة والواقع والاستقراء، وقد خفي على قوم موسى ﵇ وعلى أبي واقد الليثي وأصحابه ما طلبوه من أنبياء الله، فكيف لا يخفى أو (١) لا يقع ممن لا نسبة بينه وبينهم؟ قال تعالى عن قوم موسى (٢) ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] [الأعراف -١٣٨] .
«وقال أبو واقد الليثي وأصحابه للنبي ﷺ: " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط "، فقال ﷺ: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم أَلهة» (٣) فإذا وقع ذلك من أولئك الأخيار ورسلهم بين ظهرانيهم، فكيف يُستبعد أو يُنكر وقوعه (٤) ممن هو دونهم في كل فضيلة وكل علم وكل دين؛ بل يستحي (٥) العاقل من طلب المقابلة، فكيف بالمماثلة والمقاربة؟ وفي الحديث: " «اتقوا زلَة
_________
(١) في (ق) و(م): " ولا ".
(٢) عن قوم موسى " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وقال حسن صحيح، وأحمد (٥ / ٢١٨)، والبيهقي (٦ / ٣٤٦، ١١١٨٥) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ح): " استحى ".
العالم وفتنة العابد» " (١) وعنه ﷺ: " «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: زلَّة العالم، وجدال المنافق (٢) والأئمة المضلون» " (٣) وفيه أيضًا: " «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» (٤) فإذا خافه ﷺ على خيار أمته، وأمر باتقائه (٥) فكيف يُستغرب وقوعه، وينكر من الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون؟
وقد تقدَّم (٦) ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من شعر ابن النعمان وغيره (٧) من هذا الضرب، وأنكره أشدّ الِإنكار، وأخبر أنه من أنواع الشرك ودعاء المخلوق بما لا (٨) يصلح إلاَّ لله.
قال ﵀ في أثناء كلام له (٩) (ونحن نعلم بالضرورة أن
_________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (١-٤١)، والبيهقي (١٠ / ٢١١)، وذكره الهيثمي في المجمع (١ / ١٨٧)، وعزاه للبزار وليس فيهما (فتنة العابد)، وضعَّفه المناوي كما في فيض القدير (١ / ١٤٠) .
(٢) في (ق) و(م) زيادة: بالقرآن ".
(٣) في (ق) و(م): "المضلين "، والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥ / ١٣٨، ٢٨٢)، والصغير (٢ / ١٨٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٨٦)، والثالثة (دنيا تفتح عليكم)، ولفظ: (الأئمة المضلين)، عند الدارمي (١ / ٨٢، ٢١٤) من قول عمر موقوفاَ عليه.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤ ٤٢٠) بمعناه، وأحمد (٥ / ٤٢٨، ٤٢٩)، والطبراني في الكبير (٢٠ / ٢٥٣) .
(٥) في (ح): " بإنفائه ".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ق) و(م) زيادة: " كثيرا ".
(٨) ساقطة من (ق) و(م) .
(٩) انظر " الرد على البكري " (٢ / ٧٣١) .
رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت (١) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاَّ تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه (٢) أعظم ما بيَّنت لنا. لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم، ويتضرَّعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطرين، راجين قضاء [١٢١] حاجاتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلُّف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لُوذُوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عُوذُوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر
_________
(١) " ولا إلى ميت " ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (المطبوعة): " هذا ".
فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزَم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة (١) بالله، وأنهم لا يستغيثون (إلاَّ إيَّاه، لا يستغيثون) (٢) بملك مقرَب ولا بنبي مرسل، (فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم) (٣) نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدَّم نظيره) . انتهى كلامه.
وقول صاحب البردة أبلغ مما أنكره شيخ الإسلام، فإن صريحه دعاء مضطر محتاج، ذي فاقة وفقر إلى رسول الله ﷺ، وأنه ليس له ملجأ وملاذ ومفزع عند حلول (٤) الحادث العام العظيم سوى رسول ﷺ، وإذا حرَّم مجرد سؤاله ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، وسؤاله بعد مماته ما دون ذلك من الأسباب العادية، فكيف بهذا الدعاء الذي هو من أبلغ الأدعية في إظهار الفقر والفاقة، واستعطاف المسؤول بتوحيده وإفراده لهذا المطلوب العظيم، والخطب الجسيم؛ وإذا كان الدعاء حُزم لتضمنه التسوية بين الله وبين غيره في القصد والرجاء، والذل والمحبة، فكيف بما دلَّ على ما هو أبلغ من ذلك مما ذكر (٥) في البُرْدة والهمزية ونحوها (٦) وفي حديث
_________
(١) في (ق) و(م): " والاستعانة ".
(٢) " إلا إياه، ولا يستغيثون " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ح): " علول".
(٥) في (ق) و(المطبوعة): " ذكره ".
(٦) في (ق) و(م): " ونحوهما ".
النعمان بن بشير ﵁ " «الدعاء هو العبادة» (١) وحصر أحد الجزئين في الآخر يفيد ما قاله بعض الشراح من أن الدعاء لبها (٢) وخالصها وركنها الأعظم، وفي حديث أنس ﵁: " «الدعاء مخ العبادة» " (٣) وبه يظهر معنى الحصر في حديث النعمان، وفي الحديث: " «من لم يسأل الله يغضب عليه» " (٤) مفهومه أن من سأله رضي (٥) عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلاَ لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك.
قال أبو العباس ابن تيمية (٦) فيمن سأل الأموات ما لا يُطلب إلاَّ من [١٢٢] الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر: (إنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل، ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله) . انتهى.
وقد نفى الله عن غيره ملك (٧) الشفاعة، ونفى فعلها بغير إذنه،
_________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وأحمد (٢ / ٢٤٤٢) .
(٢) ٨ في (المطبوعة): " لب العبادة ".
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وقال: غريب من هذا الوجه. وانظر تخريجه في: كشف ما ألقاه إبليس " ص (٧١) .
(٤) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٨)، وأبو يعلى (١٢ / ١٠) .
(٥) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " الله ".
(٦) انظر: " زيارة القبور " ص (١٨)، ومجموع الفتاوى " (٣ / ٣٩٥".
(٧) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " مالك ".
وأن (١) تكون فيمن لا يرضى قوله وعمله، وقد ذكر جل ذكره أنه المنفرد والمختص بملك ذلك اليوم، وتمدح بذلك في غير آية من كتابه، وثبت من غير وجه أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض الأرض فيقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض» (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] * ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٨] * ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار ١٧-١٩] وهذه نكرة في سياق النفي وهي عامة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في موضعين من سورة البقرة (آية ٤٨ وآية ١٢٣] .
ولا ينافي هذا ما ورد من إثبات شفاعة النبي ﷺ وشفاعة غيره؛ لأن المراد بالنفي اختصاصه بالملك، وعدم مشاركة أحد له تعالى في ملك ذلك اليوم، وما ورد من حصول الشفاعة فهو عن أمره وإذنه ورضاه تعالى وتقدَّس، فالشافع عبد مأمور لا ملك له ولا يبتدىء بالشفاعة، بل هو مدَبَّر مأمور) (٣) فكيف يطلب منه ما لا يملك، وما (٤) لا يحصل إلاَّ بإذن من ربه ﵎؛ وهذا هو المراد بالاستثناء في مثل (٥) قوله تعالى:
_________
(١) في (ق) و(م): " أو أن ".
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٢، ٢٧٨٧)، ومسلم (٢٧٨٧)، وقوله: (أنا الديان)، ففي حديث آخر أخرجه البخاري تعليقًا عن جابر. انظر: كتاب التوحيد باب (٣٢) . وأخرجه أحمد (٣ / ٤٩٥) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة ٢٥٥] .
فتعليقها على الِإذن والرضى يراد به هذا المعنى، الذي هو صرف القلوب إلى باريها وفاطرها، وإسلام الوجوه له، عكس ما يفهمه المشرك من أن الاستثناء يفيد طلب ذلك من غير الله، وسؤال (١) ذلك الغير هذا المطلوب العظيم.
وإذا كان الحال هكذا فمن سأل رسول الله ﷺ شيئًا مما لا يطلب إلاَّ من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب، ودخول الجنة والنجاة من النار وأنزل المطر، والنصر على الأعداء ودفع السوء والردى، ونحو ذلك مما يختص به (٢) تعالى، ولا يشاركه فيه مشارك فقد أشرك بربه وجعل له ندًّا وشريكًا في خالص حقِّه.
ولا ريب أن هذا الدعاء (٣) يقتضي إثبات قدرة عامة (٤) وعلم عام، وسمع محيط، لا سيَّما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم، جعل ذلك دَيدنَه في كل (٥) مكان وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار، وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علمًا ولا سمعًا عامًّا محيطًا لا يليق بالمخلوق، فهو مكابر ملبوس عليه، ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والِإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها، فكيف جاز صرفه لغير الله؟
_________
(١) في (ح): " وسؤاله ".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: الله ".
(٣) في المطبوعة " زيادة: " الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي ﷺ ".
(٤) في (ح): " تامة.
(٥) في " المطبوعات " زيادة: " زمان و".
إذا عرفت هذا: فهذه الأبيات التي قالها صاحب البردة فيها من الغلو والإطراء، والدعاء، والالتجاء، ما لا يليق ولا ينبغي (١) صرفه لمخلوق ولو نبيًّا أو ملكا (٢) وأين قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلا وإلا فقل: يازلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
مما دل عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ من وجوب (إسلام الوجوه له تعالى والإنابة إليه، ووجوب) (٣) اتخاذه تعالى (٤) ملجأ، ومفزعًا، ومَعَاذًا، وملاذا عند الشدائد والمهمات (٥) .
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] [الأنعام ٤٠] ففي هذه الآية أنهم يلجأون إليه، ويفردونه (٦) بالدعاء إن أتاهم العذاب أو أتتهم الساعة، واحتج بذلك على وجوب إفراده بالدعاء في حال الرخاء وفي جميع الحالات، فكيف ترى بمن أعدَّ غير الله لشدَّته،
_________
(١) في (ق) و(م): " ينبغي ولا يليق ".
(٢) في (المطبوعة): (نبي أو ملك"، وفيها بعدها زيادة: "ولو كان أفضل الأنبياء وأقربهم إلى الله نبينا محمد ﷺ.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) وبها تكرار.
(٤) في " المطبوعة " زيادة: " وحده ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "وأن النبي ﷺ وإخوانه الأنبياء من قبله ما جاءوا كلهم إلا لتخليص هذا الحق لله وحده، وإبعاد كل شبهة يقيمها الشيطان حوله ".
(٦) في (ق): " ويقرون ".
ولهول الساعة وكربها؟ كما في أبيات البوصيري، وإذا اقترن بذلك نفي التعلُق والرجاء والتوكُل في ذلك عن غير الرسول ﷺ، وأضاف المتكلم إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيَّات، وأن الدنيا والآخرة حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه، و(١) معلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير وتأثير وتقدير وتيسير، فأي فرد يبقى لله؟ وأي شيء اختص به؟ فافهم ما في هذه الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة، وصريح الآيات.
وإذا عرفت ذلك: عرفت أنَّ المعترض قَصُرت رتبته عن درجة العلم بأصل الإيمان، وعن معرفة الحكمة في خلق الجن والإنس والسماوات والأرض وما فيهما؛ فلذلك اعترض، ورأى أن كلام الشيخ على هذه الأبيات شنع بشع، فإنه ارتاع من (٢) عدّ ذلك من قسم (٣) الشرك الأكبر.
وأبلغ من هذا: أنه يفهم من التوحيد وإخلاص الدعاء لله، والنهي عن دعاء نبينا ﷺ تنقيصا (٤) له وحطًّا من رتبته وإبطالًا لشفاعته بالكلية: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] [هود ٩٥] . وهذا بعينه قول من غلا في المسيح وأمه، أو غلا في أحد من الأنبياء والملائكة، وقد قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما قدموا عليه يريدون جعفر بن أبي طالب وأصحابه: "إنهم يقولون في المسيح قولًا ٣١٨ عظيمًا- يعني أنَّه (٥) عبد، رسول، ليس بإله " (٦) وكذلك قالت قريش للنبي ﷺ لما دعاهم إلى توحيد (٧) الله: "قد (٨) عبت ديننا وسببت آلهتنا". وكذا قال قوم نوح كما يدل عليه قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية (٩) [نوح ٢٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] * ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] (١٠) إلى قوله (﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] [الزخرف ٥٧- ٥٩] .
فالأمر بتوحيد الله وإخلاص الدعاء له والنهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ليس بتنقص (١١) بل هو الكمال والعزّ والسيادة، وهل نال الأنبياء وغيرهم من الملائكة المقرَّبين، ما نالوه من المقامات التي يتقاصر عنها المتطاولون إلاَّ بتجريد التوحيد، وتحقيقه ومعرفة الله والعلم به، والدعوة إلى سبيله، والبراءة مما نسبه إليه أعداؤه المشركون؟ وأمَّا صرف حق الله وما يجب له من الدعاء والعبادة إلى غيره: فهذا
_________
(١) في المطبوعة زيادة: " بل بعض وجوده كما تدل عليه (من) الموضوعة في اللغة العربية للتبعيض ".
(٢) في (المطبوعة): " تعاظم ".
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في المطبوعة " تنقصا ".
(٥) سقطت من (المطبوعة)، وفي (ق): " إنهم ".
(٦) أخرجه أحمد (١ / ٢٠٣، ٥ / ٢٩٢) وتقدم تخريجه، انظر: ص (٩٦)، هامش ٣.
(٧) في (ق): " التوحيد ".
(٨) في (ح) و(المطبوعة): " قالوا " مكان: " قد ".
(٩) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: (ولا يغوث ويعوق ونسرا) .
(١٠) في (المطبوعة) زيادة " ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ".
(١١) في (المطبوعة) زيادة: " لهم ".
محض التنقص لله ولعباده المخلصين؛ ولهذا نزَّه (١) تعالى نفسه عمَّا يشركون في غير موضع من القرآن وكذلك في السنَّة.
وفيه تنقص أيضًا (٢) بالأنبياء والصالحين؛ لظن (٣) من فعل ذلك أنهم يرضون به ويقرون (٤) عليه، وأنهم ما نهوا عن هذا الجنس من الشرك وإنَّما جاءوا بتحريم الشرك في الربوبية، ووجوب اعتقاد اختصاصه تعالى بالملك والتدبير، كما صرَّح به كثير من عباد القبور، وأنكروا توحيد العبادة غاية الِإنكار، وجعلوا معنى كلمة الِإخلاص يرجع إلى توحيد الربوبية فقط، ومن نهاهم عن عبادة غير الله قابلوه بأشد الِإنكار؛ وقالوا: تنقصت المشايخ والكبار، وهم قد تنقصوا الملك الحق العزيز الغفار.
فما أشد غربة هذا الدين، وما أقلَّ من يعرفه من المدَّعين للعلم والمنتسبين (٥) .
وأما إبطال الشفاعة: فالشفاعة التي يشير إليها هذا الرجل وإخوانه من المشركين قد نفاها الله تعالى وأبطلها في كتابه العزيز في غير موضع؛ وأخبر تعالى أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع هذه الشفاعة التي قصدها المشركون لا في السماوات ولا في الأرض، وما لا يعلمه سبحانه فهو مستحيل الوجود.
والشفاعة المثبتة نوع آخر، وجنس ثانٍ لا يعقلها المشركون،
_________
(١) في " المطبوعة " زيادة: " الله ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): " أيضا تنقص ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " إذا يظن ".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " ويقرونه ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: " لهم ".
وما يعقلها إلاَّ العالمون (١) والِإشارة (٢) إلى سببها (٣) ومقتضيها وموجبها جاء (٤) صريحًا في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» " (٥) . إذا عرفتَ هذا عرفتَ أن المعترض أجنبي عن علوم أهل الإسلام لا يعقل منها شيئاَ، فلا جَرَم اعترض على شيخنا، وصاح لما سمع (٦) بتجريد التوحيد، والحمد لله العزيز الحميد.
وأما قوله: (إنَّ البوصيري لم يقصد ما قصده شيخنا وأنه ليس بجهول) .
فجوابه: أن البحث هنا في الألفاظ وما دلت عليه صريحًا، وأمَّا القصد والنية فليس هذا مبحثه، والسرائر إلى الله يحاسب العباد (٧) بعلمه، وصريح اللفظ دال على ما قرره شيخنا.
وأما قوله: (وليس بجهول عن عبادة الله تعالى، ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركًا قد نهى الله عنه ورسوله ﷺ؛ إذ ذاك لا يصلح إلا لله) . فالجواب: إن العقلاء نصُّوا أنَّ من الحمق المتناهي تكذيب العين
_________
(١) في (المطبوعة): " العاملون "، وهو خطأ مطبعي ".
(٢) في (ق): " والإرشاد ") .
(٣) في (ق): " سبيلها ".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) أخرجه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠)، وأحمد (٢ / ٣٠٧، ٣٧٣) .
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) في (المطبوعة) زيادة: " عليها ".
وتصديق الظن والحدس، فكيف تقبل منك هذه الدعوى ونحن نرى قوله ونسمعه؟ ويكفي الحس في إبطال دعواك أنه ليس بجهول، وهل هذا الذي صدر منه إلاَّ غاية الجهل ومنتهى الضلال؟
وأمَّا كون الرسل يقولون لقومهم: اعبدوا الله، والله يقول: ٣٠ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] . فنعم؛ هذا حق وهو دين الرسل، والنزاع بيننا وبينكم في التزامه والعمل به، فكيف تحتج علينا بأن الله تعالى قال هذا، وقد خالفتم مقتضاه، وخرجتم عمَّا دلَّ عليه، وكيف ننهاك (١) عن دعاء غير الله وتحتج علينا بأنك تعلم أنه لا يدعى إلا الله؛ هذا ولو عقلتم المعنى والمقصود من هذه الآيات وأنصفتم لاستراح الخصم، والآفة كل الآفة (٢) مخالفة هذا ومناقضته ممن يتلوه ويؤمن بألفاظه (٣) .
وأما كونه عالمًا من علماء الأمة: فهذا من الجهل بالعلم والعلماء، أين العنقاء لتُطْلَب، وأين السمندل ليجلب؟
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] * ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] [البقرة ١١١- ١١٢] هؤلاء هم أهل العلم ورثة الجنة، وسادات الأمة، لو سلم عقلك
_________
(١) في (ق) و(م): " ننهاكم ".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: " في ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " ويكفر بمعناه ".
لعرفت أن من يدعو العباد إلى الله، ويردَّهم إليه وينهاهم عن الالتفات والتعلُق على غيره، وصرف الوجوه لسواه هو العالم الأمين، لكن أعماك الهوى عن معرفة الرشاد والهدى.
وأمَّا كون الناظم يشير إلى يوم القيامة: فنعم، ولكن لا يدعى لذلك اليوم إلاَّ الله وحده، وكون الخلائق تفزع إليه في ذلك اليوم لا يوجب ذلك ويقتضي دعاءه، وقصده من دون الله في دار التكليف والعمل، والملائكة والمؤمنون والأطفال يشفعون في ذلك اليوم، وهل يقول مسلم بقصدهم ودعائهم والتعلُّق عليهم من دون الله في هذه الدار، لما يرجى في الدار الآخر ة ويؤمل فيها؟ ومن قال بقصدهم ورجائهم ودعائهم لذلك، وشرعه، فقد فتح باب الشرك وسوَّغه، ودخل فيما دخل فيه الصابئة المشركون من التعلق على الأنفس المفارقة وعبادتها ودعائها مع الله.
وقولك: (حين تدني الشمس) هذا خطك بيدك، وهو لحن فاحش يدل على أنك أُمِّيٌّ (١) لا تُحسن شيئًا من العلم.
وقول النبي ﷺ " «أمتي أمتي» " (٢) ليس فيه أنه يُدْعى ويُقصد لذلك قبل يوم القيامة.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) أخرجه البخاري) ٧٠٧٢، ومسلم (١٩٣) .
Translation
فصل فيه مناقشة الشرك الواقع في مثل البردة للبوصيري
#64
Chapter 64 — فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره
· ref. #64
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره]
فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه ﷺ كما خاطبه حسَّان بن ثابت ﵁ بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صدِّيق هذه الأمة أبو بكر ﵁ بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في غيبته، وكما خاطبه الذي علَّمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان ﵄ (١) بعد موته ﷺ؛ وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا وعند ربه جلَّ وعلا، ثم قال: ما لي من ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . ثم قال: (عند حلول (٢) الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته ﷺ .
والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، داع، لائذٍ، مضطرٍّ، محتاج (٣) بما لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى، وخطاب حسَّان خطاب متوجد متمنٍ أن يقي وجهه رسول الله ﷺ التراب،
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): " عنه ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ساقطة من (ح) .
وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذٍ بك في الحوادث والملمَّات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهُّد في الصلاة (١) ما يفيد الفرق بين خطاب الْمُسَلِّم وخطاب الداعي الراجي، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي ﷺ أن يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٢) عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيرًا، عائذًا بكم، مستغيثا (٣) لائذًا بحماكم، طالبًا لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " لكان (٤) ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في الخطاب؟ هذا لا يقوله إلاَّ أضل الخلق وأجهلهم (٥) وقد جبل الله الخلق على الفرق بين (٦) دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفِطَر والشرائع على الفرق بين ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحللوا وحرموا بمجرَّد أهوائهم وآرائهم الضالة.
وأمَّا حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٩ - ٩٧٤)، أبو داود (٣٢٣٧)، وابن ماجه (١٥٤٦) .
(٣) في (ق): " مستشفعا ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) و(م): " أجهل الخلق وأضلهم ".
(٦) في (ق): " فراق ".
الإجماع المستند إلى الكتاب والسنَّة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، وتثليث جداره كي لا يُصلَّى إليه، ولا يُتمكَّن من دعائه وسؤاله، عملًا بقوله- ﷺ: " «اللَهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يعبد» " (١) وقد بالغ السلف في حماية حِمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسدّ ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة ﵏ في أشرف القبور على الِإطلاق، فأين هذا من سؤاله ﷺ وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟
وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدلّ على غيبته ﷺ، وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء. وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة ١٠٣] وقال تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك.
فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأمَّا بعد موته ﷺ فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدَّم ذلك قريبا: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها" (٢)
_________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٢٤٦)، ومالك في الموطأ (١ / ١٧٢، ح ٤١٤)، وهو صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٧٧)، ومسلم (٨٦٧)، والنسائي (٣ / ٨٨ ١)، وابن ماجه (٤٥)، والدارمي (٣٥٦) في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي، وأحمد (٣ / ٣١، ٣١٩، ٣٧١) .
[١٢٨] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج.
وأمَّا الذي حدَّثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، أعني مخاطبته ﷺ والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحرَّرة، ومسألة السؤال به أو بحقِّه غير مسألته نفسه ودعائه.
وأمَّا كون أعمال أمته تُعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة (١) كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب (٢) وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه (٤) ولا قائل بدعائهما وطلبهما.
وأمَّا قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره) .
_________
(١) في (ق) و(م): " الأمة ".
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: " الزهري ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " ابن عبد الرحمن ".
(٤) لم أقف عليه، وإنما الوارد الحديث الآتي في عرض الأعمال على الأقارب والعشائر، وهو ضعيف.
فقد ورد (١) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (٢)؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا (٣) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٤) .
والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف.
وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا)، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (٥) من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر (٦) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه (٧) بيده.
وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد
_________
(١) في (المطبوعة): " روي ".
(٢) أخرجه أحمد (٣ / ١٦٥)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢ / ٣٢٨)، وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٦٣)، ولفظه: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم ٠٠٠ " الحديث.
(٣) في (ق) و(م): " به ".
(٤) أخرجه النسائي (٤ / ٥٨ ١)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٣ / ٤٥٥، ٤٥٦)، ومالك في الموطأ، كتاب الجنائز، ح (٤٩) .
(٥) في (ح): " قنطرة ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: هو.
(٧) ساقطة من (ق) .
الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [١٢٩]، المطلوب شفاعته ﷺ لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (١) جُوده (٢) بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] .
فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.
_________
(١) في (المطبوعة) " بعض ".
(٢) في (ق): " وجوه ".
فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه ﷺ كما خاطبه حسَّان بن ثابت ﵁ بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صدِّيق هذه الأمة أبو بكر ﵁ بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في غيبته، وكما خاطبه الذي علَّمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان ﵄ (١) بعد موته ﷺ؛ وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا وعند ربه جلَّ وعلا، ثم قال: ما لي من ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . ثم قال: (عند حلول (٢) الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته ﷺ .
والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، داع، لائذٍ، مضطرٍّ، محتاج (٣) بما لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى، وخطاب حسَّان خطاب متوجد متمنٍ أن يقي وجهه رسول الله ﷺ التراب،
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): " عنه ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ساقطة من (ح) .
وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذٍ بك في الحوادث والملمَّات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهُّد في الصلاة (١) ما يفيد الفرق بين خطاب الْمُسَلِّم وخطاب الداعي الراجي، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي ﷺ أن يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٢) عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيرًا، عائذًا بكم، مستغيثا (٣) لائذًا بحماكم، طالبًا لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " لكان (٤) ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في الخطاب؟ هذا لا يقوله إلاَّ أضل الخلق وأجهلهم (٥) وقد جبل الله الخلق على الفرق بين (٦) دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفِطَر والشرائع على الفرق بين ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحللوا وحرموا بمجرَّد أهوائهم وآرائهم الضالة.
وأمَّا حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٩ - ٩٧٤)، أبو داود (٣٢٣٧)، وابن ماجه (١٥٤٦) .
(٣) في (ق): " مستشفعا ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) و(م): " أجهل الخلق وأضلهم ".
(٦) في (ق): " فراق ".
الإجماع المستند إلى الكتاب والسنَّة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، وتثليث جداره كي لا يُصلَّى إليه، ولا يُتمكَّن من دعائه وسؤاله، عملًا بقوله- ﷺ: " «اللَهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يعبد» " (١) وقد بالغ السلف في حماية حِمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسدّ ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة ﵏ في أشرف القبور على الِإطلاق، فأين هذا من سؤاله ﷺ وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟
وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدلّ على غيبته ﷺ، وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء. وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة ١٠٣] وقال تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك.
فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأمَّا بعد موته ﷺ فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدَّم ذلك قريبا: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها" (٢)
_________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٢٤٦)، ومالك في الموطأ (١ / ١٧٢، ح ٤١٤)، وهو صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٧٧)، ومسلم (٨٦٧)، والنسائي (٣ / ٨٨ ١)، وابن ماجه (٤٥)، والدارمي (٣٥٦) في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي، وأحمد (٣ / ٣١، ٣١٩، ٣٧١) .
[١٢٨] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج.
وأمَّا الذي حدَّثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، أعني مخاطبته ﷺ والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحرَّرة، ومسألة السؤال به أو بحقِّه غير مسألته نفسه ودعائه.
وأمَّا كون أعمال أمته تُعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة (١) كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب (٢) وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه (٤) ولا قائل بدعائهما وطلبهما.
وأمَّا قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره) .
_________
(١) في (ق) و(م): " الأمة ".
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: " الزهري ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " ابن عبد الرحمن ".
(٤) لم أقف عليه، وإنما الوارد الحديث الآتي في عرض الأعمال على الأقارب والعشائر، وهو ضعيف.
فقد ورد (١) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (٢)؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا (٣) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٤) .
والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف.
وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا)، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (٥) من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر (٦) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه (٧) بيده.
وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد
_________
(١) في (المطبوعة): " روي ".
(٢) أخرجه أحمد (٣ / ١٦٥)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢ / ٣٢٨)، وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٦٣)، ولفظه: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم ٠٠٠ " الحديث.
(٣) في (ق) و(م): " به ".
(٤) أخرجه النسائي (٤ / ٥٨ ١)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٣ / ٤٥٥، ٤٥٦)، ومالك في الموطأ، كتاب الجنائز، ح (٤٩) .
(٥) في (ح): " قنطرة ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: هو.
(٧) ساقطة من (ق) .
الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [١٢٩]، المطلوب شفاعته ﷺ لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (١) جُوده (٢) بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] .
فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.
_________
(١) في (المطبوعة) " بعض ".
(٢) في (ق): " وجوه ".
Translation
فصل في مخاطبة النبي بكاف الخطاب بعد موته والدعاء له عند قبره
#65
Chapter 65 — فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا
· ref. #65
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا]
فصل قال المعترض: (ثم ماذا، والمحذور الذي كفَّر به هذا الرجل وما يضرُّ النداء في هذا، وهل هذا عبادة من دون الله؟ ما أبعد الجهل وأهله من الفرقان) .
ثم ذكر المعترض قول حسَّان في مرثيته مستدلًا به على أن الرسول يُدْعَى ويخاطب.
والجواب أن يقال: لا ريب أن جمهور من دعا معبودًا مع الله. وانتحل طريقة ودينا (١) لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور، ولا إنكار، ويحسب أنه مهتدِ، وإن كان من أضلّ الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى، ويكفي المؤمن ما تقدَّم من الآيات التي تزعم أن الناظم يعرفها ولا يجهلها.
كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] وهل يحيل هذا الدعاء عن حقيقته، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له نداء لا دعاء، وهل العبادة إلاَّ هذا الدعاء ونحوه؛ فأي جهل في تحريم ما حرم الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ .
_________
(١) في بقية النسخ: أو دينا.
وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة، ومعرفة أفرادها.
ومعلوم أنَّ قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الِإله) نداء إذا جهر به المنادي، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين، ولو كان المطلوب مجرَّد شفاعتها، فإباحة هذا النوع وجعله لا محذور فيه هو عين الجهل، ونفس الضلال.
وأمَّا رثاء حسَّان: فليس فيه دعاء، وإنَّما هو توجع وتحزن وتألم بفقده (١) ﷺ؛ وفَرْق بين الخطاب بهذا، والخطاب بالدعاء والمسألة، وقد تقدم التنبيه على ذلك (٢) .
_________
(١) في بقية النسخ: لفقده ".
(٢) انظر: ص (٣٢٣) .
فصل قال المعترض: (ثم ماذا، والمحذور الذي كفَّر به هذا الرجل وما يضرُّ النداء في هذا، وهل هذا عبادة من دون الله؟ ما أبعد الجهل وأهله من الفرقان) .
ثم ذكر المعترض قول حسَّان في مرثيته مستدلًا به على أن الرسول يُدْعَى ويخاطب.
والجواب أن يقال: لا ريب أن جمهور من دعا معبودًا مع الله. وانتحل طريقة ودينا (١) لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور، ولا إنكار، ويحسب أنه مهتدِ، وإن كان من أضلّ الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى، ويكفي المؤمن ما تقدَّم من الآيات التي تزعم أن الناظم يعرفها ولا يجهلها.
كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن ١٨] وهل يحيل هذا الدعاء عن حقيقته، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له نداء لا دعاء، وهل العبادة إلاَّ هذا الدعاء ونحوه؛ فأي جهل في تحريم ما حرم الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟ .
_________
(١) في بقية النسخ: أو دينا.
وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة، ومعرفة أفرادها.
ومعلوم أنَّ قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الِإله) نداء إذا جهر به المنادي، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين، ولو كان المطلوب مجرَّد شفاعتها، فإباحة هذا النوع وجعله لا محذور فيه هو عين الجهل، ونفس الضلال.
وأمَّا رثاء حسَّان: فليس فيه دعاء، وإنَّما هو توجع وتحزن وتألم بفقده (١) ﷺ؛ وفَرْق بين الخطاب بهذا، والخطاب بالدعاء والمسألة، وقد تقدم التنبيه على ذلك (٢) .
_________
(١) في بقية النسخ: لفقده ".
(٢) انظر: ص (٣٢٣) .
Translation
فصل في بيان أن من دعا معبودا أو انتحل طريقة أنه لا يرى في ذلك محذورا
#66
Chapter 66 — فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي ﷺ بعد موته
· ref. #66
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي ﷺ بعد موته]
فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صدّيق هذه الأمة أبي بكر (١) ﵁، حين وجد النبي ﷺ ميتًا، فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير ﵁.
فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ وكان من خواص أبي بكر الصدِّيق (٢) ﵁ قال: "جاء الخبر بثقل النبي ﷺ إلى أبي بكر وواتر [١٣٠] أهل البيت إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي ﷺ ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي ﷺ، فأكب عليه وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي، طبتَ حيًّا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء: النبوة، فعظُمتَ عن الصفة،
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، فلولا موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا (١) عليك الشؤون، فأمَّا ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد، وادكار (٢) متحالفان أن لا (٣) يبرحا، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهمَّ أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا" (٤) .
ثم (٥) قال المعترض: (وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي ﷺ، (وروى عنه سيف أنه قال: شهدت وفاة النبي ﷺ (٦) وذكر قصة السقيفة، فهل ترى الصدّيق عند هذا الرجل كافرًا بقوله يخاطب النبي ﷺ اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ والنثر أوسع من النظم) .
والجواب أن يقال: آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى، التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى، وقد وضع أهل العلم والحديث من القوانين الشرعية، ما يميّز به بين (٧) الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة والضعيفة، التي لا تثبت بها أحكام دينية.
_________
(١) في (ح): " لأنقذنا ".
(٢) في (الأصل) و(ح): " والدكار ".
(٣) في (المطبوعة): " لا يبرحان ".
(٤) انظر: فتوح سيف بن عمر.
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
(٧) ساقطة من (المطبوعة) .
فمن ذلك: ردَّهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقات الأثبات، كما رُدَّ على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري، وكما رد على ابن إسحاق ما انفرد به في حديث أبي مسعود البدري في صفة الصلاة على النبي ﷺ، وكما رُدَّ على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري: من ذكر دبغ الِإهاب في حديث ميمونة.
وقد روى كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي ﷺ عدد كثير، وجم غفير، وذكرها أصحاب السِّيَر عمَّن هو أعدل من القعقاع وأوثق وأشهر، فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها؛ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بل والإجماع، كما حكاه شيخ [١٣١] الإسلام وغيره؛ وهل يدع هذا كله ويرميه وراء ظهره إلاَّ من غلب عليه متابعة الهوى، وعدم الوقوف مع الكتاب والسنَّة والِإجماع؛ وهل ضلَّ أهل الكتاب إلاَّ بنبذهم (١) كتاب الله وراء ظهورهم، واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم.
وهذه الكلمة وهي قوله: اذكرنا (٢) عند ربك، لو جاء بسندها المذكور كلمة تخالف الثابت من المرفوع والمأثور، في حكم من أحكام (٣) الفروع وجزئيَّات المسائل، كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها، وترك ما هو أصح وأثبت وأدل، فكيف بالطلب من الموتى، ودعاء الأنبياء، والتوجه إليهم، الذي تظاهرت النصوص والآثار على تحريمه والمنع منه.
_________
(١) في (ق) و(م): " بنبذ ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " يا محمد ".
(٣) في (ح): " الأحكام ".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك العالم (١) . اهـ.
وفد حمى ﷺ حِمَى التوحيد وسد ذرائع الشرك حتى نهى عن قول: "ما شاء الله وشاء فلان " (٢) ونهى عن الحلف بغير الله (٣) ونهى عن الصلاة عند القبور واستقبالها (٤) ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه لغير الله (٥) ونهى عن قول الرجل: " عبدي وأمتي " (٦) وقد بالغ أصحابه ﵃ في صيانة قبره الشريف عن (٧) أن يصل إليه أهل الغلو والِإطراء، فجعلوا جداره مثلثًا، وكره مالك ﵀ للرجل كلما دخل المسجد إتيان القبر للسلام على النبي ﷺ وقال: "لم يكن أهل العلم من أهل بلدنا يفعلونه " فكيف ترى بسؤال النبي ﷺ، والطلب منه،
_________
(١) انظر " إغاثة اللهفان " (٢ / ٢٣٢) .
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٥ / ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) .
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٣٥) بلفظ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "، وفي الصحيحين: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، وأخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٤٩) .
(٤) أخرجه مسلم (٩٢٧) .
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣١٤)، وأحمد (٣ / ٤١٩)، وفيه: أن رجلا نذر أن يذبح إبلًا ببوانة (موضع) فسأله النبي ﷺ: "هل بها من الأوثان شيء؟ هل كان بها عيد للمشركين؟) .
(٦) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، أبو داود (٤٩٧٥)، وأحمد (٢ / ٣١٦، ٤٢٣، ٤٦٣، ٤٨٤) .
(٧) ساقطة من (ح) .
والتوجه إليه في الحوائج والملمات، فبين هدى الصحابة وأهل العلم، وفعل هؤلاء الضُّلاَّل كما بين المشرق والمغرب. شتَّان بين مشرق ومغرب.
هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة، فكيف (١) والأمر بخلاف ذلك، وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه.
منها: قوله: "اللهمَّ فأبلغه عنا"، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها: "اذكرنا يا محمد عند ربك "، وهل هذا إلاَّ عكس ما قبله، ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصدِّيق الأمة؟ وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا: "ألا بلّغوا عنا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" (٢) ولم يأتِ أحد من أصحاب [١٣٢] رسول الله ﷺ إلى شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجلّ وأفقه من ذلك، فكيف بالصدِّيق ﵁؛ فإذا جاءت السنَّة بأنَّ الله هو الذي (٣) يبلغ عمَّن عنده من الشهداء، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي ﷺ هو الذي يبلغ ربه؟
والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاع إنما يستعمل في من رفع إليه وبلغ ما ليس عنده.
قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام -١٩]
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٦٤)، ومسلم (٦٧٧)، وأحمد (٣ / ١٠٩، ٢١٠، ٢١٥، ٢٥٥)، والبيهقي (٩ / ٢٢٥، ١٨٦٠٢) .
(٣) " هو الذي " ساقطة من (ق) .
وفي الحديث: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (١) هذا لو صح سنده، فكيف وهو عمن لا يحتج به؟ قال ابن السكن: (سيف بن عمر: ضعيف) . وقال أبو حاتم: (قعقاع بن عمرو، قال: شهدت وفاة رسول الله ﷺ. هذا فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك، فبطل الحديث، وإنَما ذكرناه للمعرفة)، وقال الحافظ (٢) (أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال: "شهدت وفاة رسول الله ﷺ فلمَّا صلَّينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد وأخبر بعضهم أن الأنصار أجمعوا أن يولوا سعدًا قال ابن السكن: سيف بن عمر ضعيف، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر، بل قال: يقال: إن له صحبة) (٣) .
قلت: وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد، بل هو عمرو بن تمام عن أبيه تمام (٤) فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس، أو جاء التدليس من غيره.
إذا عرفت هذا: بطل هذا الحديث، وأبطل منه الاحتجاج به، والثابت عند أهل العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين
_________
(١) أخرجه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩) .
(٢) " الحافظ " ساقطة من (ق) .
(٣) انظر: (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر (٣ / ٢٣٩، ٢٤٠) في حرف العين القسم الأول ترجمة القعقاع بن عمرو (٧١٢٧) .
(٤) ساقطة من (ق) .
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ فقال: (إنَّ رجالاَ من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ والله (١) ما (٢) مات، ولكنه ذُهب به (٣) إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله ﷺ مات. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت حتى دخل على [١٣٣] رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مسجَّى ببرد حبرة (٤) فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه وقبَّله. ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لم تصبك بعدها موتة أبدًا؛ ثمَّ ردَّ الثوب على وجهه؛ وخرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، فأنصت، قال: فأبى إلاَّ أن يتكلَّم، فلمَّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمَّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية (٥) [آل عمران ١٤٤] .
_________
(١) لم تذكر (ق) لفظ الجلالة.
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) ساقطة من بقية النسخ.
(٤) في (ق) و(م): " محبرة ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): سياقة الآية إلى أعقابكم الآية.
قال: فو الله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ هذه الآية نزلت على رسول ﷺ حتى تلاها أبو بكر يومئذِ. قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم) (١) .
هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم، التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام.
وقد عُلِم أن القعقاع لم يدخل على النبي ﷺ في تلك الحالة، ولا يمكن من هو أفضل منه، ولم يدَّع أنَّ أبا بكر أخبره بذلك، ولا غير أبي بكر، فصار الأثر منقطعا، وهذه علة رابعة.
وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرَّض لردِّ هذا الدين والتوحيد الذي منَّ الله بتجديده على يد شيخنا ﵀، والغالب على من تعرَّض لردّ ذلك هو الجهل وعدم العلم، مع غلبة الهوى وشدَّة العداوة، فأجْلَبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقًا به، وأنه من الحجج التي تدفع الخْصم، وليست لهم عناية بصناعة العلم، ومدارك الأحكام، ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
تعرض قوم للغرام فأعرضوا ... بجانبهم عن صحبتي (٢) فيه واعتلوا
_________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤١، ١٢٤٢)، وأحمد (١ / ٣٣٤، ٣٦٧) ومواضع أخرى.
(٢) في (ق) و(م): " صحتي ".
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى، فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا الهوى (١) على الهدى ... حسدًا من عند أنفسهم ضلوا
_________
(١) في (ق) و(م): " العمى ".
فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صدّيق هذه الأمة أبي بكر (١) ﵁، حين وجد النبي ﷺ ميتًا، فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير ﵁.
فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ وكان من خواص أبي بكر الصدِّيق (٢) ﵁ قال: "جاء الخبر بثقل النبي ﷺ إلى أبي بكر وواتر [١٣٠] أهل البيت إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي ﷺ ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي ﷺ، فأكب عليه وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي، طبتَ حيًّا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء: النبوة، فعظُمتَ عن الصفة،
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، فلولا موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا (١) عليك الشؤون، فأمَّا ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد، وادكار (٢) متحالفان أن لا (٣) يبرحا، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهمَّ أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا" (٤) .
ثم (٥) قال المعترض: (وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي ﷺ، (وروى عنه سيف أنه قال: شهدت وفاة النبي ﷺ (٦) وذكر قصة السقيفة، فهل ترى الصدّيق عند هذا الرجل كافرًا بقوله يخاطب النبي ﷺ اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ والنثر أوسع من النظم) .
والجواب أن يقال: آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى، التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى، وقد وضع أهل العلم والحديث من القوانين الشرعية، ما يميّز به بين (٧) الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة والضعيفة، التي لا تثبت بها أحكام دينية.
_________
(١) في (ح): " لأنقذنا ".
(٢) في (الأصل) و(ح): " والدكار ".
(٣) في (المطبوعة): " لا يبرحان ".
(٤) انظر: فتوح سيف بن عمر.
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
(٧) ساقطة من (المطبوعة) .
فمن ذلك: ردَّهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقات الأثبات، كما رُدَّ على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري، وكما رد على ابن إسحاق ما انفرد به في حديث أبي مسعود البدري في صفة الصلاة على النبي ﷺ، وكما رُدَّ على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري: من ذكر دبغ الِإهاب في حديث ميمونة.
وقد روى كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي ﷺ عدد كثير، وجم غفير، وذكرها أصحاب السِّيَر عمَّن هو أعدل من القعقاع وأوثق وأشهر، فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها؛ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بل والإجماع، كما حكاه شيخ [١٣١] الإسلام وغيره؛ وهل يدع هذا كله ويرميه وراء ظهره إلاَّ من غلب عليه متابعة الهوى، وعدم الوقوف مع الكتاب والسنَّة والِإجماع؛ وهل ضلَّ أهل الكتاب إلاَّ بنبذهم (١) كتاب الله وراء ظهورهم، واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم.
وهذه الكلمة وهي قوله: اذكرنا (٢) عند ربك، لو جاء بسندها المذكور كلمة تخالف الثابت من المرفوع والمأثور، في حكم من أحكام (٣) الفروع وجزئيَّات المسائل، كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها، وترك ما هو أصح وأثبت وأدل، فكيف بالطلب من الموتى، ودعاء الأنبياء، والتوجه إليهم، الذي تظاهرت النصوص والآثار على تحريمه والمنع منه.
_________
(١) في (ق) و(م): " بنبذ ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " يا محمد ".
(٣) في (ح): " الأحكام ".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك العالم (١) . اهـ.
وفد حمى ﷺ حِمَى التوحيد وسد ذرائع الشرك حتى نهى عن قول: "ما شاء الله وشاء فلان " (٢) ونهى عن الحلف بغير الله (٣) ونهى عن الصلاة عند القبور واستقبالها (٤) ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه لغير الله (٥) ونهى عن قول الرجل: " عبدي وأمتي " (٦) وقد بالغ أصحابه ﵃ في صيانة قبره الشريف عن (٧) أن يصل إليه أهل الغلو والِإطراء، فجعلوا جداره مثلثًا، وكره مالك ﵀ للرجل كلما دخل المسجد إتيان القبر للسلام على النبي ﷺ وقال: "لم يكن أهل العلم من أهل بلدنا يفعلونه " فكيف ترى بسؤال النبي ﷺ، والطلب منه،
_________
(١) انظر " إغاثة اللهفان " (٢ / ٢٣٢) .
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٥ / ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) .
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٣٥) بلفظ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "، وفي الصحيحين: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، وأخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٤٩) .
(٤) أخرجه مسلم (٩٢٧) .
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣١٤)، وأحمد (٣ / ٤١٩)، وفيه: أن رجلا نذر أن يذبح إبلًا ببوانة (موضع) فسأله النبي ﷺ: "هل بها من الأوثان شيء؟ هل كان بها عيد للمشركين؟) .
(٦) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، أبو داود (٤٩٧٥)، وأحمد (٢ / ٣١٦، ٤٢٣، ٤٦٣، ٤٨٤) .
(٧) ساقطة من (ح) .
والتوجه إليه في الحوائج والملمات، فبين هدى الصحابة وأهل العلم، وفعل هؤلاء الضُّلاَّل كما بين المشرق والمغرب. شتَّان بين مشرق ومغرب.
هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة، فكيف (١) والأمر بخلاف ذلك، وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه.
منها: قوله: "اللهمَّ فأبلغه عنا"، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها: "اذكرنا يا محمد عند ربك "، وهل هذا إلاَّ عكس ما قبله، ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصدِّيق الأمة؟ وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا: "ألا بلّغوا عنا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" (٢) ولم يأتِ أحد من أصحاب [١٣٢] رسول الله ﷺ إلى شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجلّ وأفقه من ذلك، فكيف بالصدِّيق ﵁؛ فإذا جاءت السنَّة بأنَّ الله هو الذي (٣) يبلغ عمَّن عنده من الشهداء، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي ﷺ هو الذي يبلغ ربه؟
والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاع إنما يستعمل في من رفع إليه وبلغ ما ليس عنده.
قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام -١٩]
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٦٤)، ومسلم (٦٧٧)، وأحمد (٣ / ١٠٩، ٢١٠، ٢١٥، ٢٥٥)، والبيهقي (٩ / ٢٢٥، ١٨٦٠٢) .
(٣) " هو الذي " ساقطة من (ق) .
وفي الحديث: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (١) هذا لو صح سنده، فكيف وهو عمن لا يحتج به؟ قال ابن السكن: (سيف بن عمر: ضعيف) . وقال أبو حاتم: (قعقاع بن عمرو، قال: شهدت وفاة رسول الله ﷺ. هذا فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك، فبطل الحديث، وإنَما ذكرناه للمعرفة)، وقال الحافظ (٢) (أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال: "شهدت وفاة رسول الله ﷺ فلمَّا صلَّينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد وأخبر بعضهم أن الأنصار أجمعوا أن يولوا سعدًا قال ابن السكن: سيف بن عمر ضعيف، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر، بل قال: يقال: إن له صحبة) (٣) .
قلت: وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد، بل هو عمرو بن تمام عن أبيه تمام (٤) فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس، أو جاء التدليس من غيره.
إذا عرفت هذا: بطل هذا الحديث، وأبطل منه الاحتجاج به، والثابت عند أهل العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين
_________
(١) أخرجه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩) .
(٢) " الحافظ " ساقطة من (ق) .
(٣) انظر: (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر (٣ / ٢٣٩، ٢٤٠) في حرف العين القسم الأول ترجمة القعقاع بن عمرو (٧١٢٧) .
(٤) ساقطة من (ق) .
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ فقال: (إنَّ رجالاَ من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ والله (١) ما (٢) مات، ولكنه ذُهب به (٣) إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله ﷺ مات. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت حتى دخل على [١٣٣] رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مسجَّى ببرد حبرة (٤) فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه وقبَّله. ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لم تصبك بعدها موتة أبدًا؛ ثمَّ ردَّ الثوب على وجهه؛ وخرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، فأنصت، قال: فأبى إلاَّ أن يتكلَّم، فلمَّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمَّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية (٥) [آل عمران ١٤٤] .
_________
(١) لم تذكر (ق) لفظ الجلالة.
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) ساقطة من بقية النسخ.
(٤) في (ق) و(م): " محبرة ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): سياقة الآية إلى أعقابكم الآية.
قال: فو الله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ هذه الآية نزلت على رسول ﷺ حتى تلاها أبو بكر يومئذِ. قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم) (١) .
هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم، التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام.
وقد عُلِم أن القعقاع لم يدخل على النبي ﷺ في تلك الحالة، ولا يمكن من هو أفضل منه، ولم يدَّع أنَّ أبا بكر أخبره بذلك، ولا غير أبي بكر، فصار الأثر منقطعا، وهذه علة رابعة.
وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرَّض لردِّ هذا الدين والتوحيد الذي منَّ الله بتجديده على يد شيخنا ﵀، والغالب على من تعرَّض لردّ ذلك هو الجهل وعدم العلم، مع غلبة الهوى وشدَّة العداوة، فأجْلَبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقًا به، وأنه من الحجج التي تدفع الخْصم، وليست لهم عناية بصناعة العلم، ومدارك الأحكام، ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
تعرض قوم للغرام فأعرضوا ... بجانبهم عن صحبتي (٢) فيه واعتلوا
_________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤١، ١٢٤٢)، وأحمد (١ / ٣٣٤، ٣٦٧) ومواضع أخرى.
(٢) في (ق) و(م): " صحتي ".
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى، فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا الهوى (١) على الهدى ... حسدًا من عند أنفسهم ضلوا
_________
(١) في (ق) و(م): " العمى ".
Translation
فصل في مناقشة وتضعيف رواية سيف بن عمر في ذكر قول الصديق عند دخوله على النبي ﷺ بعد موته
#67
Chapter 67 — فصل في الرد على المعترض بأن البوصيري إنما قصد الشفاعة يوم القيامة
· ref. #67
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في الرد على المعترض بأن البوصيري إنما قصد الشفاعة يوم القيامة]
فصل قال المعترض: (فشرف الدين إنَّما قصد الشفاعة، مستحضرًا يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] [عبس -٣٤ -٣٧] .
وهو يقول ﷺ: " «أمَّتي أمَّتي» ") إلى أن قال: (ولأنه قد أعطي "ﷺ (١) " الشفاعة بوعد الله الصادق له في حياته، من المقام المحمود وشفاعته لأمته، وهي من ذلك.
قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] [الإسراء ٧٩] . وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى ٥] قال ابن عباس: "هو الشفاعة لأمته " (٢) وقاله غيره من السلف.
ثم ساق أحاديث في هذا المعنى. ثم قال: فإذا كان هذا قول الله تعالى، فما ظنك به ﷺ وهو أجود بالخير من الريح المرسلة؟ وقال ﷺ في حق المنافقين: " «لو أعلم أني لو زدت على السبعين لغفر لزدت» " (٣) كما
_________
(١) في (ق) و(م): ﷺ قد أعطى.
(٢) لم أقف عليه من رواية ابن عباس، إنما هو من رواية علي والحسن البصري، وانظر: "الدر المنثور) (٦ / ٦١٠) .
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٧٠، ٤٦٧١، ٤٦٧٢)، والترمذي (٩٧ ٣٠)، والنسائي (١ / ٦٧)، وأحمد (١ / ١٦) .
عند البخاري، واستغفاره شفاعته لأمته قد أخبر أنه في («البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله شرا» (١) وهل) (٢) استغفاره إلاَّ شفاعته؟ ثم ذكر حديث أنس وأنه ﷺ يُخْرِجُ من النار حتى لا يبقى إلاَّ من حبسه القرآن (٣) .
والجواب أن يقال: قد أجاب شيخنا ﵀ عن هذه المسألة في "كشف الشبهة (٤) .
قال ﵀ (٥) (فإن قال- يعني المشرك الذي يدعو الصالحين-: إن الله أعطاه الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فقل له: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن دعائه) وساق ﵀ من الآيات ما يستدلّ به على تحريم دعاء الأنبياء وغيرهم.
وهذا هو جوابنا عما احتج به المعترض هنا، وهو الجواب السديد.
وقد وكل الله بما يقضيه ويقدِّره من الموت والحياة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وحفظ بني آدم، وغير ذلك ملائكة يدبِّرون ذلك، ويباشرونه بحكمته، ودعاؤهم مع ذلك مجمع على تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، فأي فرق بين هذا وهذا لو كانوا يعلمون؟
_________
(١) لم أقف عليه، والصحيح المشهور هو عرض الصلاة والسلام عليه ﷺ في البرزخ، فصلاتنا عليه معروضة عليه ويردّ سلام من سلم عليه.
(٢) ما بين القوسين ساقط م (ح) .
(٣) أخرجه مسلم (١٩٣)، وابن ماجه (٤٣١٢) .
(٤) في (المطبوعة): " الشبهات "، وهو الاسم المطبوع به الكتاب.
(٥) انظر" كشف الشبهات " ص (٨) .
ثم قد تقدَّم أن الشفاعة التي ظنها المشركون (١) حاصلة بدعاء الأنبياء والصالحين قد نفاها القرآن، وأخبر تعالى أنها بيده وملكه، كما (٢) له ملك السماوات والأرض، وأن الشفاعة المثبتة في مثل هذه الأحاديث لم يفهمها هؤلاء الجهال، ولم يعرفوا حقيقتها، فهم في عماية الجهالة، وأودية الضلالة، لا تمييز عندهم بين النوعين، ولا فرق بين القسمين، ولو عرف هذا أن جمهور المشركين يحتجون بالشفاعة والجاه على شركهم، ويقررون (٣) ما للملائكة والأنبياء والصالحين من الجاه والمنزلة والشفاعة [١٣٥] لعرف أنه إلى الآن في سلكهم وعلى طريقتهم في هذا المبحث (٤) وكثير من المباحث التي هي أصل دينهم وقاعدته، وأي مسلم أنكر أن النبي ﷺ يشفع غير المعتزلة والخوارج؛ فإنهم أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، وهل قال شيخنا- ﵀ حرفًا يدل على هذا؛ والنزاع معكم في التوجه إلى غير الله، وسؤال ما لا يطلب إلاَّ من الله ولا يقصد له سواه.
وهذا الكلام مغالطة وَحَيْدَة (٥) عن المقصود، فهات دليلًا شرعيا على (٦) أن الشفاعة أو غيرها تطلب من الأموات والغائبين، كالأنبياء والملائكة (٧) والصالحين؛ ودع عنك الآثار الموضوعة، والحكايات
_________
(١) في (ق) زيادة: " أنها ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: " أن ".
(٣) في (ق) و(م): " ويقرون ".
(٤) في (المطبوعة): المبحث " بإسقاط الميم، ولعله من خطأ الطباعة ".
(٥) " الحيدة " من " حاد عن الحق" أي تحول عنه وتركه ".
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) في (ق) و(م): " كالملائكة والأنبياء ".
المكذوبة (١) والنقل عمن لا يحتج به، وأبْرُزْ لأهل العلم والإيمان إن كنت من أهل التحقيق والعرفان، ودع عنك التلبيس والروغان.
وما يجري في ذلك اليوم من الهول والكرب والشدة، وفرار المرء (٢) من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، كل هذا مما يوجب التوحيد والالتجاء إلى الله؛ والاعتصام بحبله والتوكل عليه، والتوسل إليه بالإيمان به وبرسله، وبما شرعه من الأعمال الصالحة.
قال بعض السلف: (إنَّ ملكًا بيده الدنيا والآخر ة يكفيك هذا كله إذا عاملته) .
وليس فيه ما يدل على الالتجاء إلى الرسول ﷺ وطلب النجاة (٣) والأخذ باليد منه.
فتقريرك وكلامك في هذا البحث معاكسة لهذا أي معاكسة " (٤) ومشاقة لله ورسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين، فما أنت والاحتجاج والفهم عن الله ورسوله.
اعط (٥) القوس باريها ... ودع العيس وحاديها
وأما الاستدلال بجوده ﷺ على أنه ينقذ ويجيب من دعاه، وقصده من دون الله: فهذا من نوادر هؤلاء الجهَّال الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم
_________
(١) في (ق): " الموضوعة ".
(٢) في (ق): " المؤمن ".
(٣) في (المطبوعة): " النجدة ".
(٤) لهذا أي معاكسة " ساقطة من (ق) .
(٥) في " المطبوعة ": فاعط ".
يلجأوا إلى ركن وثيق؛ ولم يقم بقلوبهم من وقار الله وعظمته ما يمنع من الإشراك به ومن طلب العباد ما يختص به من المطالب العالية التي لا يملكها سواه.
وأما قوله: (قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله (١) شرا) .
فقد تقدَّم ما في هذه العبارة من الجهالة (٢) .
_________
(١) في (ق): " أعماله ".
(٢) انظر: ص (٣٢٦ - ٣٢٧) .
فصل قال المعترض: (فشرف الدين إنَّما قصد الشفاعة، مستحضرًا يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] [عبس -٣٤ -٣٧] .
وهو يقول ﷺ: " «أمَّتي أمَّتي» ") إلى أن قال: (ولأنه قد أعطي "ﷺ (١) " الشفاعة بوعد الله الصادق له في حياته، من المقام المحمود وشفاعته لأمته، وهي من ذلك.
قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] [الإسراء ٧٩] . وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى ٥] قال ابن عباس: "هو الشفاعة لأمته " (٢) وقاله غيره من السلف.
ثم ساق أحاديث في هذا المعنى. ثم قال: فإذا كان هذا قول الله تعالى، فما ظنك به ﷺ وهو أجود بالخير من الريح المرسلة؟ وقال ﷺ في حق المنافقين: " «لو أعلم أني لو زدت على السبعين لغفر لزدت» " (٣) كما
_________
(١) في (ق) و(م): ﷺ قد أعطى.
(٢) لم أقف عليه من رواية ابن عباس، إنما هو من رواية علي والحسن البصري، وانظر: "الدر المنثور) (٦ / ٦١٠) .
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٧٠، ٤٦٧١، ٤٦٧٢)، والترمذي (٩٧ ٣٠)، والنسائي (١ / ٦٧)، وأحمد (١ / ١٦) .
عند البخاري، واستغفاره شفاعته لأمته قد أخبر أنه في («البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله شرا» (١) وهل) (٢) استغفاره إلاَّ شفاعته؟ ثم ذكر حديث أنس وأنه ﷺ يُخْرِجُ من النار حتى لا يبقى إلاَّ من حبسه القرآن (٣) .
والجواب أن يقال: قد أجاب شيخنا ﵀ عن هذه المسألة في "كشف الشبهة (٤) .
قال ﵀ (٥) (فإن قال- يعني المشرك الذي يدعو الصالحين-: إن الله أعطاه الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فقل له: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن دعائه) وساق ﵀ من الآيات ما يستدلّ به على تحريم دعاء الأنبياء وغيرهم.
وهذا هو جوابنا عما احتج به المعترض هنا، وهو الجواب السديد.
وقد وكل الله بما يقضيه ويقدِّره من الموت والحياة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وحفظ بني آدم، وغير ذلك ملائكة يدبِّرون ذلك، ويباشرونه بحكمته، ودعاؤهم مع ذلك مجمع على تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، فأي فرق بين هذا وهذا لو كانوا يعلمون؟
_________
(١) لم أقف عليه، والصحيح المشهور هو عرض الصلاة والسلام عليه ﷺ في البرزخ، فصلاتنا عليه معروضة عليه ويردّ سلام من سلم عليه.
(٢) ما بين القوسين ساقط م (ح) .
(٣) أخرجه مسلم (١٩٣)، وابن ماجه (٤٣١٢) .
(٤) في (المطبوعة): " الشبهات "، وهو الاسم المطبوع به الكتاب.
(٥) انظر" كشف الشبهات " ص (٨) .
ثم قد تقدَّم أن الشفاعة التي ظنها المشركون (١) حاصلة بدعاء الأنبياء والصالحين قد نفاها القرآن، وأخبر تعالى أنها بيده وملكه، كما (٢) له ملك السماوات والأرض، وأن الشفاعة المثبتة في مثل هذه الأحاديث لم يفهمها هؤلاء الجهال، ولم يعرفوا حقيقتها، فهم في عماية الجهالة، وأودية الضلالة، لا تمييز عندهم بين النوعين، ولا فرق بين القسمين، ولو عرف هذا أن جمهور المشركين يحتجون بالشفاعة والجاه على شركهم، ويقررون (٣) ما للملائكة والأنبياء والصالحين من الجاه والمنزلة والشفاعة [١٣٥] لعرف أنه إلى الآن في سلكهم وعلى طريقتهم في هذا المبحث (٤) وكثير من المباحث التي هي أصل دينهم وقاعدته، وأي مسلم أنكر أن النبي ﷺ يشفع غير المعتزلة والخوارج؛ فإنهم أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، وهل قال شيخنا- ﵀ حرفًا يدل على هذا؛ والنزاع معكم في التوجه إلى غير الله، وسؤال ما لا يطلب إلاَّ من الله ولا يقصد له سواه.
وهذا الكلام مغالطة وَحَيْدَة (٥) عن المقصود، فهات دليلًا شرعيا على (٦) أن الشفاعة أو غيرها تطلب من الأموات والغائبين، كالأنبياء والملائكة (٧) والصالحين؛ ودع عنك الآثار الموضوعة، والحكايات
_________
(١) في (ق) زيادة: " أنها ".
(٢) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: " أن ".
(٣) في (ق) و(م): " ويقرون ".
(٤) في (المطبوعة): المبحث " بإسقاط الميم، ولعله من خطأ الطباعة ".
(٥) " الحيدة " من " حاد عن الحق" أي تحول عنه وتركه ".
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) في (ق) و(م): " كالملائكة والأنبياء ".
المكذوبة (١) والنقل عمن لا يحتج به، وأبْرُزْ لأهل العلم والإيمان إن كنت من أهل التحقيق والعرفان، ودع عنك التلبيس والروغان.
وما يجري في ذلك اليوم من الهول والكرب والشدة، وفرار المرء (٢) من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، كل هذا مما يوجب التوحيد والالتجاء إلى الله؛ والاعتصام بحبله والتوكل عليه، والتوسل إليه بالإيمان به وبرسله، وبما شرعه من الأعمال الصالحة.
قال بعض السلف: (إنَّ ملكًا بيده الدنيا والآخر ة يكفيك هذا كله إذا عاملته) .
وليس فيه ما يدل على الالتجاء إلى الرسول ﷺ وطلب النجاة (٣) والأخذ باليد منه.
فتقريرك وكلامك في هذا البحث معاكسة لهذا أي معاكسة " (٤) ومشاقة لله ورسوله، واتباع لغير سبيل المؤمنين، فما أنت والاحتجاج والفهم عن الله ورسوله.
اعط (٥) القوس باريها ... ودع العيس وحاديها
وأما الاستدلال بجوده ﷺ على أنه ينقذ ويجيب من دعاه، وقصده من دون الله: فهذا من نوادر هؤلاء الجهَّال الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم
_________
(١) في (ق): " الموضوعة ".
(٢) في (ق): " المؤمن ".
(٣) في (المطبوعة): " النجدة ".
(٤) لهذا أي معاكسة " ساقطة من (ق) .
(٥) في " المطبوعة ": فاعط ".
يلجأوا إلى ركن وثيق؛ ولم يقم بقلوبهم من وقار الله وعظمته ما يمنع من الإشراك به ومن طلب العباد ما يختص به من المطالب العالية التي لا يملكها سواه.
وأما قوله: (قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله (١) شرا) .
فقد تقدَّم ما في هذه العبارة من الجهالة (٢) .
_________
(١) في (ق): " أعماله ".
(٢) انظر: ص (٣٢٦ - ٣٢٧) .
Translation
فصل في الرد على المعترض بأن البوصيري إنما قصد الشفاعة يوم القيامة
#68
Chapter 68 — فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف
· ref. #68
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف]
فصل ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرَّف (١) وساقها سياق أجنبي لا يعرف الصناعة (٢) . وحاصلها: إثبات شفاعته، وأنه أول شافع (٣) ﷺ، ثم قال: (وقول البوصيري، كقول سواد بن قارب:
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
وكل هذا ليس فيه حجة؛ لأن النزاع في غيره.
وأما الشفاعة: فلم تنكر، وقول سواد بن قارب هذا (٤) من جنس [١٣٦] طلب دعائه واستغفاره ﷺ في حياته، والنزاع ليس في ذلك، والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه (٥) كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه، ويجوز التماس
_________
(١) في (المطبوعة): " حرفها ".
(٢) في (المطبوعة): " البضاعة " وهو خطأ مطبعي.
(٣) في (المطبوعة) " ﷺ أول شافع ".
(٤) في (م): "هو".
(٥) في (ق) و(م): " يستعطيه ".
الدعاء منه، وقد قال النبي ﷺ لعمر: " «لا تنسنا يا أخي من دعائك» " (١) وهذا باب واسع.
وأما عرض الأعمال: فقد تقدَّم أنه لا يبيح الدعاء والطلب، وعلى أبوي الإنسان يعرض سعيه (٢) ولا يجوز له دعاؤهما في حاجاته وملماته. ثم استدلَّ المعترض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف ٦٨]
قال: (ونبيّنا أفضل أهل السماوات والأرض، فقد ملك الشفاعة) .
والجواب أن يقال: هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها؛ بل حرَّفها وقال: "لا يملكون الشفاعة. فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة، ومثله لا يجوز له أن يورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنه لا يحسن النقل، ولا يعرف التلاوة، بل هو في غاية الجهالة والغباوة (٣) ثم يقال: هذه الآية لأهل العلم والتأويل فيها قولان: أحدهما: أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة، ويشفع فيه الشافعون، فهو استثناء من محذوف دلَّ عليه السياق، والتقدير: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد إلاَّ من شهد بالحق.
والقول الثاني: أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة. فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل، وعلى كلٍّ فليس
_________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١ / ٢٩) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة " كما قد روي ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " الغباوة والجهالة ".
المراد المُلْك المتعارف بين أهل الدنيا، بل المراد حصول ذلك ووقوعه وتمكينهم منه، وذلك مقيد بالِإذن والرضى عن المشفوع فيه، فليس من جنس الأَمْلاك الدنيوية، ثم العبد كل العبد من (١) لا يتصرَف في ملكه إلا بما يحب الرب ويرضاه (من التصرفات، فأين محبته تعالى وإذنه ورضاه) (٢) في الشفاعة لمن يدعو غيره، ويلوذ بسواه، ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته؟
واحتجَّ المعترض: بما في بعض الأحاديث من قوله ﷺ: " «والمفاتيح يومئذٍ بيدي» (٣) . وأظن هذا الغبي يظن أن المُلْك والتدبير والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم، كل هذا بيده ﷺ، لقد أبعد المرمى، وكَذَّب بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] [الانفطار ١٧ - ١٩]
وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان ٢٦] .
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] [غافر ١٦]
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا - يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٠٨ - ١١٠] [طه ١٠٨-١١٠] .
_________
(١) سقطت من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب ما أعطي النبي ﷺ من الفضل ص (٢٧) والخلال في السنة (١ / ٢٠٨) من حديث أنس ﵁، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك.
فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله، ولم يدرِ ما سيق له، فخبط خبط عشواء، ورتع في مجهلة ظلماء.
واحتجَّ المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نبي الله (١) ﷺ: " «وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح من النار» " (٢) وزعم المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة، ويتصرَّف (٣) " فيها بملكه لها، كما تتصرَّف (٤) المُلاَّك في أملاكهم.
وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين، من أنَّ الأولياء قد أعطوا التصرُّف والتدبير، ووكل ذلك إليهم، والشافع لا ملك له، لكن ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، من أنه لا يشفع إلاَّ بإذن (٥) فيمن رضي الله قوله وعمله، وأراد (٦) رحمته ونجاته، فهي مقيدة بالإذن والرضى، ليست كما فهمه هذا الغبي وأمثاله، من أن الشافع يتصرَّف (٧) تصرُّف الملاك بمشيئتهم وإرادتهم، وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلًا به لا يفيد ما ذهب إليه المعترض.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] [الأنبياء ١٠٧]
_________
(١) في (ق): " النبي ".
(٢) أخرجه البخاري (٨٣٨٣، ٦٢٠٨، ٦٥٧٢) ومسلم (٢٠٩)، والحاكم (٤ / ٦٢٥) .
(٣) في (ق) و(م): " وتصرف.
(٤) في (ق) و(م): " يتصرف ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: " الله ".
(٦) في المطبوعة: زيادة (الله) .
(٧) في (ح) و(المطبوعة): " الشفعاء يتصرفون ".
فهو من أدلة (١) جهله بمعنى الآية وما سيقت له، والآية عامة للعالمين (٢) ليست خاصة بالمسلمين، وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله، ولم يلتفت إلى ما جاءوا به من الإيمان والهدى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [المدثر: ٤٨]
وقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] [غافر: ١٨]
ثم قال المعترض: (فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية، وقد نالته شفاعته، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي (٣) أزواجه أمهاتهم وهو بمنزلة الوالد لهم، وهو فرطهم وسلفهم؟ وهو ﷺ ومن أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها، وهو ﷺ أحبّ إليهم من أنفسهم وهم يرجون شفاعته ﷺ التي هي فضل الله وكرامته؟ لأنه ﵎ أعطاه إياها لهم، فما بالهم لا يسألونه عن عطائه لهم؟ وقد قال له كما صح ذلك عنه: «أترونها للمتقين؟ بل هي للمذنبين المخلطين المتلوثين») (٤) إذ ليسوا (٥) كالكفار الذين أخبر الله عنهم، أنها لا تنفعهم شفاعة الشافعين، فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها [١٣٨]، منها ويطلب، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل، وهو أعلم بأمته ﷺ مثلوا له في حياته، كما صحَّ ذلك، وتعرض إليه (٦)
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): " الأدلة على".
(٢) في (ق): "بالعالمين" وساقطة من (ح) .
(٣) في هامش (الأصل) و(ق): (في الأصل صوابه "الذين" لكن المعترض لحن) .
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣١١)، وأحمد (٢ / ٧٥)، وقال المنذري في "الترغيب" (١ / ٢٠٣): إسناده جيد.
(٥) في (ق) و(م): "إذ هم ليسوا".
(٦) في (ق) و(م): "عليه ".
أعمالهم بعد وفاته، ويعرف المستحق من غيره) . انتهى.
هذا كلامه بحروفه، وفيه من العبر والأدلة على جهله، ما يكفي المؤمن في معرفة ضلاله وجهله (١) وحاصل هذا الكلام: أن النبي ﷺ يعلم حال أمته فردًا فردًا، مطيعها وعاصيها (٢) مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي (٣) ﷺ يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر المُلاَّك، وأنه إذا لم يسأل فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل، هذا حاصل كلام المعترض، وهو بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى.
وقد دلَّ القرآن والسنَّة وإجماع علماء (٤) الأمة على أن الشفاعة بيده (٥) سبحانه، ملكًا له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلاَّ بإذنه، ولا تنال (٦) إلاَّ من رضي قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة (٧) في أنه ﷺ لا يشفع ابتداء، وأنه يحدّ له حدّ، ويعين له من أراد الله رحمته، وإكرام نبيّه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف.
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة): "وخلطه ".
(٢) في (ق): "مطيعًا وعاصيًا ".
(٣) في (ق): "وأن النبي".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ق) و(م): (بيد الله) .
(٦) في (ح): "تناول ".
(٧) في (ق): "صحيحة".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦]
وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم: ٨٧]
قد تقدَّم الجواب عنه، وبعض المفسّرين قرَّر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة (١) ويدلّ على هذا نصوص الكتاب والسنَّة.
قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف: ١٨٨]
فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما مَلَّكه الله (٢) وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا بحال. فقوله: إلا ما شاء الله استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل: ﴿وَلَا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا﴾ [الأنعام: ٨٠]
أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإن لم يشأ (٣) لم يكن، وإلاَّ فهم لا يفعلون شيئًا.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦]
_________
(١) في (ق): "الجهملة)، وهو سبق قلم.
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: " إياه".
(٣) في (م) و(ح) و(المطبوعة): "وإلا" مكان "وإن لم يشأ".
فتنفعه الشفاعة كقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] وبسط هذا له موضع آخر، انتهى. وقد ثبت أنه ﷺ قال: " «يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي» (١) فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (٢) وقد تكلَّم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله هذا المعترض (٣) ويردّه، وقرّروا: أن فيه ما دل عليه (٤) حديث أنس في الشفاعة من أنه ﷺ يشفع إلاَّ بعد الإذن فيمن عُيِّن له، وحدَّ وخصَّ (٥) وفيه: أنه لا يعلم ما يحدث بعده، وما يجري في أمته إلاَّ ما أخبر به من بعض الجزئيات والحوادث، وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة، كالشرك بالله واتَّخاذ الأنداد معه فلن تنفعه (٦) شفاعة الشافعين.
وفي كلام المعترض من المؤاخذة (٧) والجهالات، قوله: (فإذا كان
_________
(١) سقطت الثانية من (ح) و(المطبوعة) .
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٢٦) ومواضع أخرى، ومسلم (٢٨٦٠)، والترمذي (٢٤٢٣، ٣١٦٧)، وأحمد (١ / ٢٣٥، ٢٥٣، ٣٨٤) ومواضع.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " المفتري ".
(٤) في (ق) و(م): "يدل على ".
(٥) في (المطبوعة): "وحدد وخصص".
(٦) في (ق): "فلا تنفع"، وفي (ح): "فلا تنفعه ".
(٧) في (ق): " المؤاخذة".
هذا فعله حمية)، وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية، بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله وبالله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]
فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم، وتحقيقه للتوحيد.
وفي قوله: (وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم) لحن فاحش؟ فإن "التي" للأنثى، كما قال ابن مالك: (موصول الأسماء الذي للأنثى التي) .
وهذا الغبيّ لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ومع ذلك يزعم أن الشيخ وأتباعه لا يعرفون العربية، والصواب أن يقال: (وأهل بيته الذين) .
ومنها: ظنَّه أن النبي ﷺ فَرَط وسلفٌ لعباد القبور، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يعرف معنى الحديث، ومن خوطب به.
ومنها قوله: (كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها) .
فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله، وعدم الثناء عليه بما اختصَّ [١٤٠]، به من الرأفة والرحمة، والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله، وتقديم ذكر (١) عبده ورسوله (٢) على ذكره تعالى وتقدَّس في هذا المقام، وهذا لا يصدر إلاَّ من أجلاف الناس وأشدهم غباوة، وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم الأقدس يطلعك على مخبآت جهله، ومناقشة هذا تطول.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ساقطة من (ق) .
ومنها قوله: (فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله ﷺ، ولا فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب) .
فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل، يلزم من نفيها نفي الكرامة والفضل، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضُّل إلاَّ بدعائه وقصده من دون الله، وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن دعاء الأنبياء والصالحين، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يُدْعون للشفاعة ولا لغيرها من المطالب: تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم وذلك لظنهم أن الفضل والكرامة (١) في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم، وكونهم مفزعا وملجأً عند الشدائد والمهمات ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية الله والخضوع له؛ والدعوة إلى سبيله، وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة؟ وتحقيق التوحيد " وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق. وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، ووصف رسوله بذلك في مقام الِإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن (٢) فوق (٣) العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلًا (٤) لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له، ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما يستحيل.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ليس إلا".
(٢) في (ق): "تحقق أن ".
(٣) في (المطبوعة): " فرق ".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " وفضل".
وقد عَفَتْ آَثار العلم، واشتدَّت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث، وتصدَّى للرد على علماء الأمة مَن لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يميِّز بين حق الله وحق عباده وأوليائه من الأنام.
ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية، واتصل سنده بهما (١) إلى الناظم، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم، وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي، وهذا بعيد جدًّا، ودعوى هذا المعترض لا تسمع، ولا يلتفت إليها، لأن شهادة الحال وما يعرف من دين الشيخ أحمد بن رشيد يخالف هذا اللهمَّ إلا أن يكون [١٤١] قبل أن يفتح عليه، ويدخل فيما دعا إليه شيخنا من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة.
ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها، وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها، ثم جعل أهل روايتها هم أهم الصراط المستقيم، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد إلا بطلب الهداية لطريقهم (٢) وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آل عمران: ١٨] .
قال حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩]
. على قراءة الفتح من الهمزة، وهم الذين قال فيهم نبينا ﷺ: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ» (٣) (٤)
_________
(١) في (ق): (بها) .
(٢) في (ق): "إلى طريقهم ".
(٣) في (ق): "عد له. ".
(٤) الحديث أخرجه البيهقي (١٠ / ٢٠٩، ٢٠٧٠٠) بلفظ: "يرث "، والطبراني في مسند الشاميين (١ / ٣٤٤، ٥٩٩)، وتقدم، انظر: ص (١٩٧)، هامش١، وهو حديث ضعيف.
ثم قال (١) "فهؤلاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي، وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا (٢) تجتمع على ضلالة.
والجواب أن يقال: ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل على استحسانها، وأنها حق لا باطل فيه، وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية، وكتب الاتحادية ما لا يخفى ضلاله وبعده عما جاءت به الرسل، فإن كانت الروايات والنقل يدلّ على الصحَّة والصواب فلتكن هنا، وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر (٣) لهذه المنظومة، وتلقِّيهم لها، وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار للتبرُّك والعكوف من التأله بغير (٤) الله، فقالوا لنبيهم " ﷺ: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (٥) " (٦) وقد تقدَّم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن النعمان، وأمثاله من الشعراء (٧) وقول بعضهم:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكمو من الضرر
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) "لا" ساقطة من (ق) و(ح) .
(٣) في (ق): "ذكروا".
(٤) في (ق): "لغير".
(٥) "كما لهم ذات أنواط " ساقطة من (ح) .
(٦) انظر تخريجه ص (٣١٠)، هامش ٣.
(٧) انظره في ص (٣١١) .
وهذا قاله أناس ممن يدَّعى الإسلام ويرى جواز مثل هذا، وأنه لا ينافي ما جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له، وأبيات البردة أبْلغ وأعظم شركًا من هذا الذي ذكره الشيخ.
ثم ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من [٤٢١] علمهم؟ وما المانع من (١) أن يغلط العالم ويزل؟ ثم (٢) أي أحد قال بأن فعل بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية والحلولية (٣) والجهمية والمعتزلة أعناقهم، وقالوا: من يروي مقالتنا ويحكيها (٤) ويقرّرها أكثر عددًا وأشهر سندًا. ولم يسبق هذا الجاهل إلى الاحتجاج بمثل من روى البردة، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر له قول أو وجه يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع؟ فكيف يحتجّ به في نسبة علم الغيب إلى النبي ﷺ، وأن الدنيا والآخرة من جوده (٥) وأنه لا عياذ ولا ملاذ سواه، وأنه يُدْعى ويقصد لذلك؟
وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم، (وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] [الفاتحة: ٦] (٦) .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق): "و".
(٣) في (ق): " الحلولية والاتحاديّة".
(٤) في (ق): "فيحكيها".
(٥) في (ح): " موجوده".
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم، يعني سبيل أهل البردة، وهذه هي الطامة الكبرى، والقولة الضالة العمياء، أين الأنبياء والمرسلون، أين الصديقون والشهداء والصالحون؟ أين من جرَّد التوحيد لله العزيز المجيد (١) ولم يتَّخذ وليَّا من دونه، ولم يجعل له مفزعًا وموئلا يرجع إليه في مهماته وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض؟ أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] [البقرة: ١٨٦] .
ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب؟ أين (٢) من عضَّ بالنواجذ على ما دلَّ عليه حديث ابن عباس: " «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» " (٣) أين من بايع رسول الله ﷺ على ألا يسأل الناس شيئا (٤) أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] [الأنعام: ٥٩] .
وبقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] [النمل: ٦٥] .
أين من يقول: ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق؟ الذي هو معرفة الله وإسلام الوجوه له؟ ولتجزى كل نفس بما كسبت؟ .
سبحان الله!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت به
_________
(١) في (ح) و(م): "الحميد".
(٢) في (المطبوعة): "أي".
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١ / ٢٩٣، ٣٥٣)، والطبراني في الكبير (١٢ / ٢٣٨، ح١٢٩٨٨) .
(٤) ثبت ذلك في حديث ثوبان، أخرجه أبو داود (١٦٤٢، ١٦٤٣)، وابن ماجه (١٨٣٧)، وأحمد (٥ / ٢٧٧)، والحاكم (١ / ٥٧١) .
الرسل: كأنه من جهال الجاهلية الأولى (١) لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء.
وأما قوله: (وهم الذي (٢) استشهد الله بهم. . .) إلى آخره.
فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه، ما لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ومعتقدها ومنشدها؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء، ومناهج الإيمان والهدى، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين، والاعتقاد المخالف لأصول الملة والدين، ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم والعلماء، ويدري مناهج الإيمان والهدى؟ هذه الشهادة شهادة زور، فإن من شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء وأتباعهم على تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ربِّ العالمين، الذي عرفوا الله بأفعاله وآياته، وأخلصوا له المحمل والدين بأفعالهم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، واستدلوا بجميع ما شهدوه أو سمعوه من الآيات والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها، وعلى حكمته وعموم قدرته وشمول علمه.
وقول المعترض: (حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩] .
على قراءة الفتح من الهمزة) عبارة جاهل لا يدري ما يقول، فإن
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "بل هو من صميمهم إذ".
(٢) في (ق) و(م): "الذين".
الفتحة للهمزة لا من الهمزة، وفتحها على قراءة (١) الكسائي، والقراءة على كسرها، وقوله ﷺ: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٢) والإشارة فيه إلى ما جاء به ﷺ من الكتاب والحكمة، وأين هو مما دلَّ عليه قول الناظم في أبياته السابقة؟
فأهل العلم في الحقيقة: كل من عَقَل عن الله مراده، وعرف مما جاءت به الرسل من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض، مع الإقبال على الله والإعراض عن عبادة ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، والسير إليه تعالى على منهاج أنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، ففي هذا العلم والعمل والمتابعة، وأما الخُلُوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهم من أقل الناس حظًّا ونصيبا من العلم الذي جاءت به الرسل.
وأما قوله: (وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة) .
فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة، ولكن أي (٣) الأمة؟ أيظن هذا أن الأمة من روى البردة دون (٤) سائر الأمة؟ وأين مَنْ قَبْل صاحب البردة بنحو ستة قرون؟ .
أليسوا من الأمة؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي [١٤٤]، يهدم أصل التوحيد والإيمان.
_________
(١) قوله: "الفتح من الهمزة. . . " إلى هنا ساقطة من (ق) .
(٢) سبق تخريجه، انظر ص (١٩٧) .
(٣) في (ح) و(ق) و(م): "أين ".
(٤) سقطت من (المطبوعة) .
فصل ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرَّف (١) وساقها سياق أجنبي لا يعرف الصناعة (٢) . وحاصلها: إثبات شفاعته، وأنه أول شافع (٣) ﷺ، ثم قال: (وقول البوصيري، كقول سواد بن قارب:
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
وكل هذا ليس فيه حجة؛ لأن النزاع في غيره.
وأما الشفاعة: فلم تنكر، وقول سواد بن قارب هذا (٤) من جنس [١٣٦] طلب دعائه واستغفاره ﷺ في حياته، والنزاع ليس في ذلك، والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه (٥) كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه، ويجوز التماس
_________
(١) في (المطبوعة): " حرفها ".
(٢) في (المطبوعة): " البضاعة " وهو خطأ مطبعي.
(٣) في (المطبوعة) " ﷺ أول شافع ".
(٤) في (م): "هو".
(٥) في (ق) و(م): " يستعطيه ".
الدعاء منه، وقد قال النبي ﷺ لعمر: " «لا تنسنا يا أخي من دعائك» " (١) وهذا باب واسع.
وأما عرض الأعمال: فقد تقدَّم أنه لا يبيح الدعاء والطلب، وعلى أبوي الإنسان يعرض سعيه (٢) ولا يجوز له دعاؤهما في حاجاته وملماته. ثم استدلَّ المعترض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف ٦٨]
قال: (ونبيّنا أفضل أهل السماوات والأرض، فقد ملك الشفاعة) .
والجواب أن يقال: هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها؛ بل حرَّفها وقال: "لا يملكون الشفاعة. فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة، ومثله لا يجوز له أن يورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لأنه لا يحسن النقل، ولا يعرف التلاوة، بل هو في غاية الجهالة والغباوة (٣) ثم يقال: هذه الآية لأهل العلم والتأويل فيها قولان: أحدهما: أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة، ويشفع فيه الشافعون، فهو استثناء من محذوف دلَّ عليه السياق، والتقدير: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد إلاَّ من شهد بالحق.
والقول الثاني: أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة. فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل، وعلى كلٍّ فليس
_________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١ / ٢٩) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة " كما قد روي ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " الغباوة والجهالة ".
المراد المُلْك المتعارف بين أهل الدنيا، بل المراد حصول ذلك ووقوعه وتمكينهم منه، وذلك مقيد بالِإذن والرضى عن المشفوع فيه، فليس من جنس الأَمْلاك الدنيوية، ثم العبد كل العبد من (١) لا يتصرَف في ملكه إلا بما يحب الرب ويرضاه (من التصرفات، فأين محبته تعالى وإذنه ورضاه) (٢) في الشفاعة لمن يدعو غيره، ويلوذ بسواه، ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته؟
واحتجَّ المعترض: بما في بعض الأحاديث من قوله ﷺ: " «والمفاتيح يومئذٍ بيدي» (٣) . وأظن هذا الغبي يظن أن المُلْك والتدبير والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم، كل هذا بيده ﷺ، لقد أبعد المرمى، وكَذَّب بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] [الانفطار ١٧ - ١٩]
وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان ٢٦] .
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] [غافر ١٦]
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا - يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٠٨ - ١١٠] [طه ١٠٨-١١٠] .
_________
(١) سقطت من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب ما أعطي النبي ﷺ من الفضل ص (٢٧) والخلال في السنة (١ / ٢٠٨) من حديث أنس ﵁، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك.
فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله، ولم يدرِ ما سيق له، فخبط خبط عشواء، ورتع في مجهلة ظلماء.
واحتجَّ المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نبي الله (١) ﷺ: " «وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح من النار» " (٢) وزعم المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة، ويتصرَّف (٣) " فيها بملكه لها، كما تتصرَّف (٤) المُلاَّك في أملاكهم.
وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين، من أنَّ الأولياء قد أعطوا التصرُّف والتدبير، ووكل ذلك إليهم، والشافع لا ملك له، لكن ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، من أنه لا يشفع إلاَّ بإذن (٥) فيمن رضي الله قوله وعمله، وأراد (٦) رحمته ونجاته، فهي مقيدة بالإذن والرضى، ليست كما فهمه هذا الغبي وأمثاله، من أن الشافع يتصرَّف (٧) تصرُّف الملاك بمشيئتهم وإرادتهم، وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلًا به لا يفيد ما ذهب إليه المعترض.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] [الأنبياء ١٠٧]
_________
(١) في (ق): " النبي ".
(٢) أخرجه البخاري (٨٣٨٣، ٦٢٠٨، ٦٥٧٢) ومسلم (٢٠٩)، والحاكم (٤ / ٦٢٥) .
(٣) في (ق) و(م): " وتصرف.
(٤) في (ق) و(م): " يتصرف ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: " الله ".
(٦) في المطبوعة: زيادة (الله) .
(٧) في (ح) و(المطبوعة): " الشفعاء يتصرفون ".
فهو من أدلة (١) جهله بمعنى الآية وما سيقت له، والآية عامة للعالمين (٢) ليست خاصة بالمسلمين، وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله، ولم يلتفت إلى ما جاءوا به من الإيمان والهدى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [المدثر: ٤٨]
وقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] [غافر: ١٨]
ثم قال المعترض: (فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية، وقد نالته شفاعته، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي (٣) أزواجه أمهاتهم وهو بمنزلة الوالد لهم، وهو فرطهم وسلفهم؟ وهو ﷺ ومن أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها، وهو ﷺ أحبّ إليهم من أنفسهم وهم يرجون شفاعته ﷺ التي هي فضل الله وكرامته؟ لأنه ﵎ أعطاه إياها لهم، فما بالهم لا يسألونه عن عطائه لهم؟ وقد قال له كما صح ذلك عنه: «أترونها للمتقين؟ بل هي للمذنبين المخلطين المتلوثين») (٤) إذ ليسوا (٥) كالكفار الذين أخبر الله عنهم، أنها لا تنفعهم شفاعة الشافعين، فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها [١٣٨]، منها ويطلب، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل، وهو أعلم بأمته ﷺ مثلوا له في حياته، كما صحَّ ذلك، وتعرض إليه (٦)
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): " الأدلة على".
(٢) في (ق): "بالعالمين" وساقطة من (ح) .
(٣) في هامش (الأصل) و(ق): (في الأصل صوابه "الذين" لكن المعترض لحن) .
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣١١)، وأحمد (٢ / ٧٥)، وقال المنذري في "الترغيب" (١ / ٢٠٣): إسناده جيد.
(٥) في (ق) و(م): "إذ هم ليسوا".
(٦) في (ق) و(م): "عليه ".
أعمالهم بعد وفاته، ويعرف المستحق من غيره) . انتهى.
هذا كلامه بحروفه، وفيه من العبر والأدلة على جهله، ما يكفي المؤمن في معرفة ضلاله وجهله (١) وحاصل هذا الكلام: أن النبي ﷺ يعلم حال أمته فردًا فردًا، مطيعها وعاصيها (٢) مؤمنها وكافرها، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته، والنبي (٣) ﷺ يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر المُلاَّك، وأنه إذا لم يسأل فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل، هذا حاصل كلام المعترض، وهو بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى.
وقد دلَّ القرآن والسنَّة وإجماع علماء (٤) الأمة على أن الشفاعة بيده (٥) سبحانه، ملكًا له خاصة، لا يتقدم أحد فيها إلاَّ بإذنه، ولا تنال (٦) إلاَّ من رضي قوله وعمله من أهل الإيمان والتوحيد، والأحاديث صريحة (٧) في أنه ﷺ لا يشفع ابتداء، وأنه يحدّ له حدّ، ويعين له من أراد الله رحمته، وإكرام نبيّه بالشفاعة فيه، فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف.
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة): "وخلطه ".
(٢) في (ق): "مطيعًا وعاصيًا ".
(٣) في (ق): "وأن النبي".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ق) و(م): (بيد الله) .
(٦) في (ح): "تناول ".
(٧) في (ق): "صحيحة".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦]
وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم: ٨٧]
قد تقدَّم الجواب عنه، وبعض المفسّرين قرَّر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات للملك، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة (١) ويدلّ على هذا نصوص الكتاب والسنَّة.
قال شيخ الإسلام: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف: ١٨٨]
فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما مَلَّكه الله (٢) وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا بحال. فقوله: إلا ما شاء الله استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقول الخليل: ﴿وَلَا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا﴾ [الأنعام: ٨٠]
أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان، وإن لم يشأ (٣) لم يكن، وإلاَّ فهم لا يفعلون شيئًا.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف: ٨٦]
_________
(١) في (ق): "الجهملة)، وهو سبق قلم.
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: " إياه".
(٣) في (م) و(ح) و(المطبوعة): "وإلا" مكان "وإن لم يشأ".
فتنفعه الشفاعة كقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] وبسط هذا له موضع آخر، انتهى. وقد ثبت أنه ﷺ قال: " «يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي» (١) فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (٢) وقد تكلَّم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله هذا المعترض (٣) ويردّه، وقرّروا: أن فيه ما دل عليه (٤) حديث أنس في الشفاعة من أنه ﷺ يشفع إلاَّ بعد الإذن فيمن عُيِّن له، وحدَّ وخصَّ (٥) وفيه: أنه لا يعلم ما يحدث بعده، وما يجري في أمته إلاَّ ما أخبر به من بعض الجزئيات والحوادث، وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة، كالشرك بالله واتَّخاذ الأنداد معه فلن تنفعه (٦) شفاعة الشافعين.
وفي كلام المعترض من المؤاخذة (٧) والجهالات، قوله: (فإذا كان
_________
(١) سقطت الثانية من (ح) و(المطبوعة) .
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٢٦) ومواضع أخرى، ومسلم (٢٨٦٠)، والترمذي (٢٤٢٣، ٣١٦٧)، وأحمد (١ / ٢٣٥، ٢٥٣، ٣٨٤) ومواضع.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " المفتري ".
(٤) في (ق) و(م): "يدل على ".
(٥) في (المطبوعة): "وحدد وخصص".
(٦) في (ق): "فلا تنفع"، وفي (ح): "فلا تنفعه ".
(٧) في (ق): " المؤاخذة".
هذا فعله حمية)، وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية، بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله وبالله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]
فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم، وتحقيقه للتوحيد.
وفي قوله: (وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم) لحن فاحش؟ فإن "التي" للأنثى، كما قال ابن مالك: (موصول الأسماء الذي للأنثى التي) .
وهذا الغبيّ لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ومع ذلك يزعم أن الشيخ وأتباعه لا يعرفون العربية، والصواب أن يقال: (وأهل بيته الذين) .
ومنها: ظنَّه أن النبي ﷺ فَرَط وسلفٌ لعباد القبور، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يعرف معنى الحديث، ومن خوطب به.
ومنها قوله: (كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها) .
فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله، وعدم الثناء عليه بما اختصَّ [١٤٠]، به من الرأفة والرحمة، والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله، وتقديم ذكر (١) عبده ورسوله (٢) على ذكره تعالى وتقدَّس في هذا المقام، وهذا لا يصدر إلاَّ من أجلاف الناس وأشدهم غباوة، وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم الأقدس يطلعك على مخبآت جهله، ومناقشة هذا تطول.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ساقطة من (ق) .
ومنها قوله: (فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله ﷺ، ولا فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب) .
فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل، يلزم من نفيها نفي الكرامة والفضل، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضُّل إلاَّ بدعائه وقصده من دون الله، وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن دعاء الأنبياء والصالحين، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يُدْعون للشفاعة ولا لغيرها من المطالب: تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم وذلك لظنهم أن الفضل والكرامة (١) في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم، وكونهم مفزعا وملجأً عند الشدائد والمهمات ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية الله والخضوع له؛ والدعوة إلى سبيله، وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة؟ وتحقيق التوحيد " وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق. وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، ووصف رسوله بذلك في مقام الِإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن (٢) فوق (٣) العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلًا (٤) لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له، ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما يستحيل.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ليس إلا".
(٢) في (ق): "تحقق أن ".
(٣) في (المطبوعة): " فرق ".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): " وفضل".
وقد عَفَتْ آَثار العلم، واشتدَّت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث، وتصدَّى للرد على علماء الأمة مَن لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يميِّز بين حق الله وحق عباده وأوليائه من الأنام.
ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية، واتصل سنده بهما (١) إلى الناظم، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم، وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي، وهذا بعيد جدًّا، ودعوى هذا المعترض لا تسمع، ولا يلتفت إليها، لأن شهادة الحال وما يعرف من دين الشيخ أحمد بن رشيد يخالف هذا اللهمَّ إلا أن يكون [١٤١] قبل أن يفتح عليه، ويدخل فيما دعا إليه شيخنا من التوحيد، وإفراد الله بالعبادة.
ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها، وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها، ثم جعل أهل روايتها هم أهم الصراط المستقيم، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد إلا بطلب الهداية لطريقهم (٢) وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آل عمران: ١٨] .
قال حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩]
. على قراءة الفتح من الهمزة، وهم الذين قال فيهم نبينا ﷺ: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ» (٣) (٤)
_________
(١) في (ق): (بها) .
(٢) في (ق): "إلى طريقهم ".
(٣) في (ق): "عد له. ".
(٤) الحديث أخرجه البيهقي (١٠ / ٢٠٩، ٢٠٧٠٠) بلفظ: "يرث "، والطبراني في مسند الشاميين (١ / ٣٤٤، ٥٩٩)، وتقدم، انظر: ص (١٩٧)، هامش١، وهو حديث ضعيف.
ثم قال (١) "فهؤلاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي، وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا (٢) تجتمع على ضلالة.
والجواب أن يقال: ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل على استحسانها، وأنها حق لا باطل فيه، وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية، وكتب الاتحادية ما لا يخفى ضلاله وبعده عما جاءت به الرسل، فإن كانت الروايات والنقل يدلّ على الصحَّة والصواب فلتكن هنا، وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر (٣) لهذه المنظومة، وتلقِّيهم لها، وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار للتبرُّك والعكوف من التأله بغير (٤) الله، فقالوا لنبيهم " ﷺ: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (٥) " (٦) وقد تقدَّم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن النعمان، وأمثاله من الشعراء (٧) وقول بعضهم:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكمو من الضرر
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) "لا" ساقطة من (ق) و(ح) .
(٣) في (ق): "ذكروا".
(٤) في (ق): "لغير".
(٥) "كما لهم ذات أنواط " ساقطة من (ح) .
(٦) انظر تخريجه ص (٣١٠)، هامش ٣.
(٧) انظره في ص (٣١١) .
وهذا قاله أناس ممن يدَّعى الإسلام ويرى جواز مثل هذا، وأنه لا ينافي ما جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له، وأبيات البردة أبْلغ وأعظم شركًا من هذا الذي ذكره الشيخ.
ثم ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من [٤٢١] علمهم؟ وما المانع من (١) أن يغلط العالم ويزل؟ ثم (٢) أي أحد قال بأن فعل بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية والحلولية (٣) والجهمية والمعتزلة أعناقهم، وقالوا: من يروي مقالتنا ويحكيها (٤) ويقرّرها أكثر عددًا وأشهر سندًا. ولم يسبق هذا الجاهل إلى الاحتجاج بمثل من روى البردة، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر له قول أو وجه يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع؟ فكيف يحتجّ به في نسبة علم الغيب إلى النبي ﷺ، وأن الدنيا والآخرة من جوده (٥) وأنه لا عياذ ولا ملاذ سواه، وأنه يُدْعى ويقصد لذلك؟
وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم، (وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] [الفاتحة: ٦] (٦) .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق): "و".
(٣) في (ق): " الحلولية والاتحاديّة".
(٤) في (ق): "فيحكيها".
(٥) في (ح): " موجوده".
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم، يعني سبيل أهل البردة، وهذه هي الطامة الكبرى، والقولة الضالة العمياء، أين الأنبياء والمرسلون، أين الصديقون والشهداء والصالحون؟ أين من جرَّد التوحيد لله العزيز المجيد (١) ولم يتَّخذ وليَّا من دونه، ولم يجعل له مفزعًا وموئلا يرجع إليه في مهماته وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض؟ أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] [البقرة: ١٨٦] .
ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب؟ أين (٢) من عضَّ بالنواجذ على ما دلَّ عليه حديث ابن عباس: " «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» " (٣) أين من بايع رسول الله ﷺ على ألا يسأل الناس شيئا (٤) أين من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] [الأنعام: ٥٩] .
وبقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] [النمل: ٦٥] .
أين من يقول: ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق؟ الذي هو معرفة الله وإسلام الوجوه له؟ ولتجزى كل نفس بما كسبت؟ .
سبحان الله!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت به
_________
(١) في (ح) و(م): "الحميد".
(٢) في (المطبوعة): "أي".
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١ / ٢٩٣، ٣٥٣)، والطبراني في الكبير (١٢ / ٢٣٨، ح١٢٩٨٨) .
(٤) ثبت ذلك في حديث ثوبان، أخرجه أبو داود (١٦٤٢، ١٦٤٣)، وابن ماجه (١٨٣٧)، وأحمد (٥ / ٢٧٧)، والحاكم (١ / ٥٧١) .
الرسل: كأنه من جهال الجاهلية الأولى (١) لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء.
وأما قوله: (وهم الذي (٢) استشهد الله بهم. . .) إلى آخره.
فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه، ما لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ومعتقدها ومنشدها؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء، ومناهج الإيمان والهدى، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين، والاعتقاد المخالف لأصول الملة والدين، ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم والعلماء، ويدري مناهج الإيمان والهدى؟ هذه الشهادة شهادة زور، فإن من شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء وأتباعهم على تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله ربِّ العالمين، الذي عرفوا الله بأفعاله وآياته، وأخلصوا له المحمل والدين بأفعالهم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، واستدلوا بجميع ما شهدوه أو سمعوه من الآيات والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها، وعلى حكمته وعموم قدرته وشمول علمه.
وقول المعترض: (حتى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [آل عمران: ١٩] .
على قراءة الفتح من الهمزة) عبارة جاهل لا يدري ما يقول، فإن
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "بل هو من صميمهم إذ".
(٢) في (ق) و(م): "الذين".
الفتحة للهمزة لا من الهمزة، وفتحها على قراءة (١) الكسائي، والقراءة على كسرها، وقوله ﷺ: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٢) والإشارة فيه إلى ما جاء به ﷺ من الكتاب والحكمة، وأين هو مما دلَّ عليه قول الناظم في أبياته السابقة؟
فأهل العلم في الحقيقة: كل من عَقَل عن الله مراده، وعرف مما جاءت به الرسل من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض، مع الإقبال على الله والإعراض عن عبادة ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، والسير إليه تعالى على منهاج أنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، ففي هذا العلم والعمل والمتابعة، وأما الخُلُوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهم من أقل الناس حظًّا ونصيبا من العلم الذي جاءت به الرسل.
وأما قوله: (وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة) .
فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة، ولكن أي (٣) الأمة؟ أيظن هذا أن الأمة من روى البردة دون (٤) سائر الأمة؟ وأين مَنْ قَبْل صاحب البردة بنحو ستة قرون؟ .
أليسوا من الأمة؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي [١٤٤]، يهدم أصل التوحيد والإيمان.
_________
(١) قوله: "الفتح من الهمزة. . . " إلى هنا ساقطة من (ق) .
(٢) سبق تخريجه، انظر ص (١٩٧) .
(٣) في (ح) و(ق) و(م): "أين ".
(٤) سقطت من (المطبوعة) .
Translation
فصل في بيان أن الشفاعة بيده سبحانه ملكا له خاصة وأن النبي فيها عبد مأمور لا مالك متصرف
#69
Chapter 69 — فصل في رد زعم المعترض أن العلماء الأمناء تلقوا البردة بالقبول والرضا
· ref. #69
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد زعم المعترض أن العلماء الأمناء تلقوا البردة بالقبول والرضا]
فصل قال المعترض: (والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من جميع نواحي الإسلام تلقوها، ونقلوها، ورضوها، ولم ينتقدها واحد منهم، ولا من غيرهم من علماء الأمة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر، المخرج من الملة وما يقوله هذا الرجل، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه، حتى خرج فأخرج لهم التوحيد كما يزعم (١) في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صدِّيق الأمة وأصحاب رسول الله- ﷺ منه على ذهاب القرآن حتى قال علي ﵁ (٢) أنه ذهب منه (٣) آيات منها آية الرجم) .
والجواب أن يقال: القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم، قول باطل، وفرية ظاهرة، وكذب على أهل العلم والإيمان، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم (٤) في سنده لا يعرف أحد منهم بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان، ولهم من الأقوال
_________
(١) في (ق) و(م): "زعم ".
(٢) في (ح): "كرم الله وجهه ".
(٣) في (ق): "منها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هذا المعترض".
فصل قال المعترض: (والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من جميع نواحي الإسلام تلقوها، ونقلوها، ورضوها، ولم ينتقدها واحد منهم، ولا من غيرهم من علماء الأمة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر، المخرج من الملة وما يقوله هذا الرجل، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه، حتى خرج فأخرج لهم التوحيد كما يزعم (١) في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صدِّيق الأمة وأصحاب رسول الله- ﷺ منه على ذهاب القرآن حتى قال علي ﵁ (٢) أنه ذهب منه (٣) آيات منها آية الرجم) .
والجواب أن يقال: القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم، قول باطل، وفرية ظاهرة، وكذب على أهل العلم والإيمان، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم (٤) في سنده لا يعرف أحد منهم بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان، ولهم من الأقوال
_________
(١) في (ق) و(م): "زعم ".
(٢) في (ح): "كرم الله وجهه ".
(٣) في (ق): "منها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هذا المعترض".
Translation
فصل في رد زعم المعترض أن العلماء الأمناء تلقوا البردة بالقبول والرضا
#70
Chapter 70 — الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه
· ref. #70
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
ما انتقدها عليهم فحول الرجال؟ والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل، فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها، وجلّ بضاعة هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلى علماء الأمة وساداتها، فمن كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس (١) غبنا، وأعظمهم خسرانا، وهذا العدد الذي ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلّدين الذين لا يرجع إليهم في التصحيح والترجيح، وما المانع أن يخفى عليهم هذا، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق؟ .
اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مرَّ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات.
ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، وعدم العلم دليلًا في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقَّبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه.
[الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه]
وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.
_________
(١) في (ق) و(م): "أكثرهم".
فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (١) على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيبًا وتطهيرًا، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢) وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (٣) أحدًا، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحدًا" (٤) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو (٥) أضلّ خلق الله وأكفرهم (٦) وأشدّهم عداوة لله (٧) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن (٨) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد
_________
(١) في (ق): "أشملت".
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٧، ٢٨٥٣، ٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦)، والترمذي (١٦٥٦)، وأحمد (٢ / ٢٣١، ٢٤٢، ٣١٧) ومواضع.
(٣) في (ق) و(م): " لا تقدس ولا تطهر".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٠٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "وكفرهم ".
(٧) لم يرد لفظ الجلالة في (ق) و(م) و(ح) .
(٨) في (ق): "على".
وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل (١) وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة (٢) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف (٣) مشهور.
ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (٤) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل:
العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياش
مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش
[فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة
_________
(١) في (ق) و(م): "كذب الرسل وقتل بني إسرائيل".
(٢) في (ق): "بدله"، وهو سبق قلم.
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): "وينقص".
فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم (١) الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك (٢) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (٣) الذي [١٤٦] يتنزَّه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق ﵁: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس (٤) وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا (٥) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك
_________
(١) في (ق): "من علم ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م) و(ح): "السامج".
(٤) في "المطبوعة": " لابن مسعود".
(٥) في (ق): "يفرقوا ".
موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في (١) ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم " «سفهاء الأحلام») الحديث (٢) الحديث (٣) والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (٤) أنه ﷺ دعا بالبركة فيهما (٥) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه ﷺ (٦) وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم (٧) عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي ﷺ وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم (٨) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأمَّا قوله ﷺ لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (٩) الزلازل
_________
(١) (ق): "قلوه"، وهو سبق قلم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٥، ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٥)، وأبو داود (٤٧٦٧)، وأحمد (١ / ٤٠٤) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق): " الأحاديث".
(٥) فقال ﷺ: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا"، أخرجه البخاري (١٠٣٧، ٧٠٩٤)، والترمذي (٣٩٥٣) .
(٦) وردت " الصلاة". في (ق) و(م) بعد " دعا".
(٧) في (ق) و(م): "أفضل منهم من السابقين الأولين".
(٨) في (ق): "مالا".
(٩) في (ق) زيادة: "قال" قبل "تلك "، وفي (المطبوعة): "هاهنا موضع ".
والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان (١) فالمقصود بها نجد العراق، وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث ابن عمر (٢) ونصَّ عليه الخطابي (٣) وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل (٤) وذمها. وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عليها عبقرية» " (٥) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل (٦) الحديث
_________
(١) أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما وهو بقية الحديث السابق في الدعاء للشام واليمن بالبركة.
(٢) ونصه: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومُدنا، فقال رجل: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأعرض عنه فقال: فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان ". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦ / ١٣٣)، وأخرج أيضا في نفس الموضع عن ابن عمر مرفوعًا: " اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا- فرددها ثلاث مرات-، فقال الرجل: يا رسول الله ولعراقنا، فقال رسول الله ﷺ: بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان) .
وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٣٠٥)، نحوهما عن ابن عمر وابن عباس.
(٣) قال الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٣٤٠، ١٣٢٩٠)، وأيضًا في الأوسط (٦ / ٢٨٦)، وأبو الشيخ في العظمة (١٦٨٧ / ٥)، قال المناوي في الفيض (٢ / ٥٢٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٦٠): (رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا.
(٦) في (ق): (علماء) .
وفقهاء الأمة وأهل الجرح (١) والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنَّة أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة (٢) الجنيد بن محمد، وعلَم الزهَّاد الحسن وابن سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولدًا أو (٣) سكنى، والليث بن سعد، ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة (٤) من أكابر أصحاب رسول الله "ﷺ، ومن التابعين (٥) بعدهم. ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آل عمران: ١٤٠] . وكم من بلد قد (٦) فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "الطريق ".
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): (وسكنى) .
(٤) في (المطبوعة)، و(ق): " جملة ".
(٥) في (ق) زيادة: "من".
(٦) سقطت من (ح) و(المطبوعة) .
مسجدًا هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطَرْد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين. وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال (١) بعض الأْزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرِّق بين دين محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدَّم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال ﷺ: " «لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من فارس» " (٢) مع أن بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكُفر فيها (٣) بالله الذي لا إِله إلاَّ هو الرحمن (٤)
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "لي ".
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٧، ٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦)، وأحمد (٢ / ٣٥٨) .
(٣) في (ق): "بها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الرحيم ".
اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مرَّ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات.
ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، وعدم العلم دليلًا في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقَّبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه.
[الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه]
وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.
_________
(١) في (ق) و(م): "أكثرهم".
فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (١) على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيبًا وتطهيرًا، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢) وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (٣) أحدًا، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحدًا" (٤) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو (٥) أضلّ خلق الله وأكفرهم (٦) وأشدّهم عداوة لله (٧) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن (٨) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد
_________
(١) في (ق): "أشملت".
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٧، ٢٨٥٣، ٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦)، والترمذي (١٦٥٦)، وأحمد (٢ / ٢٣١، ٢٤٢، ٣١٧) ومواضع.
(٣) في (ق) و(م): " لا تقدس ولا تطهر".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٠٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "وكفرهم ".
(٧) لم يرد لفظ الجلالة في (ق) و(م) و(ح) .
(٨) في (ق): "على".
وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل (١) وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة (٢) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف (٣) مشهور.
ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (٤) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل:
العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطياش
مثل النهار يزيد إبصار الورى ... نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش
[فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة
_________
(١) في (ق) و(م): "كذب الرسل وقتل بني إسرائيل".
(٢) في (ق): "بدله"، وهو سبق قلم.
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): "وينقص".
فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم (١) الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك (٢) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (٣) الذي [١٤٦] يتنزَّه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق ﵁: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس (٤) وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا (٥) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك
_________
(١) في (ق): "من علم ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م) و(ح): "السامج".
(٤) في "المطبوعة": " لابن مسعود".
(٥) في (ق): "يفرقوا ".
موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في (١) ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم " «سفهاء الأحلام») الحديث (٢) الحديث (٣) والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (٤) أنه ﷺ دعا بالبركة فيهما (٥) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه ﷺ (٦) وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم (٧) عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي ﷺ وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم (٨) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأمَّا قوله ﷺ لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (٩) الزلازل
_________
(١) (ق): "قلوه"، وهو سبق قلم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٥، ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٥)، وأبو داود (٤٧٦٧)، وأحمد (١ / ٤٠٤) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق): " الأحاديث".
(٥) فقال ﷺ: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا"، أخرجه البخاري (١٠٣٧، ٧٠٩٤)، والترمذي (٣٩٥٣) .
(٦) وردت " الصلاة". في (ق) و(م) بعد " دعا".
(٧) في (ق) و(م): "أفضل منهم من السابقين الأولين".
(٨) في (ق): "مالا".
(٩) في (ق) زيادة: "قال" قبل "تلك "، وفي (المطبوعة): "هاهنا موضع ".
والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان (١) فالمقصود بها نجد العراق، وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث ابن عمر (٢) ونصَّ عليه الخطابي (٣) وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل (٤) وذمها. وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عليها عبقرية» " (٥) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل (٦) الحديث
_________
(١) أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما وهو بقية الحديث السابق في الدعاء للشام واليمن بالبركة.
(٢) ونصه: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومُدنا، فقال رجل: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأعرض عنه فقال: فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان ". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦ / ١٣٣)، وأخرج أيضا في نفس الموضع عن ابن عمر مرفوعًا: " اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا- فرددها ثلاث مرات-، فقال الرجل: يا رسول الله ولعراقنا، فقال رسول الله ﷺ: بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان) .
وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٣٠٥)، نحوهما عن ابن عمر وابن عباس.
(٣) قال الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٣٤٠، ١٣٢٩٠)، وأيضًا في الأوسط (٦ / ٢٨٦)، وأبو الشيخ في العظمة (١٦٨٧ / ٥)، قال المناوي في الفيض (٢ / ٥٢٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٦٠): (رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا.
(٦) في (ق): (علماء) .
وفقهاء الأمة وأهل الجرح (١) والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنَّة أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة (٢) الجنيد بن محمد، وعلَم الزهَّاد الحسن وابن سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولدًا أو (٣) سكنى، والليث بن سعد، ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة (٤) من أكابر أصحاب رسول الله "ﷺ، ومن التابعين (٥) بعدهم. ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آل عمران: ١٤٠] . وكم من بلد قد (٦) فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "الطريق ".
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): (وسكنى) .
(٤) في (المطبوعة)، و(ق): " جملة ".
(٥) في (ق) زيادة: "من".
(٦) سقطت من (ح) و(المطبوعة) .
مسجدًا هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطَرْد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين. وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال (١) بعض الأْزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرِّق بين دين محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدَّم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال ﷺ: " «لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من فارس» " (٢) مع أن بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكُفر فيها (٣) بالله الذي لا إِله إلاَّ هو الرحمن (٤)
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "لي ".
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٧، ٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦)، وأحمد (٢ / ٣٥٨) .
(٣) في (ق): "بها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الرحيم ".
Translation
الأرض لا تقدس أحدا ولا هي سبب لعينه وذمه
#71
Chapter 71 — دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم
· ref. #71
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
(وكذلك ما ذكر من قصتهم مع) (١) ما فيها من الكذب (٢) إنَّما هو، مجرَّد تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء.]
[دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم]
وأما قوله: (وقد نصَّت العرب، وصحَّ عنها بأجمعها أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات قال: فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقد أثبت فيهم النبي ﷺ. وقال الصدِّيق ﵁ فيهم: لا يزالون في فتنة من كذَّابهم، وهو ﵁ صادق الفراسة، وبعد هذا وجد منهم مائة وستون (٣) رجلًا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة الكذاب، فأتى بهم لابن مسعود وهو عليها هو وعمار أمير فقتل إمامهم ابن النواحة وفرقهم في القبائل وأجلى (٤) من أجلى منهم إلى الشام) .
والجواب أن يقال لهذا الغبي: إن شيخنا رحمه الله تعالى من رؤوس تميم وأعيانهم، وليس من بني حنيفة، وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته، ولغتهم أفصح اللغات وأفضلها بعد لغة قريش، ولا يذكر مع لغة قريش، غالبًا إلاَّ لغة تميم كما يذكره النحاة وغيرهم، وهم ممن قاتل بني حنيفة مع خالد وأبلوا (٥) بلاءً حسنًا، وأقطع خالد بن الوليد أفخاذًا منهم أودية معروفة بنجد من اليمامة وغيرها، فلو فرضنا أنَّ بني حنيفة فيهم ما ذكر من جهة لغتهم وعدم فصاحتهم، فأين الشيخ منهم؟ وسكنى الدار لا تؤثر، فإن الصحابة سكنوا مصر وبلاد الفرس، وفضلهم
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (م) .
(٢) "من الكذب "ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "وستين ".
(٤) في (المطبوعة): "وأجل"، وهو خطأ مطبعي.
(٥) في (الأصل) و(ق) و(م): "وابتلوا "، والمثبت هو الأنسب للسياق.
[دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم]
وأما قوله: (وقد نصَّت العرب، وصحَّ عنها بأجمعها أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات قال: فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقد أثبت فيهم النبي ﷺ. وقال الصدِّيق ﵁ فيهم: لا يزالون في فتنة من كذَّابهم، وهو ﵁ صادق الفراسة، وبعد هذا وجد منهم مائة وستون (٣) رجلًا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة الكذاب، فأتى بهم لابن مسعود وهو عليها هو وعمار أمير فقتل إمامهم ابن النواحة وفرقهم في القبائل وأجلى (٤) من أجلى منهم إلى الشام) .
والجواب أن يقال لهذا الغبي: إن شيخنا رحمه الله تعالى من رؤوس تميم وأعيانهم، وليس من بني حنيفة، وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته، ولغتهم أفصح اللغات وأفضلها بعد لغة قريش، ولا يذكر مع لغة قريش، غالبًا إلاَّ لغة تميم كما يذكره النحاة وغيرهم، وهم ممن قاتل بني حنيفة مع خالد وأبلوا (٥) بلاءً حسنًا، وأقطع خالد بن الوليد أفخاذًا منهم أودية معروفة بنجد من اليمامة وغيرها، فلو فرضنا أنَّ بني حنيفة فيهم ما ذكر من جهة لغتهم وعدم فصاحتهم، فأين الشيخ منهم؟ وسكنى الدار لا تؤثر، فإن الصحابة سكنوا مصر وبلاد الفرس، وفضلهم
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (م) .
(٢) "من الكذب "ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "وستين ".
(٤) في (المطبوعة): "وأجل"، وهو خطأ مطبعي.
(٥) في (الأصل) و(ق) و(م): "وابتلوا "، والمثبت هو الأنسب للسياق.
Translation
دفاع عن لغة تميم وبني حنيفة وبيان أن الشيخ من رؤس تميم
#72
Chapter 72 — المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم
· ref. #72
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
لا يزال في مزيد، وإيمانهم قهر أهل الكفر والشرك والتنديد، وعادت تلك البقاع والأماكن من أفضل مساكن أهل التوحيد.
وأما قوله: (إنَّ العرب نصَّت على أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات فأين تأتي لهم الفصاحة)؟ .
فبنو حنيفة من أعيان العرب ورؤوسهم، وهم من أفصح اللغات، ولا أصل لقول هذا المعترض، ما قال أحد بعيب لغتهم وذمها (١) وقوله: (نصت العرب) .
دليل على كذبه وجهله بمعاني الكلام، فإن العرب يدخل فيهم من ليس بأعجمي النسب واللسان، فيقع على من سكن الجزيرة بأجمعها إلى حدود مصر والشام، ومن ساحل (٢) اليمن إلى ساحل (٣) العراق، وأين نصّ هؤلاء؟ ومن الذي قاله منهم؟ وهذا أبلغ من حكاية الإجماع.
وأما قوله: (فأين تأتي لهم الفصاحة)؟ .
فهذا تركيب ركيك، فإن "أتى يأتي " يتعدَّى بنفسه، فالركيك تركيب المعترض وكلامه.
[المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم]
وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي (٤) ﷺ الجفا) .
فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ (٥) وأما الجفاء فلم
_________
(١) في (ق): "لا ذمها".
(٢) في (ق): " سواحل ".
(٣) في (ق): "سواحل".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "وغلط ".
[١٤٩]، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله ﷺ: " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» " (١) وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] [التوبة -٩٧] .
ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] [التوبة -٩٩] .
فمن آمن بالله ورسوله (٢) وكذَّب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين.
وقد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (٣) وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤) . ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] (٥) [التوبة: ٧٢] وأما قول الصدّيق (٦) فإن. فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم،
_________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠١، ٣٣٥٢) ومواضع أخرى عن حديث أبي هريرة وأبي مسعود البدري، رمسلم (٥١، ٥٢)، والترمذي (٢٢٤٣)، وأحمد (٢٥٨ / ٢، ٢٦٩، ٣٧٢) .
(٢) في (ق) مكانها: "واليوم الآخر".
(٣) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٤) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٥) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " ﵁،.
كما وقع من ابن النواحة (١) وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصدّيق أجلّ من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم (٢) كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجَّه عيب أحد منهم بأسلافه، وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: " «اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أو إلى قريب» (٣) ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٍ (٤) عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك (٥) أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك) فاستأذنه المَلَك عند ذلك (٦) فقال: («بل أتأنى بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا») (٧)
_________
(١) انظر قصته في: المستدرك (٣ / ٥٤) وغيره.
(٢) ساقطة من (ق) و(مِ) .
(٣) في (ق) و(م): (عدو) ".
(٤) في (ق) و(م) و(ح): "عليَّ غضب"، وفي (المطبوعة): (سخط علي) .
(٥) في بقية النسخ زيادة: "هي ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (أن يطبق عليهم الأخشبين) .
(٧) أخرج البخاري منه استئذان ملك الجبال ورده ﷺ (٣٢٣١، ٧٣٨٩)، وأما الدعاء المشهور فأخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ (٢ / ٣٤٥) وابن منده في ترجمة الطبراني ص (٣٤٦)، والضياء في المختارة (٩ / ١٨١)، وابن عدي في الكامل (٦ / ١١١)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع (٢ / ٢٧٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق.
إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلًا، والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به.
وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلًا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة) .
فهذا كذب. القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم ١٥٥، يقرءوا قرآنه) (١) وإنَّما تكلَّموا في نبوَّته وجَوَّزُوهَا، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء.
ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالمًا يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال بن (٢) رباح ﵃ من أفضل الناس، وأسلافهم من شرّ الناس؟ بل (٣) والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة (٤) والمذهب.
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في النسخ الأربع زيادة: (أبي)، وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): "والطبع".
وأما قوله: (إنَّ العرب نصَّت على أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات فأين تأتي لهم الفصاحة)؟ .
فبنو حنيفة من أعيان العرب ورؤوسهم، وهم من أفصح اللغات، ولا أصل لقول هذا المعترض، ما قال أحد بعيب لغتهم وذمها (١) وقوله: (نصت العرب) .
دليل على كذبه وجهله بمعاني الكلام، فإن العرب يدخل فيهم من ليس بأعجمي النسب واللسان، فيقع على من سكن الجزيرة بأجمعها إلى حدود مصر والشام، ومن ساحل (٢) اليمن إلى ساحل (٣) العراق، وأين نصّ هؤلاء؟ ومن الذي قاله منهم؟ وهذا أبلغ من حكاية الإجماع.
وأما قوله: (فأين تأتي لهم الفصاحة)؟ .
فهذا تركيب ركيك، فإن "أتى يأتي " يتعدَّى بنفسه، فالركيك تركيب المعترض وكلامه.
[المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم]
وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي (٤) ﷺ الجفا) .
فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ (٥) وأما الجفاء فلم
_________
(١) في (ق): "لا ذمها".
(٢) في (ق): " سواحل ".
(٣) في (ق): "سواحل".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "وغلط ".
[١٤٩]، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله ﷺ: " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» " (١) وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] [التوبة -٩٧] .
ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] [التوبة -٩٩] .
فمن آمن بالله ورسوله (٢) وكذَّب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين.
وقد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (٣) وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤) . ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] (٥) [التوبة: ٧٢] وأما قول الصدّيق (٦) فإن. فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم،
_________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠١، ٣٣٥٢) ومواضع أخرى عن حديث أبي هريرة وأبي مسعود البدري، رمسلم (٥١، ٥٢)، والترمذي (٢٢٤٣)، وأحمد (٢٥٨ / ٢، ٢٦٩، ٣٧٢) .
(٢) في (ق) مكانها: "واليوم الآخر".
(٣) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٤) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٥) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " ﵁،.
كما وقع من ابن النواحة (١) وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصدّيق أجلّ من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم (٢) كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجَّه عيب أحد منهم بأسلافه، وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: " «اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أو إلى قريب» (٣) ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٍ (٤) عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك (٥) أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك) فاستأذنه المَلَك عند ذلك (٦) فقال: («بل أتأنى بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا») (٧)
_________
(١) انظر قصته في: المستدرك (٣ / ٥٤) وغيره.
(٢) ساقطة من (ق) و(مِ) .
(٣) في (ق) و(م): (عدو) ".
(٤) في (ق) و(م) و(ح): "عليَّ غضب"، وفي (المطبوعة): (سخط علي) .
(٥) في بقية النسخ زيادة: "هي ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (أن يطبق عليهم الأخشبين) .
(٧) أخرج البخاري منه استئذان ملك الجبال ورده ﷺ (٣٢٣١، ٧٣٨٩)، وأما الدعاء المشهور فأخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ (٢ / ٣٤٥) وابن منده في ترجمة الطبراني ص (٣٤٦)، والضياء في المختارة (٩ / ١٨١)، وابن عدي في الكامل (٦ / ١١١)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع (٢ / ٢٧٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق.
إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلًا، والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به.
وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلًا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة) .
فهذا كذب. القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم ١٥٥، يقرءوا قرآنه) (١) وإنَّما تكلَّموا في نبوَّته وجَوَّزُوهَا، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء.
ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالمًا يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال بن (٢) رباح ﵃ من أفضل الناس، وأسلافهم من شرّ الناس؟ بل (٣) والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة (٤) والمذهب.
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في النسخ الأربع زيادة: (أبي)، وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): "والطبع".
Translation
المدح والذم الشرعيين يتوجهان إلى الإيمان والكفر لا إلى سكنى الأرض أو الانتساب إلى قوم
#73
Chapter 73 — فصل في بيان كذب المعترض في إيقاع وصف سفهاء الأحلام على أهل نجد
· ref. #73
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في بيان كذب المعترض في إيقاع وصف سفهاء الأحلام على أهل نجد]
فصل قال المعترض: (فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان إلى هذا الزمان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه، فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم سفهاء الأحلام) .
والجواب أن يقال: هذا كذب على رسول الله ﷺ لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة (١) بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على عليّ بن (أبي طالب) (٢) ﵁ الذين قاتلهم علي بالكوفة والبصرة وما يليها، وفيهم من بني يشكر ومن طيّ وتميم وغيرهم من قبائل العرب، ودارهم ومسكنهم بالعراق، ولا يُخْتلف في هذا، فدارهم دار أشياخك ومحل إقامتك الذي نشأت به، وأثنيت على أهله، وهي دار سفهاء الأحلام بنص الحديث وبإجماع الأمة، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليها، فقيل: أهل النهروان، وحروراء بلدة هناك (٣) نسبوا إليها، فقيل: الحرورية.
فأين في الحديث أنَّ
_________
(١) في (ق) و(م): "اليمن ".
(٢) ما بين القوسين سقط من (ح) و(المطبوعة) .
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "هناك بلدة".
أهل اليمامة منهم (١) .؟ ما أقبح الكذب، وما أعظم (٢) . خزي مبديه، وفي هجنة كلام المعترضين واستقباح مذهبه ما يقضي بسفاهة رأيه وعظيم عطبه.
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
ثم في زعمه أن الموضع قابل (٣) للبهتان: إن قصد به المحل كما هو ظاهر عبارته، فقد سبَّ الأرض، والموضع المطيع لله الشاهد بوحدانيته بما أودع فيه من الآيات، وذرأ من البريات، وهو (٤) . انتقال من مسبة [١٥١] الساكن إلى مسبة المسكن، وإن أراد أهله وسكانه ففيه عيب كل مسلم، ووصفه بقبول البهتان والشك من عهد مسيلمة إلى هذا الزمان، فسبحان من (٥) . طبع على قلبه، وحال بينه وبين العلم والفهم.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (ق): "وأعظم".
(٣) في النسخ الأربع: "قابلا"، وهو خطأ.
(٤) في (ق) و(م): "وهذا".
(٥) في (المطبوعة): "الله الذي".
فصل قال المعترض: (فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان إلى هذا الزمان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه، فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم سفهاء الأحلام) .
والجواب أن يقال: هذا كذب على رسول الله ﷺ لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة (١) بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على عليّ بن (أبي طالب) (٢) ﵁ الذين قاتلهم علي بالكوفة والبصرة وما يليها، وفيهم من بني يشكر ومن طيّ وتميم وغيرهم من قبائل العرب، ودارهم ومسكنهم بالعراق، ولا يُخْتلف في هذا، فدارهم دار أشياخك ومحل إقامتك الذي نشأت به، وأثنيت على أهله، وهي دار سفهاء الأحلام بنص الحديث وبإجماع الأمة، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليها، فقيل: أهل النهروان، وحروراء بلدة هناك (٣) نسبوا إليها، فقيل: الحرورية.
فأين في الحديث أنَّ
_________
(١) في (ق) و(م): "اليمن ".
(٢) ما بين القوسين سقط من (ح) و(المطبوعة) .
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "هناك بلدة".
أهل اليمامة منهم (١) .؟ ما أقبح الكذب، وما أعظم (٢) . خزي مبديه، وفي هجنة كلام المعترضين واستقباح مذهبه ما يقضي بسفاهة رأيه وعظيم عطبه.
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
ثم في زعمه أن الموضع قابل (٣) للبهتان: إن قصد به المحل كما هو ظاهر عبارته، فقد سبَّ الأرض، والموضع المطيع لله الشاهد بوحدانيته بما أودع فيه من الآيات، وذرأ من البريات، وهو (٤) . انتقال من مسبة [١٥١] الساكن إلى مسبة المسكن، وإن أراد أهله وسكانه ففيه عيب كل مسلم، ووصفه بقبول البهتان والشك من عهد مسيلمة إلى هذا الزمان، فسبحان من (٥) . طبع على قلبه، وحال بينه وبين العلم والفهم.
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (ق): "وأعظم".
(٣) في النسخ الأربع: "قابلا"، وهو خطأ.
(٤) في (ق) و(م): "وهذا".
(٥) في (المطبوعة): "الله الذي".
Translation
فصل في بيان كذب المعترض في إيقاع وصف سفهاء الأحلام على أهل نجد
#74
Chapter 74 — فصل في رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر وبيان أن الإيمان لا يختص به بلد من البلدان
· ref. #74
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر وبيان أن الإيمان لا يختص به بلد من البلدان]
فصل قال المعترض: (ومع ما ذكرناه جعل هذا الرجل مواضع (١) . دعوته ﷺ ومنبع النبوات بلاد كفر، لا يجوز السفر إليها، ومن جاءه منها راغبا لدنياه سماه مهاجرا، قد صحَّ عنه ﷺ في (٢) . الصحيح: " «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» " (٣) . وأنها آخر بلاد المسلمين خرابا في آخر الزمان، فصح أن الإسلام ملازم (٤) . لها، وأرشد ﷺ إلى الشام أيام الفتن (٥) . وأنها عقر الإسلام ومعقل الإيمان، ومع ذلك صوب هذا الرجل نفسه على خطئه، وخطَّأ علماء الأمة، وكفّرهم بخطئه، وقد قدمنا استشهاد الله تعالى جلَّ ذكره (٦) . بهم، وما رواه ابن عدي والبيهقي عنه ﷺ أنه قال: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٧) .
_________
(١) في (ق): "منابع"، وفي (ح): "موضع".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "الحديث".
(٣) أخرجه البخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، والترمذي (٢٦٣٠)، وابن ماجه (٣١١١)، وأحمد (٢ / ٢٨٦، ٤٢٢) .
(٤) في (ق) و(م): "ملازما".
(٥) في (ق) و(م): "أيام الفتن إلى الشام ".
(٦) "جل ذكره" ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٧) تقدم. انظر: ص (١٩٧)، هامش ١، وص (٣٥٥)، هامش ٤.
والجواب أن يقال: قد تقدَّم أن هذه الدعوى التي ادعاها المعترض على شيخنا من جعله الحرمين بلاد كفر دعوى كاذبة ضالة؛ وأن الشيخ رحمه الله تعالى من أعلم الناس وأعدلهم في قوله وفعله، على منهاج مستقيم، ولا يمكن أحد إثبات هذه الدعوى وتصحيحها بوجه من الوجوه، والكلام في هذه المواضع يجب أن يكون بعدل وعلم (١) . ومن فقد ذلك فقد ضلَّ عن سواء السبيل وأضلّ.
وأما قوله ﷺ: " «الإيمان يأرز إلى المدينهّ كما تأرز الحية إلى جحرها» ": فرسول الله ﷺ الصادق المصدوق، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والشأن كل الشأن في الفقه عن الله ورسوله ومعرفة مواقع خطابه. وأما الكلام في هذه المباحث من الأغمار والجهال، الذين لا عناية لهم بمعاني الكتاب والسنَّة، ولا دراية لهم بتقارير علماء الأمة: فالمحنة بهم عظيمة، وطريقتهم (٢) .
غير عادلة ولا مستقيمة، ليس في الحديث ما يفيد أنه لا يتعدَّاها إلى غيرها من البلاد والمواضع، وليس فيه ما يفيد إيمان جميع من سكنها واستوطنها، وقد وجد في زمانه من أهل النفاق كثير في المدينة، وسكنها بعده ﷺ كثير من أهل البدع والمارقين، وفي هذه الأزمان جمهور أهل العوالي وما يليها رافضة من غلاة الرافضة، وكلامهم في أصحاب رسول الله ﷺ ومسبتهم لأم المؤمنين معروفة [١٥٢] مشهورة، والحكم الكلي الأغلبي لا يلزم إطراده.
_________
(١) في بقية النسخ: (بعلم وعدل) .
(٢) في (ق): "وطريقهم".
ثم يقال لهذا الغبي: أخبرنا ما الفرق بين هذا وبين قوله ﷺ: " «الإيمان يمان والحكمة يمانية» " (١) .؟ إن قلت إن الإيمان لا يفارق اليمن في كل وقت وزمان، وَرَدَ عليك الأسود العنسي وأمثاله من المرتدين والمارقين في كل وقت وحين.
وقوله: (وأرشدهم (٢) . ﷺ إلى الشام أيام الفتن) إلى آخره. فيقال له: إذا كان الشام عقر الإسلام، ومعقل الإيمان، فهذا من الأدلة على أن الإسلام والإيمان (٣) . لا تختص به المدينة ولا غيرها من البلاد الإسلامية، وأن الله يداول الأيام بين البلاد والعباد، فحينا تكون الشوكة والدولة الإسلامية بالحجاز والحرمين، كما كان في عهد النبوة وفي الخلافة (٤) . التيمية، والخلافة (٥) . العدوية، والخلافة الأموية، والخلافة العلوية، وحينا في الشام كالولاية المروانية، وحينا بالعراق كالدولة العباسية، وحينا في غيرها من البلاد، كما يشهد لذلك (٦) . الواقع، فإنَّ الإفرنج ملكوا بيت المقدس، واستولوا على خير بلاد الشام وأفضلها دهرًا طويلًا حتى استنقذها من أيديهم الملك الصالح من السلاطين (٧) . المصرية،
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٨٨) ومواضع، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٣٩٣٥)، وأحمد (٢ / ٢٣٥، ٢٥٢، ٢٥٨)، والدارمي (١ / ٥١، ح ٧٩) .
(٢) في (ق): "وأرشد".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "الصديقية ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "الفاروقية".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "بذلك".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "الأكراد".
واستولى على ساحل الشام طوائف من النصارى بعد ما سبق فيه من القوة والصولة الإسلامية، ثم استحال جبل النصيرية والإسماعيلية إلى (١) . الكفر العظيم، والغلو في أئمتهم، وترك التزام أحكام الإسلام.
وبهذا تعرف أن العموم مخصوص، والإطلاق مقيد، والعبرة بالغالب الأكثر (٢) . وجاء عنه ﷺ أن الإيمان يكون بالشام (٣) . حين تكون الفتن (٤) .
وأما حديث: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ": فقد ثبت وصحَّ عن أحمد وغيره من الأئمة أنَّ المراد به علم الحديث المشتمل على بيان الكتاب وتفسيره وتقرير الأحكام الدينية الأصولية والفروعية، وهذا بحمد الله لنا لا علينا، فإن شيخنا قد شهد له الجمّ الغفير والخلق الكثير بأنه من حملة هذا العلم، ومن أئمته المقتدى بهم فيه، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في ذلك، وفيما كتبناه كفاية.
_________
(١) في (المطبوعة): "إلى الإسماعيلية و".
(٢) في (ح) و(ق): "والأكثر".
(٣) في (ق): "في الشام".
(٤) في (ق): "الفتنة".
فصل قال المعترض: (ومع ما ذكرناه جعل هذا الرجل مواضع (١) . دعوته ﷺ ومنبع النبوات بلاد كفر، لا يجوز السفر إليها، ومن جاءه منها راغبا لدنياه سماه مهاجرا، قد صحَّ عنه ﷺ في (٢) . الصحيح: " «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» " (٣) . وأنها آخر بلاد المسلمين خرابا في آخر الزمان، فصح أن الإسلام ملازم (٤) . لها، وأرشد ﷺ إلى الشام أيام الفتن (٥) . وأنها عقر الإسلام ومعقل الإيمان، ومع ذلك صوب هذا الرجل نفسه على خطئه، وخطَّأ علماء الأمة، وكفّرهم بخطئه، وقد قدمنا استشهاد الله تعالى جلَّ ذكره (٦) . بهم، وما رواه ابن عدي والبيهقي عنه ﷺ أنه قال: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» " (٧) .
_________
(١) في (ق): "منابع"، وفي (ح): "موضع".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "الحديث".
(٣) أخرجه البخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، والترمذي (٢٦٣٠)، وابن ماجه (٣١١١)، وأحمد (٢ / ٢٨٦، ٤٢٢) .
(٤) في (ق) و(م): "ملازما".
(٥) في (ق) و(م): "أيام الفتن إلى الشام ".
(٦) "جل ذكره" ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٧) تقدم. انظر: ص (١٩٧)، هامش ١، وص (٣٥٥)، هامش ٤.
والجواب أن يقال: قد تقدَّم أن هذه الدعوى التي ادعاها المعترض على شيخنا من جعله الحرمين بلاد كفر دعوى كاذبة ضالة؛ وأن الشيخ رحمه الله تعالى من أعلم الناس وأعدلهم في قوله وفعله، على منهاج مستقيم، ولا يمكن أحد إثبات هذه الدعوى وتصحيحها بوجه من الوجوه، والكلام في هذه المواضع يجب أن يكون بعدل وعلم (١) . ومن فقد ذلك فقد ضلَّ عن سواء السبيل وأضلّ.
وأما قوله ﷺ: " «الإيمان يأرز إلى المدينهّ كما تأرز الحية إلى جحرها» ": فرسول الله ﷺ الصادق المصدوق، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والشأن كل الشأن في الفقه عن الله ورسوله ومعرفة مواقع خطابه. وأما الكلام في هذه المباحث من الأغمار والجهال، الذين لا عناية لهم بمعاني الكتاب والسنَّة، ولا دراية لهم بتقارير علماء الأمة: فالمحنة بهم عظيمة، وطريقتهم (٢) .
غير عادلة ولا مستقيمة، ليس في الحديث ما يفيد أنه لا يتعدَّاها إلى غيرها من البلاد والمواضع، وليس فيه ما يفيد إيمان جميع من سكنها واستوطنها، وقد وجد في زمانه من أهل النفاق كثير في المدينة، وسكنها بعده ﷺ كثير من أهل البدع والمارقين، وفي هذه الأزمان جمهور أهل العوالي وما يليها رافضة من غلاة الرافضة، وكلامهم في أصحاب رسول الله ﷺ ومسبتهم لأم المؤمنين معروفة [١٥٢] مشهورة، والحكم الكلي الأغلبي لا يلزم إطراده.
_________
(١) في بقية النسخ: (بعلم وعدل) .
(٢) في (ق): "وطريقهم".
ثم يقال لهذا الغبي: أخبرنا ما الفرق بين هذا وبين قوله ﷺ: " «الإيمان يمان والحكمة يمانية» " (١) .؟ إن قلت إن الإيمان لا يفارق اليمن في كل وقت وزمان، وَرَدَ عليك الأسود العنسي وأمثاله من المرتدين والمارقين في كل وقت وحين.
وقوله: (وأرشدهم (٢) . ﷺ إلى الشام أيام الفتن) إلى آخره. فيقال له: إذا كان الشام عقر الإسلام، ومعقل الإيمان، فهذا من الأدلة على أن الإسلام والإيمان (٣) . لا تختص به المدينة ولا غيرها من البلاد الإسلامية، وأن الله يداول الأيام بين البلاد والعباد، فحينا تكون الشوكة والدولة الإسلامية بالحجاز والحرمين، كما كان في عهد النبوة وفي الخلافة (٤) . التيمية، والخلافة (٥) . العدوية، والخلافة الأموية، والخلافة العلوية، وحينا في الشام كالولاية المروانية، وحينا بالعراق كالدولة العباسية، وحينا في غيرها من البلاد، كما يشهد لذلك (٦) . الواقع، فإنَّ الإفرنج ملكوا بيت المقدس، واستولوا على خير بلاد الشام وأفضلها دهرًا طويلًا حتى استنقذها من أيديهم الملك الصالح من السلاطين (٧) . المصرية،
_________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٨٨) ومواضع، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٣٩٣٥)، وأحمد (٢ / ٢٣٥، ٢٥٢، ٢٥٨)، والدارمي (١ / ٥١، ح ٧٩) .
(٢) في (ق): "وأرشد".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "الصديقية ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "الفاروقية".
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "بذلك".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "الأكراد".
واستولى على ساحل الشام طوائف من النصارى بعد ما سبق فيه من القوة والصولة الإسلامية، ثم استحال جبل النصيرية والإسماعيلية إلى (١) . الكفر العظيم، والغلو في أئمتهم، وترك التزام أحكام الإسلام.
وبهذا تعرف أن العموم مخصوص، والإطلاق مقيد، والعبرة بالغالب الأكثر (٢) . وجاء عنه ﷺ أن الإيمان يكون بالشام (٣) . حين تكون الفتن (٤) .
وأما حديث: " «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ": فقد ثبت وصحَّ عن أحمد وغيره من الأئمة أنَّ المراد به علم الحديث المشتمل على بيان الكتاب وتفسيره وتقرير الأحكام الدينية الأصولية والفروعية، وهذا بحمد الله لنا لا علينا، فإن شيخنا قد شهد له الجمّ الغفير والخلق الكثير بأنه من حملة هذا العلم، ومن أئمته المقتدى بهم فيه، ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في ذلك، وفيما كتبناه كفاية.
_________
(١) في (المطبوعة): "إلى الإسماعيلية و".
(٢) في (ح) و(ق): "والأكثر".
(٣) في (ق): "في الشام".
(٤) في (ق): "الفتنة".
Translation
فصل في رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر وبيان أن الإيمان لا يختص به بلد من البلدان
#75
Chapter 75 — فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها
· ref. #75
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها]
فصل قال المعترض: (وقد أجمعت (١) الأمة أنها لا تجمع (٢) على ضلالة، وهذا يقول: اجتمعت وأجمعت. فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما (٣) دخل هؤلاء المدينة المنوَّرة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق.
ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا (٤) أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من علماء الأمة إلا منْ شاء الله من لا دخل المدينة المنوَّرة ورآها. وليست خفية؛ بل هي أشهر من "قفا نبكِ" (٥) وقد علم (٦) حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله أنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] الآية [آل عمران -١٦٩، ١٧٠] .
_________
(١) في (ق): "اجتمعت".
(٢) في (ق) و(خ): "تجتمع".
(٣) في (ق): "ولما".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): "فهل".
(٥) يقصد معلقة امرئ القيس المشهورة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (الله من)، وفي (خ) زيادة: " الله ".
ألم يعلم هذا الرجل أن النبي ﷺ في معراجه مرَّ بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة ﵁ في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحَّبوا به، وقد صلَّى بهم قبل في بيت المقدس (١) عند الصخرة عليه وعليهم (٢) أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم، أم (٣) يريد أن يمنع عنهم (٤) ما أعطاهم الله من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد (٥) تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو ﷺ أفضل أولي (٦) العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه (٧) بالفضل عيسى بن مريم ﵊ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى ﵇ من دون الله؟ . بل قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آل عمران -٥٩] .
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "من".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "الصخرة وعليهم ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) ساقطة من (ق) و(ح) و(المطبوعة) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "أولو"، وهو خطأ.
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "في الفضل ".
والجواب أن يقال: أما قوله: (إنَّ الشيخ يقول: اجتمعت (١) الأمة وأجمعت على ضلالة): فهذا من أبلغ (٢) الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزَّه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلَّم فيهم، ولا بحث في حال من رَوَاها وقرَّرها، وإنَّما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا (٣) ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو فرض أن الشيخ ضلِّل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول (٤)؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها، أفتحصر الأمة في هذا [١٥٤] العدد اليسير الذين (٥) لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل شرحها من الأمة من يُعرف (٦) له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما أشد جنايتها!! .
وأمَّا كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجَّة فقد
_________
(١) في (ق): "أجمعت".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (المطبوعة): "شيخنا هذا".
(٤) في (ق): " الأولين) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "الذي".
(٦) ساقطة من (ق) .
وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا. ليت (١) هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحَوْر بعد الكور (٢) .
قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمر إليهم، أهم الحُكَّام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء (٣) وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق) . فيقال له (٤) هذا من مناقبهم وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع (٥) التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت (٦) النهي عن ذلك (٧) وقرر (٨) الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب
_________
(١) في (ق): (يا ليت) .
(٢) الحور بعد الكور: قال في "النهاية) (٤ / ٢٠٨)، مادة: "كور": أي: النقصان بعد الزيادة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا معهم. وأصله من نقض العمامة بعد لفها. وفيه استعاذة النبي ﷺ من الحور بعد الكور، رواه النسائي.
(٣) انظر:؟ .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "المنكرة ".
(٦) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "بالكتاب والسنة.
(٧) في (المطبوعة) زيادة: " أشد النهي) .
(٨) في (ق): "وقرروا".
فصل قال المعترض: (وقد أجمعت (١) الأمة أنها لا تجمع (٢) على ضلالة، وهذا يقول: اجتمعت وأجمعت. فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما (٣) دخل هؤلاء المدينة المنوَّرة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق.
ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا (٤) أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من علماء الأمة إلا منْ شاء الله من لا دخل المدينة المنوَّرة ورآها. وليست خفية؛ بل هي أشهر من "قفا نبكِ" (٥) وقد علم (٦) حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله أنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] الآية [آل عمران -١٦٩، ١٧٠] .
_________
(١) في (ق): "اجتمعت".
(٢) في (ق) و(خ): "تجتمع".
(٣) في (ق): "ولما".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): "فهل".
(٥) يقصد معلقة امرئ القيس المشهورة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (الله من)، وفي (خ) زيادة: " الله ".
ألم يعلم هذا الرجل أن النبي ﷺ في معراجه مرَّ بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة ﵁ في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحَّبوا به، وقد صلَّى بهم قبل في بيت المقدس (١) عند الصخرة عليه وعليهم (٢) أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم، أم (٣) يريد أن يمنع عنهم (٤) ما أعطاهم الله من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد (٥) تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو ﷺ أفضل أولي (٦) العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه (٧) بالفضل عيسى بن مريم ﵊ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى ﵇ من دون الله؟ . بل قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آل عمران -٥٩] .
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "من".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "الصخرة وعليهم ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) ساقطة من (ق) و(ح) و(المطبوعة) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "أولو"، وهو خطأ.
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "في الفضل ".
والجواب أن يقال: أما قوله: (إنَّ الشيخ يقول: اجتمعت (١) الأمة وأجمعت على ضلالة): فهذا من أبلغ (٢) الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزَّه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلَّم فيهم، ولا بحث في حال من رَوَاها وقرَّرها، وإنَّما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا (٣) ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو فرض أن الشيخ ضلِّل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول (٤)؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها، أفتحصر الأمة في هذا [١٥٤] العدد اليسير الذين (٥) لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل شرحها من الأمة من يُعرف (٦) له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما أشد جنايتها!! .
وأمَّا كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجَّة فقد
_________
(١) في (ق): "أجمعت".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (المطبوعة): "شيخنا هذا".
(٤) في (ق): " الأولين) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "الذي".
(٦) ساقطة من (ق) .
وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا. ليت (١) هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحَوْر بعد الكور (٢) .
قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمر إليهم، أهم الحُكَّام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء (٣) وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق) . فيقال له (٤) هذا من مناقبهم وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع (٥) التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت (٦) النهي عن ذلك (٧) وقرر (٨) الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب
_________
(١) في (ق): (يا ليت) .
(٢) الحور بعد الكور: قال في "النهاية) (٤ / ٢٠٨)، مادة: "كور": أي: النقصان بعد الزيادة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا معهم. وأصله من نقض العمامة بعد لفها. وفيه استعاذة النبي ﷺ من الحور بعد الكور، رواه النسائي.
(٣) انظر:؟ .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "المنكرة ".
(٦) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "بالكتاب والسنة.
(٧) في (المطبوعة) زيادة: " أشد النهي) .
(٨) في (ق): "وقرروا".
Translation
فصل في رد دعوى المعترض إجماع الأمة على قبول البردة والرضا بها
#76
Chapter 76 — حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة
· ref. #76
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
رسول الله ﷺ ولا خلفائه الراشدين (١) ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي، والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وما تركه أهل العلم من أهل (٢) القرون المفضَّلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه، وإلحاقه بشرِّ المحدثات، وطرائق أهل الضلالات، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلَّة والبراهين ما يقضي أن هذا من المحرمات والمنكرات التي تجب (٣) إزالتها، ولو خلت عن الإطراء والغلو، فكيف وقد اشتملت على (٤) ذلك (٥) .
وأمَّا رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا (٦) إلى الملوك لا إليهم، وقد تأخَّر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه، وقلَّ من يعرفه ويدريه.
[حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة]
وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم. . .) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر أبلغ
_________
(١) في (ح): "خلفاؤه الراشدون.
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "يجب.
(٤) في (المطبوعة): " من".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "على الكفر البواح والتكذيب الصارخ لكتاب الله ورسوله ".
(٦) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "كان".
من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا (١) الرجل: من أنهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي [١٥١] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها.
وقد قال تعالى (٢) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [آل عمران -١٤٤] .
قال بعض الأفاضل: نزَّل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٣) [آل عمران -١٤٤] . وقال تعالى: ﴿قُلْ (٤) إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن -٢١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص -٥٦] .
وقد قال لابنته (٥) وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد (٦) لا أغني عنك
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: "لأكرم خلقه وأفضل رسله (ليس لك من الأمر شيء)، وقال تعالى".
(٣) في (ق) زيادة: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا الآية.
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "لبنته".
(٦) في (المطبوعة): "اعملي فلن".
من الله شيئا» " (١) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، واتِّخاذ الأنداد والشفعاء (٢)؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرَّر كفر فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون (٣) لهم ضرًّا ولا نفعا، ولا (٤) موتا ولا حياة ولا نشورا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران -٨٠] . فأخبر تعالى أن قصدهم (٥) بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ (٦) لهم أربابا، وأنه كفر بعد الإسلام.
ودندنة (٧) هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأنَّ نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة (٨) حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك المطالب، وقد علم أنَّ النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من
_________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص (٢٩١)، هامش ٤.
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "من دونه".
(٣) في (المطبوعة): " لأنفسهم".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "يملكون"، حيث ساقت مساق الآية.
(٥) في (المطبوعة): "قصد أنبيائه ورسله".
(٦) في (الأصل) و(م): " اتخاذا"، وليس صوابا.
(٧) في (المطبوعة): "وشنشة".
(٨) في (المطبوعة): "وشنشة".
جوده (١) ﷺ ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة (٢) والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا ﷺ أفضل منه، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجُّوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة] (٣) وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران.
صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله، اللهمَّ (٤) مقلِّب القلوب ومصرفها صرِّف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك.
وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا) . فعبارة جاهل لا يفرّق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزمر -٣٠] .
[١٥٦] والحياة) (٥) البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء.
وقد تقدم أنَّ هذا الرجل أشبه برجال (٦) الجاهلية الأولى، لم (٧)
_________
(١) في (ق): " وجوده ".
(٢) في (ق): " الكرامات".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من بقية النسخ.
(٤) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "يا".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "ألصق الناس بـ".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): " ولم ".
يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء (١) .
وأمَّا ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى (٢) إِن يومَ الفصل
ميقاتهم (٣) أجمَعين [للدخان - ٤٠] .
وإنَّما أردنا بيان ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "بل ويحاول بظلماته أن ينقض ما جاء به الأنبياء ويريد أن يطفئ نور الله، والله متم نوره ولو كره هذا الكافر وشيعته الخاسرون".
(٢) في (ف) و(ح) زيادة: "قال تعالى".
(٣) في (ق): "كان ميقاتهم".
وأمَّا رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا (٦) إلى الملوك لا إليهم، وقد تأخَّر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه، وقلَّ من يعرفه ويدريه.
[حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة]
وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم. . .) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر أبلغ
_________
(١) في (ح): "خلفاؤه الراشدون.
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "يجب.
(٤) في (المطبوعة): " من".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "على الكفر البواح والتكذيب الصارخ لكتاب الله ورسوله ".
(٦) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "كان".
من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا (١) الرجل: من أنهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي [١٥١] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها.
وقد قال تعالى (٢) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [آل عمران -١٤٤] .
قال بعض الأفاضل: نزَّل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٣) [آل عمران -١٤٤] . وقال تعالى: ﴿قُلْ (٤) إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن -٢١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص -٥٦] .
وقد قال لابنته (٥) وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد (٦) لا أغني عنك
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: "لأكرم خلقه وأفضل رسله (ليس لك من الأمر شيء)، وقال تعالى".
(٣) في (ق) زيادة: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا الآية.
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "لبنته".
(٦) في (المطبوعة): "اعملي فلن".
من الله شيئا» " (١) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، واتِّخاذ الأنداد والشفعاء (٢)؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرَّر كفر فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون (٣) لهم ضرًّا ولا نفعا، ولا (٤) موتا ولا حياة ولا نشورا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران -٨٠] . فأخبر تعالى أن قصدهم (٥) بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ (٦) لهم أربابا، وأنه كفر بعد الإسلام.
ودندنة (٧) هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأنَّ نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة (٨) حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك المطالب، وقد علم أنَّ النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من
_________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص (٢٩١)، هامش ٤.
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "من دونه".
(٣) في (المطبوعة): " لأنفسهم".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "يملكون"، حيث ساقت مساق الآية.
(٥) في (المطبوعة): "قصد أنبيائه ورسله".
(٦) في (الأصل) و(م): " اتخاذا"، وليس صوابا.
(٧) في (المطبوعة): "وشنشة".
(٨) في (المطبوعة): "وشنشة".
جوده (١) ﷺ ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة (٢) والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا ﷺ أفضل منه، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجُّوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة] (٣) وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران.
صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله، اللهمَّ (٤) مقلِّب القلوب ومصرفها صرِّف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك.
وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا) . فعبارة جاهل لا يفرّق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزمر -٣٠] .
[١٥٦] والحياة) (٥) البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء.
وقد تقدم أنَّ هذا الرجل أشبه برجال (٦) الجاهلية الأولى، لم (٧)
_________
(١) في (ق): " وجوده ".
(٢) في (ق): " الكرامات".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من بقية النسخ.
(٤) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "يا".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "ألصق الناس بـ".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): " ولم ".
يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء (١) .
وأمَّا ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى (٢) إِن يومَ الفصل
ميقاتهم (٣) أجمَعين [للدخان - ٤٠] .
وإنَّما أردنا بيان ما جاء به رسول الله ﷺ من التوحيد والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "بل ويحاول بظلماته أن ينقض ما جاء به الأنبياء ويريد أن يطفئ نور الله، والله متم نوره ولو كره هذا الكافر وشيعته الخاسرون".
(٢) في (ف) و(ح) زيادة: "قال تعالى".
(٣) في (ق): "كان ميقاتهم".
Translation
حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا تدل على أنهم بقصدون للدعاء والاستغاثة
#77
Chapter 77 — فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه
· ref. #77
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه]
فصل قال المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه، فهل (١) من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا عند هذا الرجل؟ أو يقول إن الرسول ﷺ غير موجود أو أنه في عالم العدم؟ أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع بموته؟ فما بال صدِّيق هذه الأمة ﵁ يقول لخاتم المرسلين (٢) بعد موته يخاطبه: "اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك "، ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد موته، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة، وهذا الرجل يجعل هذا من الشرك الأكبر، فهو أعظم من الصدّيق وأقرب إلى الله تعالى ورسوله منه، وهل هذا من عبادة غير الله تعالى جلَّ ذكره في شيء؟ بل الكل من عند الله: الرسول ﷺ وما أعطيه لأمته، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون (٣) حديثا، وإنما الشرك- قاتلهم الله أنى يؤفكون-: طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولم يعطه (٤) أحدا من خلقه كهداية القلوب
_________
(١) في (المطبوعة): " قيل".
(٢) في (م): "الرسل".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "يكادون".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): "يعط".
وشفاء المريض، وإنبات النبات وطلب الذرية، ونحو ذلك، وكذلك قصد غيره بالعبادة من دونه ﵎.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] .
والجواب أن يقال: قاتل الله من أفَّك عن دينه وتوحيده (١) وما جاءت به الرسل من عنده، من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة، ورضي الله عمن دعا إلى توحيده وأمر بطاعته، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد له، وأن تصرف الوجوه إلى (٢) غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاءً.
وحاصل كلام هذا الرجل وتقريره (٣) أن الطلب من الرسول ﷺ أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه (٤) يسوغ ولا يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس بشرك، بل هو من جنس سؤال الأحياء من (٥) الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العادية، وهذا هو المقصود له من ردِّه واعتراضه من أول رسالته، ولم ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد، وإفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء [١٥٧] الموتى والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج منهم (٦) والمهمَّات من جهتهم،
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "وصده عن سبيله".
(٢) في (ق): "إليه".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " تقريره".
(٤) في (ق): "أو جاه".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) ساقطة من بقية النسخ.
ومن قال بأن رسول الله ﷺ بعد موته (١) أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية، وأنَّ ما جاز طلبه (٢) في الحياة يطلب منه بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد، وصدف عن توحيد الله العزيز الحميد، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين، ومذهب الجاهلين الأميِّين؛ بل صريح كلام هذا المعترض: أن الميت يسأل مما أعطيه، وأنه بيده يفعل ما يشاء من عطاء ومنع. وجمهور المشركين لم يقولوا هذا؛ وإنَّما قالوا: إنَّ الميت المعظم يقربهم إلى الله زلفى، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم. وأما المعترض فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته، لا على سبيل الوساطة، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم.
فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين، ولم يقتحموه خوف الشناعة والضلالة.
وحينئذٍ فيقال: هذه دعوى- وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة- دعوى كبيرة غليظة، ليست كغيرها من الدعاوى، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية، والقوانين المرضية، والسيرة السلفية، وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا، وقد قال بعض السلف: (ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس)، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنَّة رسول الله ﷺ وسيرة الخلفاء المهديين وأهل القرون المفضلة، أي آية وأية سنَّة، وأي عالم من أهل القرون
_________
(١) "بعد موته" ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) زيادة: "منه".
المفضلة (١) قال بهذا أو (٢) ذهب إليه؟ .
بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى، والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء وأضل الخلق، وأنه ممن عدل بربه وجعل له أندادا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي لغيره، وأنه أصل شرك العالم، وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في مواضع من كلامه، وكذلك ابن قيّم الجوزية (٤) قرَّر تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، وأنه أصل شرك العالم في كتابه "إغاثة اللهفان " (٥) وغيره، وابن عقيل كفَّر بطلب الحوائج من الموتى، ودسّ الرقاع فيها: (يا مولاي، افعل بي كذا وكذا) . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] . و(أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس -١٠٦] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون -١١٧] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآية [الأنعام -٤٠] .
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "ومن عرف بالفتنة، والدين بعد القرون المفضلة".
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): " أو".
(٣) في (ق) زيادة: "رحمه الله تعالى".
(٤) في (ق): "القيم الجوزي".
(٥) انظر: (٢ / ٢٣٢) .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [الإسراء -٥٦، ٥٧] .
قال طائفة من السلف: نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا (١) وقالت طائفة: نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على (٢) شركه، وقيل: نزلت في الملائكة.
قال شيخ الإسلام تقيّ الدين (٣) (والآية تعمّ هذا كله وكل من دعا معبودا من دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته، فإنه داخل في عمومها) .
والآية قبلها (٤) صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند الشدَّة، وأنهم إن أتاهم العذاب، أو أتتهم الساعة- وهي الحادث العمم- لا يدعون غير الله؛ ولا يلتفتون لسواه، ولذلك استدلَّ الله (٥) تعالى عليهم بذلك في معرض (٦) الأمر بتوحيده، وإفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدَّة، وأين هذا من طلب (٧) الأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره؟ والآيات قبلها دالَّة على تحريم دعاء الموتى مطلقا؛ لأنه
_________
(١) في (ق): "عزيرا والمسيح وأمه".
(٢) في (ح): "ولا".
(٣) انظر: "الرد على البكري" (٢ / ٥٣٨) .
(٤) في (المطبوعة): "وآية الأنعام".
(٥) لفظ الجلالة لم يرد في: (ق) و(م) .
(٦) في (ق): "معارض".
(٧) في (المطبوعة): " الاستغاثة بالأنبياء".
ليس من جنس الأسباب العادية، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلما بحاله، وسمعا ليس من جنس قدرة (١) العباد وعلمهم وسمعهم، والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، فما تقدَّم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء مسألة.
قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (٢) (وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق، يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]- إلى قوله- ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] [المائدة -٧٢، و٧٦] .
فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضرًّا ولا نفعا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق.
[١٥٩] قال تعالى (٣) ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٤) [الجن -٢١] .
_________
(١) في (الأصل) و(م) و(ح): "قدر"، فلعل التاء المربوطة سقطت أو هي كذلك مقصودة للجمع بضم أوله (قُدَر)، فالله أعلم.
(٢) انظر: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" ص (٢١٠) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "له".
(٤) هذه الآية كلها ساقطة من (ق) .
وقال تعالى في (١) ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] الآية [الأنعام
] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف -١٨٨]) . انتهى كلام ابن عبد الهادي.
وقول المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه؟ فهل من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا) .
فهذه شبهة واهية، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره، بعد رفعه إلى السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ بل ولا يجوز ذلك (٢) مطلقا قبل رفعه، والرسول ﷺ أُعطي الشفاعة (٣) بمعنى أنَّ الله يشفعه، ويحد له حدًّا يدخلهم الجنة، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه، وقد دلَّت الآيات والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده، وأنها لا تنال إلا بما ربطها الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص، كما دلَّت عليه الآيات الكريمات، وكما دلَّ عليه حديث أبي هريرة، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه تعالى، وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها، لا سيَّما بعد موته ﷺ ولم يدل دليل (٤) على مشروعية ذلك ولا فعله أحد
_________
(١) (المطبوعة) زيادة: "له".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ح): "شفاعة".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " شرعي".
يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه ﷺ وهدي من قبله من الأنبياء.
وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إنَّ الله أعطاهم ذلك، وملَّكهم إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (١) بها هذه العطايا والمواهب السَّنِيَّة.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤] الآية [الزمر -٤٤] . وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [﴾ [البقرة: ٢٥٥] البقرة -٢٥٥] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] [الأعراف -٥٠] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه.
_________
(١) في (ح): "يقيد".
[١٦٠] وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله.
وأما قول المعترض: (أو يقول: إنَّ الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم أو يقول: إنَّ جاهه عند ربه انقطع (١) بموته) .
فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء غير الله شرك، لا يلزم منه القول (٢) بأن الرسول ﷺ غير موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته (٣) «وقد "حرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (٤) ومع ذلك فهو ﷺ في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم (٥) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (٦) ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضَّل وأعطى، وهو اللطيف الخبير.
وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة] (٧) الدنيوية، يطلب منه ما كان
_________
(١) في (ق) و(م): (انقطع عند ربه".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (المطبوعة): "يبلغ صلاة أمته وسلامهم عليه ﷺ.
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٣١)، وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦)، وأحمد (٤ / ٨) .
تنبيه: وقع عند ابن ماجه في الموضع الأول (١٠٨٥) الحديث من رواية (شداد بن أوس)، وفي الموضع الثاني وعند أبي داود وأحمد (أوس بن أوس) .
(٥) في (ق): " وأرفعه".
(٦) في (ق) و(م): "حقيقته وكنهه".
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من (ق) و(م) أثبتها لضرورة استقامة السياق.
يطلب (١) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه.
فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنَة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا البحث (٢) فكم زلَّ فيه من قدم، وكم ضلَّ بالخرص (٣) فيه (٤) من أمم.
وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنَّما تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إنَّ جاهه ﷺ عند ربه انقطع (٥) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال.
وأمَّا قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك" (٦) فقد تقدَّم البيان (٧) بأنه من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عِظَم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين.
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " منه ".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " المبحث ".
(٣) في (ق): "في الخرص ".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) في (ق) و(م): "انقطع عند ربه".
(٦) في (ق) و(م) زيادة: "ولنكن من بالك".
(٧) في (ق): "بيانه". وانظر ذلك في ص (٣٣٥) .
وأمَّا تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله، والاستغاثة (١) به بعد موته ﷺ.
وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء ممَّا أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل من طلب شيئا [١٦١] مطلوبه (٢) وفي الحديث (٣) " «يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» " (٤) .
وأما قوله: (وإنَّما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من خلقه) .
فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأنَّ الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ وأنَّ الاستثناء من المِلْك (٥) في الآيتين لا يوجب إثبات
_________
(١) في (المطبوعة): "والاستعانة".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "بمطلوبه".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " الذي رواه البخاري وغيره".
(٤) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٣٥٢)، هامش ٢.
(٥) "من المِلك " ساقط من (المطبوعة) .
الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (١) الاستثناء منقطع، كما تقدَّم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: " «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . " (٢) وأمَّا تخصيص المعترض هداية القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه (٣) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه (٤) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله (٥» شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله ﷺ مع أصحابه لم يمنع من ذلك.
وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (٦) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه مسلم (١٦٣١)، وابن ماجه بمعناه (٢٤١، ٢٤٢) . الحديث.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "في " مكان "دلَّ عليه".
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "يستطيع".
(٥) في (ق): "إله".
(٦) في (ق): "يلزم".
أنَّه يجوِّز طلب الاستغفار من رسول الله ﷺ بعد موته.
ثم في قول البوصيري في الاستعاذة برسول الله ﷺ ونفى الإعاذة عمن (١) سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده، ما هو من أبلغ الصيغ في طلب النجاة من النار وإدخال الجنة، وهذا كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية فإنَّ من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأوَّل كتأويلكم (٢) كلام البوصيري فيقولون (٣) (إنَ الله أعطاهم جاها ومنزلة [١٦٢] وشفاعة، وإجابة لدعائهم، فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم الله وملَّكهم إياه) .
وليس قولكم: (إنَّ الله ملَّكه الشفاعة) بأحق من قول هؤلاء، فإن الشفاعة طلب ودعاء، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأطفال، وسائر من يشفع ويستجاب دعاؤه، وهذا عين قول الصابئة في عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان. والآية التي استدلَّ بها دليل على إبطال دعواه، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] . الآية من أوضح الأدلَّة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء
_________
(١) في (ق): "الاستعاذة بما".
(٢) في (ق) و(المطبوعة): "كتأويلهم".
(٣) في (ق): "فيقول".
صريح قولا وعملا، وقد دلَّت الآية على أن ذلك لله وحده لا شريك له؛ وأنه (١) قد أُمِرَ بذلك، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام الإسلامية، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه؟ .
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ﷺ ".
فصل قال المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه، فهل (١) من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا عند هذا الرجل؟ أو يقول إن الرسول ﷺ غير موجود أو أنه في عالم العدم؟ أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع بموته؟ فما بال صدِّيق هذه الأمة ﵁ يقول لخاتم المرسلين (٢) بعد موته يخاطبه: "اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك "، ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد موته، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة، وهذا الرجل يجعل هذا من الشرك الأكبر، فهو أعظم من الصدّيق وأقرب إلى الله تعالى ورسوله منه، وهل هذا من عبادة غير الله تعالى جلَّ ذكره في شيء؟ بل الكل من عند الله: الرسول ﷺ وما أعطيه لأمته، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون (٣) حديثا، وإنما الشرك- قاتلهم الله أنى يؤفكون-: طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولم يعطه (٤) أحدا من خلقه كهداية القلوب
_________
(١) في (المطبوعة): " قيل".
(٢) في (م): "الرسل".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "يكادون".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): "يعط".
وشفاء المريض، وإنبات النبات وطلب الذرية، ونحو ذلك، وكذلك قصد غيره بالعبادة من دونه ﵎.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] .
والجواب أن يقال: قاتل الله من أفَّك عن دينه وتوحيده (١) وما جاءت به الرسل من عنده، من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة، ورضي الله عمن دعا إلى توحيده وأمر بطاعته، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد له، وأن تصرف الوجوه إلى (٢) غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاءً.
وحاصل كلام هذا الرجل وتقريره (٣) أن الطلب من الرسول ﷺ أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه (٤) يسوغ ولا يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس بشرك، بل هو من جنس سؤال الأحياء من (٥) الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العادية، وهذا هو المقصود له من ردِّه واعتراضه من أول رسالته، ولم ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد، وإفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء [١٥٧] الموتى والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج منهم (٦) والمهمَّات من جهتهم،
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "وصده عن سبيله".
(٢) في (ق): "إليه".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " تقريره".
(٤) في (ق): "أو جاه".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) ساقطة من بقية النسخ.
ومن قال بأن رسول الله ﷺ بعد موته (١) أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية، وأنَّ ما جاز طلبه (٢) في الحياة يطلب منه بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد، وصدف عن توحيد الله العزيز الحميد، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين، ومذهب الجاهلين الأميِّين؛ بل صريح كلام هذا المعترض: أن الميت يسأل مما أعطيه، وأنه بيده يفعل ما يشاء من عطاء ومنع. وجمهور المشركين لم يقولوا هذا؛ وإنَّما قالوا: إنَّ الميت المعظم يقربهم إلى الله زلفى، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم. وأما المعترض فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته، لا على سبيل الوساطة، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم.
فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين، ولم يقتحموه خوف الشناعة والضلالة.
وحينئذٍ فيقال: هذه دعوى- وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة- دعوى كبيرة غليظة، ليست كغيرها من الدعاوى، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية، والقوانين المرضية، والسيرة السلفية، وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا، وقد قال بعض السلف: (ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس)، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنَّة رسول الله ﷺ وسيرة الخلفاء المهديين وأهل القرون المفضلة، أي آية وأية سنَّة، وأي عالم من أهل القرون
_________
(١) "بعد موته" ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) زيادة: "منه".
المفضلة (١) قال بهذا أو (٢) ذهب إليه؟ .
بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى، والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء وأضل الخلق، وأنه ممن عدل بربه وجعل له أندادا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي لغيره، وأنه أصل شرك العالم، وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في مواضع من كلامه، وكذلك ابن قيّم الجوزية (٤) قرَّر تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، وأنه أصل شرك العالم في كتابه "إغاثة اللهفان " (٥) وغيره، وابن عقيل كفَّر بطلب الحوائج من الموتى، ودسّ الرقاع فيها: (يا مولاي، افعل بي كذا وكذا) . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن -١٨] . و(أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس -١٠٦] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون -١١٧] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآية [الأنعام -٤٠] .
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "ومن عرف بالفتنة، والدين بعد القرون المفضلة".
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): " أو".
(٣) في (ق) زيادة: "رحمه الله تعالى".
(٤) في (ق): "القيم الجوزي".
(٥) انظر: (٢ / ٢٣٢) .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [الإسراء -٥٦، ٥٧] .
قال طائفة من السلف: نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا (١) وقالت طائفة: نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على (٢) شركه، وقيل: نزلت في الملائكة.
قال شيخ الإسلام تقيّ الدين (٣) (والآية تعمّ هذا كله وكل من دعا معبودا من دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته، فإنه داخل في عمومها) .
والآية قبلها (٤) صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند الشدَّة، وأنهم إن أتاهم العذاب، أو أتتهم الساعة- وهي الحادث العمم- لا يدعون غير الله؛ ولا يلتفتون لسواه، ولذلك استدلَّ الله (٥) تعالى عليهم بذلك في معرض (٦) الأمر بتوحيده، وإفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدَّة، وأين هذا من طلب (٧) الأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره؟ والآيات قبلها دالَّة على تحريم دعاء الموتى مطلقا؛ لأنه
_________
(١) في (ق): "عزيرا والمسيح وأمه".
(٢) في (ح): "ولا".
(٣) انظر: "الرد على البكري" (٢ / ٥٣٨) .
(٤) في (المطبوعة): "وآية الأنعام".
(٥) لفظ الجلالة لم يرد في: (ق) و(م) .
(٦) في (ق): "معارض".
(٧) في (المطبوعة): " الاستغاثة بالأنبياء".
ليس من جنس الأسباب العادية، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلما بحاله، وسمعا ليس من جنس قدرة (١) العباد وعلمهم وسمعهم، والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، فما تقدَّم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء مسألة.
قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (٢) (وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق، يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]- إلى قوله- ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] [المائدة -٧٢، و٧٦] .
فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضرًّا ولا نفعا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق.
[١٥٩] قال تعالى (٣) ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٤) [الجن -٢١] .
_________
(١) في (الأصل) و(م) و(ح): "قدر"، فلعل التاء المربوطة سقطت أو هي كذلك مقصودة للجمع بضم أوله (قُدَر)، فالله أعلم.
(٢) انظر: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" ص (٢١٠) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "له".
(٤) هذه الآية كلها ساقطة من (ق) .
وقال تعالى في (١) ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] الآية [الأنعام
] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [الأعراف -١٨٨]) . انتهى كلام ابن عبد الهادي.
وقول المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه؟ فهل من سأل عيسى ﵊ خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا) .
فهذه شبهة واهية، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره، بعد رفعه إلى السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ بل ولا يجوز ذلك (٢) مطلقا قبل رفعه، والرسول ﷺ أُعطي الشفاعة (٣) بمعنى أنَّ الله يشفعه، ويحد له حدًّا يدخلهم الجنة، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه، وقد دلَّت الآيات والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده، وأنها لا تنال إلا بما ربطها الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص، كما دلَّت عليه الآيات الكريمات، وكما دلَّ عليه حديث أبي هريرة، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه تعالى، وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها، لا سيَّما بعد موته ﷺ ولم يدل دليل (٤) على مشروعية ذلك ولا فعله أحد
_________
(١) (المطبوعة) زيادة: "له".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ح): "شفاعة".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " شرعي".
يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه ﷺ وهدي من قبله من الأنبياء.
وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إنَّ الله أعطاهم ذلك، وملَّكهم إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (١) بها هذه العطايا والمواهب السَّنِيَّة.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤] الآية [الزمر -٤٤] . وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [﴾ [البقرة: ٢٥٥] البقرة -٢٥٥] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] [الأعراف -٥٠] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه.
_________
(١) في (ح): "يقيد".
[١٦٠] وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله.
وأما قول المعترض: (أو يقول: إنَّ الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم أو يقول: إنَّ جاهه عند ربه انقطع (١) بموته) .
فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء غير الله شرك، لا يلزم منه القول (٢) بأن الرسول ﷺ غير موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته (٣) «وقد "حرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (٤) ومع ذلك فهو ﷺ في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم (٥) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (٦) ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضَّل وأعطى، وهو اللطيف الخبير.
وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة] (٧) الدنيوية، يطلب منه ما كان
_________
(١) في (ق) و(م): (انقطع عند ربه".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (المطبوعة): "يبلغ صلاة أمته وسلامهم عليه ﷺ.
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٣١)، وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦)، وأحمد (٤ / ٨) .
تنبيه: وقع عند ابن ماجه في الموضع الأول (١٠٨٥) الحديث من رواية (شداد بن أوس)، وفي الموضع الثاني وعند أبي داود وأحمد (أوس بن أوس) .
(٥) في (ق): " وأرفعه".
(٦) في (ق) و(م): "حقيقته وكنهه".
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من (ق) و(م) أثبتها لضرورة استقامة السياق.
يطلب (١) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه.
فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنَة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا البحث (٢) فكم زلَّ فيه من قدم، وكم ضلَّ بالخرص (٣) فيه (٤) من أمم.
وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنَّما تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إنَّ جاهه ﷺ عند ربه انقطع (٥) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال.
وأمَّا قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك" (٦) فقد تقدَّم البيان (٧) بأنه من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عِظَم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين.
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " منه ".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " المبحث ".
(٣) في (ق): "في الخرص ".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) في (ق) و(م): "انقطع عند ربه".
(٦) في (ق) و(م) زيادة: "ولنكن من بالك".
(٧) في (ق): "بيانه". وانظر ذلك في ص (٣٣٥) .
وأمَّا تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله، والاستغاثة (١) به بعد موته ﷺ.
وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء ممَّا أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل من طلب شيئا [١٦١] مطلوبه (٢) وفي الحديث (٣) " «يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» " (٤) .
وأما قوله: (وإنَّما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من خلقه) .
فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأنَّ الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ وأنَّ الاستثناء من المِلْك (٥) في الآيتين لا يوجب إثبات
_________
(١) في (المطبوعة): "والاستعانة".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "بمطلوبه".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " الذي رواه البخاري وغيره".
(٤) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٣٥٢)، هامش ٢.
(٥) "من المِلك " ساقط من (المطبوعة) .
الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (١) الاستثناء منقطع، كما تقدَّم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: " «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . " (٢) وأمَّا تخصيص المعترض هداية القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه (٣) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه (٤) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله (٥» شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله ﷺ مع أصحابه لم يمنع من ذلك.
وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (٦) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه مسلم (١٦٣١)، وابن ماجه بمعناه (٢٤١، ٢٤٢) . الحديث.
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "في " مكان "دلَّ عليه".
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "يستطيع".
(٥) في (ق): "إله".
(٦) في (ق): "يلزم".
أنَّه يجوِّز طلب الاستغفار من رسول الله ﷺ بعد موته.
ثم في قول البوصيري في الاستعاذة برسول الله ﷺ ونفى الإعاذة عمن (١) سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده، ما هو من أبلغ الصيغ في طلب النجاة من النار وإدخال الجنة، وهذا كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية فإنَّ من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأوَّل كتأويلكم (٢) كلام البوصيري فيقولون (٣) (إنَ الله أعطاهم جاها ومنزلة [١٦٢] وشفاعة، وإجابة لدعائهم، فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم الله وملَّكهم إياه) .
وليس قولكم: (إنَّ الله ملَّكه الشفاعة) بأحق من قول هؤلاء، فإن الشفاعة طلب ودعاء، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأطفال، وسائر من يشفع ويستجاب دعاؤه، وهذا عين قول الصابئة في عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان. والآية التي استدلَّ بها دليل على إبطال دعواه، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام -١٦٢، ١٦٣] . الآية من أوضح الأدلَّة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء
_________
(١) في (ق): "الاستعاذة بما".
(٢) في (ق) و(المطبوعة): "كتأويلهم".
(٣) في (ق): "فيقول".
صريح قولا وعملا، وقد دلَّت الآية على أن ذلك لله وحده لا شريك له؛ وأنه (١) قد أُمِرَ بذلك، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام الإسلامية، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه؟ .
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ﷺ ".
Translation
فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه
#78
Chapter 78 — فصل فيه الشفاعة المثبتة والمنفية والمقصود بملكية الشفاعة
· ref. #78
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه الشفاعة المثبتة والمنفية والمقصود بملكية الشفاعة]
فصل قال المعترض: (وقد قال هذا الرجل في موضع آخر تكلَّم به على قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة: ٤] . قال: فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك ذلك اليوم (١) عرف تخصيص هذه المسألة، وأن معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسَره الله به في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . ثم (٢) قال: فأين هذا المعنى والإيمان بما صرَّح به القرآن مع قوله ﷺ: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " (٣) من قول صاحب البردة في قوله (٤) .
ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي ... إذ (٥) الكريم تجلى باسم منتقم
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "الله".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص (٢٩١)، هامش ٤، وص (٣٨٧)، هامش ١.
(٤) "في قوله" سقط من (المطبوعة) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "إذا".
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا (١)؛ وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا، وإلا فقل: يا زلة القدم.
ثم قال: فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العلماء والعباد، وهل يجتمع في قلب عَبْد (٢) التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . وقوله: " «يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك (٣) من الله شيئا» "، والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون صادق، وأنَّ محمدا ﷺ صادق على الحق، وأنَّ أبا جهل صادق على الحق.
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
. فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة، ومن فتن بها من العلماء والعباد والزهاد عرف غربة الإسلام) . انتهى كلامه. ثم ذكر عند ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء -٥٧] . وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] [الرعد -١٤] . قال: (فهذا بعض معاني قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] بإجماع المفسرين.
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "محمد ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): "أغني عنكِ".
وهذا قوله لا قول المفسرين كما يزعم، بل سترى قول المفسرين، فبهذا الكلام ضرب كتاب الله بعضه ببعض، وكذلك سنَة رسول الله ﷺ وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات التي ورد بها الكتاب والسنَّة المتواترة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشهداء والأولياء والصالحين، والأطفال وغيرهم، فنفى بذلك جميع الشفاعات بما لا علم له به ولا دراية، أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم، حيث يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فكذلك الشفاعة إنما هي من عطائه لأوليائه؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، إكراما لهم بها؛ ليُغْبَطوا بها ذلك اليوم الذي ذكر هذا الرجل حيث يقول صاحب البردة: (إذ (١) الكريم تجلَّى باسم منتقم) . إذ الشفاعة منه ﵎ من الجزاء الجزيل، والفضل العميم، الذي لا تملك نفس لنفس شيئا ذلك اليوم استقلالا، بل الكل من عند الله: الشافع والمشفع والشفاعة) . وأطال الكلام بهذا المعنى، وأن الشفاعة لا تكون بيد أحد من دون الله، إذ الكل خلق الله وأسباب، وأن الشيخ لا يدري كلام الله ورسوله ﷺ وأنه جاهل بكلام العرب وبلاغتها التي نزل القرآن بلغتها، ولا يميز بين الكلام الإضافي من المطلق والاستقلالي، وأنشد قول جرير بن الخطفان: (٢) .
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "إذا".
(٢) في (المطبوعة): "الخطفي".
يقضي الكتاب على الصليب وتغلب ... ولكل منزل آية تأويل
. وزعم أن هذا خاص بالكافرين كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان -٢٦] . ثم قال: (فمن قضائه ﵎: تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به، كما صرَّح به علماء الأمة دون أهل الأهواء والبدع) . ثم ذكر عن البغوي في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . قال: (وهم عيسى وعزير (١) والملائكة، -فإنهم عبدوا من دون الله [١٦٤] تعالى ولهم الشفاعة (٢) وصحَّح هذا القول، فإذا كان ذلك (٣) كذلك كما وصفنا فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا من دون الله تعالى؟ بل (٤) ولم يقصد طلبه في الحال، وإنما استحضر كما قدمنا يوم القيامة حين تطلبه ﷺ جميع الخلائق؛ حيث علموا قربه من ربه جلَّ وعلا وما أعطاه من الكرامة والمقام المحمود) . والجواب: أن يقال لهذا الجهول، المفتري، المُخَلِّط. إنَما يضرب كتاب الله بعضه ببعض من ردَّ بعضه ببعض، واحتج ببعضه على خلاف ما دلَّ عليه البعض الآخر، كما يفعله أهل البدع
_________
(١) في (ق): "والعزير".
(٢) في (ق): "شفاعة".
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
والضلال، ومن رد ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] . وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] (١) [الانفطار -١٩] . ونحو هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] ونحوها. وزعم أن ملك الشفاعة مثبت، وأنه يقضي على هذه الآيات ويرد به ما دلت عليه، وهذا ضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، وفي المثل: "رمتني وانسلت". وأما من رد بكتاب الله كلام أهل الغلو والإطراء، واستدل بكتاب الله على بطلان غلو الغالين، وزيغ الزائغين، وتحريف المبطلين، فهذا هو المؤمن المهتدي، المحتج بكتاب (٢) الله على ما أنزل لأجله، المستضيء بنوره؛ المهتدي بهداه، المعتصم بحيله. وأما جحده أن يكون ما ذكر الشيخ هو كلام المفسرين: فهذا دليل على عدم علمه بكلام المفسرين، وقصور رتبته عن الاطلاع على معاني التنزيل، وكتب المفسرين موجودة بأيدي أهل العلم، وهم لا يختلفون أن المعنى: أنه المنفرد بالملك والتدبير ذلك اليوم، فلا تملك نفس لنفس شيئا، بخلاف حالهم في الدنيا، فإن أكثر الخلق نازع الرسل وعصى الأمر، واتبع السبل (٣)
_________
(١) في (ق) زيادة: والأمر يومئذ لله.
(٢) في (م): "بكلام".
(٣) في (ق): "السبيل".
فتفرقت بهم (١) عن سبيله (٢) وهذا المعنى دل عليه القرآن في غير موضع. وأما قوله: (وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات) (٣) فهذا أيضا صدر عن جهل عظيم؛ واعتقاد ذميم، فإن نفي (٤) الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بالتعلق على الأنبياء والصالحين ومسألتهم مع الله: منفية بالكتاب والسنة؛ وإجماع الأمة، وهذه هي التي نفاها الشيخ وأهل العلم قبله، وأما الشفاعة التي جاءت بها السنة، وقال بها الأئمة فهي مقيدة بقيود تمنع مسألة غير الله للشفاعة وطلبها من سواه، ولا تحصل إلا بتجريد التوحيد لله العزيز الحميد، كما تقدم في حديث أبي هريرة (٥) [١٦٥] . والمعترض جاهلي لا يفرق بين النوعين، فظهر أنه هو العديم (٦) العلم والدراية، الجاهل بأحكام الرواية والرعاية لكلام الله وكلام رسوله وكلام العرب، فإن العربي سليم الفطرة يعرف بلغته أن القيد في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥] . يفيد صرف الوجوه إلى من بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله (٧) ولا يتقدم أحد بين يديه إلا بإذن ورضى لما يقول، وأنه لا يرضى الشفاعة فيمن أشرك به وسوى بينه وبين عباده في خالص حقه.
_________
(١) في (ح): "به".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "سبيل الله".
(٣) في (ق) و(م): "الشفاعة".
(٤) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "من أسعد الناس بشفاعتك".
(٦) في (ق) و(ح): "عديم".
(٧) "وإليه يرجع الأمر كله" ساقطة من (ق) .
وقد نصَّ بعضهم على أنَّ هذا هو نكتة القيد في آيات الشفاعة. وأمَّا ما استدل به المعترض من أنَّ (١) الله جلَّ وعلا قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الوضع الآخر: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فهذا أيضا: يدل على كثافة فهمه وانسلاخه من العلم، فإن النصر المثبت لهم غير المنفي عنهم، فنصرهم لله قيامهم بما افترض عليهم من الدعوة إلى سبيله، وجهاد أعدائه باليد واللسان والجنان، وأما النصر المنفي عنهم فهو الظهور على العدو، وقتله وهزيمته وفشله، واضمحلال كيده. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] [الأنفال -١٧] . فأثبت الله لنبيّه (٢) ﷺ من الرمي ما يليق بحال البشر، وأما التأثير والإصابة والهزيمة بذلك الرمي وإيصاله إليهم فالله تعالى هو الفاعل له، الرامي في الحقيقة. فإذا تبيَّن هذا: فذلك دليل على أن الشفاعة التي تحصل بها النجاة والسعادة يد الله، وأن الشافع ليس بيده إلا مجرد الطلب والمسألة، بعد الإذن والرضى عمن شفع فيه، وأما القبول وتوفيق الشافع وإلهامه فكل هذا إلى الله وحده.
_________
(١) في (ق): "بأن".
(٢) في (م) و(ح): "له".
وأمَّا قوله: (فكذلك الشفاعة) . فيقال: إن كانت الشفاعة كذلك فهي منفية عن غير الله، كما أن النصر منفي عن غيره، والمثبت منها ومن النصر لا يوجب أن يطلب من الغائبين والأموات شيء ألبتة. وقد ذكر شيخ الإسلام في ردِّه على النصارى (١) أن النبوَّات متفقة على المنع من دعاء الغائبين والأموات، فلا يدعون لشفاعة ولا غيرها. فقول المعترض: (إنَّ الشفاعة من عطائه، ومن الجزاء والفضل) ونحو هذا لا يفيد طلبها من غير الله كالأموات والغائبين، وليس كل ما أعطي العبد يجوز أن يُطْلب منه، فإن هذا لا يقوله عاقل. وأما قوله: إن المراد في قوله: ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩]، ذلك اليوم استقلالا. فهذا لا يفيده لو سلَّمناه، فإنَّ من لا يستقلّ بفعل أصلا، ولا طاقة له على الاستقلال ليس بمالك ولا متصرف بمجرَّد مشيئته وإرادته، مع أن المعنى المراد الذي نصَّ عليه أعيان المفسرين: نَفْي المُلْك مطلقا استقلالا وغيره. وأما نسبة الشيخ إلى الجهل وعدم العلم ببلاغة العرب التي نزل بها [١٦٦] القرآن، وأنه لا يعرف الكلام الإضافي من المطلق. فيقال: كل ضال ومفترٍ ينحو هذا النحو؛ ولا يتحاشى من الفجور في (٢) الخصام، والمنافقون نسبوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ إلى
_________
(١) انظر: "الجواب الصحيح " (٣-١٣ و٤-٤٦٢) .
(٢) في (ق) و(م): "و".
السفاهة وعدم العقل، وقال فرعون وقومه في موسى وهارون ﵉ ما قالوا، فالعاقل لا يلتفت إلى هذا الكلام، لأنه معدود من اللغو والآثام، والنظر في كلام شيخنا وكلامك يقضي له عند من وقف عليه بالعلم والدراية ومعرفة الحقائق ومعاني التنزيل، وأنه يورد تقريره مطابقا للحال، وهذا عين البلاغة كما عرفوها وحدُّوها في كتب المعاني، فإن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم. وأما كلام هذا المعترض وهذيانه المكرر، وتكراره لألفاظه المستهجنة، ولحنه وتنافر تركيبه فهو من أدلَّة جهله وتفاهته (١)؛ وأنه لا صناعة ولا عناية ولا أدب، ولا فضيلة وأن حججه كما قيل:
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب.
وانظر إلى قوله: (أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم)، فإنَّ في استعماله المخارج في المعاني والمقاصد ما يقضي بجهله، وفي قوله: (وكلام العرب المنزل بلغتهم) ما يقضي بتفاهته (٢) وعدم معرفته للتراكيب؛ فإنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي؛ ولا يجوز الفصل هنا لِإيهامه اللبس. فلا تقول جاء زيد وجاء عمر القائم (٣) أبوه، تريد نعت زيد، بل يتعيَّن ترك الفصل هنا، فهذه الغلطات في نصف سطر، ولو تتبعت ما في كلامه من الخلل لطال الكلام، والقصد كشف شبهته ودحض حجته.
_________
(١) في (ك): "فهاهته".
(٢) في (ك): "فهاهته".
(٣) في (ق): "عمرو والقائم"، وفي (م): "عمرو القائم".
وأمَّا قوله: (إنَّ هذا خاص بالكافرين، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . فليس الأمر كما زعم، فإن نفي الملك عام، فلا يملك أحد ولو الأنبياء والملائكة، بل هو سبحانه المنفرد بالملك المختص به، وأما العسر، فنعم؟ خاص بالكافرين. ثم في قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . وفي (١) تخصيص العسر بهم ما يفيد أن العسر المطلق هو المختص، وأما المقيد فلا مانع من أن ينال المذنب من الموحدين منه ما يكفر به من سيئاته. وأما قول المعترض: (فمن قضائه ﵎ تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به كما صرَّح به علماء الأمة) . فيقال في جوابه: لم يرد لفظ التمليك في الكتاب والسنَّة إلا (٢) في معرض النفي والاستثناء ليس بنص ولا ظاهر في التمليك؟ بل هو كقوله: [١٦٧] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وقد نصَّ شيخ الإسلام ﵀ أنَّ هذا لا يفيد إثبات التكليف، ولا سلف لهذا المعترض وأمثاله في هذا القول، ولم يعرف إطلاقه عن
_________
(١) في (ق) و(م): " في ".
(٢) في (ق): "ولا".
أحد من أهل العلم، ولو سأل أحد طفلا من أطفال المؤمنين أن يشفع له لعده الناس من أجهل الخلق وأضلهم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر / ٤٤] . وقال تعالى في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥-١٠٥] . وهذا يدل على عدم الملك المؤمن والكافر؟ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥] . وقوله: (وهذا مما يجب الإيمان به) . يقال: إنما يجب الإيمان بما أخبر به الرسول، ودلَّ عليه الكتاب العزيز، من إثبات الشفاعة بإذن الله لمن شاء (١) من الموحدين، هذا الذي يجب الإيمان به، وأما الإيمان بأنهم مَلَكوا الشفاعة، وأنهم يدعون لها بعد الممات وفي المغيب، فهذا قول باطل لا أصل له، ولا يؤمن به إلا أهل الشرك الذين يدعون الأموات والغائبين مع الله. فهذا المعترض خلط الشركيات بالشرعيات، ولبس الحق بالباطل، والذي أنكره أهل البدع وعابه عليهم سلف الأمة وأئمتها هي الشفاعة التي جاءت بها الأخبار وصحَّت بها الآثار. وأما القول: (بأن علماء الأمة أنكروا على من أبطل الشفاعة الشركية؟ وصرحوا بثبوتها) فهو قول باطل، بل علماء الأمة أشد الناس إنكارا لها كما دلَّت عليه الآيات البيّنات.
_________
(١) في (ق): (يشاء) .
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي (١) الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] . فنفى هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ممن قصدوه وتوجَّهوا إليه، وسألوه رغبا ورهبا، كما يشفع المخلوق عند مثله من الملوك والأمراء والأكابر، هذه هي التي قامت بقلوب المشركين وتعلقوا على الأنبياء والملائكة (٢) والصالحين لأجلها، وهذه منفية كما مرَّ في آية يونس، وكما (٣) في آية الزمر، وكما في سورة الأحقاف في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ (٤) الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]) (٥) [الأحقاف - ١٨ - ٢٨] . وكما في آية (٦) سبأ: (﴿وَلَا (٧) تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ (٨) إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]) [سبأ: ٢٣] . وهي التي قصد هذا المعترض بقوله، إنَّ الله ملَّكهم [١٦٨] الشفاعة؟ وأنه يجب الإيمان بها، والسنَّة جاءت بإثبات شفاعة غير هذه،
_________
(١) ولا في" ساقطة من (ق) .
(٢) في (م): الملائكة "، بإسقاط الواو.
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "مر".
(٤) في (ح): " يضرهم "، وهو خطأ فاحش.
(٥) في (ق) زيادة: " (وذلك إفكهم) الآية ".
(٦) في بقية النسخ: "سورة ".
(٧) ساقطة من (ح) .
(٨) ساقطة من (المطبوعة) .
تنال (١) بتجريد التوحيد وإخلاصه كما في حديث أبي هريرة، وهي مملوكة لله وحده،. هو الذي يأذن ويعين للشافع ويحدّ له حدّا معينا مخصوصا، كما جاء صريحا في حديث الشفاعة، وهذا النوع من الشفاعة أنكره المعتزلة، وهم محجوجون بالكتاب والسنَّة، ولكن (٢) المعترض خلط ولم يميز بين ما نفاه القرآن وما نفته المعتزلة، ولم يعرف هذا النوع الثابت. وأما قوله: (إن البغوي فسَّر قوله (٣) ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . هم عيسى وعزير والملائكة، فإنهم عُبِدُوا من دون الله) . فقول البغوي هو أحد القولين في الآية، وقد تقدَّم الكلام في ذلك، وليس في هذا ما يستريح إليه المبطل، فإنهم يشفعون لمن شاء (٤) الله، ومُلك الشفاعة ليس بأيديهم، بل هو بيد (٥) الله الذي له ملك السماوات والأرض، فأي حجة في هذا على أنهم يُدْعون مع الله للشفاعة أو غيرها؟، ولكن هذا الملبس قَصْده إيهام السامع أن شيخنا ينكر الشفاعة التي قالها البغوي وأمثاله، وإنما إنكار الشيخ لعبادتهم ودعائهم، وأنهم يُسألون الشفاعة كما تُسأل سائر الملاك أملاكهم. وهذه الآية حجة للشيخ وإخوانه المؤمنين على أن الشفعاء لا يدعون
_________
(١) في (ح): "تناول") .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) "إن البغوي فسر قوله) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): "يشاء) .
(٥) في (ق): "بملك) .
ولا يقصدون ولا يعبدون؟ لأن الله أنكر ذلك على من قصد المسيح وعزيرا لأجله وهيَّأهم له، والتجأ إليهم في تحصيله ونيله (١) . فالآيات القرآنية وكلام المفسرين من أهل العلم حجة لنا، وشاهد للأمر بتجريد التوحيد وإخلاص الدين، والنزاع بيننا ليس في إثبات الشفاعة، وإنما هو في طلبها من الأموات والغائبين، والمعترض ملبس مموه، فنعوذ بالله من التلبيس المفضي بصاحبه إلى مرضاة إبليس. ثم قول المعترض: (فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا، بل ولم يقصد طلبه في الحال دائما استحضر يوم القيامة) . فجوابه: أن النزاع في نفس الطلب والدعاء لأجل الشفاعة، وأمَّا الاستقلال وعدمه فليس من محل النزاع، ومشركو العرب لا يدَّعون الاستقلال لآلهتهم، ولا يرونه، وإنما أتوا من حيث الوساطة والشفاعة، والشافع ليس بمالك لا حقيقة ولا مجازا، وغاية ماله الجاه والمنزلة، [١٦٩]، وهي المقصودة (٢) لجمهور المشركين من اليهود والنصارى وجاهلية العرب. ولا قائل باستقلال أحد من دون الله بشيء (٣) إلا الثنوية ومن على طريقتهم ممن يثبت خالقين وربين، وبهذا تعرف أن المعترض من أجلاف الجاهلية لا تمييز عنده بين شرك المشركين وتعطيل المعطلين، ودين أنبياء الله المرسلين، وليس عنده إلا خبط عشواء ومقالة عمياء، وكون صاحب البردة استحضر يوم القيامة، لا يكون عذرا له في دعاء
_________
(١) في (ق): "مع نيله) .
(٢) في (م) و(ح): "المقصود) .
(٣) في (ق) و(م): "بشيء من دون الله".
غير الله؛ بل مستحضر الشدَّة فدعاؤه (١) أبلغ في العبادة والخضوع والخوف والرجاء، والحب. والاعتقاد، وكان المشركون من العرب يتواصون في الشدائد بإخلاص الدعاء، ويرون أنه لا ينجي في الشدَّة إلا الله، كما في قصة عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ إلى اليمن، وقد ذكرها العلاَّمة ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين (٢) .
_________
(١) في (م): " دعاؤه".
(٢) لم أقف عليها في تفسير سورة المؤمنون عند ابن كثير، وأما القصة فمشهورة في كتب السيرة، وذكرها ابن حجر في ترجمة عكرمة من الإصابة، وابن جرير الطبري في التاريخ (٣ / ٥٩) .
فصل قال المعترض: (وقد قال هذا الرجل في موضع آخر تكلَّم به على قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة: ٤] . قال: فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك ذلك اليوم (١) عرف تخصيص هذه المسألة، وأن معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسَره الله به في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . ثم (٢) قال: فأين هذا المعنى والإيمان بما صرَّح به القرآن مع قوله ﷺ: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " (٣) من قول صاحب البردة في قوله (٤) .
ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي ... إذ (٥) الكريم تجلى باسم منتقم
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "الله".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص (٢٩١)، هامش ٤، وص (٣٨٧)، هامش ١.
(٤) "في قوله" سقط من (المطبوعة) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "إذا".
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا (١)؛ وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا، وإلا فقل: يا زلة القدم.
ثم قال: فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العلماء والعباد، وهل يجتمع في قلب عَبْد (٢) التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩] . وقوله: " «يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك (٣) من الله شيئا» "، والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون صادق، وأنَّ محمدا ﷺ صادق على الحق، وأنَّ أبا جهل صادق على الحق.
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
. فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة، ومن فتن بها من العلماء والعباد والزهاد عرف غربة الإسلام) . انتهى كلامه. ثم ذكر عند ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء -٥٧] . وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] [الرعد -١٤] . قال: (فهذا بعض معاني قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] بإجماع المفسرين.
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "محمد ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): "أغني عنكِ".
وهذا قوله لا قول المفسرين كما يزعم، بل سترى قول المفسرين، فبهذا الكلام ضرب كتاب الله بعضه ببعض، وكذلك سنَة رسول الله ﷺ وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات التي ورد بها الكتاب والسنَّة المتواترة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشهداء والأولياء والصالحين، والأطفال وغيرهم، فنفى بذلك جميع الشفاعات بما لا علم له به ولا دراية، أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم، حيث يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فكذلك الشفاعة إنما هي من عطائه لأوليائه؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، إكراما لهم بها؛ ليُغْبَطوا بها ذلك اليوم الذي ذكر هذا الرجل حيث يقول صاحب البردة: (إذ (١) الكريم تجلَّى باسم منتقم) . إذ الشفاعة منه ﵎ من الجزاء الجزيل، والفضل العميم، الذي لا تملك نفس لنفس شيئا ذلك اليوم استقلالا، بل الكل من عند الله: الشافع والمشفع والشفاعة) . وأطال الكلام بهذا المعنى، وأن الشفاعة لا تكون بيد أحد من دون الله، إذ الكل خلق الله وأسباب، وأن الشيخ لا يدري كلام الله ورسوله ﷺ وأنه جاهل بكلام العرب وبلاغتها التي نزل القرآن بلغتها، ولا يميز بين الكلام الإضافي من المطلق والاستقلالي، وأنشد قول جرير بن الخطفان: (٢) .
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "إذا".
(٢) في (المطبوعة): "الخطفي".
يقضي الكتاب على الصليب وتغلب ... ولكل منزل آية تأويل
. وزعم أن هذا خاص بالكافرين كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] [الفرقان -٢٦] . ثم قال: (فمن قضائه ﵎: تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به، كما صرَّح به علماء الأمة دون أهل الأهواء والبدع) . ثم ذكر عن البغوي في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . قال: (وهم عيسى وعزير (١) والملائكة، -فإنهم عبدوا من دون الله [١٦٤] تعالى ولهم الشفاعة (٢) وصحَّح هذا القول، فإذا كان ذلك (٣) كذلك كما وصفنا فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا من دون الله تعالى؟ بل (٤) ولم يقصد طلبه في الحال، وإنما استحضر كما قدمنا يوم القيامة حين تطلبه ﷺ جميع الخلائق؛ حيث علموا قربه من ربه جلَّ وعلا وما أعطاه من الكرامة والمقام المحمود) . والجواب: أن يقال لهذا الجهول، المفتري، المُخَلِّط. إنَما يضرب كتاب الله بعضه ببعض من ردَّ بعضه ببعض، واحتج ببعضه على خلاف ما دلَّ عليه البعض الآخر، كما يفعله أهل البدع
_________
(١) في (ق): "والعزير".
(٢) في (ق): "شفاعة".
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
والضلال، ومن رد ما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] [الفاتحة -٤] . وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] (١) [الانفطار -١٩] . ونحو هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] ونحوها. وزعم أن ملك الشفاعة مثبت، وأنه يقضي على هذه الآيات ويرد به ما دلت عليه، وهذا ضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، وفي المثل: "رمتني وانسلت". وأما من رد بكتاب الله كلام أهل الغلو والإطراء، واستدل بكتاب الله على بطلان غلو الغالين، وزيغ الزائغين، وتحريف المبطلين، فهذا هو المؤمن المهتدي، المحتج بكتاب (٢) الله على ما أنزل لأجله، المستضيء بنوره؛ المهتدي بهداه، المعتصم بحيله. وأما جحده أن يكون ما ذكر الشيخ هو كلام المفسرين: فهذا دليل على عدم علمه بكلام المفسرين، وقصور رتبته عن الاطلاع على معاني التنزيل، وكتب المفسرين موجودة بأيدي أهل العلم، وهم لا يختلفون أن المعنى: أنه المنفرد بالملك والتدبير ذلك اليوم، فلا تملك نفس لنفس شيئا، بخلاف حالهم في الدنيا، فإن أكثر الخلق نازع الرسل وعصى الأمر، واتبع السبل (٣)
_________
(١) في (ق) زيادة: والأمر يومئذ لله.
(٢) في (م): "بكلام".
(٣) في (ق): "السبيل".
فتفرقت بهم (١) عن سبيله (٢) وهذا المعنى دل عليه القرآن في غير موضع. وأما قوله: (وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات) (٣) فهذا أيضا صدر عن جهل عظيم؛ واعتقاد ذميم، فإن نفي (٤) الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بالتعلق على الأنبياء والصالحين ومسألتهم مع الله: منفية بالكتاب والسنة؛ وإجماع الأمة، وهذه هي التي نفاها الشيخ وأهل العلم قبله، وأما الشفاعة التي جاءت بها السنة، وقال بها الأئمة فهي مقيدة بقيود تمنع مسألة غير الله للشفاعة وطلبها من سواه، ولا تحصل إلا بتجريد التوحيد لله العزيز الحميد، كما تقدم في حديث أبي هريرة (٥) [١٦٥] . والمعترض جاهلي لا يفرق بين النوعين، فظهر أنه هو العديم (٦) العلم والدراية، الجاهل بأحكام الرواية والرعاية لكلام الله وكلام رسوله وكلام العرب، فإن العربي سليم الفطرة يعرف بلغته أن القيد في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥] . يفيد صرف الوجوه إلى من بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله (٧) ولا يتقدم أحد بين يديه إلا بإذن ورضى لما يقول، وأنه لا يرضى الشفاعة فيمن أشرك به وسوى بينه وبين عباده في خالص حقه.
_________
(١) في (ح): "به".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "سبيل الله".
(٣) في (ق) و(م): "الشفاعة".
(٤) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "من أسعد الناس بشفاعتك".
(٦) في (ق) و(ح): "عديم".
(٧) "وإليه يرجع الأمر كله" ساقطة من (ق) .
وقد نصَّ بعضهم على أنَّ هذا هو نكتة القيد في آيات الشفاعة. وأمَّا ما استدل به المعترض من أنَّ (١) الله جلَّ وعلا قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] [محمد -٧] . وقال في الوضع الآخر: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آل عمران -١٢٦، والأنفال -١٠] . فهذا أيضا: يدل على كثافة فهمه وانسلاخه من العلم، فإن النصر المثبت لهم غير المنفي عنهم، فنصرهم لله قيامهم بما افترض عليهم من الدعوة إلى سبيله، وجهاد أعدائه باليد واللسان والجنان، وأما النصر المنفي عنهم فهو الظهور على العدو، وقتله وهزيمته وفشله، واضمحلال كيده. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] [الأنفال -١٧] . فأثبت الله لنبيّه (٢) ﷺ من الرمي ما يليق بحال البشر، وأما التأثير والإصابة والهزيمة بذلك الرمي وإيصاله إليهم فالله تعالى هو الفاعل له، الرامي في الحقيقة. فإذا تبيَّن هذا: فذلك دليل على أن الشفاعة التي تحصل بها النجاة والسعادة يد الله، وأن الشافع ليس بيده إلا مجرد الطلب والمسألة، بعد الإذن والرضى عمن شفع فيه، وأما القبول وتوفيق الشافع وإلهامه فكل هذا إلى الله وحده.
_________
(١) في (ق): "بأن".
(٢) في (م) و(ح): "له".
وأمَّا قوله: (فكذلك الشفاعة) . فيقال: إن كانت الشفاعة كذلك فهي منفية عن غير الله، كما أن النصر منفي عن غيره، والمثبت منها ومن النصر لا يوجب أن يطلب من الغائبين والأموات شيء ألبتة. وقد ذكر شيخ الإسلام في ردِّه على النصارى (١) أن النبوَّات متفقة على المنع من دعاء الغائبين والأموات، فلا يدعون لشفاعة ولا غيرها. فقول المعترض: (إنَّ الشفاعة من عطائه، ومن الجزاء والفضل) ونحو هذا لا يفيد طلبها من غير الله كالأموات والغائبين، وليس كل ما أعطي العبد يجوز أن يُطْلب منه، فإن هذا لا يقوله عاقل. وأما قوله: إن المراد في قوله: ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] [الانفطار -١٩]، ذلك اليوم استقلالا. فهذا لا يفيده لو سلَّمناه، فإنَّ من لا يستقلّ بفعل أصلا، ولا طاقة له على الاستقلال ليس بمالك ولا متصرف بمجرَّد مشيئته وإرادته، مع أن المعنى المراد الذي نصَّ عليه أعيان المفسرين: نَفْي المُلْك مطلقا استقلالا وغيره. وأما نسبة الشيخ إلى الجهل وعدم العلم ببلاغة العرب التي نزل بها [١٦٦] القرآن، وأنه لا يعرف الكلام الإضافي من المطلق. فيقال: كل ضال ومفترٍ ينحو هذا النحو؛ ولا يتحاشى من الفجور في (٢) الخصام، والمنافقون نسبوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ إلى
_________
(١) انظر: "الجواب الصحيح " (٣-١٣ و٤-٤٦٢) .
(٢) في (ق) و(م): "و".
السفاهة وعدم العقل، وقال فرعون وقومه في موسى وهارون ﵉ ما قالوا، فالعاقل لا يلتفت إلى هذا الكلام، لأنه معدود من اللغو والآثام، والنظر في كلام شيخنا وكلامك يقضي له عند من وقف عليه بالعلم والدراية ومعرفة الحقائق ومعاني التنزيل، وأنه يورد تقريره مطابقا للحال، وهذا عين البلاغة كما عرفوها وحدُّوها في كتب المعاني، فإن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم. وأما كلام هذا المعترض وهذيانه المكرر، وتكراره لألفاظه المستهجنة، ولحنه وتنافر تركيبه فهو من أدلَّة جهله وتفاهته (١)؛ وأنه لا صناعة ولا عناية ولا أدب، ولا فضيلة وأن حججه كما قيل:
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب.
وانظر إلى قوله: (أولا: نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزَّل بلغتهم)، فإنَّ في استعماله المخارج في المعاني والمقاصد ما يقضي بجهله، وفي قوله: (وكلام العرب المنزل بلغتهم) ما يقضي بتفاهته (٢) وعدم معرفته للتراكيب؛ فإنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي؛ ولا يجوز الفصل هنا لِإيهامه اللبس. فلا تقول جاء زيد وجاء عمر القائم (٣) أبوه، تريد نعت زيد، بل يتعيَّن ترك الفصل هنا، فهذه الغلطات في نصف سطر، ولو تتبعت ما في كلامه من الخلل لطال الكلام، والقصد كشف شبهته ودحض حجته.
_________
(١) في (ك): "فهاهته".
(٢) في (ك): "فهاهته".
(٣) في (ق): "عمرو والقائم"، وفي (م): "عمرو القائم".
وأمَّا قوله: (إنَّ هذا خاص بالكافرين، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . فليس الأمر كما زعم، فإن نفي الملك عام، فلا يملك أحد ولو الأنبياء والملائكة، بل هو سبحانه المنفرد بالملك المختص به، وأما العسر، فنعم؟ خاص بالكافرين. ثم في قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] الفرقان -٢٦] . وفي (١) تخصيص العسر بهم ما يفيد أن العسر المطلق هو المختص، وأما المقيد فلا مانع من أن ينال المذنب من الموحدين منه ما يكفر به من سيئاته. وأما قول المعترض: (فمن قضائه ﵎ تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال، وتمكينهم من الشفاعة، وهذا مما يجب الإيمان به كما صرَّح به علماء الأمة) . فيقال في جوابه: لم يرد لفظ التمليك في الكتاب والسنَّة إلا (٢) في معرض النفي والاستثناء ليس بنص ولا ظاهر في التمليك؟ بل هو كقوله: [١٦٧] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وقد نصَّ شيخ الإسلام ﵀ أنَّ هذا لا يفيد إثبات التكليف، ولا سلف لهذا المعترض وأمثاله في هذا القول، ولم يعرف إطلاقه عن
_________
(١) في (ق) و(م): " في ".
(٢) في (ق): "ولا".
أحد من أهل العلم، ولو سأل أحد طفلا من أطفال المؤمنين أن يشفع له لعده الناس من أجهل الخلق وأضلهم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر / ٤٤] . وقال تعالى في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥-١٠٥] . وهذا يدل على عدم الملك المؤمن والكافر؟ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] [هود: ١٠٥] . وقوله: (وهذا مما يجب الإيمان به) . يقال: إنما يجب الإيمان بما أخبر به الرسول، ودلَّ عليه الكتاب العزيز، من إثبات الشفاعة بإذن الله لمن شاء (١) من الموحدين، هذا الذي يجب الإيمان به، وأما الإيمان بأنهم مَلَكوا الشفاعة، وأنهم يدعون لها بعد الممات وفي المغيب، فهذا قول باطل لا أصل له، ولا يؤمن به إلا أهل الشرك الذين يدعون الأموات والغائبين مع الله. فهذا المعترض خلط الشركيات بالشرعيات، ولبس الحق بالباطل، والذي أنكره أهل البدع وعابه عليهم سلف الأمة وأئمتها هي الشفاعة التي جاءت بها الأخبار وصحَّت بها الآثار. وأما القول: (بأن علماء الأمة أنكروا على من أبطل الشفاعة الشركية؟ وصرحوا بثبوتها) فهو قول باطل، بل علماء الأمة أشد الناس إنكارا لها كما دلَّت عليه الآيات البيّنات.
_________
(١) في (ق): (يشاء) .
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي (١) الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] . فنفى هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ممن قصدوه وتوجَّهوا إليه، وسألوه رغبا ورهبا، كما يشفع المخلوق عند مثله من الملوك والأمراء والأكابر، هذه هي التي قامت بقلوب المشركين وتعلقوا على الأنبياء والملائكة (٢) والصالحين لأجلها، وهذه منفية كما مرَّ في آية يونس، وكما (٣) في آية الزمر، وكما في سورة الأحقاف في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ (٤) الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]) (٥) [الأحقاف - ١٨ - ٢٨] . وكما في آية (٦) سبأ: (﴿وَلَا (٧) تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ (٨) إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]) [سبأ: ٢٣] . وهي التي قصد هذا المعترض بقوله، إنَّ الله ملَّكهم [١٦٨] الشفاعة؟ وأنه يجب الإيمان بها، والسنَّة جاءت بإثبات شفاعة غير هذه،
_________
(١) ولا في" ساقطة من (ق) .
(٢) في (م): الملائكة "، بإسقاط الواو.
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "مر".
(٤) في (ح): " يضرهم "، وهو خطأ فاحش.
(٥) في (ق) زيادة: " (وذلك إفكهم) الآية ".
(٦) في بقية النسخ: "سورة ".
(٧) ساقطة من (ح) .
(٨) ساقطة من (المطبوعة) .
تنال (١) بتجريد التوحيد وإخلاصه كما في حديث أبي هريرة، وهي مملوكة لله وحده،. هو الذي يأذن ويعين للشافع ويحدّ له حدّا معينا مخصوصا، كما جاء صريحا في حديث الشفاعة، وهذا النوع من الشفاعة أنكره المعتزلة، وهم محجوجون بالكتاب والسنَّة، ولكن (٢) المعترض خلط ولم يميز بين ما نفاه القرآن وما نفته المعتزلة، ولم يعرف هذا النوع الثابت. وأما قوله: (إن البغوي فسَّر قوله (٣) ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . هم عيسى وعزير والملائكة، فإنهم عُبِدُوا من دون الله) . فقول البغوي هو أحد القولين في الآية، وقد تقدَّم الكلام في ذلك، وليس في هذا ما يستريح إليه المبطل، فإنهم يشفعون لمن شاء (٤) الله، ومُلك الشفاعة ليس بأيديهم، بل هو بيد (٥) الله الذي له ملك السماوات والأرض، فأي حجة في هذا على أنهم يُدْعون مع الله للشفاعة أو غيرها؟، ولكن هذا الملبس قَصْده إيهام السامع أن شيخنا ينكر الشفاعة التي قالها البغوي وأمثاله، وإنما إنكار الشيخ لعبادتهم ودعائهم، وأنهم يُسألون الشفاعة كما تُسأل سائر الملاك أملاكهم. وهذه الآية حجة للشيخ وإخوانه المؤمنين على أن الشفعاء لا يدعون
_________
(١) في (ح): "تناول") .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) "إن البغوي فسر قوله) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): "يشاء) .
(٥) في (ق): "بملك) .
ولا يقصدون ولا يعبدون؟ لأن الله أنكر ذلك على من قصد المسيح وعزيرا لأجله وهيَّأهم له، والتجأ إليهم في تحصيله ونيله (١) . فالآيات القرآنية وكلام المفسرين من أهل العلم حجة لنا، وشاهد للأمر بتجريد التوحيد وإخلاص الدين، والنزاع بيننا ليس في إثبات الشفاعة، وإنما هو في طلبها من الأموات والغائبين، والمعترض ملبس مموه، فنعوذ بالله من التلبيس المفضي بصاحبه إلى مرضاة إبليس. ثم قول المعترض: (فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا، بل ولم يقصد طلبه في الحال دائما استحضر يوم القيامة) . فجوابه: أن النزاع في نفس الطلب والدعاء لأجل الشفاعة، وأمَّا الاستقلال وعدمه فليس من محل النزاع، ومشركو العرب لا يدَّعون الاستقلال لآلهتهم، ولا يرونه، وإنما أتوا من حيث الوساطة والشفاعة، والشافع ليس بمالك لا حقيقة ولا مجازا، وغاية ماله الجاه والمنزلة، [١٦٩]، وهي المقصودة (٢) لجمهور المشركين من اليهود والنصارى وجاهلية العرب. ولا قائل باستقلال أحد من دون الله بشيء (٣) إلا الثنوية ومن على طريقتهم ممن يثبت خالقين وربين، وبهذا تعرف أن المعترض من أجلاف الجاهلية لا تمييز عنده بين شرك المشركين وتعطيل المعطلين، ودين أنبياء الله المرسلين، وليس عنده إلا خبط عشواء ومقالة عمياء، وكون صاحب البردة استحضر يوم القيامة، لا يكون عذرا له في دعاء
_________
(١) في (ق): "مع نيله) .
(٢) في (م) و(ح): "المقصود) .
(٣) في (ق) و(م): "بشيء من دون الله".
غير الله؛ بل مستحضر الشدَّة فدعاؤه (١) أبلغ في العبادة والخضوع والخوف والرجاء، والحب. والاعتقاد، وكان المشركون من العرب يتواصون في الشدائد بإخلاص الدعاء، ويرون أنه لا ينجي في الشدَّة إلا الله، كما في قصة عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ إلى اليمن، وقد ذكرها العلاَّمة ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين (٢) .
_________
(١) في (م): " دعاؤه".
(٢) لم أقف عليها في تفسير سورة المؤمنون عند ابن كثير، وأما القصة فمشهورة في كتب السيرة، وذكرها ابن حجر في ترجمة عكرمة من الإصابة، وابن جرير الطبري في التاريخ (٣ / ٥٩) .
Translation
فصل فيه الشفاعة المثبتة والمنفية والمقصود بملكية الشفاعة
#79
Chapter 79 — فصل في منع ترتيب دعائه ﵇ على أن جاهد في مزيد دائم
· ref. #79
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في منع ترتيب دعائه ﵇ على أن جاهد في مزيد دائم]
فصل قال المعترض: (ومرَّ قول أبي العباس ابن تيمية على كلام ابن (١) البكري في معنى الاستغاثة به ﷺ بعد موته، وأنه بعد موته في مزيد دائم عند ربه- بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ بعد موته إذ جاهه ﷺ في مزيد دائم بعد موته عند ربه جل وعلا وتعرض عليه أعمال أمته، فيستغفر لمن رأى شرّا في عمله، كما ذكرنا بيانه على كلام صاحب البردة وتوجيهه على الأمر المرضي، لا على الجهل والإغواء وتكفير هذه الأمة) . والجواب أن يقال: قد تقدم الكلام على عبارة شيخ الإسلام أبي العباس، وبيان ما في نقل هذا المعترض من التلبيس والتحريف، وأنه كذب في النقل بما أبداه من التحريف والتبديل. وأما قوله: (إن جاهه ﷺ في مزيد دائم) فنعم؛ ولكن ليس فيه أنه يُدْعى من دون الله أو يُرْجى، وأما عرض أعمال الأمة عليه، فليس فيه حجة على أنه يدعى للشفاعة ولا غيرها؟ أل قد روي، (٢) على أبويّ
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) يقتضيها السياق.
الإنسان يعرض سعيه، فهل يقال بسؤالهم ودعائهم؟ . وأما ما (١) زعمه: من أنه وجه كلام صاحب البردة على الأمر المرضي، فليس الأمر كذلك، وإنما زاده شناعة وجهلا لو جاريناه على زعمه.
_________
(١) ساقطة من (ح) و(م) و(المطبوعة) .
فصل قال المعترض: (ومرَّ قول أبي العباس ابن تيمية على كلام ابن (١) البكري في معنى الاستغاثة به ﷺ بعد موته، وأنه بعد موته في مزيد دائم عند ربه- بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ بعد موته إذ جاهه ﷺ في مزيد دائم بعد موته عند ربه جل وعلا وتعرض عليه أعمال أمته، فيستغفر لمن رأى شرّا في عمله، كما ذكرنا بيانه على كلام صاحب البردة وتوجيهه على الأمر المرضي، لا على الجهل والإغواء وتكفير هذه الأمة) . والجواب أن يقال: قد تقدم الكلام على عبارة شيخ الإسلام أبي العباس، وبيان ما في نقل هذا المعترض من التلبيس والتحريف، وأنه كذب في النقل بما أبداه من التحريف والتبديل. وأما قوله: (إن جاهه ﷺ في مزيد دائم) فنعم؛ ولكن ليس فيه أنه يُدْعى من دون الله أو يُرْجى، وأما عرض أعمال الأمة عليه، فليس فيه حجة على أنه يدعى للشفاعة ولا غيرها؟ أل قد روي، (٢) على أبويّ
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) يقتضيها السياق.
الإنسان يعرض سعيه، فهل يقال بسؤالهم ودعائهم؟ . وأما ما (١) زعمه: من أنه وجه كلام صاحب البردة على الأمر المرضي، فليس الأمر كذلك، وإنما زاده شناعة وجهلا لو جاريناه على زعمه.
_________
(١) ساقطة من (ح) و(م) و(المطبوعة) .
Translation
فصل في منع ترتيب دعائه ﵇ على أن جاهد في مزيد دائم
#80
Chapter 80 — فصل فيه إبطال دعوى المعترض أن الشفاعة تطلب من الرسول ﵇ بعد موته
· ref. #80
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه إبطال دعوى المعترض أن الشفاعة تطلب من الرسول ﵇ بعد موته]
فصل قال المعترض: (وقوله ﷺ لفاطمة ﵂ ولأقاربه وعشيرته ذلك حضًّا لهم على الإيمان به، وبالذي أرسله بأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا؟ ليحصل لهم النفع به ﷺ بذلك؟ وبعطاء الله تعالى الذي أعطاه لأمته إكراما له في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى / ٥] . لئلا يكونوا من الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، (وفي ذلك دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين) (١)؟ حيث نفى عن (٢) الكفار المعرضين عن التذكرة التي أرسل بها ﷺ حتي نفعت شفاعته (٣) عمه أبا طالب بالتخفيف كما مر عنه ﷺ، حيث حماه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة، فقوله ﷺ: " «لا أغني عنكم (٤) من الله شيئا» " (حين خصص وعمم حتى قال: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ") (٥) فالمقصود: إن لم تؤمن بالله وتشهد (٦) أن لا إِله إلا الله، وأني
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): " شفاعة الشافعين ".
(٤) في (م) و(المطبوعة): "عنك ".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "تؤمني بالله وتشهدي".
رسول الله، وإلا فقد أغنى عن أمته بالتخفيف من الشرائع والتسهيل من عند ربه؟ وأمره ﵎ أن يستغفر لهم حتى امتد ذلك لهم بعد موته عند العرض لأعمالهم عليه ﷺ في البرزخ واستغفاره شفاعة، وهل شفاعته لهم إلا غناؤه عنهم ﷺ، وإلا فما معنى قوله ﷺ لعمه: " «قل لا إِله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» " (١) إذا، كما في الصحيحين وغيرهما؟) .
والجواب أن يقال: قوله ﷺ لابنته وبضعته، سيدة نساء أهل الجنة: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " من أظهر الأدلة على وجوب توحيد الله، وترك دعاء (٢) غيره، و(٣) لو نبيا أو ملكا، فكذلك قوله لعمته صفية وعمه العباس وسائر بطون قريش، وأقاربه الأدنين، كل هذا يبطل قول المعترض زعمه أن الشفاعة تطلب من الرسول بعد موته، ويقصد لها؟ .
فإن في هذه الأحاديث أن الإنسان ليس له إلا سعيه وإيمانه، وأن ترك ذلك والتفريط فيه تعلقا على الأنبياء ورجاء لشفاعتهم هو عين الجهل ونفس الضلال، وجاه الأنبياء والأولياء والصالحين إنما ينال به (٤) أمر فوق الإغناء عن الأقارب وغيرهم (٥) . وفي قول المعترض: (إن في قوله ذلك حضًّا لهم على الإيمان به وبالذي أرسله) صحيح المعنى، وهو دليل على أنه لا يغني ولا ينجي إلا ذلك.
_________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٤)، وأحمد (٥ / ٤٣٣) .
(٢) في (ق) و(م): "عبادة".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: " ودعاؤه".
(٤) في (ق): (ينال) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: " كالسعادة والزلفى ".
فليس في قول المعترض في هذا الحديث ما يدل على دعواه، وإن الإيمان مطلوب ليحصل النفع، فإن هذا كلام ركيك وإنما يطلب الإيمان لتحصيل مغفرة الله ورحمته ودخول دار كرامته، والنجاة من عذابه وعقابه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] والآية بعدها، [الصف - ١٠، ١١] .
وفي هذا أن الأمر بالإيمان، والتزامه، والجهاد في سبيل الله (١) إنَّما أمر به ليحصل للعبد ما وعد به المؤمن، وما رتب على الإيمان في هذه الآيات ونحوها، لا (٢) أنه أمر بالإيمان ليشفع الرسول فيه، وأكابر الأمة والسابقون الأولون والسبعون ألفا المذكورون في حديث ابن عباس كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (ولا شفاعة لأحد، في دخولهم) (٣) .
وفي الحديث: أنَّ الشفاعة ليست للمؤمنين المتَّقين، وإنما هي للمذنبين المتلوثين، فافهم هذا تعرف به (٤) أنَّ هذا الرجل ألحد في الحديث وصرفه عما دلَّ عليه، وكذب على رسول الله بنسبة هذا التأويل إليه، اللهمَّ إلا أن يريد بقوله: ليحصل لهم (٥) النفع به ﷺ) هذا المعنى فهو صحيح، وهو الواسطة ﷺ بين العباد وبين ربهم في إبلاغ رسالته، وبيان ما يوجب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لكن هذا
_________
(١) في (ق): "سبيله".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) و(المطبوعة) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) ساقطة من (ق) .
لا (١) يدل على ما ادعاه هذا المبطل، وظاهر كلامه خلاف هذا الذي ذكرنا، وأنه يريد ليحصل لهم النفع بدعائه ﷺ الشفاعة منه بعد مماته، ومن قصد هذا وزعم أن الرسول أراده بقوله: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " فقد ألحد (٢) في حديث رسول الله ﷺ وحرَّف كلامه، وأخرجه عن موضوعه (٣) (إلى نقيضه وعكسه، وهذا من أعظم الجهل وأضله) (٤) . ومن فهم من أدلة التوحيد نقيض ما دلَّت عليه فقد جاءته الآفة والبلية من جهة موت قلبه أو مسخه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] [المائدة -٤١] .
وأما إعطاء الله له ما يرضيه: فهذا وعد صدق، والله لا يخلف الميعاد. والمفسِّرون اختلفت أقوالهم في هذا، وعلى القول بأنه الشفاعة، فهو من الأدلة على أن الله هو المالك لها، المتصرف فيها، وأنه لا يدعى لها (٥) أحد سواه.
وأما كون المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين: فهذا أيضا ليس فيه دليل لهذا المبطل بوجه من الوجوه، والنزاع في غير هذا (٦) .
_________
(١) في (ق): "ما".
(٢) في (ح): "حد".
(٣) في (ق): " موضعه ".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٥) في (ق): " إلها ".
(٦) في (ق): (غيره) .
وأما قوله: (فالمقصود لا أغني عنكم من الله شيئا إن لم تؤمنوا، وأنهم إن آمنوا أغنى عنهم) . فقد كَذَب هذا المعترض على رسول الله (١) ﷺ بنسبة هذا التأويل إليه، وكلامه ﷺ عام شامل، وبعض من خوطب بهذا الخطاب قد آمن بالله ورسوله، كفاطمة وبعض بني هاشم وبعض قريش، ولو كان المراد ما زعمه هذا المبطل لم يحسن خطاب المؤمنين بهذا، ولعد مثل هذا الكلام لهم، وهو (٢) قوله: " «لا أغني عنكم من الله شيئا» "، إذا كان يغني (٣) بزعم هذا الجهول الضال فسبحان من طبع (٤) على قلبه حتى اقتحم على الجناب النبوي ومقام الرسالة، ونسب إليه ما قد برئ منه بشهادة الله وملائكته وأولي العلم من خلقه.
وبهذا الكلام والتحريف ضل أهل الكتاب ومن (٥) قبلهم، ونسخت أديان الأنبياء، وظهر الشرك في الأرض وفشا، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل الإنجيل أنه قال في بعض نصائحه عما يوقع في المحرمات وكبائر الذنوب: (إنَّ المبالغة في تعظيم العباد، وتنزيلهم فوق منازلهم يوقع في الشرك بالله؛ وعبادة (٦) سواه)، ذكر
_________
(١) في بقية النسخ: "الرسول".
(٢) "هو" ساقطة من (ق) .
(٣) في بقية النسخ زيادة: "عنهم- خبرا غير مطابق وقولا غير موافق، لأنه يغني".
(٤) في (ق): "طبق".
(٥) في (ق): (من) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "ما".
هذا أو (١) نحوا منه في كتابه هداية الحيارى. وقول المعترض: (وإلا فقد أغنى بالتخفيف من الشرائع، وأن يستغفر لهم) . فالتخفيف من الشرائع يشير به إلى وضع ما كان على أهل الكتاب من الأصار والأغلال والأثقال، ومعلوم أنَّ الله ﷾ هو الذي شرع هذا وأمره به وأوحاه إليه، وإنما يضاف إليه؛ لأنه مبلغ عن الله، (كما يقال: قال الرسول ﷺ كذا فيما بلغه عن الله، ويقال أيضا: وضع كذا وفعل كذا، فيما صدر عن وحي وتوقيف، والرسول مبلغ عن الله) (٢) لا أنه يفعل بمشيئته واختياره.
وأما الاستغفار: فقد تقدَّم أنه لا يدل على الطلب منه بعد وفاته ﷺ.
وفي كلام هذا المعترض من فساد التركيب، وهجنة العبارة ما يقضي بما تقدَّم تقريره من الكشف عن جهالته، وعدم ممارسته، ومن ذلك قوله: (حضا لهم على الإيمان ليحصل لهم النفع به، لئلا يكون (٣) من الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين) .
وفي قوله: (حماه عنه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة) . فهو تركيب فاسد، ولم يقصد أبو طالب إلا الحمية فقط.
وأمَّا قوله: (وإلا فما معنى (٤) قوله ﷺ لعمّه: " «قل لا إله إلا الله
_________
(١) في (م): "و".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ق): " يكونوا ".
(٤) في (ق): "فمعنى".
كلمة أحاج لك بها عند الله» إذا كما في الصحيحين وغيرهما) (١) .
فمعناه: إنه لا يغنى عنه (٢) ولا ينقذه، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه قال لابنته فاطمة: " «إني لأرى الأجل قد اقترب؛ فاتقي الله تعالى واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك» " (٣) وعنه ﷺ من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، رواه الطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وصحَّحه (٤) وأي سبب أعظم من الإيمان به، وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه؟ إذ هذا من أعظم الأسباب وأجلها، وفي الحديث: " «المرء مع من أحب» " (٥) ثم ذكر حديث جابر فيما يقال عند سماع النداء (٦) وحديث أبي هريرة في الشفاعة (٧) والشهادة لمن صبر على لأواء المدينة (٨)
_________
(١) في (الأصل) و(ح) و(المطبوعة): "وغيره"، وما أثبته أنسب للسياق.
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٨٥، ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠، ٩٨، ٩٩)، وأحمد (٦ / ٢٨٢) من حديث فاطمة.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٣ / ٤٤)، والحاكم (٣ / ١٤٢)، والبيهقي (٧ / ٦٤، ١١٤) . والظاهر أنه منقطع، وانظر: "علل الدارقطني" (٢ / ١٨٩) .
(٥) هو في الصحيحين، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٢٧٥)، هامش ٦.
(٦) من قوله: "اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة"، أخرجه البخاري (٦١٤، ٤٧١٩) .
(٧) وفيه: "من أسعد الناس بشفاعتك"؟ وقد أخرجه البخاري وأحمد وغيرهما، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٠)، هامش ٥.
(٨) أخرجه مسلم (١٣٧٨)، والترمذي (٣٩٢٤)، وأحمد (٢ / ٢٨٧، ٣٤٣، ٣٩٧) .
وحديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع (١) لمن يموت بها» " (٢) ثم قال: (وهل هذا إلا إغناء منه ﷺ لقرابته وأمته؟ وإنَّما نفى ﵎ أن يكون في يوم الدين ملكا- هكذا قالها بالنصب- لأحد من خلقه، كما في الدنيا، وإنَّما هو يوم جزاء وتفضل منه جلَّ وعلا وعدل بين الناس، وعلى الكفار، ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف -٨٦] . وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم -٨٧] .
قال العلماء: وهي شهادة الحق، وأخصَّهم (٣) بذلك الرسل عليهم (٤) الصلاة والسلام، وأتباعهم على درجاتهم، ومعنى الآية، قال البغوي (٥) لا يُمَلِّك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا.
وقال عصام في تفسيره على الآية: فكل ما يفعل ذلك اليوم لأجل الله تعالى، ولا يفعل شيء في ذلك اليوم كما يفعل في الدنيا، حتى لا يرجو الكذاب أن ينفعه أحد لغرض فاسد، ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
_________
(١) في (م): "لشفيع".
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩١٧)، وابن ماجه (٣١١٢)، وأحمد (٢ / ٧٤، ١٠٤)، (٩ / ٥٧)، والبيهقي (١ / ٩٠٣، ح ١٩٥٨) .
(٣) في (ق): " وأحظهم".
(٤) في (ق): "عليه ".
(٥) الذي في البغوي (٣ / ١٧٥) خلاف ما ذكره المعترض تماما، فلعل هذا من تحريفه وتزويقه أيضا.
والجواب أن يقال: أما معنى قول النبي ﷺ لأبي طالب: " «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» "، فهذه الكلمة هي الفارقة بين المؤمن والكافر والمسلم والمشرك، فمن قالها موقنا بها خالصا من قلبه ومات على ذلك نفعته بلا ريب، ونجا بها من الشرك الأكبر، وربَّما نجا من الأصغر.
وقد وعد الله تعالى من مات على ذلك بالجنَّة والنجاة من النار، كما في حديث عتبان: " «فإن الله حرَّم على النار من قال لا إِله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» " (١) وهذا الحديث مطابق لقوله ﷺ: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» "، فإن السبب الذي تحصل به النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة هو ما أرشد إليه عمه، وقاله لابنته وهو الإيمان بالله وترك التعلُق على غيره، واتّخاذ الشفعاء والأنداد، وهذا محض التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص، فالأحاديث النبوية يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض.
وكذلك قوله ﷺ لابنته: " «فإنه نعم السلف أنا لك» "، وهو سلف لكل مؤمن وفرَط لهم لكن ليس فيه أنه سلف لمن تعلَّق عليه ودعاه مع الله؛ ولا أن السلف يهيِّئ غير ما أمر به وأرشد إليه، ولا أنه يدعى ويرجى للشفاعة وغيرها، فليس في هذه الأحاديث أنه يغني حتى يضرب كلامه ﷺ بعضه ببعض ويرد عليه، ويقال: بل يغني. فإن هذا مشاقة لله ولرسوله، ورد لمقاله وتقدَّم بين يديه. وهو حرفة (٢) الجاهلين الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يفقهوا عن الله ورسوله (٣) .
_________
(١) أخرجه البخاري والطيالسي وتقدم، انظر: ص (١٣٤)، هامش ٥.
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "الضالين".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "وليس هذا الحديث في الصحيحين كما زعم هذا المرتاب وهو من أقل الناس حظا في معرفة الكتاب والسنَّة ومعرفة الأسانيد والمخرجين، وقد يجد بعض الكتب في كوة الدار فينقل منها من غير دراية لمصطلح أهل الآثار والأخبار.
يظن الغمر أنَ الكتب تنبي ... أخافهم لإدراك العلوم ".
وكذلك حديث: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، فهذا الحديث تكلَّم فيه الحفاظ وتواردته أنظار أكابر الرجال، والجزم بصحته، وأنَّ الرسول ﷺ قاله يحتاج إلى مراجعة ونظر في كلامهم، وعلى تسليم صحَّته فلا معارضة فيه لحديث: " «لا أغني عنك (١) من الله شيئا» "، فإن السبب المضاف إليه ﷺ هو ما جاء به من الإيمان والتوحيد، والإنذار والأخبار بأنه لا يغني من الله شيئا.
وأمَّا النسب: فيُفسر هذه الكلمة ويبينها قوله في حديث العباس: " «والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم من أجلي» " (٢) فمن أحبَّ هذا النسب الشريف لما وضع فيه من النبوة والرسالة فهذا لا ينقطع؛ لأنه من شعب الإيمان بالله ورسوله، وليس فيه حجة لهذا المبطل أنه يغني عمن قال له: " «لا أغني عنك من الله شيئا» ".
والمعترض (٣) ألجأته الضرورة إلى أن قال بعد هذا الحديث: (وأي سبب أعظم من الإيمان به وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه) .
_________
(١) في (م): " عنكم ".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١ / ٤٣٣، ح ١٢٢٢٨)، والإمام أحمد في فضائل الصحابة (٢ / ٩١٧، ٩٣٣، ح ١٧٥٦، ١٧٩١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥ / ٣١٦، ح ٢٨٣٦) .
(٣) ساقطة من (ق) .
وهذه كلمة حق أتيحت على لسان وحشي، وهي تخالف ما أراد من أنه يغني، فإنه ﷺ نفى الإغناء عن نفسه، لا عن الإيمان به ومحبَته ومتابعته، وكذلك قوله في حديث جابر في إجابة النداء والدعاء بعده بالوسيلة والفضيلة أن «من قال ذلك "حلَّت له شفاعتي ".» فهذا من جنس حديث أبي هريرة: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» "، فهذه الأحاديث حجة على أن أقوى الأسباب والوسائل وأنفعها هو إخلاص التوحيد والبراءة من التعلق على الخلق، ولو الأنبياء، وهذا عين تقرير شيخنا ﵀. وهذا الرجل لا يدري ما له مما عليه.
وكذلك الصبر على شدة المدينة ولأوائها لمن قصد الهجرة أو العلم والانحياز (١) إلى جماعة المسلمين وأئمتهم، وكذلك قصد مسجد المدينة للصلاة فيه والاعتكاف؟ وطاعة الله ورسوله هو (٢) من أفضل القرب، ومن أسباب المغفرة، والراوي لم يجزم بأنه ﷺ قال (٣) " «كنت له شفيعا» "، ولذلك قال: "أو شهيدا وعلى كلّ فهو إخبار عن الله أنه يرضى هذا ويشفعه في فاعليه، فعاد الأمر لله؟ والنفع والضرّ والإغناء منه وإليه، لا (٤) راد لأمره؟ ولا معقب لحكمه.
ثم قد تكون الجماعة والعلم في غير المدينة، كما وقع بعد القرون
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): " وإنحاز ".
(٢) في (ح): "هذا".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (م) .
المفضلة، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة، بخلاف من خرج من المدينة جزعا من لأوائها، وطلبا للدنيا، وفي الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (١) فمن ترك المدينة فرارا من الفتن فهو محمود بنص هذا (٢) الحديث، ولا يحمد الصبر على الافتتان (٣) وإنَّما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن، فافهم هذا يزول عنك تلبيس هؤلاء" الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها.
وقول المعترض: (وإنَّما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم (٤) لأحد من خلقه؛ وإنما هو يوم جزاء وتفضُّل منه جل وعلا؟ وعدل بين الناس وعلى الكفار) .
فجوابه أن يقال: هذه العبارة فيها لحن في موضعين: الأول: نصب اسم يكون، والثاني: في تعدية العدل بعلى، وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية.
ثم يقال: أي شيء في هذا يدل على أن قوله تعالي ﷺ: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " في حق من لم يؤمن، كما زعمه هذا الغبي؟ وقد اشتهر في الكتاب والسنَّة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين، وإن
_________
(١) الحديث أخرجه البخاري (١٩، ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٧)، وابن ماجه (٣٩٨٠)، وأحمد (٣ ٦، ٣٠، ٥٧)، ومالك في الموطأ (٢ / ٩٧٠) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق) و(م): " الفتن ".
(٤) في (ق) و(م): (في ذلك اليوم ملك) .
كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال والشدائد ما يقتضيه (١) عدله وحكمته وحمده، والكل دين وجزاء على الأعمال؟ وما كان في هذه الحياة الدنيا.
وأما قوله: (ومن تفضُّله تمليكه لمن يشاء الشفاعة) . وقد تقدَّم أنه لا دليل يدلّ على أنَّ أحدا يملك الشفاعة مع الله، وأنه المختص سبحانه بملكها، كما دل عليه القرآن صريحا في مواضع.
وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك، والأكثر على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه، بل هو وله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ (٢) وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [طه - ١٠٩] . فالاستثناء في كل الآيات دال (٣) على حصولها ووقوعها، لا على أنها تُمْلك كسائر الأملاك العادية، وكما يظنه أهل الجاهلية.
وأما قول البغوي: (لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما هم في الدنيا) فهو يشهد لما قررناه، وكذلك، ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا القبيل.
وقول المعترض: (ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
_________
(١) في (ق): "يقتضي".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "دليل".
قلت: كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله، وحاصلة مع وقوع الأحداث والمنكرات والأفعال دائما في الأمة، يعني فالشفاعة لأهلها، وقصده أن كل الأحداث والمنكرات التي لا تزال تقع يشفع (١) في أهلها وأصحابها، وتنالهم شفاعته ﷺ وهذا جزم منه بأن الرسول (٢) ﷺ يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة، وعُبَّاد القبور والرافضة، والجهيمة والقدرية، والاتحادية والحلولية، وكل ما يحدث في الأمة، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] .
وقولي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥]، وقول النبي ﷺ: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» " (٣) فسبحان من طبع على قلب هذا (٤) وزين له عمله حتى انتهى إلى غاية في الضلالة، ما وصل إليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به نبينا من الهدى ودين الحق، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته ﷺ له وغناه عنه (٥)؛ لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال تحدث وتتجدد، وقد قال النبي ﷺ: " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " (٦) فما حدث في بني
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "من أنه ".
(٣) تقدَّم مرارا، انظر: ص (٣٢٠)، هامش ٥، وص (٤٢٧)، هامش ٧.
(٤) في (ق) و(م): " قلبه ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "بزعم هذا الغبي الجاهل ".
(٦) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والحاكم وأحمد وتقدَّم، انظر: ص (٢٢٢)، هامش ٧.
إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت (١) به الأنبياء وتصادمه لا بد أن تحدث في هذه الأمة؟ لأن النبي ﷺ أخبر به، وأكد حصوله باللام الموطئة للقسم، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في كل فرد (٢) من سننهم وطرائقهم، وقال ﷺ: " «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» " (٣) وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته ناجون بها. فنبرأ إلى الله من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة، ومن قائلها، وقد نزه الله شرع نبيه وطهره عن هذه الحماقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
_________
(١) في (م): "جاء ".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٩٦، ٤٥٩٧)، والترمذي (٢٦٤٠، ٢٦٤١)، وابن ماجه (٣٩٩١، ٣٩٩٢، ٣٩٩٣)، وأحمد (٢ / ٣٣٢، ٣ / ١٢٠، ١٤٥) .
فصل قال المعترض: (وقوله ﷺ لفاطمة ﵂ ولأقاربه وعشيرته ذلك حضًّا لهم على الإيمان به، وبالذي أرسله بأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا؟ ليحصل لهم النفع به ﷺ بذلك؟ وبعطاء الله تعالى الذي أعطاه لأمته إكراما له في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] [الضحى / ٥] . لئلا يكونوا من الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، (وفي ذلك دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين) (١)؟ حيث نفى عن (٢) الكفار المعرضين عن التذكرة التي أرسل بها ﷺ حتي نفعت شفاعته (٣) عمه أبا طالب بالتخفيف كما مر عنه ﷺ، حيث حماه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة، فقوله ﷺ: " «لا أغني عنكم (٤) من الله شيئا» " (حين خصص وعمم حتى قال: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ") (٥) فالمقصود: إن لم تؤمن بالله وتشهد (٦) أن لا إِله إلا الله، وأني
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): " شفاعة الشافعين ".
(٤) في (م) و(المطبوعة): "عنك ".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "تؤمني بالله وتشهدي".
رسول الله، وإلا فقد أغنى عن أمته بالتخفيف من الشرائع والتسهيل من عند ربه؟ وأمره ﵎ أن يستغفر لهم حتى امتد ذلك لهم بعد موته عند العرض لأعمالهم عليه ﷺ في البرزخ واستغفاره شفاعة، وهل شفاعته لهم إلا غناؤه عنهم ﷺ، وإلا فما معنى قوله ﷺ لعمه: " «قل لا إِله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» " (١) إذا، كما في الصحيحين وغيرهما؟) .
والجواب أن يقال: قوله ﷺ لابنته وبضعته، سيدة نساء أهل الجنة: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " من أظهر الأدلة على وجوب توحيد الله، وترك دعاء (٢) غيره، و(٣) لو نبيا أو ملكا، فكذلك قوله لعمته صفية وعمه العباس وسائر بطون قريش، وأقاربه الأدنين، كل هذا يبطل قول المعترض زعمه أن الشفاعة تطلب من الرسول بعد موته، ويقصد لها؟ .
فإن في هذه الأحاديث أن الإنسان ليس له إلا سعيه وإيمانه، وأن ترك ذلك والتفريط فيه تعلقا على الأنبياء ورجاء لشفاعتهم هو عين الجهل ونفس الضلال، وجاه الأنبياء والأولياء والصالحين إنما ينال به (٤) أمر فوق الإغناء عن الأقارب وغيرهم (٥) . وفي قول المعترض: (إن في قوله ذلك حضًّا لهم على الإيمان به وبالذي أرسله) صحيح المعنى، وهو دليل على أنه لا يغني ولا ينجي إلا ذلك.
_________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٤)، وأحمد (٥ / ٤٣٣) .
(٢) في (ق) و(م): "عبادة".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: " ودعاؤه".
(٤) في (ق): (ينال) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: " كالسعادة والزلفى ".
فليس في قول المعترض في هذا الحديث ما يدل على دعواه، وإن الإيمان مطلوب ليحصل النفع، فإن هذا كلام ركيك وإنما يطلب الإيمان لتحصيل مغفرة الله ورحمته ودخول دار كرامته، والنجاة من عذابه وعقابه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] والآية بعدها، [الصف - ١٠، ١١] .
وفي هذا أن الأمر بالإيمان، والتزامه، والجهاد في سبيل الله (١) إنَّما أمر به ليحصل للعبد ما وعد به المؤمن، وما رتب على الإيمان في هذه الآيات ونحوها، لا (٢) أنه أمر بالإيمان ليشفع الرسول فيه، وأكابر الأمة والسابقون الأولون والسبعون ألفا المذكورون في حديث ابن عباس كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (ولا شفاعة لأحد، في دخولهم) (٣) .
وفي الحديث: أنَّ الشفاعة ليست للمؤمنين المتَّقين، وإنما هي للمذنبين المتلوثين، فافهم هذا تعرف به (٤) أنَّ هذا الرجل ألحد في الحديث وصرفه عما دلَّ عليه، وكذب على رسول الله بنسبة هذا التأويل إليه، اللهمَّ إلا أن يريد بقوله: ليحصل لهم (٥) النفع به ﷺ) هذا المعنى فهو صحيح، وهو الواسطة ﷺ بين العباد وبين ربهم في إبلاغ رسالته، وبيان ما يوجب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لكن هذا
_________
(١) في (ق): "سبيله".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ح) و(المطبوعة) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) ساقطة من (ق) .
لا (١) يدل على ما ادعاه هذا المبطل، وظاهر كلامه خلاف هذا الذي ذكرنا، وأنه يريد ليحصل لهم النفع بدعائه ﷺ الشفاعة منه بعد مماته، ومن قصد هذا وزعم أن الرسول أراده بقوله: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» " فقد ألحد (٢) في حديث رسول الله ﷺ وحرَّف كلامه، وأخرجه عن موضوعه (٣) (إلى نقيضه وعكسه، وهذا من أعظم الجهل وأضله) (٤) . ومن فهم من أدلة التوحيد نقيض ما دلَّت عليه فقد جاءته الآفة والبلية من جهة موت قلبه أو مسخه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] [المائدة -٤١] .
وأما إعطاء الله له ما يرضيه: فهذا وعد صدق، والله لا يخلف الميعاد. والمفسِّرون اختلفت أقوالهم في هذا، وعلى القول بأنه الشفاعة، فهو من الأدلة على أن الله هو المالك لها، المتصرف فيها، وأنه لا يدعى لها (٥) أحد سواه.
وأما كون المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين: فهذا أيضا ليس فيه دليل لهذا المبطل بوجه من الوجوه، والنزاع في غير هذا (٦) .
_________
(١) في (ق): "ما".
(٢) في (ح): "حد".
(٣) في (ق): " موضعه ".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٥) في (ق): " إلها ".
(٦) في (ق): (غيره) .
وأما قوله: (فالمقصود لا أغني عنكم من الله شيئا إن لم تؤمنوا، وأنهم إن آمنوا أغنى عنهم) . فقد كَذَب هذا المعترض على رسول الله (١) ﷺ بنسبة هذا التأويل إليه، وكلامه ﷺ عام شامل، وبعض من خوطب بهذا الخطاب قد آمن بالله ورسوله، كفاطمة وبعض بني هاشم وبعض قريش، ولو كان المراد ما زعمه هذا المبطل لم يحسن خطاب المؤمنين بهذا، ولعد مثل هذا الكلام لهم، وهو (٢) قوله: " «لا أغني عنكم من الله شيئا» "، إذا كان يغني (٣) بزعم هذا الجهول الضال فسبحان من طبع (٤) على قلبه حتى اقتحم على الجناب النبوي ومقام الرسالة، ونسب إليه ما قد برئ منه بشهادة الله وملائكته وأولي العلم من خلقه.
وبهذا الكلام والتحريف ضل أهل الكتاب ومن (٥) قبلهم، ونسخت أديان الأنبياء، وظهر الشرك في الأرض وفشا، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل الإنجيل أنه قال في بعض نصائحه عما يوقع في المحرمات وكبائر الذنوب: (إنَّ المبالغة في تعظيم العباد، وتنزيلهم فوق منازلهم يوقع في الشرك بالله؛ وعبادة (٦) سواه)، ذكر
_________
(١) في بقية النسخ: "الرسول".
(٢) "هو" ساقطة من (ق) .
(٣) في بقية النسخ زيادة: "عنهم- خبرا غير مطابق وقولا غير موافق، لأنه يغني".
(٤) في (ق): "طبق".
(٥) في (ق): (من) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "ما".
هذا أو (١) نحوا منه في كتابه هداية الحيارى. وقول المعترض: (وإلا فقد أغنى بالتخفيف من الشرائع، وأن يستغفر لهم) . فالتخفيف من الشرائع يشير به إلى وضع ما كان على أهل الكتاب من الأصار والأغلال والأثقال، ومعلوم أنَّ الله ﷾ هو الذي شرع هذا وأمره به وأوحاه إليه، وإنما يضاف إليه؛ لأنه مبلغ عن الله، (كما يقال: قال الرسول ﷺ كذا فيما بلغه عن الله، ويقال أيضا: وضع كذا وفعل كذا، فيما صدر عن وحي وتوقيف، والرسول مبلغ عن الله) (٢) لا أنه يفعل بمشيئته واختياره.
وأما الاستغفار: فقد تقدَّم أنه لا يدل على الطلب منه بعد وفاته ﷺ.
وفي كلام هذا المعترض من فساد التركيب، وهجنة العبارة ما يقضي بما تقدَّم تقريره من الكشف عن جهالته، وعدم ممارسته، ومن ذلك قوله: (حضا لهم على الإيمان ليحصل لهم النفع به، لئلا يكون (٣) من الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين) .
وفي قوله: (حماه عنه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة) . فهو تركيب فاسد، ولم يقصد أبو طالب إلا الحمية فقط.
وأمَّا قوله: (وإلا فما معنى (٤) قوله ﷺ لعمّه: " «قل لا إله إلا الله
_________
(١) في (م): "و".
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٣) في (ق): " يكونوا ".
(٤) في (ق): "فمعنى".
كلمة أحاج لك بها عند الله» إذا كما في الصحيحين وغيرهما) (١) .
فمعناه: إنه لا يغنى عنه (٢) ولا ينقذه، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه قال لابنته فاطمة: " «إني لأرى الأجل قد اقترب؛ فاتقي الله تعالى واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك» " (٣) وعنه ﷺ من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، رواه الطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي وصحَّحه (٤) وأي سبب أعظم من الإيمان به، وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه؟ إذ هذا من أعظم الأسباب وأجلها، وفي الحديث: " «المرء مع من أحب» " (٥) ثم ذكر حديث جابر فيما يقال عند سماع النداء (٦) وحديث أبي هريرة في الشفاعة (٧) والشهادة لمن صبر على لأواء المدينة (٨)
_________
(١) في (الأصل) و(ح) و(المطبوعة): "وغيره"، وما أثبته أنسب للسياق.
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٨٥، ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠، ٩٨، ٩٩)، وأحمد (٦ / ٢٨٢) من حديث فاطمة.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٣ / ٤٤)، والحاكم (٣ / ١٤٢)، والبيهقي (٧ / ٦٤، ١١٤) . والظاهر أنه منقطع، وانظر: "علل الدارقطني" (٢ / ١٨٩) .
(٥) هو في الصحيحين، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٢٧٥)، هامش ٦.
(٦) من قوله: "اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة"، أخرجه البخاري (٦١٤، ٤٧١٩) .
(٧) وفيه: "من أسعد الناس بشفاعتك"؟ وقد أخرجه البخاري وأحمد وغيرهما، وتقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٠)، هامش ٥.
(٨) أخرجه مسلم (١٣٧٨)، والترمذي (٣٩٢٤)، وأحمد (٢ / ٢٨٧، ٣٤٣، ٣٩٧) .
وحديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع (١) لمن يموت بها» " (٢) ثم قال: (وهل هذا إلا إغناء منه ﷺ لقرابته وأمته؟ وإنَّما نفى ﵎ أن يكون في يوم الدين ملكا- هكذا قالها بالنصب- لأحد من خلقه، كما في الدنيا، وإنَّما هو يوم جزاء وتفضل منه جلَّ وعلا وعدل بين الناس، وعلى الكفار، ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف -٨٦] . وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] [مريم -٨٧] .
قال العلماء: وهي شهادة الحق، وأخصَّهم (٣) بذلك الرسل عليهم (٤) الصلاة والسلام، وأتباعهم على درجاتهم، ومعنى الآية، قال البغوي (٥) لا يُمَلِّك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا.
وقال عصام في تفسيره على الآية: فكل ما يفعل ذلك اليوم لأجل الله تعالى، ولا يفعل شيء في ذلك اليوم كما يفعل في الدنيا، حتى لا يرجو الكذاب أن ينفعه أحد لغرض فاسد، ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
_________
(١) في (م): "لشفيع".
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩١٧)، وابن ماجه (٣١١٢)، وأحمد (٢ / ٧٤، ١٠٤)، (٩ / ٥٧)، والبيهقي (١ / ٩٠٣، ح ١٩٥٨) .
(٣) في (ق): " وأحظهم".
(٤) في (ق): "عليه ".
(٥) الذي في البغوي (٣ / ١٧٥) خلاف ما ذكره المعترض تماما، فلعل هذا من تحريفه وتزويقه أيضا.
والجواب أن يقال: أما معنى قول النبي ﷺ لأبي طالب: " «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» "، فهذه الكلمة هي الفارقة بين المؤمن والكافر والمسلم والمشرك، فمن قالها موقنا بها خالصا من قلبه ومات على ذلك نفعته بلا ريب، ونجا بها من الشرك الأكبر، وربَّما نجا من الأصغر.
وقد وعد الله تعالى من مات على ذلك بالجنَّة والنجاة من النار، كما في حديث عتبان: " «فإن الله حرَّم على النار من قال لا إِله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» " (١) وهذا الحديث مطابق لقوله ﷺ: " «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» "، فإن السبب الذي تحصل به النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة هو ما أرشد إليه عمه، وقاله لابنته وهو الإيمان بالله وترك التعلُق على غيره، واتّخاذ الشفعاء والأنداد، وهذا محض التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص، فالأحاديث النبوية يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض.
وكذلك قوله ﷺ لابنته: " «فإنه نعم السلف أنا لك» "، وهو سلف لكل مؤمن وفرَط لهم لكن ليس فيه أنه سلف لمن تعلَّق عليه ودعاه مع الله؛ ولا أن السلف يهيِّئ غير ما أمر به وأرشد إليه، ولا أنه يدعى ويرجى للشفاعة وغيرها، فليس في هذه الأحاديث أنه يغني حتى يضرب كلامه ﷺ بعضه ببعض ويرد عليه، ويقال: بل يغني. فإن هذا مشاقة لله ولرسوله، ورد لمقاله وتقدَّم بين يديه. وهو حرفة (٢) الجاهلين الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يفقهوا عن الله ورسوله (٣) .
_________
(١) أخرجه البخاري والطيالسي وتقدم، انظر: ص (١٣٤)، هامش ٥.
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "الضالين".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "وليس هذا الحديث في الصحيحين كما زعم هذا المرتاب وهو من أقل الناس حظا في معرفة الكتاب والسنَّة ومعرفة الأسانيد والمخرجين، وقد يجد بعض الكتب في كوة الدار فينقل منها من غير دراية لمصطلح أهل الآثار والأخبار.
يظن الغمر أنَ الكتب تنبي ... أخافهم لإدراك العلوم ".
وكذلك حديث: " «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» "، فهذا الحديث تكلَّم فيه الحفاظ وتواردته أنظار أكابر الرجال، والجزم بصحته، وأنَّ الرسول ﷺ قاله يحتاج إلى مراجعة ونظر في كلامهم، وعلى تسليم صحَّته فلا معارضة فيه لحديث: " «لا أغني عنك (١) من الله شيئا» "، فإن السبب المضاف إليه ﷺ هو ما جاء به من الإيمان والتوحيد، والإنذار والأخبار بأنه لا يغني من الله شيئا.
وأمَّا النسب: فيُفسر هذه الكلمة ويبينها قوله في حديث العباس: " «والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم من أجلي» " (٢) فمن أحبَّ هذا النسب الشريف لما وضع فيه من النبوة والرسالة فهذا لا ينقطع؛ لأنه من شعب الإيمان بالله ورسوله، وليس فيه حجة لهذا المبطل أنه يغني عمن قال له: " «لا أغني عنك من الله شيئا» ".
والمعترض (٣) ألجأته الضرورة إلى أن قال بعد هذا الحديث: (وأي سبب أعظم من الإيمان به وتصديق ما جاء به، ومحبته واتباعه) .
_________
(١) في (م): " عنكم ".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١ / ٤٣٣، ح ١٢٢٢٨)، والإمام أحمد في فضائل الصحابة (٢ / ٩١٧، ٩٣٣، ح ١٧٥٦، ١٧٩١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥ / ٣١٦، ح ٢٨٣٦) .
(٣) ساقطة من (ق) .
وهذه كلمة حق أتيحت على لسان وحشي، وهي تخالف ما أراد من أنه يغني، فإنه ﷺ نفى الإغناء عن نفسه، لا عن الإيمان به ومحبَته ومتابعته، وكذلك قوله في حديث جابر في إجابة النداء والدعاء بعده بالوسيلة والفضيلة أن «من قال ذلك "حلَّت له شفاعتي ".» فهذا من جنس حديث أبي هريرة: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» "، فهذه الأحاديث حجة على أن أقوى الأسباب والوسائل وأنفعها هو إخلاص التوحيد والبراءة من التعلق على الخلق، ولو الأنبياء، وهذا عين تقرير شيخنا ﵀. وهذا الرجل لا يدري ما له مما عليه.
وكذلك الصبر على شدة المدينة ولأوائها لمن قصد الهجرة أو العلم والانحياز (١) إلى جماعة المسلمين وأئمتهم، وكذلك قصد مسجد المدينة للصلاة فيه والاعتكاف؟ وطاعة الله ورسوله هو (٢) من أفضل القرب، ومن أسباب المغفرة، والراوي لم يجزم بأنه ﷺ قال (٣) " «كنت له شفيعا» "، ولذلك قال: "أو شهيدا وعلى كلّ فهو إخبار عن الله أنه يرضى هذا ويشفعه في فاعليه، فعاد الأمر لله؟ والنفع والضرّ والإغناء منه وإليه، لا (٤) راد لأمره؟ ولا معقب لحكمه.
ثم قد تكون الجماعة والعلم في غير المدينة، كما وقع بعد القرون
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): " وإنحاز ".
(٢) في (ح): "هذا".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (م) .
المفضلة، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة، بخلاف من خرج من المدينة جزعا من لأوائها، وطلبا للدنيا، وفي الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (١) فمن ترك المدينة فرارا من الفتن فهو محمود بنص هذا (٢) الحديث، ولا يحمد الصبر على الافتتان (٣) وإنَّما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن، فافهم هذا يزول عنك تلبيس هؤلاء" الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها.
وقول المعترض: (وإنَّما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم (٤) لأحد من خلقه؛ وإنما هو يوم جزاء وتفضُّل منه جل وعلا؟ وعدل بين الناس وعلى الكفار) .
فجوابه أن يقال: هذه العبارة فيها لحن في موضعين: الأول: نصب اسم يكون، والثاني: في تعدية العدل بعلى، وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية.
ثم يقال: أي شيء في هذا يدل على أن قوله تعالي ﷺ: " «لا أغني عنك من الله شيئا» " في حق من لم يؤمن، كما زعمه هذا الغبي؟ وقد اشتهر في الكتاب والسنَّة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين، وإن
_________
(١) الحديث أخرجه البخاري (١٩، ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٧)، وابن ماجه (٣٩٨٠)، وأحمد (٣ ٦، ٣٠، ٥٧)، ومالك في الموطأ (٢ / ٩٧٠) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق) و(م): " الفتن ".
(٤) في (ق) و(م): (في ذلك اليوم ملك) .
كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال والشدائد ما يقتضيه (١) عدله وحكمته وحمده، والكل دين وجزاء على الأعمال؟ وما كان في هذه الحياة الدنيا.
وأما قوله: (ومن تفضُّله تمليكه لمن يشاء الشفاعة) . وقد تقدَّم أنه لا دليل يدلّ على أنَّ أحدا يملك الشفاعة مع الله، وأنه المختص سبحانه بملكها، كما دل عليه القرآن صريحا في مواضع.
وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك، والأكثر على أنه منقطع، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه، بل هو وله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ (٢) وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [طه - ١٠٩] . فالاستثناء في كل الآيات دال (٣) على حصولها ووقوعها، لا على أنها تُمْلك كسائر الأملاك العادية، وكما يظنه أهل الجاهلية.
وأما قول البغوي: (لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما هم في الدنيا) فهو يشهد لما قررناه، وكذلك، ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا القبيل.
وقول المعترض: (ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها) .
_________
(١) في (ق): "يقتضي".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "دليل".
قلت: كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله، وحاصلة مع وقوع الأحداث والمنكرات والأفعال دائما في الأمة، يعني فالشفاعة لأهلها، وقصده أن كل الأحداث والمنكرات التي لا تزال تقع يشفع (١) في أهلها وأصحابها، وتنالهم شفاعته ﷺ وهذا جزم منه بأن الرسول (٢) ﷺ يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة، وعُبَّاد القبور والرافضة، والجهيمة والقدرية، والاتحادية والحلولية، وكل ما يحدث في الأمة، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء -٢٨] .
وقولي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة -٢٥٥]، وقول النبي ﷺ: " «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إِله إلا الله خالصا من قلبه» " (٣) فسبحان من طبع على قلب هذا (٤) وزين له عمله حتى انتهى إلى غاية في الضلالة، ما وصل إليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به نبينا من الهدى ودين الحق، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته ﷺ له وغناه عنه (٥)؛ لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال تحدث وتتجدد، وقد قال النبي ﷺ: " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " (٦) فما حدث في بني
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "من أنه ".
(٣) تقدَّم مرارا، انظر: ص (٣٢٠)، هامش ٥، وص (٤٢٧)، هامش ٧.
(٤) في (ق) و(م): " قلبه ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "بزعم هذا الغبي الجاهل ".
(٦) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والحاكم وأحمد وتقدَّم، انظر: ص (٢٢٢)، هامش ٧.
إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت (١) به الأنبياء وتصادمه لا بد أن تحدث في هذه الأمة؟ لأن النبي ﷺ أخبر به، وأكد حصوله باللام الموطئة للقسم، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في كل فرد (٢) من سننهم وطرائقهم، وقال ﷺ: " «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» " (٣) وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته ناجون بها. فنبرأ إلى الله من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة، ومن قائلها، وقد نزه الله شرع نبيه وطهره عن هذه الحماقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
_________
(١) في (م): "جاء ".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٩٦، ٤٥٩٧)، والترمذي (٢٦٤٠، ٢٦٤١)، وابن ماجه (٣٩٩١، ٣٩٩٢، ٣٩٩٣)، وأحمد (٢ / ٣٣٢، ٣ / ١٢٠، ١٤٥) .
Translation
فصل فيه إبطال دعوى المعترض أن الشفاعة تطلب من الرسول ﵇ بعد موته