Skip to content
CamQuran
CamQuran Plus
CamQuran
CamQuran Plus
Digital Islamic Center
Download Android APK
Latest Version 1.5.6 - Install on Phone
Download
Login / Register
CamQuran Plus © 2026
Back to the aqeedah library 345 chapters in total
Aqeedah Islamic creed

Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam شرح المقاصد في علم الكلام

Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam

Aqeedah (Islamic creed) drawn from the Quran and Sunnah, from the official islamic.app source, with full Arabic text arranged by chapter.

Author: Sa'd al-Din al-Taftazani (سعد الدين التفتازاني
345
Total sections
345 chapters
#81 Chapter 81 — الجزء 81 · ref. #81
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الوجه الثالث أنه لو وجد الخلاء بين الأرض والسماء لزم في الحجر المرمي إلى فوق أن يصل إلى السماء لأن الرامي قد أحدث فيه قوة صاعدة لا تقاومها الطبيعة إلا بمعونة مصادمات من الملاء وأجيب بأنه مع ابتنائه على نفي الفاعل المختار إنما ينفي كون ما بين الأرض والسماء خلاء صرفا ولا ينفي وجود خلاء خارج عما بينهما أو مختلط بالأجزاء الهوائية الوجه
Translation
الجزء 81
#82 Chapter 82 — الجزء 82 · ref. #82
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الرابع أنه لو وجد الخلاء لزم انتفاء أمور نشاهدها ونحكم بوجودها قطعا كارتفاع اللحم في المحجمة عند المص فإنه لما انجذب الهواء بالمص تبعه اللحم لئلا يلزم الخلاء وكارتفاع الماء في الأنبوبة إذا غمس أحد طرفيها في الماء ومص الطرف الآخر وكبقاء الماء في الكوز الذي في اسفله ثقبة ضيقة من غير أن ينزل من الثقبة عند شد رأس الكوز لئلا يبقى حيز الماء خاليا ونزوله على ما هو مقتضى طبعه عند فتح الرأس لدخول الهواء وكانكسار القارورة التي جعلت في رأسها خشبة وشدت بحيث لا يدخل فيها ولا يخرج عنها هواء ثم أخرجت الخشبة فإن القارورة تنكسر إلى الداخل لئلا يبقى حيز الخشبة خاليا وإن أدخلت تنكسر القارورة إلى الخارج لما أن فيها ملاء لا يجامع الخشبة وأجيب بأنه يجوز أن يكون ذلك لأسباب أخر فإن غاية هذه الأمور لزومها لانتفاء الخلاء واللازم قد يكون أعم فلا يصح الاستدلال بوجوده على وجود الملزوم نعم ربما يفيد يقينا حدسيا للناظر لكن لا يقوم حجة على المناظر ( قال الفصل الثالث في الكيف ) لا طريق إلى تعريف الأجناس العالية سوى الرسوم الناقصة إذ لا يتصور لها جنس وهو ظاهر ولا فصل لأن التركب من الأمرين المتساويين ليكون كل منهما فصلا مجرد احتمال عقلي لا يعرف تحققه بل ربما تقام الدلالة على انتفائه ولم يظفر للكيف بخاصة لازمة شاملة سوى التركب من العرضية والمغايرة للكم وللأعراض النسبية إلا أن التعريف بها كان تعريفا للشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة لأن الأجناس العالية ليس بعضها أجلى من البعض فعدلوا عن ذكر كل من الكم والأعراض النسبية إلى ذكر خاصته التي هي أجلى فقالوا هو عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولا يتوقف تصوره على تصور غيره فخرج الجوهر والكم والأعراض النسبية ومن جعل النقطة والوحدة من الأعراض زاد قيد عدم اقتضاء اللاقسمة احترازا عنهما وقيدوا عدم اقتضاء القسمة واللاقسمة بالذات والأولية لئلا يخرج عن التعريف العلم بالمركب وبالبسيط حيث يقتضي القسمة واللاقسمة نظرا إلى المتعلق فإن قيل من الكيفيات ما يتوقف تعلقه على تعقل شيء آخر كالعلم والقدرة والاستقامة والانحناء ونحو ذلك قلنا ليس هذا بتوقف وإنما هو استلزام واستعقاب بمعنى أن تصوره يستلزم تصور متعلق له بخلاف النسبيات فإنها لا تتصور إلا بعد تصور المنسوب والمنسوب إليه وبالجملة فالمعنى بالكيفية ما ذكر فلو كان شيء مما بعد في الكيفيات على خلاف ذلك لم يكن كيفية والمشهور في تعريف الكيفية أنها هيئة قارة لا يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن حاملها ولا تقتضي قسمة ولا نسبة في أجزاء حاملها واحترز بالقيد الأخير عن الوضع وبالأول أعني القارة عند الزمان وأن يفعل وأن ينفعل واعترض بأن الاحتراز عن أن يفعل وأن ينفعل حاصل بالقيد الثاني وعن الزمان بالقيد الثالث أعني عدم اقتضاء القسمة على أن من الكيفيات ما ليست بقارة كالصوت ومنها ما يوجب تصورها تصور أمر خارج كالعلم والقدرة على ما مر قال وتنحصر بالاستقراء في أربعة اقسام أقسام الكيف في أربعة الكيفيات المحسوسة الكيفيات النفسانية الكيفيات المختصة بالكميات الاستعدادات والتعويل في الحصر على الاستقراء وقد يبين بصورة الترديد بين النفي والإثبات ويحصل بحسب اختلاف التعبير عن كل قسم بما له من الخواص طرق متعددة حاصلها أن الكيف إن كان هو القسم الأول فالأول أو الثاني فالثاني أو الثالث فالثالث وإلا فالرابع والمنع عليه ظاهر فلا يصلح إلا وجه ضبط لما علم بالاستقراء على أن بعض الخواص مما فيه نوع خفاء كتعبير الإمام عن الكيفيات النفسانية بالكمال وتعبير ابن سينا عنها بما لا يتعلق بالأجسام وعن الاستعدادات بما يخص الجسم من حيث الطبيعة وعن المحسوسات بما يكون ثبوتها أنها فعل وبعضها ليس شاملا للأفراد كتعبيره عن المحسوسات بما يكون فعله بطريق التشبيه أي جعل الغير شبيها به كالحرارة تجعل المجاور حارا أو السواد يلقي شبحه أي مثاله على العين لا كالثقل فإن فعله في الجسم التحريك لا الثقل قال الإمام وهذا تصريح منه فإخراج الثقل والخفة عن المحسوسات مع تصريحه في موضع آخر من الشفاء بأنهما منها وذكر في موضع آخر منه أنه لم يثبت بالبرهان أن الرطب يجعل غيره رطبا واليابس يجعل غيره يابسا وكتعبيره عن الكيفيات المختصة بالكميات بما يتعلق بالجسم من حيث الكمية قال الإمام وهذا تضييع للكيفية المختصة بالعدد يعني من جهة أنها قد تتعلق بالمجردات وبهذا اعترض على قولهم أن البحث عن أحوال ما يستغني عن المادة في الذهن دون الخارج هي الرياضيات بأن من جملتها البحث عن أحوال العدد وهو يستغني عن المادة في الخارج أيضا وأجيب بأن البحث فيه قد يقع لا من حيث الافتقار إلى المادة وهو بحث الوحدة والكثرة من الإلهي وقد يقع من حيث الافتقار كالجمع والتفريق والضرب ونحو ذلك مما في الحساب وهو من الرياضي وفيه نظر لا يقال المراد ما يتعلق بالجسم في الجملة وإن لم يختص به وكيفيات العدد كذلك لأنا نقول فحينئذ يكون معنى الكيفيات النفسانية مالا يتعلق بالجسم أنها لا تتعلق به أصلا وفساده بين بل المعنى أنها لا تتعلق به خاصة بحيث تستغني عن النفس قال القسم الأول الكيفيات المحسوسة وهي إن كانت راسخة كصفرة الذهب وحلاوة العسل سميت انفعاليات لانفعال الحواس عنها أو لا ولكونها بخصوصها أو عمومها تابعة للمزاج الحاصل من انفعال العناصر بموادها فالخصوص كما في المركبات مثل حلاوة العسل والعموم كما في البسايط مثل حرارة النار فإن الحرارة من حيث هي قد تكون تابعة للمزاج ولانفعال المواد وهذا معنى قولهم تشخصها أو نوعها وإلا فالحرارة ليست نوعا لحرارة النار وغيرها لا حقيقيا ولا إضافيا وكذا البياض لبياض الثلج والعاج على ما سيجيء وإن كانت غير راسخة سميت انفعالات لأنها لسرعة زوالها شديدة الشبه بأن تنفعل فخصت بهذا الاسم تمييزا بين القسمين قال المبحث الأول أصول الكيفيات الملموسة أي التي لا يخلو عنها شيء من الأجسام العنصرية ويقع الإحساس بها أو لا وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا خفاء في وجودها فما يقال أن البرودة عدم الحرارة ليس بشيء ولا في ماهيتها فما يذكر في معرض التعريف لها تنبيه على بعض ما لها من الخواص لا إفادة لتصوراتها والمشهور من خواص الحرارة أنها التي تفرق المختلفات وتجمع المتشاكلات إلا أنها تابعة لخاصة أخرى هي التحريك إلى فوق على ما قال في الحدود الحرارة كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة فيعرض أن تجمع المتجانسات وتفرق المختلفات وتحدث بتحليلها الكثيف تخلخلا من باب الكيف أي رقة قوام ويقابله التكاثف بمعنى غلظ القوام وبتصعيدها اللطيف تكاثفا من باب الوضع أي اجتماعا للأجزاء الوجدانية الطبع بخروج الجسم الغريب عما بينها ويقابله التخلخل بمعنى انتفاش الأجزاء بحيث يخالطها جرم غريب ومعنى الفعلية ما سبق من جعل الغير شبيها لا مجرد إفادة أثر ما أعم من الحركة وغيرها ليكون قولنا فعلية محركة بمنزلة قولنا جسم حيوان على ما زعم الإمام وبالجملة فالخاصة الأولية للحرارة هي إحداث الخفة والميل المصعد ثم يترتب على ذلك بحسب اختلاف القوابل آثار مختلفة من الجمع والتفريق والتنجيز وغير ذلك وتحقيقه أن ما يتأثر عن الحرارة إن كان بسيطا استحال أولا في الكيف ثم أفضى به ذلك إلى انقلاب الجوهر فيصير الماء هواء والهواء نارا وربما يلزمه تفريق المتشاكلات بأن تتميز الأجزاء الهوائية من الماء ويتبعها ما يخالطها من الأجزاء الصغار المائية وإن كان مركبا فإن لم يشتد التحام بسائطه ولا خفاء في أن الألطف أقبل للصعود لزم تفريق الأجزاء المختلفة وتبعه انضمام كل إلى ما يشاكله بمقتضى الطبيعة وهو معنى جمع المتشاكلات وإن اشتد التحام البسائط فإن كان اللطيف والكثيف قريبين من الاعتدال حدثت من الحرارة القوية حركة دورية لأنه كلما مال اللطيف إلى التصعد جذبه الكثيف إلى الانحدار وإلا فإن كان الغالب هو اللطيف يصعد بالكلية كالنوشادر وإن كان هو الكثيف فإن لم يكن غالبا جدا حدث تسييل كما في الرصاص أو تليين كما في الحديد وإن كان غالبا جدا كما في الطلق حدث مجرد سخونة واحتيج في تليينه إلى الاستعانة بأعمال أخر وعدم حصول التصعد أو التفرق بناء على المانع لا ينافي كون خاصتها التصعيد وتفريق المختلفات وجمع المتشاكلات قال وقد يقال الحار إطلاق الحرارة على حرارة النار وعلى الحرارة الفايضة عن الأجرام السماوية النيرة وعلى الحرارة الغريزية وعلى الحرارة الحادثة بالحركة ليست بحسب اشتراك اللفظ على ما يتوهم لأنه لمفهوم واحد هو الكيفية المحسوسة المخصوصة وإن كانت الحرارات متخالفة بالحقيقة واختلاف المفهوم إنما هو في إطلاق الحار على مثل النار وعلى الأجرام السماوية التي تفيض منها الحرارة وعلى الدواء والغذاء اللذين يظهر منهما حرارة في بدن الحيوان وهل في كل من الكواكب والدواء والغذاء صفة مسماة بالحرارة كالكيفية المحسوسة في النار أم ذلك توسع وإطلاق للحار على ما منه الحرارة وإن لم يقم به معنى مسمى بالحرارة فيه تردد واختلفوا في الحرارة الغريزية التي بها قوام حياة الحيوان فاختار الإمام الرازي أنها هي النارية فإن النار إذا خالطت سائر العناصر أفادت حرارتها المركب طبخا واعتدالا وقواما لتوسطها بانكسار سورتها عند تفاعل العناصر بين الكثرة المقتضية إلى إبطال القوام والعلة القاصرة عن الطبخ الموجب للاعتدال فتلك الحرارة هي المسماة بالحرارة الغريزية وحكي عن أرسطو أنها من جنس الحرارة التي تفيض من الأجرام السماوية فإن المزاج المعتدل بوجه ما مناسب لجوهر السماء لأنه ينبعث عنه يعني أنه إذا امتزجت العناصر وانكسرت سورة كيفياتها حصل للمركب نوع وحدة وبساطة بها يناسب البساطة السماوية ففاض عليه مزاج معتدل به حفظ التركيب وحرارة غريزية بها قوام الحياة وقبول علاقة النفس وبعضهم على أنها مخالفة بالماهية للحرارة النارية والحرارة السماوية لاختصاصها بمقاومة الحرارة الغريزية ودفعها عن الاستيلاء على الرطوبات الغريزية وإبطال الاعتدال حتى أن السموم الحارة لا تدفعها إلا الحرارة الغريزية فإنها آلة للطبيعة تدفع ضرر الحار الوارد بتحريك الروح إلى دفعه وضرر البارد الوارد بالمضادة وأجاب الإمام بأن تلك المقاومة إنما هي من جهة أن الحرارة الغريزية تحاول التفريق والغريزية أفادت من النضج والطبخ ما يعسر عنده على الحرارة الغريزية تفريق تلك الأجزاء وبالجملة يجوز أن تكون هي الحرارة السماوية أو النارية ويستند آثاره المختصة بها إلى خصوصية حصولها في البدن المعتدل وصيرورتها جزأ من المزاج الخاص ( قال وأورد ) المذكور في كلام بعض المتقدمين أن الجسم إنما كان رطبا إذا كان بحيث يلتصق بما يلامسه وفهم منه أن الرطوبة كيفية تقتضي التصاق الجسم ورده ابن سينا بأن الالتصاق لو كان للرطوبة لكان الأشد رطوبة أشد التصاقا فيكون العسل أرطب من الماء بل المعتبر في الرطوبة سهولة قبول الشكل وتركه فهي كيفية بها يكون الجسم سهل التشكل وسهل الترك للشكل وأجاب الإمام بأن المعتبر فيها سهولة الالتصاق ويلزمها سهولة الانفصال فهي كيفية بها يستعد الجسم لسهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال عنه ولا نسلم أن العسل أسهل التصاقا من الماء بل أدوم وأكثر ملازمة ولا عبرة بذلك في الرطوبة كيف وظاهر أنه ليس أسهل انفصالا فيلزم أن لا يكون أسهل التصاقا وكان مراد الإمام تأويل كلامهم بما ذكر وإلا فاعتراض ابن سينا إنما هو على ما نقله من كلامهم لا على تفسير الرطوبة بسهولة الالتصاق والانفصال على ما يشعر به كلام للواقف ومبناه على أنه لا تعرض في كلامهم للانفصال أصلا ولا للسهولة في جانب الالتصاق على ما ذكر من استلزام سهولة الالتصاق وسهولة الانفصال ممنوع وقد يعترض على اعتبار سهولة الالتصاق بأنه يوجب أن يكون اليابس المدقوق جدا كالطعام المحرقة رطبا لكونه كذلك ويجاب بأنه يجوز أن يكون ذلك لمخالطة الأجزاء الهوائية وهذا ما يتم على رأي من يقول برطوبة الهواء وسهولة التصاقه لولا مانع فرط اللطافة لا على رأي الإمام واعترض على اعتبار سهولة قبول الأشكال بوجوه منها أن النار أرق العناصر وألطفها وأسهلها قبولا للأشكال فيلزم أن يكون أرطبها وبطلانه ظاهر وأجيب بأنا لا نسلم سهولة قبول الأشكال الغريبة في النار الصرفة وإنما ذلك فيما يشاهد من النار المخالطة للهواء فإن قيل إذا أوقد التنور شهرا أو شهرين انقلب ما فيه من الهوا نارا صرفه أو غالبه مع أن سهولة قبول الأشكال بحالها بل أزيد قلنا لو أوقد ألف سنة فداخلة الهوا ومخالطة الأجزاء بحالها ومنها أنه يوجب كون الهوا رطبا ويبطله اتفاقهم على أن خلط الرطب باليابس يفيده استمساكا عن التفتت وخلط الهوا بالتراب ليس كذلك والجواب أن ذلك إنما هو في الرطب بمعنى ذي البلة فإن إطلاق الرطوبة على البلة شايع بل كلام الإمام صريح في أن الرطوبة التي هي من المحسوسات إنما هي البلة لا ما اعتبر فيه سهولة قبول الأشكال لأن الهوا رطب بهذا المعنى ولا تحس منه برطوبة ومنها أنه يوجب أن يكون المعتبر في اليبوسة صعوبة قبول الأشكال فلم يبق فرق بينها وبين الصلابة ويلزم كون النار صلبة لكونها يابسة والجواب أن اللين كيفية تقتضي قبول الغمز إلى الباطن ويكون للشيء بها قوام غير سيال فينتقل عن وصفه ولا يمتد كثيرا بسهولة والصلابة كيفية تقتضي ممانعة من قبول الغمز ويكون للشيء بها بقاء شكل وسدة مقاومة نحو اللاانفعال فيتغايران الرطوبة واليبوسة بهذا الاعتبار إلا أنه يشبه أن يكون مرجع قبول الغمز ولا قبوله إلى الرطوبة واليبوسة فعلى ما ذكرنا اللين والصلابة كيفيتان متضادتان وهل هما من الملموسات أو الاستعدادات فيه تردد وبعضهم على أن اللين عبارة عن عدم الصلابة عما من شأنه فبينهما تقابل الملكة والعدم قال وأما مثل البلة قد يعد من الملموسات البلة وهي الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم فإن كانت نافذة إلى باطنها فهي الانقطاع والأظهر أن الجفاف عدم ملكة البلة واللزوجة وهي كيفية تقتضي سهولة التشكل مع عسر التفرق واتصال الامتداد وتحدث من شدة امتزاج الرطب الكثير باليابس القليل ويقابلها الهشاشة وهي ما يقتضي صعوبة التشكل وسهولة التفرق واللطافة وقد تقال لرقة القوام كما في الماء والهواء ولسهولة قبول الانقسام إلى أجزاء صغيرة جدا كما في القند ولسرعة التأثر من الملاقي كما في الورد وللشفافية كما في الفلك والكثافة تقابلها بمعانيها والتخدير وهو تبريد للعضو بحيث يصير جوهر الروح الحامل قوة الحس والحركة إليه باردا في مزاجه غليظا في جوهره فلا يستعملها القوى النفسانية ويجعل مزاج العضو كذلك فلا يفيد تأثير القوى النفسانية واللدع وهي كيفية نفاذة جدا لطيفة تحدث في الاتصاف تفرقا كثير العدد متقارب الوضع صغير المقدار فلا يحس كل واحد بانفراده ويحس بالجملة كالوجع الواحد وإما الملاسة والخشونة فالجمهور على أنهما من الكيفيات الملموسة وقال الإمام بل من الوضع لأن الملاسة عبارة عن استواء أجزاء الجسم في الوضع بحيث لا يكون بعضها أرفع وبعضها أخفض والخشونة عن اختلافها ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك مبدأهما لأنفسهما ( قال المبحث الثاني ) قد يراد بالاعتماد المدافعة المحسوسة للجسم لما يمنعه من الحركة إلى جهة فيكون من الكيفيات الملموسة ولا يقع اشتباه في تحققه ومغايرته للحركة وللطبيعة لكونه محسوسا يوجد حيث لا حركة كما في الحجر المسكن في الجو والزق المنفوخ المسكن تحت الماء وينعدم مع بقاء الطبيعة كما في الجسم الساكن في حيزه الطبيعي وقد يراد به مبدأ المدافعة فيفسر بكيفية يكون بها الجسم مدافعا لما يمنعه عن الحركة إلى جهة ما وسيجيء بيان تحققه ومغايرته للطبيعة ويبقى الاشتباه في أنه من أي قسم من أقسام الكيف ( قال وقد يجعل أنواعه ) أي أنواع الاعتماد ستة بحسب الحركات في الجهات الست وقد يدعى تضادها مطلقا إن لم يشترط بين المتضادين غاية الخلاف وإن اشترط انحصر التضاد فيما بين المتقابلين كالاعتماد الصاعد والهابط مثلا وفي جعل أنواع الاعتماد ستا ضعيف من وجهين
أحدهما أن الاعتماد الطبيعي الذي يتصور فيه الاختلاف بالحقيقة إنما هو الصاعد والهابط أعني الميل إلى العلو والسفل اللذين هما الجهتان الحقيقيتان اللتان لا تتبدلان أصلا حتى لو انتكس الإنسان لم يصر فوقه تحت وتحته فوق بل صار رجله إلى فوق ورأسه إلى تحت بخلاف سائر الجهات فإنها إضافية تتبدل كالمواجه للمشرق إذا واجه المغرب صار قدامه خلفا ويمينه شمالا وبالعكس فيتبدل الاعتمادات أي يصير اعتماده إلى قدام اعتمادا إلى خلف وبالعكس وكذا إلى اليمين والشمال فلا يكون أنواعا مختلفة
Translation
الجزء 82
#83 Chapter 83 — الجزء 83 · ref. #83
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
وثانيهما إن حصر الجهات في الست أمر عرفي اعتبره العوام من حال الإنسان في أزله رأسا وقدما وظهرا وبطنا ويدين يمينا وشمالا والخواص من حال الجسم في أن له أبعادا ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم ولكل بعد طرفين وأما بحسب الحقيقة فالجهات متكثرة جدا غير محصورة بحسب ما للجسم من الأجزاء عند من يقول بالجوهر الفرد أو غير متناهية أصلا بحسب ما يفرض فيه من الانقسامات عند من لا يقول به وبالجملة فالحقيقي من أنواع الاعتماد الذي لا يلحقه التبدل أصلا اثنان هما الثقل والخفة أعني الميل الهابط والصاعد وكل منهما مطلق ومضاف فالثقل المطلق كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركز ثقله أعني النقطة التي يتعادل ما على جوانبها على مركز العالم كما في الأرض والمضاف كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة إلى المركز لكنه لا يبلغ كما للماء فإنه ثقيل بالإضافة إلى النار والهواء دون الأرض والخفة المطلقة كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق سطحه على سطح القعر فلك القمر كما للنار والمضافة كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة إلى المحيط لكنه لا تبلغ المحيط كما للهواء قال وليسا راجعين ما ذكر من كون الثقل والخفة كيفيتين زائدتين على الجسم غير متعلقتين بالرطوبة واليبوسة حيث كان الهواء خفيفا مع رطوبة والأرض ثقيلة مع يبوستها هو رأي الجمهور وذهب الجبائي إلى أن سبب الثقل الرطوبة وسبب الخفة اليبوسة لما يظهر بالنار من رطوبة الثقيل كالذهب وترمد الخفيف كالخشب ورد بأن غايته ظهور الرطوبة واليبوسة في بعض ما هو ثقيل وخفيف من غير دلالة على تحققهما قبل ذلك وسببيتهما وعموم الحكم وذهب الأستاذ أبو إسحق إلى أن الجواهر الفردة متجانسة لا تتفاوت في الثقل والخفة وإنما تفاوت الأجسام في ذلك عائد إلى كثرة الجواهر الفردة في الثقيل وقلتها في الخفيف ورد بعد تسليم التجانس بأنه يجوز أن يحدث في المركب من الأجزاء القليلة صفة الثقل والكثرة صفة الخفة لمحض إرادة المختار أو لغيرها من الأسباب كسائر الأعراض من الألوان والطعوم وغيرهما وقد يستدل على بطلان الرأيين بأن الزق الواحد يسع من الزئبق أضعاف ما يسع من الماء فالزئبق أثقل من الماء الكثير مع زيادة الماء في الرطوبة بالاتفاق وتساويهما في الأجزاء في الصورة المفروضة وهي أن يملأ الزق ماء ثم يفرغ فيملأ زئبقا إذ لو كان أجزاء الزئبق أكثر لزم أن يكون فيما بين أجزاء الماء فرج خلاء بقدر زيادة وزن الزئبق على وزن الماء وإن يحس في زق الماء بالأحياز الفارغة أضعاف ما يحس به من المملوة هذا بعد تسليم وجود الخلاء وعدم انحدار الماء بالطبع إلى الحيز الخالي بناء على إرادة القادر أو أن في الخلاء قوة دافعة ويمكن أن يقال لا يحس بها لغاية الصغر مع فرط الامتزاج بالأجزاء المائية ( قال ومنع القاضي ) اختلف أصحابنا القائلون بالاعتماد فذهب القاضي إلى أن الاعتماد في كل جسم أمر واحد وربما يتعدد أسماؤها بحسب الاعتبار حتى يسمى بالنسبة إلى العلو خفة وإلى السفل ثقلا وليس له بالنسبة إلى الجهات الأخر اسم خاص فما نقل عنه من جواز اجتماع الاعتمادات فمعناه جواز أن يعرض لذلك الأمر الاعتبارات المختلفة والإضافة إلى الجهات الست وذهب بعضهم إلى أنها متعددة غير متضادة لا يقوم بجسم اعتمادا بالنسبة إلى جهتين وبعضهم إلى أنها متعددة غير متضادة لأن من جذب حجرا ثقيلا إلى جهة العلو فإنه يحس منه اعتمادا إلى جهة السفل ولو جذبه غيره إلى جهة السفل يحس منه اعتمادا إلى جهة العلو ولأن كلا من المتجاذبين حبلا على التقاوم والتساوي في القوة يحس من الحبل اعتمادا إلى خلاف جهته والحق أن الاعتمادين الطبيعيين أعني الثقل والخفة متضادان لا يتصور اجتماعهما في شيء واحدا باعتبار واحد وأنه لا تضاد بين الاعتماد الطبيعي وغير الطبيعي كما في الحجر الذي يرفع إلى فوق فإن الرافع يحس مدافعة هابطة والدافع مدافعة صاعدة وأما غير الطبيعي من الاعتماد فقيل المختلفان منه متضادان كالاعتماد يمنة ويسرة لأنه مبدأ قريب للحركة فلو جاز الاعتماد إن معا لجاز الحركتان بالذات معا لاستلزام وجود المؤثر وجود الأثر ويلزم منه جواز كون الجسم في آن واحد في حيزين وإنما قيد بالذات لأنه لا يمتنع حركتان إلى جهتين إذا كانت إحديهما بالذات والأخرى بالعرض كراكب السفينة يتحرك إلى خلاف الجهة التي تتحرك إليها السفينة وهذا معنى ما قال الجبائي أن الحركتين إلى جهتين متضادتان فكذا الاعتمادات الموجبان لهما وحينئذ لا يرد ما قال الآمدي أن هذا تمثيل بلا جامع كيف والحركة أثر الاعتماد وتضاد الآثار لا يوجب اختلاف المؤثرات فضلا عن تضاده كالطبيعة توجب الحركة بشرط الخروج من الحيز الطبيعي والسكون بشرط الحصول فيه على أن الفرق قائم فإن اجتماع الحركتين إلى جهتين إنما امتنع لاستلزامه حصول الجسم في حالة واحدة في حيزين ولا كذلك الاعتمادان والجواب أنه إن أريد بالمبدأ القريب تمام العلة فلانم أن الاعتماد كذلك بل لا بد من انتفاء المانع وإن أريد الأعم فلانم أنه يوجب وجود الأثر على أنه لو تم هذا الدليل لزم تضاد الطبيعي وغير الطبيعي لجريانه فيه سلمنا لكنه معارض بأنهما لو كانا متضادين لما جاز اجتماعهما واللازم باطل لأن الحبل المتجاذب بقوتين متساويتين إلى جهتين متقابلتين يجد فيه كل من الجاذبين مدافعة إلى خلاف جهته وقد يقال لا بل هو كالساكن الذي يمتنع عن التحرك لا مدافعة فيه أصلا قال والمعتزلة يسمون الطبيعي من الاعتماد لازما كاعتماد الثقيل إلى السفل والخفيف إلى العلو وغير الطبيعي مجتلبا كاعتماد الثقيل إلى العلو والخفيف إلى السفل قسرا وكاعتمادهما إلى باقي الجهات ولهم اختلافات في باب الاعتماد منها ما قال الجبائي أن في الهواء اعتمادا صاعدا لازما لما يشاهد في الزق المنفوخ المقسور تحت الماء أنه إذا شق خرج الهواء صاعدا ويشق الماء بل لو زال القاسر صعد الهواء بالزق وما تعلق به من الثقيل لا يقال يجوز أن لا يكون ذلك لصعوده اللازم بل لضغط الماء إياه وإخراجه من حيزه بثقل وطأته لأنا نقول لو لم يكن في طبعه الصعود والطفو على الماء لما زاده ثقل وطأة الماء إلا استقرارا وثباتا كسائر الأثقال سيما إذا بقي الزق مسدودا وقال أبو هاشم ليس للهواء اعتماد لازم ولو كان في طبعه صعودا لانفصل عن أجزاء الخشبة التي في الماء وصعد دون الخشبة إذ لا سبب عند الجبائي لصعودها وطفوها سوى تخلخل أجزائها وتثبيت الهواء بها لا يقال يجوز أن يفيده التركيب حالة موجبة للتلازم وعدم الانفصال سيما وهو هواء لم يبق على كيفيته المقتضية للانفصال لانكسار سورتها بالامتزاج لأنا نقول الكلام في الأجزاء الهوائية المجاورة للأجزاء الخشبية لا التي صارت جزء الممتزج كما في سائر المركبات على ما يراه الفلاسفة فالأقرب أن يقال أن احتباسها فيما بين الأجزاء الخشبية منعها الانفصال وأوجب الاستتباع ومنها ما قال الجبائي أن الاعتماد غير باق لازما كان أو مجتلبا وقال أبو هاشم بل اللازم باق بحكم المشاهدة كما في الألوان والطعوم تمسك الجبائي بأن الإنسان إذا تحامل على حجر هابط واعتماده المجتلب غير باق فكذا اللازم لاشتراكهما في أخص أوصاف النفس أعني كونه اعتمادا هابطا وبأن مالا يبقى من الأعراض كالأصوات وغيرها لا فرق فيها بين المقدور وغير المقدور فكذا في الاعتمادات التي مجتلبها مقدور ولازمها غير مقدور ورد
الأول بمنع كون أخص الأوصاف الاعتماد الهابط بل الاعتماد اللازم
Translation
الجزء 83
#84 Chapter 84 — الجزء 84 · ref. #84
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
والثاني بأنه تمثيل بلا جامع ومنها ما قال الجبائي أن الاعتماد لا يولد حركة ولا سكونا وإنما يولدهما الحركة فإن من فتح بابا أو رمى حجرا فما لم تتحرك يده لم يتحرك المفتاح ولا الحجر ثم حركة المفتاح أو الحجر يولد سكونه في المقصد وقال أبو هاشم بل المولد لهما الاعتماد لأنه إذا نصب عمود قائم وأدعم بدعامة فاعتمد عليه إنسان إلى جهة الدعامة ثم أزيلت الدعامة فإن العمود يتحرك إلى جهتها ويسقط وإن لم يتحرك المعتمد وكلاهما ضعيف إذ لا دلالة على الانحصار فيجوز أن يكون المولد هو الحركة تارة والاعتماد أخرى وكذا ما قيل أن حركة الرامي متأخرة عن حركة الحجر لأنه مالم يندفع عن حيزه امتنع انتقال يد الرامي إليه لاستحالة تداخل الجسمين في حيز لأنه إن أريد التأخر بالزمان فاستحالة التداخل لا يوجبه لجواز أن يكون اندفاع هذا وانتقال ذاك في زمان واحد كما في أجزاء الحلقة التي تدور على نفسها بل الأمر كذلك والألزم الانفصال وإن أريد بالذات فالأمر بالعكس إذ مالم تتحرك اليد لم يتحرك الحجر ولهذا يصح أن يقال تحركت اليد فتحرك الحجر دون العكس فالأقرب أن المولد للحركة والسكون قد يكون هو الحركة وقد يكون الاعتماد فإنه يولد أشياء مختلفة من الحركات وغيرها بعضها لذاته من غير شرط كتوليده الحركة على ما سبق من أنه السبب القريب للحركة وبعضها لذاته بشرط كتوليده الأوضاع المختلفة للجسم بشرط حركاته وكتوليده عود الجسم إلى حيزه الطبيعي بشرط خروجه عنه وكتوليده الأصوات بشرط المصاكة وبعضها لا لذاته كتوليده المجاورة المولدة للتأليف وكتوليده تفرق الاتصال المولد للألم ( قال والفلاسفة يسمونه ) أي الاعتماد ميلا ويقسمونه إلى الطبيعي والقسري والنفساني لأن مبدأه وما ينبعث هو عنه إن كان أمرا خارجا عن محله فقسري كميل السهم المرمي إلى فوق وإلا فإن كان مع قصد وشعور فنفساني كاعتماد الإنسان على غيره وإلا فطبيعي سواء اقتضته القوة على وتيرة واحدة أبدا كميل الحجر المسكن في الجو أو اقتضته على وتائر مختلفة كميل النبات إلى التبرز والتربد ومنهم من سمى المقرون بالقصد والشعور إراديا وجعل النفساني أعم منه ومن أحد قسمي الطبيعي أعني مالا يكون على وتيرة واحدة لاختصاصه بذوات الأنفس فربما يختلف على حسب اقتضاء النفس فبهذا الاعتبار يسمى ميل النبات نفسانيا ومنهم من جعله خارجا عن الأقسام لكونه مركبا على ما سيأتي في بحث الحركة مع زيادة كلام في هذا الباب ثم أنهم قد ذكروا أحكاما تدل على ترددهم في أن الميل نفس المدافعة المحسوسة أو مبدأها القريب الذي يوجد عند كون الحجر صاعدا في الهواء أو ساكنا على الأرض فمنها أن الميل الطبيعي لا يوجد في الجسم عند كونه في حيزه الطبيعي وإلا فإما أن يميل إليه فيلزم طلب حصول الحاصل أو عنه فيلزم أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع ولا يتأتى هذا في مبدأ الميل إذ ربما يتخلف الأثر عنه لفقد شرط أو وجود مانع ومنها أن الميل الطبيعي لا يجامع الميل القسري إلى جهتين لأن امتناع المدافعة إلى جهة مع المدافعة عنها ضروري فالحجر المرمي إلى فوق لا يكون فيه مدافعة هابطة بالفعل بل بالقوة بمعنى أن من شأنه أن يوجد فيه ذلك عند زوال غلبة القوة القسرية وأما إلى جهة واحدة فقد يجتمعان كما في الحجر المدفوع إلى أسفل فإن فيه مدافعة هابطة يقتضيها الحجر إذا خلي وطبعه وأخرى أحدثها فيه القاسر على حسب قوته وقصده ولهذا يكون حركته حينئذ أسرع مما إذا سقط بنفسه فهبط وتتفاوت تلك السرعة بتفاوت قوة القاسر ومنها ما ذكروا في بيان سبب أن الحجر الذي يتحرك صاعدا بالقسر ثم يرجع هابطا بالطبع أن حركته القسرية تشتد ابتداء وتضعف عند القرب من النهاية والطبيعية بالعكس لأن ميله القسري يزداد ضعفا بمصاكات تتصل عليه من مقاومة الهواء المخروق فيزداد الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة قوة إلى أن يتعادلا ثم يأخذ القسري في الانتقاص والطبيعي في الغلبة فيأخذ حركته في الاشتداد ومنها استدلالهم على وجود الميل الطبيعي بأن الحجرين المرميين بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر والكبر اختلفت حركتاهما في السرعة والبطء وليس ذاك إلا لكون المقاوم الذي هو الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة في الكبير أكثر منه في الصغير لأن التقدير عدم التفاوت في الفاعل والقابل إلا بذلك وأجاب الإمام بأن الطبيعة قوة سارية في الجسم منقسمة بانقسامه فيكون في الكبير أكثر وبزيادة المقاومة أجدر والفلاسفة يزعمون أنها أمر ثابت ليس مما يشتد ويضعف أو ما يقل ويكثر في الجسم الواحد حتى أن طبيعة كل الماء وبعضه واحد ولا يتبين الحق من ذلك إلا بمعرفة حقيقة ما هو المراد بالطبيعة ههنا وهم لم يزيدوا على أن الطبيعة قد يقال لما يصدر عنه الحركة والسكون أو لا وبالذات دون شعور وإرادة وقد يقال لما يصدر عنه أمر لا يتخلف عنه ولا يفتقر الصدور إلى علة خارجة عنه كنزول الحجر إلى السفل وقد يخص بما يصدر عنه الحركات على نهج واحد دون شعور وقد تسمى كل قوة جسمانية طبيعة وشيء من ذلك لا يفيد معرفة حقيقية وأما إطلاقها على المزاج أو على الكيفية الغالبة من الكيفيات المتضادة أو على الحرارة الغريزية أو على النفس النباتية أو نحو ذلك على ما يذكره الأطباء فمختص بالمركبات ( قال النوع الثاني المبصرات ) ذهبت الفلاسفة إلى أن المبصر أولا وبالذات هو الضوء واللون وإن كان الثاني مشروطا بالأول وقد يبصر بتوسطهما مالا يعد في الكيفيات المحسوسة من الكيفيات المختصة بالكميات من المقادير والأوضاع وغير ذلك كالاستقامة والانحناء والتحدب والتقعر وسائر الأشكال وكالطول والقصر والصغر والكبر والقرب والبعد والتفرق والاتصال والحركة والسكون والضحك والبكاء والحسن والقبح وغير ذلك وأما ما يتوهم من أبصار مثل الرطوبة واليبوسة والملاسة والخشونة فمبني على أنه يبصر ملزوماتها كالسيلان والتماسك الراجعين إلى الحركة والسكون وكاستواء الأجزاء في الوضع واختلافها فيه ( قال المبحث الأول ) حقايق الألوان بل جميع المحسوسات ظاهرة غنية عن البيان ولا خفاء في تضاد السواد والبياض لما بينهما من غاية الخلاف لكونهما طرفي الألوان وأما ما بينهما من الحمرة والصفرة وغير ذلك فعند المحققين أنواع متباينة يختص كل منها بآثار مختلفة وليست بمتضادة إن اشترط بين المتضادين غاية الخلاف وإلا فمتضادة قال والتحقيق الظاهر من كلام القوم أن أنواع اللون هي السواد والبياض والحمرة والصفرة وغير ذلك وأنواع الكيفيات الملموسة هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك إلا أن التحقيق هو أن أنواع اللون هي البياضات المخصوصة التي لا تتفاوت بأفرادها كبياض الثلج مثلا وكذا في السواد وغيره بل في كل ما يقال بالتشكيك حتى أن النوع من الملموسات ليس مطلق الحرارة بل الحرارة المخصوصة التي تكون في أفرادها على السوية كحرارة النار الصرفة مثلا والنوع من المبصرات ليس مطلق الضوء بل الضوء الخاص الذي لا يتفاوت فيه أفراده كضوء الشمس مثلا وإنما يقع الاشتباه من جهة أن الأنواع قد يكون لجملة جملة منها عارض خاص واسم خاص كالبياضات المشتركة في تفريق البصر وفي اسم البياض والسوادات المشتركة في قبض البصر وفي اسم السواد وكالحرارات والبرودات ونحو ذلك فيتوهم أن تلك الجملة نوع واحد بخلاف الأضواء فإنه لا ينفرد جملة جملة منها بعارض واسم فلا يتوهم ذلك فيه بل ربما يتوهم كون المجموع نوعا واحدا واللون والضوء قد وقعا في مرتبة واحدة من البصرات إلا أن اللون جنس الألوان بخلاف الضوء لما فيه من التفاوت والضوء يوهم نوعيته لتقارب أنواعه بخلاف اللون وإنما توهم ذلك في جملة جملة من أنواعه كالبياض مثلا لتقارب أنواع البياض وكالسواد لتقارب أنواع السواد وعلى هذا القياس فصار الضوء بمنزلة البياض مثلا في أنه ليس نوعا لما تحته ولا جنسا بل عارضا ومبنى ذلك على ما تقرر عندهم من أن القول بالتشكيك لا يكون إلا عارضا لامتناع التفاوت في الماهية وذاتياتها لأن الأمر الذي به يتحقق التفاوت حيث يوجد في الأشد دون الأضعف إن لم يكن داخلا في الماهية لم يتحقق التفاوت فيها بل كانت في الكل على السواء وإن كان داخلا فيها لم يتحقق اشتراك الأضعف فيها لانتفاء بعض الأجزاء مثلا الخصوصية التي توجد في نور الشمس دون القمر إن كانت من ذاتيات الضوء لم يكن ما في القمر ضوأ وإلا لم يكن تفاوت النورين في نفس الماهية فإن قيل لو صح هذا الدليل لزم أن لا يكون العارض أيضا مقولا بالتشكيك قابلا للشدة والضعف لأن القدر الزائد إما داخل في مفهوم العارض وماهيته فلا اشتراك للأضعف فيه وإما غير داخل فلا تفاوت لأن ما هو مفهوم العارض فيهما على السواء مثلا الخصوصية التي توجد في بياض الثلج دون العاج إن كانت مأخوذة في مفهوم البياض لم يكن ما في العاج من معروضاته وإلا لكان مفهوم البياض فيهما على السواء أجيب بأنه داخل في ماهية المعروض الأشد وإن لم يدخل في ماهية العارض ولا في ماهية المعروض الأضعف ولا يلزم من عدم دخوله في مفهوم العارض تساويه في جميع المعروضات ولقائل أن يقول فيتوجه مثله على الدليل المذكور على امتناع تفاوت الماهية وذلك أنه كما جاز التفاوت في التعارض باعتبار أمر خارج عنه داخل في ماهية بعض المعروضات فلم لا يجوز في الماهية باعتبار أمر خارج عنها داخل في هوية بعض الأفراد مثلا يكون النور تمام ماهية الأنوار أو جنسا لها وتكون الخصوصية التي في نور الشمس أمرا خارجا عن حقيقة النور داخلا في هوية نور الشمس وعلى هذا القياس وتوجيه المنع أنا لانم أن القدر الزائد إذا كان خارجا عن الماهية كانت الماهية في الكل على السواء وإنما يلزم لو لم يكن ذلك زيادة من جنس الماهية وإذا تحققت فلا عبرة بكونه داخلا في ماهية المعروض حتى لو فرضنا الخصوصية التي في نور الشمس من عوارضه كان التفاوت بحاله وإنما العبرة بكونه من جنس العارض وزيادة فيه فإن الخصوصية التي في نور الشمس وبياض الثلج وحرارة النار ليست إلا زيادة نور وبياض وحرارة ولا يمتنع مثل ذلك في الماهية وذاتياتها والحاصل أن عدم دخول القدر الزائد الذي به التفاوت في المعنى المشترك الذي فيه التفاوت إن كان مانعا من التفاوت لزم عدم تفاوت شيء من المفهومات في أفراده سواء كان عارضا لها أو ذاتيا وهو معنى النقض وإن لم يكن مانعا لم يتم الدليل على امتناع تفاوت الماهية وذاتياتها ومن ههنا ذهب بعضهم إلى أن نفي التشكيك مطلقا تمسكا بالدليل المذكور وجوز بعضهم التشكيك والتفاوت في الماهية وذاتياتها نظرا إلى عدم دليل الامتناع بل ادعوا أن تفاوت الخط الأطول والأقصر تفاوت في الماهية الخطية وأنها في الأطول أكمل وفي الأقصر أنقص لأن الزيادة التي في الأطول من جنس الخط وإن لم يكن داخلا في ماهيته وإن ادعى التفرقة بين ما إذا كان ذلك القدر الخارج عن المعنى المشترك داخلا في ماهية الأشد وبين ما إذا كان داخلا في مجرد هويته لم يكن بد من البيان مع أن الدليل المذكور لا يتم حينئذ في أجزاء الماهية لجواز أن يكون ما به يتفاوت الجنس خارجا عنه داخلا في ماهية بعض أنواعه قال المبحث الثاني زعم بعضهم أنه لا حقيقة للون أصلا والبياض إنما يتخيل من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المتصغرة جدا كما في الثلج فإنه لا سبب هناك سوى مخالطة الهواء ونفوذ الضوء في أجزاء صغار جمدية شفافة وكذا في زبد الماء والمسحوق من البلور والزجاج الصافي والسواد يتخيل من عدم غور الضوء في الجسم لكثافته واندماج أجزائه وباقي الألوان تتخيل بحسب اختلاف الشفيف وتفاوت مخالطة الهواء وقد يستند السواد إلى الماء نظرا إلى أنه يخرج الهواء فلا يكمل نفوذ الضوء إلى السطوح ولهذا يميل الثوب المبلول إلى السواد والمحققون على أنها كيفيات متحققة لا متخيلة وظهورها في الصور المذكورة بالأسباب المذكورة لا ينافي تحققها ولا حدوثها بأسباب أخر على ما قال ابن سينا أنه لا شك في أن اختلاط الهواء بالمنشف سبب لظهور اللون الأبيض ولكنا ندعي أن البياض قد يحدث من غير هذا الوجه كما في البيض المسلوق فإنه يصير أشد بياضا مع أن النار لم تحدث فيه تخلخلا وهوائية بل أخرجت الهوائية عنه ولهذا صار أثقل وكما في الدواء المسمى بلبن العذراء فإنه يكون من خل طبخ فيه المرداسنج حتى انحل فيه ثم يصفى حتى يبقى الخل في غاية الإشفاف ثم يطبخ المرداسنج في ماء طبخ فيه القلي ويبالغ في تصفيته ثم يخلط الماآن فينعقد فيه المنحل الشفاف من المرداسنج ويصير في غاية البياض ثم يجف وما ذاك بحدوث تفرق في شفاف ونفوذ هواء فيه فإنه كان متفرقا منحلا في الخل ولا لتقارب أجزاء متفرقة وانعكاس ضوء البعض إلى البعض لأن حدة ماء القلي بالتفريق أولى بل ذلك على سبيل الاستحالة وكما في الجص فإنه يبيض بالطبخ بالنار ولا يبيض بالسحق والتصويل مع أن تفرق الأجزاء ومداخلة الهواء فيه أظهر فظهر أن ابن سينا لم ينكر حصول البياض في الثلج وزبد الماء ومسحوق البلور والزجاج ونحو ذلك مما لا سبب فيه سوى مخالطة الهواء بالمشف بل ادعى حصوله بأسباب أخر بعدما كان لا يعلم حصوله إلا بهذا السبب على ما قال في موضع من الشفاء لا أعلم هل يحصل البياض بسبب آخر أم لا وكان صاحب المواقف فهم وحاشاه عن سوء الفهم من بعض عبارات الشفاء حيث يقول وفي بيان سبب البياض في الصور المذكورة أن اختلاط الهواء بالمشف على الوجه المخصوص سبب لظهور لون أبيض ولرؤية لون هو البياض أنه ينكر وجود البياض فيها بالحقيقة فنسبه إلى السفسطة ومما استدل به في الشفاء على حصول البياض من غير اختلاط الهواء بالمشف أمران أحدهما اختلاف طرف الاتجاه من البياض إلى السواد حيث يكون من البياض تارة إلى الغبرة ثم العودية ثم السواد وتارة إلى الحمرة ثم القتمة ثم السواد وتارة إلى الخضرة ثم النبلية ثم السواد فإنه يدل على اختلاف ما يتركب عنه الألوان إذ لو لم يكن إلا السواد والبياض ولم يكن البياض إلا بمخالطة الهواء للأجزاء الشفافة لم يكن في تركيب السواد والبياض إلا الأخذ في طريق واحد وإن وقع فيه اختلاف فبالشدة والضعف وثانيهما انعكاس الحمرة والخضرة ونحو ذلك من الألوان فإنه لو كان اختلاف الألوان لاختلاط الشفاف بغيره لوجب أن لا ينعكس من الأحمر والأخضر إلا البياض لأن السواد لا ينعكس بحكم التجربة ودلالة هذين الوجهين على أن سبب اختلاف الألوان لا يجب أن يكون هو التركب من السواد والبياض أظهر من دلالته على أن سبب البياض لا يجب أن يكون هو مخالطة الهواء للأجزاء الشفافة مع أن في الملازمتين نظرا لجواز أن يقع تركب السواد والبياض على أنحاء مختلفة وأن ينعكس السواد عند الاختلاط والامتزاج وإن لم ينعكس عند الانفراد وقد اقتصر بعضهم على نفي البياض وأثبت السواد تمسكا بأن البياض ينسلخ ويقبل محله الألوان بخلاف السواد ورد بعد ثبوت الأمرين بأنه يجوز أن يكون الحقيقي مفارقا والتخيلي لازما لزوال سبب الأول ولزوم سبب التخيلي لا يقال البياض يقبل محله جميع الألوان وكل ما يقبل الشيء فهو عار عنه ضرورة تنافي القبول والفعل لأنا نجيب بمنع الصغرى فإنه إنما يقبل ما سوى البياض الذي فيه فلا يلزم إلا عراؤه عنها وإن أريد بالقبول معنى الإمكان بحيث يجامع الفعل منعنا الكبرى وهو ظاهر وقد يقال لو كان القابل للشيء واجب العراء عنه لكان ممتنع الاتصاف به وهو باطل وليس بشيء لأن القضية مشروطة فلا يلزم إلا امتناع الاتصاف ما دام قابلا وهو حق قال وقيل القائلون يكون السواد والبياض كيفيتين حيقيتين منهم من زعم أنهما أصل الألوان والبواقي بالتركيب لما نشاهد من أن البياض والسواد وإن اختلطا وحدهما حصلت الغبرة وإن خالط السواد ضوأ كما في الغمامة التي تشرق عليها الشمس والدخان الذي يخالطه النار فإن كان السواد غالبا حصلت الحمرة وإن اشتدت الغلبة حصلت القتمة وإن غلب الضوء حصلت الصفرة ثم إن الصفرة إذا خالطها سواد مشرق حصلت الخضرة ثم إن الخضرة إذا انضم إليها سواد آخر حصلت الكراثية وإذا انضم إليها بياض حصلت الزنجارية ثم الكراثية إن خالطها سواد وقليل حمرة حصلت النبلية ثم النبلية إن خالطها حمرة حصلت الأرجوانية وعلى هذا القياس ومنهم من زعم أن الأصل هو السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة والبواقي بالتركيب بحكم المشاهدة ولا يخفى أنهما إنما يفيدان التركيب المخصوص بقيد اللون المخصوص وأما أن ذلك اللون لا يحصل إلا من هذا التركيب ولا يكون حقيقة مفردة فلا قال المبحث الثالث الضوء غني عن التعريف كسائر المحسوسات وتعريفه بأنه كيفية هي كمال أول للشفاف من حيث هو شفاف أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر تعريف بالأخفى وكان المراد التنبيه على بعض الخواص والضوء إن كان من ذات المحل بأن لا يكون فائضا عليه من مقابلة جسم آخر مضى فذاتي كما للشمس ويسمى ضياء وإلا فعرضى كما للقمر ويسمى نورا أخذا من قوله تعالى
هو الذي جعل الشمس ضياء
أي ذات ضياء والقمر نورا أي ذا نور والعرضى إن كان حصوله من مقابلة المضي لذاته كضوء جرم القمر وضوء وجه الأرض المقابل للشمس فهو الضوء الأول وإن كان من مقابلة المضيء لغيره كضوء وجه الأرض قبل طلوع الشمس من مقابلة الهواء المقابل للشمس وكضوء داخل البيت الذي في الدار من مقابلة هواء الدار المضيء من مقابلة الهواء المقابل للشمس أو لهواء آخر يقابلها فهو الضوء الثاني والثالث وهلم جرا على اختلاف الوسائط بينه وبين المضيء بالذات إلى أن ينتهي الضوء بالكلية وينعدم وهو الظلمة أعني عدم الضوء عما من شأنه فهو عدم ملكة للضوء لا كيفية وجودية على ما ذهب إليه البعض وإلا لكان مانعا للجالس في الغار من إبصار من هو في هواء مضيء خارج الغار كما أنه مانع له من إبصار من هو في الغار وذلك للقطع بعدم الفرق في الحائل المانع من الإبصار بين أن يكون محيطا بالرأي وبالمرئي أو متوسطا بينهما وربما يمنع ذلك بأنه ليس بمانع بل أحاطة الضوء بالمرئي شرط للرؤية وهو منتف في الغار لكنه لا يتأتى على قولهم الظلمة كيفية مانعة من الإبصار تمسك القائلون بكونها وجودية بقوله تعالى
وجعل الظلمات والنور
فإن المجعول لا يكون إلا موجودا وأجيب بالمنع فإن الجاعل كما يجعل الوجود بجعل العدم الخاص كالعمى فإنما المنافي للمجعولية هو العدم الصرف ( قال ولهم تردد ) لا خلاف بين المحققين من الحكماء في إضاءة الهواء وإنما الخلاف في أن محل الضوء هو نفس الهواء الصرف أو ما يخالطه من الأجزاء البخارية أو الدخانية أو نحو ذلك احتج الأولون بما يشاهد من الهواء المضيء في أفق المشرق وقت الصباح وبأنه لو لم يكن مضيئا لوجب أن يرى بالنهار الكواكب التي في الجهة المخالفة للشمس إذ لا مانع سوى انفعال الحس عن ضوء أقوى وضعفهما ظاهر لأن الكلام في الهواء الصرف والأقرب ما ذكره الإمام وهو أن أضاءة الهواء لو كان بسبب مخالطة الأجزاء لكان الهواء كلما كان أصفى كان أقل ضوءا وكلما كان أكدر وأغلظ فأكثر والأمر بالعكس وفيه أيضا ضعف لجواز أن يكون الموجب مخالطة الأجزاء إلى حد مخصوص إذا تجاوزه أخذ الضوء في النقصان وحاصله أنه يجوز أن يضره الإفراط كما يضره التفريط تمسك الآخرون بأنه لو تكيف بالضوء لوجب أن يحس به مضيئا كالجدار واللازم باطل لأن الهواء غير مرئي ورد يمنع الملازمة إذ من شرائط الرؤية اللون ولا لون للهواء الصرف قال وأما الظل فهو ما يحصل أي الضوء الحاصل من الهواء المضيء بالمضيء بالذات كالشمس والنار أو بالغير كالقمر وقد يفسر بالضوء المستفاد والمضيء بالغير ولا خفاء في صدقه على الضوء الحاصل من مقابلة جرم القمر مع أنه ليس بظل وفاقا وما ذكر في المواقف من أن مراتب الظل تختلف قوة وضعفا بحسب اختلاف الأسباب والمعدات كما يشاهد في اختلاف ضوء البيت بحسب كبر الكوة وصغرها حتى أنه ينقسم إلى مالا نهاية له انقسام الكوة فمبني على ما يراه الحكماء من عدم تناهي انقسامات الأجسام والمقادير وما يتبعها وإن كانت محصورة بين حاصرين حتى أن الذراع الواحد يقبل الإنقسام إلى ما لا نهاية له ولو بالفرض والوهم وما تقرر من أن المحصور بين حاصرين لا يكون إلا متناهيا فمعناه بحسب الكمية الاتصالية أو الانفصالية لا بحسب قبول الانقسام قال وإذا كان قد يشاهد للضوء ترقرق وتلألؤ على الجسم حتى كأنه شيء يفيض منه ويضطرب مجيئا وذهابا بحيث يكاد يستره فإن كان ذاتيا كما للشمس سمي شعاعا وإن كان عرضيا كما للمرآة سمي بريقا قال المبحث الرابع زعم بعض الحكماء أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء تمسكا بأنه متحرك بالذات وكل متحرك بالذات جسم إما الكبرى فظاهرة وإنما قيدنا بالذات لأن الأعراض تتحرك بتبعية المحل وأما الصغرى فلان الضوء ينحدرمن الشمس إلى الأرض ويتبع المضيء في الانتقال من مكان إلى مكان كما نشاهد في السراج المنقول من موضع إلى موضع وينعكس مما يلقاه إلى غيره وكل ذلك حركة والجواب المنع بل كل ذلك حدوث للضوء في المقابل للمضيء والحركة وهم ويدل على بطلان هذا الرأي وجوه
الأول أنه لو كان جسما متحركا لامتنعت حركته إلى جهات مختلفة ضرورة إنها ليست بالقسر والإرادة بل بالطبع والحركة بالطبع إنما تكون إلى العلو أو السفل
الثاني إنه لو كان جسما لامتنعت حركته في لحظة من فلك الشمس إلى الأرض مع خرق الأفلاك التي تحته
Translation
الجزء 84
#85 Chapter 85 — الجزء 85 · ref. #85
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الثالث إنه لو كان جسما ولا خفاء في أنه محسوس بالبصر لكان ساترا للجسم الذي يحيط به الضوء فكان الأكثر ضوءا أشد استنارا والواقع خلافه ولو سلم عدم لزوم الاستنار فلا خفاء في أنه مرئي حائل في الجملة فيلزم أن يكون الأكثر ضوءا أقل ظهورا وأصعب رؤية لا أن يكون اعون على إدراك الباصرة السليمة نعم ربما يستعان بالحائل على إبصار الخطوط الدقيقة عند ضعف في الباصرة بحيث يحتاج إلى ما يجمع القوة وقد يجاب بأن ذلك إنما هو شأن الأجسام الكثيفة لا الشفافة وإما هذا النوع من الأجسام فإحاطته بالمرئي شرط للرؤية قال المبحث الخامس الحق أن الضوء كيفية مغايرة للون وليس عبارة عن ظهور اللون على ما يراه بعض الحكماء وأنه شرط لرؤية اللون لا لوجوده على ما يراه ابن سينا ولا تمسك لهما يعتد به فيما ادعيا كيف وأنه قريب من إنكار الضروريات وما ذكره الإمام الرازي من أن قبول الجسم للضوء مشروط بوجود اللون فلو كان وجود اللون مشروطا بوجود الضوء لزم الدور ضعيف لأنه إن أراد بالمشروحة توقف السبق فممنوع أو المعية فغير محال على أنه قد صرح بوجود الضوء بدون اللون كما في البلور المرئي بالليل قال النوع الثالث من الكيفيات المحسوسة المسموعات وهي الأصوات والحروف والصوت عندنا يحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموج الهواء والقرع والقلع كسائر الحوادث وكثيرا ما تورد الآراء الباطلة للفلاسفة من غير تعرض لبيان البطلان إلا فيما يحتاج إلى زيادة بيان والصوت عندهم كيفية تحدث في الهواء بسبب تموجه المعلول للقرع الذي هو إمساس عنيف والقلع الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع كما في قرع الماء وقلع الكرباس بخلاف القطن لعدم المقاومة والمراد بالتموج حالة مشبهة بتموج الماء تحدث بصدم بعد صدم مع سكون بعد سكون وليس الصوت نفس التموج أو نفس القرع والقلع على ما توهمه بعضهم بناء على اشتباه الشيء بسببه القريب أو البعيد لأن التموج والقرع والقلع ليست من المسموعات قطعا بل ربما يدرك الأول باللمس والآخران بالبصر وقد يتوهم أنه لا وجود للصوت في الخارج وإنما يحدث في الحس عند وصول الهواء المتموج إلى الصماخ واستدل على بطلان ذلك بأنه لو لم يوجد إلا في الحس لما أدرك عند سماعه جهته وحده من القرب والبعد لأن التقدير إنه لا وجود له في مكان وجهة خارج الحس واللازم باطل قطعا لأنا إذا سمعنا الصوت نعرف أنه وصل إلينا من جهة اليمين أو اليسار ومن مكان قريب أو بعيد لا يقال يجوز أن يكون إدراك الجهة لأجل أن الهواء المتموج يجيء منها ويميز القريب والبعيد لأجل أن أثر القارع القريب أقوى من البعيد وإن لم يكن الصوت موجودا في الجهة والمسافة لأنا نقول لو صح الأول لما أدركت الجهة التي على خلاف الأذن السامعة وليس كذلك لأن السامع قد يسد أذنه اليمنى ويجيء الصوت من يمينه فيسمعه بأذنه اليسرى ويعرف أنه جاء من يمينه مع القطع بأن الهواء المتموج لا يصل إلى اليسرى الا بعد الانعطاف عن اليمين ولو صح الثاني لزم أن يشتبه القوة والضعف بالقرب والبعد فلم يميز بين البعيد القوي والقريب الضعيف وظن في الصورتين المتساويتين في القرب والبعد المختلفتين بالقوة والضعف أنهما مختلفان في القرب والبعد وليس كذلك ولهم تردد في مقام آخر وهو أنه إذا وصل الهواء المتموج إلى الصماخ فالمسموع هو الصوت القائم بالهواء الواصل فقط أو بالهواء الخارج أيضا والحق هو الأخير بدليل إدراك جهة الصوت وحده من القرب والبعد فإنه لو لم يقع الإحساس به إلا من حيث أنه في الهواء الواصل إلى الصماخ دون الخارج الذي هو مبدأ حدوث الصوت أو وسطه لم يكن عند الحس فرق بين هذا وبين ما إذا لم يوجد خارج الصماخ إصلا فلم يعرف جهته ولا قربه أو بعده كما أن اللمس لما لم يدرك الملموس إلا من حيث انتهى إليه لا من حيث أنه في أول المسافة لم يميز بين وروده من اليمين أو اليسار ومن القريب أو البعيد فظهر أن في معرفة جهة الصوت وحده من القرب والبعد دلالة على مطلوبين من جهة أنها تدل على أن القائم بالهواء الخارج من الصماخ أيضا مسموع وذلك يدل على أنه هناك موجود وهذا ما قال الإمام أن التمييز بين الجهات والقريب والبعيد من الأصوات لما كان حاصلا علمنا أنا ندرك الأصوات الخارجية حيث هي ولا يمكننا أن ندركها حيث هي إلا وهي موجودة خارج الصماخ وما أورد من الأشكال وهو أن المدرك بالسمع لما لم يكن إلا الصوت دون الجهة لم يكن كون الصوت حاصلا في تلك الجهة مدركا له بل مدركة الصوت الذي في تلك الجهة لا من حيث هو في تلك الجهة بل من حيث أنه صوت فقط وهذا لا يختلف باختلاف الجهات فكيف يوجب إدراك الجهة ليس بشيء لأنهم لا يجعلون كون الصوت في تلك الجهة مدركا بالسمع إلا بمعنى إنا نعرف بسماع الصوت في تلك الجهة أنه هناك كما نعرف بذوق الحلاوة أو شم الرائحة من هذا الجسم أنها منه وإن لم يكن الجسم من المذوقات أو المشمومات وأما السبب في ذلك فحاصل ما ذكروا فيه أنا بعدما أدركنا الصوت عند الصماخ نتبعه بتأملنا فيتأدى إدراكنا من الذي يصل إلينا إلى ما قبله فما قبله من جهته ومبدأ وروده فإن كان بقي منه شيء متأديا أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وح بدرك لوارد وموروده وما بقي منه موجود أو جهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها ولذلك يدرك البعيد ضعيفا لأنه يضعف تموجه حتى لو لم يبق في المسافة أثر ينتهي بنا إلى المبدأ لم يعلم من قدر البعد إلا بقدر ما بقي قال ويدل على كون إدراكه بوصول الهواء
رأى الفلاسفة أنه إذا وجد سبب الصوت في موضع تكيف هواء ذلك الموضع بذلك الصوت ثم المجاور فالمجاور في جميع الجهات إلى حد ما بحسب شدة الصوت وضعفه ولا يسمعه إلا المسامع التي تقع في تلك المسافة ويصل إليها ذلك الهواء وتمسكوا بوجوه
الأول أن الصوت يميل مع هبوب الريح ولا يسمعه من كان الهبوب من جهته لعدم وصول الهواء إلى صماخه فلو لم يكن الهواء حاملا له ولم يتوقف السماع على وصول ذلك الهواء لما كان كذلك .
الثاني أن من وضع طرف أنبوبة في فمه وطرفها الآخر في صماخ إنسان وتكلم منها بصوت عال سمعه ذلك الإنسان دون غيره من الحاضرين وما ذلك إلا بمنع الأنبوبة وصول الهواء الحامل للصوت إلى أصمختهم
Translation
الجزء 85
#86 Chapter 86 — الجزء 86 · ref. #86
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الثالث إنا نرى سبب الصوت كضرب الفأس على الخشبة مثلا ويتأخر سماع الصوت عنه زمانا يتفاوت بحسب تفاوت المسافة قربا وبعدا فلولا أن السماع يتوقف على وصول الهواء لما كان كذلك وأجيب عن الكل بأن غايتها الدوران وهو لا يفيد القطع بالسببية فيجوز أن يكون ميل الصوت مع الرياح واختصاص صاحب الأنبوبة بالسماع وتأخر السماع عن ضرب الفأس بسبب آخر فلا يدل توقف السماع على وصول هواء حامل للصوت والحق أن هذه إمارات ربما تفيد اليقين الحدسي للناظر وإن لم تقم حجة على المناظر واستدل على بطلان توقف السماع على وصول الهواء الحامل بوجوه
الأول أنه لو كان كذلك لما أدركنا جهة الصوت وحده من القرب والبعد لأن الواصل لا يكون إلا ما في الصماخ والجواب ما سبق من أن المدرك الموقوف إدراكه على وصول الهواء ليس هو القائم بالهواء الواصل فقط كما في اللمس بل البعيد أيضا كما في الإبصار .
الثاني أنا ندرك صوت المؤذن عند هبوب الرياح يميل عن جهتنا إلى خلافها والجواب أن ذلك إنما يكون عند إمكان الوصول في الجملة وإن لم يكن على وجهه ولذا لا يخلو عن تشويش السماع
Translation
الجزء 86
#87 Chapter 87 — الجزء 87 · ref. #87
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الثالث إنا نسمع صوت من يحول بيننا وبينه جدار صلب مع القطع بامتناع نفوذالهواء في المنافذ من غير أن يزول عنه ذلك الشكل الذي هو أضعف وأسرع زوالا من الرقم على الماء وقد صار مثلا في عدم البقاء وأجيب بأنه إذا لم يكن للحائل منافذ أصلا ولا يكون هناك طريق آخر للهواء فلا نسلم السماع إلا يرى أنه كلما كانت المنافذ أقل كان السماع أضعف وإما بقاء الشكل فإن أريد به حقيقة التشكل الذي يعرض للهواء فيصير سببا لحدوث الكيفية المخصوصة فلا حاجة لنا إلى بقائه لأنه من المعدات وإن أريد به تلك الكيفية المسببة عنه المسماة بالصوت والحرف فلا استحالة بل لا استبعاد في بقائه مع النفوذ في المضايق والحق أن قيام تلك الكيفية المخصوصة الغير القارة لكل جزء من أجزاء الهواء بدليل أن كل من في تلك المسافة يسمعها وبقاء أجزاء الهواء مع فرط لطافتها على تلك الهيئة والكيفية مع هبوب الرياح ومع النفوذ في منافذ الأجسام الصلبة مستبعد جدا وأبعد منه حديث الصدى وهو أن الهواء إذا تموج وقاومه جسم أملس كجبل أو جدار بحيث يرد ذلك المتموج إلى خلف على هيئته كما في الكرة المرمية إلى الحائط المقاوم لها حدث من ذلك صوت هو الصدى وترددوا في أن حدوثه من تموج الهواء الأول الراجع على هيئته أو من تموج هواء آخر بيننا وبين المقاوم متكيف بكيفية الهواء الراجع وهذا هو الأشبه وكيف ما كان فبقاء الهواء على كيفيته التي لا استقرار لها مع مصادمة الجسم الصلب ثم رجوعه على هيئته وإحداثه كيفية فيما يجاوره وزواله بمجرد الوصول إلى الصماخ من المستبعدات التي تكاد تلحق بالمحالات قال المبحث الثاني قد تعرض للصوت كيفية بها يتميز عن صوت آخر يماثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع والحرف هي تلك الكيفية العارضة في عبارة ابن سينا وذلك الصوت المعروض في عبارة جمع من المحققين ومجموع العارض والمعروض في عبارة البعض وكأنه أشبه بالحق وقيد المماثلة بالحدة والثقل أي الزبرية والنمية احترازا عنهما فإن كلا منهما يفيد تميز صوت عن صوت آخر تميزا في المسموع لكن في صوتين يكونان مختلفين بالحدة والثقل ضرورة وقيد التمييز بالمسموع احترازا عن مثل الطول والقصر والطيب وغيره فإن التميز بها لا يكون تميزا في المسموع لأنها ليست بمسموعة إلا أن في كونها من الكيفيات نظرا فالأولى أنه اختراز عن مثل الغنة والنحوحة بقي النظر في دلالة قولنا تميزا في المسموع على أن يكون ما به التميز مسموعا وفي أن الحدة والثقل من المسموعات بخلاف الغنة والنحوحة والحق أن معنى التميز في المسموع ليس أن يكون ما به التميز مسموعا بل أن يحصل به التميز في نفس المسموع بأن يختلف باختلافه ويتحد باتحاده كالحرف بخلاف مثل الغنة والنحوحة وغيرها فإنها قد تختلف مع اتحاد المسموع وبالعكس وما وقع في الطوالع من أن الحروف كيفيات تعرض للأصوات فيتميز بعضها عن البعض في الثقل والخفة كلام لا يعقل له معنى وكأنه جعل قوله في الثقل متعلقا بمحذوف أي عن البعض المماثل له في الثقل وأراد بالخفة الحدة وترك قيد التميز في المسموع لشهرته وكفى بهذا اختلالا والحق أن تعريف الحرف بما ذكر تعريف بالأخفى وكان المقصود مزيد تفصيل للماهية الواضحة عند العقل وتنبيه على خصوصياتها قال وينقسم إلى صامت ومصوت الحركات الثلاث تعد عندهم في الحروف وتسمى المصوته المقصورة والألف والواو والياء إذا كانت ساكنة متولدة من حركات تجانسها أعني الألف من الفتحة والواو من الصمة والياء من الكسرة تسمى المصوتة الممدودة وهي المسماة في العربية بحروف المد لأنها كأنها مدات للحركات وما سوى المصوتة تسمى صامتة ويندرج فيها الواو والياء المتحركتان أو الساكنتان إذا لم يكن قبل الواو ضمة وقبل الياء كسرة وأما الألف فلا يكون إلا مصوتا وإطلاقها على الهمزة باشتراك الاسم وليس المراد بالحركة والسكون ههنا ما هو من خواص الأجسام بل الحركة عبارة عن كيفية حاصلة في الحروف الصامة من إمالة مخرجه إلى مخرج إحدى المدات فإلى الألف فتحة وإلى الواو ضمة وإلى الياء كسرة ولا خلاف في امتناع الابتداء بالصوت وإنما الخلاف في أن ذلك بسكونه حتى يمتنع الابتداء بالساكن الصامت أيضا أو لذاته لكونه عبارة عن مدة متولدة من أشباع حركة تجانسها فلا يتصور إلا حيث يكون قبلها صامت متحرك وهذا هو الحق لأن كل سليم الحس يجد من نفسه إمكان الابتداء بالساكن وإن كان مرفوضا في لغة العرب كالوقف على المتحرك والجمع بين الساكنين من الصوامت إلا في الوقف مثل زيد وعمرو وإذا كان الصامت الأول حرف لين والثاني مدغما نحو حويصة فإنه جائز كما إذا كان الأول مصوتا نحو دابة وعدم قدرة البعض على الابتداء بالساكن لا يدل على امتناعه كالتلفظ ببعض الحروف فإن ذلك لقصور في الآلة والاستدلال على الإمكان بأن المصوت أينما كان مشروط بالصامت فلو كان الصامت مشروطا به في بعض المواضع كالابتداء لزم الدور ليس بشيء لأن المصوت مشروط بأن يسبقه صامت والصامت في الابتداء مشروط بأن يلحقه مصوت مقصور فيكونان معا ولا استحالة فيه قوله وينقسم أي الحرف باعتبار آخر إلى آني وزماني لأنه إن أمكن تمديده كالفاء فزماني وإن لم يمكن كالطاء فآني وهو إنما يوجد في أول زمان إرسال النفس كما في طلع أو في آخر زمان حبسه كما في غلظ وما يقع في وسط الكلمة مثل بطل يحتمل الأمرين وعروض الآني للصوت يكون بمعنى أنه طرف له كالنقطة للخط ومن الآني ما يشبه الزمان كالحاء والخاء ونحوهما مما لا يمكن تمديده لكن تجتمع عند التلفظ بواحد منها أفراد متماثلة ولا يشعر الحس بامتياز زمان بعضها عن بعض فيظن حرفا واحدا ( قال وإلى متماثل ) يريد أن الحروف التسعة والعشرين الواقعة في لغة العرب وما سواها مما يقع في بعض اللغات أنواع مختلفة بالماهية وقد يختلف أفراد كل منها بعوارض مشخصة كالياء الساكنة التي يتلفظ بها زيد الآن أو في وقت آخر أو يتلفظ بها عمرو أو غير مشخصة كالياء الساكنة أو المتحركة بالفتحة أو الضمة أو الكسرة فمع قطع النظر عن اللافظ تكون أفراد النوع الواحد أما متحددة في السكون والحركة كاليائين الساكنتين أو المتحركتين بالفتحة أو الضمة أو الكسرة وإما مختلفة كالياء الساكنة والمتحركة أو المفتوحة والمضمومة وهذا هو المعنى بالتماثل والاختلاف بحسب العارض وبهذا يندفع ما يقال أنه إن أريد بالتماثل الاتحاد بالحقيقة على ما هو المصطلح لم يكن المختلف بالعارض مقابلا للمتماثل وإن أريد الاتحاد في العارض أيضا كانت الياآن الساكنتان من قبيل المختلفة ضرورة أنه لا يتصور التعدد بدون اختلاف ولو بعارض ( قال والصامت مع المصوت ) قد اشتبه على بعض المتأخرين معنى القطع مع اشتهاره فيما بين القوم فأوردنا في ذلك ماصرح به الفارابي وابن سينا والإمام وغيرهم وهو أن الحرف الصامت مع المصوت المقصور يسمى مقطعا مقصورا مثل ل بالفتح أو الضمة أو الكسر ومع المصوت الممدود يسمى مقطعا ممدودا مثل لا ولو ولى وقد يقال المقطع الممدود لقطع مقصور مع صامت ساكن بعده مثل هل وقل وبع لمماثلته المقطع الممدود في الوزن فإن قيل لا حاجة إلى هذا التفصيل فإن المقطع الممدود ليس إلا مقطعا مقصورا مع ساكن بعده سواء كان مصوتا مثل لا أو صامتا مثل هل ولهذا يقال أن المقطع حرف مع حركة أو حرف متحرك مع ساكن بعده والأول المقصور والثاني الممدود قلنا المقطع الممدود بالاعتبار الثاني صامتان هما الهاء واللام في هل بينهما مصوت مقصور هو فتحة الهاء وبالاعتبار الأول مجرد صامت ومصوت ممدود ليس بينهما مصوت مقصور على ما يراه أهل العربية من أن لا لام وألف بينهما فتحة وذلك لأن المصوت الممدود ليس إلا إشباعا للمصوت المقصور فيكون المقصور مندرجا في الممدود جزأ منه وهذا ما يقال أن الحركات أبعاض حروف المد فلا يكون لا إلا صامتا مع مصوت ممدود ( قال ويتألف من الحروف الكلام ) ويفسر بالمنتظم من الحروف المسموعة المتميزة ويحترز بالمسموعة عن المكتوبة والمتخيلة وبالمتميزة عن أصوات الطيور والكلام ينقسم إلى المهمل والموضوع والموضوع إلى المفرد والمركب والمفرد إلى الاسم والفعل والحرف والمركب إلى التام الذي يصح السكوت عليه وإلى غير التام واللفظ أعم من الحروف والكلام وقد يخص الكلام باللفظ المفيد بمعنى دلالته على نسبة يصح السكوت عليها سواء كانت إنشائية مثل قم وهل زيد قائم ولعل زيدا قائم ونحو ذلك أو إخبارية مثل زيد قائم وسواء كان اللفظ مقطعا مقصورا مثل ق أو ممدودا مثل قي وقو أو مركبا من المقاطع كما ذكر وقد يخص اللفظ بما يتألف من المقاطع فيقابله الحرف والمقطع ولذا يقال أجزاء المركب ألفاظ أو حروف أو مقاطع فزيد قائم من لفظين ويادا من مقطعين ويا زيد من مقطع ولفظ ورى في أمر المخاطبة من مقطع وحرف وأرضى واخشوا من لفظ وحرف ويشكل بمثل قي وقو فإن كلا منهما مقطع ممدود فقط إلا أن يقال أنه من حرفين صامت ومصوت وإما مثل ق فمن مقطع مقصور ولفظ هو الضمير المستتر أعني أنت وهذا بخلاف قي وقو فإن كلا من الياء والواو اسم ولا مستتر هناك ( قال وزعم الفارابي ) إن القول من مقولة الكم وأن الكم المنفصل أيضا ينقسم إلى قار هو العدد وإلى غير قار هو القول واحتج بأنه ذو جزء يتقدر بجزئه وكل ما هو كذلك فهو كم وفاقا بيان الصغرى أن أجزاء الأقاويل مقاطع مقصورة أو ممدودة يقع فيها التركيب بأن يردف مقصور بممدود مثل على أو بالعكس مثل كان ثم تركب هذه المقاطع مرة أخرى فيحدث أشياء أعظم مما تقدم فأصغر ما تتقدر به الألفاظ هي المقاطع البسطية المقصورة ثم الممدودة ثم بعدها المركبة وأكملها ما ذكر فيه المقصور أو لا ثم أردف بالممدود والقول ربما يتقدر بواحد منها وربما يحتاج إلى أن يقدر باثنين أو أكثر كسائر المقادير فإن منها ما يقدره ذراع فستعرفه ومنها ما يحتاج إلى ذراعين وأكثر وأجيب بمنع الكبرى وإنما ذلك إذا كان التقدر لذاته وههنا إنما عرض للقول خاصية الكم من جهة الكثرة التي فيه كما أن الجسم يتقدر بالذراع ونحوه لما فيه من الكم المتصل ( قال النوع الرابع المذوقات ) المشهور أن أصول الطعوم أي بسائطها تسعة حاصلة من ضرب أحوال ثلاثة للفاعل هي الحرارة والبرودة والاعتدال بينهما في أحوال ثلاث للقابل هي اللطافة والكثافة والاعتدال بينهما وبيان آنية ما ذكر من التأثيرات ولميتها مذكورة في المطولات ثم يتركب من التسعة طعوم لا تحصى مختلفة باختلاف التركيبات واختلاف مراتب البسائط قوة وضعفا وامتزاج شيء من الكيفيات اللمسية بها بحيث لا تتميز في الحس وهذه المركبات قد يكون لها أسماء كالبشاعة للمركب من المرارة والقبض كما في الحضض بضم الضاد الأولى وفتحها نوع من الدواء هو عصارة شجرة تسمى فيلزهدج وكالزعوقة للمركب من المرارة والملوحة كما في الشيحة وقد لا يكون كالحلاوة والحرافة في العسل المطبوخ والمرارة والتفاهة في الهندبا والمرارة والحرافة والقبض في الباذنجان والفرق بين القبض والعفوصة أن القابض يقبض ظاهر اللسان والعفص ظاهره وباطنه والتفاهة المعدودة في الطعوم هي مثل ما في اللحم والخبز وقد يقال التفه لما لا طعم له أصلا كالبسائط ولما لا يحس بطعمه لأنه لا يتحلل منه شيء بخلط الرطوبة اللعابية إلا بالحيلة كالحديد وما قيل أن هذا هو الذي يعد في الطعوم يبطله ما قالوا أن طعم الهندبا مركب من المرارة والتفاهة لا مرارة محضة ( قال النوع الخامس المشمومات ) وليس فيها محل بحث واعلم أنهم وإن أجروا هذه الأوصاف أعني المبصرات والمسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات على الأنواع الخمسة من الكيفيات بل جعلوها بمنزلة الأسماء لها فهي بحسب اللغة متفاوتة في الوقوع على الكيفية أو على المحل أو عليهما جميعا وفي كون مصادرها موضوعة لذلك النوع من الإدراك كالإبصار والسماع أو لما يفضي إليه كالبواقي ومن ههنا يقال أبصرت الورد وحمرته وسمعت الصوت لا مصوته ولمست الحرير لا لينه وذقت الطعام وحلاوته وشممت العنبر ورائحته ( قال القسم الثاني ) أي من الأقسام الأربعة للكيف الكيفيات المختصة بذوات الأنفس الحيوانية بمعنى أنها إنما تكون من بين الأجسام للحيوان دون النبات والجماد فلا يمتنع ثبوت بعضها لبعض المجردات من الواجب تعالى وغيره على أن القائلين بثبوت صفة الحياة والعلم والقدرة ونحوها للواجب لا يجعلونها من جنس الكيفيات والأعراض ثم الكيفية النفسانية إن كانت راسخة سميت ملكة وإلا فحالا فالتمايز بينهما قد لا يكون إلا بعارض بأن تكون الصفة حالا ثم تصير بعينها ملكة كما أن الشخص من الإنسان يكون صبيا ثم يصير شيخا ومثل ذلك وإن كان سبق إلى الوهم ويقع في بعض العبارات أنه هو ذلك الشخص بعينه فليس كذلك بحسب الحقيقة للقطع بتغاير العوارض المشخصة ( قال فمنها الحياة ) سيجيء معنى الحياة في حق الله تعالى وأما حياة الحي من الأجسام فقد اختلفت العبارات في تفسيرها لا من جهة اختلاف في حقيقتها بل من جهة عسر الاطلاع عليها والتعبير عنها إلا باعتبار اللوازم والآثار فقيل هي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج والقيد الأخير للتحقيق على ما هو رأي البعض لا للاحتراز وقيل قوة هي مبدأ لقوة الحس والحركة وكان هذا هو المراد بالأول ليتميز عن قوة الحس والحركة وقيل قوة تتبع اعتدال النوع ويفيض عنها سائر القوى الحيوانية أي المدركة والمحركة على ما سيجيء تفصيلها ومعنى اعتدال النوع هو أن لكل نوع من المركبات العنصرية مزاجا خاصا هو أصلح الأمزجة بالنسبة إليه بحيث إذا خرج عن ذلك المزاج لم يكن ذلك النوع ثم لكل صنف من ذلك النوع ولكل شخص من ذلك الصنف مزاج يخصه هو أصلح بالنسبة إليه ويسمى الأول اعتدالا نوعيا والثاني صنفيا والثالث شخصيا ولهذا زيادة تفصيل وتحقيق يذكر في بحث المزاج فإذا حصل في المركب اعتدال يليق بنوع من أنواع الحيوان فاض عليه قوة الحياة فانبعثت عنها بإذن الله تعالى الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحركة نحو جلب المنافع ودفع المضار فتكون الحياة مشروطة باعتدال المزاج ومبدأ القوة الحس والحركة فتغايرهما بالضرورة وكذا تغاير القوة الغاذية لوجودها في النبات بخلاف الحياة لكن هذا إنما يتم لو ثبت أن الحياة مبدأ لقوة الحس والحركة لا نفسها وأن الغاذية في النبات والحيوان حقية واحدة ليلزم من مغايرة تلك الحياة مغايرة هذه لها فاسدلوا على مغايرة الحياة لقوة الحس والحركة ولقوة التغذية الحيوانية بأن الحياة موجودة في العضو المفلوج للحيوان من غير حس وحركة وفي العضو الذابل من غير اغتذاء واعترض الإمام بأن عدم الإحساس والحركة وعدم الاغتذاء لا يدلان على عدم قوة الحس والحركة وعدم قوة التغذية لجواز أن توجد القوة ولا يصدر عنها الأثر لمانع من جهة القائل وأجيب بأن القوة ما يصدر عنه الأثر بالفعل بمعنى أنى نريد أن القوة التي تصدر عنها بالفعل آثار الحياة كحفظ العضو عن التعفن مثلا باقية والقوة التي يصدر عنها بالفعل الحس والحركة والتغذية غير باقية فلا تكون هي هي بهذا يشعر كلام تلخيص المحصل وليس معناه أن القوة اسم لما يصدر عنه الأثر بالفعل فإنه ظاهر البطلان كيف وهو قد صرح بأن في العضو المفلوج قوة الحس والحركة باقية لكنها عاجزة عن الإحساس والحركة نعم يتوجه أن يقال لم لا يجوز أن يكون مبدأ جميع تلك الآثار قوة واحدة هي الحياة وقد يعجز عن البعض دون البعض لخصوصية المانع لكن الحق أن مغايرة المعنى المسمى بالحياة للقوة الباصرة والسامعة وغيرهما من القوى الحيوانية والطبيعية مما لا يحتاج إلى البيان ( قال وعندنا لا يشترط ) ذهب جمهور المتكلمين إلى أن تحقق المعنى المسمى بالحياة ليس مشروطا باعتدال المزاج والبنية والروح الحيواني للقطع بإمكان أن يخلقها الله تعالى في البسائط بل في الجزء الذي لا يتجزأ والمراد بالبنية البدن المؤلف من العناصر الأربعة وبالروح الحيواني جسم لطيف بخاري يتكون من لطافة الأخلاط تنبعث من التجويف الأيسر من القلب ويسرى إلى اليد في عروق نابتة من القلب تسمى بالشرايين وذهب الفلاسفة وكثير من المعتزلة إلى أن هذا الاشتراط بناء على ما يشاهد من زوال الحياة بانتقاض البنية وتفرق الأجزاء وبانحراف المزاج عن الاعتدال النوعي وبعدم سريان الروح في العضو لشدة أو شدة ربط يمنع نفوذه ورد بأن غايته الدوران وهو لا يقتضي الاشتراط بحيث يمنع بدون تلك الأمور واستدل بعض المتكلمين على امتناع كون الحياة مشروطة بالبنية بأنها لو اشترطت فإما أن تقوم بالجزئين من البنية حياة واحدة فيلزم قيام العرض بأكثر من محل واحد وقد مر بطلانه وإما أن يقوم بكل جزء حياة وحينئذ إما أن يكون القيام بكل جزء مشروطا بالقيام بالآخر فيلزم الدور أولا فيلزم الرجحان بلا مرجح لتماثل الأجزاء واتحاد حقيقة الحياة لا يقال لم لا يجوز أن يقوم بالبعض فقط لأسباب مرجحة من الخارج لأنا نقول فيكون الحي هو ذلك البعض لا البنية المؤلفة وأجيب بأنها تقوم بالمجموع الذي هو البنية المؤلفة وليس هذا من قيام العرض بمحلين على ما سبق أو يقوم بكل جزء حياة ويكون اشتراط كل بالآخر بطريق المعية دون التقدم فلا يلزم الدور المحال أو يكون قيامها ببعض الأجزاء مشروطا بقيام حياة بالآخر من غير عكس لمرجح يوجد في الخارج وإن لم يطلع عليه لا يقال فحينئذ تكون الحياة غير مشروطة بالبنية حيث تحققت في الجزء الآخر من غير شرط لأنا نقول عدم اشتراط قيام الحياة به بقيام حياة بالجزء الأول لا يستلزم عدم اشتراطه بوجود الجزء الأول الذي به يتحقق البنية ( قال وأما الموت ) فزوال الحياة ومعنى زوال الصفة عدمها عما يتصف بها بالفعل وهذا معنى ما قيل أنه عدم الحياة عما من شأنه أي عما يكون من أمره وصفته الحياة بالفعل فيكون عدم ملكة للحياة كما في العمى الطاري بعد البصر لا كمطلق العمى ولا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتا فعلى هذا يكون الموت عدميا وقيل هو كيفية تضاد الحياة فيكون وجوديا وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما ذكره المعتزلة من أن الموت فعل من الله تعالى أو من الملك يقتضي زوال حياة الجسم من غير حرج واحترز بالقيد الأخير عن القتل وحمل الفعل على الكيفية المضادة مبني على أن المراد به الأثر الصادر عن الفاعل إذ لو أريد به التأثير على ما هو الظاهر لكان ذلك تفسيرا للإماتة لا للموت وقد يستدل على كون الموت وجوديا بقوله تعالى
خلق الموت والحياة
فإن العدم لا يوصف بكونه مخلوقا ويجاب بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعا ولو سلم فالمراد بخلق الموت إحداث أسبابه على حذف المضاف وهو كثير في الكلام ومثل هذا وإن كان خلاف الظاهر كاف في دفع الاحتجاج ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية الإدراك وقد سبق نبذ من الكلام فيه والذي استقر عليه رأي المحققين من الفلاسفة أن حقيقة إدراك الشيء حضوره عند العقل إما بنفسه وإما بصورته المنتزعة أو الحاصلة ابتداء المرتسمة في العقل الذي هو المدرك أو آلته التي بها الإدراك وهذا معنى ما قال في الإشارات إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك على أن المراد بتمثل الحقيقة حضورها بنفسها أو بمثالها سواء كان المثال منتزعا من أمر خارج أو متحصلا ابتداء وسواء كان منطبعا في ذات المدرك أو في آلته والمراد بالمشاهدة مطلق الحضور وفي قوله يشاهدها ما به يدرك تنبيه على انقسام الإدراك إلى ما يكون بغير آلة فيكون ارتسام الصورة في ذات المدرك وإلى ما يكون بآلة فيكون في محل الحس كما في الإبصار بحصول الصورة في الرطوبة الجليدية أو في المجاور كإدراك الحس المشترك بحصول الصورة الخيالية في محل متصل به والمراد بالمشاهدة مجرد الحضور على ما هو معناها اللغوي لا الإبصار وإدراك عين الشيء الخارجي على ما هو المتعارف ليلزم فساد التفسير نعم تضمنت العبارة في جانب الإدراك العقلي تكرارا بحسب اللفظ كأنه قيل هو حضور عند المدرك حال الحضور عنده لأن ما به الإدراك العقلي هو ذات المدرك وفي جانب الإدراك الحسي تكرارا بحسب المعنى حتى كان هناك حضوران أحدهما عند المدرك والآخر عند الآلة وليس كذلك بل الحضور عند النفس هو الحضور عند الحس وتحقيق المقام أنا إذا أدركنا شيئا فلا خفاء في أنه يحصل لنا حال لم تكن وتكاد تشهد الفطرة بأنها بحصول أمر لم يكن لا بزوال أمر كان وما ذاك إلا تميزا وظهورا لذلك الشيء عند العقل وليس ذلك بوجوده في الخارج إذ كثيرا ما ندرك ما لا وجود له في الخارج من المعدومات بل الممتنعات وكثيرا ما يوجد الشيء في الخارج ولا يدركه العقل مع تشوقه إليه بل بوجوده في العقل بمعنى أن يحصل فيه أثر يناسب ذلك الشيء بحيث لو وجد في الخارج لكان إياه وهذا هو المعنى بحصول الصورة وحضورها وتمثلها وارتسامها ووصول النفس إليها ونحو ذلك ولا يفهم من إدراك الشيء سواه والاعتراض بأن الإدراك صفة المدرك والحصول ونحوه صفة الصورة مما لا يلتفت إليه عند المحققين سواء جعلنا الإدراك مصدرا بمعنى الفاعل أو المفعول وأما الاعتراض بأن ذكر المدرك وما به يدرك في تعريف الإدراك دور فجوابه أن المراد به الشيء الذي يقال له المدرك وما به الإدراك وإن لم تعرف حقيقة هذا الوصف وقد يجاب بأن هذا ليس تعريفا للإدراك بل تعيينا وتلخيصا للمعنى المسمى بالإدراك الواضح عند العقل ( قال إما بحقيقته ) إشارة إلى ما ذكروا من أن الشيء المدرك إما أن لا يكون خارجا عن ذات المدرك كالنفس وصفاتها وإما أن يكون خارجا وحينئذ فإما أن يكون ماديا أو غير مادي فالأول تكون حقيقته المتمثلة عند المدرك نفس حقيقته الموجودة في الخارج فيكون إدراكه دائما والثاني تكون صورة منتزعة عنه والثالث تكون صورة متحصلة في العقل غير مفتقرة إلى الانتزاع من حقيقة خارجية لكونها صورة لما هو مجرد في نفسه كإدراك المفارقات أو لما تحقق له ولا حقيقة أصلا كإدراك المعدومات واعترض على الأول بوجوه
أحدها أنه يقتضي أن يكون إدراك النفس لذاتها وصفاتها دائما لدوام الحضور واللازم باطل لأن كثيرا من الصفات مما لا نطلع على آنيتها وماهيتها إلا بعد النظر والتأمل وإنما الكلام في ماهية النفس ولا يجوز أن يكون هذا ذهولا عن العلم بالعلم لأنه أيضا مما يلزم دوامه سيما وهم يقولون أن علمنا بذاتنا نفس ذاتنا
وثانيها أن حصول الشيء للشيء وحضوره عنده يقتضي تغاير الشيئين ضرورة فيمتنع علم الشيء بنفسه
Translation
الجزء 87
#88 Chapter 88 — الجزء 88 · ref. #88
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
وثالثها أن النفس إذا كانت عالمة بذاتها وصفاتها كانت عالمة بعلمها بذلك وهلم جرا لا إلى نهاية فيلزم علوم غير متناهية بالفعل وأجيب عن الأول بمنع مقدمات بطلان اللازم وهو مكابرة وعن الأخيرين بأن التغاير الاعتباري كاف والاعتبارات العقلية تنقطع بانقطاع الاعتبار وحاصله أن ليس هناك إلا شيء واحد هو ذلك المجرد المدرك وهو ليس بغائب عن نفسه فمن حيث يعتبر شاهدا يكون عالما ومن حيث يعتبر مشهودا يكون معلوما ومن حيث يعتبر شهودا يكون علما ومرجعه إلى أن وجود الشيء أعني حصوله وحضوره لا يزيد عليه بحسب الخارج ( قال ولما بين صورة الشيء ) إشارة إلى دفع اعتراضات للإمام وغيره منها أن العلم لو كان بحصول الصورة المساوية التي ربما تسمى ماهية الشيء لزم من تصور الحرارة والاستدارة كون القوة المدركة حارة مستديرة وكذا جميع الكيفيات وهو مع ظهور فساده يستلزم اجتماع الضدين كالحرارة والبرودة عند تصورهما وجوابه أن الحار ما قام به هوية الحرارة لا صورته وماهيته وكذا جميع الصفات وفرق ما بينهما ظاهر فإن الهوية جزئية مكفوفة بالعوارض فاعلة للصفات الخارجية والصورة كلية مجردة لا تلحقها الأحكام ولا يترتب عليها الآثار وهذا لا ينافي مساواتها للهوية بمعنى أنها بحيث إذا وجدت في الخارج كانت إياها ثم الماهية والحقيقة كما نطلق على الصورة المعقولة فكذا على الموجود العيني وبهذا الاعتبار يقال تارة من أن المعقول من السماء مساو لماهيتها وتارة أنه نفس ماهيتها فضلا عن المساواة وجواب آخر وهو أن حصول الشيء للشيء يقال لمعان متعددة كحصول المال لصاحبه وبالعكس وحصول السواد للجسم وبالعكس وحصول السرعة للحركة وحصول الصورة للمادة وبالعكس وحصول كل منهما للجسم وبالعكس وحصول الحاضر لما حضر عنده وبالعكس ولزوم الاتصاف إنما هو في حصول العرض بمحله ولا كذلك حصول الحاضر لما حضر عنده وبالعكس ولزوم الاتصاف زائد وهو معلوم لنا بالوجدان ومتحقق كونه حصولا لنا وإن لم نقدر على التعبير عن خصوصيته بغير كونه إدراكا أو علما أو شعورا أو إحاطة بكنه الشيء أو ما يجري مجرى هذه العبارات ولهذا أعني لكون الحصول الإدراكي مغاير الحصول العرضي للمحل المستلزم للاتصاف لا يلزم من إدراك المعاني التي تكون من صفات النفس كالإيمان والكفر والجود والبخل ونحو ذلك اتصاف النفس بها لانتفاء الحصول الاتصافي فكيف يلزم ذلك فيما ليس من شأن النفس الاتصاف بها كالحرارة والاستدارة ونحو ذلك وإنما الكلام في أن الحصول الاتصافي هل يستلزم الحصول الإدراكي حتى يلزم دوام تعقل النفس لصفاتها على ما زعموا ثم أنهم لم يبينوا أن ذلك مبني على أن مجرد الحصول الاتصافي كاف في الادراك النفسي صفاتها أو على أنه مستلزم للحصول الإدراكي والحق أن الكل بوجود غير متأصل هو الصورة وما ذكروا من أنه لو كان كذلك لزم في إدراك النفس لذاتها عدم التمايز بين الصورة وذي الصورة ولصفاتها اجتماع المثلين مدفوع بما مر من التغاير بين الصورة والهوية وبأن التماثل المانع من الاجتماع إنما هو بين الهويتين ولو سلم فبطريق الحصول الاتصافي وبالجملة إذا كان الحصول الإدراكي غير الحصول الاتصافي ولم يتحقق كون الحصول الاتصافي لما من شأنه الإدراك مستلزما للإدراك كان عدم استلزامه فيما ليس من شأنه الإدراك كحصول السواد للحجر أولى فلا يرد ما ذكر الإمام من أن الإدراك إذا كان نفس الحصول كان المدرك هو الذي له الحصول وكان الجسم الحار مدركا للحرارة ومنها أنا نعلم قطعا أن المدرك بالحس أو العقل هو الموجود العيني كهذا السواد وهذا الصوت والإنسان فالقول بأنه مثال وشبح من ذلك الموجود لا نفسه يكون سفسطة والجواب أنه لا نزاع في أن المدرك هو ذلك الموجود لكن إدراكه عبارة عن حصول صورة منه ومثال عند المدرك بحصولها فيه أو في آلته ومنها أنكم تجعلون المدرك للمحسوسات هو النفس أو الحس المشترك مع أن حصول الصورة ليس فيهما بل في الخيال أو غيره من الآلات كالرطوبة الجليدية للمبصرات فلو كان الإدراك هو الحصول لكان المدرك ما فيه الحصول والجواب أنا لا نجعل إدراك المحسوسات هو الحصول في الآلة بل الحصول عند المدرك للحصول في الآلة فلا يلزم ما ذكر وبهذا يندفع اعتراض آخر وهو أنه لو كان مجردا لحضور عند الحس على ما هو المراد بالمشاهدة كافيا في الإدراك لكان الحاضر الذي لا تلتفت إليه النفس مدركا وليس كذلك ومنها أن الصورة العلمية عرض قائم بالنفس وقد جعلتموها مطابقة للموجود العيني الذي ربما يكون جوهرا بل نفس ماهيته وامتناع كون العرض مطابقا للجوهر ونفس ماهيته معلوم بالضرورة وأيضا جعلتموها كلية مع أن كون العرض القائم بالنفس الجزئية جزئيا ضروري وأيضا تجعلون العلم تارة حصول الصورة وتارة نفس الصورة مع ظهور الفرق بينهما والجواب أن الممتنع هو كون الشيء الواحد باعتبار واحد جوهرا وعرضا أو كليا وجزئيا وما عند اختلاف الاعتبار فلا فإن كون الصورة العقلية عرضا من حيث كونها في الحال قائمة بالموضوع الذي هو النفس لا ينافي كونها جوهرا من حيث أنها ماهية إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وإنما المستحيل كون الشيء جوهرا وعرضا في الخارج بمعنى كونها ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع ولا في موضوع وكذا كونها جزئية من حيث قيامها بالنفس الجزئية لا ينافي كليتها من حيث مطابقتها للأفراد الكثيرة بمعنى أن الحاصل في العقل من كل منها عند التجرد عن العوارض يكون تلك الصورة بعينها ثم نسبة الحصول إلى الصورة في العقل نسبة الوجود إلى الماهية في الخارج فكما أنه ليس للماهية تحقق في الخارج ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر حتى يجتمعا اجتماع القابل والمقبول كذلك ليس للصورة تحقق في العقل ولعارضها المسمى بالحصول تحقق آخر وإنما الزيادة بمعنى أن المفهوم من هذا غير المفهوم من ذاك فبهذا الاعتبار يصح جعل العلم تارة نفس الصورة وتارة حصولها فإن قيل لا ارتياب في أن العلم عرض موجود في الخارج لمعنى حصوله في النفس حصولا متأصلا موجبا للاتصاف كسائر صفات النفس والصورة ليست كذلك إذ لا حصول لها إلا في النفس وحصولها فيها ليس حصولا اتصافيا مثل حصول العرض في المحل على ما سبق قلنا لا كلام في قوة هذا الإشكال بل أكثر الإشكالات الموردة على كون الإدراك صورة وغايتها يمكن أن يقال أن الصورة قد تؤخذ من حيث أن الحصول نفسها فتكون عرضا قائما بالنفس حاصلا لها حصولا متأصلا اتصافيا فيكون موجودا عينيا كسائر صفاتها وقد تؤخذ من حيث أن الحصول غيرها فيكون صورة وماهية للموجود العيني الذي ربما يكون من الجواهر فلا تتصف النفس بها ولا هي تحصل للنفس حصولا متأصلا وهي بهذا الاعتبار مفهوم لا تحقق له إلا في الذهن وإطلاق المعلوم عليها تجوز لأن المعلوم ما له صورة في العقل لا نفس الصورة نعم قد يستأنف لها تعقل وتلحقها أحكام وعوارض لا يحاذى بها أمر في الخارج هي المسماة بالمعقولات الثانية وبهذا الاعتبار يصح جعل الكلية من عوارض المعلوم كما يجعل من عوارض المفهوم وأما المعلوم الذي هو ما له الصورة أعني الموجود العيني فلا يتصف بالكلية إلا بمعنى أن الحاصل منه في العقل كلي ذكر في المواقف عن الحكماء أن الموجود في الذهن هو العلم والمعلوم وأن معنى كون الإنسان كليا هو أن الصورة الحاصلة منه في العقل المجردة عن المشخصات كلية أو أن المعلوم بها كلي ثم قال وهذا إنما يصح على رأي من يجعل العلم والمعلوم هي الصورة الذهنية أو يجعل للأمور المتصورة ارتساما في غير العقل وإلا لكان للمعلوم حصول في الخارج فيكون جزئيا لا كليا وأنت خبير بأنه إذا أريد بالمعلوم الصورة الذهنية لم يكن بين الوجهين فرق ولا لقوله بها معنى ( قال والمتكلمون ) يعني أن من لم يقل بالوجود الذهني وحصول الصورة جعل العلم إما مجرد إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم وإما صفة لها تلك الإضافة فالصفة العلم والإضافة العالمية وأثبت القاضي وراء العلم والعالمية إضافة إما لأحدهما فيكون هناك ثلاثة أمور ولكل منهما فتكون أربعة وعلى هذا قياس سائر الإدراكات فإن أورد عليهم علم الشيء بنفس ذاته فإن التعلق لا يتصور إلا بين شيئين أجيب بأن التغاير الاعتباري كاف على ما مر في حصول الشيء للشيء نعم يرد عليهم العلم بالمعدومات من الممكنات ككثير من الأشكال الهندسية والممتنعات كالمفروضات التي يبين بها الخلف فإنه لا تحقق لها في الخارج وإذا لم تتحقق في الذهن أيضا لم تتصور الإضافة بينهما وبين العالم وما يقال من إمكان تحققها قائمة بأنفسها على ما هو رأي أفلاطون أو بغيرها من الأجرام الغائبة عنا فضروري البطلان في الممتنعات لا يقال غاية ما في الباب إثبات الصورة الذهنية في العلم بالمعدومات قلنا الإدراك معنى واحد لا يختلف إلا بالإضافة إلى المدرك والمدرك فإن علم أنه غير نفس الإضافة في موضع علم كونه كذلك مطلقا فإن قيل العلم بالمعدومات وارد على القول بالصورة أيضا لأن الصورة إنما تكون لذي الصورة لا للعدم المحض فإما أن تكون في الخارج فلا تكون معدوما والكلام فيه أو في الذهن فيكون فيه من المعدوم أمر هو الصورة وأمر آخر له الصورة وهو باطل لم يقل به أحد قلنا ليس في الذهن إلا أمر واحد هو الصورة ومعنى كونها صورة للمعدوم أنها بحيث لو أمكن في الخارج تحققها وتحقق ذلك المعدوم لكانت إياه ثم أنها من حيث قيامها بالذهن وحصولها فيه علم تتصف به النفس ومن حيث ذاتها وماهيتها العقلية أعني مع قطع النظر عن قيامها بالذهن معلوم له وجود غير متأصل وهذا بخلاف الموجود فإن العلم ما في الذهن والمعلوم ما في الخارج كما مر وبهذا يندفع إشكال آخر وهو أنهم صرحوا بأن الصورة إنما تكون علما إذا كانت مطابقة للخارج وذلك لأن هذا إنما هو في صور الأعيان الخارجية وأما المعدومات من الاعتباريات وغيرها فمعنى مطابقتها ما ذكرنا هذا وفي بعض المواضع من كلام ابن سينا اعتراف بأن العلم بالممتنعات ليس حصول الصورة لأنه ذكر في الشفاء أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل ولا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين بل تصور المستحيل إنما يكون على سبيل التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن بين السواد والبياض أو على سبيل النفي بأن يحكم العقل بأنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السواد والبياض وعلى هذا حمل صاحب المواقف كلام أبي هاشم حيث جعل العلم بالمستحيل علما لا معلوم له بناء على أن المعلوم شيء والمستحيل ليس بشيء وحينئذ لا يرد اعتراض الإمام بأنه تناقض إذ لا معنى للمعلوم سوى ما تعلق به العلم ولا يحتاج إلى ما ذكره الآمدي من أن له أن يصطلح على أن المعلوم ما تعلق به العلم بالأشياء ( قال المبحث الثاني ) الإحساس إدراك للشيء الموجود في المادة الحاضرة عند المدرك على هيئات مخصوصة به محسوسة من الابن والوضع ونحو ذلك والتخيل إدراك لذلك الشيء مع الهيئات المذكورة ولكن في حالتي حضوره وغيبته والتوهم إدراك لمعان غير محسوسة من الكيفيات والإضافات مخصوصة بالشيء الجزئي الموجود في المادة والتعقل إدراك للشيء من حيث هو هو فقط لا من حيث شيء آخر سواء أخذ وحده أو مع غيره من الصفات المدركة هذا النوع من الإدراك فالإحساس مشروط بثلاثة أشياء حضور المادة واكتناف الهيئات وكون المدرك جزئيا والتخيل مجرد عن الشرط الأول والتوهم مجرد عن الأولين والتعقل مجرد عن الجميع بمعنى أن الصورة تكون مجردة عن العوارض المادية الخارجية وإن لم يكن بد من الاكتناف بالعوارض الذهنية مثل تشخصها من حيث حلولها في النفس الجزئية ومثل عرضيتها وحلولها في تلك النفس ومقارنتها لصفات تلك النفس وفي كون هذه من العوارض الذهنية كلام عرفته في بحث الماهية ( قال وعند الشيخ أبي الحسن الأشعري الإحساس بالشيء علم به ) فالإبصار علم بالمبصرات والسماع علم بالمسموعات وهكذا البواقي ورده الجمهور بأنا نجد فرقا ضروريا بين العلم التام بهذا اللون وبين إبصاره وهكذا بين العلم بهذا الصوت وسماعه وبين العلم بهذه الرايحة وشمها إلى غير ذلك وأجيب بأنا لا نسلم أن ما يتعلق به الإحساس يمكن تعلق العلم به بطريق آخر ولو سلم فيجوز أن يكونا علمين متخالفين بالماهية أو الهوية وفيه ضعف أما أولا فلأن إمكان تعلق علم آخر به ضروري كيف وأنا نحكم عليه عند عدم الإحساس أيضا وأما ثانيا فلأن مقصود الجمهور نفي أن تكون حقيقة إدراك الشيء بالحس هي حقيقة إدراكه المسمى بالعلم بحيث لا يتفاوت إلا في طريق الحصول كما في العلم بالشيء بطريق الاستدلال أو الإلهام أو الحدس وأما بعد تسليم كونهما نوعين مختلفين من الإدراك فيصير البحث لفظيا مبنيا على أن العلم اسم لمطلق الإدراك أو لنوع منه والحق أن إطلاقه على الإحساس مخالف للعرف واللغة فإنه اسم لغيره من الإدراكات وقد يخص بإدراك الكلي أو إدراك المركب فيسمى إدراك الجزئي أو إدراك البسيط معرفة وقد يخص العلم بأحد أقسام التصديق أعني اليقين منه وهو ما يقارن الجزم والمطابقة والثبات فيسمى غير الجازم ظنا وغير المطابق جهلا مركبا وغير الثابت اعتقاد المقلد وقد لا يعتبر في الإعتقاد المطابقة فينقسم إلى الصحيح والفاسد وقد يطلق على مطلق التصديق فيعم العلم وغيره وقد يراد بالظن ما ليس بيقين فيعم الظن الصرف والجهل المركب واعتقاد المقلد ثم ظاهر عبارة البعض أن اليقين يقارن الحكم بامتناع النقيض والظن الصرف يقارن الحكم بإمكان النقيض وإن كان مرجوحا لكن التحقيق هو أن المعتبر في اليقين أن يكون بحيث لو أخطر النقيض بالبال لحكم بامتناعه وفي الظن أنه لو أخطر لحكم بإمكانه حتى أن كلا منهما اعتقاد بسيط لا يتركب عن حكمين وأعترض على اعتبار الثبات في اليقين بأنه إن أريد به عسر الزوال فربما يكون اعتقاد المقلد كذلك وإن أريد امتناع الزوال فاليقين من النظريات قد يذهل الذهن عن بعض مباديه فيشك فيه بل ربما يحكم بخلافه والجواب أنه إن أريد بالذهول مجرد عدم الحضور بالفعل عند العقل فإمكان طريان الشك حينئذ ممنوع وإن أريد الزوال بحيث يفتقر إلى تحصيل واكتساب فلا يقين حينئذ بالحكم النظري ونحن إنما نحكم بامتناع الشك في اليقين ما دام يقينا فالتصديق على ما ذكرنا ينحصر في العلم والجهل المركب والاعتقاد الصحيح والظن لأن غير الجازم لا بد أن يكون راجحا لأنه أقل مراتب الحكم أعني قبول النفس وإذعانها لوقوع النسبة أو لا وقوعها وما ذكر الإمام وجمع من المتأخرين أن غير الجازم إما أن يكون راجحا فظن أو مساويا فشك أو مرجوحا فوهم محل نظر لأن الشك تردد في الوقوع واللاوقوع والوهم ملاحظة للطرف المرجوح وكلاهما تصور لا حكم معه أصلا فإن قيل المراد بالشك الحكم بتساوي الطرفين عند العقل قلنا هذا تصديق بكون أحد الأقسام الأربعة بمنزلة قولك أنا شاك في كذا ( قال والذهول ) يشير إلى الفرق بين السهو والنسيان وقد لا يفرق بينهما ونسبتهما إلى العلم نسبة الموت إلى الحياة بمعنى أنهما عدم ملكة للعلم مع خصوصية قيد الطريان والشك عدم ملكة للعلم التصديقي فيكون جهلا بسيطا بالنظر إليه وإن كان علما من حيث التصور وأما الجهل المركب أعني الإعتقاد الجازم الغير المطابق ويسمى مركبا لأنه جهل بما في الواقع مع الجهل بأنه جاهل به فمضاد للعلم لصدق حد الضدين عليهما لكونهما معنيين يستحيل اجتماعهما لذاتهما ولكونهما متقابلين وجوديين ليس تعقل أحدهما بالقياس إلى تعقل الآخر وقالت المعتزلة هما متماثلان لأن الحقيقة واحدة والاختلاف إنما هو بالعارض أما أولا فلأنهما لا يختلفان إلا بمطابقة الواقع ولا مطابقته وذلك خارج لأن النسبة لا تدخل في حقيقة المنتسبين والاختلاف بالخارج لا يوجب الاختلاف بالذات وأما ثانيا فلأن من اعتقد أن زيدا في الدار طول النهار وقد كان فيها إلى الظهر ثم خرج كان له اعتقاد واحد مستمر لا اختلاف في ذاته مع أنه كان علما ثم صار جهلا والجواب أن المطابقة واللامطابقة أخص صفات النفس للعلم والجهل فالاختلاف فيه يستلزم الاختلاف في الذات وظاهره معارضة ويمكن تنزيله على المنع أي لا نسلم أن الاختلاف بالعارض لا يوجب الاختلاف بالذات وإنما يكون كذلك لو لم يكن لازما ولا نسلم أن الذات واحدة بل الاعتقادات على التجدد فما دام زيد في الدار فالمتجدد علم وحين خرج فجهل ( قال المبحث الثالث العلم ) إما قديم لا يسبقه العدم وهو علم الله تعالى وإما حادث يسبقه العدم فهو علم المخلوق ومراتب الحادث ثلاث
الأولى ما يكون بالقوة المحضة وهو الاستعداد للعلم وحصوله للضروريات يكون بالحواس الظاهرة والباطنة كما يستفاد من حس اللمس أن هذه النار حارة فتستعد النفس للعلم بأن كل نار حارة وعلى هذا القياس وللنظريات يكون بالضروريات بأن يرتب فيكتسب النظري
والثانية العلم الإجمالي كمن علم مسألة فغفل عنها ثم سئل فإنه يحضر الجواب في ذهنه دفعة من غير تفصيل وحقيقته حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ تفاصيل المركب
Translation
الجزء 88
#89 Chapter 89 — الجزء 89 · ref. #89
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
والثالثة العلم التفصيلي وهو حضور صورة المركب بحيث تعرف أجزاؤه متميزا بعضها عن بعض ملاحظا كل منها على الانفراد وذلك كما إذا نظرنا إلى الصحيفة دفعة فلا شك أنا نجد حالة إجمالية من الإبصار ثم إذا حدقنا النظر وأبصرنا كل حرف حرف على الانفراد حصلت لنا حالة أخرى مع أن الإبصار حاصل في الحالين فالأولى بمنزلة العلم الإجمالي والثانية بمنزلة العلم التفصيلي وبهذا يتبين معنى كلامهم أن العلم بالماهية يستلزم العلم بأجزائها لكن إجمالا لا تفصيلا واعترض الإمام بأن الحاصل في العلم الإجمالي إما أن يكون صورة واحدة فيلزم أن يكون للحقايق المختلفة صورة واحدة مطابقة لكل منها على أنها متساوية لها بل نفس ماهيتها وإما أن يكون صورا متعددة لتلك المختلفات فيكون العلم التفصيلي بها حاصلا وغاية التفرقة أن يقال أن حصول الصور إن كان دفعة واحدة فعلم إجمالي وإن كان على ترتيب زماني بأن يحضر واحد بعد واحد فتفصيلي لكن على هذا لا يكون الإجمالي مرتبة متوسطة بين القوة المحضة والفعل المحض التفصيلي على ما زعموا ويمكن الجواب بأن الحاصل في الإجمالي صورة واحدة تطابق الكل من غير ملاحظة لتفاصيل الأجزاء وفي التفصيلي صور متعددة يطابق كل منها واحدا من الأجزاء على الانفراد وفهم بعضهم من العلم الإجمالي مجرد تميز الشيء عند العقل ومن التفصيلي ذلك مع العلم بتميزه وقد سبق الكلام في أن العلم بالشيء هل يستلزم العلم بالعلم به وفي أنه على تقدير الاستلزام هل يلزم من العلم بشيء واحد علوم غير متناهية بناء على تغاير العلم بالامتياز وبامتياز الامتياز وهكذا إلى غير النهاية ( قال المبحث الرابع ) قال الإمام لا يجوز انقلاب العلم البديهي كسبيا وبالعكس لأن كون تصور الموضوع والمحمول كافيا في جزم الذهن بالنسبة بينهما أو مفتقرا إلى النظر أمر ذاتي له والذاتي لا يزول وهذا مع ظهور المنع على مقدمته الأولى مختص بالأوليات وذكر الآمدي وغيره أن انقلاب النظري ضروريا جائز اتفاقا بأن يخلق الله تعالى في العبد علما ضروريا متعلقا بما يتعلق به علمه النظري والمعتزلة عولوا في الجواز على تجانس العلوم ومنعوا الوقوع فيما يكون مكلفا به كالعلم بالله وصفاته المقدسة لئلا يلزم التكليف بغير المقدور وأنه قبيح يمتنع وقوعه من الله تعالى فإن قيل فاللازم نفي الجواز دون مجرد الوقوع قلنا ليس معنى كلامهم أن في العلم بالله الانقلاب جائز وليس بواقع بل أنه جائز نظرا إلى كونه علما وإنما امتنع وقوعه لعارض من خارج هو كونه مكلفا به وأما انقلاب الضروري نظريا فجوزه القاضي وبعض المتكلمين لأن العلوم متجانسة أي متماثلة متفقة الماهية بناء على كون التعلق بالمعلومات والتشخص الحاصل بواسطة الخصوصيات من العوارض التي ليست مقتضى الذات وإذا كانت متماثلة وحكم الأمثال واحد جاز على كل منها ما جاز على الآخر كما جاز على الإنسانية التي في زيد ما جاز على التي في عمرو بالنظر إلى نفس الإنسانية فإن قيل قد سبق أن التصور والتصديق مختلفان بالحقيقة قلنا لعله أراد بالعلم ما هو أحد أقسام التصديق على ما اشتهر فيما بين المتكلمين أو ادعى أن حقيقة الكل هي الصفة الموجبة للتميز على ما سبق أو أراد أن التصورات متماثلة وكذا التصديقات فيجوز على الضروري من كل منهما أن ينقلب إلى النظري منه والجواب بعد تسليم التجانس أنه إن إريد بالجواز عدم الامتناع أصلا فمجرد التجانس لا يقتضيه لجواز أن يمتنع بواسطة العوارض والخصوصيات على البعض ما يجوز للبعض الآخر وإن أريد عدم الامتناع نظرا إلى ماهية العلم فغير متنازع وما ذكر الآمدي من أنه لو سلم التجانس فلا شك في الاختلاف بالنوع والشخص فلعل التنوع أو التشخص يمنع ذلك مبني على أنه فهم من التجانس الاشتراك في الجنس على ما هو مصطلح الفلاسفة ولا أدري كيف ذهب عليه مصطلح المتكلمين وأن مثل القاضي لا يجعل الاشتراك في الجنس دليلا على أن يجوز على كل من المتشاركين ما يجوز على الآخر والجمهور على أن الضروري لا يجوز أن ينقلب نظريا وإلا لزم جواز خلو نفس المخلوق عنه مع التوجه والالتفات وسائر شرائط حصول الضروريات لأن ذلك من لوازم النظريات وعلى هذا لا يرد الاعتراض بأن الضروري قد لا يحصل لفقد شرط أو استعدادا لا أنهم إنما عولوا في استحالة الخلو عن الضروري على الوجدان وفيه ضعف لأن غايته الدلالة على عدم الخلو دن استحالته سلمنا لكن لا خفاء في أن الخلو عن الضروري إنما يمتنع ما دام ضروريا وبعد الانقلاب لا يبقى هذا الوصف وذهب إمام الحرمين وهو أحد قولي القاضي إلى أنه لا يجوز في ضروري هو شرط لكمال العقل الذي به يستأصل لاكتساب النظريات لأنه لو انقلب نظريا لزم كونه شرطا لنفسه وهو دور فإن قيل هذا التفصيل مشعر بأن القول الآخر للقاضي هو الجواز مطلقا أي في كل ضروري وفساده ظاهر لظهور استحالة النظري بدون ضروري ما قلنا هذا إنما يمنع جواز اجتماع الكل على الانقلاب بحيث لا يبقى شيء من الضروريات لا جواز انقلاب كل على الانفراد ( قال والخلاف ) قد اختلفوا في أن العلم الضروري هل يستند إلى النظري أم لا تمسك المانع بأنه لو استند أي ابتنى وتوقف على النظري المتوقف على النظر لزم توقفه على النظر فيكون نظريا لا ضروريا هف وتمسك المجوز بأن العلم بامتناع اجتماع الضدين ضروري ويتوقف على العلم بوجودهما لأن الاجتماع واللااجتماع فرع الوجود والجواب بمنع تعلق العلم بامتناع اجتماع الضدين ضعيف لأنه إن أريد أنا لا نتصور اجتماعهما ولا تجزم بامتناعه فمكابرة بل مناقضة لأن الحكم بعدم تصوره وعدم الجزم بامتناعه حكم يستدعي تصوره وإن أريد أنا لا نتصور شيئا هو اجتماع الضدين وإنما ذلك على سبيل التشبيه كما سبق نقلا عن الشفاء فلا يضر بالمقصود لأن حكمنا بأن الاجتماع الواقع فيما بين السواد والحلاوة لا يمكن مثله فيما بين السواد والبياض يتوقف على العلم بوجودهما بل الجواب منع ذلك فإن كون الاجتماع واللااجتماع فرع الوجود على تقدير حقيته لا يستدعي توقف العلم بامتناع الاجتماع على العلم بالوجود بل على تصور الضدين بوجه وهو لا يلزم أن يكون بالنظر نعم ربما يكون التصديق المستغني عن النظر فيه مفتقرا إلى النظر في تصور الطرفين فإن سمى مثله ضروريا كان مستندا إلى النظري فمن ههنا قيل أن هذا نزاع لفظي يرجع إلى تفسير التصديق الضروري أنه الذي لا يفتقر إلى النظر أصلا أو لا يفتقر إلى النظر في نفس الحكم وإن كان طرفاه بالنظر والحق أن مراد المتكلمين بالعلم ما هو من أقسام التصديق وبالضروري منه مالا يكون حصوله بطريق الاستدلال عليه والمتنازع هو أنه هل يجوز أن يبتنى على علم حاصل بالاستدلال ( قال المبحث الخامس ) اتفق القائلون بأن العلم القديم على أنه واحد يتعلق بمعلومات متعددة واختلفوا في الحادث فذهب الشيخ وكثير من المعتزلة إلى أن الواحد منه يمتنع أن يتعلق بمعلومين وهذا هو المعنى بقولنا يتعدد العلم بتعدد المعلوم وذهب بعض الأصحاب إلى أنه يجوز وجعل الإمام الرازي الخلاف مبنيا على الخلاف في تفسير العلم أنه إضافة فيكون التعلق بهذا غير التعلق بذاك أو صفة ذات إضافة فيجوز أن يكون للواحد تعلقات بأمور متعددة كالعلم القديم ومحل الخلاف هو التعلق بالمتعدد على التفصيل ومن حيث أنه كثير فلا يكون التعلق بالمجموع المشتمل على الأجزاء من هذا القبيل مالم يلاحظ الأجزاء على التفصيل ويرد على الإمام أن الجواز الذهني أعني عدم الامتناع عند العقل بالنظر إلى كون العلم صفة ذات إضافة لا يستلزم الجواز الخارجي أعني عدم الامتناع في نفس الأمر على ما هو المتنازع لجواز أن يمتنع بدليل من خارج كما قيل وإن كان ضعيفا أنه ليس عدد أولي من عدد فلو تعلق بما فوق الواحد لزم تعلقه بما لا نهاية له وكما قال أبو الحسن الباهلي أنه يمتنع في المعلومين النظريين وإلا يلزم اجتماع النظرين في علم واحد ضرورة أن النظر المؤدي إلى وجود الصانع غير المؤدي إلى وحدته وأجيب بمنع اللزوم لجواز أن يكون المعلومان بعلم واحد حاصلين بنظر واحد إذ لا امتناع في أن يحصل بنظر واحد أمور متعددة كالنتيجة ونفي المعارض وكون الحاصل علما لا جهلا وكما قال القاضي وإمام الحرمين أنه يمتنع إن كان المعلومان بحيث يجوز انفكاك العلم بأحدهما عن العلم بالآخر وإلا يلزم جواز انفكاك الشيء عن نفسه ضرورة أن العلم بهذا نفس العلم بذاك والتقدير جواز انفكاكهما وأجيب بأنه يكفي في جواز الانفكاك كونهما معلومين بعلمين في الجملة وهذا لا ينافي معلوميتهما بعلم واحد في بعض الأعيان وحينئذ لا انفكاك فإن قيل الإمكان للممكن دائم فيجوز الانفكاك دائما وفيه المطلوب قلنا نعم إلا إنه لا ينافي الامتناع بالغير وهو المعلومية بعلم واحد فإن عند تعلق العلم الواحد بهما جواز الانفكاك بحاله بأن يتعلق بها علمان فإن قيل نفرض الكلام في المعلومين بجواز انفكاكهما في التعقل كيف ما علمنا قلنا إمكان معلومين بهذه الحيثية نفس المتنازع وقد يستدل بأنه لو جاز كون الصفة الواحدة مبدأ للأحكام المختلفة كالعالمية بالسواد والعالمية بالبياض لجاز كونهما مبدأ للعالمية والقادرية ويلزم استغناء الأشياء عن تعدد الصفات باستناد آثارها إلى صفة واحدة ويجاب بأنه تمثيل بلا جامع كيف والأحكام ههنا متجانسة بخلاف مثل العالمية والقادرية وأما فيما لا يجوز الانفكاك كالمجاورة والمماثلة والمضادة وغير ذلك فيجوز أن يتعلق علم واحد بمعلومين بل ربما يجب كما في العلم بالشيء مع العلم بالعلم به فإن هناك معلومات غير متناهية لأن العلم بالشيء مستلزم للعلم بالعلم به ضرورة وهو العلم بالعلم به وهكذا لا إلى نهاية فلو لم يكن عدة من هذه المعلومات حال عدم الحادث بالنسبة إلى وجوده لأنا نقول إنما جاز ذلك من جهة أن الأمس اسم للزمان المأخوذ مع التقدم المخصوص وأما في نفس أجزاء الزمان فلا بل غايته لزوم التقدم والتأخر فيما بينها لكونها عبارة عن اتصال غير قار ولو سلم فالحادث من حيث الحدوث أيضا كذلك إذ لا معنى له سوى ما يكون وجوده مسبوقا بالعدم ولو سلم فالمقصود منع انحصار السبق في الأقسام الخمسة مستندا إلى السبق فيما بين أجزاء الزمان فإنه ليس زمانيا بمعنى أن يوجد المتقدم في زمان لا يوجد فيه المتأخر ولا يضرنا تسميته زمانيا بمعنى آخر وقد سبق تحقيق ذلك في موضعه
( قال هذا والتحقيق 2 )
يريد أن الزمان عندنا أمر وهمي يقدر به المحدات وبحسبه يكون العالم مسبوقا بالعدم وليس أمرا موجودا من جملة العالم يتصف بالقدم أو الحدوث فإن أثبت الفلاسفة وجود الزمان بمعنى مقدار الحركة لم يمتنع سبق العدم عليه باعتبار هذا الأمر الوهمي كما في سائر الحوادث وبهذا يظهر الجواب عن استدلالهم على قدم العالم بأن وجود الباري إما أن يكون متقدما على وجود العالم بقدر غير متناه أو لا فعلى الأول يلزم منه قدم الزمان لأن معنى لا تناهي القدر وجود قبليات وبعديات متصرمة لا أول لها وهو معنى قدم الزمان ويلزم منه قدم الحركة والجسم لكونه مقدارا لها وعلى الثاني يلزم حدوث الباري أو قدم العالم لأن عدم تقدمه على العالم بقدر غير متناه أما بأن لا يتقدم عليه أصلا وذلك بأن يحصل معه في وقت حدوثه فيكون حادثا أو يحصل العالم معه في الأزل فيكون قديما وأما بأن يتقدم عليه بقدر متناه وذلك بأن لا يوجد قبل ذلك القدر فيكون حادثا وهو محال
( قال الفصل الثاني فيما يتعلق بالأجسام على التفصيل 4 )
مثل البحث عن خصوص أحوال البسايط الفلكية أو العنصرية أو المركبات المزاجية أو غير المزاجية أو حال ما هو من أقسام بعض هذه الأربعة
( قال جزؤه المقداري )
احتراز عن الجزء العقلي كالجنس والفصل أو العيني كالهيولي والصورة فإنه لا يكون مثل الكل في الاسم والحد لا في البسيط ولا في المركب
( قال والمأخوذ في كل 3 )
Translation
الجزء 89
#90 Chapter 90 — الجزء 90 · ref. #90
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
قد ذكر لكل من الجسم البسيط والجسم المركب تفسيرين أحدهما وجودي والآخر عدم له فالآن يشير إلى أن ما جعل مأخذ التفسيرين أعني التألف من الأجسام المختلفة الطبايع وتساوي الجزء والكل في الاسم والحد قد يعتبر من حيث الحقيقة وقد يعتبر من حيث الحس فيحصل لكل من البسيط والمركب أربع تفسيرات مختلفة بالعموم والخصوص متعاكسة في الوجودية والعدمية فللبسيط ما لا يتألف من المختلفات حقيقة ما لا يتألف منها جساما يساوي جزؤه الكل حقيقة ما يساويه حسا وللمركب ما يتألف حقيقة ما يتألف حسا ما لا يساوي حقيقة ما لا يساوي حسا فالمأخوذ من المأخذ الأول للمركب وجوذي وللبسيط عدمي ومن معلومة بعلم واحد لزم أن يكون لكل من علم شيئا ما علوم غير متناهية وهو ظاهر البطلان وجوابه منع الاستلزام المذكور لجواز أن يعلم الشيء ولا يلتفت الذهن إلى العلم به ولو سلم فلا تغاير بين العلم بالشيء والعلم بالعلم به إلا بحسب الاعتبار فينقطع بانقطاع الاعتبار ( قال ثم عن التعدد ) لا خفاء في جواز تعلق العلمين بمعلوم واحد وهل هما مثلان فيه خلاف وتفصيل ذلك أن للعلم محلا هو العالم ومتعلقا هو المعلوم فإذا تعدد المحل كعلم زيد وعمرو بأن الصانع قديم فالعلمان مختلفان إن جعلنا اختصاص كل منهما بمحله لذاته وإلا فمثلان وإذا تعدد متعلقهما فالعلمان مختلفان سواء كان المعلومان متماثلين كالعلم ببياضين أو مختلفين كالعلم بالسواد والبياض إذ لو كانا مثلين لم يجتمعا في محل فإذا اتحد متعلقهما فالجمهور على أنهما مثلان سواء اتحد وقت المعلوم أو اختلف أما عند الاتحاد فظاهر وأما عند الاختلاف فلأن اختلاف الوقت لا يؤثر في اختلاف العلمين كما لا يؤثر اختلاف الوقت وتقدمه وتأخره في اختلاف الجوهرين واعترض الآمدي بأن الفرق ظاهر فإن الوقت ههنا داخل في متعلق العلم كالعلم بقيام زيد الآن وقيامه غدا ولا خفاء في اختلاف الكل باختلاف الجزء بخلاف كون الجوهر في زمانين فإنه خارج عنه وإنما نظير ذلك العلم بالشيء في وقتين لا العلم بمعلوم مقيد بوقتين هذا والحق أن المعلوم إذا اختلف وقته كان متعددا لا متحدا وأن اتحاده مع تعدد العلم إنما يتصور عند اختلاف وقت العلم والظاهر أنهما حينئذ مثلان أو عند اختلاف محله وقد سبق الكلام في أنهما حينئذ مثلان أو مختلفان ( قال المبحث السادس ) قد دلت الأدلة السمعية من الكتاب والسنة على أن محل العلم الحادث هو القلب وإن لم يتعين هو لذلك عقلا بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر شاء لكن الظاهر من كلام كثير من المحققين أن ليس المراد بالقلب ذلك العضو المخصوص الموجود لجميع الحيوانات بل الروح الذي به امتياز الإنسان وظاهر كلام الفلاسفة أن محل العلم بالكليات هو النفس الناطقة المجردة وبالجزئيات هو المشاعر الظاهرة أو الباطنة إلا أن المحققين منهم على أن محل الكل هو النفس إلا أنه في الكليات يكون بالذات وفي الجزئيات بتوسط الآلات أعني المشاعر وسيجيء بيان ذلك في بحث النفس ( قال المبحث السابع ) لا خلاف في أن مناط التكاليف الشرعية هو العقل حتى لا يتوجه على فاقديه من الصبيان والمجانين والبهائم وسيجيء أن لفظ العقل مشترك بين معان كثيرة فذهب الشيخ إلى أن المراد به ههنا العلم ببعض الضروريات أي الكليات البديهية بحيث يتمكن من اكتساب النظريات إذ لو كان غير العلم لصح انفكاكهما بأن يوجد عالم لا يعقل وعاقل لا يعلم وهو باطل ولو كان العلم بالنظريات وهو مشروط بالعقل لزم تأخر الشيء عن نفسه ولو كان العلم بجميع الضروريات لما صدق على من يفقد بعضها لفقد شرطها من التفات أو تجربة أو تواتر أو نحو ذلك مع أنه عاقل اتفاقا واعترض بمنع الملازمة فإن المتغايرين قد يتلازمان مقاطع لخط آخر غير متناه وأن تتحرك تلك الكرة على نفسها فبالضرورة يصير الخط الخارج من مركزها بعد المقاطعة مسامتا ثم موازيا لكن ذلك محال لتوقفه على تخلص أحد الخطين عن الآخر وهو لا بتصور إلا بنقطة هي طرف من أحد الخطين وقد فرضناهما غير متناهيين هف ويرد عليه منع إمكان حركة الخط الغير المتناهي سيما بحيث ينتهي من المقاطعة إلى المسامتة إلى الموازاة وأورد أبو بالبركات هذا المنع على برهان المسامتة وتبعه صاحب الإشراق في المطارحات ولا يظهر له وجه لأن المفروض هناك حركة قطر الكرة وهو متناه وثانيهما برهان الموازاة وهو أن نفرض قطر الكرة مسامتا للخط الغير المتناهي ثم موازيا له بحركة الكرة فلانتهاء المسامتة يلزم في الخط الغير المتناهي نقطة هي آخر نقطة المسامتة وهو محال لأن كل نقطة تغرض كذلك فالمسامتة بما فوقها بعد المسامتة بها وأما على برهان التطبيق فمثل أن نفرض البعد الغير المتناهي أذرعا ثم نعتبر التطبيق بين عدة الألوف منها وعدة الآحاد على ما مر في التسلسل أو يقال ما بين المبدأ المحقق أو المفروض وبين كل ذراع متناه لكونه محصورا بين حاصرين فيتناهى الكل ولأنه لا يزيد على ذلك إلا بواحد أو يقال الأذرع مترتبة في الوضع فنطبق بين قبلياتها وبعدياتها فإن لم يتساويا بطل التضايف وإن تساويا لزم وجود زراع له بعدية لا قبلية لأن للمبدأ قبلية لا بعدية وأيضا إذا طبقنا وقعت قبلية الأول بإزاء بعدية الثاني وقبلية الثاني بإزاء بعدية الثالث وهكذا إلى غير النهاية فتبقى قبلية بلا بعدية فيبطل التضايف وأيضا للأول قبلية بلا بعدية فلو كان لكل ما عداه قبلية وبعدية معا لزم قبلية بلا بعدية
( قال احتج المخالف بوجوه 7 )
فإن قيل الأولان لا يفيدان سوى أن وراء العالم أمرا له تحقق ما من غير دلالة على أنه جسم أو بعد ولو سلم فلا دلالة على أنه غير متناه قلنا يفيدان بطلان رأي من زعم أنه عدم محض ثم يدلان على تمام المطلوب بمعونة مقدمات معلومة مثل أن ما يلاقي طرف العالم لا يكون إلا خلاء وهو بعد أو جسما وهو ذو بعد بل إذا بين استحالة الخلاء تعين أنه جسم ولا يكون متناهيا وإلا لكان له طرف فيعود الكلام ويثبت أن ما ورائه ليس عدما محضا
( قال خاتمة 8 )
Translation
الجزء 90
#91 Chapter 91 — الجزء 91 · ref. #91
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
جعل بحث الجهة خاتمة بحث تناهي الأبعاد لكونها عبارة عن نهاية الامتداد وذلك أن طرف الامتداد بالنسبة إليه طرف ونهاية وبالنسبة إلى الحركة والإشارة جهة ثم أنها موجودة ومن ذوات الأوضاع لأنها مقصد المتحرك بالحصول فيه ومنتهى الإشارة الحسية والمعدوم أو المجرد يمتنع الحصول فيه أو الإشارة إليه وهذا بخلاف الحركة في الكيف كحركة الجسم من البياض إلى السواد فإن السواد مقصد المتحرك بالتحصيل فلا يجب بل يمتنع أن يكون موجود الامتناع تحصيل الحاصل ثم لا يخفى أن معنى الحصول في الجهة الحصول عنها وصولا وقربا كما أن معنى التحرك في جهة كذا التحرك في سمت يتأتى إليها وذلك لأن كلا من المتحرك والحركة منقسم فلا يقع حقيقة إلا في منقسم والجهة لا تقبل الانقسام أعني في مأخذ الحركة والإشارة إذ لو انقسمت كالجوهر مع العرض والعلة مع المعلول وقد يمنع بطلان اللازم فإن العاقل قد يكون بدون العلم كما في النوم وهو ضعيف والأقرب أن العقل قوة حاصلة عند العلم بالضروريات بحيث يتمكن بها من اكتساب النظريات وهذا معنى ما قال الإمام أنها غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وما قال بعضهم أنها قوة بها يميز بين الأمور الحسنة والقبيحة وما قال بعض علماء الأصول أنها نور يضيء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس أي قوة حاصلة للنفس عند إدراك الجزئيات بها يتمكن من سلوك طريق اكتساب النظريات وهو الذي يسميه الحكماء العقل بالملكة ( قال ومنها ) أي ومن الكيفيات النفسانية الإرادة ويشبه أن يكون معناها واضحا عند العقل غير ملتبس بغيرها إلا أنه تعسر معرفتها بكنه الحقيقة والتعبير عنها بما يفيد تصورها وهي تغاير الشهوة كما أن مقابلها وهي الكراهية تغاير النفرة ولهذا قد يريد الإنسان مالا يشتهيه كشرب دواء كريه ينفعه وقد يشتهي مالا يريده كأكل طعام لذيذ يضره وذهب كثير من المعتزلة إلى أن الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه فإن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك على السوية فإذا حصل في القلب اعتقاد النفع في أحد طرفيه أو ظنه ترجح بسببه ذلك الطرف وصار مؤثرا عنده وذهب بعضهم إلى أنها ميل يعقب اعتقاد النفع أو ظنه لأن القادر كثيرا ما يعتقد النفع أو يظنه ولا يريده مالم يحدث هذا الميل وأجيب بأنا لا نجعله مجرد اعتقاد النفع أو ظنه بل اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خبره بحيث يمكن وصول ذلك النفع إليه أو إلى غيره من غير مانع من تعب أو معارضة وما ذكر من الميل إنما يحصل لمن لا يقدر على تحصيل ذلك الشيء قدرة تامة كالشوق إلى المحبوب لمن لا يصل إليه أما في القادر التام القدرة فيكفي الإعتقاد المذكور وذهب أصحابنا إلى أن الإرادة قد توجد بدون اعتقاد النفع أو ميل يتبعه فلا يكون شيء منهما لازما لها فضلا عن أن يكون نفسها وذلك كما في الأمثلة التي يرجح فيها المختار أحد الأمرين المتساويين من جميع الوجوه بمجرد إرادته من غير توقف في طلب المرجح واعتقاد نفع في ذلك الطرف والمعتزلة ينكرون ذلك ويدعون الضرورة بأنه لا بد من مرجح حتى لو تساويا في نفس الأمر لم يستبعد منع اختيار أحد الأمرين وسلوك أحد الطريقين وإنما يستبعد عند فرض التساوي وهو لا يستلزم الوقوع والأصحاب يدعون الضرورة بأن ذلك الترجيح ليس إلا لمحض الإرادة من غير رجحان واعتقاد نفع في ذلك المعين فالإرادة عندهم صفة بها يرجح الفاعل أحد مقدوريه من الفعل والترك وهذا معنى الصفة المخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع وهذا التفسير كما لا يقتضي كونها من جنس الإعتقاد أو الميل كذلك لا ينفيه وكذا لا يقتضي كون متعلقها مقدورا لجواز أن يكون صفة تتعلق بالمقدور وغيره ويكون من شأنها الترجيح والتخصيص لأحد طرفي المقدور ولهذا جاز إرادة الحياة والموت فبطل ما قيل أن متعلق الإرادة على هذا التفسير لا يكون إلا مقدورا فيمتنع تعلقها بالإرادة والكراهة وبالعكس إلا إذا جعلناهما من مقدورات العبد بأقدار الله تعالى وصح ما قيل في الفرق بين الإرادة والشهوة بأن الإرادة قد تتعلق بالإرادة وبالكراهة بأن يريد الإنسان إرادته لشيء أو كراهته له وكذا الكراهة ولا يلزم منه كون الشيء الواحد مرادا ومكروها معا لأن إرادة الكراهة وكراهة الإرادة لا يوجب إرادة المكروه وكراهة المراد وهذا بخلاف الشهوة فإنه لا معنى لاشتهاء الإنسان شهوته لشيء إلا بمعنى الإرادة كما قيل لمريض أي شيء تشتهي فقال أشتهي أن أشتهي وكذا النفرة لا تتعلق بالنفرة ( قال والفلاسفة ) يعني أنهم لما ذهبوا إلى أن الله تعالى موجب بالذات لا فاعل بالاختيار والإرادة وعلموا أن في نفي الإرادة عنه تعالى شناعة وإلحاقا لأفعاله تعالى بأفعال الجمادات حاولوا إثبات كونه مريدا على وجه لا ينافي كونه تعالى موجبا فزعموا أن الإرادة عبارة عن العلم بما هو عند العالم كمال وخير من حيث هو كذلك أو عن العلم بكون الفاعل عالما بما يفعله إذا كان ذلك العلم سببا لصدور ذلك الفعل عنه حال كونه غير مغلوب في ذلك ولا مستكره والله تعالى عالم بذلك فيكون مريدا واعترض بأن الإرادة والكراهة لو كانتا نوعين من العلم لاختصتا بذوي العلم واللازم باطل لأن الحركة بالإرادة مأخوذة في تعريف مطلق الحيوان فأجابوا بأن المراد من الإرادة المشتركة بين الحيوانات حالة ميلانية إلى الفعل أو الترك وهي منفية عن الواجب ( قال المبحث الثاني ) ذهب الشيخ الأشعري وأتباعه إلى أن إرادة الشيء نفس كراهة ضده إذ لو كانت غيرها لكان إما مماثلا لها أو مضادا أو مخالفا والكل باطل أما الملازمة فلأن المتغايرين إن استويا في صفات النفس أعني مالا يحتاج الوصف به إلى تعقل أمر زائد كالإنسانية للإنسان والحقيقة والوجود والشيئية له بخلاف الحدوث والتحيز ونحوه فمثلان كالبياضين وإلا فإن تنافيا بأنفسهما فضدان كالسواد والبياض وإلا فمتخالفان كالسواد والحلاوة وإما بطلان اللازم فلأنهما لو كانتا ضدين أو مثلين لامتنع اجتماعهما وهذا ظاهر لزوما وفسادا ولو كانتا خلافين لجاز اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ومع خلافه لأن هذا شأن المتخالفين كالسواد المخالف للحلاوة يجتمع مع ضدها الذي هو الحموضة ومع خلافها الذي هو الرايحة فيلزم جواز اجتماع إرادة الشيء مع إرادة ضده لأن ضد كراهة الضد إرادة الضد وأجيب بأن عدم الاتحاد لا يستلزم التغاير ليلزم أحد الأمور الثلاثة سلمناه لكن لانم جواز اجتماع كل من المتخالفين مع ضد الآخر لجواز أن يكونا متلازمين وامتناع اجتماع الملزوم مع ضد اللازم ظاهر أو ضدين لأمر واحد كالشك للعلم والظن فاجتماع كل مع ضد الآخر يستلزم اجتماع الضدين وعورض بأن شرط إرادة الشيء وكراهته الشعور به ضرورة وقد يراد الشيء أو يكره من غير شعور بضده فإرادة الشيء لا تستلزم كراهة ضده فضلا أن تكون نفسها إلا أن يقال المراد أنها نفسها على تقدير الشعور بالضد بمعنى أنها نفس كراهة الضد المشعور به وإلا فلا معنى لاشتراط كون الشيء نفس الشيء بشرط واختلف القائلون بالتغاير في الاستلزام فذهب القاضي والغزالي إلى أن إرادة الشيء تستلزم كراهة ضده المشعور به إذ لو لم يكن مشعورا مكروها بل مرادا لزم إرادة الضدين وهو مح لأن الإرادتين المتعلقتين بالضدين متضادتان وأجيب بمنع المقدمتين لجواز أن لا يتعلق بالضد كراهة ولا إرادة ككثير من الأمور المشعور بها ولجواز أن يكون كل من الضدين مرادا من جهة إرادة على السوية أو مع ترجح أحدهما بحسب ما فيه من نفع راجح وأيضا لو صح ما ذكر لكان كراهة الشيء مستلزمة لإرادة ضده المشعور به فيلزم من إرادة الشيء الذي له ضدان أن يكون كل منهما مكروها لكونه ضد المراد ومرادا لكونه ضد المكروه ولا محيص إلا بتغاير الجهتين أو تخصيص الدعوى بما له ضد واحد وإذا جاز ذلك فتجويز إرادة كل من الضدين بجهة لا يصلح في معرض إبطال حكم القاضي بالاستلزام المذكور لجوز أن يكون كل منهما مكروها أيضا بجهة وإنما يصلح في معرض الجواب كما ذكرنا حتى لو دفع بأنكم تجعلون متعلق الإرادة مقارنا لها فيلزم من إرادة الضدين اجتماعهما كان كلاما على السند مع أنه ضعيف لأن القول بأن متعلق الإرادة الحادثة لا يكون إلا مقدورا للمريد مقارنا لإرادته حتى لا يتعلق بفعل الغير وبالمستقبل ويكون كل ذلك من قبيل التمني دون الإرادة مخالف للغة والعرف والتحقيق ( قال ومنها القدرة ) لفظ القوة يقال للصفة التي بها يتمكن الحيوان من مزاولة أفعال شاقة ويقابلها الضعف وقد يقال لصفة المؤثرية فيفسر بصفة هي مبدأ التغير من شيء في آخر من حيث هو آخر فقوله في آخر إشعار بوجوب التغاير بين المؤثر والمتأثر وقيد الحيثية إشعار بأنه يكفي التغاير بحسب الاعتبار كالطبيب يعالج نفسه فيؤثر من حيث أنه عالم بالصناعة ويتأثر من حيث أنه جسم ينفعل عما يلاقيه من الدواء وهذا بالنظر إلى ظاهر الإطلاق وإلا فعند التحقيق التأثير للنفس والتأثر للبدن ولو مثل بالمعالج نفسه في تهذيب الأخلاق وتبديل الملكات لكان أقرب ثم القوة التي هي وصف المؤثرية إما أن تكون مع قصد وشعور بأثرها أو لا وعلى التقديرين فإما أن تكون آثارها مختلفة أو لا
فالأولى وهي الصفة المؤثرة مع القصد والشعور واختلاف الآثار والأفعال هي القوة الحيوانية المسماة بالقدرة
والثانية وهي القوة المؤثرية على سبيل القصد والشعور لكن على نهج واحد من غير اختلاف في آثارها وهي القوة الفلكية
Translation
الجزء 91
#92 Chapter 92 — الجزء 92 · ref. #92
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
والثالثة وهي المبدأ لآثار وأفعال مختلفة لا على سبيل القصد والشعور وهي القوة النباتية والرابعة وهي مبدأ الأثر على نهج واحد بدون القصد والشعور هي القوة العنصرية وهذه كلها من أقسام العرض على ما يشعر به لفظ الصفة وهي المبادي القريبة للأفعال وإما أن لكل منها أو لبعضها مبادىء من قبيل الجواهر تسمى بالصور النوعية والنفوس فذلك بحث آخر وقد ينازع في إثبات القوى الفلكية والنباتية إذا أريد بها غير النفوس والصور إذا تقرر هذا فنقول اعتبر بعضهم في كون القوة قدرة مقارنتها للقصد والشعور ففسر القدرة بصفة تؤثر وفق الإرادة فخرج من الصفات ما لا يؤثر كالعلم وما يؤثر لا على وفق الإرادة كالقوى النباتية والعنصرية وأما النفوس والصور النوعية التي هي من قبيل الجواهر فلا تشملها الصفة واعتبر بعضهم اختلاف الآثار ففسر القدرة بصفة تكون مبدأ لأفعال مختلفة فالقوة الحيوانية تكون قدرة بالتفسيرين لمقارنتها القصد والاختلاف والقوة العنصرية لا تكون قدرة بشيء من التفسيرين لخلوها عن الأمرين والقوة الفلكية قدرة بالتفسير الأول دون الثاني والنباتية بالعكس وهذا ظاهر فبين التفسيرين عموم من وجه فإن قيل القدرة الحادثة غير مؤثرة عند الشيخ فلا تدخل في شيء من التعريفين قلنا ليس المراد التأثير بالفعل بل بالقوة بمعنى أنها صفة شأنها التأثير والإيجاد على ما صرح به الآمدي حيث قال القدرة صفة وجودية من شأنها تأتي الإيجاد والأحداث بها على وجه يتصور ممن قامت به الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل والقدرة الحادثة كذلك لكن لم تؤثر لوقوع متعلقها بقدرة الله تعالى على ما سيجيء إن شاء الله تعالى وبهذا يندفع ما يقال لا بد من القول بكون فعل العبد بقدرته على ما هو مذهب المعتزلة أو بنفي قدرة العبد أصلا على ما ذهب إليه جهم بن صفوان مع الفرق الضروري بين حركتي الرعشة والبطش وحركتي الصعود والنزول والحاصل أنا قاطعون بوجود صفة شأنها الترجيح والتخصيص والتأثير ولا امتناع في أن لا يؤثر بالفعل لمانع والنزاع في أنها بدون التأثير بالفعل هل تسمى قدرة لفظي والقول بقدم قدرة الله تعالى مع حدوث المقدورات على ما هو رأينا وبثبوت القدرة الحادثة قبل الفعل على ما هو رأي المعتزلة يؤيد ما ذكرنا ( قال والوجدان يشهد ) تنبيه على أن طريق معرفة القدرة هو الوجدان على ما هو رأي الأشاعرة فإن العاقل يجد من نفسه أن له صفة بها يتمكن من حركة البطش وتركها دون الرعشة لا العلم بتأتي الفعل من بعض الموجودين وتعذره على الغير على ما ذهب إليه بعض المعتزلة لأن الممنوع قادر عندهم مع تعذر الفعل إلا أن يقال الفعل يتأتى منه على تقدير ارتفاع المنع لا يقال ويتأتى من العاجز على تقدير ارتفاع العجز لأنا نقول الفعل يتأتى من الممنوع وهو بحاله في ذاته وصفاته وإنما التغير في أمر من خارج بخلاف العاجز فإنه يتغير من صفة إلى صفة ولا العلم بصحة الشخص وانتفاء الآفات منه على ما ذهب إليه الجبائي لأن النائم كذلك وليس بقادر إلا أن يقال اليوم آفة ثم الوجدان كما يدل عليها يدل على أنها صفة زائدة على المزاج الذي هو وآثارها من الكيفيات المحسوسة وليست بطريق القصد والاختيار وعلى سلامة البنية وليست من قبيل الأجرام على ما نسب إلى ضرار وهشام من أن القدرة على البطش هي اليد السليمة وعلى المشي هي الرجل السليمة وهذا ما قالا القدرة بعض القادر وإن فسر بأنها صفة في القادر فهو مذهب الجمهور وما قيل أنها بعض المقدور فإنما يصح في القدرة بمعنى المقدورية أي كون الفعل بحيث يتمكن الفاعل منه ومن تركه وذهب بشر بن المعتمر إلى أنها عبارة عن سلامة البنية من الآفات وإليه مال الإمام الرازي واعترض على ما ذكره القوم من أنا نميز بالضرورة بين حركتي البطش والرعشة وما ذاك إلا بوجود صفة غير سلامة البنية توجد لبعض الأفراد دون البعض كالقدرة على الكتابة لزيد دون عمرو وعلى بعض الأفعال دون البعض كقدرة زيد على القراءة دون الكتابة بأن الاختيار قبل الفعل باطل عندكم ومعه ممنوع لامتناع العدم حال الوجود وأيضا حصول الحركة حال ما خلقها الله تعالى ضروري وقبله محال فأين الاختيار وأيضا حصول الفعل عند استواء الدواعي محال وعند عدم الاستواء يجب الراجح ويمتنع المرجوح فلا تثبت المكنة والجواب أن الضروري هو التفرقة بمعنى التمكن من الفعل والترك بالنظر إلى نفس حركة البطش مع قطع النظر عن الأمور الخارجية بخلاف حركة المرتعش وحاصله أن الوجوب أو الامتناع بحسب أخذ الفعل مع وصف الوجود أو العدم أو بحسب أن الله تعالى خلقه أو لم يخلقه أو بحسب ترجح دواعي الفعل أو الترك لا ينافي تساوي الطرفين بالنظر إلى نفس القدرة ( قال المبحث الثاني ) اختلفوا في أن الاستطاعة أي القدرة الحادثة على الفعل تكون قبله أو معه فذهبت الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة إلى أنها مع الفعل لا قبله وأكثر المعتزلة إلى أنها قبل الفعل ثم اختلفوا في أنه هل يجب بقاؤها إلى حال وجود المقدور لنا وجوه
الأول أن القدرة عرض والعرض لا يبقى زمانين فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل فيلزم وجود المقدور بدون القدرة والمعلول بدون العلة وهو محال ولا يرد النقض بالقدرة القديمة لأنها ليست من قبيل الأعراض وأجيب بعد تسليم امتناع بقاء العرض بأن المحال هو وجود المعلول بدون أن يكون له علة أصلا واللازم هو وجوده بدون مقارنة العلة بل مع سبقها واستحالة ذلك نفس المتنازع ولو سلم فيجوز أن تنعدم القدرة ويحدث مثلها فيكون لها بقاء بتجدد الأمثال على الاستمرار في حال الفعل كما هو شأن العلم والميل والتمني ونحو ذلك مما لا نزاع في جواز سبقها على متعلقاتها وفيه نظر لأن وجود المقدور حينئذ إما بالقدرة الزائلة فيعود المحذور أو الحاصلة وهو المطلوب ثم لا يخفى أن الكلام إلزامي على من يقول بتأثير القدرة الحادثة
الثاني أن الفعل حال عدمه ممتنع لا استحالة اجتماع الوجود والعدم ولا شيء من الممتنع بمقدور وفاقا
Translation
الجزء 92
#93 Chapter 93 — الجزء 93 · ref. #93
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الثالث لو كانت القدرة قبل الفعل لكان الفعل قبل وقوعه ممكنا لكنه محال لأنه يلزم من فرض وقوعه كون القدرة معه لا قبله هف والوجهان متقاربان وجوابهما بعد النقض بالقدرة القديمة أنه إن إريد بامتناع الفعل حال العدم وقبل الحدوث امتناعه مع وصف كونه معدوما وغير واقع فممنوع لكنه لا ينافي المقدورية فإمكان الحصول من القادر وإن أريد امتناعه في زمان عدمه وكونه غير واقع فممنوع بل هو ممكن بأن يحصل بدل عدمه الوجود كما هو شأن سائر الممكنات وهذا كقيام زيد فإنه ممتنع مع القعود وبشرطه لكنه ممكن حال القعود وفي زمانه بأن يزول القعود ويحصل القيام واحتجت المعتزلة بوجوه
الأول أن القدرة لو لم تتعلق بالفعل إلا حال وجوده وحدوثه لزم محالات
( 1 ) إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل لأن هذا معنى تعلق القدرة
( 2 ) بطلان التكليف لأن التكليف بالفعل إنما يكون قبل حصوله ضرورة أنه لا معنى لطلب حصول الحاصل فإذا كان الفعل قبل الوقوع غير مقدور كان جميع التكاليف الواقعة تكليف مالا يطاق وهو باطل بالاتفاق لأن القائل بجوازه لم يقل بوقوعه فضلا عن عمومه
( 3 ) كون جميع الممكنات الواقعة بقدرة الله تعالى قديمة لأن المقارن للأزلي أزلي بالضرورة فإن قيل المعتزلة لا يقولون بالقدرة القديمة قلنا لا بل إنما ينازعون في كونها صفة زائدة على الذات ولو سلم فيكون إلزاميا والجواب عن الأول بعد تسليم أن معنى تعلق القدرة الحادثة بالفعل إيجاده هو أن المستحيل إيجاد الموجود بوجود حاصل بغير هذا الإيجاد وأما بهذا الإيجاد فلا
وعن الثاني أن من يقول بكون القدرة مع الفعل لا يشترط في المكلف به أن يكون مقدورا بالفعل حال التكليف بل أن يكون جائز الصدور عن المكلف مقدورا له في الجملة كإيمان الكافر بخلاف خلق الأجسام ونحوه مما لا يصح تعلق قدرة العبد به أصلا وقريب من هذا ما يقال أن معنى كون المكلف به مشروطا بالقدرة أن يكون هو أو ضده متعلق القدرة وههنا قد تعلقت القدرة بترك الإيمان بخلاف خلق الأجسام ونحوه مما لا يصح تعلق قدرة العبد به أصلا
Translation
الجزء 93
#94 Chapter 94 — الجزء 94 · ref. #94
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
وعن الثالث بمنع الملازمة وإنما يتم لو كانت القدرة القديمة والحادثة متماثلتين ليلزم من كون الثانية مع الفعل لا قبله كون الأولى كذلك وقد إيجاب بأن الكلام إنما هو في تعلق القدرة والأزلي إنا هو نفس القدرة وكونها قديمة سابقة لا ينافي كون تعلقها مقارنا حادثا فلا يلزم من كون تعلق القدرة القديمة مع الفعل قدم الحادث أو حدوث القديم ولو حمل ما قال الآمدي أن القدرة القديمة وإن كانت متقدمة على جميع المقدورات فهي إنما تتعلق بالأفعال الممكنة والفعل في الأزل غير ممكن فلا تتعلق به في الأزل بل فيما لا يزال على هذا المعنى لم يرد عليه اعتراض المواقف بأن فيه التزام ما التزمه المعلل مع بيان سبب له في القدرة القديمة فليجز في الحادثة أيضا بسبب آخر وبأن الفعل في الأزل وإن امتنع لكنه أمكن فيما لا يزال في زمان سابق على الزمان الذي وجد فيه فجاز تعلق القدرة به فلو لزمت المقارنة لزم كون الفعل في الزمان السابق دون اللاحق نعم يرد أن الكلام في تعلق القدرة بالمعنى الذي يصحح قولنا فلان قادر على كذا متمكن من فعله وتركه وهو لا يتأخر عن نفس القدرة لا بالمعنى الذي إذا نسب إلى المقدور كان صدوره عن القادر وإذا نسب إلى القدرة كان إيجابها للمقدور وإذا نسب إلى القادر كان خلقه وإيجاده له فإن هذا مقارن بلا نزاع حادث في حق القديم أيضا ( قال ويتفرع على كون القدرة مع الفعل أن الممنوع ) أي الذي منع من فعل يصح صدوره عنه في الجملة لا يكون قادرا عليه حال المنع كالزمن الذي هو عاجز عن الفعل وأن القدرة الواحدة لا تتعلق بمقدورين سواء كانا ضدين أو مثلين أو مختلفين فإن ما نجده في نفوسنا عند صدور أحد المقدورين غير ما نجده عند صدور الآخر واعترض بأنه إن أريد المغايرة والاختلاف بحسب التعلق على ما قال الإمام أن مفهوم التمكن من هذا غير مفهوم التمكن من ذاك فغير قادح وإن أريد تغاير الحالتين بالذات والمفهوم أو كون القدرة اسما بمجموع التمكن المشترك مع ما به الاختلاف كان لفظ القدرة مقولا بالاشتراك ولم يقل به أحد وذهبت المعتزلة إلى أن الممنوع قادر والمنع لا ينافي القدرة وإنما ينافي المقدور سواء كان المنع بل ما به المنع عدميا كانتفاء الشرط وقوع المقدور أو وجوديا ضدا له كالسكون للحركة أو مولدا للضد كالثقل المولد للحركة السفلية المضادة للحركة العلوية واستدلوا بأنا نفرق بالضرورة بين المقيد الممنوع من المشي والزمن العاجز عنه وما ذاك إلا بوجود القدرة في المقيد دون العاجز وبأن المقيد لم يلحقه تغير في ذاته ولا صفاته ولم يطرأ عليه ضد من أضداد القدرة وقد كان قادرا حال المشي فكذا مع القيد لأن القدرة من صفات النفس وأجيب عن الأول بأن الفرق عندنا عائد إلى جري العادة بخلق القدرة في المقيد بارتفاع القيد بخلاف الزمن العاجز فإنه وإن كان ارتفاع العجز ممكنا لكن لم تجر العادة بذلك وعن الثاني بمنع عدم التغير في الصفة واتفقت المعتزلة على أن القدرة الواحدة تتعلق بالمتماثلات لكن على مرور الأوقات إذ يمتنع وقوع مثلين في محل واحد بقدرة واحدة في وقت واحد واختلفوا في تعلقها بالضدين فجوز أكثرهم تعلقها بهما على سبيل البدل إذ لو لم يكن القادر على الشيء قادرا على ضده لكان مضطرا إلى ذلك المقدور حيث لم يتمكن من تركه هف وتردد أبو هاشم فزعم تارة أن كلا من القدرة القائمة بالقلب والقدرة القائمة بالجوارح يتعلق بجميع أفعال محلها دون محل الأخرى بمعنى أن القائمة بالقلب تتعلق بالإرادات والاعتقادات مثلا دون الحركات والاعتمادات والقائمة بالجوارح على العكس وتارة أن كلا منهما يتعلق بالجميع إلا أنها لا تؤثر لا في أفعال محله مثلا القائمة بالقلب تتعلق بأفعال القلوب والجوارح لكن يمتنع اتحاد أفعال الجوارح بها لفقد الشرائط والقائمة بالجوارح بالعكس وتارة أن القائمة بالقلب تتعلق بجميع أفعال القلب والقائمة بالجوارح لا تتعلق بجميع أفعال الجوارح وتارة أن القائمة بالقلب تتعلق بأفعال القلوب والجوارح جميعا وإن لم تؤثر في أفعال الجوارح والقائمة بالجوارح لا تتعلق بأفعال القلب وإلى القولين الأخيرين أشار في المتن بقوله وتارة خص الحكمين بالقلبية وأراد بالحكمين التعلق بجميع أفعال محله خاصة والتعلق بجميع أفعال محله ومحل الأخرى وأورد الإمام الرازي كلاما حاصله أنه إن أريد بالقدرة القوة التي هي مبدأ الأفعال المختلفة سواء كملت جهات تأثيرها أو لم تكمل فلا شك في كونها قبل الفعل ومعه وبعده وفي جواز تعلقها بالضدين وإن أريد القوة التي كملت جهات تأثيرها فلا خفاء في كونها مع الفعل بالزمان لا قبله وفي امتناع تعلقها بالضدين بل بالمقدورين مطلقا ضرورة أن الشرائط المخصصة لهذا غير الشرائط المخصصة لذاك إلا أن الشيخ لما لم يقل بتأثير القدرة الحادثة بمعنى الإيجاد فسرنا التأثير والمبدائية بما يعم الكسب الذي هو شأن القوة الحادثة وذلك بحصول جميع الشرائط التي جرت العادة بحصول الفعل عندها فصار الحاصل أن القوة مع جميع جهات حصول الفعل بها لزوما أو معها عادة مقارنة وبدون ذلك سابقة ( قال المبحث الثالث ) الجمهور على أن العجز عرض ثابت مضاد للقدرة للقطع بأن في الزمن معنى لا يوجد في الممنوع مع اشتراكهما في عدم التمكن من الفعل وعند أبي هاشم هو عدم ملكة للقدرة وليس في الزمن صفة متحققة تضاد القدرة بل الفرق أن الزمن ليس بقادر والممنوع قادر بالفعل أو من شأنه القدرة بطريق جري العادة على ما سبق ويتفرع على كون العجز ضد القدرة ما ذهب إليه الشيخ الأشعري من أنه إنما يتعلق بالموجود كالقدرة لأن تعلق الصفة الموجودة بالمعدوم خيال محض فعجز الزمن يكون عن القعود الموجود لا عن القيام المعدوم ولا خفاء في أن هذا مكابرة وأن العجز على تقدير أن يكون وجوديا وإن لم يقم عليه دليل فلا امتناع في تعلقه بالمعدوم كالعلم والإرادة ولهذا أطبق العقلاء على أن عجز المتحدين لمعارضة القرآن إنما هو عن الإتيان بمثله لا عن السكوت وترك المعارضة والقول باشتراك لفظ العجز بين عدم القدرة فيكون عدميا يتعلق بالمعدوم دون الموجود وبين صفة تستعقب الفعل لا عن قدرة فيكون وجوديا يتعلق بالموجود دون المعدوم خلاف العرف واللغة ولو سلم فالكلام فيما هو المتعارف الشائع الاستعمال ( قال وفي تضاد النوم للقدرة تردد ) لا خفاء في جواز بعض الأفعال عن النائم وامتناع الأكثر واختلفوا فيما يصدر فذهب المعتزلة وبعض أصحابنا إلى أنه مقدور له وأن النوم لا يضاد القدرة ونفاه الأستاذ أبو إسحق ذهابا إلى التضاد كالعلم والإدراك وتوقف القاضي وبعض الأصحاب وللمعتزلة في القدرة تفريعات وتفاصيل لا نطول الكتاب بذكرها ( قال ويضادها الخلق ) يريد أن من الكيفيات النفسانية الخلق وفسر بملكة تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير تقدم فكر وروية فغير الراسخ من صفات النفس لا يكون خلقا كغضب الحليم وكذا الراسخ الذي يكون مبدأ لأفعال الجوارح بسهولة كملكة الكتابة أو يكون نسبته إلى الفعل والترك على السواء كالقدرة أو يفتقر في صدور الفعل عنه إلى فكر وروية كالبخيل إذا حاول الكرم وكالكريم إذا قصد بالعطاء الشهرة ولما كانت القدرة تصدر عنها الفعل لا بسهولة واستغناء عن روية وكانت نسبتها إلى طرفي الفعل والترك على السوية حكم بأنها تضاد الخلق مضادة مشهورة وهذا ما قال في التجريد أن القدرة تضاد الخلق لتضاد أحكامهما ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية اللذة والألم وتصورهما بديهي كسائر الوجدانيات وقد يفسران قصدا إلى تعيين المسمى وتلخيصه فيقال اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم والألم إدراك المنافي من حيث هو مناف والملائم للشيء كماله الخاص أعني الأمر اللائق كالتكيف بالحلاوة للذائقة وتعقل الأشياء على ما هي عليه للعاقلة وقيد بالحيثية لأن الشيء قد يكون ملائما من وجه دون وجه فإدراكه لا من جهة الملائمة لا يكون لذة كالصفراوي لا يلتذ بالحلوى والمراد بالإدراك الوصول إلى ذات الملائم لا إلى مجرد صورته فإن تخيل اللذيذ غير اللذة ولذا كان الأقرب ما قال ابن سينا أن اللذة إدراك ونيل الوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والألم إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك فذكر مع الإدراك النيل أعني الإصابة والوجدان لأن إدراك الشيء قد يكون بحصول صورة تساويه ونيله لا يكون إلا بحصول ذاته واللذة لا تتم بحصول ما يساوي اللذيذ بل إنما يتم بحصول ذاته وذكر الوصول لأن اللذة ليست هي إدراك اللذيذ فقط بل هي إدراك حصول اللذيذ للملتذ ووصوله إليه والفرق بين الكمال والخير هو أن حصول ما يناسب الشيء ويليق به من حيث اقتضائه براءة ما لذلك الشيء من القوة إلى الفعل كمال له ومن حيث كونه مؤثرا خير ثم المعتبر كماليته وخيريته بالقياس إلى المدرك لا في نفس الأمر لأنه قد يعتقد الكمالية والخيرية في شيء فيلتذ به وإن لم يكونا فيه وقد لا يعتقدهما فيما تحققتا فيه فلا يلتذ به ولهذا يحصل من شيء معين لذة أو ألم لزيد دون عمرو وبالعكس فكل من اللذة والألم نوع من الإدراك اعتبر فيه إضافة إلى ملائم أو مناف يختلف بالقياس إلى المدرك وإصابة ووجدان لذات الملائم أو المنافي من حيث هو كذلك لا للصورة الحاصلة منه وبقيد الحيثية يندفع ما يقال أن المريض قد يلتذ بالحلاوة مع أنها لا تلائمه بل يضره ويتنفر عن الأدوية وهي تلائمه وتنفعه وذكر الإمام بعد الاعتراف بأن اللذة والألم حقيقتان غنيتان عن التعريف أنا نجد من أنفسنا حالة نسميها باللذة ونعرف أن هناك إدراكا للملائم لكن لم يثبت لنا أن اللذة نفس إدراك الملائم أم غيره وبتقدير المغايرة هل هي معلولة له أم لا وبتقدير المعلولية هل يمكن حصولها بطريق آخر ثم قال والأقرب أن الألم ليس هو نفس إدراك المنافي ولا هو كاف في حصوله لأن التجارب الطبية قد شهدت بأن سوء المزاج الرطب غير مؤلم مع أن هناك إدراك أمر غير طبيعي وسنتكلم على ذلك وزعم محمد بن زكريا أن اللذة عبارة عن التبدل والخروج عن حالة غير طبيعية إلى حالة طبيعية وبه صرح جالينوس في مواضع من كلامه وهو معنى الخلاص عن الألم وذلك كالأكل للجوع والجماع لدغدغة المني وأوعيته وأبطله ابن سينا وغيره بأنه قد يحصل اللذة من غير سابقة ألم وحالة غير طبيعية كما في مصادفة مال ومطالعة جمال من غير طلب وشوق لا على التفصيل ولا على الإجمال بأن لم يخطر ذلك بباله قط لا جزئيا ولا كليا وكذا في إدراك الذايقة الحلاوة أول مرة وقد يحصل ذلك التبدل من غير لذة كا في حصول الصحة على التدريج وفي ورود المستلذات من الطعوم والروائح والأصوات وغيرها على من له غاية الشوق إلى ذلك وقد عرض له شاغل عن الشعور والإدراك قالوا وسبب السهو أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات فإن الألم واللذة لا يتمان إلا بإدراك والإدراك الحسي خصوصا اللمسي لا يحصل إلا بالانفعال عن الصند ولذلك متى استقرت الكيفية الموجبة لذلك لم يحصل الانفعال فلم يحصل الإدراك فلم تحصل لذة ولا ألم وبالجملة فلما لم تحصل اللذة إلا عند تبدل الحالة الغير الطبيعية ظنوا أنها نفسه ولا خفاء في إمكان معارضة هذا الكلام بالمثل ودفعها بما سبق من الوجهين ( قال ثم كل من اللذة والألم ينقسم إلى الحسي والعقلي حسب الإدراك ) فإنه ينقسم إليهما فينحصر فيهما عند أرباب البحث أما الحسي فظاهر كتكيف العضو الذايق بالحلاوة والقوة الغضبية بتصور غلبة ما والوهم بصورة شيء يرجوه إلى غير ذلك وأما العقلي فلأن للجوهر العاقل أيضا كمالا وهو أن يتمثل فيه ما يتعلقه من الواجب تعالى بقدر الاستطاعة ثم ما يتعلقه من صور معلولاته المترتبة أعني الوجود كله تمثلا مطابقا خاليا عن شوائب الظنون والأوهام بحيث يصير عقلا مستفادا على الإطلاق ولا شك أن هذا الكمال خير بالقياس إليه وأنه مدرك لهذا الكمال ولحصول هذا الكمال له فإذن هو ملتذ بذلك وهذه هي اللذة العقلية وأما الألم فهو أن يحصل له ضد هذا الكمال ويدرك حصوله من حيث هو ضد ثم إذا قايسنا بين اللذتين فالعقلية أكثر كمية وأقوى كيفية أما الأول فلأن عدد تفاصيل المعقولات أكثر بل يكاد لا يتناهى وأما الثاني فلأن العقل يصل إلى كنه المعقول والحس لا يدرك إلا ما يتعلق بظواهر الأجسام فتكون الكمالات العقلية أكثر وإدراكاتها أتم فكذا اللذات التابعة لهما وبحسب هذا يعرف حال الآلام عند التنبه لفقد الكمالات وأما أن العالم قد لا يلتذ بالإدراكات ولا يتألم بالجهالات فلعله لانتفاء بعض الشروط والقيود المعتبرة في كون الإدراك لذة و ألما فإن قيل الحسي من اللذة والألم ينبغي أن يعد في الكيفيات المحسوسة دون الكيفيات النفسانية قلنا المدرك بالحس هو الكيفية التي يلتذ بها أو يتألم كالحلاوة والمرارة مثلا وأما نفس اللذة والألم التي هي من جنس الإدراك والنيل فلا سبيل للحواس الظاهرة إلى إدراكها ( قال والحسي من الألم سيما اللمسي يسمى وجعا ) لا شك أن لفظ اللذة أو الألم بحسب اللغة إنما هو للحسي دون العقلي وأما بحسب العرف فالظاهر أنه بحسب الاشتراك المعنوي حيث يوجد الإدراك أعم من الأحساس والتعقل ولا يرد الاعتراض بأن المدقوق قد يتعقل أن فيه حرارة غير طبيعية ولا يتألم بذلك لأن الحاصل بهذا التعقل صورة الحرارة المطابقة فهو إدراك ملائم لا مناف وإنما المنافي هوية الحرارة الغريبة وليست بمدركة وإن كانت حاصلة لأنها صارت بمنزلة الطبيعة فلم يكن هناك انفعال وشعور فلم يكن ألم وقيل الاشتراك لفظي والتفسير إنما هو للحسي خاصة وأما الوجع فمختص بالحسي في العرف أيضا بل الأظهر اختصاصه باللمسي عل ما صرح به البعض وإن كان ظاهر كلام أئمة اللغة أنه يرادف الألم فلذا قلنا الحسي من الألم سيما اللمسي يسمى وجعا واتفقت كلمة الأطباء على أن كلا من تفرق الاتصال وسوء المزاج المختلف يقع سببا للوجع في الجملة وأن لا سبب له سواهما إما بحكم الاستقراء وإما بالاستدلال وإن كان ضعيفا وهو أن كمال العضو صحته وهي بالمزاج المعتدل والهيئة التي بها يتأتى الأفعال على ما يجب فالمنافي لهذا الكمال يكون مبطلا لاعتدل المزاج وهو سوء المزاج أو للهيئة وهو تفرق الاتصال وإنما اختلفوا في أن كلا منهما يصلح سببا بالذات كما يكون بالعرض وهو مذهب ابن سينا أو السبب بالذات هو تفرق الاتصال فقط وسوء المزاج إنما يكون سببا بواسطة ما يلزمه من تفرق الاتصال وهذا هو المشهور من مذهب جالينوس وكثير من الأطباء أو بالعكس أي السبب بالذات هو سوء المزاج فقط والتفرق إنما يكون سببا بواسطته وإلى هذا مال الإمام الرازي وجمع من المتأخرين وعلى كل من المذاهب احتجاجات واعتراضات أعرضنا عنها مخافة التطويل وتفاصيلها في شرح القانون واشترط ابن سينا في سوء المزاج المولم أن يكون حارا أو باردا لا رطبا أو يابسا وأن يكون مختلفا لا متفقا أما الأول فلأن الرطوبة واليبوسة من الكيفيات الانفعالية دون الفعلية وفيه بحث لأنه إن أريد أنهما ليستا فاعليتين والمولم بالذات فاعل فيشكل بجعل اليبوسة سببا لتفرق الاتصال وكليهما لكثير من الأمراض فليكونا سببين للوجع بذلك المعنى من غير توسط تفرق الاتصال فلا ينحصر السبب فيه وفي سوء المزاج الحار أو البارد وأما السبب بالذات بمعنى المؤثر بالطبع فلا دليل على كون الحار والبارد وتفرق الاتصال كذلك وإن أريد أن الوجع إحساس ما والإحساس انفعال والانفعال لا يكون إلا عن فاعل وهما ليسا من الكيفيات الفاعلة فيشكل بتصريح ابن سينا في مواضع من كتبه بل إطباق القوم على أنهما من الكيفيات المحسوسة بل أوائل الملموسات فعند خروجهما عن الاعتدال يكونان متنافيين فإدراكهما من حيث هما كذلك يكون ألما ثم ذكر ابن سينا أن سوء المزاج اليابس قد يكون مولما بالعرض لأنه قد يتبعه لشدة التقبيض تفرق الاتصال المؤلم بالذات واعترض بأن الرطب ايضا قد يستتبعه بواسطة التمديد اللازم لكثرة الرطوبة المحوجة إلى مكان أوسع وأجيب بأن ذلك إنما يكون في الرطوبة التي مع المادة فيكون الموجب هو المادة لا الرطوبة نفسها وأما الثاني فلأن سوء المزاج المتفق غير مولم ولذلك يسمى بالمتفق والمستوي حيث شابه المزاج الأصلي في عدم الإيلام وذلك لأنه عبارة عن الذي استقر في جوهر العضو وأبطل المقاومة وصار في حكم المزاج الأصلي فلا انفعال فيه للحاسة فلا إحساس فلا ألم وأيضا المنافاة إنما تتحقق بين شيئين فلا بد من بقاء المزاج الأصلي عند ورود الغريب ليتحقق إدراك كيفية منافية لكيفية العضو فيتحقق الألم وأيضا الدق أشد حرارة من الغب لأن الجسم الصلب لا يتسخن إلا عن حرارة قوية ولأنها تستعمل فيها من ذات أقوى مما يستعمل في الغب ولأنها تؤدي إلى ذوبان مفرط من الأعضاء حتى الصلبة منها وصاحب الدق لا يجد من الالتهاب ما يجده صاحب الغب وما ذاك إلا لكون سوء المزاج المتفق لا يحس به وأيضا المسحم في الشتاء يشمئز بدنه عن الماء الفاتر ويتأذى به ثم أنه بعد ذلك يستلذه ويستطيبه ثم إذا استعمل ماء حارا تأذى به ثم بعد ذلك يستلذه ثم إذا استعمل الماء الأول استبرده وتألم به وذلك لما ذكرنا واعلم أن سوء المزاج المختلف قد لا يوجع بل لا يدرك بالكلية وذلك إذا كان حدوثه بالتدريج فإن الحادث منه أولا يكون قليلا جدا فلا يشعر به وبمنافاته ثم في الزمان الثاني تكون الزيادة على تلك الحالة غير مشعور بها وكذا في كل زمان وهذا بخلاف ما يحدث دفعة فإنه لكثرته يكون مدركا ثم يستمر إدراكه ما دام مختلفا ( قال واعتراض الإمام ) إشارة إلى دفع الشبه التي أوردها الإمام على كون تفرق الاتصال سببا للوجع فمنها أن التفرق يرادف الانفصال وهو عدمي فلا يصلح علة للوجع لأنه وجودي وجوابه أن الانفصال المرادف للتفرق ليس هو عدم الاتصال بل حركة بعض الأجزاء عن البعض فلا يكون عدميا ولو سلم فلا محالة يلزمه كون هيئة العضو فاقدة كماله اللائق به وأمكن إدراكه من هذه الجهة فيكون موجعا بذاته بمعنى أنه ليس يتوسط سوء المزاج وإن كان يتوسط ما يلزمه من خروج الهيئة العضوية عن كمالها ولو سلم فالعدمي لا يلزم أن يكون معدوما ليمتنع كونه علة للوجود ولو سلم فالمراد بالسبب ههنا المعد إلى الفاعل لإعداد العضو لقبول الوجع لا المؤثر الموجد ولا امتناع في أن يكون التفرق العدمي بحيث متى حصل اقتضى الوجع كسوء المزاج ومنها أنه لو كان سببا للوجع لكان الإنسان دائما في الوجع لأنه دائما في تفرق الاتصال بواسطة الاغتذاء والتحلل لأن الاغتذاء والنمو إنما يكون بنفوذ الغذاء في الأعضاء والتحلل إنما يكون بالانفصال عن الأعضاء لا يقال هذا التفرق لكونه في غاية الصغر لا يؤلم أو لا يحس تألمه سيما وقد صار مألوفا بدوامه لأنا نقول كل تفرق وإن كان صغيرا لكن جملتها كثيرة جدا ولو كان التفرق حين ما كان مألوفا غير مؤلم لكان كل تفرق كذلك لأن حكم الأمثال واحد ومنها أن التفرق لو كان سببا بالذات لما تأخر عنه الأثر بحسب الزمان واللازم باطل لأن قطع العضو بآلة في غاية الحدة قطعا في غاية السرعة لا يحس منه بالألم إلا بعد لحظة ربما يحصل سوء المزاج وجوابهما أنا لا نعني بكون تفرق الاتصال سببا للوجع بالذات أنه نفسه تمام العلة بحيث لا يتخلف الوجع عنه أصلا بل نعني أن القدر المحسوس من التفرق فإذا كان في عضو خاص من التفات النفس إليه والشعور به من غير أن يصير مستمرا مألوفا وبشرط أن يدرك من جهة كونه منافيا لكيفية العضو فهو مؤلم بالذات بمعنى عدم التوقف على سوء المزاج وإن كان إيلامه بواسطة ما يلزمه من فقدان هيئة العضو كماله اللائق به وحينئذ يجوز أن لا يكون التفرق في الاغتذاء والتحلل قدر ما يدركه الحس أو يكون مألوفا لا يضر ولا يؤلم أو يكون إدراكه لا من جهة كونه منافيا وتفرقا بل من جهة كونه ملائما ونافعا للبدن ببقاء الصحة والقوة وبقاء البدن من الفضول وما ذكر من لزوم استواء التفرقات في الأحكام ظاهر الفساد كيف والتفرق الغذائي طبيعي دائم في أجزاء صغيرة مألوف يترتب عليه للبدن مصالح كثيرة وقطع العضو ليس كذلك وأما قطع العضو سريعا بآلة في غاية الحدة فإن كان مع التفات النفس والشعور فلا نسلم تأخر الألم وإن كان بدونه فلا إشكال ألا يرى أن من انصرف فكرته إلى أمر أهم شريف كالتأمل في مسألة علمية أو خسيس كاللعب بالنرد والشطرنج أو متوسط كالابتلاء بوجع أقوى أو الوقوع في معركة أو الاهتمام بمهم دنيوي ربما لا يدرك ألم الجوع والعطش وكثير من المؤذيات وكذا المستلذات ومنها أنه لو كان سببا لكانت الجراحة العظيمة أقوى إيلاما من لسعة العقرب لكون التفرق في الجراحة أكثر وجوابه أن ذلك إنما يلزم لو كان ألم لسعة العقرب أيضا لتفرق الاتصال وهو ليس بلازم لجواز أن يكون لما يحصل بواسطة السمية من سوء مزاج مختلف أقوى تأثيرا من الجراحة العظيمة ( قال ومنها ) أي من الكيفيات النفسانية الصحة والمرض أما الصحة فقد عرفها ابن سينا في أول القانون بأنها ملكة أو حالة يصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة وليست كلمة أو للترديد المنافي للتحديد بل للتنبيه على أن جنس الصحة هو الكيفية النفسانية سواء كانت راسخة أو غير راسخة ولا يختص بالراسخة كما زعم البعض على ما قال في الشفاء أنها ملكة في الجسم الحيواني يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مألوفة فأورد ما هو صحة بالاتفاق وهذا ما قيل أن جنسها هو المسمى بالحال أو الملكة وليس هناك شك في ذاتي للصحة ولا في عرضي على ما قال الإمام أنه لا يلزم من الشك في اندراج الصحة تحت الحال أو الملكة شك في شيء من مقومات الصحة بل في بعض عوارضها لأن المخالفة بين الحال والملكية إنما هي بعارض الرسوخ وعدمه وإنما قدم الملكة على الحال في الذكر مع أنها متأخرة عنه في الوجود حيث تكون الكيفية أولا حالا ثم تصير ملكة لأن الملكة لرسوخها أشرف من الحال ولأنها أغلب في الصحة وقال الإمام لأنها لم يقع اختلاف في كونها صحة بخلاف الحال ولأنها غاية الحال والغاية متقدمة في العلية وهذا التعريف يتناول صحة الإنسان وغيره من الحيوانات وما ذكر الإمام من أنه يتناول صحة النبات أيضا وهو ما إذا كان أفعاله من الجذب والهضم سليمة ليست بمستقيم لأن الحال والملكة إنما تكونان من الكيفيات النفسانية أي المختصة بذوات الأنفس الحيوانية على ما صرحوا به وعلى هذا يكون في تعريف الشفاء تكرارا اللهم إلا أن يراد بالملكة والحال الراسخ وغير الراسخ من مطلق الكيفية أو يراد بالأنفس أعم من الحيوانية والنباتية وكلاهما خلاف الاصطلاح وأما ما ذكره في موضع آخر من القانون أن الصحة هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلها صحيحة سليمة فمبني على أن الصحة المبحوث عنها في الطب هي صحة الإنسان والمراد بصحة الأفعال وسلامتها خلوصها عن الآفة وكونها على المجرى الطبيعي على ما يناسب المعنى اللغوي فلا يكون تعريف صحة البدن والعضو بها تعريف الشيء بنفسه وهذا ما قال الإمام أن الصحة في الأفعال أمر محسوس وفي البدن غير محسوس وتعريف غير المحسوس بالمحسوس جائز وأما الاعتراض بأن قوله تصدر عنها الأفعال مشعر بأن المبدأ هي تلك الملكة أو الحال وقوله من الموضوع مشعر بأنه الموضوع أعني البدن أو العضو فأجيب عنه بوجهين
أحدهما أن الصحة مبدأ فاعلي والموضوع قابل والمعنى كيفية تصدر عنها الأفعال الكائنة من الموضوع الحاصلة فيه
Translation
الجزء 94
#95 Chapter 95 — الجزء 95 · ref. #95
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
وثانيهما أن الموضوع فاعل والصحة واسطة بمنزلة العلة الفاعلية والمعنى تصدر لأجلها وبواسطتها الأفعال من الموضوع وتحقيقه أن القوى الجسمانية لا تصدر عنها أفعالها إلا بشركة من موضوعاتها فالمسخن هو النار والنارية علة لكون النار مسخنة فالمراد أن الصحة علة لصيرورة البدن مصدرا للفعل السليم وهذا المعنى واضح في عبارة القانون في التعريف الثاني وأوضح منه في عبارة الشفاء لأن اللام أوضح في التعليل من الباء وهي من عن فاندفاع الاعتراض عنهما في غاية الظهور والإمام إنما أورده على العبارة الأولى فما ذكر في المواقف أن الصحة ملكة أو حالة تصدر بها الأفعال عن الموضوع لها سليمة وأن الإمام أورد عليه هذا الاعتراض ليس على ما ينبغي وأما المرض فقد عرفه ابن سينا بأنه هيئة مضادة للصحة أي ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال عن الموضوع لها غير سليمة وذكر في موضع من الشفاء أن المرض من حيث هو مرض بالحقيقة فهو عدم لست أعني من حيث هو سوء مزاج أو ألم وهذا مشعر بأن بينهما تقابل الملكة والعدم ووجه التوفيق بين كلاميه على ما أشار إليه الإمام هو أن الصحة عنده هيئة هي مبدأ لسلامة الأفعال وعند المرض تزول تلك الهيئة وتحدث هيئة هي مبدأ للآفة في الأفعال فإن جعل المرض عبارة عن عدم الهيئة الأولى وزوالها فبينهما تقابل العدم والملكة وإن جعل عبارة عن نفس الهيئة الثانية فتقابل التضاد وكأنه يريد أن لفظ المرض مشترك بين الأمرين أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وإلا فالإشكال بحاله وقيل المراد أن بينهما تقابل العدم والملكة بحسب التحقيق وهو العرف الخاص على ما مر أو تقابل التضاد بحسب الشهرة وهو العرف العامي لأن المشهور أن الضدين أمران ينسبان إلى موضوع واحد ولا يمكن أن يجتمعا كالزوجية والفردية لا بحسب التحقيق ليلزم كونهما موجودين في غاية التخالف تحت جنس قريب وقد صرح بذلك ابن سينا حيث قال أن أحد الضدين في التضاد المشهوري قد يكون عدما للآخر كالسكون للحركة والمرض للصحة لكن قوله هيئة مضادة ربما يشعر بأن المرض أيضا وجودي كالصحة ولا خفاء في أن بينهما غاية الخلاف فجاز أن يجعلا ضدين بحسب التحقيق مندرجين تحت جنس هو الكيفية النفسانية واعترض الإمام بأنهم اتفقوا على أن أجناس الأمراض المفردة ثلاثة سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال ولا شيء منها بداخل تحت الكيفية النفسانية المسماة بالحال أو الملكة أما سوء المزاج فلأنه إما نفس الكيفية الغريبة التي بها خرج المزاج عن الاعتدال على ما يصرح به حيث يقال الحمى حرارة كذا وكذا وهي من الكيفيات المحسوسة وأما اتصاف البدن بها وهو من مقولة ان ينفعل وأما سوء التركيب فلأنه عبارة عن مقدار أو عدد أو وضع أو شكل أو انسداد مجرى مخل بالأفعال وليس شيء منها داخلا تحت الحال والملكة وكذا اتصاف البدن بها وذلك لأن المقدار والعدد من الكميات والوضع مقولة برأسها والشكل من الكيفيات المختصة بالكميات والاتصاف من أن ينفعل ولم يتعرض للانسداد وكأنه يجعله من الوضع أو أن ينفعل وإما تفرق الاتصال فلأنه عدمي لا يدخل تحت مقولة أصلا وإذا لم يدخل المرض تحت الحال والملكة لم يدخل الصحة تحتها لكونه ضدا لها هذا حاصل تقرير الإمام لا ما ذكر في المواقف من أن سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال إما من المحسوسة أو الوضع أو عدم التركيب فإنه اختصار مخل أو العذر بأنه لم يعتد بباقي المحتملات لظهور بطلانها ظاهر البطلان لأن قولنا سوء التركيب إما مقدار يخل بالأفعال أو عدد أو وضع أو انسداد مجرى كذلك ليس بيانا للمحتملات بل للأقسام فليفهم وتقرير الجواب بعد تسليم كون التضاد حقيقيا أن تقسيم المرض إلى سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال تسامح والمقصود أنه كيفية نفسانية تحصل عند هذه الأمور وتنقسم باعتبارها وهذا ما قيل أنها منوعات أطلق عليها اسم الأنواع وذلك كما يطلق الصحة على اعتدال المزاج أو المزاج المعتدل مع أنه من المحسوسات ( قال ثم المعتبر ) قد اختلفوا في ثبوت الواسطة بين الصحة والمرض وليس الخلاف في ثبوت حالة وصفة لا يصدق عليها الصحة ولا المرض كالعلم والقدرة والحياة إلى غير ذلك مما لا يحصى بل في ثبوت حالة لا يصدق معها على البدن أنه صحيح أو مريض بل يصدق عليه أنه ليس بصحيح ولا مريض فأثبتها جالينوس كما للناقهين والمشايخ والأطفال ومن ببعض أعضائه آفة دون البعض ورد عليه ابن سينا بأنه أهمل الشرائط التي يجب أن تراعى في حال ما له وسط وما ليس له وسط وهي أن يفرض الموضوع واحدا بعينه في زمان واحد بعينه وأن يكون الجزء واحدا بعينه والجهة والاعتبار واحدة بعينها فإن فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد أو أعضاء معينة في زمان واحد وجاز أن لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب بحيث يصدر عنه جميع الأفعال التي يتم بذلك العضو أو الأعضاء سليمة وأن لا يكون ليس كذلك فهناك واسطة وإن كان لا بد من أن يكون معتدل المزاج سوى التركيب أو لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب إما لثبوت أحدهما دون الآخر أو لانتفائهما جميعا فليس بينهما واسطة هذا كلامه وقد اعتبر في المرض أن لا يكون جميع أفعال العضو سليمة إما لكونه عبارة عن عدم الصحة التي هي مبدأ سلامة جميع الأفعال أو عن هيئة بها يكون شيء من الأفعال مألوفا ولا خفاء في انتفاء الواسطة ح وأما إذا اعتبر في المرض أن يكون جميع الأفعال غير سليمة بأن يجعل عبارة عن هيئة بها يكون جميع أفعال العضو أعني الطبيعية والحيوانية والنفسانية مألوفة فلا خفاء في ثبوت الواسطة بأن يكون بعض أفعال العضو سليما دون البعض وإن اعتبر آفة أفعال جميع الأعضاء فثبوت الواسطة أظهر وعلى هذا يكون الاختلاف مبنيا على الاختلاف في تفسير المرض وكلام الإمام مشعر بابتنائه على الاختلاف في تفسيرهما حيث قال يشبه أن يكون النزاع لفظيا فمن نفى الواسطة أراد بالصحة كون العضو الواحد أو الأعضاء الكثيرة في الوقت الواحد أو في الأوقات الكثيرة بحيث يصدر عنه الأفعال سليمة وبالمرض أن لا يكون كذلك ومن اثبتها أراد بالصحة كون كل الأعضاء بحيث تكون أفعالها سليمة وبالمرض كون كل الأعضاء بحيث تكون أفعالها مألوفة وفي كلام ابن سينا ما يشعر بابتنائه على الاختلاف في تفسير الصحة حيث ذكر في أول القانون أنه لا تثبت الحالة الثالثة إلا أن يجدوا الصحة كما يشتهون ويشترطون شروطا ما بهم إليها حاجة وذلك مثل اشتراط سلامة جميع الأفعال لتخرج صحة من يصدر عنه بعض الأفعال سليما دون البعض ومن كل عضو لتخرج صحة من بعض أعضائه صحيح دون البعض وفي كل وقت لتخرج صحة من يصح شتاء ويمرض صيفا ومن غير استعداد قريب لزوالها لتخرج صحة المشايخ والأطفال والناقهين ( قال ومنها الفرح ) قد تعرض للنفس كيفيات تابعة لانفعالات تحدث فيها لما يرتسم في بعض قواها من النافع والضار كالفرح وهو كيفية نفسانية تتبعها حركة الروح إلى خارج البدن طلبا للوصول إلى الملذ والغم وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل خوفا من موذ واقع والغضب وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الخارج طلبا للانتقام والفزع وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل هربا من المؤذي واقعا كان أو متخيلا والحزن وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلا قليلا والهم وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل والخارج لحدوث أمر يتصور منه خير يقع أو شر ينتظر فهو مركب من رجاء وخوف فأيهما غلب على الفكر تحركت النفس إلى جهته فللخير المتوقع إلى الخارج وللشر المنتظر إلى الداخل فلذلك قيل أنه جهاد فكري والخجل وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل والخارج لأنه كالمركب من فزع وفرح حيث ينقبض الروح أولا إلى الباطن ثم يخطر بباله أنه ليس فيه كثير مضرة فينبسط ثانيا وهذه كلها إشارة إلى ما لكل من الخواص واللوازم وإلا فمعانيها واضحة عند العقل وكثيرا ما يتسامح فيفسر بنفس الانفعالات كما يقال الفرح انبساط القلب والغم انقباضه والغضب غليان الدم إلى غير ذلك ( قال القسم الثالث الكيفيات المختصة بالكميات ) هي التي لا يكون عروضها بالذات إلا للكم المتصل كالاستقامة والانحناء للحط والتقعير والتقبيب للسطح وكذا الزاوية على ما سيأتي أو للكم المنفصل كالزوجية والفردية للعدد حتى أن اتصاف الجسم بهذه العوارض لا يكون إلا باعتبار ما فيه من هذه الكميات وقد يعد من الكيفيات المختصة بالكميات الخلقة التي هي عبارة عن مجموع الشكل واللون واستشكل من وجوه الأول أن أحد جزئيه أعني الشكل وإن كان من الكيفيات المختصة بالكم بناء على كونه عبارة عن هيئة إحاطة حداي نهاية بالجسم كما في الكرة المحيط بها سطح واحد أو حدود أي نهايات كما في نصف الدائرة والمثلث والمربع وغيرهما من الأشكال الحاصلة من إحاطة خطين أو أكثر لكن لإخفاء في أن جزءه الآخر أعني اللون من الكيفيات المحسوسة المقابلة للكيفيات المختصة بالكميات والجواب أن مبنى ذلك على ما قيل أن اللون من خواص السطح ومعنى كون الجسم ملونا أن سطحه ملون ولا تنافي بين كون الكيفية محسوسة وكونها مخصوصة بالكم على ما سبقت الإشارة إليه هذا ولكن الأظهر أن اللون قد ينفذ في عمق الجسم الثاني أن الكلام في الكيفية المفردة إذ لو اعتبر تركيب الكيفيات المختصة بالكميات بعضها مع البعض لكان هناك أقسام لا تتناهى مع انهم لم يعتدوا بها ولم يعدوها من أنواعها والجواب أنهم لما وجدوا الاجتماع اللون والشكل خصوصية باعتبارها يتصف الجسم بالحسن والقبح عدوا المركب منهما نوعا واحدا بخلاف مثل اللون أو الضوء مع الاستقامة أو الانحناء أو الزوجية أو الفردية إلى غير ذلك الثالث أن عروض الخلقة لا يتصور إلا حيث يكون هناك جسم طبيعي بخلاف الكيفيات المختصة بالكم فإنها إنما تفتقر إلى المادة في الوجود دون التصور على ما تقرر في تقسيم الحكمة إلى الطبيعي والرياضي والإلهي والجواب أن الأمور العارضة للكمية منها ما هي عارضة لها بسبب أنها كمية كالاستقامة والانحناء والزوجية والفردية وهي المبحوث عنها في قسم الرياضيات ومنها ما هي عارضة لها بسبب انها كمية شيء مخصوص كالخلقة وهذا لا ينافي الاختصاص بالكم واعلم أن كلامهم متردد في أن الخلقة مجموع الشكل واللون أو الشكل المنضم إلى اللون أو كيفية حاصلة من اجتماعهما وهذا أقرب إلى جعلها نوعا على حدة ( قال وبعضهم ) الجمهور على أن الشكل من الكيفيات بناء على أنه الهيئة الحاصلة من إحاطة الحد أو الحدود بالجسم لا نفس السطح المخصوص ليكون من الكم على ما يتوهم من تقسيمه إلى الدائرة والمثلث والمربع وغيرها ثم تفسير الدائرة بأنه سطح محيط به خط في وسطه نقطة يكون جميع الخطوط الخارجة منها إلى ذلك الخط متساوية وتفسير المثلث بأنه سطح محيط به ثلاثة خطوط وهكذا وذلك لأن الشكل ههنا بمعنى المشكل وأما حقيقته فإنما تنقسم إلى الاستدارة والتثليث والتربيع وهي الكيفيات الحاصلة للسطوح المذكورة وليس أيضا عبارة عن الهيئة الحاصلة بسبب نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض أو إلى الأمور الخارجة ليكون من قبيل الوضع على ما زعم ثابت بن قرة ومال إليه الإمام وذلك لأن الحدود ليست أجزاء للجسم ولا للسطح فإن قيل النسبة مأخوذة في مفهومه ولا شيء من الكيف كذلك أجيب بمنع الصغرى وإنما يتم لو كان المذكور في تعريفه حدا حقيقيا له واعترض على تعريفه بأنه إنما يتناول الأشكال الجسمية دون السطحية وأجيب بأن المراد بالجسم ههنا هو التعليمي لأنه بالذات معروض الحدود السطحية كما أن السطح معروض الحدود الخطية وإنما خص التعليمي بالذكر دون الخط والسطح لأنه الذي يمكن تخيله بشرط لا شيء بخلافهما كما مر فالتحقيق أن الشكل هيئة إحاطة الحد والحدود بالسطح أو الجسم والحدود على الأول خطوط وعلى الثاني سطوح والكمية المعروضة بالذات للشكل هو الحدود المحيطة أم السطح أم الجسم المحاط فيه تردد ( قال والزاوية من الكم ) يعني ذهب بعضهم إلى أن الزاوية من الكميات لكونها قابلة للقسمة بالذات ففسروها بسطح يحيط به خطان يلتقيان على نقطة واحدة من غير أن يتحد الخطان وهذا مراد من قال أنها سطح ينتهي إلى نقطة ولا خفاء في أن هذا صادق على غير موضع تماس الخطين أيضا من الشكل وليس بزاوية فمرادهم أنها ما يلي تلك النقطة من السطح على ما صرح به من قال أنها المتحدب إلى موضع الانحداب من السطح الذي يحيطه به خطان يلتقيان على نقطة وأجيب بأنا لانم أن قبولها القسمة بالذات بل بواسطة معروضها الذي هو السطح ولو سلم فعندنا ما ينفي كونها من الكم وهو إنها تبطل بالتضعيف ولا شيء من الكم كذلك أما الكبرى فلأن التضعيف زيادة في الكم لا ابطال له وأما الصغرى فلأن الحادة تنتهي بالتضعيف مرة أو مرارا إلى قائمة أو منفرجة وكل منهما يبطل بالتضعيف مرة إما القائمة فلالتقاء الخطين على استقامة بحيث يصيران خطا واحدا وأما المنفرجة فلتأديها إلى ذلك لأن تضعيف الكم عبارة عن زيادة مثله عليه ولا يتصور ذلك إلا بزيادة كل ما هو أقل منه فلا بد في تضعيف المنفرجة من زيادة القدر الذي يكون اتصال الخطين عنده على استقامة فتبطل المنفرجة بالضرورة وحدوث الحادة في الجانب الآخر لا ينافي ذلك وأيضا لا شك أن الزاوية جنس قريب للثلاثة فإذا لم تكن القائمة من الكم لم يكن الأخريان منه والمحققون على إنها من الكيفيات المختصة بالكميات فلذا فسروها بالهيئة الحاصلة عند ملتقى الخطين المحيطين بالسطح الملتقيين على نقطة وما يقع في عبارات المهندسين من كونها سطحا وقابلا للتجزي والمساواة والمقاومة بالذات فمبني على أنهم يريدون بالزاوية ذي الزاوية كما يريدون بالشكل المشكل فيقولون المثلث شكل تحيط به ثلاثة أضلاع وما ذكر إقليدس من أن الزاوية تماس الخطين فمعناه الهيئة الحاصلة عند تماسهما هذا هو الزاوية المسطحة وأما المجسمة فهي جسم يحيط به سطحان يلتقيان بخط أو الهيئة الحاصلة عند ذلك ( قال القسم الرابع الكيفيات الاستعدادية ) أي التي من جنس الاستعداد لأنها مفسرة باستعداد شديد على أن ينفعل أي تهيؤ لقبول أثر ما بسهولة أو سرعة وهو وهن طبيعي كالممراضية واللين ويسمى اللاقوة أو على أن لا تقاوم ولا تنفعل أي تهيؤ للمقاومة وبطؤ اللاانفعال كالمصحاحية والصلابة وذلك هو الهيئة التي بها صار الجسم لا يقبل المرض ويتأبى عن الانغماز ويسمى القوة فإذا حاولنا ذكر أمر يشمل القسمين ويخصهما قلنا كيفية بها يترجح القابل في أحد جانبي قبوله ومبني ذلك على أن القوة على الفعل كالقوة على المصارعة غير داخلة في هذا النوع من الكيفيات والجمهور على أنها داخلة فيه فالأمر المشترك بين الأقسام الثلاثة هو أنها استعداد جسماني كامل نحو أمر من خارج أو مبدأ جسماني به يتم حدوث أمر حادث على أن حدوثه مترجح به واستدل على كون القوة الشديدة على الفعل غير داخلة في هذا النوع بوجهين
الأول أن المصارعة مثلا يتعلق بالعلم بتلك الصناعة والقوة القوية على تلك الأفعال وهما من الكيفيات النفسانية وبصلابة الأعضاء وكونها في خلقتها الطبيعية بحيث يعسر عطفها ونقلها وذلك عائد إلى القوة على المقاومة واللاانفعال فلا يتحقق قسم ثالث
Translation
الجزء 95
#96 Chapter 96 — الجزء 96 · ref. #96
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
الثاني أن الحرارة لها قوة شديدة على الإحراق فلو كانت داخلة في هذا الجنس مع دخولها في الجنس المسمى بالانفعاليات أعني الراسخ من الكيفيات المحسوسة لزم تقومها بجنسين ودخولها تحت قسمين متقابلين وكلا الوجهين مبني على أن الكيفيات المحسوسة المسماة بالانفعاليات أو الانفعالات والكيفيات النفسانية المسماة بالملكة أو الحال والكيفيات المختصة بالكميات والكيفيات الاستعدادية أقسام من الكيف متباينة بالذات يمتنع صدق البعض منها على شيء مما صدق عليه الآخر وإلا فلا يمتنع أن تكون القدرة من حيث اختصاصها بذوات الأنفس من الكيفيات النفسانية والحررة من حيث كونها مدركة بالحس من المحسوسات وكل منهما من حيث كونها قوة شديدة فاعلة بالسهولة من الكيفيات الاستعدادية كما ذكروا أن اللون والاستقامة والانحناء ونحو ذلك من المختصة بالكميات مع كونها من المحسوسات ( قال الفصل الرابع في الأين ) وهو النسبة إلى المكان أعني كون الشيء في الحيز وللقوم في تحقيق مباحثه طريقان أحدهما للمتكلمين والآخر للفلاسفة وللقدماء من المتكلمين في طريقهم شعب وتفاريع قليلة الجدوى لا نطول الكتاب بذكرها بل نقتصر على ما يهمنا فنقول المتكلمون يعبرون عن الاين أعني حصول الجوهر في الحيز بالكون ويعترفون بوجوده وإن أنكروا وجود سائر الأعراض النسبية وقد حصروه في أربعة أنواع هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون لأن حصول الجوهر في الحيز أما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أولا وعلى الأول أما أن يكون بحيث يمكن أن يتوسطهما ثالث فهو الافتراق وإلا فالاجتماع واعتبر إمكان تخلل الثالث دون تحققه ليشمل افتراق الجوهرين بتخلل الخلاء فإنه لا ثالث بينهما بالفعل بل بالإمكان وعلى الثاني أن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فهو الحركة وإن كان مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز فالسكون فيكون السكون حصولا ثانيا في حيز أول والحركة حصولا أول في حيز ثان وأولية الحيز في السكون قد لا يكون تحقيقا بل تقديرا كما في الساكن الذي لا يتحرك قطعا فلا يحصل في حيز ثان وكذا أولية الحصول في الحركة لجواز أن ينعدم المتحرك في آن انقطاع الحركة فلا يتحقق له حصول ثان فإن قيل إذا اعتبر في الحركة المسبوقية بالحصول في حيز آخر لم يكن الخروج من الحيز الأول حركة مع أنه حركة وفاقا قلنا إنما يلزم ذلك لو لم يكن الخروج من الحيز الأول نفس الحصول الأول في الحيز الثاني على ما صرح به الآمدي وتحقيقه أن الحصول الأول في الحيز الثاني من حيث الإضافة إليه دخول وحركة إليه ومن حيث الإضافة إلى الحيز الأول خروج وحركة منه ثم الاجتماع لا يتصور إلا على وجه واحد والافتراق يتصور على وجوه متفاوته في القرب والبعد حتى ينتهي غاية القرب إلى المجاوة التي هي الاجتماع ومن أسمائها المماسة أيضا على ما يراه الأستاذ أبو إسحق وهو أقرب إلى الصواب مما ذكره الشيخ والمعتزلة من أن المماسة غير المجاورة بل هي أمر يتبعها ويحدث عقيبها وظاهر عبارة المواقف يشعر بأن المجاورة افتراق حيث قال الافتراق مختلف فيه قرب وبعد متفاوت ومجاورة ( قال وقيامه بواحد ) قد يتوهم أن اجتماع الجوهرين عرض قائم بهما فيلزم قيام العرض الواحد بمحلين فنفى ذلك بأن لكل من الجوهرين اجتماعا يقوم به مغايرا بالشخص للاجتماع القائم بالآخر ( قال وأما الحصول ) لإخفاء في أن قولهم حصول الجوهر في الحيز إذا لم يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر فإما أن يكون مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز أو في حيز آخر ليس بحاصر لجواز أن لا يكون مسبوقا بحصول أصلا فلذا ذهب بعض المتكلمين إلى أن الأكوان لا تنحصر في الأربعة كما فرضنا إن الله تعالى خلق جوهرا فردا ولم يخلق معه جوهرا آخر فكونه في أول زمان الحدوث ليس بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق وأجاب القاضي وأبو هاشم بأنه سكون لكونه مماثلا للحصول الثاني في ذلك الحيز وهو سكون بالاتفاق واللبث أمر زائد على السكون غير مشروط فيه وإلى هذا يؤول ما قال الأستاذ أنه سكون في حكم الحركة حيث لم يكن مسبوقا بحصول آخر في ذلك الحيز وعلى هذا لا يتم ما ذكر في طريق الحصر بل طريقه أن يقال أنه إن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فحركة وإلا فسكون ويرد عليه السكون بعد الحركة حيث يصدق عليه أنه حصول مسبوق بالحصول في حيز آخر وإن كان مسبوقا بالحصول في ذلك الحيز أيضا فالأولى أن يقال أنه إن اتصل بحصول سابق في حيز آخر فحركة وإلا فسكون أو يقال أنه إن كان حصولا أول في حيز ثان فحركة وإلا فسكون فيدخل في السكون الكون في أول زمان الحدوث وتخرج الأكوان المتلاحقة في الأحيان الملاصقة أعني الأكوان التي هي أجزاء الحركة فلا تكون الحركة مجموع سكنات وذلك لأنه لا يلزم من عدم اعتبار اللبث في السكون أن يكون عبارة عن مجرد الحصول في الحيز من غير اعتبار قيد يميزه عن أجزاء الحركة اللهم إلا أن يبنى ذلك على أن الكون الأول في الحيز الثاني يماثل الكون الثاني فيه وهو سكون وفاقا فكذا الأول ويكون هذا إلزاما لمن يقول بتماثل الحصول الأول والثاني في الحيز الأول فكذا في الحيز الثاني فالتزم القاضي ذلك وذهب إلى أن الكون الأول في الحيز الثاني وهو الدخول فيه سكون وبنى على ذلك أن كل حركة سكون من حيث أنها دخول في حيز وليس كل سكون حركة كالكون الثاني فإن قيل الحركة ضد السكون فكيف تكون نفسه أو مركبة منه أجيب بأن التضاد ليس بين الحركة والسكون مطلقا بل بين الحركة من الحيز والسكون فيه وإما بين الحركة إلى الحيز والسكون فيه فلا تغاير فضلا عن التضاد لأنها عبارة عن الكون الأول فيه وهو يماثل الكون الثاني الذي هو سكون بالاتفاق واعترض الآمدي بمنع تماثل الحصولين واشتراكهما في كون كل منهما موجبا للاختصاص بذلك الحيز لا يوجب التماثل لأنا لانم أنه أخص صفاتهما النفسية كيف والحصول الأول في الحيز الثاني حركة وفاقا لكونه خروجا من الحيز الأول فلو كان مماثلا للحصول الثاني فيه لزم أن يكون هو أيضا حركة ولا قائل به فإن أجيب بأن عدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز معتبر في الحركة فيصدق على الحصول الأول دون الثاني قلنا فكذا عدم الاتصال بالحصول في حيز آخر معتبر في السكون فيصدق على الحصول الثاني دون الأول وحاصله أن الكلام إلزامي لمن يقول بتماثل الحصولين وبأن كون الثاني سكونا يستلزم كون الأول كذلك وذكر في المواقف أنه إذا اعتبر في الحركة عدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز لا المسبوقية بالحصول في حيز آخر بطل قولهم أن الحركة مجموع سكنات فإن أراد أن السكون الذي هو الحصول الثاني لا يكون حينئذ جزءا للحركة فلا يكون عبارة عن مجموع السكنات بل عن بعضها فغلط من باب إيهام العكس لأن معنى قولهم هي مجموع سكنات إن كل جزء لها سكون وهو لا يستلزم أن يكون كل سكون جزءا لها وإن أراد أن مجرد الحصول الأول في الحيز الأول يكون حينئذ حركة مع أنه ليس مجموع سكنات فله وجه فإن قيل هذا وارد على التقدير الآخر أيضا وهو أن يعتبر في الحركة المسبوقية بالحصول في حيز آخر لأن الحصول في هذا الحيز سواء قيد بالمسبوقية بالحصول في حيز آخر أو بعدم المسبوقية بالحصول في ذلك الحيز أو لم يقيد بشيء أصلا فهو واحد لا مجموع قلنا مرادهم أن الحركة مجموع الحصولين في الحيزين على ما يفصح عنه قولهم أنها مجموع سكنات لا مجرد الحصول في الحيز الثاني المقيد بالحصول في حيز سابق على ما يفهم من ظاهر العبارة وهذا لا يتأتى إلا على تقدير أن يشترط في الحركة الحصول في حيز سابق وتوجيه اعتراض الآمدي حينئذ أنه لو تماثل الحصول الأول والثاني في حيز واحد لكان الحصول الثاني في الحيز الثاني جزءا من الحركة كالأول ( قال والتحقيق ) سيجيء في طريق الفلاسفة أنه قد يراد بالحركة كون المتحرك متوسطا بين المبدأ والمنتهى بحيث يكون حاله في كل آن على خلاف ما قبله وما بعده قد يراد بها الأمر الموهوم الممتد من المبدأ إلى المنتهي والمتكلمون بالنظر إلى الأول قالوا أنها الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر وبالنظر إلى الثاني أنها حصولات متعاقبة في إحياز متلاصقة ويسمى بالإضافة إلى الحيز السابق خروجا وإلى اللاحق دخولا ثم منهم من سمى مثل هذا الحصول سكونا من غير أن يعتبر في مسماه اللبث والحصول بعد الحصول في حيز واحد وكانت الحركة بالمعنى الأول سكونا وبالمعنى الثاني مجموع سكنات وكان الحصول في أول زمان الحدوث سكونا ومنهم من اعتبر ذلك وفسر السكون بالحصول في حيز بعد الحصول فيه فلم تكن الحركة ولا أجزاؤها ولا الحصول في آن الحدوث سكونا ثم ظاهر العبارة أن السكون هو الحصول الثاني من الحصولين في حيز واحد لكن الأقرب أن المراد أنه مجموع الحصولين كما قد يحمل قولهم الحركة حصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر على أنها مجموع الحصولين قال ثم الحق يعني أن إطلاق الأنواع على الأكوان الأربعة مجاز لأن حقيقة الكون أعني الحصول في الحيز واحدة والأمور المميزة حيثيات وعوارض تختلف باختلاف الإضافات والاعتبارات لا فصول منوعة بل ربما لا يوجب تعدد الأشخاص فإن الكون المشخص قد يكون اجتماعا بالنسبة إلى جوهر وافتراقا بالنسبة إلى آخر وحركة أو سكونا من جهة كونه مسبوقا بحصول في حيز آخر أو في ذلك الحيز بل حركة وسكونا إذا لم يشترط في السكون اللبث فإن قيل كيف يصح ذلك والمحققون من المتكلمين كالقاضي وأشياعه قد أطلقوا القول بتضاد الأكوان الأربعة قلنا مرادهم الأكوان المتمايزة في الوجود ومعنى التضاد مجرد امتناع الاجتماع ولو من جهة التماثل لأنهم احتجوا على ذلك بأن الكونين إن أوجبا تخصيص الجوهر بحيز واحد فهما متماثلان فلا يجتمعان كالحصول الأول والثاني في حيز واحد لأن كلا منهما يسد مسد الآخر في تخصيص الجوهر بذلك الحيز وإن أوجب كل منهما تخصيصه بحيز آخر فمتضادان ضرورة امتناع اجتماع حصول الجوهرين في آن واحد في حيزين فإن قيل أليس الجوهر الفرد المحفوف بستة جواهر على جهاته الست قد اجتمع فيه أكوان ستة هي مماساته لها فإن من منع ذلك ولم يجوز مماسة جوهر لآكثر من جوهر تفاديا عن لزوم التجزي فقد كابر مقتضى العقل بل الحس فإن تأليف الجسم من الجواهر عند من يقول بها لا يتصور بدون ذلك قلنا القائلون بتضاد الأكوان لا يجعلون المماسة منها بل أمرا اعتباريا ( قال المبحث الثاني ) يشير إلى أمرين اختلفوا في كل منهما أنها حركة أو سكون الأول حال الأجزاء الباطنة من الجسم المتحرك الثاني حال الجسم المستقر المتبدل محاذياته بواسطة حركة بعض ما يحيط به من الأجسام كالحجر المستقر على الأرض في الماء الجاري وكالطير الواقف في الجو عند هبوب الرياح والحق أن الأول حركة والثاني سكون بشهادة العقل والعرف وقد يستدل على الأول بأنه لو كان ساكنا مع حركة باقي الأجزاء لزم الانفكاك أي انفصال بعض الأجزاء عن البعض وبأن الأجزاء الباطنة في الأجزاء الظاهرة وهي في الحيز فتكون الباطنة أيضا فيه وقد انتقل منه إلى آخر وعلى الثاني بأنه لو كان متحركا لزم التحرك في حالة واحدة إلى جهتين مختلفتين عند اختلاف جهات حركات الأجسام المحيطة به عليه بأن يتحرك البعض عليه آخذا من يمنته إلى يسرته والبعض بالعكس والكل ضعيف احتج المخالف في الأول بأن الجزء الباطن لم يفارق حيزه الذي هو الأجزاء المحيطة به ولا حركة بدون مفارقة الحيز وأجيب بأن حيز الكل حيزه وقد فارقه وفي الثاني بأنه حصل في حيز هو ما يحيط به من الجواهر بعد الحصول في حيز آخر ولا معنى للحركة سوى هذا وبأنه قد تبدلت عليه محاذياته وهو نفس الحركة أو ملزومها وأجيب بأن حيزه البعد المفطور وهو بعد حاصل فيه ولوسلم فالحصول في الحيز الثاني إنما يكون حركة إذا كان بزواله عن الأول دون العكس وبأن تبدل المحاذيات إنما يستلزم الحركة إذا كان من جهة المتحيز بأن يزول من محاذاة إلى محاذاة فظهر أن الخلاف في الأول عائد إلى الخلاف في حيز الجزء الباطن أنه حيز الكل أعني البعد المشغول به أو الجواهر المحيطة به أم ماله خاصة من البعد أو الأجزاء المحيطة به وفي الثاني إلى الخلاف في أن الحيز هو البعد المفطور الذي لا يفارقه المستقر بتحرك الجواهر المحيطة وتبدل المحاذيات بذلك أم الجواهر المحيطة به على ما يناسب قول الفلاسفة من أنه السطح الباطن من الحاوي وعلى هذا التقدير هل يتوقف حصول الحركة على أن يكون مفارقة الحيز وتبدل المحاذيات من جهة المتحيز البتة أم يحصل بأن يزول الحيز عنه وعن محاذاته وعلى الأول تمتنع حركة الجسم في حالة واحدة إلى جهتين مختلفتين وعلى الثاني لا يمتنع كما إذا تحرك بعض الجواهر المحيطة يمنة والبعض يسرة على ما يلتزمه الأستاذ أبو إسحق وأن شدد غيره النكير عليه حقا فإن العقل جازم بأن ذلك ليس بحركة وإن حركة الجسم في حالة واحدة لا تكون إلى جهتين وما ذكر في المواقف من أن هذا نزاع في التسمية ليس على ما ينبغي لأن ما ذكره الأستاذ وغيره في بيان الحيز أو الحركة إنه هذا أو ذاك ليس اصطلاحا منهم على أنا نجعله اسما لذلك وإلا لما كان لجعله من المسائل العلمية والاستدلال عليه بالأدلة العقلية معنى بل تحقيقا للماهية التي وضع لفظ الحيز أو الحركة وما يرادفه من جميع اللغات بإزائها وإثبات ذاتياتها بعد تصورها لا بالحقيقة حتى يحكم بأن هذا في حيز وذاك في حيز آخر وإن هذا متحرك وذاك ساكن ( قال الطريق الثاني للفلاسفة ) والمبحث الأول منه غني عن الشرح وأما الثاني فبيانه أن بعض الفلاسفة فسر الحركة بالخروج من القوة إلى الفعل على التدريج أو يسيرا يسيرا أولا دفعة وبنى ذلك على أن معنى هذه الألفاظ واضح عند العقل من غير احتياج إلى تصور الزمان المفتقر إلى تصور الحركة ونظر بعضهم إلى أن معنى التدريج أن لا يكون دفعة ومعنى الحصول دفعة أن يكون في آن وهو ظرف الزمان وهو مقدار الحركة فيكون التعريف دوريا ففسرها بأنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة والمراد بالكمال ههنا حصول مالم يكن حاصلا ولا خفاء في أن الحركة أمر ممكن الحصول للجسم فيكون حصولها كمالا واحترز بقيد الأولية عن الوصول فإن الجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في مكان آخر كان له إمكانان إمكان الحصول في ذلك المكان وإمكان التوجه إليه وهما كمالان فالتوجه مقدم على الأصول فهو كمال أول والوصول كمال ثان ثم إن الحركة تفارق سائر الكمالات من حيث أنها لا حقيقة لها إلا التأدي إلى الغير والسلوك إليه فلا بد من مطلوب ممكن الحصول ليكون التوجه توجها إليه ومن أن يبقى من ذلك التوجه ما دام موجودا شيء بالقوة إذ لا توجه بعد الوصول فحقيقة الحركة متعلقة بأن يبقى منها شيء بالقوة وبأن لا يكون المتأدى إليه حاصلا بالفعل فتكون الحركة بالفعل كمالا للجسم المتحرك الذي هو بالقوة من جهة التأدي إلى المقصود الذي هو الحصول في المكان المطلوب فيكون كمالا أول لما بالقوة لكن من جهة أنه بالقوة لا من جهة أنه بالفعل ولا من جهة أخرى فإن الحركة لا تكون كمالا للجسم في جسميته أو في شكله أو نحو ذلك بل من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة أعني الحصول في المكان الآخر واحترز بهذا عن كمالاته التي ليست كذلك كالصورة النوعية فإنها كمال أول للمتحرك الذي لم يصل إلى المقصد لكن لا من حيث هو بالقوة بل من حيث هو بالفعل واعترض
Translation
الجزء 96
#97 Chapter 97 — الجزء 97 · ref. #97
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
أولا بأن ماهية الحركة وإن لم تكن بديهية واضحة عند العقل لكن لا خفاء في أن ما ذكر في هذا التعريف ليس بأوضح منها بل أخفى
وثانيا بأنه لا يصدق على الحركة المستديرة إذ لا منتهى لها بالفعل فلا يتحقق كمال أول وثان وأجيب بأن هذا ليس تعريفا للحركة يقصد بها تمييزها عما عداها أو تحصيل صورتها عند العقل بل هو تلخيص وتبيين للمعنى المسمى بالحركة أينية كانت أو غير أينية فلا يضره كون تصوره أخفى من تصور ماهية الحركة ولا كون الكمال الأول والثاني في بعض أقسام الحركة أعني المستديرة بمجرد الفرض والاعتبار دون الفعل والحقيقة وذلك لأن كل نقطة تفرض فحال الجسم المتحرك على الاستدارة بالنسبة إليها من حيث طلبها بوجه فيكون كمالا أول ومن حيث الحصول عندها وصول فيكون كمالا ثانيا ( قال وحاصل هذا المعنى ) يشير إلى أن ما ذكر بيان للمعنى المحقق الموجود من الحركة فإن لفظ الحركة يطلق على معنيين أحدهما كيفية بها يكون للجسم توسط بين المبدأ والمنتهي بحيث لا يكون قبله ولا بعده وهي حالة مستمرة غير مستقرة أي يوجد للمتحرك ما دام متحركا ولا يجتمع متقدمه مع متأخره وبها يحصل الجسم في حيز بعدما كان في حيز آخر وحقيقته كون في الوسط ينقسم إلى أكوان بحسب الفرض والتوهم وهو في نفسه واحد متصل على قياس المسافة والزمان فيما يفرض من حدود المسافة لئلا يلزم تركب الحركة من أجزاء لا تتجزأ وثانيهما الأمر المتصل المعقول للمتحرك من المبدأ إلى المنتهى والحركة بهذا المعنى لا وجود لها في الأعيان لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى لم توجد الحركة بتمامها فإذا انتهى فقد انقطعت الحركة وبطلت بل في الأذهان لأن للمتحرك نسبة إلى المكان الذي تركه وإلى المكان الذي أدركه فإذا ارتسمت في الخيال صورة كونه في المكان الأول ثم ارتسمت قبل زوالها عن الخيال صورة كونه في المكان الثاني فقد اجتمعت الصورتان في الخيال وحينئذ يشعر الذهن بالصورتين معا على أنهما شيء واحد وأما بالمعنى الأول فوجودها ضروري يشهد به الحس فإن قيل الحكم بالوجود في الخارج إما أن يكون على الماضي من الحركة أو على الآتي أو علي الحاضر والكل باطل إما الماضي والآني فظاهر وإما الحاضر فلأنه إن لم يكن منقسما لزم الجزء الذي لا يتجزأ لانطباق الحركة على المسافة وإن كان منقسما عاد الكلام وأجيب بأنا لا نسلم أنه لا وجود للماضي والآني غاية الأمر أنه لا وجود لهما في الحال وهو لا يستلزم العدم مطلقا وكيف لا يكون لهما وجود ومعنى الماضي ما فات بعد الوجود والآتي ما يحصل له الوجود ( قال المبحث الثالث ) الحركة تفتقر إلى ستة أمور
( 1 ) ما منه الحركة وهو المبدأ
( 2 ) ما إليه الحركة وهو المنتهى
Translation
الجزء 97
#98 Chapter 98 — الجزء 98 · ref. #98
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
( 3 ) ما فيه الحركة وهو المقولة أي الجنس العالي الذي ينتقل المتحرك من نوع منه إلى نوع آخر أو من صنف من نوع إلى صنف آخر
( 4 ) ما به الحركة أي سببها الفاعلي وهو المحرك
( 5 ) ماله الحركة أي سببها المادي وهو المتحرك
( 6 ) الزمان الذي يقع فيه الحركة وهذا التعلق بالزمان غير تعلق الحركة التي منها الزمان لأن الحركة هناك بمنزلة المتبوع لكونها معروضا للزمان وههنا بمنزلة التابع لكونها واقعة فيه مقدرة به
Translation
الجزء 98
#99 Chapter 99 — الجزء 99 · ref. #99
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
أما المبدأ والمنتهى فلكل منهما ذات وعارض أعني وصف كونه مبدأ ومنتهى والعارضان قد يعتبران بالقياس إلى الحركة وهو قياس تضايف لأن المبدأ مبدأ الذي المبدأ وبالعكس وكذا المنتهى وقد يعتبر كل منهما بالقياس إلى الآخر فيتضادان إذ لا خفاء في تقابلهما وليس من عقل للشيء مبدأ عقل له منتهى ولا بالعكس وليس أحدهما عدما للآخر فلم يبق إلا التضاد والمعروضان يتضادان باعتبار هذا العارض سواء كانا متحدين بالذات كما في الحركة المستديرة إذ كل نقطة تعرض من مسافتها فهي مبدأ ومنتهى باعتبارين وبحسب آنين أو متغايرين متضادين بالذات كما في الحركة من البياض إلى السواد وكما في الحركة من غاية الذبول إلى غاية النمو أو باعتبار عارض آخر كما في الحركة من المركز إلى المحيط المتضادين من جهة كون الأول غاية البعد عن الفلك والثاني غاية القرب منه أو غير متضادين بوجه آخر كما في الحركة من نقطة من المسافة إلى نقطة أخرى ( قال وأما المقولة ) أي ما تنسب إليه الحركة من المقولات العشر أعني الجنس العالي الذي يتغير الموضوع بالتدريج من نوع منه إلى نوع أخر أو من صنف من نوع منه إلى صنف آخر واقتصر الإمام على التغير من صنف من المقولة إلى صنف آخر أي سواء كانا من نوعين أو من نوع والحركة الوضعية مما صرح به الفارابي وإن كان في كلام ابن سينا ما يوهم أنه تفرد بالاطلاع عليها وبالجملة فالذي يحققها هو أن للفلك حركة لا يخرج بها عن مكانه وإنما يتبدل بالتدريج نسبة أجزائه إلى أمور خارجة عنه أما محوية فقط كما في الفلك الأعظم وإما حاوية ومحوية كما في غيره فتتبدل الهيئة الحاصلة بسبب تلك النسبة وهو الوضع ولا نعني بالحركة في الوضع إلا التغير من وضع إلى وضع على التدريج من غير تبدل المكان فإن قيل كل جزء قد خرج عن مكانه فكذا الكل لأنه ليس إلا مجموع الأجزاء قلنا لو سلم أن هناك أجزاء بالفعل فثبوت الحكم لكل جزء لا يستلزم ثبوته بمجموع الأجزاء كما مر غير مرة على أن ما ذكر لا يتم في الفلك الأعظم عند من لا يثبت له المكان بناء على أن المكان هو السطح الباطن من الحاوي ولا حاوي له فإن قيل الثابت بالدليل من حركات الأفلاك وبالمشاهدة من حركة الكرة على نفسها ليس إلا تبدل نسبة الأجزاء المفروضة وإذا لم يكن ثبوت الحكم لكل جزء مستلزما لثبوته للكل فلا نسلم أن للفلك أو الكرة حركة وتبدل وضع قلنا هو ضروري فإنه لا معنى لوضع الكل إلا هيئة نسبة أجزائه بعضها إلى البعض وإلى الأمور الخارجة ولا معنى لحركته في الوضع إلا تبدل ذلك على التدريج هذا ولكن يؤول الحاصل إلى أن الحركة الأينية للأجزاء الفرضية حركة وضعية بالإضافة إلى الكل ( قال الثالثة الكم ) الحركة في الكم تقع باعتبارين
أحدهما النمو والذبول
Translation
الجزء 99
#100 Chapter 100 — الجزء 100 · ref. #100
Sharh al-Maqasid fi 'Ilm al-Kalam
Arabic text Aqeedah
وثانيهما التخلخل والتكاثف ويقال في بيان ذلك أن الانتقال في الكم إما أن يكون من النقصان إلى الزيادة أو من الزيادة إلى النقصان والأول إما أن يكون بورود مادة يزيد في كمية الجسم وهو النمو أو بدونه وهو التخلخل كما في هواء باطن القارورة عند مصها والثاني إما أن يكون بنقصان جزء وهو الذبول كما في المدقوق أو بدونه وهو التكاثف كما في هواء باطن القارورة عند النفخ فيها ويتمسكون في إمكان التخلخل والتكاثف بأن الجسم مركب من الهيولي والصورة والهيولي لا مقدار لها في نفسها وإنما هي قابلة للمقادير المختلفة بحسب ما سبق من الأسباب المعدة فيجوز أن ينتقل من المقدار الصغير إلى الكبير وهو التخلخل وبالعكس وهو التكاثف وإنما بنوا ذلك على الهيولي لأنها عندهم محض قابل يتوارد عليه الصور والمقادير المختلفة من غير أن يقتضي معينا من ذلك بخلاف ما إذا جعل الجسم بسيطا واحدا متصلا في نفسه كما هو عند الحس فإنه ربما يختص كل جسم بمقدار معين لا ينتقل عنه وبهذا يندفع ما ذكره الإمام من أنه لا حاجة في ذلك إلى إثبات الهيولي بل يتأتى على رأي من يجعل المقدار زائدا على الجسم عرضا قائما به سواء كان هو بسيطا أو مركبا من الهيولي والصورة لأن نسبته إلى جميع المقادير على السوية كالهيولي ولأنه إذا كان بسيطا كان الجزء والكل متساويين في الطبيعة والحقيقة فجاز اتصاف كل منهما بمقدار الآخر مالم يمنع مانع وانتقال الجزء إلى مقدار الكل تخلخل وعكسه تكاثف نعم لا بد في ذلك من أن يصير الجزء منفصلا إذ مع كونه جزء يمتنع أن يكون على مقدار الكل ضرورة وإما الاعتراض بأنه لو جاز ذلك لجاز أن تصير القطرة على مقدار البحر وبالعكس فجوابه بعد تسليم استحالة ذلك أن انتقال الجسم عن مقداره يكون لا محالة بقاسر فجاز أن يكون للقسر حد معين لا يمكن تجاوزه كما جاز على القول بالهيولي أن يكون لكل مادة حظ من المقدار لا يتجاوزه وبالجملة فالمقصود بيان إمكان التخلخل والتكاثف وهو لا ينافي الامتناع في بعض الصور لمانع على أن اشتراط الانفصال في إمكان انتقال الجزء إلى مقدار الكل محل نظر دقيق وقد يستدل على الوقوع بأن الماء إذا تجمد يصغر مقداره وهو تكاثف والجمد إذا ذاب يعظم مقداره وهو تخلخل وبأن القارورة إذا مصت خرج منها هواء كثير فلو لم يتخلخل الباقي لزم الخلاء وإذا نفخت فيها دخلها هواء كثير فلو لم يتكاثف لزم التداخل أعني اشتغال حيز واحد بجسمين وهو ضروري الاستحالة ( قال وقد يقال ) يعني قد يراد بالتخلخل الانفشاش أي تباعد أجزاء الجسم بحيث تداخلها جسم غريب كالهواء وبالتكاثف الاندماج أي تقارب الأجزاء بحيث يخرج ما بينها من الجسم القريب وهما من قبيل الوضع لرجوعهما إلى هيئة نسبة الأجزاء بعضها إلى البعض ثم لا يخفى أن هذا الانتقال بالنظر إلى الأجزاء حركة أينية وأما بالنسبة إلى الكل فحركة في الكم على طريق النمو وإن لم يكن نموا وفي الوضع بحسب الداخل حيث تبدلت نسبة الأجزاء بعضها مع البعض كما للفلك بحسب الخارج حيث تبدلت نسبتها إلى الأمور الخارجة فإن قيل فعلى الأول لا تنحصر الحركة في الكم في الاعتبارات الأربعة قلنا لا كلام في عدم الانحصار وفي أن قولنا الانتقال من النقصان إلى الزيادة لورود المادة نمو ليس على إطلاقه وإلى هذا يشير قولنا وقد يكون ازدياد المقدار بورود المادة لا على تناسب طبيعي وهو الورم أو على تناسب طبيعي لكن لا في جميع الأقطار وهو السمن فإنه وإن كان ازديادا طبيعيا بانضياف مادة الغذاء إلى المتغذي كالنمو لكنه لا يكون في الطول على تلك النسبة ولا يختص بوقت معين ولا يكون له غاية ما يقصدها الطبع بخلاف النمو ومقابل السمن هو الهزال فيكون انتقاصا طبيعيا لكن لا في جيمع الأقطار وقد يقال له الذبول أيضا وتحقيق الكلام إنه إذا ورد على الجسم ما يزيد في مقداره فإذا أحدثت الزيادة منافذ في الأصل فدخلت فيها واشتبهت بطبيعة الأصل واندفعت أجزاء الأصل إلى جميع الأقطار على نسبة واحدة في نوعه فذلك هو النمو وزواله بسبب انفصال تلك الأجزاء عن أجزاء الأصل هو الذبول وإذا لم يقو الغذاء على تفريق الأجزاء الأصلية والنفوذ فيها بل انضم إليها من غير أن تتحرك الأعضاء الأصلية إلى الزيادة وإن كان الجسم متحركا إلى الزيادة في الجملة فذلك هو السمن وانتقاصه الهزال فالمخصوص باسم النمو والذبول حركة الأعضاء الأصلية ( قال الرابعة ) يعني من المقولات التي يقع فيها الحركة الكيف ويسمى استحالة وذلك كانتقال العنب من البياض إلى السواد وانتقال الماء من البرودة إلى الحرارة شيئا فشيئا على التدريج وأنكر بعضهم ذلك فمنهم من زعم أن في الماء مثلا أجزاء نارية كامنة تبرز بالأسباب الخارجة فيحس بالحرارة ومنهم من زعم أنه يرد عليه من الخارج أجزاء نارية ومنهم من زعم أن بعض أجزائه يصير نارا بطريق الكون والفساد والكل فاسد بدلائل وإمارات ربما تلحق الحكم بالضروريات على ما فصل في المطولات أدناها أن جبلا من كبريت يشتعل بقدر يسير من النار فلو كان ذلك لظهور الأجزاء النارية الكامنة لكانت لكثرتها أولى بأن يشتعلها ويحس بها أو الواردة لكانت بقدر الوارد وإن حرارة الماء الشديد السخونة لو كانت بانقلاب بعض أجزائه نارا من غير استحالة لفارقته تلك النارية صاعدة بطبعها أو انطفت ببرد الماء ورطوبته فلم يحس بها على إنك ستعرف في بحث الكون والفساد أن الماء لا يصير نارا لا بعد صيرورته هواء وحينئذ يتصعد بطريق البخار ( قال والحق ) قد سبقت إشارة إلى أن الحركة الوضعية عائدة إلى الحركة الأينية فههنا يريد نفي الحركة في الكم والكيف مع التنبيه على منشأ توهمهما وذلك إنا نجد الجسم ينتقل على سبيل التدريج من كمية إلى كمية أخرى أزيد أو أنقص ومن كيفية إلى كيفية أخرى تضاد الأولى أو تماثلها من غير أن يظهر لنا تفاصيل ذلك وأزمنة وجود كل منها فنتوهم أن ذلك حركة إذ لا نعقل من الحركة إلا تغيرا على التدريج لكن لا حركة عند التحقيق لأن معنى التدريج المعتبر في الحركة أن لا يكون دفعة لا بحسب الذات ولا بحسب الأجزاء والانتقال ههنا إنما هو دفعات يتوهم من اجتماعها التدريج لأن ما بين المبدأ والمنتهى من مراتب الكميات أو الكيفيات متمايزة بالفعل ينتقل الجسم من كل منها إلى آخر دفعة كما في صيرورة الأرض ماء ثم هواء ثم نارا مع الاتفاق على أن مجموع ذلك ليس حركة جوهرية من الأرض إلى النار لظهور تفاصيل المراتب وأزمنة وجوداتها ويدل على نفي الحركة في الأمور المتمايزة بالفعل سواء كانت كميات أو كيفيات أو جواهر أن الوسط بين المبدأ والمنتهى إن كان واحدا فظاهر أنه لا حركة وإن كان كثيرا فتلك الكثرة سواء كان اختلافها بالنوع أو بالعدد إما أن تكون غير متناهية وهو محال ضرورة كونها محصورة بين حاصرين وإما أن تكون متناهية وهو يستلزم تركب الحركة من أمور لا تقبل القسمة إذ لو انقسمت إلى أمور متغايرة تنقل الكلام إلى كل واحد منها وهلم جرا فيكون ما فرض متناهيا غير متناه هف وتركب الحركة مما لا يقبل الانقسام باطل لاستلزامه وجود الجزء الذي لا يتجزأ وكون البطء لتخلل السكتات أما الأول فلانطباق الحركة على ما فيه الحركة وأما الثاني فلأن السريع إذا تحرك جزءا فالبطيء إن تحرك مثله دائما لزم تساويهما أو أكثر لزم كونه أسرع أو أقل لزم انقسام مالا ينقسم فلم يبق إلا أن يكون له فيما بين أجزاء الحركة سكنات وسيجيء بيان بطلان اللازمين وهذا بخلاف الحركة الأينية فإن الوسط الذي بين المبدأ والمنتهى أعني امتداد المسافة واحد بالفعل يقبل بحسب الفرض انقسامات غير متناهية فإن قيل يجوز أن يكون كل واحد من تلك الآحاد المتناهية قابلا لانقسامات غير متناهية فلا يلزم تركب الحركة مما لايقبل الانقسام قلنا هذا غير مفيد إذ التقدير أن الانتقال إلى كل من تلك الآحاد دفعي والحاصل أن امتناع تركب الحركة مما لا ينقسم يقتضي أن يكون امتدادها الموهوم منطبقا على أمر قابل لانقسامات غير متناهية على ما هو شأن الكم المتصل سواء كان عارضا بجسم واحد كما في الحركة في الماء أو لأجسام مختلفة كما في الحركة من الأرض إلى السماء لا على كم منفصل متناهي الآحاد سواء كان معروضه جوهرا أو كما متصلا أو كيفا أو غير ذلك وبهذا يندفع ما يتوهم من أنه إذا جازت الحركة في المسافة لكونها معروضة لما يقبل الانقسام لا إلى نهاية ففي الكم القابل لذلك بحسب ذاته أولى ( قال ولا يثبت للحركة في باقي المقولات ) يعني لا دليل على ثبوت الحركة في الجوهر والمتى والإضافة والملك وأن يفعل وأن ينفعل بل ربما يقام الدليل على نفيها أما الجوهر فلأنه بعد ثبوت الكون وتوارد الصور على المادة الواحدة فالانتقال إلى كل منها دفعي لأن الجوهر لا يقبل الأشداد فلا يكون حدوثه على التدريج وذلك لأنه لو قبل الاشتداد فإما أن يبقى في وسط الاشتداد نوع الجوهر الذي منه الانتقال فلا يكون التغير فيه بل في لوازمه أو لا يبقى فيكون ذلك انتفاء لااشتدادا وهذا منقوض بالحركة في الكيف وقد يحتج بأن المتحرك لا بد أن يكون موجودا والمادة وحدها غير موجودة لما سيجيء من امتناع وجودها بدون الصورة وتحقيقه أن الحركة في الصور إنما تكون بتعاقب الصور على المادة بحيث لا تبقى صورة زمانا وعدم الصورة توجب عدم المادة لكونها مقومة للمادة بخلاف الكيف فإن عدمه لا يوجب عدم المحل وجوابه ما سيجيء من أن تقوم المادة إنما هو بصورة ما فعدم الصورة المعينة إنما يوجب عدمها لو لم يستعقب حدوث صورة أخرى وأما ما قيل من أن تغيرات الجواهر أعني الأجسام بصورها لا تقع في زمان لأن الصور لا تشتد ولا تضعف بل تقع في آن وتغيراتها بكيفياتها وكمياتها وألوانها وأوضاعها تقع في زمان لأنها تشتد وتضعف ومعنى الاشتداد هو اعتبار المحل الواحد الثابت بالقياس إلى حال فيه غير قار تتبدل نوعيته إذا قيس ما يوجد فيه في آن ما إلى ما يوجد في آن آخر بحيث يكون ما يوجد في كل آن متوسطا بين ما يوجد في الآنين المحيطين به ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقوم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجددات إلى غاية ما ومعنى الضعف هو ذلك المعنى بعينه إلا أنه يوجد في آن آخر من حيث هو متصرف بها عن تلك الغاية فالأخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد المتصرم ولا شك أن مثل هذا الحال يكون عرضا لتقوم المحل دون كل واحدة من تلك الهويات وأما الحال الذي تتبدل هوية المحل المتقوم بتبدله وهي الصورة فلا يتصور فيها اشتداد ولا ضعف لامتناع تبدلها على شيء واحد متقوم يكون هو هو في الحالين فجمع بين الوجهين مع تفصيل وتحقيق ويرد عليه ما سبق مع أنا لانم تبدل هوية المادة تبدل الصورة وقد صرح ابن سينا بأن الوحدة الشخصية للمادة مستحفظة بالوحدة النوعية للصورة لا بالوحدة الشخصية وأما المتى فذكر في النحاة أنه لا بد للحركة من متى فلو وقعت حركة في المتى لكان للمتى متى وهو باطل وذكر في الشفاء أن الانتقال فيه دفعي لأن الانتقال من سنة إلى سنة ومن شهر إلى شهر يكون دفعة ثم قال ويشبه أن يكون حالة كحال الإضافة في أن الانتقال لا يكون فيه بل يكون الانتقال الأول في كم أو كيف ويكون الزمان لازما لذلك التغير فيعرض بسببه فيه التبدل كما أن الإضافة طبيعة غير مستقلة بل تابعة لغيرها فإن كان المتبوع قابلا للأشد والأنقص فكذا الإضافة إذ لو بقيت غير متغيرة عند تغير شيوعها لزم استقلالها قال الإمام وهذا هو الحق لأن متى نسبة إلى الزمان والنسبة طبيعة غير مستقلة فهي تابعة لمعروضها في التبدل والاستقرار وكذا الملك لأنها مقولة نسبية وقيل لأنها توجد دفعة ثم قال وأما أن يفعل وأن ينفعل فأثبت بعضهم فيهما الحركة والحق بطلانه أما أن يفعل فلأن الشيء إذا انتقل من التبرد إلى التسخن مثلا فإن كان التبرد باقيا لزم التوجه إلى الضدين أعني البرودة والسخونة في زمان واحد وإن لم يكن باقيا بل إنما وجد التسخن بعد وقوف التبرد وبينهما زمان سكون لا محالة فليس هناك انتقال من التبرد إلى التسخن على الاستمرار وما يقال من أن الشيء قد ينسلخ عن اتصافه بالفعل يسيرا يسيرا لا من جهة ينقص قبول الموضوع لتمام ذلك الفعل بل من جهة هيئته فذلك عائد إلى أن فتور القوة أو انفساخ العزيمة أو كلال الآلة تكون يسيرا يسيرا أو بتبعية ذلك يحصل التبدل في الفاعلية فما يوهم من التغير التدريجي في أن يفعل نفسه إنما هو فيما يتم به الفعل كما إذا توهم في أن ينفعل بناء على تحققه فيما يتم به الانفعال كالقابل وهذا ما قال في المواقف الحق أنها تبع الحركة أما في القوة إرادية كانت أو طبيعية أو في الآلة وأما في القابل وأتى في القابل بلفظ أما دون أو تنبيها على ما ذكرنا فإن قيل ما ذكر في الإضافة من عدم استقلالها لكونها من الأعراض النسبية كاف في الجميع على ما أشار إليه الإمام ولا حاجة إلى ما ذكروا من التطويل والتفصيل قلنا ليس معنى عدم استقلال الإضافة مجرد كونها نسبية وإلا انتفض بالاين والوضع بل معناه كونها تابعة لمعروضها في الأحكام ولهذا قال ابن سينا بعد إثبات التضاد في الاين والمتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل أن التضاد لا يعرض الإضافة لأن الإضافات طبايع غير مستقلة بأنفسها فيمتنع أن يعرض لها التضاد لأن أقل درجات المعروض أن يكون مستقلا بتلك المعروضية وأما كون الأحر ضدا للأبرد كالحار للبارد فلأن الإضافة لما كانت طبيعية غير مستقلة بل تابعة لمعروضها وجب أن يكون في هذا الحكم أيضا تابعة وإلا لكانت مستقلة فيه ( قال وأما المتحرك ) غني عن الشرح ( قال وأما المحرك ) يريد انقسام الحركة بالذات إلى الأقسام الثلاثة وأما مطلق الحركة فينقسم إلى أربعة عرضية وقسرية وإرادية وطبيعية وإن كانت العرضية لاتخ عن الأقسام الثلاثة ولهذا قيل الحركة إن كانت تبعا لحركة جسم آخر فعرضية وإلا فإن كان محركها موجودا في غير الجسم المتحرك فقسرية وإن كان موجودا فيه نفسه فإن كان من شأنه الشعور والقصد فإرادية وإلا فطبيعية والمراد بكون المحرك في المتحرك أعم من أن يكون جزأ منه أو متعلقا به التعلق المخصوص كتعلق النفوس الإنسانية بأبدانها والنفوس الفلكية بأفلاكها فيعم تحرك الحجر هبوطا والإنسان يمنة ويسرة والفلك استدارة فإن قيل فعلى رأي من يجعل الممكنات كلها مستندة إلى الله تعالى ابتداء هل يتأتى هذا التقسيم أم تكون الحركات كلها قسرية قلنا بل يتأتى بأن يراد بالمحرك ما جرت العادة بخلق الحركة معه كما يفصح عنه وصفهم بعض الحركات بكونه اختياريا ( قال فحركة النفس إرادية ) قد أشكل الأمر في بعض الحركات أنها من أي قسم من الأقسام الثلاثة لا سيما حركة النبض فقد كثر اختلاف الناس في أنها طبيعية أو إرادية وعلى التقديرين فأينية أو وضعية أو كمية ولكل من الفرق تمسكات مذكورة في المطولات سيما شروح الكليات ونحن نقتصر على ذكر ما هو أقرب وأصوب فنقول أما حركة النفس فإرادية باعتبار طبيعية باعتبار على ما قال بعض المتأخرين من الحكماء أنها تتعلق بالإرادة من حيث وقوع كل نفس في زمان يتمكن المتنفس من أن يقدمه على ذلك الزمان وأن يؤخره منه بحسب إرادته لكنها لا تتعلق بالإرادة من حيث الاحتياج الضروري إليها فهو طبيعي من حيث الحاجة إلى مطلق التنفس وإرادي من حيث إمكان تغير التنفسات الجزئية عن أوقات تقتضيها الحاجة ويكون وقوعها في تلك الأوقات على مجراها الطبيعي وهذا معنى ما قال صاحب القانون أن حركة التنفس إرادية يمكن أن تغير عن مجراها الطبيعي والاعتراض بأنه لا إرادة للنائم فيلزم أن لا يتنفس ليس بشيء لأن النائم يفعل الحركات الإرادية لكن لا يشعر بإرادته ولا يتذكر شعوره ولذلك قد تحرك الأعضاء بسبب الملالة عن بعض الأوضاع ويحكها عند الحاجة إلى الحك ولا يشعر بذلك وأما حركة النمو فظاهر أنها طبيعية إذ طبيعة النامي تقتضي الزيادة في الأقطار عند ورود الغذاء ونفوذه فيما بين الأجزاء وكذا النبض عند المحققين فإنها ليست بحسب القصد والإرادة ولا بحسب قاسر من خارج بل بما في القلب من القوة الحيوانية وميل الجمهور إلى أنها مكانية وقيل بل وضعية وقيل كمية فإن قيل الحركة الطبيعية لا تكون إلا إلى جهة واحدة بل لا تكون إلا صاعدة أو هابطة على ما صرحوا به قلنا ذلك إنما هو في البسائط العنصرية وأما الطبيعية النباتية أو الحيوانية فقد تفعل حركات إلى جهات وغايات مختلفة وطبيعة القلب والشرايين من شأنها للروح إحداث حركة فيها من المركز إلى المحيط وهي الانبساط وأخرى من المحيط إلى المركز وهي الانقباض لكن ليس الغرض من الانبساط تحصيل المحيط ليلزم الوقوف ويمتنع العود بل جذب الهواء البارد المصلح لمزاج الروح ولا من الانقباض تحصيل المركز بل دفع الهواء المفسد للمزاج والاحتياج إلى هذين الأمرين مما يتعاقب لحظة فلحظة فيتعاقب الآثار المتضادة عن القوة الواحدة ( قال ومنهم ) يعني هرب بعضهم عن الأشكال المذكورة بمنع انحصار الحركة بالذات في الأقسام الثلاثة وجعل طريق القسمة أن الحركة إما ذاتية أو عارضة والذاتية إن كانت على نهج واحد فبسيطة وإلا فمركبة والبسيطة إن كانت تابعة لإرادة فإرادية كحركة الفلك وإلا فطبيعية كالحركة الهابطة للحجر النازل من الهواء والمركبة إن لم يكن من خواص الحيوانات فنباتية كالنمو وإن كانت فإما أن تكون تابعة للإرادة وهي الإرادية كالشيء أو لا وهي التسخرية كالنبض والعارضة إن كان المحرك كجزء من المتحرك فعرضية إرادية أو مكانا له بالطبع فعرضية طبيعية وإلا فقسرية ( قال ثم العلة ) يعني أن الحركة الطبيعية في البسائط العنصرية وإن كانت على نهج واحد بمعنى كونها إلى الحيز الطبيعي لكنها قد تختلف بحسب الأحوال كصعود الماء إذا وقع تحت الأرض وهبوطه إذا وقع فوق الهواء بيان ذلك أن العلة للحركة الطبيعية ليست هي الجسمية المشتركة بين الأجسام وإلا لزم دوام الحركة وعمومها للأجسام واتحاد جهة الحركات الطبيعية ضرورة تحقق المعلول عند تحقق العلة وليست أيضا الطبيعية المختصة بذلك الجسم وإلا لزم دوام الحركة لما ذكرنا بل هي الطبيعة الخاصة بشرط مقارنة أمر غير طبيعي هو زوال حالة ملائمة فيتحرك الجسم بطبعه طلبا لتلك الحالة الملائمة ويقف لطبعه عند الوصول إليه ثم لا خفاء في أن الأحوال الملائمة بطبايع الأجسام مختلفة بحسب اختلاف الطبايع مثلا الحالة الملائمة للأرض أن تكون تحت الماء والهواء والنار وللماء أن يكون فوقها وتحت الأخيرين وعلى هذا القياس فمن ههنا يختلف جهات الحركة ولما كانت الحركة لطلب الحالة الملائمة لا لمجرد الهرب عن الحالة الغير الملائمة كانت أولوية الجهة التي إليها الحركة ظاهرة ولا خفاء في أن معنى طلب الحالة الملائمة ههنا التوجه إليها بحيث إذا حصل الوصول إليها حصل الوقوف كما في الغايات الإرادية كما أن معنى الهرب عن الحالة الغير الملايمة الانصراف عنها فلا يختص هذا بالحركة الإرادية كما يتوهم من ظاهر معناهما اللغوي الموقوف على الشعور والإدراك ثم لما كان زوال الحالة الملائمة كحصول الماء في حيزه مثلا قد يكون بخروجه قسرا إلى فوق فيتوجه عند زوال القاسر إلى تحت وقد يكون بالعكس فبالعكس جاز في الحركة الطبيعية بجسم واحد أن يختلف جهتها فتارة يكون إلى فوق وتارة إلى تحت ( قال المبحث الرابع ) اختلال الحركات قد يكون بالماهية وقد يكون بالعوارض واتحادها قد يكون بالشخص وقد يكون بالنوع وقد يكون بالجنس ثم قد يوصف بالتضاد وقد يوصف بالانقسام فيشير في هذا المبحث إلى بيان ماهية الحركة وقد سبق أن الحركة تتعلق بأمور ستة فاتفقوا على أن تعلقها بثلاثة منها وهي ما فيه وما منه وما إليه بمنزلة الذاتي يختلف باختلافه ماهية الحركة وتعلقها بالثلاثة الباقية بمنزلة العرضي لا يختلف باختلافه ماهية الحركة بل باختلاف المحرك لا يختلف هويتها أيضا فبنوا على ذلك أنه إذا اتحد المبدأ والمنتهى وما فيه الحركة اتحدت الحركة بالنوع وإن اختلف المتحرك أو المحرك أو الزمان لأن تنوع المعروضات أو الأسباب لا يوجب تنوع العوارض والمسببات لجواز قيام نوع منها كالحرارة بموضوعين مختلفي الماهية كالإنسان والفرس وحصوله لمؤثرين مختلفين كالنار والشمس وبهذا يظهر أن لا أثر للاختلاف بالقسر والطبع والإرادة فالحركة الصاعدة للنار طبعا وللحجر قسرا وللطير إرادة لا تختلف نوعا وأما الأزمنة فلا يتصور فيها اختلاف الماهية ولو فرض فلا خفاء في جواز إحاطتها بحقيقة واحدة والتمسك بأنها عارضة للحركة واختلاف العارض لا يوجب اختلاف المعروض ضعيف لما سبق من أن هذا التعلق بالزمان غير تعلق الحركة التي جعل الزمان عارضا لها فإنها إنما هي حركة الفلك الأعظم وإذا اختلف المبدأ والمنتهى اختلفت الحركة وإن كان ما فيه واحدا أما في الأين فكالحركة الصاعدة مع الهابطة وأما في الكيف فكالحركة من البياض إلى السواد على طريق التصفر ثم التحمر ثم التسود مع الحركة من السواد إلى البياض على طريق التحمر ثم التصفر ثم التبيض وكذا إذا اختلف ما فيه وإن اتحد المبدأ والمنتهى كالحركة من نقطة إلى نقطة على الاستقامة معها على الانحناء وكالحركة من البياض إلى السواد على طريق الأخذ في الصفرة ثم الحمرة ثم السواد معها على طريق الأخذ في الخضرة ثم النيلية ثم السواد وما ذكر في المواقف من أنه لا بد من وحدة ما فيه وما منه وما إليه إذ لو اختلف ما فيه اختلف النوع كالتسخن والتسود ليس على ما ينبغي لأن هذا إنما يصح للتمثيل دون التعليل وكأنه أراد أنه يختلف النوع عند اختلاف مجرد ما فيه كما يختلف عند اختلاف الأمور الثلاثة مثل التسخن والتسود أو كان الأصل كالتسخن والتبرد فصحف إلى التسود وأما وحدة الحركة بالتشخص فلا بد فيها من وحدة الأمور الستة سوى المحرك للقطع بأن حركة زيد غير حركة عمرو وحركة زيد اليوم غير حركته أمس وحركته من هذا الموضع غير حركته من موضع آخر وحركته من نقطة معينة إلى نقطة غير حركته منها إلى نقطة أخرى وحركته من نقطة إلى نقطة أخرى بطريق الاستقامة غيرها بطريق الانحناء وكذا في الكم والكيف والوضع لكن لا خفاء في أن وحدة ما فيه أعني وحدته الشخصية تستلزم وحدة ما منه وما إليه من غير عكس فلهذا يكتفى بوحدة الموضوع والزمان وما فيه لا يقال ينبغي أن يكتفى بوحدة الموضوع والزمان لاستلزامها وحدة المسافة ضرورة أن حركة زيد في زمان معين لا تكون إلا في مسافة معينة لأنا نقول هذا إنما يكون عند اتحاد جنس الحركة وإلا فيجوز أن ينتقل في زمان معين من أين إلى أين ومن وضع إلى وضع ومن مقدار إلى مقدار ومن كيف إلى كيف بل ومع اتحاد الجنس أيضا لا يصح على الإطلاق لجواز النمو والتخلخل والتسخن والتسود في زمان واحد وأما وحدة المحرك فلا عبرة بها في وحدة الحركة لأن الحركة الواحدة التي لا يكثر فيها بالفعل أصلا قد يقع بمؤثرات متعددة كحركة الجسم في المسافة بتلاحق الجواذب وحركة الماء في الحرارة بتلاحق النيران ولا يلزم من ذلك اجتماع المؤثرين على أثر واحد لأن تأثير كل إنما يكون في أمر آخر هو بمنزلة البعض من الحركة وهذا التبعض والتجزي لا يقدح في وحدتها على الاتصال لأنه بمجرد الوهم من غير انقسام بالفعل وكذا ما يتوهم من تكثرها باعتبار نسبتها إلى المحركات فإنه لا يبطل وحدتها الاتصالية كما يتوهم بحركة الفلك مع اتصالها انقسامات بسبب الشروق والغروب والمسامتات فإن قيل إن أريد الحركة بمعنى القطع أعني الامتداد الموهوم فلا وجود لها في الخارج أو بمعنى الكون في الوسط أعني الحالة المستمرة الغير المستقرة فهو أمر كلي والواقع بهذا المحرك جزئي مغاير للواقع بذاك فلا تتصور حركة واحدة بالشخص واقعة بمحركين قلنا الظاهر هو الأول ومعنى كونه وهميا أنه بصفة الامتداد والاجتماع لا يوجد إلا في الوهم وإلا فأبعاضها المتوهمة موجودة في الخارج لكن على التجدد والانقضاء كالزمان لا على الاجتماع والاستقرار كالخط مثلا وهذا المجموع الوهمي قد يتحد بالشخص مع تعدد المحرك كالخط الواحد يقع بعض أجزائه بفاعل وبعضها بفاعل آخر لكن ميل الإمام الرازي إلى الثاني وقد حقق القول فيه بأن الحركة بمعنى التوسط بين المبدأ والمنتهى أمر موجود في الآن مستمر باستمرار الزمان ويصير واحدا بالشخص بوحدة الموضوع والزمان وما فيه وإذا فرضت للمسافة حدود معينة فعند وصول المتحرك إليها يعرض لذلك الحصول في الوسط إن صار حصولا في ذلك الوسط وصيرورته حصولا في ذلك الوسط أمر زائد على ذاته الشخصية وهي باقية عند زوال الجسم من ذلك الحد إلى حد آخر وإنما يزول عارض من عوارضها وليس الحصول في الوسط أمرا كليا يكون له كثرة عددية لأن ذلك إنما يكون لو كان في المسافة كثرة عددية حتى يقال الحصول في هذا الحد من المسافة غير الحصول في ذلك وليس كذلك لأن المسافة متصل واحد لا أجزاء لها بالفعل فالحركة فيها عند اتحاد الموضوع والزمان لا تكون إلا واحدا بالشخص وإن أمكن فرض الأجزاء فيه كالخط الواحد وذلك لأن المعتبر في الكلية إمكان فرض الجزئيات لا الأجزاء وهو غير ممكن ههنا ثم قال هذا ما عندي في هذا الموضع المشكل العسر وأنت خبير بما بين طرفي كلامه فإن قيل كيف جاز الاكتفاء بوحدة الموضوع والزمان وما فيه في الوحدة الشخصية دون النوعية حيث احتيج إلى اعتبار وحدة ما منه وما إليه أيضا قلنا لأن المعتبر في وحدة الحركة بالشخص وحدة هذه الأمور بالشخص وفي وحدتها النوعية وحدتها بالنوع وظاهر أن وحدة ما فيه بالشخص تستلزم وحدة ما منه وما إليه ووحدته بالنوع لا تستلزم وحدتهما بالنوع كما في النمو مع الذبول والتسخن مع التبرد والتسود مع التبيض ونحو ذلك بقي ههنا بحث وهو أن تنوع الحركة وما فيه وما منه وما إليه ظاهر في الكم والكيف والوضع فإن المقادير العارضة لبدن الإنسان من الطفولية إلى الكهولة مثلا أنواع مختلفة وكذا ألوان العنب وأوضاع الفلك وأما في الاين فمشكل لأنهم يجعلون الحركة الصاعدة والهابطة بين نقطتين معينتين من الأرض والسماء مختلفتين بالنوع لاختلاف ما منه وما إليه دون ما فيه والحركة من نقطة إلى نقطة على الاستقامة وأخرى بينهما على الانحناء مختلفتين بالنوع لاختلاف ما فيه دون ما منه وما إليه والحركة على الاستقامة يمنة ويسرة فرسخا أو أكثر متفقة بالنوع لعدم الاختلاف في شيء من الأمور الثلاثة فلم يعتبروا في هذا الاتفاق والاختلاف بحال طبائع الأجسام المحيطة بالمتحرك بل بحال الأيون أنفسها وظاهر أن كون الاين الذي للحجر في أسفل الهواء مخالفا بالنوع للأين الذي في أعلاه وكون الأيون التي في الأوساط متفقة بالنوع تحكم إذ لا تفاوت إلا بالقرب من المركز أو المحيط وهو أمر عارض ولو أخذ مجموع المعروض والعارض وجعل نوعا فمثله ثابت في الأوساط غايته أنه لا يكون على تلك الغاية من القرب والبعد وكذا الكلام في الأيون التي تترتب على استقامة المسافة أو انحنائها والتي تترتب على الاستقامة يمنة ويسرة فإن الاختلاف النوعي والاتفاق فيها مما ليس بظاهر وغاية ما يمكن في ذلك أن الحركة لما انطبقت على المسافة التي هي امتداد متصل وقد تقرر عندهم أن المستقيم والمنحنى نوعان من الكم كالاستقامة والانحناء من الكيف جعلوا الحركة أيضا كذلك ولهذا توصف هي أيضا بالاستقامة والاستدارة وهذا بخلاف الزمان المنطبق على الحركة لأنه واحد لا يعرض له التكثر والانقطاع بالفعل وأما في الصعود والهبوط فذكر الإمام أن الطرفين وإن لم يختلفا بالماهية لكنهما اختلفا بالمبدأية والمنتهية وهما متقابلان تقابل التضاد وهذا القدر كاف في وقوع الاختلاف بين الحركتين ويرد عليه أن هذا جار في كل حركة من مبدأ إلى منتهى مع الرجوع عنه إلى ذلك المبدأ إلا أن يقال لما كان مبدأ الصعود والهبوط ومنتهاهما في جهتين حقيقتين لا يتبدلان اصلا فلا يصير العلو سفلا أو بالعكس بخلاف سائر الجهات اعتبر ذلك ولهذا لا يمكن اعتبار الصاعدة هابطة أو بالعكس بخلاف الحركة يمنة ويسرة ( قال وأما أن وحدتها الجنسية ) ذكروا أن الوحدة الجنسية للحركة إنما تكون بوحدة ما فيه جنسا أعني المقولة حتى أن الحركة في الكم مع الحركة في الكيف والأين والوضع أجناس مختلفة وحركة النمو والذبول والتخلخل والتكاثف جنس واحد وكذا في الكيف وغيره وصرح الإمام بأن اتحاد حركات المقولة الواحدة اتحاد في الجنس العالي ثم يتناول على ترتيب أجناس المقولة مثلا الحركة في الكيف جنس عال وتحته الحركة في الكيفية المحسوسة وتحتها الحركة في المبصرات وتحتها الحركة في الألوان وعلى هذا القياس ولا خفاء في أن هذا إنما يصح إذا لم يكن مطلق الحركة جنسا لما تحته بل يكون مقولية الحركة على الأربع بالاشتراك اللفظي فلا يتحقق مطلق شامل أو بالتشكيك فيكون المطلق عرضيا للأقسام لا ذاتيا والأول باطل يمثل ما مر في الوجود كيف والتغير التدريجي الذي هو حاصل قولهم كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة مفهوم واحد يشمل الكل وأما الثاني أعني التشكيك فذهب إليه الكثيرون تمسكا بأن الحركة كمال أي وجود الشيء لشيء من شأنه ذلك والوجود مقول بالتشكيك ورد بأن الكبرى طبيعية لا كلية لأن المقول بالتشكيك مفهوم الوجود لا ما صدق هو عليه من الأفراد ومنعه آخرون لأنه لا يتصور كون بعض أقسام الحركة أولى أو أقدم أو أشد في كونها حركة بل لو أمكن نفي الاتصاف بالوجود كالعدد يكون لبعض أقسامه تقدم على البعض في الوجود لا في العددية فيكون التشكيك عائدا إلى الوجود فإن قيل على تقدير التواطؤ لا يثبت الجنسية لجواز أن يكون عارضا كالماشي قلنا هذا مع أنه بعيد غير مقيد أما البعد فلأنه لا يعقل من الحركة في الكيف مثلا إلا تغير على التدريج من كيفية إلى كيفية وأما عدم الإفادة فلأن القول بأن الوحدة الجنسية يتوقف على وحدة ما فيه إنما يتم إذا ثبت عدم جنسية مطلق الحركة ولا يكفي عدم ثبوت الجنسية وقد يقال لو كانت الحركة جنسا لأقسامها لزادت المقولات على العشر لأنها لا محالة يكون جنسا عاليا بل ربما يكون فوق المقولات الأربع فيبطل كونها أجناسا عالية ويجاب بالمنع لجواز أن يكون من مقولة أن ينفعل على ما سبق مع وقوعها في المقولات الأربع بالمعنى الذي ذكرنا وإنما يلزم ما ذكر لو كانت الحركة الواقعة في الكم من الكم وفي الكيف من الكيف وفي الأين من الأين وفي الوضع من الوضع فإنه يمتنع حينئذ كون مطلق الحركة مندرجة تحت شيء من المقولات العشر لامتناع تداخلها نعم لو أريد أن الوحدة الجنسية لما يصدق عليها إنها بعض أقسام الحركة إنما يكون بالوحدة الجنسية لما فيه الحركة لكان وجها ولا ينافيه كون مطلق الحركة جنسا ( قال وأما تضادها ) لا خفاء في أن اختلاف أحوال الحركة إنما يكون لاختلاف متعلقاتها فتضاد الحركة ليس لتضاد المتحرك لأنه جسم ولا تضاد فيه بالذات ولو اعتبرنا التضاد بالعرض فقد يكون متضادا بالعرض فقد يكون متضادا مع تماثل الحركتين كحركة الحار والبارد مثل النار والماء إلى العلو وقد يكون واحدا مع تضاد الحركتين كحركة جسم من العلو إلى السفل وبالعكس أو من البياض إلى السواد وبالعكس أو من غاية نموه إلى ذبوله وبالعكس أو من انتصابه إلى انتكاسه وبالعكس ولا لتضاد المحرك لتماثلها مع تضاد المحركتين كما في الحركة الصاعدة للحجر والنار بالقوة القسرية والطبيعية المتضادتين وتضادها مع اتحاد المحرك كما في حركة الجسم صعودا وهبوطا بالإرادة أو بالقسر ولا لتضاد الزمان لأنه ليس فيه اختلاف ماهية فضلا عن التضاد ولو فرض فتضاد العوارض لا يوجب تضاد المعروضات ولا لتضاد ما فيه لأن الصعود والهبوط متضادان مع اتحاد ما فيه وكذا التسود والتبيض عند اتحاد الطريق فتعين أن يكون تضاد الحركة لتضاد ما منه وما إليه وتضادهما قد يكون بالذات كما في الحركة من السواد إلى البياض وبالعكس ومن غاية النمو الذي في طبيعة الجسم إلى غاية الذبول وبالعكس ومن الانتصاب إلى الانتكاس وبالعكس وما يقال أنه لا تضاد في الحركة الوضعية فمختصة بالمستديرة وقد يكون بالعرض كما في الحركة الصاعدة مع الهابطة بحسب ما بين مبدائهما من التضاد بعارض كون أحدهما في غاية القرب من المركز والبعد من المحيط والآخر بالعكس وكذا المنتهى فإن قيل قد ذكروا أن تضاد العارض لا يوجب تضاد المعروض فكيف أوجب تضاد عارض بعض ما يتعلق به الحركة تضاد الحركة مع أن هذا أبعد قلنا مرادهم أن ذلك بمجرده وعلى إطلاقه لا يوجب تضاد المعروض وأما إذا كان بخصوصه بحيث يوجب صدق حد الضدين على المعروض أو على ما يتعلق به فلا استبعاد وههنا قد صدق بتضاد الطرفين حد الضدين على الحركتين لأنهما أعني الصاعدة والهابطة أمران وجوديان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد من جهة واحدة مع كونهما نوعين من جنس بينهما غاية الخلاف وهذا بخلاف الحركة المستقيمة من نقطة من المسافة إلى نقطة مع الرجوع عنها إلى الأولى لا بطريق الصعود والهبوط فإنهما نوع واحد وبخلاف المستقيمة والمنحنية أو المنحنيتين وإن كانت إحداهما فوق والأخرى تحت فإنهما ليستا على غاية الخلاف لأن بين كل نقطتين قسيا غير متناهية والعظمى أشد انحناء فأشد مخالفة ولا يجوز أن يعتبر مطلق الانحناء لأنه لا يوجد في الخارج إلا في ضمن معين وكل معين يوجد فما فوقه أشد مخالفة منه وههنا مواضع بحث
الأول أن القوس التي تماس محدب الفلك المحيط في غاية الخلاف فالحركة عليها ينبغي أن تكون ضد الحركة المستقيمة لصدق الحد بجميع شرائطه
الثاني أن الصاعدة والهابطة المستقيمتين أيضا قد لا تكونان على غاية الخلاف كالصعود من وجه الأرض إلى النار والهبوط منها إليه لظهور أن الصعود إلى الفلك أشد مخالفة لذلك الهبوط والهبوط إلى مركز الأرض أشد مخالفة لذلك الصعود
الثالث أن ظاهر كلامهم هو أن المعتبر في تضاد الحركتين تضاد مبدأهما وتضاد منتهيهما جميعا فالصعود والهبوط من المركز والمحيط إلى حيز من الهواء مثلا لا يكونان متضادين لاتحاد المنتهى وكذا الصعود والهبوط منه إلى المحيط والمركز لاتحاد المبدأ وقد صرح ابن سينا بأنه لا تضاد بين حركتي الماء بالطبع من فوق الهواء ومن تحت الأرض لأنهما ينتهيان إلى نهاية واحدة ولا يظهر لهذا سبب سوى ما ذكره الإمام وهو أنهما ليستا على غاية التباعد لأن البعد بين حركة النار وحركة الأرض أكثر من البعد بين صعود الماء من المركز وهبوطه عن المحيط وعلى هذا لا يتحقق التضاد في الحركات الاينية إلا بين الصعود من المركز إلى المحيط والهبوط من المحيط إلى المركز إذ فيما سوى ذلك لا يتحقق ما اعتبروه ههنا في التضاد من غاية التباعد وكون ضد الواحد واحدا وهم مصرحون بأن حركتي الحجر علوا وسفلا بالقسر والطبع متضادتان والجواب أن تضاد الحركة لتضاد ما منه وما إليه ليس من حيث الحصول فيهما إذ لا حركة حينئذ بل من حيث التوجه فيعتبر حال الجهة وجهتا العلو والسفل متميزتان بالطبع مختلفتان بالنوع متضادتان بعارض لازم هو غاية القرب من المحيط والبعد عنه بخلاف سائر الجهات
Translation
الجزء 100

CamQuran AI

Smart Islamic Assistant

Hello! I am CamQuran AI

Ask questions about the Quran, Hadith, Prophets, Aqeedah, and Islam. I answer from the CamQuran library data.

🕌
Adhan

It is time for prayer (Hayya 'alas-Salah)

⚠️ Your browser needs a tap to play sound