Back to the aqeedah library
108 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Cabd Latif Al Shaykh (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ
108
Total sections
108 chapters
#81
Chapter 81 — فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند
· ref. #81
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند]
فصل قال المعترض: (وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . قال أبو العباس: ومن قال إنها عامة في الأمم كآيات الواقعة، فقد أخطأ، وساق حديث (١) " «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» " (٢) . فذلك لأنه ﷾ كريم يحبُّ الكرم والأفضال ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] [النجم -٣٢] . و﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف -١٥٦] . ومن رحمته الشفاعة لنبيِّه ووصفه بالرأفة والرحمة.
وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة -١٢٨] وقال تعالى عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] [الأحزاب -٤٣] .
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٨) من حديث أبي أيوب (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة، وأحمد (١ / ٢٨٩)، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٣٧٠) .
ومع ذلك لا تزال علماء أمته (١) ينكرون عليهم، ويجددون لها دينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون عليها من الباب الواسع ولا يخافون لومة لائم، ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه، ولا يفعل هذا إلا مبتدع خارج عن سبيل علماء الأمة وسلفها الصالح، وقد اتبع هواه وهو يتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) .
والجواب أن يقال: وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات والجهالات المُرَكَّبة فيه تنبيه له على نعمة الله عليه، وحث (٢) على شكر نعمة الإيمان والإسلام والفهم عن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] [البقرة -٢٦٩] .
قال بعض السلف: (من أعطي القرآن، ورأى أن أحدا فوقه، فما عرف نعمة الله عليه)، وهذه الآية (٣) فيها الدلالة والبرهان على بطلان ما أورده المعترض من أول كلمة أنكرها على شيخنا ﵀، وذلك من وجوه.
الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . وإضافة التوريث إليه تعالى لهم دون غيرهم شاهد لقول الشيخ: (إنَّ الأمة في مقام المدح والثناء التي جاءت الآثار بمدحهم وتزكيتهم، وقيامهم
_________
(١) في (ق) و(م): " الأمة ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " له".
(٣) في (ق) و(م): " الآيات".
بدين الله وشرعه هم أهل القرآن الذي أورثهم الله كتابه، يتلونه حق تلاوته، فيعملون بحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويحلّلون حلاله ويحرمون حرامه) . وهؤلاء جنس (١) ونوع آخر قد باينوا عبَّاد القبور والجهمية والزنادقة، وأهل الأهواء والبدع المضلَّة.
قال شيخ الإسلام ﵀: (إنَّما جاء إضافة توريث الكتاب إلى الله في الصنف المحمود في كتاب الله من أوليائه وعباده المؤمنين، فهو سياق في معرض الثناء بخلاف قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] (٢) [الأعراف -١٦٩] . فإنه أسند الإرث إليهم ولم يزكهم) . وبهذا تعرف أن هذه الآية كقوله ﷺ في الفرقة الناجية دون سائر الفرق: " «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) ولا قائل بعصمة أصحاب رسول الله ﷺ من الذنوب، بل تقع فيهم ومنهم ومنهم ومنهم (٤) فظهر أن الله أورث كتابه أهل التوحيد والإيمان والسنَّة، وأما، أهل الشرك، وعبادة الصالحين، ومن عطَّل أسماءه وصفاته، أو سبَّ أئمة الهدى وأعلام الدجى، ونسبهم إلى الأهواء (٥) وتجاري الكلب وغير ذلك مما هو مسؤول عنه ومحبوس، حتى يخرج منه هذا إن لقي الله مسلما، وإلا فالأمر شديد والهول عظيم، والله بصير بالعباد.
الوجه الثاني: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: ٣٢] فإن الاصطفاء هو الاختيار
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: " آخر".
(٢) في (ق) زيادة: " (ويقولون) الآية ".
(٣) انظر: تخريج حديث افتراق الفرق المتقدم في ص (٤٣٥)، هامش ٣.
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): " الهوى ".
والاجتباء، ولا قائل من الناس بأن كل مدعِ للإيمان والإسلام يدخل في هذا العموم من غير تحقيق لدعواه بالإيمان بالله وتوحيده؟ وإثبات صفات كماله ومتابعة رسله، ومن قال غير هذا فخطأه أوضح من أن ننبه عليه.
ومعلوم: أن الزنادقة والجهمية والاتحادية والحلولية كلهم يدعون أنهم من المصطفين ومن أتباع الرسل، وكل هؤلاء ما أورثهم ﷺ كتابه ولا اصطفاهم، ومن زعم غير ذلك فهو شاهد زور، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادَّعى" (١) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] الآية [البقرة / ١١١ / ١١١] .
فقد حكم تعالى في هذه الآية بحكم (٢) لا مطمع بعده لمبطل مشرك أن يكون من أهل الجنة وأهل الاصطفاء المستحقين للثواب.
فإن قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] (٣) [البقرة -١١٢] .
(يُخْرج كل مشرك يعدل بربه، ويسوي بينه وبين غيره في خالص حقِّه، وقوله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]) (٤) يخرج كل مبتدع لم يأتِ بما وجب من المتابعة، والسير على المنهاج المحمدي في أصول الدين وفروعه، وهذان الصنفان ليسوا من أهل الاصطفاء، والنزاع فيهم، وفي قوله: مِن عِبَادِنَا
_________
(١) سبق تخريجه، انظر ص (٥٠) .
(٢) في (ق) و(م): "حكما ".
(٣) في (ق) زيادة: وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
ما يشهد لهذا فإن العباد في مقام المدح لا يدخل فيهم من عبد الصالحين والأنبياء (١) ودعاهم مع الله؟ لأن الإضافة تقتضي توحيدهم وإخلاصهم العبادة، فهي إضافة تشريف، وهو الوجه الثالث.
وأما قول أبي العباس: (إنها ليست بعامة في الأمم كآية الواقعة) . فهذا يدل على أن من ذكر في هذه الآية لا يدخل فيهم إلا من آمن بالله ورسوله (٢) وأفرده بالعبادة بخلاف أهل الشرك والبدع المكفرة، فإنهم هم المذكورون في الآية بعدها، ففيه أنَّ هذه الأمة منهم من كفر بالله ورسله (٣) كالمذكورين في آخر هذه الآية، وكلام أبي العباس يدل عليه، إذ جعل الآيات هنا في هذه الأمة خاصة لا في غيرها من الأمم، كما في آية الواقعة.
الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد هذا قسما رابعا لم يدخلوا في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر -٣٢] .
وذلك (٤) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] [فاطر -٣٦] .
وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم، ويتوكَّل عليهم، والنزاع بيننا وبين هذا
_________
(١) في (ق) و(م): "الأنبياء والصالحين ".
(٢) في (ق): "ورسوله" في الموضعين.
(٣) في (ق): "ورسوله" في الموضعين.
(٤) في (ق) و(م): "وهو".
المعترض إنَما هو في هذا الصنف، فهم بهذا القسم أليق، وإليه أقرب فالآية حجة لشيخنا ﵀، وليس فيها ما يتعلق به هذا المعترض بوجه من الوجوه.
وأمَّا قوله ﷺ: «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» ": فالخطاب في هذا للمؤمنين الذين أفردوا الله بالعبادة، ولم يتخذوا معه آلهة أخرى، وأما من دعا الأولياء والصالحين من أهل القبور والغائبين وجعلهم أندادا لله رب العالمين، فهذا مشرك شركا يَحول بينه وبين المغفرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في موضعين من كتابه [النساء ٤٨، ١١٦] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائدة -٧٢] .
إذا عرفت هذا فالمعترض جاهلي، بقي على جاهليته لم يميز بين الذنوب، ولم يعرف معنى الأحاديث النبوية، ثم لو سلَّمنا أن الذنوب في الحديث يدخل فيها الشرك والمكفِّرات لكان في قوله: («فيستغفرون فيغفر لهم») دليل على أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه، وإن الاستغفار إذا أطلق كان بمعنى التوبة التي تشتمل (١) على الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود. هذا هو الاستغفار المراد عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله. وأما قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف / ١٥٦] . فقد أخبر تعالى بأنه سيكتبها
_________
(١) في (المطبوعة): " تشمل ".
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] [الأعراف -١٥٧] .
وأما وصف الرسول ﷺ بالرحمة: فهو لا يقضي الشفاعة لمن دعاه بعد موته ﷺ وخرج عن سبيل المؤمنين، وقد تقدَّم أنه يقول لمن يذاد عن الحوض من أصحابه إذا قيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول: " سحقا سحقا " (١) .
وأما قول المعترض: (ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون ويجددون) . فنعم؛ ولكن لا يزال المنافقون والملحدون يعادونهم ويردون (٢) ما جاؤوا به من الدين، ويقولون: هو ظاهر لا يحتاج لتجديد، ويلقبونهم بالألقاب الشنيعة، وينسبون إليهم تكفير الأمة الوسط إذا أنكروا على عبَّاد القبور والمشركين، فتعسا لمن هذا (٣) حرفته، وهذه صفته.
وأما قوله: (ويدخلون عليها من الباب الواسع) . فإن كان مراده أنهم يوسعون لمن دعا الصالحين وأشرك بالأموات والغائبين (٤) فقد كذب وافترى، وبهت علماء الأمة، بل شدَّدوا في ذلك وحكموا بأنه من الشرك الأكبر، ونهوا عن وسائله وذرائعه، عملا بقول نبيّهم ﷺ ونصحا للأمة، ونهوا عما دون ذلك من شرك الألفاظ والأقوال، كقول (٥) "ما شاء الله وشئت "، وكقول القائل "والله وحياتك؟ ولولا
_________
(١) سبق تخريجه، انظر ص (٣٥٢) .
(٢) في (ق): " ويرون ".
(٣) في (ق): "هذه".
(٤) في (المطبوعة): "والغالبين ".
(٥) في (ق): " كقوله ".
البط في الدار لأتانا اللصوص!، ولم يرخصوا في ذلك ولم يوسعوا فيه، فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ وبهذا تعرف ما تقدَّم مرارا من أن هذا المعترض فيه مشابهة برجال الجاهلية الأولى في عدم معرفة دين الأنبياء، وعدم قبوله وإيثاره على ما سواه.
وأمَّا قوله: (ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه) . فقد عرفت أنه جعل الباب النبوي المحمدي في تكفير من أشرك بالله، وسوى بينه وبين خلقه بابا ضيّقا، ونسب فاعله إلى الابتداع والخروج والهوى الذي يتجارى بصاحبه كما يتجارى الكلب، ولعمر الله إن الحكم بهذا والذهاب إليه من أعظم المكفرات، وموجبات الردَّة لمن عرف أن الرسول جاء به، وأن القرآن حكم على أهله بالشرك والكفر. وأما الأعمى الذي لا يدري قول الرسول، ولا يعرف أحكام التنزيل، ولم يبلغه عن الله ورسوله تكفير من عصى الرسل، ودعا الأموات والغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأهل العلم لهم في مثله كلام ليس هذا محله.
فصل قال المعترض: (وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . قال أبو العباس: ومن قال إنها عامة في الأمم كآيات الواقعة، فقد أخطأ، وساق حديث (١) " «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» " (٢) . فذلك لأنه ﷾ كريم يحبُّ الكرم والأفضال ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] [النجم -٣٢] . و﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف -١٥٦] . ومن رحمته الشفاعة لنبيِّه ووصفه بالرأفة والرحمة.
وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة -١٢٨] وقال تعالى عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] [الأحزاب -٤٣] .
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٨) من حديث أبي أيوب (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة، وأحمد (١ / ٢٨٩)، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٣٧٠) .
ومع ذلك لا تزال علماء أمته (١) ينكرون عليهم، ويجددون لها دينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون عليها من الباب الواسع ولا يخافون لومة لائم، ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه، ولا يفعل هذا إلا مبتدع خارج عن سبيل علماء الأمة وسلفها الصالح، وقد اتبع هواه وهو يتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) .
والجواب أن يقال: وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات والجهالات المُرَكَّبة فيه تنبيه له على نعمة الله عليه، وحث (٢) على شكر نعمة الإيمان والإسلام والفهم عن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] [البقرة -٢٦٩] .
قال بعض السلف: (من أعطي القرآن، ورأى أن أحدا فوقه، فما عرف نعمة الله عليه)، وهذه الآية (٣) فيها الدلالة والبرهان على بطلان ما أورده المعترض من أول كلمة أنكرها على شيخنا ﵀، وذلك من وجوه.
الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر / ٣٢] . وإضافة التوريث إليه تعالى لهم دون غيرهم شاهد لقول الشيخ: (إنَّ الأمة في مقام المدح والثناء التي جاءت الآثار بمدحهم وتزكيتهم، وقيامهم
_________
(١) في (ق) و(م): " الأمة ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " له".
(٣) في (ق) و(م): " الآيات".
بدين الله وشرعه هم أهل القرآن الذي أورثهم الله كتابه، يتلونه حق تلاوته، فيعملون بحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويحلّلون حلاله ويحرمون حرامه) . وهؤلاء جنس (١) ونوع آخر قد باينوا عبَّاد القبور والجهمية والزنادقة، وأهل الأهواء والبدع المضلَّة.
قال شيخ الإسلام ﵀: (إنَّما جاء إضافة توريث الكتاب إلى الله في الصنف المحمود في كتاب الله من أوليائه وعباده المؤمنين، فهو سياق في معرض الثناء بخلاف قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] (٢) [الأعراف -١٦٩] . فإنه أسند الإرث إليهم ولم يزكهم) . وبهذا تعرف أن هذه الآية كقوله ﷺ في الفرقة الناجية دون سائر الفرق: " «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) ولا قائل بعصمة أصحاب رسول الله ﷺ من الذنوب، بل تقع فيهم ومنهم ومنهم ومنهم (٤) فظهر أن الله أورث كتابه أهل التوحيد والإيمان والسنَّة، وأما، أهل الشرك، وعبادة الصالحين، ومن عطَّل أسماءه وصفاته، أو سبَّ أئمة الهدى وأعلام الدجى، ونسبهم إلى الأهواء (٥) وتجاري الكلب وغير ذلك مما هو مسؤول عنه ومحبوس، حتى يخرج منه هذا إن لقي الله مسلما، وإلا فالأمر شديد والهول عظيم، والله بصير بالعباد.
الوجه الثاني: قوله: ﴿اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: ٣٢] فإن الاصطفاء هو الاختيار
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: " آخر".
(٢) في (ق) زيادة: " (ويقولون) الآية ".
(٣) انظر: تخريج حديث افتراق الفرق المتقدم في ص (٤٣٥)، هامش ٣.
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): " الهوى ".
والاجتباء، ولا قائل من الناس بأن كل مدعِ للإيمان والإسلام يدخل في هذا العموم من غير تحقيق لدعواه بالإيمان بالله وتوحيده؟ وإثبات صفات كماله ومتابعة رسله، ومن قال غير هذا فخطأه أوضح من أن ننبه عليه.
ومعلوم: أن الزنادقة والجهمية والاتحادية والحلولية كلهم يدعون أنهم من المصطفين ومن أتباع الرسل، وكل هؤلاء ما أورثهم ﷺ كتابه ولا اصطفاهم، ومن زعم غير ذلك فهو شاهد زور، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادَّعى" (١) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] الآية [البقرة / ١١١ / ١١١] .
فقد حكم تعالى في هذه الآية بحكم (٢) لا مطمع بعده لمبطل مشرك أن يكون من أهل الجنة وأهل الاصطفاء المستحقين للثواب.
فإن قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] (٣) [البقرة -١١٢] .
(يُخْرج كل مشرك يعدل بربه، ويسوي بينه وبين غيره في خالص حقِّه، وقوله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]) (٤) يخرج كل مبتدع لم يأتِ بما وجب من المتابعة، والسير على المنهاج المحمدي في أصول الدين وفروعه، وهذان الصنفان ليسوا من أهل الاصطفاء، والنزاع فيهم، وفي قوله: مِن عِبَادِنَا
_________
(١) سبق تخريجه، انظر ص (٥٠) .
(٢) في (ق) و(م): "حكما ".
(٣) في (ق) زيادة: وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
ما يشهد لهذا فإن العباد في مقام المدح لا يدخل فيهم من عبد الصالحين والأنبياء (١) ودعاهم مع الله؟ لأن الإضافة تقتضي توحيدهم وإخلاصهم العبادة، فهي إضافة تشريف، وهو الوجه الثالث.
وأما قول أبي العباس: (إنها ليست بعامة في الأمم كآية الواقعة) . فهذا يدل على أن من ذكر في هذه الآية لا يدخل فيهم إلا من آمن بالله ورسوله (٢) وأفرده بالعبادة بخلاف أهل الشرك والبدع المكفرة، فإنهم هم المذكورون في الآية بعدها، ففيه أنَّ هذه الأمة منهم من كفر بالله ورسله (٣) كالمذكورين في آخر هذه الآية، وكلام أبي العباس يدل عليه، إذ جعل الآيات هنا في هذه الأمة خاصة لا في غيرها من الأمم، كما في آية الواقعة.
الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد هذا قسما رابعا لم يدخلوا في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] [فاطر -٣٢] .
وذلك (٤) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] [فاطر -٣٦] .
وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم، ويتوكَّل عليهم، والنزاع بيننا وبين هذا
_________
(١) في (ق) و(م): "الأنبياء والصالحين ".
(٢) في (ق): "ورسوله" في الموضعين.
(٣) في (ق): "ورسوله" في الموضعين.
(٤) في (ق) و(م): "وهو".
المعترض إنَما هو في هذا الصنف، فهم بهذا القسم أليق، وإليه أقرب فالآية حجة لشيخنا ﵀، وليس فيها ما يتعلق به هذا المعترض بوجه من الوجوه.
وأمَّا قوله ﷺ: «لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» ": فالخطاب في هذا للمؤمنين الذين أفردوا الله بالعبادة، ولم يتخذوا معه آلهة أخرى، وأما من دعا الأولياء والصالحين من أهل القبور والغائبين وجعلهم أندادا لله رب العالمين، فهذا مشرك شركا يَحول بينه وبين المغفرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في موضعين من كتابه [النساء ٤٨، ١١٦] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائدة -٧٢] .
إذا عرفت هذا فالمعترض جاهلي، بقي على جاهليته لم يميز بين الذنوب، ولم يعرف معنى الأحاديث النبوية، ثم لو سلَّمنا أن الذنوب في الحديث يدخل فيها الشرك والمكفِّرات لكان في قوله: («فيستغفرون فيغفر لهم») دليل على أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه، وإن الاستغفار إذا أطلق كان بمعنى التوبة التي تشتمل (١) على الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود. هذا هو الاستغفار المراد عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله. وأما قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [الأعراف / ١٥٦] . فقد أخبر تعالى بأنه سيكتبها
_________
(١) في (المطبوعة): " تشمل ".
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] [الأعراف -١٥٧] .
وأما وصف الرسول ﷺ بالرحمة: فهو لا يقضي الشفاعة لمن دعاه بعد موته ﷺ وخرج عن سبيل المؤمنين، وقد تقدَّم أنه يقول لمن يذاد عن الحوض من أصحابه إذا قيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول: " سحقا سحقا " (١) .
وأما قول المعترض: (ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون ويجددون) . فنعم؛ ولكن لا يزال المنافقون والملحدون يعادونهم ويردون (٢) ما جاؤوا به من الدين، ويقولون: هو ظاهر لا يحتاج لتجديد، ويلقبونهم بالألقاب الشنيعة، وينسبون إليهم تكفير الأمة الوسط إذا أنكروا على عبَّاد القبور والمشركين، فتعسا لمن هذا (٣) حرفته، وهذه صفته.
وأما قوله: (ويدخلون عليها من الباب الواسع) . فإن كان مراده أنهم يوسعون لمن دعا الصالحين وأشرك بالأموات والغائبين (٤) فقد كذب وافترى، وبهت علماء الأمة، بل شدَّدوا في ذلك وحكموا بأنه من الشرك الأكبر، ونهوا عن وسائله وذرائعه، عملا بقول نبيّهم ﷺ ونصحا للأمة، ونهوا عما دون ذلك من شرك الألفاظ والأقوال، كقول (٥) "ما شاء الله وشئت "، وكقول القائل "والله وحياتك؟ ولولا
_________
(١) سبق تخريجه، انظر ص (٣٥٢) .
(٢) في (ق): " ويرون ".
(٣) في (ق): "هذه".
(٤) في (المطبوعة): "والغالبين ".
(٥) في (ق): " كقوله ".
البط في الدار لأتانا اللصوص!، ولم يرخصوا في ذلك ولم يوسعوا فيه، فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ وبهذا تعرف ما تقدَّم مرارا من أن هذا المعترض فيه مشابهة برجال الجاهلية الأولى في عدم معرفة دين الأنبياء، وعدم قبوله وإيثاره على ما سواه.
وأمَّا قوله: (ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها، كما فعل هذا الرجل وذووه) . فقد عرفت أنه جعل الباب النبوي المحمدي في تكفير من أشرك بالله، وسوى بينه وبين خلقه بابا ضيّقا، ونسب فاعله إلى الابتداع والخروج والهوى الذي يتجارى بصاحبه كما يتجارى الكلب، ولعمر الله إن الحكم بهذا والذهاب إليه من أعظم المكفرات، وموجبات الردَّة لمن عرف أن الرسول جاء به، وأن القرآن حكم على أهله بالشرك والكفر. وأما الأعمى الذي لا يدري قول الرسول، ولا يعرف أحكام التنزيل، ولم يبلغه عن الله ورسوله تكفير من عصى الرسل، ودعا الأموات والغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأهل العلم لهم في مثله كلام ليس هذا محله.
Translation
فصل فيه معنى الاصطفاء والتفريق بين إنكار المنكر وتكفير من أشرك وعاند
#82
Chapter 82 — فصل فيه مناقشة التفريق بين الخوارج وأهل السنة
· ref. #82
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه مناقشة التفريق بين الخوارج وأهل السنة]
فصل قال المعترض: (ولهذا قال الإمام أحمد: صحَّ عن النبي ﷺ من خمسة أوجه أنه قال: " «الخوارج كلاب النار» " (١) فالحاصل أنه لا يكذّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح دون أنه ﷺ في قبره حي وجسده طري أعلى (٢) من حياة الشهداء يسمع المخاطب، وصح عن سعيد بن المسيب أنه يسمع أيام فتنة الحرة الأذان والإقامة من قبره ﷺ (٣) وليس موسى بأعلى رتبة منه -عليهما الصلاة والسلام-، وقد مرَّ (٤) أنه يصلي في قبره، وذكر ابن القيم من أحوال الروح في كتاب " الروح الكبير" ما لا يمكن أن يتكلَّم به مع هؤلاء الجهلة الغوغاء؛ وأنها قد تهزم الجيوش) .
ثم ذكر حديث: " «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٥) وحديث: " «تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت
_________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٧٣)، وأحمد (٤ / ٣٥٥)، والطبراني في الكبير (٨ / ٢٧٠، ح ٨٠٤٢)، وفي المعجم الصغير (١٠٦٨) .
(٢) في (ق) و(المطبوعة): (أغلى)، بالغين المعجمة.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥ / ١٣٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء ص (٤١٨) كلاهما من طريق عبد الحميد بن سليمان، وذكرها الذهبي في السير (٤ / ٢٢٨)، وقال: (عبد الحميد بن سليمان ضعيف) .
(٤) في النسخ الأربع: "مرة"، ولم أستوضحه.
(٥) أخرجه النسائي (٣ / ٤٣)، والدارمي (٢ / ٣١٧)، والحاكم (٢ / ٤٢١)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (٢٣٩٣)، والبغوي في شرح السنة (٦٨٧) .
الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم» " (١) وساق حديث: " «إنَ أعمالكم تعرض على عشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا (٢) اللهم لا تمتهم حتى تهديهم (٣) كما هديتنا» (٤) .
قال المعترض: (إن كان سفيان قد دلس فيه، فهو ثقة عدل) . يشير إلى أن سفيان حدث عمن سمع أنس بن مالك.
والجواب: أما ما جاء في الخوارج عن رسول الله ﷺ فهو حق لا ريب فيه، والخوارج لا يعرفهم هذا وأمثاله من الضُلاَّل، فإنهم قوم خرجوا على أصحاب رسول الله ﷺ وكفَّروهم، وفسَّقوهم بتحكيم الحكمين، ووضع الهدنة بين المسلمين في قتالهم، فكروهم بأمور ظنُّوها ذنوبا وسيئات متأولين قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] [الأنعام: ٥٧، ويوسف ٤٠، ٦٧] .
وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] [التوبة: ١] .
_________
(١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في زوائد الحارث (٢ / ٨٨٤)، وفي سنده جسر بن فرقد وهو ضعيف عندهم، وانظر: ". ميزان الاعتدال" (٢ / ١٢٤) .
(٢) في (م): "قال".
(٣) في (ق) و(م): "تأتيهم".
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣ / ١٦٥) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه الطيالسي (١٧٩٤) من حديث جابر بن عبد الله، وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٦٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢ / ٣٢٨) .
قالوا: (فلا حكم لأحد ولا هدنة بعد براءة، وقصتهم معروفة)، وقد قاتلهم أمير المؤمنين (١) وقتلهم، وبقيت منهم بقية صارت لهم صولة وجماعة في خلافة بني أمية فقاتلهم ابن الزبير، وقاتلهم الحجاج، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة.
فهؤلاء كفروا أهل الإيمان والإسلام بأمورِ ظنُّوها ذنوبا وسيئات.
وأما أهل العلم والإيمان وأتباع الرسل: فهم يفرقون بين الذنوب وغيرها، ويفصلون في الذنوب المحققة بين ما يكفر ويوجب الردَّة (٢) وما يوجب الفسوق فقط، وما لا يوجبه من الصغائر المكفّرة (٣) باجتناب الكبائر، فهم على صراطٍ مستقيم، ومنهج مستبين؛ يأتمُّون بكتاب الله، ويقتدون برسول الله، ويعتصمون بحبل الله، قد فصلوا وبيَّنوا الذنوب المكفِّرة لأصحابها، وقرروها بأدلتها في كتب الحديث، كالصحيحين والسنن الأربع والمسانيد (٤) الثمانية، والمعاجم، ونحوها من دواوين الإسلام التي يرجع إليها في سائر الأحكام، ولذلك عقد أهل المذاهب المتبوعين أبوابا مستقلة (٥) في حكم الردَّة، وذكروا ما يكفر به المسلم من الأقوال والأفعال، وكلهم قرر (٦) أن الشرك الأكبر يوجب الردَة كما يوجبها السحر والاستهزاء بالله وبكلامه ورسله، وذكروا (أنَّ من كَفَر بحرف من القرآن، أو فرع مجمع عليه أنه مرتد، ويخرج عن الإسلام بذلك،
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: " علي ".
(٢) في (ق) و(م): " يوجب الكفر والردَة ".
(٣) في (ق): (المكفرات) .
(٤) في جميع النسخ عدا (ق): "المساند".
(٥) في (ح): " مشتملة ".
(٦) في (ق): " قرروا ".
وذكروا) (١) أشياء كثيرة قد أفردها ابن حجر (٢) وغيره بالتصنيف، فإن كان هؤلاء كلهم خوارج، فليس في الأمة إلا خارجي مبتدع، وإمامهم ورئيسهم أبو بكر الصدّيق ﵁ الذي كفر وقاتل مانع الزكاة، وإن لم يكن هؤلاء من الخوارج وأهل البدع؛ فالشيخ ﵀ واحد من الجملة وفرد من آحاد العلماء، ولم يخرج عن سبيل أهل العلم في مسألة من المسائل، والمسألة التي فيها النزاع- وهي (٣) دعاء الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها من المطالب مسألة إجماعية لا نزاع فيها بين علماء الأمة، وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، بل حكى في رده على النصارى: أنَّ النبوَّات اتَّفقت على تكفير من دعا الأموات والغائبين، وقرَّر أن هذا من العبادات التي لا تصرف لغير الله ولا يستحقها أحد سواه.
إذا عرفت هذا: فالمعترض وأمثاله صالوا على أتباع الرسل قديما وحديثا بأنهم خوارج، وأن هذا دين الخوارج، وقالت قريش قبلهم لرسول الله ﷺ: إنه الصابئ. والصابئ قريب من معنى المعتزلي والخارجي، قال ابن القيِّم ﵀ في نونيته (٤) .
ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن
أنتم بذا مثل الخوارج أنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعاني (٥)
_________
(١) ما بين القوسين سقط من (المطبوعة) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "الهيثمي ".
(٣) في (ق): (وهو) .
(٤) " نونية ابن القيم " ص (١٠٣) .
(٥) في (ق) و(م): "لبيان، وفي (ح): "لمعاني لبيان".
فصل قال المعترض: (ولهذا قال الإمام أحمد: صحَّ عن النبي ﷺ من خمسة أوجه أنه قال: " «الخوارج كلاب النار» " (١) فالحاصل أنه لا يكذّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح دون أنه ﷺ في قبره حي وجسده طري أعلى (٢) من حياة الشهداء يسمع المخاطب، وصح عن سعيد بن المسيب أنه يسمع أيام فتنة الحرة الأذان والإقامة من قبره ﷺ (٣) وليس موسى بأعلى رتبة منه -عليهما الصلاة والسلام-، وقد مرَّ (٤) أنه يصلي في قبره، وذكر ابن القيم من أحوال الروح في كتاب " الروح الكبير" ما لا يمكن أن يتكلَّم به مع هؤلاء الجهلة الغوغاء؛ وأنها قد تهزم الجيوش) .
ثم ذكر حديث: " «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٥) وحديث: " «تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت
_________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٧٣)، وأحمد (٤ / ٣٥٥)، والطبراني في الكبير (٨ / ٢٧٠، ح ٨٠٤٢)، وفي المعجم الصغير (١٠٦٨) .
(٢) في (ق) و(المطبوعة): (أغلى)، بالغين المعجمة.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥ / ١٣٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء ص (٤١٨) كلاهما من طريق عبد الحميد بن سليمان، وذكرها الذهبي في السير (٤ / ٢٢٨)، وقال: (عبد الحميد بن سليمان ضعيف) .
(٤) في النسخ الأربع: "مرة"، ولم أستوضحه.
(٥) أخرجه النسائي (٣ / ٤٣)، والدارمي (٢ / ٣١٧)، والحاكم (٢ / ٤٢١)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (٢٣٩٣)، والبغوي في شرح السنة (٦٨٧) .
الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم» " (١) وساق حديث: " «إنَ أعمالكم تعرض على عشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا (٢) اللهم لا تمتهم حتى تهديهم (٣) كما هديتنا» (٤) .
قال المعترض: (إن كان سفيان قد دلس فيه، فهو ثقة عدل) . يشير إلى أن سفيان حدث عمن سمع أنس بن مالك.
والجواب: أما ما جاء في الخوارج عن رسول الله ﷺ فهو حق لا ريب فيه، والخوارج لا يعرفهم هذا وأمثاله من الضُلاَّل، فإنهم قوم خرجوا على أصحاب رسول الله ﷺ وكفَّروهم، وفسَّقوهم بتحكيم الحكمين، ووضع الهدنة بين المسلمين في قتالهم، فكروهم بأمور ظنُّوها ذنوبا وسيئات متأولين قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] [الأنعام: ٥٧، ويوسف ٤٠، ٦٧] .
وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] [التوبة: ١] .
_________
(١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في زوائد الحارث (٢ / ٨٨٤)، وفي سنده جسر بن فرقد وهو ضعيف عندهم، وانظر: ". ميزان الاعتدال" (٢ / ١٢٤) .
(٢) في (م): "قال".
(٣) في (ق) و(م): "تأتيهم".
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣ / ١٦٥) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه الطيالسي (١٧٩٤) من حديث جابر بن عبد الله، وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٦٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢ / ٣٢٨) .
قالوا: (فلا حكم لأحد ولا هدنة بعد براءة، وقصتهم معروفة)، وقد قاتلهم أمير المؤمنين (١) وقتلهم، وبقيت منهم بقية صارت لهم صولة وجماعة في خلافة بني أمية فقاتلهم ابن الزبير، وقاتلهم الحجاج، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة.
فهؤلاء كفروا أهل الإيمان والإسلام بأمورِ ظنُّوها ذنوبا وسيئات.
وأما أهل العلم والإيمان وأتباع الرسل: فهم يفرقون بين الذنوب وغيرها، ويفصلون في الذنوب المحققة بين ما يكفر ويوجب الردَّة (٢) وما يوجب الفسوق فقط، وما لا يوجبه من الصغائر المكفّرة (٣) باجتناب الكبائر، فهم على صراطٍ مستقيم، ومنهج مستبين؛ يأتمُّون بكتاب الله، ويقتدون برسول الله، ويعتصمون بحبل الله، قد فصلوا وبيَّنوا الذنوب المكفِّرة لأصحابها، وقرروها بأدلتها في كتب الحديث، كالصحيحين والسنن الأربع والمسانيد (٤) الثمانية، والمعاجم، ونحوها من دواوين الإسلام التي يرجع إليها في سائر الأحكام، ولذلك عقد أهل المذاهب المتبوعين أبوابا مستقلة (٥) في حكم الردَّة، وذكروا ما يكفر به المسلم من الأقوال والأفعال، وكلهم قرر (٦) أن الشرك الأكبر يوجب الردَة كما يوجبها السحر والاستهزاء بالله وبكلامه ورسله، وذكروا (أنَّ من كَفَر بحرف من القرآن، أو فرع مجمع عليه أنه مرتد، ويخرج عن الإسلام بذلك،
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: " علي ".
(٢) في (ق) و(م): " يوجب الكفر والردَة ".
(٣) في (ق): (المكفرات) .
(٤) في جميع النسخ عدا (ق): "المساند".
(٥) في (ح): " مشتملة ".
(٦) في (ق): " قرروا ".
وذكروا) (١) أشياء كثيرة قد أفردها ابن حجر (٢) وغيره بالتصنيف، فإن كان هؤلاء كلهم خوارج، فليس في الأمة إلا خارجي مبتدع، وإمامهم ورئيسهم أبو بكر الصدّيق ﵁ الذي كفر وقاتل مانع الزكاة، وإن لم يكن هؤلاء من الخوارج وأهل البدع؛ فالشيخ ﵀ واحد من الجملة وفرد من آحاد العلماء، ولم يخرج عن سبيل أهل العلم في مسألة من المسائل، والمسألة التي فيها النزاع- وهي (٣) دعاء الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها من المطالب مسألة إجماعية لا نزاع فيها بين علماء الأمة، وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، بل حكى في رده على النصارى: أنَّ النبوَّات اتَّفقت على تكفير من دعا الأموات والغائبين، وقرَّر أن هذا من العبادات التي لا تصرف لغير الله ولا يستحقها أحد سواه.
إذا عرفت هذا: فالمعترض وأمثاله صالوا على أتباع الرسل قديما وحديثا بأنهم خوارج، وأن هذا دين الخوارج، وقالت قريش قبلهم لرسول الله ﷺ: إنه الصابئ. والصابئ قريب من معنى المعتزلي والخارجي، قال ابن القيِّم ﵀ في نونيته (٤) .
ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن
أنتم بذا مثل الخوارج أنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعاني (٥)
_________
(١) ما بين القوسين سقط من (المطبوعة) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "الهيثمي ".
(٣) في (ق): (وهو) .
(٤) " نونية ابن القيم " ص (١٠٣) .
(٥) في (ق) و(م): "لبيان، وفي (ح): "لمعاني لبيان".
Translation
فصل فيه مناقشة التفريق بين الخوارج وأهل السنة
#83
Chapter 83 — حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته
· ref. #83
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
فثبت أن هذا الداء (١) قديم، صدَّ به إبليس الرجيم أمما لم يفرّقوا بين ما كفرت به الرسل وأتباعهم، وما كفَّرت به الخوارج وأشياعهم، فكم هلك في هذا من جاهل، وكم زاغ به من زائغ.
ثم يقال لهذا (٢) إذا ثبت أن الخوارج كلاب أهل النار؟ لأنهم كفروا أهل الإسلام بالذنوب- على زعمهم- فكيف ترى بمن (٣) كفَّر أئمة الدين وعلماء الأمة وورثة الرسول (٤) بمتابعته، وتجريد التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله؟ فأي الفريقين أحق أن يكون من كلاب النار: من كفَّر بالذنوب والسيئات، أو من كفر بمحض الإيمان والحسنات؟ الله أكبر. ما أضل هذا الرجل (٥) عن سواء السبيل.
[حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته]
وأما قوله: (فالحاصل أنه يكذِّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح) .
فيقال: هذا شروع منه في أن الأرواح لها تصرف، وعلم يوجب دعاءها بعد مفارقة أجسادها، والاستغاثة بها، وهذا القول حكاه شيخ الإسلام عن الصابئة، وقرَّره غير واحد في دعاء الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء والصالحين والملائكة (٦) .
واستدل الغبي على هذه الدعوى الصابئية بأنه ﷺ في قبره حي،
_________
(١) في (ق): " الدعاء ".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: (الغبي الضال) .
(٣) في (ق): " ممن ".
(٤) في (ق): " الرسل ".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق) و(م): "والملائكة والصالحين".
وجسده طري- بأبي هو وأمي- ولم يفقه هذا المعترض (١) معنى حياة الأنبياء والشهداء، ولم يدرِ حقيقتها مع أن الإشارة إليها صريحة في كتاب الله! وفي سنة رسول الله (٢) والرجل حاطب ليل لا علم له بما يورده من النقول، ولا دراية له بشيء من المعقول، وليست حياة الأنبياء والشهداء كما يظنه هؤلاء وأسلافهم من الصابئة، من أنهم (٣) لهم علم (٤) بحال من دعاهم وقدرة على إجابته، وتصرف في العالم، وجولات (٥) في الملكوت، ويكفي المؤمن في بيان حياتهم والإشارة إلى حقيقتها قوله تعالى (٦) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] [آل عمران -١٦٩] .
وقوله ﷺ فيما صحَّ عنه: " «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاء» " (٧) ويكفي في إبطال قول الصابئة وورثتهم قوله تعالى عن المسيح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] [المائدة: ١١٧] في هذه الآية ما يدل على أنه ﵇ لا علم له بما صدر
_________
(١) في (المطبوعة): " الأعمى ".
(٢) في (م): " وسنة رسوله ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "أن".
(٤) في (المطبوعة): " علما ".
(٥) في المطبوعة: "وجولانا".
(٦) (قوله تعالى) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) أخرجه مسلم (١٨٧٨)، أبو داود (٠ ٥٢ ٢)، والترمذي (١١ ٠ ٣)، وابن ماجه (١٤٤٩)، وأحمد (٦ / ٣٨٦) .
وجرى منهم بعد وفاته، وأنه إنَّما يشهد بما كان منهم مدة حياته وبقائه فيهم، ولا يعلم سواه (١) ولا يشهد بغيره، وعن ابن عباس مرفوعا: " «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا» "، ثم قرأ (٢) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنبياء: ١٠٤] .
«وأول من يكسى (٣) إبراهيم، ويؤخذ برجال من أصحابي ذات الشمال، فأقول: " أصحابي". فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]» (٤) [المائدة - ١١٧، ١١٨] .
فإذا كانت هذه أحوال أكابر (٥) الرسل وسادات الأنبياء لا شهادة لهم ولا علم (٦) بأممهم إلا مدة دوامهم فيهم، وحياتهم بين أظهرهم، فكيف يقال: بأن الروح تعلم علما مطلقا بحال من دعاها، فَتُسأل أو تدعى؟ ما أقبح الكذب على الله وعلى رسله.
وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن: ٢١] .
_________
(١) في (ق): "سواها".
(٢) في (ق) زيادة: "قوله تعالى".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "يوم القيامة".
(٤) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم، وتقدم تخريجه، انظر ص (٣٥٢)، هامش ٢.
(٥) ساقطة من (م) .
(٦) في (م) زيادة: " لهم ".
وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به» (١) أو ولد صالح يدعو له (٢) وقوله ﷺ: «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٣) .
وأما حياته في قبره: فنعم ﷺ (٤) ولكن الشأن في معرفة حقيقة هذه الحياة والفرق بينها وبين الحياة الدنيوية.
وأمَّا سماع النداء بالأذان والإقامة من القبر الشريف: فالأمر أجلّ من ذلك وأرفع، وقد سمعت القراءة من كثير من الأموات من سائر المؤمنين فكيف بسيد المرسلين؟ .
وأما صلاة موسى في قبره: فإن صحَّ الحديث بها، فليس فيها حجة، ولا دليل على أن أحدا منهم يقصد للدعاء والشفاعة، والحديث فيه مقال؟ ولذلك قال صاحب (٥) [الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية] (٦) .
في النفس منه حسيلة: هل قاله؟ ... والحق ما قد قال ذو الفرقان
وأمَّا ما ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب [الروح]: فليس فيه أن الأرواح تفعل، وتهزم الجيوش، أو تنصر على الأعداء، كما زعمه هذا الضال
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "من بعده".
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص (٤٠١)، هامش ٢.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٧)، هامش ٢.
(٤) " ﷺ " ساقط من (ق) و(م) و(المطبوعة) .
(٥) في (ق): "أصحاب "، وفي (م) و(المطبوعة): (ابن القيم في) .
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
الذي مبنى (١) دينه ورده على المسبة والسفاهة (٢) ونسبة المؤمنين إلى أنهم جهلة غوغاء، فليوجدنا حرفا يشهد لقوله عن (٣) ابن القيم أو غيره، بل في كتاب "الروح" من ذكر أحوال الأرواح، وتقسيمها، واشتغالها بما هي بصدده، وحبس بعضها وانقطاع أعمالها، وغير ذلك من صفاتها ما يشهد بأنها مقهورة مربوبة مدبرة؟ لا تزيد في حسناتها ولا تنقص من سيئاتها إلى يوم النشور، خلافا لما زعمه الكاذب الظالم الفجور.
وأمَّا حديث: " «إنَّ لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٤) فهذا الحديث حجة لأهل التوحيد القائلين بأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يملك لأحد ضرا ولا نفعا.
ووجه الدليل: إنَّ السلام يرفع إليه ويبلغ إيَّاه؟ ولم يرد أنه يعلم أو يسمع من بُعد من المصلين والمسَلمين عليه، وإذا كان الحال هكذا فما ظنك بالداعين والطالبين؟ .
وكذلك عرض الأعمال عليه: يقال فيه ما قيل في هذا، وكذلك عرضها على العشائر والأقارب لا يدلّ على أنَّ الميت يدعى ويقصد، ويطلب منه الاستغفار، فإن هذا من دين المشركين.
وهذه الأحاديث لا تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين، ولا على عموم العلم بحال الداعين، ولا على حصول الاستغفار في كل
_________
(١) في (ق): " بنى ".
(٢) في (ق) و(م): "السفاهة والمسبة".
(٣) في (ق): " القول ".
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص (٤٤٤)، هامش ٥.
وقت وحين، فان هذا يحتاج لتوقيف من الشارع ﷺ.
وأما قوله: (وإن كان سفيان قد دلَّس فهو ثقة عدل) .
فيقال له: البحث في هذا ليس من شأنك، ولا من حرفتك، ولا تحسن الخوض في هذه المباحث، وسفيان أجل من أن يزكيه أمثالك من الضالين، والعلَة ليس ما زعمته وقررته (١) .
_________
(١) في (ق): وضع الناسخ نقطا هنا وكتب في الهامش: "بياض في الأصل".
ثم يقال لهذا (٢) إذا ثبت أن الخوارج كلاب أهل النار؟ لأنهم كفروا أهل الإسلام بالذنوب- على زعمهم- فكيف ترى بمن (٣) كفَّر أئمة الدين وعلماء الأمة وورثة الرسول (٤) بمتابعته، وتجريد التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله؟ فأي الفريقين أحق أن يكون من كلاب النار: من كفَّر بالذنوب والسيئات، أو من كفر بمحض الإيمان والحسنات؟ الله أكبر. ما أضل هذا الرجل (٥) عن سواء السبيل.
[حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته]
وأما قوله: (فالحاصل أنه يكذِّب بحال الروح إلا من قلبه مجروح) .
فيقال: هذا شروع منه في أن الأرواح لها تصرف، وعلم يوجب دعاءها بعد مفارقة أجسادها، والاستغاثة بها، وهذا القول حكاه شيخ الإسلام عن الصابئة، وقرَّره غير واحد في دعاء الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء والصالحين والملائكة (٦) .
واستدل الغبي على هذه الدعوى الصابئية بأنه ﷺ في قبره حي،
_________
(١) في (ق): " الدعاء ".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: (الغبي الضال) .
(٣) في (ق): " ممن ".
(٤) في (ق): " الرسل ".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق) و(م): "والملائكة والصالحين".
وجسده طري- بأبي هو وأمي- ولم يفقه هذا المعترض (١) معنى حياة الأنبياء والشهداء، ولم يدرِ حقيقتها مع أن الإشارة إليها صريحة في كتاب الله! وفي سنة رسول الله (٢) والرجل حاطب ليل لا علم له بما يورده من النقول، ولا دراية له بشيء من المعقول، وليست حياة الأنبياء والشهداء كما يظنه هؤلاء وأسلافهم من الصابئة، من أنهم (٣) لهم علم (٤) بحال من دعاهم وقدرة على إجابته، وتصرف في العالم، وجولات (٥) في الملكوت، ويكفي المؤمن في بيان حياتهم والإشارة إلى حقيقتها قوله تعالى (٦) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] [آل عمران -١٦٩] .
وقوله ﷺ فيما صحَّ عنه: " «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاء» " (٧) ويكفي في إبطال قول الصابئة وورثتهم قوله تعالى عن المسيح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] [المائدة: ١١٧] في هذه الآية ما يدل على أنه ﵇ لا علم له بما صدر
_________
(١) في (المطبوعة): " الأعمى ".
(٢) في (م): " وسنة رسوله ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): "أن".
(٤) في (المطبوعة): " علما ".
(٥) في المطبوعة: "وجولانا".
(٦) (قوله تعالى) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) أخرجه مسلم (١٨٧٨)، أبو داود (٠ ٥٢ ٢)، والترمذي (١١ ٠ ٣)، وابن ماجه (١٤٤٩)، وأحمد (٦ / ٣٨٦) .
وجرى منهم بعد وفاته، وأنه إنَّما يشهد بما كان منهم مدة حياته وبقائه فيهم، ولا يعلم سواه (١) ولا يشهد بغيره، وعن ابن عباس مرفوعا: " «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا» "، ثم قرأ (٢) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنبياء: ١٠٤] .
«وأول من يكسى (٣) إبراهيم، ويؤخذ برجال من أصحابي ذات الشمال، فأقول: " أصحابي". فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]» (٤) [المائدة - ١١٧، ١١٨] .
فإذا كانت هذه أحوال أكابر (٥) الرسل وسادات الأنبياء لا شهادة لهم ولا علم (٦) بأممهم إلا مدة دوامهم فيهم، وحياتهم بين أظهرهم، فكيف يقال: بأن الروح تعلم علما مطلقا بحال من دعاها، فَتُسأل أو تدعى؟ ما أقبح الكذب على الله وعلى رسله.
وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن: ٢١] .
_________
(١) في (ق): "سواها".
(٢) في (ق) زيادة: "قوله تعالى".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "يوم القيامة".
(٤) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم، وتقدم تخريجه، انظر ص (٣٥٢)، هامش ٢.
(٥) ساقطة من (م) .
(٦) في (م) زيادة: " لهم ".
وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به» (١) أو ولد صالح يدعو له (٢) وقوله ﷺ: «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٣) .
وأما حياته في قبره: فنعم ﷺ (٤) ولكن الشأن في معرفة حقيقة هذه الحياة والفرق بينها وبين الحياة الدنيوية.
وأمَّا سماع النداء بالأذان والإقامة من القبر الشريف: فالأمر أجلّ من ذلك وأرفع، وقد سمعت القراءة من كثير من الأموات من سائر المؤمنين فكيف بسيد المرسلين؟ .
وأما صلاة موسى في قبره: فإن صحَّ الحديث بها، فليس فيها حجة، ولا دليل على أن أحدا منهم يقصد للدعاء والشفاعة، والحديث فيه مقال؟ ولذلك قال صاحب (٥) [الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية] (٦) .
في النفس منه حسيلة: هل قاله؟ ... والحق ما قد قال ذو الفرقان
وأمَّا ما ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب [الروح]: فليس فيه أن الأرواح تفعل، وتهزم الجيوش، أو تنصر على الأعداء، كما زعمه هذا الضال
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "من بعده".
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص (٤٠١)، هامش ٢.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٧)، هامش ٢.
(٤) " ﷺ " ساقط من (ق) و(م) و(المطبوعة) .
(٥) في (ق): "أصحاب "، وفي (م) و(المطبوعة): (ابن القيم في) .
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
الذي مبنى (١) دينه ورده على المسبة والسفاهة (٢) ونسبة المؤمنين إلى أنهم جهلة غوغاء، فليوجدنا حرفا يشهد لقوله عن (٣) ابن القيم أو غيره، بل في كتاب "الروح" من ذكر أحوال الأرواح، وتقسيمها، واشتغالها بما هي بصدده، وحبس بعضها وانقطاع أعمالها، وغير ذلك من صفاتها ما يشهد بأنها مقهورة مربوبة مدبرة؟ لا تزيد في حسناتها ولا تنقص من سيئاتها إلى يوم النشور، خلافا لما زعمه الكاذب الظالم الفجور.
وأمَّا حديث: " «إنَّ لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» " (٤) فهذا الحديث حجة لأهل التوحيد القائلين بأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يملك لأحد ضرا ولا نفعا.
ووجه الدليل: إنَّ السلام يرفع إليه ويبلغ إيَّاه؟ ولم يرد أنه يعلم أو يسمع من بُعد من المصلين والمسَلمين عليه، وإذا كان الحال هكذا فما ظنك بالداعين والطالبين؟ .
وكذلك عرض الأعمال عليه: يقال فيه ما قيل في هذا، وكذلك عرضها على العشائر والأقارب لا يدلّ على أنَّ الميت يدعى ويقصد، ويطلب منه الاستغفار، فإن هذا من دين المشركين.
وهذه الأحاديث لا تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين، ولا على عموم العلم بحال الداعين، ولا على حصول الاستغفار في كل
_________
(١) في (ق): " بنى ".
(٢) في (ق) و(م): "السفاهة والمسبة".
(٣) في (ق): " القول ".
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص (٤٤٤)، هامش ٥.
وقت وحين، فان هذا يحتاج لتوقيف من الشارع ﷺ.
وأما قوله: (وإن كان سفيان قد دلَّس فهو ثقة عدل) .
فيقال له: البحث في هذا ليس من شأنك، ولا من حرفتك، ولا تحسن الخوض في هذه المباحث، وسفيان أجل من أن يزكيه أمثالك من الضالين، والعلَة ليس ما زعمته وقررته (١) .
_________
(١) في (ق): وضع الناسخ نقطا هنا وكتب في الهامش: "بياض في الأصل".
Translation
حياة الأنبياء والشهداء بعد موتهم لا يدل على علمهم بحال من دعاهم ولا قدرتهم على إجابته
#84
Chapter 84 — فصل فيه رد مسبة المعترض بلد الشيخ
· ref. #84
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه رد مسبة المعترض بلد الشيخ]
فصل ثم ذكر المعترض بعد هذه الأحاديث التي مرت من الفحش والكذب (١) والوقاحة (٢) ما يتحاشى العاقل عن ذكره وحكايته، وليس من الحجة في شيء حتى يحكى ويرد إنَّما هو سباب لا يصدر من ذوي الألباب، وهكذا (٣) حال الجاهل والسفيه، إذا أفلس، ضاق عطنه، فاستراح إلى المسبة والفحش والبذاءة، وقال أبو حيان فيما كتبه في الرد على الزمخشري:.
ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أو أورده المضايقا
ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا.
ثم ذكر كلاما طويلا في مسبة بلد الشيخ وموضعه، وأنه بلد مسيلمة ونجدة الحروري والقرمطي والأخيضر (٤) . وابن عصفور؛ وهذا حاصل علم ثور المدار بن منصور، أي بلد من بلاد المسلمين لم يقع فيها من
_________
(١) في (ق): "الكذب والفحش".
(٢) في (ق) و(م) و(ح): (القحة) .
(٣) في (ق) و(م): "وهذا".
(٤) في (ق) و(م): "الأخيضر"، بالضاد المعجمة.
المكفرات (١) والشرك، وعبادة (٢) النيران، أو الأوثان، أو البدع المضلَّة، ما هو من جنس ما حصل باليمامة أو أفحش.
ثم كون نجدة الخارجي والقرمطي من هذه البلاد كلام كذب وزور، على عادته، فإن نجدة ابتلى ببدعته ومروقه بالعراق، وبها استقرَّ وهي وطنه، وأيضا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس.
والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد، ثم لو فرض أنه من نجد ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ، أي ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدا من المسلمين أو غيرهم ببلده وطنه، وكونه فارسيا، أو زنجيًّا، أو مصريّا، من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطنته؟ وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة.
ومن العجب أن يقول في المؤمنين: (﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨])، وهو كما ترى من أكثف الناس حجابا، وأغلظهم ذهنا، يعيب من زكَّاهم الله ورسوله بالإيمان به، ومتابعة رسوله ببلاد قد كفر فيها بالله وعبد معه (٣) . غيره، وهو يعلم أن بلاد الخليل إبراهيم حران دار الصابئة المشركين عُبَّاد النجوم، ودار يوسف دار فرعون الكافر اللعين، وسكنها موسى بعده وأكابر بني إسرائيل، وكذلك مكة المشرَّفة، سكنها المشركون وعلقوا الأصنام على الكعبة المشرَّفة، وأخرجوا نبيهم وقاتلوه
_________
(١) في (ق) و(م): " الكفر ".
(٢) في (خ): "وعُباد".
(٣) في (م) و(المطبوعة): "مع".
المرة بعد المرة أفيستحيل مؤمن، أو عاقل، أو جاهل أن يلمز (١) أحد من المهاجرين، أو من مسلمة الفتح، أو من (٢) بعدهم من المؤمنين بما سلف في مكة من الشرك بالله رب العالمين؟ فاحكم أيها السامع المنصف بيننا وبين هذا الرجل الذي يتأوَّل فينا قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] [النساء: ٧٨-٧٨] .
وقد رفعت إليك الخصومة وجاء كل بحجته، عسى أن يوفق لهما (٣) صاحب سنَّة، وصاحب صناعة يحكم بالحق، ويفصل النزاع، فقد طال اعتراض هؤلاء الجهلة، وتمادوا في غيهم وضلالهم، فالله المستعان.
ثم قال: (ومن ذلك الذي نحن بصدده حديث الأعمى الذي صحَّحه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف (﵁ الذي علمه النبي ﷺ إياه. وفيه النداء بغيبته، ففتح الله له عينيه، فجاء إليه كأن لم يكن به بأس. وعلمه عثمان بن حنيف) (٤) رجلا في خلافة عثمان، وكانت له حاجة فتيسرت حاجته، فالكل من عند الله تعالى في الحقيقة، وهو ﷺ سبب يكرمه الله بذلك، فما ذنب صاحب البردة ﵀ في قوله: يا أكرم الخلق؟ (أليس هو بأكرم الخلق) (٥) على الله؟ .
ثم قال: (وروى الحاكم بإسناده عن عمر بن الخطاب -رضي الله
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): "لها".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
عنه (١) قال: قال (٢) رسول الله ﷺ: " «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فإذا على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، وقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، إن سألتني بحقه فقد (٣) غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» " (٤) ورواه الطبراني وزاد: " «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» " (٥) قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] [النساء: ١] على قراءة الجر، وقد صح عن عبد الله بن جعفر ﵁ أنه إذا سأل عمه شيئا بحق جعفر أجابه) .
ثم أخذ يكرّر ما تقدَم من حديث السؤال (٦) بحقّ السائلين، وحديث الغار، وأن ذات النبي ﷺ أعلى من العمل الصالح، وقد أعطاه الله الشفاعات، وهو حي في قبره ﷺ وأن سعيدا سمع الآذان والإقامة أيَّام الحرة من القبر الشريف، وأنه يستغفر لأمته.
وكل هذه قد تكرَر؛ ولكنه أفلس وعاد إلى تقليب ما في المكتل، كل هذا أجبنا عنه بحمد الله.
_________
(١) " بن الخطاب ﵁" ساقطة من (م) و(ح) و(المطبوعة) .
(٢) " وروى الحاكم. . . " إلى هنا ساقطة من (ح) .
(٣) ساقطة من (ق) و(ح) و(المطبوعة) .
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦ / ٣١٤)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٦١٥)، وذكره الذهبي في الميزان (٣ / ٣٥٩) وحكم ببطلان سنده.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٩٧٨) .
(٦) في (المطبوعة): "الرسول".
ثم قال: (فأين هذا من عبادة غير الله تعالى من دونه جلَّ وعلا، والذي في الآية الكريمة التي استدل بها هذا الرجل على تكفير هذه الأمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؟ إذ هو من القول على الله بلا علم، وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا نفيا، فذلك أمر آخر، وإنما هو نفي لتكفير هذا الرجل للأمة وعلمائها بذلك بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فلا بكتاب ربه في ذلك اهتدى، ولا بسنَّة رسول الله ﷺ اقتدى، ولا بقول من بقوله الرضى والشفاء من العلماء، لا بصحابي مضى (١) ولا بتابعي قفى (٢) ولا عمن في قوله الشفاء من العلماء أهل المعرفة بالاقتداء، ونحن بحمد الله ندين بأنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إيَّاه، حيّ قيُّوم، وهو على كل شيء قدير، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله له الخلق والأمر، ولكن لا نحكم أنفسنا على الله تعالى ورسوله، وما (٣) فعله السلف أو ردوه لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا) .
والجواب أن يقال: قد تقدَّم الكلام على حديث الأعمى، وتقدَّم تنبيه هذا المعترض على الفرق بين الأسباب، وأن منها ما شرع ومنها ما لم يشرع، هذا على تسليم كون سؤاله ﷺ سببا (٤) يشفع لمن دعاه.
وقوله: (فما ذنب صاحب البردة) قد تقدَم الكلام في ذنبه، وبيان
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ح): "تفي".
(٣) في (ق): "ولا".
(٤) في (ق) و(م) و(ح): "سببا ﷺ"، وهو خطأ.
فصل ثم ذكر المعترض بعد هذه الأحاديث التي مرت من الفحش والكذب (١) والوقاحة (٢) ما يتحاشى العاقل عن ذكره وحكايته، وليس من الحجة في شيء حتى يحكى ويرد إنَّما هو سباب لا يصدر من ذوي الألباب، وهكذا (٣) حال الجاهل والسفيه، إذا أفلس، ضاق عطنه، فاستراح إلى المسبة والفحش والبذاءة، وقال أبو حيان فيما كتبه في الرد على الزمخشري:.
ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أو أورده المضايقا
ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا.
ثم ذكر كلاما طويلا في مسبة بلد الشيخ وموضعه، وأنه بلد مسيلمة ونجدة الحروري والقرمطي والأخيضر (٤) . وابن عصفور؛ وهذا حاصل علم ثور المدار بن منصور، أي بلد من بلاد المسلمين لم يقع فيها من
_________
(١) في (ق): "الكذب والفحش".
(٢) في (ق) و(م) و(ح): (القحة) .
(٣) في (ق) و(م): "وهذا".
(٤) في (ق) و(م): "الأخيضر"، بالضاد المعجمة.
المكفرات (١) والشرك، وعبادة (٢) النيران، أو الأوثان، أو البدع المضلَّة، ما هو من جنس ما حصل باليمامة أو أفحش.
ثم كون نجدة الخارجي والقرمطي من هذه البلاد كلام كذب وزور، على عادته، فإن نجدة ابتلى ببدعته ومروقه بالعراق، وبها استقرَّ وهي وطنه، وأيضا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس.
والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد، ثم لو فرض أنه من نجد ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ، أي ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدا من المسلمين أو غيرهم ببلده وطنه، وكونه فارسيا، أو زنجيًّا، أو مصريّا، من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطنته؟ وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة.
ومن العجب أن يقول في المؤمنين: (﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨])، وهو كما ترى من أكثف الناس حجابا، وأغلظهم ذهنا، يعيب من زكَّاهم الله ورسوله بالإيمان به، ومتابعة رسوله ببلاد قد كفر فيها بالله وعبد معه (٣) . غيره، وهو يعلم أن بلاد الخليل إبراهيم حران دار الصابئة المشركين عُبَّاد النجوم، ودار يوسف دار فرعون الكافر اللعين، وسكنها موسى بعده وأكابر بني إسرائيل، وكذلك مكة المشرَّفة، سكنها المشركون وعلقوا الأصنام على الكعبة المشرَّفة، وأخرجوا نبيهم وقاتلوه
_________
(١) في (ق) و(م): " الكفر ".
(٢) في (خ): "وعُباد".
(٣) في (م) و(المطبوعة): "مع".
المرة بعد المرة أفيستحيل مؤمن، أو عاقل، أو جاهل أن يلمز (١) أحد من المهاجرين، أو من مسلمة الفتح، أو من (٢) بعدهم من المؤمنين بما سلف في مكة من الشرك بالله رب العالمين؟ فاحكم أيها السامع المنصف بيننا وبين هذا الرجل الذي يتأوَّل فينا قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] [النساء: ٧٨-٧٨] .
وقد رفعت إليك الخصومة وجاء كل بحجته، عسى أن يوفق لهما (٣) صاحب سنَّة، وصاحب صناعة يحكم بالحق، ويفصل النزاع، فقد طال اعتراض هؤلاء الجهلة، وتمادوا في غيهم وضلالهم، فالله المستعان.
ثم قال: (ومن ذلك الذي نحن بصدده حديث الأعمى الذي صحَّحه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف (﵁ الذي علمه النبي ﷺ إياه. وفيه النداء بغيبته، ففتح الله له عينيه، فجاء إليه كأن لم يكن به بأس. وعلمه عثمان بن حنيف) (٤) رجلا في خلافة عثمان، وكانت له حاجة فتيسرت حاجته، فالكل من عند الله تعالى في الحقيقة، وهو ﷺ سبب يكرمه الله بذلك، فما ذنب صاحب البردة ﵀ في قوله: يا أكرم الخلق؟ (أليس هو بأكرم الخلق) (٥) على الله؟ .
ثم قال: (وروى الحاكم بإسناده عن عمر بن الخطاب -رضي الله
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): "لها".
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
عنه (١) قال: قال (٢) رسول الله ﷺ: " «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فإذا على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، وقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، إن سألتني بحقه فقد (٣) غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» " (٤) ورواه الطبراني وزاد: " «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» " (٥) قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] [النساء: ١] على قراءة الجر، وقد صح عن عبد الله بن جعفر ﵁ أنه إذا سأل عمه شيئا بحق جعفر أجابه) .
ثم أخذ يكرّر ما تقدَم من حديث السؤال (٦) بحقّ السائلين، وحديث الغار، وأن ذات النبي ﷺ أعلى من العمل الصالح، وقد أعطاه الله الشفاعات، وهو حي في قبره ﷺ وأن سعيدا سمع الآذان والإقامة أيَّام الحرة من القبر الشريف، وأنه يستغفر لأمته.
وكل هذه قد تكرَر؛ ولكنه أفلس وعاد إلى تقليب ما في المكتل، كل هذا أجبنا عنه بحمد الله.
_________
(١) " بن الخطاب ﵁" ساقطة من (م) و(ح) و(المطبوعة) .
(٢) " وروى الحاكم. . . " إلى هنا ساقطة من (ح) .
(٣) ساقطة من (ق) و(ح) و(المطبوعة) .
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦ / ٣١٤)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٦١٥)، وذكره الذهبي في الميزان (٣ / ٣٥٩) وحكم ببطلان سنده.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٩٧٨) .
(٦) في (المطبوعة): "الرسول".
ثم قال: (فأين هذا من عبادة غير الله تعالى من دونه جلَّ وعلا، والذي في الآية الكريمة التي استدل بها هذا الرجل على تكفير هذه الأمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؟ إذ هو من القول على الله بلا علم، وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا نفيا، فذلك أمر آخر، وإنما هو نفي لتكفير هذا الرجل للأمة وعلمائها بذلك بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فلا بكتاب ربه في ذلك اهتدى، ولا بسنَّة رسول الله ﷺ اقتدى، ولا بقول من بقوله الرضى والشفاء من العلماء، لا بصحابي مضى (١) ولا بتابعي قفى (٢) ولا عمن في قوله الشفاء من العلماء أهل المعرفة بالاقتداء، ونحن بحمد الله ندين بأنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إيَّاه، حيّ قيُّوم، وهو على كل شيء قدير، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله له الخلق والأمر، ولكن لا نحكم أنفسنا على الله تعالى ورسوله، وما (٣) فعله السلف أو ردوه لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا) .
والجواب أن يقال: قد تقدَّم الكلام على حديث الأعمى، وتقدَّم تنبيه هذا المعترض على الفرق بين الأسباب، وأن منها ما شرع ومنها ما لم يشرع، هذا على تسليم كون سؤاله ﷺ سببا (٤) يشفع لمن دعاه.
وقوله: (فما ذنب صاحب البردة) قد تقدَم الكلام في ذنبه، وبيان
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ح): "تفي".
(٣) في (ق): "ولا".
(٤) في (ق) و(م) و(ح): "سببا ﷺ"، وهو خطأ.
Translation
فصل فيه رد مسبة المعترض بلد الشيخ
#85
Chapter 85 — بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد ﵇ موضوع
· ref. #85
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
الوجه في ذلك وإن لم يفقه هذا المعترض، وليس النزاع في كونه ﷺ أكرم الخلق، وإنَّما هو في دعاء غير الله، والاستغاثة بسواه.
[بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد ﵇ موضوع]
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب، بتوسل آدم بحق (١) محمد: فهو حديث موضوع، مكذوب، باتفاق أهل العلم بالحديث، كما جزم به شيخ الإسلام في كتاب الاستغاثة في الردِّ على ابن البكري (٢) وأهل العلم يفرقون بين ما رواه الطبراني، وما رواه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وموطأ مالك، وما رواه غيرهم من أهل المسانيد، لا سيَّما الطبراني، وأمثاله من المكثرين؟ فلا يحتجّ بحديثهم، وما انفردوا به إلا بعد النظر في سنده، وكلام أهل الجرح والتعديل، ومجرَّد العزو لا تقوم به حجة؟ لكثرة ما اشتمل عليه من الموضوعات.
وقد أنكر الحفاظ الحكاية (٣) التي تنسب إلى مالك مع الخليفة المنصور التي ذكر فيها: "كيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبائك وجزموا بأن الحكاية موضوعة، وأن مالكا لم يقل هذا.
وقد تكلَّم عليه الحفاظ: ابن عبد الهادي (٤) وغيره بكلام بديع، وذكر: (أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي قال فيه مالك بن أنس ﵀: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أحدثك أبوك عن أبيه عن جده: أن سفينة
_________
(١) في (ح): "بجاه".
(٢) انظر: (الرد على البكري) (٢ / ٥٥٠)، و"منهاج السنة" (٧ / ١٣١) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) انظر: "الصارم المنكي" ص (٥٩) .
نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم، قال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد (١) ليس ممن يحتج أهل العلم (٢) بحديثه. وقال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأمَّلها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدَّث عن أبيه، لا شيء) .
وأمَّا سؤال عبد الله بحق جعفر: فليس فيه دلالة على محل النزاع، وليس (منه في شيء، فإن السؤال للحقوق الثابتة حض وحث على التزامها، وليس) (٣) من سؤال غير الله ودعائه، فكما أن للسائلين على الله حقا (٤) يسأل به كذلك للرحم حق على الأقارب يسألون به، وأين هذا من قول الناظم في بردته: (ما لي من ألوذ به سواك) وما بعده.
وأما قوله: (فأين هذا من عبادة غير الله) .
فالكلام ليس في التوسل الذي هو سؤال الله بحق عباده، والتوسل بالأعمال الصالحة، حتى يقال: (أين هذا من عبادة غير الله؟)، وإنما النزاع والكلام في دعاء غير الله من الأموات والغائبين، ومن استبعد كونه عبادة لغير الله وأنكر ذلك فهو من أجهل الخلق بمسمى العبادة.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [غافر: ٦٠] .
ومر حديث النعمان، وقوله: " «الدعاء هو العبادة» (٥) . وحديث
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ق): "حق".
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣١٣)، هامش ١.
" «الدعاء مخ العبادة» " (١) . والمعترض مخاتل (٢) متلاعب بدين الله، وسيجزيه الله على ذلك ما يستحقه وتقتضيه حكمة الرب في مجازاة أمثاله.
وأما قوله (٣) (وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا (٤) نفيا) . فهذا كذب يناقض ما قبله، فإنه أثبت ما في أبيات البردة وقرَّره، وساق ما يزعم أنه يشهد له، وأن الطلب من الأموات والغائبين بقصد الشفاعة (جائز وارد، ونفى ما استدرك عليه الشيخ من تحريم دعاء الأموات الشفاعة) (٥) أو غيرها (٦) وزعم: (أن من قال: هذا من الشرك. فقد كفَّر الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، القائمين بدين الله)، وأكثر من هذا النوع وأسهب فيه، كما مر (٧) . وهنا يقول: " ليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك، لا إثباتا ولا نفيا". فالرجل لا يعقل ما يتكلم به، وشيخنا لم يكفر الأمة وعلماءها حتى صاحب البردة وإنَّما تكلَّم فيما دلَّ عليه كلامه واقتضاه نظمه وخطابه، وعلماء الأمة ليسوا (٨) من هذا الضرب الغالين في الأنبياء والصالحين، وهذا الرجل ما عرف العلم ولا العلماء، ولا مسمى
_________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣١٣)، هامش ٣.
(٢) في (ق): (مخامل) .
(٣) في (م): (وأما له)، وهو سهو.
(٤) "لا" ساقطة من (م) .
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٦) في (ق) و(م) زيادة: "وما".
(٧) في (ق): "ترى".
(٨) في (ق): "ليس".
الأمة، ولا مسمى التوحيد، ولا مسمى الشرك ولا التوسل، فهو (١) أجهل الخلق بحدود ما أنزل الله على رسوله، وهو أحق الناس بما رمى به شيخنا من ترك الاهتداء والاقتداء، وعدم القول بما ذهب إليه أهل الرضى.
وأما قوله: (ونحن بحمد الله ندين بأن الله واحد أحد لا ربّ لنا سواه ولا نعبد إلا إيَّاه) .
فيقال: الخصومة منذ سنين بيننا وبينك (٢) فيما دلَّت عليه هذه الكلمة، والنزاع في عبادة الله وحده لا شريك له. نحن نقول: دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين، ونستدل على قولنا بما في كتاب الله من تحريم دعاء غيره وعبادة سواه، وندخل دعاء الأموات والغائبين فيما دلَت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف، وأهل التأويل، كما استدلَّ بذلك سلفنا الصالح من علماء الأمَّة، وأئمة الدين وأكابر المحدثين والمجتهدين، وأنت أيُّها الرجل تزعم أن هذا جائز أو مستحب، وتستدل بما مرَّ من أدلتك التي يعرف من نظر فيها أنك عن العلم والإصابة بمعزل، وأنك لم تتصور حقيقة الإسلام، وما جاءت به الرسل (٣) الكرام.
وأمَّا قوله: (ولكن (٤) لا نُحَكم أنفسنا على الله ورسوله) .
فقد كذب في هذا؟ بل حَكَم نفسه ورجع إليها، وقاد النصوص إلى رأيه الضال وقوله الفاسد.
_________
(١) في (م) زيادة: "من ".
(٢) في (ق) و(م): "بيننا وبينك منذ سنين".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق)، وفي (م): "ونحن".
وقوله (١) (وما فعله السلف لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا (٢» .
فهذا الكلام كلام جاهل لا يدري ما يقول، فأي شيء فعله السلف أو رأوه جائزا كفر به شيخنا؟ وما معنى هذه الكلمة؟ وهذا الاسم عند الإطلاق؟ أهو للجميع والجملة، أو لفرد منها؟ وأظنه يشير إلى أن سؤال الله بجاه الأنبياء والأولياء فعله بعض السلف، فأطلق اسم السلف على فرد منهم، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة؟ وأن الذي يشير إليه هذا (٣) ما فعله أحد قط؟ وفي قوله: (أو غير جائز عند بعضهم)، يريد أنه لا يذم، وإن لم يجزه بعضهم، ومنع منه، وهذه المسألة الصواب فيها وفي غيرها: رد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنَّة، والحكم بموجب ذلك، ولا يقال: (إن ما فعله السلف ولو غير جائز، ليس بكفر ولا فسق)، فإن هذا بكلام الغوغاء أشبه منه بكلام العقلاء؛ وقدامة بن مظعون وأصحابه ﵃ أنكر عليهم أصحاب ﷺ، وجزموا بأن استحلال الخمر بعد قيام الحجة على مستحله كفر، ووافقهم على ذلك قدامة بن مظعون وأصحابه، وبادر إلى التوبة هو وأصحابه ﵃، وهم من أكابر السلف، فكيف يقال: وما فعله السلف لا يكون كفرا بل ولا فسقا؟ والمراد آحاد السلف.
_________
(١) في (م) زيادة: " وأما".
(٢) في (م): "فاسقا".
(٣) ساقطة من (م) .
[بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد ﵇ موضوع]
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب، بتوسل آدم بحق (١) محمد: فهو حديث موضوع، مكذوب، باتفاق أهل العلم بالحديث، كما جزم به شيخ الإسلام في كتاب الاستغاثة في الردِّ على ابن البكري (٢) وأهل العلم يفرقون بين ما رواه الطبراني، وما رواه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وموطأ مالك، وما رواه غيرهم من أهل المسانيد، لا سيَّما الطبراني، وأمثاله من المكثرين؟ فلا يحتجّ بحديثهم، وما انفردوا به إلا بعد النظر في سنده، وكلام أهل الجرح والتعديل، ومجرَّد العزو لا تقوم به حجة؟ لكثرة ما اشتمل عليه من الموضوعات.
وقد أنكر الحفاظ الحكاية (٣) التي تنسب إلى مالك مع الخليفة المنصور التي ذكر فيها: "كيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبائك وجزموا بأن الحكاية موضوعة، وأن مالكا لم يقل هذا.
وقد تكلَّم عليه الحفاظ: ابن عبد الهادي (٤) وغيره بكلام بديع، وذكر: (أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي قال فيه مالك بن أنس ﵀: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أحدثك أبوك عن أبيه عن جده: أن سفينة
_________
(١) في (ح): "بجاه".
(٢) انظر: (الرد على البكري) (٢ / ٥٥٠)، و"منهاج السنة" (٧ / ١٣١) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) انظر: "الصارم المنكي" ص (٥٩) .
نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم، قال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد (١) ليس ممن يحتج أهل العلم (٢) بحديثه. وقال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأمَّلها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدَّث عن أبيه، لا شيء) .
وأمَّا سؤال عبد الله بحق جعفر: فليس فيه دلالة على محل النزاع، وليس (منه في شيء، فإن السؤال للحقوق الثابتة حض وحث على التزامها، وليس) (٣) من سؤال غير الله ودعائه، فكما أن للسائلين على الله حقا (٤) يسأل به كذلك للرحم حق على الأقارب يسألون به، وأين هذا من قول الناظم في بردته: (ما لي من ألوذ به سواك) وما بعده.
وأما قوله: (فأين هذا من عبادة غير الله) .
فالكلام ليس في التوسل الذي هو سؤال الله بحق عباده، والتوسل بالأعمال الصالحة، حتى يقال: (أين هذا من عبادة غير الله؟)، وإنما النزاع والكلام في دعاء غير الله من الأموات والغائبين، ومن استبعد كونه عبادة لغير الله وأنكر ذلك فهو من أجهل الخلق بمسمى العبادة.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [غافر: ٦٠] .
ومر حديث النعمان، وقوله: " «الدعاء هو العبادة» (٥) . وحديث
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) في (ق): "حق".
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣١٣)، هامش ١.
" «الدعاء مخ العبادة» " (١) . والمعترض مخاتل (٢) متلاعب بدين الله، وسيجزيه الله على ذلك ما يستحقه وتقتضيه حكمة الرب في مجازاة أمثاله.
وأما قوله (٣) (وليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا (٤) نفيا) . فهذا كذب يناقض ما قبله، فإنه أثبت ما في أبيات البردة وقرَّره، وساق ما يزعم أنه يشهد له، وأن الطلب من الأموات والغائبين بقصد الشفاعة (جائز وارد، ونفى ما استدرك عليه الشيخ من تحريم دعاء الأموات الشفاعة) (٥) أو غيرها (٦) وزعم: (أن من قال: هذا من الشرك. فقد كفَّر الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، القائمين بدين الله)، وأكثر من هذا النوع وأسهب فيه، كما مر (٧) . وهنا يقول: " ليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك، لا إثباتا ولا نفيا". فالرجل لا يعقل ما يتكلم به، وشيخنا لم يكفر الأمة وعلماءها حتى صاحب البردة وإنَّما تكلَّم فيما دلَّ عليه كلامه واقتضاه نظمه وخطابه، وعلماء الأمة ليسوا (٨) من هذا الضرب الغالين في الأنبياء والصالحين، وهذا الرجل ما عرف العلم ولا العلماء، ولا مسمى
_________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣١٣)، هامش ٣.
(٢) في (ق): (مخامل) .
(٣) في (م): (وأما له)، وهو سهو.
(٤) "لا" ساقطة من (م) .
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) و(م) .
(٦) في (ق) و(م) زيادة: "وما".
(٧) في (ق): "ترى".
(٨) في (ق): "ليس".
الأمة، ولا مسمى التوحيد، ولا مسمى الشرك ولا التوسل، فهو (١) أجهل الخلق بحدود ما أنزل الله على رسوله، وهو أحق الناس بما رمى به شيخنا من ترك الاهتداء والاقتداء، وعدم القول بما ذهب إليه أهل الرضى.
وأما قوله: (ونحن بحمد الله ندين بأن الله واحد أحد لا ربّ لنا سواه ولا نعبد إلا إيَّاه) .
فيقال: الخصومة منذ سنين بيننا وبينك (٢) فيما دلَّت عليه هذه الكلمة، والنزاع في عبادة الله وحده لا شريك له. نحن نقول: دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين، ونستدل على قولنا بما في كتاب الله من تحريم دعاء غيره وعبادة سواه، وندخل دعاء الأموات والغائبين فيما دلَت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف، وأهل التأويل، كما استدلَّ بذلك سلفنا الصالح من علماء الأمَّة، وأئمة الدين وأكابر المحدثين والمجتهدين، وأنت أيُّها الرجل تزعم أن هذا جائز أو مستحب، وتستدل بما مرَّ من أدلتك التي يعرف من نظر فيها أنك عن العلم والإصابة بمعزل، وأنك لم تتصور حقيقة الإسلام، وما جاءت به الرسل (٣) الكرام.
وأمَّا قوله: (ولكن (٤) لا نُحَكم أنفسنا على الله ورسوله) .
فقد كذب في هذا؟ بل حَكَم نفسه ورجع إليها، وقاد النصوص إلى رأيه الضال وقوله الفاسد.
_________
(١) في (م) زيادة: "من ".
(٢) في (ق) و(م): "بيننا وبينك منذ سنين".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ق)، وفي (م): "ونحن".
وقوله (١) (وما فعله السلف لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم، بل ولا فسقا (٢» .
فهذا الكلام كلام جاهل لا يدري ما يقول، فأي شيء فعله السلف أو رأوه جائزا كفر به شيخنا؟ وما معنى هذه الكلمة؟ وهذا الاسم عند الإطلاق؟ أهو للجميع والجملة، أو لفرد منها؟ وأظنه يشير إلى أن سؤال الله بجاه الأنبياء والأولياء فعله بعض السلف، فأطلق اسم السلف على فرد منهم، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة؟ وأن الذي يشير إليه هذا (٣) ما فعله أحد قط؟ وفي قوله: (أو غير جائز عند بعضهم)، يريد أنه لا يذم، وإن لم يجزه بعضهم، ومنع منه، وهذه المسألة الصواب فيها وفي غيرها: رد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنَّة، والحكم بموجب ذلك، ولا يقال: (إن ما فعله السلف ولو غير جائز، ليس بكفر ولا فسق)، فإن هذا بكلام الغوغاء أشبه منه بكلام العقلاء؛ وقدامة بن مظعون وأصحابه ﵃ أنكر عليهم أصحاب ﷺ، وجزموا بأن استحلال الخمر بعد قيام الحجة على مستحله كفر، ووافقهم على ذلك قدامة بن مظعون وأصحابه، وبادر إلى التوبة هو وأصحابه ﵃، وهم من أكابر السلف، فكيف يقال: وما فعله السلف لا يكون كفرا بل ولا فسقا؟ والمراد آحاد السلف.
_________
(١) في (م) زيادة: " وأما".
(٢) في (م): "فاسقا".
(٣) ساقطة من (م) .
Translation
بيان أن حديث توسل آدم بحق محمد ﵇ موضوع
#86
Chapter 86 — فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية
· ref. #86
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية]
فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري ﵁ المعروف بخازن عمر. قال ﵁: "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي ﷺ (١) قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه (٢) السلام، وأخبرهم (٣) أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما (٤) "عجزت عنه" (٥) ورواه سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية (٦) فماذا يقول هذا (٧) أيقول (٨) إن الصحابة
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من المصادر التي خرجت الحديث.
(٢) في (م): " وأقرأه ".
(٣) في (م): "وأخبره".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٦ / ٣٥٦)، والخليلي في الإرشاد (١ / ٣١٤)، وأخرجه أيضا البخاري في التاريخ وابن أبي خيثمة. كذا قال الحافظ في ترجمة مالك الدار من الإصابة (٣ / ٤٨٤) . وانظر: "الاستيعاب" (٣ / ١١٤٩) .
(٦) انظر: " الإصابة " (١ / ١٦٤) .
(٧) في (ق) و(م) زيادة: " الرجل ".
(٨) في (ح): " ويقول ".
﵃ الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به (١) ﷺ، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء أبلغ من ذلك، وفيهم الفاروق) .
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء (٢) الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام (٣) برؤيا آحاد الأمة، لا سيَّما إذا تجرَّدت عما يعضدها من الكتاب والسنَّة أو (٤) الإجماع أو القياس، وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف (٥) بن عمر على ما زعمه هذا الرجل.
وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي ﷺ لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو ﷺ إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به، ولا عن فاعله، وهو في حياته ﷺ ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري (٦) لمن يدعو الصالحين ومن
_________
(١) في (م) و(المطبوعة): "له".
(٢) في (ح) زيادة: " في ".
(٣) في (ق) زيادة: " الدينية ".
(٤) في بقية النسخ: "و".
(٥) في (ق) و(م): (سلف) .
(٦) في (ق): "جرى".
هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه (١) ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان.
ورؤية النبي ﷺ (٢) وخطابه بمثل هذا لا (٣) يدل على حسن حال الرائي (٤) وتصويب فعله (٥) وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله ﷺ ولم ينقله أحد- والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ذلك قد تحصل (٦) إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة (٧)
_________
(١) في (ق) و(م): " له به".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "في المنام ".
(٣) "بمثل هذا لا" ساقطة من (م) .
(٤) في (ق) زيادة: " وخطابه".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "هذا لو ثبتت هذه الرؤيا بوجه صحيح شرعي فكيف ودلائل الوضع تلوح عليها".
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " لهم ".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "والفتنة ".
وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ (١) هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢) [الإسراء / ٢٠] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله ﷺ وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (٣) بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (٤) يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا" (٥) .
هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو (٦) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم ﵃، فكيف بهم ﵃؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في (٧) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (ق) زيادة: وما كان عطاء ربك محظورا.
(٣) في (ق) زيادة: " إليك".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٠)، وتقدم تخريجه. انظر: ص (٢٩٠)، هامش ٤.
(٦) في (ق): "و".
(٧) في (م): "بالمسائل".
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١) [آل عمران -٧] .
وقد قال النبي ﷺ: " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى (٢) الله فاحذروهم» " (٣) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس (٤) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم (٥) بخوارق العادة وما (٦) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (٧) مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".
_________
(١) في (ق) زيادة: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
(٢) في (ق): " سماهم ".
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، وأبو داود (٤٥٩٨) .
(٤) انظر: "الجواب الصحيح" (٢ / ٣١٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (م): (أو ما) .
(٧) في (ق): "غيرها".
فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري ﵁ المعروف بخازن عمر. قال ﵁: "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي ﷺ (١) قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه (٢) السلام، وأخبرهم (٣) أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما (٤) "عجزت عنه" (٥) ورواه سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية (٦) فماذا يقول هذا (٧) أيقول (٨) إن الصحابة
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من المصادر التي خرجت الحديث.
(٢) في (م): " وأقرأه ".
(٣) في (م): "وأخبره".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٦ / ٣٥٦)، والخليلي في الإرشاد (١ / ٣١٤)، وأخرجه أيضا البخاري في التاريخ وابن أبي خيثمة. كذا قال الحافظ في ترجمة مالك الدار من الإصابة (٣ / ٤٨٤) . وانظر: "الاستيعاب" (٣ / ١١٤٩) .
(٦) انظر: " الإصابة " (١ / ١٦٤) .
(٧) في (ق) و(م) زيادة: " الرجل ".
(٨) في (ح): " ويقول ".
﵃ الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به (١) ﷺ، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء أبلغ من ذلك، وفيهم الفاروق) .
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء (٢) الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام (٣) برؤيا آحاد الأمة، لا سيَّما إذا تجرَّدت عما يعضدها من الكتاب والسنَّة أو (٤) الإجماع أو القياس، وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف (٥) بن عمر على ما زعمه هذا الرجل.
وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي ﷺ لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو ﷺ إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به، ولا عن فاعله، وهو في حياته ﷺ ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري (٦) لمن يدعو الصالحين ومن
_________
(١) في (م) و(المطبوعة): "له".
(٢) في (ح) زيادة: " في ".
(٣) في (ق) زيادة: " الدينية ".
(٤) في بقية النسخ: "و".
(٥) في (ق) و(م): (سلف) .
(٦) في (ق): "جرى".
هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه (١) ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان.
ورؤية النبي ﷺ (٢) وخطابه بمثل هذا لا (٣) يدل على حسن حال الرائي (٤) وتصويب فعله (٥) وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله ﷺ ولم ينقله أحد- والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ذلك قد تحصل (٦) إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة (٧)
_________
(١) في (ق) و(م): " له به".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "في المنام ".
(٣) "بمثل هذا لا" ساقطة من (م) .
(٤) في (ق) زيادة: " وخطابه".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "هذا لو ثبتت هذه الرؤيا بوجه صحيح شرعي فكيف ودلائل الوضع تلوح عليها".
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " لهم ".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "والفتنة ".
وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ (١) هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢) [الإسراء / ٢٠] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله ﷺ وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (٣) بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (٤) يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا" (٥) .
هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو (٦) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم ﵃، فكيف بهم ﵃؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في (٧) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (ق) زيادة: وما كان عطاء ربك محظورا.
(٣) في (ق) زيادة: " إليك".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٠)، وتقدم تخريجه. انظر: ص (٢٩٠)، هامش ٤.
(٦) في (ق): "و".
(٧) في (م): "بالمسائل".
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١) [آل عمران -٧] .
وقد قال النبي ﷺ: " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى (٢) الله فاحذروهم» " (٣) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس (٤) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم (٥) بخوارق العادة وما (٦) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (٧) مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".
_________
(١) في (ق) زيادة: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
(٢) في (ق): " سماهم ".
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، وأبو داود (٤٥٩٨) .
(٤) انظر: "الجواب الصحيح" (٢ / ٣١٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (م): (أو ما) .
(٧) في (ق): "غيرها".
Translation
فصل فيه مناقشة أن الرؤيا المنامية ليست من الأحكام الشرعية
#87
Chapter 87 — فصل في مناقشة ورد قصة العتبي
· ref. #87
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في مناقشة ورد قصة العتبي]
قرر هذا المعنى في رده على النصارى، ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه.
إذا عرفت هذا: عرفت بطلان قول المعترض: (فماذا يقول هذا الرجل؟ أفيقول: الصحابة ﵃ كفروا) .
فإن شيخنا ﵀ أسعد [بحب] (١) الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض الضال.
وقوله: (وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء) .
قد تقدم أنه نقله عن واحد، وهنا أضافه إلى الصحابة كلهم، وفيهم عمر؟ فما أقبح الكذب، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله (٢)؟ (كما فعل هذا الضال) (٣) .
_________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) في (ق): "رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
فصل قال المعترض: (وفي كلام محيي الدّين أبي زكريا يحيى النووي (الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان، قال بعد أن ذكر) (١) صفة زيارة النبي ﷺ وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه، والانحراف عن استدباره واستقبال القبلة بالدعاء- قال: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي ﷺ فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، ومن أحسن، ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له) وذكر قصة العتبي؛ وهو تابعي جليل- فقال: (حكى العتبي أنه قال: كنت جالسا (٢) عند قبر النبي-ﷺ[فجاء أعرابي]، (٣) فقال: السلام عليك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء ٦٤] .
وقد ظلمت نفسي (٤)؛ وها أنا قد أتيتك (٥) أستغفر من ذنبي،
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) .
(٤) "وقد ظلمت نفسي " ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (المطبوعة): " أتيت".
اشفع لي إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت (١) بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
أنت الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف، وفيه الجود والكرم
أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا مازلت القدم
أنت البشير النذير المستضاء به ... وشافع الخلق إذ يغشاهم الندم
تخصهم (٢) بنعيم لا نفاد له ... والحور في جنة المأوى لهم خدم
تُعطى الوسيلة يوم العرض مغتبطًا ... عند المهيمن لما تحشر الأمم
والحوض قد خصك الله الكريم به ... يومًا عليه جميع الخلق تزدحم
تَسقى لمن شئت، يا خير الأنام، وكم ... قومًا لعِظَمِ الشقا والبعد قد حرموا
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار، فغشت حندس الظلم
قال العتبي ﵀: ثم [انصرف الأعرابي] (٣) فغلبني النوم (٤) . فرأيت رسول الله ﷺ فقال: يا عتبي أدرك الأعرابي، وبشِّره أن الله قد غفر له (٥) .
ثم ذكر المعترض: (أنَّ موفق الدين بن قدامة، وابن أبي عمر، وصاحب "المستوعب" وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك، ونقلوا هذه القصة راضين بها، وهي مما استفاض عند الأمة، حتى لا تحتاج لسند،
_________
(١) في (ق): "دفن".
(٢) في (ح): "تخصم".
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) .
(٤) في (المطبوعة): "فغلبتني عيني".
(٥) سيأتي كلام المصنف ﵀ عن هذه القصة، وهو كلام بديع.
قال: (ثم (١) دع صحتها من عدمها وأنها منام (٢) ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة) .
ثم كرر هذيانه (٣) المتقدم في ذم وطن الشيخ، وأنَّ النبي لم يَدْعُ له، وأن الشيخ لم يظهر الدين؛ بل كفَّر العلماء الأمناء والأمة التي أخبر الله تعالى أنها خير أمة أخرجت للناس، وأعاد ما تقدم بعبارة واهية وتركيب ساقط، كأنه وقع على دليل يجب المصير إليه في تجويز دعاء الأموات وتخطئة من منعه.
ولا يخفى أنه حرَّف البيت الثاني تحريفًا بشعًا، جعل الرسول ﷺ فداء للقبر؛ بأبي هو وأمي، ولم يشعر (٤) بما في كلامه من التحريف، ورسم هذا التحريف (٥) بقلمه، وكتبه بيده، وصوابه: " نفسي الفداء".
والجواب أن يقال: هذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتدُّ به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين وأكابر أصحابهم، وأهل الوجوه في مذاهبهم، كأشهب وابن القاسم، وسحنون وابن وهب؛ وعبد الملك وابنه، والقاضي إسماعيل من المالكية؟ ولا من الشافعية كالمزني والبويطي، وابن عبد الحكم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الوجوه؛
_________
(١) في (ق): "ثم قال".
(٢) في (ق): "صنام".
(٣) في (ق): "ذكر الهذيان".
(٤) في (ق): "ما".
(٥) "ورسم هذا التحريف" ساقطة من (ق) .
وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن اللؤلؤي. (١) وزفر بن الهذيِل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل (٢) لواء المذهب، وكذلك أصحاب أحمد وأصحاب الوجوه في مذهبه لم يذكرها (٣) أحد منهم، كعبد الله وصالح، والخلال، والأثرم، وأبي بكر (٤) عبد العزيز، والمروذي وأبي الخطاب ومن بعدهم، كابن عقيل وابن بطة.
وبعض من ذكر هذه الحكاية (٥) يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن الروح بن يزيد (٦) البصري: حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم، ووضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب، كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي ابن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن (٧) الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة (٨) بن كهيل عن أبي صادق عن علي (٩) بن أبي طالب، فذكر نحو ما تقدَّم.
_________
(١) كذا في النسخ الأربع، وفي (المطبوعة): "الشيباني".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): " يذكره".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "بن".
(٥) في (ق): " الحكايات".
(٦) في (المطبوعة): "روح بن زيد"، وفي (ح): "روح بن يزيد".
(٧) ساقطة من (الأصل) .
(٨) في (ق): "مسلمة"، وهو خطأ.
(٩) ساقطة من (ق) و(ح) .
قال الحافظ ابن عبد الهادي (١) (هذا الخبر منكر موضوع، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد بن (٢) الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو فهو متروك إلا (٣) فمجهول.
وقال عباس (٤) الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة. كان يكذب. "وقال العجلي، وأبو داود: كذاب. وقال أبو حاتم الرازي، والنسائي، والدولابي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن المديني (٥) ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: ما أقل ماله من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار، ونسب وأشعار. وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات وأحاديث منكرة، وقال العباس (٦) بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول، قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلِّي، فإن أصبح جلس يكذب) .
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة (٧) لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
_________
(١) انظر: " الصارم المنكي "ص (٤٣٠) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق) و(م) زيادة: " فهو".
(٤) في (الأصل) و(ق) و(ح): " ابن عباس"، وهو خطأ.
(٥) في النسخ الأربع: "السعدي"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٦) في (ق) و(م): "أبو العباس".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "من الوهن".
فكيف يقول هذا الغبي: (ولكن الشأن في نقلتها، وهم حملة الشريعة المطهرة)، وقد عرفت أنَّ حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت، وأنها من الموضوعات. وأما الموفق، وابن أبي عمر وغيرهما من أصحابنا، فهم لم يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه، والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة موجود منقول (١) بسند العدول.
وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل، ولا يدري الصحيح؟ بل يفتري (٢) على أهلم العلم، فهو ساقط هالك لا يلتفت إلى نقله.
ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحكاية، فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم، والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلًا شرعيا إلاَّ مصاب في عقله؛ مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك نقل العتبي ومن مضى (٣) من رجال سندها ليسوا (٤) بشيء.
وقد تقدَّم أنَّ أدلة الأحكام (٥) هي الكتاب والسنَّة والْإِجماع، والقياس المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا طلب الاستغفار ولا غيره.
_________
(١) في (المطبوعة): "موجودة منقولة".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " الكذب".
(٣) في (ق): "معه".
(٤) في (المطبوعة): "من العلم في شيء".
(٥) في (ق): " الدلالة "، وفي (م): "الأدلة".
وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على منعه، وأن النبوات متفقة على تحريمه، وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع إلى ضرائح الموتى، للطلب منهم، ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له، فذلك أيضًا لا يدل على حسن حاله؛ وأسباب الكائنات لا يحصيها إلاَّ الله، وقد يستجاب لعُبَّاد الأصنام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم".
ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئًا، غايته أنه توسل به، ومسألة التوسل بذاته ﷺ غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [آل عمران / ١٣٥] . فإذا كان الله (٢) هو المختص بمغفرة الذنوب، فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس؟ .
وقد تقدم لهذا المعترض (٣) أنه قال: (وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب، وهداية القلوب، فجزم بأن هذا من الشرك)؛ ثم رجع (٤) واحتج بها على الطلب من الرسول، كما قال البوصيري.
قال الحافظ ابن عبد الهادي (٥) ﵀: (وقوله: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآية [النساء / ٦٤] .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "سبحانه".
(٣) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: " الغبي ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هو"، وفي (المطبوعة) زيادة: "يناقض نفسه".
(٥) انظر: "الصارم المنكي" (ص ٢٧٢- ٢٧٥) .
ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، ويتبين ذلك بالكلام على الآية وما أريد بها [وسيقت له، وما فهمه منها أهل العلم بالتأويل من سلف الأمة وأئمتها، والآية] (١) سيقت لذم من تخلف (٢) عن المجيء إلى رسول الله ﷺ في حال حياته ليستغفر له، وحكم تعالى على من أبى هذا أنه من المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] .
وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضى بحكم (٣) كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله ﷺ يستغفر له، فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب.
وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ: أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه، فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وكان هذا فرقًا بينهم وبين المنافقين، فلما استأثر الله ﷿ بنبيه ﷺ، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن يقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أَفَتَرى عطَّل الصحابة والتابعون - وهم
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من (ق) و(م) رأينا إثباتها بالمتن من ضرورة السياق. يراجع: (الصارم المنكي، لابن عبد الهادي)، وفي (المطبوعة): "وهي إنما".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "من المنافقين ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "الطاغوت".
خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل (١) التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه (٢) له من الناس ولا يعد في أهل العلم؟ فكيف أغفل هذا أئمة الْإِسلام؟ وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه (٣) والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه؟ ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة؟ بل (٤) المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك والجفاء عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية (٥) ولما كان هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم ومن أهل (٦) العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبى الله إلاَّ أن يعلى منار الحق ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد (٧) وتقوم الحجة على المعاند، فيعلى (٨) الله بالحق من يشاء ويضع بردّه وبطره وغمص أهله من يشاء.
_________
(١) في (المطبوعة): "وجهل".
(٢) "من لا" ساقطة من (ق) و(م)، "لا" ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ح): "من".
(٥) في (ق) و(م): "العبودية والتوحيد ".
(٦) في (المطبوعة): "له بعض"، وفي (ق): (معلم) .
(٧) في (ق): "الألته ليهد المسترشدين".
(٨) في (ق) و(م): "فيعطى".
ويا لله العجب؛ أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها (١) بين أظهرها موجودًا وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه (ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء. فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه) (٢) ليستغفر له؟ .
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه (٣) المعترض (٤) هذه الآية تأويل باطل قطعًا، ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنَّة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيَّنوه للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر (٥) فكيف إذا كان التأويل (يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان هذا التأويل) (٦) أظهر من أن يطنب في رده وإنما ننبه (٧) عليه بعض التنبيه.
ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دُعي إلى رسول الله ﷺ في (٨) حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق،
_________
(١) في (ق) و(م) زيا دة: " حي".
(٢) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): "عليه هذا"، وفي (المطبوعة): " نقله ".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "مقلد أسلافه في تأويل". والمقصود بالمعترض هنا (السبكي) .
(٥) في (ق): "المتأخر".
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٧) في (م): "ذه وإنما نبه".
(٨) في (ق) و(م) زيادة: "حال".
ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله (١) وأمناء دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله: فهو أنه سبحانه صدَّرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ (٢) إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] (٣) [النساء -٦٤] .
وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم؟ إذ ظلموا أنفسهم طاعة له؟ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من (٤) ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها (٥) هؤلاء الغلاة العصاة وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [النساء / ٦٥] .
فإنه نفى الْإِيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم (٦) ما جاء به حيًّا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم (٧) بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.
_________
(١) في (ق): "وكلام رسوله ".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في بقية النسخ زيادة: فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول.
(٤) في (ق): "في".
(٥) في (م): "له".
(٦) في (المطبوعة): "التحاكم إلى".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "الحكم".
يوضح ذلك: أنه قال: " «لا تجعلوا قبري عيدًا» " (١) ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه (٢) ورغبهم فيه (٣) ولكان الصحابة وتابعوهم (٤) بإحسان أرغب شيء (٥) فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط- وهم القدوة- بنوع من أنواع الأسانيد (٦) أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكى (٧) إليه ولا سأله، والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا (٨) البتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع أو من أجلهم: "ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلاَّ ابن عمر "، ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو يكون (٩) مرتكبًا لنوع من البدع، كما قال
_________
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) . وانظر: تحذير الساجد للألباني (٩٦)، وصححه في صحيح الجامع (٧٢٢٦) . وسبق تخريجه في "كشف ما ألقاه إبليس" ص (٢٠٦) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) في (ق) و(ك): "والتابعون لهم".
(٥) في (ق) و(المطبوعة): "الناس"، وساقطة من (ح) .
(٦) في (ق) و(م): " المسانيد".
(٧) في (ق): "شكر".
(٨) في (ق) و(م): "شيئا على ذلك".
(٩) "أو يكون" ساقط من (ق) و(م) .
عبد الله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم (١) "لأنتم أهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أنتم على شعبة ضلالة " (٢) .
فتبين: أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرًا بعد موته ممكنًا أو مشروعًا لكان كمال (٣) شفقته ورحمته- بل رأفة (٤) مرسله ورحمته (٥) بالأمة- تقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ويعدونه على حصى قد تحلقوا حوله مع شيخ لهم يأمرهم بذلك في مسجد البصرة ".
(٢) أخرجه الدارمي في "سننه" (١ / ٧٩) وغيره.
(٣) في (ح): "كما".
(٤) في (ق): " رأفته ".
(٥) ساقطة من (م) .
قرر هذا المعنى في رده على النصارى، ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه.
إذا عرفت هذا: عرفت بطلان قول المعترض: (فماذا يقول هذا الرجل؟ أفيقول: الصحابة ﵃ كفروا) .
فإن شيخنا ﵀ أسعد [بحب] (١) الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض الضال.
وقوله: (وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه ﷺ الاستسقاء) .
قد تقدم أنه نقله عن واحد، وهنا أضافه إلى الصحابة كلهم، وفيهم عمر؟ فما أقبح الكذب، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله (٢)؟ (كما فعل هذا الضال) (٣) .
_________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوعة.
(٢) في (ق): "رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
فصل قال المعترض: (وفي كلام محيي الدّين أبي زكريا يحيى النووي (الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان، قال بعد أن ذكر) (١) صفة زيارة النبي ﷺ وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه، والانحراف عن استدباره واستقبال القبلة بالدعاء- قال: ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي ﷺ فيتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، ومن أحسن، ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له) وذكر قصة العتبي؛ وهو تابعي جليل- فقال: (حكى العتبي أنه قال: كنت جالسا (٢) عند قبر النبي-ﷺ[فجاء أعرابي]، (٣) فقال: السلام عليك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء ٦٤] .
وقد ظلمت نفسي (٤)؛ وها أنا قد أتيتك (٥) أستغفر من ذنبي،
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) .
(٤) "وقد ظلمت نفسي " ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (المطبوعة): " أتيت".
اشفع لي إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت (١) بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
أنت الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف، وفيه الجود والكرم
أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا مازلت القدم
أنت البشير النذير المستضاء به ... وشافع الخلق إذ يغشاهم الندم
تخصهم (٢) بنعيم لا نفاد له ... والحور في جنة المأوى لهم خدم
تُعطى الوسيلة يوم العرض مغتبطًا ... عند المهيمن لما تحشر الأمم
والحوض قد خصك الله الكريم به ... يومًا عليه جميع الخلق تزدحم
تَسقى لمن شئت، يا خير الأنام، وكم ... قومًا لعِظَمِ الشقا والبعد قد حرموا
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار، فغشت حندس الظلم
قال العتبي ﵀: ثم [انصرف الأعرابي] (٣) فغلبني النوم (٤) . فرأيت رسول الله ﷺ فقال: يا عتبي أدرك الأعرابي، وبشِّره أن الله قد غفر له (٥) .
ثم ذكر المعترض: (أنَّ موفق الدين بن قدامة، وابن أبي عمر، وصاحب "المستوعب" وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك، ونقلوا هذه القصة راضين بها، وهي مما استفاض عند الأمة، حتى لا تحتاج لسند،
_________
(١) في (ق): "دفن".
(٢) في (ح): "تخصم".
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) .
(٤) في (المطبوعة): "فغلبتني عيني".
(٥) سيأتي كلام المصنف ﵀ عن هذه القصة، وهو كلام بديع.
قال: (ثم (١) دع صحتها من عدمها وأنها منام (٢) ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة) .
ثم كرر هذيانه (٣) المتقدم في ذم وطن الشيخ، وأنَّ النبي لم يَدْعُ له، وأن الشيخ لم يظهر الدين؛ بل كفَّر العلماء الأمناء والأمة التي أخبر الله تعالى أنها خير أمة أخرجت للناس، وأعاد ما تقدم بعبارة واهية وتركيب ساقط، كأنه وقع على دليل يجب المصير إليه في تجويز دعاء الأموات وتخطئة من منعه.
ولا يخفى أنه حرَّف البيت الثاني تحريفًا بشعًا، جعل الرسول ﷺ فداء للقبر؛ بأبي هو وأمي، ولم يشعر (٤) بما في كلامه من التحريف، ورسم هذا التحريف (٥) بقلمه، وكتبه بيده، وصوابه: " نفسي الفداء".
والجواب أن يقال: هذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتدُّ به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين وأكابر أصحابهم، وأهل الوجوه في مذاهبهم، كأشهب وابن القاسم، وسحنون وابن وهب؛ وعبد الملك وابنه، والقاضي إسماعيل من المالكية؟ ولا من الشافعية كالمزني والبويطي، وابن عبد الحكم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج وأمثالهم، ونظرائهم من أهل الوجوه؛
_________
(١) في (ق): "ثم قال".
(٢) في (ق): "صنام".
(٣) في (ق): "ذكر الهذيان".
(٤) في (ق): "ما".
(٥) "ورسم هذا التحريف" ساقطة من (ق) .
وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن اللؤلؤي. (١) وزفر بن الهذيِل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل (٢) لواء المذهب، وكذلك أصحاب أحمد وأصحاب الوجوه في مذهبه لم يذكرها (٣) أحد منهم، كعبد الله وصالح، والخلال، والأثرم، وأبي بكر (٤) عبد العزيز، والمروذي وأبي الخطاب ومن بعدهم، كابن عقيل وابن بطة.
وبعض من ذكر هذه الحكاية (٥) يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن الروح بن يزيد (٦) البصري: حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم، ووضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب، كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي ابن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن (٧) الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة (٨) بن كهيل عن أبي صادق عن علي (٩) بن أبي طالب، فذكر نحو ما تقدَّم.
_________
(١) كذا في النسخ الأربع، وفي (المطبوعة): "الشيباني".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق): " يذكره".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "بن".
(٥) في (ق): " الحكايات".
(٦) في (المطبوعة): "روح بن زيد"، وفي (ح): "روح بن يزيد".
(٧) ساقطة من (الأصل) .
(٨) في (ق): "مسلمة"، وهو خطأ.
(٩) ساقطة من (ق) و(ح) .
قال الحافظ ابن عبد الهادي (١) (هذا الخبر منكر موضوع، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد بن (٢) الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو فهو متروك إلا (٣) فمجهول.
وقال عباس (٤) الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة. كان يكذب. "وقال العجلي، وأبو داود: كذاب. وقال أبو حاتم الرازي، والنسائي، والدولابي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن المديني (٥) ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: ما أقل ماله من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسمار، ونسب وأشعار. وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات وأحاديث منكرة، وقال العباس (٦) بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول، قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلِّي، فإن أصبح جلس يكذب) .
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة (٧) لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
_________
(١) انظر: " الصارم المنكي "ص (٤٣٠) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق) و(م) زيادة: " فهو".
(٤) في (الأصل) و(ق) و(ح): " ابن عباس"، وهو خطأ.
(٥) في النسخ الأربع: "السعدي"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٦) في (ق) و(م): "أبو العباس".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "من الوهن".
فكيف يقول هذا الغبي: (ولكن الشأن في نقلتها، وهم حملة الشريعة المطهرة)، وقد عرفت أنَّ حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت، وأنها من الموضوعات. وأما الموفق، وابن أبي عمر وغيرهما من أصحابنا، فهم لم يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه، والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة موجود منقول (١) بسند العدول.
وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل، ولا يدري الصحيح؟ بل يفتري (٢) على أهلم العلم، فهو ساقط هالك لا يلتفت إلى نقله.
ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحكاية، فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم، والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلًا شرعيا إلاَّ مصاب في عقله؛ مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك نقل العتبي ومن مضى (٣) من رجال سندها ليسوا (٤) بشيء.
وقد تقدَّم أنَّ أدلة الأحكام (٥) هي الكتاب والسنَّة والْإِجماع، والقياس المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا طلب الاستغفار ولا غيره.
_________
(١) في (المطبوعة): "موجودة منقولة".
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: " الكذب".
(٣) في (ق): "معه".
(٤) في (المطبوعة): "من العلم في شيء".
(٥) في (ق): " الدلالة "، وفي (م): "الأدلة".
وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على منعه، وأن النبوات متفقة على تحريمه، وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع إلى ضرائح الموتى، للطلب منهم، ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له، فذلك أيضًا لا يدل على حسن حاله؛ وأسباب الكائنات لا يحصيها إلاَّ الله، وقد يستجاب لعُبَّاد الأصنام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم".
ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئًا، غايته أنه توسل به، ومسألة التوسل بذاته ﷺ غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [آل عمران / ١٣٥] . فإذا كان الله (٢) هو المختص بمغفرة الذنوب، فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس؟ .
وقد تقدم لهذا المعترض (٣) أنه قال: (وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب، وهداية القلوب، فجزم بأن هذا من الشرك)؛ ثم رجع (٤) واحتج بها على الطلب من الرسول، كما قال البوصيري.
قال الحافظ ابن عبد الهادي (٥) ﵀: (وقوله: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآية [النساء / ٦٤] .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "سبحانه".
(٣) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: " الغبي ".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هو"، وفي (المطبوعة) زيادة: "يناقض نفسه".
(٥) انظر: "الصارم المنكي" (ص ٢٧٢- ٢٧٥) .
ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، ويتبين ذلك بالكلام على الآية وما أريد بها [وسيقت له، وما فهمه منها أهل العلم بالتأويل من سلف الأمة وأئمتها، والآية] (١) سيقت لذم من تخلف (٢) عن المجيء إلى رسول الله ﷺ في حال حياته ليستغفر له، وحكم تعالى على من أبى هذا أنه من المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] .
وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضى بحكم (٣) كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، حيث لم يجيء إلى رسول الله ﷺ يستغفر له، فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب.
وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ: أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه، فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، وكان هذا فرقًا بينهم وبين المنافقين، فلما استأثر الله ﷿ بنبيه ﷺ، ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن يقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أَفَتَرى عطَّل الصحابة والتابعون - وهم
_________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من (ق) و(م) رأينا إثباتها بالمتن من ضرورة السياق. يراجع: (الصارم المنكي، لابن عبد الهادي)، وفي (المطبوعة): "وهي إنما".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "من المنافقين ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "الطاغوت".
خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل (١) التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه (٢) له من الناس ولا يعد في أهل العلم؟ فكيف أغفل هذا أئمة الْإِسلام؟ وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه (٣) والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه؟ ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة؟ بل (٤) المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك والجفاء عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية (٥) ولما كان هذا المنقول شجى في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيا منهم ومن أهل (٦) العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبى الله إلاَّ أن يعلى منار الحق ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد (٧) وتقوم الحجة على المعاند، فيعلى (٨) الله بالحق من يشاء ويضع بردّه وبطره وغمص أهله من يشاء.
_________
(١) في (المطبوعة): "وجهل".
(٢) "من لا" ساقطة من (ق) و(م)، "لا" ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ح): "من".
(٥) في (ق) و(م): "العبودية والتوحيد ".
(٦) في (المطبوعة): "له بعض"، وفي (ق): (معلم) .
(٧) في (ق): "الألته ليهد المسترشدين".
(٨) في (ق) و(م): "فيعطى".
ويا لله العجب؛ أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها (١) بين أظهرها موجودًا وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه (ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء. فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه) (٢) ليستغفر له؟ .
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه (٣) المعترض (٤) هذه الآية تأويل باطل قطعًا، ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنَّة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيَّنوه للأمة، فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر (٥) فكيف إذا كان التأويل (يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان هذا التأويل) (٦) أظهر من أن يطنب في رده وإنما ننبه (٧) عليه بعض التنبيه.
ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دُعي إلى رسول الله ﷺ في (٨) حياته، وقد ظلم نفسه ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق،
_________
(١) في (ق) و(م) زيا دة: " حي".
(٢) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): "عليه هذا"، وفي (المطبوعة): " نقله ".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "مقلد أسلافه في تأويل". والمقصود بالمعترض هنا (السبكي) .
(٥) في (ق): "المتأخر".
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٧) في (م): "ذه وإنما نبه".
(٨) في (ق) و(م) زيادة: "حال".
ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله (١) وأمناء دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله: فهو أنه سبحانه صدَّرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ (٢) إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] (٣) [النساء -٦٤] .
وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم؟ إذ ظلموا أنفسهم طاعة له؟ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط إن على من (٤) ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها (٥) هؤلاء الغلاة العصاة وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [النساء / ٦٥] .
فإنه نفى الْإِيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم (٦) ما جاء به حيًّا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم (٧) بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.
_________
(١) في (ق): "وكلام رسوله ".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في بقية النسخ زيادة: فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول.
(٤) في (ق): "في".
(٥) في (م): "له".
(٦) في (المطبوعة): "التحاكم إلى".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "الحكم".
يوضح ذلك: أنه قال: " «لا تجعلوا قبري عيدًا» " (١) ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه (٢) ورغبهم فيه (٣) ولكان الصحابة وتابعوهم (٤) بإحسان أرغب شيء (٥) فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط- وهم القدوة- بنوع من أنواع الأسانيد (٦) أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكى (٧) إليه ولا سأله، والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط هو ابن عمر، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا (٨) البتة، ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع أو من أجلهم: "ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلاَّ ابن عمر "، ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو يكون (٩) مرتكبًا لنوع من البدع، كما قال
_________
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) . وانظر: تحذير الساجد للألباني (٩٦)، وصححه في صحيح الجامع (٧٢٢٦) . وسبق تخريجه في "كشف ما ألقاه إبليس" ص (٢٠٦) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) في (ق) و(ك): "والتابعون لهم".
(٥) في (ق) و(المطبوعة): "الناس"، وساقطة من (ح) .
(٦) في (ق) و(م): " المسانيد".
(٧) في (ق): "شكر".
(٨) في (ق) و(م): "شيئا على ذلك".
(٩) "أو يكون" ساقط من (ق) و(م) .
عبد الله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم (١) "لأنتم أهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أنتم على شعبة ضلالة " (٢) .
فتبين: أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرًا بعد موته ممكنًا أو مشروعًا لكان كمال (٣) شفقته ورحمته- بل رأفة (٤) مرسله ورحمته (٥) بالأمة- تقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه.
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "ويعدونه على حصى قد تحلقوا حوله مع شيخ لهم يأمرهم بذلك في مسجد البصرة ".
(٢) أخرجه الدارمي في "سننه" (١ / ٧٩) وغيره.
(٣) في (ح): "كما".
(٤) في (ق): " رأفته ".
(٥) ساقطة من (م) .
Translation
فصل في مناقشة ورد قصة العتبي
#88
Chapter 88 — فصل في رد احتجاج المعترض بقول العلماء لقصة العتبي
· ref. #88
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد احتجاج المعترض بقول العلماء لقصة العتبي]
فصل قال المعترض: (فهذا كلام العلماء المعتبرين الكبار، ونقلهم لهذه القصة راضين بها متلقينها بالقبول، وهي مما استفاض حتى لا تحتاج لسندٍ، ثم دع صحتها من عدمها وأنها منام، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة، أَتُراهم بهذا يعرفون المُخْرِج من الملَّة الذي ذكر هذا الرجل، ويدعون الناس إليه، وينقلونه في كتبهم ليعمل به أم تراهم لا يعرفونه حتى خرج هذا الرجل ثاني (١) عشر قرن، في الموضع الذي ذكرنا حاله، وقد امتنع النبي-ﷺ أن يدعو له؛ لعلمه بما يحدث منه وفيه، فأظهر الدين والتوحيد منه كما زعم للناس، وكفَّر العلماء الأمناء والأمة معهم، التي أخبر الله أنها (٢) خير أمة أخرجت للناس، وأخبر رسول الله ﷺ في الحديث الذي (٣) عدَّه علماء الأمة أنه متواتر، بأنها لا تزال ظاهرة قاهرة حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون، فكأنه لم يكن للقرآن والشريعة المحمَّدية حملة قبله وقبل أصحابه وأتباعه الذي استغواهم (٤)
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): " ثالث".
(٢) في (ق) و(م): "أنهم".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (م): "استعداهم".
ثم انخرط في السبِّ والعيب والكلام السفيه المستهجن (١) بقصد الاستراحة إليه، والتعويل في التشفي من الغليل، وهذه نفثة مصدور، وأنه معثور (٢) لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا.
وتقدَّم الجواب عن هذا كله، وبيَّنَّا أنَّ الأئمة الذين عليهم المدار في الجرح والتعديل، والذين إليهم المرجع في الفتاوى والتقليد والتسجيل، لم يقولوا بهذه الحكاية، ولم يصحِّحوها، ولم يلتفتوا إليها، كل هذا مستوفى بحمد الله ومنَّته. وأما الخلوف الذين من بعدهم فليس فيما (٣) قالوه وذهبوا إليه دليل شرعي يعول عليه؛ ويرجع عند التحاكم إليه.
_________
(١) في (م): "المستهجى".
(٢) في (ق): "معتور" بالمثناة.
(٣) في (ح) تكرار: "فليس فيما".
فصل قال المعترض: (فهذا كلام العلماء المعتبرين الكبار، ونقلهم لهذه القصة راضين بها متلقينها بالقبول، وهي مما استفاض حتى لا تحتاج لسندٍ، ثم دع صحتها من عدمها وأنها منام، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة، أَتُراهم بهذا يعرفون المُخْرِج من الملَّة الذي ذكر هذا الرجل، ويدعون الناس إليه، وينقلونه في كتبهم ليعمل به أم تراهم لا يعرفونه حتى خرج هذا الرجل ثاني (١) عشر قرن، في الموضع الذي ذكرنا حاله، وقد امتنع النبي-ﷺ أن يدعو له؛ لعلمه بما يحدث منه وفيه، فأظهر الدين والتوحيد منه كما زعم للناس، وكفَّر العلماء الأمناء والأمة معهم، التي أخبر الله أنها (٢) خير أمة أخرجت للناس، وأخبر رسول الله ﷺ في الحديث الذي (٣) عدَّه علماء الأمة أنه متواتر، بأنها لا تزال ظاهرة قاهرة حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون، فكأنه لم يكن للقرآن والشريعة المحمَّدية حملة قبله وقبل أصحابه وأتباعه الذي استغواهم (٤)
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح): " ثالث".
(٢) في (ق) و(م): "أنهم".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (م): "استعداهم".
ثم انخرط في السبِّ والعيب والكلام السفيه المستهجن (١) بقصد الاستراحة إليه، والتعويل في التشفي من الغليل، وهذه نفثة مصدور، وأنه معثور (٢) لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا.
وتقدَّم الجواب عن هذا كله، وبيَّنَّا أنَّ الأئمة الذين عليهم المدار في الجرح والتعديل، والذين إليهم المرجع في الفتاوى والتقليد والتسجيل، لم يقولوا بهذه الحكاية، ولم يصحِّحوها، ولم يلتفتوا إليها، كل هذا مستوفى بحمد الله ومنَّته. وأما الخلوف الذين من بعدهم فليس فيما (٣) قالوه وذهبوا إليه دليل شرعي يعول عليه؛ ويرجع عند التحاكم إليه.
_________
(١) في (م): "المستهجى".
(٢) في (ق): "معتور" بالمثناة.
(٣) في (ح) تكرار: "فليس فيما".
Translation
فصل في رد احتجاج المعترض بقول العلماء لقصة العتبي
#89
Chapter 89 — فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره
· ref. #89
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره]
فصل قال المعترض: (وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدَّمنا، أنا) (١) لم نذكره أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة (٢) وإنما ذكرناه بيانًا ونصيحة لله تعالى ولرسوله وعباده المؤمنين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٣) [البقرة / ١٥٩]) .
ثم ذكر آيات في (٤) المعنى، ثم قال بعدها: (فهذا لهم، يعني: لأهل الكتاب، ولمن فعل فعلهم بأن أعرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان، فإنه لم يزل في مشرع في (٥) من ذمة القرآن من أي أهل (٦) قرن (٧) كان، لأجل ذلك بينَّا الخطأ بما ذكرنا (٨) وليس القصد احتجاجا
_________
(١) في (ح): "إنما".
(٢) "ولا رياء ولا سمعة" ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) زيادة: "إلا الذين تابوا الآية".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هذا".
(٥) (ق): "مشروع".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ح): "القرن".
(٨) في (ق) و(م): "الخط بما ذكر".
على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به الكفر، سواء يكون. جائزًا أو مكروها أو مندوبًا) .
والجواب أن يقال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] الآية [القصص / ٥٠] .
فقسمهم قسمين: متَّبع للرسول، مؤمن بما جاء (١) به، سائر إلى الله على طريقه ومنهاجه، وآخر متبع لهواه؟ ضال عن سبيل رشده وهداه، فلا تقبل دعوى البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى، وسجل على ضلاله عن سبل الرشاد والهدى، والمصدق لهذا الضرب بما يدَّعونه من النصح والتقى جاهل بما دلَّت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء.
وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية، وصريح العبارات، وظواهر المعاني والكلمات، ما يدل على أنَّ ما سوَّده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ ﵀ وبهته والكذب عليه، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده وتسطيره محض الأَشَر والبطر والاستكبار، وطلب الرفعة والمنزلة؛ ولذلك والَى من عَبَد الصالحين ودعاهم مع الله، وصرف لهم خالص العبادة ولبَّها، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعل مشايخه في رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمِرنا بسؤال الهداية (٢) إلى صراطهم، ومن خالفهم وقال بوجوب (٣)
_________
(١) "بما جاء "ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "بالسؤال".
(٣) في (ق) و(م): "بموجب".
إخلاص (١) الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو جاهل عنده بمعنى "لا إله إلا الله"، وأبو جهل وناديه أعلم (٢) منه بمعناها، وما دلَّت عليه على زعم هذا المعترض.
ثم أخذ في إظهار هذا لإِخوانه وشيعته، ممن غمص بالنفاق (٣) وكراهة شيخنا، وبغض ما جاء به، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك والتنديد (٤) فأي نصيحة حصلت والحالة هذه؟ وأي بيان وقد خصَّ به أهل النفاق والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه داود بن جرجيس.
ثم لو فرض أنه قصد النصيحة، فذلك يدل على جهله المركب (٥) بدين الله وشرعه، وما جاءت به رسله، وأن قلبه في غلاف أو مصفَّح لا يعرف الحق ولا يدريه، وليس كل من ادَّعى النصح تقبل دعواه، ولا يحكم بالْإِصابة والتسديد لكل من سُلِّمت له دعواه، وقد تقرر (٦) بين أهل العلم أن الجهل نوعان: مركب، وبسيط. والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط؛ لأن صاحبه يرى أنه من أهل العلم والرشد والهدى، وهو في الحقيقة من أهل الجهل والغي (٧) والضلال والعمى (٨)
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "عنده".
(٣) في (الأصل) و(المطبوعة): "النفاق".
(٤) في (الأصل): "التسديد"، وفي (ق): "والتشديد"، وكلاهما خطأ.
(٥) في (ح): "مركب".
(٦) في (ح): "تقدير".
(٧) في (ح) و(ق) و(المطبوعة): "والبغي".
(٨) في (ق) و(م): "والعمى والضلال".
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠] (١) (الآية [النور / ٣٩، ٤٠] .
وقد دلَّت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه الظمآن بالقيعان، فيظنه ماءً ووردًا، فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء، أو كحال من تراكمت عليه الظلمات بعضها فوق بعض) (٢) ظلمة (٣) الأمواج المتراكمة في البحر العميق، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور، ظلمات بعضها فوق بعض، فأهل المثل الأول أشد كفرًا وأقبح حالًا وأبعد هداية وبصيرة، فلا مانع والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوهمها حقًّا، وهي في نفس الأمر أضل الضلال وأبطل الباطل؛ وقد قام فرعون خطيبًا في قومه فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] [غافر / ٢٦] .
ومما يدل على جهل المعترض، وسوء قصده، وفساد إرادته، تناقض كلامه، فإذا احتج شيخنا ﵀ بآية قال: (هذه نزلت في كذا وهي خاصة به) كما تقدَّم لك في كلامه؟ فقصر التنزيل على (٤) أهل تلك الأسباب
_________
(١) في (ق) زيادة: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، وفي (م) ساق الآية إلى قوله تعالى: (فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) .
(٢) ما بين القوسين ساقط كله من (ق) .
(٣) في (ق): " ظلمات".
(٤) في (ق) و(م): "في".
الموجودين وقت النزول؛ ومنع مِنْ (١) عموم ألفاظ القرآن، وقصره عن أن يحتج به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي.
وإذا احتج هو على الشيخ، أو زكَّى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم؛ ولمن فعل فعلهم، كما ذكرنا (٢) هنا، فأي جهل وأي أشر وأي سمعة غير ما هو بصدده؟ .
هذا، وقد عُلِم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ محمد ﵀، وتزين عند أهل الْإِسلام بشرح كتابه، وانتسابه إليه، والشهادة له بأنه على الحق (٣) فلما فاته بعض مقصوده (٤) رجع القهقرى وانقلب على عقبه (٥) فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدي ومن الشرك والشك والعمى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]] (٦) الآية [الحج / ١١] .
وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب، ثم
_________
(١) في (المطبوعة): " في ".
(٢) في (ق) و(م): " ذكر".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "وأطنب في مدحه، والثناء عليه في شرحه المذكور على مصنف شيخنا قدس الله روحه".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "من الدنيا التي إليها يسعى ولها يعمل ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "لأنه لوَّح له بعض أعداء التوحيد بما إليه يسعى، فولى مدبرًا".
(٦) ما بين المعقوفتين من الآية ليس في (الأصل) وأبقيناه إذ لا يحسن الوقف عند "فتنه". وفي (ق) و(م): "عقبه"، بدل "وجهه"، وهو خطأ.
التفت إلى الأعرابي، وقال له: ما العي عندكم في البادية؟ قال: هو ما كنت فيه منذ اليوم.
فسبحان من أظهر من عجائب قدرته، وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته، ما نبَّه به المعافى والمنعم عليه من عباده على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحة، ولطائف الخصائص (١) وخصائص اللطائف.
وأما قوله: (وليس القصد (٢) احتجاجًا على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها) إلى آخر عبارته.
فجوابه: أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه، وسوَّى بينه وبين عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية، والاحتجاج على جواز أفعالهم (٣) وإباحة صنيع من أشرك؛ لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين؛ والدخول في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته، ومتى قيل: بأنه كفرٌ ودعاءٌ لغير الله لزم أن يترتب على فاعله، ويجري عليه ما رتبه القران والسنَّة من أحكام الشرك والكفر (٤) لا سيَّما وهذا المعترض يصف أهل هذه الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها. وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل الصراط المستقيم، فكيف يرجع بعد هذا ويدَّعى أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم وعظيم شركهم؟ وهل هذا إلاَّ محض التدافع والتناقض، وإذا وجد الملزوم وجد اللازم.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (م): " المقصود".
(٣) في (ق) و(م): " أفعاله".
(٤) في (ق) و(م): "الكفر والشرك".
وقوله: (سواء يكون جائزًا أو مكروهًا أو مندوبًا) .
هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز والندب، وهذا يردُّ ما قبله، ويؤيد ما قلناه، ويبين أن المعترض ملبوس عليه، لا يعقل ما يقول.
وفي تعبيره بمضارع "كان" عن أمر حصل وتحقق في الماضي، وصار النزاع فيه واقعًا (١) ما يدل على جهله بمواقع الخطاب، ومعاني الكلمات، وأنه نبطي لم يمارس صناعة العلم، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
_________
(١) في (ح): "واقفًا".
فصل قال المعترض: (وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدَّمنا، أنا) (١) لم نذكره أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة (٢) وإنما ذكرناه بيانًا ونصيحة لله تعالى ولرسوله وعباده المؤمنين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٣) [البقرة / ١٥٩]) .
ثم ذكر آيات في (٤) المعنى، ثم قال بعدها: (فهذا لهم، يعني: لأهل الكتاب، ولمن فعل فعلهم بأن أعرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان، فإنه لم يزل في مشرع في (٥) من ذمة القرآن من أي أهل (٦) قرن (٧) كان، لأجل ذلك بينَّا الخطأ بما ذكرنا (٨) وليس القصد احتجاجا
_________
(١) في (ح): "إنما".
(٢) "ولا رياء ولا سمعة" ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) زيادة: "إلا الذين تابوا الآية".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هذا".
(٥) (ق): "مشروع".
(٦) ساقطة من (ق) و(م) .
(٧) في (ح): "القرن".
(٨) في (ق) و(م): "الخط بما ذكر".
على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به الكفر، سواء يكون. جائزًا أو مكروها أو مندوبًا) .
والجواب أن يقال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] الآية [القصص / ٥٠] .
فقسمهم قسمين: متَّبع للرسول، مؤمن بما جاء (١) به، سائر إلى الله على طريقه ومنهاجه، وآخر متبع لهواه؟ ضال عن سبيل رشده وهداه، فلا تقبل دعوى البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى، وسجل على ضلاله عن سبل الرشاد والهدى، والمصدق لهذا الضرب بما يدَّعونه من النصح والتقى جاهل بما دلَّت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء.
وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية، وصريح العبارات، وظواهر المعاني والكلمات، ما يدل على أنَّ ما سوَّده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ ﵀ وبهته والكذب عليه، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده وتسطيره محض الأَشَر والبطر والاستكبار، وطلب الرفعة والمنزلة؛ ولذلك والَى من عَبَد الصالحين ودعاهم مع الله، وصرف لهم خالص العبادة ولبَّها، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعل مشايخه في رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمِرنا بسؤال الهداية (٢) إلى صراطهم، ومن خالفهم وقال بوجوب (٣)
_________
(١) "بما جاء "ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "بالسؤال".
(٣) في (ق) و(م): "بموجب".
إخلاص (١) الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو جاهل عنده بمعنى "لا إله إلا الله"، وأبو جهل وناديه أعلم (٢) منه بمعناها، وما دلَّت عليه على زعم هذا المعترض.
ثم أخذ في إظهار هذا لإِخوانه وشيعته، ممن غمص بالنفاق (٣) وكراهة شيخنا، وبغض ما جاء به، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك والتنديد (٤) فأي نصيحة حصلت والحالة هذه؟ وأي بيان وقد خصَّ به أهل النفاق والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه داود بن جرجيس.
ثم لو فرض أنه قصد النصيحة، فذلك يدل على جهله المركب (٥) بدين الله وشرعه، وما جاءت به رسله، وأن قلبه في غلاف أو مصفَّح لا يعرف الحق ولا يدريه، وليس كل من ادَّعى النصح تقبل دعواه، ولا يحكم بالْإِصابة والتسديد لكل من سُلِّمت له دعواه، وقد تقرر (٦) بين أهل العلم أن الجهل نوعان: مركب، وبسيط. والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط؛ لأن صاحبه يرى أنه من أهل العلم والرشد والهدى، وهو في الحقيقة من أهل الجهل والغي (٧) والضلال والعمى (٨)
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "عنده".
(٣) في (الأصل) و(المطبوعة): "النفاق".
(٤) في (الأصل): "التسديد"، وفي (ق): "والتشديد"، وكلاهما خطأ.
(٥) في (ح): "مركب".
(٦) في (ح): "تقدير".
(٧) في (ح) و(ق) و(المطبوعة): "والبغي".
(٨) في (ق) و(م): "والعمى والضلال".
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠] (١) (الآية [النور / ٣٩، ٤٠] .
وقد دلَّت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه الظمآن بالقيعان، فيظنه ماءً ووردًا، فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء، أو كحال من تراكمت عليه الظلمات بعضها فوق بعض) (٢) ظلمة (٣) الأمواج المتراكمة في البحر العميق، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور، ظلمات بعضها فوق بعض، فأهل المثل الأول أشد كفرًا وأقبح حالًا وأبعد هداية وبصيرة، فلا مانع والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوهمها حقًّا، وهي في نفس الأمر أضل الضلال وأبطل الباطل؛ وقد قام فرعون خطيبًا في قومه فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] [غافر / ٢٦] .
ومما يدل على جهل المعترض، وسوء قصده، وفساد إرادته، تناقض كلامه، فإذا احتج شيخنا ﵀ بآية قال: (هذه نزلت في كذا وهي خاصة به) كما تقدَّم لك في كلامه؟ فقصر التنزيل على (٤) أهل تلك الأسباب
_________
(١) في (ق) زيادة: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، وفي (م) ساق الآية إلى قوله تعالى: (فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) .
(٢) ما بين القوسين ساقط كله من (ق) .
(٣) في (ق): " ظلمات".
(٤) في (ق) و(م): "في".
الموجودين وقت النزول؛ ومنع مِنْ (١) عموم ألفاظ القرآن، وقصره عن أن يحتج به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي.
وإذا احتج هو على الشيخ، أو زكَّى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم؛ ولمن فعل فعلهم، كما ذكرنا (٢) هنا، فأي جهل وأي أشر وأي سمعة غير ما هو بصدده؟ .
هذا، وقد عُلِم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ محمد ﵀، وتزين عند أهل الْإِسلام بشرح كتابه، وانتسابه إليه، والشهادة له بأنه على الحق (٣) فلما فاته بعض مقصوده (٤) رجع القهقرى وانقلب على عقبه (٥) فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدي ومن الشرك والشك والعمى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]] (٦) الآية [الحج / ١١] .
وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب، ثم
_________
(١) في (المطبوعة): " في ".
(٢) في (ق) و(م): " ذكر".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "وأطنب في مدحه، والثناء عليه في شرحه المذكور على مصنف شيخنا قدس الله روحه".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "من الدنيا التي إليها يسعى ولها يعمل ".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "لأنه لوَّح له بعض أعداء التوحيد بما إليه يسعى، فولى مدبرًا".
(٦) ما بين المعقوفتين من الآية ليس في (الأصل) وأبقيناه إذ لا يحسن الوقف عند "فتنه". وفي (ق) و(م): "عقبه"، بدل "وجهه"، وهو خطأ.
التفت إلى الأعرابي، وقال له: ما العي عندكم في البادية؟ قال: هو ما كنت فيه منذ اليوم.
فسبحان من أظهر من عجائب قدرته، وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته، ما نبَّه به المعافى والمنعم عليه من عباده على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحة، ولطائف الخصائص (١) وخصائص اللطائف.
وأما قوله: (وليس القصد (٢) احتجاجًا على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها) إلى آخر عبارته.
فجوابه: أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه، وسوَّى بينه وبين عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية، والاحتجاج على جواز أفعالهم (٣) وإباحة صنيع من أشرك؛ لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين؛ والدخول في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته، ومتى قيل: بأنه كفرٌ ودعاءٌ لغير الله لزم أن يترتب على فاعله، ويجري عليه ما رتبه القران والسنَّة من أحكام الشرك والكفر (٤) لا سيَّما وهذا المعترض يصف أهل هذه الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها. وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل الصراط المستقيم، فكيف يرجع بعد هذا ويدَّعى أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم وعظيم شركهم؟ وهل هذا إلاَّ محض التدافع والتناقض، وإذا وجد الملزوم وجد اللازم.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (م): " المقصود".
(٣) في (ق) و(م): " أفعاله".
(٤) في (ق) و(م): "الكفر والشرك".
وقوله: (سواء يكون جائزًا أو مكروهًا أو مندوبًا) .
هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز والندب، وهذا يردُّ ما قبله، ويؤيد ما قلناه، ويبين أن المعترض ملبوس عليه، لا يعقل ما يقول.
وفي تعبيره بمضارع "كان" عن أمر حصل وتحقق في الماضي، وصار النزاع فيه واقعًا (١) ما يدل على جهله بمواقع الخطاب، ومعاني الكلمات، وأنه نبطي لم يمارس صناعة العلم، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
_________
(١) في (ح): "واقفًا".
Translation
فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره
#90
Chapter 90 — فصل في رد نسبة المعترض الشيخ للجهل وعدم معرفة مذاهب أهل العلم
· ref. #90
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد نسبة المعترض الشيخ للجهل وعدم معرفة مذاهب أهل العلم]
فصل قال المعترض: (وسنذكر من عبارات الأصحاب وغالبها من الذين يميل هذا الرجل وذووه بزعمه إليهم، وإن كان هو لا يعمل بقولهم (١) ولا يفهم حقيقته مما يدرأ به عن التكفير للأمة مع صدوره بالجهل، وفيهم لمن تحقَّق قولهم المقنع، ولو ذهبنا نذكر قول (٢) علماء أهل (٣) المذاهب لم يرعووا إليها، لأنهم لا يرونهم قدوة لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون مع أهل العلم لتعليم الأولاد) .
فيقال في جوابه: باب الدعاوى، والقول بلا حجة أوسع من المشرق إلى المغرب، يمكن كل مبطل أن يقول في خصمه ما شاء إن لم يمنعه مانع، أو يزعه وازع، من سنة أو قرآن أو رهبة أو سلطان، وإذا خلا الرجل من ذلك، وخلع ربْقَة الحياء والدين فليصنع ما شاء، كما في حديث (٤) " «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» " (٥) وإذا رمى هذا المعترض
_________
(١) في (ق) و(م): "هؤلاء لا يعلم قولهم".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في بقية النسخ: "الحديث".
(٥) تقدَّم تخريجه، انظر: ص (٥١)، هامش ٤.
خصمه بترك العمل وعدم الفهم، فمن الذي يشهد له هو بعلم أو عمل؟ وأي أحد من الأمة أهل الفطنة والدين فضلًا عن أهل العلم واليقين، يرضى حكمه في حزمة (١) بَقْلٍ أو شراك نَعْل، والمعروف عنه في هذا الكتاب وفي غيره من الجهل المركَّب الصريح، ما يتنزَّه عنه أحاد العامة، بل كثير من المشركين لا يرضى قوله، ولا يميل إليه، وإن وافق مذهبه لاستهجانه في نفسه، وظهور ضلاله وتناقضه، وكثير منهم يتستَّر ولا (٢) يبدي ما أبداه هذا المعترض من الفضائح، وإن دعا الصالحين وتوجَّه إليهم من دون الله.
ثم قوله: (مما (٣) يدرأ به عن التكفير للأمة) قد تكرَّر منه في كل صفحة (٤) التشبيه بالأمة، وأن خصمه يُكَفِّر الأمة، وقد تقدَّم مرارًا أن الأمة المستجيبين لله ورسوله لا يكفرهم خصمه (٥)؛ بل هم أولياؤه إخوانه ولم يدع إلاَّ إلى طريقهم (٦) ولم ينتحل سوى نحلتهم، وهم المقصودون من الأحاديث التي تدل على التزكية والثناء، وأمَّا مجرَّد الانتساب إلى الأمة (٧) مع دعاء غير الله (٨) والشرك الصريح بالأحياء والأموات، والبلة
_________
(١) في (ق) و(م): "بحزمة".
(٢) في (ق) و(م): "يستتر"، "ولا" ساقطة من (م) .
(٣) في (ق) و(م): "ما".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "بذا".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "ولا يدين لله بذلك ".
(٦) في (ق) و(م): "طريقتهم"، وبإسقاط: " إلى ".
(٧) في (ق) و(م): "الله".
(٨) في (ق): " غيره".
والمجانين، والأحجار والأشجار والشياطين، فهذا (١) ليس هو دين الأمة المحمَّدية، كما زعمه هذا المعترض الجاهل، وإنَّما هو (٢) دين إخوانه الضالين من الكتابيين والأميين، وإن كثر عددهم وعظم سوادهم، وتشابهت قلوبهم، فهم عند الله وعند رسوله وعند أولي العلم من خلقه الأقلون، الضالون، المنحرفون عما جاءت به الرسل، ودعت إليه الأنبياء، ولا يطلق عليهم اسم الأمة إلاَّ في مقام الدعوة والنذارة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني يسمع بي (٣) ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (٤) .
وأمَّا زعمه: (أنَّ الشيخ وإخوانه الموحِّدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون إلى أقوالهم لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون لتعليم الأولاد) .
فيقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرَّر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا ﵀ لم يَخْرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين لهم لسان صدق في هذه الأمة، ويطالب هذا المفتري (٥) بتصحيح دعواه في مسألة واحدة من مسائل الدين، وهذه المسائل التي نقلها هذا المفتري، واحتجَّ بها على دعواه، كافية في الرد عليه
_________
(١) في (ق) و(م): "فهو".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه مسلم (١٥٣)، وأحمد (٢ / ٣١٧، ٣٥٠)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٣٧٢) .
(٥) في (ق): "المعترض".
والتسجيل على جهله وعدم فهمه، لما أورده من كلام أهل العلم والدين، وأنه (١) لم يدخل من الْإِسلام فيما دخل فيه عوام المسلمين، فضلًا عن أهل العلم واليقين، ومن عادة أهل الجهل والنفاق، نسبة أهل العلم والْإِيمان إلى السفه والجهالة.
كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] الآية [البقرة / ١٣] .
وقال فرعون لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] [الزخرف / ٥٢] . فهذه سنَّة معروفة لأهل الكفر والنفاق، يستجهلون أهل الإيمان، ويزدرونهم، ويرمونهم (٢) بالسفه، وعدم العلم، وقد ألبس الله هذا الرجل ثوب الجهل المركب وثوب التعصُّب، وعرف بذلك بين الورى، وانتزعت منه سمة أهل الإيمان والهدى، فنسأل الله العفو والعافية، والثبات على دينه الذي ارتضاه لنفسه.
_________
(١) في (ق): "والله".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
فصل قال المعترض: (وسنذكر من عبارات الأصحاب وغالبها من الذين يميل هذا الرجل وذووه بزعمه إليهم، وإن كان هو لا يعمل بقولهم (١) ولا يفهم حقيقته مما يدرأ به عن التكفير للأمة مع صدوره بالجهل، وفيهم لمن تحقَّق قولهم المقنع، ولو ذهبنا نذكر قول (٢) علماء أهل (٣) المذاهب لم يرعووا إليها، لأنهم لا يرونهم قدوة لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون مع أهل العلم لتعليم الأولاد) .
فيقال في جوابه: باب الدعاوى، والقول بلا حجة أوسع من المشرق إلى المغرب، يمكن كل مبطل أن يقول في خصمه ما شاء إن لم يمنعه مانع، أو يزعه وازع، من سنة أو قرآن أو رهبة أو سلطان، وإذا خلا الرجل من ذلك، وخلع ربْقَة الحياء والدين فليصنع ما شاء، كما في حديث (٤) " «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» " (٥) وإذا رمى هذا المعترض
_________
(١) في (ق) و(م): "هؤلاء لا يعلم قولهم".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في بقية النسخ: "الحديث".
(٥) تقدَّم تخريجه، انظر: ص (٥١)، هامش ٤.
خصمه بترك العمل وعدم الفهم، فمن الذي يشهد له هو بعلم أو عمل؟ وأي أحد من الأمة أهل الفطنة والدين فضلًا عن أهل العلم واليقين، يرضى حكمه في حزمة (١) بَقْلٍ أو شراك نَعْل، والمعروف عنه في هذا الكتاب وفي غيره من الجهل المركَّب الصريح، ما يتنزَّه عنه أحاد العامة، بل كثير من المشركين لا يرضى قوله، ولا يميل إليه، وإن وافق مذهبه لاستهجانه في نفسه، وظهور ضلاله وتناقضه، وكثير منهم يتستَّر ولا (٢) يبدي ما أبداه هذا المعترض من الفضائح، وإن دعا الصالحين وتوجَّه إليهم من دون الله.
ثم قوله: (مما (٣) يدرأ به عن التكفير للأمة) قد تكرَّر منه في كل صفحة (٤) التشبيه بالأمة، وأن خصمه يُكَفِّر الأمة، وقد تقدَّم مرارًا أن الأمة المستجيبين لله ورسوله لا يكفرهم خصمه (٥)؛ بل هم أولياؤه إخوانه ولم يدع إلاَّ إلى طريقهم (٦) ولم ينتحل سوى نحلتهم، وهم المقصودون من الأحاديث التي تدل على التزكية والثناء، وأمَّا مجرَّد الانتساب إلى الأمة (٧) مع دعاء غير الله (٨) والشرك الصريح بالأحياء والأموات، والبلة
_________
(١) في (ق) و(م): "بحزمة".
(٢) في (ق) و(م): "يستتر"، "ولا" ساقطة من (م) .
(٣) في (ق) و(م): "ما".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "بذا".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "ولا يدين لله بذلك ".
(٦) في (ق) و(م): "طريقتهم"، وبإسقاط: " إلى ".
(٧) في (ق) و(م): "الله".
(٨) في (ق): " غيره".
والمجانين، والأحجار والأشجار والشياطين، فهذا (١) ليس هو دين الأمة المحمَّدية، كما زعمه هذا المعترض الجاهل، وإنَّما هو (٢) دين إخوانه الضالين من الكتابيين والأميين، وإن كثر عددهم وعظم سوادهم، وتشابهت قلوبهم، فهم عند الله وعند رسوله وعند أولي العلم من خلقه الأقلون، الضالون، المنحرفون عما جاءت به الرسل، ودعت إليه الأنبياء، ولا يطلق عليهم اسم الأمة إلاَّ في مقام الدعوة والنذارة، كما في حديث: " «ما من رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني يسمع بي (٣) ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (٤) .
وأمَّا زعمه: (أنَّ الشيخ وإخوانه الموحِّدين لا يرون العلماء قدوة، ولا يرعوون إلى أقوالهم لادعائهم الاجتهاد، وإن كانوا لا يصلحون لتعليم الأولاد) .
فيقال: هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرَّر عنه في هذه الرسالة، وشيخنا ﵀ لم يَخْرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم، الذين لهم لسان صدق في هذه الأمة، ويطالب هذا المفتري (٥) بتصحيح دعواه في مسألة واحدة من مسائل الدين، وهذه المسائل التي نقلها هذا المفتري، واحتجَّ بها على دعواه، كافية في الرد عليه
_________
(١) في (ق) و(م): "فهو".
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه مسلم (١٥٣)، وأحمد (٢ / ٣١٧، ٣٥٠)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٣٧٢) .
(٥) في (ق): "المعترض".
والتسجيل على جهله وعدم فهمه، لما أورده من كلام أهل العلم والدين، وأنه (١) لم يدخل من الْإِسلام فيما دخل فيه عوام المسلمين، فضلًا عن أهل العلم واليقين، ومن عادة أهل الجهل والنفاق، نسبة أهل العلم والْإِيمان إلى السفه والجهالة.
كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] الآية [البقرة / ١٣] .
وقال فرعون لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] [الزخرف / ٥٢] . فهذه سنَّة معروفة لأهل الكفر والنفاق، يستجهلون أهل الإيمان، ويزدرونهم، ويرمونهم (٢) بالسفه، وعدم العلم، وقد ألبس الله هذا الرجل ثوب الجهل المركب وثوب التعصُّب، وعرف بذلك بين الورى، وانتزعت منه سمة أهل الإيمان والهدى، فنسأل الله العفو والعافية، والثبات على دينه الذي ارتضاه لنفسه.
_________
(١) في (ق): "والله".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
Translation
فصل في رد نسبة المعترض الشيخ للجهل وعدم معرفة مذاهب أهل العلم
#91
Chapter 91 — فصل فيه بيان أن الحجة تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل ويكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول الحق
· ref. #91
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه بيان أن الحجة تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل ويكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول الحق]
فصل قال المعترض: (قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد كلام سبق من ذكر أنواع العبادة التي لله تعالى، ثم قال: "ولكن لغلبة الجهل، وقلَّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (١) تكفيرهم (٢) حتى يتبيَّن لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالف، فهذا صريح قوله، يقول حتى يتبين " بتقديم الياء المثناة من تحت على المثناة الفوقية (٣) ثم باء موحدة بعدهما من نسخة صحيحة على هوامشها خطَّه بيده ﵀، وهم جعلوا مجرَّد تعريفهم حجَّة فكفَّروا به، كيف ومن وراء ذلك تصحيح قولهم كما قدمنا، فإذا صح قولهم ووافقهم عليه علماء الأمة، فلا بدَّ أن يتبين للمعرف (٤) فحينئذٍ يوافق قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] (٥) [محمد / ٢٥] .
_________
(١) في (ح): "يكن".
(٢) في (ق) زيادة: "بذلك".
(٣) في (ق) و(م): "من فوق ".
(٤) في (ق): " للمعرفة".
(٥) في (ق) زيادة: الشيطان سول لهم وأملى لهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] .
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] الآية [محمد / ٣٢] .
قال المفسرون: من بعد ما ظهر لهم الحق بالمعجزات الباهرات.
ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] [فصلت / ٥٣] . قال البغوي: دين الإسلام.
وهؤلاء الذين كفَّرهم هذا الرجل (١) . لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول ﷺ، بل شيَّدوا منارهم لداعي الفلاح، وعمروا مدارسهم، واستقبلوا قبلتهم، والجهل إذا وجد فيهم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا التكفير) .
والجواب أن يقال: قد تصرَّفت في كلام الشيخ وأسقطت أوله الذي يستبين (٢) به مقصوده، وقد تقدَّم أن هذه (٣) حرفة يهودية، صار هذا المعترض على نصيب وافر منها، نعوذ بالله من الخزي والهوان.
وقبل هذا النقل قرَّر شيخ الْإِسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وطلب الرزق من غير جهة معينة، وقول القائل
_________
(١) في (ق): "هؤلاء الرجال"، وفي (م) "هؤلاء الرجل".
(٢) في (ق): "يتبين".
(٣) في (ق) و(م): "هذا".
لصاحب الوثن والمشهد: "أنا في حسبك، واليوم على الله وعليك". ونحو ذلك مما يصدر " (١) . ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، وشرك (٢) ظاهر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا قتل.
وبعد تقرير هذا قال (٣) (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (٤) تكفيرهم بذلك، حتى يتبين (٥) لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه) .
ومراد شيخ الْإِسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك، أنَّ الحجة إنَّما تقوم على المُكَلَّفين، ويترتَّب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق، وزبدة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله وإسلام الوجوه (٦) له وإنابة القلوب إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] [الإسراء / ١٥] .
وقد مثَّل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية، أو ولد في بلاد (٧) الكفار، ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولذلك قال الشيخ: "لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير (من المتأخرين"، وقد صنَّف رسالة مستقلة في أن الشرائع
_________
(١) مما يصدر" ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): " شرك صريح وكفر".
(٣) انظر: " الرد على البكري" (٢ / ٧٣١) .
(٤) في (ح): "يكن".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "يبين".
(٦) في (ح): "الوجه".
(٧) ساقطة من (ق) و(م) .
لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر) (١) العلماء يسلمون (٢) هذا في الجملة، ويرتِّبون عليه أحكامًا كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها، فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله، ووجوب الْإِسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يُجْزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرَّر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداءً بهم، ولم يكفِّر (٣) إلاَّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عُبَّاد القبور إذا لم يتيسَّر له من ينبِّهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "حتى يتبين (٤) لهم ما جاء به الرسول ﷺ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبيَّن له "، وليس بين "بيَّن" و"تبيَّن" فرق بهذا الاعتبار؛ لأن كل من بُيَّن له (٥) ما جاء به الرسول، وأصر وعاند، فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهة عرضت، كما وقع للنصارى، وبعض المشركين من العرب، أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار (٦) كما جرى لفرعون وقومه، وكثير من مشركي العرب، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم؛ بل
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق): "يسمون".
(٣) في (ق) و(م): " يكف".
(٤) في (ق) و(ح) و(ح) و(المطبوعة): "يبين".
(٥) ساقطة من (م) .
(٦) في (ق) و(م): " واستكبار وجحود".
يكفي في التفكير رد الحجَّة، وعدم قبول ما جاءت به الرسل.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (١) - إلى قوله- ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النور / ٣٩، ٤٠] .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] الآية [يس / ٩] .
وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] [الأعراف / ١٧٩] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٢) وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٣، ١٠٤] .
[٢٠٦] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] .
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠] [الأعراف / ٣٠] .
ونحو ذلك من الآيات، وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول، ولم يَنْقد له؛ لظنه أنه رسول الأميين فقط فهو كافر، وإن لم يتبين له الصواب في نفس (٣) الأمر.
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: يحسبه الظمآن ماء.
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في (ح): "بعض".
وكذلك كل من بلغته دعوة الرسول (١) بلوغًا يعرف منه المراد والمقصود، فردَّ ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر، وإن التبس عليه الأمر، وهذا لا خلاف فيه.
فما صنعه هذا الغبي من ضبط الكلمة بالياء التحتية ثم المثناة الفوقية جهل منه بأصول الشرع وأدلته.
وقوله: (لا بدَّ أن يتبيَّن للمعرف) واستدلاله بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] وما بعدها من الآيات يدلك (٢) على كثافة فهمه وعظيم جهله، فإن هذه الآيات إنما فيها التسجيل والبيان عن حال من كفر مع علمه بالحق والهدى، وليس فيها أنه لا يكفر (٣) سواه، فمن لم يستجب للرسول ﷺ من أهل الشبهات والجهل المركب فالدليل أخص من المدعى.
وهذا المعترض من أجهل الناس بأحكام الشرع (٤) وسبل الهدى، وأظنه لا يحفظ كتاب الله (٥) ولا (٦) يدري ما فيه من النصوص.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] [التوبة / ١١٥] .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م)، وفي (ح) و(المطبوعة): "الرسل".
(٢) في (م): "يدل".
(٣) في (ق): "تعتل"، وغير واضحة في (م) .
(٤) في (ق) و(م): "الشريعة".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "إن حفظه فإنما مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا، شأنه شأن إخوانه المدافعين عن الشرك الأكبر وعبادة الطواغيت واتخاذ الأنداد من دون الله ".
(٦) في (المطبوعة): "فلا".
ولم يقل حتى" يتبين ".
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا (١) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآية [إبراهيم / ٤] .
وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة، وقال رحمه الله تعالى (٢) (أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة، وفهم (٣) الحجة، وبلوغ الحجة لابدَّ منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل، وأما فهم الحجة فلا يشترط.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤]) . اهـ بمعناه.
(قال الخطابي في "الغريب": الكفر على أربعة) (٤) أنحاء: كفر جحود، (وكفر عناد، وكفر نفاق) (٥) وكفر إعراض. ومثَّل الأول: بكفر فرعون وأمثاله (٦) و(٧) الثاني: بكفر إبليس ممن اعترف وعاند. والثالث: بكفر النفاق. والرابع: بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل (٨) به
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) انظر: "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" (١ / ٢٤٤) .
(٣) في (ح): "وفهمه".
(٤) ما بين القوسين غير ظاهر في صورة الأصل، حيث أن هذه الفقرة مكتوبة بالهامش.
(٥) في (ق) و(م): "وكفر نفاق وكفر عناد".
(٦) ساقطة من (ق) .
(٧) في (ق) زيادة: "ومَثَّل".
(٨) في (ق) و(م): "الإسلام والتزام العمل ".
لغرض غير العناد (١) وقرَّر مثله شمس الدِّين ابن القيم.
وقوله: (وهؤلاء الذين (٢) كفَّرهم هذا الرجل لم يصدُّوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول) .
إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله، والخضوع، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك من العبادات، لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول، مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البيِّن (٣) ودعوة الناس إلى مذهبهم، وتحسينه للجهال (٤) والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته، فهذا [٢٠٧] أكبر دليل، وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يفقه مراد الله ورسوله، ولم يدرِ ضروريات الْإِسلام التي يعرفها كل من تصوُّره وعرف حقيقته، فضلًا (٥) عمن قَبِله ودان به.
وفيه جهله بمعنى الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس، وكون عبَّاد القبور شيَّدوا المنار، وعمَّروا المدارس، واستقبلوا القبلة، فليس هذا هو الْإِسلام حتى يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين، وجعلهم أندادًا لله ربِّ العالمين.
وفي حديث سؤال جبريل عن الْإِسلام والْإِيمان والْإِحسان ما يستبين (٦)
_________
(١) في (ق) و(م): "عناد".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "المبين".
(٤) في (ق) و(م): "للجهل".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) في (ق) و(م): "يتبين".
به ضلال هذا المعترض وجهله (١) بمسمى الدين ومراتبه، فإنَّ النبي ﷺ أجابه عن سؤاله (٢) عن الْإِسلام بجواب كاشف للحقيقة مبيِّن للحد (٣) والماهيَّة، فقال: " «الْإِسلام أن تشهد أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» " (٤) فجعل الْإِسلام هو التزام التوحيد، والبراءة من الشرك، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والإتيان بالمباني الأربعة، ولم يذكر تشييد المنار.
وكذلك جعل هذا مسمى الإِيمان في حديث وفد عبد القيس، إلاَّ أنه أبدل الحج بإعطاء الخمس، فمن جعل الْإِسلام هو الْإِتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام توحيد الله والبراءة من الشرك، فهو (٥) أجهل الناس وأضلَّهم، فكيف بمن جعل ذلك هو تشييد المنار، أو عمارة المدارس، أو استقبال القبلة" قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]] (٦) [التوبة / ١٩] .
وقد تقدم هذا المبحث (٧) وانهدم أصل المعترض، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ومنته.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) "عن سؤاله " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): " للحدود".
(٤) أخرجه البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٨، ٩) .
(٥) في " ق": "فهذا من".
(٦) ما بين المعقوفتين مختصر في (ق) بكلمة: "الآية".
(٧) في (ق) و(المطبوعة): "البحث".
فصل قال المعترض: (قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد كلام سبق من ذكر أنواع العبادة التي لله تعالى، ثم قال: "ولكن لغلبة الجهل، وقلَّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (١) تكفيرهم (٢) حتى يتبيَّن لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالف، فهذا صريح قوله، يقول حتى يتبين " بتقديم الياء المثناة من تحت على المثناة الفوقية (٣) ثم باء موحدة بعدهما من نسخة صحيحة على هوامشها خطَّه بيده ﵀، وهم جعلوا مجرَّد تعريفهم حجَّة فكفَّروا به، كيف ومن وراء ذلك تصحيح قولهم كما قدمنا، فإذا صح قولهم ووافقهم عليه علماء الأمة، فلا بدَّ أن يتبين للمعرف (٤) فحينئذٍ يوافق قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] (٥) [محمد / ٢٥] .
_________
(١) في (ح): "يكن".
(٢) في (ق) زيادة: "بذلك".
(٣) في (ق) و(م): "من فوق ".
(٤) في (ق): " للمعرفة".
(٥) في (ق) زيادة: الشيطان سول لهم وأملى لهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] .
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] الآية [محمد / ٣٢] .
قال المفسرون: من بعد ما ظهر لهم الحق بالمعجزات الباهرات.
ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] [فصلت / ٥٣] . قال البغوي: دين الإسلام.
وهؤلاء الذين كفَّرهم هذا الرجل (١) . لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول ﷺ، بل شيَّدوا منارهم لداعي الفلاح، وعمروا مدارسهم، واستقبلوا قبلتهم، والجهل إذا وجد فيهم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا التكفير) .
والجواب أن يقال: قد تصرَّفت في كلام الشيخ وأسقطت أوله الذي يستبين (٢) به مقصوده، وقد تقدَّم أن هذه (٣) حرفة يهودية، صار هذا المعترض على نصيب وافر منها، نعوذ بالله من الخزي والهوان.
وقبل هذا النقل قرَّر شيخ الْإِسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، كمغفرة الذنوب، وهداية القلوب، وطلب الرزق من غير جهة معينة، وقول القائل
_________
(١) في (ق): "هؤلاء الرجال"، وفي (م) "هؤلاء الرجل".
(٢) في (ق): "يتبين".
(٣) في (ق) و(م): "هذا".
لصاحب الوثن والمشهد: "أنا في حسبك، واليوم على الله وعليك". ونحو ذلك مما يصدر " (١) . ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين، ويستغيث بهم كفر صريح، وشرك (٢) ظاهر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا قتل.
وبعد تقرير هذا قال (٣) (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن (٤) تكفيرهم بذلك، حتى يتبين (٥) لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه) .
ومراد شيخ الْإِسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك، أنَّ الحجة إنَّما تقوم على المُكَلَّفين، ويترتَّب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق، وزبدة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله وإسلام الوجوه (٦) له وإنابة القلوب إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] [الإسراء / ١٥] .
وقد مثَّل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية، أو ولد في بلاد (٧) الكفار، ولم تبلغه الحجة الرسالية، ولذلك قال الشيخ: "لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير (من المتأخرين"، وقد صنَّف رسالة مستقلة في أن الشرائع
_________
(١) مما يصدر" ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): " شرك صريح وكفر".
(٣) انظر: " الرد على البكري" (٢ / ٧٣١) .
(٤) في (ح): "يكن".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "يبين".
(٦) في (ح): "الوجه".
(٧) ساقطة من (ق) و(م) .
لا تلزم قبل بلوغها، وأكثر) (١) العلماء يسلمون (٢) هذا في الجملة، ويرتِّبون عليه أحكامًا كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها، فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله، ووجوب الْإِسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يُجْزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا ﵀ قد قرَّر هذا وبينه وفاقًا لعلماء الأمة واقتداءً بهم، ولم يكفِّر (٣) إلاَّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه ﵀ توقف في تكفير الجاهل من عُبَّاد القبور إذا لم يتيسَّر له من ينبِّهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "حتى يتبين (٤) لهم ما جاء به الرسول ﷺ، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبيَّن له "، وليس بين "بيَّن" و"تبيَّن" فرق بهذا الاعتبار؛ لأن كل من بُيَّن له (٥) ما جاء به الرسول، وأصر وعاند، فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهة عرضت، كما وقع للنصارى، وبعض المشركين من العرب، أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار (٦) كما جرى لفرعون وقومه، وكثير من مشركي العرب، فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها، ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم؛ بل
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في (ق): "يسمون".
(٣) في (ق) و(م): " يكف".
(٤) في (ق) و(ح) و(ح) و(المطبوعة): "يبين".
(٥) ساقطة من (م) .
(٦) في (ق) و(م): " واستكبار وجحود".
يكفي في التفكير رد الحجَّة، وعدم قبول ما جاءت به الرسل.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (١) - إلى قوله- ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النور / ٣٩، ٤٠] .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] الآية [يس / ٩] .
وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] [الأعراف / ١٧٩] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٢) وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٣، ١٠٤] .
[٢٠٦] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] .
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠] [الأعراف / ٣٠] .
ونحو ذلك من الآيات، وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول، ولم يَنْقد له؛ لظنه أنه رسول الأميين فقط فهو كافر، وإن لم يتبين له الصواب في نفس (٣) الأمر.
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: يحسبه الظمآن ماء.
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في (ح): "بعض".
وكذلك كل من بلغته دعوة الرسول (١) بلوغًا يعرف منه المراد والمقصود، فردَّ ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر، وإن التبس عليه الأمر، وهذا لا خلاف فيه.
فما صنعه هذا الغبي من ضبط الكلمة بالياء التحتية ثم المثناة الفوقية جهل منه بأصول الشرع وأدلته.
وقوله: (لا بدَّ أن يتبيَّن للمعرف) واستدلاله بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] [البقرة / ٨٩] وما بعدها من الآيات يدلك (٢) على كثافة فهمه وعظيم جهله، فإن هذه الآيات إنما فيها التسجيل والبيان عن حال من كفر مع علمه بالحق والهدى، وليس فيها أنه لا يكفر (٣) سواه، فمن لم يستجب للرسول ﷺ من أهل الشبهات والجهل المركب فالدليل أخص من المدعى.
وهذا المعترض من أجهل الناس بأحكام الشرع (٤) وسبل الهدى، وأظنه لا يحفظ كتاب الله (٥) ولا (٦) يدري ما فيه من النصوص.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] [التوبة / ١١٥] .
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م)، وفي (ح) و(المطبوعة): "الرسل".
(٢) في (م): "يدل".
(٣) في (ق): "تعتل"، وغير واضحة في (م) .
(٤) في (ق) و(م): "الشريعة".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "إن حفظه فإنما مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا، شأنه شأن إخوانه المدافعين عن الشرك الأكبر وعبادة الطواغيت واتخاذ الأنداد من دون الله ".
(٦) في (المطبوعة): "فلا".
ولم يقل حتى" يتبين ".
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا (١) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآية [إبراهيم / ٤] .
وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة، وقال رحمه الله تعالى (٢) (أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة، وفهم (٣) الحجة، وبلوغ الحجة لابدَّ منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل، وأما فهم الحجة فلا يشترط.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤]) . اهـ بمعناه.
(قال الخطابي في "الغريب": الكفر على أربعة) (٤) أنحاء: كفر جحود، (وكفر عناد، وكفر نفاق) (٥) وكفر إعراض. ومثَّل الأول: بكفر فرعون وأمثاله (٦) و(٧) الثاني: بكفر إبليس ممن اعترف وعاند. والثالث: بكفر النفاق. والرابع: بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل (٨) به
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) انظر: "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" (١ / ٢٤٤) .
(٣) في (ح): "وفهمه".
(٤) ما بين القوسين غير ظاهر في صورة الأصل، حيث أن هذه الفقرة مكتوبة بالهامش.
(٥) في (ق) و(م): "وكفر نفاق وكفر عناد".
(٦) ساقطة من (ق) .
(٧) في (ق) زيادة: "ومَثَّل".
(٨) في (ق) و(م): "الإسلام والتزام العمل ".
لغرض غير العناد (١) وقرَّر مثله شمس الدِّين ابن القيم.
وقوله: (وهؤلاء الذين (٢) كفَّرهم هذا الرجل لم يصدُّوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول) .
إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله، والخضوع، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك من العبادات، لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول، مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البيِّن (٣) ودعوة الناس إلى مذهبهم، وتحسينه للجهال (٤) والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته، فهذا [٢٠٧] أكبر دليل، وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يفقه مراد الله ورسوله، ولم يدرِ ضروريات الْإِسلام التي يعرفها كل من تصوُّره وعرف حقيقته، فضلًا (٥) عمن قَبِله ودان به.
وفيه جهله بمعنى الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس، وكون عبَّاد القبور شيَّدوا المنار، وعمَّروا المدارس، واستقبلوا القبلة، فليس هذا هو الْإِسلام حتى يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين، وجعلهم أندادًا لله ربِّ العالمين.
وفي حديث سؤال جبريل عن الْإِسلام والْإِيمان والْإِحسان ما يستبين (٦)
_________
(١) في (ق) و(م): "عناد".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "المبين".
(٤) في (ق) و(م): "للجهل".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) في (ق) و(م): "يتبين".
به ضلال هذا المعترض وجهله (١) بمسمى الدين ومراتبه، فإنَّ النبي ﷺ أجابه عن سؤاله (٢) عن الْإِسلام بجواب كاشف للحقيقة مبيِّن للحد (٣) والماهيَّة، فقال: " «الْإِسلام أن تشهد أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» " (٤) فجعل الْإِسلام هو التزام التوحيد، والبراءة من الشرك، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والإتيان بالمباني الأربعة، ولم يذكر تشييد المنار.
وكذلك جعل هذا مسمى الإِيمان في حديث وفد عبد القيس، إلاَّ أنه أبدل الحج بإعطاء الخمس، فمن جعل الْإِسلام هو الْإِتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام توحيد الله والبراءة من الشرك، فهو (٥) أجهل الناس وأضلَّهم، فكيف بمن جعل ذلك هو تشييد المنار، أو عمارة المدارس، أو استقبال القبلة" قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]] (٦) [التوبة / ١٩] .
وقد تقدم هذا المبحث (٧) وانهدم أصل المعترض، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ومنته.
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) "عن سؤاله " ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م): " للحدود".
(٤) أخرجه البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٨، ٩) .
(٥) في " ق": "فهذا من".
(٦) ما بين المعقوفتين مختصر في (ق) بكلمة: "الآية".
(٧) في (ق) و(المطبوعة): "البحث".
Translation
فصل فيه بيان أن الحجة تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل ويكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول الحق
#92
Chapter 92 — فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية
· ref. #92
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية]
فصل قال المعترض: (ثم قال أبو العباس: "وما يروى أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكي إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون، فعليه بالكيس، فمثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ، وأعْرِف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو غيره من أمته حاجة فتقضى، فإن هذا وقع كثيرًا، ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ لهؤلاء السائلين لا (١) تدل على استحباب السؤال، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين (٢) لما هم فيه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ". هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم لرسول الله ﷺ: لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، و(٣) أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك (٤) وأثبت لهم الْإِيمان بذلك، وسوى بين الحياة والممات؛ كما
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (م): "الملحدين".
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "كما أن".
(٤) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "هذا كلامه، والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم رسول الله ﷺ لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، وأن السائلين له في الحياة كانوا كذلك".
تراه صريحًا واضحًا (١) . وقد «قال ربيعة بن كعب ﵁ كما في صحيح مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوء وحاجة فقال: سلني، فقلت: سألتك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود» " (٢) وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ، أو برجل صالح وأخرجه عن (٣) ملة الإِسلام بذلك، كما ترى فيما سبق من (٤) قوله في شبهته، فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] الآية [الحج / ٨] .
وممن قال فيهم النبي ﷺ: " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") .
والجواب أن يقال: إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور، وأنه وسيلة إلى دعاء أربابها مع الله، كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من الآدميين والملائكة، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها، وأنها وسيلة إلى هذا الشرك العظيم، وأنه مشاقة لله ورسوله، فإن (٥) الرسول منع من الصلاة عند القبور، ولعن فاعله، وقال: " «لا تتخذوا قبري
_________
(١) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٨)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٢ / ٢٢٧)، وأحمد (٣ / ٥٠٠) .
(٣) في (ق) و(م): "من".
(٤) في (م): "في".
(٥) في (م): "وإن ".
عيدًا» " (١) فاستدل واحتج واستظهر، ثم ذكر (٢) سؤالًا يورده القبوريون- يعني عباد القبور- وأجاب عنه، وذكر أنه إنما أورده مع بُعْدِه عن طريق العلم والهدى، لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون، وأورد فيه ما يحتجون به، ومنه ما ذكر هذا المعترض أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، والشيخ لم يقصد أنَّ هذا جائز أو أنه مشروع، أو دليل يستدل به على الدعاء عند القبور، أو على دعاء أربابها مع الله، وإنما ذكر أنه يقع، وأن وقوعه لا يُسْتَدَل به، وأنه ذكره في معرض الرد على من دعا عند القبور، فإن كان كلام الشيخ دليلًا فقد رده، وذكر أنه لا يحتج به، وأنه بعيد عن طريق العلم والهدى كما قاله في أول السؤال في كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم ".
وقوله: (وأعرف من هذا وقائع، وأن هذا وقع كثيرًا) .
يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلاَّ الله، فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز.
وقوله: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) . ليس فيه أنهم لم يشركوا أو أن هذا مشروع، غاية ما هناك أنه ذكر عنهم أنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، وهذا يدل على أنهم على طرف وحرف، إن أصابهم خير اطمأنُّوا (٣) به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا، كما أن كثيرًا من السائلين
_________
(١) في (ق) زيادة: "ولا بيوتكم. . . الحديث "، والحديث تقدم تخريجه. انظر: ص (٤٨١)، هامش ١ ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق): " أصابه خير اطمأن".
له (١) في الحياة كذلك، وقد ذمهم الله وعابهم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] (٢) [التوبة / ٥٨] . وهؤلاء من أهل النفاق بنص الآية والشيخ جعلهم مثلهم، فأي دليل يبقى لمبطل لو كانوا يعلمون؟ . ويقال أيضًا: قول الشيخ: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم)، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانًا يمنع من الشرك، غايته أن (٣) يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته (٤) الِإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [يوسف / ١٠٦] . أثبت لهم إيمانًا (٥) مع شركهم (٦) . ويدل على مراد الشيخ: أنه لم يطلق الإيمان، وإنما أتى بإيمان مقيد (٧) بالإضافة إليهم، وهذا يدل على نوع خاص من الإيمان وجزء
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) و(م): "يسخرون".
(٣) في (ق) و(م): "أنهم".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "إيمان الجاهلين المقلدين لا إيمان الراسخين المستبصرين، وهذا ".
(٥) في (ق): "الإيمان".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: " وهو بلا شك الإيمان التقليدي الكاذب". كما قال في المنافقين: "ومن الناس من يقول آمنا وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين".
(٧) في (ق) و(م): "بالإيمان مقيدًا".
منه، فأي حجة تبقى لهذا المعترض الذي هو أجهل وأضل (١) من حمار أهله؟ .
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥] .
وأما حديث ربيعة بن كعب: فالاستدلال به خروج عن محل النزاع، وأهل العلم لا يمنعون من سؤاله ﷺ في حال حياته، فإن المراد هنا طلب (٢) شفاعته بالدعاء.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء / ٦٤] .
وهذا من جنس سؤال المخلوق ما يقدر عليه، ولهذا كان الإتيان إليه ﷺ لطلب الاستغفار لمن ظلم نفسه مشروعًا في حياته باتفاق الأمة، وأما بعد موته فلم ينقل عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من أئمة العلم والهدى أنَّه فعله، أو استحبه (٣) أو أمر به، حتى أن الحكاية التي تذكر عن العتبي ضعفها أهل العلم بالنقل، ولم يثبتوها وقد بَسط الكلام عليها وكَشف حال ناقليها، الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتاب: "الصارم المنكي"، وتقدم تلخيص ذلك قريبًا (٤) .
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٣) في (ق): "استحسنه".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "وتبين أنها مكذوبة لا تقوم بها حجة".
والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وهذا الرجل من الصم البكم (١) الذين لا يعقلون، والحديث فيه الْإِشارة بقوله: " «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» " إلى ما وقع في حديث أبي هريرة صريحًا لما قال له: " «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» " (٢) وكلا (٣) الحديثين خرج من مشكاة واحدة ممن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى، ومن كان له نور يمشي به في الناس ابصر وأدرك (٤) ما يخفي ويتعذر إدراكه على أهل الظلمة والعمى. فسبحان من قسم بين عباده الشقاوة والهدى.
ومن هذا: سؤال الناس له ﷺ يوم القيامة أن يشفع لهم إلى ربه، وهو من جنس مسألته في الدنيا ﷺ، (٥) وقد احتج به المبطلون على سؤاله بعد مماته ودعائه مع الله، وقد كشف شبهتهم وأبدى خزيتهم شيخنا ﵀ في كتابه (٦) "كشف الشبه" (٧) وشيخ الْإِسلام ابن تيمية في كتاب: "الاستغاثة" (٨) وكتاب: "الرد على ابن الأخنائي المالكي "، فليراجع.
_________
(١) في بقية النسخ: "والبكم".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في (ح): "كان".
(٤) في (م): "أدرك وأبصر".
(٥) في بقية النسخ: "ﷺ في الدنيا".
(٦) في بقية النسخ: "كتاب".
(٧) في (المطبوعة): "الشبهات".
(٨) في (ق): "الإغاثة".
وأما قول هذا (١) المعترض: (وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ، أو برجل صالح؛ وأخرجه عن ملة الْإِسلام) إلى آخر عبارته.
فقد تقدم لك أنه لا يتحاشى من (٢) الكذب، وأنه من أكذب الخلق على الله وعلى عباده المؤمنين، والله ﷾ يعلم وعباده المؤمنون يعلمون (٣) أن الشيخ إنما كفَّر من دعا مخلوقًا (٤) أعظم من دعاء الله، ومن تضرع وخشع (٥) واستكان، رغبة ورهبة عند قبور الصالحين (٦) أعظم من تضرعه في بيوت الله وخشوعه له في أوقات الْإِجابة، وأوقات (٧) الأسحار، وطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلاَّ الله العزيز الغفار.
وأما من سأل الله بذات النبي ﷺ أو بذات غيره: فالكلام فيها معروف مشهور لا يخفى [على] (٨) صغار الطلبة، وقد حكاه شيخنا ﵀ في كثير من رسائله، وقرر ما ذكره شيخ الْإِسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وحكى الخلاف فيه على عادة أهل العلم، ولم يقل أنه شرك فضلًا عن أن يقول: أنه يخرج عن (٩) الملة، وهذه المسألة ليست
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "مثل أو".
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
(٦) في (المطبوعة) زيادة: "مثل أو".
(٧) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٨) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) يقتضيها السياق.
(٩) في (ق): "مخرج من".
مما (١) نحن فيه من مسائل النزاع، وإنما أدخلها هذا الملحد مغالطة وترويجًا لباطله، ولبسا للحق بالباطل، كما هو الغالب عليه في سائر اعتراضاته.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ (٢) وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] [البقرة / ٤٢] .
وأما قوله: (فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] [الحج / ٨]) .
فلا تستغرب هذه الجرأة على الله، وعلى كتابه، وعلى عباده المؤمنين، ممن قلَّ حظه ونصيبه من العلم والدين، وعدم العقل المانع عما يهلك ويشين، وكل مبتدع وضال يتأول إذا تهتك وخرج عن قانون الاحتجاج والمناظرة في خصمه، ومخالفة ما يكابر به معاني الآيات والنصوص الظاهرة، فانظر إلى قول الرافضة: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] [الرحمن / ١٩] . علي وفاطمة.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] [الرحمن / ٢٢] . حسن وحسين.
وقولهم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] بنو أمية، وحَمْلُهم بعض النصوص الواردة في أناس من صناديد المشركين وأعيانهم على أبي بكر وعمر، وقولهم في عائشة - لعنة الله عليهم- يتأولون فيه، فلا عجب من هذا البغي والعدوان، فللرسل وأهل العلم ورثة، وللرافضة والباطنية ورثة، إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
_________
(١) في: (ق) "فيما"، وإسقاط "ليست".
(٢) في (ح) زيادة: "لا"، وهو خطأ.
فصل قال المعترض: (ثم قال أبو العباس: "وما يروى أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكي إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون، فعليه بالكيس، فمثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ، وأعْرِف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو غيره من أمته حاجة فتقضى، فإن هذا وقع كثيرًا، ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ لهؤلاء السائلين لا (١) تدل على استحباب السؤال، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين (٢) لما هم فيه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ". هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم لرسول الله ﷺ: لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، و(٣) أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك (٤) وأثبت لهم الْإِيمان بذلك، وسوى بين الحياة والممات؛ كما
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (م): "الملحدين".
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "كما أن".
(٤) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "هذا كلامه، والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم رسول الله ﷺ لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، وأن السائلين له في الحياة كانوا كذلك".
تراه صريحًا واضحًا (١) . وقد «قال ربيعة بن كعب ﵁ كما في صحيح مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوء وحاجة فقال: سلني، فقلت: سألتك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود» " (٢) وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ، أو برجل صالح وأخرجه عن (٣) ملة الإِسلام بذلك، كما ترى فيما سبق من (٤) قوله في شبهته، فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] الآية [الحج / ٨] .
وممن قال فيهم النبي ﷺ: " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") .
والجواب أن يقال: إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور، وأنه وسيلة إلى دعاء أربابها مع الله، كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من الآدميين والملائكة، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها، وأنها وسيلة إلى هذا الشرك العظيم، وأنه مشاقة لله ورسوله، فإن (٥) الرسول منع من الصلاة عند القبور، ولعن فاعله، وقال: " «لا تتخذوا قبري
_________
(١) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٨)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٢ / ٢٢٧)، وأحمد (٣ / ٥٠٠) .
(٣) في (ق) و(م): "من".
(٤) في (م): "في".
(٥) في (م): "وإن ".
عيدًا» " (١) فاستدل واحتج واستظهر، ثم ذكر (٢) سؤالًا يورده القبوريون- يعني عباد القبور- وأجاب عنه، وذكر أنه إنما أورده مع بُعْدِه عن طريق العلم والهدى، لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون، وأورد فيه ما يحتجون به، ومنه ما ذكر هذا المعترض أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، والشيخ لم يقصد أنَّ هذا جائز أو أنه مشروع، أو دليل يستدل به على الدعاء عند القبور، أو على دعاء أربابها مع الله، وإنما ذكر أنه يقع، وأن وقوعه لا يُسْتَدَل به، وأنه ذكره في معرض الرد على من دعا عند القبور، فإن كان كلام الشيخ دليلًا فقد رده، وذكر أنه لا يحتج به، وأنه بعيد عن طريق العلم والهدى كما قاله في أول السؤال في كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم ".
وقوله: (وأعرف من هذا وقائع، وأن هذا وقع كثيرًا) .
يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلاَّ الله، فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز.
وقوله: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) . ليس فيه أنهم لم يشركوا أو أن هذا مشروع، غاية ما هناك أنه ذكر عنهم أنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، وهذا يدل على أنهم على طرف وحرف، إن أصابهم خير اطمأنُّوا (٣) به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا، كما أن كثيرًا من السائلين
_________
(١) في (ق) زيادة: "ولا بيوتكم. . . الحديث "، والحديث تقدم تخريجه. انظر: ص (٤٨١)، هامش ١ ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق): " أصابه خير اطمأن".
له (١) في الحياة كذلك، وقد ذمهم الله وعابهم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] (٢) [التوبة / ٥٨] . وهؤلاء من أهل النفاق بنص الآية والشيخ جعلهم مثلهم، فأي دليل يبقى لمبطل لو كانوا يعلمون؟ . ويقال أيضًا: قول الشيخ: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم)، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانًا يمنع من الشرك، غايته أن (٣) يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته (٤) الِإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [يوسف / ١٠٦] . أثبت لهم إيمانًا (٥) مع شركهم (٦) . ويدل على مراد الشيخ: أنه لم يطلق الإيمان، وإنما أتى بإيمان مقيد (٧) بالإضافة إليهم، وهذا يدل على نوع خاص من الإيمان وجزء
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق) و(م): "يسخرون".
(٣) في (ق) و(م): "أنهم".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "إيمان الجاهلين المقلدين لا إيمان الراسخين المستبصرين، وهذا ".
(٥) في (ق): "الإيمان".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: " وهو بلا شك الإيمان التقليدي الكاذب". كما قال في المنافقين: "ومن الناس من يقول آمنا وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين".
(٧) في (ق) و(م): "بالإيمان مقيدًا".
منه، فأي حجة تبقى لهذا المعترض الذي هو أجهل وأضل (١) من حمار أهله؟ .
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥] .
وأما حديث ربيعة بن كعب: فالاستدلال به خروج عن محل النزاع، وأهل العلم لا يمنعون من سؤاله ﷺ في حال حياته، فإن المراد هنا طلب (٢) شفاعته بالدعاء.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء / ٦٤] .
وهذا من جنس سؤال المخلوق ما يقدر عليه، ولهذا كان الإتيان إليه ﷺ لطلب الاستغفار لمن ظلم نفسه مشروعًا في حياته باتفاق الأمة، وأما بعد موته فلم ينقل عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من أئمة العلم والهدى أنَّه فعله، أو استحبه (٣) أو أمر به، حتى أن الحكاية التي تذكر عن العتبي ضعفها أهل العلم بالنقل، ولم يثبتوها وقد بَسط الكلام عليها وكَشف حال ناقليها، الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتاب: "الصارم المنكي"، وتقدم تلخيص ذلك قريبًا (٤) .
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ح) و(المطبوعة) .
(٣) في (ق): "استحسنه".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "وتبين أنها مكذوبة لا تقوم بها حجة".
والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وهذا الرجل من الصم البكم (١) الذين لا يعقلون، والحديث فيه الْإِشارة بقوله: " «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» " إلى ما وقع في حديث أبي هريرة صريحًا لما قال له: " «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» " (٢) وكلا (٣) الحديثين خرج من مشكاة واحدة ممن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى، ومن كان له نور يمشي به في الناس ابصر وأدرك (٤) ما يخفي ويتعذر إدراكه على أهل الظلمة والعمى. فسبحان من قسم بين عباده الشقاوة والهدى.
ومن هذا: سؤال الناس له ﷺ يوم القيامة أن يشفع لهم إلى ربه، وهو من جنس مسألته في الدنيا ﷺ، (٥) وقد احتج به المبطلون على سؤاله بعد مماته ودعائه مع الله، وقد كشف شبهتهم وأبدى خزيتهم شيخنا ﵀ في كتابه (٦) "كشف الشبه" (٧) وشيخ الْإِسلام ابن تيمية في كتاب: "الاستغاثة" (٨) وكتاب: "الرد على ابن الأخنائي المالكي "، فليراجع.
_________
(١) في بقية النسخ: "والبكم".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في (ح): "كان".
(٤) في (م): "أدرك وأبصر".
(٥) في بقية النسخ: "ﷺ في الدنيا".
(٦) في بقية النسخ: "كتاب".
(٧) في (المطبوعة): "الشبهات".
(٨) في (ق): "الإغاثة".
وأما قول هذا (١) المعترض: (وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ، أو برجل صالح؛ وأخرجه عن ملة الْإِسلام) إلى آخر عبارته.
فقد تقدم لك أنه لا يتحاشى من (٢) الكذب، وأنه من أكذب الخلق على الله وعلى عباده المؤمنين، والله ﷾ يعلم وعباده المؤمنون يعلمون (٣) أن الشيخ إنما كفَّر من دعا مخلوقًا (٤) أعظم من دعاء الله، ومن تضرع وخشع (٥) واستكان، رغبة ورهبة عند قبور الصالحين (٦) أعظم من تضرعه في بيوت الله وخشوعه له في أوقات الْإِجابة، وأوقات (٧) الأسحار، وطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلاَّ الله العزيز الغفار.
وأما من سأل الله بذات النبي ﷺ أو بذات غيره: فالكلام فيها معروف مشهور لا يخفى [على] (٨) صغار الطلبة، وقد حكاه شيخنا ﵀ في كثير من رسائله، وقرر ما ذكره شيخ الْإِسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وحكى الخلاف فيه على عادة أهل العلم، ولم يقل أنه شرك فضلًا عن أن يقول: أنه يخرج عن (٩) الملة، وهذه المسألة ليست
_________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "مثل أو".
(٥) ساقطة من (المطبوعة) .
(٦) في (المطبوعة) زيادة: "مثل أو".
(٧) ساقطة من (ق) و(المطبوعة) .
(٨) ما بين المعقوفتين زيادة من (المطبوعة) يقتضيها السياق.
(٩) في (ق): "مخرج من".
مما (١) نحن فيه من مسائل النزاع، وإنما أدخلها هذا الملحد مغالطة وترويجًا لباطله، ولبسا للحق بالباطل، كما هو الغالب عليه في سائر اعتراضاته.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ (٢) وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] [البقرة / ٤٢] .
وأما قوله: (فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] [الحج / ٨]) .
فلا تستغرب هذه الجرأة على الله، وعلى كتابه، وعلى عباده المؤمنين، ممن قلَّ حظه ونصيبه من العلم والدين، وعدم العقل المانع عما يهلك ويشين، وكل مبتدع وضال يتأول إذا تهتك وخرج عن قانون الاحتجاج والمناظرة في خصمه، ومخالفة ما يكابر به معاني الآيات والنصوص الظاهرة، فانظر إلى قول الرافضة: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] [الرحمن / ١٩] . علي وفاطمة.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] [الرحمن / ٢٢] . حسن وحسين.
وقولهم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] بنو أمية، وحَمْلُهم بعض النصوص الواردة في أناس من صناديد المشركين وأعيانهم على أبي بكر وعمر، وقولهم في عائشة - لعنة الله عليهم- يتأولون فيه، فلا عجب من هذا البغي والعدوان، فللرسل وأهل العلم ورثة، وللرافضة والباطنية ورثة، إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
_________
(١) في: (ق) "فيما"، وإسقاط "ليست".
(٢) في (ح) زيادة: "لا"، وهو خطأ.
Translation
فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية
#93
Chapter 93 — باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة
· ref. #93
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
وقول هذا الجاهل المعترض: (الآية) بعد سياقه لها بتمامها يدل على جهله بكتاب الله، وجهله بقول العلماء إذا أرادوا قراءة الآية واقتصروا على أولها، وبالجملة فمناقشته تطول.
[باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة]
وأما دعواه: (أنَّ شيخنا ﵀ ممن قال فيهم النبي ﷺ: " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") .
فيقال: قد قال هذا قبله كل مشرك وعابد لغير الله، حتى إن قريشًا قالوا للنبي ﷺ: "إنه صابئي" ولقبوه به، والجهمية المعطلة يسمون أهل السنَّة: حشوية ونوابت، والرافضة يسمونهم: نواصب، والقدرية يسمونهم: مجبرة، وبالجملة فقد قال هذا كل مشرك، وباب الدعاوى مصراعاه أوسع من بُصْرى إلى عدن، وهكذا كل من جرَّد التوحيد لله العزيز الحميد نسبه عُبَّاد القبور إلى هذا الإفك المبين، ولعمر الله إن من نهى عن عبادة غير الله، وأمر بتوحيده لهو المؤمن البر الراشد، الداخل في اتباع الرسل وأوليائهم، وإن كان خارجًا عن أهل الشرك بالله وعبادة غيره، متبرئًا منهم، ماقتا لهم (١)
وعيَّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر (٢) عنك عارها
وأقرب الناس شبهًا بالخوارج: من خرج عن جماعة المسلمين إلى عبادة الصالحين والشياطين، ولم يلتزم جماعة المسلمين أهل التوحيد والتعظيم لله رب العالمين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣)
من لي بشبه خوارج قد كَفَّروا ... بالذنب تأويلًا بلا إحسان
_________
(١) في (ح): "أمثالهم".
(٢) في (ح): "خارج ظاهر"، وفي (المطبوعة): "خارج".
(٣) انظر: "نونية ابن القيم" ص (١٠٣) .
ولهم (١) نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا (٢) من التقصير في العرفان
وخصومنا قد كفَّرونا بالذي ... هو غاية التحقيق والْإِيمان
وقد أشبعنا الكلام على أمر (٣) الخوارج، وذكر مبدأ أمرهم، وكيف كانت شبهتهم، فيما كتبناه من الرد على (٤) طاغية العراق (٥) ولله الحمد والمنَّة.
_________
(١) في (ح): "ولم".
(٢) في (ق): "وأتوا".
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "داود بن جرجيس".
(٥) وذلك في كتابه المسمى: "منهاج التأسيس والتقديس" يسَّر الله نشره.
[باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة]
وأما دعواه: (أنَّ شيخنا ﵀ ممن قال فيهم النبي ﷺ: " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") .
فيقال: قد قال هذا قبله كل مشرك وعابد لغير الله، حتى إن قريشًا قالوا للنبي ﷺ: "إنه صابئي" ولقبوه به، والجهمية المعطلة يسمون أهل السنَّة: حشوية ونوابت، والرافضة يسمونهم: نواصب، والقدرية يسمونهم: مجبرة، وبالجملة فقد قال هذا كل مشرك، وباب الدعاوى مصراعاه أوسع من بُصْرى إلى عدن، وهكذا كل من جرَّد التوحيد لله العزيز الحميد نسبه عُبَّاد القبور إلى هذا الإفك المبين، ولعمر الله إن من نهى عن عبادة غير الله، وأمر بتوحيده لهو المؤمن البر الراشد، الداخل في اتباع الرسل وأوليائهم، وإن كان خارجًا عن أهل الشرك بالله وعبادة غيره، متبرئًا منهم، ماقتا لهم (١)
وعيَّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر (٢) عنك عارها
وأقرب الناس شبهًا بالخوارج: من خرج عن جماعة المسلمين إلى عبادة الصالحين والشياطين، ولم يلتزم جماعة المسلمين أهل التوحيد والتعظيم لله رب العالمين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣)
من لي بشبه خوارج قد كَفَّروا ... بالذنب تأويلًا بلا إحسان
_________
(١) في (ح): "أمثالهم".
(٢) في (ح): "خارج ظاهر"، وفي (المطبوعة): "خارج".
(٣) انظر: "نونية ابن القيم" ص (١٠٣) .
ولهم (١) نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا (٢) من التقصير في العرفان
وخصومنا قد كفَّرونا بالذي ... هو غاية التحقيق والْإِيمان
وقد أشبعنا الكلام على أمر (٣) الخوارج، وذكر مبدأ أمرهم، وكيف كانت شبهتهم، فيما كتبناه من الرد على (٤) طاغية العراق (٥) ولله الحمد والمنَّة.
_________
(١) في (ح): "ولم".
(٢) في (ق): "وأتوا".
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "داود بن جرجيس".
(٥) وذلك في كتابه المسمى: "منهاج التأسيس والتقديس" يسَّر الله نشره.
Translation
باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة
#94
Chapter 94 — فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء
· ref. #94
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء]
فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس في موضع آخر: "فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم: أنهم (١) يخطئون ولا يكفِّرون) . قال: (وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا، وقد يكون كفرًا، لأنه تبيَّن له ذلك أنه تكذيب للرسول ﷺ وسب للخالق (٢) والآخر لم يتبين له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله) . قال: (والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ، ثم الناس متفاوتون في (٣) العلم الضروري بذلك)، ثم قال: (وأنا أبعد الناس عن التكفير، وقد ذكرت الذي أمر أن يُحَرَّق بعد موته، ويذر في البحر فرارًا (٤) أن يبعثه الله تعالى خوفًا منه؛ لأنه لم يعمل لله خيرًا قط، وحديثه في البخاري، فَغُفِرَ له) (٥) - إلى أن قال: (فالعلم قبل
_________
(١) في (م) "أن".
(٢) في (ح): "للخلائق".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
(٤) في (الأصل) و(ح): "مرارًا"، والمثبت هو الصواب.
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٧٨، ٦٤٨١، ٧٥٠٨)، ومسلم (٢٧٥٦، ٢٧٥٧) .
[٢١٣] الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم) . اهـ كلامه.
والجواب أن يقال: هذا المعترض يتصرَّف في الكلام الذي ينقله، ويحرِّفه عن موضعه (١) ومع ذلك فالكذب غالب عليه، فيطالب أولًا بتصحيح ما نقل، وبعد التصحيح يجاب عما ذكر، ولشيخ الْإِسلام أبي العباس ﵀ في هذا المعنى كلام يعرفه أهل العلم، وقد استدلَّ بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير المعين، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية (٢) وبعد ذلك يحكم (٣) بما تقتضيه تكفيرًا أو تفسيقًا، وهذا في المسائل التي قد (٤) تخفى على بعض الناس، كعموم القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر (٥) والريح، لا سيما في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضلالات، وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدًا ابتداءً بمجرد فعله وشركه، بل يتوقَّف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر (٦) تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة، وفي المثل: "الهوى يُعْمِي ويُصِمّ ".
ويقال أيضًا: فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع، كما هو صريح كلامه، والمشركون وعبَّاد القبور عند أهل
_________
(١) في (الأصل) و(م): "موضوعه"، والمثبت أفضل، لأنه تأوَّل للقرآن.
(٢) في (ح): " الرسالة".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "عليه".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: "والبر".
(٦) في (ق) زيادة: "بها".
السنَّة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردَّة، والفقهاء فرَّقوا بين القسمين في الأبواب والأحكام (١) فذكروا أهل الشرك والردَّة [في باب الردَّة]، (٢) وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدريَّة ونحوهم، وهذا يعرفه صغار الطلاب، وقد خفي على ثور المدار والدولاب، فلبَّس على العامة والجهال، وأدخل أهل الشرك في أهل البدع، وسوَّى بينهم في الأحكام، خلافًا لكتاب الله وسنَّة نبيه وما عليه علماء أهل الْإِسلام، فسحقًا له سحقًا، وبعدًا له بعدًا، حيث جادل بالباطل والمحال.
ويقال أيضًا: قد صرَّح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفى على بعض الناس، وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلاَّ الله؟ وشهادة (٣) أنَّ محمدًا رسول الله، فهذا لا يتوقف أحد في كفر (٤) من أنكر لفظه أو معناه، ولم ينْقَد لما دلَّت عليه الشهادتان، وهذا متفق عليه في الجملة، فجعله (٥) من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن (٦) محل النزاع، وخرقٌ لما صح وثبت من الاتفاق والْإِجماع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]
قال الشيخ رحمه الله تعالى (٧) (وهذا إذا كان في المقالات الخفية
_________
(١) في (ق) و(م): "الأحكام والأبواب".
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (ق) و(م)، وإثباتها ضرورة للسياق.
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): "تكفير".
(٥) في (م): "فجعلها".
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) انظر: "مجموع الفتاوى" (٤ / ٥٤) .
فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، وذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بُعث بها (١) وكفَّر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الْإِسلام، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد (٢) عن الِإسلام رِدَّة صريحة، وتارةً يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفًا في أول (٣) "مختلف الحديث"، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنَّف في الردَّة كما صنَّف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردَّة عن الْإِسلام باتفاق المسلمين) . اهـ.
ثم ساق (٤) المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من (٥) اشتراط العلم، وطلب الرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر.
فذلك من عجيب جهل هذا المعترض، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وحاصل دعواه: أن من أنكر الشرك، وأغْلَظ في إنكاره، وقاتل عليه عبَّاد القبور والأصنام، فقد ضيَّع العلم والحلم والرفق، وهذه
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "يرتدون".
(٣) في (م) و(المطبوعة) زيادة: "كتاب".
(٤) في (ق): "انتهى سياق".
(٥) ساقطة من (ق) .
الدعوى على عمومها تتضمَّن الْإِنكار على رسل (١) الله وخلفائهم وورثتهم، الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم، وسَبَوا نساءهم وأولادهم (٢) وغنموا أموالهم.
وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعها في أهل الْإِسلام المجاهدين على توحيد الله لكانت كفرًا صريحًا: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] [البقرة / ١٩٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] [التوبة / ٧٣] .
والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس، فوضعه في غير موضعه، وأزال بهجته، فإن الرفق والحلم يحسن (٣) في محله، وحيث أمر الله بهما (٤) والمعترض أحمق يظن أن العلم مع من لم يُكَفِّر المشركين، وعبَّاد القبور، ومن جعلهم من جملة أهل البدع، واحتج بكلام أهل العلم في أهل [٢١٥] البدع على أهل الشرك والتسوية (٥) بين الله وبين غيره (٦) في خالص حقه، فلا جرم سود الأوراق، وأكثر النقل، وشقشق في عبارته (ولبَّس في مقالته (٧) وتزين بثوب ضلالته وجهالته، ولم يتحاشَ من كشف سوأته
_________
(١) في (ق): "رسول".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "أولادهم ونساءهم".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق) و(م): "به" وبعدها زيادة: "والغلظة والقتال كذلك يحسنان في محلهما وحيث أمر الله بهما".
(٥) في (ق) و(م): "في التسوية".
(٦) في (م): "خلقه".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
وإظهار خزيته، والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته، وصدق وعده ونصر عبده.
ثم اعلم أن شيخنا ﵀ من أعظم الناس وأكثرهم رفقًا وحلمًا، ووقوفًا مع الحجَّة والدليل، ولم يبدأ أحدًا بقتال حتى بدأوه وكَفَّروه، فالحمد لله الذي ألهمه رشده، وسدَّد أمره، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين، والجهلة الظالمين.
فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس في موضع آخر: "فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم: أنهم (١) يخطئون ولا يكفِّرون) . قال: (وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا، وقد يكون كفرًا، لأنه تبيَّن له ذلك أنه تكذيب للرسول ﷺ وسب للخالق (٢) والآخر لم يتبين له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله) . قال: (والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ، ثم الناس متفاوتون في (٣) العلم الضروري بذلك)، ثم قال: (وأنا أبعد الناس عن التكفير، وقد ذكرت الذي أمر أن يُحَرَّق بعد موته، ويذر في البحر فرارًا (٤) أن يبعثه الله تعالى خوفًا منه؛ لأنه لم يعمل لله خيرًا قط، وحديثه في البخاري، فَغُفِرَ له) (٥) - إلى أن قال: (فالعلم قبل
_________
(١) في (م) "أن".
(٢) في (ح): "للخلائق".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
(٤) في (الأصل) و(ح): "مرارًا"، والمثبت هو الصواب.
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٧٨، ٦٤٨١، ٧٥٠٨)، ومسلم (٢٧٥٦، ٢٧٥٧) .
[٢١٣] الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم) . اهـ كلامه.
والجواب أن يقال: هذا المعترض يتصرَّف في الكلام الذي ينقله، ويحرِّفه عن موضعه (١) ومع ذلك فالكذب غالب عليه، فيطالب أولًا بتصحيح ما نقل، وبعد التصحيح يجاب عما ذكر، ولشيخ الْإِسلام أبي العباس ﵀ في هذا المعنى كلام يعرفه أهل العلم، وقد استدلَّ بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير المعين، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية (٢) وبعد ذلك يحكم (٣) بما تقتضيه تكفيرًا أو تفسيقًا، وهذا في المسائل التي قد (٤) تخفى على بعض الناس، كعموم القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر (٥) والريح، لا سيما في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضلالات، وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدًا ابتداءً بمجرد فعله وشركه، بل يتوقَّف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر (٦) تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة، وفي المثل: "الهوى يُعْمِي ويُصِمّ ".
ويقال أيضًا: فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع، كما هو صريح كلامه، والمشركون وعبَّاد القبور عند أهل
_________
(١) في (الأصل) و(م): "موضوعه"، والمثبت أفضل، لأنه تأوَّل للقرآن.
(٢) في (ح): " الرسالة".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "عليه".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: "والبر".
(٦) في (ق) زيادة: "بها".
السنَّة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردَّة، والفقهاء فرَّقوا بين القسمين في الأبواب والأحكام (١) فذكروا أهل الشرك والردَّة [في باب الردَّة]، (٢) وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدريَّة ونحوهم، وهذا يعرفه صغار الطلاب، وقد خفي على ثور المدار والدولاب، فلبَّس على العامة والجهال، وأدخل أهل الشرك في أهل البدع، وسوَّى بينهم في الأحكام، خلافًا لكتاب الله وسنَّة نبيه وما عليه علماء أهل الْإِسلام، فسحقًا له سحقًا، وبعدًا له بعدًا، حيث جادل بالباطل والمحال.
ويقال أيضًا: قد صرَّح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفى على بعض الناس، وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلاَّ الله؟ وشهادة (٣) أنَّ محمدًا رسول الله، فهذا لا يتوقف أحد في كفر (٤) من أنكر لفظه أو معناه، ولم ينْقَد لما دلَّت عليه الشهادتان، وهذا متفق عليه في الجملة، فجعله (٥) من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن (٦) محل النزاع، وخرقٌ لما صح وثبت من الاتفاق والْإِجماع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]
قال الشيخ رحمه الله تعالى (٧) (وهذا إذا كان في المقالات الخفية
_________
(١) في (ق) و(م): "الأحكام والأبواب".
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (ق) و(م)، وإثباتها ضرورة للسياق.
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): "تكفير".
(٥) في (م): "فجعلها".
(٦) ساقطة من (ح) .
(٧) انظر: "مجموع الفتاوى" (٤ / ٥٤) .
فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، وذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بُعث بها (١) وكفَّر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الْإِسلام، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد (٢) عن الِإسلام رِدَّة صريحة، وتارةً يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفًا في أول (٣) "مختلف الحديث"، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنَّف في الردَّة كما صنَّف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردَّة عن الْإِسلام باتفاق المسلمين) . اهـ.
ثم ساق (٤) المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من (٥) اشتراط العلم، وطلب الرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر.
فذلك من عجيب جهل هذا المعترض، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وحاصل دعواه: أن من أنكر الشرك، وأغْلَظ في إنكاره، وقاتل عليه عبَّاد القبور والأصنام، فقد ضيَّع العلم والحلم والرفق، وهذه
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "يرتدون".
(٣) في (م) و(المطبوعة) زيادة: "كتاب".
(٤) في (ق): "انتهى سياق".
(٥) ساقطة من (ق) .
الدعوى على عمومها تتضمَّن الْإِنكار على رسل (١) الله وخلفائهم وورثتهم، الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم، وسَبَوا نساءهم وأولادهم (٢) وغنموا أموالهم.
وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعها في أهل الْإِسلام المجاهدين على توحيد الله لكانت كفرًا صريحًا: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] [البقرة / ١٩٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] [التوبة / ٧٣] .
والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس، فوضعه في غير موضعه، وأزال بهجته، فإن الرفق والحلم يحسن (٣) في محله، وحيث أمر الله بهما (٤) والمعترض أحمق يظن أن العلم مع من لم يُكَفِّر المشركين، وعبَّاد القبور، ومن جعلهم من جملة أهل البدع، واحتج بكلام أهل العلم في أهل [٢١٥] البدع على أهل الشرك والتسوية (٥) بين الله وبين غيره (٦) في خالص حقه، فلا جرم سود الأوراق، وأكثر النقل، وشقشق في عبارته (ولبَّس في مقالته (٧) وتزين بثوب ضلالته وجهالته، ولم يتحاشَ من كشف سوأته
_________
(١) في (ق): "رسول".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "أولادهم ونساءهم".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق) و(م): "به" وبعدها زيادة: "والغلظة والقتال كذلك يحسنان في محلهما وحيث أمر الله بهما".
(٥) في (ق) و(م): "في التسوية".
(٦) في (م): "خلقه".
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
وإظهار خزيته، والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته، وصدق وعده ونصر عبده.
ثم اعلم أن شيخنا ﵀ من أعظم الناس وأكثرهم رفقًا وحلمًا، ووقوفًا مع الحجَّة والدليل، ولم يبدأ أحدًا بقتال حتى بدأوه وكَفَّروه، فالحمد لله الذي ألهمه رشده، وسدَّد أمره، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين، والجهلة الظالمين.
Translation
فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء
#95
Chapter 95 — فصل في بيان أن من كفر الفرق كلها فقد خالف الكتاب والسنة ومن الفرق من خرج عن الملة
· ref. #95
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في بيان أن من كفر الفرق كلها فقد خالف الكتاب والسنة ومن الفرق من خرج عن الملة]
فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس أيضًا؛ وليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر قال: "ومن (١) كفَّر الثنتين والسبعين الفرقة (٢) كلها، فقد خالف الكتاب والسنَّة، وإجماع الصحابة والتابعين، وسلف الأمة") . اهـ.
ثم قال المعترض: (وذلك لقوله ﷺ في حديث " «وستفترق أمتي» " (٣) فأثبت ﷺ أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة فكيف ينفون (٤) عنها، وقد أثبتهم ﷺ منها؟) .
والجواب أن يقال: هذه عبارته بحروفها، فأما (٥) نقله عن أبي العباس فليس فيه ما يتمسك به بل هو حجة عليه، لأن أبا العباس، إنما أثبت مخالفة الكتاب والسنَّة لمن كفَّر الفرق كلها، فلا يتم الاستدلال بكلامه إلاَّ على من كفَّر الفرق كلها، وما ظننت (٦) هذا يقوله أحد
_________
(١) في (م): "وفي".
(٢) في (ق) و(م): "فرقة".
(٣) انظر: ص (٤٣٥)، هامش ٣.
(٤) في (ق) و(م): " ينقدون"، وفي (ح): " يتقون".
(٥) في (م) زيادة: "ما".
(٦) في (ق): "ظنت".
من (١) علماء الأمة، وأما تكفير بعضها فليس في العبارة التي نقل المعترض ما ينفيه، بل ربَّما يستدل بإثبات المخالفة لمن كفَّر الكل، ومن كفَّر البعض، فليس مخالفًا، وهذا وإن لم يكن صريحًا في كلام الشيخ فالإشارة فيه إليه لا تخفى.
ثمَّ إنَّ قول هذا (٢) المعترض: (وذلك لقوله-ﷺ في الحديث [٢١٦] " «وستفترق أمتي» " جهل منه بمدارك الأحكام، فإن المنع من تكفير هذه الفرق ليس لأنهم من (٣) الأمة؛ بل لأن التفرق قد يبقى معه أصل الْإِيمان والتوحيد المانع من الكفر المخرج عن الملة، ولذلك وقع النزاع في كثير من هذه الطوائف، فمن كفَّر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهم من كتاب الله وسنَّة نبيِّه؟ ومن لم يُكَفِّر فحجَّته أن أصل (٤) الْإِسلام الثابت لا يحكم بزواله إلاَّ لحصول منافٍ لحقيقته، مناقض لأصله وما بقي معه الإسلام (٥) من (٦) الذنوب والتفرُّق فليس من المكفِّرات، فالعمدة استصحاب الأصل وجودًا وعدمًا.
وأمَّا قول هذا المعترض: (فأثبت لهم أنهم من أمته أمة الْإِجابة أهل القبلة) .
فدعوى باطلة، ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل
_________
(١) ساقطة من (المطبوعة) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في (م) زيادة: "هذه".
(٤) في (م): "أهل".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "وأما من لقي معه أهل الإسلام".
(٦) في (ق) و(المطبوعة): "مع".
الْإِجابة والقبلة، وفي الحديث: " «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (١) والحديث في سنن ابن ماجه.
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا - يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١ - ٤٢] [النساء / ٤١، ٤٢] .
فدلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم ﷺ.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] [النحل / ٨٤] .
والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الْإِجابة، وتطلق (٢) في مقام التفرُّق والذم ويراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال.
وفي عبارته فساد تركيب وركاكة ظاهرة، فإنه قال: (فكيف ينفون عنها؟)، وهذا يسمى إخراجًا عن الملة لا نفيًا، وأبلغ منه قوله: (وقد أثبتهم منها) . وإنَّما يقال: (أدخلهم فيها)، لا أثبتهم منها، فتدبَّر.
إذا عرفت هذا: فاعلم أنَّ هذا المعترض يرى (٣) أنَّ عُبَّاد القبور والصالحين الذين (٤) أشركوا بالله ربِّ العالمين، وجعلوا
_________
(١) بل الحديث مخرج في صحيح مسلم (١٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁، والحديث سبق تخريجه، انظر ص (٢٢٣)، (٤٩٤) .
(٢) في (ق) و(م): "وتلق".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "الذي".
له (١) أندادًا ونظراء فيما يستحقه على عباده من الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، رغبًا ورهبًا، والتوكُّل والإنابة والاستغاثة، والذبح والنذر والحلف، وغير ذلك من أنواع العبادة هم من الأمة أهل الإجابة والقبلة، وأنهم من هذه الفرق المذكورين في هذا الحديث، والشرك عنده لا وجود له إلاَّ في اليهودية والنصرانية والمجوسية أو من جحد جميع ما جاء به الرسول عنادًا، وما (٢) عداه من المكفرات التي ذكرها أهل العلم في أبواب [٢١٧]، الردة، بل ذكرها الله في كتابه وقرَّرها هو، وبيَّنها رسوله أتمّ بيان ووضحها أظهر توضيح، لا توجب الكفر عنده ولا الردَّة، ومن بلغت به الجهالة والشلالة إلى هذا الحد والغاية فقد سقط الكلام معه، والأولى به أن يساس بما يساس به القرمطي والسفسطائي ونحوهم، ممن يكابر في اليقينات؛ ويقرمط في السمعيات.
فما هو إلاَّ الوحي أو حد مرهف ... تزيل ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
ويقال (٣) بهذا الملحد: ما تقول في الغالية الذين (٤) حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ بمشهد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وما تقول في مانعي الزكاة الذين (٥) قاتلهم
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): "لله".
(٢) في (م): "أو ما".
(٣) في (ق): "ونقول".
(٤) في (ح): "الذي".
(٥) في (المطبوعة): "الذي".
الصدِّيق وأجمعت (١) الصحابة على تكفيرهم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وكذلك بنو حنيفة، وبنو عبيد القداح ملوك مصر والمغرب، فإن دخلوا في الثنتين والسبعين فرقة بطل تأسيسك وانهدم أصلك الفاسد، وإن لم يدخلوا كما هو الصحيح بطل إدخالك أمثالهم من عُبَّاد القبور في مسمى الأمة في هذا الحديث، وثبت أن من (٢) الفرق من يخرج عن الملة ويرتدّ (٣) بما خالف فيه من نحلته.
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "وأجمع".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "ويرد"، وأسقط "على الملة ".
فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس أيضًا؛ وليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر قال: "ومن (١) كفَّر الثنتين والسبعين الفرقة (٢) كلها، فقد خالف الكتاب والسنَّة، وإجماع الصحابة والتابعين، وسلف الأمة") . اهـ.
ثم قال المعترض: (وذلك لقوله ﷺ في حديث " «وستفترق أمتي» " (٣) فأثبت ﷺ أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة فكيف ينفون (٤) عنها، وقد أثبتهم ﷺ منها؟) .
والجواب أن يقال: هذه عبارته بحروفها، فأما (٥) نقله عن أبي العباس فليس فيه ما يتمسك به بل هو حجة عليه، لأن أبا العباس، إنما أثبت مخالفة الكتاب والسنَّة لمن كفَّر الفرق كلها، فلا يتم الاستدلال بكلامه إلاَّ على من كفَّر الفرق كلها، وما ظننت (٦) هذا يقوله أحد
_________
(١) في (م): "وفي".
(٢) في (ق) و(م): "فرقة".
(٣) انظر: ص (٤٣٥)، هامش ٣.
(٤) في (ق) و(م): " ينقدون"، وفي (ح): " يتقون".
(٥) في (م) زيادة: "ما".
(٦) في (ق): "ظنت".
من (١) علماء الأمة، وأما تكفير بعضها فليس في العبارة التي نقل المعترض ما ينفيه، بل ربَّما يستدل بإثبات المخالفة لمن كفَّر الكل، ومن كفَّر البعض، فليس مخالفًا، وهذا وإن لم يكن صريحًا في كلام الشيخ فالإشارة فيه إليه لا تخفى.
ثمَّ إنَّ قول هذا (٢) المعترض: (وذلك لقوله-ﷺ في الحديث [٢١٦] " «وستفترق أمتي» " جهل منه بمدارك الأحكام، فإن المنع من تكفير هذه الفرق ليس لأنهم من (٣) الأمة؛ بل لأن التفرق قد يبقى معه أصل الْإِيمان والتوحيد المانع من الكفر المخرج عن الملة، ولذلك وقع النزاع في كثير من هذه الطوائف، فمن كفَّر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهم من كتاب الله وسنَّة نبيِّه؟ ومن لم يُكَفِّر فحجَّته أن أصل (٤) الْإِسلام الثابت لا يحكم بزواله إلاَّ لحصول منافٍ لحقيقته، مناقض لأصله وما بقي معه الإسلام (٥) من (٦) الذنوب والتفرُّق فليس من المكفِّرات، فالعمدة استصحاب الأصل وجودًا وعدمًا.
وأمَّا قول هذا المعترض: (فأثبت لهم أنهم من أمته أمة الْإِجابة أهل القبلة) .
فدعوى باطلة، ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل
_________
(١) ساقطة من (المطبوعة) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) في (م) زيادة: "هذه".
(٤) في (م): "أهل".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "وأما من لقي معه أهل الإسلام".
(٦) في (ق) و(المطبوعة): "مع".
الْإِجابة والقبلة، وفي الحديث: " «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (١) والحديث في سنن ابن ماجه.
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا - يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١ - ٤٢] [النساء / ٤١، ٤٢] .
فدلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم ﷺ.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] [النحل / ٨٤] .
والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الْإِجابة، وتطلق (٢) في مقام التفرُّق والذم ويراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال.
وفي عبارته فساد تركيب وركاكة ظاهرة، فإنه قال: (فكيف ينفون عنها؟)، وهذا يسمى إخراجًا عن الملة لا نفيًا، وأبلغ منه قوله: (وقد أثبتهم منها) . وإنَّما يقال: (أدخلهم فيها)، لا أثبتهم منها، فتدبَّر.
إذا عرفت هذا: فاعلم أنَّ هذا المعترض يرى (٣) أنَّ عُبَّاد القبور والصالحين الذين (٤) أشركوا بالله ربِّ العالمين، وجعلوا
_________
(١) بل الحديث مخرج في صحيح مسلم (١٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁، والحديث سبق تخريجه، انظر ص (٢٢٣)، (٤٩٤) .
(٢) في (ق) و(م): "وتلق".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "الذي".
له (١) أندادًا ونظراء فيما يستحقه على عباده من الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، رغبًا ورهبًا، والتوكُّل والإنابة والاستغاثة، والذبح والنذر والحلف، وغير ذلك من أنواع العبادة هم من الأمة أهل الإجابة والقبلة، وأنهم من هذه الفرق المذكورين في هذا الحديث، والشرك عنده لا وجود له إلاَّ في اليهودية والنصرانية والمجوسية أو من جحد جميع ما جاء به الرسول عنادًا، وما (٢) عداه من المكفرات التي ذكرها أهل العلم في أبواب [٢١٧]، الردة، بل ذكرها الله في كتابه وقرَّرها هو، وبيَّنها رسوله أتمّ بيان ووضحها أظهر توضيح، لا توجب الكفر عنده ولا الردَّة، ومن بلغت به الجهالة والشلالة إلى هذا الحد والغاية فقد سقط الكلام معه، والأولى به أن يساس بما يساس به القرمطي والسفسطائي ونحوهم، ممن يكابر في اليقينات؛ ويقرمط في السمعيات.
فما هو إلاَّ الوحي أو حد مرهف ... تزيل ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
ويقال (٣) بهذا الملحد: ما تقول في الغالية الذين (٤) حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ بمشهد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وما تقول في مانعي الزكاة الذين (٥) قاتلهم
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): "لله".
(٢) في (م): "أو ما".
(٣) في (ق): "ونقول".
(٤) في (ح): "الذي".
(٥) في (المطبوعة): "الذي".
الصدِّيق وأجمعت (١) الصحابة على تكفيرهم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وكذلك بنو حنيفة، وبنو عبيد القداح ملوك مصر والمغرب، فإن دخلوا في الثنتين والسبعين فرقة بطل تأسيسك وانهدم أصلك الفاسد، وإن لم يدخلوا كما هو الصحيح بطل إدخالك أمثالهم من عُبَّاد القبور في مسمى الأمة في هذا الحديث، وثبت أن من (٢) الفرق من يخرج عن الملة ويرتدّ (٣) بما خالف فيه من نحلته.
_________
(١) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "وأجمع".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "ويرد"، وأسقط "على الملة ".
Translation
فصل في بيان أن من كفر الفرق كلها فقد خالف الكتاب والسنة ومن الفرق من خرج عن الملة
#96
Chapter 96 — فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم
· ref. #96
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم]
فصل قال المعترض: (وقال أيضًا في "الفرقان" بعد كلام له سبق: "فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلِّل غيره ويكفِّره، فإذا كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا؛ بل (١) عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وفي كتاب الله في دعاء الرسول والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [البقرة / ٢٨٦] . وفي الصحيح: "إنَّ الله تعالى قال قد فعلت") . اهـ.
والجواب أن يقال: هذه الطامة أكبر من أختها، فإنها تقتضي أن عبَّاد القبور والأوثان الذين كفَّرهم شيخنا ﵀ مسلمون مؤمنون، مغفور لهم خطؤهم ونسيانهم، هذا معتقد المعترض، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجَّا به على ضلالته.
وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كَفَّر عُبَّاد القبور والصالحين بعبادتهم غير الله، وإشراكهم في خالص حقه، فقد كَفَّر مسلمًا
_________
(١) في (م) زيادة: " قد ".
على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل الْإِسلام؛ بل وجميع الرسل يكفرون بهذا، وقد حكى الْإِجماع غير واحد [٢١٨] على كُفْرِ هذا الصنف.
قال شيخ الْإِسلام أبو العباس، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل مذهبه (١) (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكَّل عليهم كفر إجماعًا) .
قال شارحه: لأنه فعل عابدي (٢) الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] .
وذكره ابن حجر الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" راضيًا به مقررًا له.
وأبواب الردَّة يستفتحها الفقهاء بذكر الشرك في الربوبية والإلهية.
إذا عرفت هذا: عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام هؤلاء المشركين، وأنه خطَّأ أهل الْإِسلام كافة، بل لازمه أنه خطَّأ من كفَّرهم من سائر رسل الله الكرام، والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة الأولياء والصالحين الذي عدلوا بربهم وسووا به غيره (٣) في خالص حقه، وشبهوا عباده به (٤) في استحقاق الِإلهية
_________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١ / ١٢٤) .
(٢) في (م) زيادة: "الأوثان و".
(٣) في (المطبوعة): "عدلوهم بربهم وسووهم به".
(٤) في (ق) و(م): "وشبهوا بع عباده"، وفي (المطبوعة): "وشبهوهم وهم عبادة به".
والعبادة، وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن محل النزاع، أجنبية عنه، وهذا الشيخ الذي يشير إليه (١) هذا بالردّ قد شرح كتابه بزعمه، وأثنى عليه ومدَحَه (٢)؛ ليروج بذلك باطله، ويتمكَّن من الْإِقامة بين أظهر المسلمين، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ح) .
فصل قال المعترض: (وقال أيضًا في "الفرقان" بعد كلام له سبق: "فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلِّل غيره ويكفِّره، فإذا كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا؛ بل (١) عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وفي كتاب الله في دعاء الرسول والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [البقرة / ٢٨٦] . وفي الصحيح: "إنَّ الله تعالى قال قد فعلت") . اهـ.
والجواب أن يقال: هذه الطامة أكبر من أختها، فإنها تقتضي أن عبَّاد القبور والأوثان الذين كفَّرهم شيخنا ﵀ مسلمون مؤمنون، مغفور لهم خطؤهم ونسيانهم، هذا معتقد المعترض، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجَّا به على ضلالته.
وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كَفَّر عُبَّاد القبور والصالحين بعبادتهم غير الله، وإشراكهم في خالص حقه، فقد كَفَّر مسلمًا
_________
(١) في (م) زيادة: " قد ".
على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل الْإِسلام؛ بل وجميع الرسل يكفرون بهذا، وقد حكى الْإِجماع غير واحد [٢١٨] على كُفْرِ هذا الصنف.
قال شيخ الْإِسلام أبو العباس، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل مذهبه (١) (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكَّل عليهم كفر إجماعًا) .
قال شارحه: لأنه فعل عابدي (٢) الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] .
وذكره ابن حجر الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" راضيًا به مقررًا له.
وأبواب الردَّة يستفتحها الفقهاء بذكر الشرك في الربوبية والإلهية.
إذا عرفت هذا: عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام هؤلاء المشركين، وأنه خطَّأ أهل الْإِسلام كافة، بل لازمه أنه خطَّأ من كفَّرهم من سائر رسل الله الكرام، والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة الأولياء والصالحين الذي عدلوا بربهم وسووا به غيره (٣) في خالص حقه، وشبهوا عباده به (٤) في استحقاق الِإلهية
_________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١ / ١٢٤) .
(٢) في (م) زيادة: "الأوثان و".
(٣) في (المطبوعة): "عدلوهم بربهم وسووهم به".
(٤) في (ق) و(م): "وشبهوا بع عباده"، وفي (المطبوعة): "وشبهوهم وهم عبادة به".
والعبادة، وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن محل النزاع، أجنبية عنه، وهذا الشيخ الذي يشير إليه (١) هذا بالردّ قد شرح كتابه بزعمه، وأثنى عليه ومدَحَه (٢)؛ ليروج بذلك باطله، ويتمكَّن من الْإِقامة بين أظهر المسلمين، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ح) .
Translation
فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم
#97
Chapter 97 — فصل في احتجاج المعترض لكلام لابن القيم فهم منه منع التكفير بدعاء غير الله والشرك به
· ref. #97
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في احتجاج المعترض لكلام لابن القيم فهم منه منع التكفير بدعاء غير الله والشرك به]
فصل قال المعترض: (وقال شمس الدِّين (١) ابن القيم، لما أتى على مسألة التكفير: "اعلم أن الكفر والْإِيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر".
قال: "ولما كان الْإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة فيه تسمى إيمانًا، فالصلاة والزكاة والصيام والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله تعالى والإنابة حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله، كالشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله" إلى أن قال: "وكذلك الكفر ذو أصل وشعب كما أن الْإِيمان أصل الشهادتين، وكما أن (٢) أصل [الكفر] (٣) الجحود لهما؛ فكما أن شعب الْإِيمان إيمان فشعب الكفر كفر" إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب (٤) الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر". إلى أن قال: "فمن صدر منه خصلة من خصال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الْإِطلاق، لأن معه أصل الْإِيمان،
_________
(١) ساقطة من (م) . وانظر قول ابن القيم في: "الصلاة وحكم تاركها" ص (٢٧) .
(٢) في (المطبوعة): " فإن".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من بقية النسخ.
(٤) "من شعب" ساقطة من (ق) و(م) .
وهما الشهادتان"، إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن [٢١٩] الرسول ﷺ جاء به من عند الله تعالى، جحودًا وعنادًا (١) منه، فهذا الكفر يضاد الْإِيمان من (كل وجه، وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد الْإِيمان، وإلى ما لا (٢) (٣) يضاد الْإِيمان فالسجود للصنم؛ والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، يضاد الْإِيمان.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ؛ لكن كفر عمل لا كفر اعتقاد وعناد، وقد نفى النبي ﷺ الْإِيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لم يأمن جاره بوائقه، فهو كافر من جهة العمل، وإن انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذا قوله ﷺ: " «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» " (٤) ٠ اهـ.
فقد نص ﵀ أن الكفر لا يكون إلاَّ جحودًا أو عنادًا، فهذا الذي يخرج عن الملة، فمتى يكون هذا في الأمة؟ وما سوى ذلك له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تكفير وقتال، كما يفعل هذا الرجل بالأمة) .
والجواب أن يقال: هذا المعترض له حظ وافر من تحريف النصوص
_________
(١) في (ق) و(م): "أو عنادًا".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) أخرجه البخاري (٧٠٧٧، ٧٠٧٨، ٧٠٧٩، ٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥) .
والكذب فيها، وكلام شمس الدين ﵀ في هذه المسألة معروف مشهور، جار على مذهب السلف، وأهل العلم في التكفير بكثير من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة، ولا ينازع في تكفير من عبد غير الله وأشرك بربه، وكلامه في هذه العبارة صريح في ذلك، وقد ساقها مستدلًا بها على كفر تارك الصلاة، والمعترض حرَّف العبارة، وأسقط منها ما هو حجة عليه، وما لا يستقيم الكلام بدونه، فأسقط من أول العبارة قوله: (ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب (١) متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، ومنه ما (٢) يلحق شعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب) فأسقط هذا لأنه صريح في التكفير بدعاء غير الله والشرك به، وأن ما قارب هذا الأصل يكون كفرًا، ويلحق به، وهذا عين (٣) كلام الشيخ؛ بل شيخنا ﵀ لم يُكَفِّر إلاَّ بترك العمل بشهادة أن لا إله إلا الله، وباتخاذ الآلهة والأنداد مع الله، وقد نص في هذه العبارة المنقولة أن هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين، وهذه هي مسألة النزاع، فإن من شهد (٤) لله بالوحدانية، ولم يلتزم ذلك ولم ينقد لمقتضاه، لا يكون مؤمنًا (٥) وكذلك شهادة أن محمدًا رسول الله لا بد فيها من التزام ما جاء به: من الْإِيمان بالله وتوحيده، وإلاَّ فلا تنفعه هذه الشهادة، ولا يسمى شاهدا.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ح): "ما لا".
(٣) في (ق): "غير".
(٤) في (م): "يشهد".
(٥) ساقطة من (م) .
[٢٢٠] قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] [المنافقون / ١] .
فأكذبهم في زعمهم، لأنهم لم يعملوا (١) بمقتضى الشهادة، بل خالفوها بالعمل والاعتقاد، فلو تفطن فيما نقله هذا المعترض لعرف أنه عليه لا له، وأن شيخنا أسعد بكلام أهل العلم والإيمان ممن أجاز دعاء الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من دون الله رب العالمين.
وكذلك قوله: (الكفر (٢) ذو أصل وشعب) فهذا حق، وشيخنا لم يكفِّر إلاَّ بأصل الكفر لا بشعبه، مع أن هذا الكلام من المعترض نفاق ومغالطة، وإلا فقد صرَّح في مواضع مما مر بأن أهل هذا الشرك هم خير أمة أُخرجت للناس، وهم أهل (٣) المساجد والمنار، وهم الذين أُمِرنا أن نسأل الله الهداية إلى صراطهم، فكيف يرجع هنا إلى عبارة لابن القيم فيها التفصيل بين أصول (٤) الكفر وسائر شعبه؟ وهل هذا إلاَّ محض التناقض والتدافع؟ .
وقد أسقط من كلام شمس الدِّين قوله رحمه الله تعالى: (وكذلك من شعب الإيمان (٥) الفعلية ما يوجب زوالها زوال (٦) الإيمان، وكذلك
_________
(١) في (ق): "لا يعلمون".
(٢) في (م): "والكف".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (م): "أصل".
(٥) في (ح): "شعبه".
(٦) ساقطة من (ق) .
شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالْإِتيان بكلمة (١) الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف) وهذا صريح في مسألة النزاع، لكن حذفه المعترض المُحَرِّف، لبسًا للحق بالباطل، وترويجًا لباطله، وليًّا بلسانه.
وقال ﵀ (٢) في هذا الأصل: (فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق (٣) فسقان، والجهل جهلان، والشرك شركان: شرك (٤) ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر: شرك العمل، كالرياء.
قال الله تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (٥) [المائدة / ٧٢] .
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] [الحج / ٣١] .
وقال: في شرك الرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف / ١١٠] .
ومن هذا الشرك الأصغر قوله ﷺ " «من حلف بغير الله فقد أشرك» "
_________
(١) في (ق) و(م): "بإتيان كلمة".
(٢) في (المطبوعة): "ابن القيم".
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "والفسوق".
(٤) في (ح) زيادة: "لا"، وهي خطأ.
(٥) في (ق) و(م) زيادة: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
رواه أبو داود (١) وغيره؛ ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن (٢) الملة ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله ﷺ: " «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» ") (٣» .
ثم قال رحمه الله تعالى: (ثم انظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، والى ما لا ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد ونقاق عمل)، وكل هذا أسقطه المعترض؛ لأنه يدفع في صدره (٤) ويرد باطله وترويجه.
ويقال أيضًا: ما نقلته عن شمس الدين ابن القيم حجة لنا عليك، مع [٢٢١]، ما فيه من التحريف والحذف واللبس.
من ذلك قوله: (ولما كان الإيمان أصلًا له شعب) فهذه لنا؟ لأن النزاع في أصل الإيمان الذي هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله، والكلام في التزامها والعمل بمقتضاها، وأما بقية الشعب فليس من مسألة النزاع، ولا يُكَفِّر بترك بعض الشعب التي هي دون الأصل وأركانه إلاَّ من يكفر بالذنوب كالخوارج، فهؤلاء يحسن الرد عليهم بمثل هذا النقل، وأما من لم يكفر إلاَّ بترك أصل الإيمان الذي هو مدلول شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، فالرد عليهم (٥) بكلام ابن القيم مجرد هوس وخيلاء، خرجت بصاحبها عن موضوع الكلام.
_________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٥١) .
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "من".
(٣) أورده الألباني في صحيح الجامع (٣٧٣٠، ٣٧٣١) وصححه، وفي ضعيف الجامع (٣٤٣٢، ٣٤٣٣)، وضعفه وخرجه في السلسلة الضعيفة (٣٧٥٥) .
(٤) في (ق) و(م): "صده".
(٥) في (ق) و(م): "عليه".
وقد تقدم أنه قال: (وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين) . (وقد نقله هذا المعترض، ومن المعلوم أن المقصود زوال حقيقة الشهادتين) (١) علمًا وعملًا أو قولًا، لا زوال مجرد القول واللفظ، كما فهمه هذا الغبي.
وكذلك قوله: (وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر؛ لأن معه أصل الإيمان وهما الشهادتان) وهذه العبارة لنا؛ لأنا لا نكَفِّر إلاَّ (٢) بترك ما دلَّت عليه الشهادتان مطابقة أو تضمنًا، وما عدا ذلك فلم (٣) نُكَفِّر به.
فظهر أن شمس الدين ابن القيم ﵀ قد قرر في نقل المعترض، وكرر التكفير وزوال الإيمان بترك الشهادتين، ولكن هذا الجاهل المعترض يظن أن المقصود ترك اللفظ فقط (٤) وهذا من كثافة جهله وعدم علمه، وقلة ممارسته، وبعده عن صناعة العلم، فالحمد لله الذي أخزاه وكبته في مماته ومحياه.
وكذلك (٥) في نقله أن الكفر نوعان، كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وكفر الجحود: أن يَكْفُر بما علم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا منه، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "فلا"، وفي (ح) و(المطبوعة): "لم".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) زيادة: "قوله".
هذا نَقْلُهُ (١) ومن عرف ما جاء به الشيخ (٢) ودعا إليه من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القران "وأن القرآن" (٣) من أوله إلى [٢٢٢] آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له، وأن الآيات والبراهين على صحته وظهوره أظهر من الشمس في الظهيرة، عرف حينئذ أنَّ مَن رَدَّه وأباه، واستمر على اتخاذ الوسائط والشفعاء والأنداد، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، من غير التفات إلى حجج الله وبيناته، من أعظم الناس جحودًا وعنادًا، وأغلظهم كفرًا وفسادًا؟ وأنَّ كُفْر هذا الصنف ملحق بكفر أهل الجحود والعناد، ولكن غلبة الجهل، وكثافة الفهم، وغلظة الطبع، واعتياد الشرك، وظلمة الكفر، حجب كثيفة حالت بين هؤلاء القوم وبين معرفة الكفر والإيمان، والتوحيد والإشراك، فالتبس الأمر عليهم، وصاروا يحتجون على أهل الإسلام بما هو عليهم لا لهم. وفي المثل: "أريها السّهى وتريني القمر".
ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية [الأنبياء / ٩٨] .
قال ابن الزّبعرى: "اليوم أخصم محمدًا " (٤) ظنًّا منه أن قياس الأولى يجري هنا، لم يعرف ما بين الأصل والفرع من الفرق في علة الحكم
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: " المعترض".
(٢) في (ق) و(م): "الرسول ﷺ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ١٥٣) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٦٩): وفيه عاصم بن بهدلة وقد وثقه وضعفه جماعة.
ومناطه، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة؛ ولذلك قاس قياس الأولى، والأمر ليس كذلك.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] [الأنبياء / ١٠٢،١٠١] .
وروى بعضهم (١) أن النبي ﷺ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك: ما: لما لا يعقل" (٢) لكن يُشْكل على (٣) هذا ما قرره العلامة (٤) ابن القيم ﵀ من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير، وإجراء العلة مجراها، لا أنه خفي عليه موضوع "ما"، وإن صح الحديث، فهو صريح في ردِّ ما قاله على كلا التقديرين، وتقرير شمس الدِّين ابن القيم ﵀ يشير إلى أن أصل الحديث ثابت عنده، وهو كذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشمس الدِّين حجة في النقل.
والمقصود بهذا: تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه، ممن يعترض على كتاب الله ورسله وأوليائه، وحجتهم بحمد الله داحضة، لكن: ربما جرَّ شأن شؤونًا.
إذا عرفت هذا: فقول المعترض في آخر نقله: (فمتى يكون هذا في الأمة؟) يشير إلى كفر الجحود والعناد، وهذه القولة صريحة في استبعاد
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "في ذلك حديثًا، الله أعلم به".
(٢) لم أقف على هذا اللفظ، وقصة ابن الزبعرى أوردها ابن كثير في تفسير الآية عن ابن مردويه.
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) ساقطة من (م) .
[٢٢٣]، وقوع هذا وحصوله في الأمة، كما دلَّ عليه حديث ثوبان وغيره، وظاهر هذا: أن ما حدث من بني حنيفة، والأسود العنسي، والمختار ابن أبي عبيد، وسائر أهل الردة، والقرامطة، والعبيديين ملوك مصر، والتتر الذين يتلفظون بالشهادتين، ومنهم من يصلي، وغلاة القدرية والجهمية، والرافضة، والجبرية وأمثالهم، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، لا يقع منهم كفر الجحود والعناد أبدًا، وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة، له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير تكفير وقتال، على زعم هذا المفتري، وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين كافية في رد أباطيله، ودحض أساجيله (١) فَلْيَهْن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا الحكم القاسط الجائر، المخالف لجميع كتب الله، المناقض لسائر رسله.
ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا (٢) وأمثاله، ويسمع لهم، ومن أعرض عن كتاب الله، ولم يكن له حظ من نور الوحي، وضياء الرسالة، فهو مستعد لقبول (٣) ما (٤) أوحته الشياطين إلى أوليائها من الجهل والعمى، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى.
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "فقد خربت دار هذا إمامها فقيهها".
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "الجاهل".
(٣) في (م): "لقول".
(٤) ساقطة من (ح) .
فصل قال المعترض: (وقال شمس الدِّين (١) ابن القيم، لما أتى على مسألة التكفير: "اعلم أن الكفر والْإِيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر".
قال: "ولما كان الْإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة فيه تسمى إيمانًا، فالصلاة والزكاة والصيام والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله تعالى والإنابة حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله، كالشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله" إلى أن قال: "وكذلك الكفر ذو أصل وشعب كما أن الْإِيمان أصل الشهادتين، وكما أن (٢) أصل [الكفر] (٣) الجحود لهما؛ فكما أن شعب الْإِيمان إيمان فشعب الكفر كفر" إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب (٤) الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر". إلى أن قال: "فمن صدر منه خصلة من خصال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الْإِطلاق، لأن معه أصل الْإِيمان،
_________
(١) ساقطة من (م) . وانظر قول ابن القيم في: "الصلاة وحكم تاركها" ص (٢٧) .
(٢) في (المطبوعة): " فإن".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من بقية النسخ.
(٤) "من شعب" ساقطة من (ق) و(م) .
وهما الشهادتان"، إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن [٢١٩] الرسول ﷺ جاء به من عند الله تعالى، جحودًا وعنادًا (١) منه، فهذا الكفر يضاد الْإِيمان من (كل وجه، وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد الْإِيمان، وإلى ما لا (٢) (٣) يضاد الْإِيمان فالسجود للصنم؛ والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، يضاد الْإِيمان.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ؛ لكن كفر عمل لا كفر اعتقاد وعناد، وقد نفى النبي ﷺ الْإِيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لم يأمن جاره بوائقه، فهو كافر من جهة العمل، وإن انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذا قوله ﷺ: " «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» " (٤) ٠ اهـ.
فقد نص ﵀ أن الكفر لا يكون إلاَّ جحودًا أو عنادًا، فهذا الذي يخرج عن الملة، فمتى يكون هذا في الأمة؟ وما سوى ذلك له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تكفير وقتال، كما يفعل هذا الرجل بالأمة) .
والجواب أن يقال: هذا المعترض له حظ وافر من تحريف النصوص
_________
(١) في (ق) و(م): "أو عنادًا".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٤) أخرجه البخاري (٧٠٧٧، ٧٠٧٨، ٧٠٧٩، ٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥) .
والكذب فيها، وكلام شمس الدين ﵀ في هذه المسألة معروف مشهور، جار على مذهب السلف، وأهل العلم في التكفير بكثير من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة، ولا ينازع في تكفير من عبد غير الله وأشرك بربه، وكلامه في هذه العبارة صريح في ذلك، وقد ساقها مستدلًا بها على كفر تارك الصلاة، والمعترض حرَّف العبارة، وأسقط منها ما هو حجة عليه، وما لا يستقيم الكلام بدونه، فأسقط من أول العبارة قوله: (ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب (١) متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، ومنه ما (٢) يلحق شعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب) فأسقط هذا لأنه صريح في التكفير بدعاء غير الله والشرك به، وأن ما قارب هذا الأصل يكون كفرًا، ويلحق به، وهذا عين (٣) كلام الشيخ؛ بل شيخنا ﵀ لم يُكَفِّر إلاَّ بترك العمل بشهادة أن لا إله إلا الله، وباتخاذ الآلهة والأنداد مع الله، وقد نص في هذه العبارة المنقولة أن هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين، وهذه هي مسألة النزاع، فإن من شهد (٤) لله بالوحدانية، ولم يلتزم ذلك ولم ينقد لمقتضاه، لا يكون مؤمنًا (٥) وكذلك شهادة أن محمدًا رسول الله لا بد فيها من التزام ما جاء به: من الْإِيمان بالله وتوحيده، وإلاَّ فلا تنفعه هذه الشهادة، ولا يسمى شاهدا.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ح): "ما لا".
(٣) في (ق): "غير".
(٤) في (م): "يشهد".
(٥) ساقطة من (م) .
[٢٢٠] قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] [المنافقون / ١] .
فأكذبهم في زعمهم، لأنهم لم يعملوا (١) بمقتضى الشهادة، بل خالفوها بالعمل والاعتقاد، فلو تفطن فيما نقله هذا المعترض لعرف أنه عليه لا له، وأن شيخنا أسعد بكلام أهل العلم والإيمان ممن أجاز دعاء الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من دون الله رب العالمين.
وكذلك قوله: (الكفر (٢) ذو أصل وشعب) فهذا حق، وشيخنا لم يكفِّر إلاَّ بأصل الكفر لا بشعبه، مع أن هذا الكلام من المعترض نفاق ومغالطة، وإلا فقد صرَّح في مواضع مما مر بأن أهل هذا الشرك هم خير أمة أُخرجت للناس، وهم أهل (٣) المساجد والمنار، وهم الذين أُمِرنا أن نسأل الله الهداية إلى صراطهم، فكيف يرجع هنا إلى عبارة لابن القيم فيها التفصيل بين أصول (٤) الكفر وسائر شعبه؟ وهل هذا إلاَّ محض التناقض والتدافع؟ .
وقد أسقط من كلام شمس الدِّين قوله رحمه الله تعالى: (وكذلك من شعب الإيمان (٥) الفعلية ما يوجب زوالها زوال (٦) الإيمان، وكذلك
_________
(١) في (ق): "لا يعلمون".
(٢) في (م): "والكف".
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (م): "أصل".
(٥) في (ح): "شعبه".
(٦) ساقطة من (ق) .
شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالْإِتيان بكلمة (١) الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف) وهذا صريح في مسألة النزاع، لكن حذفه المعترض المُحَرِّف، لبسًا للحق بالباطل، وترويجًا لباطله، وليًّا بلسانه.
وقال ﵀ (٢) في هذا الأصل: (فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق (٣) فسقان، والجهل جهلان، والشرك شركان: شرك (٤) ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر: شرك العمل، كالرياء.
قال الله تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (٥) [المائدة / ٧٢] .
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] [الحج / ٣١] .
وقال: في شرك الرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف / ١١٠] .
ومن هذا الشرك الأصغر قوله ﷺ " «من حلف بغير الله فقد أشرك» "
_________
(١) في (ق) و(م): "بإتيان كلمة".
(٢) في (المطبوعة): "ابن القيم".
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "والفسوق".
(٤) في (ح) زيادة: "لا"، وهي خطأ.
(٥) في (ق) و(م) زيادة: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
رواه أبو داود (١) وغيره؛ ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن (٢) الملة ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله ﷺ: " «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» ") (٣» .
ثم قال رحمه الله تعالى: (ثم انظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، والى ما لا ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد ونقاق عمل)، وكل هذا أسقطه المعترض؛ لأنه يدفع في صدره (٤) ويرد باطله وترويجه.
ويقال أيضًا: ما نقلته عن شمس الدين ابن القيم حجة لنا عليك، مع [٢٢١]، ما فيه من التحريف والحذف واللبس.
من ذلك قوله: (ولما كان الإيمان أصلًا له شعب) فهذه لنا؟ لأن النزاع في أصل الإيمان الذي هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله، والكلام في التزامها والعمل بمقتضاها، وأما بقية الشعب فليس من مسألة النزاع، ولا يُكَفِّر بترك بعض الشعب التي هي دون الأصل وأركانه إلاَّ من يكفر بالذنوب كالخوارج، فهؤلاء يحسن الرد عليهم بمثل هذا النقل، وأما من لم يكفر إلاَّ بترك أصل الإيمان الذي هو مدلول شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، فالرد عليهم (٥) بكلام ابن القيم مجرد هوس وخيلاء، خرجت بصاحبها عن موضوع الكلام.
_________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٥١) .
(٢) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "من".
(٣) أورده الألباني في صحيح الجامع (٣٧٣٠، ٣٧٣١) وصححه، وفي ضعيف الجامع (٣٤٣٢، ٣٤٣٣)، وضعفه وخرجه في السلسلة الضعيفة (٣٧٥٥) .
(٤) في (ق) و(م): "صده".
(٥) في (ق) و(م): "عليه".
وقد تقدم أنه قال: (وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين) . (وقد نقله هذا المعترض، ومن المعلوم أن المقصود زوال حقيقة الشهادتين) (١) علمًا وعملًا أو قولًا، لا زوال مجرد القول واللفظ، كما فهمه هذا الغبي.
وكذلك قوله: (وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر؛ لأن معه أصل الإيمان وهما الشهادتان) وهذه العبارة لنا؛ لأنا لا نكَفِّر إلاَّ (٢) بترك ما دلَّت عليه الشهادتان مطابقة أو تضمنًا، وما عدا ذلك فلم (٣) نُكَفِّر به.
فظهر أن شمس الدين ابن القيم ﵀ قد قرر في نقل المعترض، وكرر التكفير وزوال الإيمان بترك الشهادتين، ولكن هذا الجاهل المعترض يظن أن المقصود ترك اللفظ فقط (٤) وهذا من كثافة جهله وعدم علمه، وقلة ممارسته، وبعده عن صناعة العلم، فالحمد لله الذي أخزاه وكبته في مماته ومحياه.
وكذلك (٥) في نقله أن الكفر نوعان، كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وكفر الجحود: أن يَكْفُر بما علم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا منه، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "فلا"، وفي (ح) و(المطبوعة): "لم".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) زيادة: "قوله".
هذا نَقْلُهُ (١) ومن عرف ما جاء به الشيخ (٢) ودعا إليه من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القران "وأن القرآن" (٣) من أوله إلى [٢٢٢] آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له، وأن الآيات والبراهين على صحته وظهوره أظهر من الشمس في الظهيرة، عرف حينئذ أنَّ مَن رَدَّه وأباه، واستمر على اتخاذ الوسائط والشفعاء والأنداد، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، من غير التفات إلى حجج الله وبيناته، من أعظم الناس جحودًا وعنادًا، وأغلظهم كفرًا وفسادًا؟ وأنَّ كُفْر هذا الصنف ملحق بكفر أهل الجحود والعناد، ولكن غلبة الجهل، وكثافة الفهم، وغلظة الطبع، واعتياد الشرك، وظلمة الكفر، حجب كثيفة حالت بين هؤلاء القوم وبين معرفة الكفر والإيمان، والتوحيد والإشراك، فالتبس الأمر عليهم، وصاروا يحتجون على أهل الإسلام بما هو عليهم لا لهم. وفي المثل: "أريها السّهى وتريني القمر".
ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية [الأنبياء / ٩٨] .
قال ابن الزّبعرى: "اليوم أخصم محمدًا " (٤) ظنًّا منه أن قياس الأولى يجري هنا، لم يعرف ما بين الأصل والفرع من الفرق في علة الحكم
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: " المعترض".
(٢) في (ق) و(م): "الرسول ﷺ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ١٥٣) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٦٩): وفيه عاصم بن بهدلة وقد وثقه وضعفه جماعة.
ومناطه، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة؛ ولذلك قاس قياس الأولى، والأمر ليس كذلك.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] [الأنبياء / ١٠٢،١٠١] .
وروى بعضهم (١) أن النبي ﷺ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك: ما: لما لا يعقل" (٢) لكن يُشْكل على (٣) هذا ما قرره العلامة (٤) ابن القيم ﵀ من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير، وإجراء العلة مجراها، لا أنه خفي عليه موضوع "ما"، وإن صح الحديث، فهو صريح في ردِّ ما قاله على كلا التقديرين، وتقرير شمس الدِّين ابن القيم ﵀ يشير إلى أن أصل الحديث ثابت عنده، وهو كذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشمس الدِّين حجة في النقل.
والمقصود بهذا: تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه، ممن يعترض على كتاب الله ورسله وأوليائه، وحجتهم بحمد الله داحضة، لكن: ربما جرَّ شأن شؤونًا.
إذا عرفت هذا: فقول المعترض في آخر نقله: (فمتى يكون هذا في الأمة؟) يشير إلى كفر الجحود والعناد، وهذه القولة صريحة في استبعاد
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "في ذلك حديثًا، الله أعلم به".
(٢) لم أقف على هذا اللفظ، وقصة ابن الزبعرى أوردها ابن كثير في تفسير الآية عن ابن مردويه.
(٣) ساقطة من (م) .
(٤) ساقطة من (م) .
[٢٢٣]، وقوع هذا وحصوله في الأمة، كما دلَّ عليه حديث ثوبان وغيره، وظاهر هذا: أن ما حدث من بني حنيفة، والأسود العنسي، والمختار ابن أبي عبيد، وسائر أهل الردة، والقرامطة، والعبيديين ملوك مصر، والتتر الذين يتلفظون بالشهادتين، ومنهم من يصلي، وغلاة القدرية والجهمية، والرافضة، والجبرية وأمثالهم، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، لا يقع منهم كفر الجحود والعناد أبدًا، وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة، له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير تكفير وقتال، على زعم هذا المفتري، وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين كافية في رد أباطيله، ودحض أساجيله (١) فَلْيَهْن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا الحكم القاسط الجائر، المخالف لجميع كتب الله، المناقض لسائر رسله.
ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا (٢) وأمثاله، ويسمع لهم، ومن أعرض عن كتاب الله، ولم يكن له حظ من نور الوحي، وضياء الرسالة، فهو مستعد لقبول (٣) ما (٤) أوحته الشياطين إلى أوليائها من الجهل والعمى، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى.
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "فقد خربت دار هذا إمامها فقيهها".
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "الجاهل".
(٣) في (م): "لقول".
(٤) ساقطة من (ح) .
Translation
فصل في احتجاج المعترض لكلام لابن القيم فهم منه منع التكفير بدعاء غير الله والشرك به
#98
Chapter 98 — فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك
· ref. #98
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك]
فصل قال المعترض: (وقال زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى (١) "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة قتله لمن شهد أن لا إِله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره". ثم بين ﵀ أنه إذا كان مسلمًا بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام، إلى أن قال:
"وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ (٢) الأحاديث في هذا الباب؛ ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الْإِخلاص بمجردها تعصم (٣) من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا هذا عين كلامه". انتهى.
إذ لولا أنه يكون مسلمًا بهما لم يُلزم شرائع الإسلام (٤) ويُجبر عليها، فإن الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام، وإن كان على
_________
(١) انظر: "جامع العلوم والحكم" (١ / ٨٤) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (المطبوعة): "بمجردهما تعصمان".
(٤) ساقطة من (ق) و(م)، وفي (المطبوعة) بعدها زيادة: "ولم".
قولنا (١) مخاطبًا بها، إلا أنها (٢) لا تصح منه لعدم شرطها، لأن من شرط (٣) صحة شرائع الإسلام، تقدم (٤) الشهادتين، ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين (٥) شرطًا لدخول الإسلام وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك كهذا الرجل، فقد (٦) أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه، وسلفه الصالح، وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا المذهب الخبيث.
وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه، أنه عَيْن كلامه، كما ستراه عنه بعينه، وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين ﵄ في قتال مانعي الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلَّم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق؛ ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق والخلفاء الراشدين، بأن يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها، ومن لم يفعل ذلك فنصُّوا على تحريم قبضه لها، فضلا عن أن يقاتل عليها، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ لدافعها بطلبه، توفيرًا للسمع والطاعة، واجتماع الكلمة؟ ووزرها (٧) على قابضها، وبهذا يتبين قول أهل
_________
(١) في (ق): "قول".
(٢) في (ق) و(ح): "لأنها".
(٣) في (ق): "شروط".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "فإنه".
(٧) في (ق) و(ح): " وإزرها".
السنَّة والجماعة وأنَّ أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص، حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلا أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (١) بشفاعة النبي ﷺ، حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله، كما مر ذكره ذكرناه في كتابنا "غسل الدرن".
والجواب أن يقال: إن الله تعالى وتقدس وعد رسله (٢) والذين آمنوا أن ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة (٣) ولهم سوء الدار، ومن نَصْر الله تعالى لأوليائه وعباده المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم، وعدم تسديدهم، وتهافت أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع، والوحشة التي يعرفها من سلمت فطرته؛ وصح إسلامه، فضلًا عن أهل العلم بشرعه ودينه، فلربنا الحمد، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
ويقال لهذا: قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها، وأخرجتها عن موضوعها، وأزلت بهجتها: من ذلك قولك عنه: إنه يقول: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن (٤) أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه يقبل مجرد القول
_________
(١) في (ح) زيادة: "قال: يخرج لعلي أناس".
(٢) في (ق): "رسوله".
(٣) "ولهم اللعنة" ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
، من غير التزام لحقيقته، ولا عمل بمدلوله، وعبارة ابن رجب تدل على أنه يبدأ بالتوحيد في الدعوة والطلب، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال، والمقصود من الشهادتين ما دلتا عليه من (١) البراءة من كل معبود سوى الله؛ وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، والإيمان بالرسل، والتزام متابعتهم، هذا هو مدلول الشهادتين (٢) وهو الذي دلَّت عليه عبارة ابن رجب، وشيخنا ﵀ أصْل دعوته وجهاده على هذا، وعلى ترك عبادة الصالحين من الأموات والغائبين، ودعائهم مع الله رغبًا ورهبًا، والتوجه إليه والاستغاثة (٣) بهم في الشدائد والملمات، كما كانت تفعله الجاهلية، فهذا الذي جاهد شيخنا عليه، ودعا الناس إلى تركه، وأخبرهم أن الإيمان بالله يناقض هذا ويبطله، فعبارة ابن رجب تشهد لهذا الشيخ بالعلم والمتابعة، خلافًا لما توهمه بعض الجهال والضلال من أن الرسول ﷺ يقبل مجرد القول واللفظ، مع ارتكاب ما ينافيه ويناقضه.
ومراد ابن رجب: أنَّ مَن أظهر الإسلام، وتكلم بالشهادتين، ولم يأت منه ما ينافيهما يحكم بإسلامه، ويؤمر ببقية الشرائع، وقد ذكر ابن رجب بعد عبارته: (أنَّ مِن شرائع الإسلام ما يقاتل عليه ويكفر تاركه) . فدل كلامه على أن التزام أركان الإسلام باعتقاد وجوبها (٤) شرط لصحة الإسلام وقبوله في الدار الآخرة، وأما الأحكام الدنيوية فتجري على من أظهر الإسلام ظاهرًا، فإن ظهر منه ما ينافي ذلك حكم عليه بما يقتضيه هذا
_________
(١) "ما دلتا عليه من" ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ".
(٣) في (ق): "إليهم والاستعانة ".
(٤) "باعتقاد وجوبها" ساقطة من (ق) و(م) .
المنافي من تكفير أو قتال، وهذا هو الذي دل عليه حديث أسامة وغيره من الأحاديث الدالة على الكف عمن أتى بالشهادتين.
ودعواك أنَّ ابن رجب قال: (يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) دعوى كاذبة، وآحاد العقلاء يتنزه عن هذه العبارة؛ لأنَّ معنى "فقط " لا غير، وحينئذ فمدلولها أنه لا يقبل بقية الشرائع من الأركان الإسلامية والشعب الإيمانية، ولا يظن هذا برسول الله ﷺ من له عقل يميز به ولو كافرًا، فضلًا عن أهل العلم والإيمان.
وأما قولك: (ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين شرطًا لدخول الإسلام (١) وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك - كهذا الرجل - فقد أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح) إلى آخر ما قلت.
فهذا القول منك صريح في مخالفة عبارة ابن رجب التي هي مرتبطة بما نقلته (٢) وشرط التزام الشرائع والمباني الإسلامية مجمع على اعتباره في الإسلام المنجي في الدار الآخرة، وكلام ابن رجب الذي ساقه بعد العبارة التي ذكرها المعترض صريح في هذا؛ فإنه قرر ما يقاتل عليه من الشرائع وما يقتل به الفرد المعين، وذكر شيئًا مما يكفر به، وذكر الخلاف في تكفير من ترك أحد المباني، وأما من ترك التوحيد الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا الله، فقد اتفق العلماء على كُفْرِه ووجوب قتله إن أصر وعاند.
_________
(١) في (م): " الإيمان ".
(٢) في (ح): "نقله".
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين، لما سئل عن قتال التتر مع تمسكهم بالشهادتين، ولِمَا زعموا من اتباع أصل الإسلام (١) (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة: المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن (٢) كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ملتزمين بعض شرائعه (٣) كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵃، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملًا بالكتاب والسنَّة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم "شر الخلق والخليقة" (٤) مع قوله: " «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» "، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما (٥) طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات (٦) أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح
_________
(١) انظر قوله ﵀ في: "مجموع الفتاوى" (٢٨ / ٥٠٢) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "سرائع".
(٤) تقدم تخريجه. انظر: ص (١٦٥)، هامش ٥.
(٥) في (ق): "فإيمان".
(٦) ساقطة من (ق) .
ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذ أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان أو الْإِقامة؛ عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر (١) فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها (٢) أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام (أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما بين القوسين (٣) فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لِإِزالة ولايته؛ وأما المذكورون فهم خارجون عن الْإِسلام بمنزلة مانعي الزكاة؛ وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁، ولهذا افترقت سيرته ﵁ في قتاله لأهل البصرة وأهل (٤) الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت (٥)
_________
(١) في (م): "الشرائع".
(٢) "على تركها" ساقطة من (م) .
(٣) ساقط من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (م): "ثبت".
النصوص (١) عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج) . انتهى كلامه ﵀.
وقال أيضًا في "الرسالة السنية" (٢) (فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من مرق عن الإسلام مع انتسابه إلى الإسلام والسنَّة، ففي هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب.
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] الآية [النساء / ١٧١] .
وعليّ بن أبي طالب ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة وقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵁ مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو (٣) قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة، وكذا الغلو في بعض المشايخ؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في الشيخ عدي ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الْإِلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، وأغثني (٤) وارزقني، واجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب (٥) ". ليعبد
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣ / ٣٨٣) .
(٣) في بقية النسخ: "وهذا".
(٤) في (م): "وأغثني أو انصرني".
(٥) في (المطبوعة): "الكتاب.
وحده لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات؛ وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون: إنما نَعْبُدُهُمْ (١) لِيُقَربُونَا إلى الله زُلفَى ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ (٢) شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] .
فبَعث (٣) الله رسوله (٤) ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء (٥) استعانة) وذكر آيات في المعنى تبين هذه القاعدة العظيمة التي ضلَّ بالجهل بها من ضل، وشقي (٦) بإهمالها من شقي.
وأما ما زعمه من مخالفة شيخنا لرسول الله ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح.
فلو كان لهذا المعترض عقل يميز به، وعلم يدري به ما كان عليه (٧) رسول الله ﷺ من تكفير من عبد غير الله، واتخذ معه الآلهة (٨) والأنداد، وسوى بينهم وبينه تعالى وتقدس في الحب والتعظيم، والْإِنابة والتوكل
_________
(١) في (المطبوعة): "ما نعبدهم إلا "، وهو سياق الآية. وسياق النُسَخ الأربع يوحي أن المصنف لم يرد سياق الآية.
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) بياض في (ق) .
(٤) في (ق) و(م): "رسله".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) في (ح): "ويشقى".
(٧) ساقطة من (ق) .
(٨) ساقطة من (ق) .
والدعاء؛ لعرف أنه هو المخالف لما كان عليه سائر رسل الله وأتباعهم إلى يوم القيامة، وأنة يجادل ويناضل عن عاد وثمود وقوم نوح وقوم فرعون وجاهلية العرب، وأمثالهم من الأمم الذين كذَّبوا الرسل ولم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا إلى ما خلقوا في (١) له، وهذا الصنف من الناس هم أول من اخترع الشرك وابتدع في دين الله؛ وهم الذين أصَّلوا الأصول الخبيثة التي مقتضاها العدل بربهم وتسوية غيره به، ومعاداة أوليائه وحزبه، ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، وهذا هو حقيقة الخبث والرجس والفساد.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٢) [التوبة / ٢٨] .
وزعيمهم الذي يناضل عنهم ويجادل (٣) دونهم هو أخبثهم على الإطلاق.
قال تعالى: (٤) ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] [غافر ٣٥] .
وأما جعله شيخنا ﵀ ممن (٥) يشترط الشرائعَ الإسلامية في الدخول فيه: فهذا باطل، إنما تشترط (٦) المباني ونحوها في صحة الإسلام،
_________
(١) (المطبوعة): "اختلقوا".
(٢) في (ق) زيادة: " فلا يقربوا المسجد الحرام " الآية.
(٣) في (ق) و(م): "يجادل عنهم ويناضل".
(٤) في (م) و(ح) زيادة: (إِنَّ) .
(٥) ساقطة من (م) و(ح) .
(٦) في (م): "اشترط".
لا في الدخول فيه، وشيخنا ﵀ لم يقل هذا الذي زعمه هذا المعترض، بل هو من جهله وإفكه (١) وضلاله وبهته، والنزاع إنما هو في (٢) شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، ولم يمتنع أحد ممن (٣) التزم الإسلام في زمن الشيخ محمد ﵀ عن شيء من شعائر الإسلام وأركانه، حتى يقال: إنه لم يقبل منه (٤) الدخول في الإسلام.
فهو ﵀ وإن قاتل على ترك أحد المباني فلم يقل: لا نقبل الإسلام ابتداءً إلاَّ بها؛ ولكن هذا البهت لا يستغرب مع جهالة هذا الرجل، وعدم شعوره بشيء من الحقائق الدينية.
وأما قول المعترض: (وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين في قتال مانع (٥) الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع؛ بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق) .
فيقال لهذا الغبي الجاهل: ما وقع من عمر ﵁ من التوقف في قتال مانعي الزكاة واستدلاله بالحديث على ترك القتال لا يدل (٦) على أنه يرى إسلام تارك الزكاة، وقد ثبت عنه أنه صرح بتكفير تارك الحج ولم يقتله، فمسألة القتال لا تستلزم تكفيرًا، والتكفير لا يستلزم
_________
(١) في (ق) و(م): "جمله إفكه".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "من".
(٤) في (ح): "من".
(٥) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "مانعي".
(٦) في (ق) و(م): "يرى".
القتال (١) هذا باعتبار (٢) أصل الخلاف، وقد سلَّم الفاروق للصدِّيق والتزم ما ذهب إليه الصديق من وجوب القتال، وصارت المسألة إجماعية، وإذا أجمعوا على القتال فما المانع من التكفير؟ وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في تكفير مانع (٣) الزكاة، وأن الصحابة لم يفرقوا في التكفير والقتال بين من جحد الوجوب، وبين من منعها ولم يؤدها، مع اعترافه بالوجوب.
وقال أبو العباس ﵀ أيضًا في الكلام على كفر مانع الزكاة (٤) (والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة؛ بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عَنَاقًا (٥) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
وقد روي أن طوائف كانوا يقرون (٦) بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصدِّيق عندهم (٧) أن ثبَّته الله
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "مطلقا".
(٢) في (ق): "عبارة".
(٣) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "مانعي".
(٤) في (ق) و(م): "مانعي".
(٥) في (ق): "عقال بعير".
(٦) في (ق) و(م): "مقرين".
(٧) ساقطة من (ق) و(م) .
عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم) . انتهى.
وأما قوله: (ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربع (١) في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع (٢) الزكاة إلاَّ لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق) .
فيقال: من عَرَف جهل هذا الرجل (٣) وعدم أمانته فيما ينقله ويحكيه عن الآحاد فضلًا عن الاتفاق والإجماع لم يلتفت إلى قوله، ولم يصغ له ولا يعتد به إلاَّ جاهل لا يدري ما الناس فيه، وهذه العبارة كذب بحت لم يتفقوا ولم يجمعوا؛ بل اتفقوا على خلافها، وأنَّ أئمة الإسلام يجب عليهم قتال مانع الزكاة حتى يؤديها، وعليهم في ذلك أن يفعلوا (٤) بالمشروع، وهذا مجمع عليه، وقد حكى الإجماع عليه ابن حزم وابن هبيرة في كتابيهما في الإجماع، ومذهب الحنابلة الذي ينتسب إليه هذا المعترض: صريح في وجوب القتال على ذلك، كما يعلمه من وقف على كلامهم، فدعوى هذا الرجل كاذبة خاطئة مع ما في هذه العبارة (٥) من اللحن.
فإن المذاهب والاتفاق عليها يعزى (٦) إلى الرجال والقائلين بها
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة): "الأربعة".
(٢) في (ق) و(م): "مانعي".
(٣) في (ق) و(م): "المعترض".
(٤) في (المطبوعة): "يعملوا".
(٥) في (م): "فيها".
(٦) في (ح): "يغرى".
لا إلى الكتب، وباب العدد من الثلاثة (١) إلى العشرة تلزم (٢) مذكرة التاء، وقد حذفها هذا الغبي الذي يترشح (٣) لمعرفة العربية.
وقوله: (فنصّوا على تحريم قبضه لها فضلًا عن أن يقاتل عليها) .
تقدَّم جوابه (٤)
_________
(١) في (م): "ثلاثة".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "الثلاثة".
(٣) في (ق): "يرشح".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "وأما قوله: وبهذا يتبين قول أهل السنَّة أن أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلاَّ أدنى أدنى أدنى مثقال حبة حبة خردل.
فيقال: أولًا: حرفت العبارة وأفسدتها بقولك: (أدنى أدنى أدنى مثقال) فإن المثقال معيار معلوم متساوٍ متماثل وإنما يقال: أدنى منه. إذا أريد ما دونه.
وليس من الحديث هذا التركيب الفاسد، وإنما هو من جناية هذا المعترض، وحديث أنس الذي أشار إليه لفظه ليس هكذا. فانظر إلى ما في هذه الكلمات اليسيرة من التبديل لدين الله والكذب في حكاية مذاهب أهل العلم، واللحن المنافي لمعرفة العربية، والتحريف للأحاديث النبوية، فإن الوقوف على هذا كاف في رد أقواله وإبطال جهله وضلاله فإن الحمد لله الذي من علينا بمعرفة أعدائه والمناضلة عن دينه وشرعه وعن حزبه وأوليائه".
فصل قال المعترض: (وقال زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى (١) "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة قتله لمن شهد أن لا إِله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره". ثم بين ﵀ أنه إذا كان مسلمًا بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام، إلى أن قال:
"وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ (٢) الأحاديث في هذا الباب؛ ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الْإِخلاص بمجردها تعصم (٣) من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا هذا عين كلامه". انتهى.
إذ لولا أنه يكون مسلمًا بهما لم يُلزم شرائع الإسلام (٤) ويُجبر عليها، فإن الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام، وإن كان على
_________
(١) انظر: "جامع العلوم والحكم" (١ / ٨٤) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (المطبوعة): "بمجردهما تعصمان".
(٤) ساقطة من (ق) و(م)، وفي (المطبوعة) بعدها زيادة: "ولم".
قولنا (١) مخاطبًا بها، إلا أنها (٢) لا تصح منه لعدم شرطها، لأن من شرط (٣) صحة شرائع الإسلام، تقدم (٤) الشهادتين، ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين (٥) شرطًا لدخول الإسلام وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك كهذا الرجل، فقد (٦) أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه، وسلفه الصالح، وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا المذهب الخبيث.
وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه، أنه عَيْن كلامه، كما ستراه عنه بعينه، وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين ﵄ في قتال مانعي الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلَّم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق؛ ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق والخلفاء الراشدين، بأن يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها، ومن لم يفعل ذلك فنصُّوا على تحريم قبضه لها، فضلا عن أن يقاتل عليها، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ لدافعها بطلبه، توفيرًا للسمع والطاعة، واجتماع الكلمة؟ ووزرها (٧) على قابضها، وبهذا يتبين قول أهل
_________
(١) في (ق): "قول".
(٢) في (ق) و(ح): "لأنها".
(٣) في (ق): "شروط".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "فإنه".
(٧) في (ق) و(ح): " وإزرها".
السنَّة والجماعة وأنَّ أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص، حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلا أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (١) بشفاعة النبي ﷺ، حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله، كما مر ذكره ذكرناه في كتابنا "غسل الدرن".
والجواب أن يقال: إن الله تعالى وتقدس وعد رسله (٢) والذين آمنوا أن ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة (٣) ولهم سوء الدار، ومن نَصْر الله تعالى لأوليائه وعباده المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم، وعدم تسديدهم، وتهافت أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع، والوحشة التي يعرفها من سلمت فطرته؛ وصح إسلامه، فضلًا عن أهل العلم بشرعه ودينه، فلربنا الحمد، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
ويقال لهذا: قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها، وأخرجتها عن موضوعها، وأزلت بهجتها: من ذلك قولك عنه: إنه يقول: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن (٤) أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه يقبل مجرد القول
_________
(١) في (ح) زيادة: "قال: يخرج لعلي أناس".
(٢) في (ق): "رسوله".
(٣) "ولهم اللعنة" ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
، من غير التزام لحقيقته، ولا عمل بمدلوله، وعبارة ابن رجب تدل على أنه يبدأ بالتوحيد في الدعوة والطلب، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال، والمقصود من الشهادتين ما دلتا عليه من (١) البراءة من كل معبود سوى الله؛ وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، والإيمان بالرسل، والتزام متابعتهم، هذا هو مدلول الشهادتين (٢) وهو الذي دلَّت عليه عبارة ابن رجب، وشيخنا ﵀ أصْل دعوته وجهاده على هذا، وعلى ترك عبادة الصالحين من الأموات والغائبين، ودعائهم مع الله رغبًا ورهبًا، والتوجه إليه والاستغاثة (٣) بهم في الشدائد والملمات، كما كانت تفعله الجاهلية، فهذا الذي جاهد شيخنا عليه، ودعا الناس إلى تركه، وأخبرهم أن الإيمان بالله يناقض هذا ويبطله، فعبارة ابن رجب تشهد لهذا الشيخ بالعلم والمتابعة، خلافًا لما توهمه بعض الجهال والضلال من أن الرسول ﷺ يقبل مجرد القول واللفظ، مع ارتكاب ما ينافيه ويناقضه.
ومراد ابن رجب: أنَّ مَن أظهر الإسلام، وتكلم بالشهادتين، ولم يأت منه ما ينافيهما يحكم بإسلامه، ويؤمر ببقية الشرائع، وقد ذكر ابن رجب بعد عبارته: (أنَّ مِن شرائع الإسلام ما يقاتل عليه ويكفر تاركه) . فدل كلامه على أن التزام أركان الإسلام باعتقاد وجوبها (٤) شرط لصحة الإسلام وقبوله في الدار الآخرة، وأما الأحكام الدنيوية فتجري على من أظهر الإسلام ظاهرًا، فإن ظهر منه ما ينافي ذلك حكم عليه بما يقتضيه هذا
_________
(١) "ما دلتا عليه من" ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) في (ق) و(م): "شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ".
(٣) في (ق): "إليهم والاستعانة ".
(٤) "باعتقاد وجوبها" ساقطة من (ق) و(م) .
المنافي من تكفير أو قتال، وهذا هو الذي دل عليه حديث أسامة وغيره من الأحاديث الدالة على الكف عمن أتى بالشهادتين.
ودعواك أنَّ ابن رجب قال: (يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) دعوى كاذبة، وآحاد العقلاء يتنزه عن هذه العبارة؛ لأنَّ معنى "فقط " لا غير، وحينئذ فمدلولها أنه لا يقبل بقية الشرائع من الأركان الإسلامية والشعب الإيمانية، ولا يظن هذا برسول الله ﷺ من له عقل يميز به ولو كافرًا، فضلًا عن أهل العلم والإيمان.
وأما قولك: (ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين شرطًا لدخول الإسلام (١) وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك - كهذا الرجل - فقد أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح) إلى آخر ما قلت.
فهذا القول منك صريح في مخالفة عبارة ابن رجب التي هي مرتبطة بما نقلته (٢) وشرط التزام الشرائع والمباني الإسلامية مجمع على اعتباره في الإسلام المنجي في الدار الآخرة، وكلام ابن رجب الذي ساقه بعد العبارة التي ذكرها المعترض صريح في هذا؛ فإنه قرر ما يقاتل عليه من الشرائع وما يقتل به الفرد المعين، وذكر شيئًا مما يكفر به، وذكر الخلاف في تكفير من ترك أحد المباني، وأما من ترك التوحيد الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا الله، فقد اتفق العلماء على كُفْرِه ووجوب قتله إن أصر وعاند.
_________
(١) في (م): " الإيمان ".
(٢) في (ح): "نقله".
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين، لما سئل عن قتال التتر مع تمسكهم بالشهادتين، ولِمَا زعموا من اتباع أصل الإسلام (١) (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة: المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن (٢) كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ملتزمين بعض شرائعه (٣) كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵃، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملًا بالكتاب والسنَّة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم "شر الخلق والخليقة" (٤) مع قوله: " «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» "، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما (٥) طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات (٦) أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح
_________
(١) انظر قوله ﵀ في: "مجموع الفتاوى" (٢٨ / ٥٠٢) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (ق): "سرائع".
(٤) تقدم تخريجه. انظر: ص (١٦٥)، هامش ٥.
(٥) في (ق): "فإيمان".
(٦) ساقطة من (ق) .
ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذ أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان أو الْإِقامة؛ عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر (١) فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها (٢) أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام (أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما بين القوسين (٣) فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لِإِزالة ولايته؛ وأما المذكورون فهم خارجون عن الْإِسلام بمنزلة مانعي الزكاة؛ وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁، ولهذا افترقت سيرته ﵁ في قتاله لأهل البصرة وأهل (٤) الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت (٥)
_________
(١) في (م): "الشرائع".
(٢) "على تركها" ساقطة من (م) .
(٣) ساقط من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (م): "ثبت".
النصوص (١) عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج) . انتهى كلامه ﵀.
وقال أيضًا في "الرسالة السنية" (٢) (فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من مرق عن الإسلام مع انتسابه إلى الإسلام والسنَّة، ففي هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب.
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] الآية [النساء / ١٧١] .
وعليّ بن أبي طالب ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة وقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵁ مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو (٣) قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة، وكذا الغلو في بعض المشايخ؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في الشيخ عدي ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الْإِلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، وأغثني (٤) وارزقني، واجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب (٥) ". ليعبد
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣ / ٣٨٣) .
(٣) في بقية النسخ: "وهذا".
(٤) في (م): "وأغثني أو انصرني".
(٥) في (المطبوعة): "الكتاب.
وحده لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات؛ وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون: إنما نَعْبُدُهُمْ (١) لِيُقَربُونَا إلى الله زُلفَى ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ (٢) شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] .
فبَعث (٣) الله رسوله (٤) ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء (٥) استعانة) وذكر آيات في المعنى تبين هذه القاعدة العظيمة التي ضلَّ بالجهل بها من ضل، وشقي (٦) بإهمالها من شقي.
وأما ما زعمه من مخالفة شيخنا لرسول الله ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح.
فلو كان لهذا المعترض عقل يميز به، وعلم يدري به ما كان عليه (٧) رسول الله ﷺ من تكفير من عبد غير الله، واتخذ معه الآلهة (٨) والأنداد، وسوى بينهم وبينه تعالى وتقدس في الحب والتعظيم، والْإِنابة والتوكل
_________
(١) في (المطبوعة): "ما نعبدهم إلا "، وهو سياق الآية. وسياق النُسَخ الأربع يوحي أن المصنف لم يرد سياق الآية.
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) بياض في (ق) .
(٤) في (ق) و(م): "رسله".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) في (ح): "ويشقى".
(٧) ساقطة من (ق) .
(٨) ساقطة من (ق) .
والدعاء؛ لعرف أنه هو المخالف لما كان عليه سائر رسل الله وأتباعهم إلى يوم القيامة، وأنة يجادل ويناضل عن عاد وثمود وقوم نوح وقوم فرعون وجاهلية العرب، وأمثالهم من الأمم الذين كذَّبوا الرسل ولم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا إلى ما خلقوا في (١) له، وهذا الصنف من الناس هم أول من اخترع الشرك وابتدع في دين الله؛ وهم الذين أصَّلوا الأصول الخبيثة التي مقتضاها العدل بربهم وتسوية غيره به، ومعاداة أوليائه وحزبه، ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، وهذا هو حقيقة الخبث والرجس والفساد.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٢) [التوبة / ٢٨] .
وزعيمهم الذي يناضل عنهم ويجادل (٣) دونهم هو أخبثهم على الإطلاق.
قال تعالى: (٤) ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] [غافر ٣٥] .
وأما جعله شيخنا ﵀ ممن (٥) يشترط الشرائعَ الإسلامية في الدخول فيه: فهذا باطل، إنما تشترط (٦) المباني ونحوها في صحة الإسلام،
_________
(١) (المطبوعة): "اختلقوا".
(٢) في (ق) زيادة: " فلا يقربوا المسجد الحرام " الآية.
(٣) في (ق) و(م): "يجادل عنهم ويناضل".
(٤) في (م) و(ح) زيادة: (إِنَّ) .
(٥) ساقطة من (م) و(ح) .
(٦) في (م): "اشترط".
لا في الدخول فيه، وشيخنا ﵀ لم يقل هذا الذي زعمه هذا المعترض، بل هو من جهله وإفكه (١) وضلاله وبهته، والنزاع إنما هو في (٢) شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، ولم يمتنع أحد ممن (٣) التزم الإسلام في زمن الشيخ محمد ﵀ عن شيء من شعائر الإسلام وأركانه، حتى يقال: إنه لم يقبل منه (٤) الدخول في الإسلام.
فهو ﵀ وإن قاتل على ترك أحد المباني فلم يقل: لا نقبل الإسلام ابتداءً إلاَّ بها؛ ولكن هذا البهت لا يستغرب مع جهالة هذا الرجل، وعدم شعوره بشيء من الحقائق الدينية.
وأما قول المعترض: (وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين في قتال مانع (٥) الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع؛ بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق) .
فيقال لهذا الغبي الجاهل: ما وقع من عمر ﵁ من التوقف في قتال مانعي الزكاة واستدلاله بالحديث على ترك القتال لا يدل (٦) على أنه يرى إسلام تارك الزكاة، وقد ثبت عنه أنه صرح بتكفير تارك الحج ولم يقتله، فمسألة القتال لا تستلزم تكفيرًا، والتكفير لا يستلزم
_________
(١) في (ق) و(م): "جمله إفكه".
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "من".
(٤) في (ح): "من".
(٥) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "مانعي".
(٦) في (ق) و(م): "يرى".
القتال (١) هذا باعتبار (٢) أصل الخلاف، وقد سلَّم الفاروق للصدِّيق والتزم ما ذهب إليه الصديق من وجوب القتال، وصارت المسألة إجماعية، وإذا أجمعوا على القتال فما المانع من التكفير؟ وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في تكفير مانع (٣) الزكاة، وأن الصحابة لم يفرقوا في التكفير والقتال بين من جحد الوجوب، وبين من منعها ولم يؤدها، مع اعترافه بالوجوب.
وقال أبو العباس ﵀ أيضًا في الكلام على كفر مانع الزكاة (٤) (والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة؛ بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عَنَاقًا (٥) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
وقد روي أن طوائف كانوا يقرون (٦) بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصدِّيق عندهم (٧) أن ثبَّته الله
_________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "مطلقا".
(٢) في (ق): "عبارة".
(٣) في (ق) و(م) و(المطبوعة): "مانعي".
(٤) في (ق) و(م): "مانعي".
(٥) في (ق): "عقال بعير".
(٦) في (ق) و(م): "مقرين".
(٧) ساقطة من (ق) و(م) .
عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم) . انتهى.
وأما قوله: (ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربع (١) في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع (٢) الزكاة إلاَّ لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق) .
فيقال: من عَرَف جهل هذا الرجل (٣) وعدم أمانته فيما ينقله ويحكيه عن الآحاد فضلًا عن الاتفاق والإجماع لم يلتفت إلى قوله، ولم يصغ له ولا يعتد به إلاَّ جاهل لا يدري ما الناس فيه، وهذه العبارة كذب بحت لم يتفقوا ولم يجمعوا؛ بل اتفقوا على خلافها، وأنَّ أئمة الإسلام يجب عليهم قتال مانع الزكاة حتى يؤديها، وعليهم في ذلك أن يفعلوا (٤) بالمشروع، وهذا مجمع عليه، وقد حكى الإجماع عليه ابن حزم وابن هبيرة في كتابيهما في الإجماع، ومذهب الحنابلة الذي ينتسب إليه هذا المعترض: صريح في وجوب القتال على ذلك، كما يعلمه من وقف على كلامهم، فدعوى هذا الرجل كاذبة خاطئة مع ما في هذه العبارة (٥) من اللحن.
فإن المذاهب والاتفاق عليها يعزى (٦) إلى الرجال والقائلين بها
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة): "الأربعة".
(٢) في (ق) و(م): "مانعي".
(٣) في (ق) و(م): "المعترض".
(٤) في (المطبوعة): "يعملوا".
(٥) في (م): "فيها".
(٦) في (ح): "يغرى".
لا إلى الكتب، وباب العدد من الثلاثة (١) إلى العشرة تلزم (٢) مذكرة التاء، وقد حذفها هذا الغبي الذي يترشح (٣) لمعرفة العربية.
وقوله: (فنصّوا على تحريم قبضه لها فضلًا عن أن يقاتل عليها) .
تقدَّم جوابه (٤)
_________
(١) في (م): "ثلاثة".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "الثلاثة".
(٣) في (ق): "يرشح".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "وأما قوله: وبهذا يتبين قول أهل السنَّة أن أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلاَّ أدنى أدنى أدنى مثقال حبة حبة خردل.
فيقال: أولًا: حرفت العبارة وأفسدتها بقولك: (أدنى أدنى أدنى مثقال) فإن المثقال معيار معلوم متساوٍ متماثل وإنما يقال: أدنى منه. إذا أريد ما دونه.
وليس من الحديث هذا التركيب الفاسد، وإنما هو من جناية هذا المعترض، وحديث أنس الذي أشار إليه لفظه ليس هكذا. فانظر إلى ما في هذه الكلمات اليسيرة من التبديل لدين الله والكذب في حكاية مذاهب أهل العلم، واللحن المنافي لمعرفة العربية، والتحريف للأحاديث النبوية، فإن الوقوف على هذا كاف في رد أقواله وإبطال جهله وضلاله فإن الحمد لله الذي من علينا بمعرفة أعدائه والمناضلة عن دينه وشرعه وعن حزبه وأوليائه".
Translation
فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك
#99
Chapter 99 — فصل في الشفاعة وأنها لمن كان من أهل التوحيد
· ref. #99
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في الشفاعة وأنها لمن كان من أهل التوحيد]
فصل قال المعترض: (وروى الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن ابن عمر وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (١) " «خُيِّرت بين الشفاعة لأمتي وبين أن يدخل شطر أمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين (٢) الخطائين» " (٣) وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ أعطى الشفاعة لقوله: " خيرت فاخترت " وعنه ﷺ أنه قال: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» "، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أنس (٤) والجواب أن يقال: ساق هذا المعترض ما ساقه من أحاديث الشفاعة، ومراده أن النبي ﷺ يدعا ويرجى، وتطلب منه الشفاعة (٥) بعد
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) أخرجه أحمد (٢ / ٧٥)، وابن ماجه (٤٣١١) . قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤ / ٢٤٢): "وإسناده جيد".
(٤) أخرجه أحمد (٣ / ٢١٣)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥، ٢٤٣٦)، وابن ماجه (٤٣١٠)، والحاكم (١ / ٦٩) .
(٥) في (ق) زيادة: "ومراده".
موته ﷺ، ويريد أن من منع ذلك فقد أخطأ وضلَّل الأمة، وخطأهم بغير حق، هذا مراده، فسبحان من طبع على قلبه حتى انعكس عليه الأمر، وصار يفهم من النصوص والألفاظ النبوية خلاف ما دلت عليه، فإن من دعا غير الله وأشرك به، وتعلق على الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم منتهى طلبه وغاية قصده، أو سوى بينهم وبين الله في خالص حقِّه ليس داخلًا في الحديث، وليس مرادًا به؛ لأن لفظ الأمة في مقام المدح والوعد لا يدخل فيهم أهل الشرك بالله الذين سووا (١) بينه وبين غيره، وعدلوا بربهم، وأنابوا إلى سواه، واعتمدوا على غيره، كحال عبَّاد القبور الذين هم محل النزاع بيننا وبين هؤلاء الضُّلاَّل، وكونه ﷺ اختار الشفاعة أو أعطى الشفاعة لا يدلُّ على أنه يقصد لها ويدعى لها (٢) بعد موته، فإنَّ أصل الشرك هو دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وفَرْقٌ بين حال الحياة وحال (٣) الممات.
يوضِّح هذا: أنَّ أعلم الخلق به وبدينه وهديه ﷺ لم يطلب أحد، منهم بعد موت النبي (٤) ﷺ منه شيئًا لا شفاعة ولا غيرها، بل نهوا عن استقبال القبر حال الدعاء، فكيف بدعائه ﷺ؟ ومنعوا المسلم أن يصلي إلى القبر خشية الفتنة، فأحاطوا قبره الشريف بجدار مثلث لئلا يصل أحد إليه، وسيرتهم في قبور أصحابه وصالحي أمته كذلك ينهون عن الدعاء عندها والصلاة وعن قصدها لشيء من ذلك، وعن رفعها واعتياد المجيء
_________
(١) في (ق) و(م): "الذي سوَّى".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في بقية النسخ: "موته ﷺ".
إليها بحيث تكون كالعيد الذي يعتاد في وقت معين هذه سيرتهم.
وعُبَّاد القبور ومن نصرهم وحمل لواءهم- كهذا المعترض الضال (١) يحرف أحاديث رسول الله ﷺ، ويلحد (٢) في معانيها، ويقودها إلى مذهب أهل الشرك والضُّلاَّل، وقد صانها الله عن أن تدل على دعاء غيره (٣) وعبادة سواه، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.
والشفاعة قد صحت أحاديثها وتواترت، ولكنها لا تدل بحمد الله على ما ذهب إليه الغالون المخالفون المبدلون لدين الله، الداعون للأموات والغائبين، السالكون سبيل سلفهم من الجاهلية المشركين من الكتابيين والأميين، فإنهم تعلَّقوا على أندادهم ودعوهم مع الله لأجل الجاه والشفاعة، وأنهم (٤) قد أعطوا الشفاعة. كما حكى الله عنهم ذلك (٥) بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] .
ولهذا نطق القرآن بإبطال هذه الشفاعة التي ظنها المشركون وتعلقوا بها.
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح) زيادة: "وأمثاله".
(٢) في (م): "ويلحق".
(٣) في (م): "غير الله".
(٤) في (ق): "ولأنهم".
(٥) في بقية النسخ: "ذلك عنهم".
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] الآية [الزمر / ٤٤،٤٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] .
وأصح الأقوال في هذه الآية: أنَّ الاستثناء يرجع إلى المشفوع فيهم، وأن الشفاعة لا تكون إلاَّ لمن كان من أهل التوحيد، ومن معه أصل الإيمان المنافي للشرك (١) ودعاء غير الله، ويُستدل على هذا بحديث أبي هريرة ﵁: قال: " «قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه») (٢) فدعاء الله وحده وإسلام الوجه (٣) له، هو السبب الأعظم في نيل الشفاعة وحصولها، ولو كان المشفوع فيه متلوِّثًا بالذنوب والخطايا، فإنَّ حسنة التوحيد لا يقاومها ما دون الشرك من السيِّئات، وسيِّئة (٤) الشرك لا يبقى [معها] (٥) شيء من الحسنات.
وأمَّا قوله: (وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ قد أعطي الشفاعة (٦)
_________
(١) في (ق): "للشركاء".
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٥)، هامش ٥.
(٣) في (ق): "الوجوه".
(٤) في (المطبوعة): "ونجس".
(٥) ما بين المعقوفتين من (م) و(ح)، وفي (الأصل)، و(ق) و(المطبوعة): "معه".
(٦) في (م) و(ق) زيادة: "فإن كان مراد هذا المعترض أنه قد أعطى الشفاعة".
وملكها كما يملك سائر الخلق ما أعطوا من النعم الدنيوية والأملاك الآدمية.) .
فهذا من أعظم الجهل وأقبحه، فإنَّ معنى الإعطاء ليس كما يظنه هؤلاء الضُّلاَّل، بل معناه: أنَّ الله ﷾ (١) يأذن له في الشفاعة؛ ويعين له من يشفع فيهم؛ ويحد له حدًّا معينًا، هذا ما دلَّت عليه الأحاديث، وهذا مما يدل المؤمن على كمال ربوبية فاطر السماوات والأرض، وأن ما توهَّمه المشركون من الشفاعة لا وجود له، ولا يعلم سبحانه له وجودًا أصلًا، وما لا يعلم تعالى وجوده فهو منتفٍ مستحيل الوجود، وجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (٢) وملك الأرحام وأمثالهم من أكابر رسل الله وأوليائه قد أعطوا ما أعطوا من الأمور المهمَّة والتدابير العظيمة، أفيقال: إنَّ الله ملَّكهم فنسألهم ما ملَّكهم الله، كما هو لازم قول هذا الضال وإخوانه من المشركين؟ وهذا عين الشرك بالله والكفر برسله، وردّ ما جاءوا به من توحيده وعبادته.
والمعترض وإخوانه من أبعد الخلق عن معرفة الله، ومعرفة دينه، وما جاءت به رسله، ولذلك سرى إليهم الشرك وزيَّنه الشيطان، لخلو أذهانهم (٣) من معرفة دين الله وشرعه.
أتاني هواها (٤) قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "هو الذي".
(٢) في (المطبوعة): "ملك الموت"، وليس يصح خبر في تسمية (ملك الموت) باسم (عزرائيل) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "وخراب قلوبهم".
(٤) في (ق) و(م): "هواهما"، وهو خطأ.
فصل قال المعترض: (وروى الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن ابن عمر وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (١) " «خُيِّرت بين الشفاعة لأمتي وبين أن يدخل شطر أمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين (٢) الخطائين» " (٣) وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ أعطى الشفاعة لقوله: " خيرت فاخترت " وعنه ﷺ أنه قال: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» "، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أنس (٤) والجواب أن يقال: ساق هذا المعترض ما ساقه من أحاديث الشفاعة، ومراده أن النبي ﷺ يدعا ويرجى، وتطلب منه الشفاعة (٥) بعد
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) أخرجه أحمد (٢ / ٧٥)، وابن ماجه (٤٣١١) . قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤ / ٢٤٢): "وإسناده جيد".
(٤) أخرجه أحمد (٣ / ٢١٣)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥، ٢٤٣٦)، وابن ماجه (٤٣١٠)، والحاكم (١ / ٦٩) .
(٥) في (ق) زيادة: "ومراده".
موته ﷺ، ويريد أن من منع ذلك فقد أخطأ وضلَّل الأمة، وخطأهم بغير حق، هذا مراده، فسبحان من طبع على قلبه حتى انعكس عليه الأمر، وصار يفهم من النصوص والألفاظ النبوية خلاف ما دلت عليه، فإن من دعا غير الله وأشرك به، وتعلق على الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم منتهى طلبه وغاية قصده، أو سوى بينهم وبين الله في خالص حقِّه ليس داخلًا في الحديث، وليس مرادًا به؛ لأن لفظ الأمة في مقام المدح والوعد لا يدخل فيهم أهل الشرك بالله الذين سووا (١) بينه وبين غيره، وعدلوا بربهم، وأنابوا إلى سواه، واعتمدوا على غيره، كحال عبَّاد القبور الذين هم محل النزاع بيننا وبين هؤلاء الضُّلاَّل، وكونه ﷺ اختار الشفاعة أو أعطى الشفاعة لا يدلُّ على أنه يقصد لها ويدعى لها (٢) بعد موته، فإنَّ أصل الشرك هو دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وفَرْقٌ بين حال الحياة وحال (٣) الممات.
يوضِّح هذا: أنَّ أعلم الخلق به وبدينه وهديه ﷺ لم يطلب أحد، منهم بعد موت النبي (٤) ﷺ منه شيئًا لا شفاعة ولا غيرها، بل نهوا عن استقبال القبر حال الدعاء، فكيف بدعائه ﷺ؟ ومنعوا المسلم أن يصلي إلى القبر خشية الفتنة، فأحاطوا قبره الشريف بجدار مثلث لئلا يصل أحد إليه، وسيرتهم في قبور أصحابه وصالحي أمته كذلك ينهون عن الدعاء عندها والصلاة وعن قصدها لشيء من ذلك، وعن رفعها واعتياد المجيء
_________
(١) في (ق) و(م): "الذي سوَّى".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في بقية النسخ: "موته ﷺ".
إليها بحيث تكون كالعيد الذي يعتاد في وقت معين هذه سيرتهم.
وعُبَّاد القبور ومن نصرهم وحمل لواءهم- كهذا المعترض الضال (١) يحرف أحاديث رسول الله ﷺ، ويلحد (٢) في معانيها، ويقودها إلى مذهب أهل الشرك والضُّلاَّل، وقد صانها الله عن أن تدل على دعاء غيره (٣) وعبادة سواه، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.
والشفاعة قد صحت أحاديثها وتواترت، ولكنها لا تدل بحمد الله على ما ذهب إليه الغالون المخالفون المبدلون لدين الله، الداعون للأموات والغائبين، السالكون سبيل سلفهم من الجاهلية المشركين من الكتابيين والأميين، فإنهم تعلَّقوا على أندادهم ودعوهم مع الله لأجل الجاه والشفاعة، وأنهم (٤) قد أعطوا الشفاعة. كما حكى الله عنهم ذلك (٥) بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] .
ولهذا نطق القرآن بإبطال هذه الشفاعة التي ظنها المشركون وتعلقوا بها.
_________
(١) في (ق) و(م) و(ح) زيادة: "وأمثاله".
(٢) في (م): "ويلحق".
(٣) في (م): "غير الله".
(٤) في (ق): "ولأنهم".
(٥) في بقية النسخ: "ذلك عنهم".
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] الآية [الزمر / ٤٤،٤٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] .
وأصح الأقوال في هذه الآية: أنَّ الاستثناء يرجع إلى المشفوع فيهم، وأن الشفاعة لا تكون إلاَّ لمن كان من أهل التوحيد، ومن معه أصل الإيمان المنافي للشرك (١) ودعاء غير الله، ويُستدل على هذا بحديث أبي هريرة ﵁: قال: " «قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه») (٢) فدعاء الله وحده وإسلام الوجه (٣) له، هو السبب الأعظم في نيل الشفاعة وحصولها، ولو كان المشفوع فيه متلوِّثًا بالذنوب والخطايا، فإنَّ حسنة التوحيد لا يقاومها ما دون الشرك من السيِّئات، وسيِّئة (٤) الشرك لا يبقى [معها] (٥) شيء من الحسنات.
وأمَّا قوله: (وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ قد أعطي الشفاعة (٦)
_________
(١) في (ق): "للشركاء".
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص (٣٢٥)، هامش ٥.
(٣) في (ق): "الوجوه".
(٤) في (المطبوعة): "ونجس".
(٥) ما بين المعقوفتين من (م) و(ح)، وفي (الأصل)، و(ق) و(المطبوعة): "معه".
(٦) في (م) و(ق) زيادة: "فإن كان مراد هذا المعترض أنه قد أعطى الشفاعة".
وملكها كما يملك سائر الخلق ما أعطوا من النعم الدنيوية والأملاك الآدمية.) .
فهذا من أعظم الجهل وأقبحه، فإنَّ معنى الإعطاء ليس كما يظنه هؤلاء الضُّلاَّل، بل معناه: أنَّ الله ﷾ (١) يأذن له في الشفاعة؛ ويعين له من يشفع فيهم؛ ويحد له حدًّا معينًا، هذا ما دلَّت عليه الأحاديث، وهذا مما يدل المؤمن على كمال ربوبية فاطر السماوات والأرض، وأن ما توهَّمه المشركون من الشفاعة لا وجود له، ولا يعلم سبحانه له وجودًا أصلًا، وما لا يعلم تعالى وجوده فهو منتفٍ مستحيل الوجود، وجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (٢) وملك الأرحام وأمثالهم من أكابر رسل الله وأوليائه قد أعطوا ما أعطوا من الأمور المهمَّة والتدابير العظيمة، أفيقال: إنَّ الله ملَّكهم فنسألهم ما ملَّكهم الله، كما هو لازم قول هذا الضال وإخوانه من المشركين؟ وهذا عين الشرك بالله والكفر برسله، وردّ ما جاءوا به من توحيده وعبادته.
والمعترض وإخوانه من أبعد الخلق عن معرفة الله، ومعرفة دينه، وما جاءت به رسله، ولذلك سرى إليهم الشرك وزيَّنه الشيطان، لخلو أذهانهم (٣) من معرفة دين الله وشرعه.
أتاني هواها (٤) قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
_________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "هو الذي".
(٢) في (المطبوعة): "ملك الموت"، وليس يصح خبر في تسمية (ملك الموت) باسم (عزرائيل) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "وخراب قلوبهم".
(٤) في (ق) و(م): "هواهما"، وهو خطأ.
Translation
فصل في الشفاعة وأنها لمن كان من أهل التوحيد
#100
Chapter 100 — فصل في رد المعترض فيما حده للشفاعة من حد
· ref. #100
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد المعترض فيما حده للشفاعة من حد]
فصل قال المعترض في حدّ أنواع الشفاعة قال: (حتى تنال (١) أهل المعروف عليه والحماية من الكفار، الذين استحقوا الخلود في النار على التأبيد، بالتخفيف عنهم من العذاب ﷺ (٢) وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه على الاغترار (٣) وحماية الأمة وعلمائهم (٤) عما يقول هذا الرجل وينتحله فيها (٥) من تكفيرها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) .
وجوابه أن يقال:
قوله: (حتى تنال (٦) أهل المعروف عليه والحماية) . عبارةً جاهلية عامية صدرت عن أحمق لا يدري شيئا من حقوق المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام.
وما ذكره (٧) من التخفيف إنَّما ثبت في حق أبي طالب؛ لأنه كان
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): "تناول".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "الافتراء".
(٤) في (المطبوعة): "وعلمائها".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "تناول".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "ذكر".
يحوطه ويحميه ﷺ (١) ولكن لا ينبغي أن يقال: له معروف عليه. ومما فعل (٢) معه ﷺ من إيمان به وتصديق له أو حياطة ونصرة، فالمن (٣) فيه لله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] [الحجرات / ١٧] .
وكذلك من نصره (٤) ﷺ ولم يؤمن به كأبي طالب، فانَّ الله تعالى لا يضيع عمل عامل، ولو بمجازاته في الدنيا، فالمعروف حينئذٍ والمن (٥) لله ورسوله، خلافًا لما قاله هذا الغبي الجاهل بحق الله وحق رسله.
وأمَّا قوله: (وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه عن الاغترار وحماية الأمة وعلمائها) إلى آخر ما قال.
فيقال في جوابه: قصد التنبيه لا يمنع خطأ من أتى به وادَّعاه، فقد يقصد التنبيه عن الاغترار أكفر الخلق وأضلهم، كفرعون الذي قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] (٦) [غافر / ٢٦] .
_________
(١) في (المطبوعة): "يحوط النبي ﷺ ويحميه من أذى المشركين".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "المسلمون".
(٣) في (المطبوعة): "فالمنة".
(٤) في (المطبوعة): "نصر النبي ".
(٥) في (المطبوعة): "فالمنة".
(٦) في بقية النسخ زيادة: "وقال الرب سبحانه عنه أنه قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر / ٢٩] .
وقال تعالى عن أهل مسجد الضرار: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] [التوبة / ١٠٧] .
وأمَّا قوله: (وحماية الأمة وعلمائها من تكفيرها بغير علم) .
فقد تقدَّم لك أنه حمى (١) عُبَّاد القبور الداعين للأموات والغائبين، الذين يعدلون بربهم؛ ويسوون بينه وبين غيره، ويشبِّهون الأنداد والمخلوقين بالله ربِّ العالمين وهم في اصطلاح هذا الرجل علماء الأمة وخيارها، كما أنَّ الرافضة يرون أن من كفَّرهم ومقتهم وعاب دينهم، فقد عاب خيار الأمة، وطعن على أهل البيت، وتبرَّأ منهم، ويسمون (٢) أهل السنَّة الناصبة.
وهذا المعترض من هذا الضرب من الناس، ما عرف الأمة، ولا عرف العلم والعلماء؛ بل هو في ضلالة عمياء؛ وجهالة صمَّاء، لم (٣) يستفد من نور الوحي ما يستضيء به في حنادس الظلمات، عياذًا بالله من هذه الجهالات والضلالات، والأمة في عرفه: كل من دعا الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم واسطة بينه وبين ربِّ العالمين، لحاجاته الدنيويَّة والأخرويَّة.
_________
(١) في (ق): "حمل".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "خيار الأمة".
(٣) ساقطة من (ق) .
فصل قال المعترض في حدّ أنواع الشفاعة قال: (حتى تنال (١) أهل المعروف عليه والحماية من الكفار، الذين استحقوا الخلود في النار على التأبيد، بالتخفيف عنهم من العذاب ﷺ (٢) وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه على الاغترار (٣) وحماية الأمة وعلمائهم (٤) عما يقول هذا الرجل وينتحله فيها (٥) من تكفيرها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) .
وجوابه أن يقال:
قوله: (حتى تنال (٦) أهل المعروف عليه والحماية) . عبارةً جاهلية عامية صدرت عن أحمق لا يدري شيئا من حقوق المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام.
وما ذكره (٧) من التخفيف إنَّما ثبت في حق أبي طالب؛ لأنه كان
_________
(١) في (ح) و(المطبوعة): "تناول".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "الافتراء".
(٤) في (المطبوعة): "وعلمائها".
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "تناول".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "ذكر".
يحوطه ويحميه ﷺ (١) ولكن لا ينبغي أن يقال: له معروف عليه. ومما فعل (٢) معه ﷺ من إيمان به وتصديق له أو حياطة ونصرة، فالمن (٣) فيه لله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] [الحجرات / ١٧] .
وكذلك من نصره (٤) ﷺ ولم يؤمن به كأبي طالب، فانَّ الله تعالى لا يضيع عمل عامل، ولو بمجازاته في الدنيا، فالمعروف حينئذٍ والمن (٥) لله ورسوله، خلافًا لما قاله هذا الغبي الجاهل بحق الله وحق رسله.
وأمَّا قوله: (وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه عن الاغترار وحماية الأمة وعلمائها) إلى آخر ما قال.
فيقال في جوابه: قصد التنبيه لا يمنع خطأ من أتى به وادَّعاه، فقد يقصد التنبيه عن الاغترار أكفر الخلق وأضلهم، كفرعون الذي قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] (٦) [غافر / ٢٦] .
_________
(١) في (المطبوعة): "يحوط النبي ﷺ ويحميه من أذى المشركين".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "المسلمون".
(٣) في (المطبوعة): "فالمنة".
(٤) في (المطبوعة): "نصر النبي ".
(٥) في (المطبوعة): "فالمنة".
(٦) في بقية النسخ زيادة: "وقال الرب سبحانه عنه أنه قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر / ٢٩] .
وقال تعالى عن أهل مسجد الضرار: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] [التوبة / ١٠٧] .
وأمَّا قوله: (وحماية الأمة وعلمائها من تكفيرها بغير علم) .
فقد تقدَّم لك أنه حمى (١) عُبَّاد القبور الداعين للأموات والغائبين، الذين يعدلون بربهم؛ ويسوون بينه وبين غيره، ويشبِّهون الأنداد والمخلوقين بالله ربِّ العالمين وهم في اصطلاح هذا الرجل علماء الأمة وخيارها، كما أنَّ الرافضة يرون أن من كفَّرهم ومقتهم وعاب دينهم، فقد عاب خيار الأمة، وطعن على أهل البيت، وتبرَّأ منهم، ويسمون (٢) أهل السنَّة الناصبة.
وهذا المعترض من هذا الضرب من الناس، ما عرف الأمة، ولا عرف العلم والعلماء؛ بل هو في ضلالة عمياء؛ وجهالة صمَّاء، لم (٣) يستفد من نور الوحي ما يستضيء به في حنادس الظلمات، عياذًا بالله من هذه الجهالات والضلالات، والأمة في عرفه: كل من دعا الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم واسطة بينه وبين ربِّ العالمين، لحاجاته الدنيويَّة والأخرويَّة.
_________
(١) في (ق): "حمل".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "خيار الأمة".
(٣) ساقطة من (ق) .
Translation
فصل في رد المعترض فيما حده للشفاعة من حد