Back to the aqeedah library
108 chapters in total
Aqeedah
Islamic creed
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.
Author: Cabd Latif Al Shaykh (عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ
108
Total sections
108 chapters
#101
Chapter 101 — فصل في مناقشة ورد دعوى المعترض أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم واختار الكفر
· ref. #101
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في مناقشة ورد دعوى المعترض أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم واختار الكفر]
فصل قال المعترض: (وقد قال القرطبي المالكي (١) ﵀: "ليس قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] [الحجرات / ٢] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلاَّ باختياره الإيمان كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد للكفر ولا يختاره بالإجماع". انتهى كلامه.
وهذا معنى ما ذكره مُغْلطاي في كتاب الإيمان من شرح البخاري؛ ولهذا عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: "وكل مسلم ارتدَّ وهو مكلَّف مختار".
وذكر العلماء من أصحابنا في باب إخراج الزكاة في "زاد المسافر" وشرحه للشيخ منصور: "فإن منعها؛ أي: الزكاة، جحدًا لوجوبها. كفر عارف بالحكم، وكذا جاهل عرف فعلم وأصر". انتهى.
وقد ذكر لي من يُسْتَرشد عمن يدعى من أعيان هؤلاء القوم ممن أتحاشى عن تسميته: أنه خطَّأ الشيخ منصور وصاحب المتن الذي أصله مقنع موفق الدين بن قدامة العمري العدوى القرشي من شجرة مباركة؛ بل هو حامل لواء المذهب، فالحكم لله العليّ الكبير.
_________
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (١٦ / ٣٠٨) .
فالجواب أن يقال: كلما أبدى هذا المعترض حجة من جهلياته وضلالاته، أنسانا ما قبلها من خزعبلاته وخرافاته.
وحاصل دعواه في هذا الفصل: أنه لا يَكْفُر إلاَّ من عرف وعلم، واختار الكفر على الإيمان، ومن دعا الأموات والغائبين وجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته لا يكفر بذلك؛ لأنه لا يعلم أنه كفر ولا يختار الكفر.
فيقال لهذا: قد رجعت عن قولك الأول، فإنك جعلتهم خير أمة أُخرجت للناس ومن أهل العلم والدين، وأن الرسول قد أعطى الشفاعة، وأن من سأله - كالبوصيري - مثاب مصيب، وأن عُبَّاد القبور هم أهل لا إله إلاَّ الله، وأنها تنفعهم وتعصم دماءهم وأموالهم، وإن عبدوا (١) القبور، فكيف ترجع هنا وتحتج بأنهم لا يعلمون؟ .
ثم هو احتجاج فاسد في نفسه، ما عرف مورده (٢) معناه، وما أريد منه، فإن المقصود أن يعلم مراد المعلم والمنبِّه والمرشد، ويعرف ذلك، وليس المقصود أن يتبين له الصواب في نفس الأمر، فإن كثيرًا من أهل النار ما عرفوا (٣) الحق في الدنيا ولا تبين لهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٤،١٠٣] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]
_________
(١) في (ح) "عبد".
(٢) في (ق): "مورد".
(٣) في (ح): "عرف".
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] [الزخرف / ٣٦، ٣٧] .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] .
وقال: وَكَذَلِكَ (١) ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية (٢) [الأنعام / ١٠٨] .
وغير ذلك من الآيات الدالة على أنهم لم يعرفوا الكفر ولم يتصوروه؛ والذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] [البقرة / ١١١]، لم يعرفوا كفرهم وضلالهم.
وأما كلام القرطبي: فهو في رفع الصوت عند رسول الله ﷺ، فهو وأمثاله من السيِّئات التي تحبط الأعمال وصاحبها لا يشعر، وأما من أتى بمكفر (٣) وقامت الحجة عليه، فلا شك في كفره، وترك الانقياد للحجة والدليل وداعي الحق يقتضي إيثار الكفر واختياره وقصده، لا أنه (٤) لا يكون مختارًا قاصدًا إلاَّ إذا علم أنه كفر، وارتكبه مع العلم بأنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارة القرطبي ولا تدلّ عليه، ولو دلَّت (٥) عليه فلا حجة (٦) فيها، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أنَّ من قامت عليه الحجَّة حكم عليه بمقتضاها من كفر أو فسق، وفي الحديث: " «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقى لها بالًا لا يظن أن تبلغ
_________
(١) في (الأصل) و(ق) و(المطبوعة): "كذلك".
(٢) ساقطة من بقية النسخ.
(٣) في (ق): "بمكر".
(٤) في (ق) و(ح): "لأنه".
(٥) "ولو دلَّت" ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "حاجة".
ما بلغت، يكتب الله له بها (رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يلقى لها بالًا ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها) (١) سخطه إلى يوم يلقاه» " (٢) وحديث الذين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء" (٣) نزل فيهم قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] [التوبة / ٦٦] .
والحجة ليست في كلام القرطبي وإجماع المسلمين، وإنَّما يحتج بالكتاب والسنَّة والِإجماع.
ثم (٤) القرطبي قد قال في شرح أسماء الله الحسنى ما لا يستجيزه من عَقَل عن الله وعن رسوله، وعرف ما كان عليه سلف الأمة في ذلك الباب، ولا يَبْعُد أن المعترض حرَّف عبارة القرطبي على عادته في التحريف، وكذلك ما ذكره المعترض عن مُغُلْطاي هو من هذا الباب؛ إن صحَّ نقله.
ثمَّ ما معنى العدول عن كلام الله وكلام رسوله، مع أن هذه المسألة في الكتاب والسنَّة وكلام الأئمة أشهر من أن تذكر، فأي حجة والحالة هذه في كلام آحاد الناس، مع أنه عليه لا له؟ وآفته الفهم السقيم.
وقوله: (عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: وكل مسلم ارتدَّ، وهو مكلَّف، مختار) .
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) أخرجه أحمد (٣ / ٤٦٩)، والترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (٨٨٨) .
(٣) انظر: تفسير الآية ٦٦ من سورة التوبة في تفسير ابن كثير (٢ / ٣٥١) .
(٤) في (ق) زيادة: "قال".
فمرادهم: أنَّ أفعاله تقع عن (١) اختيار وقصد، لا أنه يختار أن يكفر مع العلم بأن ما فعله كفر، هذا سوء فهم وعدم فقه.
وأمَّا من فعل مكفرًا وهو غير مكلف ولا مختار، كالصغير والمجنون ونحوهما، أو لم تبلغه الحجة الرسالية، فهذا لا يحكم عليه بالردَّة.
ثم لو سلم (٢) له هذا الزعم تسليمًا جدليًّا، فشيخنا لا يُكَفِّر إلاَّ بعد التعريف بالحكم الشرعي وقيام الحجة، فكلام المعترض ساقط، هالك (٣) على كل تقدير.
وعبارة "زاد المسافر"، هي من هذا الباب: (إذا جحد الوجوب عارف بالحكم، أي حكم الوجوب. يكفر بذلك؛ وكذا (٤) الجاهل) يعني بوجوبها إذا بلغه الوجوب وأصرَّ بعده، وليس المقصود أن يعرف أنه كفر، ولم يقصد الشيخ (٥) منصور: أن من جحد الوجوب للزكاة أو غيرها من الأركان لا يكفر إلاَّ إذا عَرَف أنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارته؛ بل المقصود أن يعرف الوجوب.
وأمَّا ما نقله عن بعض الأعيان أنه خطَّأ الشيخ منصور، وصاحب المتن.
فيقال: قد تقدَّم بيان كذب المعترض في النقل، وقرَّرنا أنه من أهل
_________
(١) في (ح): "على ".
(٢) في (ح): "يسلم".
(٣) في (ق): "لك".
(٤) في بقية النسخ: "وكذلك".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
الوضع والافتراء، فنُقُولُه (١) موقوفة حتى يأتي بشاهدي عدل يشهدان له.
ثم لو خَطَّأ منصورًا (٢) أو غيره ممن لم تثبت له العصمة، وهو متأوِّل في ذلك قاصد للحق، ماذا يعاب عليه؟ .
ولعلَّ التخطئة وقعت في مفهوم هذا المعترض وأمثاله من الضُّلاَّل الذين يقولون: (لا بدَّ أن يعلم أنَّ ما فعله كفر وردَّة)، وهذا لم يقصده منصور، ولو قصده لتوجه منعه.
وأما استعظامه الخطأ على منصور (٣) البهوتي وصاحب "المقنع".
فهذا من جهله، فإن الفضل لا يقتضي العصمة ولا يوجبها، قد يقع الخطأ من الفاضل، كما يقع من المفضول، وقد قال مالك بن أنس ﵀: "ما منا إلاَّ راد ومردود عليه، إلاِّ صاحب هذا القبر"، يعني رسول الله ﷺ، وما زال العلماء ينتقد بعضهم على بعض؛ وينكرون الخطأ على قائله كائنًا من كان، وهذا واضح بحمد الله.
ولازم هذا القول عيب أهل العلم برد ما خالف الدليل من أقوال أهل الفضل والعلم، ففي الحقيقة هذا المعترض هو الذي طعن على أهل العلم من عهد النبوَّة إلى عصرنا هذا، ولكنه لا يشعر ولا يدري ما تضمنه كلامه الغث.
_________
(١) في (ق): "فنقول له ".
(٢) في (ح): "أخطأ منصور".
(٣) في (ق) و(م): "الإنكار على منصور" وفي (المطبوعة): "الخطأ على الشيخ منصور".
فصل قال المعترض: (وقد قال القرطبي المالكي (١) ﵀: "ليس قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] [الحجرات / ٢] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلاَّ باختياره الإيمان كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد للكفر ولا يختاره بالإجماع". انتهى كلامه.
وهذا معنى ما ذكره مُغْلطاي في كتاب الإيمان من شرح البخاري؛ ولهذا عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: "وكل مسلم ارتدَّ وهو مكلَّف مختار".
وذكر العلماء من أصحابنا في باب إخراج الزكاة في "زاد المسافر" وشرحه للشيخ منصور: "فإن منعها؛ أي: الزكاة، جحدًا لوجوبها. كفر عارف بالحكم، وكذا جاهل عرف فعلم وأصر". انتهى.
وقد ذكر لي من يُسْتَرشد عمن يدعى من أعيان هؤلاء القوم ممن أتحاشى عن تسميته: أنه خطَّأ الشيخ منصور وصاحب المتن الذي أصله مقنع موفق الدين بن قدامة العمري العدوى القرشي من شجرة مباركة؛ بل هو حامل لواء المذهب، فالحكم لله العليّ الكبير.
_________
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (١٦ / ٣٠٨) .
فالجواب أن يقال: كلما أبدى هذا المعترض حجة من جهلياته وضلالاته، أنسانا ما قبلها من خزعبلاته وخرافاته.
وحاصل دعواه في هذا الفصل: أنه لا يَكْفُر إلاَّ من عرف وعلم، واختار الكفر على الإيمان، ومن دعا الأموات والغائبين وجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته لا يكفر بذلك؛ لأنه لا يعلم أنه كفر ولا يختار الكفر.
فيقال لهذا: قد رجعت عن قولك الأول، فإنك جعلتهم خير أمة أُخرجت للناس ومن أهل العلم والدين، وأن الرسول قد أعطى الشفاعة، وأن من سأله - كالبوصيري - مثاب مصيب، وأن عُبَّاد القبور هم أهل لا إله إلاَّ الله، وأنها تنفعهم وتعصم دماءهم وأموالهم، وإن عبدوا (١) القبور، فكيف ترجع هنا وتحتج بأنهم لا يعلمون؟ .
ثم هو احتجاج فاسد في نفسه، ما عرف مورده (٢) معناه، وما أريد منه، فإن المقصود أن يعلم مراد المعلم والمنبِّه والمرشد، ويعرف ذلك، وليس المقصود أن يتبين له الصواب في نفس الأمر، فإن كثيرًا من أهل النار ما عرفوا (٣) الحق في الدنيا ولا تبين لهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٤،١٠٣] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]
_________
(١) في (ح) "عبد".
(٢) في (ق): "مورد".
(٣) في (ح): "عرف".
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] [الزخرف / ٣٦، ٣٧] .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] .
وقال: وَكَذَلِكَ (١) ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية (٢) [الأنعام / ١٠٨] .
وغير ذلك من الآيات الدالة على أنهم لم يعرفوا الكفر ولم يتصوروه؛ والذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] [البقرة / ١١١]، لم يعرفوا كفرهم وضلالهم.
وأما كلام القرطبي: فهو في رفع الصوت عند رسول الله ﷺ، فهو وأمثاله من السيِّئات التي تحبط الأعمال وصاحبها لا يشعر، وأما من أتى بمكفر (٣) وقامت الحجة عليه، فلا شك في كفره، وترك الانقياد للحجة والدليل وداعي الحق يقتضي إيثار الكفر واختياره وقصده، لا أنه (٤) لا يكون مختارًا قاصدًا إلاَّ إذا علم أنه كفر، وارتكبه مع العلم بأنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارة القرطبي ولا تدلّ عليه، ولو دلَّت (٥) عليه فلا حجة (٦) فيها، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أنَّ من قامت عليه الحجَّة حكم عليه بمقتضاها من كفر أو فسق، وفي الحديث: " «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقى لها بالًا لا يظن أن تبلغ
_________
(١) في (الأصل) و(ق) و(المطبوعة): "كذلك".
(٢) ساقطة من بقية النسخ.
(٣) في (ق): "بمكر".
(٤) في (ق) و(ح): "لأنه".
(٥) "ولو دلَّت" ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "حاجة".
ما بلغت، يكتب الله له بها (رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يلقى لها بالًا ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها) (١) سخطه إلى يوم يلقاه» " (٢) وحديث الذين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء" (٣) نزل فيهم قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] [التوبة / ٦٦] .
والحجة ليست في كلام القرطبي وإجماع المسلمين، وإنَّما يحتج بالكتاب والسنَّة والِإجماع.
ثم (٤) القرطبي قد قال في شرح أسماء الله الحسنى ما لا يستجيزه من عَقَل عن الله وعن رسوله، وعرف ما كان عليه سلف الأمة في ذلك الباب، ولا يَبْعُد أن المعترض حرَّف عبارة القرطبي على عادته في التحريف، وكذلك ما ذكره المعترض عن مُغُلْطاي هو من هذا الباب؛ إن صحَّ نقله.
ثمَّ ما معنى العدول عن كلام الله وكلام رسوله، مع أن هذه المسألة في الكتاب والسنَّة وكلام الأئمة أشهر من أن تذكر، فأي حجة والحالة هذه في كلام آحاد الناس، مع أنه عليه لا له؟ وآفته الفهم السقيم.
وقوله: (عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: وكل مسلم ارتدَّ، وهو مكلَّف، مختار) .
_________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) أخرجه أحمد (٣ / ٤٦٩)، والترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (٨٨٨) .
(٣) انظر: تفسير الآية ٦٦ من سورة التوبة في تفسير ابن كثير (٢ / ٣٥١) .
(٤) في (ق) زيادة: "قال".
فمرادهم: أنَّ أفعاله تقع عن (١) اختيار وقصد، لا أنه يختار أن يكفر مع العلم بأن ما فعله كفر، هذا سوء فهم وعدم فقه.
وأمَّا من فعل مكفرًا وهو غير مكلف ولا مختار، كالصغير والمجنون ونحوهما، أو لم تبلغه الحجة الرسالية، فهذا لا يحكم عليه بالردَّة.
ثم لو سلم (٢) له هذا الزعم تسليمًا جدليًّا، فشيخنا لا يُكَفِّر إلاَّ بعد التعريف بالحكم الشرعي وقيام الحجة، فكلام المعترض ساقط، هالك (٣) على كل تقدير.
وعبارة "زاد المسافر"، هي من هذا الباب: (إذا جحد الوجوب عارف بالحكم، أي حكم الوجوب. يكفر بذلك؛ وكذا (٤) الجاهل) يعني بوجوبها إذا بلغه الوجوب وأصرَّ بعده، وليس المقصود أن يعرف أنه كفر، ولم يقصد الشيخ (٥) منصور: أن من جحد الوجوب للزكاة أو غيرها من الأركان لا يكفر إلاَّ إذا عَرَف أنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارته؛ بل المقصود أن يعرف الوجوب.
وأمَّا ما نقله عن بعض الأعيان أنه خطَّأ الشيخ منصور، وصاحب المتن.
فيقال: قد تقدَّم بيان كذب المعترض في النقل، وقرَّرنا أنه من أهل
_________
(١) في (ح): "على ".
(٢) في (ح): "يسلم".
(٣) في (ق): "لك".
(٤) في بقية النسخ: "وكذلك".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) و(ح) .
الوضع والافتراء، فنُقُولُه (١) موقوفة حتى يأتي بشاهدي عدل يشهدان له.
ثم لو خَطَّأ منصورًا (٢) أو غيره ممن لم تثبت له العصمة، وهو متأوِّل في ذلك قاصد للحق، ماذا يعاب عليه؟ .
ولعلَّ التخطئة وقعت في مفهوم هذا المعترض وأمثاله من الضُّلاَّل الذين يقولون: (لا بدَّ أن يعلم أنَّ ما فعله كفر وردَّة)، وهذا لم يقصده منصور، ولو قصده لتوجه منعه.
وأما استعظامه الخطأ على منصور (٣) البهوتي وصاحب "المقنع".
فهذا من جهله، فإن الفضل لا يقتضي العصمة ولا يوجبها، قد يقع الخطأ من الفاضل، كما يقع من المفضول، وقد قال مالك بن أنس ﵀: "ما منا إلاَّ راد ومردود عليه، إلاِّ صاحب هذا القبر"، يعني رسول الله ﷺ، وما زال العلماء ينتقد بعضهم على بعض؛ وينكرون الخطأ على قائله كائنًا من كان، وهذا واضح بحمد الله.
ولازم هذا القول عيب أهل العلم برد ما خالف الدليل من أقوال أهل الفضل والعلم، ففي الحقيقة هذا المعترض هو الذي طعن على أهل العلم من عهد النبوَّة إلى عصرنا هذا، ولكنه لا يشعر ولا يدري ما تضمنه كلامه الغث.
_________
(١) في (ق): "فنقول له ".
(٢) في (ح): "أخطأ منصور".
(٣) في (ق) و(م): "الإنكار على منصور" وفي (المطبوعة): "الخطأ على الشيخ منصور".
Translation
فصل في مناقشة ورد دعوى المعترض أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم واختار الكفر
#102
Chapter 102 — فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه
· ref. #102
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه]
فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل: "نعوذ بالله أن نلزم إنسانًا بلازم قول وهو يفر منه". انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥]
وقال في الآية الأخرى (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا (٢) الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ (٣) الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] [محمد / ٣٢]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] [محمد / ٢٥] وقد مر التنبيه على ذلك.
فهذا كتاب الله (٤) ينطق بالحق وكلام علماء الأمة أمة رسول الله ﷺ.
والجواب أن يقال:
هذا الكلام معناه: أنَّ الشيخ كفَّر باللازم، وهذا تناقض منه، فقد تقدم
_________
(١) في (ق) و(م) مكانها: "تعالى".
(٢) في (ح): " وشاق ".
(٣) ساقطة من (ح) .
(٤) لفظ الجلالة (اللَّه) ساقط من (ح) .
له أنَّ الشيخ كفَّر بنفس الأفعال الصادرة ممن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم ويسألهم (١) فزعمه أنه يكفِّر باللازم نقض (٢) لما تقدَّم.
ويقال: أي إنسان كفَّره الشيخ بلازم مذهبه؟ وفي أي مسألة؟ هذا لا يعرف عن الشيخ، ولا صدر منه قط في حق واحد، فإيراده عبارة ابن عقيل هنا تكثُّر بما لا يجدي، وتشبع بما ليس له، وهو كلابس ثوبي زور (٣) .
وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥]
وما بعدها من الآيات، فهو الحق الذي لا ريب فيه، والهدى الذي لا ضلال يعتريه، والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما انطوى عليه من الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى يتبين له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند أهل العلم بالتأويل أن من تبين له ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظنَّ إصابة نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، وليس المراد أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات الدالة على تكفير من زين له سوء عمله فراه حسنًا، ومن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه محسن.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] الآية [الزخرف / ٣٦] .
_________
(١) في (ح): "ويفعلهم".
(٢) في (ح): "نقص لما نقض ".
(٣) يشير إلى الحديث الشريف الصحيح: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما دلَّت عليه الآيات المحكمات.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] الآيات [سبأ / ٣١] .
وكذلك آية الحجر (١) وغيرها من الآيات الدالة على تكفير الأتباع على ما هم فيه من الكفريات والضلالات.
(وتقدم أن أكثر النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن تبين (٢) لهم أن محمدًا ﷺ جاء بخلافه؛ وأنه كفَّرهم واستباح دماءهم وأموالهم وذراريهم.
وعلى زعم هذا الرجل ليسوا بكفار؛ لأنه حصر الكفر في صنف واحد) (٣) .
وقد تقدم هذا ولكنه يكرر فنكرر الجواب، (ولولا ظهور هذه المسألة لذكرت من الآيات والأحاديث، وكلام المفسرين) (٤) وكلام الفقهاء في تقسيم الكفار إلى أقسام -ما يثلج الصدر (٥) وتقر به العين،
_________
(١) في (المطبوعة): "آيات إبراهيم".
(٢) في (ق) و(المطبوعة): "يبين".
(٣) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) .
(٤) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) .
(٥) في (م): " الصدور".
ولكن أردت الاختصار في النقل، وأرشدت الطالب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهو سهل بحمد الله تعالى.
وفي كلام شمس الدِّين ابن القيم، الذي قرره في طبقات المكلفين (١) وما ذكره في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية (٢) على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (٣) الآيتين [النور / ٣٩] .
ما يكفي المؤمن المسترشد، والله الهادي والموفق.
وبهذا تعلم أن هذا المعترض من أبعد الناس عن فهم كلام الله ورسوله وكلام أهل العلم.
_________
(١) انظر: "معارج القبول " (١ ٢١٠) وما بعدها، و(٢ ٥٢٥) وما بعدها.
(٢) انظر: "اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٤) وما بعدها.
(٣) في (م) زيادة: يحسبه الظمآن ماء.
فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل: "نعوذ بالله أن نلزم إنسانًا بلازم قول وهو يفر منه". انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥]
وقال في الآية الأخرى (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا (٢) الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ (٣) الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] [محمد / ٣٢]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] [محمد / ٢٥] وقد مر التنبيه على ذلك.
فهذا كتاب الله (٤) ينطق بالحق وكلام علماء الأمة أمة رسول الله ﷺ.
والجواب أن يقال:
هذا الكلام معناه: أنَّ الشيخ كفَّر باللازم، وهذا تناقض منه، فقد تقدم
_________
(١) في (ق) و(م) مكانها: "تعالى".
(٢) في (ح): " وشاق ".
(٣) ساقطة من (ح) .
(٤) لفظ الجلالة (اللَّه) ساقط من (ح) .
له أنَّ الشيخ كفَّر بنفس الأفعال الصادرة ممن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم ويسألهم (١) فزعمه أنه يكفِّر باللازم نقض (٢) لما تقدَّم.
ويقال: أي إنسان كفَّره الشيخ بلازم مذهبه؟ وفي أي مسألة؟ هذا لا يعرف عن الشيخ، ولا صدر منه قط في حق واحد، فإيراده عبارة ابن عقيل هنا تكثُّر بما لا يجدي، وتشبع بما ليس له، وهو كلابس ثوبي زور (٣) .
وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥]
وما بعدها من الآيات، فهو الحق الذي لا ريب فيه، والهدى الذي لا ضلال يعتريه، والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما انطوى عليه من الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى يتبين له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند أهل العلم بالتأويل أن من تبين له ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظنَّ إصابة نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، وليس المراد أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات الدالة على تكفير من زين له سوء عمله فراه حسنًا، ومن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه محسن.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] الآية [الزخرف / ٣٦] .
_________
(١) في (ح): "ويفعلهم".
(٢) في (ح): "نقص لما نقض ".
(٣) يشير إلى الحديث الشريف الصحيح: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور".
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما دلَّت عليه الآيات المحكمات.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] الآيات [سبأ / ٣١] .
وكذلك آية الحجر (١) وغيرها من الآيات الدالة على تكفير الأتباع على ما هم فيه من الكفريات والضلالات.
(وتقدم أن أكثر النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن تبين (٢) لهم أن محمدًا ﷺ جاء بخلافه؛ وأنه كفَّرهم واستباح دماءهم وأموالهم وذراريهم.
وعلى زعم هذا الرجل ليسوا بكفار؛ لأنه حصر الكفر في صنف واحد) (٣) .
وقد تقدم هذا ولكنه يكرر فنكرر الجواب، (ولولا ظهور هذه المسألة لذكرت من الآيات والأحاديث، وكلام المفسرين) (٤) وكلام الفقهاء في تقسيم الكفار إلى أقسام -ما يثلج الصدر (٥) وتقر به العين،
_________
(١) في (المطبوعة): "آيات إبراهيم".
(٢) في (ق) و(المطبوعة): "يبين".
(٣) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) .
(٤) ما بين القوسين كله ساقط من (ق) .
(٥) في (م): " الصدور".
ولكن أردت الاختصار في النقل، وأرشدت الطالب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهو سهل بحمد الله تعالى.
وفي كلام شمس الدِّين ابن القيم، الذي قرره في طبقات المكلفين (١) وما ذكره في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية (٢) على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (٣) الآيتين [النور / ٣٩] .
ما يكفي المؤمن المسترشد، والله الهادي والموفق.
وبهذا تعلم أن هذا المعترض من أبعد الناس عن فهم كلام الله ورسوله وكلام أهل العلم.
_________
(١) انظر: "معارج القبول " (١ ٢١٠) وما بعدها، و(٢ ٥٢٥) وما بعدها.
(٢) انظر: "اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٤) وما بعدها.
(٣) في (م) زيادة: يحسبه الظمآن ماء.
Translation
فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه
#103
Chapter 103 — فصل في رد دعوى المعترض التسهيل بقبول الشهادتين ممن دعا غير الله واستغاث بهم
· ref. #103
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد دعوى المعترض التسهيل بقبول الشهادتين ممن دعا غير الله واستغاث بهم]
فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل في "الفنون "، فيما نقله عنه ابن مفلح: تال معتزليّ: لا مسلم إلا من اعتقد وجود الله وصفاته على ما يليق. فقلت له: إن رسول الله ﷺ سَهَّل ما صعَّبتَ (١) فقنع من الناس بدون ذلك. «ويقول للأَمَة: "أين الله "؟ فتشير إلى السماء. فيقول: "إنها مؤمنة» " (٢) فتركهم ﷺ على أصل الإثبات- إلى أن قال: إن من (٣) مذهب المعتزلة أن من خرج عن معتقدهم فليس بؤمن، وأن هذا ينعطف على السلف الصالح بالتكفير، وإنا نتحقق أنَّ أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃ لم يكن إيمانهم على ما اعتقده أبو علي الجبائي وأبو هاشم، فخجل المعتزلي. انتهى.
ولهذا لما قال الأعرابي للنبي ﷺ: " «إنه رأى هلال رمضان " كما عند الإمام أحمد وغيره، قال له (٤) رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إِله إلا الله
_________
(١) في (ح): "ضيقت".
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأحمد (٢ / ٢٩١، ٣ / ٤٥٢، ٤ / ٢٢٢، ٣٨٨، ٥ / ٤٤٧) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ح) .
وأني رسول الله؟ قال: نعم. فأمر ﷺ مناديًا ينادي بالصيام» " (١) فاكتفى منه بالشهادتين، ولم يكلِّفه غيرهما لقبول قوله، فأخذ الإمام أحمد ﵀ بهذا الحديث في دخول رمضان لخبر الواحد) .
والجواب أن يقال: مراد المعترض بنقل كلام ابن عقيل على ما فيه من التحريف: أنه ينبغي التسهيل للعامة وغيرهم، ممَّن دعا الصالحين وصرف لهم ما يستحقه الله رب العالمين من العبادات والدين، لأن النزاع في هذه المسألة، فاستدلَّ عليها بقول ابن عقيل: (إن رسول الله ﷺ سهل ما صعبت (٢) إلى آخره.
وهذا صريح في أن من كفَّر المشركين وقاتلهم، وشدد في توحيد الله، والنهي عن الشرك به -مخالف مخطئ؛ قد شدَّد في السهل، وصعب اللين، هكذا زعم هذا المعترض واستدلَّ، والتشديد على المشرك وتكفيره وقتاله إذا أصرَّ وعاند ليس من خواص الشيخ الذي اعترض عليه هذا بل هو دين الرسل وطريقتهم ونحلتهم، وهم ومن اتبعهم إلى يوم القيامة؛ فعلى هذا يطرد الاعتراض، ويقال: شدَّدوا وصعبوا فيما ينبغي السهولة فيه.
فالاعتراض ليس خاصًّا بالشيخ بل طرده يفضي إلى ما ترى، وهل بعد هذا الجهل والضلال غاية ينتهي إليها الملحدون! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة.
ثم يقال لهذا الجاهل (٣) المركب: إنما كلام ابن عقيل مع معتزلي
_________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٣٤٢)، وأبو داود (٢٣٤٠) .
(٢) في (ح): (صلب) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "الجهل".
يعتقد ما اعتقدته المعتزلة في صفات الله على ما هو مقرَّر في معتقدهم، فأخبرهم ابن عقيل بأن من كلَّف العامة طريقة المعتزلة وما فيها من النفي المفصل، فقد صعب السهل؛ لأن رسول الله ﷺ اكتفى بالإيمان المطلق لما سأل الجارية، هذا ما قصد ابن عقيل.
وأما المعترض فأراد أن المشرك الذي يسوي بين الله وبين غيره في خالص العبادة يُسَهَّل عليه ولا يشدّد، فسحقًا للقوم الظالمين.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة / ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] الآية [النساء / ٩١] .
وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]- إلى قوله: - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] [التوبة / ١ و١١] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] [التحريم / ٩] .
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] [محمد / ٤] .
والآيات في المعنى كثيرة، فسبحان من ختم على قلوب هؤلاء الضُّلاَّل، حتى كابروا بالمُجُون والمُحال.
وكذلك ما ذكره بعد ذلك من الاستدلال بشهادة الأعرابي، يقال
له: من ردَّ شهادة الأعراب؟ ومن الذي أفسد عقائد العامة؟ والكلام فيمن أشرك بالله وسوى بينه وبين غيره، فأين هذه المسألة من شهادة الأعرابي؟ وأي جامعة بينهما لو كانوا يعلمون؟ .
ثم في هذا الكلام بحث لا يعقله هذا الجاهل، وذلك أن ابن عقيل أجابه بحسب ما عنده، وإلا فعقيدة المعتزلة أفسد العقائد في هذا الباب وأضلها، والواجب هو الإثبات الذي أقرت به الجارية، واعتقده أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وليس فوق ذلك غاية ينتهي إليها المؤمنون (١) في هذا الباب، والنبي ﷺ لا يقنع (٢) من أحد إلا بما (٣) يليق بجلال الله وعظمته، وربوبيته وإلهيته.
ومعلوم أنا لو جارينا هذا الكلام وسلمنا للمعتزلة ما هم عليه من الإلحاد والتعطيل للزم القدح في السلف، فالحق الذي لا ريب فيه ما تلقاه أصحاب رسول الله ﷺ عن نبيِّهم؛ واعتقدوه في ربِّهم، وما عداه فهو محض ضلال وجهل ومحال، ومن اعتقد أن رسول الله ﷺ قنع من العامة في هذا الباب وغيره بما لا يحصل به الإيمان والسعادة والفلاح؛ وأن الغاية العليا عند غيرهم من الخلوف (٤) والمتكلمين، فهذا من أضلَّ الناس وأبعدهم عن طريق الهدى، وأسوأهم ظنًّا بربِّه وبنبيِّه ﷺ، وبسط هذا يطول، وبهذا تعلم حال المعترض وأنه لا يدري ما يقول.
_________
(١) في (ق): " المؤمن".
(٢) "لا" ساقطة من (ح)، وفي (ق) و(م): "يقبل"، بدل "يقنع ".
(٣) في (م): "ما".
(٤) في (ق): "الخلف".
وأما قوله: (إن من (١) مذهب المعتزلة أن (٢) من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن) .
يقال له: وعند الرسل أيضا أن من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن، فإن ردَّ مذهب الرسل لموافقة المعتزلة في تكفير المخالف، فهذا الكلام إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل في "الفنون "، فيما نقله عنه ابن مفلح: تال معتزليّ: لا مسلم إلا من اعتقد وجود الله وصفاته على ما يليق. فقلت له: إن رسول الله ﷺ سَهَّل ما صعَّبتَ (١) فقنع من الناس بدون ذلك. «ويقول للأَمَة: "أين الله "؟ فتشير إلى السماء. فيقول: "إنها مؤمنة» " (٢) فتركهم ﷺ على أصل الإثبات- إلى أن قال: إن من (٣) مذهب المعتزلة أن من خرج عن معتقدهم فليس بؤمن، وأن هذا ينعطف على السلف الصالح بالتكفير، وإنا نتحقق أنَّ أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃ لم يكن إيمانهم على ما اعتقده أبو علي الجبائي وأبو هاشم، فخجل المعتزلي. انتهى.
ولهذا لما قال الأعرابي للنبي ﷺ: " «إنه رأى هلال رمضان " كما عند الإمام أحمد وغيره، قال له (٤) رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إِله إلا الله
_________
(١) في (ح): "ضيقت".
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأحمد (٢ / ٢٩١، ٣ / ٤٥٢، ٤ / ٢٢٢، ٣٨٨، ٥ / ٤٤٧) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) ساقطة من (ح) .
وأني رسول الله؟ قال: نعم. فأمر ﷺ مناديًا ينادي بالصيام» " (١) فاكتفى منه بالشهادتين، ولم يكلِّفه غيرهما لقبول قوله، فأخذ الإمام أحمد ﵀ بهذا الحديث في دخول رمضان لخبر الواحد) .
والجواب أن يقال: مراد المعترض بنقل كلام ابن عقيل على ما فيه من التحريف: أنه ينبغي التسهيل للعامة وغيرهم، ممَّن دعا الصالحين وصرف لهم ما يستحقه الله رب العالمين من العبادات والدين، لأن النزاع في هذه المسألة، فاستدلَّ عليها بقول ابن عقيل: (إن رسول الله ﷺ سهل ما صعبت (٢) إلى آخره.
وهذا صريح في أن من كفَّر المشركين وقاتلهم، وشدد في توحيد الله، والنهي عن الشرك به -مخالف مخطئ؛ قد شدَّد في السهل، وصعب اللين، هكذا زعم هذا المعترض واستدلَّ، والتشديد على المشرك وتكفيره وقتاله إذا أصرَّ وعاند ليس من خواص الشيخ الذي اعترض عليه هذا بل هو دين الرسل وطريقتهم ونحلتهم، وهم ومن اتبعهم إلى يوم القيامة؛ فعلى هذا يطرد الاعتراض، ويقال: شدَّدوا وصعبوا فيما ينبغي السهولة فيه.
فالاعتراض ليس خاصًّا بالشيخ بل طرده يفضي إلى ما ترى، وهل بعد هذا الجهل والضلال غاية ينتهي إليها الملحدون! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة.
ثم يقال لهذا الجاهل (٣) المركب: إنما كلام ابن عقيل مع معتزلي
_________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٣٤٢)، وأبو داود (٢٣٤٠) .
(٢) في (ح): (صلب) .
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "الجهل".
يعتقد ما اعتقدته المعتزلة في صفات الله على ما هو مقرَّر في معتقدهم، فأخبرهم ابن عقيل بأن من كلَّف العامة طريقة المعتزلة وما فيها من النفي المفصل، فقد صعب السهل؛ لأن رسول الله ﷺ اكتفى بالإيمان المطلق لما سأل الجارية، هذا ما قصد ابن عقيل.
وأما المعترض فأراد أن المشرك الذي يسوي بين الله وبين غيره في خالص العبادة يُسَهَّل عليه ولا يشدّد، فسحقًا للقوم الظالمين.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة / ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] الآية [النساء / ٩١] .
وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]- إلى قوله: - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] [التوبة / ١ و١١] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] [التحريم / ٩] .
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] [محمد / ٤] .
والآيات في المعنى كثيرة، فسبحان من ختم على قلوب هؤلاء الضُّلاَّل، حتى كابروا بالمُجُون والمُحال.
وكذلك ما ذكره بعد ذلك من الاستدلال بشهادة الأعرابي، يقال
له: من ردَّ شهادة الأعراب؟ ومن الذي أفسد عقائد العامة؟ والكلام فيمن أشرك بالله وسوى بينه وبين غيره، فأين هذه المسألة من شهادة الأعرابي؟ وأي جامعة بينهما لو كانوا يعلمون؟ .
ثم في هذا الكلام بحث لا يعقله هذا الجاهل، وذلك أن ابن عقيل أجابه بحسب ما عنده، وإلا فعقيدة المعتزلة أفسد العقائد في هذا الباب وأضلها، والواجب هو الإثبات الذي أقرت به الجارية، واعتقده أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وليس فوق ذلك غاية ينتهي إليها المؤمنون (١) في هذا الباب، والنبي ﷺ لا يقنع (٢) من أحد إلا بما (٣) يليق بجلال الله وعظمته، وربوبيته وإلهيته.
ومعلوم أنا لو جارينا هذا الكلام وسلمنا للمعتزلة ما هم عليه من الإلحاد والتعطيل للزم القدح في السلف، فالحق الذي لا ريب فيه ما تلقاه أصحاب رسول الله ﷺ عن نبيِّهم؛ واعتقدوه في ربِّهم، وما عداه فهو محض ضلال وجهل ومحال، ومن اعتقد أن رسول الله ﷺ قنع من العامة في هذا الباب وغيره بما لا يحصل به الإيمان والسعادة والفلاح؛ وأن الغاية العليا عند غيرهم من الخلوف (٤) والمتكلمين، فهذا من أضلَّ الناس وأبعدهم عن طريق الهدى، وأسوأهم ظنًّا بربِّه وبنبيِّه ﷺ، وبسط هذا يطول، وبهذا تعلم حال المعترض وأنه لا يدري ما يقول.
_________
(١) في (ق): " المؤمن".
(٢) "لا" ساقطة من (ح)، وفي (ق) و(م): "يقبل"، بدل "يقنع ".
(٣) في (م): "ما".
(٤) في (ق): "الخلف".
وأما قوله: (إن من (١) مذهب المعتزلة أن (٢) من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن) .
يقال له: وعند الرسل أيضا أن من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن، فإن ردَّ مذهب الرسل لموافقة المعتزلة في تكفير المخالف، فهذا الكلام إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.
_________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
Translation
فصل في رد دعوى المعترض التسهيل بقبول الشهادتين ممن دعا غير الله واستغاث بهم
#104
Chapter 104 — فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام
· ref. #104
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام]
فصل قال المعترض: (قال ابن عقيل: يا علماء السوء ما (١) نقنع منكم بما أنتم عليه من تصاريفكم، فإن طبيبًا به مثل مرضي يضيق على الأغذية ولا يحتمي، مشكوك في صدقه عندي، فالحظوا حال من أنتم ورثته يا سباع يا قطاع الطريق، لا ترون إلا على مطارح الجيف، نبيّكم ﷺ قنع من المرأة (٢) بإشارتها إلى السماء؟ وأنتم تشككون الناس في العقائد، انفتح بكلامكم البثق العظيم (٣) انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] [الليل / ١٤ -١٦] .
قال المفسرون: البغوي والجلال المحلي: كذَّب الرسول ﷺ وتولى عن الإيمان. انتهى، وهذا الاستثناء عند العلماء رحمهم الله تعالى من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما هو المؤبد) .
والجواب أن يقال:
كلام ابن عقيل إنما هو مع المتكلمين الذين أحدثوا بدعة الكلام
_________
(١) في (م): "لا".
(٢) في (ق) و(م): " الجارية".
(٣) في (م): "العظم ".
والخوض في الجواهر والأعراض (١) والحركة والسكون، والكميات والكيفيات، ونحو ذلك من مقالات المتكلمين، وتشبهاتهم التي أوجبت لكثير من الناس الشك في ضروريات الدين، وبديهيات اليقين، فمن أخذ هذا واستدل به على رد قول (٢) علماء الإسلام الذين أمروا بتوحيد الله وعبادته (٣) والكفر بالطاغوت من الأنداد والآلهة والكهان ونحوهم، فهو من أسفه الناس وأجهلهم بأمر الأديان، وما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان (٤) بما رد به على المتكلمين من أهل منطق اليونان، فظن أن البحث في التوحيد (٥) وتحقيقه، والنهي عن الشرك وسد ذرائعه، وقطع وسائله، وتبين حقيقته، والفرق بين أصغره وأكبره هو من جنس أبحاث المتكلمين المخالفين للسلف في خوضهم في مسألة الجوهر والعرض، وبقية المقولات العشر، ولذلك رد على المسلمين بما رد به ابن عقيل على المتكلمين، وذكر أن تحقيق التوحيد وذكر أصوله وفروعه وثمراته وبيان الشرك وذكر أصوله وفروعه ووسائله (٦) وذرائعه من جنس بدعة المتكلمين وانفتح بها البثق.
فقف هنا، واعتبر، واعرف بُعد هذا الضرب من الناس عن طريق
_________
(١) في (ح): " والاعتراض ".
(٢) في (المطبوعة): " قوله".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "وحده لا شريك له ".
(٤) في (ح) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "ومن أضلهم في عدم الفرق بين ما عليه أهل الإسلام مما عليه أهل المنطق والكلام ولذلك رد على أهل التوحيد والإيمان) .
(٥) في (ح): "الإيمان".
(٦) في (ح): "ورسائله".
العلم والهدى، واعرف ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (١) بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
من الحكم الفصل الذي هو في غاية المطابقة لحال هؤلاء الضُّلاَّل، ما رضى تعالى أن شبههم بالأنعام حتى قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
وأما كلام المعترض على قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] [الليل / ١٤] . فمن أقبح الجهل، وأبعده عن مظان الهدى، وكلام المفسرين صحيح لا شك فيه.
وأما مفهوم هذا المعترض: فمن أبطل الباطل، وأمحل المحال، وذلك أنه ظن أن من دعا الأولياء والصالحين، واستغاث بهم، وناداهم في حاجاته وملماته لا يدخل في هذه الآية، ولا تتناوله، وأي تكذيب وتولٍّ أعظم من رد النصوص الدالة على توحيد الله، وردها بشبه القبوريين، وهذيان المشركين؟! فقوله: (وهذا الاستثناء عند العلماء من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما (٢) هو المؤبد، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] الآية [هود / ١٠٦] فهذا كلام جاهل لا يعقل ما يقول، فإن الصلي نوع، والتأبيد نوع، ولا تلازم بين الصلي والتأبيد؟ بل التأبيد يلزم منه الصلي ولا يلزم من الصلي التأبيد، وقول بعضهم: إنَّ الصلي في الآية
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
يراد به المؤبد، لا يدل على التلازم، وإنما قالوه لتخصيص العموم المستفاد من الحصر؛ لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء / ٤٨؛ ١١٦] .
فخصُّوه بالصلي المؤبد إشارة إلى أنه عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص هذا على تأويلهم "الأشقى" بمعنى الشقي، وإن أبقينا الصيغة على أصلها فلا يحتاج لما تقدَّم، ويكون الصلي نوع خاص من العذاب لا بمعنى الدخول، فتأمل.
واستدلاله بالآية الأخرى دليل على جهله بمعاني التنزيل، فإن في هذه الآية مقالًا لأهل العلم، وبحثا في الاستثناء الذي في هذه الآية وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] [هود / ١٠٨] . لا يدريه أمثال هذا.
وأما قوله: (فهذا من استثناء الحصر) .
فهذه عبارة جاهل باصطلاحهم، والصواب أن يقال: من حصر المستثنى.
وأما قوله: (فمتى يوجد في هذه الأمة من يكون قاصدًا لتكذيب الرسول ﷺ، موليا عن الإيمان به، مختارًا لذلك من عوامها فضلًا عن علمائها؟) .
فجوابه: أنَّ النبي ﷺ أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن من كان قبلها، وتأخذ مأخذ القرون شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، فأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى
_________
(١) في (ق): (كقوله) .
إن هو إلا وحي يوحى؟! فهذا يقع بلا شك فيهم من كذب وتولى، وفيهم من ألحد وبدل، وفيهم من كذب وافترى، وفيهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، كحال هذا المفتري، وفيهم من عبد العجل، بل فيهم من عبد سائر الموجودات (١) وتأله جميع المخلوقات، وهذا ظاهر مستبين تعرفه العامة فضلا عن الخاصة لكن المعترض وأمثاله ممن طبع الله على قلوبهم، وصرفها عن معرفة الحق وإرادته، فهم في ظلمات الجهل والطبع والريب والهوى يترددون، ويحسبون أنهم على شيء، فنعوذ بالله من الخذلان وتلاعب الشيطان.
_________
(١) في (ح): " المفردات".
فصل قال المعترض: (قال ابن عقيل: يا علماء السوء ما (١) نقنع منكم بما أنتم عليه من تصاريفكم، فإن طبيبًا به مثل مرضي يضيق على الأغذية ولا يحتمي، مشكوك في صدقه عندي، فالحظوا حال من أنتم ورثته يا سباع يا قطاع الطريق، لا ترون إلا على مطارح الجيف، نبيّكم ﷺ قنع من المرأة (٢) بإشارتها إلى السماء؟ وأنتم تشككون الناس في العقائد، انفتح بكلامكم البثق العظيم (٣) انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] [الليل / ١٤ -١٦] .
قال المفسرون: البغوي والجلال المحلي: كذَّب الرسول ﷺ وتولى عن الإيمان. انتهى، وهذا الاستثناء عند العلماء رحمهم الله تعالى من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما هو المؤبد) .
والجواب أن يقال:
كلام ابن عقيل إنما هو مع المتكلمين الذين أحدثوا بدعة الكلام
_________
(١) في (م): "لا".
(٢) في (ق) و(م): " الجارية".
(٣) في (م): "العظم ".
والخوض في الجواهر والأعراض (١) والحركة والسكون، والكميات والكيفيات، ونحو ذلك من مقالات المتكلمين، وتشبهاتهم التي أوجبت لكثير من الناس الشك في ضروريات الدين، وبديهيات اليقين، فمن أخذ هذا واستدل به على رد قول (٢) علماء الإسلام الذين أمروا بتوحيد الله وعبادته (٣) والكفر بالطاغوت من الأنداد والآلهة والكهان ونحوهم، فهو من أسفه الناس وأجهلهم بأمر الأديان، وما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان (٤) بما رد به على المتكلمين من أهل منطق اليونان، فظن أن البحث في التوحيد (٥) وتحقيقه، والنهي عن الشرك وسد ذرائعه، وقطع وسائله، وتبين حقيقته، والفرق بين أصغره وأكبره هو من جنس أبحاث المتكلمين المخالفين للسلف في خوضهم في مسألة الجوهر والعرض، وبقية المقولات العشر، ولذلك رد على المسلمين بما رد به ابن عقيل على المتكلمين، وذكر أن تحقيق التوحيد وذكر أصوله وفروعه وثمراته وبيان الشرك وذكر أصوله وفروعه ووسائله (٦) وذرائعه من جنس بدعة المتكلمين وانفتح بها البثق.
فقف هنا، واعتبر، واعرف بُعد هذا الضرب من الناس عن طريق
_________
(١) في (ح): " والاعتراض ".
(٢) في (المطبوعة): " قوله".
(٣) في (ق) و(م) زيادة: "وحده لا شريك له ".
(٤) في (ح) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "ومن أضلهم في عدم الفرق بين ما عليه أهل الإسلام مما عليه أهل المنطق والكلام ولذلك رد على أهل التوحيد والإيمان) .
(٥) في (ح): "الإيمان".
(٦) في (ح): "ورسائله".
العلم والهدى، واعرف ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (١) بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
من الحكم الفصل الذي هو في غاية المطابقة لحال هؤلاء الضُّلاَّل، ما رضى تعالى أن شبههم بالأنعام حتى قال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] .
وأما كلام المعترض على قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] [الليل / ١٤] . فمن أقبح الجهل، وأبعده عن مظان الهدى، وكلام المفسرين صحيح لا شك فيه.
وأما مفهوم هذا المعترض: فمن أبطل الباطل، وأمحل المحال، وذلك أنه ظن أن من دعا الأولياء والصالحين، واستغاث بهم، وناداهم في حاجاته وملماته لا يدخل في هذه الآية، ولا تتناوله، وأي تكذيب وتولٍّ أعظم من رد النصوص الدالة على توحيد الله، وردها بشبه القبوريين، وهذيان المشركين؟! فقوله: (وهذا الاستثناء عند العلماء من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما (٢) هو المؤبد، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] الآية [هود / ١٠٦] فهذا كلام جاهل لا يعقل ما يقول، فإن الصلي نوع، والتأبيد نوع، ولا تلازم بين الصلي والتأبيد؟ بل التأبيد يلزم منه الصلي ولا يلزم من الصلي التأبيد، وقول بعضهم: إنَّ الصلي في الآية
_________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
يراد به المؤبد، لا يدل على التلازم، وإنما قالوه لتخصيص العموم المستفاد من الحصر؛ لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء / ٤٨؛ ١١٦] .
فخصُّوه بالصلي المؤبد إشارة إلى أنه عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص هذا على تأويلهم "الأشقى" بمعنى الشقي، وإن أبقينا الصيغة على أصلها فلا يحتاج لما تقدَّم، ويكون الصلي نوع خاص من العذاب لا بمعنى الدخول، فتأمل.
واستدلاله بالآية الأخرى دليل على جهله بمعاني التنزيل، فإن في هذه الآية مقالًا لأهل العلم، وبحثا في الاستثناء الذي في هذه الآية وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] [هود / ١٠٨] . لا يدريه أمثال هذا.
وأما قوله: (فهذا من استثناء الحصر) .
فهذه عبارة جاهل باصطلاحهم، والصواب أن يقال: من حصر المستثنى.
وأما قوله: (فمتى يوجد في هذه الأمة من يكون قاصدًا لتكذيب الرسول ﷺ، موليا عن الإيمان به، مختارًا لذلك من عوامها فضلًا عن علمائها؟) .
فجوابه: أنَّ النبي ﷺ أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن من كان قبلها، وتأخذ مأخذ القرون شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، فأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى
_________
(١) في (ق): (كقوله) .
إن هو إلا وحي يوحى؟! فهذا يقع بلا شك فيهم من كذب وتولى، وفيهم من ألحد وبدل، وفيهم من كذب وافترى، وفيهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، كحال هذا المفتري، وفيهم من عبد العجل، بل فيهم من عبد سائر الموجودات (١) وتأله جميع المخلوقات، وهذا ظاهر مستبين تعرفه العامة فضلا عن الخاصة لكن المعترض وأمثاله ممن طبع الله على قلوبهم، وصرفها عن معرفة الحق وإرادته، فهم في ظلمات الجهل والطبع والريب والهوى يترددون، ويحسبون أنهم على شيء، فنعوذ بالله من الخذلان وتلاعب الشيطان.
_________
(١) في (ح): " المفردات".
Translation
فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام
#105
Chapter 105 — فصل في رد تأول المعترض كلام ابن عقيل والشافعي على المتكلمين في أئمة الهدى ومصابيح الدجى
· ref. #105
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في رد تأول المعترض كلام ابن عقيل والشافعي على المتكلمين في أئمة الهدى ومصابيح الدجى]
فصل قال المعترض: (وقال أبو الوفاء بن عقيل: واكمداه من مخالفة الجهال، من أجل استماع ذي الجهالة للحق والإنكار له، ينفر قلبه من أدلة المحقِّقين، فهم بهيمية في طبع (١) جهال، فلا تزول جهالتهم بالمعالجة. قال: (٢) وهل طاحت دماء الأنبياء والأولياء إلا بالذي مثل هؤلاء، حيث رأوا من التحقيق ما ينكرون، فصالوا لما قدروا، وغالوا لما لم يقدروا، فهم بين قاتل للمتقين والمؤمنين، مجاهرةً إذا قدروا، وغيلة إذا عجزوا. انتهى ملخصا.
قال المعترض: (وقد صحَّ عندنا أنَّ هؤلاء في أثناء دعوتهم أتوا إلى المجمعة في ناحية سدير، فدخلوها ليلًا قبل أن يتولوا عليه، فأذنوا في أحد (٣) مساجدهم يطلبون قتل من جاء متقدِّمًا للصلاة في المسجد، فجاءهم شياب من أهل الخير، فقتلوهم في المسجد، قال المزني: قال الشافعي: يا إبراهيم العلم جهل عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم، وأنشد:
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
_________
(١) في (ق) و(م): "طباع".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ح): "أجد".
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطَّع في مخالفة السفيه (١»
والجواب أن يقال: لو كان هذا يدري، ويفرِّق بين الجهل والعلم، والحق والباطل، والضلالة والهدى، والغيّ والرشاد، والصلاح والفساد لعرف أن كلام ابن عقيل، وكلام الشافعي يتعيَّن حمله على هذا المعترض وأمثاله الضالين عن الهدى، الصادين (٢) عن طريق أهل العلم والتقى، المستحلين لأعراض خيار الأمة وأئمتها، الذين يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين غيره، فيما يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والخوف والرجاء والاستعانة والاستغاثة، والإنابة والتوكُّل، والطاعة والتقوى، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات، فمن تأوَّل كلام ابن عقيل وكلام الشافعي في ردهما على المتكلمين والسفهاء، الذين يرغبون عن العلم والفقه في أئمة الهدى ومصابيح الدجى، فهو من أضل البرية، وأسفههم، وأقلهم حظًّا ونصيبا من العلم والهدى، والحلم والنهى، وهو كمن يتأول آيات التنزيل النازلة في أهل الشرك من الجاهلية الضالين (٣) فيمن خالف بدعته ونحلته من المؤمنين المتَّقين، كما جرى للخوارج وأمثالهم من الضالين.
وأما قوله: (وقد صحَّ عندنا أن هؤلاء أتوا إلى المجمعة في ناحية سدير ودخلوها ليلًا) إلى آخر عبارته.
_________
(١) في هامش (الأصل) و(ق) و(م) قال صوابه: "الفقيه" كأن المعترض حرَّفه.
(٢) في (ق): " الصادرين".
(٣) من هنا ساقط من النسخة (م) .
فيقال له: قد صحَّحت فيما مضى من المستحيلات والمفتريات، وصوَّبت من الجهالات والضلالات، ما يقضي بسقوط خبرك واطراح تصحيحك. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية [الحجرات / ٦] وأين من يساعدك على صحة قولك، وثبوت دعواك؟ وقد جرى من أمثالك من المارقين، ومن المبتدعة الضالين، والكفرة المشركين من البهت والزور ما لا يحصى، وفي الحديث: " «عدلت شهادة الزور الإشراك باللَّه» " (١) .
ثم لو فرض أن هذا وقع من بعض أتباع الشيخ أينسب الخطأ إليه، ويشنع به عليه؟ وقد أخطأ أسامة بن زيد، وأنكر عليه النبي ﷺ خطأه، ومن نسب خطأه إلى رسول الله ﷺ فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بعد أن قالوا: "صبأنا" ولم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فأنكر ذلك عليه رسول الله ﷺ، ووداهم.
والشعر الذي أورده عن الشافعي رحمه الله تعالى قد غيَّر فيه وبدَّل، وأفسد معناه فقوله: (وهذا فيه أزهد منه فيه) . فقوله: "فيه" الأولى زيادة ليست في كلام الشافعي، يخرج الكلام من وزنه، وقوله في البيت الأخير:
إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة السفيه
كذا بخط المعترض، وصوابه: "في مخالفة الفقيه" لا السفيه.
_________
(١) تقدم تخريجه. انظر ص (٢٤٧) .
فصل قال المعترض: (وقال أبو الوفاء بن عقيل: واكمداه من مخالفة الجهال، من أجل استماع ذي الجهالة للحق والإنكار له، ينفر قلبه من أدلة المحقِّقين، فهم بهيمية في طبع (١) جهال، فلا تزول جهالتهم بالمعالجة. قال: (٢) وهل طاحت دماء الأنبياء والأولياء إلا بالذي مثل هؤلاء، حيث رأوا من التحقيق ما ينكرون، فصالوا لما قدروا، وغالوا لما لم يقدروا، فهم بين قاتل للمتقين والمؤمنين، مجاهرةً إذا قدروا، وغيلة إذا عجزوا. انتهى ملخصا.
قال المعترض: (وقد صحَّ عندنا أنَّ هؤلاء في أثناء دعوتهم أتوا إلى المجمعة في ناحية سدير، فدخلوها ليلًا قبل أن يتولوا عليه، فأذنوا في أحد (٣) مساجدهم يطلبون قتل من جاء متقدِّمًا للصلاة في المسجد، فجاءهم شياب من أهل الخير، فقتلوهم في المسجد، قال المزني: قال الشافعي: يا إبراهيم العلم جهل عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم، وأنشد:
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
_________
(١) في (ق) و(م): "طباع".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ح): "أجد".
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطَّع في مخالفة السفيه (١»
والجواب أن يقال: لو كان هذا يدري، ويفرِّق بين الجهل والعلم، والحق والباطل، والضلالة والهدى، والغيّ والرشاد، والصلاح والفساد لعرف أن كلام ابن عقيل، وكلام الشافعي يتعيَّن حمله على هذا المعترض وأمثاله الضالين عن الهدى، الصادين (٢) عن طريق أهل العلم والتقى، المستحلين لأعراض خيار الأمة وأئمتها، الذين يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين غيره، فيما يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والخوف والرجاء والاستعانة والاستغاثة، والإنابة والتوكُّل، والطاعة والتقوى، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات، فمن تأوَّل كلام ابن عقيل وكلام الشافعي في ردهما على المتكلمين والسفهاء، الذين يرغبون عن العلم والفقه في أئمة الهدى ومصابيح الدجى، فهو من أضل البرية، وأسفههم، وأقلهم حظًّا ونصيبا من العلم والهدى، والحلم والنهى، وهو كمن يتأول آيات التنزيل النازلة في أهل الشرك من الجاهلية الضالين (٣) فيمن خالف بدعته ونحلته من المؤمنين المتَّقين، كما جرى للخوارج وأمثالهم من الضالين.
وأما قوله: (وقد صحَّ عندنا أن هؤلاء أتوا إلى المجمعة في ناحية سدير ودخلوها ليلًا) إلى آخر عبارته.
_________
(١) في هامش (الأصل) و(ق) و(م) قال صوابه: "الفقيه" كأن المعترض حرَّفه.
(٢) في (ق): " الصادرين".
(٣) من هنا ساقط من النسخة (م) .
فيقال له: قد صحَّحت فيما مضى من المستحيلات والمفتريات، وصوَّبت من الجهالات والضلالات، ما يقضي بسقوط خبرك واطراح تصحيحك. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية [الحجرات / ٦] وأين من يساعدك على صحة قولك، وثبوت دعواك؟ وقد جرى من أمثالك من المارقين، ومن المبتدعة الضالين، والكفرة المشركين من البهت والزور ما لا يحصى، وفي الحديث: " «عدلت شهادة الزور الإشراك باللَّه» " (١) .
ثم لو فرض أن هذا وقع من بعض أتباع الشيخ أينسب الخطأ إليه، ويشنع به عليه؟ وقد أخطأ أسامة بن زيد، وأنكر عليه النبي ﷺ خطأه، ومن نسب خطأه إلى رسول الله ﷺ فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بعد أن قالوا: "صبأنا" ولم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فأنكر ذلك عليه رسول الله ﷺ، ووداهم.
والشعر الذي أورده عن الشافعي رحمه الله تعالى قد غيَّر فيه وبدَّل، وأفسد معناه فقوله: (وهذا فيه أزهد منه فيه) . فقوله: "فيه" الأولى زيادة ليست في كلام الشافعي، يخرج الكلام من وزنه، وقوله في البيت الأخير:
إذا غلب الشقاء على السفيه ... تنطع في مخالفة السفيه
كذا بخط المعترض، وصوابه: "في مخالفة الفقيه" لا السفيه.
_________
(١) تقدم تخريجه. انظر ص (٢٤٧) .
Translation
فصل في رد تأول المعترض كلام ابن عقيل والشافعي على المتكلمين في أئمة الهدى ومصابيح الدجى
#106
Chapter 106 — فصل في احتجاج المعترض بأقوال لأهل العلم في أهل البدع يرمي به علماء التوحيد
· ref. #106
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في احتجاج المعترض بأقوال لأهل العلم في أهل البدع يرمي به علماء التوحيد]
فصل قال المعترض: (وقال الإمام أحمد ﵁: إنه يجب هجر من فسق، أو كفر ببدعة، أو دعا (١) إلى بدعة مضلَّة، أو مفسقة على من عجز عن الردِّ عليه، أو خاف الاغترار به والتأذي، ذكره ابن مفلح: وقال القاضي أبو الحسين، قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح على وجهه.
وقال: إذا هو صلَّى وصام واعتزل الناس أهو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلَّم كان له ولغيره؟ يتكلَّم أفضل. قال أبو طالب عن الإمام أحمد: كان أيوب يقدم الجريري على سليمان التيمي، لأن الجريري كان يخاصم القدرية وأهل البدع، وروى الإمام أحمد عن أبي عقبة الخولاني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لا يزال اللَّه يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته» "، وقال أبو الفرج الشيرازي: من الأصحاب، قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنَّة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه، فإن الشاب مع أول نشأة. وقال أبو الفرج ابن الجوزي لما ذكر أهل البدع من المعتزلة وغيرهم قال:
_________
(١) إلى هنا تنتهي النسخة (ق) .
اللَّه اللَّه من مصاحبة هؤلاء، ويجب منع الصبيان من مخالطتهم، لئلا يشرب في قلوبهم من ذلك شيء. انتهى.
فلقد صدق ابن الجوزي ﵀. قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
والجواب أن يقال: هذا المعترض لما غلبت عليه ظلمات الجهل والهوى والضلال عن سبيل الحق والهدى، ظنَّ أن من دعا إلى توحيد اللَّه ونهى عن الإشراك (١) به وألزم بأركان الإسلام وشرائعه: مبتدع ضال، يدخل فيما نقل عن الأئمة من ذم أهل البدع وهجرهم، فلم يفرِّق بين أهل السنَّة وأهل البدع، وأهل الشرك وأهل التوحيد، وأهل البر وأهل الفجور، وقد خاصم بعض هؤلاء الحمقى رجلًا عند بعض الأمراء، فقال: إنه ناصبي شيعي يسب علي بن الخطاب، ويمدح معاوية بن أبي طالب. فقال الأمير: لا أدري على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالمذاهب، أو على معرفتك بالأنساب؟ .
وكذلك حال هذا الضال، يجمع بين الأضداد، ولا يعرف المقصود من الخطاب والمراد، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض، لما عفت آثار الإسلام، وقل من يعرفه من الخاصة والعوام، وصارت الغلبة لأمثاله من الجهال والطغام؟ استغرب ما أبداه الشيخ العلم الإمام، من أصول الملة وقواعد الإسلام، وظنَّ أنه من جنس بدع الرافضة والقدرية وأهل الكلام، لأنه لا شعور له بحقيقة ما جاءت به الرسل ولا إلمام، أولئك كالأنعام بل هم أضل من كل وجه حتى في المعارف والأفهام، أين من يقول:
_________
(١) في بقية النسخ: "الشرك".
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، واتركوا ما أنتم عليه من دعاء الأحجار والأشجار والصالحين والأصنام، ويجدِّد للسنة ما اندرس من القواعد والأصول والأعلام، ممن يدعو إلى إنكار القدر السابق، وأن الله لم يخلق أفعال العباد من الأنام؟ بل وأين هو ممن يرى رأي المعتزلة في سلب الصفات وإنكار ما جاءت به الأحاديث والآيات (١) ويبالغ في الجدال والخصام؟ وأين هو من رافضي يذهب إلى تضليل أصحاب رسول الله ﷺ، ويرى شتم السابقين الأولين من الصفوة الكرام؟ ما بعد التباس أمر الفريقين وعدم الفرق بين المذهبين غاية ينتهي إليها أهل الشك والظلام، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ومن أصعب الأشياء على النفوس مخالفة العوائد، وما ألفته، ونشأت عليه من النحل والطرائق، ما لم تساعد هداية التوفيق، ويأتي المدد من مصرف القلوب، وعلام السرائر والغيوب.
_________
(١) في بقية النسخ: "الآيات والأحاديث ".
فصل قال المعترض: (وقال الإمام أحمد ﵁: إنه يجب هجر من فسق، أو كفر ببدعة، أو دعا (١) إلى بدعة مضلَّة، أو مفسقة على من عجز عن الردِّ عليه، أو خاف الاغترار به والتأذي، ذكره ابن مفلح: وقال القاضي أبو الحسين، قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح على وجهه.
وقال: إذا هو صلَّى وصام واعتزل الناس أهو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلَّم كان له ولغيره؟ يتكلَّم أفضل. قال أبو طالب عن الإمام أحمد: كان أيوب يقدم الجريري على سليمان التيمي، لأن الجريري كان يخاصم القدرية وأهل البدع، وروى الإمام أحمد عن أبي عقبة الخولاني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لا يزال اللَّه يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته» "، وقال أبو الفرج الشيرازي: من الأصحاب، قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنَّة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه، فإن الشاب مع أول نشأة. وقال أبو الفرج ابن الجوزي لما ذكر أهل البدع من المعتزلة وغيرهم قال:
_________
(١) إلى هنا تنتهي النسخة (ق) .
اللَّه اللَّه من مصاحبة هؤلاء، ويجب منع الصبيان من مخالطتهم، لئلا يشرب في قلوبهم من ذلك شيء. انتهى.
فلقد صدق ابن الجوزي ﵀. قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
والجواب أن يقال: هذا المعترض لما غلبت عليه ظلمات الجهل والهوى والضلال عن سبيل الحق والهدى، ظنَّ أن من دعا إلى توحيد اللَّه ونهى عن الإشراك (١) به وألزم بأركان الإسلام وشرائعه: مبتدع ضال، يدخل فيما نقل عن الأئمة من ذم أهل البدع وهجرهم، فلم يفرِّق بين أهل السنَّة وأهل البدع، وأهل الشرك وأهل التوحيد، وأهل البر وأهل الفجور، وقد خاصم بعض هؤلاء الحمقى رجلًا عند بعض الأمراء، فقال: إنه ناصبي شيعي يسب علي بن الخطاب، ويمدح معاوية بن أبي طالب. فقال الأمير: لا أدري على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالمذاهب، أو على معرفتك بالأنساب؟ .
وكذلك حال هذا الضال، يجمع بين الأضداد، ولا يعرف المقصود من الخطاب والمراد، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض، لما عفت آثار الإسلام، وقل من يعرفه من الخاصة والعوام، وصارت الغلبة لأمثاله من الجهال والطغام؟ استغرب ما أبداه الشيخ العلم الإمام، من أصول الملة وقواعد الإسلام، وظنَّ أنه من جنس بدع الرافضة والقدرية وأهل الكلام، لأنه لا شعور له بحقيقة ما جاءت به الرسل ولا إلمام، أولئك كالأنعام بل هم أضل من كل وجه حتى في المعارف والأفهام، أين من يقول:
_________
(١) في بقية النسخ: "الشرك".
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، واتركوا ما أنتم عليه من دعاء الأحجار والأشجار والصالحين والأصنام، ويجدِّد للسنة ما اندرس من القواعد والأصول والأعلام، ممن يدعو إلى إنكار القدر السابق، وأن الله لم يخلق أفعال العباد من الأنام؟ بل وأين هو ممن يرى رأي المعتزلة في سلب الصفات وإنكار ما جاءت به الأحاديث والآيات (١) ويبالغ في الجدال والخصام؟ وأين هو من رافضي يذهب إلى تضليل أصحاب رسول الله ﷺ، ويرى شتم السابقين الأولين من الصفوة الكرام؟ ما بعد التباس أمر الفريقين وعدم الفرق بين المذهبين غاية ينتهي إليها أهل الشك والظلام، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ومن أصعب الأشياء على النفوس مخالفة العوائد، وما ألفته، ونشأت عليه من النحل والطرائق، ما لم تساعد هداية التوفيق، ويأتي المدد من مصرف القلوب، وعلام السرائر والغيوب.
_________
(١) في بقية النسخ: "الآيات والأحاديث ".
Translation
فصل في احتجاج المعترض بأقوال لأهل العلم في أهل البدع يرمي به علماء التوحيد
#107
Chapter 107 — فصل فيه بحث مسألة الإيمان والتكفير بالذنوب بين أهل السنة والخوارج
· ref. #107
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل فيه بحث مسألة الإيمان والتكفير بالذنوب بين أهل السنة والخوارج]
فصل قال المعترض: (فصل، ولنختم هذا الكتاب بمسألة هذا الرجل الذي ذكرنا أنها قاعدة قنطرته على الأمة، قال في شبهه المذكور في خاتمتها: "ولنختم الكلام بمسألة عظيمة (١) مهمة يكثر جهل الموحدين بها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد يعني الإيمان لا بد أن يكون بالقلب واللسان والجوارح، فإن اختل بعض هذه الثلاث، فهو كافر أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس ". اهـ المقصود.
ثم ذكر كلاما بعده، وهذه المسألة ذكرها أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى بعينها في كتاب الإيمان الكبير له، وقال: من هذه المسألة نشأت البدع، إلى أن قال: "واتفق أهل السنَّة والجماعة والخوارج على أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، ثم افترقت عند ذلك عنهم الخوارج، فقالوا: إن اختل بعض هذه الثلاث لم يكن مسلما"، هذا محصول كلام أبى العباس، وصح بهذا الكلام من (٢) هذا الرجل الذي هو قرَّره وعظمه أنه عين مذهب الخوارج الذين كفَّروا به الأمة،
_________
(١) نهاية السقط من النسخة.
(٢) ساقطة من (ح) .
وقاتلوا عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، الذي هو من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، كما في الصحيحين وغيرهما، وكفَّروه بذلك، وقد ذكر هذه القاعدة العلامة ابن قندس في حاشيته على الفروع، ونقل كلام أبي العباس (١) وابن قندس رحمهما الله تعالى؛ لأنهما ذكرا أن هذه الصورة التي ذكرها هذا الرجل بعينها هي مذهب الخوارج بعينه، ومذهب الخوارج كفانا سيد البشر ﷺ في رده فيما صح عنه، مع كونهم يقولون من خير قول البرية، وهذا الرجل قد عظم هذه المسألة أشد التعظيم، كما ترى بالحض عليها، وجعلها مهمة بحيث دعا إلى الاهتمام بها وبلزومها والعمل بموجبها، وأنه يكثر الجهل من الموحدين بها، وصدق في ذلك بل كل الموحدين بحمد اللَّه تعالى لا يعتقدونها، ولا يعرفونها؛ لأنها جهل ليس بعلم، والجهل لا يسمى علما على الصحيح عند الأصوليين، وهذا الرجل قد جعل المخالف لها كافرا أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، فإذا كان هذا كلامه في هذه المسألة فماذا يزيد الإيمان وينقص حتى يكون أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من (٢) خردل من إيمان، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة، والخردلة أدون (٣) من الذرة بكثير، فهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا يهتدون سبيلًا لتناقضهم، وتقطيع آَثارهم بالأهواء، وتحكيم عقولهم بالجهل،
_________
(١) في (م) زيادة: "على ذلك وقرره فحينئذ لا يحتاج كلام هذا الرجل لذكر رد عليه مع كلام أبي العباس".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (م): "أدنى"، وفي (ح): "أو دون".
يهيمون في كل واد، فكيف ندبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان، فلا يُصَدق بقولهم هذا إلا من كذَّب بحديث الرسول " ﷺ الذي في الصحيحين في الشفاعة عن أنس ﵁ وغيره (١) أفلا يستحيون من هذا الهذيان الذي لا قوام له في (٢) الميدان؟ إذا التفت الفرسان، ونشرت الصحف وعلق الميزان من السنَّة والقرآن؟ وأحضر قول علماء (٣) هذا الشأن.
فحينئذ يكون قولهم هذا كالسراب في القيعان، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه وبرحه فواحسرتا للعطشان، ومع هذا ليس لهم عن ذلك رجوع، وقولهم لا يسمن ولا يغني من جوع.
إذا تقرر هذا: فكل أتباعه يشربون من هذا البحر التيار المظلم من أي أركانه، ويلتقطون من ضفادعه وحيتانه، فهذا ملتقى البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، بحر أجاج بتكفير الأمة ثجاج (٤) وبحر سائغ شرابه لذة للشاربين، وبينهما حاجز الأمواج، فسلك هذا الرجل بحر الظلمات بنص العلماء الثقات، ومن شك في هذا فليراجع من الأثبات ما ذكرنا في المجلدات، ليتبع سبيل المؤمنين المفلحين المنجحين عن سبيل الظلمات فما (٥) يقول من هذا مقاله (٦) فيما رويناه) وذكر حديث البطاقة.
_________
(١) ساقطة من (م) .
(٢) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "هذا".
(٣) في (م) زيادة: " أهل".
(٤) في بقية النسخ: "نجاج" بالنون.
(٥) في (ح): (فلا) .
(٦) في (ح): "مثاله".
والجواب أن يقال: قد تقدم مرارا أن المعترض له حظ وافر من صناعة التبديل والتحريف، كما وصف اللَّه اليهود بذلك في غير آية، (وبحث الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ موجود معروف فإنه تكلم على مسألة التكفير ببعض الذنوب كما هو رأي الخوارج، وليس في كلام شيخنا ﵀ تعرض لهذا- أعني التكفير بالذنوب- حتى يرد عليه بكلام شيخ الإسلام؛ بل كلامه في التوحيد الذي هو شهادة أن لا إِله إلا الله، وهذا لا ينازع مسلم في أنه لا بد أن يكون بالقلب، فإنه لم يصدق ويعلم ويؤثر ما دلَّت عليه "لا إله إلا الله ويعمل بقلبه العمل الخاص كالمحبة، والإنابة، والرضا، والتوكل، والخشية، والرغبة، والرهبة، فإن لم يحصل منه هذا بالكلية فهو منافق، ولا بد من الإقرار، فإنه إذا لم يقر بلسانه، كافر تجري عليه أحكام الكفار بلا نزاع، وكذلك العمل بالجوارح لا بد منه، فلا يكون مسلما إلا إذا ترك عبادة الطاغوت، وتباعد عنه، وعمل للَّه بمقتضى شهادة الإخلاص من تسليم الوجه له، واجتناب الشرك قولًا وعملا وترك الخضوع والسجود) (١) والذبح والنذر لغير الله، وإخلاص الدين في ذلك كله لله، هذا ما دلَّ عليه كلام شيخنا ﵀ في كشف الشبهة (٢) وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، فإذا اختل أحد هذه الثلاثة اختل الإسلام وبطل، كما دلَّ عليه حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبدأ في تعريف الإسلام بالشهادتين، ولا شك أن العلم والقول والعمل مشترط في صحة الإتيان
_________
(١) ما بين المعقوفتين كله ساقط من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) في (ق) و(المطبوعة): " الشبهات".
بهما، وهذا لا يخفى على أحد شم رائحة العلم، وإنما خالف الخوارج فيما دون ذلك من ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من الناس.
وأما الديوان الأكبر، وهو ظلم الشرك، فلا خلاف بين أهل السنَّة والخوارج في التكفير بالشرك الأكبر، بعد قيام الحجة الرسالية، والمعترض جاهل، لا يفرق بين مسائل الإجماع ومسائل النزاع.
وها أنا أسوق لك كلام شيخ الإسلام تقيّ الدِّين لتعلم أن هذا (١) المعترض بدَّل اللفظ وحرَّف المعنى، وجمع بين الأمرين اللذين ذم الله بهما اليهود بغيا وحسدا، والله حسيبه، والمقصود هنا (٢) رد شبهته.
قال شيخ الإسلام في أواخر النصف الأول من كتاب "الإيمان " (٣) .
(فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله تعالى به رسوله ﷺ فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان، فيلزم تكفير أهل الذنوب، كما يقوله (٤) الخوارج أو تخليدهم في النار، ولا ينفى عنهم اسم الإيمان بالكلية، كما تقوله المعتزلة، وكلا القولين شر من قول المرجئة، فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم.
قيل: أولًا: ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنَّة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار،
_________
(١) ساقطة من (م) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٧ ٢٢٢) .
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "تقوله"، بالتاء المثناة الفوقية.
فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان (١) وقد نقل بعض الناس عن (٢) الصحابة في ذلك خلافا، لما (٣) روي عن ابن عباس أن القاتل لا توبة له، وهذا غلط على الصحابة، فإنه لم يقل أحد منهم إن النبي ﷺ لا يشفع لأهل الكبائر، ولا قال إنهم يخلدون في النار، لكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: "إن القاتل لا توبة له " وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضا، والنزاع في التوبة غير النزاع في التخليد، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي؛ فلهذا حصل النزاع فيه، وأما قول القائل: "إنَّ الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كلّه"، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهذا هو الإيمان المطلق، كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا، ذهب منه شيء لم يبق مع صاحبه شيء من الإيمان، فيخلد في النار وقالت المرجئة، على اختلاف فرقهم فلا يذهب بالكبائر وبترك الواجبات الظاهرة شيء منه إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "واتفقوا أيضا على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، وفي الصحيحين عنه أنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"، وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها.
(٢) في (م) زيادة: " بعض".
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "كما".
واحدا، يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول ﷺ وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: " «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» " (١» . انتهى المقصود منه.
فقف واعتبر يا من أنعم عليه، وتأمل كلام الشيخ الذي احتج به هذا المعترض الضال، فإنه صريح في أن الخوارج إنما خالفوا السلف، وانفردوا عن أهل السنَّة بالتكفير بالذنوب، التي دون الشرك، ودون ما يوجب الكفر، وأهل العلم قاطبة فرَّقوا بين هذا وبين رأي الخوارج، وعقدوا أبوابا مستقلة في أحكام المرتدين، واتفقوا على التكفير بإنكار الوحدانية، واتخاذ الآلهة من دون الله، كما عليه عُبَّاد القبور وعباد الملائكة والأنفس المفارقة، وجعلوا هذا أظهر شعائر الإسلام، وأعظم قواعده، وأكبر أركانه كما في حديث معاذ: " «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل اللَّه» " (٢) والحنابلة وغيرهم قرروا هذا في أبواب حكم المرتد، وكذلك من قبلهم من الأئمة. والسلف يكفرون من كفره الله ورسوله. وقام الدليل على كفره، حتى في الفروع. فيكفرون منكر (٣) هذه الأحكام المجمع على حلها أو تحريمها، كحل الخبز وتحريم الخنزير، بل جميع الرسل جاءت بتكفير من عدل بربه وسوى بينه وبين غيره، كما ذكره شيخ الإسلام في رده على اليهود والنصارى، ودليله ظاهر في كتاب اللَّه تعالى وسنَّة رسوله.
فإن كان تكفير المشرك، ومن قام الدليل على كفره هو مذهب الخوارج، ولا يكفر أحد عند أهل السنَّة، فهذا رد على الله وعلى رسله،
_________
(١) أخرجه مسلم (١٩٣ ٣٢٥) .
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (م): "من أنكر".
وعلى أهل (١) العلم والإيمان قاطبة، ويكفي هذا ردًّا وفضيحة لهذا المعترض، الذي لم يميز ولم يفرق بين دين المرسلين، ومذهب الخارجين والمارقين.
وإن اعترف المعترض بالتفصيل، وسلَّم للرسل وأتباعهم تكفير المشركين العادلين برب (٢) العالمين.
فيقال له:
هذا الذي اعترضت به على الشيخ أهو تكفير بالذنوب التي دون الشرك، أم النزاع في تكفير من دعا الصالحين وسألهم وتوكل عليهم، وجعلهم واسطة بينه وبين اللَّه في حاجاته وملماته الدينية والدنيوية؟ فإن اعترف بأن النزاع في هذا فقد خصم وهزم، ونادى على نفسه بالخطأ والكذب، ونسبة الشيخ إلى ما قد نزهه الله عنه.
وإن أنكر وقال: النزاع فيما دون هذا، طولب ببيانه، مع أنَّ الخاص والعام يُكَذِّبه ويرد عليه لو أنكر، لعلمهم أن النزاع والخصومة بين الشيخ ﵀ وبين أعدائه إنما هي في دعاء غير اللَّه وعِبَادة سواه، والاعتماد والتوكل على الشركاء والأنداد التي هي من الإفك الذي افتراه الضالون، وانتحله المبطلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
إذا عرفت هذا: تبيَّن لك ما قدمناه من إفك هذا المفتري وضلاله، وتحامله على شيخ الإسلام، وأن ما قرره الشيخ مباين لمذهب الخوارج موافق لمذهب أهل الإسلام من أهل العلم والدين، وأن من
_________
(١) في (م): " أولى".
(٢) في (الأصل): "باللَّه ".
زعم (١) أن قول الشيخ هو قول الخوارج، فقد تضمَّن زَعْمُهُ وبُهْتُه تجهيل أئمة الدين، وعلماء المسلمين، ممَّن نهى عن الشرك بالله رب العالمين، وأنهم لم يفرقوا بين مذهب الخوارج ودين الرسل؛ بل لازمه أن ما تضمنه الكتاب العزيز والسنَّة النبوية من تكفير من دعا مع الله آلهة أخرى هو مذهب الخوارج، فنعوذ بالله من الجهل المعمي، والهوى المردي.
ثم هذا رجوع عن مذهبه الأول، فإنه جعل فعل عُبَّاد القبور: من التوسل الجائز الذي دلَّ عليه حديث الأعمى، وهنا (٢) نكص على عقبه وجعله من الذنوب التي يكَفِّر بها الخوارج.
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة (٣) تنتحي نجدا وآونة ... شعب الغوير وطورا قصر تيماء
وأما قوله: (فإذا كان هذا كلامه في هذه المسألة، فماذا يزيد الإيمان وينقص، حتى يكون أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخر قوله.
فهذه العبارة تنادي بجهله، فالخوارج لا ينازعون في زيادة الإيمان، وإنما النزاع في نقصه، وأئمة الإسلام يقولون يزيد مع بقاء أصله الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا اللَّه، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فإذا ثبت الإسلام زاد الإيمان ونقص، ومع عدم الإسلام وانهدام أصله لا يعتد بما أتى به من شعبه.
_________
(١) من هنا ساقط من (م) .
(٢) في بقية النسخ: "وهناك ".
(٣) في (ح): "ويوما".
وقوله: (وهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا يهتدون سبيلًا) .
فيقال: نعم هو ذاك، ولو شعرت أن هذا الكلام منطبق على حالك، مناد بضلالك وأنك لا تعرف الحق ولا أهله، ولا تعرف السبيل ولا تهتدي إليه، وإنما يعرف أهل (١) الحق والإيمان من له نور يمشي به في الناس، وأما الجاهل المظلم (٢) فهو من أبعد الناس عن معرفة الحق، واتباعه (٣) السبيل وسلوكه. وأما قوله: (كيف نُدْبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من (٤) مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخره.
فيقال: هذه العبارة عبارة جاهل غبي، فإن تدبير النصوص والأحكام إلى الملك الحق العليم (٥) العلام، وأهل العلم لا يستعملون هذه العبارة، ولا يعبرون بتعبير أهل الجهل (٦) والغباوة، وإنما يقال: كيف يفهم (٧) أو كيف يحمل، أو كيف يخرج، أو كيف يوجه؟ .
ثم هذا القول صريح في أن هذا المعترض لم يشم رائحة العلم، ولم يمارس أهله، فإن الموحد السالم من الشرك الأكبر هو الذي يتصور أن
_________
(١) ساقطة من بقية النسخ.
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "مثلك".
(٣) في بقية النسخ زيادة: "ومعرفة".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) "الحق العليم" ساقطة من (ح) .
(٦) في بقية النسخ: "الجهالة".
(٧) في (ح): "تفهم".
يبقى في قلبه بقية من الإيمان والتوحيد، وأما المشرك العادل بربه، المُسَوِّي بينه وبين غيره؛ فلا يتصور بقاء شيء من الإيمان والتوحيد في قلبه، فهو ممن حبسه القرآن، وحكم بخلوده (١) .
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء / ٤٨، ١١٦] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا - خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] [الأحزاب / ٦٤، ٦٥] .
والمعترض كأنه من بوادي السودان الذين لم يأنسوا بشيء من العلم والإيمان، ولم يمر على أسماعهم شيء من نصوص السنة والقرآن، ولم يميزوا بين ما جاءت به الرسل وما عليه عباد الأصنام والأوثان، فربما زين الشيطان لأحدهم وأوهمه (٢) أنه من خلاصة نوع الإنسان، وأنه ممن يثبت عند المبارزة والمخاصمة في الميدان، فإذا التقت الصفوف وتقارب الزحفان، نكص المغرور على عقبه وتخلى عنه قرينه وأسلمه الشيطان، واستبان له (٣) أنه كان في غاية من الجهالة والضلالة والطغيان، قد لبَّس (٤) عليه واشتبه الأمر لديه، فلم يفرق بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، وإلى اللَّه المصير وعليه الاعتماد والتكلان، وربنا جلَّ ذكره وتقدس اسمه كل يوم هو في شأن.
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "في التبار والخسران".
(٢) في (ح): "وأوهموا".
(٣) في بقية النسخ: "وتبين".
(٤) في (ح): "تدلس ".
فصل قال المعترض: (فصل، ولنختم هذا الكتاب بمسألة هذا الرجل الذي ذكرنا أنها قاعدة قنطرته على الأمة، قال في شبهه المذكور في خاتمتها: "ولنختم الكلام بمسألة عظيمة (١) مهمة يكثر جهل الموحدين بها، فنقول: لا خلاف أن التوحيد يعني الإيمان لا بد أن يكون بالقلب واللسان والجوارح، فإن اختل بعض هذه الثلاث، فهو كافر أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس ". اهـ المقصود.
ثم ذكر كلاما بعده، وهذه المسألة ذكرها أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى بعينها في كتاب الإيمان الكبير له، وقال: من هذه المسألة نشأت البدع، إلى أن قال: "واتفق أهل السنَّة والجماعة والخوارج على أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، ثم افترقت عند ذلك عنهم الخوارج، فقالوا: إن اختل بعض هذه الثلاث لم يكن مسلما"، هذا محصول كلام أبى العباس، وصح بهذا الكلام من (٢) هذا الرجل الذي هو قرَّره وعظمه أنه عين مذهب الخوارج الذين كفَّروا به الأمة،
_________
(١) نهاية السقط من النسخة.
(٢) ساقطة من (ح) .
وقاتلوا عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، الذي هو من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، كما في الصحيحين وغيرهما، وكفَّروه بذلك، وقد ذكر هذه القاعدة العلامة ابن قندس في حاشيته على الفروع، ونقل كلام أبي العباس (١) وابن قندس رحمهما الله تعالى؛ لأنهما ذكرا أن هذه الصورة التي ذكرها هذا الرجل بعينها هي مذهب الخوارج بعينه، ومذهب الخوارج كفانا سيد البشر ﷺ في رده فيما صح عنه، مع كونهم يقولون من خير قول البرية، وهذا الرجل قد عظم هذه المسألة أشد التعظيم، كما ترى بالحض عليها، وجعلها مهمة بحيث دعا إلى الاهتمام بها وبلزومها والعمل بموجبها، وأنه يكثر الجهل من الموحدين بها، وصدق في ذلك بل كل الموحدين بحمد اللَّه تعالى لا يعتقدونها، ولا يعرفونها؛ لأنها جهل ليس بعلم، والجهل لا يسمى علما على الصحيح عند الأصوليين، وهذا الرجل قد جعل المخالف لها كافرا أعظم من كفر فرعون وإبليس وأمثالهما، فإذا كان هذا كلامه في هذه المسألة فماذا يزيد الإيمان وينقص حتى يكون أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من (٢) خردل من إيمان، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة، والخردلة أدون (٣) من الذرة بكثير، فهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا يهتدون سبيلًا لتناقضهم، وتقطيع آَثارهم بالأهواء، وتحكيم عقولهم بالجهل،
_________
(١) في (م) زيادة: "على ذلك وقرره فحينئذ لا يحتاج كلام هذا الرجل لذكر رد عليه مع كلام أبي العباس".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (م): "أدنى"، وفي (ح): "أو دون".
يهيمون في كل واد، فكيف ندبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان، فلا يُصَدق بقولهم هذا إلا من كذَّب بحديث الرسول " ﷺ الذي في الصحيحين في الشفاعة عن أنس ﵁ وغيره (١) أفلا يستحيون من هذا الهذيان الذي لا قوام له في (٢) الميدان؟ إذا التفت الفرسان، ونشرت الصحف وعلق الميزان من السنَّة والقرآن؟ وأحضر قول علماء (٣) هذا الشأن.
فحينئذ يكون قولهم هذا كالسراب في القيعان، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه وبرحه فواحسرتا للعطشان، ومع هذا ليس لهم عن ذلك رجوع، وقولهم لا يسمن ولا يغني من جوع.
إذا تقرر هذا: فكل أتباعه يشربون من هذا البحر التيار المظلم من أي أركانه، ويلتقطون من ضفادعه وحيتانه، فهذا ملتقى البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، بحر أجاج بتكفير الأمة ثجاج (٤) وبحر سائغ شرابه لذة للشاربين، وبينهما حاجز الأمواج، فسلك هذا الرجل بحر الظلمات بنص العلماء الثقات، ومن شك في هذا فليراجع من الأثبات ما ذكرنا في المجلدات، ليتبع سبيل المؤمنين المفلحين المنجحين عن سبيل الظلمات فما (٥) يقول من هذا مقاله (٦) فيما رويناه) وذكر حديث البطاقة.
_________
(١) ساقطة من (م) .
(٢) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "هذا".
(٣) في (م) زيادة: " أهل".
(٤) في بقية النسخ: "نجاج" بالنون.
(٥) في (ح): (فلا) .
(٦) في (ح): "مثاله".
والجواب أن يقال: قد تقدم مرارا أن المعترض له حظ وافر من صناعة التبديل والتحريف، كما وصف اللَّه اليهود بذلك في غير آية، (وبحث الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ موجود معروف فإنه تكلم على مسألة التكفير ببعض الذنوب كما هو رأي الخوارج، وليس في كلام شيخنا ﵀ تعرض لهذا- أعني التكفير بالذنوب- حتى يرد عليه بكلام شيخ الإسلام؛ بل كلامه في التوحيد الذي هو شهادة أن لا إِله إلا الله، وهذا لا ينازع مسلم في أنه لا بد أن يكون بالقلب، فإنه لم يصدق ويعلم ويؤثر ما دلَّت عليه "لا إله إلا الله ويعمل بقلبه العمل الخاص كالمحبة، والإنابة، والرضا، والتوكل، والخشية، والرغبة، والرهبة، فإن لم يحصل منه هذا بالكلية فهو منافق، ولا بد من الإقرار، فإنه إذا لم يقر بلسانه، كافر تجري عليه أحكام الكفار بلا نزاع، وكذلك العمل بالجوارح لا بد منه، فلا يكون مسلما إلا إذا ترك عبادة الطاغوت، وتباعد عنه، وعمل للَّه بمقتضى شهادة الإخلاص من تسليم الوجه له، واجتناب الشرك قولًا وعملا وترك الخضوع والسجود) (١) والذبح والنذر لغير الله، وإخلاص الدين في ذلك كله لله، هذا ما دلَّ عليه كلام شيخنا ﵀ في كشف الشبهة (٢) وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، فإذا اختل أحد هذه الثلاثة اختل الإسلام وبطل، كما دلَّ عليه حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبدأ في تعريف الإسلام بالشهادتين، ولا شك أن العلم والقول والعمل مشترط في صحة الإتيان
_________
(١) ما بين المعقوفتين كله ساقط من (ق) و(المطبوعة) .
(٢) في (ق) و(المطبوعة): " الشبهات".
بهما، وهذا لا يخفى على أحد شم رائحة العلم، وإنما خالف الخوارج فيما دون ذلك من ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من الناس.
وأما الديوان الأكبر، وهو ظلم الشرك، فلا خلاف بين أهل السنَّة والخوارج في التكفير بالشرك الأكبر، بعد قيام الحجة الرسالية، والمعترض جاهل، لا يفرق بين مسائل الإجماع ومسائل النزاع.
وها أنا أسوق لك كلام شيخ الإسلام تقيّ الدِّين لتعلم أن هذا (١) المعترض بدَّل اللفظ وحرَّف المعنى، وجمع بين الأمرين اللذين ذم الله بهما اليهود بغيا وحسدا، والله حسيبه، والمقصود هنا (٢) رد شبهته.
قال شيخ الإسلام في أواخر النصف الأول من كتاب "الإيمان " (٣) .
(فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله تعالى به رسوله ﷺ فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان، فيلزم تكفير أهل الذنوب، كما يقوله (٤) الخوارج أو تخليدهم في النار، ولا ينفى عنهم اسم الإيمان بالكلية، كما تقوله المعتزلة، وكلا القولين شر من قول المرجئة، فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم.
قيل: أولًا: ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنَّة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار،
_________
(١) ساقطة من (م) .
(٢) ساقطة من (م) .
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٧ ٢٢٢) .
(٤) في (ق) و(المطبوعة): "تقوله"، بالتاء المثناة الفوقية.
فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان (١) وقد نقل بعض الناس عن (٢) الصحابة في ذلك خلافا، لما (٣) روي عن ابن عباس أن القاتل لا توبة له، وهذا غلط على الصحابة، فإنه لم يقل أحد منهم إن النبي ﷺ لا يشفع لأهل الكبائر، ولا قال إنهم يخلدون في النار، لكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: "إن القاتل لا توبة له " وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضا، والنزاع في التوبة غير النزاع في التخليد، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي؛ فلهذا حصل النزاع فيه، وأما قول القائل: "إنَّ الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كلّه"، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهذا هو الإيمان المطلق، كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا، ذهب منه شيء لم يبق مع صاحبه شيء من الإيمان، فيخلد في النار وقالت المرجئة، على اختلاف فرقهم فلا يذهب بالكبائر وبترك الواجبات الظاهرة شيء منه إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا
_________
(١) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "واتفقوا أيضا على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، وفي الصحيحين عنه أنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"، وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها.
(٢) في (م) زيادة: " بعض".
(٣) في (ق) و(المطبوعة): "كما".
واحدا، يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول ﷺ وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: " «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» " (١» . انتهى المقصود منه.
فقف واعتبر يا من أنعم عليه، وتأمل كلام الشيخ الذي احتج به هذا المعترض الضال، فإنه صريح في أن الخوارج إنما خالفوا السلف، وانفردوا عن أهل السنَّة بالتكفير بالذنوب، التي دون الشرك، ودون ما يوجب الكفر، وأهل العلم قاطبة فرَّقوا بين هذا وبين رأي الخوارج، وعقدوا أبوابا مستقلة في أحكام المرتدين، واتفقوا على التكفير بإنكار الوحدانية، واتخاذ الآلهة من دون الله، كما عليه عُبَّاد القبور وعباد الملائكة والأنفس المفارقة، وجعلوا هذا أظهر شعائر الإسلام، وأعظم قواعده، وأكبر أركانه كما في حديث معاذ: " «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل اللَّه» " (٢) والحنابلة وغيرهم قرروا هذا في أبواب حكم المرتد، وكذلك من قبلهم من الأئمة. والسلف يكفرون من كفره الله ورسوله. وقام الدليل على كفره، حتى في الفروع. فيكفرون منكر (٣) هذه الأحكام المجمع على حلها أو تحريمها، كحل الخبز وتحريم الخنزير، بل جميع الرسل جاءت بتكفير من عدل بربه وسوى بينه وبين غيره، كما ذكره شيخ الإسلام في رده على اليهود والنصارى، ودليله ظاهر في كتاب اللَّه تعالى وسنَّة رسوله.
فإن كان تكفير المشرك، ومن قام الدليل على كفره هو مذهب الخوارج، ولا يكفر أحد عند أهل السنَّة، فهذا رد على الله وعلى رسله،
_________
(١) أخرجه مسلم (١٩٣ ٣٢٥) .
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (م): "من أنكر".
وعلى أهل (١) العلم والإيمان قاطبة، ويكفي هذا ردًّا وفضيحة لهذا المعترض، الذي لم يميز ولم يفرق بين دين المرسلين، ومذهب الخارجين والمارقين.
وإن اعترف المعترض بالتفصيل، وسلَّم للرسل وأتباعهم تكفير المشركين العادلين برب (٢) العالمين.
فيقال له:
هذا الذي اعترضت به على الشيخ أهو تكفير بالذنوب التي دون الشرك، أم النزاع في تكفير من دعا الصالحين وسألهم وتوكل عليهم، وجعلهم واسطة بينه وبين اللَّه في حاجاته وملماته الدينية والدنيوية؟ فإن اعترف بأن النزاع في هذا فقد خصم وهزم، ونادى على نفسه بالخطأ والكذب، ونسبة الشيخ إلى ما قد نزهه الله عنه.
وإن أنكر وقال: النزاع فيما دون هذا، طولب ببيانه، مع أنَّ الخاص والعام يُكَذِّبه ويرد عليه لو أنكر، لعلمهم أن النزاع والخصومة بين الشيخ ﵀ وبين أعدائه إنما هي في دعاء غير اللَّه وعِبَادة سواه، والاعتماد والتوكل على الشركاء والأنداد التي هي من الإفك الذي افتراه الضالون، وانتحله المبطلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
إذا عرفت هذا: تبيَّن لك ما قدمناه من إفك هذا المفتري وضلاله، وتحامله على شيخ الإسلام، وأن ما قرره الشيخ مباين لمذهب الخوارج موافق لمذهب أهل الإسلام من أهل العلم والدين، وأن من
_________
(١) في (م): " أولى".
(٢) في (الأصل): "باللَّه ".
زعم (١) أن قول الشيخ هو قول الخوارج، فقد تضمَّن زَعْمُهُ وبُهْتُه تجهيل أئمة الدين، وعلماء المسلمين، ممَّن نهى عن الشرك بالله رب العالمين، وأنهم لم يفرقوا بين مذهب الخوارج ودين الرسل؛ بل لازمه أن ما تضمنه الكتاب العزيز والسنَّة النبوية من تكفير من دعا مع الله آلهة أخرى هو مذهب الخوارج، فنعوذ بالله من الجهل المعمي، والهوى المردي.
ثم هذا رجوع عن مذهبه الأول، فإنه جعل فعل عُبَّاد القبور: من التوسل الجائز الذي دلَّ عليه حديث الأعمى، وهنا (٢) نكص على عقبه وجعله من الذنوب التي يكَفِّر بها الخوارج.
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة (٣) تنتحي نجدا وآونة ... شعب الغوير وطورا قصر تيماء
وأما قوله: (فإذا كان هذا كلامه في هذه المسألة، فماذا يزيد الإيمان وينقص، حتى يكون أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخر قوله.
فهذه العبارة تنادي بجهله، فالخوارج لا ينازعون في زيادة الإيمان، وإنما النزاع في نقصه، وأئمة الإسلام يقولون يزيد مع بقاء أصله الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا اللَّه، وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فإذا ثبت الإسلام زاد الإيمان ونقص، ومع عدم الإسلام وانهدام أصله لا يعتد بما أتى به من شعبه.
_________
(١) من هنا ساقط من (م) .
(٢) في بقية النسخ: "وهناك ".
(٣) في (ح): "ويوما".
وقوله: (وهذه حال أهل الأهواء لا يتبعون أهل الحق ولا يهتدون سبيلًا) .
فيقال: نعم هو ذاك، ولو شعرت أن هذا الكلام منطبق على حالك، مناد بضلالك وأنك لا تعرف الحق ولا أهله، ولا تعرف السبيل ولا تهتدي إليه، وإنما يعرف أهل (١) الحق والإيمان من له نور يمشي به في الناس، وأما الجاهل المظلم (٢) فهو من أبعد الناس عن معرفة الحق، واتباعه (٣) السبيل وسلوكه. وأما قوله: (كيف نُدْبر على هذا الطريق الزائغ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من (٤) مثقال حبة خردل من إيمان) إلى آخره.
فيقال: هذه العبارة عبارة جاهل غبي، فإن تدبير النصوص والأحكام إلى الملك الحق العليم (٥) العلام، وأهل العلم لا يستعملون هذه العبارة، ولا يعبرون بتعبير أهل الجهل (٦) والغباوة، وإنما يقال: كيف يفهم (٧) أو كيف يحمل، أو كيف يخرج، أو كيف يوجه؟ .
ثم هذا القول صريح في أن هذا المعترض لم يشم رائحة العلم، ولم يمارس أهله، فإن الموحد السالم من الشرك الأكبر هو الذي يتصور أن
_________
(١) ساقطة من بقية النسخ.
(٢) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "مثلك".
(٣) في بقية النسخ زيادة: "ومعرفة".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) "الحق العليم" ساقطة من (ح) .
(٦) في بقية النسخ: "الجهالة".
(٧) في (ح): "تفهم".
يبقى في قلبه بقية من الإيمان والتوحيد، وأما المشرك العادل بربه، المُسَوِّي بينه وبين غيره؛ فلا يتصور بقاء شيء من الإيمان والتوحيد في قلبه، فهو ممن حبسه القرآن، وحكم بخلوده (١) .
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء / ٤٨، ١١٦] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا - خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] [الأحزاب / ٦٤، ٦٥] .
والمعترض كأنه من بوادي السودان الذين لم يأنسوا بشيء من العلم والإيمان، ولم يمر على أسماعهم شيء من نصوص السنة والقرآن، ولم يميزوا بين ما جاءت به الرسل وما عليه عباد الأصنام والأوثان، فربما زين الشيطان لأحدهم وأوهمه (٢) أنه من خلاصة نوع الإنسان، وأنه ممن يثبت عند المبارزة والمخاصمة في الميدان، فإذا التقت الصفوف وتقارب الزحفان، نكص المغرور على عقبه وتخلى عنه قرينه وأسلمه الشيطان، واستبان له (٣) أنه كان في غاية من الجهالة والضلالة والطغيان، قد لبَّس (٤) عليه واشتبه الأمر لديه، فلم يفرق بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، وإلى اللَّه المصير وعليه الاعتماد والتكلان، وربنا جلَّ ذكره وتقدس اسمه كل يوم هو في شأن.
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "في التبار والخسران".
(٢) في (ح): "وأوهموا".
(٣) في بقية النسخ: "وتبين".
(٤) في (ح): "تدلس ".
Translation
فصل فيه بحث مسألة الإيمان والتكفير بالذنوب بين أهل السنة والخوارج
#108
Chapter 108 — فصل في احتجاج المعترض بحديث البطاقة على منع تكفير من نقض الشهادتين
· ref. #108
Misbah al-zalam fi al-radd 'ala man kadhdhaba al-shaykh al-imam wa nasabahu ila takfir ahl al-iman wa al-islam
Arabic text
Aqeedah
[فصل في احتجاج المعترض بحديث البطاقة على منع تكفير من نقض الشهادتين]
فصل وأما قوله: (فما يقول من هذا مقاله فيما روينا بأسانيدها إلى الشيخ مفتي السادة الحنابلة عبد الباقي وساق سند عبد الباقي إلى عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: " «يصاح برجل من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله ﷿: أتنكر (١) من هذا شيئا يا عبدي؟ فيقول:
لا يا رب. فيقول اللَّه تعالى: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك فيخرج اللَّه له بطاقة فيها: أشهد أن لا إِله إلا اللَّه وأنَّ محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» " (٢) .
فالجواب أن يقال: حديث البطاقة شاهد لكلام شيخنا، وأنه لا اعتبار بالأعمال إذا عدم التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " أتنكر".
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢ ٢١٣) .
لا إله إلا الله، وأن رجحان الموازين لا يحصل إلا بتحقيق التوحيد، والصدق والإخلاص في هذه الشهادة، وأن المشرك لا يقام له وزن، هذا من الأدلَّة والبراهين على ما دعا إليه الشيخ محمد رحمه الله تعالى، وأنه رأس الأمر وقاعدته العظمى.
قال في كتاب التوحيد (١) .
(باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] [الأنعام / ٨٢]) . وساق من الآيات والأحاديث المطابقة للترجمة ما يبين أن الشيخ رحمه اللَّه تعالى داعٍ إلى التوحيد آمر به وبوسائله وذرائعه، ناهٍ (٢) عن الشرك والتنديد، وعن وسائله وذرائعه.
وشبهة المعترض إنما أتته من حيث ظن أن دعاء الصالحين وعبادتهم والتوكل عليهم ذنب دون الشرك لا يخل بالتوحيد بل يبقى معه من التوحيد والإيمان ما ينجو به صاحبه، هذا معنى ما قرره هنا، قد تقدَّم أنه لا يراه ذنبا من الذنوب، وكلامه متناقض مختلف، ولكنه أورد الحديث هنا لما ذكرنا من ظنه وحسبانه (٣) فسبحان من طبع على قلبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] [الأنفال / ٢٢] .
_________
(١) انظر: "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد" (١ ١١٣) تحقيق د. الوليد الفريان.
(٢) في (الأصل): "ناهيا"، وهو خطأ.
(٣) في (ح): "وإحسانه".
قال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين في الكلام على حديث البطاقة (١) .
(إن صاحب البطاقة أتى بهذه الشهادة بصدق وإخلاص ويقين)، ولم يأت بعد بما يخالفها ويضعفها، والصدق والإخلاص واليقين (٢) في هذا التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص مكفر للذنوب، لا يبقى معه ذنب، كما أن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر.
وهذا يشهد لما قرره شيخنا من أنَّ الشرك الأكبر لا يبقى معه عمل.
وقد انتهى بنا القول في رد أباطيل المعترض وكشف زيغه وضلاله، وبيان كذبه ومحاله إلى هذه الغاية، والوقوف عند هذه النهاية، واستغفر اللَّه العلي العظيم الذي لا إِله إلا هو الحي القيوم، مما وقع من التفريط والإخلال بواجب حقه ونصرة دينه.
واسأله جلَّ ذكره أن يجعل ما أوردناه هنا من العمل الخالص لوجهه (٣) الذي يرضاه ويثيب فاعله وألاَّ يكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا إلى أحد من خلقه فنضل.
اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
_________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٧ ٤٨٨، ١٠ ٧٣٤) .
(٢) في (ح): " والتوحيد".
(٣) في (م) زيادة: " الكريم".
والله أعلم، وصلى اللَّه على عبده ورسوله محمَّد النبيّ الصَّادق الكريم (١) وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم (٢) بإحسان (إلى يوم الدين والحمد للَّه) (٣) .
_________
(١) في (م): "نبينا محمد".
(٢) في (م): "والتابعين لهم".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (م)، وفي (ق) و(ح) و(المطبوعة) بعدها زيادة: "رب العالمين إله الأوَّلين والآخرين".
آخر النسخة الأصل (ك)، قال: آخر ما أملاه شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي- أثابه اللَّه الجنة ورجح به موازينه، وعفى عنه وعن والديه ووالديهما ووالدينا ووالديهم وعنَّا معهم. آمين. وقد يسَّر اللَّه إتمام هذا الرد المبارك الميمون في أول جمادى الآخرة سنة ١٣٨٩ هـ، وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة في ضحوة الجمعة تاسع عشر جمادى أولى ١٣٨٩ هـ بقلم الفقير إلى الله ﷾ محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن عبد الله بن محمد بن صالح بن سليم.
وقد كتبه في مدَّة حصل فيها من كثرة الانشغال وتشتت البال ما يعلمه ذو الطول شديد المحال، فالمأمول فيمن نظر إليها أن يدعو له ويتسامح.
وهذه النسخة في ملك الشيخ المؤلف عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن عفى عنهما المنان، وأسكنهما الغرف العالية من الجنان، إنه جواد كريم رؤوف رحيم كثير الجود والإحسان، بارك الله لهما فيه.
فصل وأما قوله: (فما يقول من هذا مقاله فيما روينا بأسانيدها إلى الشيخ مفتي السادة الحنابلة عبد الباقي وساق سند عبد الباقي إلى عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: " «يصاح برجل من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله ﷿: أتنكر (١) من هذا شيئا يا عبدي؟ فيقول:
لا يا رب. فيقول اللَّه تعالى: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك فيخرج اللَّه له بطاقة فيها: أشهد أن لا إِله إلا اللَّه وأنَّ محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» " (٢) .
فالجواب أن يقال: حديث البطاقة شاهد لكلام شيخنا، وأنه لا اعتبار بالأعمال إذا عدم التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن
_________
(١) في (ق) و(م) و(المطبوعة): " أتنكر".
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢ ٢١٣) .
لا إله إلا الله، وأن رجحان الموازين لا يحصل إلا بتحقيق التوحيد، والصدق والإخلاص في هذه الشهادة، وأن المشرك لا يقام له وزن، هذا من الأدلَّة والبراهين على ما دعا إليه الشيخ محمد رحمه الله تعالى، وأنه رأس الأمر وقاعدته العظمى.
قال في كتاب التوحيد (١) .
(باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] [الأنعام / ٨٢]) . وساق من الآيات والأحاديث المطابقة للترجمة ما يبين أن الشيخ رحمه اللَّه تعالى داعٍ إلى التوحيد آمر به وبوسائله وذرائعه، ناهٍ (٢) عن الشرك والتنديد، وعن وسائله وذرائعه.
وشبهة المعترض إنما أتته من حيث ظن أن دعاء الصالحين وعبادتهم والتوكل عليهم ذنب دون الشرك لا يخل بالتوحيد بل يبقى معه من التوحيد والإيمان ما ينجو به صاحبه، هذا معنى ما قرره هنا، قد تقدَّم أنه لا يراه ذنبا من الذنوب، وكلامه متناقض مختلف، ولكنه أورد الحديث هنا لما ذكرنا من ظنه وحسبانه (٣) فسبحان من طبع على قلبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] [الأنفال / ٢٢] .
_________
(١) انظر: "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد" (١ ١١٣) تحقيق د. الوليد الفريان.
(٢) في (الأصل): "ناهيا"، وهو خطأ.
(٣) في (ح): "وإحسانه".
قال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين في الكلام على حديث البطاقة (١) .
(إن صاحب البطاقة أتى بهذه الشهادة بصدق وإخلاص ويقين)، ولم يأت بعد بما يخالفها ويضعفها، والصدق والإخلاص واليقين (٢) في هذا التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص مكفر للذنوب، لا يبقى معه ذنب، كما أن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر.
وهذا يشهد لما قرره شيخنا من أنَّ الشرك الأكبر لا يبقى معه عمل.
وقد انتهى بنا القول في رد أباطيل المعترض وكشف زيغه وضلاله، وبيان كذبه ومحاله إلى هذه الغاية، والوقوف عند هذه النهاية، واستغفر اللَّه العلي العظيم الذي لا إِله إلا هو الحي القيوم، مما وقع من التفريط والإخلال بواجب حقه ونصرة دينه.
واسأله جلَّ ذكره أن يجعل ما أوردناه هنا من العمل الخالص لوجهه (٣) الذي يرضاه ويثيب فاعله وألاَّ يكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا إلى أحد من خلقه فنضل.
اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
_________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٧ ٤٨٨، ١٠ ٧٣٤) .
(٢) في (ح): " والتوحيد".
(٣) في (م) زيادة: " الكريم".
والله أعلم، وصلى اللَّه على عبده ورسوله محمَّد النبيّ الصَّادق الكريم (١) وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم (٢) بإحسان (إلى يوم الدين والحمد للَّه) (٣) .
_________
(١) في (م): "نبينا محمد".
(٢) في (م): "والتابعين لهم".
(٣) ما بين القوسين ساقط من (م)، وفي (ق) و(ح) و(المطبوعة) بعدها زيادة: "رب العالمين إله الأوَّلين والآخرين".
آخر النسخة الأصل (ك)، قال: آخر ما أملاه شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي- أثابه اللَّه الجنة ورجح به موازينه، وعفى عنه وعن والديه ووالديهما ووالدينا ووالديهم وعنَّا معهم. آمين. وقد يسَّر اللَّه إتمام هذا الرد المبارك الميمون في أول جمادى الآخرة سنة ١٣٨٩ هـ، وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة في ضحوة الجمعة تاسع عشر جمادى أولى ١٣٨٩ هـ بقلم الفقير إلى الله ﷾ محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن عبد الله بن محمد بن صالح بن سليم.
وقد كتبه في مدَّة حصل فيها من كثرة الانشغال وتشتت البال ما يعلمه ذو الطول شديد المحال، فالمأمول فيمن نظر إليها أن يدعو له ويتسامح.
وهذه النسخة في ملك الشيخ المؤلف عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن عفى عنهما المنان، وأسكنهما الغرف العالية من الجنان، إنه جواد كريم رؤوف رحيم كثير الجود والإحسان، بارك الله لهما فيه.
Translation
فصل في احتجاج المعترض بحديث البطاقة على منع تكفير من نقض الشهادتين